قائمة الروابط

عنوان البحث                                      

   

ودور المعلم في تحقيق حسن الخلق وأثره علي الأمن الاجتماعي

 

 

إعداد

الدكتور / عبد الله بن حلفان بن عبد الله العايش

وكيل كلية المعلمين

جوال 0504517598

1429هـ

 

نشر بمجلة البحوث الأمنية ، دورية علمية محكمة تصدر عن مركز البحوث والدراسات بكلية الملك فهد الأمنية ، الرياض ، المملكة العربية السعودية ، العدد 41 ، مجلد 17 ، ذو الحجة 1429هـ ، ديسمبر 2008م0 ص ( 17- 71 )

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

    ظهر نور الإسلام إلى الدنيا وقد غطاها الظلم والطغيان ، واستبداد الإنسان بأخيه الإنسان حتى انقسم الناس إلى سادة وعبيد ، يقهر القوي الضعيف، ويرثون النساء كجزء من المتاع ، وفي خضم هذه الحياة المليئة بالظلم بعث الله تعالى إلى البشرية رسول الرحمة و الهداية قال تعالى : {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }المائدة16

   ولقد صدق ربعي بن عامر حين وصف هذه الرسالة فقال: (( الله بعثنا لنخرج العباد من ضيق الدنيا إلى سعتها و من جور الأديان إلى عدل الإسلام)) (ابن خلدون، 2/542)

      إن حسن الخلق دعوة أممية دعا إليها كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،  فهذه دعوة موسى إلى قومه بحسن الخلق وقول الحسنى قال تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً }البقرة83

     وقيم حسن الخلق جامعة لكل فضيلة وصدق ومساواة بين الناس وهي جماع العلاقات التي حث عليها الإسلام لتربط الناس بعضهم ببعض  بروابط التقوى قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات13 )

   وعن أبي نضرة قال: سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال : (( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى )) (  أحمد، الحديث رقم 23536)

  بهذه الأخلاق الحسنة و حسن التعامل انتشر الإسلام وساح في الآفاق وبلغ الإسلام مشارق الأرض و مغاربها وسادت حضارة الإسلام وتعاليمه ، قال تعالى : {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125

   ولما كانت التربية الإسلامية هي المحضن الرئيس للإنسان المسلم  ، و هي التي تنمي فيه قيم حسن الخلق و قيم كل فضيلة ، وتنتزع من نفسه صور البؤس والشقاء ،  وتنمي فيه روح العزة والكرامة  ، و تجعل منه ركيزة صالحة في بناء المجتمع المسلم و سدا منيعا في وجه طوفان الفساد الذي ينذر باختراق المجتمعات المسلمة من أجل زعزعة استقرارها و أمنها الاجتماعي قال تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم،41)

   إن آتعالى: الخلق  بجميع صورها مطلب رئيس لتحقق الأمن والاستقرار الاجتماعي ،  ولا يتحقق ذلك إلا بتنمية المجتمع على مبادئ الإسلام و مكارم الأخلاق،  وكذلك بناء الأسر والمجتمعات والمؤسسات التربوية والثقافية على هذه القيم الربانية التي تسعى إلى تطهير النفس  الإنسانية من الأخلاق الحيوانية والشهوانية وتضبط الغرائز والسلوك بضوابط الشرع القويم. قال تعالى : {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } (البقرة،151 )

 أهميتعالى:سة :

       تعاني كثير من الشعوب العربية والإسلامية المعاصرة من ضياع حقوقهم الإنسانية و تعرضها لأنواع من الذل والاستبداد ،  وقد يكون مرد ذلك إلى عوامل داخلية أو خارجية ساهمت في استمرار هذه المعاناة والتي لا مخرج منها إلا بالأخذ بمبدأ التغيير .قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } (الرعد،11)

   والتغيير أصبح في مثل هذه المقاصد أمراً ضرورياً لتصحيح المجتمع الإسلامي وإعادته إلى طريق الجادة0(( وهذا التغيير الذي ينتهي إلى قيام مجتمع إسلامي جديد وحضارة إسلامية جديدة يرجى أن يؤدي إلى قيام نظم سياسية واقتصادية واجتماعية ذات أهداف أخلاقية وإنسانية، تحل مشكلات الصراع والتنافس والاستعمار ، والأثرة والقلق والانهيار الخلقي والظلم الاجتماعي، وتدعمها تربية خلقية تقوم على الإيمان بعقيدة صحيحة و تصور صحيح للوجود وبما ينبثق عنه من حضارة ونظم)) 0 ( المبارك،1400هـ :43)

