كتاب بعنوان

 

أدب الأطفال مدخل للتربية الإبداعية

 

 

مقدمة :

أدب الأطفال هو شكل من أشكال التعبير الفني بالكلمة ، له قواعده ومناهجه ، سواء منها ما يتصل بلغته وتوافها مع قاموس الطفل ومع الحصيلة الأسلوبية للسن التي يؤلف لها ، أو ما يتصل بمضمونها ومناسبته لكل مرحلة من مراحل الطفولة ، أو ما يتصل بقضايا الذوق وطرائق التكتيك في صوغ القصة ، أوفي فن الحكاية للقصة المسموعة .

 

هذا الشكل الفني من الكلمة المنطوقة ، أو المسموعة ، أو المرئية ، قد يأتي في صورة قصة ، أو حكاية ، أو مسرحية ، أو يحكي قصة مغامرات ، أو بطولات ، أو قصة تاريخية ، أو تهذيبية ، أو أنشودة ، أو أغنية ، يستهوي الأطفال ويمتعهم ، ويحقق رسالته الجمالية ، شأن كل الفنون ، فينمي فيهم الإحساس بالجمال وتذوقه ، ثم يستهدف عن طريق التسلية والمتعة والمرح أن يقطر في نفوسهم تجارب البشر .

 

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن أدب الأطفال يعتبر وسيطاً تربوياً ، يتيح الفرصة أمام الأطفال لمعرفة الإجابات عن أسئلتهم واستفساراتهم ، ومحاولات الاستكشاف ، واستخدام الخيال ، وحب الاستطلاع ، وإيجاد الدافع للإنجاز والتحرر من الأساليب المعتادة للتفكير ، من أجل مزيد من المعرفة لنفسه وبيئته ، أنه بذلك ينمي سمات الإبداع لدى الطفل .

 

حيث إن أدب الطفل في الأساس مادة خصبة لبناء قوى الإبداع والابتكار والموهبة لدى الطفل ، كما أنه يفجر الطاقات الكامنة لدى الأطفال ، تمهيداً لإعادة صيغة القدرة النقدية والتحليلية التي ينبغي أن يبدأ الطفل في التسلح بها ، وهو يواجه الحياة . ويتم هذا عن طريق القصص ، والحكايات ، وسير العظماء ، والتأمل الواعي الذي تتضمنه الأشعار والغنائيات .

 

فالحقيقة هي أن الإبداع للأطفال معناه تجسيد حلم الطفولة ، وجعل الأدب معادلاً حقيقياً وفنياً ، وإنسانياً لهذا الحلم ، والوصول بالطفل إلى معايشته رغبة في تحويل قيم الحلم وجمالياته ، ورحابة انطلاقه إلى سلوك ، وفكر ناضج ، ووعي سليم ، وتخيل رشيد ، وتلك هي أهم عناصر ومقومات بناء شخصية أطفالنا في ظل عصر الثورة المعلوماتية .

 

ويأتي هذا الكتاب تمشياً مع روح العصر الذي نعيشه ، وتحديات المستقبل ، ليلقي الضوء على أدب الطفل كمحور رئيسي في مجالات الفكر والإبداع والابتكار لدى طفل الروضة . وقد نظمت مادة الكتاب في أربعة فصول : يقدم الفصل الأول : نبذة عن أدب الطفل من منظور تاريخي ، ومفهوم أدب الأطفال ، والتعرف على لغة الأدب ، والفرق بين أدب الأطفال وأدب الكبار ، وخصائص أدب الأطفال ، وعلاقتها بالمراحل العمرية ، وكذلك أهمية وأهداف أدب الأطفال . ويتناول الفصل الثاني : فنون الأطفال ، فيتطرق إلى قصص الأطفال ، ومسرح الأطفال (الدراما) ، وشعر وأغاني الأطفال ، فيلقي الضوء على مفهوم ، وأهمية ، وأنواع ، ومعايير ، كل من الفنون السابقة . أما الفصل الثالث : يتعرض لوسائط أدب الأطفال ، فيتناول كتب الأطفال ، وصحف ومجلات الأطفال ، ومسرح الأطفال ، والإذاعة والتليفزيون ، وذلك من حيث أهميتها ، وأنواعها ، ومعاييرها ، وكذلك الخصائص الواجب توافرها في كل وسيط من وسائط أدب الأطفال . بينما خصص الفصل الرابع : لكل ما يرتبط بأدب الأطفال والإبداع ، والتربية الإبداعية لطفل الروضة ، وكذلك دور أدب الأطفال في مجالات الفكر والإبداع .

 

ونرجو من الله عز وجل أن نكون قد وفقنا في المساهمة في تلبية حاجة ملموسة لدى المعلمين وطلبة كليات رياض الأطفال والمهتمين من الآباء والمعلمين في مجالات الطفولة لمرجع يمس ويعالج الآفاق والاتجاهات الحديثة في توظيف أدب الطفل كأسلوب للتربية الإبداعية لطفل الروضة .

 

هـ

د. انشراح المشرفي

 

فهرست المحتويات

الموضوع

الصفحة

الفصل الأول

الأدب والطفولة

1 : 39

مقدمة .

2

أدب الطفل من منظور تاريخي .

2

لغة الأدب .

9

مفهوم أدب الأطفال .

16

الفرق بين أدب الأطفال وأدب الكبار .

20

خصائص أدب الأطفال وعلاقتها بالمراحل العمرية .

23

أهمية أدب الأطفال .

32

أهداف أدب الأطفال .

35

الفصل الثاني

فنون أدب الأطفال

40 : 111

مقدمة .

41

أولاً : قصص الأطفال .

42

عناصر ومقومات القصة .

45

أهداف قصص الأطفال .

50

أنواع قصص الأطفال .

54

معايير القصص المحببة للأطفال .

57

معايير اختيار قصص الأطفال .

61

ثانياً : مسرح الأطفال (الدراما) .

66

العناصر الأساسية في عمل الكاتب المسرحي .

72

تابع فهرست المحتويات

الموضوع

الصفحة

أنواع مسرحيات الأطفال :

80

المسرح ولعب الأطفال :

81

معايير مسرح الأطفال :

83

ثالثاً : شعر وأغاني الأطفال :

85

(أ) شعر الأطفال :

85

خصائص شعر الأطفال :

88

أقسام الشعر :

90

أشكال شعر الأطفال :

91

أهداف شعر الأطفال :

93

معايير اختيار الشعر للأطفال :

94

قراءة الشعر والاستماع إليه :

99

(ب) أغاني وأناشيد الأطفال :

102

الأغنية والموسيقى هدف ووسيلة .

106

أناشيد وأغنيات الطفل الناجحة ، مواصفاتها ومميزاتها .

108

أنواع أغاني الأطفال .

109

الفصل الثالث

وسائط أدب الأطفال

112 : 190

مقدمة .

113

أولاً : كتب الأطفال .

114

أهمية كتب الأطفال .

118

أنواع كتب الأطفال .

122

تابع فهرست المحتويات

الموضوع

الصفحة

معايير الكتاب الجيد لأطفال .

131

الخصائص الواجب توافرها في كتب الأطفال .

136

ثانياً : صحف ومجلات الأطفال .

141

أهداف صحافة ومجلات الأطفال .

145

خصائص وسمات صحف ومجلات الطفل .

146

أنواع صحف الأطفال .

151

ثالثاً : المسرح البشري ومسرح العرائس .

153

أشكال مسرح الطفل .

155

1. النشاط التمثيلي (المسرح البشري) .

155

2. مسرح العرائس .

158

3. المسرح الغنائي .

171

4. المسرح التعليمي .

171

رابعاً : الإذاعة والتليفزيون .

175

1. الإذاعة .

175

2. التليفزيون .

183

الفصل الرابع

التربية الإبداعية في أدب الأطفال

191 : 231

مقدمة .

192

مفهوم الإبداع وأهميته .

194

العلم والخيال والإبداع في أدب الأطفال .

199

التربية الإبداعية وطفل الروضة .

208

تابع فهرست المحتويات

الموضوع

الصفحة

الفنون الأدبية كأسلوب للتربية الإبداعية لدى طفل الروضة .

215

دور أدب الأطفال في مجالات الفكر والإبداع لدى طفل الروضة .

221

أسس ومعايير إعداد فنون أدب الأطفال من منظور التربية  الإبداعية .

230

المراجع

233

أولاً : المراجع العربية .

234

ثانياً : المراجع الأجنبية .

242

 

 

الفصل الأول                                                 الأدب والطفولة

مقدمة :

إذا كان من حق الأطفال على المجتمع أن يوفر لهم أسباب الرعاية الجسمية والصحية بمختلف أشكالها ، وأن يقيم المؤسسات اللازمة لذلك ، فإن واجب الكتاب والمربيين تحقيق الإنماء الفكري للأطفال ، والتوجيه الثقافي لهم ، وإشباع الحاجات النفسية والروحية عندهم ، وذلك بإعداد ما يلزمهم من قصص شائعة ، وكتابات مناسبة ، ومؤلفات ينعمون بها .

 

ولاشك أن السبيل إلى خلق مجتمع من القراء متفتح الذهن ، ناضج الفكر ، واسع الثقافة ، إنما يبدأ بالأطفال ، فعقولهم غضة ، وشخصياتهم مرنة ، وحساسيتهم للتأثر بالغة . (رشدي طعيمة ، 1998 : 25)

 

لذلك فقد اهتم هذا الفصل بتناول عدد من الجوانب التي تتعلق بالأدب والطفولة ، والمتمثلة في : أدب الطفل من منظور تاريخي ، ويلقي الضوء على لغة الأدب ، ثم يتناول مفهوم أدب الأطفال ، والفرق بين أدب الأطفال وأدب الكبار ، ليصل إلى خصائص أدب الأطفال ، وعلاقتها بالمراحل   العمرية ، وكذلك يتناول أهمية أدب الأطفال وأهدافه .  وفيما يلي عرض تفصيلي لهذه الجوانب .

أدب الطفل من منظور تاريخي :

نستطيع أن نجزم بأن "أدب الطفل" قد اشتق معجمه وتشكيلاته اللغوية وإيقاعاته من العلاقة الفطرية بين الأمومة والطفولة ، وأن ينبوع الفطرة كان مدداً ثرياً بالعطاء اللغوي والمعنوي والموسيقي الذي يشكل في النهاية أغنيات المهد ، التي لو احتفظت البشرية عبر دوراتها بأشكال منها لوجدنا تمام الشبه بينها في الماضي السحيق وما هي عليه الآن ، ويمكن اعتبار أغنية المهد أول شكل أدبي في التراث الأدبي الإنساني يخاطب الطفولة ، ويقصد إلى إحداث تناغم وإمتاع لدى طفل المهد ، فمن الكلمات المنغمة ، وهز المهد ، واحتضان الطفل ، وهدهدته ، وترقيصه نشأت أشكال لغوية منغمة يمكن اعتبارها الكلمة الأولى في تراث أدب الطفل .  والأغنية حينئذ وفي هذا الإطار ، وبأثر من العلاقات العفوية الفطرية التي تنشأ بين الأمومة والتدفق العفوي الإبداعي الذي يتكون عبر الالتصاق الحميم الموصل بين الأم والطفل ، أو هذه الكلمات الدافئة التي ابنتها أحضان الأمومة ، يمكن أن نتصور أدب الطفل على أنه كلمات منغمة قريبة من الأداء الصوتي للطفل ، وليس المقصود منه إتاحة المعرفة ، وإيجاد التوجيهات ، بل المقصود المشاركة وجلب السرور والسعادة عند الاستنامة والملاعبة والترقيص ، وإزالة عوامل الوحشة .

 

وإذا كانت الفطرة قد غذت الأمومة بالصياغات الفطرية لأدب الطفل ، فإن التراث الأدبي الإنساني والعربي قد شكل الروافد الأدبية التي غذت الصياغات الفنية والتراث الأدبي في مجال أدب الطفل .  وعبر مراحل امتدت في الزمان والمكان ، وأخذت تتطور وتكثف تراثاً إنسانياً أدبياً نلتقي به في إبداع "المصري القديم" ، ومناطق البابليين ، والآشوريين ، والفينيقيين ، والفارسيين ، والأثينيين ، والرومانيين ، والصينيين ، واليابانيين ، والهنود ، وقبائل إفريقيا ، والعرب المنتشرة قبائلهم في الشمال والجنوب ، ويتشكل هذا التراث من الشعر الغنائي ، وشعر الملاحم ، والحكايات ، والأساطير ، والخرافات ، والحكم ، والأمثال ، والمواعظ ، والنصائح ، وأغاني المهد ، والرعاة ، والأفراح ، والأحزان ، والحروب ، والانتصارات ، ... الخ . (عبد الرءوف أبو السعد ، 1994 : 13-14)

 

وقد كانت حياة الطفل في مصر القديمة تربية وتعليماً ولعباً ، فكان الطفل بعد عمله المدرسي الذي يستغرق نصف اليوم يلهو ويلعب ويصطاد مع رفاقه وجيرانه الأطفال ، فإذا ما جن الليل هفت نفسه إلى سماع القصص والحكايات .  ومن هنا نجد أن مصر القديمة كانت تهتم بالطفل من الناحيتين : التعليمية ، والعاطفية ، في مراحل طفولته المختلفة .

كان الأطفال المصريين القدماء – شأن كل الأطفال – مغرمين بالقصص التي تبدأ "بكان ياماكان" ، غير أن التاريخ يذكرهم وينسى غيرهم من أطفال العالم القديم حين تذكر قصص الصغار ، ذلك لأن اهتمام الكبار منهم بالصغار في مراحل طفولتهم ، جعلهم يسجلون ما كان يحكى لأطفالهم من قصص ، وقصصهم أقدم قصص خرافية للأطفال وصلت إلينا ، وعرفها التاريخ قبل أن يعرف قصص السندباد ، وعلاء الدين ، والشاطر حسن ، وسندريلا ، وذات الرداء الأحمر ، بألوف السنين .

 

وقد عثر المنقبون عن آثار مصر القديمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على أول تسجيل في تاريخ البشرية لأدب الأطفال ، ولحياة الطفولة ومراحل نموها ، ويرجع تاريخ هذا التسجيل إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد ، وقد وجد مكتوباً على أوراق البردي ، ومصوراً على جدران المعابد والقصور والقبور .  ومن هذه الكتابات والنقوش والصور أمكن للإنسان المعاصر أن يعرف ما كان يغرم به الأطفال في العصور القديمة من أنواع اللهو والتسلية واللعب ، وأن يصل علمه إلى أنواع العرائس واللعب الجميلة التي كانوا يلعبون بها ، وأن يقرأ القصص التي كانت ترويها الأمهات والمربيات للأطفال في قديم الزمان .

سجلت البرديات فيها قصة"جزيرة الثعبان" ، وهي قصة سفينة هبت عليها عاصفة فأغرقتها ، وغرق معها ملاحوها المائة والعشرون ، ولم ينج منهم سوى بحار واحد ، لفظته الأمواج على جزيرة نائية ، وبعد ثلاثة أيام أسترد وعيه وبعض قوته ، ثم بحث عن طعام فوجد بالجزيرة فاكهة كثيرة تسر الناظرين ، وبعد أن أكل وشبع أحرق قرباناً للآلهة ، ثم سمع صوتاً واعداً تحطمت له الأشجار ، وزلزلت منه الأرض والجبال ، وإذ بثعبان طوله ثلاثون ذراعاً ، وله لحية طولها ذراعان ، وجسمه مرصع بالذهب والجواهر ، وحاجباه من اللازورد ، فسجد له البحار وقص عليه قصته ، وطلب منه العون والمساعدة في محنته ، فاستضافه الثعبان ملك الجزيرة حتى مرت سفينة قريبة ، سلط عليها الثعبان الريح لتدفعها إلى الجزيرة ، ورأى ربان السفينة البحار فحمله معه ، وحمَّله الثعبان هدايا من الجواهر إلى ملك مصر .

 

كذلك سجلت البرديات قصة "الملك خوفو" ثاني ملوك الأسرة الرابعة القديمة ، وباني الهرم الأكبر ، والذي تولى الملك نحو عام (2700ق.م.) ، حين انتابه السأم يوماً وأحس بالملل ، فاستدعى أبناءه الصغار ، وطلب منهم أن يُسَروا عنه ، ويقصوا عليه أحسن ما عرفوه من قصص الأعمال السحرية التي وقعت في عهود الملوك السابقين ، وكان أول الصبية "خفرع" ، فقص على الملك قصة "التاج الفيروزي" ، وتلاه أخوه الأوسط ، فقص قصة "الأمير المقضي عليه بالهلاك" ، ثم جاء دور الثالث ، فقص على أبيه الملك قصة "الثور المسحور" .

 

وإذا تأملنا فيما وصل إلينا من الحكايات المصرية القديمة للأطفال نجدها قد دونت بأسمى أسلوب قصصي ، مما يدل على أنها مرت بمراحل التطور حتى وصلت إلى النضج الفني من الحديث والحكاية ، ففيها أسلوب التكرار ، وحسن الانتقال بين الأحداث ، واستخدام ذلك كله استخداماً مؤثراً في الأطفال ، والعثور على هذه الحكايات ، وعلى عدد كبير من قصص الحيوان عند قدماء المصريين ، يدل على الاهتمام الكبير الذي كان يلقاه أدب الأطفال عندهم من ناحية ، كما يدل على الثروة الضخمة من الحكايات التي كان يستمتع بها أطفال المصريين القدماء .

 

والذي يؤكد أن هؤلاء الأطفال قد استمتعوا برصيد ضخم من الأدب القصصي ، وذلك التطور والانتقال إلى المرحلة التالية للأدب المكتوب وهي مرحلة الأدب ، فقد وجد على جدران المقابر والمعابد والقصور قصص مصورة للأطفال تمثل القط وهو يمشي على خلفيته ، ويجعل عصاه على كتفه ، ويسوق الإوز أمامه ، والأرنب يحرس الماعز ويرعاها ، والفئران تساكن القطط في مكان واحد ، والأسود والغزلان تجلس معاً في أمان وسلام تشاهد جولة في لعب الكرة ، كذلك وجدت قصة تمثل الحمار يعزف على آلة الهارب الموسيقية ، وصورة أخرى تمثل أسداً ونمراً يمشيان على خلفيتهما ، وبينهما قطيع من البط يقوده الأسد ضاحكاً ، ويسوقه النمر ، ويهش عليه بعصاه ، ومن خلف هذا القطيع قطيع آخر من الغزلان يقوده ثعلب ، ويسوقه ثعلب آخر ، ويحمل كل منهما عصاه على كتفه ، يعلق بها سلة فيها غذاؤه ، وخلف ذلك كله أسد وغزالة يجلسان على مقعدين وبينهما منضدة يلعبان عليها بأحجار الشطرنج ، كل ذلك في صور كاريكاتيرية ، وكما أن القصص المصري القديم للكبار قد اتصل مجراه وامتد ، أو تسرب وهاجر إلى الحكايات الهندية والعربية ، وحكايات "ألف ليلة وليلة" ، وإلى حكايات أوروبا ، فقد تسربت كذلك قصص الأطفال المصرية القديمة ، وامتدت إلى قصص كثيرة من شعوب العالم في آسيا وأوروبا ، يحكونها لأطفالهم ، ويسلون بها صغارهم ، وقد أستلهم "وولت ديزني" Walt Disney السينمائي الشهير فكرته عن الكارتون وشخصياته من زيارة قام بها لمقابر المصريين القدماء ، ورأى فيها قصص الأطفال المصورة ، فكانت الوحي والإلهام . (علي الحديدي ، 1991 : 50-60)

 

وإذا كانت بداية أدب الأطفال ترجع في الزمان إلى أول الزمان ، فإنه يمكن اعتبار العقد الثاني من القرن العشرين هو بداية أدب الطفل بمصر والعالم العربي على أسس إبداعية ؛ حيث ظهر التراث الشعبي والإنساني ، وتبلور في مجموعة من الكتب والمصادر ، يمكن بها تغذية أدب الطفل بأشكاله المتباينة .  وبدأ الاهتمام بأدب الطفل والإبداع الأدبي المتخصص في هذا اللون من الأدب النوعي ، وذلك إثر ظهور مجلة "الأولاد" التي كانت تصدرها دار اللطائف المصورة ، وذلك تلبية لأبناء الطبقات الأرستقراطية ، وتعتمد في مواردها على الرسوم والصور والموضوعات المأخوذة من المجلات الأجنبية ، ثم أخذت الدائرة تتسع لتظهر خلال أعوام ما قبل الحرب العالمية الثانية أعمال قصصية تحت مسمى "مجلة الأولاد" ، قصص "السوبرمان" ، ولم تكن كلتهما ترتبط بالحياة المصرية والعربية كثيراً ، بل كانت ترجمات كاملة ونقلاً عن المجلات والقصص الأجنبية ، ومع الحرب العالمية الثانية وقبيل سنة (1952) أخذ الأستاذ كامل الكيلاني ، والأستاذ محمد سعيد العريان ، وغيرهما ، يهتمون بآداب الطفل ، ويترجمون الكتب والقصص والمعلومات ويصدرونها في سلاسل أو مجموعات ، أطلق عليها فيما بعد مجموعات كامل الكيلاني وسعيد العريان ، واهتمت هذه المجموعة بنشر سلاسل عربية ومحلية عن "ألف ليلة وليلة" ، و"كليلة ودمنة" ، وكانت تكتب هذه السلاسل والقصص بلغة سهلة ، وحروف واضحة ، وتضبط الكلمات والحروف ضبطاً كاملاً ، وكانت تزود الأطفال بالمعارف والمعلومات الدينية والاجتماعية والقومية ، فقد كان أدب الطفل حينئذ جزءاً من رسالة التربية والتعليم .

 

وابتداء من الخمسينيات حدث تطوراً جذرياً ومسئوليات إبداعية نحو إنتاج "كتاب الطفل وأدبه" ، فقد قامت دار الهلال وهي دار صحفية مصورة بدعم دار المعارف التي تهتم بالمعرفة بدور فعال ونشط في أدب الطفل ، وذلك بسبب إصداراتها المهتمة بهذا المجال ، فأصدرت مجلتي "سمير" عام (1957) ، و"ميكي" عام (1958) ، ثم ظهرت "كروان" عام (1964) من دار التحرير للطباعة والنشر ، وخلال هذه الفترة تكونت مجموعات من المثقفين والفنانين التشكيليين الذين أفرزتهم توجهات هذه المجلات ، وأصبح الاهتمام واضحاً بالطفل وعالمه ، لكن الملاحظ على ما تقدمه هذه المجلات ، وتلك الأعمال الفنية أنها مستمدة في معظمها من الإبداع الفني والثقافي الأوروبي بخاصة ، والقليل الذي ينتمي للشخصية العربية والإسلامية ، خصوصاً في مرحلة كانت تعتز بانتمائها العربي ، ومع كل هذا فإن هذه المرحلة تشهد البداية الحقيقية لأدب الطفل ، أي الأدب الذي يقوم على أساليب فنية تناسب عقلية الأطفال ، وتتفق ومراحل نموهم ، وتتجاوب مع أفكارهم وإحساساتهم الخاصة ، ووجداناتهم النازعة ، ويأخذ بهم في إطار مراحل نموهم ، حتى يمكن أن تتأكد في شخصيتهم النامية الاتجاهات الإيجابية ، فتزيد خبراتهم وتجاربهم ، وتثري معارفهم المتنوعة ، وتتوفر لديهم أساليب فنية وصور وأخيلة وعواطف وأفكار تشوقهم وتمتعهم ، وتحثهم على كل ما هو فاضل ونبيل وإيجابي ، وقد دعم هذا كله إصدارات إبداعية تتخصص في علوم الطفولة ، ودراساتها ، وآدابها ، بدءاً من رفاعة الطهطاوي وأناشيده ، وعثمان جلال وترجمته لكتاب "العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ" ، ثم الشاعر الهراوي وأعماله الشعرية الدينية ، وسليمان العبسي ودواوينه الشعرية ، والدكتور أحمد عيسى وكتابه الترقيص أو غناء العرب لأطفالهم .

 

لم يحرم الطفل إذن من أدب غنائي يسعده في مهده ، ويدخل السرور إلى نفسه وهو صبي ، ويفتح أمامه مسالك الحياة ، ويوسع آفاق خياله ، ويساعده على الإدراك السليم وهو على عتبات الشباب ، وذلك في أي يوم من الأيام التي كانت فيها الطفولة والأمومة .  (عبد الرءوف أبو السعد ، 1994 : 17-18)

 

وقد تزايدت الاهتمامات بأدب الأطفال ، وتعددت دور النشر التي اتجهت إلى إصدار كتب للأطفال ، ومع مطلع السبعينيات تتابعت الإنجازات والمؤتمرات والندوات وحلقات البحث في ميدان ثقافة الطفل وأدبه . (أحمد  نجيب ، 1982 : 31)

لغة الأدب :

الأدب مصطلح يدل على مجموعة من الإبداعات التي تتوسل  بالكلمة ، سواء أكانت شفاهية أو مكتوبة ، لخلق التواصل بين المبدع والمتلقي .  ويقصد بالأدب في أبسط العبارات أنه التعبير الفني بالكلمة ، سواء أكانت هذه الكلمة منطوقة شفاهية أو مكتوبة .

 

وإن كان الفنان الرسام في صياغته لأعماله الفنية يستخدم الفرشاة والألوان ، والموسيقي يستخدم النغمات ، والأديب يستخدم في صياغة تجربته الانفعالية الكلمات والألفاظ ، أي الوحدات الصوتية البشرية ورموزها المكتوبة وهي الوحدات التي يستخدمها الإنسان في أغراض أخرى ، أهمها التواصل والتفاهم والتعبير المباشر عن أحاسيسه .

 

إلا أنها في الأدب تكتسب صفات وسمات خاصة بها وبالإبداع الأدبي ، لدرجة أن البعض قد ميزها عن وسائل اللغات المنطوقة بأنها لغة الأدب ، لذلك فعند ذكر لغة الأدب فيقصد بها اللغة المستخدمة في صياغة الإبداعات الأدبية ، ولا تقتصر بالطبع على الصياغة المدونة أو المكتوبة ، لان هناك إبداعات أدبية شفاهية تعتمد في صياغتها على لغة لها خصائص لا تقل في تميزها عما تمتاز به اللغة التي يتم بها صياغة الإبداعات الأدبية المكتوبة ، ذلك أن إبداعات الأدب الشفاهي تشكل جانباًَ كبيراً من الموروث الأدبي ، والواقع الأدبي في نفس  الوقت ، من هذا نخلص أن المقصود بلغة الأدب هنا تلك اللغة التي يصاغ بها الإبداع الأدبي ، سواء أكان مكتوباً أم شفاهياً . (كمال الدين حسين ، 2000 : 64) 

 

وقد حظيت اللغة بمحاولات عديدة لتعريفها وتحديدها ، فتعرف اللغة في "المعجم الوسيط" بأنها أصوات يعبر بها قوم عن أغراضهم .  ويرى بن منظور صاحب قاموس لسان العرب أن اللغة من "اللغو" ، واللغو ماكان من الكلام غير المعقود عليه ، واللغو "مالا يعتد به" لتقبله من حال إلى حال . (أنسي قاسم ، 1998 :16)

 

بينما عرف علماء النفس اللغة بأنها الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أي صورة أو فكرة ذهنية إلى أجزائها أو خصائصها ، والتي بها يمكن تركيب هذه الصورة مرة أخرى في أذهاننا ، أو أذهان غيرنا بواسطة تأليف كلمات ووضعها في تركيب خاص. (هدى الناشف ، جوزال عبد الرحيم، 2001: 10)

 

اللغة هي أرقى ما لدى الإنسان من مصادر القوة ، فهي الوسيلة التي يتم من خلالها تبادل الأفكار والمشاعر والأحاسيس ، وبها يتطور المجتمع ويتواصل ماضيه بحاضره ومستقبله (آمال إدريس ، 2003 : 1) ، واللغة هي الفكر ووسيلة الإنسان للتفاعل مع بيئته ، وبواسطتها يعبر عن أفكاره ورغباته   وميوله . (سمير سمرين ، 2003 : 3)

 

والحديث عن اللغة يقتضي ذكر نوعيها ، وهما : اللغة اللفظية ، وغير اللفظية ، فاللغة اللفظية مادتها الأصوات ، والكلمات ،  والجمل ، والمعاني ، وهي مظهر من مظاهر النمو العقلي ، ووسيلة للتفكير والتذكر والإبداع ، وغايتها التفاهم .  أما اللغة غير اللفظية فهي كل وسيلة للتفاهم – بين الناس – غير لفظية ، مثل : لغة الإشارة باليدين ، أو الوجه ، أو الرأس ، أو أعضاء الجسم ، لتؤدي معنى متفق عليه بين الناس ، أو بين من يستخدمها .  (شاكر عبد العظيم ، 1992 : 12)

 

ويرى حامد زهران (1995: 170) أن اللغة مجموعة من الرموز تمثل المعاني المختلفة ، وهي مهارة اختص بها الإنسان .  واللغة نوعان : لفظية ، وغير لفظية ، وهي وسيلة الاتصال الاجتماعي والعقلي ، وهي أحد وسائل النمو العقلي ، والتنشئة الاجتماعية ، والتوافق الانفعالي ، وهو مظهر قوي من مظاهر النمو الحسي والحركي .  وتحتل اللغة جوهر التفاعل الاجتماعي ، ويعتبر تحصيل اللغة أكبر إنجاز في إطار النمو العقلي للطفل .

 

واللغة اللفظية أو المنطوقة من أهم الخصائص التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات والحيوانات الأخرى ، حيث تلعب اللغة دوراً مهماً وأساسياً في حياة الإنسان ، فهي أداة الاتصال بالآخرين ، وتحقيق الحاجات ،كما أنها الوعاء الذي نعبر فيه عن أفكارنا بطريقة متطورة مجردة . (ليلى كرم الدين ، 2003 : 10)

 

واللغة عموماً هي وسيلة الإنسان للتواصل مع الآخر ، وهي تتخذ أشكال ثلاثة : لغة الأدب ، ولغة العلم ، ولغة الحياة اليومية ، ولكل منها خصائصها ومميزاتها التي تفرق بينها وبين بعض ، وإن كان من الصعب بداية أن نميز بين لغة الأدب ولغة الحياة اليومية ، لأن لغة الحياة اليومية تضم تنوعات شديدة الاختلاف ، منها اللغة العامية ، والفصحى ، واللغة التجارية ، والمالية ، ولغة الدين ، ولغة المثقفين ، وهذا التنوع هو ما يميزها كلغة تستخدم لتحقيق التواصل المادي في المواقف الحياتية ، وإن كانت تشارك لغة الأدب في قدراتها على التعبير الذي قد يكون قريباً جداً من التعبير الأدبي ، وإن كان أقل منه كفاءة في بعض الأحيان .

 

مع هذا التشابه إلا أن هناك تمايز اللغة الأدبية عن لغة الحياة اليومية يتعدى الكفاءة في التعبير ، إلى الأسلوب الكيفي في توظيفها ، أو كيفية توظيف هذه اللغة بشكل فني متعمد خاضع لكثير من القواعد التنظيمية ، مستعيناً بعدد من الأساليب اللغوية ، كاستخدام المحسنات البديعية ، بمعنى أنه لكي نحدد لغة الأدب تحديداً مفيداً ، فمن الضروري أن نفكر في وظيفة الكلمات ، والصور ، وكيف تؤدى النماذج ، وتقدم رموز التجربة الجمالية التي يود الأديب التعبير عنها ، بمعنى آخر كيف تساعد الرموز القارئ على إدراك النماذج والعلاقات والشعور والأحاسيس التي ينتج عن تجربة الفن الداخلية ، وهذه التجربة الجمالية يمكن أن تكون خلقاً لتجربة جديدة ، أو امتداداً لتجربة حاضرة ، أو إعادة تركيب لتجربة ماضية . (كمال الدين حسين ، 2000 : 65)

 

يولد الإنسان وهو غير قادر على الكلام أو فهمه ، لأن مستوى نضج أجهزته الصوتية والإدراكية لا تسمح له بذلك ، ولكنها تكون – أي أجهزته الصوتية والإدراكية – مبرمجة بشكل عام ، بحيث تكتسب هذه القدرة بناء على عملية نضج للجهاز العصبي المركزي ، ولكن الطفل ينصت منذ الشهور الأولى إلى ترنيمات الكبار ، وإلى ما يصدر عنهم من كلام ، أو ما يسمع من أصوات ، وتصدر عنه منذ البداية تعبيرات تحقق له تكيفاً مقبولاً ، وأولى هذه التعبيرات هي الصراخ الذي يستقبل به الحياة ، وخلال الأسابيع الأولى يبدأ بإصدار نغمات لا تحمل تعبيرات محددة ، ثم تأخذ هذه النغمات بالتمايز ، ومع نمو أعضاء الصوت تبدأ عنده مرحلة المناغاة ، التي تنمو بالتدريج لتأخذ أصوات حروف الهجاء ، وتكون هذه المناغاة البذور الأولى التي تنمو منها لغته التي يكتسبها من الكبار والمحيطين  به . (إسماعيل الملحم ، 1994 :36)

 

وعلاقة الطفل باللغة علاقة إنتاجية استمرارية ، واللغة في علاقتها بعالم الأطفال لها أكثر من مصدر ، وهي واحدة من وحدات التعبير التي يتعامل معها الطفل (صغيراً وكبيراً) ، كما أنها البوتقة التي تنصهر فيها خبرات الطفل وتجاربه .

 

لكن عندما تصبح اللغة فناً ، وتعبيراً فنياً ، فإنها حينئذ ينبغي أن تتفق ومرحلة الطفل النفسية ، والاجتماعية ، والعقلية ، والوجدانية ، ومن وسائل التعبير المعروفة : الغناء ، الرقص ، الموسيقى ، الرسم ، الكلام ، ويمكننا التفرقة بين اللغة والكلام ، فاللغة مجموعة من الأصوات ، أو الإشارات ، أو الحركات ، أو التلميحات ، التي بها تدل دلالة يفهم منها أي شيء ، أما الكلام فهو تشكيلات لغوية ، وحدتها الكلمة ، ومن مجموعها يتشكل معنى ، واللغة الفنية هي مجموعة الكلمات التي تثير انفعال السامع ، وتجذبه من نواحيه العاطفية أو الإنسانية .  والطفل الذي نثير خياله بالكلام ، أو نؤثر في عاطفته ، وتوجهاته ، هو طفل ينمو ويتطور نموه نحو الاكتمال ، وهو لهذا يحتاج إلى نوع من الكلام المؤثر ، وذلك حسب مرحلته النفسية ، وقواه الإدراكية ، ونموه الجسماني .  والأطفال لكي يكونوا مصدراً للسعادة والرخاء للوطن ، ومصدر واعد للمجتمع ، ينبغي تربيتهم وتنشئتهم التنشئة الصحيحة ، وذلك فيما يتصل بمأكلهم ومشربهم ، وتكوين ذوائقهم ، والتعرف على خصوصياتهم ، وخصوصيات مراحل نموهم ، ونتعامل معهم بدقة حسب هذه المراحل ونحن نقدم لهم الأعمال الأدبية .  من ذلك مثلاً أن الطفل من المهد إلى ستة سنوات تعتمد الأعمال الأدبية المقدمة له على مشاهد الفرجة ، والأشياء الغريبة ، وسماع الخرافات ، وقصص الحيوانات والطيور ، والرقص الجماعي ، والموسيقى المصاحبة للرقص والغناء ، والأناشيد ، وأن يكون الصوت هو الوسيلة التي يقدم بها أدب الطفل لأبناء هذه المرحلة ، ويمكن للوسيط الإذاعي والتليفزيوني والأسطوانات أن تلعب دوراً مهماً في إحداث تأثير ، فتتحقق استجابة الطفل ، ويتلقى هذا بوعي كامل ، وفي هذه المرحلة ينبغي الاهتمام بأدب الأطفال ليقدم في أطر مختلفة ، بحيث يمكن الجمع بين الصورة والصوت والرسم . (عبد الرءوف أبو السعد ، 1994 : 41-42)

 

كما يمكن بلورة اللغة الأدبية بلغة تعرف بلغة الأساليب والتعبيرات التربوية ، ويمكن عرضها من خلال الخصائص التالية : (عبد الرءوف أبو السعد ، 1994 : 316-318)

 

1.  تعتمد هذه اللغة على ما تفرزه الألسنية التربوية والنفسية والاجتماعية من دلالات وإرشادات وقيم فنية وجمالية ذات صلة بعالم الطفل .

2.  ينبغي أن يفهم أصلاً أن مراحل الطفل ليست مراحل منقسمة انقساماً خاضعاً لتحديد صارم ، بل كل مرحلة تتميز باستمرارية التطور فيها ، لكن بما يجعل كل مرحلة نمو تتسم بسمات لغوية تكشف عن طبيعة تلك المراحل ، وتسوغ مثل هذا التقسيم ، وأبرزها ما تعرف به المرحلة الأولى من مراحل النمو في مجال لغة الإبداع أنها لغة الدلالة المعجمية  الحقيقية ، وتقل بها لغة المجاز ، كما أنها مرحلة استقبال ما يفرزه المجتمع المحيط من كلمات وتعبيرات ، ليستطيع الطفل بها أن يجسد معارفه وأنماط حياته من خلال تلك اللغة ، وهي في الوقت نفسه هي لغة الاقتراب من عالمه الجمالي ، وفي المراحل المتأخرة من مراحل نمو الأطفال تكون لغة الحوار ، والاحتكاك العقلي والثقافي بينه وبين البيئة المعيشية ، والحياة المحيطة ، والمجتمع المتنامي ، أساساً للغة الإبداع الأدبي عند تأسيس أعمال أدبية ذات أبنية درامية خاصة .

3.  أن تساعد الأطفال كي يستثمروها في مناسبتهم وأعيادهم ، وتجمعاتهم ، وإحياء المواسم التي يحبونها مثل أعياد الطفولة ، أوشم النسيم .

4.  أن تكون سهلة في لغتها ، جميلة في أسلوبها ، سلسة في جملها ، عذبه في موسيقاها ، خفيفة في إيقاعاتها ، جميلة في أدائها ، وأن تتضمن أفكاراً ومعاني محببة إلى الطفل .

5.  أن تفيض صور الشعر بالعذوبة والرقة والوداعة في المواقف المناسبة ، وأن تتدفق الكلمات وتقوى ، وتعلو الموسيقى مثيرة وحاثة ودافعة وصاعدة لتحقيق الحماس ، أو قوة الارتباط ، وتنمية الانتماء .

 

ويمكن إيجاز خصائص اللغة الأدبية كما يحددها "محمد عناني" كما   يلي :

 

1.  أن اللغة الأدبية تخرج من التعبير المباشر – التقريري – إلى التعبير المجازي ، واستخدام المجاز ، والمجاز من الأسس الثابتة في تطور أي  لغة ، فإذا كان الإنسان على مدى تاريخه الطويل قد بنى بنياناً لغوياً ميسراً يستطيع أن يفرق به بين الأشياء ، وأن يحدد خصائصها بألفاظ خاصة بها ، لا تطلق على سواها ، فإنه كثيراً ما يستعيد بعض الألفاظ من مجالات استخدامها لاستخدامها في مجالات أخرى ، فإذا اجتازت اللفظة المستعارة واختيارها الجديد بنجاح ، أي إذا قبلها الناس واستخدموها في المعنى  الجديد ، فقدت صيغتها الاستعارية ، وغدت مع الأيام تعبيراً حقيقياً ، كاستعارة لفظة الأرجل للمقاعد ، والقمر للنساء ، وهذا ما يسمى بالمجاز الميت .

أما إذا احتاج الإنسان إلى التعبير عن مشاعره الدفينة ، فإنه يستعير لها بعض الألفاظ من واقع حياته المادية ، وإن حدث نفس الشيء ، أي أصبحت الكلمة المستعارة تعبيراً حقيقياً لكن دون أن تفقد دلالتها اللغوية في عالم الحواس (المجال المستعار منه) مثل الضيق ، الانقباض ، فهذا ما يعرف بالمجاز الحي يساعد المجاز على تحقيق ما يعرف بالرؤية الفنية ، لأن المعنى أو الموقف الذي يتبع هذه الرؤية يتطلب إقامة علاقات جديدة فيما بين الأشياء ، أو بين الناس ، أو بين الأشياء والناس ، وهذا ما تحققه الاستعارة المجازية ، لأنه إذا كانت اللفظة المستخدمة في استعارة تعني نقل المعنى من شيء لآخر ، فإنها في الحقيقة تؤكد أن ثمة علاقة ما تبرر هذا النقل ، سواء أكانت علاقة شبه ، أو علاقة تضارب ، أو علاقة تمازج ، فإن هذه العلاقة هي التي تكمن في جوهر الصورة المجازية التي ينتجها الخيال .

 

2.  أن اللغة الأدبية تنزع إلى التخصص بدلاً من التعميم ، وإلى التجسيد بدلاً من التجريد ، فالأديب في إبداعه يصور موقفاً محدداً بعينه في نطاق المعنى الخاص به .

3.  تمتاز اللغة الأدبية باكتسابها ما يعرف بظلال المعاني ، وهي ما تساعد على استقرار مستويات متعددة من المعاني من داخل العمل الأدبي ، فالأدب يستخدم لغة حية ذات تعبيرات متصلة بأكثر من سياق واحد ، ومن ثم فهي يمكن أن تثير أكثر من معنى ، وأن توحي إلى جانب معناها الظاهر بمعان ثانوية أو هامشية لا يمكن تجاهلها ، ولهذا يمكن القول بأن ظلال المعاني قد تؤدي إلى تعدد الدلالات في اللغة الأدبية ، وغالباً دون قصد من الأديب . (كمال الدين حسين ، 2000 : 66-72)

مفهوم أدب الأطفال :

الأدب مصطلح يدل على مجموعة من الإبداعات التي تتوسل بالكلمة ، سواء أكانت شفاهية أم مكتوبة ، لخلق التواصل بين المبدع والمتلقي ، ولغةً يدل هذا المصطلح على واحد من السمات السلوكية ، الأمر الذي أحدث لبساً وتنوعاً لتعريفه وتفسيره عبر العصور ، فقد ارتبط بهذا المصطلح مفاهيم عديدة ، مثل معاني التأديب ، والأدب والمأدبة ، وتهذيب الخصال بإصلاح السلوك ، وانتشار العادات الحميدة ، وفي النهاية كمجال تعبيري مكتوب له فنونه النثرية  والشعرية .

 

لكن لو نظرنا للأدب كمجال تعبيري مكتوب ، فيمكن لمن يحاول دراسة الأدب كجنس من الإبداعات الإنسانية أن يحدد كنهه بأبسط العبارات بأنه "التعبير الفني بالكلمة" ، سواء أكانت هذه الكلمة منطوقة شفاهية ، أو مكتوبة .  إذن فالأدب كشكل من الإبداعات الإنسانية يعتمد على ركائز ثلاثة : الأولى هي قدرته على التعبير ، والثانية ارتباطه بقواعد فنية تكسبه الصفة الفنية ، والثالثة نوع الكلمة التي يستخدمها ، والتي يجب أن تملك في ذات الوقت القدرة على التعبير بوصفها وسيلة للتعبير والقدرة على إثارة الإحساس بوصفها مصدراً للإحساس الفني الذي يتحلى به الخطاب الأدبي المبدع . (كمال الدين حسين، 2000 : 59-60)

 

ويعرف عبد الرءوف أبو السعد (1994: 7) الأدب على أنه الكلام الجميل المنغم والمنثور نثراً منسقاً ، ويقصد منه التأثير على السامع ، وفي عواطف المتلقين ، بما يجعله أقرب إلى الذاتية والعاطفة ، سواء أكان شعراً أم نثراً .

 

ويمكن أن نستخلص للأدب – من زاوية الكتابة – مفهومين رئيسيين :

 

1.  الأدب بمعناه العام : وهو يدل على الإنتاج العقلي المدون في الكتب في شتى فروع المعرفة ، كالطبيعة والجغرافيا والعلوم .

  1. الأدب بمعناه الخاص : وهو يدل على الكلام الجيد الذي يحدث في النفس متعة فنية ، سواء أكان شعراً أم نثراً .

 

أو هو تعبير باللغة ، يستغل إمكاناتها الموسيقية والتصويرية والإيحائية المختلفة ، ويثير في النفس بفضل صياغته أحاسيس جمالية أو انفعالات   عاطفية ، وقد تكون هذه اللغة تعبيراً شفوياًَ بالكلام ، أو تحريرياً بالكتابة . (أحمد نجيب ، 1980 : 7)

ويمكن أن نعرف أدب الأطفال بأنه : شكل من أشكال التعبير الأدبي ، له قواعده ومناهجه ، سواء منها ما يتصل بلغته ، وتوافقها مع قاموس الطفل ومع الحصيلة الأسلوبية للسن التي يؤلف لها ، أو ما يتصل بمضمونه ومناسبته لكل مرحلة من مراحل الطفولة ، أو ما يتصل بقضايا الذوق وطرائق التكنيك في صوغ القصة ، أو في الحكاية للقصة المسموعة .

 

هذا الشكل الفني من الكلمة المنطوقة ، أو المسموعة ، أو المرئية ، قد يأتي في صورة قصة ، أو حكاية ، أو مسرحية ، أو يحكي قصة مغامرات ، أو بطولات ، وقد يجري على لسان الإنسان ، أو الحيوان ، أو الجماد ، وقد يأتي في شكل خرافة ، أو أسطورة ، أو حكاية شعبية ، أو حيوانية ، أو قصة  تاريخية ، أو تهذيبية ، أو أنشودة ، أو أغنية ، يستهوي الأطفال ويمتعهم أولاً ، ويحقق رسالته الجمالية ، شأن كل الفنون ، فينمي فيهم الإحساس بالجمال وتذوقه ثانياً ، ثم يستهدف عن طريق التسلية والمتعة والمرح أن يقطر في نفوسهم تجارب البشرية ثالثاً . (علي الحديدي ، 1991 : 101)

 

فأدب الأطفال هو أدب واسع المجال ، متعدد الجوانب ، ومتغير الأبعاد طبقاً لاعتبارات كثيرة ، مثل : نوع الأدب نفسه ، والسن الموجه إليها هذا  الأدب ، وغير ذلك من الاعتبارات .  فأدب الأطفال لا يعني مجرد القصة أو الحكاية النثرية أو الشعرية ، وإنما يشمل المعارف الإنسانية كلها . (إسماعيل عبد الفتاح ، 2000 : 18)

 

وتتسع مجالات هذه الأعمال لتشمل عدة أنواع ، منها متاحف الأطفال التي يعرفون من خلالها تاريخ الشعوب وتطور الحضارات ، ومنها  المسارح التي تصل بهم إلى درجة كبيرة من المتعة والتأثير ، لما تموج به من حركة ، وما تجسده من شخصيات ، وما تنقله إليهم من أحداث ، ومنها أسطوانات الأناشيد والأغاني التي تنمي في نفوسهم التذوق الأدبي ، وتحفزهم على الحركة والنشاط ، وتبث فيهم البهجة والمرح ، ومنها مجالات الأطفال وصحفهم التي تقدم إليهم الأخبار المختلفة والمسلسلات والقصص الشائعة ، كما تستقبل  إنتاجهم ، فترعى بذلك هواياتهم ، وتنمي مواهبهم ، ومنها دوائر معارف الأطفال التي توسع مداركهم ، وتزيد ثقافاتهم ، ومنها معاجم الأطفال المصورة التي تشرح المفردات والتراكيب ، وتوضح معاني الكلمات ودلالتها ، فتجدد مفاهيمهم ، وتزداد ثرواتهم اللغوية ، ومنها قصص الأطفال التي تغذي خيالهم ، وتثير انفعالاتهم ، وتشبع حاجاتهم إلى المعرفة والتثقيف ، ومنها الكتيبات العلمية البسيطة التي يفهم الطفل من خلالها أسباب الظواهر وأسرار الكون ، وغير ذلك من مواد أدبية مختلفة تشق طريقها إلى الطفل ، سواء بالكلمة المسموعة ، أو المقروءة ، ولا غرر أن ينتقل أدب الأطفال من خلال هذه الوسائط جميعاً .  (رشدي طعيمة ، 1998 : 24)

 

فإن كل ما يكتب للأطفال سواء أكان قصصاً ، أم مادة علمية ، أم تمثيليات ، أم معارف علمية ، أم أسئلة ، أم استفسارات في كتب ، أم مجلات ، أم في برامج إذاعية ، أم تليفزيونية ، أم كاسيت ، أم غيره ، كلها مواد تشكل أدب الأطفال .

 

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن أدب الأطفال يعتبر وسيطاً تربوياً يتيح الفرصة أمام الأطفال لمعرفة الإجابات عن أسئلتهم واستفساراتهم ، ومحاولة الاستكشاف واستخدام الخيال ، وتقبل الخبرات الجديدة التي يرفدها أدب الأطفال ، إنه يتيح الفرص أمام الأطفال لتحقيق الثقة بالنفس وروح المخاطرة في مواصلة البحث والكشف ، وحب الاستطلاع ، وإيجاد الدافع للإنجاز الذي يدفع إلى المخاطرة العلمية المحسوبة ، من أجل الاكتشاف والتحرر من الأساليب المعتادة للتفكير ، والاستكشاف من أجل مزيد من المعرفة لنفسه وبيئته ، إنه ينمي سمات الإبداع من خلال عملية التفاعل والتمثيل والامتصاص واستثارة المواهب .  (حسن شحاتة ، 2000 :5-11)

 

ونظراً لما يحمله الأدب من خصوصيات الفطرة الإنسانية في اللغة والمعاني والأساليب ، والصور والأخيلة والعواطف ، والإيقاع الموسيقي بمصدرية الداخلي والخارجي ، فإنه موجه إلى الإنسانية جمعاء ، فالكل أمام الأدب يتساوى من حيث التأثر والانفعال ووحدة المشاعر ورهافة الإحساس ، وزخم العواطف ، وكثافة الفيض القلبي ، لكي تبقى درجات التفاوت بين طبقات المتلقين تجاه الأدب ، وتتأكد دائماً درجات التفاوت بين الكبار والصغار من ناحية المتلقي ، ومن ثم يتحقق نوع من الاختلاف بين أدب الكبار وأدب  الصغار ، ويتمثل هذا الاتجاه فيما يلي :

الفرق بين أدب الأطفال وأدب الكبار :

طفل ما قبل المدرسة محب للأدب ، يحبه شفاهاً ، ومرسوماً ، ومروياً عليه ، أو مقروءاً ، وهو يستمتع به ، ويتلقاه في فرحة وبهجة ، ليثري وجدانه ، ويوسع خياله ، ويثري لغته ، ويزيد معارفه بالناس والدنيا من حوله .  (عبد التواب يوسف ، 1998 : 7)

 

والأدب بمعناه العام يندرج في إطاره أدب الكبار وأدب الصغار على السواء ، وإذا وضعنا أبسط مقاييس التفرقة بين هذين الأدبين ، وهي : أن أدب الأطفال ما يكتب ليقرأه الصغار ، وأدب الكبار ما يكتب للكبار ، لوجدنا أن أطفال العالم فيما قبل القرن التاسع عشر لم تكن لهم كتب تذكر ألفت خصيصاً لهم ، بل كانوا يقرءون كتب الكبار ، ويأخذون منها ما يستطيعون فهمه ، أو يقدرون على إدراكه ، ومازال الأطفال حتى اليوم يقرءون بعض كتب الكبار ، وقد يتمكن بعضهم من فهم كثير من الكلمات فيها ، لكن فهمهم للكلمات في كتب الكبار لا يعني أن خلفيتهم من التجارب ، وحصيلتهم من الخبرة والمعلومات قد أعدتهم ليقرءوا كتب الكبار كأدب .  وليس الأمر في الواقع أمر حصيلة المفردات اللغوية ، أو معرفة بالنحو والقواعد ، وإلا فكتاب مثال كتاب "صندوق الدنيا" لإبراهيم المازني ، أو"جنة الحيوان" لطه حسين يمكن أن يقرأه الأطفال ويفهموا أكثر مفرداته ، ومع ذلك فليست لديهم المقدرة على فهم الظروف النفسية والشعورية للشخصيات في الكتاب ، أو إدراك الميزات الأدبية لكاتبة ، أو الوقوف على الرمز والعقدة في قصصه ، أو معرفة الخط السياسي أو الاجتماعي الذي يعود إليه الأديب ، أو الأهداف العامة والخاصة التي يكتب من أجلها ذلك الكتاب . (على الحديدي ، 1991: 99)

 

ويتفق أدب الأطفال وأدب الكبار في أمور ، ويختلفان في أخرى ، إن كتابات الأطفال ينبغي أن تخضع لنفس معايير الجودة في الكتابة الأدبية ، تلك التي تخضع لها كتابات الكبار ، إن الدقة في التعبير وحسن العرض ، ومنطقية البناء ، والتكامل بين أجزاء العمل الأدبي ، وجمال الصياغة ، إلى غير ذلك من المعايير التي يرجع إليها عند تقييم كتابات الكبار تنطبق إلى حد كبير على الكتابات التي تتخذ من الأطفال لها جمهوراً ، وبعد ذلك لكل منهما خصائصه ومعاييره ، إن الشكل الذي يخرج به كتاب للأطفال ينبغي أن يختلف عن ذلك الذي يخرج للكبار ، سواء من حيث الصور والرسوم ، أومن حيث نمط   الكتابة ، أو غير ذلك من مقومات الإخراج الفني المختلفة ، كذلك فإن الطريقة التي تعرض بها الأحداث والمنطق الذي يكمن وراءها ، والعلاقات التي تحكمها ينبغي أن تختلف في كل أدب عن الآخر .

