فكر توفيق الحكيم في ميزان الإسلام

بحث مقدم إلى اللجنة العلمية الدائمة لقسم الدعوة والثقافة الإسلامية

بجامعة الأزهر

 

إعــداد

دكتور / علي سيدأحمد السيد الفرسيسي

الأستاذ المساعد بقسم الدعوة والثقافة الإسلامية

بكلية أصول الدين والدعوة بالمنوفية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمــة

-نسأل الله التوفيق-

 

 

المقدمــة

   الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعــد ،،،

   فبتكليف كريم من اللجنة العلمية الدائمة لقسم الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف ، قمت بإعداد هذا البحث، والذي جاء تحت عنوان :

(( فكر توفيق الحكيم في ميزان الإسلام ))

   ومما لا شك فيه أن لهذا الموضوع أهمية كبيرة، حيث إنه يستهدف تقييم فكر رجل له شهرته في عالم الصحافة والأدب المعاصر، وقد أتاح له عمره المديد الذي ناهز التسعين عاماً ، وإنتاجه الغزير الذي تجاوز المائة مؤلف تنوعت ما بين كتب فكرية، وسيرة ذاتية، وروايات مسرحية، وقصص قصيرة، ترجم أكثرها إلى اللغات الأجنبية ، وبالتالي فقد انتقل بهذه الترجمة فكره إلى خارج حدود الأمة العربية ليكتسب الصبغة العالمية، كما أن أغلب أعماله قد تحولت إلى أفلام سينمائية، ومسلسلات تليفزيونية وإذاعية ، وبالتالي فقد غزت مضامينها كثيراً من بيوتنا ، وانتقلت أفكاره إلى كثير من عقول شبابنا ، كل هذا جعل من توفيق الحكيم نجماً من نجوم الصحافة المصرية، ورائداً من رواد المسرح العربي، كما يطلق عليه أهل هذا الفن ، وبالتالي فإن الكشف عن الملامح الفكرية لهذا الرجل ووضع هذا الفكر في ميزان الإسلام إنما هو من أهم ما يجب أن ينشغل به من شرفهم الله تعالى برفع راية الإسلام ، وتحمل أمانة الدعوة إلى الله .

 

   منهجي في هذا البحث :

   وقد سلكت في هذا البحث مناهج البحث العلمي المعروفة ، فبدأت بالمنهج التتبعي حيث جمعت كل كتب الحكيم الفكرية وجل قصصه ومسرحياته ، وقرأتها قراءة جيدة ، جامعاً بين الأشباه والنظائر، واضعاً إياها في أُطر محددة، كما أنني قد سلكت المنهج الوصفي ، وذلك بعرض ما كتبه الحكيم مما يكشف عن آفاق فكره ، ووصفه أمام القارئ ، ثم سلكت المنهج التحليلي ، وذلك وفق منهج الإسلام العظيم ، كما أنني قد التزمت في الحكم على فكر الحكيم بالإنصاف الكامل ، فلم أحكم عليه حكماً إلا من خلال كلامه الواضح الصريح ، فلم أحمل كلامه غير ما يحتمل ، أو حتى أكثر مما يحتمل ، كما أنني في هذا البحث كنت حريصاً على الكشف عن المراحل الفكرية المختلفة لتوفيق الحكيم ، فأُبرز ذلك كلما وجدت أن الرجل قد غير فكره تجاه موضوع معين في مراحل عمره المختلفة .

    ومما يجدر التنبيه إليه أن هذا البحث ليس حكماً على توفيق الحكيم، وإنما هو حكم على فكره ، وتقييم له وفق ميزان الشريعة الإسلامية .

 

خطـة هذا البحث :

   وقد اقتضت طبيعة هذه الدراسة أن أقسمها إلى أربعة مباحث مسبوقة بمقدمة متبوعة بخاتمة .

   أما المقدمة : فقد بينت فيها أهمية الموضوع ، ومنهج البحث فيه ، وخطة الدراسة .

   أما المبحث الأول : فقد جاء تحت عنوان " التعريف بتوفيق الحكيم" وهو يشتمل على خمسة مطالب ، على النحو التالي :

المطلب الأول : التعريف بعصره .

المطلب الثاني : التعريف بأسرته .

المطلب الثالث : أهم روافده الفكرية .

المطلب الرابع : أهم سماته الشخصية .

المطلب الخامس : أهم مناصبه ومؤلفاته .

المبحث الثاني : وجاء تحت عنوان " الفكر العقدى لدى توفيق الحكيم في ميزان الإسلام " ويشتمل على أربعة مطالب :

المطلب الأول : فكره المتعلق باليهودية والنصرانية في ميزان الإسلام.

المطلب الثاني : فكره في ميدان الألوهية في ميزان الإسلام .

المطلب الثالث : فكره في عالمي الملائكة والشياطين في ميزان الإسلام.

المطلب الرابع : نظريته في التعادلية في ميزان الإسلام .

المبحث الثالث : فهو تحت عنوان "فكر توفيق الحكيم في ميدان الشريعة الإسلامية في ميزان الإسلام " .ويشتمل على ثلاثة مطالب :

المطلب الأول : دعوته إلى تطوير الشريعة الإسلامية في ميزان الإسلام.

المطلب الثاني : دعوته إلى التوفيق بين الاشتراكية والإسلام في ميزان الإسلام.

المطلب الثالث : فكره في بعض المسائل التشريعية في ميزان الإسلام.

المبحث الرابع:  وجاء تحت عنوان " فكر توفيق الحكيم تجاه العرب ولغتهم في ميزان الإسلام " ويشتمل على مطلبين :

المطلب الأول : فكره تجاه العرب في ميزان الإسلام .

المطلب الثاني : فكره تجاه العربية في ميزان الإسلام .

وأما الخاتمة : فتشتمل على أهم نتائج البحث ، كما تشتمل على فهرسين ، أحدهما للمراجع وثانيهما للموضوعات .

   وأخيراً فإني أسأل الله تعالى أن يتقبل هذا الجهد مني ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .

د / علي سيدأحمد الفرسيسي

 

 

المبحث الأول

التعريف بتوفيق الحكيم

*******

   تمهيـد :

    في هذا المبحث نتناول –بمشيئة الله تعالى- التعريف بالعصر الذي ولد فيه توفيق الحكيم ، وبأسرته التي وُلد منها ونشأ فيها ، وبروافده التي كونت فكره وصبغت ثقافته ، وبأهم سماته الشخصية ، وملامحه الذاتية ، ولهذا سيجئ هذا المبحث متضمناً خمسة مطالب :

 

المطلب الأول : التعريف بعصر توفيق الحكيم .

المطلب الثاني : التعريف بأسرته .

المطلب الثالث : أهم روافده الفكرية .

المطلب الرابع : أهم سماته الشخصية .

المطلب الخامس : أهم مناصبه ومؤلفاته .

 

 

المطلب الأول

التعريف بعصر توفيق الحكيم

*******

    ولد حسين توفيق إسماعيل الحكيم في يوم 9/ 10 / 1898م، وتوفى في يوم الأحد الموافق 26/7/1987م ، أي أن الرجل عاش قرابة التسعين عاماً ، وفي خلال هذه الأعوام التسعين مرت مصر والعالمين العربي والإسلامي بأمواج من التغيرات السياسية والفكرية والثقافية ، وأولى هذه التغيرات وقوع مصر تحت نير الاستعمار الإنجليزي عام 1882م ، ثم قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914م ، وتآمر الدول الاستعمارية الكبرى لإضعاف الدولة العثمانية ، وإصدار "بلفور" وزير الخارجية البريطاني وعده الشهير بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، ثم القضاء نهائياً على الدولة العثمانية ، وإلغاء الخلافة الإسلامية في عام 1924م ، ثم قيام الحرب العالمية الثانية عام 1945م ، ثم نكبة فلسطين وهزيمة الجيوش العربية أمام العصابات الصهيونية وإعلان قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين الإسلامية عام 1948م ، ثم تلا ذلك قيام ثورة يوليو في مصر عام 1952م ، وتحويل مصر من ملكية إلى جمهورية ، وما تلا ذلك من العدوان الثلاثي على مصر الذي قامت به إنجلترا وفرنسا مع إسرائيل رداً على تأميم عبدالناصر لقناة السويس عام 1956م، ثم جاء عام 1967م ليحمل أكبر هزيمة لمصر والدول العربية على يد إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية ، واحتلال مساحات شاسعة من فلسطين ومصر وسورية والأردن من قبل القوات الإسرائيلية، ثم وفاة جمال عبدالناصر عام 1970م، ليخلفه الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والذي قاد معركة العاشر من رمضان عام 1973م ، وقد استطاعت فيها القوات العربية المصرية والسورية أن تحقق نصراً قوياً على القوات الإسرائيلية ، وأن تحطم القوات المصرية خط بارليف الحصين، وتحرر أغلب أرض سيناء من القوات الإسرائيلية ، ثم قيام السادات بعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل  في عام 1978م ، والذي تلاه في نفس العام انعقاد مؤتمر القمة العربي في بغداد، والذي كان من قراراته رفض ما فعله السادات ومقاطعة أغلب الدول العربية لمصر، ونقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس، ثم مقتل السادات في حادث المنصة الشهير في السادس من أكتوبر عام 1981م ليخلفه الرئيس محمد حسني مبارك ، والذي

مات في عهده توفيق الحكيم في عام 1987م .

  ولاشك أن هذه الأحداث السياسية – في تلك الحقبة الطويلة- كان لها أسبابها وآثارها على كافة المستويات الاجتماعية والفكرية ، والدينية والثقافية .

 

    فعلى المستوى الاجتماعي– وبعد ثورة 1919-: قويت الدعوة التي قادها قاسم أمين، والتي نادى فيها بإخراج المرأة من بيتها إلى ميادين العمل والتعليم، وحثها فيها على السفور وخلع الحجاب، وتبنت هذه الدعوة بعد قاسم أمين جمعيات نسائية ، برزت فيها زعيمات من أمثال : الملكة نازلي والدة الملك فاروق، وهدى شعراوي، وسيزا النبراوي ، وغيرهن ممن سرن على دربهن([1]).

    كما ظهرت لأول مرة الدعوة إلى العلمانية ، وفصل الدين عن شئون الحكم والدولة على يد أحد علماء الأزهر ، وأحد القضاة الشرعيين وهو "علي عبدالرازق" في كتابه المشهور "الإسلام وأصول الحكم" .

