%

%%

%%% 

 

عمر بن عبدالعزيز ومنهجه في التمكين للدعوة

 

 

 

إعــــداد

د / علي سيد أحمد  الفرسيسي

أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية المساعد

بكلية أصول الدين والدعوة بالمنوفية

جامعة الأزهر الشريف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمـة

-نسأل الله التوفيق-

 

 

المقــدمة

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين .                   أما بعـد ،،،

   فإن أمتنا المسلمة المعاصرة تمرُ الآن بمنعطف تاريخي خطير، حيث تعاني ومنذ فترة غير قليلة من أفول نجمها ، وذهاب ريحها وفي الوقت الذي تسعى فيه قواً عالمية إلى مزيد من إضعاف هذه الأمة بُغية القضاء عليها، واستئصال شأفتها، كما قال I : }  وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً { ([1])، وهذا العداء من قبل تلك القوى أمر طبيعي ، أخبر القرآن به وأمر الأمة أن تستعد له ، قال تعالى : } وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ { ([2]) ، وقال تعالى : } وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا { ([3]) ، وقد أمر الله تعالى أمتنا المسلمة بأن تَّعُد القوة لمواجهة تلك الحرب الشعواء ، وأمواج العداء العاتية ، قال تعالى : } وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  { ([4]).

   في هذا الوقت يغفل كثير من أبناء هذه الأمة عن رسالتهم التي أناطها الحق تبارك وتعالى بهم، وهي إخراج البشرية كلها من الظلمات إلى النور ، وذلك ببيان الحق الذي استأمن الله تعالى عليه هذه الأمة ، وبعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ومن أجل هذا كانت خير أمة أخرجت للناس، قال تعالى : } كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ { ([5]) ، فأمة الإسلام هي أمة الحق الوحيد على وجه الأرض، فهي بمثابة المبُصر الوحيد في عالم كله عميان ، والمصباح المنير في عالم تسوده الظلمات ، وحين كان المسلمون الأولون يستشعرون هذه المعاني مكن الله تعالى لهم في أرضه ، وجعلهم قادة الدنيا ، وحكام العالم ، وكان أحدهم يقول – وبكل اعتزاز – إن الله قد ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، وقد أدى نسيان بعض المسلمين لرسالتهم وجهلهم بدورهم إلى فقدان هؤلاء للثقة في صلاحية الإسلام لقيادة الدنيا ، وقدرته على صنع الحضارة ، وملاءمته لمتطلبات العصر .

   فخرجت أصوات تدعو إلى إقصاء الإسلام عن شؤون الحياة ، وحبسه داخل جدران المساجد، بل وادعى بعضهم أن الإسلام هو سبب تخلف الأمة في ميادين العلم والحضارة ، ورأى هؤلاء أن مشكلة المسلمين المعاصرين لن تُحل إلا بإقصاء المنهج الإسلامي والأخذ بالمنهج الغربي فيما يتفق مع الإسلام، أو يختلف معه، ومن ثم رأيت أن أكتب هذا البحث والذي تحت عنوان (عمر بن عبدالعزيز t ومنهجه في التمكين للدعوة ) وذلك رداً على هؤلاء الذين يشككون في قدرة الإسلام على الوفاء بحاجة العالم المعاصرة، وحل مشكلاته المعضلة، فقد حكم عمر بن عبدالعزيز t هذه الأمة مدة تقل عن ثلاث سنوات ، قاد الأمة فيها بشرع ربها ، وعمل فيها بأحكام دينه ، وذلك في نهاية القرن الأول من تاريخ الإسلام ، فرد الأمة فيها إلى عهد الخلافة الراشدة ، وتوَّجته الأمة المسلمة خامساً للخلفاء الراشدين ، وذلك على الرغم من أن بينه وبين الخليفة الرابع علي t أكثر من ستين عاماً ، وكل هذا يؤكد على أن الإسلام كان ولا يزال وسيبقى إلى قيام الساعة قادراً على قيادة الدنيا وإصلاح الحياة ، ولأن الدعوة إلى الله تعالى هي الرسالة العظمى لأبناء هذه الأمة لا فرق في ذلك بين حكامها ومحكوميها ، وشبابها وشيوخها ورجالها ونسائها، كما قال الله تعالى : } قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ { ([6]) ، ومن المعلوم أن اسم الموصول "مَنْ " في الآية الكريمة ، والذي يعود على من اتبعوا النبي e معطوف على ضمير الفصل "أنا " والعائد إلى النبي e ، فالآية تدل على أن الدعوة إلى الله تعالى واجبة على كل مسلم ومسلمة، كل حسب طاقاته، وفي حدود إمكانياته، وقد دلت على هذا المعنى أيضاً الآية الكريمة من سورة التوبة ، والتي يقول فيها الحق تبارك وتعالى : } وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ { ([7])، كما نبه الأمة على نفس المعنى رسول الله e حين قال : " بلغوا عني ولو آية "([8]) ، فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يطبقوا الإسلام على أنفسهم ويقيموه في مجتمعهم ، كما قال الله تعالى : } شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  { ([9]) ، ثم بعد هذا لابد وأن يحقق المسلمون عالمية الإسلام وذلك بدعوة جميع الناس إليه على اختلاف لُغاتهم وتنوع ألوانهم ، وتباين مواطنهم وذلك بشرح الإسلام إلى هؤلاء شرحاً وافياً بلغاتهم التي يتحدثون بها ، وفي مواطنهم التي يقيمون فيها، ثم يتركوا الناس وما يريدون ، وهذه الدعوة هي من مقتضيات التمكين في الأرض ، كما قال تعالى : } الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ { ([10]) ، وهي في الوقت ذاته سبب عظيم للحفاظ على هذا التمكين قال تعالى : } وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً { ([11]) ، فإذا مكن المسلمون لدين الله تعالى فعملوا به ، ومكنوا للدعوة إليه ، فقاموا بها وأفسحوا الطريق لها ، وأزالوا العقبات من طريقها ، كان حقاً على الله تعالى أن يمكنهم في أرضه ، ولا يملك ذلك أحد إلا الله U ، قال تعالى : } قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  { ([12]) ، وقال تعالى : } قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ { ([13])، ولقد كان عمر ابن عبدالعزيز t أنموذجاً حياً لعبد مكن لدعوة الله تعالى في نفسه وفي أسرته ومجتمعه ، فمكن الله تعالى له وجعله خليفة لهذه الأمة فلما ولى الخلافة كان له منهجه الواضح في المزيد من التمكين للدعوة ، فرأيت أن أبين معالم هذا المنهج، ليستهدي به كل من يسعى إلى نصرة دين الله U وسعادة نفسه في الدنيا والآخرة، كما كان من الأسباب الحافزة لي على الكتابة في هذا الموضوع أن تكون محاولة إلى لفت أنظار إخواني الدعاة إلى الله بضرورة الرجوع إلى تاريخ الإسلام والعناية به ، وإبراز تلك النماذج المشرقة في تاريخ الإسلام، وما أكثرها، ليأخذ المسلمون من ماضيهم ما يفقهون به واقعهم ويصنعون به مستقبلهم ، فعمر ابن عبدالعزيز صفحة مشرقة في تاريخ الإسلام الحافل بتلك الصفحات ، كما أنها كذلك محاولة لتبصير شباب الإسلام بأهمية دورهم في هذه الأمة، وضرورة القيام بواجبهم في الاستمساك بدين الله تعالى ، والعمل للتمكين لدعوة الحق، وأن يتخذوا أمثال عمر بن عبدالعزيز قدوة لهم، فإنه t لم يعش فوق هذه الأرض إلا أربعين عاماً أو أقل من ذلك بقليل ، ولكنه ترك أثراً باقياً ما بقيت هذه الدنيا ولا يفوتني أن أنبه أخي القارئ إلى أن هذا البحث ليست مهمته التأريخ لعمر بن عبدالعزيز t من يوم ميلاده إلى لحظة وفاته ، فإن لهذا مظانه في مكتبتنا الإسلامية ، فهناك عشرات، بل ربما مئات الكتب التي أرخت للخليفة الخامس عمر ابن عبدالعزيز، واعتبرته مجدد المائة الأولى من تاريخ الإسلام، ولكن مهمة هذا البحث هي إماطة اللسان، وكشف النقاب عما قام به عمر بن عبدالعزيز t من إصلاحات ، وما بذله من جهود، وما وضعه من قواعد أراد بها أن يمكن لدين الله تعالى في نفوس خلق الله، وفي أرض الله U .

منهجي في هذا البحث :

   وقد سلكت في هذا البحث المنهج العلمي القائم على التتبع والوصف،ثم التحليل، فتتبعت أهم ما كتب عن عمر بن عبدالعزيز t ولاسيما في كتب التاريخ الإسلامي، ثم قمت بتجميع ما يتصل بكل موضوع على حدة، ومن خلال هذا الجمع أصف ما قام به عمر بن عبدالعزيـز t للتمكين للدعوة بمعنييها الإسمي والمصدري، أو الإسلام وتبليغه ونشره، ثم تحليل ما قام به وكيف مكن للدعوة من خلاله ، وماذا تستفيد من ذلك أمة الإسلام المعاصرة.

خطـة هذا البحث :

   وقد اقتضت طبيعة هذا البحث أن يحتوي على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة ، فأما المقدمة فقد تناولت فيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره ، ومنهج البحث فيه وخطة الدراسة .

  وأما الفصل الأول: فهو تحت عنوان (عصر عمر بن عبدالعزيز وشخصيته وإعداده ) ويتألف هذا الفصل من مبحثين:

   المبحث الأول : التعريف بعصره t .

   المبحث الثاني : شخصيته وإعداده .

  وجاء الفصل الثاني تحت عنوان (منهج عمر بن عبدالعزيز في التمكين للدعوة قبل أن يُولى الخلافة ) وقد تضمن هذا الفصل مبحثين :

   المبحث الأول : منهجه في التمكين للدعوة أثناء ولايته على المدينة المنورة .

   المبحث الثاني : منهجه في التمكين للدعوة في مرحلة الوزارة.

وجاء الفصل الثالث تحت عنوان (منهجه t في التمكين للدعوة بعد أن وليّ الخلافة) ويشتمل على ستة مباحث على النحو التالي:

   المبحث الأول : كيفية استخلافه t .

   المبحث الثاني : منهجه في التمكين للدعوة من خلال إصلاحه لنفسه وآل بيته .

   المبحث الثالث: منهجه في التمكين للدعوة من خلال إصلاحاته الاجتماعية.

   المبحث الرابع: منهجه في التمكين للدعوة من خلال إصلاحاته الاقتصادية .

  المبحث الخامس:منهجه في التمكين للدعوة من خلال إصلاحاته الإدارية .

   المبحث السادس : منهجه في التمكين للدعوة من خلال عنايته بأمر الدعوة والدعاة .

الخاتمة : وتشتمل على أهم النتائج والتوصيات، وعلى فهرسين أحدهما للمصادر والمراجع ، وثانيهما لأهم الموضوعات .

 

 

 

%%%

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

عمر بن عبدالعزيز t

عصره وحياته وإعداده

 

 

تمهيـد :

     قبل أن نعرض لمنهج أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيزt في التمكين للدعوة ، نعرض الآن للتعريف بعصره الذي ولد وعاش فيه، ثم بشخصيته t ، وكيف أُعِد إعداداً إسلامياً ، أهَّله فيما بعد ليكون من أئمة هذه الأمة ، وحماة هذه الدعوة ، ويأتي هذا الفصل متضمناً مبحثين :

   المبحث الأول : التعريف بعصره t .

   المبحث الثاني : حياة عمر بن عبدالعزيز وإعداده .

 

المبحث الأول

التعريف بعصر عمر بن عبدالعزيزt

**********

   إن مما لا شك فيه أن للعصر الذي يولد فيه الإنسان أثراً بالغاً في بناء شخصيته، وتكوين اتجاهاته، ولا نقصد بالعصر هنا مجرد الزمان ، أو الوقت قطعاً فإن ذلك لا يختلف من جيل إلى جيل، وإنما نقصد بالعصر ما عليه أهل ذلك العصر من عقائد دينية ، واتجاهات فكرية ، وظروف اجتماعية ، وقيم أخلاقية، وحالات اقتصادية ورعاية أسرية، ولذلك قال e : " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم "([14]).

   وإنما أثنى النبي e على هذه القرن الثلاثة لقربها من زمن النبوة ، ولاستمساك أهلها بوجه عام بدين الله U أكثر من غيرهم فإن أهل الطاعة لله U والإيمان الصادق، والإسلام الكامل كانوا -ولا شك- في هذه القرون أكثر من غيرها، وقد ولد عمر بن عبدالعزيز t وعاش ، واسُتخلف في القرن الأول من هذه القرون الثلاثة المثُنى عليها من رسول الله e - كما سيأتي تفصيل ذلك-بمشيئة الله تعالى– وبالتحديد كانت ولادته سنة إحدى وستين أو ثلاث وستين من الهجرة النبوية([15]) ، وكانت وفاته في سنة إحدى ومائة من الهجرة ، ومعنى هذا : أنه ولد في نهاية حكم يزيد بن معاوية ، وبداية انتقال الخلافة من بيت معاوية بن أبي سفيان t إلى بيت آخر من بيوت بني أمية ، وهو بيت مروان ابن الحكم جد عمر بن عبدالعزيزt ، حيث إنه قد ولىَّ الأمر بعد وفاة يزيد بن معاوية ، معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، وعن معاوية بن يزيد يقول الإمام ابن كثير : " هو أبو عبدالرحمن ويقال أبو يزيد القرشي الأموي ، بويع له بعد موت أبيه – وكان ولى عهده من بعده – في رابع عشر من ربيع الأول سنة أربع وستين ، وكان رجلاً صالحاً ناسكاً ، ولم تطل مدته ، قيل إنه مكث في الملك أربعين يوماً ، وقيل عشرين يوماً ، وقيل شهرين ، وقيل ثلاثة أشهر ، وكان في مدة ولايته مريضاً لم يخرج إلى الناس ، ثم مات معاوية بن يزيد هذا عن إحدى وعشرين سنة ، وقيل ثلاث وعشرين سنة ، ولما حضرته الوفاة قيل له: ألا توصي؟ فقال : لا أتزود مرارتها إلى أخوتي وأترك حلاوتها لبني أمية ، وكان من صالحى القوم ، ويروى أن ابن يزيد هذا نادى في الناس الصلاة جامعة ذات يوم ، فاجتمع الناس فقال لهم : يا أيها الناس إني قد وليت عليكم أمركم وأنا ضعيف عنه ، فإن أحببت تركتها لرجل قوي كما تركها الصديق لعمر، وإن شئتم تركتها شورى في ستة منكم كما تركها عمر بن الخطاب ، وليس فيكم من هو صالح لذلك ، وقد تركت لكم أمركم فولوا عليكم من يصلح لكم ، ثم نزل ودخل منزله ، فلم يخرج منه حتى مات رحمه الله تعالى " ([16]).

    ومن هذا يتبين أن معاوية بن يزيد هذا وليَّ الخلافة وهو شاب ولم تطل مدة حكمه عن ثلاثة أشهر بحال ، وكان في تلك الفترة مريضاً وربما لم يخرج للناس إلا هذه المرة التي استشار فيها المسلمين فيمن يستخلفه من بعده ، رفض أن يستخلف أحد إخوته، وفي النهاية مات – رحمه الله – وترك الأمر شورى بين المسلمين ، ومع أننا نرى أن قرار معاوية بن يزيد بترك الأمر للمسلمين دون استخلاف لم يكن صائباً حيث أدى إلى اشتعال نار الفتنة بين أتباع عبدالله بن الزبيرt في الحجاز ، وأتباع مروان ابن الحكم في الشام ، وفي هذه الفتنة خسرت الأمة الإسلامية كثيراً من أبنائها وفقدت بعض هيمنتها أمام أعدائها ، إلا أننا في النهاية نرى أن الرجل قد فعل ما يتفق مع صلاحه وتقواه وحداثة سنه، وقلة خبرته ، ثم آل الأمر من بعده إلى مروان بن الحكم - رحمه الله تعالى – والذي يُعد المؤسس الثاني للدولة الأموية بعد معاوية t ، وكان الخلفاء من بعده من أبنائه وأحفاده ، فولى بعده عبدالملك بن مروان ، ثم الوليد بن عبدالملك ، ثم أخوه سليمان، حتى آل الأمر إلى عمر بن عبدالعزيز ، ويعنينا ههنا أن نؤكد على أن جميع هؤلاء الخلفاء بداية من معاوية t وانتهاءً بسليمان ابن عبدالملك كانت خلافتهم خلافة إسلامية ، بمعنى أن العمل لمصلحة الإسلام ، ورفع رايته ، والدعوة إليه ، وحث الناس على التمسك به ورفع راية الجهاد والفتح الإسلامي ، وإرهاب أعداء الإسلام كان كل هذا قاسماً مشتركاً بين خلفاء بني أمية قبل عمر ابن عبدالعزيز t ، وإن تفاوتوا فيما بينهم في قوة التمسك بهذه المبادئ ، وإن لم يسلم كذلك بعضهم من الخوض في الفتن والسقوط في بعض الأخطاء التي كثيراً ما يقع فيها بعض الحكام ، ولسنا هنا في ميدان التأريخ أو التقييم لعصر الدولة الأموية ، فإن لذلك مظانه ، ولكننا فقط ننبه إلى أن السمة الأساسية لهذه الخلافة كانت السمة الإسلامية ، وليس الأمر كما زعم الشيخ أبو الحسن الندوي - رحمه الله تعالى – والذي يقول تحت عنوان (النزعات الجاهلية في العهد الأموي) : " كانت نهاية الخلافة الراشدة واستحكام الدولة الأموية – التي كانت باختصار دولة عربية أكثر منها إسلامية – انتقالاً جديداً في تاريخ الإسلام ، وفرصة انتهزتها الجاهلية التي كانت لا تزال بالمرصاد ، فعاشت النزعات التي قضى عليها الإسلام "([17]).

   وحاول الشيخ أن يستدل على هذا الحكم الذي ذهب إليه ببعض القصص التي نقلها من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني([18]) ومثل هذا الكتاب لا يصلح الاعتماد عليه في التأريخ لدولة أو لخليفة ، حيث إنه كتاب في تاريخ الأدب والشعر ، وليس كتاب تاريخ عام – كما يبدو من تسميته – وقد احتوى الكتاب على الغث والثمين ، على أية حال فإننا لا نسلك للشيخ الندوي -رحمه الله تعالى – بحكمه هذا ، وذلك للأسباب التالية :

   السبب الأول : ما ثبت عن النبي e من ثنائه على اثنى عشر خليفة يلون أمر المسلمين من بعده كلهم من قريش ، وقد وردت في ذلك عدة روايات ذكرها الإمام السيوطي يحسن هنا ذكرها :

   " فعن جابر بن سمرة t عن النبي e قال : لا يزال أمر هذه الأمة عزيزاً ينصرون على من ناوأهم ما وليهم اثنا عشر خليفة

كلهم من قريش ".

   وفي رواية لمسلم : " ما يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً "([19]).

  قال القاضي عياض : لعل المراد بالاثنى عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة ، وقوة الإسلام، واستقامة أموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة، وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية ، ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد ، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم ".

  قال شيخ الإسلام ابن حجر : " كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه، لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة (كلهم يجتمع عليه الناس) وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع على أبي بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم أمر، بل قتل قبل ذلك ، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبدالملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة : الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام ، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبدالعزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين ، والثاني عشر هو الوليد ابن يزيد بن عبدالملك ، اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فوليَّ نحو أربع سنين ، ثم قاموا عليه فقتلوه ، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ " ([20]).

   فهذه الروايات الصحيحة تصرح بأن أغلب خلفاء بني أمية    –رحمهم الله – قد أعزوا الإسلام وقوى بهم أمر الأمة ، وإن تفاوتوا بينهم في ذلك – كما سبق - .

   السبب الثاني : أن المتتبع لتاريخ خلفاء بني أمية ، وخاصـة -بعد استقرار الأمور لهم - بداية من عبدالملك بن مروان وإلى سليمان بن عبدالملك يرى مدى اهتمام هؤلاء الخلفاء بدين الله U وتربية أولادهم على حفظ القرآن ، ومعرفة السُّنة وإتقان العربية فعن عبدالملك نفسه يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى- : "هو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين وأربعين ، وكان له ست عشرة سنة ، وكان أمير المدينة في عهد معاوية ، وكان يجالس الفقهاء والعلماء والعباد والصلحاء ، وروى الحديث عن أبيه وجابر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عمر ومعاوية وأم سلمة وبريرة مولاة عائشة ، وروى عنه جماعة منهم خالد بن معدان ، وعروة ، والزهري، وعمرو بن الحارث، ورجاء بن حيوة، وجرير بن عثمان "([21]). وقال الشعبي : " ما جالست أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبدالملك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني منه، ولا شعر إلا زادني فيه "([22]). وقال المدائني : " قال عبدالملك لمؤدِب أولاده – وهو إسماعيل بن عبدالله بن أبي المهاجر - : علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن ، وجنبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير وأقلهم أدباً ، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة ، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا ، ومرهم أن يستاكوا عرضاً ، ويمصوا الماء مصاً ولا يعبَّوا عبَّاً ، وإذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بأدب فليكن ذلك في سر لا يعلم بهم أحد من الحاشية فيهونوا عليهم "([23]).

   ورجل كهذا يجالس العلماء والصلحاء ويغزو في سبيل الله وهو ابن ست عشرة سنة ، ويروى حديث رسول الله e عمن قبله ويرويه لمن بعده وينصح مُربِّي عياله أن يعلمهم الصدق كما يعلمهم القرآن ، ما ظنك به عندما يكون خليفة للمسلمين، لا شك أن مصلحة الإسلام ستكون في مقدمة اهتماماته وإن لم يكن معصوماً من فتنة الحكم ، التي قل من ينجو منها، بل لقد بلغ الأمر بعبدالملك بن مروان بأن بختبر أولاده في حسن تلاوة القرآن، والإلمام بشعر العرب ، فقد روى أبو بكر الصولي: "أن عبدالملك جمع بنيه الوليد وسليمان ومسلمة بين يديه فاستقرأهم القرآن فأجادوا القراءة ، ثم استنشدهم الشعر فأجادوا غير أنهم لم يكملوا شعر الأعشى فلامهم على ذلك ، ثم قال لينشدني كل رجل منكم أرق بيت قالته العرب ، ولا يفحش ، هات يا وليد ، فقال الوليد :

ما مركب وركوب الخيل يعجبني   كمركب بين دُمُلوج وخلخال

فقال عبدالملك : وهل يكون من الشعر أرق من هذا ؟

هات يا سليمان، فقال :

حبذا رجعها يديها إليها   في يَدي درعها تحل الإزارا

فقال : لم تصب، هات يا مسلمة ، فأنشده قول امرئ القيس:

وما ذرفت عيناك إلا لتضربى   بسهميك في أعشا رقاب مقتل

فقال : كذب امرئ القيس ولم يصب ، إذ ذرفت عيناها بالوجد فما بقى إلا اللقاء ، وإنما ينبغي للعاشق أن يفتضى منها الجفاء ويكسوها المودة ، ثم قال أنا مؤجلكم في هذا البيت ثلاثة أيام ، فمن أتاني به فله حكمه – أي مهما طلب أعطيته - ، فنهضوا من عنده فبينما سليمان في موكب إذ هو بأعرابي يسوق إبله وهو يقول :

لو ضربوا بالسيف رأسي في مودتها  

                              لمال يهوي سريعاً نحوها رأسي

فأمر سليمان بالأعرابي فاعتقل ثم جاء إلى أبيه فقال : قد جئتك بما سألت ، فقال : هات فأنشده البيت ، فقال : أحسنت وأنَّى لك هذا فأخبره خبر الأعرابي ، فقال سل حاجتك ولا تنسى صاحبك ، فقال : يا أمير المؤمنين إنك عهدت بالأمر من بعدك للوليد، وإني أحب أن أكون ولي العهد من بعده فأجابه إلى ذلك وبعثه على الحج في إحدى وثمانين وأطلق له مائة ألف درهم ، فأعطاها سليمان ذلك الأعرابي الذي قال ذلك البيت من الشعر "([24]).

   وهذه القصة تعكس لنا مدى عناية عبدالملك بن مروان -رحمه الله تعالى – بتربية أولاده على حسن تلاوة القرآن والإلمام بشعر العرب الذي يمثل في ذلك الوقت ديوان العرب، وأهم موارد ثقافتهم بعد الكتاب والسنة ، وليس ذلك فحسب، بل إنها تكشف لنا أيضاً عن اهتمامه - رحمه الله تعالى – بتربية الحس الجمالي والتذوق الفني، والترقي الشعوري لدى أبناء الخليفة ، كما أنها تبرز ما كان يتحلى به من الأدب الجم عندما اشترط عليهم ألا يفحشوا فيما يختارون من شعر، وعندما أمر سليمان بألا ينسى الأعرابي الذي أقرأه البيت الشعري موضع القبول ، ولم يختلف حال الوليد بن عبدالملك أو أخيه سليمان كثيراً عن حال والدهما([25]).

 

   السبب الثالث : اتساع حركة الفتوحات الإسلامية في عصرهم بشكل لم يسبق له مثيل .

   فلا تكاد تقرأ في أي كتاب من كتب تاريخ الإسلام حتى تطالعنا بغزوة أو أكثر في العام الواحد غزاها المسلمون هنا أو هناك، وأنقل هنا بعض الدلائل على ذلك ، فعن سنة ثمان وسبعين من الهجرة قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - : " وفيها كانت غزوة عظيمة للمسلمين ببلاد الروم، وافتتحوا أرقيلية "([26]). وعن سنة تسع وسبعين قال : " وفيها غزا عبدالله بن أبي بكر (وتيل) ملك الترك الأعظم "([27]). وفي سنة إحدى وثمانين افتتح عبيدالله بن عبدالملك بن مروان مدينة قاليقلا "([28]). " وفي سنة أربع وثمانين افتتح عبيدالله بن عبدالم المصيصة، وغزا محمد بن مروان أرمينية"([29]). وفي سنة ست وثمانين غزا قتيبة بن مسلم مرو وخراسان([30]). وفي سنة سبع وثمانين غزا مسلمة بن عبدالملك بلاد الروم، وقتيبة بن مسلم بـلاد الترك([31]). وفي سنة ثمان وثمانين

غزا مسلمة بن عبدالملك وابن أخيه العباس بن الوليد ، وافتتحا حصن طوانة الحصين في بلاد الروم، وثبت العباس بن الوليد ثباتاً عظيماً([32]). وفي سنة تسع وثمانين غزا مسلمة ، وابن أخيه العباس بلاد الروم مرة أخرى([33]). وفي سنة إحدى وتسعين غزا مسلمة بن عبدالملك وابن أخيه عبدالعزيز بن الوليد بلاد الترك ، وغزا موسى بن نصير بلاد المغرب، وقتيبة بن مسلم بلاد الترك([34]). وفي سنة ثنتين وتسعين غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير بلاد الأندلس([35]). وفي سنة ثلاث وتسعين كان فتح سمرقند([36]). وفي نفس السنة افتتح محمد بن القاسم الثقفي بعض بلاد الهند([37]). وفي سنة أربع وتسعين غزا الوليد أرض الروم وافتتح مدينة إنطاكية ، وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش([38]). وفي سنة ست وتسعين افتتح قتيبة بن مسلم قشفر من أرض الصين([39]). وفي سنة سبع وتسعين جهز سليمان ابن عبدالملك جيوشاً لغزو القسطنطينية([40]).

