المنهج والمنهجية في الاصطلاح:

والمنهج يعني السبيل الفكري والخطوات العلمية التي يتبعها الباحث في مساره بقصد تحصيل العلم([17])0

وعرفه البعض بأنه: (( فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين أو البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين)) ([18])

ويؤكد سيف الدين عبد الفتاح بأن (( المنهاجية والمنهج مفهومان متمايزان ومنفصلان ، فالمنهاجية هي علم دراسة الطرائق وتكوينها وبنائها وتفعيلها وتشغيلها ، فهي منهج المناهج بهذا الاعتبار ، وأما المنهج أو المناهج فهو مفردات هنا أو هناك ، و أدوات و وسائل ، وقواعد وخطوات وإجراءات هي من مكونات المنهاجية ولكن تستوعبها ، ذلك أن علم المنهاجية يتواصل في رؤية فيما قبل المنهج والمنهج ذاته وفيما    بعد المنهج في سياق وأصل ورابط بين هذه المنظومة والعناصر المنهاجية وعمليات التفاعل والتشغيل المرتبطة بها0)) ([19])

ويرى حلمي صابر أن المنهج العلمي: (( هو الأساس الذي ينطلق منه الباحث في بحثه لحل المشكلة أو نقدها، أو إدراك الحقيقة، واختبار صحتها )) ([20])

ويرى سيف الدين إسماعيل أن المنهج: (( هو أساس المفاهيم التي يوظفها الباحث في معالجة موضوعه والطريقة التي يوظفها بها0)) ([21])

ويعرف كمال زيتون مناهج العلوم بأنها: مصطلح يشير إلى مجموعة مشروعة وصادقة من المعتقدات ،  والقيم والمعارف والمهارات و الاتجاهات العلمية، من شأنها أن تدفع من يكتسبونها _ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، واعية أو غير واعية – إلى القيام بأنماط معينة في التفكير وفي السلوك([22]) 0

و يعرف محمد نصر عارف المنهجية ( Methodology ) بأنها: هي العلم الذي يدرس كيفية بناء المناهج واختيارها وتشغيلها وتعديلها ونقضها وإعادة بنائها، يبحث في كلياتها و مسلماتها وأطرها العامة، فهو الواصلة ما بين النموذج المعرفي والمناهج التي تمثل الوسائل والطرق التي تستخدم للوصول إلى      الحقيقة0([23])

ويعرف آخر مصطلح (( منهجية )) بأنه: مصطلح عام يتضمن مصطلحات فرعية تدخل في أعمال البحث 0([24])

ويحدد أحمد فؤاد باشا المنهجية: بمعنى استخدام منهج علمي يتفق وطبيعة البحث في موضوع معين أو عدة موضوعات منتظمة في سياق، بهدف الوصول إلى معرفة علمية جديدة يستفيد منها الإنسان لخدمة أغراضه و طموحاته 0 ([25])

وفي بحث آخر يطلق أحمد فؤاد باشا على المنهجية اسم ( علم مناهج البحث ) والذي يشمل دراسة وتحليل كل ما يتعلق بالعلوم ولغاتها وتطورها وتقنياتها من مختلف النواحي المعرفية والمنهجية و القيمية و الانطلوجية والاجتماعية والتاريخية وغيرها بهدف التعرف على مكانة العلم في حياتنا ودوره في تكوين نظرة الإنسان الشاملة للقضايا الوجود والحياة 0 ([26])

ويعرف محمد أبو يحيى، و زملاؤه المنهجية بأنها : (( المحاولات العلمية والقواعد والمحاور المنظمة التي تقوم عليها دراسة مسائل وحقائق موضوعات الثقافة الإسلامية، حتى تصبح علما مستقلا له كيانه القائم بذاته 0 فالمنهجية هي التي توجه مسيرة هذا العلم للوصول إلى بنائه وتأسيسه و كينونته 0 وجوهر العلم يكمن في دقة المنهج وأحكامه وبغير المنهج فليس ثمة طريق يوصل إلى النتائج والأهداف مهما بذل من  جهد 0 )) ([27])