 

كما أن مضمون كتب الأطفال وقصصهم يختلف عن مضمون كتب الكبار ومؤلفاتهم ، سواء من حيث الأفكار ، أو الشخصيات ، أو الأماكن والأحداث ، أو غيرها من مقومات العمل الأدبي ، وأخيراً فإن اللغة التي يكتب بها للأطفال ينبغي أن تتميز عن تلك التي يكتب بها للكبار .  (رشدي طعيمة ، 1998 : 25)

 

ويتضح الاختلاف أكثر بين أدب الصغار وأدب الكبار في عملية النقد ، ويتصل من قريب أو بعيد بهذه الاختلافات جانب من جوانب ما بين أدب الطفل وأدب الكبار من نقد وتحليل ، وتوجيه أدبي ، حيث القيم النقدية والجمالية ، والنظرية الأدبية لكل من الأدبين لا تلتقي على سواء ، ويترتب على هذا أن المعايير التي على أساسها ننقد ونحكم على أدب الأطفال ، تختلف عنها بالنسبة لأدب الكبار ، ومن ثم يكون الاختلاف أوضح في القوانين النقدية التي تحكم كلا منهما ، وإذا كان أدب الكبار يخضع لما تخضع له الآداب من نظريات وقواعد وأسس نقدية ، قوامها النظريات والمدارس الفنية والنقدية المختلفة والمتباينة فيما بين الكلاسيكية ، والرومانسية ، والواقعية ، والرمزية ، فإن أدب الأطفال يخضع لأسس تتصل بعالم الطفولة ، وما يفرضه هذا العالم من أسس نفسية واجتماعية ولغوية ، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمراحل التي تصوغ الطفولة صياغات تتفق وتختلف ، لكنها دائماً تهيئ الطفل لمرحلة النضج وتحمل المسئولية .

 

كما أن أدب الكبار في معظمه أدب على الورق ، يقرأ كثيراً ويسمع قليلاً ويشاهد أحياناً ، أما أدب الأطفال فليس أدب ورق ، بل مشاهدة بصرية قراءة ، أو فرجة ، وتتلقاه الأذن كثيراً ، وهو في كل الأحوال مرتبط من حيث علاقته بمتلقين ، وبالمرحلة الزمنية ، وبعمر هذا المتلقي ، ففي المرحلة الأولى تكون المشافهة والاستماع أكثر قبولاً وتأثيراً ، وفي المراحل المتوسطة ما بين طفولة المهد وطفولة الشباب تكون القراءة ممزوجة بالرؤية والمشاهدة من أفضل وسائل نقل أدب الطفل ، أما في مراحل ما بعد سن التاسعة فإن القراءة ، ثم المشاهدة من أقوى قنوات التأثير بأدب الطفل ، والتعامل معه ، لهذا كله كان أدب الطفل متميزاً بخصائص وصفات وسمات تجعله أقرب إلى أدب نوعي متميز بمذاقه الخاص .  (عبد الرءوف أبو السعد ، 1994 : 57)

خصائص أدب الأطفال وعلاقتها بالمراحل العمرية:

لم يتفق علماء النفس على تقسيمات موحدة لمراحل نمو الطفل ، كما لم يتفقوا على بدايات هذه المراحل ونهايتها .  فمراحل النمو المختلفة للطفل تتداخل زمنياً ، وتختلف ما بين الذكور والإناث ، كما تختلف باختلاف المناطق الجغرافية والشعوب والمجتمعات ، والتطور الحضاري ، والتقدم العلمي ، وغيرها من المؤثرات ، ولذلك فإن مراحل الطفولة هي مراحل تقديرية ، وليست حاسمة باتة .  لذا نرى ضرورة التعرف على مراحل النمو عند الأطفال وخصائصها المختلفة من وجهة النظر الأدبية كمؤشرات على قدر كبير من الفائدة في مجالات الكتابة للأطفال .

 

ويمكن أن نوجز الإشارة إلى هذه المراحل فيما يلي :

 

à   مرحلة الطفولة المبكرة ، أو مرحلة الواقعية والخيال المحدود ، من سن        (3-5) سنوات .

à   مرحلة الطفولة المتوسطة ، أو مرحلة الخيال الحر ، من سن (6-8) سنوات.

à   مرحلة الطفولة المتأخرة ، أو مرحلة المغامرة والبطولة ، من سن (9-12) سنة .

à   مرحلة اليقظة الجنسية ، من سن(13-18) سنة .

à   مرحلة المثل العليا ، من سن (18) سنة فما فوق .

 

وسوف نقتصر في هذا الجزء على المرحلة الأولى مرحلة الواقعية والخيال المحدود ، من سن (3-5) سنوات ، والتي تتسم ببعض الخصائص العامة ، والتي في ضوئها يمكن تحديد المادة الأدبية التي تناسب الطفل ، ومن هذه الخصائص ما يلي : (علي الحديدي ، 1991 : 115-117)

 

1.  التطور السريع في اللغة ، والاهتمام بموسيقى الكلمات ، والاستمتاع بالجمل المنغومة ، والافتنان بالسجع والوزن حتى ولو لم يؤديا معنى الشوق إلى سماع التكرار الموسيقي للجمل والكلمات المعادة ، ومن ثم تروقه الأغنيات والقصص المسجوعة ذات الوزن الموسيقي ، لأن الطفل في هذه السن يستمتع ببعض القصص من أجل الأصوات والأنغام التي تحدثها موسيقاها فقط من أجل حبه للتكرار يتوق إلى سماع قصصه المفضلة ، مرات  ومرات ، ولا يمل تكرارها .

2.  الطور الواقعي المحدود بالبيئة الذي يمر به الطفل في هذه السن ، يجعل الطفل يشعر باللذة وهو يسمع الجمل التي تشركه في القصة ، باستعمال الأسماء المألوفة لديه ، واستخدام الملموسات والمشمومات وغيرها من الحواس ، لأنها توضح الصورة في ذهنه .

3.  ومن الخصائص المميزة للطفل في هذه المرحلة ، نشاطه المتواصل ، وقصر مدى الانتباه عنده ، ومن ثم فمن الضروري أن تكون قصص هذه المرحلة قصيرة تُحكى له في جلسة واحدة ، وتكون أحداثها سريعة التتابع ، بحيث يؤدي كل حدث إلى ما بعده في سرعة .

4.  اهتمامات الأطفال وسلوكهم في هذه المرحلة تدل على حبهم لأنفسهم ، ولذلك فهم يحبون القصص التي تؤكد ذواتهم ، ويستمتعون أكثر ما يستمتعون بحكاية القصة التي تستبدل فيها أسماؤها بأسماء شخصيات  القصة .

5.  يبني الأطفال مدركاتهم وتصوراتهم في هذه المرحلة من خلال تجاربهم الذاتية الكثيرة ، ومن ثم تناسبهم الكتب التي تساعدهم على اكتشاف الأبعاد المختلفة والمتنوعة للتصور الواحد أو للفكرة المفردة .

6.  يتطلع الطفل في هذه المرحلة إلى معرفة العالم الذي يعيش فيه ، وإلى اختيار البيئة المحيطة به ، ومن أجل ذلك فهو يحب القصص التي تدور حول الخبرات والتجارب اليومية ، أو الشخصيات البشرية المألوفة له ، أو الحيوانات الأليفة المفضلة عنده ، أو اللعب التي يلعب بها ، أو الأشخاص الذين يعيشون في بيئته القريبة ، على أن تكون لهذه الشخصيات صفات جسمية ولونية سهلة في إدراكها ، والتعرف عليها ، وتكون متكلمة ، أو ذوات أصوات وحركات ، ذلك لأن إعطاء هذه الشخصيات صفات الحركة والتكلم والشكل واللون فيه إشباع لرغبة الطفل في المعرفة وحب  الاستطلاع .

7.  يميل الطفل في هذه المرحلة إلى الاعتقاد الوهمي ، ويأخذ خياله المحدود ببيئته في النمو تدريجياً ، ويستمتع بالألعاب المتخيلة ، كأن يتوهم ذراع الكرسي حصاناً يمتطيه ، والدمى أطفالاً مثله يحادثهم ويخاصمهم ، وهو لذلك يعجب بالقصص الخيالية ذات الشخصيات الحيوانية أو الجمادية الناطقة أو المتحركة ، على أن تكون مما يعرف عنها شيئاً حقيقياً في حياته  الواقعية .

8.  ينشد الطفل في هذه المرحلة الأمان والدفء العاطفي في علاقته بالكبار ، ومن أجل ذلك فهو يود أن يكون قريباً من الوالدين ، أو المدرسة وقت حكاية القصة ، والقصة التي تحكيها الأم أو المربية للطفل عند النوم ، وهي قريبة منه ، تبدأ بها خبرة الطفل بالأدب في المنزل ، ومن ثم يتحتم أن يسود فيها العدل ، وأن تكون نهايتها سعيدة .

9.  في وسط هذه المرحلة يبدأ الطفل في الاستقلال عن الكبار ، ولذلك تصلح القصص التي تساعده على أن يوائم نفسه مع الخبرات الجديدة البعيدة عن الكبار من أسرته ، وأحداث القصص وإن كانت مألوفة لديه ، إلا أنها تفسر العناصر المحيرة له في محيطه الخاص ، وطريقة تركيب  القصة التي تفسر خلفية الكبار غالباً ما تقدم الإجابة عن الاستفسارات غير المنطوقة للعلاقات الغامضة التي يجدها الطفل بعيداً عن أسرته .

 

وفي هذه المرحلة ينبغي التركيز على مثيرات الخيال ، وتوجيه الطفل نحو إثارة عواطفه وخياله تجاه الأشياء المحيطة ، والتعاون معه في الرد على تساؤلاته ، وتوجيهها توجيهاً يتفق ، والكشف عن قدراته الإبداعية ، وتقديم نماذج أدبية ، تساعده على التذوق والتغني بها ، ومساعدته في تلحينها ، وترديدها فرداً ، أو مع جماعته ، ولخصوصية هذه المرحلة ، فإن على معلمات الروضة تنمية النزوع الفني والأدبي لدى أطفالهن ، وأن يعيدوا الصياغة اللغوية لديهم في صياغات إيقاعية وفنية ، وأن يكشفوا عن ميولهم الإنسانية ، واتجاهاتهم نحو الحيوانات الأليفة والطيور والكائنات الصغيرة ، والأزهار والأشجار ، ليؤكدوا على هذه الميول ، ويبلورونها ، لأنها مؤشر على شخصية الطفل الإبداعية ، والفنية ، والأدبية ، وميله إلى الابتكار . (عبد الرءوف أبو السعد ، 1994 : 328)

 

ومع أن خواص الأطفال وميولهم متشابهة في بداية هذه المرحلة ، إلا أنه يجب عند اختيار القصة مراعاة البيئة الجغرافية والاجتماعية والثقافية ، وكذلك تطور كل  طفل ، واهتماماته الخاصة ، ومن ثم فليس هناك قاعدة متزمتة في اختيار القصص ، وإنما هو تحديد عام يشترك فيه أكثر الأطفال . ومن الضروري كذلك أن تراعي القصة في ظروف كل طفل ، لأن الطفل في هذه السن لا يستطيع أن يفهم المواقف الغريبة عنه ، ولو كان اختلافها عما يألفه قليلاً .

 

وعند بلوغ الطفل الثالثة من عمره ، فإنه يبلغ مرحلة التأكد من نفسه والوثوق بها ، والاعتزاز والفخر بقدراته ، ويصمم على عمل كل شيء لنفسه ، ويستنكر تدخل الكبار ، لأن تدخلهم يحرمه الشعور بالاستقلال .  وفي هذه السن يبدأ بالاعتزاز بممتلكاته ، وإذا كان طفل الثانية يهمه امتلاك شيء ما يريد استعماله في وقت بعينه دون دراية التي يمتلكها شخصياً ، فإن طفل الثالثة يعرف أن هناك أشياء بعينها تخصه ، ويمتلكها لنفسه ، وليست لأحد غيره ، وهو يحرسها ويغار عليها بحماس ، ويلجأ إلى كل الطرق لاستردادها إذا استعيرت منه ، وإثبات طفل الثالثة ذاته وتأكيدها بهذه الطرق المختلفة يجعل غيره يحس به ، ويبرهن لنفسه على أنه شخص مهم ، له وجود ثابت .

 

 والأحداث في الحياة اليومية العادية لطفل الثالثة هي مغامراته   العظيمة ، يكررها مرة ومرات في لعبة ، غير أنه لا يندفع من نشاط إلى نشاط آخر كما كان يفعل في سنته الثانية ، إذ أن قوة التركيز عنده قد تعمقت ، وأصبح لعبه في الثالثة من عمره أكثر اتقاناً ، وملاحظته لتفاصيل الأشياء من حوله تزداد شيئاً فشيئاً ، فبيته الذي يبنيه لم يعد كومة من المكعبات غير   مأمون ، بل أصبح في نظره صرحاً مشيداً بعناية ، له جدران وفراغ في الداخل لمعيشة الأسرة .

 

وفي الثالثة يدرك الطفل التفاصيل التي تميز الأشخاص المحيطين به ، وقدرته على الملاحظة التي تزداد يوماً بعد يوم ، تتجه إلى ما حوله من ظواهر الحياة ، فيبدأ في ملاحظة تغير الطقس من حار في الصيف إلى بارد في   الشتاء ، ويجد ذلك مثيراً ، ويلاحظ كذلك أن بعض الأيام كالعطلات أيام   خاصة ، لأنه يجتمع بالأسرة كاملة طوال اليوم ، وقد يأكل أكلاً مختلفاً ، أو تقدم إليه الحلوى ، أو يلبس الملابس الجديدة ، أو يخرج للتنزه مع الأسرة ، أو يستقبل في المنزل ضيوفاً يأتونه بالهدايا ، ومن كل ذلك تزداد ثروة الطفل من التجارب .

 

والقصص التي تناسب طفل الثالثة تشترك مع القصص التي يستمتع بها طفل الثانية في الموضوعات والأسلوب والنسق ، ولكنها أكثر طولاً ، وتشتمل على تفاصيل أكثر ، والطفل حين يبلغ الثالثة يظل يستمتع بالقصص الذاتية التي يكون هو محورها ، وتدور حوله ، ولكنه يبدأ في الاستمتاع كذلك بقصص حول بنات وصبية صغار آخرين لهم من التجارب ما يشبه مغامراته تماماً ، ومن ثم يمكن في هذه المرحلة أن تروى القصص لمجموعة صغيرة من الأطفال . والقصص التي تروى لمجموعات صغيرة من أطفال الأعوام الثلاثة يجب أن تشتمل على الخبرات الشخصية الشائعة والمشتركة بينهم ، فتهتم القصة التي تكتب لهم بقدراتهم الجديدة المكتسبة ، وباعتزازهم بممتلكاتهم ، وبما يدخل الفرحة عليهم ، كما تهتم بالتفاصيل التي تميز الأشخاص أو الحيوانات أو الأشياء التي تدخل في محيط تجاربهم ، والقصص حول الطقس ، وأيام  العطلات ، والأعياد ، تروق أطفال الثالثة ، وتنال إعجابهم الشديد ، وفي كل هذه القصص يجب أن يكون سُداها الصدق ، ولحمتها الأمانة .

 

وإذا كانت الكتب المصورة عن المعلومات ، وتسمى "الكتب ذات الفكرة"  فالصورة تشرح الفكرة المقصودة من خلال العرض أو المقارنات . وهناك كتب تجيب على أسئلة الأطفال بالصور ، كالسؤال الذي يقول : أيهما أسرع ؟ ، فيرسم الفنان نملة تسير ، أو سلحفاة تبطئ وبجوارها أرنب يجري ، أو يرسم عربة يجرها حمار وبجوارها قطار يسرع على قضبان ، وكالسؤال الذي يقول : هل ترى كما أرى ؟ ، فيرسم الخطوط والألوان والأشجار المزهرة بألوان مختلفة ، وما تحدثه هذه الألوان في الشخص من انفعالات . وسؤال ثالث يقول : هل تسمع كما أسمع ؟ فتكشف للطفل عالم السمعيات ، وتريه كيف تؤثر الأصوات في الأشخاص بطرق مختلفة .

 

وجدير بالاهتمام أن نتذكر حين تكون الصور لتوضيح القصص ، ألا تعرض أكثر من صورة في وقت واحد ، ذلك لأنه إذا ظهرت صورتان معاً ، فإن انتباه الطفل سوف يتركز على الفكرة التي يراد شرحها بالصورة الأولى ، ثم تركه الصورة الثانية .

 

وحين يبلغ الطفل الرابعة من عمره ، يكون قد وصل إلى درجة جيدة من ضبط النفس ، ومعرفة المحيط الذي حوله ،وذلك أنه يستطيع الآن أن يتحدث بسهولة ، ويلعب في تعاون مع غيره من الأطفال ، وإذا لاحظنا الأطفال الأقل سناً من الرابعة وهو يلعبون ، نجدهم وإن بدا عليهم – غالباً- أنهم يلعبون   معاً ، إلا أن تعاونهم عادة لا يزيد عن المشاركة في المواد المماثلة ، ومن إشاراتهم وحركاتهم وملاحظاتهم يتبين بوضوح أن كل طفل مستغرق في خياله الخاص به .

 

والأطفال في سن الرابعة يبدأون التفكير في النماذج القصصية ، وهم في هذه السن مستعدون للقصص بشكلها الكامل ، ولقد كانت قصصهم السابقة مجرد وصف للأحداث ، وسرد للوقائع ، أما الآن فإنهم يستطيعون ربط الأفكار ببعضها ، ومن ثم يمكن أن تنسج لهم أحداث القصة بحيث تتكون عقدة ، غير أن العقدة يجب أن تكون بسيطة وسهلة ، وكذلك يجب أن تكون العلاقة بين أحداث القصة واضحة وضوحاً تاماً ، وإلا فلن تكون مفهومة لأطفال هذه السن .

 

وأطفال الرابعة تتسع اهتماماتهم ، بحيث تتجاوز محيطهم الشخصي ، ولذلك يمكن أن تكون القصص التي تقدم إليهم حول الأشخاص والحيوانات والأشياء غير القريبة أو المتصلة بهم اتصالاً مباشراً ، بشرط أن تكون مألوفة لديهم ، والأطفال في مثل هذه السن تنطق كل شيء ، وهم يمنحون الشعور الإنساني لما يحيط بهم ، ويفكرون في أن الحيوانات واللعب والأشجار والزهور وحتى الجماد كالكراسي والمناضد لديها الدافع والرغبات مثلهم تماماً .

 

والقصص التي لها طابع الشقاوة بسلوك شخصياتها تروق أطفال  الرابعة ، وليس هناك من شك في أن الأطفال يستمتعون باللهو الناتج عن عمل يعلمون أنهم يجب ألا يفعلوه ، والأطفال يجدون أنه من الصعب عليهم أن يكونوا مثاليين وطيبين دائماً ، وشقاوتهم تنفيس لهم ، ومع أن الكبار يتعاطفون مع الصغار ، إلا أنهم لا يمكنهم أن يتغاضوا عن تصرف الشقاوة الذي يقع عليه أبصارهم ، وإن كانوا يستطيعون أن يمدوا أطفالهم بالطرق المشروعة للتنفيس عن شعورهم ، والتفريج عن أحاسيسهم ، واللعب واحدة من هذه الطرق والأطفال يمكنهم أن يدعوا لعبهم تفعل كل تصرفات الشقاوة التي يودون هم أنفسهم أن يفعلوها .

 

والقصة طريق آخر من طرق التنفيس ، فالأطفال وهم يستمعون إلى القصة يشاركون الولد الشقي فيها ، ويندمجون معه في الأعمال التي يأتي بها ، ولا يستطيعون هم أن يفعلوها ، وهم كذلك يستمتعون بتخلصه من المأزق ، ويبتهجون لنجاته ، كما لو كانوا هم الناجين .

 

وحين يبلغ الطفل سنته الخامسة يصبح شخصاً صغيراً جاداً ، فلعبه الآن شغل وعمل في نظره ، ويشير إلى ذلك في رده على من يستدعيه وهو يلعب ، وطبيعة لعبه نفسها تتغير في هذه السن ، فبدلاً من استعماله المواد ليجرب بها ، يبدأ استعمالها في أشياء جديدة مبتكرة ، فيبني نماذج معقدة بالمكعبات ، ويعمل أشياء مدهشة من قطع المخلفات وبقايا الأقمشة ، ويستمتع بتجميع القطع الصغيرة من كل ما تصل إليه يده ليكون منها لعباً ، ويصل سروره ومتعته إلى القمة حين ينجز ما بدأ من عمله .

 

وسن الخامسة هي السن التي يكون الأطفال فيها مستعدين للتعلم ، ويرغبون في إنجاز الأعمال ، ويبلغ بهم الرضا والسرور آخر المدى حين يتغلبون على الصعوبات وهم في هذه السن شغوفون بالمعلومات الجديدة ، ويتطلعون لمعرفة كل ما يمر بهم من أمور الحياة ، ولذلك نجد أطفال الخامسة يحبون القصص التي تعطيهم المعلومات ، وتقدم لهم المعرفة بطريقة تناسب روح التعجب فيهم ، وفوق ذلك فهم يستمتعون بالقصص التي تشرح أحاسيسهم وشعورهم كإحساس الفرحة بالإنجازات التي يقومون بها ، وإحساس المتعة بتحمل المسئولية ، وكالشعور بخيبة الأمل أو الفشل ، وثورات الغضب التي تمر بهم في تجاربهم .

 

وطفل الخامسة ممثل كبير ، ويمكنه أن يندمج بسهولة ويسر مع أية شخصية ، أو في أي موقف من القصة ، ومن أجل ذلك فالقصص التي تسير على نمط التمثيليات والمسرحيات فيها جاذبية خاصة لأطفال هذه السن . (علي الحديدي ، 1991 : 118-131)

 

وعلى هذا الأساس يمكن إيجاز أهم خصائص أدب الطفل والتي تتواءم مع المرحلة العمرية للطفل فيما يلي : (عبد الرءوف أبو السعد ، 1994 : 42-44)

 

à أدب الطفل (قصة أو شعر أو مسرح أو أغنية أو أنشودة) بسيط في صوره وأخيلته ومفرداته ، وقد يغلفه التهويم ، لكنه التهويم الذي يمنح العمل الفني حيوية وحركة ، ويمده بغزارة فنية وإيحاء ، يمنحان هذا العمل الاستضاءة الفنية المناسبة .

à يعتبر الخيال المناسب لتلك المراحل هو الذي يوشي الأدب بما يبهر ، ويدهش ، ويشد الطفل خصوصاً إذا كان هذا الخيال يخلع على الأشياء والجماد والنباتات سحره الخاص ، وقواه الفاعلة ، ويحل الإنسان في الجماد حتى يقترب هذا الخيال من الحدوتة والحكاية ، فالأسطورة ، ليشمل الأدب والأعمال الفنية جو أسطوري أخاذ .

à الصور الفنية دائماً يستمدها المبدع من رؤاه ، فهي غالباً بصرية ، وأحياناً يستمدها من ذاكرته ، فهي لذلك سمعية ، لكن الغالب هو أن صور الأدب المقدمة للطفل مشتقة من القوى البصرية ، لتلائم أحوال الطفولة .

à قدرة مبدع أدب الطفل على الاندماج في الوجود والإحلال فيه ، وتمكين الطفل من معايشة هذا العالم في صورة حلولية كلية .

à الاعتماد على الحدوتة والحكاية والقصة في كثير من الأعمال المسرحية التي تتجه نحو القص والحكي ، حتى يشمل تلك الأعمال جو فلكلوري ليثير القدرة على الانفعال ، ويجلو عن شفافية الفطرة ، ويربط الطفل بمساحات فطرية سليمة ، فتحقق بذلك سياقاً مسرحياً مفيداً ، وتخلق نسقاً للفرجة ، يجمع بين التوجيه والإرشاد والإبهار ، معتمداً على خصائص الطفولة  نفسها .

أهمية أدب الأطفال :

أدب الأطفال رغم أنه يتميز بالبساطة والسهولة ، إلا أنه لا يعتبر تصغيراً لأدب الراشدين ، لأن لأدب الأطفال خصائصه المتميزة التي تتبعها طبيعة الأطفال الذين يختلفون عن الراشدين لا في درجة النمو فقط ، بل في اتجاه ذلك النمو أيضاً ؛ حيث إن حاجات الأطفال وقدراتهم وخصائصهم الأخرى تختلف في اتجاهها عما يميز الراشدين .  ومن هنا كان الاهتمام به كفن مستقل باعتباره يخضع لضوابط مختلفة إلى حد ما عن أدب الراشدين ، وتقرر هذه الضوابط حاجات الطفل وقدراته . (سميح أبو مغلي ، 1992 : 37)

 

وللأدب الموجه للطفل أهمية بالنسبة إلى الأطفال ذاتهم وبالنسبة إلى المجتمع ، ويمكن تحديد هذه الأهمية من خلال ما يلي :  (محمد عمرو ،  1990 : 43-44)

 

  1. تسلية الطفل وإمتاعه وملء فراغه .
  2. تعريف الطفل بالبيئة التي يعيش فيها من كافة الجوانب .
  3. تعريف الطفل بآراء وأفكار الكبار .
  4. تنمية القدرات اللغوية عند الطفل بزيادة المفردات اللغوية لديه ، وزيادة قدرته على الفهم والقراءة .
  5. تكوين ثقافة عامة لدى الطفل .
  6. الإسهام في النمو الاجتماعي والعقلي والعاطفي لدى الطفل .
  7. تنمية دقة الملاحظة والتركيز والانتباه لدى الطفل .
  8. الإسهام في تنمية الذوق الجمالي لدى الطفل .

9.  مساعدة الطفل في التعرف على الشخصيات الأدبية والتاريخية والدينية والسياسية من خلال قصص البطولة وأعلام الماضي والحاضر .

10.  جعل الطفل إنساناً متميزاً نظراً إلى إطلاعه على أشياء كثيرة ، عدا المادة المقروءة .

11.  إيجاد الاتجاهات الاجتماعية السليمة لدى الطفل ،وتعريفه بالعادات والتقاليد التي عليه إتباعها في مختلف الظروف .

12.  ترسيخ الشعور بالانتماء إلى الوطن والأمة والعقيدة من قبل الطفل .

 

إضافة إلى ذلك فإن للأدب تأثير كبير في تنمية شخصية الأطفال ، فهو: (رشدي طعيمة ، 1998 : 26)

 

  1. يساعد الأطفال على أن يعيشوا مرة أخرى خبرات الآخرين ، ومن ثم تتسع خبراتهم الشخصية ، وتتعمق .

2.  يتيح الفرصة للأطفال لكي يشاركوا بتعاطف شديد وجهات النظر الأخرى والمشكلات وصعوبات الحياة التي يواجهها الآخرون .

3.  يمكن الطفل من أن يفهم أنماط الثقافات الأخرى ، وأساليب الحياة فيها ، ما كان منها معاصراً ، وما يضرب في أعماق التاريخ .

4.  يوسع آفاق الأطفال ويجعل منهم شخصيات متسامحة تتقبل الغير ، وتتفهم ثقافته ، وتشعر أن أسلوبهم في الحياة ليس هو الأسلوب الوحيد ، وأن ثقافتهم ليست الثقافة الوحيدة ، وأن هناك من الثقافات ما يفرض علينا احترامه إن لم نقبله .

5.  يساعد بشكل علاجي في التخفيف من حدة المشكلات التي يواجهها   الأطفال ، إذ يزداد الطفل القارئ ببصيرة عن مشكلات أصدقائه الصغار ، ويتعرف على سبل مواجهتها ، فيزداد ثقته بنفسه ، وقدرة على مواجهة ما واجهوه .

6.  ينمي عند الأطفال الاتجاهات الطيبة نحو مختلف الكائنات ، والعقائد ، والمهن ، والمؤسسات ، إلى غير ذلك من مجالات تتفاوت فيها أساليب الحياة .

7.  ينمي عند الأطفال ثروتهم اللغوية ، ويبني عند كل منهم رصيداً من المفردات والتراكيب التي تيسر له فهم ما يقرأ ، وتسعفه عند الرغبة في التعبير.

 

أهداف أدب الأطفال :

أدب الأطفال له آثاره الإيجابية في تكوين الأطفال ، وبناء شخصياتهم ، وإعدادهم ليكونوا رواد الحياة ، والطفل هو الإنسان في أولى وأدق مراحله ، وأخطر أدواره ، فالأدب الإبداعي الموجه للطفل له طبيعته المميزة عن أدب الكبار ، من حيث التعددية الواضحة لطبيعة هذا اللون من الأدب ، ومن حيث وظائف التربية الوجدانية ، والوظيفة الأخلاقية ، والنمو اللغوي والانفعالي ، والانفعال الإيجابي بالأدب عن طريق تنمية الحس الجمالي ، أو التذوق الفني عند الطفل ، واكتسابه للقيم والعادات والسلوكيات والمهارات اللغوية والتعبيرية، والميل إلى اللغة وآدابها ، ومن ثم التعبير السليم عن مطالبه وأفكاره ومشاعره ، ويجب توظيف كل تلك العناصر ، بحيث تناسب توجهاتها عقلية الطفل وإدراكه، كي يفهم الطفل النص ، ويحسه ، ويتذوقه ، ومن ثم يكشف بمخيلته غايته أو وظيفته . (إسماعيل عبد الفتاح ، 2000 : 30)

 

وخلاصة القول فإنه يمكننا تحديد أهداف أدب الأطفال من وجهة النظر التربوية فيما يلي : (أحمد نجيب ، 1982 : 37-42)

1. أهداف ثقافية :

à   تقديم المعلومات العامة والحقائق المختلفة عن الناس والحياة والمجتمع في بيئة الطفل وفي البيئات الأخرى .

à تقديم المضمون العلمي والأفكار المقتبسة من العلوم المختلفة التي تربط الأطفال بالعصر الحاضر ، والتطورات العلمية الحديثة ، ومن ذلك : القصص العلمية ، وقصص المستقبل .

à تقديم المضمون التعليمي الذي يستمد مادته العلمية من المناهج الدراسية المقررة ، ومن ذلك : مسرحة المناهج ، وهي أسلوب شائق جذاب لتقديم المادة التعليمية عن طريق المسرح البشري أو مسرح العرائس .

à   تحقيق النمو اللغوي عند الأطفال .

à   التدريب على الإلقاء الجيد وطلاقة اللسان والشجاعة الأدبية ومواجهة الجماهير .

2. أهداف أخلاقية :

تبصير الأطفال بالقيم الخلقية الفاضلة ، وتنمية إعجابهم وتقديرهم وحبهم للصفات الطيبة والأبطال الأخيار ، ونفورهم من الصفات المذمومة ، وجوانب الانحراف الخلقي ، وذلك بطريقة غير مباشرة ، وبالأسلوب الصحيح لأدب الأطفال السليم .

3. أهداف روحية :

لتحقيق التوازن بين الاتجاهات المادية السائدة في العصر الحديث ، وبين القيم الدينية والروحية التي لا يستطيع الإنسان أن يحقق السعادة الحقيقية بدونها ، مع وضوح في الرؤية ، يؤكد أنه ليس هناك تعارض بين العلم والإيمان ، أو بين التفكير العلمي والمناهج الروحية :

 

-       فالدين يحث على طلب العلم ، وعلى التفكير والتأمل والبحث  والاكتشاف .

-       والعلم يدعم الإيمان ، ويرسخ قواعده ، وإنما يخشى الله من عباده  العلماء .

 

 

4. أهداف اجتماعية :

تعريف الطفل بمجتمعه ومقومات هذا المجتمع وأهدافه ومؤسساته ، وما يجب أن يسود فيه من قيم وصفات اجتماعية . وهذا يكشف للطفل عن جوانب الحياة الاجتماعية ، فيساعد على الاندماج في المجتمع ، والتجاوب مع أفراده .

5. أهداف قومية :

لكي يعرف الطفل أنه عربي في وطنه الصغير ، وأن وطنه جزء من الوطن العربي الكبير الذي تربط القومية العربية بين أجزائه ، وتدعم أواصر وحدته لغة واحدة ، ودين واحد ، وقيم روحية واحدة ، وتاريخ واحد ، وتراث مشترك ، وموقع جغرافي متصل يمتد من المحيط إلى الخليج في مكان حيوي من العالم ، وأن هذا الوطن الكبير يملك من إمكانات الحياة ومقوماتها وثرواتها الشيء الكبير ، وأنه كان منبع حضارة الجنس البشري منذ أقدم العصور ، وكيف أن حضارة العرب الزاهرة هي التي كانت نواة الحضارة الأوروبية بعد ذلك ، وكيف أن العرب يتطلعون بما لهم من آمال وإمكانات إلى اتخاذ مكانهم المرموق في عالم الغد .

6. أهداف عقلية :

لكي تتاح للطفل من خلال الإنتاج الأدبي المناسب والمتفق مع أسلوبه في التفكير فرصة طيبة لنشاط عقلي مثمر في مجالات التخيل والتذكر ، وتركيز الانتباه والربط بين الحوادث ،وفهم الأفكار ، والحكم على الأمور ، وحسن التعليل ، والاستنتاج ، وما إلى ذلك مما يساعد على نمو هذه العمليات العقلية وتطويرها .  ومما يساعد على هذا أن يقدم الإنتاج الأدبي الجيد مواقف مناسبة تساعد الطفل على التفكير ، وأنماطاً للتصرف السليم ، ولأسلوب التفكير العلمي والعقلي المنظم ، وكيف يستطيع الإنسان أن يتصرف في مختلف المواقف والمشكلات .

7. أهداف جمالية :

à   تقديم المعاني والأخيلة البديعة التي تستهوي الأطفال .

à   تقديم الألوان الواقعية الجميلة من مختلف جوانب الحياة والوجود والطبيعة .

à   تقديم الأساليب الأدبية الجميلة (جمال اللغة) .

à   تقديم المعلومات الفنية التي تثري حصيلة الأطفال عن الفن وألوانه والفنانين وأعمالهم.

à   تقديم القيم والاتجاهات التي ترد خلال الإنتاج الأدبي ، وتدعو إلى تقدير الجمال والذوق السليم .

à   تقديم مختلف الألوان الجمالية المصاحبة للإنتاج الأدبي مثل :

 

‌أ.        الصور والرسوم والألوان المصاحبة للإنتاج الأدبي المطبوع في كتب ومجلات .

‌ب.   الموسيقى والمؤثرات الصوتية المصاحبة للإنتاج المسموع في الإذاعة والتليفزيون وغيرهما .

‌ج.  المناظر الخلفية والديكور ، والملابس والموسيقى والمؤثرات الصوتية والضوئية ، وما إلى ذلك مما يصاحب الإنتاج المسرحي .

8. أهداف ترويحية :

حيث يمكن أن يكون أدب الأطفال وسيلة شائقة لشغل أوقات الفراغ ، وتسلية محببة تجلب المسرة والمتعة إلى نفوس الأطفال ، بشرط ألا يكون هذا على حساب القيم والمثل والاتجاهات الحميدة ، أو على حساب من يمثلون هذه القيم كالآباء والمعلمين ورجال الدين .

9. بناء شخصيات الأطفال :

يمكن تعريف الشخصية ببساطة بأنها مجموع الصفات الاجتماعية والخلقية والمزاجية والعقلية التي يتميز بها الشخص ، والتي تبدو بصورة واضحة متميزة في علاقته مع الناس .  وبقدر توفر هذه الصفات وتعاونها واندماجها وتآلفها ، وقدرتها على التكيف في المواقف الاجتماعية ، يكون أثر الشخصية وتكاملها .

 

من المعروف أن المواعظ والنصائح المباشرة قلما تكون ذات أثر عميق باق في نفوس الأطفال ، ومن الأفضل لتحقيق الأهداف الفاضلة ، وفي النواحي الخلقية والاجتماعية وغيرها ، أن يكون هذا بطريق غير مباشر عن طريق القدوة الحسنة ، والنموذج الطيب ، والمحاكاة ، والمشاركة الوجدانية ، والتعاطف الدرامي ، والانطباعات السليمة ، والاستهواء المقبول .  ومن هنا يبرز دور أدب الأطفال بما فيه من قصص ومسرحيات وأغان وما إلى   ذلك .

الفصل الثاني                                              فنون أدب الأطفال

مقدمة :

يعد أدب الأطفال خبرة أو خبرات لغوية ممتعة تنمي الطفل حين يمر بها ويتفاعل معها ، إن الأدب فن يستخدم اللغة ، ويصور بها العواطف الإنسانية ، ويرسم بها صور الحياة على اختلافها ، ومواقف البشر وشخصياتهم ، بإيجابيتها وسلبيتها .  وعلى هذا فإن كل موقف أدبي مقروء أو مسموع أو مرئي أو مشاهد من خلال وسائط تقديم الفنون الأدبية يتفاعل معه الطفل ، ويترك أثراً في وجدانه ، فسلوكه ، ثم عقله .  وغالباً ما يساعد على نموه ، ويتم ذلك من خلال استمتاع الطفل بالعمل الأدبي دون أي سلطة أو تسلط من الكبار .  والطفل حين يستمتع بأي عمل أدبي يتقمص لاشعورياً بعض القيم والعادات والاتجاهات ونماذج السلوك التي تروق له في العمل الأدبي ، ومع تكراره لها يصبح جزءاً من كيانه ، وهكذا يتم نمو الطفل من خلال تقمصها ، فالطفل يكرر ما يعجبه ، وهذا التكرار يُكسب الطفل عادات ترسخ في سلوكه ، وينمو من خلالها حتى تصبح من ذاته . (هدى قناوي ، 1990 : 11-12)

 

وتتعدد الأشكال الفنية التي يصدر من خلالها أدب الأطفال سواء من حيث وسائط التعبير أو فنون التعبير ، فمن حيث وسائط التعبير هناك الكتاب ، وهناك الصحافة والمجلات ، وهناك المسرح ، والموسيقى ، وهناك الأفلام ، والبرامج الإذاعية والتليفزيون ، وغيرها .  أما من حيث فنون التعبير فهناك القصة ، والمسرحية ، والأغاني ، والأشعار ؛ وعلى هذا الأساس سنتعرض في الصفحات التالية إلى أهم أشكال ومجالات التعبير الأدبية في أدب الطفولة على النحو التالي :

أولاً : قصص الأطفال :

لأدب الأطفال فنونه المختلفة ، وهي جميعاً لها أهميتها في تكوين شخصية الطفل ، وبلورة مفاهيمه ، ومساعدته على التكيف مع المجتمع الذي يعيش فيه .  والقصة أحد هذه الفنون ، ولعلها أقدم فن أدبي عرفه الإنسان منذ العهود الموغلة في القدم حيث وجدت في معظم الآداب القديمة ، وتحتل في الوقت الحاضر مركزاً مهماً في الأب الحديث ، وقد انتقلت القصص بسبب انتقال الحضارات ، فنجد قصصاً متشابهة في حضارات مختلفة ، وهذا سببه تمازج الشعوب والحضارات . (مفتاح دياب ، 1995 : 141)

 

فالقصة شكل فني من أشكال الأدب الشيق ، فيه جمال ومتعة ، وله عشاقه الذين ينتقلون في رحابة الشاسعة الفسيحة على جناح الخيال ، فيطوفون بعوالم بديعة فاتنة ، أو عجيبة مذهلة ، أو غامضة تبهر الألباب وتحبس الأنفاس، ويلتفون بألوان من البشر والكائنات والأحداث تجري وتتابع ، وتتألف وتتقارب ، وتفترق وتتشابك في اتساق عجيب وبراعة تضفي عليها روعة آسرة وتشويقاً طاغياً ، هي لهذا من أحب ألوان الأدب إلى القراء ؛ ومن أقربها إلى نفوسهم . (إيمان بقاعي ، 2000 : 119)

 

وتعرف القصة على أنها ”فن من فنون الأدب له خصائص وعناصر بنائة التي من خلالها يتعلم الطفل فن الحياة“. (هدى قناوي ، 1990 : 141)  والقصة من الفنون القديمة ، التي وجدت في أدب الأطفال ، عرفت منذ أن وجد أدب موجه للطفل ، أو أدب قراءة الأطفال واستمتعوا به منذ أكثر من ثلاثة  قرن ، ولعل القصص التي يطلق عليها الآن "روائع أدب الأطفال" ، أو "روائع قصص الأطفال" دليل كاف على ذلك ، ولا تزال القصة تحتل المرتبة الأولى في الإنتاج الفكري الموجه للأطفال على اختلاف أعمارهم وباختلاف لغاتهم ، ويرى بعض الخبراء أن استمتاع الطفل بالقصة يبدأ منذ الوقت الذي يستطيع فيه الطفل فهم ما يحيط به من حوادث ، وما يذكر له من أخبار ، وذلك في أواخر السنة الثالثة من عمره ، فهو على صغر سنه ينصت للقصة القصيرة التي تناسبه ، ويشغف بسماعها ويطلب المزيد منها .  (مفتاح دياب ، 1995 : 142)

 

وعلى هذا الأساس تعتبر القصة أكثر الأنواع الأدبية انتشاراً وشيوعاً بين الأطفال ، وأشدها جاذبية لهم ، ولا يمكن تصور الطفل دون أن نتخيله مع لعبة يلعب بها ، وحكاية يستمع إليها ، أو قصة يقرئها في كتاب ، أو يشاهد أحداثها في الإذاعة المرئية ، يعيش أحداثها ، وينفعل بها فرحاً أو حزناً ، غضباً أو رضاً ، أمناً أو خوفاً ، وإذا كان الطفل مشبعاً بعنصر الخيال ، مزوداً بالقدرة على التجسيد ، فإنه يرافق أبطاله يطوف معهم العالم ، ويذهب إلى حيث يذهبن، ويغامر معهم إن كانوا يغامرون ، ومن كل ذلك يشبع خياله الإيهامي ، وتزداد خبراته .

 

وفي هذا الصدد تذكر عزة خليل (1997: 41-42) أن القصة تعد من الأنشطة المحببة للأطفال ، والقريبة من نفوسهم ، فكل الأطفال لديهم ميل طبيعي للاستماع للقصص بانتباه لذلك فهي وسيلة عظيمة النفع تتيح للأطفال الاستماع للغة جيدة ومرئية ، ويمكن من خلالها أن يثري الأطفال محصولهم اللغوي إضافة إلى تعرفهم على تراكيب لغوية مختلفة ومتنوعة ، فمن الضروري أن تكون القصة من الأنشطة الأساسية واليومية في مناهج رياض الأطفال .

 

فمن خلال القصة يستخلص الأطفال العبرة والمفهوم والسلوك المرغوب فيه اجتماعياً بطريقة شيقة تخلو من الأمر والنهي . (هدى الناشف ، 1997 : 55)  فالقصة تعمل على توسيع خيالات الطفل إلى أبعد من الواقع ، كذلك تشجيع ميوله الاستقلالية والإبداعية . (جليل شكور ، 1994 : 61-62)

 

وقد قدم مركز التعليم المتعدد الوسائط (1998) مجموعة من التوصيات منها أن الأطفال يستطيعون أن يقصوا القصص ، فهم يخترعون قصصاً طويلة عن الأسود والقواقع ، ويعيدوا سرد المغامرات التي وصفتها المعلمة ، ويحكوا عن العالم الذي يعيشون فيه ، ومن خلال عملية السرد هذه ، فإن الأطفال يتطورون وينمو خيالهم ، وهذا بالتالي يساعد على بناء شخصياتهم ، لأن عملية سرد القصة تعتبر متممة لعملية خلق الذات والإبداع . (مجدي عبد الكريم ، 2000 "ب" : 153-154)

 

وقد انتشرت القصة بين الأطفال في عصرنا الحديث انتشاراً واسعاً عن طريق الكتاب ، والإذاعة المسموعة والمرئية ، والمسرح ، والسينما ، وهي وسائط ذات فاعلية كبرى في أداء رسالتها إليها بانتقال الثقافات والترجمات ، ومن أجل ذلك أصبحت القصة ذات أبعاد لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة ذاتها ، وذات تأثير كبير بين الأطفال .  ومن هنا تكمن أهميتها بين الأجناس الأدبية في أدب الأطفال . (علي الحديدي ، 1991 : 176-177)

 

فالأطفال ينجذبون إليها ، ويستمتعون بها ، ويجذبهم ما فيها من أفكار وأخيلة ، فإذا أضيف إلى هذا كله سرد جميل وحوار ممتع كانت القصة قطعة من الفن الرفيع محببة للأطفال ، والقصة فوق ذلك تستثير اهتمامات الأطفال ، فعن طريقها يعرف الطفل الخير والشر ، فينجذب إلى الخير ، وينأى عن الشر ، والقصة تزود الطفل بالمعلومات ، وتعرفه الصحيح من الخطأ ، وتنمي حصيلته اللغوية ، وتزيد من قدرته في السيطرة على اللغة ، وتنمي معرفته بالماضي والحاضر ، وتهيئ له المستقبل ، وتنمي لديه مهارات التذوق الأدبي .  (حسن شحاتة ، 1994 : 26)

 

وحيث إن لكل عمل فني قواعد وأصول ومقومات فنية ، فالقصة بالتالي لها عناصر ومقومات أساسية إذا ما اكتملت تلك العناصر تصبح لوناً أدبياً شائعاً هادفاً .

عناصر ومقومات القصة :

أي عمل قصصي سواء كان موجهاً للأطفال أم للكبار لا يستوي ولا يكون ذات قيمة إلا إذا توفرت فيه عوامل أو عناصر أساسية معينة ، أو ما يسمى بالمقومات الأساسية للقصة ، وهي التي يمكن اتخاذها في كثير من الأحيان معايير للحكم على القصة ، وتقدر قيمتها ، ومن بين هذه المقومات الأساسية للقصة ما يلي :

1. الموضوع أو الفكرة الرئيسة :

هي التي تجرى أحداث القصة في إطارها ، وحسن اختيار هذه الفكرة يمثل الخطوة الأولى في طريق وضع قصة ناجحة ، ومن المهم جداً أن يتوفر للكاتب وضوح تصوري كامل لفكرة قصته ، لأن هذا يمثل الأساس الذي ستبنى عليه مختلف العمليات الفنية الأخرى . (سميح أبو مغلي ، 1992  :51)

 

ومن حيث اختيار الموضوع أو الفكرة الرئيسة لقصة الطفل يجب اختيار الموضوعات التي تتناسب مع الأطفال من حيث الخصائص التي تميز الطفولة في كل مرحلة من مراحلها المختلفة ، الخصائص النفسية ، والعاطفية ، والعقلية ، ... الخ ، وأن يكون الموضوع الذي تتناوله القصة موضوعاً قيماً وجديراً بأن يقدم للأطفال .  ويرى البعض أن أفضل ما يقدم للأطفال من القصص ، قصص تنطوي أحداثها على حقائق تستحق أن تخلد وتلهم الحياة الشعورية الداخلية للإنسان ، وهي تلك التي لا ينمي في الأطفال العواطف الحمقاء ، أو الشعور الواهي ، بل تكوِّن فيهم دقة الشعور ورقة الإحساس ، وهذه القصص يمكن أن تعمل على مساعدة الأطفال في فهم العواطف والمشاعر الإنسانية والمشاركة فيها ، وتزودهم بقيمة احترام الحياة الإنسانية وتقديرها ، ومن ثم تقدير حياة المخلوقات الأخرى ، والابتعاد عن احتقار الأشياء الغامضة في الإنسان ، أو بقية المخلوقات . (علي الحديدي ، 1973 : 120-121)

2. البناء والحبكة :

بعد أن تتضح الفكرة في ذهن الكاتب ، عليه أن يضع سلسلة من الوقائع والحوادث تكون بنية القصة ، بحيث تكون بطريقة مقنعة ، ومرتبطة ارتباطاً منطقياً ، يجعل من مجموعها وحدة متماسكة الأجزاء ، وهناك صورتان رئيستان لبناء الحبكة القصصية ، وهما :

 

أ‌.   صورة البناء : وفيها تعتمد وحدة السرد على شخصية البطل الذي تبلور حوله الحوادث  بحيث يمثل العمود الفقري الذي يربط بين أجزاء القصة ، ويدخل في هذا النوع قصص المغامرات ، تحدث فيها الوقائع وتلتقي الشخصيات وتفترق بلا وحدة عضوية واضحة .

ب‌. الصورة العضوية : فيها يرسم الكاتب تصميماً واضحاً لقصة ، ويهتم بجوانب القصة كافة ، ينظم الحوادث والشخصيات ، بحيث يؤدي كل منها دوره في مكانه المناسب لتؤدي كل خطوط القصة أحداثها إلى النهاية المرسومة . (سميح أبو مغلي ، 1992 : 52)

 

والحبكة الجيدة هي المنسوجة بعناية كبيرة ودقة ومهارة فائقة ، وتوفرت فيها عدة سمات ، كارتباط أحداث القصة وشخصياتها ، وما تقوم به من أعمال ارتباطاً منطقياً مقنعاً ، وأن تنتهي أحداث القصة إلى عقدة يشعر القارئ معها بالسعادة والرضا وهو يتابع حل هذه العقدة التي هي نهاية العمل القصصي ، على أن تكون الحبكة قابلة للتصديق وأصلية ومعقولة الوقوع وبسيطة ، فتحوي القصة مشكلة واحدة أو عقدة واحدة ، وعدداً محدوداً من الشخصيات التي تعمل لوضع حل لهذه المشكلة أو العقدة ، لأنه ليس للطفل إدراك كاف يمكنه من متابعة أكثر من مشكلة أو عقدة في العمل القصصي الواحد ، وهو لا يقدر على فهم القصة المركبة ، أو أن يرجع إلى أحداث وذكريات حدثت في العصور القديمة زماناً ومكاناً . (إيمان بقاعي ، 2000 : 121-121)

3. السرد :

وبعد أن تتضح الفكرة والحبكة ، ومجموعة الحوادث والوقائع اللازمة لبناء القصة ، فإن على الكاتب أن ينقل هذا إلى صورة لغوية فنية مناسبة ، وله أن يختار بين عدة طرق . (سميح أبو مغلي ، 1992 : 52)

 

‌أ.       الطريقة المباشرة : ويتولى فيها الكاتب عملية السرد بعد أن يتخذ لنفسه موقعاً خارج أحداث القصة .

‌ب.  طريقة السرد الذاتي : وفيها يكتب المؤلف على لسان أحد  الشخصيات .

‌ج.  طريقة الوثائق : وفيها يقدم المؤلف القصة عن طريق عرض مجموعة من الخطابات أو اليوميات أو الوثائق المختلفة .

 

ومهما كانت الطريقة يجب أن يكون الكاتب بارعاً في أسلوبه ، مؤثراً في نفس قارئه ، حيوياً ، صادقاً ، مشرقاً ، منطلقاً ، ولابد وأن لكل إنسان أسلوبه الخاص المميز ، وفي كل الأحوال على المؤلف أن يبتعد عن الأسلوب الخطابي المباشر في تقديم الأفكار والتجارب والمعلومات المختلفة . (إيمان بقاعي ، 2000 : 122)

4. الشخصيات :

هم الذين يقومون بالأعمال والأحداث في القصة ، والقارئ بحاجة إلى أن يرى الشخصية أمامه حية ، أو مجسمة واقعية ، وأن يسمعها تتكلم بصدق وحرارة وإخلاص ، وهي نوعان : (سميح أبو مغلي ، 1992 : 52)

 

أ‌.   شخصيات نامية : وهي الشخصيات المتفاعلة مع الأحداث ، فتتطور من موقف لآخر ، وتتغير تصرفاتها تبعاً لتغير المواقف والظروف ، ومثل هذا النوع حي ومؤثر في القارئ .

ب‌. شخصيات ثابتة : وهي التي لا تتأثر بالأحداث ، ولا تنمو أو تتطور بفعل الحوادث ، بل تظهر دون أي تغيير أو تطور في سلوكها أو فكرها.

 

ففي كثير من القصص تنمو الشخصيات وتتغير نتيجة لما يحدث   لهم ، إلا أنه من الصعب جعل شخصيات القصة تتغير في الكتاب الموجه للأطفال الصغار ، وذلك بسبب أن هذه القصص في العادة قصيرة ، ولا تتحمل شخصياتها عملية التغيير ، أو النمو الذي ينتج عن مجموعة من الحوادث والعناصر التي تحتاج إلى وقت طويل . (Joon, I., 1981: 11)

 

والمطلوب في قصص الأطفال أن تكون الشخصيات واضحة ، وأن لا يزيد عددها عن مستوى قدرة الطفل على التذكر والاستيعاب ، وإذا كانت الشخصيات واضحة في أفعالها وتصرفاتها ، ومقنعة للقارئ الصغير ، فإنها تبقى في ذاكرته ، فيعرف عنها الشيء الكثير ، ما تحبه هذه الشخصيات وما تكرهه ، وكيف تتصرف في مواقف معينة ، وما هي خصوصيات هذه الشخصية أو تلك ... الخ . (مفتاح دياب ، 1995 : 149)

5. بيئتا الزمان والمكان :

البيئة هي الوسط الطبيعي التي تجرى في إطاره أحداث القصة ، وتتحرك فيه شخصياتها ، فحوادث القصة حدثت في زمان ومكان لهما خصائصهما ومؤثراتهما . (سميح أبو مغلي ، 1992 : 53) ومن الأمور المطلوبة فيما يتعلق ببيئة القصة الزمانية والمكانية أن هذه البيئة يجب أن تكون أصلية (كقصص السير والتراجم) .  أما الخيالية فيمكن أن تكون البيئة يختارها المؤلف (يمكن أن تكون خيال علمي مستقبلي) مثلاً ، ويجب أن تعطي القصة شعوراً صادقاً .  

 

إن مراعاة ظرف الزمان والمكان أمر حيوي وجوهري ، فحوادث القصة ووقائعها حدثت في زمان معين ومكان خاص ، وهذا يفرض عليها أيضاً أن تراعي خصائص كل منها من حيث البيئة المكانية وما فيها ، وعادات الناس وتقاليدهم وأساليبهم في  التعامل ، وما إلى ذلك . (إيمان بقاعي ، 2000 : 121-122)

6. الحل :

هو ما تنتهي به العقدة ، ولكل قصة حل ، وإن كان بعض الكتاب لا يهتمون بالحل ، ويرون أن قوانين الحياة وأعمالها متجددة باستمرار .

7. المغزى :

أن يكون للقصة هدف إنساني نبيل ، وهناك عنصر الحوار ، وهو يستعمل في تطوير الحوادث ، ورفع الحجب عن عواطف الشخصية وأحاسيسها ، وشعورها الباطن تجاه الأحداث . (سميح أبو مغلي ، 1992 : 53)

أهداف قصص الأطفال :

تحمل القصص الموجهة للأطفال أهدافاً مختلفة ومتنوعة ، فقد تكون هذه القصص ذات هدف تربوي تعليمي ، أو قد تكون لهدف إكساب الأطفال المعلومات والحقائق والمعارف ، أو قد تكون لهدف التسلية والترفيه والترويح ، أو ربما يكون هدفها الوعظ والإرشاد والتوجيه ، أو غير ذلك من الأهداف الأخرى التي يرى كاتب القصة أنها ذات أهمية في حياة الطفل ، ومن ثم يستخدم القصة لغرسها في نفوس الأطفال .