 

    ثم ظهر كذلك من يدعو إلى المبادئ الشيوعية ، وتطبيقها في مصر "فتشكل الحزب الاشتراكي المصري عام 1921م ، ثم الحزب الشيوعي المصري عام 1922 ، ولكن سرعان ما قامت حكومة سعد زغلول الوفدية عام 1924م بالتنكيل بالحزب الشيوعي المصري وإلغاء وجوده العلني ، فأصدرت فتوى من شيخ الإسلام بالأستانة ضد الاشتراكية والبلشفية يقول فيها : " يشمل الدين الإسلامي من الأحكام الآساسية ما يناقض جميع المسالك الاشتراكية وخاصة البلشفية التي هي عبارة عن شكل خطر لها ، لأن من شأنها الإخلال بالملكية الشخصية وحقوق التصرف فيها "([2]).

 

   وفي مواجهة هذه التيارات قامت جهود دعوية إسلامية من داخل الأزهر الشريف ومن خارجه، سواء على مستوى الدعاة أو على مستوى ظهور بعض الجماعات الإسلامية، وبعض الطرق الصوفية المعتدلة، ولقد حاول كل تيار من هذه التيارات أن يقترب من السلطة، أو يعمل على الوصول إليها رغبة في نشر مبادئه ، وتطبيق منهجه، كما ساعدت على احتدام تلك المعركة الفكرية والثقافية -داخل مصر وغيرها من الأقطار العربية-  وسائل الإعلام الحديثة من صحافة وإذاعة وتليفاز ، ولقد لعبت هذه الأجهزة الدور الأخطر في تشكيل الوجدان والعقلية المصرية والعربية ، ولاسيما بعد ازدهار المؤسسات الراعية والداعمة لما يُعرف بفنون التمثيل والمسرح والسينما، والتي نشأت في مطلع القرن العشرين، وفي هذه الأجواء ، وبين تلك التيارات المتعارضة ، والأحداث المتتابعة وُلد ونشأ وتثقف ثم كتب وألف توفيق الحكيم.

 

 

 

المطلب الثاني

التعريف بأسرة توفيق الحكيم

******

   إن مما لاشك فيه أن أثر الوالدين في التكوين العقلي والوجداني لأبنائهما لا يدانيه أثر ، وقد قال الله تعالى : } وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ { ([3]).

   وأول ما يسمع الإنسان في هذه الحياة صوت والديه، وأول صورة يبصرها هي صورتهما ، وإذا كان الإنسان هو ذلك المزيج من تلك النطفة الناشئة عن الالتقاء بين ذكر وأنثى في حياته المادية ، بما تحمله تلك النطفة من صفات مادية ونفسية ، فإن هذا الأثر لا يتوقف ولا يقل بلحظة ميلاد الإنسان ، وإنما يمتد ويتزايد، فالوالدان هما اللذان يخطان أولى السطور في تلك الصفحة البيضاء في قلب وعقل أبنائهما ؛ ولهذا قال e : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "([4]).

   فالأم هي المدرسة الأولى التي تعتمد الوليد بلا أوراق وهي التي يتلقى فيها الوليد تربيته وتعليمه ، وكذلك الأب فهو المربي والراعي والقدوة والأسوة، فمنهما يستقي الولد معلوماته ، ويكون تصوراته ويحدد اتجاهاته ، وإذا كان الأمر كذلك فماذا عن شهادة توفيق الحكيم عن أمه وأبيه ؟

   يبين توفيق الحكيم في كتابه "سجن العمر " أن جده لأمه قد مات ، وترك جدته ولها بنتان ، الكبرى وهي خالة توفيق الحكيم الوحيدة ، وبينها وبين أمه "أسماء بنت سليمان" ستة من الأولاد ماتوا جميعاً "([5]).

   وعن هذه الخالة يقول : " أما الأخت الكبرى لأمي وكانت أمية لا تقرأ ولا تكتب بل ولا تحسن غير التفكير في الخرافات الشائعة بين نساء جيلها، كانت على غرار أمها جدتي، ولعل هذا السبب كان السر في فرار زوجها المتعلم الأريب إلى مجالس السهر والسُكر والظرفاء والأدباء "([6]).

   ويصف الحكيم أمه بأنها كانت ذات عينين زرقاوين مما يشير بأنها كانت من أصول غير مصرية ، أو كما كانت تزعم هي دائماً من أصول تركية ([7]).

   وعن العلاقة بين خالته وأمه يقول الحكيم : " ولم أر قط -منذ وعيت- الأختين على وفاق، كانت الخصومة والمقاطعة بينهما هي الحياة العادية ، أما لحظات الصلح فكانت عابرة كسحب الصيف لا يصدق إمكان بقائه الطرفان، وهل يمكن أن يقوم برد وسلام بين نار ونار ؟ لن أنسى أبداً حيرة جدتي المسكينة بين ابنتيها المتخاصمتين على الدوام ، كان لا هم لها ولا شاغل إلا التوفيق بينهما دون جدوى "([8]).

   وإذا كان الحكيم بهذه الكلمات قد صور لنا العلاقة بين أمه وأختها الوحيدة، فإنه يصف لنا بعد هذا أمه بأنها كانت حادة الطبع ، صُلبة الرأي، وليس أدل على ذلك من أنها حين تقدم إليها إسماعيل الحكيم لخطبتها -عن طريق بعض نساء أسرته – وقرضوا لها مهراً ضئيلاً ، فما كان من الأم إلا أن رفضت، وطردت أهل العريس([9]). ثم يبين الحكيم ما كان بعد هذا بقوله : " ولكن البنت الراغبة أرسلت خلفهم خفية خادمة لها تقول لهم سراً : أن ارجعوا فالأم قد قبلت ، ولم يسع الأم إلا النزول آخر الأمر على إرادة ابنتها المُصِرة ، ولم ينفع التعنيف ولا التقريع، لكن ما من شئ كان يقف أمام إرادة والدتي إذا طلبت شيئاً وصممت عليه فلابد أن تناله ، وإن لها لمقدرة عجيبة في إخضاع جميع من معها لإرادتها، كان هذا شأنها مع أمها وزوج أمها وأولاده جميعاً، ثم زوجها فيما بعد ، لم يقف أحد في وجهها إلا أختها، ولهذا خاصمتها وعادتها طول العمر " ([10]).

   ويمضي الحكيم بعد هذا ليحدثنا عن بُعد آخر في شخصية أمه وهو الإحساس بالتميز والتباهي على أبيه حيث يقول : " كانت أمي تقول لي دائماً: أنا أذكى من أبيك، أنا أسرع فهماً من أبيك "([11]).

    وإذا كانت أم الحكيم تغرس في نفوس أبنائها أنها أفضل من أبيهم، وأذكى منه فقد غرست في نفوسهم كذلك أنها من أصول تعود إلى الصوفي الزاهد "أبي يزيد البسطامي" ، ولهذا كانت لا تحلف إلا به ، وتعلم أبناءها ذلك ، يقول الحكيم : " ما كان عند أمي قسم أغلظ ولا أهم من القسم "بسيدي البسطامي"، هكذا كانت تعلمني وأنا صغير ، وربما كان قول يحتمل الكذب عندها إذا قلت "وحياة النبي" ، أما إذا قلت "وحياة سيدي البسطامي" فما كان يغتقر لي أن أحنث به كان لابد لقولي أن يكون صادقاً ، وإلا فهو الجُرم في نظرها الذي لا جُرم بعده "([12]).

   وسنرى لهذا أثراً فيما بعد في فكر الحكيم، فهو مثلاً حين يُهدي كتابه "عصفور من الشرق " يقول : "  إلى حاميتي الطاهرة السيدة زينب "([13]).

   ولا ريب أن اعتقاده بأن السيدة زينب –رضي الله عنها- هي حاميته اعتقاد فاسد تأثر فيه بما سمعه في طفولته الأولى من أمه، وبالإضافة إلى هذا فإن توفيق الحكيم يكشف بعداً آخر في شخصية أمه وهي : القسوة عليه وعلى أخيه زهير ، إلى حد أنها كانت تؤثر نفسها دونهم بالحلوى وهي مريضة، يقول الحكيم : " وكانت أمي تحب الحلوى وتأكلها بعد وجبة الغداء ، وتقول لي عندما أمد يدي إليها بخوف ورجاء إنها أيضاً دواء وصفه لها الطبيب، ولكن يظهر أني لم أعد أقنع بهذا القول ، فكانت إزاء وقفتي الطويلة المستجدية كشحاذ صغير يلتمس الحسنة ، تلقي إلي بقطعة منها قائلة : "خد وروح في داهية"، فإذا جاء موعد الغداء التالي ذهبت إليها أمد يدي وأقول: أعطيني واحدة وقولي لي رح في داهية . أما أخي الأصغر فإنه عندما كبر قليلاً لم يكن يمد يده بالسؤال ، بل كان يقتحم ويخطف من يدها خطفاً ما يراه قبل أن يختفي في فمها ، فعمدت إلى غلق حجرتها عليها بالمفتاح عندما تتناول حلواها تحاشياً من هجومه وخطفه، لكنه كان أحرص وأمكر، فما كاد موعد الوجبة يقترب حتى يكون هو أسبق إلى الحجرة يختفي تحت فراشها ويتربص بها حتى إذا أغلقت بابها ، واطمأنت وأخرجت الحلوى ودنت بها من فمها ، خرج هو من مكمنه منقضاً خاطفاً ناهباً كالصقر لا يفلت منه شئ"([14]).

   وهكذا يصور الحكيم معاملة أمه له ولأخيه، وكم يعجب الإنسان حين يقرأ ذلك، ولكن هذه هي شهادة الرجل على أمه، ويبدو أن حب هذه المرأة لنفسها قد غلب على حبها الفطري والطبيعي لأبنائها .

   وماذا عن الجانب الديني في حياة هذه المرأة ؟

  عن هذا يقول الحكيم : " أما والدتي فهي الإيمان المطلق بالله بكل عواطفها الجياشة، ولا شئ غير ذلك، ولكنها ترى الله دائماً في خدمتها هي وفي جانبها هي ولا تتصور الله في جانب آخر "([15]).