   وما نقلناه ههنا غيض من فيض وقليل من كثير من تلك الغزوات والفتوحات التي كان يقودها غالباً ابن الخليفة أو حفيده فمن الروم إلى الترك ومن الصين إلى الهند إلى الأندلس تتسع رقعة الإسلام ، وينتشر نور دعوته .

    السبب الرابع : عنايتهم البالغة بتعمير المساجد :-

   ويسجل التاريخ لخلفاء بني أمية عنايتهم الكبيرة بتوسعة المساجد الكبرى، كما صنع الوليد بن عبدالملك سنة 87 من الهجرة حيث أمر عمر بن عبدالعزيز وكان واليه على المدينة بتوسعة المسجد النبوي الشريف ، وإدخال حجرات النبي e في ساحة المسجد بما في ذلك حجرة عائشة رضي الله عنها، والتي شرفت بأن كانت قبراً للنبي e وخليفتيه أبي بكر وعمر y ، وفي العام نفسه أمر الوليد ببناء وتشييد مسجد دمشق الأشهر ، والذي يُعد وبحق مفخرة لعهد الوليد بن عبدالملك([41]).

   ومما سبق يتبين أن الصبغة الإسلامية والعمل على التمكين لدعوة الحق وتكريم العلماء والفقهاء ومجالستهم والجهاد في سبيل الله وإعلاء دينه ، والعناية بالمساجد كانت قاسماً مشتركاً بين خلفاء بني أمية ، وحيث ما يكون ذلك الاستقرار الاجتماعي والرخاء الاقتصادي، والنهضة الحضارية، ولاشك أن حال الخلفاء هذا كان ينعكس إيجابياً على عامة المسلمين في ذلك الزمان.

  كانت هذه إطلاله سريعة على ذلك العصر الذي ولد وتربى وتعلم فيه عمر بن عبدالعزيز t ولاشك أن لهذا آثاره الواضحة في بناء شخصيته .

 

المبحث الثاني

التعريف بعمر بن عبدالعزيزt وكيفية إعداده

*********

   وبعد أن تعرفنا إجمالاً على العصر الذي ولد فيه عمر ابن عبدالعزيزt نبدأ الآن بتوفيق الله تعالى بالتعريف بعمر ابن عبدالعزيز t : " فهو عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبدشمس بن عبدمناف أبو حفص القرشي الأموي أمير المؤمنين ، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم ابن عمر بن الخطاب y " ([42]).

   ومن هذا يتبين أن عمر بن عبدالعزيز t من أشرف قبائل العرب حسباً وأعظمها نسباً ، فجده لأبيه هو مروان بن الحكم الذي اختلف في كونه صحابياً من أصحاب النبي e، أو من أكابر التابعين([43]).

   وأما جده لأمه فإنه فاروق الأمة وأمير المؤمنين عمر ابن الخطاب t ، فقد اجتمع له طيب المحتد ، ورقى الأصل من جهة أبيه وأمه ، ويسجل التاريخ عن عبدالعزيز بن مروان والد عمر أنه ولد في المدينة المنورة ، ثم دخل الشام مع أبيه مروان وكان ولي عهده بعد أخيه عبدالملك ، وقد ولاه أبوه الديار المصرية في سنة خمس وستين([44]).

  وكان - رحمه الله تعالى – يروى الحديث عن كبار الصحابة y " فقد روى عن أبيه وعبدالله بن الزبير،وعقبة بن عامر، وأبي هريرة ، وروى عنه : ابنه عمر ، والزهري، وعلي بن رباح ، وجماعة، وقال فيه محمد بن سعد : كان ثقة قليل الحديث"([45]).

   وهكذا يتبين أن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى- رغم كونه أميراً وابن خليفة لم يشغله ذلك عن أن يروي الحديث الشريف عن كبار الصحابة y ، ويروى عنه الحديث كبار التابعين ، وقد شهد له كبار المحدثين – كما رأينا – بأنه كان ثقة في حديثه ، ومن سماته الشخصية التي يسجلها المؤرخون أنه كان معنياً بتعلم العربية ، مهتماً بألا يلحن في حديثه ، وكان سبب ذلك تلك الحادثة التي يرويها ابن كثير - رحمه الله تعالى – حيث يقول : "دخل رجل على عبدالعزيز بن مروان – وهو أمير – يشكو ختنه – وهو زوج ابنته – فقال له عبدالعزيز من خَتَنك ؟ فقال الرجل ختني الخاتن الذي يختن الناس ، فقال لكاتبه ويحك بماذا أجابني؟ فقال الكاتب يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول : من خِتُنك ؟ فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلمها ، فخرج وهو من أفصح الناس ، وكان بعد ذلك يجزل عطاء من يعرب كلامه، وينقص عطاء من يلحن فيه فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية "([46]).

   وكان عبدالعزيز بن مروان - رحمه الله تعالى – يقدر كبار الصحابة ويصلهم ، ومن دلائل ذلك أنه كتب إلى ابن عمر y كتاباً يقول فيه : " ارفع إلي حاجتك ، فكتب إليه ابن عمر : إن رسول الله e قال : اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول " ولست أسألك شيئاً ولا أرد رزقاً رزقنيه الله U منك ، فبعث إليه بألف دينار "([47]).

   وكان - رحمه الله تعالى – رجلاً كريماً سخياً، وكان يرغب في الإنفاق وينهي عن الشُح ، فيقول : " عجباً لمؤمن ويؤمن بأن الله يرزقه ويُخلف عليه كيف يحبس مالاً عن عظيم أجر وحسن ثناء "([48]). وكانت وفاته - رحمه الله تعالى – " ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين "([49]).

 

   وأما أمه: فإنها أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب y ، ولأمها في تاريخ الإسلام قصة مشهورة مع عمر بن الخطاب t حين كان يتفقد أحوال الرعية ، فسمع امرأة تأمر ابنتها بأن تخلط اللبن بالماء قبل بيعه ، فلم تستجب لها ابنتها، وقالت لها : ألم ينه عن ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فقالت لها أمها : وهل يرانا الآن عمر بن الخطاب ؟ فقالت ابنتها: إذا عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا " ، فعرف عمر t البيت وطلب من أبنائه أن يتزوجها أحدهم ، فكانت من نصيب عاصم t ، وقد ولدت له ليلى أم عمر بن عبدالعزيز –رحمهم الله"([50]).

   وهذه القصة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الورع أصيل في هذه الأسرة ، عريق في تلك المرأة ، وقد روى ابن الجوزي : " أن عبدالعزيز بن مروان لما أراد أن يتزوج قال لقيِّمه : اجمع لي أربع مائة دينار من طيب مالي فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح،فتزوج أم عمر بن عبدالعزيز"([51]).

   ولاشك أن في هذا برهاناً صادقاً على صلاح عبدالعزيز ابن مروان – رحمه الله تعالى- فعندما أراد أن يصاهر وقع اختياره على بيت من أشرف البيوت وأطهرها بيت أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب t ، وعندما أراد أن يدفع لها مهرها طلب من قيِّمه على أمواله أن يختار له مالاً من أطيب ماله ، وكل هذا ليؤسس الرجل بيته على تقوى من الله ورضوان من أول يوم لهذا البيت ، وفي رحاب هذا الأب الفاضل والأم الكريمة الصالحة ولد عمر ابن عبدالعزيز t وكان مولده بحلوان في مصر كما صرح بذلك السيوطي([52]) وكان هذا في سنة ثلاث وستين أو خمس وستين كما سبق ، وإننا لنلمس في تسمية عبدالعزيز بن مروان لولده باسم "عمر" تيمناً بجده لأمه عمر بن الخطاب t ، اعتزازاً من عبدالعزيز بفاروق الأمة ، وتعلقاً به وطمعاً في أن يسير ولده  هذا سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t ، ولاسيما بعد أن شاعت بين الناس تلك الرؤى التي كان يراها الفاروق الملهم في منامه من أن ولداً أشج من أولاده سيملأ الأرض عدلاً([53]) ، ولهذا كانت سعادة عبدالعزيز بالغة عندما دخل عمر ولده إلى اصطبل الخيل فضربه فرس فشجه فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول : "إن كنت أشج بني أمية إنك إذن للسعيد "([54]).

 

   إعـداد أبيـه لـه :

   لم يقنع عبدالعزيز بن مروان بالأمان ولم يقف عند حدود البشارة ، وإنما سعى سعياً حثيثاً على أن يجعل من عمر ولده مسلماً صالحاً، وعالماً عاملاً ليكون بعد ذلك خليفة مصلحاً وإماماً عادلاً . فقد عهد به أبوه إلى من يحفظه القرآن الكريم ، فجمع القرآن وهي في سن صغير كما قال ابن كثير([55]). وتحفيظ القرآن الكريم هو الباب الأعظم والمفتاح الأول نحو تربية إسلامية صحيحة ، فإذا ما نشأ الطفل المسلم على حفظ القرآن  وارتوت نفسه الصغيرة من نبعه الريان، وامتلأت جنبات صدره بأنواره الساطعة كان هذا -بمشيئة الله- إيذاناً بتخريج شاب مسلم عارفاً برسالته مدركاً لغايته ، ولهذا كان ولا يزال تحفيظ القرآن الكريم هو البداية الصحيحة لإعداد الدعاة إلى الله تعالى ، وكان كذلك ولا يزال أعداء الدعوة لمكاتب التحفيظ ومدارسه بالمرصاد، وإذا كان حفظ القرآن هو البداية الصحيحة ، فليس هو كل شيء بل لابد معه وبعده من إعداد تربوي وتعليم إسلامي ، ولقد كان ولا يزال من الأخطاء الشائعة بين بعض المسلمين الاهتمام بتحفيظ أبنائهم القرآن دون تعليمهم ، وتدريبهم على حسن تدبره ، وضرورة العمل به، وفي هذا يقول الشيخ محمد الغزالي-رحمه الله تعالى- :" إن حال المسلمين مع القرآن الكريم تستدعي الدراسة المتعمقة ، ذلك أن المسلمين بعد القرون الأولى انصرف اهتمامهم وكتابهم إلى ناحية التلاوة ، وضبط مخارج الحروف وإتقان الغُنن والمدود وما إلى ذلك مما يتصل بلفظ القرآن والحفاظ على تواتره، كما جاءنا أداءً وأحكاماً – أقصد أحكام التلاوة – لكنهم بالنسبة لتعاملهم مع كتابهم صنعوا شيئاً ربما لم تصنعه الأمم الأخرى ، فإن كلمة "قرأت " عندما يسمعها الإنسان العادي أو يقولها ، تعني أن رسالة جاءته أو كتاباً وقع بين يديه فنظر فيه وفهم المقصود منه ، فمن حيث الدلالة لا أجد فكاكاً بين الفهم والقراءة أو بين السماع والوعي ، أما الأمة الإسلامية فلا أدري بأية طريقة فصلت بين التلاوة وبين التدبر ، فأصبح المسلم اليوم يقرأ القرآن لمجرد البركة ، كما يقولون فكأن ترديد الألفاظ دون حس بمعانيها ووعي لمغازيها ، يفيد أو هو المقصود ، وعندما أحاول أن أتبين الموقف في هذا التصرف أجد أنه موقف مرفوض من الناحية الشرعية ذلك أن قوله تعالى } كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب { ([56]) يعني الوعي والإدراك والتذكر والتدبر، فأين التدبر ؟ وأين التذكر مع تلك التلاوة السطحية التي ليس فيها أي إحساس بالمعنى أو إدراك للمقصد، أو غوص فيما وراء المعنى القريب لاستنتاج ما هو مطلوب لأمتنا من مقومات نفسية أو اجتماعية تستعيد بها الدور المفقود في الشهادة على الإنسانية وقيادتها إلى الخير ؟ " ([57]).

   ولقد انتبه عبدالعزيز بن مروان إلى هذا المعنى، فعهد بولده إلى من يؤدبه ويعلمه ، فقد قال الضحاك بن عثمان الخزامي : "كان أبوه قد جعله عند صالح بن كيسان يؤدبه، فلما حج أبوه اجتاز به في المدينة فسأله عنه فقال : ما خبرت أحداً الله أعظم في صدره من هذا الغلام " ([58]).

   ومن هذا يتبين أن عبدالعزيز بن مروان لم يكتف باختيار من يعلم ولده ويؤدبه ، بل كان يتابعه ويسأل عن حاله ويعاقبه إذا استدعى الأمر ذلك ، وهذا ما يتبين لنا من القصة التالية : " روى يعقوب بن سفيان : أن عمر بن عبدالعزيز تأخر عن الصلاة مع الجماعة يوماً فقال صالح بن كيسان : ما شغلك ؟ فقال : كانت مرجِّلتي تسكن شعرى ، فقال له : قدمت ذلك على الصلاة ؟ وكتب إلى أبيه وهو على مصر – يعلمه بذلك – فبعث أبوه رسولاً فلم يكلمه حتى حلق رأسه "([59]).

   وهذه القصة تعكس لنا ما كان يتصف به صالح بن كيسان معلم عمر ومؤدبه من صدق وإخلاص في أداء مهمته ، ومتابعة جيدة لكل ما يفعله عمر بن عبدالعزيز وهو صبي صغير ، حتى علم بتأخره عن صلاة الجماعة، وكان من الممكن أن يكتفي صالح ابن كيسان بتعنيف عمر وتأنيبه ، ولكنه بجانب هذا بعث رسالة إلى والده عبدالعزيز يخبره فيها بما حدث، وكم كان عبدالعزيز       - رحمه الله تعالى – حاسماً وحازماً، فبعث رسولاً خاصاً إلى ولده عمر كي يحلق شعره ذلك الذي شغله عن صلاة الجماعة، ألا ليت القائمين على شان التعليم في بلاد الإسلام يتعلمون من هذا الموقف ويقتدون بابن كيسان فيما صنع ، ويا ليت الآباء الذين يتمنون النصر للإسلام والمسلمين والتمكين لدعوة الحق والسعادة في الدنيا والآخرة لأبنائهم يقتدون بعبدالعزيز بن مروان ، إن كثيراً من الآباء في عصرنا يهملون في تربية أبنائهم ومتابعتهم، ويعتذرون عن ذلك بكثرة مشاغلهم، وازدحام أوقاتهم، ولهذا نقول إن الإهمال في تربية النشئ تضييع لمستقبل لهذه الأمة ، وتعطيل لانطلاقة هذا الدين ، ولقد كان عبدالعزيز بن مروان أميراً على مصر، وولى العهد الثاني بعد أخيه عبدالملك لكن كل ذلك لم يشغله عن أدق الدقائق في تربية ولده وإعداده .

 

   ابتعاثه t إلى المدينة المنورة ليتلقى العلم :

   كان حب المدينة المنورة ولا يزال يملك شغاف القلوب المؤمنة، فهي مهاجر النبي e وموطن إقامته، وموضع مسجده ، وقد شرفت على شتى بقاع الدنيا بأن ضم ثراها جسد سيد ولد آدم محمد e .

   وكانت المدينة المنورة في القرن الأول زاخرة بكبار الصحابة y من المهاجرين والأنصار ، ولكل هذا اختار عمر ابن عبدالعزيز t وهو شاب حدس أن يذهب إلى المدينة المنورة ليتعلم على يد علمائها ، قال الزبير بن بكار : حدثني العتبي قال : " إن أول ما استبين من رشد عمر بن عبدالعزيز t حرصه على العلم ورغبته في الأدب ، إن أباه ولى مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه ، فأراد أبوه إخراجه معه إلى مصر من الشام ، فقال يا أبت أو غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك ؟ قال : وما هو؟ قال ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها وأتأدب بأدبهم ، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة وأرسل معه الخدام ، فقعد مع مشايخ قريش وتجنب شبابهم ، وما زال على ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره"([60]).

  ومما يجدر التنبيه إليه مما سبق عدة أمور :

   الأول : اختيار عمر t للمدينة دون سواها دليل على ما كان يتمتع به من فقه مبكر ، فإن المدينة المنورة في ذاك الوقت كانت الجامعة الكبرى ، والموئل الأصيل لمن بقى من الصحابة y وكبار التابعين .

  الثاني : استجابة عبدالعزيز بن مروان لرغبة ولده عمر ، وتهيئة كل وسائل الراحة له ليتفرغ لطلب العلم .

   الثالث : أن عمر t في المدينة لم يكن يجالس أمثاله من الشباب وإنما كان يجالس – إلى جانب العلماء والفقهاء- شيوخ قريش، ولاشك أن هذا أكسبه بجوار العلم الشرعي الخبرة العملية ورقة القلب ، يدل على هذا ما رواه أبو قبيل : " أن عمر ابن عبدالعزيز بكى وهو غلام صغير، فبلغ أمه فأرسلت إليه ، فقالت: ما يبكيك ؟ قال : ذكرت الموت فبكت أمه " ([61]).

  ولو أن عمر يجالس أمثاله من الشباب ما شغل بمثل هذا الأمر، وفي هذه المرحلة المبكرة من حياته t كان يبدى اعتزازاً واضحاً بجده عمر بن الخطاب ، بل ربما حدث بعض الناس بأنه إن صار خليفة المسلمين فسيقفو أثر عمر بن الخطاب t ، يدل على هذا ما روى عن داود بن هند قال : " دخل علينا عمر ابن عبدالعزيز من هذا الباب - وأشار إلى باب من أبواب مسجد النبي e - فقال رجل من القوم : إن ابن مروان قد بعث إلينا بولده هذا ليتعلم الفرائض والسنن ، ويزعم أنه لن يموت حتى يكون خليفة ويسير سيرة عمر بن الخطاب ، قال داود : فوالله ما مات حتى رأينا ذلك فيه "([62]).

   وهذه الحادثة تؤكد كل التأكيد على أن عمر بن عبدالعزيز t في تلك الفترة كانت لا تغيب عن ذهنه سيرة عمر بن الخطاب t وأنه كان عازماً كل العزم على أن يقفو أثر جده الفاروق إن مكنه الله تعالى وصار خليفة مثل جده عمر t .

 

   ومن الخصائص المميزة له t في تلك الفترة : رغبته العارمة في طلب العلم ، وحرصه البالغ على تحصيله ، ونهمه في طلب الزيادة منه يدل على هذا ما رواه عبدالله بن طاوس قال : "رأيت أبي توقف هو وعمر بن عبدالعزيز من بعد صلاة العشاء حتى أصبحنا ، فلما افترقا قلت يا أبت من هذا الرجل ؟ قال : هذا عمر ابن عبدالعزيز، وهو من صالحي هذا البيت، يعني بني أمية "([63]).

   وهذه القصة ولا شك تجلي لنا جانباً مشرقاً في شخصية عمر ابن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى – منذ تلك المرحلة الباكرة من شبابه ، وفي ذلك الدأب العجيب، وهذا الصبر الجميل في مصاحبة أهل العلم والصلاح، والاستفادة منهم في كل زمان ومكان ، فها هو يقضي ليلة كاملة واقفاً على قدميه يطلب العلم ويدارسه مع أحد أساطينه وهو طاووس t ، وذلك على الرغم من كثرة الإغراءات التي تحاول الهيمنة على شاب في مثل عُمْر عمَر وفي مثل مكانته ، وهو في تلك الفترة نجم بني أمية الساطع ودوحة الفاروق الباسقة ، وما هي إلا سنوات عديدة أصبح بعدها عمر بن عبدالعزيز t من أعلم الناس بشرع الله U في مدينة رسول الله e ، وصارت شهرته في هذا الميدان أكثر وأعظم من شهرته النسبية ، فعمه الخليفة وأبوه ولي العهد ، وها هي بعض شهادات كبار العلماء في عصره ، لعلم عمر t ، يقول الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - : " لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبدالعزيز "([64]). وقال ابن وهب حدثني الليث عن أبي النضر قال : " رأيت سليمان بن يسار خارجاً من عند عمر بن عبدالعزيز ، فقلت له : مِن عند عمر خرجت ؟ قال نعم ، قلت : تعلمونه ؟ قال : نعم ، فقلت : هو والله أعلمكم . وقال مجاهد : أتينا عمر نعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه ، وقال ميمون بن مهران : كانت العلماء عند عمر بن عبدالعزيز تلامذة وفي رواية قال ميمون : كان عمر بن عبدالعزيز معلم العلماء ، وقال الليث : حدثني رجل كان قد صحب ابن عمر وابن عباس ، وكان عمر بن عبدالعزيز يستعمله على الجزيرة : قال ما التمسنا علم شيء إلا وجدنا عمر بن عبدالعزيز أعلم الناس بأصله وفرعه وما كان العلماء عند عمر بن عبدالعزيز إلا تلامذة "([65]).

   ولاشك أن في هذه الشهادات من أولئك الأعلام الثقات من أمثال الإمام أحمد وسليمان بن يسار ومجاهد وغيرهم لاشك أن فيها دليلاً قاطعاً وبرهاناً ساطعاً على سعة علم عمر بن عبدالعزيز ودقة فهمه وثبات قدمه في علوم الشريعة حتى استحق تلك الإشادة من هؤلاء الأئمة الأعلام ، ولولا ما شغل به عمر بن عبدالعزيز بعد هذا من شؤون الولاية والوزارة ، ثم الخلافة لفاق كثيراً من معاصريه من أئمة الإسلام وعلمائه، يدل على هذا ما قاله الإمام الزهري  -رحمه الله - : " سهرت ليلة مع عمر بن عبدالعزيز فحدثته، فقال: كل ما حدثت فقد سمعته ولكن حفظت ونسيت"([66]).

   وما صرح به عمر بن عبدالعزيز t من حفظه لبعض ما سمعه من كبار العلماء ونسيانه للبعض أمر طبيعي ، فلقد حمل الرجل على عاتقه بعد مرحلة الصبا أعباءً جساماً من الإمارة والوزارة ثم الخلافة ، وقيادة الأمة ، وفي هذه المهمات جميعها كان في غاية اليقظة والإخلاص ، ولاشك أن أعباء الحكم ومشغلاته قد أنسته بعض ما سمع إلا أنه – كما رأينا – كان يستعين بكبار العلماء ليذكروه ما نسى ، ويثبتوا له ما حفظ، كما كان يصنع مع الإمام الزهري ، وهكذا يتبين لنا أن عمر ابن عبدالعزيز t قد أُعد منذ فجر عمره إعداداً إسلامياً صحيحاً ، وسيكون لهذا الإعداد ولا شك ثماره اليانعة حين يتبوأ ذلك الرجل مكان القيادة ، ويعتلى سُدة الحكم ، فبعد الأبوين الصالحين اختار له أبوه ذلك المعلم الصالح والمرشد الناصح الذي لقنه القرآن تحفيظاً وتعليماً ، وأشرف وبكل دقة على نقله من مرحلة الحفظ والتعليم إلى مرحلة العمل والتنفيذ ، وكم كان عبدالعزيز ابن مروان موفقاً عندما أذن لولده أن يرتحل إلى مدينة رسول الله e ليتم فيها رحلة التربية والتعليم ، وليغترف من ينابيعها الصافية، وينعم برياضها الإيمانية النضرة، فما زال مسجد رسول الله e يبُث أنواره في ربوعها سَناً باقياً وضياءً هادياً ، وما زالت أجواؤها الطاهرة تحتفظ ببقية أنفاس المصطفى e ينتشر عبيرها في الآفاق ، ويشيع شذاها وأريجها ليصافح القلوب المخلصة ، وما زالت آثار رسول الله e في كل بقعة من بقاعها تزيد النفس أمناً وأماناً ، وقد كسيت كلها هالة رائعة من الجلال والجمال، وهي تزهو وتزدهي بعلماء أعلام من الصحابة والتابعينy .

   ووسط هذه الربوع وأولئك الأعلام قضى عمر t فترة صباه وبعضاً من شبابه ، وفي هذا ولاشك تعليم لنا نحن المسلمين ، فإن تربية أجيالنا المسلمة على مائدة الكتاب والسنة أمر لابد منه لحماية هؤلاء الشباب مما يُكاد لهم من أعداء ديننا ، وخصوم أمتنا ولاسيما في عصرنا هذا الذي جمعت فيه القوى المعادية للإسلام والمسلمين على هذه الأمة تجمع الأكلة على قصعتها ، وقد أعانهم على ذلك التقدم المذهل في وسائل الاتصال ، والإعلام ، فكم تحمل الأجواء الآن لشبابنا من قنوات فضائية لا همَّ لأكثرها إلا العبث بعقيدته ، وإثارة غرائزه ، وتدمير أخلاقه وتشكيكه في ثوابت دينه ورسالة أمته ، ولا عاصم لهؤلاء الشباب من تلك الفتن التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمة،والتي يمكن أن نطلق عليها – وبحق – أسلحة الدمار الشامل المصوبة تجاه قلوب شبابنا وعقولهم إلا بتربيتهم كما رُبى عمر بن عبدالعزيز t ، ولقد كان للقدوة الحسنة أثرها الواضح في حياة عمر بن عبدالعزيز t والذي كان يعتز كل الاعتزاز بجده لأمه فاروق الأمة وخليفتها العادل عمر بن الخطاب t ، وهذا الاعتزاز بعمر بن الخطاب من عمر بن عبدالعزيز إنما كان نتيجة طبيعية لكثرة ما سمع من أمه وأبيه ومن حوله عن سيرة الفاروق عمر ، وما أحوج شباب الأمة اليوم إلى استعادة مثل هذه القدوة ليستمد منها الثبات والقوة على مواجهة تلك الأمواج العاتية ، والتي تتمنى استئصال شأفته وذهاب قوته ، وجعله دمية في يد أعدائه يرمون بها حيثما يشاءون، أما غفلة كثير من المسلمين عن إدراك أهمية القدوة في نفوس شبابهم ، وجد المغرضون والحاقدون على هذه الأمة قلوب وعقول كثير من الشباب المسلم فارغة من الاقتداء برسول الله e ومن بعده من أئمة الهدى ومصابيح الدجى من أعلام الإسلام فنصَّبوا لها من تقتدي بهم من المغنين والممثلين ولاعبي الكرة من الشرقيين والغربيين والاقتداء بأمثال هؤلاء لا يزيد الشباب إلا ضياعاً ، ولا الأمة إلا ضعفاً ، ويا ليت القائمين على مراكز التعليم ووسائل الإعلام في أقطارنا العربية والإسلامية يفردون مساحات واسعة من المقررات التعليمية والمواد الإعلامية ليذكروا الأمة كلها شبابها وشيبها رجالها ونساءها ، يسير هؤلاء الأعلام الذين يعتز بهم الإسلام على امتداد تاريخه، وفي هذا ولاشك تحصين لأبنائنا وبناتنا من مكر الماكرين، وكيد الكائدين، ومن الدروس المستفادة من الإعداد العلمي والتربوي لعمر ابن عبدالعزيز t والتي يجب أن تتعلم منها الأمة المسلمة ربط الشباب المسلم بعواصم الإسلام المقدسة : مكة المكرمة والمدينة المنورة ، ومدينة القدس ويتحقق ذلك بكثرة تحديثهم عن فضائل تلك المواطن ، وابتعاث المجدِّين منهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة لأداء النُسُك نسك الحج أو العمرة ، وزيارة مدينة رسول الله e ، وتكون تلك الرحلات في صورة جوائز وحوافز للمتفوقين منهم والمُجدين ، وذلك بدلاً من تلك الرحلات التي تنظم لبعض الشباب في بعض البلاد العربية والإسلامية إلى بعض العواصم الغربية ، والتي يرجعون بعدها وقد تغير أكثرهم في أسلوب حياته وفي أخلاقه .