 

ويمكن القول بأنه مهما كان هدف القصص المقدمة للطفل ، فإن هذه القصص يمكن أن تقدم للأطفال أشياء عن الماضي البعيد ، ويمكن أن تمده بخبرات وتجارب من الحاضر ، وتعدهم لخبرات المستقبل ، وتعمل على مساعدتهم في تنمية المعرفة والفهم وتكوين القيم والمعتقدات والآراء الفردية لكل طفل منهم ، ويمكن أيضاً أن تمنح القصة الطفل معرفته بنفسه ، وتساعده على إنماء علاقته وفهمه لغيره من الناس الذين يعيشون معه في بيئته . (Shelia Ray, 1979: 38)

 

وتلعب القصة أهدافاً تربوية في حياة الأطفال ، فتكمن فيما يلي : (إسماعيل عبد الفتاح ، 2000: 49-50)

 

  • تنمية لغة الأطفال سماعاً وتحدثاً ، قراءة وكتابة ، وزيادة في الثروة اللغوية لديهم .
  • تزويد الأطفال بالمعلومات العامة والحقائق المختلفة عن المجتمع الذي يعيشون فيه ، وعن العالم من حولهم .
  • تزويدهم بالحقائق والقوانين العلمية ، وربطهم بالتطورات العلمية المختلفة ، كما في القصص العلمية .
  • تزويدهم بالقيم والفضائل ، وتنفيرهم من الرذائل والصفات المذمومة ، وتعويدهم احترام العادات والتقاليد والأعراف التي تسود المجتمع ، كما في القصص الاجتماعية .
  • تدعيم عقيدة الأطفال ، وإعطائهم فكرة واضحة عن الدين والوحدانية ، وربطهم بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، كما في القصص القرآني .
  • غرس حب الوطن في نفوس الأطفال ، والمحافظة على المرافق العامة للدولة ، والولاء لهما ، كما في قصص البطولات الحربية ، والقصص القومية .
  • تدريب الأطفال على التذكر ، وتركيز الانتباه والتخيل ، وربط الحوادث بالحياة العامة ، والقدرة على حل المشكلات التي تواجههم ، والحكم على الأمور ، وحسن التعليل والاستنتاج ، كما في قصص الألغاز ، والقصص العلمية ، وقصص الخيال العلمي ، وغيرها .
  • تنمية التذوق الأدبي لدى الأطفال بتقدير المعاني والأخيلة والأساليب الأدبية الجميلة ، والكشف عن الموهوبين منهم .
  • تمكين الأطفال من شغل أوقات فراغهم فيما هو مفيد ومسل ، والقضاء على الملل والسأم الذي يصيبهم ، وتنمية حب القراءة والإطلاع .  
  • تزويد الأطفال بالعادات الصحية السليمة التي تمكنهم من النمو الجسدي السليم .

كذلك يرى رشدي طعيمة (1998 : 46) أن لسرد القصة أهداف كثيرة نجملها فيما يلي :

 

1.  زيادة متعة الأطفال بالقصة ، ولعلنا نلاحظ الفرق بين حالة طفل يقرأ القصة وطفل آخر يسمعها ، ومن شأن هذه المتعة أن تخلق في الحصة جواً منشطاً.

2.  مساعدة الطفل على فهم القصة ، وذلك بالإجابة على الأسئلة التي تعد له ، وشرح معاني الكلمات الصعبة مما لا يتيسر له أحياناً عند قراءته لها .

3.  خلق نوع من الصلة بين الطفل والراوي ، وهي بلا ريب صلة أقوى من تلك التي تنشأ بين القارئ والكاتب ، ولا يكمن سر اهتمام الطفل في مجرد سماعه للقصة ، وإنما يكمن في نشوء هذا النوع من العلاقة بينه وبين الراوي .

4.  يرتبط بهذه النقطة تكوين علاقة مودة بين المعلم (الراوي) والأطفال ، مما ينعكس أثره على العملية التربوية ككل ، فينتظم الطفل في الحضور ، ويتقبل عن رضى البقاء في الروضة ، بل يتشوق لكل نشاط .

  1. تسلية الطفل وتوفير جو مريح يهيئه لنوع هادئ عند رواية القصة في   البيت .

وفي هذا المجال أوردت هدى قناوي (1990 : 144) عديداً من الأهداف التي تسعى إليها قصص الأطفال منها :

  • تنمية خيال الطفل : حيث تتيح القصص للأطفال أن يطوفوا على أجنحة الخيال في شتى العوالم ، ويلتقون بأشخاص قد يشبهونهم ، أو قد يسعدهم التشبه بهم ، والأطفال في قصصهم قد يلتقون بأقزام وعمالقة وجبابرة وأبطال ومخلوقات في منتهى الغرابة ، منها ما هو وديع كل الوداعة ، أو مفترس تنطلق من عيونه الشرور أو منقرض أصبح أثر ، أو لم يكن له وجود إلا في الخيال ، وبذلك يتخطى الأطفال في قصصهم أبعاد الزمان والمكان ، فيجدون أنفسهم في يومهم هذا أو يجدونها في عصور غابرة ، أو عصور لم تأت بعد ، ويقفون عند حوادث حدثت بالأمس ، أوقد تحدث   غداً ، أو قد لا تحدث مطلقاً .

 

ومن هنا فهم يتعرفون على قيم وأفكار وحقائق جديدة تمتعهم وتوقظ في أذهانهم مختلف الأحاسيس ، كما تثير تفكيرهم ، غير أن الطفل مع ذلك لا يظل كائناً سلبياً فقط بالاستماع إلى القصص ، فهو ما يلبث أن يشارك بدوره في عملية الإبداع في السن المبكرة في القصص التي تدل على سعة خياله ، والتي قد يعتبرها بعض الراشدين كذباً يلجأ إليه الطفل الخبيث ، دون أن يدرك الفاصل بينهما بحكم مرحلة نمائه .

  • تنمية العواطف والانفعالات : القصص التي تدور حول أفكار وشخصيات وحوادث خارجة عن نطاق الخبرة الشخصية للطفل ، تعتبر مصدراً مهماً لتنمية انفعالاته ، فالطفل اليتيم قد يكون متعطشاً للاستماع إلى القصص التي تمنحه فكرة واضحة عن الآباء وما يفعلون ، والطفل الذي يتشاجر والده مع والدته دائماً ، وتكون حياته المنزلية مشحونة بالتوتر ، وينقصها الاستقرار ، قد يكتشف من خلال القصص التي يسمعها أو يقرؤها أن ثمة أسر تعيش في طمأنينة ، وتسود بين أفرادها علاقات طيبة ، وأن هناك طرقاً أخرى لمواجهة المشكلات غير المشاجرات ، وخلق الأجواء المتوترة التي يعاني هو منها في بيته ، وفي أثناء سماع هذا الطفل للقصص ، أو عند قراءته  لها ، قد يجد خبرات تعوضه عما يتعرض له في بيئته من كبت وتوترات ، كما يجد فيها ما يرضي حاجاته النفسية الملحة .

 

 

أنواع قصص الأطفال :

تتعدد أنواع قصص الأطفال إلى درجة يصعب أحياناً حصرها ، ولقد أمكن لنا حصر ما يربو على أربعين نوعاً من قصص الأطفال ، هي : القصص الاجتماعية ، قصص الجريمة ، قصص الحرب والعدوان ، القصص التاريخية ، قصص الجاسوسية ، القصص الهزلية ، القصص العلمية ، قصص الألعاب الرياضية ، قصص الحيوانات ، قصص البطولة ، القصص الرمزية ،  الطرائف ، القصص البوليسية ، القصص الواقعية ، قصص المقاومة ، القصص الدينية ، قصص الرجل الخارق للطبيعة ، الغرائب ، القصص الأسطورية ، قصص المخترعات والعلماء ، القصص الخرافية ، الحكايات الشعبية ، المغامرات ، السيرة الذاتية ، القصص العاطفية ، قصص رعاة البقر ، قصص حياة المستقبل ، القصص الوطنية ، مغامرات الأطفال ، القصص الخيالية ، قصص الجان ، قصص المهارات ، القصص السياسية ، قصص الألغاز ، القصص التعليمية ، القصص السياحية ، الأمثال والحكم ، قصص المثل العليا ، قصص الجماد ، النوادر ، القصص الوصفية ، قصص الرحلات . (رشدي طعيمة ، 1998 : 42)

 

وهناك تصنيف آخر للقصص حسب درجة اهتمامها بكل عنصر من عناصر الفن القصصي ، ومنها :

 

1.  قصص الحادثة أو القصص السردية : وهي التي تعنى بسرد الحادثة ، وتوجه اهتمامها الأكبر إلى عنصر (الحركة) ، بينما لا يحظى منها رسم الشخصيات برسم مسار ، والحركة (Action) نوعان : عضوية وذهنية ، العضوية تتحقق في الحوادث المختلفة ، وفي سلوك الشخصيات ، وعلى هذا فهي تجسيم للحركة الذهنية التي تتمثل في تطور الفكرة الرئيسة نحو هدف القصة .

  1. قصة الشخصية : توجه اهتمامها الأكبر للشخصية وما تتعرض له من مواقف .
  2. قصة الفكرة : توجه اهتمامها إلى الفكرة ، ويأتي دور السرد ورسم الشخصيات في درجة تالية من الأهمية .

 

وهناك تقسيم آخر لأنواع القصص من وجهة نظر مكتبية وهي : القصص العلمية ، القصص الاجتماعية ، القصص الدينية ، القصص التاريخية ، القصص الجغرافية ، القصص الواقعية ، قصص البطولة والمغامرات ، القصص الخيالية ، القصص الشعبية والأساطير ، القصص الفكاهية ، القصص البوليسية ، وإن كان الكثير من النقاد يُخرج القصص البوليسية من دائرة   الأدب ، ويعتبرها جريمة في حق الطفولة .(إيمان بقاعي، 2000: 123-124)

 

بينما تقسم مواهب عياد (1996 : 28-29) قصص الأطفال إلى الأنواع التالية :

 

1.  قصص ألعاب الأصابع : وهي قصص صغيرة تقدم عادة للأطفال الذين تبلغ أعمارهم (2-4) سنوات ، ويستخدم عند إلقائها اليد وأصابع اليد ، مع ترديد كلمات منغمة ، وتهدف هذه القصص إلى الربط بين حركة الأصابع واليدين واللفظ المنطوق ، هذا الترابط يتيح للأطفال شيئاً فشيئاً الوعي ، الانتباه ، الدقة ، الربط بين الحركة وإيقاع كلماته في الجملة التي ينطقها ، كذلك يساعد هذا النوع من القصص على تثبيت كلمات الأنشودة في ذاكرة الطفل ، كما تساعد على تجاوز صعوبات النطق وطلاقة التعبير .

2.  القصص الهزلية : يتميز هذا النوع بأنها تضخم العيوب لإثارة الضحك ، وتتضمن التكرار كعنصر هام من عناصرها ، وهي تضم أحياناً مواعظ خلقية يمكن تطبيقها في المواقف الحياتية .  قيمتها التربوية تتركز في إمتاع الأطفال ، والترويح عن النفس ، والتنفيس عن الضغوط التي تحيط بالطفل .

3.  القصص العلمية : تتضمن هذه القصص بعض الحقائق والمعلومات عن الحيوان أو النبات ، وبعض المظاهر من الطبيعة والنواحي الجغرافية ، وغيرها بصورة مبسطة ، وذلك بهدف إثارة اهتمام الأطفال العلمي ، بالإضافة إلى تزويدهم بالثقافة العلمية والدينية بطريقة شيقة .

4.  القصص التاريخية : تنمي تلك القصص إدراك الطفل بالأحداث الماضية ، وتقرب شخصياتها إلى الأذهان ، وتقوي فيهم روابط الانتماء والوعي بصلات المواطنة ، فالقصص الوطنية تثير كبرياء الأطفال الوطني بتوجيههم ولفت أنظارهم إلى أفعال تحتاج إلى إعلاء وتسامي ونكران   الذات ، وتضحية وجهد لتحقيقها ، مثال ذلك قصة بلال مؤذن الرسول r .

  1. الفولكلور الشعبي : يتمثل فيما تتناقله الأسر والشعوب من قصص شفوياً ، وأمثلته : كليلة ودمنة ، ألف ليلة وليلة .

6.  القصص الدينية : ويشمل قصص القرآن الكريم ، وسير الأنبياء والرسل والخلفاء الراشدين ، والأبطال الخالدين الذين دافعوا عن قضية الدين ، ويهدف هذا النوع إلى بث تعاليم الدين ، حيث يجد الطفل الموعظة الحسنة والمثل الأعلى .

7.  قصص الساحرات : ويقصد بها الحكايات الخيالية ، وقصص المغامرات ، مثل مصباح علاء الدين ، وعلي بابا ، وبساط الريح ، وتقدم بعض تلك القصص بعض القوانين الأخلاقية .

 

كما تؤكد دراسة أحمد عمران (1998) على أهمية قصص الخيال العلمي للأطفال ، ويطلق البعض على قصص الخيال العلمي قصص المعرفة ، إذ أنها تهتم بالمعرفة المعاصرة ، وامتدادها إلى المستقبل ، وأثرها على السلوك الإنساني ، ويمكن من خلال قصص الخيال العلمي تعريف الأطفال بأهم المستجدات والمفاهيم العلمية والمعارف ، خاصة ونحن نتطلع إلى قرن جديد بكل ما يحمله من متغيرات .

 

وقد تجمع القصة بين نوعين أو أكثر ، فتكون القصة واقعية فكاهية ، أو من قصص الإيهام والحيوان والفكاهة في وقت واحد ، أو قد تكون مغامرات تاريخية وطنية ، ... الخ .

معايير القصص المحببة للأطفال :

إن الأطفال يحبون القصص لأنها تحقق تآلفاً عجيباً بين مجموعة من الخصائص والاعتبارات بصورة فريدة لا نظير لها ، فهي تتفق مع خصائصهم النفسية ، فتشبع خيال التوهم عندهم بما تقدمه من قصص الخيال الإيهامي وقصص الحيوان ، وتسبح معهم على جناح الخيال الحر إلى عوامل ساحرة خلابة ، فيها الطرائف والغرائب ، وفيها الأحداث الشائعة التي تأخذ بمجامع القلوب ، حيث تعيش الحوريات والجنيات وعرائس البحر ، والأقزام والعمالقة ، من أبطال قصص الخرافات والأساطير . (أحمد نجيب ، 1982 : 67)

 

حيث تشير عواطف إبراهيم (1983 : 8-18) إلى أن هناك سمات نفسية للطفل تساعده على تقبل وابتكار القصص ، منها ما يلي :

 

1.  إحيائية المادة والأشياء : فالسنوات الأولى من الميلاد يضفي الطفل حياة على الأشياء والأشخاص من حوله ، ويضفي عليها نفس المشاعر والأحاسيس التي يحس بها ، وسمات شخصية أيضاً ، وأول شيء يدل على ذلك اللعب الإيهامي .

2.  السمة التركيبية لتفكير الأطفال : الطفل يربط بين أشياء وأحداث لا توجد بينها علاقة منطقية في دنيا الواقع ، إما لإثارتها مشاعر متشابهة في نفسه ، أو لتلازم ظهورها أمامه .

3.  وجدانات الطفل عارمة : فالطفل يدرك الأشياء ويصنفها تبعاً لمبدأ اللذة والسعادة التي تثيرها في نفسه ، أو مبدأ الألم والحسرة والملل الذي تسببها له .

كما ترى هدى قناوي (1990 : 129-130) أن الطفل يحب في هذه السن القصص التي يسخر فيها الإنسان الحيوانات والآلات لخدمته ، ويجدر أن تكون هذه الأشياء ، والشخصيات ، حتى الجماد فيها متكلمة ، وذات أصوات وحركات ، لأن الطفل في هذه المرحلة يهتم بالحركة القصصية ، ويريد أن يعرف كيف يتصرف الإنسان أو الحيوان في موقف ما خلال أحداث القصة .

 

إن إعطاء الشخصيات صفة الحركة والصوت ، بالإضافة إلى الألوان الزاهية ، فيه إشباع لاحتياجات هذه المرحلة ، وتتناسب مع خصائصها ، وتقريب للمعرفة وحب الاستطلاع الذي يسيطر على الطفل في هذه المرحلة ، ويتناسب مع خاصية الإيهام التي تسيطر على هذه السن ، حيث يحب الطفل اللعب الإيهامي في هذه الفترة ، ويميل إلى الاعتقاد الوهمي بأن الجماد يتكلم ويحس ويرى ويسمع ... الخ .  فالطفل يحب أيضاً القصص التي تصور الآباء الطيبين العطوفين ، الذين يفعلون الخير والصواب ، لأن من أهم احتياجاتهم في هذه المرحلة الحاجة إلى الأمان في صدر أم حنونة وأب قوي ، يستطيعان حماية الطفل ، وإسباغ حبهم وحنانهم على أطفالهم .

 

كما أنه من أحب القصص للأطفال في هذه المرحلة أيضاً قصص الأمهات بكل أنشطتهن المنزلية ، وتشجيعهن لأطفالهن ، ... الخ ، وقصص الآباء خارج المنزل بكل الأنشطة الماهرة والشجاعة والجراءة التي يقومون   بها ، ثم الأحداث التي يأخذ الأطفال فيها أدواراً معينة ، سواء في المنزل ، أو خارجه ، كالحفلات والنزهات والرحلات ، كما أنهم يحبون أيضاً القصص التي تقدم لهم المغامرات والبطولات التي تستهويهم وتشدهم إليها ، سواء أكانت هذه القصص تدور حول تاريخ الأبطال وسير العظماء ، أو كانت من قصص المغامرات البوليسية ، أو قصص الرجل الخارق ، أو غير هذا مما يتفق مع تقديرهم الواضح للبطولة والأبطال ، وبخاصة في مرحلة الطفولة المتأخرة .

 

والقصص بما تقدمه من شخصيات محسوسة مألوفة لدى الطفل وبما تعرضه من صور حسية للأحداث المختلفة ، تتفق مع طريقة الأطفال في  التفكير ، ويزيد من دعم هذا ما يصحب القصص المقدمة عن طريق الإذاعة من مؤثرات صوتية وموسيقية تجسم خيالات الطفل القوية ، فكأنه يسمع الحيوانات والطيور وشخصيات القصة تتحدث إليه بأصواتها الحقيقية وسط أحداث القصة الشائقة .   

 

كما يزيد من دعمه في القصص المطبوعة ما يصحبها من ألوان  وصور ، قد تكون مجسمة أو متحركة ، أو مصحوبة باسطوانات أو أشرطة مسجلة ، تزيد من عمق إحساس الطفل بالقصة ، مع إشراك أكثر من حاسة عندما يرى بعينيه الكتاب ، ويسمع بأذنيه الأسطوانة أو الشريط .  كما يزيد من دعمه بالنسبة للقصص التليفزيونية وما يصحب الصوت فيها من صور متحركة تعينه على أن يرى القصة وأحداثها وأبطالها ، ويعيش معهم بعينيه وآذانه في آن واحد .  وكل هذه المشوقات والمعزيات تزيد من اندماج الطفل أثناء قراءته لقصة ، أو لسماعه لها ، أو مشاهدته إياها ، وبالتالي تزيد من إقباله عليها وحبه لها . 

 

والأطفال يحبون القصص أيضاً لأنها تتفق مع دوافعهم ، وتشبع  حاجاتهم ، ومن ذلك الحاجة إلى الاستطلاع ، وهي دافع فطري من أقوى الدوافع لدى الإنسان ، والقصة تشبع هذا الدافع بما تقدمه للطفل من معلومات وخبرات ومعارف مختلفة متنوعة ، تشمل ما يحيط بالطفل في بيئته المحددة وما حولها ، كما تشمل أحوال الناس في الحاضر والماضي في مختلف البلدان والبيئات على مر العصور ، وأساليب حياتهم وطرق تعاملهم ، وما في الكون من غرائب وطرائف ، وما في البيئات المختلفة من أنواع الحيوان والنبات وعجائب المخلوقات ، وما إلى ذلك مما تزخر به القصص ، وبخاصة ما كان معداً إعداداً جيداً يناسب الأطفال .

 

وإشباع هذا الدافع القوي إلى الاستطلاع يساعد إلى درجة كبيرة على إشباع حاجة الطفل إلى الأمن ، لأن المعرفة التي يستمدها الطفل من إشباعه لدافع الاستطلاع ستساعده على التعرف على بيئته بأشخاصها وحيواناتها ومعالمها ومؤسساتها وأساليب الحياة فيها ، بهذا يزول قدر كبير من الغموض الذي يحيط به ، ومن المجهول الغامض الذي يعتبر من عوامل زعزعة أمنه .

 

والإنسان لديه حاجتان نفسيتان مكتسبتان ترتبطان بدافع الأمن الفطري ، هما الحاجة إلى التقدير الاجتماعي ، والحاجة إلى الانتماء .  والمعرفة التي يكتسبها الطفل من قراءة القصص ، تلك المعرفة التي تعينه على التعرف على الحياة والناس والمجتمع ، وأساليب التعامل ، وما إلى ذلك ، تقدم له أنماطاً من الأدوار التي يقوم بها الناس في الحياة ، وتوضح له من خلال أحداث القصة مدى ما يناله كل دور من تقدير المجتمع ، وهذا يساعد الطفل على تحسس سبيله للوصول إلى الدور الذي يحقق له التقدير الاجتماعي المنشود في المجتمع الذي يعيش فيه .

 

كما أن عمليات التقليد والمحاكاة والاستهواء ، والتي تجد لها في القصص مجالات واسعة ، تساعد الأطفال على التكيف مع المجتمع ، والشعور بالانتماء إليه ، مما يساعد على تعميق الشعور بالأمن والطمأنينة .  وبالإضافة إلى هذا فإن الأطفال يحبون القصص لأنها تساعد على تخفيف توتراتهم   النفسية ، لتعود بهم إلى حالة التوازن النفسي التي يسعى إليها الكائن الحي بشتى الأساليب والطرق ، فإنه من خلال اندماج الأطفال في العمل الأدبي ، وتقمص شخصية البطل ، والوصول معه إلى حالة التعاطف الدرامي العميق ، يمكن أن يتم خفض التوترات النفسية لدى الأطفال ، والاقتراب بهم إلى حالة التوازن النفسي . 

 

ويتصل بهذا أيضاً ما يمكن أن تحققه القصص التي تعرف بقصص الرأي والحيلة ، والتي يتغلب فيها البطل الصغير على عدو قوي كبير بالرأي والحيلة والذكاء وحسن التصرف ، ما يمكن أن تحققه هذه القصص من شعور بالراحة النفسية لدى المندمج المتقمص لشخصية البطل ، بعد أن وضع نفسه مكان البطل الصغير ، ووضع أي شخصية يكن لها كرها دفيناً ولا يقوى عليها في الحياة الواقعية مكان العدو القوي الكبير ، الذي لحقت به في القصة على يد البطل الصغير هزيمة نكراء بطريقة مقنعة ليس فيها افتعالاً ، لأنها مبنية على حيلة ورأي وذكاء . (أحمد نجيب ، 1982 : 68-71)

معايير اختيار قصص الأطفال :

هناك العديد من المعايير التي يتم في ضوئها اختيار القصص للأطفال ، ويمكن عرضها فيما يلي : (حسن شحاتة ، 1994 : 27-29)

 

  • لابد أن يكون للقصة التي تحكى للطفل عنوان تعرف به القصة ، يشتق من بيئة الطفل ، ويكون عنواناً حسياً لا تجريد فيه ، يحمل الفرح والمرح والبهجة ، لا التخويف والإزعاج .
  • الفكرة الجيدة عنصر أساسي لقصة يقبل الأطفال على الاستماع إليها ، وتشكل غاية ينتهي إليها الطفل مستمتعاً ؛ لذا وجب أن تكون للقصة فكرة ترمي إليها ، واضحة لا غموض فيها ، عميقة لا ساذجة ولا سطحية .
  • السير في القصة بأسلوب تام متدرج في الأحداث يساعد الطفل على التمكن من مهارة ترتيب الأحداث وتتابعها ، ولا داعي لتكرار أجزاء منها ، ولا داعي للوازم لغوية تصاحب عرضها ، لابد من تنويع الصوت ليتمثل المعنى والتأثير على الطفل المستمع لتشويقه وإفهامه وإثراء خياله .
  • التناول السريع الذي لا يعني بالتفصيل في عرض الأحداث والأماكن والشخصيات يتفق وطبيعة الطفل في اكتساب دقة الملاحظة والانتباه  والتركيز ، كما يساعده في اكتساب مفردات لغوية ، وصفات تثري معجمه اللغوي ، وتكسبه القدرة على الوصف والتعبير .
  • الاهتمام بالجوانب العلمية أمر ضروري في القصة ، وتشمل الجوانب العلمية المفاهيم والمعلومات والحقائق والثقافة العلمية السليمة والحديثة والوظيفية ، حتى تكون لديه اتجاهاً موجباً نحو العلم والعلماء .
  • إكساب الطفل اتجاهات مصاحبة بطريقة غير مباشرة أمر ضروري أثناء قراءة القصة أو حكاياتها للطفل ، وتشمل هذه الاتجاهات المصاحبة احترام آراء غيره ، ونسبية الحقائق ، واستخدام الأسلوب العلمي في حل  المشكلات .
  • الحوار هو الأحاديث المختلفة التي تتبادلها شخصيات القصة ، وهو عامل مهم في نجاح القصة ، لأنه عنصر رئيسي من عناصر البناء الفني في  القصة ، وهو يساعد في الإحساس بالمتعة ، ولذا وجب أن نخفف من عنصر السرد ، ونترك للحوارات فرصة واسعة عند حكاية القصص للأطفال .
  • الصراع في القصة المقدمة للطفل غالباً ما يكون بين الحيوانات والقوى المادية والقوى الروحية ، والصراع هو شكل من أشكال النضال والمقاومة يدور بين الخير والشر ، وينتصر فيه الخير ، ويأخذ شكلاً واحداً في   القصة ، ولابد من تأكيد انتصار الخير وتحبيذه لدى الأطفال .
  • الشخصيات في القصة التي تقدم للأطفال هي الحيوانات والطيور ، أو الأطفال ، أو قوى غير منظورة ، ويجب أن تتسم بالوضوح في تصرفاتها وملامحها ، لا تناقض في سلوكها النامي ، ويجب الاهتمام بالشخصيات المحورية والثانوية على حد سواء ، لأن الطفل يتوحد معها في أغلب الأحيان .
  • النهاية هي الشكل الفني الذي يختتم به القصة ، والطفل يجب أن يستمع إلى نهاية سارة سعيدة مبهجة مرحة ، فلا تؤذي مشاعره وأحاسيسه بنهاية مؤلمة أو غير سارة ، ويمكن أن تترك القصة دون أن تقدم  حلاً جاهزاً ، بل تتركه يفكر ويستنتج بنفسه ، ويعمل عقله ومشاعره في الوصول إلى النهاية المناسبة .
  • الجو العام للقصة المقدمة للطفل هو ما يثيره في انطباعات وانفعالات   سارة ، وما تقدمه من مشاعر مثيرة للحب والتفاؤل والبهجة لدى الطفل ، فلا داعي لحكاية قصة تترك انطباعاً غير سار ، أولا تترك انطباعاً في نفوس الأطفال .

 

ويضيف فهيم مصطفى (2001 : 72-73) معايير اختيار القصة من حيث :

أ. المضمون :

  1. أن تكون أحداث القصة بسيطة ومصورة ، وأن تكون الصور كبيرة ؛ حيث إن الصور تعتبر لغة الطفل ، كما يجب أن تتميز الصور المتحركة بالحركة والنشاط والبهجة والألوان الزاهية .
  2. أن تكون القصة خالية من صور العنف ، على أن تتضمن السلوك والقيم الإيجابية بين المرغوب فيها .
  3. تتضمن القصة إجابات عن أسئلة الأطفال ، وعما يحدث أو يدور حولها في الحياة .
  4. تنمي في الطفل الخيال ، وتثير التفكير والرغبة في استكشاف الحقائق والمعلومات .
  5. يشكل الموضوع والصور والرسوم وحدة متكاملة داخل القصة ، أما الكلمات فتكون قليلة وموجهة للكبار لكي يساعدوا الأطفال على فهم واستيعاب المضمون .
  6. أن تكون الصور والرسوم كبيرة ، لأنه من الصعب على الطفل – في هذه المرحلة – أن يركز بصره لفترة طويلة على التفاصيل الدقيقة للصور .
  7. يجب أن يكون للصور دور في تحقيق المرح والسعادة ، وفي تنمية التخيل ، وتنشيط التفكير ، وتقريب مفهوم الكتاب للطفل ، وتكوين اتجاهات إيجابية ، وتقديم المعلومات الحسية والعلاقات المكانية ، والأطوال والأوزان والأحجام ، وإدراك العلاقات وتكامل الخبرة .

ب. الشكل :

  1. أن يكون غلاف القصة سميكاً وملوناً بألوان زاهية تجذب انتباه واهتمام الأطفال ، وتنمي الإحساس بالجمال لديهم .
  2. أن يكون نوع الورق جيداً وسميكاً ، بحيث يتحمل كثرة استخدام الأطفال للقصة .
  3. أن تكون حروف الطباعة ذات حجم كبير .
  4. تشتمل القصة على صور ورسوم للحيوانات والطيور والأطفال ، ونماذج من البيئة التي يعيشها الطفل .
  5. أن يكون عنوان القصة مناسباً لإدراك الطفل وموجزاً ومثيراً لانتباهه .
  6. قد تكون للقصة مزايا اللعبة ، وقد تقدم للطفل على شكل أجزاء  متحركة ، بحيث يستطيع الطفل أن يحركها بنفسه .
  7. قد يصاحب القصة شريطاً مسجل ليستمع إليه الأطفال في شرح مضمون كل صورة ، وما تعبر عنه من أحداث .
  8. قد تكون القصة على شكل حيوان أو طائر أو لعبة من اللعب التي يميل إليها الأطفال .

 

وتؤكد عواطف إبراهيم (1983 : 43-44) على ضرورة تجنب القصص المحزنة التي تثير الانفعالات القوية للأطفال ، وتجنب القصة التي تركز على سهولة الحياة أو سهولة النجاح بدون عمل ، وينبغي أن تتضمن القصة عنصر التكرار التراكمي الذي يثير بطبيعته متعة الصغار .

 

بينما يذكر (كمال الدين حسين ، 1999 "أ" : 73-75) أن هناك معايير تساعد المعلمة على اختيار القصة المناسبة للأطفال ، ومن أهم هذه المعايير :

 

  • مناسبة القصة لعمر الأطفال المستمعين ، فعلى سبيل المثال نجد أن الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة "رياض الأطفال" تناسبهم تلك القصص القصيرة التي تدور موضوعاتها حول العلاقات الأسرية ، وأبطالها من الحيوانات ، أو الأطفال ، كما أن القصص ذات المواقف المرحة الكوميدية تكون من أفضل الاختيارات ، أما القصص الخرافية التي تتحدث عن الشخصيات الخارقة والمغامرات ، فنجد القابلية لدى الأطفال من سن (6-10) سنوات وتجذب الأطفال أيضاًَ تلك القصص المنقولة عن الثقافات الأجنبية لما فيها من معارف جديدة مشوقة ، أما الأطفال الأكبر سناً فهم يتقبلون القصص الواقعية ، وقصص الأبطال ، وتلك القصص التي تتضمن نماذج شخصية إيجابية ، أيضاً تستهوي الأطفال في المراحل العمرية الأكبر سناً (10-12) عاماً قصص المغامرات والأساطير ، والسير الشعبية ، وحكايات ألف ليلة وليلة .
  • بالنسبة لبناء القصة وهو واحد من أهم محكات الاختيار ، فيفضل اختيار القصص ذات البدايات القوية المؤثرة ، لجذب انتباه جمهور الأطفال عن المستمعين .
  • يراعى أن يكون عدد شخصيات القصة محدوداً ، يتراوح بين ثلاثة أو أربع شخصيات ، حتى يتمكن الطفل من متابعتها ، ومتابعة مسار الحرف بها دون أي تشويش .
  • أن يكون الحوار طيباً وفي نفس مستوى القاموس اللغوي للطفل .

ثانياً : مسرح الأطفال (الدراما) :

الدراما شكل فني آخر من أشكال الأدب ، وهي لفظة مشتقة من اللغة اليونانية ، وتفيد بمعناها الحرفي الاشتقاقي (العمل أو الحركة) ، بيد أن معناها الاصطلاحي قد جعلها مرادفة – في كثير من الأحيان – لكلمة (المسرحية) . (أحمد نجيب ، 1991 : 87)

 

فالمسرحية فن من الفنون الأدبية التي عرفها الأدب العربي في العصر الحديث ، والمسرحية هي الصورة اللغوية التي تأخذ شكلها النهائي حين تؤدى على خشبة المسرح لكي يتلقاها الجمهور ، سواء أكان هذا الجمهور من الصغار أم الكبار .

 

ومسرح الطفل يهتم إلى جانب النشاط التمثيلي للأفراد ، سواء أكانوا صغاراً أم كباراً ، بمسرح العرائس وأشكاله المتعددة ، وكذلك المسرح الغنائي والمسرح التربوي . (هدى قناوي ، 1994 : 195)

 

وهي كالقصة تحتاج لفكرة موضوع ، ولسلسلة من الوقائع والأحداث والشخصيات ، ولكن ارتباطها بالمسرح يفرض عليها إطاراً درامياً خاصاً متميزاً يتحكم في تناول المؤلف لهذه العناصر ولغيرها من مقومات العمل المسرحي المتكامل .  فإذا كان الكاتب القصصي يستطيع أن يسهب ويستطرد ويرسم خطوط قصته في المدى الذي يريده ، فإن الكاتب المسرحي يذكر دائماً أنه مقيد بعامل الزمن ، حيث لا يستطيع أن يستبقي جمهور المتفرجين جلوساً في أماكنهم أمام خشبة المسرح إلا وقتاً محدوداً ، وإذا كان الكاتب القصصي يستطيع أن يرسم شخصياته كما يهوى برفق وهوادة وتعمق ، مقدماً لقارئه أوصافها الشكلية والنفسية والاجتماعية ، وربما أطلعه على شيء من تاريخ حياتها السابقة ، أو آمالها المستقبلية ، فإن الكاتب المسرحي يعرف أن سبيله إلى تقديم شخصياته على خشبة المسرح لا يتسع لكل هذا . (أحمد نجيب ، 1991 : 87)

ويؤثر المسرح في الأطفال تأثيراً كبيراً ، فالأطفال يبدون ردود أفعال شديدة حيال الأعمال الدرامية التي يشاهدونها ، وكثيراً ما يستغرقون في  الضحك ، أو يجهشون بالبكاء أثناء العرض ، والسبب هو الطابع الاندماجي للأطفال ، ولذلك أيضاً فإن عوامل الإيهام المسرحي هي التي تجعل الطفل يتفاعل مع المسرحية ، ويعمل خياله ويندمج معها . (هدى قناوي ، 1994 : 195)

إن الكثيرين يستبعدون المسرح لطفل ما قبل المدرسة لسبب أو لآخر ، فهم يرونه فوق طاقة هذا العمر الغض ، ويظنون أنه لا يجدي معهم كثيراً ، فهم قد لا يفهمون ما يجرى أمامهم ، ويخلطون خلال ذلك بين الواقع والخيال ، لذلك يتحدث هؤلاء عن مسرح الطفل اعتباراً من سن السابعة ، حين يتعرضون لعلاقة هذا المسرح بأعمار مشاهديه ، ويعتقدون أن أطفال هذه المرحلة يمكن أن يكتفوا بألعابهم ، لأن فيها من التمثيل ما يرضيهم ، وإذا ما شاركهم فيها الكبار وشجعوا فيهم الدافع الدرامي ، فسوف يكبرون على فهم المسرح ، وتقدير لرسالته ، حتى لو يشاهدوه ، ولم تتح لهم الفرصة لمتابعته .

 

ونحن نختلف عن هؤلاء ، لأن الطفل في هذا السن يحب كثيراً اللعب الدرامي ، ويميل إليه ، وهو يفتن بالدمى والعرائس ، ويهوى مشاهدتها ، بل إذا أتيحت له الفرصة قام بتقليدها ، ونرى أن المسرح متعة رائعة وصالحة للطفل ، ومناسبة له فيما بين سن الرابعة والسادسة . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 105-106)

 

إن أداء الأدوار والتمثيل نشاط عقلي وجسدي يجلب متعة للمؤدين والمشاهدين ، فلماذا نحرم هؤلاء الصغار الذين كثيراً ما يحلو لهم أن يؤدوا أدواراً غير أدوارهم في الحياة ، مقلدين أو متقمصين لشخصيات يلتقون بها ، أو يشاهدونها ، حيث يرى "بيتر سيلد" – رائد المسرحية الإبداعية الحديثة -  يرى أنه من الضروري أن يشاهد الأطفال المسرح ، وأن يؤدوا بعض الأدوار المناسبة على خشبته ، على أن نترك لهم الحرية في أن يختاروا بأنفسهم لأنفسهم الأعمال الأدبية التي يؤدون أدوارها ، ليكونوا مؤدين ومشاهدين في الوقت  نفسه ، وعلينا أن نكتفي بمساعدتهم ، بأن نعرض عليهم قصصاً تستهويهم لكي يقوموا بأدائها . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 106-107)

 

والدراما كنشاط إبداعي هو العمل الذي يجد فيه الأطفال الوسيلة الفعالة للتعبير عن ذواتهم ، مالم يقعوا تحت سيطرة الكبار وسطوتهم ، ومن ثم ينفسح الطريق أمامهم للوصول إلى تمام نموهم واكتمال شخصياتهم .

 

ويتمثل هذا النوع من النشاط من تقمص الطفل لشخصيات الكبار ، أو الأشخاص الآخرين ، كما تتضح من أنماط سلوكهم وأساليبهم المميزة في الحياة التي يدركها الطفل وينفعل بها وجدانياً ، ويعبر عنه غالباً بالألعاب التمثيلية ، أو اللعب بالأدوار . (مواهب عياد ، 1996 : 123)

 

فالمسرح يكون أكثر ملاءمة لتقديم المفاهيم المجردة إلى الأطفال في صورة حسية ، لأن تفكير الأطفال يغلب عليه الجانب الحسي الذي يعتمد على الأشياء المحسوسة ، لأن المسرح يضع أمام الأطفال الوقائع والأشخاص والأفكار بشكل مجسد وملموس ومرئي ومحسوس ، مما يسهل إدراكهم   للأشياء ، وفهم الأمور المعقدة ، وهو بذلك يفوق الوسائط الأخرى ، مثل الإذاعة والتليفزيون التي تعتمد على حاسة أو حاستين فقط ، في حين يعتمد المسرح على كل الحواس .

 

وتكمن الأهداف التربوية للمسرحية الخاصة بالطفل من أنها تندرج ضمن الإطار العام للأهداف التربوية لأدب الأطفال عموماً ، لأنها إحدى   أشكاله ، إلا أنها تتمتع بخصائص أخرى تختلف عن الأشكال الأخرى لأدب الأطفال .

 

وتتمثل الأهداف التربوية الخاصة بمجال مسرح الأطفال فيما يلي : (إسماعيل عبد الفتاح ، 2000 : 65-66)

 

  • مساعدة الأطفال على التفكير والتخيل ، وإدراك واقعهم الماثل أمامهم ، حتى يستطيعوا الإسهام في تغيير ذلك الواقع إلى الأفضل .
  • احترام المثل النبيلة ، والإقتداء بها ، وتوفيرها ، وازدراء النماذج السيئة ، والتنفير منها .
  • التخلص من المفاهيم القديمة غير الملائمة للحياة ، وتمثل روح العصر .
  • إذكاء روح الكفاح والوطنية وحب الوطن ، والدفاع عنه ، والإخلاص له .
  • حب العمل واحترامه ، وتقدير العاملين ، وعدم التقليل من شأن مهنة من المهن ، أو احتقار مهنة بعينها ، وتفضيل أخرى عليها .
  • إرهاف إحساس الأطفال وعواطفهم ، وإيقاظ شعورهم وإمتاعهم ، وإدخال السرور عليهم ، والسعي لسعادتهم ، وإدخال الجمال في حياتهم ، وإعدادهم ليكونوا طاقات منتجة ، ودفعهم إلى السلوك الطيب .
  • إمداد الأطفال بتجارب جديدة حية مجسدة أمامهم ، وتحفيزهم إلى التطلع نحو تجارب أخرى ، وتوسيع آفاقهم ، وزيادة خبراتهم .
  • إشباع ميول الأطفال ، والإجابة على تساؤلاتهم بطريقة جذابة وممتعة .
  • الكشف عن المواهب ورعايتها وتدريبها ، والوصول بها إلى المستوى المطلوب .
  • زيادة ثروة الأطفال اللغوية ، وتدريبهم على الاستماع الجيد ، وآداب الاستماع ، وإمدادهم بأساليب تعبيرية جديدة تناسب لغتهم وواقعهم .
  • تبصير الأطفال بمشكلات مجتمعهم ، وأخطارها ، وسبل التغلب على تلك المشكلات ، والإسهام في حلها ، ونقد التصرفات غير السليمة في المجتمع .

 

والمسرحية الموجهة للطفل لابد أن تكون صالحة للتمثيل ، وتحكي قصة بسيطة ، ولابد لمسرحية الطفل من مجموعة من العناصر ، منها : البيئة  الزمانية ، كأن تكون أحداثها تجرى في زمن ماضي أو حاضر أو مستقبل ، فهي محددة الزمان ، وهو زمان العرض الذي تعرض أثناءه المسرحية ، والبيئة المكانية ، حيث تحد خشبة المسرح من المكان ، رغم الديكورات والألوان والأضواء والأسلوب الذي يقوم على الحوار بين شخصياتها ، ولابد أن تكون للمسرحية حبكة ، وحادثة ، وشخصيات ، وفكرة ، ونهاية للصراع الموجود بالمسرحية . 

 

يرى العديد من علماء النفس أن التمثيل من أهم الوسائل التي تستخدم لتحقيق الشفاء النفسي ، فقيام المرء بتمثيل دور ما في إحدى التمثيليات ، أو قيامه بمشاهدة تلك التمثيلية ، يؤديان عادة إلى نقص التوتر النفسي ، وتخفيف حدة الانفعالات المكبوتة ، وذلك عندما يندمج الممثل أو المتفرج في جو   التمثيلية ، ويتقمص دوراً معيناً .

 

وقد يرتبط معنى التمثيل في أذهان البعض على أنه وسيلة تقتصر على الترويح والتسلية ، وهذا الفهم قاصر – بطبيعة الحال – لأن التمثيليات وسائل اتصال فعالة للتعبير عن فكرة أو مفهوم أو شعور معين ، وهي تعتمد في ذلك على اللغة وحركات الجسم وتعبيرات الوجه ، والإشارات ، وأسلوب الكلام ، وكل ذلك يجعل منها وسيلة ذات قوة اجتماعية هائلة للإعلام والتثقيف والتأثير والتوجيه ، إلى جانب الترويح والتسلية الهادفة .

 

والمسرح يحرك مشاعر الأطفال وأذهانهم ، ويغذيهم فنياً وأدبياً  ووجدانياً ، وهم باعتبارهم – جمهوراً – يشكلون بعداً أساسياً من أبعاد العمل الدرامي الذي يستند إلى الممثل والمخرج ، لذا يؤلف مسرح الأطفال علاقة متسقة بين الأبعاد الثلاثة ، المخرج ، والممثل ، وجمهور الأطفال ، وبسبب التشكيلة التي يتألف منها العمل المسرحي نراه يجمع بين الأدب والفن ، فالرواية أو القصة لا تمثل عملاً درامياً مالم تنتظم في تمثيل وحوار وإخراج مسرحي ، أي أنها ترتدي رداء آخر يجعلها تزداد حيوية ، وتصبح أقوى تأثيراً .

 

ويغلب على الأطفال الطابع الاندماجي ، والمسرح بخصائصه الدرامية يساعدهم على هذا ، لأنه يريهم الحوادث أمامهم في أماكنها ، وبأشخاصها ، بالإضافة إلى مناظرة وديكوراته ، وإضاءته الساحرة ، التي تتعاون جميعاً على نقل الطفل إلى العالم الذي يسعده أن يراه ، أي أن عوامل الإيهام المسرحي تتعاون مع خيال الطفل ، وموقفه الاندماجي ، وحالات التعاطف الدرامي ، إلى أن نصل به إلى قمة المتعة والانفعال والتأثير إذا أحسن الربط بينها ، وروعيت الخصائص التربوية والسيكولوجية والفنية المختلفة ، بالإضافة إلى خصائص المسرح كوسيط يقدم للأطفال لوناً من أدبهم على صورة نص مسرحي جيد . (هدى نعمان ، 1986 : 300-303)

العناصر الأساسية في عمل الكاتب المسرحي :

إذا كان الكاتب القصصي يستطيع أن يسهب ويستطرد ويرسم خطوط قصة في المدى الذي يريده ، فإن الكاتب المسرحي يذكر دائماً أنه مقيد بعامل الزمن حين لا يستطيع أن يستبقي جمهور المتفرجين جلوساً في أماكنهم أمام خشبة المسرح إلا وقتاً محدداً ، وإذا كان الكاتب القصصي يستطيع أن يرسم شخصياته كما يهوى برفق وهوادة وتعمق ، مقدماً لقارئه أوصافها الشكلية والنفسية والاجتماعية ، فإن الكاتب المسرحي يعرف أن سبيله إلى تقديم شخصياته على خشبة المسرح لا يتسع لكل هذا ، وإنما يقتصر – تلميحاً – على ما تنطق به من أقوال ، وما تقوم به من حركات وأفعال ، وما ترتديه من ملابس ، وما يبدو عليها من ماكياج .

 

وإذا كان الكاتب القصصي يستطيع أن يحلق بقرائه في عالم الخيال ، ويسبح في الفضاء ، أو يغوص في أعماق البحار ، أو يحشد في مكان واحد آلاف من الجنود بعدتهم وعتادهم ، فإن الكاتب المسرحي يعرف إن إمكانات المسرح المكانية تحتم عليه أن يفكر بعقلية درامية ، وأن يعرف ما يمكن أن يتم على خشبة المسرح ، وما لا يمكن أن يتم .

 

وحيث إن المسرحية كعمل فني لا يتم وضعها الحقيقي إلا حينما يتم تمثيلها ، فإنها ترتبط بالضرورة بالممثلين وإمكاناتهم ، وبالجمهور ورغباته ، وبالمسرح ومواصفاته ، وهذا ما يجب أن يدخله الكاتب المسرحي دائماً في اعتباره .  ولنا أن نتصور ما يصيب الجمهور من ملل وضيق إذا تجمدت الحركة على المسرح ، واستطال حوار الممثلين في جدل عميق ، أو مناقشة ذهنية راكدة .

 

وعلى هذا نستعرض أهم العناصر الأساسية في عمل الكاتب المسرحي فيما يلي : (أحمد نجيب ، 1991 : 87-96)

1. الفكرة أو الموضوع :

لابد للمسرحية من موضوع يختاره الكاتب في بداية العمل ، والهدف الذي يرمي المؤلف إلى تحقيقه من عمله الفني عامل مهم في اختياره للموضوع الذي قد يكون نابعاً من واقع الحياة المعاصرة ، أو ثمرة تجربة شخصية للأديب ، أو من وحي الخيال المبدع ، أو قطعة من التاريخ ، أو فكرة أسطورية ، أو أي شيء آخر .

 

وأياً ما كانت الفكرة الأساسية في المسرحية ، فإن وضوحها وضوحاً كاملاً في ذهن الكاتب أمر حيوي حتى لا تخرج غامضة أو مفككة .  وتشير هدى قناوي (1991 : 200) إلى أن "أرسطو" يعتبر الفكرة هي روح المسرحية ودعامتها الأساسية ، وهي تمنح المؤلف الفرصة للتأثير على المشاهدين ، فيحصل بذلك على الهدف الذي يرمي إليه من وراء المسرحية ، سواء كان ذلك الهدف فنياً ، أم خلقياً ، أم غير ذلك .

 

وبدون فكرة أساسية للمسرحية يتفكك العمل الفني ، ويصعب فهمه ، كما يضعف تأثيره على المشاهدين ، ويصبح بلا جدوى أو فائدة ، ويفضل أن تكون الفكرة الأساسية في المسرحية مختفية دائماً عن المنظر المجرد ، بمعنى أن ينظم المؤلف الأحداث داخلها ، ولا يفصح عنها صراحة ، لأن ذلك يضعف قيمتها الأدبية ، بل ويضعف من تأثير الفكرة ذاتها على المشاهدين ، ويفضل أن يوحي المؤلف بفكرة المسرحية من خلال الأحداث والمواقف التي ينظمها تنظيماً فنياً لإبرازها على خشبة المسرح ، وإذا خلت المسرحية من فكرة أساسية تدور حولها أحداث المسرحية حكم عليها بالفشل كعمل أدبي له قيمته الفنية .

2. الشخصيات :

وهي تابعة للموضوع ، يحاول الكاتب عن طريقها أن يقدم فكرته ، ويعرض موضوعه ، ويلقي حولها الأضواء .  والكاتب حين يرسم شخصياته يحاول أن يقدمها للجمهور من خلال شكلها ، وتصرفاتها ، وحركاتها ، وملامحها ، وملابسها ، ولهجتها في الكلام ، وما يجري على ألسنتها من حوار بذكاء ولباقة ، تمكن المتفرج من أن يحدد قسماتها وأبعادها ، مما يعينه على فهمها ، والاقتناع بها ، والتعاطف معها ، والإحساس بمشكلاتها ، والانفعال بتصرفاتها ، ومواقف صراعها في داخل المسرحية .

وهنا لابد من الإشارة إلى ما يسمى (الأبعاد الثلاثة) في رسم الشخصية ، ونعني بها (البعد الجسمي ، والبعد النفسي ، والبعد الاجتماعي) ، وهذه الأبعاد الثلاثة متداخلة ، يؤثر بعضها على الآخر ، فالبعد الجسمي له تأثيره النفسي الذي يتضح من اختلاف نفسية الشخص السوي جسمانياً عن نفسية الشخص المشوه أو الشخص المريض .  ومن هنا تأتي أهمية البعد الجسمي الذي يحدده المؤلف عادة في الإرشادات التي يكتبها للمخرج ، سواء في قائمة الشخصيات ، أو عند ظهور كل شخصية على خشبة المسرح ، وهو ما يحاول المخرج أن يجسده في الممثلين عند اختياره لهم ، وما يحاول أن يستعين بالماكياج على إبرازه .

 

وأما البعد النفسي فله أهميته الواضحة بالنسبة لسلوك الشخصيات وتصرفاتها ، على حين تبدو أهمية البعد الاجتماعي في تحديد الشخص للأسرة والبيئة الاجتماعية ، والطبقة التي تنتمي إليها الشخصية ، والمهنة التي تمارسها من تأثيرات معينة على سلوكها وتصرفاتها في المواقف المختلفة .  وفي مسرحيات الأطفال يجب أن تتوفر للشخصيات عوامل الوضوح والتميز والتشويق ، هذا بالإضافة على ضرورة مراعاة قدرة الأطفال على الأداء عند رسم الشخصيات في المسرحيات المعدة ليقوم الأطفال بتمثيلها .

 

وتذكر هدى قناوي (1991 : 197-198) أنه يلاحظ في القصة أن الأديب يرسم لنا الشخصية من جانبها الظاهري والباطني ، حتى نتعرف على أبعادها ، أما في المسرحية فإن الشخصية تظهر أمامنا ، ونتعرف عليها من خلال مظهرها ، وحركاتها ، وكلامها .  وتقاس مهارة الكاتب المسرحي بمدى نجاحه في تحريك الشخصيات أمامنا ، وخلق مجالات لها يبرز فيها سلوكها الخاص ، عن طريق إجراء أحاديث على لسانها في مناسبات معينة ، على أن يكون هذه كله داخلاً في صميم المسرحية ذاتها .

 

وينبغي أن تكون الشخصيات في مسرح الطفل واضحة المعالم ، على قدر قليل من الدهاء والتعقيد ، يكشف مظهرها عن مخبرها ، وأن تكون خطواتها واضحة ، حتى يستطيع الطفل أن يدرك حقيقتها وأسباب سلوكها .

 

والشخصيات الهزلية تستهوي الأطفال في الطفولة المبكرة ، وكذلك شخصيات الحيوانات والأشجار التي تتكلم وتتقمص سلوك البشر ، كما تستهويهم أيضاً شخصيات الأم الحانية ، أما شخصيات الأبطال البواسل الخارقة للعادة في أعمالها فتستميل الطفل في سنوات الطفولة المتأخرة ، وبصفة عامة يميل الأطفال إلى سمات الشخصية البطولية التي ينتصر فيها البطل أو البطلة على القوى الشريرة ، ومن المهم أن تكون تصرفات كل شخصية وكلامها يتفق مع طبيعتها .

3. الصراع :

يعتبر الصراع من أهم العناصر الفنية في المسرحية التقليدية ، وإذا كان الحوار هو المظهر الحسي للمسرحية ، فإن "الصراع" هو المظهر المعنوي لها ، ومن طبيعة الصراع الدرامي أن يثير انفعال المشاهدين ، ويحرك عواطفهم ، وعن طريق إثارة العاطفة يستطيع المؤلف أن يشد إليه انتباه الجمهور ، ويستحوذ على اهتمامهم .

 

والمسرحيات التي يكون الصراع فيها ذهنياً بين مجموعة من الأفكار قد تنجح في إمتاع العقول ، ولكن كاتبها يجد من العسير عليه أن يهز المشاعر ، أو يحرك القلوب ، وبالتالي يفقد عمله كثيراً من عوامل الجذب والتشويق .

 

وفي المسرحيات التي تعد للأطفال يجب أن يكون عناصر الصراع مما يناسبهم ويدور في مجالات اهتمامهم ، وإذا أراد الكاتب أن يدخل في المسرحية نوعاً من الصراع الذهني بين مجموعة من الأفكار ، فيجب أن يفعل هذا بحذر ووعي وذكاء ، حتى لا يتحول إلى شيء ممل يفقد كثيراً من القدرة على شد اهتمام الأطفال ، وجذب انتباههم المستمر ، فإن لم يستطع أن يفعل هذا بطريقة ناجحة شائقة فليبتعد عنه .