    وهذا الاعوجاج الذي صوره في تدين أمه وفهمها أن الله تعالى في جانبها دائماً يؤكد على معنى الجهل الواضح في فهم الإسلام الحقيقي لدى هذه الأم، كما يؤكد على رسوخ الشعور بالأنانية في نفسها إلى درجة أنها لا تتصور أن يكون الله مع غيرها، وإلى جانب ما سبق من وصف الحكيم لأمه فإنه يضيف أن أمه هذه كان لها الفضل في أن حببت إليه القصص الشعبي منذ فترة طفولته ، والتي كانت مولعة بقراءتها وخاصة في فترة مرضها ، وفي هذا يقول : " على أن الذي جعلني أعيش القصص بكل وجداني على نحو أعمق طول رُقاد والداتي فقد اضطرها إلى شغل الوقت بقراءة قصص ألف ليلة وليلة ، وعنترة، وحمزة البهلوان ، وسيف بن ذي يزن ونحوها ، كانت في أجزاء طويلة ما تكاد تنتهي من جزء حتى تقص علينا ما قرأت عندما نجتمع حول فراشها، كان يحلو لها ذلك ، فكانت تجيد سرد هذه القصص علينا ، لا تترك تفصيلاً إلا حاولت تصويره، فكنت أنا وجدتي نجلس إليها وكلنا آذان تصغي بانبهار، وأحياناً كان ينضم إلينا والدي بعد أن يفرغ من دراسة قضاياه، وكأنه أصيب بالعدوى منا، فإذا انتهى السرد بأبطال القصة في موقف لم يزدنا إلا اشتياقاً إلى البقية ، قالت والدتي : انتظروا حتى أقرأ الجزء التالي وتتركنا على أحر من الجمر ، ونحن نعيش بكل أرواحنا على أولئك الأبطال ننتظر العودة إليهم "([16]).

   وهكذا يرتبط الحكيم من هذه الفترة الباكرة في حياته بالقصص الشعبي الذي كان يستمع إليه من أمه ليبقى هذا الارتباط ملازماً للرجل طيلة حياته، وإذا كانت هذه هي أهم ملامح شخصية الأم كما وصفها توفيق الحكيم ، فماذا عن شخصية الأب ؟

   يخبرنا توفيق الحكيم أن والده إسماعيل الحكيم ، والذي جاهد وثابر حتى أتم تعليمه في مدرسة الحقوق ، وتخرج منها ليعين في السلك القضائي، وكانت له في تلك الفترة اتجاهات أدبية وميول سياسية، حيث كون هو وزميلاه أحمد لطفي السيد، وإسماعيل صدقي مجلة  في مدرسة الحقوق تسمى "مجلة الشرائع" ، كما يذكر أن والده كان له اهتمامات أخرى غريبة، منها مثلاً : أنه اخترع خلطة جديدة تصنع منها السجائر مأخوذة من السعتر وبعض الأعشاب المحلية، وقد أخبر بذلك العقاد توفيق الحكيم بعد هذا بسنين([17]).

   وعن الحالة الاقتصادية لوالده يقول الحكيم : " وكان والدي فقيراً ، كل اعتماده على مرتبه البسيط  في ذلك الوقت حقاً كان والده يمتلك في صفط الملوك بمديرية البحيرة نحو ثمانين فداناً ، لكن ما نفع ذلك ، والوالد له على ذمته أربع زوجات عدا المطلقات ، ولكل زوجة مطلقة أولاد منه بلغوا في مجموعهم عدداً كبيراً "([18]).

   وهذه الحالة من الفقر النسبي عند والد الحكيم جعلته لا يعنى بأي شئ ، ولا يهتم بأي أمر بعد شئون وظيفته إلا بالبحث عن لقمة العيش، وخاصة وأن له زوجة دائماً قلقة على مستقبلها ومستقبل عيالها المادي ، وليس أدل على هذا مما حكاه الحكيم عن أمه حين ذهبت إلى بيت زوجها في مدينة المحلة الكبرى بعد أن تزوجها في بيت أختها في الإسكندرية ، يقول : " ذهبت العروس إلى المحلة الكبرى، وما كادت تدخل بيت زوجها حتى صدمت حين سألت زوجها عن مرتبه الحقيقي ، فقال: عشرة جنيهات، فصرخت من الفزع، وقالت : فقط؟ إن أهله عند خطبتها قالوا : مرتبه أكثر من عشرين جنيهاً غير اللي يخش له ، فصاح فيها : يخش لي ؟ أنا وكيل نيابة أيمكن لوكيل نيابة نزيه أن يدخل له شئ غير مرتبه الرسمي ، ومع ذلك فالعشرة جنيهات مخصوم منها احتياطي المعاش، وهنا لطمت صدغيها كما قالت لي، وشعرت بالخوف من المستقبل ، فقد كانت ذات طبيعة متناقضة فيها جرأة وفيها خوف في نفس الوقت، جرأة على الناس وخوف على نفسها ، وجعلت تفكر طويلاً في طريقة تؤمن بها حياتها، قالت في سرها إذا مات هذا الرجل في اليوم التالي فماذا تصنع ؟ أما والدي فكان يرى الأمر طبيعياً ؛ لأن هذا هو الوضع بالنسبة إلى أكثر زملائه ، فقال لزوجته : احمدي ربك أني لم أتزوجك بعد تعيينى كاتباً "ظهورات" ؟ بخمسة جنيهات، كما فعل بعض الزملاء ، ماذا كنت ستفعلين   إذاً؟ "([19]). وفعلاً بدأت أم الحكيم في البحث عن مورد آخر يضمن لها ولأولادها استقراراً مادياً ، فاقترحت على زوجها بأن يبيع لها ما ورثت من أبيها وأن يقترض من البنك العقاري مبلغاً من المال ليتمكنوا من شراء إحدى العِزب ، واستجاب لها زوجها ومضى معها في طريق القروض من البنوك فهو يقترض قرضاً ثانياً ليسد به فوائد القرض الأول وهلم جرا "([20]).

   الأمر الذي انعكس في النهاية على نفسية زوجها والد الحكيم، ويصور هذا الحكيم بقوله: " كانت صورة والدي حقاً أقرب إلى الانطفاء ، أما تواليفه وتفانينه وفلسفته فإني أعجب أنها كانت له يوماً، فإن الأب الذي عرفته كان أبعد الناس عن كل هذه الأوصاف أترى مسئوليات القضاء والزواج والأسرة قد حطمت فيه كل شاعرية، ما الذي حدث له بالضبط ؟ أهو مجرد الزواج وأعبائه ، أهي والدتي بشخصيتها القوية الثائرة العنيفة المسيطرة وجهت مصير زوجها كما أرادت هي ؟ فحصرت نشاطه داخل الإطار العائلي المادي وحده ؟ " ([21]).

  ولكن ماذا عن الجانب الديني لإسماعيل الحكيم كما يبينه ولده توفيق؟

يبين توفيق الحكيم في كتابه "سجن العمر" أن أباه كان متديناً ، ويبين مظاهر هذا التدين وما كان يعتري أباه من شطحات عقلية في أمور عقدية بقوله : "لقد كان أبي متديناً يصلي الفرض ويصوم رمضان، ويحرص على إيقاظي عندما صرت شاباً لأتناول معه السحور، فكنت أتسحر معه في الليل وأفطر في الصباح دون أن يدري ، وعلى الرغم من تدينه هذا ما أن يفتح أمامه جدل عقلي في الجنة والنار مثلاً حتى ينساق في التأمل المنطقي والتفكير المجرد إلى أن يمس حافة الكفر .... ناقشته مرة في هذا الموضوع بعد عودتي من أوربا قائلاً له : هل هناك حقاً جنة ونار ؟ فجعل يقلب المسألة على وجوهها ويبحثها كأنها قضية من قضايا المحاكم نافذاً إلى الحكمة والعلة، وهل المقصود هو الترغيب والإرهاب أو أن المقصود جنة معنوية ونار رمزية، ويمضى يناقش الأمر مناقشة عقلية حرة إلى أن ينتهي من كل هذا إلى نتيجة تكاد تخالف نص القرآن، فيفطن فجأة إلى مزالق الكفر ، فيستعيذ بالله ويستغفر ويقوم إلى الصلاة، وعندما أقول له ضاحكاً : فيم هذه الصلاة وقد أنكرت الساعة ما جاء بكتاب الله ،يقول : لم أنكر شيئاً إنما كنت أفكر، الصلاة شئ وشطحات

التفكير شئ آخر "([22]).

    وهكذا يصف الحكيم تدين أبيه بالتناقض والسطحية، بينما يحرص على أداء الصلاة، وصيام رمضان، يناقش في حقيقة الجنة والنار ، كما يذكر عن أبيه أنه كان في شبابه يمرح ويسكر كما يفعل بعض الشباب في زمانه ، بل إنه دخل يوماً على زوجته وقد فاحت رائحة الخمر من فمه ، فصاحت في وجهه أنت سكران ؟ فأذهلته الصرخة ، ولم يعد قط إلى هذه الفعلة ([23]).

   والقارئ لكتابيه " سجن العمر " و " زهرة العمر" وهما يمثلان السيرة الذاتية لتوفيق الحكيم ، لا يكاد يرى أي تصريح له يبين فيه عناية والديه بتربيته تربية إسلامية ، أو اصطحاب أبيه له ذات يوم إلى أحد المساجد أو جلوسه إلى أحد العلماء ، أو انتخابه كتاباً من كتب العلم الشرعي يأمر ولده بقراءته ، أو غير ذلك مما يحرص على فعله الوالدان الملتزمان بشرع الله U ، وهكذا يصف الحكيم حال أبويه ، ويصور لنا شأنهما ، فبين أم أقرب إلى الجبروت والطغيان، والاهتمام بالحياة المادية ، وأب ضعيف مسكين مستسلم لزوجته ، قليل الحرص على أمر دينه وتربية أبنائه على أساسه، بين هذين الأبوين عاش الحكيم ، ومنهما استقى معلوماته، وعلى أساس ما شاهد منهما أسس بناءه العقلي والفكري ، ولو أن الحكيم –في صغره- كان يقيم في بلدة واحدة لربما عثر على روافد ثقافية أخرى من أصدقائه، أو زملائه، أو أساتذته أو أقاربه ، ولكن أباه وبحكم عمله " مسح خريطة القطر المصري طولاً وعرضاً على مدى أعوام قليلة "([24]).