   وفي نهاية هذا المبحث نستطيع أن نؤكد وبكل اطمئنان إلى أن عمر بن عبدالعزيز t ما مكن لدعوة الله U حين جلس على كرسي الحكم إلا لأنه قد تمكنت الدعوة منه ، وسيطر حبها على كيانه وصبغ وجدانه منذ فترة طفولته وصباه وشبابه .


الفصل الثانـي

جهود عمر بن عبدالعزيز t

في التمكين للدعوة قبل أن يُولى الخلافة

 

تمهيـد :

     تناولنا في المبحث السابق أهم ملامح العصر الذي ولد فيه عمر بن عبدالعزيز ، وكيف أُعد t إعداداً تربوياً وعلمياً ، هيأه إلى أن صار في مقدمة صف العلماء والفقهاء، وأهل الورع، وفي هذا المبحث بمشيئة الله تعالى نتناول منهجه في التمكين للدعوة من خلال ما ولىّ من الإمارة ثم الوزارة ، وذلك ليؤكد على حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن الإنسان إذا ما أُعد إعداداً إسلامياً صحيحاً في المرحلة الأولى من حياته، فلا يمكن لأى من المُغريات أن تؤثر في نفسه ، ولو كانت تلك المغريات هي القرب من الخلفاء ، أو اعتلاء كرسي الإمارة أو الوزارة ، فإن مثل هذه المناصب لم تزد عمر بن عبدالعزيزt إلا ثباتاً على منهجه ، وإصراراً على التمكين لدعوة الله U واستثمار تلك المناصب للوصول إلى ذلك ، وقد ولى عمر t قبل أن يليّ المنصب الخلافة منصب الإمارة ، فعين أميراً للمدينة المنورة ثم منصب الوزارة ، ولاشك أن كلاً من المنصبين يختلف عن الآخر في طبيعته ، وفي سلطته ، وسنفرد لكل من هذين المنصبين مبحثاً لنرى من خلاله منهج عمر بن عبدالعزيزt في التمكين للدعوة أثناء تلك المرحلة من حياته .

 
المبحث الأول

منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين للدعوة

حين كان أميراً على المدينة المنورة

********

   وقبل أن نشرع في بيان كيف وليَّ عمر بن عبدالعزيز t المدينة المنورة ؟ وماذا صنع هناك ليمكن لدعوة الله U ؟

  يجب أن ننبه القارئ الكريم أن عمر بن عبدالعزيز t عندما صار شاباً في سن الزواج كان مقرباً من عمه عبدالملك ابن مروان ، وكان عنده بمنزلة أبنائه ، فلما توفى أبوه عبدالعزيز ابن عبدالملك طلبه عمه عبدالملك إلى دمشق وزوجه ابنته فاطمة([67]) وهي التي قال الشاعر فيها :

أخت الخلائف      والخليفة جدهـا

  بنت الخليفـة       والخليفة زوجها([68]).

  وبعد وفاة عبدالملك بن مروان وتولى ولده الوليد بن عبدالملك خلافة المسلمين ، وفي سنة ست وثمانين للهجرة وقع اختيار الوليد على عمر بن عبدالعزيز t ليكون واليه على المدينة المنورة ، وولاية المدينة في ذاك الوقت كانت تتبعها مكة المكرمة والطائف ، بيد أن إقامة الوالي تكون في المدينة المنورة([69]).

   فعن عبدالرحمن بن أبي زناد عن أبيه قال : " ولي عمر بن عبدالعزيز المدينة المنورة في شهر ربيع سنة ست وثمانين ، وهو ابن خمس وعشرين سنة ولاها إياه الوليد بن عبدالملك حين اسُتخْلِف"([70]). وقال ابن كثير-رحمه الله-:"عزل الوليد بن عبدالملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة، وولى عليها ابن عمه وزوج أخته فاطمة بنت عبدالملك عمر بن عبدالعزيز، فدخلها على ثلاثين بعيراً في ربيع الأول منها ، فنزل دار مروان ، وجاء الناس للسلام عليه ، وعمره إذ ذاك خمس وعشرين سنة"([71]).

   وهكذا شاء القدر لعمر بن عبدالعزيز أن يعود إلى المدينة المنورة مرة أخرى، لكن هذه المرة تختلف عن سابقتها ، ففي الأولى جاء إلى المدينة ليتربى على يد علمائها ويتأدب على يد صالحيها ، أما الآن فقد دخل المدينة المنورة في موكب مهيب قوامه ثلاثون بعيراً ، ليتبوأ مكان الإمارة ويكون لـه فيها الحكم والصدارة ، وذلك ليحول ما تعلمه فيها بالأمس إلى منهج حياة اليوم ، وليطبق ما تلقنه من أحكام شرعية في مسيرته السياسية، وفيما يلي نعرض أهم جهوده t في التمكين للدعوة إلى الله من خلال ما قام به من إجراءات عملية في المدينة المنورة .

  أولاً : تكوينه لمجس الشورى :-

   إن مما لا شك فيه أن الشورى دعامة أصيلة من دعائم نظام الحكم في الإسلام، وأن كل قائد أو مسئول لابد له من مستشارين أمناء يرجع إليهم في المسائل المهمة التي تعرض له ، وقد قال تعالى مخاطباً نبيه e : } وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ { ([72]) ، وقد استجاب e لأمر ربه فكان من أكثر الناس مشورة لأصحابه ، يقول الدكتور / عبدالكريم زيدان : " كان النبي e على جلالة قدره وعظيم منزلته كثيراً ما يشاور أصحابه، فشاورهم يوم بدر في التوجه إلى قتال المشركين ، وشاورهم قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو ، وشاور السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق، فأشارا عليه بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم عنها ، فقبل رأيهما ، وهكذا كان رسول الله e كثير المشاورة لأصحابه حتى قال العلماء : لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله e " ([73]).

   ولقد أكد القرآن الكريم على أهمية الشورى في سورة سماها الحق تبارك وتعالى "سورة الشورى" وقد بين فيها الحق I أن الشورى من سمات الأمة المسلمة ، التي لا يمكن أن تنفك عنها ، أو تفرط فيها ، فهي عندهم بمنزلة الصلاة والإنفاق في سبيل الله ومن ثم ذكرت بينهما في قوله تعالى : } وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُم { ([74]).

   وعندما ولى عمر بن عبدالعزيز t ولاية المدينة كان أول ما فعل أن كون مجلساً استشارياً له من خيرة علماء المدينة وفقهائها وفي هذا يروى ابن سعد عن عبدالرحمن بن الزناد عن أبيه قال : "لما قدم عمر بن عبدالعزيز المدينة والياً عليها كتب حاجبه الناس ثم دخلوا فسلموا عليه ، فلما صلى الظهر دعا عشرة نفر من فقهاء البلد : عروة بن الزبير، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، وأبا بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبدالله، وعبدالله بن عبدالله بن عمر ، وعبدالله بن عامر بن ربيعة ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً يتعدى أو بلغكم عن عامل لى ظلامة فأحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا أبلغني فجزوه خيراً وافترقوا "([75]).

  ويستفاد من هذا النص عدة أمور :

   الأول : أن تكوين هذا المجلس الاستشاري كان أول عمل عمله عمر بن عبدالعزيز t بعد أن صلى الظهر في أول يوم وصل فيه إلى المدينة ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى عنايته بتكوين هذا المجلس ومعرفته لأهميته .

   الثاني : أن اختياره لهؤلاء الفقهاء العشرة، ومقابلته لهم في اليوم الأول لولايته دليل على أن عمر t كان قد درس أحوال المدينة دراسة مستوعبة ، وعرف صفوة علمائها ، فاختار مستشاريه من كبار التابعين، وأبناء الصحابة y ، ولعل مما أعانه على ذلك فترة إقامته السابقة في المدينة المنورة ودراسته على يد علمائها ، وربما كان هذا ما دفع الوليد بن عبدالملك إلى اختيار عمر دون غيره ليكون والياً لمدينة رسول الله e .

   الثالث : ويلاحظ في الكلام الذي وجهه لمستشاريه t جديته في الرجوع إلى هؤلاء الفقهاء، فقد ذكرهم أنه قد دعاهم إلى شيء يؤجرون عليه من الله تعالى ، وأنه يريد منهم أن يكونوا أعوانه على الحق ، ووعدهم ألا يقطع أمراً دونهم ، فهم ليسوا مجلساً شكلياً يصفقون لقراراته ، ويشيدون بكلماته ، وإنما هو مجلس حق  يعينه على الطاعة إن هو أطاع الله تعالى ، ويقومونه إذا اعوج ، ولم يكتف بهذا بل طلب منهم وعزم عليهم أن يبلغوه بما يعرفون من المظالم إذا ما ظلم بعض عماله رعيته ، وبالإضافة إلى فقهاء المدينة العشرة كان عمر بن عبدالعزيز t يطلب مشورة سعيد ابن المسيب t بشكل دائم ، وفي هذا يقول ابن كثير : " وكان عمر بن عبدالعزيز لا يخرج عن قول سعيد بن المسيب، وقد كان سعيد بن المسيب لا يأتي أحداً من الخلفاء،وكان يأتي إلى عمر ابن عبدالعزيز وهو بالمدينة ، وقال إبراهيم بن عبلة : "قدمت المدينة وبها ابن المسيب وغيره ، وقد ندبهم عمر يوماً إلى رأي"([76]).

   وهكذا أحاط عمر بن عبدالعزيز t نفسه بهؤلاء العلماء الفقهاء فكان لا يقطع أمراً دونهم ، وقد أدى هذا إلى شهادة العلماء بحسن قضائه ، وإصابته في كل ما حكم فيه " قال ابن وهب : حدثني الليث ، حدثني قادم البربري أنه ذاكر ربيعة بن أبي عبدالرحمن يوماً شيئاً من قضايا عمر بن عبدالعزيز إذ كان بالمدينة ، فقال له الربيع : كأنك تقول أخطأ ؟ والذي نفسي بيده ما أخطأ قط "([77]).

   ويجدر التنبيه هنا إلى أن عمر بن عبدالعزيز t لم يكتف بمشاورة العلماء والأخذ برأيهم في كل المسائل ، بل كان t يناقشهم فيما يذهبون إليه ، ويخالفهم إذا اقتضت مصلحة الإسلام والمسلمين هذه المخالفة ، وقد ساعده على ذلك ما وهبه الله تعالى من نظرة ثاقبة ، وتفكير مستقبلي ، ونضرب لهذا أنموذجاً بتوسعة مسجد النبي e ، ففي سنة ثمان وثمانين ، وعندما كان عمر ابن عبدالعزيز والياً على المدينة المنورة ، بعث إليه الوليد ابن عبدالملك خطاباً يأمره فيه بتوسعة المسجد النبوي الشريف حتى يتسع لمن يؤمه من المسلمين ، وفي هذا يقول ابن كثير : "أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر ابن عبدالعزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجر أزواج رسول الله e ، وأن يوسعه من قبلته ، وسائر نواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، فمن باعك ملكه فاشتره منه وإلا فقومه له قيمة عدل ، ثم اهدمه وادفع إليهم أثمان بيوتهم ، فإن لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان ، فجمع عمر بن عبدالعزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة ، وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد ، فشق عليهم ذلك ، وقالوا هذه حُجر قصيرة السقوف وسقوفها من جريد النخل ، وحيطانها من اللبن، وعلى أبوابها المسوح وتركها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج والزوار، والمسافرون، فعند ذلك كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة ، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد ، وأن يُعلى سقوفه ، فاستجاب عمر وشرع في بنائه وشمر عن إزاره واجتهد في ذلك "([78]).

   ومن هذه الرواة يتبين أن فقهاء المدينة وأهلها حين استشارهم عمر بن عبدالعزيز t لم يشيروا عليه بحرمة ما طلبه الوليد، وإنما أخبروه بأن الأولى ترك حجرات النبي e على حالها ، فكان عمر أميناً في نقل ما أشاروا به إلى أمير المؤمنين الوليد ابن عبدالملك، لكن الوليد - رحمه الله تعالى- كان مصراً على موقفه وهو الأصح ، ولاشك أن فيه تيسيراً على المسلمين، وتكريماً لمسجد رسول الله e ، ونستشعر من خلال الرواية السابقة اقتناع عمر الكامل بصحة قرار أمير المؤمنين الوليد ، ولولا اقتناعه بذلك ما قام بما طلبه منه الوليد ، ولو أدى ذلك إلى اعتزاله أو عزله عن ولاية المدينة ، فما مثل عمر بن عبدالعزيز بالذي ينفذ أمراً وهو له كاره .

   ثانياً : إحياؤه لسنة رسول الله e :-

   كان من أولويات عمر بن عبدالعزيز t أثناء ولايته للمدينة المنورة أن يحيى سنة رسول الله e ويعمل بها ويدعو الناس إليها وقد شهد له بذلك أئمة السنة وعلماؤها " فعن نوح بن قيس قال : سمعت أيوب يقول: لا نعلم أحداً ممن أدركنا كان أخذ عن نبي الله e من عمر بن عبدالعزيز "([79]). وأثناء ولاية عمر بن عبدالعزيز لمدينة رسول الله e كان الصحابي الجليل أنس بن مالك t لا يزال حياً، فقربه عمر t إليه وكان يسأله عن كل صغيرة وكبيرة من سنة رسول الله e ، يدل هذا على ما روى عن أبي حفص ابن عمر بن أبي طلحة الأنصاري t قال : لما أراد عمر ابن عبدالعزيز أن يحج من المدينة وهو واليها في خلافة الوليد ابن عبدالملك (وكان الوليد قد استخلفه على الحج) دخل عليه أنس ابن مالك وهو يومئذ بالمدينة فقال : يا أبا حمزة ألا تخبرنا عن خطب النبي e في حجة الوداع ، فقال : خطب رسول الله e بمكة قبل التروية بيوم ، وخطب بعرفة يوم عرفة ، وخطب بمنى الغد من يوم النحر ، والغد من يوم النفر "([80]).

   وهكذا يسأل t عن خطب رسول الله e في حجة الوداع

ليقتدي به فيها ، ولم يكن اقتداؤه t برسول الله e في خطبه وحجه فحسب ، بل كان في كل شيء ، وإليك هذه الشهادة التي شهد بها أنس بن مالك t لصلاة عمر بن عبدالعزيز : "فعن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك t قال : ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله e من هذا الفتى ، يعني عمر ابن عبدالعزيز "([81]).

   فهذه الشهادة وسام رفيع على صدر عمر بن عبدالعزيز t من الصحابي الجليل أنس بن مالك t والذي طال به العمر فصلى خلف عشرات الأئمة ، لكنه لم ير صلاة أحد من هؤلاء أشبه بصلاة رسول الله e من عمر بن عبدالعزيز، وفي هذا دليل قاطع على تحري عمر بن عبدالعزيز لكيفية صلاة رسول الله e ومما كان يحرص عليه t وهو والي المدينة صيام يومي الاثنين والخميس اقتداءً برسول الله e ، " فعن حماد بن زيد قال : حدثنا يحيى : أن عمر بن عبدالعزيز كان يصوم يوم الاثنين والخميس وهو في المدينة "([82]). بل لقد بلغ من شدة حبه لرسول الله e وتعلقه بآثاره الشريفة أن يستوهب سهل بن سعد t قدحاً شرب منه رسول الله e فوهبه إياه "([83]). ولشدة تتبعه لسنة رسول الله e ، وصار من أئمتها وحفاظها ، وفي هذا يقول الإمام الذهبي : " كان عمر بن عبدالعزيز إماماً فقيهاً مجتهداً عارفاً بالسنن كبير الشأن ثبتاً حجة حافظاً قانتاً لله أواهاً منيباً " ([84]).

 

   ثالثاً : عنايته بألا يفوت الخير رعيته :-

   ليست مهمة الراعي أن يوفر لرعيته الطعام والشراب وما يحتاجون من ضرورات الحياة الدنيا ، أو رغدها فحسب، وإنما مهمته قبل ذلك وبعده أن يعين رعيته على طاعة الله تعالى ، وهذا ما جَسَّده عمر بن عبدالعزيز t أثناء ولايته لمدينة رسول الله e "روى ابن سعد في طبقاته عن إبراهيم بن محمد عن أبيه قال : قال عمر بن عبدالعزيز وهو والي المدينة للمؤذن : إذا أذنت للظهر أو العتمة فصل ركعتين ثم اقعد قدر ما تظن أن قد سمعك رجل من أقصى المدينة فقضى حاجته وتوضأ ولبس ثيابه ، ومشى مشياً رفيقاً حتى يأتي المسجد فيصلي فيه أربع ركعات ثم قعد فأقم بعد ذلك " ([85]).

   فمن هذه الرواية يتبين أن عمر t كان حريصاً كل الحرص على أن يدرك المسلمون صلاة الجماعة من بدايتها كي لا يفوتهم شيء من ثوابها ، ولا سيما صلاة الظهر حيث يكون الناس منشغلين في أعمالهم ، والعشاء حيث يكونون قافلين من أعمالهم يتناولون طعام عشائهم ، فأمر مؤذنه بالتأني في إقامة الصلاة في هاتين الصلاتين ، وبين له وبكل دقة المدة التي تكون بين الآذان والإقامة ، واهتمام عمر بن عبدالعزيز t بالتأني في إقامة الصلاة ، وعدم التعجل فيها يعكس لنا مدى اهتمامه بكل صغيرة وكبيرة مما يهم المسلمين في أمر دينهم ودنياهم .

 

  رابعاً : تكريمه لآل بيت رسول الله e :-

   يرى المتتبع لسيرة عمر بن عبدالعزيز t وهو والٍ على المدينة المنورة حرصه البالغ على تكريم آل بيت رسول الله e وودهم وقضاء حاجتهم ، يدل على هذا ما روى عن جويرية ابن أسماء ، قال : سمعت فاطمة بنت علي بن أبي طالب ذكرت عمر ابن عبدالعزيز فأكثرت الترحم عليه وقالت : دخلت عليه وهو أمير على المدينة يومئذ فأخرج عني كل خصى وحرسى حتى لم يبق في البيت أحد غيري وغيره ، ثم قال : يا ابنة علي والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إليّ منكم ولأنتم أحب إلي من أهل بيتي "([86]).

   وهكذا يعطي عمر بن عبدالعزيز t لآل بيت رسول الله e حقهم من الاحترام والتقدير ويفرغ مجلسه من خاصته ، وحرصه لتتمكن فاطمة بنت علي t من طلب حاجتها دون خجل،ويحرص على أن يقسم لها بأنهم خير بيت على وجه الأرض وأنهم أحب إليه من أهل بيته ، ولقد قالت فاطمة بنت علي بن أبي طالب : "لو بقى عمر بن عبدالعزيز لنا ما احتجنا بعد إلى أحد "([87]).

   وكما عرف عمر بن عبدالعزيز t لآل البيت حقهم ، عرفوا كذلك له حقه وقدره ، فعن عمرو بن قيس الملائي قال : "سُئل محمد بن علي بن الحسين y عن عمر بن عبدالعزيز فقال : أما علمت أن لكل قوم نجيبة وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبدالعزيز وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده " ([88]).

   وحسب عمر هذا الثناء الجميل من محمد بن علي بن الحسين أحد أعلام بيت النبوة ما كان ليثني هذا الثناء على عمر لولا ما رآه من كمال التزامه ، وكرم أخلاقه .

   وبعد فقد كانت هذه أهم معالم منهج عمر بن عبدالعزيز t للتمكين لدعوة الله تعالى أثناء ولايته لمدينة رسول الله e ، ومن خلالها يتبين أن الرجل قد أبلى بلاءً حسناً في التمكين لدعوة الله U فيما كان تحت يده من ولاية بكل ما أتيح له من سلطان  وإمكانيات . فعلى الرغم من حداثة سنه ، حيث ولى المدينة وهو ابن خمس وعشرين سنة ، فقد سار فيها على خُطى رسول الله e ومنهج خلفائه الراشدين y ، فقد أعطى للعلماء مكانتهم وللفقهاء قدرهم ، فكان لا يقطع أمراً دونهم ، ولاشك أن في هذا رفعاً لراية الإسلام وإعلاءً لسلطان الشرع ، وبالتالي قد كفل عمر t العدل وحارب الظلم فيما كان تحت يده من ولاية ، كما أنه قد أحيا سنة رسول الله e وجدد ما اندثر منها ، وإذا كان الرجل يُعنى بأن تكون صلاته كصلاة رسول الله e وخطبه كخطبه ، فما ظنك بما سوى ذلك من السنن والأحكام ، وقد مر بنا أنه t كان يأمر مؤذنه بالتأني وعدم التعجل حتى لا يفوت الناس فضل صلاة الجماعة ، فهل يرضى مثل هذا الولي أن يظلم رعيته ، أو يظلم بعض الرعية بعضاً دون أن يتدخل ليرد للمظلوم حقه ، ويحجز الظالم عن ظلمه ؟ ولآل رسول الله e حقوقهم على هذه الأمة فحبهم من حب رسول الله e وتكريمهم تكريم له e ، وقد بذل عمر بن عبدالعزيز t طاقته واستنفد وسعه في تكريم آل بيت رسول الله ، ومعرفة أقدار الناس وإعطاء كل ذي حق حقه من الاحترام والتقدير فيه ما فيه من التمكين لمبادئ الحق ، ومن شأن هذا أن يحفز الناس على أن يتنافسوا فيما بينهم على ما يكون سبباً في رفعة أقدارهم ، ولا يضر المجتمع شيء كما يضره انتقاص ذوي الأقدار العالية ، وإبعادهم عن مواطن القيادة والصدارة ، وتقريب سفهاء الناس وفساقهم ، وإيهام الناس بأنهم كواكب الدنيا ونجوم المجتمع ، وهذا ما حذر منه النبي e أمته وأخبرها بوقوعه قبل قيام الساعة ، فقد قال e : " بين يدي الساعة سنون خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين ، ويتكلم فيها الرويبضة ، قيل : وما الرويبضة يا رسول الله ؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمور العامة " ([89]).

   لقد رد عمر t الأمور إلى نصابها ، وعامل الرجال بميزان شرع الله U بعيداً عن العصبية الضيقة ، والهوى المقيت ، بل إننا نستطيع أن نقول : إن عمر بن عبدالعزيز قد رد المدينة وما حولها إلى ما كانت عليه في عهد الخلفاء الأربعة الراشدين، وذلك في الفترة التي حكمها ، والتي استغرقت سبع سنوات من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين للهجرة ، حتى عزله الوليد ابن عبدالملك عن المدينة المنورة .

 

سبب عزله t عن المدينة المنورة :

وعن سبب عزله عن المدينة المنورة يقول الإمام ابن كثير-رحمه الله تعالى - : " وفي هذه السنة سنة ثلاث وتسعين للهجرة عزل الوليد بن عبدالملك عمر بن عبدالعزيز عن إمرة المدينة ، وكان سبب ذلك أن عمر بن عبدالعزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه ، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد : إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة ومكة ، وهذا وهن وضعف في الولاية فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما ، فولى على المدينة عثمان بن حيان ، وعلى مكة خالد بن عبدالله القسرى ، وفعل ما أمره به الحجاج، فخرج عمر بن عبدالعزيز من المدينة في شوال " ([90]).

   وهكذا شاء الله تعالى لعمر بن عبدالعزيز أن يتحول مساره من والٍ على المدينة وما حولها إلى مستشار ووزير للوليد ابن عبدالملك ، والذي استجاب لما أشار عليه به الحجاج بن يوسف الثقفي من عزل عمر عن المدينة ، فلولا هذا العزل ما صار وزيراً للوليد ، ومن بعده سليمان ليعهد إليه الأخير بالخلافة ، ولقد حزن عمر t حين عزل عن المدينة حتى روى أنه قال لغلامه مزاحم:"يا مزاحم إني والله أخشى أن نكون ممن نفتهم المدينة"([91]).

  ولم يكن عمر t في تلك اللحظة يتخيل أو يتوقع أن القدر قد ادخر له ، بل ولهذه الأمة باستخلافه خيراً كثيراً بعد قليل ، وصدق الله تعالى إذ يقول : } وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ { ([92]).

 

 

 

%%%

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

منهج عمر بن عبدالعزيز t

في التمكين للدعوة في مرحلة الوزارة

*******************

   بينا فيما سبق منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين للدعوة حين كان والياً على المدينة المنورة وضواحيها ، ونعرض الآن لبيان منهجه في التمكين لدعوة الحق حين كان مستشاراً لابن عمه الوليد بن عبدالملك ثم وزيراً لأخيه سليمان ، حين عُزل عمر ابن عبدالعزيز t عن المدينة استقدمه خليفة المسلمين الوليد ابن عبدالملك إلى الشام ، وقربه منه ، وكان الوليد متزوجاً بأم البنين بنت عبدالعزيز أخت عمر بن عبدالعزيز([93]) وكان عمر فوق أنه ابن عم الخليفة الوليد زوجاً لأخته فاطمة – كما أسلفنا – ولاشك أن هذه العلاقة قد مكنت عمر بن عبدالعزيز من القرب من الخليفة وتسجل كتب التاريخ أن عمر t كان لا يأل جهداً في نصح الوليد على الرغم من شدة الوليد وحزمه ، ومن المواقف المشهورة في هذا السبيل " ما روى عن الزهري عن عمر ابن عبدالعزيز t قال : بعث إلى الوليد ذات ساعة من الظهيرة فدخلت عليه فإذا هو عابس فأشار إلىّ أن اجلس ، فجلست فقال : ما تقول فيمن يسب الخلفاء ؟ أيقتل ؟ فسكتَّ ثم عاد فسكتَّ ، ثم عاد فقلت : أقتل يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا ولكن سب ، فقلت : ينكل به ، فغضب الوليد وانصرف إلى أهله ، وقال لي ابن الريان السياف اذهب ، قال : فخرجت من عنده وما تهب ريح إلا وأنـا أظن أنه رسول يردني إليه " ([94]).