 

وإن كان الصراع من أهم العناصر الفنية في مسرحيات الكبار ، فإن الحركة لها أهميتها ، خاصة في مسرحيات الأطفال ، وعليها يقوم نصيب كبير من مسئولية جذب انتباه الأطفال باستمرار .  وغني عن الذكر أن الحركة العضوية المجسمة هي التي تستهوي الأطفال ، أما الصراع العقلي الذي يمتع الكبار فكثيراً ما يكون مملاً لا يناسب الصغار ؛ وحيث إنه من المتوقع أن يلجأ الأطفال إلى تقليد ما يستهويهم من الحركات والعبارات المسرحية ، لهذا فمن الضروري ألا نعرض عليهم إلا ما نعرض لهم أن يقلدوه .

 

وتذكر هدى قناوي (1991 : 208) أنه ينبغي على الأديب عند اختيار المسرحية أن يدرس بعناية مع المخرج أهمية اللحظات الأخيرة من مسرحيات الطفل ، لأن هذه اللحظات تمثل عنصراً مهماً للطفل ، سواء بالنسبة لحالته النفسية التي تتأثر بهذا الحدث ، أو بالنسبة إلى الجديد الذي يمكن أن يكتسبه الطفل من المسرحية ، لذلك ينبغي ألا يستهان بالحالة النفسية التي يغادر الطفل المسرح على إثرها ، حيث تكون دليلاً لا يستهان به على نجاح المسرحية أو فشلها ، لذلك لابد أن تكون اللحظات التي تتبع الذروة واضحة غير غامضة ، شاملة ، فيها من الجديد ما يضيف لخبرات الطفل خبرة يستفيد بها ، ممتعة بحيث تسعد الطفل ، وتجعله يترك المسرح في سرور وبهجة ، وغبطة ، ولا تترك في نفسه المرارة ، أو الألم .

4. البناء الدرامي :

يتخذ البناء الجيد للمسرحية التقليدية شكلاً هرمياً يبدأ بعرض خيوط الأزمة ، وشخصياتها ، والعلاقات القائمة بينها ، ثم تأخذ الأزمة التي يتمخض عنها الصراع الدرامي في النمو والتطور والصعود من خلال الحدث الدرامي ، حتى تصل إلى القمة أو الذروة ، لتأخذ بعد هذا من الانحدار على السفح الآخر نحو الحل الذي ينتهي إليه .

 

والحدث الدرامي عبارة عن نشاط يدور حول الفكرة الرئيسة ، ويضم الحركة المادية في صور حدث أساسي تام متطور ، يجب أن تركب حوادثه ، وترتب تفاصيله ، بحيث تجعل الوصول إلى النتيجة التي وصل إليها في النهاية أمراً حتمياً لا مفر منه ، ولا افتعال فيه ، لأن البناء الجيد للمسرحية التقليدية يقوم على أساس محكم من الأسباب والنتائج ، ويكون كل حدث فيها سبباً ومقدمة للحدث الذي يليه ، دون أن تتدخل المصادفات المختلفة ، أو المفاجآت المفتعلة في نمو الأحداث وتطورها .

 

وفي البناء الدرامي لمسرحيات الأطفال يلزم أن تبتعد عن التعقيد وتشابك الأحداث بما يعلو على مستوى الأطفال ، كما يلزم أن نراعي قدرة الأطفال على التتبع والتذكر والفهم والاستيعاب ، والربط بين الحوادث المختلفة ، هذا بالإضافة إلى قدرتهم على تركيز الانتباه ، فكلما قل عدد فصول المسرحية كان هذا أفضل ، وربما كانت مسرحية الفصل الواحد أنسب لهم في كثير من الأحيان ، فإذا ازدادت عن هذا وجب ألا تطول فترات الانتظار بين الفصول ، كما وجب أن يكون الربط بين الأحداث السابقة واللاحقة واضحاً ، وعمليات الاستيعاب سهلة ميسرة .

5. الحوار :

يمثل الحوار مع الصراع والحركة ثلاث عناصر تتميز بها المسرحية عن غيرها من الفنون الأدبية الأخرى ، والحوار هو الأداة الرئيسة للتعبير في المسرحية ، ومنه يتكون نسيجها ، وهو الذي يعطيها قيمتها الأدبية ، ولكنه لا يكتمل إلا بعد أن يعطيه الممثلون الحركة وطريقة النطق ، لأن الحوار الدرامي الحقيقي هو ذلك الذي يعتمد على الحركة ، وتنغيم الصوت ، ويستمد من الممثلين قدراً كبيراً من حيويته وتأثيره ، كما أن الحوار الذكي اللبق يمثل متعة مسرحية للمثلين وللجمهور على السواء .

 

ومن المزالق الخطيرة التي يجب أن يحذر الحوار الانزلاق إليها أن يتحول إلى الأسلوب الخطابي ، أو يصبح مناقشة ذهنية راكدة ، تجمد الحياة على المسرح ، وتشل حركة الممثلين .

 

والحوار في مسرحيات الأطفال يجب أن يراعي مستواهم اللغوي والفكري ، وأن يكون في مستوى قدرتهم على الفهم – إذا كان الممثلون من الكبار – وفي مستوى قدرتهم على الأداء – إذا كان مطلوباً أن يقوموا هم بالتمثيل – فلا تطول فتراته ، ولا تتعقد مخارج كلماته ، ولا يتطلب في إلقائه براعة لا تصل إليها إمكانات الأطفال .

 

هذا بالإضافة إلى أن التمثيلية على المسرح تختلف عن القصة في الكتاب ، فالطفل إن فاته شيء من المسرحية ، أو انقطع به خط التتبع لا يستطيع أن يقلب الصفحات ليستعيد ما فاته كما يفعل وهو يقرأ الكتاب .

 

ويمكن عند الضرورة أن نستعمل العامية المهذبة في تمثيليات الأطفال في الحضانة ورياض الأطفال ، على أن نرقى بلغة الحوار إلى العربية البسيطة مع بداية المرحلة الابتدائية .

 

وتؤكد هدى قناوي (1991 : 205-206) على ضرورة أن يكون الحوار ملائماً لطبيعة الأشخاص الذين يظهرون في المسرحية ، ولمستوياتهم العقلية والاجتماعية المختلفة .  وعلى الرغم من أن الكاتب نفسه هو الذي يؤلف الحوار لمختلف الشخصيات ، وهو الذي يجريه على ألسنتهم ، فإنه لا ينجح إلا إذا أشعر المشاهدين بأن اللغة التي يتكلمون بها هي لغتهم الخاصة ، وهو بهذه الطريقة يضمن اندماج المشاهدين مع شخصيات المسرحية ، وتأثرهم بهذه الشخصيات ، ومن المهم ألا يكون الحوار مجرد سؤال   وجواب ، أو مجرد مناقشة عقلية يشترك فيها أكثر من شخص ، ولو كان ذلك لكان سقيماً ومملاً ، ولفقد هدفه ، حيث تنعدم مشاركة المشاهدين الوجدانية للشخصيات ، ولأنعدم الاقتناع بما تقوله وتفعله .

أنواع مسرحيات الأطفال :

تتعدد أنواع المسرحيات المناسبة للأطفال ، فمنها : المسرحية الاجتماعية التي تدور حول مشكلة من مشكلات المجتمع ، فتبرزها وتعرض أسبابها ، وتبصر الناس بخطورتها ، والمسرحية التعليمية التي تدور حول المعالجة الدرامية لبعض الدروس التعليمية في فرع من فروع المعرفة   المختلفة ، والمسرحية القومية التي تدور غالباً في موضوع يغرس في نفوس الأطفال حب الوطن والولاء له والتفاني في سبيل إعلاء شأنه ، والمسرحية التثقيفية التي تدور حول موضوع من موضوعات الثقافة العامة ، والمسرحية التهذيبية التي تدور حول القيم والفضائل والعادات الحسنة ، وقد تحتوي المسرحية الواحدة على أكثر من نوع من أنواع المسرحيات .

 

ويقترح مفتاح دياب (1995 : 103) تقسيم مسرح الأطفال من حيث الممثلين إلى ما يلي :

 

  1. المسرحيات التي يقوم فيها الأطفال بالتمثيل وحدهم .
  2. المسرحيات التي يقوم فيها الأطفال بالتمثيل إلى جانب الكبار .
  3. المسرحيات التي يقوم بالتمثيل فيها الكبار فقط .

4.  مسرحيات تقوم العرائس أو الدمى بأداء الأدوار فيها ، وإذا كان النص المسرحي سيكتب ليقوم الأطفال بأدائه على خشبة المسرح ، فإن كاتب النص يجب أن يراعي مستويات الأطفال اللغوية والعلمية ، وإمكانيات الأداء لديهم .

المسرح ولعب الأطفال :

تشير "كاترين تايلور" Katherine Taylor أن اللعب يعد بمثابة الحياة للطفل وليس مجرد وسيلة لتمضية الوقت ، أو أنه يماثل عمليات التربية والاستكشاف والتعبير عن الذات والترويح ، كما أنه يماثل العمل لدى الكبار .

 

فهو نشاط تلقائي يقوم به الطفل في جو من الحرية والاسترخاء ، بغرض تحقيق المتعة والسرور والاستمتاع بالوقت ، ويعبر عن مستويات نمو الأطفال وعن ذاته ، ويعد من الوسائل الفعالة في تربيته وتطوير نموه . (محمد الحماحمي ، 1999 : 18-19)

 

واللعب التمثيلي يعد نوعاً من أنواع اللعب الترفيهي الذي يقوم به الأطفال ، وهو يعتمد على الخيال والتساؤل والاستفسار ، ويتمثيل هذا النوع من نشاط اللعب في تقمص الطفل لعدد من الشخصيات ممن يكبرونه في السن ، وتنطوي الألعاب التمثيلية في أصلها على الكثير من الخيال عند الأطفال ، ولذا يطلق عليها مسمى الألعاب الإبداعية . 

 

وقد أكدت البحوث والدراسات العلمية أن الأطفال يخبرون الكبار بما يفكرون فيه ، وما يشعرون به من خلال لعبهم التمثيلي الحر ، واستخدامهم في اللعب للدمى والمكعبات والألوان وغيرها من أدوات اللعب . (محمد   الحماحمي ، 1999 : 71)

 

فاللعب التمثيلي شكل شائع للعب في الطفولة المبكرة ، فيه يتعامل الطفل – من خلال اللغة أو السلوك الصريح – مع المواد أو المواقف ، كما لو أنها تحمل خصائص أكثر مما تتصف به في الواقع ، ويضفي الحياة (الأحيائية) على الأشياء المختلفة التي يلعب بها . (مواهب عياد ، 1996 : 125)

 

وحيثما نجد تجمعاً للأطفال نجد نشاطاً تلقائياً له بعض أبعاد العمل المسرحي ، حيث تختلط فيه الحركات والأصوات . (محمد حلاوة ، 2000 : 254) ويأخذ اللعب التمثيلي أشكالاً مختلفة ، ويعتبر هذا النوع من اللعب مرآة للثقافة السائدة في مجتمع الأطفال من حيث إنه يعكس بالتمثيل الأحداث الجارية في حياتهم اليومية ، وكل شيء يسمعه الطفل أو يراه يكرره بالمحاكاة في لعبه ، كما يعكس أيضاً العصر الذي ينمو فيه الطفل ، فمثلاً في عالمنا المعاصر كثيراً ما يستخدم الأطفال في لعبهم نماذج تعبر عن مركبات الفضاء ، وعن الكثير من مظاهر التكنولوجيا المعاصرة .

 

ومن موضوعات اللعب التمثيلي : (مواهب عياد ، 1996 : 128)

 

1.  الموضوعات المنزلية : كبناء منزل ، تأثيث منزل ، الطبخ ، تناول الطعام ، حفلة شاي ، رعاية الأطفال الصغار (آباء وأمهات) ، أو كعريس وعروسة .

  1. البيع والشراء .

3.  الأنشطة المتصلة بالمواصلات مثل ركوب سيارة أو قطار ، أو أن يكون الطفل مهندساً ، أو بحاراً في سفينة ، أو طياراً يحلق بالطائرة .

  1. توقيع العقاب ، كأن يلعب الطفل رجل شرطة يوقع العقاب على المخالفين .
  2. إشعال الحرائق واللعب كرجل إطفاء .
  3. القتل والموت .
  4. لعب أدوار أشخاص خياليين مثل سندريلا ، أو غير ذلك مما هو شائع في بيئة الطفل .

 

ويذكر هادي نعمان (1986 : 300) أنه في لغات كثيرة يعني التمثيل واللعب معنى واحد ، ولا عجب في هذا ، فكم يقترب اللعب من التمثيل ، ويولع الأطفال باللعب ، لذا كان التمثيل لديهم ولعاً آخر ، بل هم في لعبهم يمثلون ، ويذهب البعض إلى القول أن الكبار يتعلمون فن التمثيل من الأطفال .

معايير مسرح الأطفال :

يشير هادي نعمان (1986 : 318-323) إلى وجوب توفر شروط في العمل المسرحي المناسب للأطفال ، نذكر منها ما يلي :

 

  • أن تتناسب المسرحيات (في أشكالها ومضامينها) مع نمو الأطفال عقلياً ونفسياً واجتماعياً ولغوياً ، وهذا يعني أن تتلاءم المسرحيات مع حاجات ورغبات وقدرات الأطفال في كل مرحلة .
  • أن يكون الحدث الرئيسي في المسرحية محدداً واضحاً ، وأن تكون الأحداث الأخرى مكملة أو مفصلة للحدث الرئيسي ، مع الابتعاد عن افتعال الحوادث الفرعية ، لأن الحدث الرئيسي لا يمكن له أن يتبلور ويتصاعد بشكل سليم إلا من خلال تتابع الوقائع والحوادث الفرعية بصورة منطقية محكمة .
  • أن لا تكون المسرحية في نصها بعيدة عن تصورات الطفل وعن عالمه ، أو تكون مجرد تلفيقات أو مجرد آراء يستلمها المؤلف ، فيصبها في قالب مسرحي ، متصوراً أنها ذات شأن ، إلا أن أول ما يقتضيه مسرح الأطفال نصاً يتلاءم مع قدراتهم ، ويمنحهم خبرة مسرحية .
  • انتقاء عناصر مسرحية كفوءة على مستوى المخرجين والمنفذين والممثلين والموسيقيين والمغنيين والمصممين ، لأن النص المسرحي لا يتاح له أن يتحول إلى قوة نابضة بالحياة على المسرح إلا من خلال تلك العناصر .
  • أن لا يبالغ في إظهار الأشرار بأشكال منفردة مخافة أن يتصور الأطفال خطأ أن الشر يرتبط بالمظهر الخارجي .
  • أن يتم التوازن بين مراحل تطور المسرحية .
  • الابتعاد عن المواعظ أو الأسلوب الخطابي الذي يثير جزع الأطفال .
  • أن تراعى في المسرحية قدرات الأطفال على التركيز والانتباه .
  • استثمار حب الأطفال للطبيعة والحياة لتنمية حبهم للعلم والإنسانية ، وازدرائهم لكل الأفكار التي لا تريد للإنسانية السلام والرفاه والسعادة عن طريق تنمية عواطف الحب عموماً ، وإعلاء تعلق الأطفال بالخيال عن طريق تسريب الأفكار والمواقف الخيالية إلى مسرحياتهم ، على أن لا يكون ذلك بشكل مفتعل ، لأن افتعال المواقف الخيالية يثير سخرية الأطفال ، وتقف خيالاتهم رافضة الانسياق إليها .
  • أن يتفنن الفنيون في شد الطفل من خلال استخدام الإنارة والرسوم والأغاني والموسيقى وغيرها من الإمكانيات المسرحية لخلق عالم جديد ساحر  وجذاب ، وأن يكون الديكور المسرحي مريحاً ذا تراكيب بسيطة وألوان زاهية متوازنة .

ثالثاً : شعر وأغاني الأطفال :

(أ) شعر الأطفال :

الشعر هو واحد من الأشكال أو الأنواع الأدبية التي يتعامل من خلاله الأدباء مع الأطفال ، وتحوي كلمة (شَّعْرُ) في معناها جوهر هذا الفن الجميل ، ففيها إحساس وفطنة ، وفيها شعور ووجدان . 

 

ويعرف الشعر لغوياً بأنه ”قول موزون مقفى قصداً ، يتألف من صور تخيلية“ ، والشعر المنثور ”قول يجري على منهج الشعر دون الوزن“ . (المعجم الوجيز ، 2000 : 344)

 

وإذا كان النثر تفكيراً ، فإن الشعر انفعال ، وهو يثير فينا بفضل خصائص صياغته إحساسات جمالية من لون فريد . (أحمد نجيب ، 1991 : 98)

 

ليس المهم أن نقدم للأطفال شعراً ، أي شعر ، ولكن المهم أن نجعلهم يحسون به ، ويتذوقونه ، ويعيشون تجربته ، ويحبونه ، ويشعرون حين يقرءونه ويسمعونه أنهم يقرءون أو يسمعون شعراً ، فالشعر ليس هو الوردة ومنظرها ، ولكنه شعور برائحة الورد ، وليس هو البحر وضخامته ، ولكنه الإحساس بصوت البحر ، وليس هو القمر وجمال شكله ، ولكنه روعة الجمال الذي ينشره على المخلوقات في الأرض .

 

والشعر يتطلب أنماطاً مركبة من الكلمات على درجة أعلى وأرفع من النثر ، فكل كلمة يجب أن تختار بحرص لمعناها ، وفي دقة لموسيقاها ، لأن الشعر هو اللغة في مضمونها وصياغتها المركزة . (على الحديدي ، 1991 : 286)

 

وشعر الأطفال لون من ألوان الأدب ، بيد أنه صيغة أدبية متميزة ، يجد الأطفال أنفسهم من خلاله يحلقون في الخيال ، متجاوزين الزمان والمكان عبر الماضي وعبر المستقبل ، ليست هناك قيود على موضوعاته وأفكاره ومعانيه وخيالاته ، بيد أن طريقة المعالجة والقدرة الفنية تقتضي كلمات مألوفة وخبرات محدودة لا تنطوي على تقرير معلومات وحقائق ، لأن شعر الأطفال يتمثل في إضفاء لمسات فنية على جوانب الحياة لتمسي لوحات فنية زاخرة ، وعلى مفاتن الحياة والطبيعة لتجد فيها قلوب الأطفال الغضة متعة غامرة إذا ما رسمت في إطار فني جميل ، يسهل عليها تصورها ، فلكي يتذوق الطفل الشعر لابد أن يحيا جو الخبرات الخيالية التي يوصي بها ، لابد من انتقال الطفل إلى الحالة المزاجية التي كانت مسيطرة على حواس الشاعر وقت ولادة القصيدة . (حسن شحاتة ، 1994 : 21-22)   

 

وفي الشعر موسيقى ، وفيه تنغيم وإيقاع ، والأطفال يميلون إلى التنغيم والإيقاع والكلام الموسيقي المقفى منذ نعومة أظافرهم ، وكلنا نذكر أغاني الأطفال التي يتوارثونها من الفلكلور جيلاً بعد جيل ، وفي ألعابهم ومرحهم ، والتي كثيراً ما تبدو لنا بلا معنى ، ولكن بإيقاع موسيقي وتنغيم مقفى . (أحمد نجيب ، 1991 : 144)

 

والأطفال ميالون إلى الإيقاع ، فالطفل منذ أيامه الأولى يكف عن البكاء ويهدأ ، وقد يستسلم للنوم العميق حين تأخذ الأم بالرتب على صدره برقة ، ويظل الطفل يأنس إلى الإيقاعات خلال سنوات نموه .  ولا يجد الطفل الإيقاع في الشعر وحده ، بل يجده في الأغنية ، والأنشودة ، وفي الموسيقى ، وإن ما يميز الإيقاع في الشعر هو التركيز ، والشعر انفعال ، وهو يثير فينا بفضل خصائص صياغته إحساسات جمالية من لون فريد . (سميح أبو مغلي ،   1992 : 67)

 

وشعر الأطفال إضافة إلى أنه يلبي جانباً من حاجاتهم الجسمية  والعاطفية ، فهو باعتباره فناً من فنون أدب الأطفال يسهم في نموهم العقلي والأدبي والنفسي والاجتماعي والأخلاقي .

 

وشعر الأطفال لم يظهر إلى الوجود إلا بعد أن تغيرت النظرة إلى الطفل بوقت قصير ، ويمكن القول أن بداية القرن العشرين تشكل أولى المنطلقات لهذا اللون الأدبي .

 

ومع أن شعر الأطفال يتناول كل ما يمكن لألوان أدب الأطفال الأخرى أن تتناوله ، إلا أنه يتخذ صيغة أدبية متميزة ، حيث يمكن أن يجد الأطفال أنفسهم من خلال هذا اللون الفني ، وقد حلقوا بعيداً في أجواء الفضاء يلقون بالتحية على عوالم جديدة ليستمعوا إلى من يرد عليهم بإحساس منها ، وأن يتجاوزوا أبعاد الزمان والمكان ليصافحوا الشعوب التي أقامت الحضارات عبر الحقب . (هادي نعمان ، 1986 : 208-209)

 

وفي وصف الشعر قال بعض النقاد أن الشعر موسيقى ذات أفكار ، وهذا يتميز بنغم يستميل السمع ، ويطرب النفس ، فيستثير الوجدان ، وعلى الرغم من أن القافية والوزن يتطلبان التركيز باعتبارهما عناصر حقيقية ومفيدة للشعر ، فإنهما في نفس الوقت لهما أثر فعال في إحداث تأثير الطفل الوجداني ، فالموسيقى التي تنتج عنهما ، بالإضافة إلى كلمات الشعر الموحية بالجو النفسي للموضوع في تناسق حروفها ، لها تأثير السحر في آذان الأطفال ، وكثيراً ما نرى الأطفال الصغار في مرحلة ما قبل المدرسة يرددون الكلمات المنغمة من الشعر ، حتى قبل أن يفهموا معناها ، وأحياناً أخرى يستبدلون كلمات بأخرى لها نفس الوزن حتى وإن لم يكن لها نفس المعنى ، وهذا دليل على حبهم للنغم ، وحفظهم للكلمات المنغمة .

 

وخيال الطفل في مختلف مراحل نموه خصب ، يسهل عليه التصور والتخيل ، وبما أن الشعر يخاطب العواطف من خلال الصور والأخيلة ، فإنه من السهل على الطفل أن يحيا في جو الخبرات الخيالية التي يوحي بها الشعر ، وبعض الأطفال يمتازون على غيرهم بقدرة فائقة على التصور .  المهم أن النغم حين يثير انفعالات الطفل ووجدانه غالباً ما يوحي له بالعديد من الصور التي قد تحدث له مشاركة وجدانية لما تحمله هذه الصور من معان وانفعالات تعمل معاً على إمتاعه ، لأنه يجد نفسه فيها ، وهنا يكون الشعر قد نجح في بث فكرة ، أو قيمة ، أو اتجاه دائم المفعول لدى الطفل ، ويكون كل هذا من خلال الإمتاع ، وليس الوعظ والإرشاد الذي يمقته الطفل كل المقت ، ويرفضه ، ويحاربه بكل قوته أمام الواعظين ، أومن خلف ظهورهم . (هدى قناوي ، 1990 : 85-86)

خصائص شعر الأطفال :

للشعر مقاييس خاصة ، وخصائص تميزه عن النثر ، وهي :

  1. موسيقى الشعر : يستمد الشعر من أوزانه وقوافيه إيقاعات موسيقية جميلة ، قد تكون واضحة رنانة في الشعر التقليدي الذي يلتزم وحدة البيت ، وقد تكون هادئة ناعمة في الشعر الجديد الذي يجعل من التفاعلية لبنته الأولى دون التزام بوحدة البيت .
  2. أسلوب التعبير الشعري : الذي يتخذ من التعبير عن طريق الصورة أسلوبه المفضل ، وإذا كان النثر يتخذ من اللفظة أداة التعبير ، فإن الصورة ذاتها هي الأداة التعبيرية في الشعر .
  3. المضمون الشعري : فمجرد النظم وحدة لا يكفي ، لأن الشعر يخاطب الوجدان البشري ، ويحرك كوامنه بفضل مضمونه الشعري ، وإذا تناول الشاعر قضايا منطقية ، أو علمية ، أو اجتماعية ، فإنه يلونها بألوان  عاطفية ، ويربطها بالوجدان الإنساني ، لكي يهز هذا الوجدان ، ويستحق أن يسمى شعراً . (أحمد نجيب ، 1991 : 98)

 

ويختلف شعر الأطفال عن شعر الكبار في عدة أمور ، منها بساطة الفكرة التي يدور حولها شعر الأطفال ، وأن تكون هذه الفكرة ذات مغزى أو هدف تربوي ، وأن تكون المعاني التي يشتمل عليها معاني حسية يستطيع الطفل إدراكها ، لا أن تكون مجردة يستعصي فهمها على الطفل ، كما ينبغي أن تكون لغته بسيطة أيضاً خالية من المفردات الصعبة التي يحتاج الطفل لفهمها إلى سؤال الآخرين ، أو استشارة المعاجم ، معنى ذلك أن تكون الكلمات المستعملة من قاموس الطفل ، وأن تكون متجانسة مع الأفكار التي تحملها ، كأن يكون اللفظ رقيقاً في المواقف الرقيقة ، قوياً في المواقف القوية ، مثيراً للعواطف في المواقف العاطفية ، وهكذا ... ، من أجل هذا يلجأ بعض شعراء الأطفال إلى حكاية الأطفال . (كأن ترد أصوات حيوانات أو طيور في القصيدة) ، وإلى سرعة الحركة والإيقاع الذين يوحيان بمعاني جديدة . (رشدي طعيمة ، 1998 : 48) (محمد حلاوة ، 2000 : 332-333)

 

أما بالنسبة للاختلاف في الهدف فإن الهدف من شعر الكبار هو التعبير عن ذاتية الكاتب أو المبدع ، وعن خبرته الذاتية ،  والشاعر والانفعالات التي صاحبته ، بقصد نقلها إلى المتلقي ، ذلك أن الشعر كما يستفاد من الأصل اللغوي لأسمه هو ما أشعرك ، أي ما أثار مشاعرك ، وبالتالي تعتبر العواطف البشرية جوهر مضمونه ، أما بالنسبة لشعر الأطفال فالأمر مختلف ، فهو ليس تعبيراً عن عاطفة بقدر ما هو تعبير عن وجهة نظر عقلانية ، يحاول الكاتب أو الشاعر أن ينقلها إلى الأطفال بقصدية ، من اجل طرح وجهة النظر الخاصة بالشاعر تجاه موقف ، أو شخصية ، أو قيمة ، أو مفهوم ، أو سلوك ما ، وبهدف تعليمي تربوي في أغلب الأحيان ، لهذا يأتي شعر الأطفال ، وصفي ، سريع ، واضح ، متماثل مع عالم الطفولة . (كمال الدين حسين ، 2000 : 201)

 

ولا ينبغي أن يفهم من الدعوة إلى بساطة لغة الشعر الذي يكتب للأطفال أننا ندعو إلى استخدام العامية ، فهذا أمر مرفوض ، إلا أنه لا مانع في أن تردد بعض الكلمات العامية التي يحتمها الموقف في المسرحية الشعرية التي تشتمل على أدوار الشخصيات لا ينتظر منها غير ذلك ، وأن تكون اللغة سهلة مشتملة على كلمات يشيع استخدامها في العامية والفصحى . (رشدي طعيمة ، 1998 : 49)

 

والمهم أن يحس الأطفال الشعر ، وأن يتذوقوه ، فالكلمة لها معناها المعجمي والظلالي ، والموسيقى مطلب أساسي لإحداث الإيقاع ، والشعر يدخل البهجة والفرحة على الأطفال ، ويكشف عن طريق جديد لتعرف العالم والإحساس به ، وينال إعجاب الأطفال ، وأن تكون لغته شاعرة ، وموضوعه له هدف ومغزى للأطفال . (حسن شحاتة ، 1994 : 245)

أقسام الشعر :

انقسم الشعر منذ عهد اليونان القدماء أربعة أقسام ، وهم على النحو التالي :

  1. الشعر الملحمي : الذي يحكي قصص الملاحم ، والملحمة قصة شعرية قومية بطولية خارقة للمألوف ، يختلط فيها الخيال بالحقيقة ، والتاريخ بالأساطير ، وهذا النوع لم يكن معروفاً في الشعر الأدبي .
  2. الشعر الغنائي : وشعرنا العربي كله منذ نشأته كان شعراً غنائياً ، بدأ بالأغاني ، وتحول إلى القصائد التي تعددت أغراضه : غزل ، هجاء ، مديح ، وصف ، حماسة ، ...الخ .
  3. الشعر الدرامي : أي الشعر المسرحي ، الذي كانت تحدد وظائفه في تصوير شخصيات المسرحية ، وتحديد أبعادها .
  4. الشعر التعليمي : وليس المقصود به (تقرير) حقائق أو حكم في أبيات ، وإلا أصبح مجرد نظم لا حياة فيه ، وإنما المقصود به (تصوير) هذه الحقائق وتحويلها إلى لوحات نابضة بالحياة .

 

والشعر الغنائي هو أكثر هذه الأنواع احتفاظاً بمكانته عبر القرون حتى عصرنا الحاضر ، بعد أن انقضى عصر شعر الملاحم بانتهاء عهد الإعجاب بالبطولات الجسدية ، والإيمان بالخوارق البدنية ، وبعد أن توارى الشعر الدرامي ليفسح الطريق للنثر كلغة الحوار الأولى في المسرحية . (أحمد نجيب ، 1991 : 99)

أشكال شعر الأطفال :

يتخذ الشعر في طريقه إلى أطفالنا أشكالاً مختلفة ، فقد يكون على شكل أغنية ، أو نشيد ، أو أوبريت ، أو استعراض غنائي ، أو مسرحية شعرية ، أو قصة غنائية ، أو قصيدة . (مصطفى الصاوي ، 1986 : 29-33) والفرق الأساسي بين الأغنية والنشيد أن الأولى يتغنى بها ، على حين أن الثاني يغلب عليه طابع الإنشاد ، وأما الأوبريت فإنه عرض مسرحي غنائي تصاحبه بعض الحركات التي يطلب أن تكون إيقاعية منتظمة ، وهو في الغالب غنائي ملحن تصاحبه الموسيقى من أوله إلى آخره ، ولكنه قد يحتوي في القليل النادر على كلام يلقى بلا موسيقى أو غناء ، والاستعراض الغنائي شيء يشبه بهذا أيضاً ، إلا أن طابع الحركة فيه يكون أوضح من الأوبريت ، كما أنه يخلو عادة من الكلام الذي لا تصاحبه الموسيقى .  أما المسرحية الشعرية فيغلب عليها الإلقاء التمثيلي ، وإن كانت لا تخلو عادة من بعض الأغاني ، أو الأناشيد ، أو المقطوعات الملحنة ، شأنها في هذا شأن المسرحية النثرية ، والقصة الغنائية تحكي قصة قصيرة من خلال شعر ملحن يتغنى به . (أحمد نجيب ، 1991 : 150-151)

 

كما يشير كمال الدين حسين (2000 : 211-214) إلى أنه يمكن تصنيف شعر الأطفال حسب خصائصه البنائية إلى أنواع ثلاثة رئيسة ، نحددها فيما يلي :

 

  1. الشعر القصصي : وهو الذي يتناول في موضوعاته بعض الخبرات التي يسردها بشكل قصصي .
  2. الشعر الدرامي : وهو الذي يتناول في موضوعاته مواقف وخبرات تكتب شعراً للعرض ضمن واحد من الرسائل الثقافية الدرامية (الإذاعة ، التليفزيون ، المسرح) .
  3. الشعر التعليمي : وهو الصياغات الشعرية التعليمية ، أو التي تتضمن قيم تعليمية ، ويستخدم داخل حجرات النشاط ، والفصول في المدارس ، وإن كان معظم توجهات شعر الأطفال هو توجهاً تعليمياً بالضرورة .

 

أهداف شعر الأطفال :

يصبح تأثير الشعر أكبر وأعظم إذا وجه للأطفال ضمن إطار أهداف شعر الأطفال ، وهي عديدة ، منها : (محمد حلاوة ، 2000 : 232)

 

  1. تحقيق المتعة وإثارة البهجة في نفس الطفل .
  2. إثراء خيال الطفل وتنمية قدراته على الابتكار .
  3. تنمية الثروة اللغوية للطفل ، وتنمية قدراته على النقد والتقديم .
  4. تنمية الذوق والحس الفني والأدبي للأطفال .
  5. يثقف الشعر عقول الأطفال ، ويهذب نفوسهم ، ويرقي خيالهم ، ويحببهم في الأدب العربي وتراثه الضخم .

 

كما يشارك الشعر الذي يقرئه الأطفال في تنشئتهم وتربيتهم تربية متكاملة ، فهو يزودهم بالحقائق والمفاهيم والمعلومات في مختلف المجالات ، وهو يمدهم بالألفاظ والتراكيب التي تنمي ثروتهم اللغوية ، وتساعدهم على استخدام اللغة استخداماً سليماً ، كما أن الشعر الذي يقدم للأطفال ينمي الجوانب الوجدانية ، والمشاعر والأحاسيس لديهم ، ويشبع حاجاتهم النفسية المتعددة ، وينمي مهارات التذوق الأدبي ، والأداء اللغوي السليم ، وتمثيل المعاني ، وإخراج الحروف من مخارجها ، والطلاقة اللفظية ، والاستماع الجيد إلى كل ما هو جميل في مضمونه لغرس التذوق الأدبي لدى الطفل في هذه المرحلة ، وسبيل إلى تحبيب الأدب إليه في مراحل التعليم التالية . (حسن شحاتة ،   1994 : 22)

 

وشعر الأطفال إضافة إلى أنه يلبي جانباً من حاجاتهم الجسمية  والعاطفية ، فهو باعتباره فناً من فنون أدب الأطفال يسهم في نموهم العقلي والأدبي والنفسي والاجتماعي والأخلاقي . (عبد الفتاح معال ، 1988 : 93)

 

إضافة على أننا إذا تناولنا الشعر في أدب الأطفال سنجد أن أناشيد الأطفال وأغانيهم لون من ألوان الأدب يصور جوانب الحياة ، ويعبر عن العواطف الإنسانية النبيلة ، ويصف الطبيعة ، ويشرح الحياة الاجتماعية ، ويرسم الطريق إلى المثل العليا في أسلوب أخاذ ، يصل في تأثيره إلى أعماق النفوس ، فيوحي إليها بعديد من الانفعالات التي تساعد على تكوين اتجاهات واضحة ، وقيم متعددة . (إسماعيل عبد الفتاح ، 2000 : 52)

معايير اختيار الشعر للأطفال :

إن اختيار الشعر الذي سوف يقدم للأطفال عملية ليست سهلة ، ولذا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار اهتماماتهم ، واحتياجاتهم ، وتجاربهم السابقة مع الشعر ، كذلك يجب أن تكون ملائمة لهم من حيث الموضوع ، والحالة النفسية ، والنضج ، والإدراك . (عبد الفتاح معال ، 1988 : 93)

 

إن تحديد الأسس والمعايير التي يمكن في ضوئها اختيار الشعر الذي يقدم للأطفال أمر أساسي وضروري لتحقيق أهداف أدب الأطفال ، وهو محاولة للوصول إلى النمو الشامل للطفل ، وعلى هذا الأساس يحتاج الأمر إلى وضع المعايير والأسس المناسبة لاختيار الشعر للأطفال ، والمتمثلة في : (هادي نعمان ، 1986 : 215-216)

 

  1. استخدام الكلمات التي يتسع لها قاموس الأطفال اللغوي ، والإدراكي ، وأن تكون الكلمات ذات انسجام خاص .
  2. أن يتجانس اللفظ مع المعنى ، أي أن يكون اللفظ رقيقاً في الموقف الرقيق ، وأن يكون قوياً في المواقف القوية ، وأن يتناسب اللفظ مع المعنى ، بعيداً عن الحشو الممل ، والقصور الذي لا يعني المعنى .
  3. أن يتسم شعر الأطفال بالإيقاع والموسيقى اللذين يوحيان بمعان تتجاوز المعنى الذي تدل عليه الألفاظ .
  4. أن يحمل أفكاراً وقيماً تمد الأطفال بالتجارب والخبرات ، وتجعلهم أكثر إحساساً بالحياة ، وأن تكون تلك الأفكار واضحة ، يستطيع الطفل أن يدركها .
  5. أن يشيع الخيال المنشئ في شعر الأطفال ، لأن أبرز ما يميز المعاني في الشعر أنها تنقل الأطفال على آفاق رحيبة .
  6. أن يكون شعر الأطفال الصغار مرتطباً بحواس الطفل والخيالات المستندة إلى تلك الحواس ، وأن يكون شعر الأطفال الكبار مرتبطاً بالخبرات والصور الذهنية العامة .
  7. أن تكشف كل مقطوعة شعرية فكرة أو جانباً من جوانب الجمال في الحياة والطبيعة .
  8. ألا يتسع شعر الأطفال للعواطف والانفعالات الحادة كالحزن ، والقلق ، واليأس ، والحب ، وما إلى ذلك .
  9. أن تتوفر فيه الجاذبية التي تدعو الأطفال إلى التعاطف مع إيقاعاته وأفكاره ما ينطوي عليه من انفعالات ، من خلال الحيوية التي يضيفها الشاعر ، والصور الحسية والذهنية التي يرسمها ، والصيغ الطلبية كالاستفهام ، والنداء التي يدخلها ، فتجعل الطفل أكثر إنشداداً .

 

ويضيف حسن شحاتة (1994 : 23-25) للمعايير السابقة ما يلي :

 

  1. دوران الشعر حول هدف تربوي : وهذا يعني أن نقدم للأطفال شعراً ذا مغزى ومعنى بالنسبة لهم ، حتى يحرك عقولهم ووجدانهم ومشاعرهم ، وأن يحمل قيماً تربوية تشكل معايير اجتماعية يتزودون بها للحكم على المواقف والأحداث والأشخاص ، وتنمي الجوانب السلوكية المرغوبة .
  2. بساطة الفكرة ووضوحها ، وتناولها المعاني الحسية : أي أن النصوص الشعرية يجب أن تكون تعبيراً عن تجارب مرت بالأطفال ، وهي حوادث مثيرة ، وقصص سهلة ، وفكاهات طريفة ، تتصل بمناسبات عامة قومية ، أو وطنية ، أو دينية ، وترضي حاجة من حاجات الأطفال ، لينشدوا الأشعار في حياتهم الخاصة ، ويتغنوا بها .
  3. ارتباط الشعر بالفكاهة والبهجة والسرور المملوءة بالحيوية : إن شعر الأناشيد والمحفوظات يقبل عليه الأطفال ، لأنهم يميلون إلى التغني ، ويطربون للأناشيد ، فهي مبعث نشاطهم وسرورهم ، كما أن تضمنها الفكاهات المشتقة من ثقافاتنا العربية المتدينة ، والمرتبطة بخبرات حسية عاشها الأطفال يحبب الطفل في هذه الأشعار ، ويجعله مقبلاً عليها ، سعيداً بها ، قادراً على تمثيلها ، وإلقائها ، كما أنها تحقق للأطفال سلوكاً قيمياً عملياً مقبولاً ، كما أن هذه الفكاهة تساعد في تجديد نشاط الطلاب والترفيه عنهم ، كما أنها تدرب الأطفال على الإلقاء الجيد النابع من الفهم السليم ، وتربي الذوق الحسي الفني والأدبي لديهم .
  4. ارتباط الشعر بأهداف أدب الأطفال : إن الشعر الذي يقدم للأطفال يجب أن يساعد في تحقيق الأهداف المرجوة من دراسته .

 

كما أن هناك شروطاً نفسية وتربوية لشعر الأطفال وأغانيهم ، فمثلاً لابد من تكرار بعض الألفاظ والمقاطع ، فهذا من الأمور المستحبة والمطلوبة ، لأن التكرار يسهل على الطفل حفظ الشعر أو الأغنية ، ويعطيه الفرصة لفهم المعاني ، وكذلك محاكاة أصوات الطبيعة والحيوانات والمواصلات والآلات في القصيدة الموجهة إلى الطفل ، فإنها من أحب الأشياء إلى نفسه ، ثم لابد من وجود الحركة في شعر الأطفال ، فالأطفال مغرمون بالحركة في أغانيهم وشعرهم وأناشيدهم ، وتظهر السعادة على وجوههم وهم يغنون الأغاني والأشعار في تمثيل حركي يعبر عن تأثيرهم بالنغم المصاحب للكلمات ، وكذلك فإن الأطفال مغرمون بتمثيل المعاني ، وتقليد أدوار الكبار أثناء لعبهم ، وكثيراً ما يحفظ الطفل بعضاً من نماذج الشعر التمثيلي أو الحواري المنغم ، ويشترك في تمثيلها ، ثم لابد من الاعتماد على المعاني الحسية ، لأن حواس الطفل هي أبواب معرفته ، وأدوات نموه ، والمعاني الحسية تتمثل في المبصرات والمسموعات والملموسات ، ثم تأتي بعد ذلك فكرة النشيد أو الشعر أو الأغنية ، فيجب أن تكون الفكرة المقدمة للطفل جيدة ، تشيع منها السعادة ، وتشبع حاجة نفسية من حاجاته . (هدى قناوي ، 1994 : 119-121)

 

إضافة إلى ذلك فإن عامل الإيجاز والموسيقى عاملان يجعلان الشعر وسيلة مهمة للنفاذ إلى عقل وقلب الطفل . (إسماعيل عبد الفتاح ، 2000 : 52)

 

ويرى علي الحديدي (1991 : 289) أن هناك اتجاهان حول تحديد الشعر المناسب للأطفال : أولهما : يرفض الشعر الذي يكتبه من يسمون بشعراء الأطفال إذا توقفت مواهبهم عند هذا الحد ، واقتصر نظمهم على شعر الصغار ، ويدعو أصحاب هذا الاتجاه إلى أن يقدم للأطفال ما سهل معناه ، وخفت موسيقاه ، وناسبهم موضوعه وأهدافه من نتاج الشعراء الكبار ، وذلك الشعر حسب هذا الاتجاه هو الزاد الحقيقي والمناسب للأطفال ، والاتجاه الثاني: يحدد الشعر الذي يقدم للأطفال بما يكتبه الشعراء ابتداء للأطفال ، وهو ما يسمى بشعر الأطفال ، وذلك كشعر أحمد شوقي في حكاياته الشعرية للأطفال ، ومحمد الهراوي ، ومحمود أبو الوفا ، وعبد العليم القباني ، وأحمد سويلم ، وغيرهم ممن كتبوا شعراً للأطفال .

 

والحق أنه لا داعي لهذا الخلاف ، لأننا حين نختار شعراً للأطفال إنما نختار الشعر الذي يتحدث إلى الطفل بلغة الشعر ، بقطع النظر عن أنه قيل ابتداء للصغار أم الكبار ، وقد لا يستطيع شاعر مشهور أن يتصل بالأطفال عاطفياً ، أو يرتبط بهم ذهنياً بواسطة شعره ، بينما يتمكن من ذلك شاعر مبتدئ أو مغمور .

 

ولابد من أن يدخل في الاعتبار أن الشعر فن جمالي يعتمد على الذوق الشخصي ، فما هو شعر عند قارئ قد يحدث بالضرورة نفس الاستجابة الشعرية عند الآخرين ، وما هو جميل عند شخص قد لا يرى فيه شخص آخر هذا الجمال ، والأطفال كذلك يختلفون في الاستجابة للشعر ، وهم ينتظرون منه الكثير الذي يرضيهم ، ويمنحهم الكفاية النفسية والعاطفية والترفيهية .

 

ويقدم لنا حسن شحاتة (1994 : 214-215) نموذج لشعر غنائي يوضح أن ألواناً جيدة من شعر الأطفال تقدم في شكل أغنية للطفل نجدها من خلال الإذاعتين المسموعة والمرئية ، خاصة هذا الجهد القيم المبذول في إخراجها من حركة ، وإيقاع ، وموسيقى تصويرية ، ومناظر طبيعية حية ، وصوت فيه المرح والسعادة ، ومؤثرات ضوئية ، ولقطات مكبرة ، ودمى وعرائس تتخلل الأغنية ، وأطفال يضحكون ويمزحون . ([1])  لاشك أنها تخلق جمهوراً من الأطفال فاهماً ، ومتذوقاً ، ومبدعاً ، ومفكراً ، ومستمتعاً ، يستعذب سماع هذه الأشعار ، ويميل إليها ، ويطرب لها .

قراءة الشعر والاستماع إليه :

يمتاز الشعر بإبراز الاختلاف والتشابه بين الكلمات ، وذلك من خلال الحفاظ على الوزن في البيت الشعري ، ولذلك فإن تعرض الأطفال المبكر للشعر يوجه انتباههم للكلمات المتشابهة النهايات أو البدايات من خلال فن   ممتع ، والأطفال قد يحبون أن يخمنوا أثناء استماعهم للشعر الكلمة الأخيرة في القصيدة ، وبالطبع فإن هذا يتوقف على براعة المعلمة أثناء إلقائها للشعر  بمفرده ، أو من خلال الاستماع إليه مقدماً بلحن (من خلال أنشطة موسيقية) ، ويجب أن تعمل المعلمة على معاونة الأطفال على تذوق الشعر في كل صورة : قصائد ، قصائد ملحنة ، قصائد شعرية .

وفيما يلي بعض النماذج من الشعر والأغاني الشعرية التي تعتبر مناسبة لطفل الروضة من حيث الألفة بالكلمات ، ومن حيث طول الجمل : (عزة   خليل ، 1997 : 59-61)

1. بطتي :

بطتي صحيت من النوم

بطتي حلوة وبتعوم

بطتي راجعة لعشتها

من تاني حيروح في النوم

2. شجرتي :

شجرتي لونها أخضر

وورودها لونها أصفر

كل يوم أرويها

تكبر أكتر وأكتر

3. عندي سمكة :

أنا عندي سمكة حمراء

ومعاها سمكة صفراء

كل يوم أرعاهم

وألعب أنا وياهم

4. وحوي يا وحوي :

وحوي يا وحوي رمضان جانا

وخرجنا وفوانيسنا معانا

غنينا لرمضان وفرحنا

وأكيد كل الناس فرحانة

5. كورتي :

كورتي الحلوة مدورة

كورتي الحلوة صغيرة

نطت نطة قصيرة

وكمان نطة يبقوا اتنين

وكمان نطة يبقوا تلاتة

وكمان نطة يبقوا أربعة

6. يا عصفورة :

طيري طيري يا عصفورة

غني وسمعيني

غني غنوة وتكون حلوة

صوتك بيسليني

7. أرنبتي :

مين شاف أرنبتي سونيا                         أجمل أرنبة في الدنيا

شعرها حلو وكأنه حرير                وخفيفة وبتنط كتير

في المغرب بالضبط تمام               تجري على جحرها وتنام

8. قصة شعرية في حديقة الحيوان :

في جنينة الحيوان أنا شفت كتير وكتير

شفت زرافة تمشي بكل لطافة وشفت الفيل

شفت الطاووس ألوانه كتير وكمان عصافير

وبغبغانات أشكال وألوان تحكي حواديت

ونعامة رشيقة تجري خفيفة تسابق الريح

وأسد متوحش صوته مرعب قفصه حديد

ودبة سمينة تعوم وتعوم وسط الحاضرين

أما السيسي فبيجري بزيزي شمال ويمين

تعالوا معايا الرحلة الجاية تشوفوا كتير

 

ويفضل أن يستمع الأطفال للشعر مقروناً بقراءته ، فمن هنا يمكن أن يربط الطفل بين التشابه في النطق ، والتشابه في الكتابة ، بالإضافة على ما سبق فإن الأطفال دائماً ما يحتاجون إلى رؤية الكلمة المطبوعة كلما كان ذلك ممكناً ، وداخل الروضة توجد العديد من الفرص التي يمكن للطفل أن يرى من خلالها الكلمة المطبوعة خلافاً لما سبق .

 

 

(ب) أغاني وأناشيد الأطفال :

أناشيد الأطفال وأغانيهم لون من ألوان الأدب ، يصور جوانب الحياة ، ويعبر عن العواطف الإنسانية ، ويصف الطبيعة ، ويشرح الحياة الاجتماعية ، ويرسم الطريق إلى المثل العليا في أسلوب أخاذ ، يصل في تأثيره إلى أعماق النفوس ، فيوحي إليها بالعديد من الانفعالات التي تساعد على تكوين اتجاهات واضحة ، وقيم متعددة ، كما ينقل الأفكار بتقديم الخبرات البشرية في صورة نقية مهذبة من خلال التعبير اللغوي ، سواء كان شعراً أو نثراً .

 

والنشيد والأغنية كلاهما يقع تحت قالب أدبي واحد ، والطفل في مرحلة نموه – خصوصاً المبكرة – يستميل سمعه النغم ، بصرف النظر عن كونه نغماً مصدره القوافي ، أو الأوزان ، أو الجناس ، أو حسن التقسيم ، أو التصريح ، أو روعة التصوير ، ... الخ . 

 

وفي أدب الأطفال لا نفرق بالضرورة بين الأغنية والنشيد ، مادام الطفل يقبل عليهما نتيجة حبه الغريزي للنغم والموسيقى المتوفرة في كليهما ، ولذلك نقول أن نشيد الطفل وأغنيته عبارة عن موضوع أو فكرة لها هدف تمثل صورة من صور الإبداع الفني التعبيري ، تصاغ بأسلوب لغوي به دليل على أن الموسيقى أقوى عناصر التأثير في النشء ، فهي تدرك بالإحساس ، فتساعد على مخاطبة العواطف . (هدى قناوي ، 1990 : 85-87)

 

والأغنية نموذج طيب للمادة الترويحية ، إذ هي تضم بين جوانبها عناصر تكفل لها الجاذبية ، لأنها موسيقى عذبة وحلوة ، تعزفها آلات تصدر أنغاماً منسقة متوافقة ، ترتاح إليها الأذن وتستسيغها ، وتتقبلها في رضا وسعادة.

 

وتلتقي الكلمات والموسيقى واللحن مع الأصوات والأداء ، الأمر الذي يثمر شيئاً أليفاً للنفس والوجدان ، وهذه العناصر تتضافر لتقدم مادة ترويحية جذابة وممتعة للطفل . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 69)

 

لذلك تعتبر أغاني وأناشيد الأطفال من الإبداعات المنظومة التي يتعامل معها الطفل حتى من قبل أن يدرك معانيها ، أو يقدر على أدائها ، وفي الأغاني الشعبية التي تغنى للطفل النموذج على ذلك ، والتي يعتبرها البعض بوابات تعرف الطفل على الشعر ، كأغاني المهد والترقيص .

 

تجمع أغاني وأناشيد الأطفال ما بين النظم والموسيقى ، النظم في صياغتها اللفظية ، واللحن في الموسيقى المصاحبة لأدائها ، ويعتبرها البعض بدايات الخبرات الأدبية المبكرة التي يتعامل معها الصغار ، وتمهيداً لتعاملهم مع عالم الشعر فيما بعد .

 

ويغلب الجانب التعليمي على أغاني وأناشيد الأطفال ، لما فيها من إمتاع وترفيه للطفل يوظفا في المساعدة في العملية التربوية والتعليمية ، اعتماداً على عشق الطفل للغناء والإيقاع ، وتنوع المجالات التعليمية والتربوية التي تؤدي فيها الأغاني والأناشيد ، فهناك مجالات السلوكيات ، والمفاهيم الرياضية ، والعلمية ، والاجتماعية ، والوطنية ، والدينية ، وشتى جوانب المعرفة التي تهم الطفل ، وترتبط بخبراته ، وبجانب الطابع التعليمي والتربوي لهذه الأغاني ، إلا أن معظمها يصاغ في قالب قصصي ، وفي هذا الحال تشكل أبسط واقصر القصص ، والشخصيات بها بسيطة ، والموقف بسيط ، يصاغ في حبكة   بسيطة ، والأفكار بسيطة يمكن للطفل إدراكها بسهولة . (كمال الدين حسين ، 2000 : 224)

 

وعلى هذا الأساس يعتبر الغناء من أهم الأنشطة التربوية التي تقدم داخل الروضة ؛ حيث إنها نشاط ينغمس فيه الطفل بكل حواسه بشكل عفوي وتلقائي ، وينطلق بحرية للتعبير عن مشاعره ، مما يؤدي إلى إحساسه براحة داخلية عميقة .  إضافة إلى ذلك تلعب الأغنية دوراً مهماً في استثارة فضول الطفل ورغبته في دراسة موضوع ما .  وقد أثبتت الدراسات والأبحاث أن الغناء كوسيلة يعزز تعلم الأطفال في مرحلة الروضة ؛ حيث إن الأغنية تنبع من صلب المحاور التعليمية ، وتساعد على تركيز المفاهيم في ذهن الطفل من خلال التكرار ، مثلاً : (رندة خوري ، 2002 : 10)

 

اسمي أنا المثلث

وهذا أخي المربع

ولي أخ طويل ندعوه مستطيل

وأختنا دائرة جميلة وماهرة

هذه أشكالنا

أحفظوا أسمائنا

المثلث ، المربع ، المستطيل ، الدائرة

 

والموسيقى هي لغة النغم التي تتخذ لها شكلاً فنياً خاصاً من أشكال التعبير ، أو هي شعر يتخذ من الأنغام بديلاً من الألفاظ ، فأنغام الموسيقى هي عبارات لحنية تنطوي على ما للكلمات من معان ، وعلى هذا فالموسيقى هي بناء أدبي يخاطب عقول الناس ومشاعرهم ، فتتحرك له وتتأثر به .  وهذا اللون الأدبي له بنيانه الخاص ، وخصائصه المتميزة ، وقدراته الواسعة التي لا تتوفر لغيره من الأجناس .

 

ومع أننا نسمي الموسيقى لغة – لأن اللغة ، أية لغة ، تتألف من كلمات تعبر عن رموز ذات دلالة ، والأنغام هي الأخرى لون من تلك الرموز ذات الدلالة – إلا أن هذه اللغة الموسيقية تتجاوز حدود اللغة التي قد تقف عند حد معين في التعبير عما يجيش في النفس ، كما أنها من جانب آخر لغة يفهمها الناس دون الاستعانة بقاموس أو معجم ، فأنت قد تنتشي لموسيقى أبدعتها مخيلة فنان حتى لو كنت تجهل لغته ، لذا قيل عن الموسيقى أنها لغة عالمية ، تحدث الناس جميعاً كباراً وصغاراً ، متخطية قيود الزمان والمكان . (هادي نعمان ، 1986 : 218-220)

 

ومن منطلق أن الموسيقى هي لغة عالمية ، فهي تحمل ثقافة وتراث الشعوب ، الأمر الذي يجعل للموسيقى رابطاً قوياً بمناهج التعليم ؛ حيث إن التربية تهدف أساساً إلى نقل الثقافة والتراث للأجيال الناشئة ، وإلى تهيئة الطفل للتكامل الفاعل في محيطه الاجتماعي . (رندة خوري ، 2002 : 10)

 

وعلى جانب آخر فإننا نجد أن أول لقاء للطفل مع الأدب يكون بالغناء  له ، وبترديده للغناء ، ومن خلاله يتعرف على الكلمة ، والوزن ، والقافية ، والنغمة ، والموسيقى ، وفي سن مبكرة جداً تصل إلى أذنيه ما سماه العرب "أغاني الترقيص" .