   فالدارس لحياة توفيق الحكيم المتتبع لآرائه سرعان ما يدرك أن الرجل لم يُكون في صغره تكويناً إسلامياً صحيحاً يضمن له الاستقامة الفكرية في مستقبل حياته .

 

 

المطلب الثالث
أهم روافده الفكرية

******

   إن مما لاشك فيه أن فكر الإنسان هو حصيلة ما تعلمه في هذه الحياة، سواء أكان هذا التعليم مما سمعه ورآه من أبيه وأمه أو المحيطين به من أقاربه وأصدقائه وأساتذته،أو مما حصله عن طريق القراءة أو الرحلات، فكل هذه الأشياء هي المكونة لفكر الإنسان، الصانعة لعقليته، ولقد كشف توفيق الحكيم عن روافده الفكرية ، وينابيعه الثقافية التي اغترف منها في بداية حياته  ومطلع شبابه، وتأثر بها فيما كتب وصنف ، وأهم هذه الروافد ما يلي:

   أولاً : القصص والأساطير الشعبية :-

   سبق أن بينا أن بداية ارتباط الحكيم بالقصص الشعبية كان في مرحلة متقدمة من حياته حيث كانت أمه تقرأ ما يقع تحت يدها من قصص أبي زيد الهلالي، وألف ليلة وليلة وغيرهما ، ثم تقوم بحكاية هذه الروايات إلى أمها وولدها توفيق، وذلك في فترة مرضها، فلما شفيت الأم وشغلت بعملها جعل الحكيم يبحث له عن مورد جديد يروى من خلاله هذا الشغف الذي ربته فيه أمه، وفي هذا يقول : " وبدأت تظهر في السوق روايات أوروبية مترجمة بأقلام الشوام الذين حذقوا في اللغات ونشأوا في مدارس الرهبان ،  فتعلقت بها والدتي أيضاً وقصتها علينا، كما فعلت بسوابقها، كان لهذا ولاشك فضل كبير لوالدتي لا ينكر في تفنيط خيالي منذ الصغر ، وظل حالها معنا على هذا النحو إلى أن شفيت وغادرت الفراش، ثم اتجهت هي بعد ذلك إلى أمور معاشها، وشغلت بمشكلات الأطيان التي اشترتها، فانقطع عنا هذا المورد السهل الذي كان يغذينا بالقصص دون جهد منا ، على أني كنت قد بدأت أقرأ ، فلم أر بدٌّ من الاعتماد على نفسي، صرت أبحث عن القصص والروايات التي كنت أراها في يد والدتي، فأستخرجها من صناديق الأمتعة القديمة ، وأعكف على قراءتها بسرعة ، كلمة أفهمها وكلمة تستغلق على فهمي، لعل هذا ما ساعدني على إجادة اللغة العربية قبل الظفر بتعليم منتظم "([25]).

   ولقد اشتد ولع الحكيم بقراءة تلك القصص إلى الحد الذي دفع أباه إلى زجره ونهيه عن قراءتها، الأمر الذي دفعه إلى أن يدخل تحت السرير مستخفياً تحت ملاءته مصطحباً معه شمعة يستعين بضوئها على القراءة، وقد نسيها ذات مرة فتسببت في حريق بيتهم ([26]).

 

   ثانياً : كتب الأدب العربي :-

   وبعد هذه المرحلة وبالتحديد في المرحلة الثانوية من حياته بدأ الحكيم في التعرف على الأدب العربي، فقرأ للجاحظ وغيره من الأدباء والشعراء، وهو عن ذلك يقول : " من بين كتبي التي لم تفقد وأحتفظ بها حتى الآن كتاب "المحاسن والأضداد" للجاحظ ، لاشك أني اشتريته في ذلك العهد لأنه مكتوب عليه بخط يدي اسمي كاملاً والسنة الدراسية " سنة أولى ثانوي" على أن الفضل في هذا الاتجاه يرجع إلى مدرس للغة العربية كان معمماً ، إلا أنه عصري في تفكيره لم يشأ التقيد كغيره بالبرامج العتيقة ، فجعل يجيب إلينا الأدب العربي، ويجذبنا إليه بالإقلال من شعر المديح والحكم والمواعظ، التي كانت تثقل على قلوبنا الفتية والإكثار من شعر الغزل الرقيق للعباس بن الأحنف ، ومهيار الديلمي، وعمرو بن أبي ربيعة ومن شابههم ، وكان الفصل أغلبه من المراهقين والشبان اليافعين الملتهبين يضج بالإعجاب والاستحسان ويستعيد ويطالب بالمزيد، ويسأل عن المصادر ويدون في الدفاتر "([27]).

   ومن هذا يتبين أن حب توفيق الحكيم للأدب العربي لم يكن بوجه عام، وإنما كعادة كثير من الشباب في هذه المرحلة تعلق بشعر الغزل والوصف والعشق وما إلى ذلك .

 

   ثالثاً : السينما والمسرح :-

   من الروافد الثقافية التي أثرت تأثيراً كبيراً في تفكير الحكيم وثقافته ولعه الشديد بمشاهدة السينما ، والتي كانت في ذاك الوقت اختراعاً جديداً منتشراً بالقاهرة والإسكندرية، التي يقيم بها الحكيم مع والديه ملتحقاً بمدرستها الثانوية وعن هذا التعلق بالسينما يقول الحكيم : " وبينما أنا ذاهب إلى المدرسة إذ بإعلان السينما يلوح لي عن بعد كأنه شيطان ، كان معي خمسة قروش وفرتها من مصروفي فلم أستطع مقاومة الإغراء ، ودخلت الحفلة السينمائية في الساعة السادسة عقب الانصراف من المدرسة  وانتهت الحفلة في التاسعة، فما أن وصلت إلى المنزل في آخر الرمل حتى كانت العاشرة تدق مع دقي الباب، وفتحت لي والدتي شراعة الباب الزجاجية وأطلت منها دون أن تفتح لي وسألتني : أين كنت ؟ طبعاً في السينما ! فلما حاولت الإنكار طلبت مني إبراز القروش الخمسة التي تعرف أنها معي ، وهنا لم يسعني إلا الاعتراف بالحقيقة ، فما كان منها إلا أنها أغلقت في وجهي شراعة الباب وهي تقول : امكث في الشارع إلى أن يأتي أبوك ويتصرف في أمرك! وحضر والدي وعلم بالقصة فهاج وماج وأقسم أن أبقى كما أنا خارج البيت والويل لمن يفتح لي الباب "([28]).

 

   وبعد أن انتقل توفيق الحكيم إلى الدراسة الجامعية في القاهرة في صحبة أعمامه الشباب بعيداً عن رقابة أبيه ، اتجه مباشرة إلى مشاهدة المسرح وخاصة مسرح جورج أبيض([29]).

   وقد بلغ من شدة حرصه على مشاهدة المسرح وكثرة ذهابه إليه أن حفظ كثيراً من أدوار الممثلين في تلك المسرحيات، وهذا ما يؤكده بقوله : " أما أنا فكنت كغيري من هواة الفن الكثيرين شديد الإعجاب بجورج أبيض، أحفظ صفحات بأكملها من عطيل وأوديب ولويس الحادي عشر ألقيها بطريقتي مع بعض الهواة من الزملاء في أوقات الفراغ ، ولم يكن يعوقني عن حضور حفلاته بدار الأوبرا إلا النقود، فما أن أعثر على خمسة قروش في جيبي أصعد بها إلى أعلى التياترو حتى أسابق الريح إلى هناك ، وأعود في منتصف الليل ماشياً على قدمي من الأوبرا إلى شارع سلامة بالبغالة "([30]).

   وقد ظل هذا التعلق بالسينما والمسرح ملازماً لتوفيق الحكيم طيلة حياته، ولاسيما بعد أن نشط في مجال الكتابة الأدبية ، فكانت أغلب أعماله قصص ومسرحيات وروايات حتى اعتبره كثير من الكتاب في  هذا المجال رائـد المسرح الحديث ([31]).

 

   رابعاً : صحبة أهل الغناء والتمثيل :-

   هذا هو الرافد الرابع من الروافد التي استقى منها الحكيم ثقافته، وقد بدأ حبه لأهل الفن منذ مرحلة مبكرة من حياته حين التقى في بيت أسرته بإحدى العوالم المشهورات في ذاك الوقت، وهي "الأسطى حميدة" والتي كانت بعد هذا صديقة لأمه ، وهي أول من علمه العزف على آلة العود([32]). 

 ويحدثنا الحكيم أنه حين انتقل إلى القاهرة ليدرس في مدرسة الحقوق، قد تعرف في مسرح الأوبرا على "مصطفى ممتاز" الذي كان يكتب بعض المسرحيات لفرقة "أولاد عكاشة"،وتوثقت تلك الصلة بينهما حتى ألفا معاً مسرحية غنائية هي "خاتم سليمان" وقدماها إلى "زكي عكاشة" ليقوم بتمثيلها([33]).

   ولم يكن لدى توفيق الحكيم في تلك الفترة شئ أحب إليه من صحبة الممثلين والملحنين ومن إليهم ، وهو في هذا يقول : " وكانت صحبة أهل الفن لا تعدلها عندي صحبة حتى وإن لم يوجد عمل أو رواية تربطنا ، لم يكن يمضي على يوم وأنا في مصر قبل سفري إلا وأذهب إلى جوقة عكاشة أجالس الممثلين والملحنين "([34]).

   ويقول أيضاً : " وانغمرت بالطبع وسط الممثلين والمطربين، كنت ليل نهار بينهم ، وكانوا قد نزلوا في فندق متواضع بشارع البورصة مملوء بحانات البيرة "([35]).

   ولاشك أن مصاحبة أمثال هؤلاء الممثلين والمطربين والانغمار في وسطهم له آثاره على سلوك الإنسان وأخلاقه وعلى فكره وثقافته .

 

  الرافد الخامس : الثقافة الأوروبية وخاصة الفرنسية :-

   بدأت علاقة توفيق الحكيم بالثقافة الأوروبية منذ مرحلته الثانوية، فيذكر أنه في تلك المرحلة اشترى كتاباً ترجم للعربية حديثاً للفيلسوف " سبنسر" في الأخلاق([36]). وحين انتقل الحكيم إلى المرحلة الجامعية وبالتحديد في مدرسة الحقوق رسب في السنة الأولى في عدة مواد كان منها اللغة الفرنسية، الأمر الذي  اضطر أباه إلى أن يلحقه ببعض مدارس اللغات، وإحضار مدرسة لتقويته في اللغة الفرنسية ، ويذكر الحكيم أن هذه المدرسة أحسنت تعليمه اللغة الفرنسية ودلته على بعض الكتب التي يبدأ بقراءتها بتلك اللغة حتى أتقنها "([37]).