   فهذه الرواية تدل على عدة أمور :

   أولاً : إن بعث الوليد في ساعة الظهيرة إلى عمر ابن عبدالعزيز يطلبه إلى قصره ليسمعه ذلك الذي يسُّب الخلفاء ، فيه دليل على أن عمر t كان ينصح الوليد – قبل هذا – بمناقشة الخوارج ومحاورتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن ، بدلاً من التعجيل في قتلهم ، ولولا ذلك ما بعث إليه الوليد في تلك الساعة ليُسمعه بأذنيه من يسبُ الخلفاء حتى يعذره عمر بعد هذا .

   ثانياً : ويستفاد من هذه الرواية مدى حكمة عمر بن عبدالعزيز t وعلمه بكيفية التعامل مع الخلفاء ساعة غضبهم، فقد سأله الوليد عن رأيه في قتل من يسب الخلفاء فسكت حتى أعاد الوليد سؤاله ثلاث مرات ، ثم أجابه بعد ذلك بسؤال وهو هل قتل يا أمير المؤمنين ؟ وكأن عمر يقول له : إن الرجل لا يستحق القتل لأنه لم يقتل وإنما يستحق العقاب أو التعزير لتطاوله على الخلفاء، وقد أجابه الوليد فقال : بل سب ، فقال عمر : ينكل به ، فقد تدرج عمر t في الإجابة ، فأجاب على ثلاث مراحل .

   ثالثاً : وتبين هذه الرواية قوة عمر بن عبدالعزيز في الجهر بالحق وثباته في صدق النصيحة للوليد بن عبدالملك ، فرغم أنه حين دخل عليه وجده عابساً يسأله عن رأيه في قتل من يسبُ الخلفاء ، وهذا السؤال يدل على نية الوليد المسبقة في قتل ذلك الرجل وعزمه على ذلك ، وهو لا يريد من عمر بن عبدالعزيز إلا أن يقره على قتله ، ولكن عمر لم يفعل مما دفع الوليد إلى ترك المجلس – بمن فيه – والذهاب إلى أهله ، ولقد أدرك ابن الريان السياف مدى الغضب العارم الذي تملك الوليد من مشورة عمر فنصح عمرt بترك المكان فوراً ، فهو ليس في مأمن من غضب الوليد ، كما أن عمر نفسه قد أدرك قوة هذا الغضب في الوليد بن عبدالملك حتى جلس في بيته مترقباً أن يأتي أي رسول من عند الوليد يطلب عمر لمعاقبته ، لكن الوليد لم يفعل ، ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد الذي تصدى فيه عمر بن عبدالعزيز t للوليد بن عبدالملك ليرده إلى الصواب ، بل هناك موقف آخر أشد خطورة وقف فيه عمر بن عبدالعزيز أمام الوليد متصدياً لرغبته ، ألا وهو محاولة الوليد عزل أخيه سليمان من ولاية العهد ، وجعلها في أحد أبنائه ، وقد استطاع الوليد أن يحصل على موافقة من كبراء بني أمية ، وكاد أن يتم للوليد ما أراد لولا أن تصدى له عمر بن عبدالعزيز قائلاً : " إن في أعناقنا بيعة لأمير المؤمنين عبدالملك بن مروان أن يليّ الأمر من بعدك أخوك سليمان " ([95]).

  وفعلاً لم يستطع الوليد خلع أخيه سليمان من ولاية العهد حتى مات ، وقد حفظ سليمان هذا الموقف لعمر بن عبدالعزيز([96])، فبعد موت الوليد تولى سليمان بن عبدالملك خلافة المسلمين كان أول عمل عمله أن قرب ابن عمه عمر بن عبدالعزيز منه ، وفي هذا يقول ابن كثير : " وقد اتخذ سليمان ابن عمه عمر بن عبدالعزيز مستشاراً وزيراً، وقال له : إنا قد ولينا ما ترى وليس لنا علم تدبيره، فما رأيت من مصلحة العامة فأمر به فليكتب "([97]).

  وهكذا أطلق سليمان بن عبدالملك يد عمر بن عبدالعزيز t في الدولة وأمره أن يفعل ما فيه مصلحة المسلمين، فنصح عمر t

سليمان بما يلي :

أ-عزل نواب الحجاج وإخراج أهل السجون منها .

ب-إطلاق الأسرى .

ج-بذل الأعطية في العراق ليستقر أمره .

د-رد الصلاة لتقام في أول وقتها وكانت تقام قبل ذلك في آخر أوقاتها .

هـ-ضرورة إعداد جيش قوي لغزو القسطنطينية ، فبعث إليها من أهل الشام والجزيرة والموصل في البر نحواً من مائة ألف وعشرين مقاتل ، وبعث من أهل مصر وإفريقية ألف مركب في البحر عليهم عمر بن هبيرة ، وعلى جماعة الناس كلهم أخوه مسلمة ومعه ابنه داود بن سليمان بن عبدالملك في جماعة من أهل بيته " ([98]).

   وبالتأمل فيما نصح به عمر بن عبدالعزيز t سليمان ابن عبدالملك - رحمه الله تعالى- نرى أن في كل تلك النصائح تمكيناً لدعوة الله U فحثه على عزل الولاة الظالمين أو من فيهم قسوة وغلظة ، ففيه رفع لهذا الحرج عن من تحت ولايتهم من المسلمين  وتخفيف عنهم ورحمة به ، ونصيحته إياه بفك سجن المسجونين ممن يختلفون مع من كانوا قبل سليمان في الرأي والسياسة فيه كذلك رفع للظلم وفرصة لهؤلاء بمراجعة مواقفهم وعدم خروجهم على خليفة المسلمين ، وفي هذا استقرار للمجتمع وصيانة لأمنه ونصحه إياه بإعتاق الأسرى من غير المسلمين فيه بيان لرحمة الإسلام وعظمته وإشعار بقوة الدولة واستقرارها الداخلي فيرتدع أعداء الإسلام على مهاجمة حدوده ، ويرعووا عن التطاول عليه، وهو في الوقت ذاته دعاية رائعة لسماحة الإسلام والمسلمين ، وفي نصيحته إياه بالأمر بإقامة الصلاة في أول وقتها عودة إلى سنة رسول الله e الذي سئل عن أفضل الأعمال فقال : " الصلاة لوقتها "([99]). وفي دعوته إياه إلى تجهيز جيش لفتح القسطنطينية فيه إظهار لقوة الأمة المسلمة ، ونشر لدعوة الإسلام ، ومحاولة لتحقيق بشارة النبي e بفتحها، وقد استجاب له سليمان - رحمه الله تعالى – في كل ما نصحه به ، يقول محمد بن سيرين t : "رحم الله سليمان بن عبدالملك افتتح خلافته بخير وختمها بخير ، افتتحها بإجابة الصلاة لمواقيتها ، وختمها باستخلافه عمر ابن عبدالعزيز "([100]).

   وقد واصل عمر t نصيحة سليمان بن عبدالملك ووعظه، واختار لذلك الأوقات المناسبة ، وركز في نصائحه وعظاته على المعاني التالية :

   أولاً : إشعاره بجسامة مسئوليته:-

   قد يفتر بعض الناس بالمناصب حين يصلون إليها ، ويغرهم بريق الملك وأُبهة السلطان عن إدراك أن الملك له تكاليفه وأعباؤه وقد يبتلى بعضهم ببعض الغافلين أو المنافقين الذين يُنْسُونه ثقل مسئوليته ، وشدة وقفته بين يدي الواحد القهار يوم القيامة ، لكن عمر بن عبدالعزيز كان حريصاً على تذكير سليمان دائماً بأن الأمة كلها أمانة في عنقه .

  يقول الشعبي : " حج سليمان بن عبدالملك فلما رأى الناس بالموسم قال لعمر بن عبدالعزيز : ألا ترى هذا الخلق الذي لا يحصى عدده إلا الله ، ولا يسع رزقهم غيره ، فقال : يا أمير المؤمنين هؤلاء رعيتك اليوم ، وهم غداً خصماؤك عند الله ، فبكى سليمان بكاءً شديداً ثم قال : بالله أستعين ".

   ولا ريب أن قول سليمان بن عبدالملك لعمر بن عبدالعزيز : انظر إلى هؤلاء الخلق .. إلى آخره ، ما كان يقصد به إلا التعجب من كثرة الناس وذكر نعمة الله تعالى باتساع رقعة الإسلام ، وإتيان الناس من كل فج عميق لأداء فريضة الحج ، وهذا معنى طيب وجليل ، لكن عمر بن عبدالعزيز قد لفت نظر سليمان إلى معنى أكثر عمقاً وأشد أهمية ، وهو أن هؤلاء الناس جميعاً هم اليوم رعية سليمان وهو مطالب بأن يكفل لهم ما يصلح دينهم ودنياهم ، وإن قصر في ذلك فهم خصماؤه يوم القيامة ، فما كان من سليمان - رحمه الله تعالى- إلا أن دخلت النصيحة قلبه وأحس بعظم مسئوليته ، فعبر عن ذلك بقوله "بالله أستعين".

   ثانياً : تذكيره بحقيقة الحياة الدنيا:-

   إن مما لا شك فيك أن الناس جميعاً في أمس الحاجة إلى أن يعرفوا طبيعة الحياة الدنيا ؛ كي لا يغتروا بها وينسوا أنها إلى زوال وفناء، وأن هناك الدار الآخرة التي يجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ، ولهذا أكثر القرآن الكريم في بيان طبيعة الحياة الدنيا ، وأن الموت فيها مصير كل حي لا محالة ، قال تعالى : }  قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ * { ([101]) ، وقال تعالى : } يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ { ([102]) ، وقال تعالى مخاطباً رسوله e : } إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ * { ([103]). وإذا كان الناس جميعاً في أمس الحاجة إلى من يذكرهم بتلك الحقائق فإن أهل المال والجاه والسلطان أشد حاجة إلى ذلك ، حيث تحيطهم الحياة الدنيا بفتنتها وزخارفها من مال ونساء وأولاد ، وثروات وقصور، ولربما ظل بعضهم يلهيه الأمل وكُفُره الدنيا حتى يأتيه الأجل، وليس له ما يلقى الله تعالى به إلا جبال من الذنوب والسيئات، ولهذا كان عمر بن عبدالعزيز t في نصائحه للخليفة سليمان ابن عبدالملك يذكره بحقيقة الحياة ، " فعن عثمان بن زبر قال : أقبل سليمان بن عبدالملك – وهو أمير المؤمنين – ومعه عمر ابن عبدالعزيز على معسكر سليمان وفيه تلك الخيول والجمال والبغال والأثقال والرجال، فقال سليمان : ما تقول يا عمر في هذا ؟ فقال: أرى دنيا يأكل بعضها بعضاً ، وأنت المسئول عن ذلك كله ، فلما اقتربوا من المعسكر إذا غراب قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان وهو طائر بها ونعب نعبة فقال له سليمان : ما هذا يا عمر ؟ فقال : لا أدري، فقال: ما ظنك أنه يقول ؟ قلت : كأنه يقول : من أين جاءت وأين يذهب بها ؟ فقال له سليمان : ما أعجبك ؟ فقال عمر : أعجب ممن عرف الله فعصاه ومن عرف الشيطان فأطاعه ومن عرف الدنيا فركن إليها "([104]).

   ففي هذه  الموعظة يجسد عمر t أمام سليمان حقيقة الدنيـا

وهي أن بعضها يأكل بعضاً، وأن الخليفة مسئول عن ذلك وأن الأرزاق فيها بيد الله وحده لا شريك له ، فها هو غراب ضعيف لا حول له يخترق فسطاط أمير المؤمنين ويأخذ منها رزقه رغم أنوف الخاصة والحرس ، وفي النهاية يعلن عمر عجبه من ثلاثة أشياء : ممن عرف الله تعالى فعصاه ، وعرف عداوة الشيطان ومع هذا أطاعه ، وعرف الدنيا ومع تلك المعرفة ركن إليها.

  ثالثاً : تذكيره سليمان بقوة الله وقدرته :-

   كلما كانت كلمة الإنسان ماضية وله قوة وقدرة يستطيع أن يفعل بها ما يشاء متى يشاء كلما كان عرضة للسهو والغفلة عن الله ، فقد تدفعه قوته إلى ظلم الضعفاء ، وقد تدفعه قدرته إلى الإساءة إلى من لا يقدرون عليه ، ولعلم عمر بن عبدالعزيز t بتلك الحقيقة كان يذكر سليمان بن عبدالملك بقدرة الله تعالى عليه وإحاطته به ، وأن الإنسان مهما كانت قوته فهو عبد ذليل لله رب العالمين " فعن عطاء بن السائب t قال: كان عمر بن عبدالعزيز في سفر مع سليمان بن عبدالملك فأصابهم السماء برعد ، وبرق وظلمة وريح شديدة حتى فزعوا لذلك ، وجعل عمر بن عبدالعزيز  يضحك فقال له سليمان : ما يضحكك يا عمر ؟ أما ترى ما نحن فيه ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين هذه آثار رحمته فيها شدائد ما ترى فكيف بآثار سخطه وغضبه "([105]).

   فمن هذه الرواية تتجلى لنا حكمة عمر بن عبدالعزيزt في وعظ سليمان بن عبدالملك ، ففي هذه المرة كان الخليفة على سفر بعيداً عن عرشه وقصره ، وكم في السفر من عظات وعبر، فهو يذكر بسفر الآخرة الذي لا عودة منه إلى الدنيا، وليس ذلك فحسب بل كان الخليفة ومن معه يرون آيات القدرة الإلهية في مطر منهمر ، ورعد وبرق يكاد يخطف البصر ، وظلمة تبعث في النفس الخوف والفزع ، ولقد بدت أمارات ذلك الخوف على وجه الخليفة ، لكن عمر بن عبدالعزيز t يضحك حين يرى ذلك الوجوم ، فيعجب الخليفة من ضحكه ، فيصدع عمر " إذا كانت هذه آثار رحمة الله فكيف بآثار غضبه ؟ " .

   فقد وظف عمر t تلك الظواهر الكونية من المطر والبرق والرعد في التأثير في نفس الخليفة وتذكيره بقدرة الله عليه ، ولاشك أن عمر t كان متأثراً كل التأثر بالمنهج القرآني في الدعوة إلى الله ، والذي كان من أهم أساليبه لفت الأنظار إلى آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق .

  رابعاً : عزة عمر t في معاملة الخلفاء :-

   ينظر بعض الناس إلى أصحاب الجاه والسلطان نظرة العلو والإكبار ، بينما ينظرون إلى أنفسهم نظرة الازدراء والاستصغار، وقد يكونون مدفوعين بدوافع من الطمع في بعض ما في أيديهم من المناصب أو الأموال ، وأحياناً يكونون مدفوعين بدوافع من الخوف والهلع ، وقل من يقف أمامهم معتزاً بدينه وإيمانه ، كما قال تعالى : } وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ { ([106]).

   ولقد ضرب عمر بن عبدالعزيزt مثلاً في اعتزاز العالم بدعوته وكرامته، وذلك في المشهد التالي : " ذكر الإمام مالك - رحمه الله تعالى- أن سليمان وعمر تقاولا مرة ، فقال سليمان في جملة الكلام : كذبت ، فقال : تقول كذبت ! والله ما كذبت منذ عرفت أن الكذب يضر أهله ، ثم هجره عمر وعزم على الرحيل إلى مصر ، فلم يمكنه سليمان ثم بعث إليه فصالحه، وقال له : ما عرض لي أمر يهمني إلا خطرت على بالي "([107]).

   وفي هذه الرواية عدة دروس للدعاة إلى الله U حتى تقوم الساعة ، ومن هذه الدروس : أن اعتزاز الداعية بكرامته ، وعدم قبوله للإهانة، ولو كانت من خليفة المسلمين وأمير المؤمنين جزء من اعتزازه بدعوته ، فعلى الرغم من أن سليمان بن عبدالملك هو خليفة المسلمين وهو في الوقت ذاته ابن عم عمر ، وصهره ورغم تقارب السن بينهما إلا أن عمر t لم يقبل من سليمان أن يتهمه بالكذب ، وغضب لذلك غضباً لم يُخفيه على سليمان ، ولم يكتف بهذا بل عزم على ترك الشام كلها والذهاب إلى مصر ، بيد أن الخليفة سليمان كان رجلاً فاضلاً أدرك خطأه وأدرك جسامة خسارته إن ترك مثل عمر ، فبعث إليه يستسمحه ويسترضيه ، ويعلمه أنه ما يخطر بباله أمر مهم حتى يذكر عمر بن عبدالعزيز  وهكذا عرف عمر t متى يقف في وجه الخليفة ومتى يعذره ويسامحه ، ولو أن عمر أمَرَّ تلك الكلمة التي تحمل هذا الاتهام الخطير له –دون هذه الوقفة- لربما اعتاد ذلك سليمان أو زاد عليه، فبهذه الوقفة رد عمر سليمان إلى جادة الصواب، واستوعب الدرس الذي لقنه إياه عمر بن عبدالعزيز.

    ولقد نبه القرآن الكريم إلى أن ملأ الرجل وقومه قد يكونون سبباً في مزيد من طغيانه وجبروته،فقد قال تعالى في حق فرعون : }فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ{ ([108]).

فلو وجد فرعون في بداية انحرافه من يُقوِّمُ اعوجاجه ويكبح جماحه ما وصل إلى ما وصل إليه ، ولهذا قال رسول الله e : "الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ([109]).

 

 

 

 

 

 

 

 

%%%


الفصل الثالث

منهج عمر بن عبدالعزيز t

في التمكين للدعوة بعد أن وُليَّّ الخلافة

 

تمهيـد :

تناولنا في الفصل السابق منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين للدعوة حين كان والياً على المدينة المنورة ، وحين كان بعد ذلك مستشاراً ووزيراً لابني عمه الخليفتين الوليد وسليمان ابني عبدالملك ، وفي هذا الفصل نتناول بمشيئة الله تعالى منهج عمر t في التمكين للدعوة بعد أن صار خليفة للمسلمين ، وسيجئ هذا الفصل – بمشيئة الله – متضمناً عدة مباحث :

المبحث الأول : كيفية استخلافه t .

المبحث الثاني : منهجه في التمكين للدعوة من خلال إصلاحه

                 لنفسه ولآل بيته .

المبحث الثالث : منهجه في التمكين للدعوة من خلال إصلاحاته

                 الاجتماعية .

المبحث الرابع : منهجه في التمكين للدعوة من خلال إصلاحاته

                الاقتصادية .

المبحث الخامس : منهجه في التمكين للدعوة من خلال إصلاحاته

                  الإدارية .

المبحث السادس : منهجه في التمكين للدعوة من خلال عنايته

                  بأمر الدعوة والدعاة . 

المبحث الأول

كيفية استخلافه t 

********

  ظل عمر بن عبدالعزيز t وزير صدق ومشير حق لابن عمه الخليفة سليمان بن عبدالملك حتى مرض سليمان مرضاً شديداً ، شعر خلاله بأن الأجل قد اقترب ، وأنه لابد وأن يوصي بالخلافة من بعده ، وكعادة الخلفاء فكر سليمان أول ما فكر في ولده داود ابن سليمان ، والذي كان إذ ذاك قائداً من قادة جيش المسلمين الذي ابتُعث لفتح القسطنطينية ، لكن الله تعالى شاء أمراً آخر ، وهو أن تنتقل الخلافة في تلك المرحلة من أبناء عبدالملك ابن مروان إلى ابن أخيه عمر بن عبدالعزيز  .

  } وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ { ([110]) ، وقد أراد الله U أن يرحم هذه الأمة في تلك الفترة بخليفة يردها إلى عصر الخلافة الراشدة ، ويسير بها سيرة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي y ، وإذا أراد الله أمراً هيأ له أسبابه ، ونترك الآن شاهد العيان رجاء بن حيوة t ليروي لنا كيف حدث هذا التحول في مسيرة بني أمية ، بل في مسيرة الأمة كلها ، روى ابن جرير عن رجاء بن حيوة : " وكان وزير صدق لبني أمية ، قال : استشار سليمان بن عبدالملك – وهو مريض – أن يولي لنا ابناً صغيراً لم يبلغ الحلم ، فقلت : إن مما يحفظ الخليفة في قبره أن يولي على المسلمين الرجل الصالح ، ثم شاورني في ولاية ابنه داود ، فقلت: إنه غائب عنك بقسطنطينية ، ولا تدري أحيُّ هو أو ميت ؟ فقال من ترى ؟ فقلت : رأيك يا أمير المؤمنين ، قال : فكيف ترى في عمر بن عبدالعزيز ؟ فقلت : أعلمه والله خيِّراً فاضلاً مسلماً يحب الخير وأهله ، ولكن أتخوف عليه إخوتك أن لا يرضوا بذلك ، فقال : هو والله على ذلك ، وأشار رجاء أن يجعل يزيد بن عبدالملك ولي العهد من بعد عمر بن عبدالعزيز ليرضى بذلك بنو مروان ، فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم : هذا كتاب من عبدالله سليمان بن عبدالملك لعمر بن عبدالعزيز إني قد وليته الخلافة من بعدي ، ومن بعده يزيد بن عبدالملك ، فاسمعوا له وأطيعوا ، واتقوا الله ولا تختلفوا ، فيطمع فيكم عدوكم . وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب الشرطة ، فقال له : اجمع أهل بيتي فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوماً ، فمن أبى منهم ضرب عنقه ، فاجتمعوا ، ودخل رجال منهم فسلموا على أمير المؤمنين فقال لهم : هذا الكتاب عهدي إليكم فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا من وليته فيه ، فبايعوا لذلك رجلاً رجلاً ، قال رجاء : فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبدالعزيز فقال : أنشدك والله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان كتب لي ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة ، فقلت والله لا أخبرنا حرفاً واحداً . قال ولقيه هشام بن عبدالملك فقال يا رجاء : إني لي بك حرمة ومودة قديمة فأخبرني هذا الأمر إن كان إليّ علمت، وإن كان لغيري فما قصر به عن هذا ، فقلت: والله لا أخبرك حرفاً واحداً مما أسره إلي أمير المؤمنين . قال رجاء : ودخلت على سليمان فإذا هو يموت فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت أحرفه إلى القبلة ، فإذا أفاق يقول لم يأن لذلك بعد يا رجاء ، فلما كانت الثالثة قال : من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئاً أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، قال : فحرفته إلى القبلة فمات رحمه الله ، قال: فغطيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب عليه ، وأرسلت إلى كعب بن حامد فجمع الناس في مسجد دابق فقلت : بايعوا لمن في هذا الكتاب ، فقالوا : قد بايعنا ، فقلت : بايعوا ثانية ، ففعلوا ، ثم قلت : قوموا إلى صاحبكم فقد مات وقرأت الكتاب عليهم ، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبدالعزيز تغيرت وجوه بني مروان ، فلما قرأت : وإن يزيد بن عبدالملك بعده تراجعوا بعض الشيء ، ونادى هشام لا نبايعه أبداً ، فقلت : أضرب عنقك والله قم فبايعه ، ونهض الناس على عمر بن عبدالعزيز وهو في مؤخر المسجد ، فلما تحقق ذلك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ، ولم تحمله رجلاه حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه على المنبر فسكت حيناً فقال رجاء بن حيوة ألا تقوموا إلى أمير المؤمنين فتبايعونه ؟ فنهض القوم فبايعوه ، ثم أتى هشام فصعد المنبر ليبايع وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون فقال عمر : نعم إنا لله وإنا إليه راجعون ، الذي صرت أنا وأنت نتنازع هذا الأمر ، ثم قام فخطب الناس خطبة بليغة وبايعوه"([111]).

   فمن هذه الرواية تتجلى لنا عدة حقائق :

   الأولـى : أن خلافة عمر بن عبدالعزيز t كانت نتيجة مشورة صادقة أشار بها رجاء بن حيوة على سليمان بن عبدالملك رحمهما الله ، وأن سليمان كان رجلاً فاضلاً استجاب لتلك النصيحة وعمل بهذه المشورة .

   الثانية : تجلى لنا الرواية مدى حكمة رجاء بن حيوة t حيث نصح الخليفة بأن يجعل يزيد بن عبدالملك خليفة من بعد عمر وذلك مراعاة لحال بني أمية ، وصيانة للأمة عن الفتنة ، كما تتجلى لنا حكمته في أنه أخذ البيعة على رجال بني أمية على ما في كتاب سليمان دون أن يُعلمهم بما فيه ، وأن هذا الإعلان لم يتم إلا في المسجد وأمام الناس حتى تضمن العلانية نفاذ ما في الكتاب .

   الثالثة : أن عهد سليمان هذا والذي لم يطلع عليه أحداً غير رجاء بن حيوة قد سبب قلقاً عند عمر بن عبدالعزيز لخوفه من أن يكون سليمان قد عهد إليه ، كما سبب قلقاً آخر عند هشام ابن عبدالملك لخوفه أن يكون سليمان قد عهد لغير أخيه يزيد ، فذهب كل واحد منهم محاولاً أن يعرف من رجاء مضمون هذا الكتاب ولكنه لم يجب أحداً منهما .

   الرابعـة : أن رجاء بن حيوة t لم يصرح بما في الكتاب إلا في المسجد وعلى مرأى ومسمع من المسلمين وفي حضرة رجال بني أمية ، وقد استدعى رئيس الشرطة تحسباً لدوي هذا الإعلان على بني أمية وعلى غيرهم ، وفعلاً فقد أحدث إعلانه صدى مدوياً حين قرأ اسم عمر بن عبدالعزيز وحين أعلن أن من بعده يزيد بن عبدالملك خف الوقع على بني عبدالملك ، ومع هذا لم يستطع هشام بن عبدالملك أن يكتم غيظه ، وأن يقول : لن أبايعه، وهنا يتصدى رجاء بن حيوة بكل حزم لتلك الكلمة قائلاً لتبايعنه أو لأضربن عنقك ، فبايعه .

   الخامسة : حتى لا يترك رجاء مجالاً للقيل والقال قال للناس : ألا تبايعون خليفتكم فقام الناس يبايعون عمر وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ، وهشام يردد نفس الكلمة "ولكل وجهة هو موليها" وإذا كان لكل رجل يوم فإن هذا اليوم يوم رجاء بن حيوة t والذي دافع وبكل قوة عن استخلاف عمر بن عبدالعزيز لعلمه به وليقينه بأن استخلافه خير للإسلام والمسلمين .

 

  • عمر t يخلع نفسه ويترك الأمر شورى للمسلمين :

    يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى- : " لما ولىّ عمر ابن عبدالعزيز الخلافة جاء صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة على عادته مع الخلفاء قبله ، فقال له عمر : ما لي ولك؟ تنح عني إنما أنا رجل من المسلمين ، ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد ، فصعد المنبر واجتمع الناس إليه ، فقال : يا أيها الناس إني قد ابتُليت بهذا الأمر عن غير رأي مني فيه ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين ، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا لأنفسكم ولأمركم من تريدون ، فصاح المسلمون صيحة واحدة : قد اخترناك لأنفسنا وأمرنا ورضينا كلنا بك ، فلما هدأت أصواتهم حمد الله وأثنى عليه "([112]).