وكلنا يدرك أن الأخلاق الإسلامية و الكرامة الإنسانية هي ركائز النهوض الحضاري ،  فالإنسان عندما يعيش في مجتمع يكفل له ذلك تتوق نفسه إلى الإبداع و الانتماء الحضاري للمجتمع الذي كفل له ذلك  ، ويتحقق بذلك الأمن والسلام ويعم الرخاء والطمأنينة جميع صور الحياة الاجتماعية 0

    وكون الأخلاق الإسلامية - ومنها حسن الخلق - إحدى ركائز المجتمع المسلم التي يقوم عليها وبها يتميز حضاريا عن الآخر بل وينشد تطبيقها في جميع صور الحياة  ، فقد هدفت هذه الدراسة إلى إبراز العلاقة الوثيقة بين  حسن الخلق  ودور المعلم التربوي في تحقيق تلك القيم  ، ودور التربية الإسلامية في خلق هذه العلاقة و توظيفها في المؤسسات التربوية والاجتماعية مما يخلق مجتمعاً آمنا مستقرا يعيش أفراده في أمن وسلام اجتماعي متكامل، ويكفل لهم بقاء حضارتهم ، قال وشوقي :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت     فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 موضوع الدراسة :

 ( حسن الخلق ودور المعلم في تحقيقه وأثره علي الأمن الاجتماعي)

 وتكمن أهمية هذه الدراسة  فيما يلي :

1-             التأكيد بإن الأخلاق الإسلامية -ومنها حسن الخلق - من أهم مقومات النهوض الحضاري للمجتمع المسلم0

2-             لا يستقر المجتمع و يتآلف أفراده إلا بتطبيق الأخلاق الإسلامية والامتثال الصادق لها0

3-     بيان أن التربية الإسلامية تهتم بحسن الخلق وبتربية الأمة على ذلك الخُلق،  و تسعى إلى تطبيق السلوكيات الأخلاقية في نفوس الناشئة0

4-             إن من أهم غايات التربية الإسلامية تحقيق حسن الخلق في واقع التنشئة الاجتماعية.

5-              إظهار دور المعلم التربوي في تنمية حسن الخلق في نفوس الناشئة0

 

تساؤلات الدراسة:

تجيب  هذه الدراسة عن التساؤلات التالية :

1-             ما مفهوم حسن الخلق وتطبيقاته في التربية الإسلامية ؟

2-             ما هي آلية تطبيق قيم حسن الخلق في المؤسسات التربوية0 وما دور المعلم في إبراز ذلك ؟.

3-             ما هو أثر حسن الخلق في تعزيز الأمن الاجتماعي ؟0

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى:

1-             بيان مفهوم حسن الخلق وتطبيقاته في التربية الإسلامية

2-             التعرف على آلية تطبيق حسن الخلق في التربية الإسلامية.

3-             التعرف على اثر حسن الخلق على الأمن الاجتماعي.

منهج الدراسة :

سوف يستخدم الباحث المنهج الوصفي الذي يقوم على دراسة الواقع أو الظاهرة كما توجد في الواقع ويهتم بوصفها وتوضيح خصائصها0  ( عبيدات ،1407هـ:187) و قد اعتمد الباحث على أحد فروعه، وهو المنهج الوثائقي الذي يهتم بدراسة وتحليل المصادر الأساسية والثانوية ذات العلاقة بموضوع الدراسة من أجل استنباط الأدلة والبراهين المطلوبة 0 (العساف ،1409هـ ، 203، 206)

 وذلك للتعرف على مفهوم حسن الخلق في مصادر التربية الإسلامية و دور التربية الإسلامية في تعزيز قيم حسن الخلق في نفوس الناشئة من أجل تحقيق الأمن والاستقرار الاجتماعي0

مصطلحات الدراسة:

حسن الخلق : هو ما اطمأنت إليه النفس الشريفة الطاهرة من أوضار الذنوب الباطنة والظاهرة ، وملازمة حسن الأخلاق بالصدق في المقال واللطف في الأحوال والأفعال، وأحسن معاملته مع الرحمن  ، ومعاشرته مع الإخوان وصلة الرحم والسخاء والشجاعة  (القاري : 14/384)

الأمن الاجتماعي : هو أمن الإنسان على نفسه وفكره وعرضه وماله في مجتمعه من كل أنواع الأذى والخوف أو ضرر يلحق به أو بشعوره بل يتعدى الإنسان ذاته ويشمل أمنه في سكنه وعمله ومحل عبادته وبين أفراد مجتمعه وامن الفرد من الجماعة وامن الجماعة من الفرد أو النظام ( العايش 1428هـ :12 )