   ثم يقول : " سرت بعد ذلك على الدرب ومضيت وحدي بعد أن انتهيت من هذه المدرسة بانتهاء الصيف ... وصرت أشترى الكتب الفرنسية وأقرؤها، وبمعاونة القاموس الذي بجواري والرغبة التي في نفسي استطعت أن أتقدم في هذه اللغة تقدماً جعلني أقرأ منها كل ما أريد ، وصار همي أن أنظر في واجهات المكتبات الأفرنجية، وأقلب في الكتب والمجلات، وعثرت على مجموعة قديمة لمسرحيات "الفريد زي موسيه" زهيدة الثمن ، ومجموعة أخرى "لماريفو" ثم وجدت مجموعة من نحو عشرة أجزاء تعرض جملة بثمن لا يذكر لكتاب عنوانه "أربعون عاماً في المسرح" للناقد المشهور "فرانسسك سارسي" أعانني على الإلمام بحياة المسرح الفرنسي، وما عرض فيه من أدب مسرحي كلاسيكي ورومانتيكي وعصري، وهداني إلى ما كنت أجهل من تطورات هذا الأدب "([38]).

    وهكذا فتحت آفاق الثقافة الفرنسية أمام الحكيم فجعل ينهل منها كما يشاء ولاسيما فيما يتعلق بالفن المسرحي الفرنسي، وحين سافر توفيق الحكيم إلى باريس عام 1925م مبتعثاً من قبل أبيه لإتمام دراسته القانونية والحصول على درجة الدكتوراه، لم ينشغل الحكيم بالدراسة القانونية، ولم يأخذها مأخذ الجد ، وإنما عُنى بدراسة فن التمثيل والمسرح الفرنسيين، بل إنه يعتبر أن مرحلة ذهابه إلى باريس واضطلاعه على الثقافة الفرنسية هي المرحلة الحقيقية للثقافة الجادة –في رأيه- ، فهو يقول : " أما مرحلة التأليف الفعلي فإنها لم تبدأ عندي على نحو جاد إلا بعد سفري إلى أوروبا والارتشاف من منابع الثقافة الحقيقية ، والتكوين الحقيقي لبنيتي الفكرية "([39]).

   ومن هذا يتبين أن الحكيم يرى أن منابع الثقافة الحقيقية هي الثقافة الفرنسية، وأن هذه الثقافة هي التي كونت التكوين الحقيقي لبنيته الفكرية .

   ويذكر الحكيم في كتابه " زهرة العمر" بأنه كان مولعاً بزيارة المتاحف الفرنسية وخاصة متحف اللوفر في باريس، وأنه كان يقضي هناك الساعات الطوال متأملاً في لوحاته الفنية "([40]). فلا ريب أن الثقافة الفرنسية من أهم بل أهم ما كون البنيان الفكري لدى الحكيم .

 

   سادساً : الكتب الدينية :-

   وقد آثرت التعبير بالدينية دون الإسلامية؛ لأن الحكيم كان يتعامل مع القرآن الكريم تعامله مع غيره من الكتب الدينية كالعهد القديم والأناجيل الأربعة وغيرها من الكتب الدينية لأصحاب الديانات الوضعية، وله في ذلك رأي سأعرض له، وأحكم عليه عند الحديث عن فكره في ميدان العقيدة، وقد بين الحكيم نفسه هذا الأمر في حديثه عن مسرحيته "أهل الكهف" حين يقول : "هذا العمل على كل حال لا يخرج عن كونه مجرد استلهام أدبي فني لسورة قرآنية ترتل في المسجد يوم الجمعة، على أني لا أكتمك أني ساعة كتبتها لم أكن تحت تأثير القرآن وحده ، بل أيضاً تحت تأثير مصر القديمة، لقد كنت قرأت الكتب الدينية :كتاب الموتى، والتوراة ، والأناجيل الأربعة ، والقرآن "([41]).

 

   وفي تقديمه لمسرحية سليمان الحكيم يقول : " بنيت هذه القصة على كتب ثلاثة: القرآن والتوراة وألف ليلة وليلة ، وقد سرت فيها على نهجي في أهل الكهف، وشهرزاد ، وبيجماليون من حيث استخدام النصوص القديمة والأساطير الغابرة استخداماً يبرز صورة في نفسي لا أكثر ولا أقل "([42]).

   ولكن حين كتب الحكيم مسرحيته عن محمد e بين أنه رجع فيها إلى المصادر المعتمد من كتب السيرة والأحاديث الموثوقة على حد تعبيره([43]).

   وعلى أية حال فإن حظ الحكيم من الثقافة الإسلامية ليس بالحظ الموفور  -كما سيبدو ذلك في آرائه التي سنعرض لها في ثنايا البحث- .

 

   تلك هي أهم الروافد الفكرية والينابيع الثقافية التي شكلت فكر توفيق الحكيم، وصبغت ثقافته وجاءت أعماله المختلفة من مقالات وقصص ومسرحيات مترجمة لها ومعبرة عنها.

 

 

المطلب الرابع

ملامح شخصية الحكيم كما يبينها هو

********

   إن مما لاشك فيه أن لكل إنسان ملامحه الشخصية التي تميزه عن غيره، ويختلف بها عمن سواه من أبناء جنسه، ولا ريب كذلك في أن كل إنسان أعلم بنفسه من غيره، كما قال الله تعالى: } بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ { ([44]).

   ولهذا كان لزاماً علىّ قبل أن أعرض فكر توفيق الحكيم أن أبين ملامح شخصيته كما يبينها هو من خلال كتبه ، فإن معرفة هذه الملامح يكشف لنا عن طبيعة الشخصية، وبالكشف عن هذه الطبيعة يمكن أن نعلل لكثير من الآراء والأفكار التي ذهب إليها توفيق الحكيم ، وتتلخص أهم هذه الملامـح فيما يلي :-

الملمح الأول:الخروج عن المألوف المجمع على صحته رغبة في التميز والشهرة:

   وقد بين الحكيم هذه الصفة في نفسه فقال في خطابه لصديقه الفرنسي "أندريه" : " ثم هناك شئ آخر لم تلتفت إليه هو طبيعتي التي تميل إلى عدم الأخذ بما يأخذ به الناس جميعاً من أوضاع، هرباً من الوقوع في الابتذال وشغفاً جنونياً بالتميز والإغراب، ففي لبسي لا أرتدي كما يرتدي الآخرون، ولا أدخن لأن التدخين عادة عامة ، وربما دخنت لو انقطع الناس عن التدخين، لا أهدى لحبيبتي الأزهار الجميلة ولا العطور اللطيفة، بل أهدي إليها ببغاء في قفص، ولا أكتب إليها مباشرة عن الحب بل أتبع طرقاً لن يتبعها عقلاء الناس، بل وجدت كل طبيعتي وما تنطوي عليه من حمق وجنون، لقد وجدت على الأقل سنداً وأساساً لرغبتي المحرقة في الخروج على ما أسميه المنطق العام، وأقصد المنطق المبني على فروض عامة مصطلح عليها غير متنازع في صوابها ، كالفرض بأن الغيرة مثلاً دليل الحب أو أن الخيانة رذيلة، فالنتائج المترتبة على هذه الفروض العامة تكون في الغالب هي الأخرى نتائج عامة، ويصح عندئذ تسمية كل ذلك بالمنطق العام ، أريد أن يكون هناك منطق خاص يسوى فروضاً خاصة لا تخضع للمألوف من الآراء والمشاعر كالفرض بأن الحب لا يحوى غيرة مطلقاً ولا بغضاً مطلقاً،ومن مثل هذه الفروض تتولد نتائج خاصة،ومن خلاصة كل ذلك يقوم ذلك الذي أسميه المنطق الخاص "([45]).

   وهذا التصريح في غاية الأهمية والخطورة ؛ لأنه يكشف لنا –وبكل وضوح- عن مفتاح شخصية الحكيم ، ويبرز لنا هذه الرغبة الجنونية على حد تعبيره في الرغبة في التميز ، ومخالفة المعروف والمألوف، والذي لا خلاف في صوابه ، أو ما يطلق عليه الحكيم "المنطق العام" فالخيانة في منطقه الخاص ليست رذيلة ، والحب لا يستلزم الغيرة ، ولعل هذا ما دفعه إلى اتخاذ مواقف والجهر بآراء غاية في الغرابة لم يسبق إليها .

 

   الملمح الثاني: إعلانه أن له حياة ظاهرة وحياة باطنة:-

   يبين توفيق الحكيم في خطاب وجهه إلى صديقه الفرنسي "أندريه" حين رجع إلى مصر أنه له حياتين : حياة ظاهرة، يعيش فيها كما يعيش الناس، وحياة باطنة لها خصوصيتها وأفكارها وعقائدها ، وهو في هذا يقول : "إني أعيش في الظاهر كما يعيش الناس في هذه البلاد، أما في الباطن فما زالت لي آلهتي وعقائدي ومثلي العليا ، كل آلامي مرجعها هذا التناقض بين حياتي الظاهرة وحياتي الباطنة "([46]).

   هذه هي شهادة الحكيم على نفسه بأنه حينما رجع إلى مصر بعد فترة إقامته في باريس يعاني من قلق واضطراب وتناقض، ويبين سبب ذلك بأنه يعيش في حياته الظاهرة كما يعيش الناس في مصر، بينما له عقائده وآلهته ومثله العليا التي لا يستطيع الكشف عنها أو الجهر بها، فإن المجتمع لا يمكن أن يقبل ذلك .