   وهكذا أراد عمر t أن يطبق مبادئ الإسلام في اختيار الحاكم فأعلن أمام المسلمين أنه قد خلع ما في أعناقهم من بيعة ، وترك الأمر شورى بينهم ، لكن كل من في المسجد صاحوا صيحة رجل واحد : رضينا بك يا أمير المؤمنين ، فهل اكتفى عمر t بهذه البيعة واعتبر أن خلافته شرعية بموافقة أهل المسجد ، الحق أن عمر t لم يكتف بمبايعة أهل المسجد بل طلب بيعة غيرهم من الأقطار والأمصار، فإن وافقوا على استخلافه وإلا فلا ، فقد صعد المنبر بعد هذا وقال : " يا أيها الناس إني لست بمبتدع ولكني متبع ، وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم

فأنا واليكم ، وإن هم أبوا فلست بوالٍ ، ثم نزل " ([113]).

   ومع أن كثيراً من الفقهاء قد ذهبوا إلى أن بيعة الإمام تكون صحيحة أو شرعية بمبايعة أهل الحل والعقد ، وهم عادة يكونون في عاصمة الخلافة ، وعلى مقربة من الإمام ، وفي هذا يقول الإمام الماوردي - رحمه الله تعالى - : " والإمامة تنعقد من وجهين ، أحدهما : باختيار أهل العقد والحل ، والثاني : بعهد الإمام من قبل . فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد : فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد بهم الإمامة منهم على مذاهب شتى ، فقالت طائفة : لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضا به عاماً ، والتسليم لإمامته إجماعاً ، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر t على الخلافة : اختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها . وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضاء الأربعة استدلالاً بأمرين : أحدهما أن بيعة أبي بكر t انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ، ثم تابعهم الناس فيها وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن حضير وبشر بن سعد ، وسالم مولى أبي حذيفة t ، والثاني : أن عمر t جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة ، وقال آخرون من علماء الكوفة : تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين ، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين "([114]).

   وعلى أية حال فقد اختار عمر t أصعب هذه الآراء فاشترط لرضاه بالخلافة أن يرضى بها جميع أهل الأمصار وإن كان هذا رأياً مرجوحاً عند العلماء، كما صرح بذلك الماوردي، وكما تدل على خلافه بيعة أبي بكر الصديق t ، ثم إن عمر بن عبدالعزيز t قد توفرت فيه شروط الخلافة التي أجمع الفقهاء عليها ، والتي يقول عنها الإمام الماوردي : " وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة ، أحدها : العدالة على شروطها الجامعة. والثاني: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام. والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها . والرابع : سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض . والخامس : الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح . والسادس : الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة ، وجهاد العدو . والسابع : النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه "([115]).

وكلها متحققة في عمر بن عبدالعزيز t .

 

  • بيانه t لمنهجه في الحكم :

   لقد كان عمر بن عبدالعزيز t منذ أول لحظة في خلافته حريصاً كل الحرص على أن يبين منهجه في الحكم، ودستوره في الخلافة ، وذلك في أول خطبة خطب الناس بها ، حيث يقول : "أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد e ، وإني لست بقاض ولكني منفذ وإني لست بمبتدع ولكني متبع ، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، إلا إن الإمام الظالم هو العاصي ، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق U ، وإني لست بخير من أحد منكم ولكنني أثقلكم حملاً " ([116]).

   لا شك أن هذه الخطبة في ألفاظها ومضمونها تذكرنا بخطب الخليفتين أبي بكر وعمر y حين وليَّ كل منهما الخلافة ، فهي تعبر عن مدى تأثر عمر بن عبدالعزيز بأبي بكر وعمر y ، فقد ذكّر فيها المسلمين بأن دينهم كامل وشريعتهم شاملة ، وأن مهمته إنما هي تطبيق ما جاء فيها ، وطلب من المسلمين أن يعينوه على ذلك ، وهذا فيما يتعلق بالسياسة العامة لحكمه t ، وعن علاقته بدين الله U ، أما عن علاقته بالناس فقد وضع لها أيضاً دستوراً قويماً أعلنه في بداية عهده ، حيث يقول في خطبة له : " أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فليفارقنا ، يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ، ويعيننا على الخير بجهده ، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدى إليه ، ولا يغتابن عندنا أحداً ، ولا يعرض فيما لا يعنيه ، فانقشع عنه الشعراء والخطباء ، وثبت معه الفقهاء والزهاد وقالوا : ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف فعله قوله "([117]).

   وهكذا فتح عمر t أبوابه على مصارعها أمام ذوي الحاجات وأهل الخير وطلب من الناس أن يعينوه على ذلك،وأن يرشدوه من الخير على ما لا يعلم، وهو في الوقت ذاته قد أغلق بابه في وجه كل منافق ممن يتقربون إلى الأمراء والخلفاء باغتياب الناس عندهم، والخوض فيما لا يعنيهم، فكانت النتيجة الطبيعة أن انقشع عنه الشعراء والخطاء(المداحين) وثبت عنده أهل الزهد والفقهاء.

 

المبحث الثاني

منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين

للدعوة من خلال إصلاحه لنفسه ولآل بيته

******

  • تمهيـد :

   إن من الحقائق الثابتة أن السبيل الصحيح لأي إصلاح جاد ينبغي أن يبدأ من إصلاح الإنسان لنفسه، ولهذا كانت عناية القرآن بالتأكيد على ضرورة أن يُعنى الإنسان أول ما يُعنى بإصلاح نفسه ، فقد قال تعالى : } وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا { ([118]) ، وبين سبحانه أن من ثمرات الخوف من الله تعالى نهي الإنسان نفسه عن الهوى ، قال تعالى : } وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى { ([119]) ، كما بين القرآن أن من أهم أسباب سقوط الإنسان في المعصية طاعته لنفسه الأمارة بالسوء ، والتي جعلها الله كذلك اختباراً للإنسان وامتحاناً له في هذه الحياة الدنيا ، قال تعالى : } وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي { ([120]) ، وقد وقع ابن آدم في جريمة القتل ، وسفك الدم لأخيه ابن أمه وأبيه بسبب طاعته لتلك النفس ، قال تعالى : } فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ { ([121]) ، وحين فعل أبناء يعقوب u بأخيهم يوسف u ما فعلوا قال لهم أبوهم : } قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  { ([122])، ومن ثم كان تزكية هذه النفس ومتابعتها ومحاسبتها من أهم وسائل الإصلاح ، بل إن الله تعالى قد بين أن واقع الناس لا يمكن أن يتغير إلا تبعاً لتغير ما في أنفسهم ، قال تعالى : } إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ {([123]) فمهما حاول الإنسان أن يصلح غيره ، وبذل في ذلك ما يملك دون أن يبدأ بإصلاح نفسه ، فإن هذا الإصلاح محكوم عليه بالفشل سلفاً ؛ ولهذا كان من توجيهات القرآن الكريم للداعية الأعظم محمد e أن يبدأ بنفسه ، فقال تعالى } فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{([124])، وقال تعالى : } فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ { ([125]) ، ومن أجل هذا أيضاً قال شعيب u لقومه:} وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ {([126])،وبعد إصلاح الإنسان لنفسه لابد وأن يبدأ بإصلاح أهله وعشيرته الأقربين ، وقد قال تعالى مخاطباً نبينا محمداً e : } وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ { ([127])  وحين أمره الله تعالى بأن يأمر المؤمنات بالالتزام في زيهن ليتميزن عن غيرهن من النساء قال تعالى : } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ{ ([128]).

   فقد بدأ I بذكر أزواجه e وبناته قبل نساء المؤمنين، فكما أن الداعي قدوة للناس كذلك أهل بيته وعشيرته وخاصة إذا كان رجلاً معروفاً أو مشهوراً ، أو من رجال السلطة أو أصحاب الجاه والمال ، ولأن عمر بن عبدالعزيز t وقبل أن يلي الخلافة من علماء الأمة العاملين وفقهائها المعدودين ، فقد سلك بعد أن وليّ الخلافة منهجاً في إصلاح نفسه وآل بيته يتفق مع منهج الإسلام بل يكون ترجمة عملية لهذا المنهج، وهو يقوم على المعالم التالية:

  أولاً: رفضه الكامل لمظاهر الرفاهية والعظمة والتزامه بالزهد:

   جرت عادة الخلفاء والأمراء ومن إليهم بأن تكون لهم عيشتهم الخاصة التي تتسم بالرفاهية ورغد العيش في بعض الأحيان ، وبالمبالغة التي قد تصب إلى حد الإسراف والتبذير في أحيان أخرى ، ولا يسلم من ذلك إلا من اتبع منهج الله تعالى وسار على سنة نبيه محمد e ، ولقد ضرب لنا عمر بن عبدالعزيز أروع الأمثلة في رفضه لمظاهر الأبهة والعظمة التي كان يحرص عليها بعض الخلفاء من قبله ، ومن هذا رفضه الإقامة في دار الخلافة ، وركوب مراكب الخليفة ، وفي هذا يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى- : " وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة من أول حركة بدت منه ، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة ، وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لها ، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه وسُكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة " ([129]).

   ومن ذلك أيضاً رفضه السير على ما كان يبسط للخلفاء من بُسط ، وهتْكُه لما كان يُرخى على مجالسهم من سُتر وأمره ببيع

ذلك كله ، ووضع ثمنه في بيت مال المسلمين " ([130]).

   كما رفض كذلك t أن يسير صاحب الشرطة بين يديه وهو يحمل الحربة ، فقال له " مالي ولك ؟ تنح عني إنما أنا رجل من المسلمين " ، ولقد كان t قبل أن يليّ الخلافة حريصاً على أن يلبس الزيَّ الناعم الثمين الليّن ، ورغم هذا كان يقول ما أجمله لولا خشونته ، فلما ولي الخلافة كان يؤتى له بالثوب الخشن زهيد الثمن فيقول : ما أطيبه لولا لينه([131]) ، وكان دخله السنوي قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار ، فلما وليها كان دخله في العام الواحد أربعمائة دينار ، ولم يكن يرتزق شيئاً من بيت مال المسلمين "([132]) ، وهكذا لم تفلح الدنيا بفتنتها ولا السلطة بزخرفها وإغرائها أن تنال شيئاً من عمر بن عبدالعزيزt ؛ ولهذا استحق t أن يشهد له أئمة الزهد بأنه من أكثرهم زهداً ، وفي هذا يقول مالك بن دينار t : " يقولون : مالك زاهد ، أي زهد عندي إنما الزاهد عمر بن عبدالعزيز أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها جملة ، بل لقد قال أبو سليمان الداراني: كان عمر بن عبدالعزيز أزهد من أويس القرني؛ لأن عمر ملك الدنيا بحذافيرها وزهد فيها ، ولا ندري حال أويس لو ملك ما ملكه عمر كيف يكون ؟ ليس من جرب كمن لم يجرب "([133]).

   ولو أن عمر بن عبدالعزيزt نشأ قبل الخلافة في أسرة فقيرة، وعانى من شظف العيش ما يعانيه أهل المسكنة ، ثم سلك هذا المسلك بعد الخلافة لقلنا إن الرجل لا يجد عناء في ذلك ، فقد تعود هذا وألفه قبل الخلافة ، ولكننا ندرك مقدار عظمته t حين نستذكر أنه نشأ في أسرة من الخلفاء والأمراء نعم في رحابها برغد العيش ، ووفرة النعم ، فهو ربيب القصور وصهر الخلفاء فإذا وصل إلى هذه الدرجة من الزهد فلا شك أن هذا ما بلغه إلا بعد طول معاناة ومجاهدة تمكن بعدها من قيادة نفسه إلى حيث يريد الله تعالى ، ومن أفلح في قيادة نفسه كان من السهل عليه أن يقود غيره .

  ثانياً : طلبه النصيحة واستحبابته لها :-

   إن من أهم الوسائل التي توسل بها عمر بن عبدالعزيز t إلى المزيد من إصلاحه لنفسه – حين ولي الخلافة – طلبه للنصيحة من كبار العلماء والدعاة في عصره، فقد قال سفيان بن عيينة t: " لما ولى عمر بن عبدالعزيز بعث إلى محمد بن كعب ، ورجاء بن حيوة وسالم بن عبدالله فقال لهم : قد ترون ما ابتليت به وما قد نزل بي فما عندكم ؟ فقال محمد بن كعب : اجعل الشيخ أباً والشاب أخاً والصغير ولداً ، فبر أباك وصل أخاك ، وتعطف على ولدك . وقال رجاء : ارض للناس ما ترضى لنفسك ، وما كرهت أن يؤتى إليك فلا تأته إليهم ، واعلم أنك لست أول خليفة يموت ، وقال سالم : اجعل الأمر واحداً وصُم فيه عن شهوات الدنيا ، واجعل آخر فطرك فيه الموت ، فقال عمر : لا حول ولا قوة إلا بالله " ([134]).

   وهكذا أراد عمر t أن تكون له تلك البطانة الصالحة التي تذكره بالله إن نسي وتعينه على طاعته إذا هو أطاع ، ولقد أوجز له هؤلاء الدعاة الثلاثة ، المنهج الذي يجب أن يسير عليه في معاملة رعيته ، فما جاوزه t بعد ذلك قيد شعرة ، ولم يكتف t بطلب النصيحة من كبار الدعاة والعلماء من المحيطين به ، بل كتب إلى بعض أهل الصلاة والتُقى ، يطلب منهم أن يذكروه بما كان عليه أئمة الهدى من الصحابة y فقد كتب إلى سالم ابن عبدالله بن عمر بن الخطاب y " أن اكتب لي سيرة عمر حتى أعمل بها ، فقال له سالم : إنك لا تستطيع ذلك ، قال : ولم ؟ قال: إنك إن عملت بها كنت أفضل من عمر؛ لأنه كان يجد على الخير أعواناً ، وأنت لا تجد من يعينك على الخير " ([135]).

   ولاشك أن طلب عمر بن عبدالعزيزt من سالم بن عبدالله ابن عمر أن يكتب له سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، يعكس لنا مدى إصرار عمر بن عبدالعزيز t على اتباع منهج الفاروق، وقيادة الأمة كما قادها ، كما أنه يعكس لنا أيضاً مدى فقهه t لمنهج إصلاح النفس ، فإن للقدوة أثرها البالغ في نفس الإنسان ، ألا ترى أن الله U قد خاطب إمام الأئمة وقائد الأمة محمداً e بقوله:} أُولَئكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ { ([136])، وأقسم سبحانه على أن القدوة الكاملة لهذه الأمة إلى قيام الساعة هو محمد e قال تعالى : } لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً{ ([137]).

   وإذا كان طلب النصيحة من الدعاة والعلماء أمراً رائعاً فإن أروع منه الاستجابة لتلك النصيحة ، وإن كانت ممن هو أقل شأناً

أو أدنى منزلة ، وقد تحقق هذا في عمر بن عبدالعزيز t ، فحين وليّ الخلافة بعد سليمان بن عبدالملك -رحمه الله تعالى- دخل إلى بيته ليُقيل ، فأتاه ابنه عبدالملك فقال : يا أمير المؤمنين ماذا تريد أن تصنع ؟ قال : يا بني أقيل ، قال : تقيل ولا ترد المظالم إلى أهلها ؟ فقال : إني سهرت البارحة في أمر سليمان ، فإذا صليت الظهر رددت المظالم ، فقال له ابنه : ومن لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال : ادن مني أي بني ، فدنا منه فقبل بين عينيه وقال : الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني ، ثم قام وخرج وترك القائلة " ([138]).

   فقد تقبل t النصيحة من ولده قبولاً حسناً ولم يضق بها ذرعاً أو يتأفف منها ، بل حمد الله أن أخرج من صلبه من ينصحه ، واستجاب لولده فلم يٌقل وإنما خرج إلى الناس .

   ثالثاً : إعراضه t عن الشعراء والمداحين :-

   للملك والسلطان فتن كثيرة ومن أكثر هذه الفتن خطراً وأشدها أثراً تلك العصابات من المداحين والشعراء المُرتزقين الذين يحيطون بالأمراء أو الخلفاء أو من إليهم من أصحاب الجاه والسلطان ، والذين يقتصر عملهم على تكبير الصغير وتعظيم الحقير مما يفعله هؤلاء ، لا حُباً فيهم ولكن طمعاً في نوالهم والاستفادة من القرب منهم ، ومن طبيعة الناس إلا من رحم الله أن يحبوا من يثني عليهم ويعظم شأنهم ، وقد قيل : أجمل صوت تسمعه إنسان يمدحك ، وكثيراً ما يكون هؤلاء المداحون سبباً في هلاك ما يمدحون في الدنيا والآخرة ، ولهذا تنبه عمر ابن عبدالعزيزt إلى خطر المداحين فأعرض عنهم ، ولم يفسح صدره لهم ، فقد رُوى " أن رجلاً دخل عليه فقال : يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك كانت الخلافة لهم زين وأنت زين الخلافة ، وإنما مثلك يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر :

وإذا الدرُ زان حسن وجوه     كان للدر حسن وجهك زينا

قال : فأعرض عنه عمر "([139]).

   وإعراض عمر t عن مثل هذا المداح إنما يصون به نفسه من أن يُعكر صفوها بمثل هذا الكلام ، ولقد قال له رجل : جزاك الله خيراً عن الإسلام يا أمير المؤمنين ، قال : بل جزى الله الإسلام عني خيراً "([140]).

  ولقد كان لـه مع الشعراء موقف فمنعهم من الدخول عليه، ومن وقف ببابه منهم لم يسمح له إلا بعد طول قيام تدل على هذا الرواية التالية ، قال السيوطي : " قدم جرير فطال مقامه بباب عمر بن عبدالعزيز ولم يلتفت إليه ، فكتب إلى عون بن عبدالله وكان خصيصاً بعمر :

يا أيها القارئ المرخي عمامته 

                            هذا زمانك إني قد مضى زمني

أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيـه

                      أنى لدى الباب كالمصفود في قرن"([141]).

   " وروى عن عبدالحليم بن محمد المخزومي قال : قدم جرير بن عطية بن الخطفى على عمر بن عبدالعزيز فذهب ليقول فنهاه عمر ، فقال : إنما أذكر رسول الله e ، قال : أما رسول الله e فأذكره ، فقال :

إن الـذي ابتعـث محمــداً     جعل الخلافة للأمير العادل

رد المظالـم حقهـا بيقينهـا     عن جودها وأقام ميل المائل

والله أنزل في القرآن فريضة     لابن السبيل والفقير العائـل

إني لأرجو منك خيراً عاجلاً     والنفس مغرمة بحبي العاجل

فقال له عمر : ما أجد لك في كتاب الله حقاً ، قال : بلى يا أمير المؤمنين إنني ابن سبيل ، فأمـد له من خاصة ماله بخمسين ديناراً"([142]).

   وهكذا لم يأذن عمر لجرير بعد طول قيام ، وحين أعطاه لم يعطه آلاف الدينارات كما كان معهوداً في ذلك الوقت ، وإنما أعطاه خمسين ديناراً من ماله الخاص، وبهذا جنب عمر نفسه هذه الفتنة وضرب مثلاً لمن بعده من الجاه والسلطان بضرورة أن يحذروا من هؤلاء المداهنين من الخطباء والشعراء وأمثالهم في عصرنا كثيرون جداً ، وقد سمحت لهم أجهزة الإعلام الحديثة من صحافة وإذاعة وتلفاز بأن يبثوا سموهم ويصوبوا سهامهم التي لا تؤثر إلا في أهل الغفلة عن الله U .

   رابعاً : تدبره للقرآن ومجالسته لأهله :-

   من الحقائق القرآنية الثابتة أن الله تعالى ما أنزل القرآن إلا ليتدبره الناس قبل أن يعملوا به ، قال تعالى : } كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ { ([143]). وقد نص القرآن الكريم على صنف من الناس لا يمنحون أنفسهم وقتاً لتدبر آيات الله U وكأن على قلوبهم أقفالها ، قال تعالى : } أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا { ([144]). ولقد أقبل عمر بن عبدالعزيز t على القرآن تلاوة وتدبراً .

 

   فعن مقاتل بن حيان قال : " صليت وراء عمر بن عبدالعزيز فقرأ } وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ { ([145]) فجعل يكررها وما يستطيع أن يتجاوزها ، وكان إذا آوى إلى فراشه قرأ : } إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ { ([146]) ويقرأ: } أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ{ ([147]) وكان يجتمع كل ليلة إلى أصحابه من الفقهاء وأهل القرآن فلا يذكرون إلا الموت والآخرة قم يبكون حتى كأن بينهم جنازة " ([148]).

   وقرأ رجل عندهم } إذا ألقوا منها مكانا ضيقا ... الآية{ فبكى بكاءً شديداً ثم قام فدخل منزله وتفرق الناس عنه  "([149]).

 

   ومن هذا يتبين أن عمر بن عبدالعزيز t كان يزود نفسه في كل يوم بذلك الزاد الروحي من تلاوة القرآن وتدبره ، والتفاعل مع آياته والانفعال بها إلى حد البكاء ، وهذا دأب أهل العلم والخشية ، كما قال الله تعالى : } إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً *  وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا{ ([150]) ، وكان القرآن ولا يزال هو النبع الصافي الذي يجب أن يرتوي منه الدعاة إلى الله U والواحة الظليلة التي يجدون فيها راحة قلوبهم وطمأنينة نفوسهم ، والزاد الذي لا ينفد ، والمعين الذي لا ينضب .

  خامساً : حرصه t على إصلاح أهل بيته :-

   لا تقتصر مهمة المسلم على التزامه بمنهج الله وبعده عن معاصيه ، ليُنقذ نفسه من عقاب الله U ويظفر بثوابه ، بل لابد وأن يسعى إلى تحصيل النجاة لآل بيته وذلك بحملهم على طاعة الله وتحذيرهم من معصيته ، قال تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً { ([151]).

   وقد سجلت لنا كتب التاريخ أن عمر بن عبدالعزيز t حين ولي الخلافة قد أحضر زوجه فاطمة بنت عبدالملك وأمرها أن ترد ما معها من حُلي إلى بيت مال المسلمين وقال لها : "لا أجتمع أنا وأنت وهذا الحلي في بيت واحد ، فاختارته رحمها الله وردت كل ما معها من حلي إلى بيت مال المسلمين "([152]).

   وقد ينظر البعض إلى هذا الموقف على أنه تشدد من عمر ابن عبدالعزيز، ولكنه ليس كذلك ، فإن زوجته فاطمة كانت بنت الخليفة وأخت الخليفتين ولاشك أن ما معها من حلي لم يخلُ بعضه من المبالغة في ثمنه وتكلفته ، ولربما كان بعض المسلمين في أمس الحاجة إلى ثمن هذا الحُليّ ، ثم إنه لم يفرض عليها التنازل عنه، وإنما خيرها بين أن تبقى زوجة له وتتنازل عن حليها أو تبقى مع حليها وتترك بيت عمر ، فتنازلت عنه عن طواعية واختيار ، وبعد وفاة عمر بن عبدالعزيز عرض عليها يزيد بن عبدالملك بعد أن ولي الخلافة أن يرد عليها حليها فأبت وقالت : والله ما أفعل شيئاً كرهه عمر بن عبدالعزيز .

   وقد عهد عمر بن عبدالعزيز إلى أحد العلماء ليتولى تربية أبنائه وتأديبهم ، وكان ذلك في الطائف ، فبلغه أن هذا المعلم قد قدم أحد أولاد عمر للإمامة في الصلاة وهو حدس صغير فلما علم بذلك عمر t انتهره وقال: كيف تقدم صبياً لا يعرف النية"([153]).

  وقد عنى t قبل وفاته بوصية أبنائه ونصحهم، يقول الإمام ابن كثير : " قيل لعمر بن عبدالعزيز : هؤلاء بنوك ... وكانوا اثنى عشر : ألا توصي لهم بشيء ؟ فقال : } إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ { ([154]) والله لا أعطيهم حق أحد، وهم بين رجلين إما صالح فالله يتولى الصالحين ، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه ، ثم استدعى أولاده فودعهم وعزاهم بهذا وأوصاهم بهذا الكلام ، ثم قال : انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم "([155]).

   وهكذا حرص عمر بن عبدالعزيز t على أن يربى أولاده على حسن التوكل على الله والاعتماد عليه ، والأخذ بأسباب الرزق كغيرهم من المسلمين، واعتذر لهم بأن الصالح فيهم سيتولاه الله U ، أما الطالح فلا يبالي به إذا أهلكه الله .

    تلك هي أهم معالم منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين

للدعوة من خلال إصلاحه لنفسه ولآل بيته ، ومن خلالها يتضح أن الرجل لم يترك سبيل من سبل الهداية والإصلاح إلا واستمسك به في نفسه وأهله ، ولم يدع باباً من أبواب الفتنة والفساد إلا أغلقه دونه ودون أهل بيته ، فإذا انطلق بعد هذا إلى ميادين الإصلاح المختلفة فإنه ينطلق من قواعد ثابتة وسبيل واضحة يقيم بها الحجة على معاصريه من الناس ، بل وعلى من يأتون بعده إلى قيام الساعة .

 

 

المبحث الثالث

منهجه t في التمكين للدعوة

من خلال إصلاحاته الاجتماعية

******

   إن مما لاشك فيه أن للمجتمع الإسلامي أثره البالغ في تقدم الدعوة الإسلامية وانتشارها ، أو في توقف مسيرتها وانحصارها فكلما كان المجتمع آمناً مستقراً ترفرف على جنباته راية العدل وتظلل أفراده أخوة الإيمان التي يحمل بمقتضاها القوى الضعيفة ويحنو الغني على الفقير ، ويشفق فيه الحاكم على المحكوم، كلما أدى ذلك إلى تمكين الدعوة الإسلامية في هذا المجتمع ، وكان في الوقت ذاته دعاية رائعة لهذا الدين الحق، وهذا ما حرص عليه أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز t فقد عمل على تقوية المجتمع المسلم من الداخل ، وذلك بتنقية ذلك المجتمع من المظاهر السلبية التي قد علقت به ليعود مجتمعاً إسلامياً خالصاً يتغلغل الإسلام في شرايينه ، ويسيطر على حناياه ، وفي هذه السبيل أرسى t منهجاً يقوم على الدعائم التالية :

  الدعامة الأولى : رد المظالم إلى أهلها :-

   لقد سُبق عمر بن عبدالعزيز t بالعديد من خلفاء بني أمية ، وقد توسع بعض هؤلاء في رغد العيش وبناء القصور والأخذ من بيت مال المسلمين ما لم يكن له حق فيه ، وكان المسلمون في أمس الحاجة إليه ، ومن ثم كان أول ما فعله عمر بن عبدالعزيز t حين ولي الخلافة أن عمل على إصلاح هذا الوضع ، فرد ما أخذ من بيت مال المسلمين إلى بيت المال، وما أُخذ من بعض الناس بغير حق إلى أصحابه .