 

إن ترقيص الصبيان بالغناء والكلام الموزون من طبائع الإنسان أنَّى وجد ، حتى لنجدنه في الحيوان الأعجم ، إذ نراه (يهارش) ولده ويداعبه في صوت لين ، وحنو كحنو الإنسان على ولده .  إن الترقيص للإنسان من أقدم الوسائل لتربية الطفل وتنشئته ، وغرس جميل الخصال ، وحميد الفعال في ذهنه قبل أن يشتد ، حتى تتمكن من أخلاقه ، وتنقش في مخيلته نقش القلم في   الحجر . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 84)

 

ويجد الأطفال لذة في تقليدهم لبعض الأصوات ، وقد أظهرت التجارب أن الأطفال ذوي الاستعداد الموسيقي يمكنهم ترديد النغمات الموسيقية القصيرة في الشهر الثامن أو التاسع من أعمارهم ، ومع بداية العام الثاني من أعمارهم يبدءون تقليد الأصوات .

 

وحين يوقع الطفل بعض الإيقاعات ، أو يردد بعض الأنغام ، أو الأغنيات ، فإنه يمارس لوناً من ألوان اللعب في الأصوات ، واللعب في حد ذاته حاجة من حاجاته الأساسية له دوره في إثراء عالمه المادي والخيالي .

 

ولاشك أن الطفل يستقبل في بيئته أصواتاً مختلفة ، منها ما هي أصوات موسيقية ، ومنها ما هي غير ذلك ، وتربية حاسة السمع ترتبط بتكوين شخصية الطفل ، وبدون هذه التربية يفقد الطفل ذكاءه السمعي ، والمرحلة المهمة في نمو الطفل موسيقياً هي مرحلة إدراكه تركيب الأصوات ، وتركيب الجمل   الموسيقية ، وعلاقتها ببعضها ، ويترتب على ذلك استمتاعه بالموسيقى التي يسمعها ، ونمو قدرته الذهنية على اكتشاف الجمال فيها ، والحكم على العمل الموسيقي الجيد أو الردئ ، ولا يستطيع الطفل أن يصل إلى هذه المرحلة من نمو شخصيته الموسيقية إلا إذا مر بمرحلة تربية وظائفه السمعية بنجاح ، وهكذا فإن تربية الوظائف السمعية هي القاعدة الأساسية لتربية الحاسة الموسيقية الكامنة في الطفل . (هادي نعمان ، 1986 : 222)

الأغنية والموسيقى هدف ووسيلة :

الأغنية في ذاتها ممتعة ، وسبيل لزرع المثل ، وتقديم المعلومات ، وإثارة الأفكار ، بل هي وسيلة لتقريب الشعر للأطفال ، وتقديمه إليهم ، وموسيقاها بالنسبة للأذنين كالصورة للعينين ، والطفل يستغني عنها رويداً ، ويصبح قادراً على قراءة الكلمات دون الحاجة إلى اللحن أو الصورة ، وقد غاب طفلنا العربي عن ساحة الشعر – الذي هو من فن العروبة الأول – حتى إن هناك إحصائية تقول أن (3%) فقط من الأطفال هم الذين يقرءون الشعر المنشور في المجلات ، والباقون يمرون عليه عابراً ، باعتباره كتلة تشكيلية داخل الصفحة .

 

والموسيقي – في رأي الشاعر فاروق سلوم – مطالب بعدم إغفال الحركة الديناميكية التي يستمتع بها الأطفال ، وطابع المرح ، وإعطاء الكلمة حجمها الصوتي ، ومكانتها ، وتناوب الصوت والنغم والغناء مع الأداء الموقع ، مع مراعاة طابع البساطة في اللحن ، بما يكفل تصور المعنى ، والابتعاد عن التعارض ، وتوخي التكرار ، وتجنب الألحان المعقدة ، والسلالم والمقامات الصعبة ، واستلهام الموسيقى العربية الأصيلة ، وتبسيط ألحانها بما يكفل أداءً موسيقياً متكافئاً مع الكلمة ، ليعطي الأغنية الموجهة للطفل طابعها ، ويجعلها وسيطاً موضوعياً لهدفين مزدوجين : تربوي في إطار المران وإثراء الحس الموسيقي ، وثقافي من خلال المعلومة والقيمة والفكرة التي يراد إيصالها ، فضلاً عن دورها اللغوي الذي يمكن أن تؤديه بيسر وسهولة . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 98)

 

إن التعرض للموسيقى خلال السنوات الأولى من حياة الطفل يدفع بقوة التعلم إلى الأمام ، وينمي القدرات الذهنية مساعدة بذلك على تطور المنطق ، التفكير التجريدي ، الذاكرة ، والإبداع .  والأطفال الذين يتعرضون للموسيقى خاصة تلك التي تحتوي على الإيقاعات المقررة نجد لديهم تطوراً في المهارات التي تمكنهم من استيعاب الموضوعات غير المترابطة كالحساب ، والهندسة ، والشطرنج . (رندة خوري ، 2002 : 11)

 

أما اختيار أناشيد وأغنيات الطفل الناجحة في مرحلة ما قبل المدرسة فإنها تقدم على أساس نمو الأصوات وتعبيرات الأطفال ، كما قامت على اهتماماتهم ، وقدراتهم اللغوية في هذه السن المبكرة ، وعلى أهداف تربية الأطفال في مرحلة ما قبل السادسة ، كما يراعى الثقافة العربية الإسلامية عند إعداد هذه الأناشيد والأغاني .

أناشيد وأغنيات الطفل الناجحة ، مواصفاتها ومميزاتها :

حددت عواطف إبراهيم (1984 : 7-8) معايير اختيار أغاني الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة من ناحية موضوع الأغنية ، ومحتواها ، وكلماتها ، على أساس :

 

¨     المراحل التي يجتازها الطفل بأصواته وتعبيراته .

¨     العوامل التي تساعد الطفل على اكتساب اللغة الأم .

¨     اهتمامات أطفال سن ما قبل المدرسة التي من شأنها أن تحدد موضوعات الأغاني التي تناسب سنهم .

¨     أهداف تربية طفل ما قبل المدرسة التي تبلور متطلبات المجتمع وتوقعاته عن تربية الطفولة .

¨     قدرات الأطفال اللغوية في سن ما قبل المدرسة ، لأن الطفل هو محدد العملية التعليمية .

¨     معجم الأطفال الكلامي في سن ما قبل المدرسة ، لأنه يساعد في اختيار الكلمات والأسلوب الذي تخاطب به الأطفال .

 

كما يجب أن تكون فكرة الأغنية وموضوعها مناسباً للمرحلة العمرية التي تتجه إليها الأغنية ، ومن الضروري أيضاً أن تكون الفكرة واضحة ، والموضوع مما يهم الطفل .  وأغنية الطفل يجب ألا تتناول أكثر من فكرة واحدة ، وألا تدور حول أكثر من  موضوع ، وتأتي بعد ذلك بساطة الكلمات وحسن اختيارها ، بحيث لا تخرج كثيراً عن قاموسه ، ولا بأس هنا من  التكرار ، إذ هو مع الأطفال ممتع ، وهم ليسوا كالكبار ، إذ لا يشعرون بالملل إزاء ذلك ، بل العكس هو الصحيح ، وكثيراً ما تستهويهم أغنية ، فتراهم يرددونها مع المطرب أو المغنيين إذا كانوا جماعة ، كما أن الأغنية إذا ما صنعت في قالب درامي أو قصصي فسوف تلقى المزيد من الإقبال من جانب الأطفال ، ولابد أن تكون المقاطع قصيرة ، منغمة ، موقعة ، وكثيرون يستخدمون كلمات صوتية يطرب لها الصغار (في وابور بيقول "توت") ، وتقليد أصوات : الحيوانات ، والآلات ، والطبيعة ، والبشر ، ممتع لهم ، ويدخل السرور على قلوبهم ، شريطة أن يتسم ذلك  بالمرح ، وإيقاع أغنية الطفل – عكس ما يتصور بعضنا – يحتاج إلى السرعة ، فذلك طابعهم وطابع العصر ، أما الغناء الممدود البطيء هو الذي يشعرهم بالملل ، ويصرفهم عنه . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 95-96)

أنواع أغاني الأطفال :

الأغنية مظهر من مظاهر الموسيقى ، تستعين بالشعر عادة ، وهناك عدة أنواع من أغاني الأطفال ، يرتبط بعضها بعمر معين من أعمار الطفل ، ويرتبط بعضها الآخر بالطبيعة أو البيئة التي يعيش فيها ، أو بألوان لعبه المختلفة ، ومن هذه الأغاني : (هدى قناوي ، 1990 : 97-101)

1. أغاني المهد والهدهدة :

تغنيها الأمهات لأطفالهن الصغار ، حيث يطرق الغناء آذان الأطفال منذ أيام المهد الأولى ، فينصت الأطفال على أحداث الأمهات اللواتي يغنين أغنيات ذات إيقاع رتيب في الغالب لتهدئة الطفل ، وبث الطمأنينة في نفسه ، ليخلد إلى النوم الهادئ السعيد ، ذلك لأن الأطفال في هذا العمر ميالون على الإيقاع الذي يجعلهم يكفون عن البكاء ، ويهدؤون ، وقد يستسلمون للنوم العميق ، حيث تأخذ الأم بالربت على ظهر طفلها برقة ، وهز مهده ذات اليمين وذات الشمال في إيقاعات غنائية متكررة .

2. أغاني تتردد من خلال تعامل الطفل مع البيئة :

المؤثرات السمعية التي تتناهى إلى مسامع الأطفال في صغرهم تعمل غالباً على تكوين أذواقهم الموسيقية ، ومن هنا يبدو دور البيئة التي يحيا فيها الطفل في تشكيل ذوقه الموسيقي ، فالطفل يغني للكثير من الظواهر والتغيرات الطبيعية التي تلفت نظره ، أو تخيفه ، أو تعجبه ، أو تفاجئه .

3. أغاني تنشأ نتيجة العلاقة الوثيقة بين الإيقاع واللعب :

حيث تنشأ أغاني اللعب ، والأغاني التنافسية ، وأغاني الرقص ، يظل الطفل يأنس إلى الإيقاعات من خلال سنوات نموه ، وإذا ما نما إحساسه الإيقاعي نمواً سليماً ، فإنه يلعب دوراً في حياته ، لأن الإيقاع يسهل له حركته ، حتى يجعلها آلية ، ويبعث فيه القوة ، ويزيد قابليته على الإنتاج ، ويوفر له جميع الحركات العضلية غير اللازمة ، وينشر المرح في عمله اليومي ، ومع أن الإيقاع شيء جسمي ، فإنه يعتمد على يقظة الإحساس ، ونشاط الشعوب .

4. أغنيات تنشأ نتيجة التفاعل بين الطفل والمجتمع وظروفه الاجتماعية :

ترتبط هذه الأغنيات بمناسبات وعادات شعبية مختلفة ، كأغاني السبوع ، والزواج ، والمناسبات التي ترتبط بمرور العام وتتابعه ، كأغاني الأعياد الدورية ، ورمضان ، ... الخ .  ويدخل في إطار ذلك أهمية كون الموسيقى أداة تطبع الأطفال وأمزجتهم بطابع فني ، وتهيء الفرص لحسن استخدام أوقات الفراغ ، واكتشاف الإمكانيات والطاقات ، حيث يشارك الطفل في الأغاني الجماعية التي تكسبه شعوراً بكيانه كوحدة لها دورها في  الجماعة .

5. الأغنيات والأناشيد الوطنية :

وهي أغاني ترتبط بوصف عراقة الوطن وحبه في كلمات قليلة دون تطويل أو إسهاب .


 


[1] ) يمكن التمثيل لهذا الشعر والإخراج الجيد بأغنية (أهلاً بالعيد) ، وهي من كلمات عبد الوهاب محمد ، وتلحين جمال سلامة ، وإخراج شكري أبو عميرة .

 

الفصل الثالث                                            وسائط أدب الأطفال

مقدمة :

للوسيط دور حيوي في إيصال الأدب إلى الأطفال ، فالكاتب يكتب قصة أو مسرحية ، ثم لابد من وسيلة تصل بها إلى جمهورها من الأطفال ، وبغير هذه الوسيلة سيبقى هذا الإنتاج الأدبي حبيساً بين طيات المسودات والأوراق .

 

ولهذا فإن الوسيط يصبغ العمل الأدبي بصبغة خاصة تتفق مع طبيعته التي تميزه عن غيره من الوسائط ، وهو في هذا يضفي على العمل الأدبي ألواناً من التشويق تجعله أكثر اقتراباً من نفوس الأطفال ، وتجعلهم أكثر حرصاً   عليه ، وسعياً وراءه .

 

ويعد الكتاب الوسيط الأول بين الأدب وجماهيره من الأطفال ، وتشبه الكتاب ، من حيث هو شيء مطبوع ، الصحيفة اليومية ، والمجلة الأسبوعية ، ثم تأتي الإذاعة كوسيط مسموع ، والتليفزيون كوسيط سحري مسموع ومرئي ، له إمكانياته الخلابة في اجتذاب الأطفال وربطهم إلى شاشته الصغيرة ، والمسرح بدوره يمثل وسيطاً من نوع معين ، ينقل إلى جمهوره ألوان الدراما والعروض المسرحية الشائقة ، والسينما هي الأخرى وسيط ساحر من نوع  مميز ، والاسطوانة أيضاً هي الأخرى وسيط له خصائص ومميزات معينة .

 

وسوف تشتمل الصفحات التالية على شرح مبسط لتلك الوسائط .

 

أولاً : كتب الأطفال :

هناك وسائل حديثة تغزو عالم الطفل في إطار عصر الثورة التكنولوجية في وسائل الاتصال ووسائل التعليم والتثقيف والترفيه ، ومن أهم هذه الوسائل الفيديو كاسيت ، والأفلام التعليمية ، وأفلام التسلية والتدريب ، وألعاب السرعة ، بيد أن هذه الوسائل التي تغزو عالم الطفل لاستهوائه وإغرائه – برغم أهميتها – ليست في الحقيقة إلا وسائل تكميلية تأتي وظيفتها بعد الوسيلة الرئيسية الأولى لتعلم الطفل وتثقيفه وإقناعه وتوعيته ، وهي الكتاب ، بل إن الكتاب الذي يقدم للطفل يقوم مقام الحارس لحماية قدرات الطفل وميوله وحاجاته النفسية من الآثار الجانبية السيئة للوسائل التكنولوجية الحديثة .  (حسن شحاتة ، 1994 : 319)

 

فهو شيء صغير مسحور ، يضم العالم كله بين دفتين ، ويحلّق بقارئه في عوالم أخرى بعيدة وقريبة ، ثم هو يغوص به في أعماق البحار ، ويصعد به إلى قمم الجبال ، ويخترق معه الغابات والأدغال ، ويعيش معه في جحر  الأرنب ، وفي عرين الأسد ، ويسمعه أصوات الحيوانات  والطيور ، ويترجم كلماتها ، ويحكي له الطريف من أقاصيصها ، ويطوف معه بعجائب العالم وغرائب النباتات والمخلوقات ، ثم هو يرجع به القهقري ليعيش مع الإنسان الأول حياته البدائية ، أو يحيا في عصر من عصور التاريخ وسط أهله ، يسمعهم وهم يتكلمون ، ويراهم بملابسهم التاريخية وهم يروحون ويغدون في طرقات مدنهم القديمة ، ويعيش معهم في داخل بيوتهم ، ويرى كيف يتصرفون، ويعرف عن أحوالهم وحكاياتهم وأساطيرهم كل طريف وعجيب .

 

ثم هو بعد ذلك لا يمل من التكرار ، وهو يقظان بالليل والنهار ، لا يتعجب ، ولا ينام ، في أي وقت طلبه القارئ وجده ، وكلما سأله أن يعيد القصة أو الموضوع أعاده بلا ضجر ولا سأم ، وحتى بلا نظرة عتاب ، أو كلمة منّْ أو احتجاج .  (أحمد نجيب ، 1991 : 158-159)

 

لذا يعتبر الكتاب الوسيط الأول بين الأدب والأطفال ، وله دور حيوي في إيصال الأدب للأطفال ، فالطفل وهو مقبل على حياة جديدة ، يرغب في التعرف إلى هذا العالم الذي جاء إليه ، كما يرغب في التعرف إلى نفسه وعلاقته بهذا العالم ، وهذا وذاك يتطلبان قدرة على التعلم واستيعاب الحقائق والأفكار ، والتزود بالمعلومات في مختلف العلوم والفنون والآداب . (سميح أبو مغلي ، 1992 : 76)

 

إن تعريف كتاب الأطفال يعد من الأمور الصعبة ، بل هو متعذر   أحياناً ، وإن كثير من المؤلفين المشهورين ذوي المكانة العالية يكتبون عادة لأنفسهم ، دون أن يكون في مخيلتهم مجموعة سنية معينة ، ويترك للناشرين تقرير وضع الكتاب إما في قوائمهم الخاصة بكتب الراشدين أو الأطفال .

 

وثمة كتب لم تكتب أصلاً من أجل الأطفال ككتاب "روبنسون كروزو" ، و"رحلات جليفر" ، و"قصص ديكنز" ، و"ألف ليلة وليلة" ، إلا أنها لاقت قبولاً وإعجاباً منهم ... على كل حال فإن كتاب الطفل هو الكتاب الذي يقرؤه الأطفال ويمتعهم ويعودون إليه فيما بعد ، سواء أكان قد خصص أصلاً ، أو اتخذوه هم بمحض رغبتهم .  مثل هذا الكتاب يجب أن يتم تقييمه على نفس المعايير الأدبية مثل سائر المؤلفات .  (إيمان بقاعي ، 2000 : 85)

 

ويرى البعض أن كتب الأطفال تقودهم إلى التفكير والتأمل وطرح الأسئلة على أنفسهم وعلى الآخرين ، أو بمعنى آخر تؤهلهم للمرحلة التالية ، وأن الهدف الأساسي لقراءة الكتب هو تأمين الارتباط المستمر بين نمو الطفل الجسدي ونمو تفكيره وإدراكه ، مع تجنيبه أي انقطاع يمكن أن يحصل في نمو شخصيته لدى انتقاله من مرحلة إلى مرحلة ، خاصة وأن العصر الراهن يحتاج بصورة دائمة إلى زيادة معلومات الطفل التي يمكن أن يلبيها الكتاب ، وينمي الرغبة في اكتساب معارف جديدة .  (هادي نعمان ، 1986 : 272)

 

ويمتاز الكتاب عن مثيله من الوسائط الأدبية من حيث سيطرة الطفل على ظروف التعرض ، وإمكانية قراءة الرسالة أكثر من مرة ، مما يجعل من الكتاب وسيلة إعلامية تعليمية تتميز بمقدرة عالية على معالجة الأمور المعقدة والمفاهيم التي تحتاج إلى تدقيق وإمعان . (سامية رزق ، 1986 : 60)

 

وللكتاب ميزة أخرى ، أنه يبقى بالإضافة إلى ذلك الوسيلة التي يمكن اصطحابها في لحظات الوحدة وأوقات الراحة ، لتدخل في نفس الطفل الأنس ، وتزوده بشتى العلوم والمعارف والصور .  (هادي نعمان ، 1986 : 273)

 

وهو دائماً يكون في متناول اليد ، ليست له مواعيد كالإذاعة أو التليفزيون ، ولا يتطلب الانتقال إليه كالسينما أو المسرح ، ولا يحتاج إلى جهاز إضافي لتشغيله كما تفعل الاسطوانة ، رغم أنه يحوي القصص الشائقة ، والصور الجمالية الملونة والطرائف الغريبة ، والمعلومات العجيبة ، والمسرحيات والأغاني ، والأخبار ، والنوادر التي تسحر العقول ، وتأخذ بمجامع الألباب ، ويشبع عند صاحبه الرغبة في اقتناء شيء جميل محبوب ، يمكن أن تتكون منه مكتبة يعتز بها صاحبها ويفخر . (أحمد نجيب ، 1991 : 159)

 

ولكن قد يتبادر إلى الذهن تساؤل : إذ كيف يمكن لأولئك الأطفال الذين لم يتعلموا القراءة والكتابة بعد أن يقرءوا الكتب والمجلات ؟ ... والإجابة عن ذلك يسيرة ، ذلك أن كتب الأطفال الصغار تعتمد على الصورة قبل الكلمة ، حيث يجد الأطفال كتاباً في صفحات قليلة يزدان بالرسوم الجميلة المتتالية التي تشكل في مجملها قصة قصيرة ، أو فكرة بسيطة صغيرة .  ويستطيع الطفل في هذا العمر من فهم عدد غير قليل من تلك القصص والأفكار بنفسه ، ولكن في كثير من الأحيان يتولى الأب والأم معاونة الطفل في تقليب صفحات الكتاب ، ومتابعة وقائع القصة ، أو تبين الفكرة التي تعبر عنها الرسوم . وكتب الأطفال الصغار من الورق المقوى ، أو القماش ، أو البلاستيك . 

 

ولا تقتصر كتب الأطفال الصغار على القصص المنثورة ، بل تتوفر كتب تتناول موضوعات متعددة كالشعر والغناء والمعلومات .

 

ومن كتب الأطفال مالها مزايا اللعبة ، كالكتب التي تطوى طياً ، أو تفك أو تشكل تشكيلات مختلفة ، والكتب التي يمكن للطفل أن يحولها إلى مجسمات كالقطارات والسيارات والعمارات ، وترفق مع بعض هذه الكتب دمى صغيرة تتحرك بين أقسام القطارات أو السيارات أو العمارات ، كما ترفق مع بعض الكتب دمى عديدة تمثل كل أشخاص القصة ، بحيث يتسنى للطفل أن يستعيد القصة من خلال الدمى ، ويرتبها شخصية بعد شخصية حسب ظهورها في القصة ، معتمداً في ذلك على رسوم الكتاب ذاتها . (هادي نعمان ، 1986 : 277)

 

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن كتب الأطفال شهد تطوراً تمثل في إصدارها على شكل هيئات مختلفة قريبة إلى اللعبة ، أو إصدارها مطبوعة على الورق المقوى ، أو القماش ، أو على شكل تتخذ صفحاتها أشكالاً على هيئة حيوانات أو نباتات متحركة حركة نسبية ، بالإضافة إلى ذلك توفرت كتب للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (إعاقات عقلية ، جسمية) ، وبذا تجاوز الكتاب شكله التقليدي ، وأصبح إخراجه يمثل مسرحة للمضمون الأدبي . (ألفت حقي ، 2000 : 111)

 

وفي هذا الصدد تذكر سوزان مبارك أن كتاب الطفل الآن صناعة متكاملة ، يلعب فيها الفكر دوراً مهماً ، وتلعب الخامات المستخدمة ونوع الورق ومستوى الرسوم وعوامل الجذب دوراً كبيراً يجعل الطفل يقبل على القراءة ، ويحب الكتاب ، ويحتفظ به كجزء من أشيائه الخاصة ؛ لأنه يشكل عقل الطفل ووجدانه ، ذلك أن الهدف في النهاية هو إخراج كتاب جذاب ممتع ومفيد ، يتمشى مع آخر منجزات العلم ، ويساعد الطفل المصري على تنمية انتمائه الوطني والقومي ، وتوسيع مداركه ، وإدخاله في قلب علوم العصر ومعارفه ، ومساعدته على تعميق وعيه بتاريخه وتراثه الديني والقومي والخلقي ، باختصار نريد كتاب يساعد على بناء مصر المستقبل من خلال أطفال اليوم . (حسن شحاتة ، 1994 : 321)

أهمية كتب الأطفال :

قد يستهين البعض بأهمية الكتب للأطفال في هذه المرحلة ، وأولئك ولاشك يجهلون تأثيرها القوي في نفوس الأطفال ، فهي تنمي في أعماقهم أفكاراً واتجاهات نفسية واحساسات وخبرات جديدة ، وتقوي قدراتهم على الملاحظة الدقيقة ، وتفتح أمامهم أفاقاً واسعة من المعرفة والاكتشافات ، وتعد واحدة من المنبهات القوية المحيطة بالطفل .

 

فمن خلال نقل الراشد (الأم – المعلمة) إلى الطفل مضامين الكتاب يتزايد نمو الطفل اللغوي ازدياد واضحاً ؛ حيث يتعرف إلى مفردات وتعابير جديدة ، إضافة إلى تعرفه على نطق الكلمات بشكل صحيح ، وقد لا يتهيأ للطفل ذلك كله في هذا العمر دون الكتاب ، والإصغاء ، الذي يقولون عنه أنه فن ، يمكن أن يعتاده الطفل منذ صغره عن هذا السبيل ، لأن مضمون الكتاب الجيد يجذب الطفل ويسحره ، فينتبه بكل جوارحه ، إلى ما ينقل إليه منه ، ولا شك أن الإصغاء الجيد هو الأساس الذي يتيح للطفل تقبل قيم ومفاهيم وأفكار كثيرة في مستقبل حياته  (هادي نعمان ، 1986: 277 ، 287)

 

فكتاب الطفل ليس مجرد رشوة لطفل ليلتهي بها عنا ويكف عن إزعاجنا وإرباك خططنا وأنظمتنا المعقدة والبعيدة عن البراءة ، وهو ليس أداة تسلي بها كائناً بشرياً غير كامل "العقل "، لا يملك مقدرات نفسية ، وتملأ بها أوقاته الفارغة ، وليس وسيلة نحشو بها دماغه بمعلومات مبعثرة لا ترتبط في سياق إنساني وحضاري ، ولا تكفي إلا أن نباهي به نستغرق استظهاره أمام الأقارب وضيوف الأسرة .

 

كتاب الطفل الحقيقي ليس هو كل كتاب مصبوغ بألوان أساسية مبهرة ، ولا الحافل بالحيوانات والطيور والدمى ، وليس هذا الكتاب الذي يستعرض مهارة الرسام وقدرته على الصنعة المحكمة المعجزة التي لا يملك الطفل مثلها بعد .

كتاب الطفل الحقيقي هو – في الأساس – رسالة لنقل الخبرات الإنسانية والإبداعية والحضارية والمعرفية والعاطفية من إنسان واع "أقدم" وجوداً في هذه الحياة إلى إنسان آخر "أحدث" ، ولكي تكون الرسالة حقيقة ، على "الأقدم" أن يعرف ويتفهم ويحترم ذلك الآخر "الأحدث" ، وأن يقدر على التواصل معه بخبراته مع نفسه عندما كان هو الآخر "حديثاً" ، وبخبراته مع ذلك الجانب "الطفل" فيه الذي يجب أن يكون مازال حياً نشطاً ، ولكي تكون الرسالة ذات قيمة فلابد أن يكون لمرسلها "صانع الكتاب" موقفاً من الإنسانية والحضارة ، وأن يتمتع بمعرفة وبعواطف . (محيي الدين اللبان ، 1986 : 251-252)

 

وتستهدف الكتب الموضوعة لطفل ما قبل المدرسة تعليم الأطفال  القراءة ، وربما الكتابة أيضاً ، كما أنها تحفل بأدبيات المعرفة ، وقلما تتجه إلى الأدب ، اللهم إلا إذا كانت موجهة إلى الكبار من أجل قراءتها عليهم ، أو الاستعانة بها لرواية القصص والحكايات لهم .  وقد تتناول بعض الكتب الصادرة للأطفال أنفسهم بعض الجوانب الأدبية بشكل أو بآخر . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 13)

 

إضافة إلى ذلك أن علاقة تعاطف متينة تقوم بين الطفل والراشد ، أياً كان (أماً ، معلمة) حين يجد الطفل من يعنى به ، ويقدم له قصصاً وأفكاراً   لذيذة ، وإجابات عن كثير من التساؤلات التي قد تعنى له ، وهذه العلاقة هي أساس الشعور بالثقة بين الطفل ومن حوله ، وهي كفيلة بالإسهام في منحه الثقة كي يجتاز أساليب مرحلة الطفولة الأولى .

 

ومن خلال الصور المعبرة يستوحي الطفل خيالات تزيد في آفاقه ، حيث تفتح له السبيل لتخيل صور تفوق تلك التي يراها ، وبمرور الوقت يبدأ في توقع نتائج معينة ، ويصدر أحكاماً ، ويكتسب قدرة على فهم العلاقات بين الأسباب والنتائج إلى حد ما ، وفوق هذا وذاك فهي تنمي الذوق الفني لدى الأطفال من خلال صورها الجميلة التي تشكل ألواناً من الفنون التشكيلية .

 

وهذه كلها تضاف إلى دور هذه الكتب في تنمية علاقة وطيدة بين الطفل والكتاب قبل سن المدرسة ، فالطفل التي تقع عيناه على الكتب لأول مرة عند دخوله المدرسة يميل إلى الربط بين الكتب وبين وضعه الجديد الذي كثيراً ما يهاب منه أو يرفضه .  وعند ذاك تظل النفرة بينه وبين الكتاب مستمرة ، حتى بعد إنهائه دراسته .  ولاشك أن مادة الكتاب في هذه المرحلة من حياة الطفل تلعب دوراً بارزاً في تنمية إحساس رقيق لدى الطفل ينم عن رضاه عن نفسه وعن الكتاب ثانياً ، وعليه ينبغي أن لا تكون مادة الكتاب ساذجة أو صعبة لا تتسع لها قدراته ، لأن سذاجتها تجعله يستهين بالكتاب ، وتفقد في نفسه روح التحدي . ولا يجد في الكتاب تلبية في حاجة من حاجاته ، وصعوبتها توقع الكتاب في دائرة نفرة الطفل ، وعند ذاك قد تكون العلاقة – عندما يساء تقديم الكتاب المناسب للطفل – نقطة افتراق بين الطفل والكتاب ، في وقت يراد للطفل فيه أن يشعر بحاجة طبيعية إلى رفقة دائمة مع الكتاب ، والاستمرار في التعلم استناداً إلى الخبرات السعيدة الأولى .  (هادي نعمان ، 1986 : 278-279)

 

فمن الضروري عقد صلة حب وصداقة ما بين طفل هذه المرحلة وما بين الكتاب ، وهو لا يزال في عربته ، وقبل أن تحمله قدماه ، وأن يستمر ذلك وهو في المهد .  ومن المهم أن يصبح الكتاب شيئاً حبيباً أثيراً لديه ، يمسك به ، ويضمه إلى صدره كأنه دبه الصغير ، ولعبته المفضلة ، ويقلب فيه ، ويتطلع إليه ، ويتشممه ، ويحافظ عليه ، كي تألفه عيناه ، وتبقى هذه العلاقة العمر   كله .  إنه يفتحه ويرى صوره ، ويتعرف عليها ، ويستمتع بألوانها الجذابة ، ويفرح لاكتشافه لعالم الكتاب ، وأيضاً للعالم من خلال الكتاب . 

 

ولقد تفنن العالم في صناعة الكتب لهذه السن ، فقد جعلها من مواد مختلفة تبقى وتتحمل وتعيش ، هناك كتب من القماش يمكن غسلها وكيها ، وهناك كتب من رقائق البلاستيك والخشب ، وهناك كتب من الورق المقوى ، وهناك كتب من المواد المطاطية يمكن اصطحابها في حوض الاستحمام ، وهدف هذه الكتب أن يحس بها من حوله أينما توجه ببصره ، وأن تمتلئ بها دنياه ، وأن ترافقه في فراشه ، وخلال كل ساعات يومه ، وأينما ذهب ، وأينما وجد ، حتى لا تغادره قط ، ولا يغادرها ، ويجدر بنا تقديم الكتاب الملون بالرسوم والصور للطفل قبل دخوله المدرسة ، وهو كتاب غلافه مقوى أو  عادي ، وورقه سميك ، وصولاً إلى كتاب بسيط يدربه على الحرص عليه وصيانته ، ومن المهم ألا تمتد يده إليه بالتمزيق ، إذ هو يحبه ويشعر بشيء ما ينقصه إذا غاب عنه ، أو أتلفه ، وإذا لم يجدها أفتقده . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 14-15)

أنواع كتب الأطفال :

إن هناك من يتفننون في ابتكار الكتب بأفكار مبهرة لأطفال ما قبل المدرسة ، وتخصص كثيرون في تقديم ما يلائمهم : مادة ، وموضوعاً ،  وشكلاً ، ومضموناً ، بل هناك دور نشر تقتصر جهدها على هؤلاء فقط ، حتى لقد أصبح لهم مكتبة تستطيع أن تقول في ثقة أنها متكاملة ، وفي مقدمة الذين اشتهروا عالمياً في هذا المضمار الرسام الهولندي العالمي "ديك برونا" Dick Brouna .

 

وكتب هذه المرحلة – شأنها شأن كل كتب الأطفال – بعضها تعليمي ، يتضمن أدبيات ومعارف ، وبعضها الآخر أدب للأطفال يحتوي على قصص وحكايات ، وقصائد وأشعار ، أو أناشيد وأغنيات . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 16)

 

وتقسم كتب الأطفال من حيث مضامينها إلى : كتب قصصية ، وهي التي تتضمن قصة أو مجموعة من القصص ، سواء كانت قصصاً واقعية ، أم خيالية ، أم بوليسية ، أم تاريخية ، أم علمية ، أم اجتماعية ، أم دينية ، أو كتب علمية ، وتستهدف إيصال الأفكار العلمية للأطفال ، والإجابة عن تساؤلاتهم في مجالات العلوم عموماً ، وكثيراً ما تتخذ هذه الكتب شكل سؤال وجواب ، أو تتخذ بناءاً أدبياً قريباً إلى القصة ، أو على شكل رحلات علمية بين البقاع والبحار والمحيطات ، أو بعيداً عن الأجواء بين السحب ، أو في الفضاء بين الكواكب والنجوم والمجرات ، والكتب الدينية ، وتسعى إلى تبسيط المعلومات الدينية للأطفال ، وتستعين في العادة بسرد قصص الأنبياء والوقائع والمثل والحكم الدينية ، ومثل هذه الكتب إذا لم تقدم مضامينها بشكل أدبي وسليم ، فإنها قد نلقي في نفوس الأطفال الصغار الخوف والهلع ، خاصة إذا تضمنت قصصاً عن الأولياء والجان وغيرها من الأمور التي لا يمكن تقديم كل الإجابات للأطفال عنها بشكل مقنع ؛ حيث إن تظل تلك الجوانب مبهمة أمام الأطفال ، ويظلون يتساءلون عنها بإلحاح ، وكتب الشعر والأغاني والأناشيد ، وكتب الحوليات ، ودوائر المعارف والمعاجم المصورة ، وكتب الرحلات ، والكتب التاريخية ، وكتب المشاهير . (هادي نعمان ، 1986 : 273-274)

 

وتصنف الكتب من حيث الشكل الفني والمضمون وفقاً لما يلي : (عبد الرازق خضر ، 1979 : 445-461)

1. من حيث الشكل الفني للكتاب :

‌أ.       الكتب المصورة .

‌ب.  كتب المعلومات .

‌ج.    كتب الشعر .

‌د.      المسرحيات .

‌ه.       القصص .

2. من حيث المضمون :

‌أ.       مضمون ديني .

‌ب.  مضمون اجتماعي .

‌ج.    مضمون علمي .

‌د.      أساطير وخرافات .

‌ه.       تاريخية .

‌و.     فنية ... الخ .

بينما يصنف عبد التواب يوسف (1998 : 17-24) كتب طفل ما قبل المدرسة إلى الأنواع التالية :

1. الكتب المصورة :

هي لوناً من ألوان الكتب ، لم ننتجها عربياً إلا في أضيق نطاق ، ويخلط كثيرون بينها وبين الكتب المرسومة ، لأن كليهما يتضمن رسوماً ، كما يظنونها الكتب التي تحوي صوراً فوتوغرافية ، لكن حقيقتها تختلف عن هذه وتلك اختلافاً جذرياً ، وهي تصدر بالمئات في لغات مختلفة ، ويربو ما صدر منها على عشرة آلاف كتاب منذ بدأت هذا الاتجاه الكاتبة الأمريكية من أصل صيني "واندجاج" عام (1928) بكتابها "ملايين القطط" .

 

والكتب المصورة تعني تلك الكتب التي يتداخل فيها النص مع   الرسم ، ويمتزجان بشكل يجعل الفصل بينهما مستحيلاً ، وقراءة الكتاب دون ربط الكلمات بالرسوم غير ممكنة ، بل تصبح هذه الكلمات غير مفهومة ، وبلا معنى ، والقصة لا تفهم من الرسم وحده ، إذ الكتابة والرسم معاً ملتحمان ، لا يفترقان ، وإذا افترقا لم يعد لكل منهما على حدة قيمة .

 

وهناك دراسات مستفيضة حول هذا اللون من الكتب التي يتصور بعض الناس أنها تصلح فقط لسن ما قبل المدرسة ، مع أن بعضها يلائم أعماراً أكبر ، ويقدم مضامين غاية في العمق والصعوبة .

2. كتب التلوين :

وهي منتشرة على نطاق واسع ، وهي قد تقدم حكاية شعبية أو مؤلفة ومعروفة ، ومن خلال ممارسة الصغير لعملية التلوين يزداد معرفة   بالحكاية ، وإلماماً بأطرافها ، كما سيتنبه إلى أبطالها وشخصياتها ، والعلاقة القائمة بينها ، وصولاً إلى فهم الحكاية واستيعابها . وكتب التلوين تصور أحياناً بصورة عشوائية ، في حين أنها في أمس الحاجة إلى أن تكون مدخلاً لتدريب الأطفال على التناسق بين الألوان ، والإحاطة بها ، وتذوقها ، ويجب مراعاة أن نروي القصة المرسومة (أبيض وأسود) ، ونترك للطفل حرية اختيار الألوان بما يتناسب مع ما رويناه ، كما أنه لابد لنا بألا نغضب إذا هو لم يتقن التلوين ، وليكن الأمر مجرد لعبة يمارسها للاستمتاع ، مؤكدين على القصة التي رويت .

3. كتب المتاهات :

وكثيرون سمونها "اللابرنت" نسبة إلى قصر "اللابرنت" الذي بناه القدماء المصريين في الفيوم من ألف غرفة فوق الأرض ، ومثلها تحت الأرض – كما يقولون – وكان من يدخله يضل ويتوه بين قاعاته وممراته وحجراته .  ومن هنا اتخذوا هذا الاسم للعبة المتاهات ، التي يمسك بها الصغير بقلم رصاص ، ويساعد "علي بابا" مثلاً في الوصول إلى الكنز وسط ممرات عديدة ، والأطفال يحبون هذه الأعمال التي تتيح لهم تحقيق نجاح ما.

 

بينما يوضح كمال الدين حسين (2000 : 315-319) أنواع الكتب المصورة كما يلي : إن إقرار إنتاج الكتاب المصور هو الذي يحدد شكله وحجمه ، والعكس صحيح ؛ فالكتاب الذي يتضمن العديد من الأجزاء المطلوبة ، سوف يحتاج لطباعته على ورق كرتون سميك ، ومثل هذا الكتاب يمتاز أيضاً بأنه يتضمن نص قصير ، ويتدرج تحت مصنف "كتب الدمى" ، وبالمثل لا يعقل أن تطبع الحكايات الشعبية الطويلة في مثل هذه الأشكال ، فالقصص "الحكايات" التي تندرج من البسيطة جداً إلى أكثرها تعقيداً وغموضاً تختلف فيما توفره للأطفال تبعاً لكل مرحلة عمرية ، وبذلك تتطلب شكلاً وحجم يتناسب مع المراحل العمرية ، وقدرات الأطفال ، وفهمهم ، وميولهم .

 

أما بالنسبة لرسوم وصور كتب الأطفال فهي قد تأخذ شخصيات إنسانية أو حيوانية تعيش في مدينة معاصرة ، أو في قرون ماضية ، كما في عالم أغاني وحكايات الأطفال الشعبية ، ومعالجتها الفنية ، كي تأتي في خطوط بسيطة ، تعتمد على الخطوط المحددة للمعالم الخارجية ، أو إلى مهارة فنية عالية في تجسيد الواقع أو التفاصيل الفانتازية .

* كتب اللوحات وكتب أطفال المهد :

هي الكتب التي تطبع على ورق سميك ، ولها غلاف قوي ، وتكون صغيرة الحجم لتتناسب مع أيدي الأطفال الذين يتمكنوا من إمساكها بسهولة ، وينتج الناشرون العديد من الكتب في هذا الحجم ، وبغلاف قوي ، وهي كتب بسيطة الشكل ، "ككتب الحروف" ، وتتضمن صور لأشياء ، ومواقف من الحياة اليومية ، أما النص المدون فلا يتعدى كلمة أو كلمتين في الصفحة ، تكتب بالخط الكبير ، وقد تأتي الصور بكلماتها لتحكي موقف عن الحياة اليومية والذي قد يمر به الطفل ، وتعرف هذه الكتب بكتب "المهد" Baby Books

* كتب الدمى Toy Books

وتنتج في أشكال عديدة تتناسب مع المراحل العمرية التي تحتاج للكتاب المصور ، وهندسة هذه الكتب معقدة جداً ، لذلك قد يصعب على الهواة تنفيذها بعكس كتب الزيج زاج ، وهي نوع من كتب اللوحات التي تنفع لتكون سلسلة متعاقبة من الصفحات ، التي قد تصلح ككتب للحروف أو الأرقام .

يستخدم الآن أشكال عديدة ناجحة من كتب الدمى ، خاصة تلك التي تتضمن رسوم بها ثنايات أو أجزاء مغطاة متحركة من الورق أو القماش ، يمكن للطفل رفعها ، فتظهر الصور التي تخفيها ، وهذا الأسلوب يثير متعة الطفل ، ويشبع لديه حب الاستطلاع ، وأسلوب هذه الثنايات أو الطبقات المطلوبة من أجزاء الصورة ، والتي يرفعها ، يمكن للطفل أن يكتشف صور جديدة ، قد تكون مرحة وتثير ضحكه ، وقد يكون من الممتع أن يصنع الطفل بعض منها لنفسه هناك من هذا النوع ، كتب على شكل صفحات تطوى من منتصفها وبدون كلمات ، وتعتمد على الجزء المطوي من الصفحة لإخفاء الرسم الأساسي ، وعند رفع الغطاء تظهر الصورة بشكل مغاير ، ومثل هذه الكتب تصلح للرواية الشفاهية لبعض الحكايات أو الموقف التي تنتج بهذا الشكل من الكتب ، وبعض الكتب تكون مزودة بقطع "فتحة في منتصفها" ، أو ثلثها عرضياً ، وتستخدم لوضع عدد من الصور الأخرى الثقافية في هذه الفتحات ، والبعض الآخر قد يمتاز بوجود ثقب أو فتحة مستديرة يظهر من خلالها أجزاء من الصفحات التالية .  ومهما كان الشكل الذي يأتي عليه كتاب الدمى ، فهو على العموم يعتمد على عناصر المفاجأة الذي يجعل الطفل يستمتع بالكتاب ، ويتعامل معه كواحد من وسائل اللعب .

* كتب الأغاني والحكايات الشعبية :

وهي أنواع من الكتب التي تعتمد على أغاني الأطفال وحكايتهم الشعبية ، وهي تعيش طويلاً ، ويتطلبها الآباء أو جماعات اللعب ، وهي تأتي مصورة ، حيث تضيف الصورة بعداً جديداً جميلاً ممتعاً إلى القصص .

 

 

* كتب الحروف وكتب الأرقام :

من بين الكتب المصورة العديدة نجد أن كتب الحروف وكتب الأرقام تشغل ركناً مهماً ، وإن لم تكن هي أكثر هذه الكتب جماهيرية ورواجاً ، الأمر الذي يتيح أمام المؤلفين والرسامين الفرص لتجريب في أسلوب التنفيذ والإخراج ، وتندرج كتب الحروف ما بين أكثر الكتب بساطة ، والتي تتضمن حرفاً واحداً في كل صفحة ، وصورة شيء ما للدلالة عليه ، إلى تلك التي تتكون من قصة قصيرة تدور حول هذا الحرف .

 

في مقابل كتب الحروف نجد كتب الأرقام ، والتي تمتلك فيها العديد من الأطفال الشيء الكثير ، وإن كانت الأرقام بها لا تتعدى غالباً الرقم   (10) ، إلا أننا قد نجد كتباً يصدر في (24) أو (32) صفحة ، وإن كان بعض الناشرين يصدرون كتباً للصغار "كتب اللوحات" في (16) صفحة ، ومنها كتاب "ماذا يكون الرقم الآن ؟" والذي تقوم فيه عروسة على شكل مهرج باللعب مع الأرقام ، وأيضاً تندرج هذه الكتب ما بين أكثرها بساطة ، والذي يتضمن رقماً واحداً وعدد من الأشياء الدالة عليه ، إلى أكثرها تعقيداً والتي لا تكتفي بذكر الرقم فقط ، بل تقص قصة أيضاً .

* كتب المناسبات ، أو كتب التسالي :

مازال الكثيرون يعتقدون أن الكتاب هو غلاف يتضمن عدد من الصفحات المطبوعة حول قصص من الحقيقة أو الخيال ، وعادة ما تزين بعدد من الصور أو الأشكال الترفيهية ، هذه الكتب قد تم إلغائها تماماً ، لأن الكتاب يمكن أن يكون أي شيء داخل الغلاف ، يعمل على مساعدة الطفل على القراءة ، ويعلمه حرفاً أو يمتعه .

 

وينتج الناشرون اليوم عدد كبير من الكتب التي تؤثر بمناسبة ما ، أو تظهر لفترة زمنية معينة من أجل هدف ما ، وهي ما تعرف بالإنجليزية باسم Fed Books ، ويعرفها قاموس "أكسفورد" بأنها تنشغل بالأشياء الجزئية أو الطفيفة ، وهذا أدق تعريف ، ومنها كتب النكات والنوادر ، الكتب التي تأخذ شكل العجلات ، الكتب ذات الجيوب ، الكتب القماش ، الكتب التي تشكل كتلة ، كتب تجميع الصور ، الكتب التي تتحول إلى لوحة ألعاب ، كتب الحمام ، كتب اللمس ، الكتب التي تظهر بعض الصور عندما تضغط عليها باليد ، كتب التلوين ، الكتب التي تستعين بالنقاط لتشكيل واستكمال الصور ، الكتب التي تضيء في الظلام ، الكتب التي تتحدث عن نجم محبوب ، أو الكتب التي تصدر أصواتاً موسيقية ، وهذه الكتب تستخدم لفترات قصيرة ، ولا تستخدم ككتب أدبية ، لكنه لا يمكن إغفالها لإمكانيتها في تطوير عدد من المهارات والقدرات ، وجذبها لهؤلاء الأطفال الغير قادرين على القراءة إلى الاستمتاع بالكتاب والاستفادة به في أوقات فراغهم ، كما أن كتب التسالي هذه مهمة لتعليم الأطفال عدد من الخبرات ، وقد تكون أول خطوة في الطريق إلى اعتبار الكتاب والإطلاع .

 

وتضيف سهير محفوظ (1997 : 83) إلى أنواع كتب الأطفال ما يلي :

à كتب الألعاب والهوايات :

ويجب أن يجد الأولاد والبنات في هذا المجال كتباً حول الرياضة في العالم ، ومعلومات حول الأدوات والطرق المستخدمة في المجالات الفنية المختلفة كالموسيقى ، والنحت ، وعروض المسرحيات ، ... الخ .

 

كذلك يمكن أن يجد العلماء الصغار مجموعات من كتب التجارب العلمية المبسطة ، كما يمكن لأصحاب الهوايات المختلفة كجمع الطوابع ، الطهي ، تصميم الأزياء ، زراعة الحدائق ، ... الخ ، والإفادة مما تضمه مثل هذه الكتب من توجيهات مفيدة في كيفية إشباع هواياتهم ، إحراز التقدم فيها .

à كتب الموضوعات أو أدب المعلومات :

المهمة الأساسية لكتب المعلومات هي تزويد الطفل بالمواد التي تجيب عن تساؤلاته ، وتحفزه في الوقت نفسه لطرح أسئلة جديدة .  وبهذا المفهوم فإن مضمون هذا النوع من الكتب يتسع ليشمل كل المجالات التي يرغب الطفل في التعرف عليها ، ويزداد حجم هذه المجالات في عصرنا الحديث الذي يتاح فيه للطفل مشاهدة التليفزيون والفيديو ، والاستماع إلى الراديو في وقت مبكر جداً .

 

كما يشير فهيم مصطفى (2001 : 243-247) إلى الكتاب الإلكتروني الموجه للطفل على أنه مصطلح يستخدم لوصف نص مشابه لكتاب في شكل رقمي Digital ليعرض على شاشة الحاسب الآلي (الكمبيوتر) ، ويمكن للأقراص المدمجة CD-ROMs اختزان كميات هائلة من البيانات في شكل نصي ، وأيضاً في صورة رقمية ، ورسوم متحركة ، وتتابعات مرئية ، وكلمات منطوقة ، وموسيقى وغيرها من الأصوات لتكملة هذا  النص .

 

ويمكن أن نشير إلى أن مصادر المعلومات الإلكترونية هي مصادر المعلومات التقليدية الورقية وغير الورقية ، ولكن تم تخزينها إلكترونياً على وسائط ممغنطة ، أو مليزرة ، أو هي تلك المصادر اللاورقية والمخزنة أيضاً إلكترونياً وقت إنتاجها بواسطة الناشرين في ملفات قواعد بيانات متاحة عن طريق الاتصال المباشر On-Line ، أو عن طريق نظام الأقراص .

والكتاب الإلكتروني هو أيضاً ظاهرة تقنية في مجال التعليم والتعلم ، توفر للطفل الإندماج التدريجي مع مدخلات الوسائط التعليمية من خلال الحاسبات الإلكترونية ، كما أنها تزود الطفل بمناخ تربوي تعليمي تتوفر فيه الوسائل التعليمية المتعددة في وحدة متكاملة لأشكال البيانات والمعلومات المنتقاة من مصادر متنوعة لكي تكون في نسق نظامي واحد ، ذلك النظام الموحد – الذي يمكن أن يديره الحاسب الآلي ويتحكم فيه – يتضمن أنواعاً من الوسائط المتعددة عن تسجيلات صوتية ، ورسوم وصور متحركة ، وبعض مشاهد من شرائط الفيديو ، ولقطات من الأفلام التعليمية ، وخطوات لعملية مخبرية أو ميدانية ، أو خرائط ، مع خلفية مع الموسيقى التصويرية المناسبة لما هو معروض . 

 

ويتضمن الكتاب الإلكتروني معلومات متاحة للطفل يتم عرضها بطريقة منظمة ، يمكن استثمارها في المواقف التعليمية ، حيث تتضمن رسوماً بيانية ، وصوراً وتسجيلات صوتية وموسيقية ومشاهد فيديو ساكنة ومتحركة ، وخرائط وجداول ورموزاً ورسوماً متحركة ، ورسوماً ذات  أبعاد ، كل ذلك في إطار نص معلوماتي يساعد على اكتساب الخبرات ، وهنا تتكامل هذه الوسائط جميعها أو معظمها مع بعضها البعض عن طريق جهاز الحاسب الآلي (الكمبيوتر) بنظام يكفل للطفل تحقيق الأهداف المرجوة بكفاءة وفاعلية من خلال تفاعل نشط يسمح له بالتحكم في السرعة والمسار والمعلومات وتتابعها تبعاً لقدراته الذاتية .

معايير الكتاب الجيد لأطفال :

إن كتب الأطفال ليست مستودعات للمعرفة ، ولكنها أدوات للتعليم ، وعليه فإن كتاب الطفل يجب أن يكون ترجمة صحيحة وصادقة لعوامل الانقرائية لغة ومضموناً وإخراجاً ، بحيث يشعر الطفل برغبة داعية لقراءته ومتابعته ، وأن يكون كتاب الطفل بهذا كله وسيلة لتكوين اتجاهاته وقيمه الصحيحة ، وعلى هذا الأساس يجب مراعاة هذه المعايير من حيث المضمون والإخراج على النحو التالي :

مضموناً :

قصة بسيطة مصورة أو أكثر من قصة ، يشتمل على الصور  الكبيرة ، فهي لغة الطفل ، تمتاز بالحركة والنشاط والبهجة والألوان الزاهية والأساسية ، يخلو من صور العنف ، يمتلئ بالسلوك المقبول والقيم  المرغوبة ، يشبع فيه حب الاستطلاع ، والحوار ، ويجيب عن أسئلة الطفل عما حوله ، وينمي فيه الخيال وسعة الإطلاع ، ويشكل الرسم والموضوع وحدة متكاملة ، الكلمات فيه قليلة موجهة للكبار الذي يساعدون الطفل على فهم مضمون الكتاب ، الرسم والصور كبيرة ، حيث يصعب على الطفل في سن ما قبل السادسة تركيز بصره فترة طويلة على التفاصيل الدقيقة ، والصور لها دور في تحقيق المرح والسعادة ، والتخيل ، والقدرة على النقد ، وتنبيه التفكير الخلاق ، وتقريب مفهوم الكتاب للطفل ، وتكوين عادات واتجاهات ، وتقديم معلومات وتدريبات حسية ، والعلاقات المكانية ، والأوزان والحجوم والأطوال ، وتهيئة الطفل لتعلم اللغة والحساب ، ونماذج للتصرف ، وإدراك العلاقات ، والانتباه ، وتكامل الخبرة .