  الملمح الثالث : الإحساس العميق بالفشل:-

   إن القارئ لكتب توفيق الحكيم وخاصة تلك التي يتحدث فيها عن نفسه من أمثال " سجن العمر " و " زهرة العمر" يرى أن الرجل كان يعاني من إحساس دائم وعميق بالفشل، ولطالما عبر عن ذلك، فهو يقول في إحدى رسائله إلى "أندريه" –أثناء وجوده في باريس- : " أما أنا الذي اخترت الفن من البداية صرفاً صريحاً، فلا أستطيع أن أنتقل إلى شئ غير الانحطاط الاجتماعي، ولقد خشى والدي المتوجع أن يجرفني التيار عن حياة القضاء التي عاشها بشرف ، فأشار عليه المخلصون أن يقصيني عن مصر فترة من الزمان ، فأرسلني كما ترى إلى هنا لعلي أسلو الفن، وأنصرف إلى ما يتمناه لي من حياة قانونية قضائية محترمة، فماذا أنا قائل له الآن ؟ وبماذا أرد على برقيته ؟ ثم أمامي خطاب ممن أحببت وأوهمتني بنعيم دام أسبوعين تكشف فيه عن المهزلة ، ولم تترفق فتترك لي حتى ذكرى تلك الأيام القليلة سليمة جميلة ، لقد شاءت أن تسترد كل شئ حتى الأوهام والأحلام ، فجردتني منها بعبارة واحدة  أتمنى أني ما عشت قط هذين الأسبوعين، ثم أمامي قصاصات من نقد صحف مصر لرواياتي التي تمثل في القاهرة، فإذا أنا موضع السخرية ودراساتي التي لا تؤدى إلى نتائج وشراهتي في المعرفة التي تسبق قدرتي الذهنية، وقوتي الجسمانية، ووقتي المادي، كل شئ هو لي يهدمني هدماً "([47]).

   ومن هذا يتبين أن الحكيم كان في تلك الفترة يشعر بهذا الفشل لعدة أسباب:

   [1] فشله في تحقيق رغبة أبيه في إتمام دراسته القانونية .

   [2] فشله في علاقة حب استمرت أسبوعين مع تلك الفتاة الباريسية.

   [3] ما اضطلع عليه من نقد لأعماله الفنية في الصحافة المصرية لدرجة أنه كان يشعر بأن كل شئ حوله يعمل على هدمه .

    وقد يقال إنه في تلك اللحظات كان يعاني من هذا الشعور الطارئ بسبب تلك الأحداث، ولكننا نرى الحكيم في نهاية حياته وبعد أن جاوز الثمانين يقول: " وقد كنت يوماً أنظر في ورقة بيضاء لأكتب عليها الهراء الذي أكتبه"([48])، وإذا كان يعترف في نهاية حياته بأنه ما كتب إلا هراءً ، فإنه يعترف كذلك بأنه لم يفعل خيراً قط لا بالنية ولا بالفعل  يقول الحكيم: "وأما الخير فلا أذكر أنى أديته لا بالنية ولا بالفعل،لا أذكر لي خيراً "([49]).

   ويقيناً أن الحكيم حين يخبر أنه ما فعل خيراً قط ، فإن هذا يعبر عن ذلك الشعور النفسي بالفشل ، وإلا فإن أي إنسان مهما كان لا يخلو عمره، ولاسيما وإذا كان مديداً كعمر الحكيم من فعل خير ما في وقت ما، ولكنه الشعور الداخلي الذي كان الحكيم بسببه يعاني من أي اجتماع مع الآخرين ، فهو يميل إلى الوحدة ، ويكره التجمعات ، وهو يقول: " إن من المؤكد عندي هو أنني أنزعج وأنفر من أي اجتماع عام ، وخاصة إذا تعرضت فيه إلى إلقاء كلمة، أو طلب إلي فيه الكلام ، فأنا لست سريع البديهة ولا حاضر الذهن مما يجعلني أبحث سدى عن المعاني والكلمات الهاربة من رأسي في اللحظة المفاجئة ، ويستولى علي نوع من الفزع والارتباك حتى القراءة من ورقة أتلعثم فيها إذا سلطت على عيون وأضواء ، وأحسست من حولي بمستمعين ورقباء ، ولا أعرف من أين جاءتني هذه الكارثة "([50]).

   ولكننا ندري أنه ذلك الشعور المتأصل في نفس الرجل بالإحساس العميق بالفشل ، وهو ذو صلة ولا شك بنشأته الأولى ومنهج تربيته .

 

   الملمح الرابع : قلة الاكتراث بأحكام الشرع:-

   إن القارئ المتتبع لما كتبه توفيق الحكيم عن نفسه يرى أنه قليل الاكتراث بأحكام الشرع غير مهتم بشأن الحلال والحرام منذ فترة شبابه ، فهو يخبرنا مثلاً أنه كان يتسحر مع أبيه في رمضان ، ثم يصبح فيفطر دون علم أبيه([51]).

   هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإنه يخبر عن نفسه حين كان شاباً في المرحلة الثانوية أنه كان ممن يرتادون بيوت الدعارة التي كانت مرخصة في تلك الفترة ، فهو يقول : " وقد بدأنا نعرف المرأة كما كان يتاح لأمثالنا وقتئذ في تلك الأماكن المظلمة لحبى وجه البركة "كلوت بك" ، كلما استطعنا تدبير عشرة قروش في ليلة جمعة قبل ذلك ما كنا نعرف غير العادة السرية ، ولكننا منذ عرفنا تلك البيوت المرخصة وقتئذ عرفنا الاتصال الجنسي المباشر بالمرأة نتسلل إليها في الستر دون خشية فاضح أو رقيب "([52]).

   ويمضي ليحدثنا عن تلك الخادمة الأرملة الشابة التي كانت تخدم في البيت عند أبيه، والتي لمس منها رغبة في الاختلاء به، ولولا خشيته بأن يفضح بين أهله لاستجاب لها ، وهو في هذا يقول : " ولقد حدث ذات مرة أن جاءتنا خادمة شابة أرملة، لاحظت أنها تحاول الاختلاء بي وإغرائي، وكدت أضعف وأهم بها لولا أني جعلت أفكر في الأمر ومغبته، وما يمكن أن يترتب عليه من فضيحة في الأسرة ، فتمالكت نفسي بسرعة وتماسكت وتغلبت إرادتي على نزوتي "([53]).

   فامتناعه عن الاستجابة لتلك الخادمة لم يكن خوفاً من الله تعالى، أو إجلالاً لرقابته U، وإنما كان خوفاً من الفضيحة بين الأسرة – كما يخبر هو-، وفي "زهرة العمر" يخبرنا الحكيم عن تلك الراقصة الألمانية التي مكثت معه ثلاثة أشهر كاملة تنام معه على سرير واحد في غرفة واحدة، وقد صرح بأنه بعد أن صنع معها الفاحشة في أول مرة بدأ يبغضها ويشعر بأنها عبء ، ومع هذا فقد بقى معها ثلاثة أشهر كاملة([54]).

 

   وفي موضع آخر يخبر الحكيم قراءه بأن أخاه زهيراً حين زاره في باريس، قد أحضر معه فتاتين وطلب من الحكيم أن يقوم بالإنفاق على العشاء في مقابل أن يختار منهما ما يشاء ، فقال له الحكيم : " النساء سهل ولكن عشاءهن صعب، قال محاولاً إقناعي : وهل أنا أخطأت إذ فكرت فيك طبعاً واحدة لك واختر أنت التي تعجبك منهما ، أما أنا فالكل عندي سواء "([55]).

   فبدل أن ينهى الحكيم أخاه عن فعل الحرام ويذكره بأن هذا منكر حرمه الله U يشاركه فيه بكل سهولة ويُسر، ولطالما أشاد الحكيم بفسق أخيه هذا، وتمنى أن لو كان مثله في لهوه وسكره، ومقامرته ، فهو يقول : "إنه هو الذي يحب أن يكون الفنان وأنا المزارع ، ولو تم ذلك لظفر الأدب والفن في بلادنا بإبداع حقيقي "([56]).

 

وليس ذلك فحسب،بل لا يكاد يحدثنا الحكيم عن نفسه في كتابه "زهرة العمر" وأثناء إقامته في باريس إلا وهو يصف لنا نفسه وهو في حانة،أو في خمارة أو ما إلى ذلك([57]).

 

   وكل هذا يؤكد على أن الرجل – وعلى الأقل في هذه الفترة- لم يكن ملتزماً  بأحكام شرع ربه أو معنياً بأمر الحلال والحرام ، وكان حرياً به أن يستر تلك الفعلات القبيحة ، وألا ينشرها بعدما تجاوز الخامسة والسبعين من عمره "([58]) ، وقد قال e : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، قيل: يا رسول الله ومن المجاهرون ؟ قال : الذي يعمل بالليل فيستره ربه، ثم يصبح فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا ، فيكشف ستر الله     عنه "([59]).

   فكيف بمن يكتب ذلك فيقرؤه ملايين الناس من الشباب وغيرهم ، ولربما زين ذلك الفاحشة لهم وهونها في نفوسهم ، وقد قال الله تعالى : } إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا     تَعْلَمُونَ { ([60]).

   تلك هي أهم السمات الشخصية لتوفيق الحكيم كما بينها هو بنفسه وشرحها في كتبه ، وليس هناك أصدق من شهادة المرء على نفسه .

 

 

المطلب الخامس

أهم مناصبه ومؤلفاته

******

سافر توفيق الحكيم إلى فرنسا في عام 1925، ثم رجع منها في عام 1928م بعدما فشل في الحصول على درجة الدكتوراه في القانون كما كان يتمنى أبوه، والتحق بالنيابة العامة ليعمل بها وكيلاً للنيابة في وزارة العدل عام 1929م، ولكنه كان يضجر بهذا العمل ويمله، وقد صور هذا الضجر في روايته المشهورة "يوميات نائب في الأرياف"([61]) ، والتي ألفها في عام 1939م ، كما بين صعوبة هذا العمل بالنسبة له وأنه لا يتناسب مع طبيعته ، ويقتل موهبته وذلك في كتابه " أنا والقانون"([62]) ، ثم طلب نقله من هذا العمل فاستجيب له ونقل فعلاً عام 1934 ليعمل رئيساً للجنة التحقيقات بوازرة المعارف([63])، ثم عين بعد ذلك مديراً لدار الكتب المصرية عام 1947م، وبقى في هذا المنصب حتى قيام ثورة يوليو 1952م ، ويذكر الحكيم أن بعض الناس قد وشى به عند وزير المعارف الذي كانت تتبعه دار الكتب أثناء سفره إلى ألمانيا لحضور عرض مسرحي لإحدى مسرحياته ، ولكن جمال عبدالناصر وقف معه وكان يقول دائماً:أنا الذي طردت وزيراً من أجل مفكر –على حد قول الحكيم([64]).