   فقد روى أنه جمع يوماً رؤوس الناس فخطبهم فقال : " إن فدك([156]) كانت يد رسول الله e يضعها حيث أراه الله ، ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك ، قال ثم إن مروان أقطعها فحصل لي منها نصيب ، ووهبني الوليد وسليمان نصيبهما ، ولم يكن من مالي شيء أرده أغلى منها ، وقد رددتها في بيت المال على ما كانت عليه في زمان رسول الله e ، ثم أمر بأموال جماعة من بني أمية فردها إلى بيت المال وسماها أموال المظالم "([157]).

   فمن هذا يتبين أن عمر t قد رد أرض فدك إلى حالها التي كانت عليها على عهد رسول الله e بعد ما كان مروان بن الحكم قد قسمها على أبنائه وغيرهم ، فنال عمر منها النصيب الأكبر، فقام برد ذلك القدر وغيره من أموال بني أمية التى رأى أنه لا حق لهم فيها إلى بيت مال المسلمين .

   ولم يكتف عمر بهذا ، بل أمر مناديه ينادي في الناس " ألا من كانت له مظلمة فليرفعها فقام إليه رجل ذميّ من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله ، قال: ما ذاك ؟ قال العباس ابن الوليد بن عبدالمطلب : اغتصبني أرضي – والعباس جالس- فقال له عمر : يا عباس ما تقول ؟ قال :نعم أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد ، وكتب لي بها سجلاً ، فقال عمر : ما تقول يا ذميّ؟ قال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى ، فقال عمر : نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد ، قم فاردد عليه ضيعته ، فردها عليه ، ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه ، فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها سواء كانت في يده أو يد غيره حتى أخذ أموال بني مروان وغيرهم مما كان في أيديهم بغير استحقاق "([158]).

   وهكذا بدأ عمر بن عبدالعزيز t بنفسه فرد ما كان تحت يده من مال إلى بيت مال المسلمين ، بل وأمر مناديه أن يدعو أصحاب المظالم أن يرفعوا مظالمهم إليه ، فلما شعر الناس بجدية عمر وإنصافه آوى إليه أصحاب المظالم حتى ذلك الذمي الذي شكى إليه أن العباس بن الوليد بن عبدالملك قد استولى على أرضه بغير حق ، فلما تثبت عمر t من صدق الرجل أمر العباس بأن يرد إليه أرضه فوراً فردها إليه ، فشجع ذلك الناس ، فما ترك حقاً مغتصباً عند بني أمية أو غيرهم إلا رده إلى صاحبه حتى إنه رد فص خاتم كان في يده فقال : " أعطانيه الوليد بغير حق ، فأمر برده إلى بيت المال "([159]).

 

  • ·       رفضه t شفاعة عمته في أمر المظالم :

   عندما أصدر عمر t قراراً برد ما عنده وعند بني أمية من مظالم كان لهذا ولاشك وقعه الشديد عليهم، فحاولوا إثناءه عن ذلك القرار فاستشفعوا عنده بعمته فاطمة بنت مروان " فلما دخلت عليه عظمها وأكرمها فرآها غَضبَى فقال لها : ما لك يا عمة ؟ فقالت : بنو أخي عبدالملك وأولادهم يُهانون في زمانك وولايتك وتأخذ أموالهم فتعطيها لغيرهم ، ويسبون عندك فلا تنكر ؟ فلما رأى ذلك أخذ معها في الجد ثم قال : إذا كان الظالم من الأقارب الذين هم بطانة الوالي ، والوالي لا يزيل ذلك ، فكيف يستطيع أن يزيل ما هو ناءٍ عنه في غيرهم ؟ فقالت : يُسبون عندك ؟ قال: ومن يسبهم ؟ إنما يرفع الرجل مظلمته فآخذ له بها " ([160]).

   ومن هذا يتبين مدى إصرار عمر بن عبدالعزيز t على رد المظالم إلى أهلها ورفضه لكل شفاعة تتفيىَّ عكس ذلك ، وفي هذا ولاشك صيانة للمجتمع من كثير من المفاسد الاجتماعية والأخلاقية ، وإشعار الناس بعظمة الإسلام الذي أمر بالعدل بين الناس ، والتصدي للظالمين ، وإن كان أقرب المقربين قال تعالى : } إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ { ([161]) ، وقال تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا  { ([162]).

  الدعامة الثانية : عنايته بأصحاب الحاجات والضعفاء:-

   هذه هي الدعامة الثانية التي بنى عليها عمر بن عبدالعزيز t إصلاحه الاجتماعي ، فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يتفاوت الناس في الغنى والفقر، والقوة والضعف، كما اقتضت حكمته تعالى أن يبتلى بعض الناس في هذه الحياة الدنيا بالمرض أو بفقد حاسة من الحواس، وقد أولى عمر بن عبدالعزيز t اهتماماً كبيراً بالأمة كلها بوجه عام ، وبهؤلاء الضعفاء بوجه خاص .

  " قالت زوجته فاطمة : دخلت عليه يوماً – وهو جالس في مصلاه واضعاً يده على خده ودموعه تسيل على خديه – فقلت : ما لك ؟ فقال : ويحك يا فاطمة قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع ، والعاري المجهود ، واليتيم المكسور ، والأرملة الوحيدة ، والمظلوم المقهور ، والغريب والأسير ، والشيخ الكبير ، وذي العيال الكثير والمال القليل ، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد ، فعلمت أن ربي U سيسألني عنهم يوم القيامة وأن خصمي دونهم محمد e فخشيت ألا يثبت لي حجة عند خصومته فرحمت نفسي فبكيت " ([163]).

   وإذا كان التفكير في شأن هؤلاء هو الذي يذهب النوم عن عمر بن عبدالعزيز في ليله ، فإنه في نهاره يسعى سعياً حثيثاً إلى الوصول إلى أصحاب الحاجات لقضاء حوائجهم " فقد كان مناديه ينادي كل يوم أين الغارمون ؟ أين الناكحون ؟ أين المساكين ؟ أين اليتامى ؟ حتى أغنى كل هؤلاء " ([164]). فلم ينتظر عمر بن عبدالعزيز t هؤلاء ليبحثوا عنه ويرفعوا إليه حاجتهم ، بل صار هو الذي يبحث عنهم ، ويدعو مناديه ليجمعهم ، وما ذلك إلا لأنهم من رعيته ، وسيُسأل يوم القيامة عنهم ، فقد قال e : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، والإمام راع ومسئول عن رعيته ... الحديث "([165]).

   وقد انتبه عمر بن عبدالعزيز t إلى مشكلة تؤرق كثيراً من الناس في عصرنا وهي مشكلة كثرة العيال وقلة المال ، ففرض لأصحاب العيال الكثيرة أموالاً من بيت المال تسد حاجتهم وتحفظ لهم كرامتهم " فقد جاء أعرابي فقال : يا أمير المؤمنين جاءت بي إليك حاجة وانتهت إلى الغاية ، والله سائلك عني ، فبكى عمر وقال له : كم أنتم ؟ فقال : أنا وثلاث بنات ففرض له على ثلثمائة وفرض لبناته مائة مائة ، وأعطاه مائة درهم من ماله وقال : اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ معهم "([166]).

   كما عُنى t بأمر كفالة الأيتام، وإصلاح شؤونهم "فقد روى أن ولداً له خرج يلعب مع الغلمان فشجه صبي منهم ، فاحتملوا الصبي الذي شج ابنه وجاءوا به إلى عمر ، فسمع الجلبة فخرج إليهم فإذا امرأة تقول : إنه ابني وإنه يتيم ، فقال لها عمر : هوني عليك ، ثم قال لها عمر : أله عطاء في الديوان ؟ قالت :لا ، قال: فاكتبوه في الذرية ، فقالت زوجته فاطمة : أتفعل هذا به وقد شج ابنك ؟ فعل الله به وفعل ، المرة الأخرى يشج ابنك ثانية ، فقال : ويحك يا فاطمة إنه يتيم وقد أفزعتموه "([167]).

   وهذه الرواية تجلى لنا مقدار رحمة عمر بن عبدالعزيز t بالمسلمين وخاصة بالأيتام ، فهذا اليتيم قد شج ولد الخليفة ، ثم يعود مع أمه ظافراً بفرض مال له من بيت المال ، فلم يعنف عمر اليتيم ولم يعنف أمه ، وإنما عنف زوجته ومن حولها وقال ويحكم : لقد أفزعتموه ، وكما عُنى t بأمر الأيتام عُنى كذلك بأمر المكفوفين ، وفي هذا يقول د / أحمد الشرباصي - رحمه الله تعالى- : " كان لعمر بن عبدالعزيز أرض في السويداء استخصبها من حُر ماله وخالص جهده ، وكانت هذه الأرض تدر عليه غلة تقدر بمائة وخمسين ديناراً ، أو بمائتي دينار ، وجاءته هذه الغلة وأسرته في حاجة إليها للإنفاق منها على مطالب لهم، فلما وضعت بين يديه جاء إليه مولاه مزاحم وذكره بحاجة أسرته إلى المال ، ولكن عمر لم يستجب له بل قال لمن حوله : انظروا الشيخ المكفوف الذي كان يغدو بالأسحار فخذوا له ثمن قائد لا كبير فيقهره ولا صغير يضعف عنه " ، ففعلوا ذلك ثم قال عمر لمزاحم مولاه : أنفق ما بقى في مطالب أهلى ، ولم يكتف عمر ابن عبدالعزيز بهذه العناية الفردية بشؤون المكفوفين ، بل نقل هذه العناية من المحيط الفردي إلى المحيط العام، فقد أصدر أمراً بأن يوزع على كل مكفوف في الرعية غلام يقوده من غلمان الأسرى الرقيق الذين غنمتهم الدولة في حروبها "([168]).

   وكما كان t رحيماً بالمكفوفين يفضل حاجتهم على حاجة أهله كان كذلك رحيماً بالخدم "فقد روى أنه أمر جارية تروحه حتى ينام ، فروحته فنامت هي فأخذ المروحة من يدها وجعل يروحها ويقول أصابك من الحر ما أصابني "([169]).

   ولم تكن عناية عمر بن عبدالعزيز t بأصحاب الحاجات والضعفاء الذين يصلون إليه أو يصل إليه العلم بهم، بل لقد رصد t الجوائز وثمن السفر لأصحاب الحاجات الذين يأتون إليه أو لمن يبلغونه عن أصحاب الحاجات ، وفي هذا يقول الشيخ أبو الحسن الندوي - رحمه الله تعالى- : " قد أعلن عمر ابن عبدالعزيز t بالجوائز والمكافأة المالية لمن يخبره بحقيقة الحال، أو يشير عليه بشيء فيه مصلحة للمسلمين ، ومصلحة لدولتهم وكتب إلى أهل الأمصار " أما بعد : فأيما رجل قدم إلينا في رد مظلمة أو أمر يصلح الله به خاصاً ، أو عاماً من أمر الدين فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار بقدر ما يرى الحسبة ، وبعد السفر لعل الله يحيى به حقاً أو يميت باطلاً ، أو يفتح به من ورائه خيراً "([170]).

   أمره t ببناء الخانات (الفنادق) لأبناء السبيل واستضافتهم

      على حساب بيت المال :

   ولم ينس عمر بن عبدالعزيز t أولئك الذين يقطعون أرض الإسلام طولاً وعرضاً بُغية التجارة أو طلب العلم أو رفع مظلمة أو غير ذلك من الأغراض التي تدفع الناس إلى السفر والارتحال فأمر t عمله ببناء الخانات، أو دور الضيافة لأولئك المسافرين، كما أمر بإعداد أماكن لعلف دوابهم وسكانهم، يقول الإمام الطبري - رحمه الله تعالى- : " كتب عمر بن عبدالعزيز إلى سليمان ابن أبي السرى : أن اعمل خانات في بلادك ، فمن مر بك من المسلمين فأقروهم يوماً وليلة ، وتعهدوا دوابهم ، فمن كانت به علة فأقروه يومين وليلتين ، فإن كان منقطعاً به فقَّووه بما يصل به إلى بلده "([171]).

   ومن هذا يتبين لنا مدى ما كان يتمتع به عمر بن عبدالعزيز t من فكر ثاقب وإدارة ناجحة وإلمام بذوي الحاجات ، وقراره هذا الذي تعبر عنه تلك الرسالة خير شاهد على هذا ، فقد أمر ببناء دور للضيافة ومواطن لإقامة دواب المسافرين ، وحدد من تكون إقامته ليوم وليلة ، ومن تكون إقامته ليومين وليلتين ، ومن يمنح مالاً من قبل الدولة ؛ حتى يصل إلى أهله ويبلغ مأمنه ، ولاشك أنه قد رصد من ميزانية الدولة لتحقيق ذلك ، وهذا أنموذج رفيع لا تكاد ترى مثله الآن في العالم كله ، وحُق لأمتنا أن تتباهى به ، وتعمل على إحيائه .

   ولا ريب أن هذه العناية الفائقة بأصحاب الحاجات والضعفاء من قبل عمر بن عبدالعزيز t إنما هي ترجمة عملية لمنهج الإسلام ، وحسبنا في هذا قول النبي e : "إنكم إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم "([172]).

   وقد كان لها حتماً آثارها المباركة في استقرار المجتمع وشعوره بالأمن والأمان ، وبالتالي تتفرغ قيادته وأفراده بأمر نشر الدعوة وإعلاء راية الإسلام .

 

 

المبحث الرابع

منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين للدعوة

 من خلال إصلاحاته الاقتصادية

*******

   مما لا شك فيه أن للناحية الاقتصادية أهمية كبيرة في حياة الفرد والمجتمع والدولة الأموية ، وكلما كان هناك استقرار اقتصادي ورخاء مادي، ومجالات للعمل ، كلما شعر الناس بالهدوء النفسي والاستقرار الاجتماعي ، ويكون عندئذ التفكير منصرفاً إلى التخطيط لنشر الدعوة ، والبحث عن مصلحة الإسلام والمسلمين ، وكلما كان المجتمع يعاني من كساد مادي وركود اقتصادي وبطالة بين الشباب ، كلما كان هذا دافعاً لدى السواد الأعظم من الناس إلا ما رحم الله إلى الانشغال بلقمة العيش والبحث عن القوت الضروري ، فلا يجد الإنسان فرصة للتفكير في هموم الدعوة ومصلحة الأمة ، ولهذا كانت عناية الإسلام بالجوانب الاقتصادية واهتمامه البالغ بموارد كسب المال ومصارفه، ولسنا الآن في ميدان بيان أهمية الجانب الاقتصادي في الإسلام، فإن لهذا مظانه في المكتبة الإسلامية ، ولكننا في ميدان بيان منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين لدعوة الله U من خلال ما قام به من إصلاحات اقتصادية ، وقد بينا في المبحث السابق كيف أنه t قد عُنى بأصحاب الحاجات والضعفاء من رعيته عناية كبيرة ، فوفر لهم ما يحتاجون إليه من أموال، وبالإضافة إلى ذلك فقد سلك t منهجاً واضح المعالم في الإصلاح الاقتصادي ، وهو يقوم على الأسس التالية :

  أولاً : حمايته للمال العام :-

   المال العام هو ذلك المال المملوك للأمة كلها ، والوارد إلى الدولة الإسلامية من موارد شتى ، كالغنائم والفئ ، والزكوات والخراج ، ومال من مات ولم يترك ورثة شرعيين إلى غير ذلك من موارده المعروفة ، وكثيراً ما يكون هذا المال مطمعاً لبعض الناس، لكن عمر بن عبدالعزيز t كان أحرص الناس  على هذا المال ، وأكثرهم خوفاً من أن يناله شيء منه ولو كان قليلاً ، وقد رويت عنه في هذا المجال عدة روايات منها : أنه t له  مصباحان ، مصباح ينفق زيته من بيت مال المسلمين ، والآخر  ينفق على زيته من ماله الخاص، فإذا انقضت حوائج المسلمين أطفأ المصباح الأول وأشعل الثاني([173]).

   ومنها كذلك : أنه أمر غلاماً له بأن يشوي له لحماً فشواه، وعاد إليه مسرعاً فسأله عن سبب ذلك ، فأخبره أنه قد شواه في مطبخ المسلمين ، فلم يأكل منه عمر t فأمر غلامه بأكله مع بقية الغلمان ، وقد أمر يوماً بأن يسخن له ماء ، فسُخِّن له في المطبخ العام ، فرد بدل ذلك بدرهم حطباً ([174]).

   وأعجب من ذلك كله أنه أُوتى له ذات يوم بمسك من الغنائم، فسد أنفه حتى لا يشمه ، فلما خوطب في ذلك قال : " وهل يُنتفع من المسك إلا بريحه ؟ "([175]).

   بل لقد بلغ من حرصه t على أموال المسلمين أنه أوصى كاتبه فقال : " أدُق القلم فإنه أبقى للقرطاس وأوجز الحـروف

واكتب ، وكان ينصح عماله بذلك "([176]).

   وقد سبق أن ذكرنا أنه باع مراكب الخلافة وفُرشها وأخذ كثيراً من أمواله وأموال بني مروان ورد كل ذلك إلى بيت المال ، وكل هذا من شأنه أن يجلب الرخاء للمجتمع الإسلامي ، ويكفل العدالة بين أفراده .

  ثانياً : توفير المناخ الملائم للاستثمار :-

   كان من الإصلاحات الاقتصادية التي عمل بها عمر ابن عبدالعزيز t أثناء خلافته أن هيأ المناخ الملائم لأصحاب الأموال كي يستثمروا أموالهم ، فبعد توفير عنصري الأمن والأمان ، وهما من أهم ما يلزم للنهضة الاستثمارية ، فثقة أصحاب الأموال بأن على رأس الدولة الإسلامية رجل ورع لا يرضى لنفسه أن يشتم مسك الغنائم يكون ذلك حافزاً لهم على استثمار أموالهم وتوسيع تجارتهم ، ثم إنه t قد أصدر قرارات بإلغاء الضرائب والعشور([177]) ، وفتح البر والبحر للتجارة .

   وفي هذا يقول الشيخ /أبو الحسن الندوي -رحمه الله- :"وكان من قرارات عمر بن عبدالعزيز t أن حط العشور والضرائب التي فرضتها الحكومة من قبله ، فقال : " فأما المسلمون فإنما عليهم صدقات أموالهم إذا أدوها في بيت المال كتبت لهم البراءة ، فليس عليهم في عامهم ذلك في أموالهم تباعة وفتح طريق البر والبحر للتجارة الحرة ، ومنع الضرائب ، وقال :"أما البحر فإنا نرى سبيله سبيل البر ، قال تعالى : } اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ {([178]) فآذن فيه أن يتجر فيه من شاء ، وأرى أن لا يحول بين أحد من الناس وبينه ، فإن البر والبحر لله جميعاً سخرهما لعباده يبتغون فيهما من فضله ، فكيف نحول بين عباد الله وبين معائشهم "([179]).

    ومن شأن هذه السياسة الاقتصادية أن تعود بالخير والرخاء على كل من المنتج والمستهلك وإلغاء الضرائب والعشور ، يشجع على توسعة التجارة ، وبالتالي يوفر فرص عمل لمن يريدون العمل فتنعدم البطالة من المجتمع المسلم ، وهي في الوقت ذاته ترفع عبئاً عن صاحب المال يعود أثره في رخص سلعته ، وبالتالي فلا يجد الناس حرجاً أو عناءً في الحصول على ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ، وفي فتحه t طرق البر والبحر أمام التجار حفز على تبادل السلع وتشجيع على المنافسة، وكل هذا يؤدي في النهاية إلى نهضة اقتصادية ، بل إن هذا المنهج الذي عمل به عمر بن عبدالعزيز تعمل به الآن وتدعو إليه كثير من الدول المتقدمة اقتصادياً .

 

  • ·       نتيجة هذه السياسة الاقتصادية :

   لقد كانت نتيجة هذه السياسة الاقتصادية التي استقاها عمر ابن عبدالعزيز t من منهج الإسلام وطبقها في خلافته نتيجة باهرة بل سابقة وهي الأولى في تاريخ الإنسانية كانت نتيجتها أن انحصر الفقر وإن شئت فقل انعدم من أمة الإسلام، حتى إن الناس يجدون مشكلة كبيرة فيمن يأخذ منهم صدقاتهم .

   روى عن زيد عن عمر بن أسيد بن عبدالرحمن بن زيد ابن الخطاب قال : " إنما ولى عمر بن عبدالعزيز سنتين ونصفاً  ثلاثين شهراً ، والله ما مات عمر بن عبدالعزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما نبرح حتى يرجع بماله ، قد أغنى عمر بن عبدالعزيز الناس ".

   وعن سليمان بن داود : أن عبدة بن أبي لبابة بعث معه بخمسين ومائة يفرقها في فقراء الأمصار ، قال : فأتت الماجشون فسألته ، فقال : ما أعلم أن فيهم اليوم محتاج أغناهم عمر ابن عبدالعزيز "([180]).

   فهاتان شهادتان من معاصيري عمر بن عبدالعزيز t بزوال الفقر في عصره ، وانعدام الفقير المحتاج ، وقد يظن البعض أن في هذا نوعاً من المبالغة ، وليس الأمر كذلك بل إن هذه هي النتيجة الطبيعية لتلك السياسة الشرعية التي سار عليها عمر ابن عبدالعزيز ، فإن الرجل قد التزم بالزهد في حياته ، وتجنب مظاهر السرف والتبذير ، وحث عماله على الاقتصاد ورد المظالم إلى أهلها ، وعُنى بأصحاب الحاجات والضعفاء، ووفر الحماية اللازمة للأموال العامة وفتح البر والبحر للتجارة ، وألغى الضرائب والعشور ، وحث الرعية على الرضا والقناعة، وكان هو إمامهم في هذا ، ومن يعمل بهذا المنهج لابد وأن يزول الفقر من مجتمعه ، أو على الأقل ينحصر ويقل سواء في أي عصر كان أو في أي مصر .

 

المبحث الخامس

منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين للدعوة

من خلال إصلاحاته الإدارية

*******

   إذا كان خليفة المسلمين رأس الدولة والحاكم الأعلى، وهو الذي يتصدر النظام الإداري للحكومة المسلمة فإن هذا لا يعني أن كل الأمور تنضبط بانضباط الخليفة، بل إن ذلك لا يتحقق إلا إذا عمل الخليفة على إصلاح النظام الإداري كله من أعلاه إلى أدناه، وهذا الإصلاح من أهم المهمات التي أوجبها الشرع الحكيم على خليفة المسلمين ، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " يجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، قال النبيe : "من قلد رجلاً عملاً على عصابة وهو يجد في تلك العصابة من هو أرضى منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين "([181]) وقال عمر بن الخطاب t: " من ولى من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة أو قربة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين " .

   وهذا واجب عليه فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة ، من أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الصغار والكبار ، وولاة الأموال من الوزراء والكُتاب الشادين([182]) والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأمور التي للمسلمين، وعلى

كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده "([183]).

   وهذا الوجوب الذي تحدث عنه الإمام ابن تيمية مشتقاً من قول الله U : } إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ { ([184]). ولقد أدرك عمر ابن عبدالعزيز t هذه الحقيقة .

 

  " فكان يقول : إن للسلطان أركاناً لا يثبت إلا بها ، فالوالي ركن  والقاضي ركن، وصاحب بيت المال ركن،والركن الرابع أنا"([185]).

   فانظر كيف بين عمر بن عبدالعزيز t أن للسلطان هذه الأركان الأربعة التي يجب أن تتكامل فيما بينها ، وأن فقد أي ركن منها يؤدي إلى زوال السلطان وكيف أنه t جعل نفسه الركن الأخير ، هذا حق ، فإن الخليفة إذا كان رجلاً عادلاً ولم ينتق من أصحاب الولايات من هم على شاكلته فإن عدله لا قيمة له ، بل لا يكون عدلاً حقيقياً ، وقد قام t بإصلاحاته الإدارية متتبعاً المنهج التالي : 

 

  أولاً : عزله من عرفـوا بالشـدة من الـولاة وتولية أهـل

        الإنصاف والرفق :

   وفي هذا يقول ابن كثير -رحمه الله تعالى- : " وفي سنة تسع وتسعين وبعد أن ولي عمر بن عبدالعزيز الخلافة عزل يزيد ابن المهلب عن إمرة العراق ، وبعث عدي بن أرطأة الفزاري على إمرة البصرة فاستقضى عليها الحسن البصري ، ثم استعفاه واستقضى مكانه إياس بن معاوية الذكي المشهور ، وبعث على إمرة الكوفة وأرضها عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد ابن الخطاب، وضم إليه أبا الزناد كاتباً بين يديه ، واستقى عليها عامراً الشعبي ، وجعل على إمرة خراسان الجراح بن عبدالله الحكمي ، وكان نائب مكة عبدالعزيز بن عبدالله بن خالد بن أسيد، وعلى إمرة المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وعزل عن مصر عبدالملك بن أبي وداعة ، وولى عليها أيوب بن شرحبيل واستعمل على إفريقية وبلاد المغرب إسماعيل بن عبدالله المخزومي ، وكان حسن السيرة وأسلم في ولايته على بلاد المغرب خلق كثير من البربر "([186]).

   وهكذا أحدث عمر بن عبدالعزيز t فور توليه الخلافة تغييراً شاملاً، ولأصحاب المناصب العليا في الدولة ، واختار من هم على شاكلته في العدل والإنصاف والعلم بسياسة الرعية " ولهذا صرح كثير من الأئمة بأن كل من استعمله عمر بن عبدالعزيز ثقة"([187]).

   ولاشك أن هؤلاء الثقات سيختارون من تحت أيديهم ممن هم على شاكلتهم ، وسيترتب على ذلك حتماً استقامة كل الأمور وصلاح جميع الأحوال .

   ثانياً : توليته من يزهد في الولاية :-

   إن من هدى النبي e ألا يولى من يطلب الإمارة أو يحرص عليها ، وفي هذا يقول e : "إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه"([188]). كما قال e لعبدالرحمن بن سمرة t : " يا عبدالرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها "([189]).

   وقد اتبع عمر t هذا المنهج، فكان يختار من عرفوا بالزهد والورع وعدم الحرص على الإمارة، وكان لا يختارهم إلا بعد متابعة دقيقة ، يدل على هذا ما رواه السيوطي : " أن عمر ابن عبدالعزيز قد اختار عمرو بن مهاجر الأنصاري رئيساً لحرسه ، وقال له : يا عمرو والله لتعلمن أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام ، ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن ، ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة ، وأنت رجل من الأنصار، خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي "([190]).

   فاختيار عمر بن عبدالعزيز t لعمرو بن مهاجر كان على أساس متابعة جيدة ، فوجد أن الرجل يكثر من تلاوة القرآن، ويحرص على أن يصلي بعيداً عن عيون الناس ، وبالتالي فهو أهل إلى أن يكون رئيس الحرس ومسئول الشرطة في حكومة عمر بن عبدالعزيز .