إخراجاً :

غلافه جذاب ، سميك ، ملون بألوان أساسية ، ورسوم لحيوان أو طائر أو طفل ، له عنوان موجز ومثير واضح ، ورقه سميك يتحمل كثرة التداول ، وللصفحات هوامش ، وحروف الطباعة ذات حجم كبير ، ألوانه متناسقة تنمي الإحساس بالجمال ، التقدم التقني يساعد في مسرحة الكتاب ، أو تقديمه على شكل لعبة ذات أصوات موسيقية ، واستخدام القماش أو الورق المصقول المبطن ، أو مجموعة من البطاقات والكروت تحفظ في علبة ، وقد يقدم الكتاب على شكل أجزاء متحركة ، ويحركها الطفل بنفسه ، أو بها عجل كالسيارة ، فقد يصاحب الكتابة شريط مسجل ، أو على شكل عروسة يحركها الطفل بإصبعه ، أو على شكل طائر أو حيوان ، والألوان المفضلة هي الأحمر والأصفر والأزرق ، والألوان الزاهية مثل اللون البرتقالي واللون الأخضر ، والألوان الساخنة ، وعدم استخدام الظلال ، وتستخدم اللقطات الكبيرة والمتوسطة ، بحيث يظهر عدد قليل من الأشياء ، أو بعض أجزاء الأشياء في الصورة المقربة حتى لا نربك الطفل . (حسن شحاتة ، 1994 : 15-16)

 

كما أن الجانب التطبيقي أو الإنتاجي في كتاب الطفل يشير إلى ضرورة الاهتمام بغلاف الكتاب الورقي أو المقوي أو القماش المثقوب ، أو الذي تصدر منه الموسيقى عند فتحه ، أو الذي على شكل لعبة أو حيوان ، كذلك الألوان المفضلة لغلاف كتاب الطفل ، وعلاقة ذلك بالمرحلة العمرية للطفل ، فالألوان الأساسية (أحمر ، أصفر ، أزرق) للأعمار دون التاسعة ، والألوان الاشتقاقية التي تنتج عن عدد من الألوان المتراكمة يمكن أن تقدم في عمر تال ، ومراعاة وسائل التوزيع المتحكمة ، فالألوان الأسود ومعه الأصفر يتأثران بالضوء والشمس ، وهما لا يصلحان في كتاب يعرض مع الباعة ، والخط الزخرفي يحتاج إلى جهد عقلي من الطفل ليفهم عالمه ، والورق المفضل هو (100جم) أو "الكوشيه" ، والبنط من (20-24) ، على أن تكون الحروف مشكولة ، أو تشكل الحروف التي هي مظنة اللبس ، أما القطع أو القماش فهناك اتفاق على عدم استخدام القطع الخاص بالكتاب المدرسي لما لاحظه الباحثون من فتور في العلاقة بين الطفل وكتابه المدرسي ، وأجمعوا على صغر قطع الكتاب لرغبة الطفل في الاستحواذ على الكتاب ، مع البعد عن القطع الطويل .  (حسن  شحاتة ، 1994 : 320-321)

 

وقد حددت العديد من الدراسات صفات محتوى الكتاب الجيد للأطفال ، على أنه الكتاب الذي : (رشدي طعيمة ، 1998 : 52)

 

  1. يجعل الطفل يضحك من أعماق قلبه ، أو يبكي بكاءً حاراً .
  2. يحرك فيه مشاعره ، ويستثير أحاسيسه .
  3. يحرك الطفل لأن يخرج فيصحح ما في المجتمع من خطأ ، ويحارب أشكال الشر فيه .
  4. يشعر الطفل أنه يستطيع أن يقوم به ، أنه ذلك الذي ينمي عنده الإحساس بالإنجاز .
  5. يشعر الطفل بأنه قد توحد مع الأفكار العليا والمثل التي ينادي بها المفكرون والكتاب .
  6. يجعل الطفل متعاطفاً مع سيئ الحظ والمنكوبين والأشقياء في حياتهم .
  7. يرتفع بالطفل حتى يعتقد أنه ما يقوله أو يفعله سوف يسهم في تحقيق التفاهم بين الناس ، والتقريب بين الشر في مختلف أنحاء العالم .

 

كما يجب أن يقوم كتاب الطفل على أساس المفهوم الواسع للقراءة ، وأن القراءة عملية متكاملة ذات أبعاد مختلفة ، ففيها المهارات الآلية من تعرف ونطق ، وفيها مهارات فهم المعاني والتفاعل معها ونقدها والحكم عليها والاستمتاع بها ، وإعداد كتاب الطفل على أساس هذا المفهوم الواسع للقراءة يساعد في التغلب على الكثير من نواحي الضعف والعجز عن فهم الأفكار ، ونقدها ، والحكم عليها حكماً صحيحاً ، كما يؤدي إلى تمكين الأطفال من مسايرة ما تتطلبه الحياة الحديثة من عناية بالفهم العميق والسرعة الشديدة ، وحب الكتاب والإقبال عليه بوعي وشغف ، وإشباع الدوافع والميول سبيله اختيار الموضوع المشوق المناسب للطفل بحسب مرحلة نموه ؛ لذا يجب أن نبني كتاب الطفل في ضوء اهتمامات الأطفال وميولهم ورغباتهم ، كما يجب أن نبحث في أعماقهم وخبراتهم وألعابهم ومناشطهم ، ثم نتخذ من هذا كله مادة نعرضها عليهم ليقرءوها . (حسن شحاتة ، 1994 : 322-323)

 

بينما يعرض علينا "جون كولبي" J. Colby مجموعة أخرى من المعايير تتلخص فيما يلي : (رشدي طعيمة ، 1998 : 52)

 

  1. أن تكون الفكرة الرئيسة التي يدور حولها الكتاب جيدة ، جذابة ، واضحة المعالم ، أصيلة ، أو أن تخرج على يد الكاتب فريدة .
  2. أن يكون الأسلوب شائقاً ، والصياغة جيدة .
  3. أن تتميز الحبكة – إن كان الكتاب قصة – بالتطور الأكيد الذي يتوقع الطفل فيه الأحداث ، فتخلو من المفاجآت غير المتوقعة ، أو التي ترتبط بحبكة القصة ، أو أن يكون تنظيم المواد جيداً في حالة مالم يكن الكتاب قصة .
  4. أن تكون الشخصيات في الكتاب متكاملة ، ولكل منها دور واضح .
  5. أن يستثير طاقات الطفل الإبداعية .
  6. أن تشبع فيه روح المرح .
  7. أن تكون المعلومات المقدمة في الكتاب صحيحة .
  8. ومن حيث اللغة ينبغي تجنب صعوبة الأسلوب ، وحشو الكتاب بالألفاظ الغريبة التي يصعب على الطفل إدراكها .

 

ويضيف كمال الدين حسين (2000 : 294) إلى أن هناك عدد من المعايير التي يمكن الأخذ بها عند اختيار كتاب مصور لطفل ما قبل المدرسة ، منها ما يلي :

 

  1. تسلسل الحدث : (الحبكة) مرتبة في أجزاء متصاعدة بتسلسل يسهل تذكره عند الرواية .
  2. الشخصيات : شخص أو أثنين هما فقط اللذين يتحدثان في المشهد  الواحد .
  3. التكرار : تكرار الجمل والكلمات وأجزاء الحدث .
  4. الطول : يفضل أن يكون الطول مناسباً للرواية ، ويفضل في القصص الطويلة اختصارها عند الرواية .
  5. وجود وسائط مساعدة : يفضل وجود عدد من الوسائط الأخرى بجانب الصور ، ويفضل الكتاب الذي يمكن تحويل موضوعاته إلى وسائط تربوية .

الخصائص الواجب توافرها في كتب الأطفال :

الكتاب المعد للطفل ، سواء من حيث المحتوى ، أو من حيث الشكل ، ما يتعلق منه بالغلاف ، والطباعة ، ونوع الورق ، وشكل الحروف ، والرسومات ، كلها أمور تراعى بما يتوافق مع المادة الأدبية ، ومع طبيعة المتلقي ، دون إهمال للواقع البيئي للطفل .

 

ويمكن تحديد بعض الأسس التي يجب مراعاتها لوضع أساس صحيح لمستقبل الكتابة للطفل ، والتي تتمثل في : (إسماعيل الملحم ، 1994 : 63-66) ، (محمد حلاوة ، 2000 : 124-130)

أ. الأسس النفسية :

لكل مرحلة من مراحل الحياة حاجاته ومطالبها التي يجدر بالمتوجهين بإبداعاتهم إلى الأطفال أن يكونوا على وعي بها . ففي مجال الطفولة نجد بعض الحاجات التي تكون فاعلة على أساس بيولوجي في الشخصية ، وحاجات تقوم على أساس نفسي ، ومن هذه الحاجات : الطعام ، والشراب ، والجنس ، والحركة ، والمخاطرة ، والمغامرة ، والمرح ، والتعاون ، والإطلاع ، والاستمتاع ، والتعبير .  ومنهم من يصنفها على نحو آخر كالحاجة إلى الأمن والحب ، وتقدير الذات ، والانتماء ، والاحترام .

 

ولا يعني هذا أن على النص الأدبي أن يلبي هذه الحاجات جميعها ، ولكن أي نص لابد من أن يتوافر فيه عناصر لغوية وفنية تلبي أو تحفز حاجات (الإطلاع ، والاستمتاع ، والتعبير) عند الطفل ، وذلك للأسباب التالية :

1. الحاجة إلى الإطلاع :

هذه الحاجة التي تتصل مباشرة بدافع الفضول عند الكائن  البشري ، وهو دافع فطري يتسارع في مرحلة الطفولة ، ويتجلى في تلك الأنشطة التكييفية التي تصدر عن الكائن البشري حتى في السنوات الأولى من الحياة ، وتدفع بصاحبها إلى المعرفة ، ويتجلى ذلك في ظاهرة التعجب من الأحداث الغريبة ، فإذا بدأ الطفل يتعجب عندما تختفي  الأشياء ، أو تستبدل بفعل أشبه بالسحر ، فذلك يعني أنه يكون قد بدأ في تكوين فكرة مؤداها أن الأشياء الغائبة عن بصره تظل موجودة .

 

وأن تجارب الكبار وتنظيم البيئة المنزلية ، وتوفير مواد اللعب المناسبة ، وزيادة فرص التنوع في المثيرات اليومية ، يساعد على نمو المعارف ، ويلبي حاجاته للإطلاع . 

 

وبين الثالثة والسادسة من حياة الطفل تكثر أسئلته ، ولا تنتهي ، كأنه يريد أن يفهم العالم في دقائق معدودات ، وتكاد لا تفوق هذه المرحلة أية مرحلة تالية من خلال الألعاب .

2. الحاجة إلى التعبير :

وهي حاجة تظهر منذ ساعات الميلاد الأولى ، حيث يواجه الوليد الكون بصراحة الذي هو أول مظهر تعبيري ، ما يلبث مع نمو الطفل أن يتمايز ويتخصص ويتجلى في أشكال من التعبير متعددة .  وهذه الحاجة تلبي من خلال استماع الطفل لمقطوعات من الغناء ما يلبث أن يعبر بوساطتها عن بعض اهتماماته .

ب. أسس معرفية :

تتعلق بإنماء معارف الطفل ومعلوماته ، وبخاصة ما تعلق منها ببيئته ، والارتقاء بهذه المعارف ، وطبيعي أن يدرج داخل هذا الإطار نمو المفردات اللغوية ، والتراكيب ، وسائر الإثراء اللغوي والمعرفي .

 

وقد أتاح اكتشاف الطفولة المجال لأن يخطو أدب الأطفال خطوات راسخة ترتكز إلى أسس معرفية موضوعية بعيدة عن الارتجال ، وأصبح الذين يهتمون بالكتابة للأطفال جزءاً من حملة واسعة تهدف إلى تقديم العون للطفل لينمو نمواً سليماً متوازناً متكاملاً في مختلف جوانب شخصيته ، فنشأت الاتجاهات الحديثة ، ونمت الدراسات المهتمة بشخصية الطفل من نواحيها الاجتماعية والنفسية .

 

وأهم ما ينبغي التقيد به في حال توجهنا بالمادة الأدبية للطفل من أن هذه المادة ستكون جزءاً من خبرات تتجمع لديه ، وهذه الخبرات يجرى اندماجها مع صفاته التكوينية لتشكل معها وحدة وظيفية متكاملة ، وأن لهذه الخبرات في مرحلة الطفولة أهميتها ، إذ أن كثيراً من الخبرات البسيطة ، والتلميحات العابرة التي تمر – دون أن يعيرها الكبار أي اهتمام – تعود فتظهر في صورة أخرى من سلوك الكائن البشري ، إذ أنها لا تكون سوى نتاج لما مر في مرحلة الطفولة .

ج. أسس اجتماعية :

أي تلبية متطلبات الحياة الاجتماعية ، وحاجات المجتمع ، وتنمية قيم واتجاهات مرغوبة ، تعمل على رفع قدرة الطفل في التكيف مع الوسط الاجتماعي ، والإسهام في تطويره وتنميته ، بخاصة ما تعلق منه بالاتجاهات الوطنية والقومية والإنسانية بالتوافق بالطبع مع مراحل النمو العقلي   والنفسي .

د. أسس تربوية :

 فلا تغيب عن ذهن معدي كتاب أدب الأطفال – تأليفاً وإخراجاً – حاسية قارئ هذا الأدب ، وقابليته للتأثير بكل ما يصله من مؤثرات ثقافية ، ولكي لا يقع أدب الأطفال في مطبات ومنزلقات شكلانية جمالية بحتة ، بعيداً عن المضمون التربوي ، فمراعاة عامل التربية والتأهيل – دون الافتراءات طبعاً على العنصر الفني في المادة العلمية – مطلوب ، وذلك وفق أهداف عامة تحددها النظم التربوية ، وتبين مجالاتها ، سواء فيما يتعلق بالنمو المعرفي ، وفيما يخص الاتجاهات والقيم ، وكل ما له علاقة بالجانب الوجداني ، مع مراعاة تكوين اتجاهات إيجابية نحو مهارات حسية حركية تتبناها شخصيات القصة أو الرواية وأحداثها ، والمقطوعات الشعرية والنصوص المسرحية .

هـ. تكامل الأسس الأربعة :

تشكل هذه الأسس جميعاً كلاً متكاملاً ، فلا انفصال بينها ، تعمل النصوص الأدبية الطفلية على تصديرها في كل متكامل منسجم ، لا اصطناع فيه ، ولا خلل .

و. إتباع خطة أو منهج في الكتابة للطفل :

يستند إلى معطيات تفرضها طبيعة نمو الطفل من الناحية اللغوية ، والتدرج في التعبير والقدرة على غلق ذاكرة الاتصال التي تنتقل عبرها المادة الأدبية وفقاً للمعطيات التالية :

الناحية اللغوية :

  1. الإفادة من لغة الطفل الشفوية التي تسبق من حيث ظهورها ممارسة مهارة القراءة ، واعتماد ذلك أساسً للانطلاق في تنمية القدرة لدى الطفل على الاتصال والتعبير والفهم .
  2. يراعى في تراكيب الجمل والعبارات السهولة ، والبعد عن التعقيد والغموض ، وأن يفرق بين ذلك وبين الكتابة للكبار .
  3. تقديم المحادثة كأساس لتعلم مهارة القراءة في بداية التدريب ، وخاصة عند أطفال السنوات السابقة لدخول المرحلة الابتدائية ، وأطفال السنة الأولى منها .
  4. تصميم الكتب المعدة لأطفال السنوات الممتدة من الخامسة إلى التاسعة على نحو يساعد الطفل على التدريب على مهارة القراءة بمراعاة الانتقال من البسيط إلى المعقد ، ومن المشخص إلى المجرد ، وذلك من حيث عدد الكلمات في الجملة الواحدة ، ومن حيث المعاني .

المادة الأدبية :

تتحدد جاذبية المادة الأدبية وفقاً لمستويات النمو لدى القارئ فيما يجذب طفل الحضانة ، ويكون محبباً إليه ، يختلف عما يجذب من هم بين السادسة والتاسعة مثلاً ، وهذا بدوره يختلف عما يجذب من هم فوق التاسعة ، إضافة إلى وجود فروق فردية داخل كل مستوى نمائي مما  ذكر . وتحديد مدى جاذبية النص الأدبي لا يعني وجود معيار موضوعي دقيق تقاس المواد الأدبية وفقه . ومن المناسب أن نذكر أهمية أن يشار على غلاف الكتاب إلى السن الذي يتناسب مع مادته ، بما يسمح لذوي الشأن الاختيار الأفضل لما هو مناسب لأطفالهم ، فلا تكفي الإشارة على الغلاف بعبارة "مجموعة قصصية للأطفال" ، أو "مجموعة قصص  للفتيان" .

 

لموضوع اللغة أهمية في كتب الأطفال ، وقد وجد على الساحة العربية من يدعو إلى الكتابة للأطفال باللهجات المحلية ، متخذاً من اختلاف اللهجات ، والفقر في الثروة اللغوية عند الطفل حجة لدعوته   هذه .

ثانياً : صحف ومجلات الأطفال :

الصحف والمجلات أقرب الوسائط إلى الكتب ، فهي تستعمل الكتابة والرسم والصورة ، وتصل إلى جماهير الأطفال عن طريق المطبعة .

والذي يميز كتاب الطفل عن مجلته هو أن الكتاب يضم لوناً أدبياً معيناً في الوقت الذي تشكل المجلة اضمامة ملونة من القصص الأدبية الأخرى ، والأخبار ، ولا يمكن لأحدهما أن يكون بديلاً عن الآخر ، لأن لكل منهما دوره في حياة الطفل . (هادي نعمان ، 1986 : 273)

 

ويذكر الدكتور سامي عزيز أن صحف الأطفال قد بدأ معظمها في شكل صحف مدرسية ، أو تحت إشراف هيئات تعليمية ، أو علمية ، أو تربوية ، ويرجع السبب في الربط بين الصحافة والمدرسة ، إلى أن المسئولين عن صحافة الأطفال كانوا يرون أن الوظيفة الأساسية لهذه الصحافة هي التعليم والتربية .

وقد تم إصدار صحيفة "روضة المدارس المصرية" في عام (1870م) بإشراف رفاعة الطهطاوي على شكل صحيفة نصف شهرية يقرؤها التلاميذ ، ويشاركون في جانب من مادتها في شكل موضوعات إنشائية يسمح لهم بنشرها فيها .

وقد استمرت صحافة الأطفال ذات الطابع المدرسي لمدة نصف قرن تقريباً ، ففي عام (1893م) قامت "جمعية التعاون الإسلامي" بإصدار مجلة وصفتها بأنها مجلة مدرسية علمية ، وأسمتها "التلميذ" ، وكانت تصدر أيضاً مرة كل شهر ، مثل مجلة "المدرسة" التي أصدرها مصطفى كامل .

 

وفي عام (1897م) بدأ ظهور صحف الأطفال غير المقيدة بذلك الطابع المدرسي ، وذلك عندما أصدرت جمعية التأليف العلمية في هذا العام "مجلة السعيد الصغيرة" ، وفي عام (1906م) صدرت أول مجلة للأطفال تتضمن جزءاً باللغة الإنجليزية ، وهي مجلة "الكوثر" العلمية المدرسية المنزلية ، والتي أصدرها محمد حسين شفيق .  واستمرت صحف ومجلات الأطفال في الصدور بعد ذلك (فاروق اللقاني ، 1995 : 86-89)

وهي مثل الكتب تستطيع أن تقدم القصص والمسرحيات والأغاني ، ولكنها مقيدة بمساحات يجب أن توزع على عدد كبير من المواد والأبواب ... ولهذا فإن القصة فيها ، أو المسرحية ، إما أن تكون قصيرة بحيث تستوعبها المساحة المتاحة ، وإما أن تكون مسلسلة في حلقات ... وإعداد قصة في حلقات يختلف عن كتابتها مرة واحدة في كتاب .

 

وتعتبر مجلات الأطفال على جانب من الأهمية المتميزة في تقديم خدمات هادفة في التربية ، وتجد إقبالاً متميزاً من جانب جمهور الأطفال ، فهي متخصصة في حقول علومهم ، ومعارفهم ، وأدبهم ، وألوان ثقافتهم المختلفة ، هذا بالإضافة إلى تبنى كتابات الأطفال واستقبال رسائلهم ونشر صورهم . (ثناء الضبع ، 2001 : 63-64)

 

والمجلة تصدر عادة كل أسبوع ، ولذلك فهي تختلف عن الكتاب في الإمكانيات التي يتيحها اللقاء الأسبوعي المتكرر ، كاستقبال رسائل القراء ، والرد عليها ، ونشر صورهم ، وتقديم الأحاجي والألغاز الأسبوعية ، وعرض إجاباتها في الأسابيع التالية ، ونشر المسلسلات ، وإعداد المسابقات والاستفتاءات ، ونشر نتائجها ، وأسماء الفائزين ، وتقديم الأخبار المختلفة ، وابتكار أبواب جديدة ترعى هوايات الأطفال ومواهبهم ، وتنميتها ، وتستقبل إنتاجهم ، وما إلى ذلك ، وهي بهذا تستطيع خلق كثير من الروابط بينها وبين جمهورها من الأطفال . (أحمد نجيب ، 1991: 242-243)

 

أن مجلة الطفل لابد وأن تختلف باختلاف عمر الطفل بحيث تتناسب مع المستوى الفكري والنفسي لتلك المرحلة ، وبالنسبة لحجم تجربة الأطفال الذين ينتمون إلى كل مرحلة .

 

فالطفل في سن الرابعة حتى سن السادسة ، وفي الكثير من اللغات تنفرد تلك المرحلة بمجلات ذات نوعية خاصة تعتمد بالدرجة الأولى على الصور الكبيرة الملونة والجذابة في نفس الوقت ، وتتضمن حيوانات ، وطيور ، أو أسماكاً ، وأشياء مأخوذة من البيئة ، بمعنى أن تكون في الصورة أداة للتعبير ، وأداة لعرض المعلومة المراد نقلها إلى الطفل بطريقة غير مباشرة ، بمعنى أن المجلة في هذه المرحلة لا تخرج عن كونها وسيلة للتسلية وجذب انتباه الطفل إلى وسيلة القراءة تمهيداً أو مدخلاً لبث حب القراءة إلى الطفل . (عواطف عبد الجليل ، 1990 : 258 ، 259)

 

والمجلة بما فيها من محررين وفنيين تستطيع أن تقوم بجولات ورحلات وزيارات مختلفة ، تقدم لقرائها فيها مزيداً من الخبرة الواقعية ، والمتعة والمعرفة ، كما أنها بما لها من مندوبين ، ومراسلين ، وإمكانيات تستطيع أن ترسم خطة واسعة النطاق لتغطية أخبار الأطفال في الداخل ، وربما في الخارج أيضاً ، بما في ذلك أخبار المدارس ، والنوادي ، ومراكز الخدمة ، والمخيمات ، وما فيها من الحفلات والمعارض ، وألوان النشاط المختلفة ، فتربط الأطفال بمجتمعاتهم المختلفة ، وتتيح فرصاً طيبة لتبادل الخبرات ، ثم هي تستطيع أن تستعين بمن تشاء من أصحاب الخبرات التي قد لا تتوفر لمحرريها ، وأن تدبر على صفحاتها لقاءات طريفة مع أصحاب الأسماء التي يسمع بها الأطفال ، ولا يرون أصحابها . (أحمد نجيب ، 1991 : 243) .

 

وتعتبر الصحف إحدى الوسائل البصرية التي تنقل ما يحتويه من أخبار وتجارب وخبرات وأفكار وألوان ثقافية متعددة إلى القراء في كل مكان ، كما تعتبر من أهمها لأنها تعتمد على عنصر الحداثة والتوزيع والتشويق وسرعة الانتشار .  وفي الصحيفة قابلية للتوزيع ، فعدد صفحاتها يجعلها تستوعب أنواعاً وألواناً من الكتابات العلمية والدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية المتنوعة ، وهي بهذا التنوع يتنوع قراءها أيضاً ، وهي تسعى دائماً لإرضاء الغالبية منهم حسب ميولهم ورغباته . (ثناء الضبع ، 2001 :67)

 

وتنقل صحافة الأطفال مضامينها في العادة ، عبر ألوان أدبية وصحفية متعددة من أبرزها : القصة ، والشعر ، والخبر ، والتحقيق الصحفي ، والحديث الصحفي ، والمقال ، والعمود (هادي نعمان ، 1986 : 253)

أهداف صحافة ومجلات الأطفال :

لصحافة الأطفال دورها البالغ في تنمية الطفولة عقلياً ، وعاطفياً ، واجتماعياً ، وأدبياً ، لأنها أداة توجيه ، وإعلام ، وإمتاع ، وتنمية للتذوق الفني ، وتكوين عادات ، ونقل قيم ومعلومات ، وأفكار وحقائق ، وإجابة لأسئلة  الأطفال ، وإشباع لخيلاتهم ، وتنمية ميولهم القرائية ، وهي بهذا تؤلف أبرز أدوات تشكيل ثقافة الطفل ، في وقت أصبحت الثقافة فيه أبرز الخصائص التي تميز هذا الفرد عن ذاك ، وهذا الشعب عن ذاك (هادي نعمان ، 1986 : 231) وقد حددت أهداف مجلة الطفل فيما يلي : الثقافة ، والترفيه ، وتقوية الروابط الأسرية ، وكونها نواة لبناء مكتبة صغيرة . 

 

ولتحقيق تلك الأهداف لابد من : (عفاف عويس ، 1992: 132-133)

 

  1. عناية البيت بحوافز القراءة عند الصغار ، وفي مقدمة هذه الحوافز القدوة .

2.  عناية المجلة في مرحلة الطفولة الأولى بالصورة ، والرسم ، والألوان ، والقصص القصيرة لتحريك خيال الطفل بما يفتح ذهنه لاستقبال الحياة استقبالاً مرضياً .

  1.  أن يكون محور المادة التحريرية في هذه المرحلة هو الحب : حب الله ، الوطن ، الأسرة ، المدرسة ، الخير ، الجمال .

4.  أن تتضمن المجلة أبواباً تساعد على اكتشاف قدرات الصغار وإعدادهم للمستقبل ، وأن يستعان على ذلك بتمارين الألعاب .

  1. أن يكون بث الطمأنينة في نفس الطفل بالنسبة ليومه ونموه جزء لا يتجزأ من مادة المجلة .

خصائص وسمات صحف ومجلات الطفل :

لصحافة الأطفال باعتبارها وسيطاً من وسائط مخاطبة الطفولة خصائص تميزها عن بقية وسائط مخاطبة الطفولة ، منها : كونها فناً بصرياً يعتمد على الكلمة المطبوعة ، والصورة ، واللون ، وهذه العناصر تتميز  بالثبات ، حيث يستطيع الطفل أن يقرأها ، أو يتمعن فيها ، أو يستمتع بها مرة بعد مرة ، في أي وقت يناسبه ، وحسب ذوقه ، كما أن الانتظام الدوري هو خصيصة ذات أهمية في صحف الأطفال ، لأنه يميزها عن الكتابة المتقطعة المتباعدة ، ولصحافة الأطفال باعتبارها وسيطاً من وسائط مخاطبة الطفولة ظروفها الخاصة ، وهذه الظروف تفرض – بين ما تفرض – أسلوباً خاصاً   بها ، يشعر الطفل بخفته وسهولته وجماله ، وتوحي له الكلمة المطبوعة بالفكرة المانعة المؤثرة ، وتهذب الصورة ذوقه ، وتتيح لخياله أن ينطلق ، وتغري الألوان بصره ، وعند هذا تكون الصحيفة رفيقة حبيبة للطفل ، تقدم له الحقيقة والفكرة دون أن تتعبه أو ترهقه ، بل هي تدخل المتعة معها إلى نفسه ، والأطفال يطمحون إلى معرفة الحقائق دائماً ، ولكنهم يريدونها دون عناء كبير ، تستعين صحف الأطفال بمختلف الفنون الأدبية والتشكيلية لتبدو أمام الطفل مشوقة مغرية يسيرة (هادي نعمان ، 1986 : 231)

 

تحاول مجلات الأطفال دائماً صياغة موادها في شكل أدبي ، سواء أكانت هذه المواد أخبار ، أم تحقيقات صحفية ، أو حوار ، أو حديثاً مع  شخصية ، بل أنها أحياناً تبذل جهداً في كتابة الموضوعات العلمية والمعرفية بأسلوب أدبي ، سليم وجميل ، وفي لغة قصصية صحيحة ، الأمر الذي يصبغ المجلة كلها بصبغة أدبية ، تعتبر إضافة طيبة يستسيغها القراء الصغار ، ويستمتعون بها ، وهذا في حد ذاته كسب ، إذ هو قلما يتحقق في صحف الكبار ومجلاتهم ، وهذا النهج نود لو أن كافة مجلات الأطفال أخذت به ، وسارت عليه ، شريطة ألا يصبح الأمر مفتعلاً ، وألا تتحول الموضوعات بها نحو العبارات الإنشائية ، والتعبيرات التي تخرج بها عن الطريق .

 

فالمجلة مدرسة لغوية ، من خلالها تثري لغة الطفل ، ويزداد محصولها اللغوي ، ويتعرف على الكلمات والمفردات والعبارات والجمل السليمة  الصحيحة ، ويتدرب على تذوقها ، وحسن استخدامها ، ملتزمين في ذلك بالقواعد والنحو ، لذلك لابد أن تراعى الدقة كل الدقة في مواردها ، علمياً وأدبياً ، ولغوياً ، ومن هنا يأتي رفضنا الكامل لاستخدام العامية ، كما نأبى استعمال الكلمات بشكل سيء ، ونأبى ولا نرضى ترديد العبارات السوقية ، حتى لو كانت في الفكاهة ؛ إذ تصبح رخيصة رديئة .

 

مجلة الطفل يجب أن تكون رفيعة المستوى لغة ، أو أسلوباً ؛ إذ هي أول لقاء مع الكلمة المكتوبة المطبوعة ، وتنطبع في ذهنه ، وليس من اليسير – إذا كانت خاطئة أو سيئة – انتزاعها منه ، ومن هنا ، نشعر أنه من الضروري أن يكون كاتب الأطفال – حتى لو تخصص في الكتابة العلمية – أديباً ، قادراً على صياغة العبارات في أسلوب رقراق ، ممتع ، سهل ، لكي يتقبله القراء الصغار في رضا ، ومن غير المستساغ أن يكون كاتب الأطفال فقيراً في حصيلته اللغوية ، وفي قدرته على التعبير بوضوح ، وجلاء ، وجمال عن أفكاره ، وليس معنى ذلك أن يلجأ إلى الزخارف اللفظية ، والعبارات الخلابة ، وغريب الكلمات ليقدم موضوعاً أدبياً ، خالياً من المضمون ، خاصة والأطفال قادرون على الفرز ، وعلى إدراك الشوائب ، التي ترد في بعض الأعمال لتشوهها ، وتفسدها ، وتخرجها بالكامل من مجال الكتابة للأطفال . (عبد التواب يوسف ، 1990 : 120-121)

 

وعلى هذا الأساس فإن هناك بعض الملامح التي تميز لغة الطفل منها ما يلي : (محمد حلاوة ، 2000 : 193-195)

 

1.  المجلة – مثلاً – تتضمن موضوعات متنوعة ، فقد نجد في العدد الواحد منها – على عكس الكتاب أو القصة – الجد ، والدعابة ، والخبر ، والمعلومة التاريخية والجغرافية والعلمية ، والحكاية ، والقصة ،   والرياضة ، والفنون والشعر ، وغير ذلك من الألوان ، ففيها من كل بستان زهرة كما يقولون ، وهذا التنوع يتطلب لا ريب نوعان من لغة التعبير لا يتطلبه الكتاب أو القصة ، فالأسلوب اللغوي الذي يستخدم في رواية فكاهة أو طرفة ، غير الأسلوب الذي يستخدم في وصف تجربة علمية ، والألفاظ التي تتألف منها مقطوعة من الشعر غير الألفاظ التي تستخدم في وصفه لطهي وجبة الطعام مثلاً ، وهذا التنوع اللغوي الذي يقتضيه كل موضوع في مجلة الطفل ينبغي أن يضعه المشرفون على تحريرها نصب العين ، وهو أمر غير وارد في كتاب الطفل .

 

2.  من المعلوم أن مجلة الطفل تقرأ ثم تترك غالباً ، وقلة من الأطفال هم الذين يحتفظون بأعداد المجلة ، وإذا فعلوا فمن النادر أن يرجعوا إليها ، وإنما هي حلية في المكتبة ، وذلك على عكس الكتاب الذي يقتنى ، ويرجع إليه   أحياناً .

 

وهذا الفرق يدعونا إلى تبسيط لغة المجلة بقدر الإمكان ، والبعد عن الغريب من الألفاظ ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ؛ إذ ليس لدى الطفل القارئ الوعي ولا الصبر ، ولا الوقت ، لكي يقطع حبل أفكاره ليرجع إلى معجم أو يسأل الكبار في معنى لفظ غريب ، وذلك على عكس الكتاب الذي يقرؤه الطفل على مهل ، وقد يجد في هوامشه شرحاً للغريب من الألفاظ ، ويستطيع أن يرجع إليه في وقت لاحق لكي يعيد القراءة في تأمل وإمعان .

 

لغة مجلة الطفل – إذن – ينبغي أن تكون ميسرة للقراءة الخاطفة   العجلى ، والتي ليس فيها مجال للتروي العميق .

 

3.  المفروض أن تصور المجلة لمخاطبة مرحلة عمرية معينة ، ومن ثم يمكن أن نراعي في اللغة التي تستخدم فيها القدرات اللغوية لمن تخاطبهم ، والخبرات التي تعالجها اللغة باعتبار أنها الوعاء .

 

4.  وهناك خصيصة مشتركة بين مجلة الطفل ، وكتابه ، وقصته المكتوبة من حيث اللغة ، وهي أن أياً منها يقدم للطفل على أنه وسيلة تعليمية فوق أنه وسيلة تثقيفية ، بمعنى أن الهدف المتوخى بمخاطبة الطفل عن طريقها لا يقتصر على ما تقدمه من ثراء ثقافي ، وإنما ينبغي أن تساعده على النمو اللغوي كذلك ، ومن ثم فهناك مسئولية تقع على كل من يكتبون مادتها ، أن يحرصوا على اللهجة الفصحى السهلة المبسطة الواضحة ، وأن يقدموا الألفاظ والتراكيب الجديدة طبقاً لمنهج مرسوم لكي يثري القاموس اللغوي للطفل القارئ ، وأن يستخدموا في تعبيرهم ما يناسب الأطفال من أساليب العربية البليغة ، وأمثالها السائدة ، ونوادرها الطريفة ، لتكون نماذج للغتنا الجميلة يستمتعون بها ، وترقى بذوقهم الأدبي ، وأن يعنوا عناية بالغة بسلامة العبارات من الخطأ اللغوي ، وفي سبيل ذلك ينبغي أن تضبط الكلمات بالشكل لكي يتعود الطفل القراءة السليمة المنضبطة منذ الصغر .

 

كما أنه يوجد بعض السمات والخصائص المرتبطة بالصور والرسوم المناسبة في صحافة ومجلات الأطفال منها ما يلي : (هادي نعمان ، 1986 : 264-269)

 

تصدر في بعض البلدان المختلفة صحف وكتب لا تضم غير صفحات قليلة تعتمد على الصور والرسوم فقط .  وهذه الصور والرسوم بمجموعها تؤلف – في القالب – قصصاً قصيرة أو معلومات عن آداب المائدة أو الطريق أو عن عالم الحيوان ، ويتقبلها الأطفال الصغار الذين تتراوح أعمارهم من  (3-6) سنوات بشغف عظيم ، لأنهم يستطيعون قراءتها من خلال رسومها، خاصة وأن الرسوم والصور تفوق الكلمة في قوة تأثيرها وسهولة فهمها ، وطول فترة التأثير بها ، لأنها تخاطب عيني الطفل وفكره وذوقه وخياله .

 

والرسوم باعتبارها عناصر بصرية تعتمد على نمو حاسة البصر ، كما تعتمد على قدرات الطفل العقلية عموماً ، إضافة إلى اعتمادها على مدى ثقافة الطفل ، لأن فهم الرسم يرتبط بثقافة الطفل نفسه ، شأنه في ذلك شأن اللغة اللفظية ، بل يسمى البعض الرسوم لغة غير لفظية ، وهي بهذا أبعد من أن تكون وسيلة من وسائل التعبير الجمالي فقط . 

 

وأكثر الرسوم شيوعاً في صحافة الأطفال هي الرسوم الكاريكاتيرية Caricature التي تعبر عن أفكار وحوادث ومواقف ، والرسوم الواقعية التي تناسب المضامين التاريخية والعلمية والثقافية ، والرسوم الزخرفية التي تناسب الموضوعات الخيالية أو الشعبية ، وتتميز الرسوم المناسبة للأطفال في مجلاتهم بمجموعة من المميزات من أبرزها :

 

à   أن تكون الصور والرسوم جميلة من وجهة النظر الفنية .

à   أن تناسب مستويات نمو الأطفال العاطفية والعقلية والفنية والحسية .

à أن تستخدم الألوان فيها مع مراعاة درجات التباين اللونية ، وفي حالة إظهار الأضواء والظلال ينبغي مراعاة الدقة التي تفرضها على اللوحة .

à   أن تعبر الصور والرسوم عن الفكرة الرئيسة والأفكار الثانوية الأخرى بشكل دقيق .

à   أن تكون الرسوم معبرة عن البيئة التي تعبر عنها المادة المكتوبة زمانياً ومكانياً .

à   أن يتم التوازن بين المادة المكتوبة وبين الرسوم ، فليس من المناسب أن تطغى الصور على المادة المكتوبة .

à   أن تشكل الرسوم مع المادة المكتوبة وحدة فنية متكاملة من خلال الترابط الوثيق بينهما .

أنواع صحف الأطفال :

هناك صور مختلفة ومتعددة لصحف الأطفال ، فبالنسبة إلى الشكل تقسم إلى مجلات وجرائد ، وبالنسبة إلى المضمون تقسم إلى صحف جامعة ، وأخرى هزلية ، وثالثة إخبارية ، ورابعة رياضية .  وبالنسبة إلى الجهات التي تتولى إصدارها هناك صحف تصدر عن الهيئات والمنظمات ، وأخرى تصدر عن شركات للنشر بقصد الربح .  أما بالنسبة إلى مراحل نمو الأطفال فهناك صحف خاصة بالأطفال في مرحلة الواقعية والخيال المحدد بالبيئة (3-6) سنوات ، وأخرى للأطفال في مرحلة الخيال المنطلق والبطولة (6-12) سنة ، وثالثة للأطفال في مرحلة المثالية أو الرومانسية (من 12 إلى نهاية مرحلة الطفولة) .  كما نجد صحف خاصة بالبنات على نطاق محدود .

 

ونتناول فيما يلي بعض أنواع صحف الأطفال ، وتتمثل في : (هادي نعمان ، 1986 : 232-240)

الصحف الجامعة :

وهذه الصحف هي من أكثر صحف الأطفال شيوعاً ، وتعنى في العادة بنشر المغامرات والقصص والمسلسلات المصورة والطرائف والفكاهات والمسابقات والمعلومات العامة والأخبار والتحقيقات والأعمدة القصيرة ، وتشكل الصحيفة الجامعة أو صحيفة المنوعات إضمامة ملونة يتبارى الأطفال لاحتضانها .

صحف المسلسلات المصورة :

يجد الأطفال في البلدان الغربية بوجه خاص في أسواق الكتب والمجلات فيضاً من صحف الهزليات المصورة ، وهذه الصحف تعتمد على النكتة السريعة التي كثيراً ما تكون مقلباً أو خدعة أو محاولة بائسة ، وقد لا تكون إلا مغامرة أو جريمة ، وقوامها في العادة الرسوم المتتابعة التي تمثل كل واحدة مشهداً كاملاً مع مسمع قصير مطبوع ، منها ما يضحك ، ومنها مالا يضحك .

صحف الأطفال الإخبارية :

 تعنى صحافة الأطفال الإخبارية بالأنباء وتفسيراتها بشكل خاص ، ولكنها لا تقتصر على ذلك ؛ إذ نجد في مثل هذه الصحف إلى جانب ذلك: قصصاً وحكايات وطرائف وتقارير وتعليقات ورسوماً كاريكاتيرية وتحقيقات صحفية .  ولكن الغلبة تظل في مثل هذه الصحف للطابع الإخباري .

صحافة الأطفال الرياضية :

الأطفال يحبون الرياضة باعتبارها لوناً من ألوان اللعب المنظم ، وترنو نفوسهم إلى البطولة الرياضية ويبهرهم أبطال الرياضة .  وصحف الأطفال الرياضية تفتح صفحاتها لمزيد من أخبار المسابقات الرياضية ، وتجري مقابلات مع أبطال ونجوم الرياضة والمدربين الرياضيين والهواة .  وتقدم مثل هذه الصحف إضافة إلى ذلك تمرينات رياضية تصاحبها الرسوم والصور ، لتُعرف الأطفال بأنواع الألعاب المختلفة وقواعدها الصحيحة .

ثالثاً : المسرح البشري ومسرح العرائس :

إذا بحثنا عن أصل المسرح في العالم العربي ، وعن تاريخ بدايته ، وجدنا هذه البدايات تتمثل في المسرح المصري القديم ، حيث قدمت مسرحيات نقل عنها المسرح الإغريقي والروماني والصيني ، وكانت تلك المسرحيات تُقدم في المعابد ، أو على مراكب النيل ، وكان الأطفال يشهدون تلك الاحتفالات ويرغبون فيها .  (محمد حلاوة ، 2000 : 247-248)

 

والأصل في المسرح هو التمثيل ، حيث تعتمد المسرحية على أشخاص يتحركون هنا وهناك ، وأحاديث وحوار يتبادلونه ، ويعبر كل منهم من خلال الحوار عن موقفه ، أو عن رأيه ، أو شعوره نحو الآخرين ، أو نحو موضوع معين ، أو قضية مطروحة ، ومن هنا قضت الضرورة بعرض ذلك على المسرح ، حتى تأخذ المسرحية صورتها الطبيعية الكاملة .

 

ومشاهدة الممثلين على المسرح وهم يؤدون أدوارهم الخاصة ، من شأنه أن يجسم المسرحية أمام المشاهدين تجسيماً حياً ، يجعلهم أكثر اندماجاً (فيما يجرى فيها من أحداث) ، وأكثر ارتباطاً بالأشخاص وأقوى إحساساً بمشاعرهم وأفكارهم ، وأوضح منها لسلوكهم ودوافعهم الخاصة ، وعلى الرغم من أن النص المسرحي هو الأساس إلا أن العمل المسرحي لا يكتمل إلا حين يؤدي على المسرح أمام جمهور المشاهدين . (هدى قناوي ، 1990 : 195)

 

إن مسرح الأطفال يمثل مسرحياً من أجل الأطفال For Children ، الذي يقدم فيه راشدون محترفون أعمالاً مسرحية ينفعل بها الأطفال المتفرجون الذي يستمتعون بمشاهدته . وهذا المسرح يكتبه مؤلف متخصص ، ويخرجه كذلك ويمثله راشدون متخصصون .  (عفاف عويس ، 1992 : 164)

 

ويعتبر العرض الذي قدمته (مدام ستيفاني) عام (1784) في باريس أول عرض مسرحي قُدم للأطفال ، حيث عرفت أوروبا مسرح الطفل وانتشر فيها مع بداية القرن التاسع عشر ، وفي عام (1944) دعت (مدرسة الألسن) بجامعة (نورث ويسترن) إلى عقد مؤتمر لمسرح الطفل على المستوى القومي ، الذي قرر إنشاء مؤسسة دائمة لمسرح الطفل في أمريكا ، مع إنشاء درا نشر للأطفال يتحدد نشاطها على نشر المسرحيات الطويلة للطفل ، وتوالت المؤتمرات الخاصة بمسرح الطفل عاماً بعد عام ، وفي مختلف الجامعات الأمريكية ، وتناولت كل ما يدور حول الموضوع كالدراما والتأليف المسرحي ، ومسرح العرائس ، وعلم النفس والاجتماع ، وفنية مسرح الطفل ، والديكور ، والمناظر ، والملابس ، والإضاءة ، والإخراج ، ... الخ ، وعمل دليل لمسارح الأطفال والتعارف في مقاييس لتقييم المسرحيات ... وهكذا .

 

وعلى الرغم من هذه الجهود المضنية والصادقة في سبيل الوصول إلى مسرح منشود يكون خاصاً بالطفل ، فإن تلك الجهود لا تزال قاصرة عن الوصول إلى تقديم المسرح الأمثل للأطفال ، على الرغم من كون أمريكا هي الدولة المتقدمة ذات الموروث والموارد الفنية والوسائل والإمكانات المتاحة ، فالجدير بنا نحن الشعب العربي أن نحاول جاهدين البحث عن مكان لأنفسنا يواكب ركب الحضارة الحديثة ، مع مضاعفة الجهد في سبيل العمل على إنشاء مسرح جيد لطفلنا العربي ، مع مصداقية البدايات فيما انتهى إليه الآخرون .  (محمد حلاوة ، 2000 : 248-249)

أشكال مسرح الطفل :

مسرح الطفل يهتم إلى جانب النشاط التمثيلي للأفراد سواء أكانوا صغاراً أم كباراً (المسرح البشري) بمسرح العرائس وأشكاله المتعددة ، وهذا بخلاف المسرح الغنائي ، والمسرح التربوي .  وعلى ذلك يمكن أن نقسم مسرح الطفل إلى : النشاط التمثيلي ، مسرح العرائس ، المسرح الغنائي ، المسرح التعليمي .  سوف نتناول كل لون من هذه الألوان المسرحية الخاصة بالطفل بشيء من التوضيح .

1. النشاط التمثيلي (المسرح البشري) :

للتمثيل أهميته الكبرى في مسرحيات الأطفال ، وفي لغات كثيرة ، يعني التمثيل واللعب معنى واحداً ، ولا يعجب من هذا ، فكم يقترب اللعب من  التمثيل ، ولذا يولع الأطفال بالتمثيل باعتباره نشاطاً تلقائياً ، له أبعاد العمل المسرحي ، حيث تختلط فيه الحركات والأصوات والحوار والإخراج . (هدى قناوي ، 1991 : 209)

 

فالأطفال يغلب عليهم الطابع الاندماجي ، والمسرح بخصائصه الدرامية يساعدهم على هذا ، لأنهم يريهم الحوادث أمامهم ، في أماكنها ، وبأشخاصها ، بالإضافة إلى مناظره وديكوراته وإضاءته الساحرة ، التي تتعاون جميعاً على نقل الطفل إلى العالم الذي يسعده أن يعيش فيه ، أي أن عوامل الإيهام المسرحي تتعاون مع خيال الطفل الإيهامي ، وموقفه الاندماجي ، وحالات التعاطف الدرامي على أن نصل به إلى قمة المتعة والانفعال والتأثر إذا أحسن الربط  بينها ، وروعيت الخصائص التربوية ، والسيكولوجية والفنية المختلفة ، بالإضافة إلى خصائص المسرح كوسيط يقدم للأطفال لوناً من أدبهم على صورة نص مسرحي جيد ، فإذا كان الأطفال بعد ذلك هم الممثلون ، فسرعان ما يتقمصون الشخصيات التي يقومون بأدائها بمتعة وسرور .  (أحمد نجيب ، 1991 : 255)

 

ويستخدم التمثيل في مسرح الطفل عادة في المسرحيات التي تحمل محتوى تعليمياً ، أو خلقياً ، أو تثقيفياً أو قومياً ، أو فكاهياً ، أو ترفيهياً ، ومن الضروري في مثل هذه المسرحيات أن تراعي إمكانات الفهم أو إمكانات الآراء الخاصة بالأطفال ، لأن هذا اللون من النشاط المسرحي يجب ألا يقدم للطفل إلا ابتداء من سن العاشرة وما بعدها .

 

وعلى الرغم من أن النشاط المسرحي الذي يقدمه مسرح الطفل يعد وحدة متكاملة ، فإن تقسيمه إلى ألوان متميزة يساعد على تحديد مجالات العمل واحتياجاته بالنسبة لكل لون على حدة ، دون أن يعوق هذا ما بينها من  تعاون ، ولذا يمكن أن تقسم مسرحيات الأطفال التي تستخدم النشاط التمثيلي إلى قسمين .  (هدى قناوي ، 1990 : 210-121)

أ. مسرحيات يمثلها الكبار أمام جمهور من الأطفال :

وهذه المسرحيات تعتمد على إمكانيات الأداء المتوفرة عن الممثلين الكبار المحترفين ، وهي إمكانات أداء على مستوى عال تتفق مع مقدرة هؤلاء الممثلين وكفاءاتهم ، والشرط الأساسي في هذه الحالة هو أن تراعي إمكانات نمو الطفل العقلي ، من حيث فهمه ، وإدراكه لما يقدم له على خشبة المسرح ، وهذا الفهم والإدراك لا يجب أن يراعيه النص فقط ، بل الممثلون أيضاً في حركاتهم ، وتعبيراتهم المختلفة ، على خشبة المسرح ، وكل هذا يمكن أن يتحقق باختيار فكرة تتناسب وعمر الأطفال ، ومستوى نموهم اللغوي والعقلي على وجه الخصوص ، حتى يتسنى لهم فهم حوار   المسرحية ، وأبعاد شخصياتها .

ب. مسرحيات معدة ليمثلها الأطفال لأنفسهم :

وهي مسرحيات يقوم الأطفال بتمثيلها أمام جمهور من الأطفال ، ويهدف هذا اللون من النشاط التمثيلي إلى الكشف عن قدرات الأطفال وتطويرها ، وتنمية العمل الجماعي التعاوني ، وتنمية اتجاهات اجتماعية مرغوب فيها ، وتنمية ميول الأطفال ، وهنا يجب أن تضاف إمكانات الأداء التمثيلي إلى إمكانات الفهم للنص المسرحي .

 

ويضيف كمال الدين حسين (1999 ، "أ" : 271-272) أن عروض مسرح الطفل تنوع من حيث شكلها إلى العروض البشرية ، وتتضمن عروض يقدمها الكبار للصغار ، وعروض يقدمها الأطفال للأطفال ، كذلك عروض مشتركة ، وهي تلك العروض التي يشترك في تجسيدها الكبار والصغار معاً .

 

ولما كان الكاتب بحاجة إلى مراعاة الخصائص المميزة لكل من الكتب والمجلات والإذاعة والتليفزيون ، فهو كذلك بحاجة إلى مراعاة خصائص المسرح التي تميزه عن غيره من الوسطاء ليلتزم حدوده وقيوده ، ويحسن استغلال ما يتوفر لديه من إمكانيات .  وأوضح ما يميز هذا الوسيط وجود : مسرح – وممثلين – وجمهور .

 

وللمسرح حدوده وإمكانياته ، وللمثلين طاقاتهم وقدراتهم ، وللجمهور رغباته واحتياجاته ، وهذا جوهر ما يدخل في اعتبار الكاتب عندما يكتب عمله المسرحي .  ومن هنا تنشأ حاجة الكاتب لمعرفة كل أسرار المسرح وحيله ووسائله الفنية في تقديم برامجه المسرحية ،وهذا يستدعي بدوره من الكاتب أن يحيا وراء الكواليس وسط المناظر والديكورات ، والممثلين والممثلات ، والعمال والفنيين ، ويكون خبرات عملية عما يمكن ومالا   يمكن ، وعما تتيحه تركيبات المناظر ، وعمليات الماكياج ، والمؤثرات الضوئية ، وما إلى ذلك من إمكانيات مختلفة تضفي على عمل الكاتب المسرحي الرونق والبهاء ، وتبعث في أوصال كلماته الحياة ، وتكسبها أبعاداً جديدة ، وأعماقاً خلابة مؤثرة .  وهو في أثناء هذا كله دائم التساؤل بينه وبين نفسه : كيف يمكن أن يخرج من هذه الإمكانيات المسرحية الواسعة عمل فني يشوق الأطفال ويحلق بهم في عالم الأساطير والخيال ، ويغوص معهم ميادين البطولة والمغامرة ، أو يقدم لهم حكايات أصدقائهم من الطير والحيوان ، أو ما إلى ذلك مما يشبع رغبات جمهور المسرح من الأصدقاء ، ويتفق مع مراحل نموهم النفسية والعلمية اللغوية بأسلوب تربوي وفني سليم .  (أحمد نجيب ، 1991 : 256)

2. مسرح العرائس :

مسرح العرائس وسيط ممتاز بين الأطفال وأدبهم ، وله من خصائصه ما يجعله محبباً إليهم ، قريباً من نفوسهم .

 

فلا يوجد شعب في أي مكان في العالم لم يعرف العروسة كوسيلة للتسلية ، للترفيه ، للتعليم ، للنقد الاجتماعي ، كل شعب ... كل جماعة ... كان لها عروستها أو عرائسها : الماريونيت ، خيال الظل ، الأراجوز ، ومن العرائس التي عرفتها مصر وشعب مصر : خيال الظل ، والأراجوز ، اللذان أمتعا الشعب المصري قرون من الزمن .

 

لم يكن الشعب المصري هو الوحيد في العالم الذي عرف العرائس ، واستمتع بها ، وتعلم منها ، فإن نشأة العرائس ترجع إلى العصور والمجتمعات الأسطورية ، حيث كانت العرائس والأقنعة تعملان كناقل للرسائل الشفاهية بين الناس والآلهة ، لتجسيد الآلهة خلال الاحتفالات الدينية .

 

لقد ارتبطت العرائس بخيال الإنسان منذ تاريخه الحضاري فهي نتاج خيال الإنسان الأول ، عرفها قدماء المصريون والفينيقيون ، وعرفتها الحضارة اليونانية قبل أن تعرف المسرح الدرامي البشري نفسه ، لدرجة أنه يمكن القول بأن تاريخ العرائس يتعمق في التاريخ الإنساني بعمق الحضارة البشرية ذاتها ، ومن الثابت تاريخياً أن العرائس كانت أسبق من الإنسان في التمثيل   والتشخيص ، فقد سمح لفنان عرائس يدعى "بوثينوس" بأن يقدم عروضه العرائسية بالماريونت في المسرح الكبير لديونييس في القرن الخامس ق.م. (كمال الدين حسين ، 1999 ، "ب" : 10-11)

 

وفي العصر الحديث نجحت بعض دول شرق أوروبا ، وخاصة رومانيا وتشيكوسلوفاكيا في البلوغ بمسرح العرائس إلى ذروة النجاح ، ومن هذه البلاد خرج المتخصصون في هذا اللون من الفن ، ينشرونه في أغلب دول العالم الحديث .

 

والأطفال اليوم أشد تعلقاً بالدمى والعرائس بعد أن تطور صنعها وأصبحت ذات أشكال جذابة ، وهم يقضون معها أوقاتاً طويلة ، ومنهم من يسعده أن ترافقه دميته إلى مدرسته في الأيام الأولى لدخوله المدرسة ، كي يبتعد عن الشعور بالغربة في المحيط الجديد .