 

   وبعدما صار جمال عبدالناصر رئيساً للجمهورية قام بمنح توفيق الحكيم أكبر وسام في الجمهورية وهو وسام قلادة النيل عام 1958م ، فقيل له : إن هذا لا يمنح إلا لرؤساء الحكومات أو الوزراء والحكيم وكيل وزارة ، ولكنه أصر على منحه ذلك الوسام، ثم طلب بعد ذلك مقابلة الحكيم في بيته، عن طريق الصحفي / محمد حسنين هيكل، ولكن الحكيم اعتذر بأنه لا يحب الالتقاء برجال السلطة([65]).

  وفي عام 1954م عين توفيق الحكيم عضواً في مجمع اللغة العربية خلفاً للدكتور واصف غالي([66])، وقد بقى فيه حتى استقال من عضويته عام 1987([67]) وهو العام الذي مات فيه .

  مؤلفـاته :

   ألف الحكيم عدة مؤلفات تربو على المائة، تنوعت ما بين مسرحيات من أهمها : أهل الكهف، شهرزاد ، مشكلة الحكم، بجماليون، سليمان الحكيم ، الملك أوديب ، الأيدي الناعمة ، الصفقة ، لعبة الموت .

    ومنها الرواية الطويلة مثل : عودة الروح، يوميات نائب في الأرياف ، وعصفور من الشرق ، وأشعب ، حمار الحكيم ، الرباط المقدس .

   ومنها القصص القصيرة مثل قصص سلطان الظلام .

  ومنها الكتب السياسية ككتابه : عودة الوعى ، الذي أصدره عام 1974م ، والذي يتناول فيه بالتحليل والنقد ثورة 1952م ، وفترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر ، وقد هاجمها هجوماً شرساً ، واعتبر أنها مرحلة اللاوعي في تاريخ مصر المعاصر ، ثم تناول فترة حكم الرئيس السادات وأشاد بها واعتبر أنها عودة الوعي للشعب المصري في تاريخه المعاصر، ومن كتبه السياسية كذلك كتاب "مصر بين عهدين" والذي أصدره عام 1983م، وهو عبارة عن خواطر سياسية في تاريخ مصر في عهد الملكية والجمهورية من عام 1920 إلى 1980م ، ومن أخطر مؤلفاته ما يتعلق بمجال الفكر الإسلامي مثل التعادلية ، والتعادلية مع الإسلام ، وقد أصدرهما في عام 1983م ، وكتابه "أرني الله" والذي أصدره في عام 1953 " وهو عبارة عن عدة قصص قصيرة تناول في بعضها أموراً عقدية خطيرة "([68]).، وكتاب " تحت شمس الفكر " وهو عبارة عن عدة مقالات صدرت سنة 1938م "([69]). وآخر كتبه هو الأحاديث الأربعة والذي أصدره في 1983م " وهو عبارة عن مقالات نشرت في جريدة الأهرام ، ويخاطب فيها الحكيم رب العزة U ، ويفترض أن الله تعالى يخاطبه ويرد عليه "([70]).  وقد جمعت هذه المقالات في كتاب يسمى الأحاديث الأربعة([71]).

   كما أنه قد اختصر تفسير القرطبي في كتاب أسماه "مختار تفسير القرطبي" وقد أصدره في عام 1977م ، ومنها السيرة الذاتية وهما كتابا " سجن العمر" الذي يستعرض فيه حياته بشكل قصصي ، وقد أصدره عام 1964م ، و "زهرة العمر" وهو في الأصل عبارة عن عدة رسائل أرسل بها إلى صديقه الفرنسي "أندريه" بعضها أرسله من فرنسا وبعضها الآخر أرسله من مصر، وفي إحدى زيارات الحكيم لفرنسا فوجئ بجمع صديقه هذا لها ، واحتفاظه بها فأخذها الحكيم منه وترجمها باللغة العربية وأصدرها تحت عنوان "زهرة العمر" عام 1943م ([72]).

هذا بالإضافة إلى عشرات الأحاديث التي أجريت مع الحكيم وجمعت بعد ذلك في كتب([73]).

 

 

المبحث الثاني

الفكر العقدي لدى توفيق الحكيم في ميزان الإسلام

*********

      إن مما لا شك فيه أن للعقيدة أهمية كبيرة في حياة الإنسان، فهي بمنزلة القلب من الجسد، فإذا صحت عقيدة الإنسان في الله U صحت عبادته واستقامت أخلاقه، وإذا كانت أصول الدين هي العقيدة والشريعة والأخلاق، فإن الجانب الأهم هو جانب العقيدة ؛ إذ عليه تبنى الأصول التشريعية والأخلاقية هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فلأن الخطأ في ميدان العقيدة قد يؤدي بالإنسان إلى الخروج من الملة والسقوط في هودة الشرك أو الكفر، أما الخطأ في ميدان الشريعة فإنه مهما كان كبيراً، فإن صاحبه يبقى مرهوناً برحمة الله U إن شاء عاقبه ، وإن شاء غفر له ، وقد قال تعالى : } إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً {([74]) ، وقال تعالى : } إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ { ([75]).

   والقارئ المتتبع لما كتبه توفيق الحكيم يرى أن الرجل له آراؤه العقدية الغريبة والشاذة سواء فيما يتعلق بنشأة الأديان ونسبيتها وبآرائه حول اليهودية والنصرانية ، أو ما يتعلق بهيمنة القرآن على ما سبقه من كتب الله U ، كما أن له آراءه المتعلقة بالله U ، أو بعالمي الملائكة والشياطين ، كما أن لـه نظريته المعروفة بنظرية التعادلية والتي تعرض فيها للعلاقة بين العقل والقلب والإيمان ، وفيما يلي  نعرض لأهم تلك الآراء ووضعها في ميزان الإسلام ، وذلك في المطالب التالية :

 

المطلب الأول : فكره المتعلق باليهودية والنصرانية في ميزان الإسلام.

المطلب الثاني : فكره في ميدان الألوهية في ميزان الإسلام .

المطلب الثالث : فكره في عالمي الملائكة والشياطين في ميزان الإسلام.

المطلب الرابع : نظريته في التعادلية في ميزان الإسلام .

 

 

المطلب الأول

فكره المتعلق باليهودية والنصرانية في ميزان الإسلام

*******

لتوفيق الحكيم آراؤه فيما يتعلق باليهودية والنصرانية والعهدين القديم والجديد ولكن قبل أن نعرض لهذه الآراء لا يفوتنا أن ننبه القارئ الكريم إلى أن الحكيم له رأي في قضية نشأة الدين ، ونعرض الآن لهذه النقطة :

   أولاً : رأيه في نشأة الدين :

 وعن هذه المسألة يقول الحكيم: "إن الإنسان البدائي في ضعفه وعجزه عن مواجهة قوى الطبيعة وخوفه على نفسه من هذه القوى وعدم فهمه لها،أخذ يبحث عن قوى أخرى تحميه  فظهر الكاهن الذي أفهمه أن القوة التي تهدده هي قوى الأرواح الشريرة، والخيّرة وبدأ الدين الأولى بكهنته وقرابينه إلى أن استولى على قياد الناس وطغى ، فثار عليه الناس . ثم ارتقى مفهوم الإنسان فاكتشف القوة الحقيقية في الله ورسله وكتبه السماوية "([76]).

   وهذا الرأي في بداية نشأة الدين، والادعاء بأن الإنسان البدائي إنما لجأ إلى الدين لخوفه من ظواهر الطبيعة الطاغية القوية، وأنه قد مر بعد ذلك بطور البحث عن قوة غيبية تحميه من ظواهر تلك الطبيعة التي يهابها ويخشاها، الأمر الذي أدى إلى ظهور طائفة الكهان التي أفهمت الإنسان البدائي بأن هناك أرواحاً خيِّرة تحميه من تلك الأرواح الشريرة، وأنه قد بقى في هذا الطور مدة حتى اكتشف القوة الحقيقية وهي قوة الله I ، فتعرف على الله وكتبه ورسله ، كل هذا يختلف كل الاختلاف مع ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله e وذلك من ناحيتين :

   الأولـى:أن أصل الجنس البشري هما آدم وحواء –عليهما السلام- كما قال الله تعالى: } يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...{ ([77])، وقال تعالى:} يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً { ([78]). وحين خلق الله آدم u بيده ونفخ فيه من روحه علمه الأسماء كلهـا ، قـال تعالى : } وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ

فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ{ ([79]).

   يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية :"  وهذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه به من علم أسماء كل شئ دونهم، وقال السدي عن ابن عباس : } وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا { : قال : عرض عليه أسماء ولده إنساناً إنساناً ، والدواب فقيل : هذا الحمار وهذا الجمل وهذا الفرس، وقال الضحاك عن ابن عباس أيضاً قال : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة ، وأسماء أرض وسهل وبحر وجمل وحمار وأشباه من الأمم وغيرها " ([80]).

    وإذا كان الله تعالى قد علم آدم الأسماء كلها فإنه من باب أولى أن يكون قد علمه ما يتصل بأمر دينه وعلاقته بخالقه ، وهذا ما صرح به القرآن الكريم ، فحين أهبط الله I آدم وحواء –عليهما السلام- إلى الأرض لتبدأ مسيرة الحياة الإنسانية عليها وأهبط معهما إبليس فتنة لهما وللبشرية بعدهما لم يترك الله آدم وحواء بلا هداية إلهية ، بل سلحهما بتلك المعرفة التي تلقاها آدم u عن الله تعالى مباشرة؛ لتكون نوراً وهداية له ولزوجه، وليحملاها لذريتهما من بعدهما ، قال تعالى: } قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ { ([81]).

 

   الثانيـة : أن الله تعالى حين خلق آدم u قد ركب في فطرته معرفة الله تعالى، كما قال I : } فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ { ([82]). وعن أبي هريرة t قال : قال رسول الله e : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ... " ([83]).

   وقال e -وهو يوصي أصحابـه بألا يقتلوا أطفال المشركيـن- : "لا تقتلوا ذرية

 لا تقتلوا ذرية ، وقال : كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها "([84]). وقال e فيما يروى عن الله U : " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحلت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً "([85]). كما أخبر النبي e : " أن الله تعالى لما خلق آدم u ونفخ فيه الروح عطس فقال : الحمد لله بإذن الله، فقال له ربه : رحمك ربك يا آدم.... الحديث "([86]).