التربية  : تنمية الجوانب المُختلفة لشخصية الإنسان ، عن طريق التعليم ، والتدريب ،  والتثقيف ، والتهذيب ، والممارسة ؛ لغرض إعداد الإنسان الصالح لعمارة الأرض وتحقيق معنى الاستخلاف فيها ( الغامدي ، 1418هـ : 3 )

التهذيب: ويُقصد به تربية النفس البشرية وتنقيتها، وتسويتها بالتربية على فضائل الأعمال ومحاسن الأقوال

السلوك: هو عمل الإنسان الإرادي المتجه نحو غاية معينة مقصودة، تهدف إلى تحقيق مطالب جسدية أو نفسية أو روحية أو فكرية   والسلوك الخلقي: وهو ما كان نابعا عن صفة نفسية قابلة للمدح أو الذم

 

الدراسات السابقة

الدراسة الأولى. بعنوان ( دور التربية الأسرية في حماية الأبناء من الإرهاب) إعداد : سارة صالح عيادة الخمشي (2002م ) وقد حاولت الباحثة أن تعرض لدور التربية الأسرية في حماية الأبناء من الإرهاب وذلك بتكثيف جهود الأسرة التربوية وتطوير وسائلها في ذلك ، وقد اشتملت الدراسة على إطارين  الأول الإطار المنهجي للدراسة   - ومشكلة الدراسة وتساؤلاتها - ومفاهيم الدراسة، وتعد المفاهيم العلمية بمثابة الوسيلة الرمزية التي يستعان بها في التعبير عن المعاني والأفكار بغية توضيحها ،  

وقد حاولت الدراسة عرض بعض التعريفات كتعريف التربية وتعريف الإرهاب ثم حددت منهج الدراسة وهو المنهج الوصفي التحليلي بوصفه المنهج الملائم لطبيعة الدراسة وتساؤلاتها وقد حرصت الباحثة على تناول التراث النظري بمنظور نقدي يقوم على الموضوعية 

وفي الإطار الثاني النظري للدراسة أكدت على ضرورة غرس تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة والقيم المعتدلة في الأبناء ، وكذلك إشباع احتياجات الأبناء و ربط احتياجات الأفراد بخصائص المرحلة العمرية والأوضاع الاجتماعية التي يعيشونها ، كذلك أكدت على ضرورة تكوين الاتجاهات الإيجابية نحو العمل بصفته قيمة وشغل وقت فراغ الأبناء

- الدراسة الثانية "دور التربية الإسلامية في مواجهة الإرهاب" وقام بها الباحث _خالد صالح الظاهري - وقد توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج من أبرزها أن التقصير الحاصل في تدريس المقررات الدينية في بعض البلاد الإسلامية كان السبب المباشر في بروز مشكلة الإرهاب .

وقد حاولت الدراسة بيان أهمية الدور التربوي للمدرسة الثانوية لكونها إحدى المؤسسات التربوية التي تهتم بتعليم القيم الإسلامية وذلك من خلال النشاطات المدرسية الصفية وغير الصفية ،كما أوصت الدراسة بضرورة تعاون جميع المؤسسات الاجتماعية والتربوية مع الأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب ( الظاهري ، 2002م ) .

- الدراسة الثالثة بعنوان : " القيم الدينية للشباب من منظور الخدمة الاجتماعية " قامت بها نورهان منير فهمي : من منظور الخدمة الاجتماعية وقد توصلت الدراسة إلى أن الثقافة الدينية وشغل وقت الفراغ بطريقة إيجابية من العوامل التي تحول دون تطرف الطلاب الجامعيين أو تشددهم وربط أفعالهم بالدين ، وأن الفراغ الفكري الذي يعيشه الشباب بصفة عامة والشباب الجامعي بصفة خاصة يؤدي بهم للوقوع فريسة للأفكار المتطرفة ، وأن الشباب الجامعي في حاجة للانضمام لجماعات دينية منظمة والتفقه في أمور دينه بطريقة سليمة ( فهمي ، 1999م)

- الدراسة الرابعة بعنوان: " التوجيه الإسلامي لمواجهة التطرف في الدعوة الإسلامية " قام بها السيد عفيفي.وقد تناول البحث في إطاره النظري التوجيه الإسلامي في نشر الدعوة الإسلامية وكيفية الدعوة للإسلام.

وأكد على أهمية تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في جميع المجتمعات الإسلامية و نشر قيم وأخلاق الإسلام، وكذلك حذر من غياب التخطيط العلمي لنشر الدعوة والحاجة إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة عنها لدى الشباب المسلم وأيضًا الفهم الخاطئ للدين من قبل فئة الشباب ، ثم اقترح الباحث إستراتيجية جديدة لمواجهة التطرف والرؤية المستقبلية وهي ما أسماها بالإستراتيجية التربوية ( عفيفي ، 1993م )