 

ويتميز مسرح العرائس بطغيان الخيال الذي يبتكره الفنان ، إنه عالم خيالي تتسع آفاقه إلى حيث آفاق خيالات الفنان ، وعلى هذا يقال عنه إنه مسرح الخوارق ، حيث نجد فيه الخارق للمألوف ، فالدمية على المسرح ليست صورة للإنسان تقلده وتحاكيه ، كما أنها ليست كلعبة الطفل ، فهي لا تتحرك وتعبر بنفس الطريقة التي يتحرك ويعبر بها الممثل ، وهذا يجعل الدمية وسيلة تعبير توحي بدلالات رمزية ، وبذلك قد تصبح أقوى تأثيراً من الممثل لكل آدميته وطاقاته البشرية .  ومن هنا اكتسب مسرح العرائس ميزة عن المسرح البشري بين الأطفال .  (هدى قناوي ، 1991 : 214)

 

ويقصد بمسرح العرائس المساحة التي تسمح بتحريك الشخوص العرائسية المرتبطة بموقف درامي ، وذلك داخل إطار فني يتيح للمشاهدين مشاهدة العرائس في هذه المساحة (مساحة التحريك أو المسرح) ، وفي نفس الوقت يسمح للاعب بالاختفاء التام عن المشاهدين لتحقيق الإيهام الكامل بواقع عالم العرائس ، ذلك العالم الذي يبهر الطفل والمشاهد .

 

ومع ذلك فهناك حالات قد تسمح بظهور جزء من العروسة خارج هذه المساحة من أعلى ، وحول الإطار المشار إليه ، أو قد تظهر بشكل كامل خارج هذا الإطار ، وتختلط بجمهور المشاهدين مع اللاعب الذي يحركه . (كمال الدين حسين ، 1999 ، "ب" : 81)

 

والفرق بين المسرح البشري ومسرح العرائس يكمن في نوع الممثلين ، فهم في المسرح الأول بشر لهم صفات وأصوات وإمكانيات البشر ، ولا تستطيع الملابس وإمكانات الإخراج بصفة عامة أن تعدل من هذه الصفات البشرية إلا بقدر محدود .  أما في مسرح العرائس فإن الممثلين مخلوقات خيالية أبدعها خيال المؤلف ، وصنعتها موهبة الفنان ، وحركتها إرادة المخرج في إطار واسع من الحرية في مجال الإبداع الفني الذي لا نظير له في المسرح الآدمي ، وهذا يتيح لمسرح العرائس أن يسبح في الخيال ، مما يصعب تنفيذه على المسرح البشري بالأشخاص العاديين .  وهناك من يتصور أن مسرح العرائس يبدأ من حيث انتهت إمكانات المسرح البشري ، ولكن مسرح العرائس له لون فني بخصائصه المميزة ، ويعتمد على النواحي البصرية أكثر مما يعتمد على الحوار اللفظي ، وتزداد قوة هذا الفن واقترابه من خصائصه كلما زادت إمكانية مرئياته في التعبير عن المضمون . (هدى قناوي ، 1990 : 214-215)

 

بالإضافة إلى أن العروسة على المسرح ليست صورة أخرى من الإنسان ، تقلده وتحاكيه ، تماماً مثلما هي ليست لعبة للأطفال ، بل هي هيكل يمثل وفق ما يراه الفنان تمثيلاً غير اعتيادي ، لأن العروسة لا يمكن أن تتحرك وتعبر بنفس الطريقة التي يتحرك ويعبر بها الممثل .  كما أن الممثل لا يمكن أن يقلدها ، وهذه ميزة ذات أهمية ، لأنها تجعل من الدمية وسيلة تعبير مكتملة ، بما توحي به من دلالات رمزية ، وبما تنطوي عليه من إمكانيات تعبيرية ، وهي بهذا تكون أقوى تأثيراً من الممثل بكل آدميته وطاقته البشرية .  وعلى هذا الأساس اكتسب مسرح العرائس ميزة عن المسرح البشري . 

 

فإذا كان المسرح البشري بإمكانياته ومقوماته ومناظره ومؤثراته الضوئية والصوتية ، وحيله المختلفة ، يتفق مع تفكير الأطفال الحسي ، ويستطيع أن ينقلهم إلى العالم الساحر الخلاب ، الذي يسعدهم أن يعيشوا فيه . وإذا كانت المسرحية الناجحة تستطيع أن تستغل عوامل الإيهام المسرحي لتجسم أمام الأطفال ما يتراءى لهم في خيالهم الإيهامي ، أو خيالهم الإبداعي ، وتصل بهم إلى درجات كبيرة من الاندماج والتعاطف الدرامي ، مما يرتفع بهم إلى قمة الثقة والسرور إذا كان هذا يصدق على المسرح بصفة عامة فإنه أكثر ما يكون صدقاً بالنسبة إلى مسرح العرائس بصفة خاصة ، وذلك لأن الفرق بين المسرح البشري ومسرح العرائس يكمن في نوع الممثلين ، فهم في المسرح الأول   بشر ، لهم صفات وأصوات وإمكانيات  البشر ، ولا يستطيع الماكياج ، ولا تستطيع الملابس ، وإمكانيات الإخراج بصفة عامة أن تعدل من هذه الصفات البشرية إلا إلى قدر محدود .

 

أما في المسرح الثاني ، فإن الممثلين مخلوقات خيالية ، أبدعها خيال المؤلف ، وصنعتها موهبة الفنان ، وحركتها إرادة المخرج ، في إطار واسع من الحرية في مجال الإبداع الفني لا نظير له في المسرح الآدمي ، وهذا يتيح لمسرح العرائس أن يسبح في عالم الخيال ، مما يصعب تنفيذه على المسرح البشري بالأشخاص العاديين . (هادى نعمان ، 1986 : 334-335)

 

كما أن العروسة الملك أو الشيطان لا تقوم بتمثيل دور الملك أو الشيطان في المسرح ، بل هي الملك أو الشيطان فعلاً ، فهي مصنوعة لتكون الشخصية التي صممت من أجلها بكل جزء وقطعة منها ، وفي هذا تختلف عن الممثل في المسرح البشري ، حيث يقوم الأخير بتمثيل دور ليس دوره في الحياة ، وشخصيته تختلف عن شخصيته . 

 

من هنا نجد أن العروسة تُعرف بذاتها ولذاتها ، فالأراجوز يُعرف بصفاته كأراجوز ، وعروسة البربري والفلاح ... الخ ، بعكس الممثل الذي يظل إنساناً يقوم بعدد من الأدوار يتفوق في معظمها ، وتنتقل سمعته من دور إلى دور ، ويظل هو في النهاية الممثل الإنسان .

 

والممثل على المسرح يسيطر على حركاته وسكناته ، ويعبر بملامح وجهه عن كافة الانفعالات التي يتطلبها الموقف ، وهذا لا يتأتى للعروسة التي تصنع بتعبيرات ثابتة ، مثلها مثل القناع في المسرح اليوناني ، لكن العروسة تمتاز عن الممثل البشري في مقدرتها على القيام بالمعجزات ، بكل ما يعجز عن أداءه الممثل البشري ، وتكون أكثر استجابة ومرونة لأداء الحيل المسرحية .  وتتطلب العروسة حوار يتناسب مع أسلوب تحريكها وحركاتها ذات الطبيعة العصبية .  (كمال الدين حسين ، 1999 ، "ب" : 12-13)

 

وهناك من يتصور أن مسرح العرائس يبدأ من حيث تنتهي إمكانيات المسرح البشري ، ولكن مسرح العرائس لون فني له خصائصه المتميزة ، ويعتمد على النواحي البصرية أكثر مما يعتمد على الحوار اللفظي ، وتزداد قوة هذا الفن واقترابه من خصائصه كلما ازدادت إمكانية مرئياته في التعبير عن المضمون .

 

ومن الواضح أن مجالات الحرية والابتكار والإبداع في مسرح العرائس تفوق نظيرتها في المسرح البشري إلى درجة كبيرة غير محدودة ، وهذا يتيح للكاتب أن يسبح مع الأطفال في الأجواء التي تشوقهم وتتفق مع خصائص مراحل نموهم بحرية نادرة ، وانطلاق لا تحده قيود المسرح البشري العادي .

 

وهنا يجب أن نعود إلى النقطة الجوهرية عند الحديث عن أي وسيط من الوسطاء في أدب الأطفال ، ونعني بها ضرورة أن يحيط الكاتب علماً بخصائص الوسيط وإمكانياته المعينة ، حتى يحسن الاستفادة منها إلى أبعد الحدود ، ويلتزم ما تفرضه عليه من القيود . (أحمد نجيب ، 1991 : 258)

 

ويمكن تقسيم العرائس المسرحية إلى ثلاثة أنواع هي :

أ. عرائس اليد أو العرائس القفازية :

عرائس القفاز كانت أكثر انتشاراً في أوروبا في العصور الوسطي ، وذلك على المستوى الشعبي ، ففي رومانيا كان لاعبوا العرائس يجوبون المدن والقرى قاصدين الأسواق والمهرجانات الشعبية , حاملين صناديق العرائس على أكتافهم ، ويعرضون فنونهم على الشعب كله ، وكانت العروسة الأساسية تدعى "فاسيلاس" التي تشبه أراجوزنا المصري   المعروف ، هكذا كانت عرائس القفاز أوروبية المصدر والنشأة ، عرفتها مصر عن طريق الأوروبيين الوافدين عليها ، خاصة اليونانيين ،  والإيطاليين ، والفرنسيين ، بدليل أسبقية وجودها في أوروبا عن مصر ، وعلى حين ذكر الجميع بأن عرائس خيال الظل قد وجدت في مصر ، واقتران وجودها بالحكم الفاطمي لم ترد إشارة عن عروسة القفاز في   مصر ، فلم يخص أي من الباحثين بالذكر : الدمى المتحركة المسماة بالأراجوز التي يحتمل أن تكون موجودة خلال القرن التاسع عشر وما قبل ذلك ، إلا أنه ما أن نصل إلى مطالع القرن الحالي حتى نجد مسرح الأراجوز الشعبي قد اتخذ صورة خيمة ذات ثلاث جوانب مقامة على قوائم خشبية يختفي داخلها اللاعب ، وألاعيب الأراجوز الشعبي تشبه إلى حد ما فضول خيال الظل في العهد العثماني ، حيث يتضارب "حاجي داوود" و"قرة جوز" بالعصى ويتشابكا أحياناً فيما يشبه التحطيب .

 

ويُرجح سبب انتشار عرائس القفاز أو الأراجوز في مصر إلى هجرة خيال الظل المصري إلى تركيا ، حيث يقول أن ارتحال خيال الظل المصري إلى تركيا أتاح الفرصة لظهور عرائس من نوع جديد ، سرعان ما استحوذت على اهتمام الجماهير الشعبية في مصر ،وصارت وسيلتها المحببة الأولى في الترفيه والتسلية والضحك ، ونعني بها عرائس القفاز . 

 

وقد جاء الأراجوز إلى مصر بعد مجيء الحملة الفرنسية ، وقد ظهر أول الأمر على بعض المسارح ، ثم أصبح عادياً أن يرى في الأماكن   العامة ، وقد أستغله الفرنسيين عند قدومهم لمصر عام (1798) ليقنع المصريين بأن نزول الحملة الفرنسية في أراضي مصر إنما هو في  صالحهم ، وذلك من خلال ما كان يقدم من فقرات تسخر من المماليك ، وسبل حياتهم ، وبعد رحيل الحملة الفرنسية بقى الأراجوز ، وتبلورت أثناء ذلك شخصية الأراجوز التي اكتسب أسمها تحريفاً عن عروسة خيال الظل التركي المعروف باسم "قرة جوز" ، وهكذا عرفت مصر عروسة الأراجوز والقفاز بعد أن عرفت خيال الظل . (كمال الدين حسين ، 1999 "ب" : 15)

 

وتلك العرائس تستخدم اليدين في تلعيبها ، وتعتمد في حركتها على حركة أصابع يد اللاعب ، وفيها يتحرك الرأس (رأس العروسة) بواسطة الإصبع السبابة ، بينما يحرك الإبهام والوسطى ذراعي العروسة. ومع بساطتها إلا أنها تحتاج لمهارة وتدريب شامل لتحريكها ، ومن أشهر عرائس القفاز على المستوى الشعبي عروسة الأراجوز ، وتتنوع عرائس القفاز ما بين البشر والحيوانات حسب النص المسرحي .(كمال الدين حسين ، 1999، "أ" : 273)

ب. العرائس ذات الخيوط "عرائس الماريونت" :

وهي العرائس التي يستخدم في تحريكها الخيوط أو الأسلاك ، وهي أكثر تنوعاً في الحركة من عرائس القفاز ، فالعرائس التي تحركها الخيوط تكون قادرة على أداء ألعاب الهواء كالنسور ، والحركة ، والقفز ،   والسباحة ، والحركات العادية ، ذلك تبعاً لطبيعة تصميمها .(كمال الدين حسين ، 1999 ، "أ" : 273)

ج. خيال الظل :

عرف المصريون فن خيال الظل ، أو كما يسمى أحياناً ظل الخيال ، أو طيف الخيال ، أو خيال الستار ، منذ القرن الثالث عشر أو قبل ذلك   بقليل .

 

إن هذا الشكل من أشكال التعبير في الفن الشعبي وهو ما يسمى بخيال الظل إنما هو فن كوميدي لاقى قبول من قبل العقلية العربية الشعبية ، وكان واسع الانتشار بين الناس ، نظراً لأنه يحقق لهم ما عجزوا عن تحقيقه في واقعهم الحياتي ، وتلك كانت وسيلة العرب الوحيدة في الإعراب عن بعضهم لحكامهم وللأحباب ، والإعراب عما كانوا يقاسونه في ظل تلك الظروف . (أحمد صقر ، 1998 : 54-55)

 

ويعد خيال الظل نوعاً من التشخيص المسرحي الذي يجرى فيه التمثيل على ستارة من القماش الأبيض ،حيث تنعكس عليه من الخلفية ظلال العرائس التي صنعها المخايل من الورق المقوى أو القماش أو الجلد ، وعن طريق مصباح يوضع خلف هذه العرائس ، ثم تحريك هذه العرائس عن طريق خيوط ، ويصاحب الحركة صوت يسمعه المشاهدون ، حيث يقدم صاحب البابة أو المخايل - كما يسمى أحياناً - بتقليد الأصوات ، وتقديم نماذج الشخصيات ، مع تنويع نبرات صوته ، وفي أحيان أخرى كان يلقي الحوار بمشاركة أحد الأفراد الذين يشاركون في الإلقاء والحوار .

 

وظل العروسة يكون عبارة عن سلويت أسود ، أو ملون ، حسب المادة التي تصنع منها العروسة ، وهي تصنع من الورق المقوى ، أو الجلود السميكة (جلود الحيوان السميك) ، وهذه تظهر ظلها أسود اللون ، أومن الجلد المعالج بطريقة خاصة تكسبه شفافية تعكس الألوان التي بها الجلد   "العروسة" ، فيبدو ظلها على الشاشة ملوناً مزركشاً ، فيزيد ذلك من الإمتاع الذي يشعر به المتلقي .

 

أما حركة العروسة فتتم من خلال عدد من المفاصل التي توجد بين جسم العروسة وأطرافها ، أو بين أجزاء الأطراف المختلفة ، ويتم التحكم في حركتها بواسطة عدد من القضبان تثبت بأجزاء محددة من العروسة ، ويحركها اللاعب القابع خلف الستار بعيداً عن المصدر الضوئي بيديه ، ناطقاً بالجمل الحوارية ، محاكياً لهجة وأسلوب الشخصية التي تجسدها العروسة ، وهكذا تتحقق درامية هذا الفن . (كمال الدين حسين ، 1999 ، "ب" : 87)

 

وعلى هذا فليس مسرح العرائس تصغيراً للمسرح بصفة عامة ، وإنما هو فن قائم بذاته ، وله أصوله وطرقه في التعبير ، وهو مسرح واسع الإمكانيات ، يمكن أن يتم التعبير فيه عن كل الأجواء والظروف والحركات والتعبيرات ، وليست العرائس نسخة أخرى من الإنسان تقلده وتأتي حركاته ، ولا هي لعبة من ألعاب الأطفال ، بل هي هيكل يحركه الإنسان ، فيمثل .  (هدى قناوي ، 1990 : 218)

 

وطبيعة العرائس البعيدة عن طبيعة الممثلين في المسرح البشري تفرض أن تكون لها خصائصها وفقاً للدور الذي تؤديه ، وأن تكون أصواتها خاصة بها ، أي أن لا تكون أصواتاً اعتيادية ، ويميل محركو العرائس إلى التكلم من حناجرهم أو أنوفهم ، ولكن بظهور الآلات الحديثة أمكن التحكم آلياً بالصوت الآدمي ، وكان لاعبو العرائس القدماء يستخدمون زمارات مختلفة الأطوال والأحجام لإخراج أصوات متميزة عن الأصوات الاعتيادية . (هادي نعمان ، 1986 : 336)

 

وبقدر ما يمتع هذا الفن الكبار الذين هم أصحابه في المقام الأول ، فإنه أيضاً يستحوذ على اهتمام الأطفال ، ويثير دهشتهم ، بما يحققه لهم من انطلاق في عالم الخيال والفانتازيا بسهولة ويسر ، فقط ضع عروسة في يد طفل وشاهد ما يمكن أن يحدث ، ستشاهد كلاً من الطفل والعروسة قد انطلقا إلى حياة خاصة بكل منهما ، ويندمجا معاً في حياة واحدة يتعايش فيها الطفل مع عروسته ، ويبدأ في التحاور ناطقين لألفاظ تمهد لمهارة الحديث  والتحاور ، ويبدءا في الحركة معاً ، ويتعاملا مع الواقع من حولهما  لاكتشافه ، ومع الشخصيات المتوهمة ، أو العرائس الأخرى ليقيما معها علاقات متنوعة ، كل هذا ما يمكن أن يحدث بدون وجود مسرح أو نص أو مشاهدين . (Hansj S., 1976: 2)

استخدامات مسرح العرائس ووظيفته التعليمية :

اهتمت الدول المتحضرة اهتماماً كبيراً بتعليم الصغار وتثقيفهم عن طريق مسرح العرائس ، حيث تقدم من خلاله المعلومات ، والمواد الدراسية المسرحية ، والإرشادات والتوجيهات ، وأكبر الخبرات التي يحتاجها الطفل في سنين حياته ، كل ذلك بأسلوب محبب للصغار .

 

ولمسرح العرائس التعليمي وظائفه التعليمية المتعددة الجوانب ، كما أن إعداد المسرحية من قبل الأطفال ، وتحديد شخصياتها ، أو إنتاج  العرائس ، وإعداد المناظر الخلفية ، وإعداد المسرح للعرض ، وغير ذلك غالباً ما يكسب الطفل خبرات متعددة ، ومهارات متنوعة ، كما يخلق جواً من المشاركة ، والتعاون والعمل الجماعي الذي قلما يدرب عليه الطفل إلا في المدرسة . (هدى قناوي ، 1990: 218)

 

كما يوفر فن العرائس العديد من القيم التربوية والتعليمية ، والتي نلخصها في : (كمال الدين حسين ، 1999 ، "ب" : 41-45)

 

1.  تنمي العرائس التفكير الإبداعي واستخدام الخيال لدى الطفل : تمتاز كل مرحلة أو خطوة نمر بها في عالم العرائس – سواء أثناء التصنيع أو التشغيل – باعتمادها على الخيال واستخدامه بشكل إبداعي ، واستخدام الخيال بشكل إبداعي واحد من أهم القدرات التي نحاول إنمائها لدى الأطفال .

2.  إتاحة الفرصة للأطفال لاختيار مواقف من الحياة : فمن خلال عروض العرائس يمكن أن يتعرف الطفل على تجارب الآخرين ، وأفكارهم ، ورغباتهم ، تلك الأفكار والرغبات التي قد تكون جديدة على الطفل ، ولم يسبق له مواجهتها ، بذلك ومن خلال الاستماع بشكل فانتازي وصحي يمكن للطفل أن يعايش هذه الخبرات .

3.  تساعد العرائس الأطفال على إدراك ذواتهم : وتكمن فائدة هذه القيمة في أنها تساعد الطفل على الوعي بذاته ، ذلك الوعي الذي يؤدي إلى تغير السلوك ، فمن خلال ملاحظته مدى الحزن الذي يتعرض له الضعيف أمام تلك العرائس الفائقة العدوانية ، والتي تسبب له الأذى ، قد يؤدي ذلك الإدراك بالطفل إلى أن يغير منهجه وأسلوب رد الفعل لديه تجاه الآخرين .

4.  تساعد العرائس على الكشف عن القلق الدفين ، وإزاحة التوتر : فالعرائس تتيح للأطفال الواقعين تحت ضغوط نفسية ، ومصابون بالقلق إلى أن يسقطوا تلك الضغوط على العروسة كموضوع غير حي ، وبذلك يجدوا متنفساً لتجاوز القلق وإزاحة ما بهم من توتر ، وبذلك يتجهوا إلى مناطق الأمان النفسي ، خاصة وأن المشاعر السلبية التي يتم التعبير عنها تكون ذات تأثير هدام على الصحة العقلية والفيزيقية للطفل ، ومن هنا تأتي أهمية العرائس في المساعدة على التعبير عن تلك الأفكار المتسلطة على العقل ، الأمر الذي يعمل على إزاحة الضغوط الانفعالية بشكل غير ضار ، وبذلك تحقق صمام أمان عظيم للطفل .

  1. تساعد العرائس على تشخيص بعض عيوب النطق والاضطراب النفسي والاجتماعي .

6.  تساعد العرائس الأطفال على التعبير دون خوف من عدم قبول إبداعهم من قبل الآخرين ، وبهذا تحقق العرائس للأطفال ذلك الأمان السحري الذي ينطلقوا خلاله بإبداعهم آمنين .

7.  تتحمل العرائس نتائج السلوك الخاطئ أو المرفوض : لأن الطفل يمكن أن ينفصل عن عروسته المخطئة ، بل والأكثر من ذلك يلقي اللوم على تلك العروسة المهملة أو الغبية التي أخطأت في سلوكها ، وليس الطفل مسئول عن تحريكها ، وبذلك ينجو الطفل من اللوم أو الضغوط التي قد يتعرض لها إن أخطأ .

8.  تساعد العرائس على نمو مهارات التواصل : فالطفل يسعى من خلال العروسة إلى التفكير جيداً فيما سوف يقوله من كلمات حتى يفهم زملاؤه ما يريد أن يعبر عنه من أفكار .

  1. تساعد العرائس على طول فترة الانتباه لدى الأطفال .

10.  تساعد العرائس في العملية التعليمية .

11.  تتيح العرائس فرصة العمل الجماعي ومشاركة الآخرين أفكارهم .

12.  تقدم العرائس فرصاً عديدة لحل المشاكل بدلاً من التعامل النظري   معها .

13.  تساهم العرائس بالعديد من الأساليب لتدعيم الوعي بالذات .

14.  تساعد العرائس على بناء الذات بصورة إيجابية .

15.  يساعد فن العرائس على تطوير المواهب الفنية والدرامية .

16.  يتكامل فن العرائس مع العديد من مجالات المنهج التعليمي .

17.  تحقق العرائس المتعة وهي القيمة التي نحتاجها عادة في ثقافتنا .

 

 

3. المسرح الغنائي :

وفيه تقدم التمثيليات الشعرية ، والنثرية بأنواعها المختلفة ، سواء أكانت تعليمية أم خلقية ، أم تثقيفية ، أم قومية ، كما تقدم الأغاني ، والأناشيد (الأوبريتات) ، والعروض الغنائية ، وما إلى ذلك .

 

وكان من أكثر الشعراء اتجاهاً إلى نظم الشعر للأطفال الشاعر "الهراوي" ، فقد نظم موضوعات تهم الأطفال ، وتدور حول الحيوانات الأليفة ، والآباء ، والأمهات ، والأخوة ، والصناعة ، واختار للصغار اللغة السهلة ، والوزن المناسب تبعه بعد ذلك شعراء كثيرون ، استطاعوا بأشعارهم أن يلبوا رغبات الأطفال وحاجاتهم في مراحل نموهم المختلفة ، والأطفال يحفظون الشعر لما فيه من نغم وموسيقى ، يضاف في الشعر المسرحي إلى هذا عنصر تشويق الأطفال إلى معرفة أحداث المسرحية ، كما أن الأحداث تضفي على المسرحية جواً يحبب الأطفال فيها ، فيتناولونها بحب وشغف ، وحين يقوم الأطفال بالإنشاد ، أو التمثيل ، فإنهم يعيشون جو القصة الممسرحة ، ويتقمصون الشخصيات التي تردد النشيد ، وليس هناك شك في أن المسرحية بهذا تقرب معاني القصة إلى الأذهان وتهيئ الأطفال لفهمها . (هدى قناوي ، 1990 : 219)

4. المسرح التعليمي :

يمكن القول أن المسرح التعليمي شكل من أشكال التعبير الإنساني الذي يهدف إلى تعليم وتنوير المتلقي من خلال توظيف تقنيات فن المسرح التي تعتمد على فنون البناء الدرامي للنص ، وفنون الإخراج للعرض .

 

والمسرح التعليمي هو في الأول والأخير مسرحاً ينتمي إلى فن المسرح بكل إيجابياته ، وبكل مدارسه ومذاهبه داخل المؤسسات التعليمية (كمال الدين حسين ، 1999 : 116-118)

 

ويعرف المسرح التعليمي بأنه مجموعة من النشاط المسرحي بالمدارس التي تقدم فيها فرق من تلاميذ المدرسة أعمالاً مسرحية لجمهور يتكون من زملائهم وأساتذتهم ، وتتفاوت هذه الأعمال في درجة إتقانها ، وفي درجة إشراف الراشدين عليها ، ولكنها تعتمد أساساً على إشباع هواية التمثيل ، وتنطبق أساساً على جمعيات التمثيل ، ونوادي التمثيل التي تعرض أعمالها المسرحية لجمهور معروف يتعاطف مع جمعية التمثيل بالفصل ، أو جمهور عريض من تلاميذ المدرسة ، والمدرسين ، وأولياء الأمور . (عفاف عويس ، 1992 : 165)

أهداف المسرح التعليمي :

يحقق المسرح التعليمي هدف عام ، وهو إظهار الإمكانيات البدنية ، والعقلية ، والنفسية لدى الأطفال ، وتكوين مواقف واتجاهات إيجابية تجاه القيم الإنسانية المطلقة ، مثل الحق ، والحب ، والخير ، والجمال ، من خلال استخدام المسرح كوسيلة تربوية وتعليمية ، كذلك يحقق الأهداف الخاصة التالية : (أحمد إبراهيم ، 1999 : 15-16)

أولاً : الأهداف الدينية والأخلاقية :

  1. دعم القيم الدينية .
  2. تحقيق التوازن بين القيم المادية والروحية .
  3. توضيح ودعم القيم الأخلاقية الفاضلة ، وتكوين مواقف إيجابية تجاهها .

ثانياً : الأهداف العلمية الثقافية :

  1. تقديم الحقائق العلمية عن الإنسان والمجتمع والبيئة .
  2. تقديم الحقائق العلمية عن العلوم الطبيعية .
  3. تقديم الحقائق العلمية عن العلوم الإنسانية .

ثالثاً : الأهداف الاجتماعية والوطنية :

  1. التعريف بالمجتمع ومؤسساته ، وقوانينه ونظمه .
  2. دعم الانتماء الوطني .
  3. دعم الانتماء للحضارة العربية .
  4. دعم الانتماء للحضارة الإسلامية .

رابعاً : الأهداف الشخصية والإنسانية :

  1. تنمية المشاعر الإنسانية وعدم التعصب .
  2. دعم أساليب التفكير والسلوك المنطقي والسوي .
  3. التغلب على المشكلات السلوكية والنفسية .
  4. تنمية الملكات الفنية واللغوية عند الأطفال .
  5. تنمية الخيال الإبداعي عند الأطفال وحب الجمال وتذوقه كقيمة مجردة غير نفعية .
  6. إكساب الأطفال مزيداً من الخبرات عن طريق المحاكاة .
  7. شغل أوقات فراغ الأطفال بنشاط ذو عائد سلوكي وتربوي إيجابي .

 

ويساعد المسرح كوسيلة تعليمية على تنمية مجموعة من المعارف وتعديل بعض الاتجاهات والمفاهيم والقيم لدى الأطفال سواء داخل الفصل من خلال المسرحيات التعليمية التي تعتمد على مسرحة المناهج ، أو المسرحيات الموسمية التي تقدم من خلال الأنشطة المسرحية لجماعة التمثيل .

ومن أهم الأهداف التربوية التي يمكن للمسرح إكسابها للأطفال ما يلي : (كمال الدين حسين ، 1999 ، "ب" : 125)

 

  1. تنمية الحس اللغوي بالاهتمام بالعروض التي تصاغ باللغة العربية السليمة .

2.  تفسير وتيسير بعض المقررات الدراسية والمفاهيم العلمية المتنوعة من خلال الإعداد الدرامي لها في عروض قصيرة تقدم داخل الفصل الدراسي .

3.  تنمية الانتماء ، وحب الوطن من خلال الموضوعات المسرحية التي يتم اختيارها متضمنة بعض الأحداث التاريخية المهمة في تاريخ الوطن ، أو التي تقدم بعض النماذج الإيجابية من الشخصيات المؤثرة في تاريخ الوطن .

4.  تنمية روح التنافس الحر الشريف بين الأطفال من خلال عقد مسابقات دورية بين الفصول لتقديم بعض المسرحيات القصيرة المناسبة للمرحلة العمرية .

5.  تنمية بعض الجوانب الأخلاقية والدينية المرتبطة بالثقافة العامة للأمة المثقفة مع الشرائع السماوية والتي تقدم من خلال النصوص المسرحية المهتمة  بذلك .

 

ويمكن تحديد أهداف مسرح طفل الروضة في أربعة محاور أساسية  هي : (عواطف إبراهيم ، 2002 : 34)

 

‌أ.       إثارة وعي الطفل بإمكاناته الفطرية : العين ، الأنف ، الأذن ، الفم ، والأيدي ، والقدمين ، الحركة ، الزمن ، المشاعر .

‌ب.  إتاحة الفرص المناسبة لاستخدام الطفل لإمكاناته الفطرية ، وتنميتها في أعمال مختارة من حياته اليومية .

‌ج.  مساعدة الطفل على بناء تصور سليم لذاته وتصور سليم لبيئته الطبيعية والاجتماعية ، فضلاً عن بناء تصور سليم للزمن .

‌د.  في ضوء تكامل النظرية المعرفية ونظرية التعلم الاجتماعي تعتبر   المشاهدة ، والممارسة والمنافسة والتطبيقات العملية من (تدريب حسي ، أشغال يدوية) والفنية (حركية ، لغوية ، وموسيقية ، ودرامية) جزءاً لا يتجزأ من برنامج الأنشطة اليومي الذي تتناول موضوعاً يأخذ شكل وحدة تربوية ذات أفكار مترابطة قائمة على الخبرة .

رابعاً : الإذاعة والتليفزيون :

الإذاعة والتليفزيون وسيطان من لون جديد ، يعمل من خلال حاستي السمع والبصر ، ولا يستعمل الكتابة والطباعة ، وبالتالي لا يحتاج من الأطفال إلى مستوى معين من القدرة على القراءة .  وهذا الأمر على جانب خاص من الأهمية ؛ حيث إن المطلوب هنا هو الكتابة للأطفال بما يمكن أن يفهموه إذا سمعوه ، أما بالنسبة للكتب والمجلات فإن المطلوب من المؤلف أن يكتب ما يستطيع الأطفال قراءته أولاً ، ثم فهمه بعد ذلك ، وفي هذا قدر أكبر من الصعوبة . (أحمد نجيب ، 1991 : 248)

1. الإذاعة :

تعتبر الإذاعة من أهم الوسائل الإعلامية والثقافية تأثيراً على لغة   الطفل ، وتنمية هذه اللغة ، وهي تتجاوز حدود الزمان والمكان ، وهي تتميز أيضاً بقدرتها على مخاطبة الأطفال على اختلاف أعمارهم ، وثقافاتهم ، وخبراتهم لاعتمادها على عنصر اللغة اللفظية ، مما يجعلها مجالاً للجميع يجدون فيه ما يخصهم .

 

إن الوسيط في نقل ما تقدمه الإذاعة إلى الأطفال هو"المذياع" ، وهو جهاز رخيص الثمن ، سهل الاستعمال ، ومتاح للجميع ؛ ولذلك كتب له الانتشار بين الناس ، وتمتاز الإذاعة باعتمادها على خاصة التنوع فيما تقدمه للأطفال من مواد وبرامج وأخبار تجعلهم يتجهون إليها . (ثناء الضبع ، 2001 : 57)

 

فإن برامج الأطفال في الإذاعة هو فن مسموع ، يعتمد على الأذن ، في الأساس ، وحين يحمل مضموناً ثريا ويتخذ شكلاً فنياً جميلاً ويطرق آذان الأطفال بهدوء ، ويتناغم مع أحاسيسهم ، فإنه – ولاشك – يسهم في تشكيل وجدانهم ، ومعاونتهم على النمو السليم .

 

كما أن برامج الأطفال في الإذاعة مجال آخر من مجالات الاتصال بجمهور الأطفال ، وعلى ذلك فمضامينها تؤلف جزء من أدب الأطفال .  والإذاعة تعتمد على الصوت فقط ، أي أنها تعتمد على حاسة السمع ، وحين تنطلق الأصوات عبر الأثير ، فإن حاسة البصر قد تعطي المجال للأذن لالتقاطها لتتحول فيما بعد إلى صورة حسية وذهنية ترسمها المخيلة ، وقد لا تعطي مثل هذا المجال حين تكون مشغولة في التطلع إلى شيء آخر شاغلة معها الذهن .  والاستماع في حد ذاته يتطلب شيئاً من الجهد ، إذ نادراً ما يستطيع الفرد الانصراف إلى الاستماع دون أن يجد نفسه قد انشغل بنشاط مرئي آخر .

 

وعلى هذا ، ومن أجل أن تحول الإذاعة دون انشغال الطفل بعيداً    عنها ، ينبغي لها أن تستولى على مشاعره ، ولن يتهيأ لها ذلك إلا من خلال الأصوات الحسية ، والكلمات المعبرة ، والمؤثرات الصوتية الدافعة ، والمضامين المثيرة . (هادي نعمان ، 1986 : 337-338)

 

ومن أجل هذا فالصوت الإذاعي يتحمل الكثير من الأعباء الثقيلة من أجل أن يشد آذان الأطفال إليها ، رغم عدم وجود الأضواء والديكور وحركات الممثلين ، ومع هذا فهو يوفر للأطفال ألواناً فنية متنوعة من أدبهم وجب على من يكتب البرامج الإذاعية أن يكون ملماً بالاعتبارات النفسية والتربوية   للأطفال ، وعلى علم بخصائص الكتابة الإذاعية ، وإمكانيات العمل الإذاعي من حيث ما به من حدود وقيود خاصة قد تحده ، وما له من مميزات ، وما لديه من إمكانيات نوعية خاصة به ، فيلتزم الحدود التي تقيده ، ويحسن الإفادة من المميزات والإمكانات المتاحة . (مفتاح دياب ، 1995 : 99-100)

 

وإذا كانت وسيلة التعبير في الإذاعة هي الصوت ، فإنها يمكن عن طريق النص الجيد ، والإخراج الدقيق الحساس الواعي ، وحسن استغلال الإمكانيات الإذاعية ، أن تصل إلى استثارة خيال الطفل ، وما أقواه وأرحب  أفقه ، فتجعله يعيش في أحداث البرامج الإذاعية ، وسط خياله التوهمي ، أو الحر ، وقد اندمج اندماجاً تاماً قد لا يتاح للطفل الذي يشاهد نفس البرنامج في التليفزيون أن يصل إليه ، رغم أنه يرى المناظر أمامه بعين رأسه .  ومرد هذا إلى أن إخراج المناظر الخيالية في التليفزيون من الصعوبة بمكان كبير ، ورؤية المنظر أمام المشاهد لا تدع لخياله فرصة كافية للعمل ، على حين أن الإخراج الإذاعي الموهوب يمكن أن يستغل طاقات الخيال غير المحدود الموجود عند الأطفال .  وهنا تكون مهمة الكاتب أن يتيح للمخرج الفرص المناسبة لتحقيقه ، هذا وتكون مهمة المخرج أن يحسن الاستفادة من هذه الفرص للوصول إلى التأثير المنشود . (أحمد نجيب ، 1991 : 248-249)

 

أما على صعيد التقديم فيجب أن يكون صوت مقدم البرنامج المسموع للأطفال من الأصوات المألوفة والمعبرة في نفس الوقت ، كما يجب أن يتمتع المقدم بقدراته على استعمال المفردات المحببة للأطفال ، والتي تجذب   اهتمامهم ، فهناك بعض المفردات التي تقرب المقدم من جمهور الأطفال ، وهناك مفردات على النقيض تنفر الطفل من الاستماع للبرنامج .

 

أما المضمون أو المحتوى فيجب أن يراعي مستوى الأطفال من النواحي العقلية ، والانفعالية ، وخبراتهم في كل مرحلة ، وقدراتهم اللغوية والمعرفية ، وما يقع ضمن إطار ميولهم ورغباتهم ، وأن يعمل على صقل مواهبهم وتبني إبداعاتهم .

 

 أما في مجال اللغة فينبغي في برامج الإذاعة المسموعة المقدمة للأطفال أن يراعى نموهم اللغوي وخصائصهم في كل مرحلة ، فاللغة كما هو معروف نوع من أنواع التعبير ، ووسيلة من وسائل النجاح في الوصول إلى عقل الطفل ، ومخاطبة انفعالاته ووجدانه . (ثناء الضبع ، 2001 : 59-60)

 

ولما كان الطفل كثير الشرود ، ولا يقوى على الانتباه الطويل ، لذا كان من الضروري أن تكون مسامع البرنامج موجزة ، ومكثفة ، وأن يجد الطفل في كل فقرة ما يشد انتباهه ، وما يدعوه إلى متابعة الفقرة التالية ، والروح الخفيفة التي يخفق بها البرنامج ، وأجواء المرح تقيم بين الطفل والبرنامج معبراً لا تقوى أي موجة عابرة على اجتياحه .

 

والإيجاز في النص الإذاعي لا يبيح لنا أن نختصر إلى الحد الذي يمسي فيه من الصعب على الطفل أن يقف على ما نريد بسهولة ، لذا وجب أن يقترن الإيجاز بالوضوح ، لأن الطفل يصاب بضيق شديد حين يجد مادة مقدمة له لا يقوى على فهمها ، كما أننا حين نغالي في الشرح والتفصيل نجد – بعد حين – أننا نتحدث إلى أنفسنا ، فقد عزف عنا الطفل وتبرم .

 

والخلاصة أن برامج الأطفال شأنها شأن كل ألوان أدب الأطفال ، يتعين أن تتحدد وفق مراحل العمر شكلاً ومضموناً ، لأن اهتمامات وميول وقدرات وحاجات الأطفال تختلف من طور إلى طور .

 

والكتابة للإذاعة بوجه عام لون أدبي له أبعاده وخصائصه المتميزة ، بل هناك من يذهب إلى القول أنه فن قائم بذاته ، أما الكتابة للأطفال من خلال الإذاعة فهي جانب من هذا الفن ، وهي ولا شك أكثر الجوانب صعوبة . (هادي نعمان ، 1986 : 340)

الإذاعة ودورها في تنمية لغة الطفل :

تتعدد مميزات الإذاعة وتأثيرها في النمو اللغوي للأطفال ، ومن هذه المميزات ما يلي : (ثناء الضبع ، 2001 : 60)

 

à تكون مجالاً للتجارب التي يعرض فيها الأطفال نشاطاتهم المختلفة ، وبخاصة الخطابة ، والتعبير ، والقراءة البسيطة بطريقة سليمة .

à   تقوم بدور المعلم في التوجيه نحو الأخلاق الحميدة والسلوك الحسن .

à   تعزيز جوانب المادة المنهجية ، مما يسهل فهمها ، واستيعابها من قبل الأطفال .

à   تعمل على تنمية خيال الطفل وتوسيع مداركه .

à   تعطي الطفل القدرة على التذوق والنقد .

à   تعمل على زيادة مهارات القراءة .

à   زيادة الثروة الغوية .

à   تعويد الطفل على السرعة في التفكير والتعبير .

أهمية الإذاعة ومدى تأثيرها :

هناك بعض العوامل التي تجعل للمذياع المسموع أهمية خاصة في مجتمعنا ، يشاركه في بعضها بعض الوسائل الأخرى كالتليفزيون ، كما يتأثر دون غيره بالبعض الآخر من هذه العوامل ، كما يتضح مما يلي : (فاروق اللقاني ، 1995 : 103-105)

1.  أن الإذاعة لديها القدرة على نقل المادة المذاعة إلى ملايين المستمعين في وقت واحد مهما تباعدت مواقع تواجدهم داخل الوطن ، مما يزيد من مدى تأثيره في مجال الإعلام بصفة عامة ، وفي مجال التثقيف بصفة خاصة .

2.  أن انتشار الأمية ، وارتفاع نسبتها في مجتمعنا ، يؤدي إلى اعتماد الكثيرين على هذه الوسيلة المسموعة التي لا تحتاج الاستفادة منها إلى إتقان مهارة القراءة والكتابة التي تنقص الكثيرين من أبناء مجتمعنا .

3.  إن انخفاض مستوى الدخل في بعض المجتمعات قد لا يمكن كثيراً من الأسر من اقتناء جهاز التليفزيون ، أومن ارتياد دور السينما ، أو المسارح ، أومن شراء مجلات وكتب لتثقيف أطفالها ، ما يضطرهم إلى استخدام الإذاعة كبديل رخيص الثمن نسبياً ، وكوسيلة أساسية للترفيه والتثقيف .

4.  إن هناك الكثير من القرى التي لم تدخلها الكهرباء بعد ، مما لا يمكنها من استخدام التليفزيون ، فيعتمد سكانها على جهاز الراديو ذو البطاريات كوسيلة بديلة .

 

كما أن للمذياع المسموع فضل كبير في مجال التثقيف الموسيقي بفضل قدرته على توسيع المدى أمام الأداء الموسيقي ، مما يمكن موسيقاه من أن تقوم بدور فعال في سبيل تنمية الميل إلى الاستماع إلى الموسيقى ، وفي خلق الرغبة عند النشء في اكتساب مهارات العزف على مختلف الآلات الموسيقية ، وتكوين الفرق الموسيقية في نطاق المدارس وخارج هذا النطاق .

 

كذلك نجد أن للمذياع المسموع أثراً كبيراً في إكساب الطفل للكثير من القيم والاتجاهات المرغوبة ، وما يصاحبها من تعديل في السلوك ، وذلك عن طريق عمليه التقمص التي تحدث أثناء تجاوب الطفل المستمع مع الأحداث والأبطال ، لاسيما عندما يجد أنه يشارك الأبطال في قيمتهم ومثلهم ومطامحهم ، أو عندما يكتشف أن الانحراف يكون وخيم العواقب ، وأن العمل الصالح والشهامة ونكران الذات ، وغير ذلك من الفضائل يؤدي إلى أفضل نتائج .

الصيغ الأدبية لمخاطبة الطفل من خلال البرنامج الإذاعي :

ليس بالوسع تحديد صيغ ثابتة الأبعاد لطريقة مخاطبة الطفل من خلال البرنامج الإذاعي ، ويظل للقدرة الأدبية والذوق السليم دوره الكبير في تحديد ذلك . ويمكن القول أن أفضل الصيغ هو الشكل القصصي ، سواء كان مروياً ، أم ممثلاً ، أم ممسرحاً ، أم على شكل ديالوج قصير مثير ، كما يمكن تقديم الأخبار والمعلومات والحوادث على شكل قصصي .  

 

ومن الألوان الأدبية التي يمكن تناولها في برامج الإذاعة ما يلي : (هادي نعمان ، 1986 : 341-342)

المسرحيات :

لا تتيح الإذاعة تقديم كل ألوان المسرحية لاعتمادها على الصوت وحده ، ولكن هذا لا يمنع من تقديم المسرحيات والألوان التمثيلية الأخرى التي تعد أساساً للإذاعة ، وهي تتميز عادة بحبكة بسيطة تهيئ للأطفال فرصة متابعة أحداثها والاستمتاع بها ، كما تتميز بالقصر ، وبالإثارة ، والحركة السريعة ، ووضوح الحوادث ووضوح الفكرة ، مع الابتعاد عن الأسلوب المباشر في نقل القيم والأفكار .  وبالوسع تناول الحوادث ، والشخصيات الخيالية ، إضافة إلى الواقعية ، مع الحرص على عدم شحن الألوان التمثيلية بالكثير من الإثارة التي تصل إلى مستوى التوتر ، لأنها في هذه الحالة تعطي مردوداً سالباً .

القصة :

يمكن تناول كل ألوان القصة ضمن برنامج الأطفال ، على أن تتم صياغتها ، وإخراجها بما يناسب إمكانيات الإذاعة .  ويتخذ تقديم القصة عبر الميكرفون أشكالاً متعددة ، منها : القصة المقروءة ، والقصة المروية (التي تعتمد على الراوي) ، والقصة المستندة إلى الحوار ، وفي هذه الحالات جميعها لابد أن يكون الإلقاء انسيابياً ، ومعبراً ، وأن تستخدم الإمكانيات الصوتية بطريقة فنية ، كالموسيقى التصويرية ، والموسيقى الخفيفة ، والمؤثرات الصوتية والأغاني .  وطبيعة القصة تفرض أسلوب الإخراج المناسب ، وتقرر الأصوات المناسبة ، لكي تصل إلى الطفل نابضة حية تحمل المعاني والقيم .

الشعر :

الشعر يهز الأطفال ، ويؤثر في نفوسهم ، والإذاعة هي الوسيلة الفضلى لتقديم الشعر للأطفال .  وتتضمن برامج الأطفال – في العادة – قصائد يقرأها الأطفال بأنفسهم ، مجتمعين ، أو فرادى ، إضافة إلى ما يقرأه لهم الكبار بطريقة منغمة .  والقصائد المقدمة للأطفال قبل السادسة من أعمارهم تركز على الإيقاع الموسيقى أكثر من تركيزها على   المعاني .

 

وتسهم القصائد الشعرية في تدريب الطفل على الاستمتاع إضافة إلى ما تحمله من معان أخلاقية ، وأدبية ، وفنية ، وما تشيعه في نفسه من الثبات والثقة والمرح .

فقرات أخرى :

وتتسع برامج الأطفال في الإذاعة – إضافة إلى ذلك – الأغاني ، والألعاب ، والسباقات ، والأخبار ، والهوايات ، والريبورتاجات   الإذاعية ، والمقابلات . (هادي نعمان ، 1986 : 341 – 342)

2. التليفزيون :

إذا كان لهذا الصندوق الصغير المسحور المسمى بالتليفزيون جاذبية بالنسبة للكبار ، فإن له تأثيرات سحرية فريدة بالنسبة للأطفال وعالمهم الخاص الذي يعيشون فيه .

 

وإذا كان خياله يوهمه أن الكرسي حيوان ناطق ، وأن العصا قطار يتحرك ، فإن التليفزيون نفسه يحول الخيالات إلى حقائق مرئية رأي العين ، فإذا بما كان يسمعه قديماً عن خاتم مسحور ، أو عصا سحرية تؤمر فتطاع وتلبي رغبات صاحبها ، وتقدم إليه في التو واللحظة أشياء عجيبة خارقة ، يشبه الآن ما يفعله هذا الصندوق الصغير العجيب ، الذي يدوس الطفل على زر فيه ، فيضيء بنور وهاج ، ويخرج منه ناس يتكلمون ، ويتحركون ، ويقفز إلى شاشته الصغيرة الساحرة عالم عجيب يموج بالحركة ، والحياة ، وكأن هذه الشاشة المضيئة كرة الساحر البلورية التي يرى فيها أحداث العالم كله ، فتارة تبدو فيها قطارات متحركة ، أو طائرات محلقة ، وطوراً تظهر في أعماق البحار بحيواناتها العجيبة وأسماكها الغريبة . فيراها مشوقاً مبهور الأنفاس ، وحيناً تنقله الشاشة المسحورة إلى الغابة ، أو تنقلها إليه في لمح البصر ، فيعيش في أدغالها ، ويرى حيواناتها العجيبة ، تأكل وتتعارك وتزحف تحت الأشجار ، أو تقفز فوق الأغصان ، ويسمع أصواتها بأذنيه فيخلب لبه زئير الأسد ، وخوار الثور ، وعواء الذئب ، وفحيح الأفاعي .

هذا الصندوق المسحور هو هدية الحضارة إلى طفل اليوم ، فهو بالنسبة إليه كرة الساحر البلورية ، ومصباح علاء الدين السحري ، وهو العصا المسحورة ، أو خاتم سليمان العجيب . (أحمد نجيب ، 1991 : 250-251)

التليفزيون ودوره في تنمية لغة الطفل :

من أهم مميزات تأثير التليفزيون على لغة الأطفال ما يلي : (ثناء الضبع ، 2001 : 55)

 

à يساعد الأطفال على نقل الفائدة التربوية ، وتقوية ما يتعلمونه ، وتوسيع مجالاتهم العلمية واللغوية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية .

à يساعد كثيراً في مجالات اللغة ، وخاصة إذا كان الطفل له معرفة عامة باللغة التي يعرض لها التلفاز في برامجه ، حيث تعزز معرفته بها ، وتزداد إلى أن تصل إلى حد المعرفة الحقيقية بها أحياناً .

à يستفيد الطفل بشكل ملحوظ ، فكثيراً من البرامج وبخاصة التربوية الموجهة منها تعلمه مخارج الحروف ومجالات نطقها الصحيح وأوضاع النطق السليم .

à   يساعد التلفاز على تعزيز مدركات الطفل وتنميتها ، وكذلك إثراء قاموسه اللغوي والمعرفي والكلامي .

à   يجمع بين عدد كبير من الوسائل التي تعلم اللغة للطفل ، وتسهل اكتسابها .

à   تتاح له إمكانية الإثارة والتشويق .

à   له صفة الفورية لنقل الصور والأحداث وقت حدوثها .

 

 

أهداف وأهمية البرامج التليفزيونية الموجهة للأطفال :

في حال التليفزيون يلعب التقليد الدور الأهم في كل اكتساب تربوي إيجابي ، اجتماعياً كان ، أم أخلاقياً ، أم علمياً .  والتقليد يكون بين طفل ونموذج بشري من البالغين ، أو بين طفل ونموذج بشري من الأطفال ، أو بين طفل ونموذج ذي شكل حيواني إنما يتصرف كالبالغين ، وليس ضرورياً أن يكون التقليد مقيداً بالأزمنة والمواعيد المخصصة لبرامج الأطفال ، إذ أن بعض البرامج والأفلام العامة يسمح بتحرير مشاهد فيها الكثير مما يمكن احتذاؤه لاكتساب سلوك اجتماعي إيجابي ، إنه ممكن استخلاص مجموعة من قواعد السلوك الاجتماعي الإيجابي من البرامج ، والأفلام التليفزيونية ، كاقتسام الممتلكات بالعدل والمساواة ، والتعاضد في سبيل خير الجميع ، والحنو على الضعفاء والمساكين ، ومساعدتهم ، واقتناع الآخرين بواسطة الكلام والحوار بدل الاعتماد على الوسائل الجسدية ، أو المادية ، أو   الحربية ، وغيرها ...

 

كما أن بإمكان الطفل المشاهد اقتطاف عادات ممتازة ، مثل رفض المكافأة والاكتفاء بنشوة عزة النفس ، وتخطي الخوف ، والنضوج في فرض الأحكام ، وتفضيل الآخرين على الذات ، يكفي أن يراقب الطفل النماذج البشرية ، وغيرها ممن تتملكها هذه الصفات ، وتتصرف بأحكامها ، حتى ينقلها ويتبناها ويطبقها في سلوكه اليومي . (جان جبران ، 1988 : 102)

 

إن جهاز التليفزيون يجمع بين الكلمة المسموعة والصورة المرئية مما يزيد من قوة تأثيره ومدى فائدته التثقيفية لاعتماده على وسيلتين من وسائل التثقيف يستخدمها في وقت واحد ، فرغم أن الوسائل التعليمية تتنوع بين سمعية وبصرية ، إلا أنه من المعروف أن الوسيلة الإيضاحية التي تعتمد على أكثر من حاسة من حواس الطفل ، يكون أثرها التعليمي أكثر جدوى ، وأكثر عمقاً ودواماً من الوسيلة التي تعتمد على حاسة واحدة فقط .

 

كما أن المادة المعروضة بوسيلة التليفزيون تمثل أقرب بديل للخبرة الحقيقية ، لاسيما إذا كانت الرسالة المقدمة من النوع الملون .

 

إضافة إلى أن له تأثير إيجابي على نضج الشخصية ، وتنوع   الميول ، ويتميز بقدرته على تحويل المجردات إلى محسوسات ، مما يساعد على سهولة استيعاب وفهم الرسالة المقدمة ، إلى جانب أنه له جاذبية خاصة ترجع إلى أنه يعرض كل ما هو جديد وحديث ، كما أن برامجه التعليمية يعدها خبراء من المعلمين ، فهو يعد وسيلة ناجحة لتدعيم المنهج الدراسي . (فاروق اللقاني ، 1995 : 107-111)      

 

وعلى ذلك يؤثر التليفزيون في الأطفال بأكثر من طريقة ، منها :

 

  • التليفزيون يكسب الأطفال أنماطاً من السلوك الاجتماعي في حياتهم الاعتيادية ، وبيئتهم المحددة ، كما أنه يلعب دوراً مهماً – سلبياً أم  إيجابياً – في عملية التكيف الاجتماعي التي تسهم فيها الأجهزة الأخرى كالأسرة والبيئة .
  • يسهم التليفزيون في بلورة وتغيير الاتجاهات ، ولا يتم ذلك بالأساليب المباشرة ، بل بإثارة ردود أفعال عاطفية لدى الأطفال ، من خلال تقديم درامي ذكي .
  • ويهيئ التليفزيون للأطفال أن يتعرفوا إلى أشياء كثيرة منذ صغرهم ، منها ما هي في محيطهم ، ومنها ما هي بعيدة عنه ، والمادة من خلال التليفزيون تمثل بديلاً للخبرة الحقيقية ، فالطفل الذي تتاح له مشاهدة حياة الحيوان في غابة كثيفة ، أو سفينة تشق عباب البحر ، أو مسابقة في قيادة السيارات ، يمكن أن يشاهدها من خلال الشاشة الصغيرة . (هاني نعمان ، 1986 : 355 ، 356)

 

ومن بين الأهداف والغايات النابعة عن احتياجات العصر لبرامج الأطفال بالتليفزيون نذكر منها ما يلي : (سعد لبيب ، 2001 : 9)

 

-       تشجيع الأطفال على حرية التفكير .