 

    كما بين القرآن الكريم أن الناس كانوا أمة واحدة في توحيدهم الله U، فاختلفوا بعد ذلك، فبعث الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين ، قال تعالى : } وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ { ([87])، وقال تعالى : } كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ { ([88]).

   وفي تفسير هذه الآية يقول ابن عباس t : " كان الناس أمة واحدة أي على الإسلام كلهم، وقال t : كان بين آدم ونوح u عشرة قرون ، كلهم على شريعة الحق ، فاختلفوا فبعث الله النبيين " ([89]).

 

    ومن هذا كله يتبين أن ادعاء الحكيم بأنه كان هناك أطواراً مرت بها البشرية في بدايتها حتى عرفت ربها U وأنبياءها صلوات الله عليهم أجمعين قول لا أساس له من الصحة؛ لأن الله حين خلق الإنسان قد أنزل معه منهج هدايته، ولاشك أن الحكيم قد تأثر في هذا القول ببعض المذاهب المعاصرة ، وخاصة المذهب الوصفي "الذي تأسس في فرنسا على يد الفيلسوف "أوجست كونت" فقد ادعى "كونت" أن البشرية قد مرت بثلاث مراحل في تعرفها على الأديان : وهي المرحلة الوثنية ، والمرحلة التعددية، والمرحلة

التوحيدية ، وهي المرحلة الأخيرة التي بدأت بظهور النصرانية والإسلام "([90]).

   ثانياً : زعمه أن الأديان نسبية:-

   ومن مزاعم توفيق الحكيم أن الأديان نسبية، بمعنى أنها تخضع لظروف الزمان والمكان، وقد استدل على هذا بماء جاء في تفسير القرطبي([91]) عن الإمام الماوردي في قوله تعالى : } اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ { ([92]) يقول الحكيم : "وجاء في تفسير القرطبي نقلاً عن الماوردي على أنها سبع أراضين بعضها فوق بعض تختص دعوة أهل الإسلام بأهل الأرض العليا ، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين، وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز، معنى ذلك أن الأديان نسبية تختص بها أرض دون أرض لأن البشرية نفسها نسبية " ([93]).

   وما استدل به الحكيم من كلام الماوردي فيه نظر؛ لأنه قائم على أساس افتراض أن في الأرضين الست الأخرى عقلاء مكلفين، وأن هؤلاء العقلاء لا تلزمهم دعوة الإسلام ؛ لأنها خاصة بأهل الأرض الأولى ، ولا ندري من أين جاء الماوردي بهذا التخصيص، وقد قال الله تعالى : } تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  { ([94])، كما أخبر الله تعالى أن الإسلام هو دين الكون كله بما في ذلك السماوات والأراضين، قال تعالى : } أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ { ([95]). فإذا استدل بعد هذا الحكيم بما قاله الماوردي على أن الأديان نسبية، فهذا قول غير صحيح وكيف تكون نسبية مع أن مصدر الدين واحد وهو الله U وأصول رسالات الله تعالى واحدة.

 

   أما الاختلاف فهو في الفروع والجزئيات ، كما قال I : } لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً { ([96])، وأصول الرسالات كلها واحدة فإذا أراد الحكيم أن يطبق قانون النسبية الذي اكتشفه آنشتين الخاص بدراسة الطبيعة على أمر الدين فهذا كلام غير صحيح .

 

 


([1]) يراجع في هذا : المرأة والحياة الاجتماعية . تغاريد بيضون ص(37-40) ط / دار النهضة العربية، بيروت .

([2]) توفيق الحكيم مفكراً فناناً / محمود أمين العالم ص(25، 26) ، الطبعة الثالثة ، ط دار قضايا فكرية للنشر والتوزيع .

([3]) سورة النحل : الآية رقم (78) .

([4]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه حديث رقم (4803) .

([5]) سجن العمر ص(15) ط / مكتبة الآداب .

([6]) المرجع السابق ص(14، 15) .

([7]) سجن العمر ص(16) .

([8]) المرجع السابق ص(15، 16) .

([9]) سجن العمر ص(24) .

([10]) المرجع السابق ص(24، 25) .

([11]) سجن العمر ص(38) .

([12]) سجن العمر ص(17) .

([13]) عصفور من الشرق ص(1) ط / مكتبة الآداب النموذجية .

([14]) سجن العمر ص(61) .

([15]) المرجع السابق ص(254) .

([16]) سجن العمر ص(77) .

([17]) يراجع : سجن العمر ص(30-34) .

([18]) المرجع السابق ص(27) .

([19]) سجن العمر ص(44، 45) .

([20]) المرجع السابق ص(53، 54) .

([21]) سجن العمر ص(38) .

([22]) المرجع السابق ص(253، 254) .

([23]) سجن العمر ص(180) .

([24]) توفيق الحكيم مفكراً فناناً ص(109) .

([25]) سجن العمر ص(78) .

([26]) المرجع السابق ص(98) .

([27]) سجن العمر ص(117) .

([28]) سجن العمر ص(115، 116) .

([29]) المرجع السابق ص(124) .

([30]) سجن العمر ص(126) .

([31]) يراجع في هذا: توفيق الحكيم بين عودة الروح وعودة الوعي/عبدالرحمن أبو عوف ص(13) ط / الهيئة العامة لقصور الثقافة 1998م ، عصا الحكيم وحماره / يوسف فرانسيس ص(5، 6) ط / دار مدبولي ، روائع السبع في مسرح الحكيم / محمد عبدالوهاب صقر ص(7) ط / الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990م .

([32]) سجن العمر ص(85) .

([33]) سجن العمر ص(157-160) .

([34]) سجن العمر ص(212) .

([35]) سجن العمر ص(237) .

([36]) المرجع السابق ص(132) .

([37]) السابق ص(152-155) .

([38]) سجن العمر ص(155، 156) .

([39]) المرجع السابق ص(199، 200) .

([40]) زهرة العمر ص(83) ط / دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1943م.

([41]) المرجع السابق ص(174) .

([42]) سليمان الحكيم ص(9) ط/ دار مكتبة الآداب، المطبعة النموذجية .

([43]) مسرحية محمد e سيرة حوارية ص(6) ط / الشروق .

([44]) سورة القيامة : الآية (14) .

([45]) زهرة العمر ص(31) .

([46]) زهرة العمر ص(125) .

([47]) زهرة العمر ص(15) .

([48]) الأحاديث الأربعة ص(32) ط / دار الشروق 2005م .

([49]) المرجع السابق ص(35) .

([50]) سجن العمر ص(256) .

([51]) سجن العمر ص(132) .

([52]) سجن العمر ص(132) .

([53]) المرجع السابق .

([54]) يراجع : زهرة العمر ص(82-87) .

([55]) سجن العمر ص(219-221) .

([56]) المرجع السابق ص(222) .

([57]) يراجع: زهرة العمر ص(79)، سجن العمر ص(222) .

([58]) حيث نشرت أول طبعة لكتاب زهرة العمر 1975م .

([59]) السنن الكبر للإمام البيهقي (8/329)، ط / مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند.

([60]) سورة النور : الآية (19) .

([61]) وقد طبعت هذه الرواية في مكتبة الأسرة العدد 52 لسنة 1995م .

([62]) يراجع:أنا والقانون ص(97-119) ط / كتاب اليوم يصدر عن جريدة أخبار اليوم العدد 73 لسنة 1973م.

([63]) يراجع : زهرة العمر ص(17-25) .

([64]) يراجع: عودة الروح ص(30-32) ط / الشروق 1974م .

([65]) يراجع : المرجع السابق ص(40، 41) .

([66]) مجمع اللغة العربية . نبذة عن تاريخه وإنجازاته ، إعداد لجنة من مجمع اللغة (4/13).

([67]) المرجع السابق (4/19) .

([68]) طبع هذا الكتاب عدة طبعات كان من آخرها ط/ مكتبة الأسرة 1999م .

([69]) وقد طبعت هذا الكتاب دار الكتاب اللبناني ، بيروت .

([70]) وسيأتي المزيد حول هذا الموضوع عند الحديث عن فكر الحكيم في ميدان العقيدة.

([71]) ط / دار الشروق .

([72]) زهرة العمر ص(1-7) ط / دار الكتاب اللبناني، بيروت 1975م .

([73]) منها على سبيل المثال : أحاديث مع توفيق الحكيم 1951-1971 ، جمع / صلاح طاهر ، ط / مطابع الأهرام ، كتاب : عشرة أدباء يتحدثون / فؤاد دوارة ص(25-66) ، ط / الهيئة المصرية العامة ، كتاب : أدباء معاصرون / رجاء النقاش ص(55-82) ، سلسلة كتاب الهلال عدد 241 سنة 1971م .

([74]) سورة النساء : الآية (48) .

([75]) سورة آل عمران : الآية (91) .

([76]) التعادلية مع الإسلام والتعادلية / توفيق الحكيم ص(191، 192) ط/مكتبة الآداب 1983م.

([77]) سورة الحجرات : الآية (13) .

([78])  سورة النساء : الآية (1) .

([79])  سورة البقرة : آية (31) .

([80]) ينظر : تفسير القرآن العظيم لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (1/223) ط/ دار طيبة للنشر ، الطبعة الثانية 1999م .

([81]) سورة البقرة : الآية (38) .

([82]) سورة الروم : الآية (30) .

([83]) صحيح البخاري حديث رقم (775) ، وصحيح مسلم رقم (2658) .

([84]) سنن النسائي الكبرى ح رقم (8616) .

([85]) أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم (2865) .

([86]) السنن الكبرى للبيهقي حديث رقم (21025)

([87]) سورة يونس : الآية (19) .

([88]) سورة البقرة : الآية (212) .

([89]) جامع البيان في تأويل القرآن للإمام الطبري (4/275) ط / مؤسسة الرسالة 2000م.

([90]) الموسوعة الميسرة . إشراف ومراجعة د / مانع بن حماد الجهني (2/812) ط / دار الندوة العالمية للطباعة والنشر ، الطبعة الخامسة 2003م .

([91]) يراجع : الجامع لأحكام القرآن (18/176) ، ط / عالم الكتب ، الرياض .

([92]) سورة الطلاق : الآية (12) .

([93]) الأحاديث الأربعة ص(13، 14) .

([94]) سورة الفرقان : الآية (1) .

([95]) سورة آل عمران : الآية (83) .

([96]) سورة المائدة : الآية (48) .