  ثالثاً : طلبه من عماله أن يصححوا له إن هو أخطأ :-

   يحرص بعض الخلفاء والولاة على أن يعلموا من تحت أيديهم أن يسمعوا لهم ويطيعوا ، وألا يناقشوهم فيما يأمرون به أو ينهون عنه ، أما عمر بن عبدالعزيز فإنه يعلم أمراءه وعماله أن ينظروا فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه ، فإن رأوا فيه مخالفة لدين الله U فإن عليهم أن يضربوا بكلامه عرض الحائط ، وأن يطيعوا الله ورسوله ، فعن ميمون بن مهران قال : " ولاني عمر ابن عبدالعزيز عمالة ثم قال لي : إذا جاءك كتاب مني على غير الحق فاضرب به الأرض "([191]).

   وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حسن إدارته t ، وإخلاصه في طلب مصلحة الإسلام وأمته، فهو لا يولي من يضمن أن ولاءه للخليفة ، وإنما يولي من يضمن أن ولاءه لله U وأنه يقومه إذا اعوج .

   رابعاً : منعه أمراءه وعماله من التجارة وتلقي الهدايا:-

   كان من القرارات التي أصدرها عمر بن عبدالعزيز t حين ولي الخلافة : أن منع عماله من التجارة في مواطنهم التي يحكمونها ، فكتب إليهم : " ونرى أن لا يتجر إمام ولا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه ، فإن الأمير متى يتجر ليستأثر ويصيب أموراً فيها عنت ، وإن حرص على ألا يفعل "([192]).

   وبهذا أغلق عمر t باباً واسعاً من أبواب الفتنة على الولاة والأمراء ومن تحت أيديهم من المسلمين ، فإن في تجارة هؤلاء شغلاً لهم عن مهمات الإمارة والولاية من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن نزول هؤلاء إلى ميادين التجارة وهم في مناصبهم يجعلهم عرضة لاستغلال نفوذهم وتوقعهم في الحرج مهما كانت درجة حرصهم ، وأما عما يقدم لهم من الهدايا فقد حسن عمر t هذا الأمر حين رد من قدم له هدية من تفاح وقال – رداً على من اعترض- على فعله هذا قائلاً : " إن رسول الله e قد قبل الهدية  فقال عمر t : الهدية لرسول الله e كانت هدية ، أما لنا ولعمالنا فهي رشوة "([193]).

  ولاشك أن هذا الموقف الحاسم مما يسمى بالهدايا وهو في واقع الأمر رشوة ستؤدي حتماً إلى تفريط في حق أو سكوت عن باطل لاشك أن هذا الموقف هو الموقف الإسلامي الصحيح ، فقد رفض النبي e وبكل حزم موقف ابن اللتبية الذي بعثه لجمع الخراج ، فجاءه فقال : يا رسول الله هذا لكم وهذا أُهدِيَ إلي ، فقال e : هلا جلست في بيتك أمك وأبيك حتى تأتيك هديتك "([194]).

   وهذان القراران يدلان على مدى الحكمة الإدارية التي كان يتمتع بها خامس الخلفاء عمر بن عبدالعزيز .

   خامساً : إعطاؤه عماله من بيت المال ما يكفيهم :

   إذا كان منع عمر t لعماله من التجارة وتلقى الهدايا فيه مراعاة لمصلحة المسلمين، فإنه t قد راعى أيضاً مصلحة هؤلاء العمال فكان يعطيهم رواتب من بيت المال تكفل لهم عيشة كريمة، وعن هذا يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى- : "وكان عمر ابن عبدالعزيز يوسع على عماله في النفقة ، يعطي الرجل منهم في الشهر مائة دينار ومائتي دينار ، وكان يقول إنهم إذا كانوا في كفاية تفرغوا لأشغال المسلمين "([195]).

  وبهذا تكون سياسته الإدارية t سياسة واقعية ، فلو أنه اكتفى بمنعهم من التجارة وتلقى الهدايا وأعطاهم رواتب ضئيلة لكان أمامهم أحد طريقين : إما أن يضربوا بكلامه عرض الحائط ويستغلوا نفوذهم في التجارة وأخذ الرشا أو يستقيلوا من مناصبهم  وفي الحالتين تتعطل شؤون الدولة وتضيع حقوق العباد .

 

  سادساً : موالاته عماله بالنصيحة:-

  ولم يكتف عمر بن عبدالعزيزt بانتقاء عماله وسد أبواب الفتنة عليهم، بل كان t يتابعهم بالوعظ والنصيحة وكان يركز نصائحه معهم على المعاني التالية :

 

   أ-تخويفه عماله من عقاب الله U :

   لقد كان عمر بن عبدالعزيز t حريصاً كل الحرص على انتقاء عماله من أهل الصلاح والتقوى – كما أسلفنا- ومع هذا فكان لا يفتأ أن يذكرهم بالله U ويحذرهم من حسابه وعذابه ، "فقد كتب إلى بعض عماله : اذكر ليلة تمخض بالساعة فصباحها القيامة ، فيا لها من ليلة ، ويا له من صباح ، وكان يوماً على الكافرين عسيراً ، وكتب إلى آخر: أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود للأبد ، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد بك ، وانقطاع الرجاء منك ، قالوا : فخلع هذا العمل نفسه من العمالة ، وقدم على عمر فقال له: ما لك ؟ فقال : خلعت قلبي بكتابك يا أمير المؤمنين والله لا أعود إلى ولاية    أبـداً "([196]).

   وهاتان الرسالتان تكشفان عن شخصية الخليفة الداعية والحاكم الواعظ والمرشد الأمين ، الذي يعلم أن أساس كل استقامة ، ومصدر كل فلاح هو الخوف من الله U والطمع في ثوابه والحذر من عقابه .

   ب-أمرهم بإقامة السنة ومقاومة البدعة :

   فقد كتب إلى عماله رسالة يقول فيها : " فإني أوصيكم بتقوى الله واتباع سنة رسوله e والاقتصاد في أمره ، وترك ما أحدث المحدثون بعده ممن قد حارب سنته وكفوا مؤنته، ثم اعلموا أنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل على بطلانها ، فعليكم لزوم السنة فإنه إنما سنها من قد علمها في خلافها من الزيغ والزلل والحمق والخطأ والتعمق ، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى وعلى العمل الشديد أشد ، وإنما كان عملهم على الأسَدَّ، ولو كان فيما تحملون أنفسكم فضل لكانوا فيه أحرى وإليه أجرى؛لأنهم السابقون إلى كل خير،فمن دونهم مقصر ومن فوقهم غير محسن، ولقد قصر أقوام دينهم فخفوا وطمح عنهم آخرون فغلوا"([197]).

  وهذه الرسالة كما ترى تنبئ عن مقدار حب عمر بن عبدالعزيز t لما كان عليه النبي e بل تنبئ عن علمه بأثر سنة النبي e وخلفائه الراشدين في استقرار شؤون الخلق، وتحقيقها لمصالحهم في الدنيا والآخرة، وعن الأثر السئ للابتداع في دين الله U ما ليس منه ، وأن ذلك الابتداع يؤدي إلى أحد طريقين : إما إلى التفريط والتقصير ، وإما إلى الغلو والتطرف .

   ج-التأكيد على شمولية الإسلام وفقه أولوياته :

   فقد كتب t إلى عدى بن عدى : " إن للإسلام سنناً وفرائض وشرائع ، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش أبينها لكم لتعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص"([198]).

   وفي هذه النصيحة حث لعماله على أن يقيمـوا الإسلام كلـه بفرائضه وسننه وشرائعه ، فعليهم أن يفهموا ذلك ، وأن يعطوا كلاً قدره من الاهتمام والمتابعة ، وقد أعطى عماله وللأمة كلها درساً عملياً في فقه الأولويات ، حين لم يحج بعد الخلافة قط([199]) وكأنه يرى t أن الانشغال بهموم الخلافة وقضاء مصالح المسلمين والعمل على أمن حدودهم وسد ثغورهم أولى من حج النافلة ، وهذا فهم دقيق لدين الله U ، ما أحوج الأمة كلها إلى تذاكره والعمل بمقتضاه ([200]).

  د-حثه عماله على التثبت وعدم أخذ الناس بالظُنة :

  كان من أهم التوجيهات التي وجه عمر بن عبدالعزيز عماله أن يتثبتوا قبل أن يحكموا، وألا يأخذوا الناس بالظنة والتهمة ، قال يحيى الغساني : " لما ولاني عمر بن عبدالعزيز  الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقباً ، فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة ، وما جرت عليه السنة ، فكتب إلىَّ أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة ، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله ، قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقباً "([201]).

   ومن هذا يتبين إصرار عمر بن عبدالعزيزt على أن يعمل بشرع الله U الذي أمر بالتثبت والتبين قبل الحكم كما قال تعالى:

 } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ{ ([202]). وبين لعامله أن هذا الشرع هو المصلح لكل زمان ومكان ، فكانت نتيجة ذلك أن قلت السرقة من الموصل بعد ما كانت من أكثر البلاد سرقة ونقباً.

   هـ-حثه إياهم على الرفق بالرعية :-

   فقد أمر عمر بن عبدالعزيز t عماله بأن يرحموا الناس ويرفقوا بهم ويتجنبوا الغلظة في معاملتهم " فقد كتب رسالة إلى عامله على الكوفة يأمره بالرفق بالرعية وألا يقطع أو يصلب إلا بعد الرجوع إليه وألا يأخذ من الناس كرائم أموالهم ، وأن يأمر عماله بالرفق في جمع الأموال ، وأن يعين بالمال من أراد الحج حتى يتمكن من أداء الفريضة "([203]).

  و-أمره إياهم باستعمال أهل القــرآن وقطع العمــل في

   أوقات الصلاة :

   وكان مما أمر به عماله t أمرهم باستعمال أهل القرآن وقطع العمل في أوقات الصلاة ، فقد كتب إلى عماله على سائر البلاد "ألا يستعمل على الأعمال إلا أهل القرآن فإن لم يكن عندهم خير فغيرهم أولى أن لا يكون عنده خير ، واجتنبوا الأشغال عند حضور الصلاة ، فإن من أضاعها فهو لما سواها من شرائع الإسلام أشد تضييعاً " ([204]).

   فأمره الأول باستعمال أهل القرآن وهم حفظته العاملون به فيه تقدير لهؤلاء العلماء وإصلاح لشئون الرعيـة وإذا لم يكن فـي

 هؤلاء الخير فأين يكون ؟ وأمره الثاني فيه تعظيم لشعائر الله U

وإعانة للناس على أن يصلوا الصلاة في وقتها .

  تلك هي أهم الدعائم التي بنى عليها عمر بن عبدالعزيز t إصلاحاته الإدارية ، وكلها ولا شك تصب في النهاية في مصلحة الإسلام والمسلمين ، وتساعد كلاً من الولاة والرعية على الالتزام بمنهج الله تعالى وتغلق أبواب الفتنة على هؤلاء وهؤلاء فيحصل الناس على حقوقهم بكل سهولة ويسر ، ولا يطمع القوي في حق الضعيف، ولا ييأس الضعيف من الحصول على حقه من الأقوياء، وبالتالي يتذوق الناس حلاوة العمل بمنهج الله تعالى ويلمسون الآثار العظيمة لتطبيق الشريعة الإسلامية فيزدادون تمسكاً بها وحرصاً عليها ، كما أن هذه السياسة الإدارية الحكيمة والتي اتبعها عمر بن عبدالعزيز t والتي عاينها غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ، وانتقلت أخبارها ولا شك إلى الدول غير المسلمة خير دعاية للإسلام والمسلمين ، وكثيراً ما تكون سبباً لاعتناق هؤلاء لدين الله U .

 

 

المبحث السادس

عنايته t بالدعوة والدعاة

******

   تناولنا في المباحث السابقة من هذا الفصل أهم إصلاحات عمر بن عبدالعزيز t بعد أن ولى الخلافة من خلال إصلاحه لنفسه ولأهل بيته ، ثم من خلال ما قام به من إصلاحات اجتماعية واقتصادية وإدارية ، ولا ريب أن في كل هذا خدمة لدعوة الحق وإعلاءً لرايتها ، وأما في هذا المبحث فسنحاول أن نبين أهم ما قام به t من خدمة للدعوة بمعناها الخاص وهو تبليغ الإسلام ونشره ، وقد كان له t منهجه الواضح الذي يقوم على المعالم التالية :

   أولاً : جمعه للسنة النبوية الشريفة :-

   إن سنة رسول الله e هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام بعد القرآن الكريم، وقد كانت ولا تزال المورد العظيم الذي تستقي منه الأمة بوجه عام منهاج حياتها ، ويستقي منه الدعاة إلى الله U مناهجهم في الدعوة بوجه خاص، ولا عجب فإن النبي e هو الذي أوكل الله تعالى إليه بيان القرآن الكريم ، كما قال تعالى : } وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ { ([205]). وقد أوجب الله علينا طاعة خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً e وعدها طاعة له U فقال تعالى : } مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ { ([206]) فله e على أمته الأمر وعليها الطاعة ، وله النهي وعلينا الانتهاء ، كما قال تعالى : } وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا { ([207]).

   وأما فيما يتعلق بتدوين السنة الشريفة فقد منعه النبي e في بداية الأمر ، وقال لأصحابه : " لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن، ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه "([208])؛ وكان هذا حتى لا يلتبس القرآن بغيره من كلام البشر ، فلما تمكن الناس من التمييز بين كلام الله U في كتابه العزيز وغيره من كلام البشر أذن النبي e بكتابة السنة " فأذن لعبدالله بن عمر y وقال : اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج مني إلا حق "([209]).

   وهذا الحديث يدل على أن بعض الصحابة y كانوا معنيين بكتابة السنة في عهد النبي e نفسه، وإن كان الغالب عليهم في تلك الآونة حفظها وتناقلها مشافهة ، ولكنها لم تجمع كما جمع القرآن الكريم " ولقد فكر عمر بن الخطاب t في تدوين السنة، ولكنه عدل عن ذلك، فقد أخرج البيهقي في المدخل عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله e فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً ثم اصبح يوماً وقد عزم الله له فقال : إني كنت أردت أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً ، وعذره الذي أوضحه يتفق مع الظرف الذي كان فيه المسلمون إذ كان القرآن غضاً طرياً ، والأمم تدخل في دين الله أفواجاً ، فلابد من توفرهم على كتاب الله حفظاً ودراسة وتلاوة حتى يكون الأساس لعقيدتهم والحامي لها من كل لبس وتغيير، واستمر الأمر كذلك إلى أن وقعت الفتنة وانتشر الكذب في الحديث ، ونهض أجلاء التابعين بعدهم لمقاومة حركة الوضع ، وقد كان من أول ثمار هذه المجهود أن دونوا السنة خوفاً عليها من الضياع ، وصيانة لها من التزايد والنقصان، وتكاد تجمع الروايات أن أول من فكر بالجمع والتدوين من التابعين عمر بن عبدالعزيز ؛ إذ أرسل إلى أبي بكر بن حزم عامله وقاضيه على المدينة : " انظر م كان من حديث رسول الله e فاكتبه ، فإن خفت دروس العلم وذهاب العلماء " ، وطلب منه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبدالرحمن الأنصارية ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ولم يخص ابن حزم بهذا العمل الجليل بل أرسل إلى ولاة الأمصار كلها وكبار علمائها يطلب منهم مثل هذا ، ولم يكتف عمر بهذا بل كلف بذلك ايضاً محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي كان علماً خفاقاً من أعلام السنة في عصره ، والذي كان عمر بن عبدالعزيز  يأمر جلساءه أن يذهبوا إليه لأنه لم يعد على وجه الأرض أحد أعلم بالسنة منه "([210]).

   وهكذا حقق عمر بن عبدالعزيزt ما كان قد أراد جده عمر ابن الخطاب t لكن ظروف عصره حالت بينه وبين تحقيق ذلك، وقد أدى عمر بن عبدالعزيز هذا العمل الجليل في خدمة سنة النبي e فجمعها وحافظ عليها من الضياع ، وقد أوكل هذا العمل إلى أعلام السنة في عصره وأئمة العلماء ، وهذا الجمع في عهد عمر بن عبدالعزيز t كان المورد الصافي الذي اعتمد عليه أئمة المحدثين فيما بعد كالبخاري ومسلم وغيرهما ، ولو لم يكن لعمر بن عبدالعزيز t في خلافته غير هذا العمل الجليل لكفاه ، فجزاه الله عن السنة النبوية خير الجزاء .

  ثانياً : حثه على تدوين العلوم :-

   لم تكن عناية عمر بن عبدالعزيز t بتدوين السنة النبوية وحدها ، بل كان t معنياً بتدوين العلوم الأخرى التي تحتاجها الأمة في دينها ودنياها ، وكان يشجع المسلمين ويحثهم على ذلك، فيقول : " قيدوا العلم بالكتابة "([211]).

   وكانت نتيجة هذه الدعوة المباركة أن ظهرت فيما بعد المؤلفات العديدة في الحديث والتفسير والفقه وعلوم اللغة وغيرها من العلوم التي تحتاجها الأمة .

   ثالثاً : تكوينه مجلساً للإفتاء :-

   لا يمكن أن يستغنى الناس عن استفتاء العلماء وسؤالهم عما يعرض لهم من مسائل يريدون معرفة حكم الشرع فيها ، وقد قال تعالى : } فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ { ([212]). وفي القديم والحديث يتصدر للفتوى أحياناً أناس غير مؤهلين فيفتون الناس بغير علم فيَضِلون ويُضلون ، وقد انتبه إلى ذلك أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز t فحين ولي الخلافة كون مجلساً من ثلاثة من كبار العلماء تكون مهمة هذا المجلس إصدار الأحكام الشرعية فيما يجد من شئون الدولة وأحوال العامة وفي هذا يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى- : " وقد جعل عمر الفُتيا في ثلاثة : جعفر بن ربيعة ، ويزيد بن حبيب ، وعبيدالله بن أبي جعفر فهؤلاء الذين كانوا يفتون الناس "([213]).

   ولاشك أن هذا التنظيم لشئون الفتيا له أثره القوى في الاستقرار الفكري للمجتمع وعدم وقوع الناس في الحيرة والحرج ، وهو في الوقت ذاته يغلق الباب في وجه أولئك المتعالمين الذين نصبوا أنفسهم مفتين على غير علم .

   رابعاً : إغناؤه للدعاة ليتفرغوا للدعوة :-

   يختلف عمل الدعاة إلى الله U عن غيره من الأعمال فهو رسالة مقدسة تستدعي من الداعية تفرغاً كاملاً ، وقد قال نوح u : } رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً { ([214]). والداعية رجل عالم لا يستغنى عن شراء الكتب وقراءتها وسمته وزيه من مسائل تأثيره في المدعويين ، وقد قال تعالى مخاطباً النبي الأعظم :    } وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ { ([215]).ثم إن الدعاة بعد هذا لهم ما لسائر المسلمين من حاجات ، فلديهم أزواج وأولاد يحتاجون إلى نفقة ، وأيضاً فإن الداعية لابد أن يكون عزيزاً متعمقاً ، ولهذا كان إغناء الدعاة ضرورة لنجاح دعوتهم ، وقد قال تعالى في خطاب الداعية الأعظم : } وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى { ([216]) ، وقد أدرك عمر بن عبدالعزيز t هذه الحقيقة فعمل على إغناء الدعاة والعلماء، وكفل لهم من بيت المال ما يكفيهم ، وعن هذا يقول الإمام ابن كثير : "وقد كان عمر t يعطي من انقطع إلى المسجد الجامع من بلده وغيرها للفقه ونشر العلم وتلاوة القرآن في كل عام من بيت المال ما يكفيه "([217]).

   وحين ولى عمر بن عبدالعزيز t بعث إليه الحسن البصري t برسالة فوعظه وأبلغ ، ثم شكا إليه قلة ماله وكثرة عياله ، فبعث إليه عمر بن عبدالعزيز ما يغنيه ، وهكذا يعطي عمر بن عبدالعزيز t درساً لأهل السلطة وأصحاب الأموال من المسلمين بضرورة أن يبحثوا عن طلاب العلم، وشباب الدعاة وفقرائهم ليكفوهم مؤنة العيش ، ويفرغوهم لطلب العلم والدعوة ، وفي هذا ولاشك خدمة عظيمة لدعوة الحق .

  خامساً : بعثة الدعاة إلى البوادي ليعلموا أهلها :-

   كثيراً ما تكون عاصمة الدولة أو المدن الكبرى فيها محور اهتمام الخلفاء وقليلاً ما تكون العناية بأهل البوادي والمواطن النائية ، وذلك رغم ما ينتشر في تلك البقاع من جهل وانحراف، لكن عمر بن عبدالعزيز t لم ينس أهل البوادي ، " فبعث يزيد ابن أبي مالك، والحارث بن محمد إلى البادية ، وأمرهما أن يعلما الناس السنة ، وأجرى عليهم الرزق ، فقبل يزيد ولم يقبل الحارث وقال : ما كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجراً ، فذكر ذلك لعمر بن عبدالعزيز فقال : ما نعلم بما صنع يزيد بأساً وأكثر الله فينا مثل الحارث "([218]).

  و ما صنعه عمر بن عبدالعزيز من العناية بتعليم أهل البادية السنة ودعوتهم إلى الخير يجب أن يتعلم منه القائمون على أمر الدعوة في عالمنا الإسلامي ، فيهتموا بأهل البوادي والقرى والمواطن النائية ، وذلك ببعث الدُعاة إلى الله U ليقيموا مع هؤلاء ويبصروهم بدين الله U ، فإن في هذا تقوية للدين وصيانة للأمة ، ولاسيما وأن أهل تلك المواطن ما زالوا بعيدين عن كثير من المؤثرات الحديثة التي تعكر الفطرة وتلوث الأخلاق، فلا ينقص هؤلاء أصحاب الفطرة السليمة إلا العلم الشرعي الصحيح الذي يجعلهم معتزين بدينهم ويعتز بهم دينهم .

   سادساً : بعثه t رسائل إلى ملوك الأرض وحكامها يدعوهم

           إلى الإسـلام :

   كان من منهج عمر بن عبدالعزيز t في نشر الدعوة وتبليغها ما بعثه إلى كثير من ملوك الأرض في زمانه من غير المسلمين يدعوهم فيها إلى الدخول في الإسلام ، " فعن عمر بن الخطاب الأزدي قال : حدثني ابن عبدالصمد بن عبدالأعلى بن أبي عمرة قال: أراد عمر بن عبدالعزيز أن يبعث رسوله إلى إليون –طاغية الروم- يدعوه إلى الإسلام، فقال له عبدالأعلى : يا أمير المؤمنين ائذن لي في بعض من يخرج معي ، وكان عبدالأعلى له عشرة ذكور فقال له : انظر من يخرج معك من ولدك ، فقال عبدالله ، فقال له عمر : إني رأيتك ابنك عبدالله يمشي مشية كرهتها منه ومقته عليها ، وبلغني أنه يقول الشعر ، فقال عبدالأعلى : أما مشيته تلك فغريزة فيه ، وأما الشعر فإنما هو نواحة ينوح بها على نفسه ، فقال له : مُر عبدالله يأتيني وخذ معك غيره "([219]).

   وهكذا يحيي عمر بن عبدالعزيز سنة رسول الله e فيبعث تلك الرسالة إلى هذا الطاغية الروماني يدعوه فيها إلى الله U ويختار لحمل الرسالة عبدالأعلى بن أبي عمرة ، فيطلب عبدالأعلى من أمير المؤمنين أن يأخذ أحد بنيه معه ، فيسأله أمير المؤمنين وأي بنيك تأخذ ، فيقول عبدالأعلى : ابني عبدالله ، فيرفض عمر t ذهاب عبدالله لأن له مشية لا تعجب أمير المؤمنين لما فيها من خيلاء أو ميوعة ، وهذه الملاحظة من عمر t تدل على أمرين:

   الأول : شدة متابعة عمر t لأحوال رعيته وخبرته بهم حتى في مشيتهم .

   الثاني : حرص عمر بن عبدالعزيز t على أن يظهر الإسلام في صورة المسلمين الذين يحملون الرسالة ، ومن ثم خشى من مشية هذا الشاب أن تكون معوقاً عن قبول هؤلاء للإسلام أو على الأقل فهمهم له .

   كما كتب عمر t إلى ملوك الهند يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم ولهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم، وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه ، فأسلموا وتسموا بأسماء العرب وكتب t رسائل إلى البربر وأهل المغرب ، فقرأها عليهم عامله عليها إسماعيل بن عبدالله بن أبي المهاجر في النوادي فأسلموا وغلب الإسلام في المغرب ، ولما استخلف كتب إلى ملوك ما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم ورفع الخراج عمن أسلم بخراسان وفرض لمن أسلم "([220]).

   ومما سبق يتبين أن هذه الرسائل التي بعث بها عمر بن عبدالعزيز t إلى أولئك الملوك وتلك الشعوب يدعوهم فيها إلى الله U ، ويشرح لهم فيها الإسلام ، قد آتت أُكلها وأنتجت ثمارها فدخل كثير من هؤلاء في دين الله U ، وقامت الحجة على من لم يدخل الإسلام منهم وما أحوج الأمة في عصرنا الحديث من صحافة وإذاعة وتلفاز بالإضافة إلى شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) قد أتاحت وصول هذه الرسائل الداعية إلى الإسلام إلى جميع أنحاء العالم بكل سهولة ويُسر .

   سابعاً : حسن معاملته لغير المسلمين:-

   لقد كفل الإسلام الحرية الدينية لغير المسلمين فحرم سبحانه على أمة الإسلام أن ترغم أحداً على ترك دينه والدخول في الإسلام ، وقد قال تعالى : } لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ { ([221]) ، وقال تعالى : } وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ { ([222]).

   وأما فيما يتعلق بمن يعيشون في دولة الإسلام من الذميين أو المستأمنين فهناك القاعدة الشرعية "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" ، ولا ريب أن حسن المعاملة من الدولة الإسلامية – خليفة وشعباً- لغير المسلمين لها أثرها القوي في اعتناق هؤلاء الإسلام ، وقد طبق عمر بن عبدالعزيز t مبادئ الإسلام في هذا الصدد ، فكفل الحرية الدينية لغير المسلمين " فقد كتب إلى عبدالرحمن بن نعيم رسالة يقول فيها : لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه ، ولا تحدثن كنيسة ولا بيت نار "([223]).

   بل هناك ما هو أكثر من ذلك فقد ذهب أهل سمرقند إلى عمر بن عبدالعزيز حيث استخلف فشكوا إليه أن قتيبة بن مسلم لم ينابذهم ، ودخل بلدهم بدون حرب ولا صلح، فأمر عمر بن عبدالعزيز t واليه عليها سليمان بن أبي السرى بأن يحقق في هذا الموضوع فإن ظهر له صحة قولهم فعلى المسلمين أن يتركوا سمرقند ويعودوا إلى معسكرهم وينابذوا أهلها على سواء ، فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة، فقال أهل سمرقند:بل نرضى بما كان ولا نجدد حرباً ، وتراضوا بذلك وتركوا الأمر على ما كان"([224]).