ويمكن أن نرتضي التعريف التالي الذي يرى: (( أن المنهجية الإسلامية هي مجموعة القواعد المقررة للتنظيم والوسائل والبحوث التي يتوصل بها إلى معرفة الأحكام الشرعية العملية التي تتعلق بسلوك الإنسان وأفعاله في مجتمعه 0 ويمكن أن نصف هذه المنهجية بأنها القواعد الأساسية المستمدة من المثالية الإسلامية ، أو ما نسميه (( الشرعية )) التي تحدّد موضوع كل علم من العلوم السلوكية ونمط النظام الذي يحكمه، وتبين الأحكام الجزئية اللازم توافرها لبناء هياكل هذا النظام ))0 ([28])

والخلاصة، إن ما ندركه من الواقع ليس إلا خلاصة تفاعل عناصر ثلاثة ذكرها نصر محمد عارف: وهي المسلمات الكامنة في أذهاننا، أو هي المنهجية التي نعتمد عليها، والأدوات أو المناهج المستخدمة في الدراسة والحقائق الواقعية... ومن ثم فالبحث القائم على منهجية سليمة متسقة لا يعني أنه ينقل الحقيقة كما هي بصورة كاملة، بل ينقل أقرب صورة منها...وانما يقول فيه قولا قد يختلف عليه ومعه آخرون ، ومن ثم دائما هناكd â s-öqsùur Èe@à2 ?Ï? AOù=Ïæ ÒO?Ï=tæ ÇÐÏÈ á  (يوسف 076)

و دائما نقول " والله اعلم "0([29]  

ومن المعروف أن علماء المسلمين كانوا قد بدؤوا البحث في المسائل العلمية قبل البحث في المسائل الاعتقادية أو النظرية، ونتج عن هذا أسبقية المنهج الأصولي لدى علماء أصول الفقه قبل منهج المتكلمين في المسائل الاعتقادية 0 وقد وضعت قواعد الاستدلال والاستقراء، و تكونت على نحو متكامل على يد الإمام الشافعي رحمه الله 0 ([30])             

هذا مع الفرق الشاسع بين المنهج العلماني والمنهج الإسلامي بسبب الاختلاف في التصورات والمفاهيم والمبادئ؛ إذ المنهج جزء من التصور مما جعل نتائج أبحاثهم ودراساتهم مناقضة للأحكام الإسلامية و واقع المجتمع الإسلامي و حياته0 ([31])

والاهتمام بالمنهجية تعد تأصيلا للفكر المنهجي و ليتحقق بعد ذلك التحصين الثقافي والتميز الحضاري للأمة الإسلامية و لا يتأتى ذلك إلا بالعودة إلى الجذور والينابيع الأصيلة للفكر الإسلامي و التي أصلها الأوحد هو الوحي من أجل ضبط حركة الفكر في انطلاقته وأهدافه ، و سائله و حمايته من  الانحراف و الانتكاس وفق منهجية التلفيق والتجديد من الآخر ،  وربطه بمحور العبودية لله من أجل زيادة الدافعية في الإنجاز و الإصرار على المضي في تحقيق التفوق الحضاري للدين الإسلامي ، ومواكبة التحديات الحضارية التي تفرضها طبيعة الصراع الأبدي بين الخير والشر 0

2- مقومات منهجية التوجيه الإسلامي:

إن الواقع الإنساني والاجتماعي تحكمه عوامل وعلاقات متشابكة ومعقدة و متبدلة تحكم على الباحث حسن صياغتها واختيارها واختيار المنهج المناسب لها، وأن ينطلق من مسلمات وحقائق تصدق على الواقع مصدرها منبثق من خالق الوجود كله والعالم به d â ?wr& ãNn=÷èt? ô`tB t,n=yz uqèdur ß#?Ïܯ=9$# ã??Î7s?ù:$# ÇÊÍÈ á  (الملك 014)

تأصيل المفاهيم و المبادئ المتعلقة بالإسلام، وبيان معانيها الصحيحة، ورد المفاهيم الخاطئة التي راجت في عصور التخلف، أو أدخلت على المسلمين من أديان ومذاهب مختلفة 0([32])

إن المناهج ليست محايدة في تناولها للقضايا المراد بحثها بل إنه متحيز وينقل من الواقع ما يتناسب معه ويكون على مقاسه ويدخل في تكوينه الداخلي، ولهذا فمن الضروري أن تكون لنا مناهجنا التي تناسب قضايانا وتحتويها دون أن تختزل منها ما يناسبه ، وتتجاهل ما يكون خارج إطارها 0كما تفعل المناهج المستوردة عندما تستخدم في بحث القضايا الإسلامية ( كحقوق المرأة ، التدين )0