   فقد أدت معاملته الكريمة لهؤلاء إلى أن زال ما في صدورهم ورضوا بما كان ولم يجددوا حرباً، فكانت نتيجة هذا أن دخل الناس في دين الله أفواجاً لدرجة أن بعض عمال عمر على الأمصار شكوا عليه قلة أموال الجزيرة لكثرة من دخلوا في الإسلام من أهل الكتاب فقال كلمته المشهورة " إن الله قد بعث محمداً e هادياً ولم يبعثه جابياً ، وعزل والي خراسان الذي أصر على أخذ الجزية حتى ممن أسلم من أهلها " ([225]).

  ثامناً : توجيهه t للدعاة إلى الله :-

   حرص عمر بن عبدالعزيز t على أن يوجه أنظار الدعاة إلى الله تعالى إلى دروس مهمة في ميدان الدعوة، ومنها ما يلي :

   أ-حثه إياهم على أن تكون دعوتهم على علم :

   لابد في الداعية إلى الله أن يكون عالماً بما يدعو الناس إليه خبيراً بكيفية دعوتهم ، وقد قال تعالى : } قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي { ([226]). وقد أكد عمر بن عبدالعزيزt على هذا المعنى فقال : " من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح "([227]).

   ب-حثه إياهم على الجمع بين العلم والعمل :

   فقد روى عنه أنه قال : " إن العمل والعلم قريبان ، فكن عالماً بالله عاملاً له ، فإن أقواماً علموا ولم يعملوا فكان علمهم عليهم وبالاً "([228]).

   وفي هذه النصيحة المباركة علاج لمرض عضال ابتلى به بعض العاملين في ميدان الدعوة الإسلامية ألا وهو ذلك الانفصام بين ما يدعون الناس إليه وما هم عليه ، أو بين ما يقولون وما يفعلون ، والداعية الذي لا يعمل بما يعلم فتنة لغيره من الناس ولاسيما العوام ، ولهذا قال تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ  { ([229]).

   أما الداعية الذي يؤيد عمله قوله فذلك هو الداعية المؤثر الذي يستجيب الناس له ويطمئنون إليه ، ويلتفون حوله ، ولهذا قيل " عمل رجل في ألف أبلغ من قول ألف في رجل " .

ج-دعوته إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل حال:

  قد يأتي الشيطان بعض الناس فيوهمهم أنهم ليسوا أهلاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم يقعون في بعض المعاصي، وهو بهذا يريد أن يصدهم عن هذه الفريضة العظيمة ، وقد انتبه إلى هذا عمر بن عبدالعزيز t فقال : " لو أن المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر حتى يحكم أمر نفسه لتواكل الناس الخير ، ولذهب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقل

الواعظون والساعون لله بالنصيحة "([230]).

   وهذا حق وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصين بالمعصومين لانعدم بعد وفاة رسول الله e ، ولكن الله تعالى أوجب على المؤمنين أن يتواصوا بالحق ويتواصوا بالصبر قال تعالى : } وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *{ ([231]).

   تلك هي أهم معالم عمر بن عبدالعزيز t في العناية بالدعوة الإسلامية ودعاتها ، ومن خلالها يتبين أنه t ما ترك وسيلة من وسائل الدعوة إلا وتمسك بها بدءاً من خدمة السنة باعتبارها المصدر الثاني للدعوة الإسلامية ، ودعوته إلى تدوين العلوم الإسلامية ، ثم تنظيمه لشئون الفتوى ، وحرصه على إغناء العلماء ، ثم ابتعاث الدعاة في داخل البلاد الإسلامية وخارجها إلى نصحه للدعاة إلى الله U ، كما أنه قد استخدم في دعوته كل ما أبيح له من الاتصال الشخصي والخطبة والكتابة والدعوة عن طريق القدوة ، وأما بالنسبة للفتوحات في عصره t فقد واصلت مسيرتها " فقد فتحت في عهده مثلاً : الصائفة، وقد غزاها الوليد بن هشام المعيطى ، وعمرو بن قيس الكندي بأمر عمر"([232]).

   كما أنه بعث مدداً عظيماً إلى جيش الإسلام في القسطنطينية بقيادة مسلمة بن عبدالملك "([233]). وإن كان جُل جهده t كان منصباً على الإصلاحات الداخلية في الدولة الإسلامية وعلى الحفاظ على أرض الإسلام بسد الثغور ([234]) وحماية الحدود ، وقد نجح في ذلك نجاحاً باهراً t في مدة وجيزة ، حيث كانت خلافته كخلافة أبي بكر الصديق t لم تستمر إلا سنتين وستة أشهر وبضعة أيام .

 

 

 

 

%%%

 

الخاتمــة

-نسأل الله حسنها-

   بعد أن عشنا في الصفحات السابقة مع منهج عمر بن عبدالعزيز t في التمكين لدعوة الله U نحب أن نوجز للقارئ الكريم أهم ما توصل إليه هذا البحث :

   [أولاً] : التأكيد على أن الإسلام كان ولا يزال وسيظل قادراً على صناعة الرجال العظماء القادرين على قيادة الأمم ، وسياسة الدول ، وصناعة الحضارات، وإصلاح المجتمعات .

   [ثانياً] أن هؤلاء الرجال تحتاج صناعتهم إلى إعداد طويل وجهد كبير ممن يناط بهم تربية الأجيال وإعداد الرجال بداية من الأسرة ، فالمساجد، ثم مراكز التعليم ووسائل الإعلام ، فما وصل عمر بن عبدالعزيز t إلى ما وصل إليه – بعد توفيق الله تعالى- إلا بحُسن تربيته وإعداده .

   [ثالثاً] أن الشاب الصالح الذي تمكنت الدعوة الإسلامية من قلبه وهيمنت على آفاق نفسه لا يمكن أن تغيره المناصب، أو تطوعه لإغرائها، بل إنه هو الذي يسخرها لخدمة دينه وأمته ورسالته ، فهو يحكمها ولا تحكمه ، ويسيرها ولا تسيره .

   [رابعاً] يجلى هذا البحث مدى أهمية أن يكون العلماء الصالحون والدعاة الناصحون على مقربة من أولى الأمر ، فإن في ذلك عوناً لهم على طاعة الله U حتى لا يترك هؤلاء لأصحاب الهوى والمنافقين فيتأثرون بهم ، وأن هذا القرب من ولى الأمر والنصيحة له من أهم واجبات الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان .

   [خامسا] يؤكد هذا البحث على أن الإنسان إذا ما أراد الإصلاح والتأثير فإن عليه أن يبدأ بنفسه وأن الله تعالى إذا علم من العبد صدق النية في التمكين لدعوته أعانه وسدده ، وما صنعه عمر ابن عبدالعزيز t في خلافته وما وصل إليه شاهد حق على ذلك.

   يُبرز هذا البحث مدى أهمية دور القائد في كل زمان ومكان، وأن عليه عبئاً كبيراً في إصلاح الأمة والتمكين للدعوة .

   [ سادساٍ ] أن من يُخلص  لهذا الدين ويعمل لمصلحة هذه الأمة ويبذل قصارى جهده في التمكين لدعوة الحق لابد وأن يعزه الله في الدنيا قبل الآخرة ، فها هو تاريخ الإسلام يتوج عمر بن عبدالعزيز خامساً للخلفاء الراشدين ، وما زال الباب مفتوحاً لمن أراد أن يلج ، والصف موصولاً لمن أراد أن يتبع .

   وأخيراً فإننا نوصي إخواننا الدعاة إلى الله تعالى بضرورة إحياء سير هؤلاء الرجال من عظماء الإسلام وقادته ، وأن يجعل الحديث عنهم مادة ثابتة في دعوتهم إلى الله تعالى بوسائلها المختلفة ، كما نوصي القائمين على أمر التعليم والإعلام في بلاد الإسلام تبصير الأمة لهؤلاء الأعلام ليجد المسلمون المعاصرون فيهم قدوة لهم وأسوة وليثقوا في نصر الله تعالى لدعوته وحمايتها.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد

وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.

 

 

فهرس أهم المصادر والمراجع

*******

-الأحكام السلطانية والولايات الدينية . لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي . ط/ مصطفى الحلبي 1973م .

-الإصابة في تمييز الصحابة. لأبي حجر العسقلاني .ط / دار الجيل .

-أصول الدعوة د / عبدالكريم زيدان . ط/ مؤسسة قرطبة.

-البداية والنهاية . للإمام الحافظ ابن كثير . ط / دار الغد العربي

-تاريخ الأمم والملوك . للإمام محمد بن جرير الطبري . ط/ دار الكتب العلمية ، بيروت .

-تاريخ الخلفاء . للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي .ط / دار الفكر ، ط / دار السعادة .

-تذكرة الحفاظ . للإمام الذهبي .

-تهذيب الكمال . للشيخ يوسف المزي ، تحقيق د/ بشار بن عواد معروف ، ط / مؤسسة الرسالة 1980م .

-الثقات . للإمام ابن حبان . ط / دار الفكر العربي .

-الجرح والتعديل . لابن أبي حاتم . ط / دار إحياء التراث 1952م.

-خامس الخلفاء الراشدين . أ / أحمد الشرباصي . ط / دار الشعب 1959.

-رجال الفكر والدعوة . للشيخ / أبو الحسن الندوي . ط / دار القلم .

-السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي . د / مصطفى السباعي، ط/ المكتب الإسلامي .

-السياسة الشرعية في إصلاح الرعي والرعية. لشيخ الإسلام ابن تيمية . تحقيق الشيخ / صالح بن عثيمين ، ط / دار الوطن للنشر

-صحيح البخاري . للإمام البخاري . ط / دار ابن كثير ، بيروت ط/ الثالثة 1987م .

-صحيح مسلم. ط / دار إحياء التراث العربي ، تحقيق / محمد فؤاد عبدالباقي .

-صفة الصفوة . لأبي الفرج الجوزي .

-الطبقات الكبرى . لابن سعد . ط / دار صادر بيروت .

-فقه الأولويات . د / يوسف القرضاوي.ط / مكتبة وهبة .

-كيف نتعامل مع القرآن. للشيخ / محمد الغزالي . ط / نهضة مصر .

-المستدرك على الصحيحين . للإمام الحاكم النيسابوري، ط/ دار الكتب العلمية ، بيروت .

-مسند الإمام أحمد . ط / مؤسسة قرطبة .

-موطأ الإمام مالك . ط / دار القلم .

 

 

فهرس الموضوعات

********

الموضوع : 

الصفحة 

المقدمة

1-8

الفصل الأول : عمر بن عبدالعزيز عصره وحياته وإعداده

9

تمهيد

9

المبحث الأول : التعريف بعصر عمر بن عبدالعزيز

10

المبحث الثاني : التعريف بعمر بن عبدالعزيز  وكيفية إعداده

21

الفصل الثاني : جهود عمر بن عبدالعزيز  في التمكين

              للدعوة قبل أن يولى الخلافة

35

تمهيد

35

المبحث الأول : منهج عمر بن عبدالعزيز في التمكين

                 للدعوة حين كان أميراً على المدينة

36

المبحث الثاني : منهج عمر بن عبدالعزيز في التمكين

                 للدعوة في مرحلة الوزارة

49

الفصل الثالث : منهج عمر بن عبدالعزيز في التمكين

                 للدعوة بعد أن وُليّ الخلافة

60

تمهيد

60

المبحث الأول : كيفية استخلافه t

61

المبحث الثاني : منهج عمر بن عبدالعزيز في التمكين

               للدعوة من خلال إصلاحه لنفسه ولآل بيته

69

المبحث الثالث : منهجه t  في التمكين للدعــوة

                 خلال إصلاحاته الاجتماعية

82

المبحث الرابع : منهج عمر بن عبدالعزيز في التمكين

                 للدعوة من خلال إصلاحاته الاقتصادية

 

91

الموضوع : 

الصفحة 

المبحث الخامس : منهج عمر بن عبدالعزيز في التمكين

                 للدعوة من خلال إصلاحاته الإدارية

96

المبحث السادس : عنايته t بالدعوة والدعاة

107

الخاتمة

120

فهرس أهم المصادر والمراجع

122

فهرس الموضوعات

 

 

 

 

124

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تم بحمد الله تعالى

 

 


([1]) سورة النساء : الآية (102) .

([2]) سورة البقرة : الآية (120) .

([3]) سورة البقرة : الآية (217) .

([4]) سورة الأنفال : الآية (60) .

([5]) سورة آل عمران : الآية (110) .

([6]) سورة يوسف : آية (108) .

([7]) سورة التوبة : آية (72) .

([8]) أخرجه البخاري . كتاب: الأنبياء – باب: ما ذكر عن بني إسرائيل(6/572)

([9]) سورة الشورى : آية (13) .

([10]) سورة الحج : آية (41) .

([11]) سورة النور : آية (55) .

([12]) سورة آل عمران : آية (26) .

([13]) سورة الأعراف: آية (128) .

([14]) أخرجه البخاري كتاب: الفضائل – باب : فضائل أصحاب النبي حديث رقـم (3450)، مسلم كتاب : فضائل الصحابة – باب : فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ح رقم (2513) .

([15]) تاريخ الخلفاء للحافظ جلال الدين السيوطي ص(212) ط / دار الفكر ، الطبقات الكبرى لابن سعد (5/330) ط / دار صادر ، بيروت .

([16]) البداية والنهاية للإمام الحافظ ابن كثير (8/237-238) ط / دار المعارف، بيروت ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(186) ط / مطبعة السعادة مصر 1952م تحقيق / محمد محي الدين عبدالحميد .

([17]) رجال الفكر والدعوة في الإسلام / أبو الحسن الندوي ص(27) ، ط/ دار القلم الطبعة الأولى .

([18]) المرجع السابق ص(28-29) .

([19]) الحديثان أخرجهما مسلم كتاب : الإمارة – باب : الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ح (1821، 1822) (3/1452) ط / دار إحياء التراث العربي ، تعليق/ محمد فؤاد عبدالباقي .

([20]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(11) ط / دار الفكر .

([21]) البداية والنهاية (5/84) .

([22]) البداية والنهاية (5/84) .

([23]) البداية والنهاية لابن كثير (5/88) .

([24]) البداية والنهاية لابن كثير (5/233-234) ، وتراجع ترجمة عبدالملك ابن مروان كاملة في : تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(190-197) .

([25]) يراجع في ذلك : تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(207-210) .

([26]) البداية والنهاية لابن كثير (5/31).

([27]) المرجع السابق (5/41) .

([28]) البداية والنهاية (5/48) .

([29]) المرجع السابق (5/71) .

([30]) البداية والنهاية (5/82) .

([31]) المرجع السابق (5/96) .

([32]) البداية والنهاية (5/99) .

([33]) المرجع السابق (5/107) .

([34]) البداية والنهاية (5/109) .

([35]) المرجع السابق (5/112) .

([36]) البداية والنهاية (5/114) .

([37]) المرجع السابق (5/114) .

([38]) البداية والنهاية (5/128) .

([39]) المرجع السابق (5/186) .

([40]) البداية والنهاية (5/223) .

([41]) يراجع : تاريخ الخلفاء للإمام للسيوطي ص(208-209) ، الطبقات الكبرى  (5/36-46).

([42]) البداية والنهاية (5/252) ، الثقات لابن حبان(5/151) ط/ دار الفكر.

([43]) يراجع في هذا بالتفصيل : البداية والنهاية (4/799-800) ، الطبقات الكبرى (5/230) ، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (7/295) ط/ دار الجيل .

([44]) البداية والنهاية (4/77) ، الطبقات الكبرى (5/236) ، الثقات لابن حبان (5/122) ط / دار الفكر العربي 1975م .

([45]) البداية والنهاية (4/77) ، الثقات لابن حبان (5/122) .

([46]) البداية والنهاية (5/78) .

([47]) البداية والنهاية (5/78) .

([48]) البداية والنهاية (5/78) .

([49]) البداية والنهاية (5/78) .

([50]) يراجع : الطبقات الكبرى (5/16) .

([51]) صفة الصفوة لأبي الفرج بن الجوزي (1/349) ط / الإيمان .

([52]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(201) .

([53]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(201) .

([54]) البداية والنهاية (5/253)، تاريخ الخلفاء ص(201) .

([55]) البداية والنهاية (5/253) .

([56]) سورة ص : الآية (29) .

([57]) كيف نتعامل مع القرآن ص (26) ط / نهضة مصر .

([58]) البداية والنهاية (5/253) .

([59]) البداية والنهاية (5/253) .

([60]) البداية والنهاية (5/254) .

([61]) البداية والنهاية (5/253) .

([62]) المرجع السابق (5/254) .

([63]) البداية والنهاية (5/256) .

([64]) البداية والنهاية (5/252) .

([65]) البداية والنهاية (5/255-256)، تهذيب الكمال للمزي تحقيق د / بشار بن عواد معروف (21/440) ط / مؤسسة الرسالة ، بيروت 1980م .

([66]) البداية والنهاية (5/256) .

([67]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(201) .

([68]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(201) .

([69]) البداية والنهاية (5/254) .

([70]) الطبقات الكبرى لابن سعد (5/331) .

([71]) البداية والنهاية (5/95) .

([72]) سورة آل عمران : الآية (159) .

([73]) أصول الدعوة د / عبدالكريم زيدان ص( 217-218) ط /مؤسسة الرسالة.

([74]) سورة الشورى : الآية (38) .

([75]) الطبقات الكبرى (5/334) .

([76]) البداية والنهاية (5/255) .

([77]) البداية والنهاية (5/255) .

([78]) البداية والنهاية (5/100) .

([79]) تهذيب الكمال ليوسف المزي (21/440) ط / مؤسسة الرسالة، بيروت.

([80]) الطبقات الكبرى (5/332) .

([81]) الطبقات الكبرى (5/332) ، تهذيب الكمال (21/434) .

([82]) الطبقات الكبرى (5/333) .

([83]) تهذيب الكمال (21/434) ، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/122) ط / دار إحياء التراث 1952م .

([84]) تذكرة الحفاظ للذهبي (1/118) .

([85]) الطبقات الكبرى (5/335) .

([86]) الطبقات الكبرى (5/333-334) .

([87]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(201) .

([88]) تهذيب الكمال (21/439) ، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(201) .

([89]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/338) ح رقم (8440) ط / مؤسسة قرطبة وعلق الأرناؤوط عليه بقوله : إسناده حسن .

([90]) البداية والنهاية (5/119) .

([91]) البداية والنهاية (5/256) .

([92]) سورة البقرة : الآية (216) .

([93]) يراجع : البداية والنهاية لابن كثير (5/218) .

([94]) البداية والنهاية (1/256-257) .

([95]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(201) .

([96]) البداية والنهاية (5/219) .

([97]) البداية والنهاية (5/234-235) .

([98]) المرجع السابق .

([99]) أخرجه البخاري كتاب:مواقيت الصلاة – باب:فضل الصلاة لوقتها ح(504).

([100]) البداية والنهاية (5/236) .

([101]) سورة النساء : الآيتان (77، 78) .

([102]) سورة فاطر : الآية (5) .

([103]) سورة الزمر : الآيتان (29، 30) .

([104]) البداية والنهاية (5/257) .

([105]) البداية والنهاية (5/236) .

([106]) سورة المنافقون : الآية (8) .

([107]) البداية والنهاية (5/257) .

([108]) سورة الزخرف : الآية (54) .

([109]) أخرجه البخاري كتاب: الإيمان – باب : قول النبي e الدين النصيحة ح(56) وأخرجه مسلم كتاب : الإيمان – باب : أن الدين النصيحة ح رقم (23).

([110]) سورة القصص : الآية (68) .

([111]) تاريخ الطبري للإمام محمد بن جرير الطبري (4/61) ط/ دار الكتب العلمية، بيروت ، البداية والنهاية (5/239-240) .

([112]) البداية والنهاية (5/279) .

([113]) البداية والنهاية (5/240) .

([114]) الأحكام السلطانية والولايات الدينية لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي ص(6-7) ط/ مصطفى الحلبي، ط/ الثالثة 1973م.

([115]) الأحكام السلطانية للماوردي ص(6) .

([116]) البداية والنهاية (5/261) .

([117]) البداية والنهاية (5/260) .

([118]) سورة الشمس : الآيات (من7 إلى10) .

([119]) سورة النازعات : الآيتان (40-41) .

([120]) سورة يوسف : الآية (53) .

([121]) سورة المائدة : الآية (30) .

([122]) سورة يوسف : الآية (18) .

([123]) سورة الرعد : الآية (11) .

([124]) سورة هـود : الآية (112) .

([125]) سورة الشورى : الآية (15) .

([126]) سورة هـود : الآية (88) .

([127]) سورة الشعراء : الآية (214) .

([128]) سورة الأحزاب : الآية (59) .

([129]) البداية والنهاية (5/242) .

([130]) البداية والنهاية (5/279) .

([131]) البداية والنهاية (5/273) .

([132]) البداية والنهاية (5/273-274) .

([133]) البداية والنهاية (5/265، 273) .

([134]) البداية والنهاية (5/260-261) .

([135]) البداية والنهاية (5/262) .

([136]) سورة الأنعام : الآية (89) .

([137]) سورة الأحزاب : الآية (21) .

([138]) البداية والنهاية (5/279) .

([139]) البداية والنهاية (5/276) .

([140]) المرجع السابق (5/274) .

([141]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(210) .

([142]) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص(201) .

([143]) سورة ص : الآية (29) .

([144]) سورة محمد : الآية (24) .

([145]) سورة الصافات : الآية (24) .

([146]) سورة الأعراف : الآية (54) .

([147]) سورة الأعراف : الآية (97) .

([148]) يراجع : البداية والنهاية (5/268-269) .

([149]) المرجع السابق (5/274) .

([150]) سورة الإسراء : الآيات (107-109) .

([151]) سورة التحريم : الآية (6) .

([152]) البداية والنهاية لابن كثير (5/260) .

([153]) البداية والنهاية (5/284) .

([154]) سورة الأعراف : الآية (196) .

([155]) البداية والنهاية (5/275) .

([156]) بلد بينها وبين المدينة يومان ، وبينها وبين خيبر مرحلة . موطأ الإمام مالك  (3/959 ط / دار القلم .

([157]) البداية والنهاية (5/262) ، تهذيب الكمال (21/443) .

([158]) البداية والنهاية (5/273) .

([159]) البداية والنهاية (5/273) .

([160]) البداية والنهاية (5/280) .

([161]) سورة النساء : الآية (58) .

([162]) سورة النساء : الآية (135) .

([163]) البداية والنهاية (5/264) .

([164]) البداية والنهاية (5/263) .

([165]) أخرجه البخاري كتاب : الجمعة – باب : الجمعة في القرى والمدن ح(853).

([166]) البداية والنهاية (5/285) .

([167]) البداية والنهاية (5/265) .

([168]) خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز د/ أحمد الشرباصي (2/141) ط/ دار الشعب 1959م .

([169]) البداية والنهاية (5/274) .

([170]) رجال الفكر والدعوة . أبو الحسن الندوي (1/39) .

([171]) تاريخ الطبري (4/69) .

([172]) أخرجه البخاري كتاب : الجهاد – باب : من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب ح رقم (2739) .

([173]) البداية والنهاية (5/265) .

([174]) البداية والنهاية (5/265) .

([175]) البداية والنهاية (5/280) .

([176]) تاريخ الطبري (4/71) .

([177]) هي ما أخذ من أموال التجار للذميين والمستأمنين إذا دخلوا ارض الإسلام للتجارة فيها ، وسميت كذلك لأنه عُشر تجارتهم غالباً .

([178]) سورة الجاثية : الآية (12) .

([179]) رجال الفكر والدعوة في الإسلام . أبو الحسن الندوي (1/38) .

([180]) تهذيب الكمال (1/444) .

([181]) رواه الحاكم في المستدرك (4/92-93) .

([182]) الشادى : الجامع للشيء من علم وأدب ومال .

([183]) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، تحقيق الشيخ صالح بن عثيمين ص(24-25) ط / دار الوطن للنشر .

([184]) سورة النساء : الآية (58) .

([185]) تاريخ الطبري (4/70) .

([186]) البداية والنهاية (5/243) .

([187]) البداية والنهاية (5/273) .

([188]) أخرجه البخاري كتاب: الأحكام – باب : ما يكره من الحرص على الإمارة ح رقم   (7149)، ومسلم باب: النهي عن طلب الإمارة ح رقم (1824) .

([189]) رواه البخاري كتاب : الأحكام – باب : من لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها ح رقم (7146) .

([190]) تاريخ الخلفاء ص(201) .

([191]) البداية والنهاية (5/264) .

([192]) رجال الفكر والدعوة ص(38) .

([193]) البداية والنهاية(5/266) .

([194]) أخرجه البخاري كتاب : الحيل – باب : احتيال العامل ليهدى له،ح(6578).

([195]) البداية والنهاية (5/266) .

([196]) البداية والنهاية (5/273) .

([197]) البداية والنهاية (5/283) .

([198]) البداية والنهاية (5/264) .

([199]) البداية والنهاية (5/264) .

([200]) وقد كتب في هذا الموضوع فضيلة أ د / يوسف القرضاوي كتاباً قيماً تحت عنوان "فقه الأولويات" وقد طبعته مكتبة وهبة .

([201]) تاريخ الخلفاء ص(201) .

([202]) سورة الحجرات : الآية (6) .

([203]) يراجع : تاريخ الطبري (4/70) .

([204]) البداية والنهاية (5/272) .

([205]) سورة النحل : الآية (44) .

([206]) سورة النساء : الآية (80) .

([207]) سورة الحشر : الآية (10) .

([208]) أخرجه مسلم كتاب : الزهد والرقائق – باب : التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم ح رقم (3004) .

([209]) أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم (1/76) عن ابن عمر .

([210]) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي د / مصطفى السباعي ص(103-104) ط/ المكتب الإسلامي .

([211]) البداية والنهاية (5/274) .

([212]) سورة الأنبياء : الآية (8) .

([213]) البداية والنهاية (5/243) .

([214]) سورة نوح : الآية (5) .

([215]) سورة المدثر : الآية (4) .

([216]) سورة الضحى : الآية (8) .

([217]) البداية والنهاية (5/272) .

([218]) رجال الفكر والدعوة / أبو الحسن الندوي ص(43) .

([219]) البداية والنهاية (5/207) .

([220]) رجال الفكر والدعوة في الإسلام . أبو الحسن الندوي ص(42) بتصرف.

([221]) سورة البقرة : الآية (187) .

([222]) سورة الكهف : الآية (29) .

([223]) تاريخ الطبري (4/72) .

([224]) تاريخ الطبري (4/69) .

([225]) البداية والنهاية (5/247) .

([226]) سورة يوسف : الآية (108) .

([227]) تاريخ الطبري (4/72) .

([228]) تاريخ الطبري (4/69) .

([229]) سورة الصف : الآيتان (2، 3) .

([230]) البداية والنهاية (5/274) .

([231]) سورة العصر : الآيات (1، 2 ، 3).

([232]) البداية والنهاية(5/246)، تاريخ الطبري (4/63) .

([233]) البداية والنهاية (5/242).

([234]) تاريخ الطبري (4/70) .