المنهجية فلسفة وإجراءات: الفلسفة تكمن في النموذج المعرفي ، و الإجراءات هي المناهج والأدوات، ويترتب على ذلك:

إن المناهج تستبطن فلسفتها، وإن الإجراءات المنهجية والأدوات البسيطة تحمل في طياتها وثناياها فلسفة المنهجية التي تنبعث منها وتبنى عليها00(( وتخدم هذه النظريات أهداف قومية وطبقية منحازة لخدمة مصالح ذاتية 0([33])

إن بناء فلسفة المنهجية خطوة أولى ضرورية سابقة على بناء أدواتها ومناهجها، أما محاولات البدء من الفرع قبل الأصل فلن تؤسس منهجية 0

الإطار المرجعي: هو ذلك الجزء الحي الواعي من النموذج المعرفي الذي يكون حافزا في ذهن الباحث، فيشكل رؤيته ويحدد مسلماته و مقولاته الكبرى ، ... وتحديد المسلمات والافتراضات  منبثق عن النموذج المعرفي و التي تمثل أساس المنهجية، فلكل نموذج معرفي مسلماته و معاييره، وقواعده ورؤيته التي تميزه عن الآخر ، فهذه المسلمات والمعايير تشكل أساسا للمنهجية

تحديد مصادر المعرفة التي تنطلق منها المنهجية فليس المصدر الوحيد للمعرفة الوجود الحسي بل هناك مصادر الوحي و الرؤية العرفانية الباطنية، والتي تعطي الباحث مجالا رحبا للتأمل والبحث 0

تحديد العناصر والمتغيرات يخضع للمنهجية ومدى تقبلها لجميع العناصر والأبعاد المؤثرة في الظواهر المراد بحثها، فهل يكتفي بالتقسيم العلماني المادي،  اقتصادي،  اجتماعي، النفسي،  بيئي،  تاريخي 00الخ، وأيها المؤثر الأكبر الذي يخضع لمدرسة الباحث الفكرية،  والتي له أولوية ؟  ، أم أن المنهجية الإسلامية تفرض عليه بُعدا آخر هو ( الغيبي ) كذلك البعد الديني الذي له تفسيراته و أولياته التي تختلف عن المنهجية الغربية تماما 0 ([34])

إن الثوابت الإسلامية هي التي تضبط الحركة البشرية والتطورات الحيوية فلا ينفلت زمامها كما وقع لأوروبا عندما أفلتت من عروة العقيدة، كما أن الثوابت الإسلامية هي التي تصون الحياة البشرية  وتضمن مزية تناسقها مع النظام الكوني العام، وتحكم قوانين التطور فلا تتركها على اإطلاقها0 ([35])

وقد أدى انحراف العلم ومفهومه إلى ظهور العَلْمانية التي دنست الفطرة الحنفية - قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ما مِن مَولودٍ إلاّ يُولَدُ على الفِطرَةِ، فأبَواهُ يُهوِّدانهِ أو يُنَصِّرانِه أو يُمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البَهيمةُ بَهيمة جمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها مِن جَدعاءَ»؟ ثم يقولُ أبو هريرةَ رضيَ اللَّهُ عنه {فِطْرةَ اللّهِ التي فَطَرَ الناسَ عليها، لا تَبديلَ لِخَلْقِ اللّهِ، ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ}.([36])- وصرفت الناس عن البحث عن دين الله الحق، وابتدعت قضية الفصل بين العلم والدين وإنكار الأخلاق ، واستبدلتها بالأديان الوضعية وغرت الناس باعتناقها بحجة العلمية والعقلانية 0

ومن المعلوم أن الصيغة السائدة في البحث الاجتماعي والتربوي في البلاد العربية والأكثر شيوعا هي تلك الصيغة التي يطلق عليها اسم (( الصيغة التجريبية التحليلية )) ، وهي تعتمد على مقومات رئيسة منها: أن يجري البحث وفقا للنموذج الذي يجرى عليه البحث في العلوم الطبيعية، وأن تصاغ فيه شؤون البشر على هيئة قوانين تحاكي في كيفيتها قوانين العلوم الطبيعية ،  وأن غايات القوانين في العلم الاجتماعي تفسير سلوك الفرد والتنبؤ بما يمكن أن يقوم به، ومن ثم التحكم في هذه الإحداث ، وأن يتسم الباحث بالموضوعية و البعد عن التفسيرات الذاتية والقيم، سواء ما كان منها كامنا في الموقف الاجتماعي، أو ما يعتقده  الباحث 0 ([37])

ومن المعلوم أن هذه الصيغة قد نشأت في بيئة الثقافة الغربية و التي كانت نتاجاً لظروف خاصة، سببها العداء المستحكم بين الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا و هيمنتها على كل صور الحياة ومعاداتها للعلم والعلماء ، و في هذه الظروف ابتدع العلماء هذه المقومات والمناهج للخروج من هيمنة الكنيسة ، وعدم ترك الفرصة لها للعودة إلى سيادتها التي رفضت من قبل الجميع 0

أضف إلى ذلك أن حقول الدراسات الاجتماعية تشهد ثورة عارمة تمس التصورات والمفاهيم وذلك أثر انفجار وتصدع العلوم الاجتماعية والإنسانية، والانقلابات الشاملة ميادين المعرفة في كل      الاتجاهات0([38])

فالأرضية الثقافية الغربية هي التي تُغذي الدراسات الاجتماعية و ترفدها بالمصطلحات الغربية في الجامعات العربية والإسلامية. والخطوة الهامة الأولى لوضع منهج جديد في الفكر الاجتماعي يبدأ من الكلمة أو المصطلح. فالمصطلح هو اللبنة الأولى للصرح العلمي، وهو النواة والبذرة للمنهج.

ونحن نعيش في عصر تداخلت فيه المفاهيم، واختلطت فيه معاني المصطلحات باسم العلم، وبمقتضى ذلك تشعبت فروعه0

إن العلم منهج قبل أن يكون نتاجا أو مضمونا، وأهمية المنهج في مجال العلوم الاجتماعية أنه يساهم في التنظير للفكر، أي أنه الأساس للبناء النظري. ولقد آن الأوان أن نأخذ بزمام أمرنا، ونعقد العزم على أن نأخذ بالمنهج العلمي لنسهم بنصيبنا نحن في الإضافة إلى مضمون ومحتوى العلوم الإنسانية المعاصرة من منطلق خبراتنا الذاتية، وتمايزنا الحضاري، هذا فضلا عن مبادئنا. ([39])

كما أنه لا وجه للشبه بين الظروف التي أدت إلى الصراع بين الدين والعلم في أوروبا آنذاك و واقع الفكر الإسلامي الذي ترك الفصل في الأمور التي تقع في الميادين الدنيوية للعقل وللتجربة الإنسانية0([40])

  و الأمور الدنيوية التي لم يرد فيها نص شرعي – وهي جلها- فهي متروكة لاجتهاد المسلمين وكما يقول المفكر الإسلامي محمد عمارة: (( إن الاجتهاد في أصول الدين غير وارد، والاجتهاد في ((فروعه)) غير ملح ولا تستدعيه الضر وارت (( أما ما عدا ذلك من شؤون الدنيا فإن أمر تنظيمه وتدبيره وتطويره متروك للمسلمين، كي يبدعوا فيه ويجددوا دونما قيد إلا (( مصلحة جمهور الأمة )) مسترشدين بالتجربة الإنسانية، وبالكليات والمقاصد العليا التي جاء بها الوحي أطرا عامة لنظام الحياة الدنيا 0 )) ([41])

ومغزى هذا إن العلوم الدنيا متروكة لجماعة المسلمين، ولهم أن يبتدعوا فيها ما وسعهم الابتداع، ما دام ابتداعهم لا يشكل معصية – بترك واجب أو فعل محرم – و لا يتعارض مع مصلحة جماعة المسلمين ،  ويدخل في العلوم الدنيا كل العلوم الاجتماعية 0([42])

ومن المعلوم أن صياغة المفاهيم صياغة إسلامية وتحديد المصطلحات لكل مجال من مجالات المعرفة بما يتفق والتصور الإسلامي يساعد الباحثين في تكوين تصور موحد للوجود كله لا يتعارض معد توجيهات الدين، كما أن هذه الصياغة تمنع وقوع الشقاق والجدل العقيم بين الباحثين ، و توفر لهم الجهد والوقت اللذان سيستثمران في البحث والمعرفة، وكما قال ابن خلدون رحمه الله في كثرة الخلاف و تعدد المصطلحات بأنها مضرة بالعالم و المتعلم إذ يقول:

(( اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التأليف واختلاف الاصطلاحات في التعليم وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك ... ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور 0 )) ([43])