-       تشجيع المواهب والمبادرات الفردية .

-       إتاحة الفرصة للفكر النقدي .

-   التمهيد للتعامل مع منجزات التكنولوجيا الاتصالية الحديثة ، ونظم المعلومات ، وفوق هذا وذاك التمسك بالقيم الدينية ، وما تتضمنه من أخلاقيات ، وسلوكيات في التعامل بين لناس .

 

كما أن أبرز الأهداف التي يجب أن تحققها البرامج التليفزيونية الموجهة إلى الأطفال دون السادسة من العمر ما يلي : (هادي نعمان ، 1986 : 365)

 

  1. تدعيم التواصل الوجداني بين الطفل ووالديه وأخوته المحيطين به .
  2. تنمية إحساسه بالثقة في الذات ، وفي الآخرين .
  3. تعرف الطفل على جنسه (ذكر أم أنثى) وتوحده معه .
  4. مساعدته على تكوين مفاهيم بسيطة عن الواقع المادي ، والواقع الاجتماعي .
  5. استخدام القواعد البسيطة المتعلقة بالأمن والسلامة والصحة .
  6. تعلم التمييز بين ما هو مقبول (صواب) ، وما هو غير مقبول (خطأ) ، واحترام القواعد والنظام .

أسس ومعايير البرامج التليفزيونية الجيدة الموجهة للأطفال :

برنامج الأطفال الجيد ، هو الذي يشيع شيئاً من خيالات الأطفال ، ويجعلهم أكثر إحاطة ببيئتهم وعالمهم الذي يعيشون فيه ، ويلتزم بأسس ، منها : (هادي نعمان ، 1986 : 363-364)

 

1.  أن يتسع البرنامج لألوان أدب الأطفال المناسبة للتليفزيون ، ليشكل إضمامة ملونة ، وأن تراعى فيه الخصائص الفنية لكل لون أدبي نسبة إلى إمكانيات التليفزيون .

2.  أن تستخدم إمكانيات التليفزيون بشكل فني دقيق ، بما يتفق ومراحل نمو الطفولة كاستخدام المؤثرات البصرية ، والحيل السينمائية ، وأن تشيع الحركة ، والحيوية في البرنامج كله .

  1. أن تتخذ البرامج لها خطاً فكرياً واضحاً ، وأن لا تحشر أية مادة حشراً مهما كان لها من أهمية .

4.  أن تستخدم اللغة العربية الفصيحة السهلة التي تناسب ثروة الأطفال اللغوية ، وأن تستخدم اللهجة المحلية إلا في أضيق نطاق .

5.  أن تنقى الموضوعات الخيالية بحذر ودقة لتنمية ملكة الخيال التكويني لدى الأطفال بما لا يتيح المجال للجنوح إلى مستوى التوهم والخيال الهدام .

  1. أن يتم الابتعاد عن الأسلوب الخطابي ، والتعليمي ، وأن تكون المسرحية الفنية هي الأسلوب الأكثر شيوعاً .

7.  أن يتلاءم - شكلاً ومضموناً - مع مستويات نمو الأطفال ، وهذا يقتضي أن يكون هناك لوناً من البرامج على الأقل ، لون للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين (3-6) سنوات ، ولون آخر لمن هم بين (6-12) سنة .

وعلى هذا الأساس يقدم فاروق اللقاني (1995 : 116- 120) بعض من المقترحات والتوصيات لكي يتحقق الاستخدام الناجح لكل من الإذاعة والتليفزيون كوسيط ثقافي للطفل ، والمتمثلة في :

 

  1. ضرورة تنوع وتعدد البرامج المقدمة للأطفال ، على أساس عاملي المرحلة السنية والبيئية .

2.  إعداد جميع العاملين في برامج الطفولة ، سواء من ينتجون المادة ، أو من يقدمونها ، أو يشرفون عليها ، مثل الكتاب والمخرجين ،   والممثلين ، والمقدمين حتى يلموا بأهداف التثقيف ، وما ينبغي أن يتوافر من شروط حتى تحقق المادة وطريقة عرضها ، ما يتطلبه لجذب انتباه الطفل وتعديل سلوكه .

3.  لكي تحقق التجاوب بين الطفل ، وبين ما يقدم إليه من برامج ، يجب أن ننظر إلى العالم بمنظاره ، وأن نراه كما يراه هو ، وبذلك نتمكن من تحديد ما ينبغي أن يقدم له من ناحية مادته وطريقة عرضه بالأسلوب الذي يفضله من وجهة نظره ، ومن منطلق تخيله .

4.  نظراً لما يتميز به الطفل من قابلية للاستهواء ، وميل إلى التقليد والتقمص ، فإن من المرغوب فيه أن نقلل بقدر الإمكان من برامج العنف والقسوة والإجرام ، وأن نكثر من المادة الخيالية ، لما لها من أثر كبير في الترميز عن الطفل ، وجذب انتباهه ، والتنفيس عن بعض ما لديه من رغبات مكبوتة ، بالإضافة إلى ما يمكن أن يتحقق من خلال هذه المادة من آثار تربوية عندما يلمس الطفل – عن طريق المشاهدة وليس عن طريق الممارسة – نتائج الأعمال الطيبة والسيئة ، دون أن يعاني عملياً من النتائج .

5.  الإسهام في تنمية قدرة الطفل على تذوق الموسيقى الجيدة ، وذلك عن طريق تقديم برامج موسيقية ذات مستوى رفيع ، تضم روائع الإنتاج الموسيقي الخاص بالأطفال .

  1. ضرورة تدريب الأطفال على الطرق المنطقية في التفكير .
  2. مراعاة الشمول والتكامل المعرفي في مادة برامج الأطفال بشكل يحقق التثقيف العام والشامل في جميع مجالات العلم والمعرفة ، سواء من الناحية الجغرافية ، أو التاريخية ، أو الدينية ، أو الاجتماعية ، أو الفنية.
  3. مراعاة التوقيت المناسب لبرامج الأطفال لكي تتحقق أقصى استفادة منها.

9.  ربط الطفل ببرنامجه عن طريق ربطه بمقدم ثابت للبرنامج ، لا يكثر تغيره حتى يأنس إليه الطفل ، ويتآلف معه ، وتنشأ بينه وبين الأطفال صداقة تجعلهم يتطلعون باستمرار إلى مشاهدة برنامجه أو الاستماع إليه

10.  تكوين لجنة علمية تربوية تضم : المتخصصين في مختلف مجالات التثقيف ، بالإضافة إلى علماء التربية وعلم النفس ، تكون مهمتهما الإشراف على كل ما يقدم للطفل من برامج إذاعية ، للتأكد من مراعاة الأسس التربوية ، والنفسية في كل ما يقدم للأطفال في مختلف مجالات العلم والمعرفة والترفية .

الفصل الرابع                                                 التربية الإبداعية في أدب الأطفال

مقدمة :

إذا كان الإبداع هو المتغير للثقافة ، فهو بالضرورة المحور الذي تدور عليه مهارات وقدرات التفكير الإبداعي . ولاشك أن تنمية قدرات التفكير الإبداعي للأفراد بصفة عامة ، وللأطفال بصفة خاصة أحد الأهداف التربوية المهمة التي تسعى المجتمعات إلى تحقيقها من خلال برامجها التربوية المقصودة وغير المقصودة ، خاصة في الدول النامية التي تهدف إلى مسايرة التقدم  والرقي .  وقد أكد "تورانس" Torrance أكثر من مرة على ضرورة فهم وتنمية قدرات التفكير الإبداعي للأطفال كهدف مهم للتربية . (مجدي عبد  الكريم ، 2000 "أ" : 46)

 

وقد أبرزت دراسة منى كمال الدين (2000 : 16) أن الاهتمام بالطفل والطفولة هو اهتمام بالحاضر والمستقبل معاً ، وتأسيساً على ذلك تؤكد معظم التوجهات التربوية الحديثة على أن الهدف الأول والأساسي للتربية والتنمية ليس مجرد تلقين الأطفال المعلومات ، وإنما بناء عقولهم وتعليمهم كيف يفكرون ، وإكسابهم القدرة على التعلم الذاتي ، وإشراكهم في مختلف المهام والأعمال والأنشطة التي تنمي موهبتهم وإبداعاتهم ، وتثري عقولهم ، وتحقق لهم التنمية المتكاملة ، سواء كانت اجتماعية ، لغوية ، عقلية ، بدنية ، انفعالية .

 

فأننا لا نحتاج في مجتمعنا إلى أفراد يعطوننا الإجابات التي نعرفها ، لكننا في حاجة لأفراد يعطوننا إجابات لا نعرفها ، وحلولاً لمشكلات لا نتوقعها ، إن هذه الخصائص لا يمكن أن تتوافر من خلال الأنشطة المحددة بدقة من حيث النتائج المرجوة منها ، وإنما يمكن أن تتوافر من خلال أنشطة مفتوحة لإبداعات وإضافات الأطفال ، مشجعة لهم لكي يضفوا إليها من أفكارهم وتصوراتهم الخاصة .

 

حيث أن أدب الطفل هو في الأساس مادة خصبة لبناء قوى الإبداع والابتكار والموهبة لدى الطفل ،كما انه يفجر الطاقات الكامنة لدى الأطفال تمهيداً لإعادة صيغة القدرة النقدية والتحليلية التي ينبغي أن يبدأ الطفل في التسليح بها ، وهو يواجه الحياة .  ويتم هذا عن طريق القصص والحكايات ، وسير العظماء ، والتأمل الواعي الذي تتضمنه الأشعار والغنائيات ؛ بحيث يكون الأدب في معظمه أدباً تحليلياً إبداعياً ابتكارياً ، يهتم بالمواقف الوجدانية والعاطفية التي تحتاج إلى تفكير إنساني ، وحل يرضي النزوع الإنساني ، وينمي القدرة العاطفية المصاحبة للتفكير العقلاني الموضوعي . (عبد الرؤوف أبو السعد ، 1994 : 312)

 

لذلك فقد اهتم هذا الفصل بتناول عدد من الجوانب التي تتعلق بالتربية الإبداعية وأدب الأطفال والمتمثلة في الإبداع من حيث مفهومه ، وأهميته ، ويسلط الضوء على العلاقة بين العلم والخيال والإبداع في أدب الأطفال ، ثم يتطرق إلى مفهوم التربية الإبداعية لدى طفل الروضة ، ويتعرض بالتالي للفنون الأدبية كأسلوب للتربية الإبداعية لدى طفل الروضة ليصل إلى دور أدب الأطفال في مجالات الفكر والإبداع لدى طفل الروضة ، وكذلك يناول أسس ومعايير إعداد فنون أدب الأطفال من منظور التربية الإبداعية . وفيما يلي عرض تفصيلي لهذه الجوانب لتنمية الإبداع لدى الطفل .

 

مفهوم الإبداع وأهميته :

لا يوجد شيء يمكنه أن يسهم في رفع مستوى رفاهية وتطور الإنسانية وتقدمها أكثر من رفع مستوى الأداء الإبداعي لدى الأمم والشعوب ،ولعل هذا ينطبق أكثر على مجتمعنا ، فنحن بوضعنا دولة تحاول تنمية مواردها الاقتصادية ، وإرساء القيم الاجتماعية على أحدث الأساليب العلمية ، فمثل هذه الغاية تحتاج إلى عقول أفراد مبتكرين ، قادرين على مواجهة ما يتعرض مجتمعنا من مشكلات .  لذا فقد أصبح للإبداع أهمية بالغة في حياة كل شعب يتطلع إلى التقدم والرقي ، والبحث في الإبداع هو بحث من أجل واقع أفضل ، ومحاولة للتنبؤ بما ينتظر المرء من أحداث وتوقعات وتمنيات . (أحمد عطية ، 1994 : 255)

 

فقد انتقل اهتمام علماء النفس والتربية من دراسة الشخص الذكي إلى دراسة الشخص المبدع ، والعوامل التي تسهم في إبداعيته ، كما تحول الاهتمام من التعليم التلقيني الذي يعتمد على حشو المعلومات ، إلى التعليم الإبداعي الذي يعتمد على التفكير وطرق مواجهة المشكلات ، وتقديم الحلول الإبداعية لها ، وذلك لما لقدرات التفكير الإبداعي من دور مهم في تطوير المجتمع الحديث وازدهاره ما يمكن أن يتولد عن هذه القدرات من أفكار أصيلة ،وحلول جديدة للمشكلات اليومية للأفراد والمجتمع ، وهذا ما أكده كثير من العلماء في مجال التفكير الإبداعي . (Guilford, J., 1965) ، (Torrance, P., 1977)

 

بالإضافة إلى أن تنمية الإمكانات الإبداعية تفيد الفرد في تحقيق تعلم أفضل ، وفي تحسين الصحة العقلية ، فكيف لا يكون للإبداع قيمة وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتأمل والتفكير والعلم ، هذه الأشياء هي الطريق إلى الإبداع . (محمد عبد الرازق ، 1994 : 7)

وهذا ما يؤكده جابر عبد الحميد (1997 : 99) حيث يشير إلى أن الإبداع عملية نحتاجها لحل أنماط معينة من المشكلات ليس لها حدود واضحة ، أو لم يسبق لحلال المشكلة مواجهتها .  ويضيف "تورانس" أن إطلاق طاقات الخلق والإبداع لدى الأطفال يؤدي إلى شعورهم بالرضا والتقبل ، ويجعل لألعابهم معنى بالنسبة لهم ، كما يساعدهم على التقدم في التحصيل والنجاح بما يوفره لهم من فرص إعادة تنظيم خبراتهم في تشكيلات جديدة بما يتيح تكوين مفاهيم عامة عن الظواهر المختلفة . (عفاف عويس ، 1993 : 21)

 

والإبداع أسلوب من أساليب التفكير الموجة والهادف ، يسعى الفرد من خلاله لاكتشاف علاقات جديدة أو يصل إلى حلول جديدة لمشكلاته ، أو يخترع أو يبتكر مناهج جديدة ، أو طرقاً جديدة ، أو أجهزة جديدة ، أو ينتج صوراً فنية جميلة . (عبد الرحمن العيسوي ، 1994 : 144)

 

فهو إنتاج شيء ما جديد في صياغته ، وإن كانت عناصره موجودة من قبل الإبداع لعمل من الأعمال الفنية أو الأدبية . (عفاف عويس ، 1993 : 15)

 

والتعريف اللغوي للإبداع يعني الإبْدَاع ، يأتي من بدع الشيء وابْتَدَع أتي بِبِدْعة ، أي أوجده من لاشيء ، أو من العدم ، أو أنشأه من غير مثال  سابق .  والإبداع عند الفلاسفة إيجاد الشيء من عدم . (المعجم الوجيز ،  2000 : 40)

 

وأصل الكلمة في اللغة الإنجليزية Creativity والفعل Create ، أصله اللاتيني Creare ، ومعناه القاموسي يخرج إلى الحياة ، ويصمم ويخترع أو يكون سبباً . (Elias, A., & Edward, E., 1994: 177)

 

ويشير لفظ إبداع Creativity إلى كل ما هو مبتكر وأصيل ومفيد ، بالإضافة إلى أنه يشير إلى بعض أنواع النشاط الإنساني كالإبداع الفني ، والأدبي ، والموسيقي ، أو الإبداع في الرياضيات ، كما يستخدم هذا اللفظ لتحديد صفات الشخص المبدع العقلية مثل الطلاقة ، المرونة ، الأصالة . (محمود منسي ، 1994 : 30)

 

فالإبداع يعكس نصوصاً حوارية تنطق بها اللفظة ، تعكسها ريشة الرسام ، أو تتجلى من خلال أزميل المثال ، أو نعمة موسيقية تناغي شعاع الروح . وعلى هذا الأساس فإنه قد يأخذ أشكالاً عن طريق وسائل ، منها : الكلمة ، اللون ، النغم ، الخطوط ، بحيث تخرج جملة الإبداعات بمحصلة موحدة ، وهدف ، ونغمة لها وجهة واحدة .  فالإبداع نوع من الفكر ، والفن والأدب ، فالإنسان هو مبدع لفكر ، و أدب ، وفن على نحو لا يشاركه فيه كائن آخر من كثرة ، شريطة أن تنخرط تلك الكثرة في وحدة تؤلف بينها لتجعل منها كياناً واحداً .

 

ويمكن القول أن العمل الإبداعي يتنوع ليشمل أنواعاً متعددة من النشاطات ، مثل : رسم اللوحات ، وتأليف المقطوعات الموسيقية ، وكتابة القصة أو الشعر ، واختراع الأدوات الكهربية ، أو الميكانيكية ، واختراع الأعمال المسرحية ، أو السينمائية ، وتولي إدوار القيادة في الجماعات . (رمضان القذافي ، 1996 : 31)

 

فالشخص المبدع في الفن والأدب والعلم ، هو ذلك الشخص القادر على إدراك العلاقات الحقيقية بين الأشياء ، وهو الشخص القادر على إعادة ترتيب عناصر قديمة في صياغة جديدة ، والفنان والأديب والعالم يتفقون في أن كل منهم يعيد صياغة أنواع محددة من المعلومات ، والخبرات الموجودة في نمط ، أو نظام ، أو شكل جديد . (محمود منسي ، 1994 : 29)

 

 

وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤلاً هاماً ... هل يبدع طفل الروضة ؟؟

 

الطفل مخلوق بشري ، ولد حساساً بطريقة غير عادية ، لديه حاجة ماسة إلى الإبداع لدرجة أنه بدون إبداع في الموسيقى ، أو في الشعر ، أو في الكتب ، أو في المعاني ، أو شيء ذو معنى سينقطع عنه التنفس ، يجب أن يبدع بسبب حاجة غريبة غير معروفة بداخله ، يعتبر نفسه كأنه لم يكن إذا لم يبدع . (مجدي عبد الكريم ، "ب" ، 2000 : 16)

 

ويشير محمد عدس ، وعدنان عارف (1999 : 22) إلى أن العديد من الدراسات دلت على أن طفل الروضة بمقارنته بأطفال أكبر منه سناً ، هو على درجة كبيرة من التقبل والميل للبحث والاستكشاف ، كما أتضح أن لديه قدرة من الحرية والإبداع لا تقف دونها التقاليد ، أو الخبرات الرادعة المتكررة ، الأمر الذي من شأنه أن يجعل الطفل مستعداً لأن يرى ويسمع وأن يتذوق ويشعر بأشياء جديدة كلما أمكن توفيرها له .

 

فالأطفال كالقطط ، يملكون ميل لا يقاوم في اكتشاف الأشياء ، وهذا الميل يعتبر القاعدة لفضول وإبداع الكبار . (Torrance, P., & Goff, K., 1990: 2) حيث تمثل مرحلة الطفولة الفترة الحاسمة في النمو الإبداعي ؛ حيث إن نمو وارتقاء الوظائف الإبداعية تكون أكبر منه في أي مرحلة من مراحل العمر اللاحقة . (كمال مرسي ، 1992 : 101)

 

ويمكن أن نرى بعض المظاهر المبكرة للتفكير الإبداعي بملاحظة ما يقوم به الأطفال ، مثل تلك الخصائص التي تميز طفل هذه المرحلة ، كاهتمامه بتبادل الأشياء ، والتعامل معها ، والتعرف عليها ، واهتمامه بالاستكشاف والاستطلاع ، واهتمامه بالتجريب والتعرف على مكونات أو عناصر الشيء ، بجانب القدرة التخيلية التي يتميز بها الطفل ، والتي تظهر في مواقف وأنشطة لعبه الإيهامي ، وكثرة الأسئلة التي يحاول أن يحصل منها على إشباع لجوعه العقلي ، وحاجاته إلى البحث والاستقصاء . (نادية شريف ، 1990 : 114) ، (ميادة الباسل ، 1991 : 147)

 

إن مرحلة الطفولة المبكرة هي مرحلة إبداعية بالفطرة ، فالطفل تنقصه الحصيلة اللغوية في هذه الفترة ، لذلك فهو يلجأ إلى التعامل مع البيئة بأسلوب يقوم على التخمين والاستكشاف والتجريب ، يساعده في ذلك خصوبة الخيال الذي يتمثل في أنماط سلوكية متنوعة ، منها اللعب الإيهامي ، والتعامل مع الأشياء المحيطة به عن طريق إضفاء الحياة علها ، وهو الأسلوب المعروف بالإحيائية Animism ، بجانب الاهتمام بسماع القصة ، وتجاوز حدود الواقع المدرك إلى الخيال والتوهم .  فكل طفل مشروع مبدع ، ويجب أن ينظر إليه كذلك . (نادية شريف ، 1990 : 107) ، (صفاء الأعسر ، 2000 : 16)

 

كما توصل فريق من الباحثين في جامعة هارفر إلى أن النمو الفني والإبداعي للطفل يمر بعدة مراحل طبقاً للعمر الزمني من (صفر إلى عامين) ، ومن (عامين إلى سبع سنوات) ، (سبع سنوات إلى ما قبل المراهقة) ، (مرحلة ما قبل المراهقة) ، وقد أشار إلى أن الطفل في الفترة العمرية من (2 : 7 سنوات) يتعرض لثورة معلوماتية ، فهو يستطيع التعرف على الرموز الثقافية ، واللغة تتيح له الاتصال من خلال رموز عديدة ، وهو يتعلم استعمال رموز بجانب اللغة مثل الموسيقى ، وحركات الجسم ، والإيماءات ، الأرقام ، أصابع الصلصال ، ويستطيع التعامل مع تلك الرموز بطريقة إبداعية . (فاتن عبد اللطيف ، 1999 : 65)

 

وإذا لم يشجع الإبداع في مرحلة الطفولة فإن تشجيعه بعد ذلك لا جدوى منه ، إذ سرعان ما يخبو بعد سن السابعة عشر . (محمود منسي ، 1994 : 123)

العلم والخيال والإبداع في أدب الأطفال :

العلم نظام من التفكير ، وسعي الإنسان متواصل ، يمجد العقل ، ويسمو بالأفكار ، ويدفع الإنسان نحو التطور ، فيعرف الإنسان كيف يتعامل مع معطيات المستقبل ومتغيراته ، والعلم لا يزيد فقط من معرفتنا بأنفسنا ، بل يوسع أيضاً من تصورنا للكون .  فكوكب الأرض مجرد ذرة صغيرة في نسيج الكون الواسع بعد أن كشف العلم عن بلايين النجوم والمجرات ، وعشرات الظواهر الكونية المثيرة . (أحمد عمران ، 1998 : 1)

 

وقد تلاحقت في النصف الثاني من القرن العشرين اكتشافات تكنولوجية هائلة في كافة مجالات الحياة ، توالت هذه الاكتشافات بسرعة مذهلة لم يسبق للإنسان أن تعرض لها من قبل .

 

تناقصت المدد البينية بين الاكتشافات نظرياً وتطبيقاتها عملياً وصناعياً ، ثم تسويقها تجارياً ، وبدلاً من عقود طويلة أصبحت المدد البينية سنين معدودة ، ثم شهوراً قليلة ، وأصبح الإنسان محاطا بقدر هائل من الاكتشافات التكنولوجية في كافة مجالات الحياة ، وأصبحنا الآن نسمع عن الكيمياء الإحصائية التي مزجت بين القدرات الهائلة "للسوبر كمبيوتر" و"علم الكيمياء والتكنولوجيا" فائقة الصغر ، والذكاء الصناعي ، وأصبح الآن يمكن أن نغذي "السوبر كمبيوتر" بمواصفات المادة التركيبية الكيميائية للمادة المطلوبة ، ويتولى الذكاء الصناعي والسوبر كمبيوتر وضع البرنامج التنفيذي لإنتاجها ، وتتولى تقنية بالغة الدقة بآلات فائقة الصغر تجميع هذه المادة التي لم يسبق وجودها على ظهر الأرض من جزيئاتها الأولى ، وتشكل من منتجات ومصنوعات لا مثيل لها ، وانطبقت هذه التكنولوجيا أيضاً على البيولوجيا ، وأصبح الآن ممكناً عن طريق البيولوجيا الإحصائية أن تشكل وأن تخلق أشكالاً جديدة للحياة . (حسين كامل ، 2000 : 19-20)

 

ووفق هذه الرؤية يتضح أن نهاية قرن من الزمان وبداية قرن جديد تاريخ فاصل في مسيرة الإنسانية ، ومن شأنه أن يشحذ الأذهان ، ويثير   التفكير ، ويبعث على التأمل فيما فات ، ويحرك الخيال لاستشراق المستقبل ، والقرن الواحد والعشرين الذي نعيش أيامه الآن ليس ككل القرون ، ذلك أننا شهدنا فيه اندلاع الثورة الثالثة في تاريخ البشرية ، كانت الثورة الأولى هي الثورة الزراعية التي استطاع الإنسان من خلالها أن يروض الطبيعة ، ويسوي التربة ، ويزرع المحاصيل المتعددة ، ويزيد من الإنتاج بطريقة أنقذت الناس من الحاجة والمجاعة ، وتليها الثورة الصناعية بعد قرن ، والتي فتحت أمام الإنسانية آفاقاً لا حدود لها في مجال المواصلات والصناعة .  وأخيراً شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين الثورة الثالثة ، ونعني بها الثورة العلمية  والتكنولوجية ، حيث أصبح العلم لأول مرة عنصراًَ أساسياً من عناصر   الإنتاج ، يضاف إلى العناصر التقليدية ، وهي الموارد ورأس المال والعمل .

 

كما أن الثورة الاتصالية العظمى ، والتي تتمثل رموزها في عولمة البث التليفزيوني المباشر من خلال الأقمار الصناعية ، بالإضافة إلى شبكة الإنترنت التي أحدثت ثورة في مجال الاتصال الإنساني ، وفي مجال المعرفة البشرية على السواء .  (السيد يسين ، 2001 : 351)

 

وبذلك أصبح الإنسان قادراً أن يتوقع ،وأن يكتشف ، وأن يستشرق الاحتمالات المختلفة في عالم شديد التعقيد ، وفي أنظمة مركبة شديدة التشابه ، وأن يكتشف الحلول المناسبة للمشاكل القادمة ، والسيناريوهات المعقدة ، مستخدماً كل طاقته . (حسين كامل ، 2000 : 17)

 

ومن ناحية أخرى نرى أن عالم الطفل عالم جميل وعجيب ، عالم تكتنفه خيالات واسعة وإبداعات لا محدودة ، وقدرات متعددة ، إذ يمتلك الأطفال من الصفاء الفكري التعبير العفوي ما يُمكنهم من ارتياد مجالات رحبة فسيحة في العقل والخيال قلما يستطيع الكبار ارتيادها . (سرية صدقي ، 1999 : 16)

 

ومن هذا المنطلق فإن عصر العلم يدعونا إلى مخاطبة الطفل خطاباً علمياً في إطار اللغة الأدبية من خلال دعوة جادة للكتابة العلمية ، وتجسيد للعلم في الصياغات الأدبية الموجهة إلى الطفل .

 

إذ لعبت الصياغات الأدبية للمفاهيم العلمية دوراً كبيراً في إيصال الطفل إلى فهم كبير للعلوم وحب العلم ، فالجانب الأدبي في الموجهات العلمية عمل على تيسير وتسيير التطبيقات العلمية ، ونظرياتها الجامدة في المواجهات  العلمية ، وجعلها طليقة ، طيعة لا تشوبها العُقد والمبهمات في صياغات جديدة اشترك في صياغتها العلم وأدب الأطفال . (فاضل الكعبي ، 2003 : 277)

 

ويعتبر النص العلمي هو النص الذي يستلهم مادته من فكرة أو حقيقة علمية واضحة المعالم ، تسهم في إغناء مخيلة الطفل ،ومده بالمعلومات العلمية التي تزيد معارفه ، وتغني خياله وتفكيره ، وتدفع هذه المعلومات بالأطفال إلى التفكير على أوسع نطاق ، إذ أن الطفل – كما هو معروف – فضولي بطبعه ، به ميل عفوي وحب غريزي إلى الإطلاع واستكشاف المجهول ، وتدفعه رغبة جامحة لا تتوقف لمعرفة كل ما يحيط به ، وما يقع عليه نظره ، إذ يكثر السؤال عن كل ما استعصى عليه فهمه ، وتعذر عليه إدراكه ، وعجز عن إيجاد تفسير مقنع له . (فاضل الكعبي ، 2003 : 278)

ولعل من أهم أدوار الخيال العلمي أنه يعمل كمترجم للعلوم لدى  البشرية ، والعلم حقق تقريباً كال ما تنبأ به الخيال العلمي ، ويطلق البعض على قصص الخيال العلمي قصص المعرفة ، إذ أنها تهتم بالمعرفة المعاصرة وامتدادها إلى المستقبل ، وأثرها على السلوك الإنساني ، ويمكن من خلال قصص الخيال العلمي تعريف الطفل بأهم المستجدات والمفاهيم العلمية والمعارف ، فإن الخيال العلمي يعد بحق أدب القرن الواحد والعشرين . (أحمد عمران ، 1998 : 1)

 

ومن هذا المنظور يعرف الخيال بأنه القدرة على الرؤية المستقبلية ، ويعتبر الخيال قوة عقلية عليا تقوم على إنشاء علاقات جديدة بين الخبرات السابقة ، بحيث تنظمها في صورة أشكال ليس للفرد خبرة بها من قبل ، أي أن الخيال يستعين بالتذكر في استرجاع الصور العقلية المختلفة ، ثم يؤلف بينها ليكون تنظيمات جديدة يصل حاضر الفرد بماضيه ، وتمتد إلى مستقبله ، وكل مشروع أو مظهر من مظاهر حياتنا كان فكرة خيالاً في الأذهان قبل أن يصبح حقيقة واقعية . (علي لبن ، 1996 : 76)

 

والواقع أن منشأ الاختراعات والاكتشافات كان – ومازال – أساسه التخيل ، الذي يلتقي فيه الوعي مع اللاوعي ، على مدرج التأمل ، انطلاقاً بهدى العقل الخلاق إلى عوالم الخيال التي لا حدود لها في ميدان الإبداع والابتكار ؛ لذا فإن الخيال هو الفضاء الواسع الذي يحلق به العقل ، ويمنحه الطاقة الهائلة ، ولا خيال من دون قوة هائلة للعقل . 

 

ومما لا شك فيه أن خيال الطفل هو الذي يصور له أن البناء الذي يصنعه من الطين والرمل هو بناء حقيقي ، تحيا في داخله عوالمه الخاصة ، وتتخيل الطفلة أن دميتها ليست سوى طفلة جميلة عابثة ، تسمع مناغاتها ، وتطيعها في تلبية طلباتها ، فتتآلف معها على أنها صديقة دائمة ، لا يمكن مفارقتها ، ويصل مستوى الخيال عند هذه الطفلة إلى الحد الذي يجعلها تطلق أسماً دائماً لهذه الدمية . (فاضل الكعبي ، 2003 ، 278)

 

كما أن الخيال هو مركز السيطرة والتحكم في شخصية الطفل ، ومن خلاله يتحكم الطفل في قدراته على تشكيل ورسم الواقع ، وبناء الأشياء المتكونة في إحساسه وتفكيره ، بناءاً ذهنياً يتشكل شيئاً فشيئاً ، بصورة الذهنية مع المكونات الحسية ، لتبني علاقاتها وروابطها المنضبطة مع الأشياء المألوفة في محيطه ، التي يراها في بادئ الأمر على هيئة مبهمات ذهنية ، يحاول الوصول إلى حقيقتها ، وصورها الواقعية بإلحاح عبر حواسه ، ولا يتحقق ذلك إلا بمساعدة الخيال الواسع الذي يعد المحفز الكبير للاكتشافات الذهنية والحسية والعقلية الواسعة ، التي تنظم وتوسع من دائرة معارفه بالأشياء وعلاقتها بمكوناته وعوالمه ، وتتيح له الحرية الواسعة في التفكير والشعور ، إذ كلما تطور عمل الخيال واتسع تطورت معه قدرات الطفل التخيلية ، ومن هنا يصبح الخيال بؤرة الاستقطاب الكبيرة للحسيات والمرئيات والمدركات في عقلية  الطفل .  (فاضل الكعبي ، 2003 : 287)

 

حيث أظهرت نتائج الدراسات في مجال النمو والارتقاء أن بعض الأطفال يمكنهم استخدام خيالهم قبل أن ينمو لديهم وظيفة الكلام ، وأن الطفل ابتداء من سن سنة ونصف يميل إلى القيام ببعض النشاط التخيلي كأن يتظاهر بأنه يشرب من فنجان وهمي ، أو أنه يشتري حلوى من قصاصات الورق ، أو قطع الرخام باعتبارها نقوداً ، ويتطور بعد ذلك الأمر من ادعاء بسيط إزاء وقائع محددة وغير مترابطة إلى نسق متكامل من التظاهر والإيهام ، فيلعب دور الأم ، أو الأب ، أو دور العسكري ، أو ممثل مشهور ، وقد يلجأ الطفل إلى الاستعانة بملابس مناسبة للدور ، ويلون صوته بما يتناسب مع طبيعة الشخصية التي يتخيلها ، وبنمو الطفل يوجه الخيال إلى أنشطة إبداعية في مجال الفنون التشكيلية والموسيقى ، والقصص ، والتمثيل . (عفاف عويس ، 1993 : 44)

 

وفي دراسات حول العناصر التي تتشكل منها خيالات الأطفال في مرحلة رياض الأطفال وجد أن معدل ما يقوم به الطفل الذي يقبل على السنة الثالثة من عمره من مواقف خيالية هو ستة مواقف ونصف في كل مئة وخمسين دقيقة ، ويزداد المعدل حين يبلغ الثالثة إلى ستة وعشرين موقفاً خيالياً ، أما ميل الطفل إلى المحاكاة فيقوده إلى تمثيل القصص التي يسمعها ، وإلى تقليد الناس ، بحيث يقال أن الأطفال في هذه المرحلة أنهم يمارسون عملياتهم العقلية الخيالية بأيديهم ، أو بأرجلهم ، أو بأصواتهم ؛ لذا فإن توجيه الأطفال نحو التمثيل والرياضة والألعاب الحركية الأخرى يعد أمراً ضرورياً ، ومن أجل ذلك تعنى التربية الحديثة اليوم بمنهج النشاط في الروضة ، وتعتبره وسيلة تعليمية ذات شأن كبير . (جليل شكور ، 1994 : 61)

 

ويعني ذلك أن الخيال ينشأ مع الطفل وينمو مع نموه ،ويتطور مع تطوره ، لكنه لا يتسع وينتظم ، ويحفز مخيلة الطفل للإبداع والابتكار دون إخضاعه إلى المقومات والمحفزات الأساسية التي يدخل فيها أدب الأطفال كأحد أهم أساسيتها ومنشطاتها الحيوية ، وذلك لما يقوم به أدب الأطفال من قدرة وفاعلية على تطوير وتحفيز خيال الطفل ، ونمو مكوناته اللغوية والصورية ، وإغنائها بالخبرة والتجارب والنشاط الملحوظ . (فاضل الكعبي ، 2003 : 278)

 

وتذكر منى أبو سنة (2000 :11) أنه من الممكن طرح مفهوم واضح ومحدد للخيال ، وربطه بالإبداع ، بشرط التركيز على قدرة الطفل على التجاوز باعتبارها وسيلة ضرورية للإبداع ، ومع الأخذ في الاعتبار أن الوسيلة التي يمارس بها العقل قدرته على التجاوز هي الخيال ، ومن ثم يصبح الخيال هو الوسيلة لتحقيق الإبداع ، ولتأكيد فاعلية العقل ، وعندما يمارس العقل فاعليته ينتج عن هذه الممارسة ما يسمى بالرؤية المستقبلية ، وإذا ربطنا بين الخيال والرؤية المستقبلية والقدرة على تحقيق هذه الرؤية يصبح الزمن عاملاً مهماً من عوامل الخيال .

 

ويمكن القول أن تنشيط الخيال هو أحد العمليات الأساسية للإبداع ، والفنون الأدبية وسيلة شديدة الأهمية في تنشيط الإبداع  ؛ حيث إن معظم الأنشطة الإبداعية تستحوذ على جانب كبير من النشاط الخيالي ، بل إن جميع المقاييس المستخدمة لقياس الإبداع تحتوي على بعد خيالي في الأساس من حيث إن الإبداع هو تفكير في نسق مفتوح ، ومعنى مفتوح أنه لا يخضع تماماً للقوالب الصورية ، أو المنطقية ، أو الدافعية ؛ بل إنه ليتجاوزها كي يتعامل مع ما ليس واقعياً ، أو شكلياً ، فالخيال مشترك في جميع الأنشطة الإبداعية . (مصري حنورة ، 2000 : 18-19)

 

فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخيال هو مفتاح العلم والتنبؤ به ، والمحفز الكبير للتفكير العلمي ، والخوض في غماره ، والدخول والبحث في المغامرة لإظهار ما يمكن إظهاره من قدرات العقل واتحاده بالخيال ، لصياغة المكتشفات التي ولت في بادئ الأمر في منطقة الخيال ، وتوسعت وأصبحت حقيقية  واضحة ، ومكوناً علمياً ضمن محيط الإنسان وبيئته ، لأدركنا أن الخيال العلمي تنبأ بالتكنولوجيا وعجائب العلم الذري والفضائي ، ووصف الإنسان الآلي والصاروخ ، والطائرة ، والغواصة ، وتمكن أطفال اليوم من رؤية جميع هذه الإنجازات ، مع أنها كانت تبدو لقراء زمان القرن السابع عشر إلى أوائل القرن العشرين ، على أنها خيالات بعيدة التحقيق ، فمن كان يتخيل أن الإنسان يستطيع الوصول إلى القمر .  إن قصص الخيال العلمي هي الحافز أو المبشر بالتقدم العلمي والتكنولوجي ، ألم يكن بساط الريح حلماً خرافياً بعيد المنال ؟ وقد حدث وصار في المنال ، أليس هو الطائرة ، والصاروخ ، ومكوك الفضاء . (فاضل الكعبي ، 2003 : 279)

 

وتأسيساً على هذا يكون الإنسان المبدع ، أو بالأدق الطفل المبدع هو القادر على ربط الخيال بالمستقبل ، وليس الماضي .

 

وعلى الرغم من أهمية الخيال العلمي بالنسبة للطفل في المستقبل ، إلا أن نتائج العديد من الدراسات والبحوث أوضحت وجود قصور واضح في مجال الكتابة الخيالية العلمية بالنسبة للأطفال في مصر والعالم العربي ؛ حيث إن معظم روايات الخيال العلمي والقصص التي تقدم للأطفال تزخر بالتساؤلات والافتراضات الخيالية العقيمة ، فلا تتضمن أية أفكار علمية ، أو إشارة إلى التوقعات والتطورات المستقبلية ، وهو الأمر الذي يجعل مثل هذه الكتابات مدمرة لعقول أبناءنا ، لأنها تفتح المجال للمظاهر الزائفة والغيبيات دون استناد إلى الواقع العلمي . (رؤوف وصفي ، 1994)

 

فقد أشبع الطفل بحكايات جدي وجدتي ونظريتهما ، وحكايات السندباد البحري ، وعلي بابا ، والفانوس السحري ، وحكايات الساحر والساحرة ، وما قاما به من مواقف عجيبة ، وألاعيب خارقة ، فجعلنا الطفل يحلم لو أنه يمتلك عصا الساحر ، أو قبعة الساحرة ، أو يمتلك بساط الريح ، ليفعل ما شاء له السحر أن يفعل في هذا الكون الواسع ، كذلك قدمنا إلى الطفل الملك الزاهد ، والملكة الشريرة ، وما دار بينهما من أحداث وعجائب وطرائف ، أبدع فيها الخيال والكذب الجميل ، كذلك روينا إلى الأطفال أقاصيص وحكايات ما أنزل الله بها من سلطان عن الإنس والجن ، وما جرى في سالف العصر والأوان في جزيرة"الواق واق" ، وفي قلعة العفريت العملاق ، أما الثعلب ... وما أدراك ما الثعلب ، فقد غضب منا كثيراً لأننا أدمنا على إدانته بالجرم المشهود ، ولم يحدث أن قدمناه إلى الأطفال ، إلا والحيلة ، والمكر ، والخيانة ترافقه كظله ، أما الحطاب ، والفلاح ، والتنين ، والمارد ، والأسد ، والخروف ، والطيور .... فقد نضج بها أدب الأطفال بقامته الطويلة التي انحنت إجلالاً وإكباراً لهذه الشخصيات التي لا منافس لها في كتب الأطفال وقصصهم ، سواء تغيرت الأحداث والمواقف والأزمة ، أم بقيت .

 

وهنا قد يتبادر إلى الذهن هذا التساؤل : ترى هل يصح أن نظل نكتب عن حالة ، أو ظاهرة ، أو حدث بيننا وبينه مسافة شاسعة ، ونتجاهل ما نعيشه من حالات ، وظواهر ، ومواقف ، وأحداث هي الأقرب إلينا ؟ وهل من المنطق أن نكتب لأطفال القرن الواحد والعشرين باللغة ، والمنهجية ، والأسلوب ، والإيحاء ، والأجواء نفسها التي كنا نكتب لأطفال القرن العاشر ؟ ألا يجدر بنا أن نفرق بين أطفال الأمس وأطفال اليوم ؟ ونعني حقيقة أن ما كان يصلح لأطفال الخمسينات والستينات لا يمكن بأي حال أن يصلح لأطفال التسعينات وأطفال هذا القرن ، هل يصلح في عصرنا الحالي ... عصر العلم والتكنولوجيا أن نتحدث للأطفال عن الساحر وعصاه السحرية ، وعن الفلاح الذي أصبح بين ليلة وضحاها أغنى رجل في المدينة ، بعد أن عثر على دجاجة سحرية تبيض كل يوم بيضة من ذهب ، اعتاد الاعتماد عليها في عيشه وتوفير كل مستلزمات حياته ، لا على قوته وجهده الإنساني في ذلك !! .. هل يصح هذا في مخاطبة الأطفال ، ونتجاهل قوى الإنسان الحقيقية ، وطاقته الخلاقة اللامحدودة في صنع الحياة ورقيها .  إن نموذج الفلاح والبيضة الذهبية إنما يُعد من الخيال السلبي والخطر الذي سيجعل من الطفل نموذجاً سلبياً اتكالياً ... إذن ما يهمنا هو أن نخلق من الطفل عبر الكتابة وأساليبها ومفاهيمها عنصراً مبدعاً خلاقاً ، وطاقة جديدة مضافة إلى الطاقات المبدعة المتواصلة في مد الحياة والإنسانية بعناصر رقيها وديمومتها وفق التطور العلمي والفكري والتقني المنطلق إلى المستقبل .

 

ومما لاشك فيه أن الخيال العلمي الحديث أعاد استخدام الساحر وعصاه السحرية في بعض إنتاجه الموجه إلى الأطفال ، ولكن استخدمها هنا بطريقة أخرى جسدها بطريقة علمية لها اتصال بالدافع العلمي والتقني ، بعيداً عن الخرافة ، فجعل من الساحر رجل الفضاء الذي يتجول في الأرض ، مستخدماً الزر الإلكتروني بدل العصا السحرية ، ليسخر كل الممكنات لأغراضه  وحركاته ، ومع أن هناك بعض كتابات الخيال العلمي – بعض "الشطحات" العلمية – إلا أن صلته ودرجات اتصاله بالواقع والتطور العلمي واضحة  المعالم .  ومن هنا يكون الفارق بين الشخصية المبتكرة من الخيال "العبثي" السلبي ، وبين الشخصية المبتكرة من الخيال العلمي الذي أطلق مبتكرات العالم الحديث واخترعاته وأفكاره العجيبة ، فالعالم بمخترعاته ومفاهيمه بات يشكل القاعدة الكبيرة لاهتمامات الطفل ، وباتت التكنولوجيا تغزو عالم الطفل ، ولعبه ووسائله ، لتشترك في تكوين وعي الطفل ، وبناء مخيلته ، ومده بعناصر التربية والتعليم والتثقيف ، وتحفيز تفكيره إلى الابتكار والإبداع .  (فاضل الكعبي ، 2003 : 274-276)

 

ووفق هذه الرؤية يمكن القول أن الابتكارية المطلوبة في الفكر والعمل معاً في زمان صارت النصيحة الذهبية التي تقدم فيه للأفراد والمؤسسات تجدد أو تبدد !! (السيد يسين ، 2001: 362)

التربية الإبداعية وطفل الروضة :

التربية حاجة أساسية من الحاجات الإنسانية ، وبدون إشباعها يصعب على الفرد أن يحقق إنسانيته ، والتربية هي الابتكار الذي قدمه الإنسان ليحفظ حياته ويطورها ، ويمتد مفهوم التربية ليشمل جميع جوانب الفرد العقلية ، المعرفية منها والوجدانية والاجتماعية ، بالإضافة إلى ما لديه من مهارات يدوية وحركية مختلفة في كل متكامل . (أحمد إبراهيم ، 1999 :2)

 

قد يكون مصطلح التربية الإبداعية جديداً إلى حد ما ، أو غير مألوف الاستعمال عند الكثيرين ، ولكن معالم معناه تتضح كثيراً إذا وضعناه إلى جوار مصطلحات أخرى مألوفة ، مثل : التربية الدينية ، التربية الرياضية ، التربية الفنية ، التربية العملية ، التربية التقنية ، وما إلى ذلك .

 

فهذه المصطلحات المألوفة تشير إلى أن التربية توجه اهتمامها ، وتركز أساليبها وأنشطتها ونتائجها على النواحي : الدينية ، أو الرياضية ، أو الفنية ، ... الخ ، لتحقيق أهداف معينة في هذه المجالات ، مع مراعاة خصائص وإمكانات ومقومات (التربية) من ناحية ، وكل (مجال) من هذه المجالات من ناحية أخرى ، وما يمكن أن يحدث بينهما من تفاعل وتكامل ونشاط إيجابي متميز ، يحقق كلاً من أهداف التربية من ناحية ، والأهداف الخاصة بكل مجال من ناحية أخرى .

 

وبالمثل فإن في مجال (التربية الإبداعية) توجه (التربية) اهتمامها وأساليبها وأنشطتها ونتائجها إلى مجال الإبداع ، مع مراعاة خصائص وإمكانيات ومقومات كل من التربية ، وعمليات الإبداع ، ودورها بالنسبة للفرد والمجتمع ، أي أنها التربية في مجال الإبداع . (أحمد نجيب ، 1991 : 277)

 

وعلى هذا الأساس تعرف التربية الإبداعية على أنها شكل من أشكال التربية ، تقوم على أساس الاهتمام بالتربية عن طريق إثارة العقل للانشقاق من التسلسل العادي في التفكير إلى تفكير مخالف ، يتميز بالحساسية للمشكلات والطلاقة ، والمرونة ، والأصالة ، وهذا التفكير تُوجهه رغبة قوية في البحث عن حلول ، أو التوصل إلى نواتج أصلية للتخلص من الطرق المألوفة والمريحة في تناول الأفكار ، والقدرة على ترجمة هذه الأفكار إلى أفعال ، وهي تركز على اكتساب الطفل مهارات التفكير التباعدي Divergent Thinking الذي يملك القدرة على تعدد الاستجابات عندما يكون هناك مؤثر ؛ فهو يتعامل مع الخيال ، وبالتالي يستطيع أن يرى علاقات جديدة بين الأشياء الملائمة لموقف معين ، واستخدام هذه المهارات في تطوير أو اختراع أفكار أو منتجات جديدة بناءة وجميلة ، والتي من شأنها إعداد الأطفال الذين هم رجال الغد ، وأمل المستقبل من خلال تنشئتهم على ثقافة قوامها تنمية العقلانية والإبداع ، وجعل التفكير الإبداعي هو منهج التعامل مع الحياة ، والتمكن من إطلاق الملكات الإبداعية عند الطفل ، حتى يستطيع مواكبة المتغيرات السريعة المتلاحقة في عالم الغد ، ويكون أقدر على متابعة الحضارة الحديثة في مختلف المجالات ، بأساليب تكنولوجية مستحدثة قائمة على الرغبة في الإضافة والتجديد .

 

وتعتمد التربية الإبداعية على إذكاء الدوافع نحو تشجيع ملكات الطفل من خلال تنمية شاملة لتفكير الطفل الإنتاجي والنقدي ، وذلك عن طريق تدريب الطفل على الاكتشاف والتخيل وتكوين الرأي الخاص في القضايا المطروحة في إطار من حرية التعبير والفكر والثقة بالذات واحترام الرأي الآخر ، الأمر الذي يتحقق تلقائياً من خلال تربية الشخصية المستقلة المنفتحة التي ترفض الجمود والتعصب ، فهي تهدف – التربية الإبداعية – إلى محاربة السلبية في تربية الطفل وتعليمه وتشجيع المواقف الإيجابية ، وتدريبه على اتخاذ القرارات المبنية على الاختيار والتفكير الحر الناقد والمبدع لتكون مداخل لبنية تربوية وثقافية طموحة وحتمية للطفل .

 

إن الطفل بطبيعته تلقائي ، وأن من نواتج التلقائية التعبيرية ، وأن كمال التعبيرية هو الإبداع ، والإبداع ليس إلا تعبيراً حراً عن وجود حر ، وأن الإبداعية ليست مجرد أصالة ، وإن كان ذلك فيها ، ولا طلاقة ، وإن كان ذلك فيها ، ولا مرونة ، وإن كان ذلك فيها ، الإبداعية هي ذلك كله ، ولكنها ليست كل ذلك ، فهي قوة التعبير المتفرد عند الطفل . (هدى راجح ، 1998 : 4)

 

إن الطفل المبدع هو ذلك الطفل الذي يبدو عليه كثرة النشاط والحركة منذ صغره ، والذي يستجيب للمثيرات العديدة التي تحيط به ، والمتميز بطلاقة اللسان ، ولديه القدرة على سرعة التعلم ، وعلى التعبير عن نفسه وعن أفكاره بسهولة ويسر .  (رمضان القذافي ، 1996 : 109)

 

كما أن الطفل المبدع هو ذلك الطفل الذي يعيش في عالم الحقيقة والاحتمالات الإيحائية ، بمعنى أنه يتخيل أشياء لا يتخيلها الأطفال ممن هم في نفس سنه ، كما يتسم بحرية التعبير ، وتعدد الاهتمام ، وتفتح الذهن ، كذلك لديه صورة قوية عن ذاته ، يثق في نفسه . (مجدي عبد الكريم ، 2000 ، "ب" : 253)

 

وقد أثبتت العديد من الدراسات العلاقة الإيجابية بين الخيال والإبداع ؛ حيث ثبت أن معظم الأنشطة الإبداعية تستحوذ على جانب كبير من النشاط الخيالي . (مصري حنورة ، 2000 : 18-19)

 

لذا فإن مرحلة رياض الأطفال تعد من المراحل النمائية المهمة التي يكتسب فيها الطفل كثيراً من أنماط السلوك والتفكير المختلفة ، فتؤثر خبرات الأطفال في تفكيرهم ، وبخاصة التفكير الإبداعي ، مما يتطلب ضرورة التعامل مع طفل هذه المرحلة من خلال أساليب تربوية مختلفة تتناسب وطبيعته وسماته الخاصة ، وتتماثل أيضاًَ مع الإمكانيات المتميزة المتاحة التي تقدمها الفنون الأدبية للطفل ، مما يدعونا إلى التعرف على أهم خصائص طفل الروضة ، والتي يمكن الاعتماد عليها في التربية الإبداعية ، ومنها ما يلي : (نادية   شريف ، 1990 : 114-115)

1. التعامل مع الأشياء بصورة غير مألوفة :

فطفل هذه المرحلة من خلال تناوله للأشياء وفحصها ، ومن خلال لعبه الإيهامي عادة ما يتعامل مع الأشياء بصورة غير المألوفة للتعامل    معها ، فقد يضفي على الأشياء صفة الإحيائية (أي إضفاء الحياة على الأشياء أو المواد التي يلعب بها) ، وقد يتكلم معها ، وقد يتصورها تبادله الحديث ، وهكذا .  وتعتبر هذه الصفة لطفل الروضة هي ما يدعو إليها "تورانس" في مواقف التعلم الإبداعي ، وهي ضرورة الخروج عن المألوف ، أو اللعب بالأفكار والمعاني .

2. الحاجة إلى الاكتشاف والتعرف :

فطفل هذه المرحلة تكثر أسئلته التي يوجهها للكبار بغرض التعرف على العالم المحيط به ، وفهمه ، وفي ضوء هذه الخاصية للطفل فإنه يصبح بالإمكان إثراء خبراته ، وإثارة تساؤلاته ، وبذلك توضع البدايات الأولى للشعور بالمشكلة ، والإحساس بالنقص في الخبرات والمعارف ، مما يثير نشاط الطفل للبحث .

3. القدرة على التنظيم :

فقد أكدت "ماريا منتسوري" على أن أطفال الروضة لديهم الموهبة والقدرة على تنظيم الأشياء لأنفسهم ، وبطريقتهم الخاصة ، وكما يرونها ، وكذلك يؤكد "بياجيه" على تمركز طفل هذه المرحلة حول ذاته ، والتعامل مع كل ما يحيط به من وجهة نظره الخاصة ، وليست كما هي في الواقع ، ويعني هذا أن طفل هذه المرحلة يمكن استغلال قدراته الخاصة هذه في تنمية مهارات التفكير الإبداعي لديه .

 

وقد أورد علي لبن (1996 : 20-23) أبرز حاجات النمو العقلي لطفل الروضة فيما يلي :

 

á  الحاجة إلى البحث والتجريب والاستطلاع والاستكشاف ، حيث تستطيع المعلمة أن تستفيد من هذه الحاجة في تنمية عقل الطفل ومعارفه ، فتشجعه على الاستفسار والاستكشاف ، وتتركه يسمع ، ويرى ويتذوق ، ويشم ، ويفك لعبه ويركبها ، كل ذلك من خلال المثيرات التي تعدها المعلمة ، فتدفعه إلى التعجب ، والتساؤل ، والفحص ، والتفكير ، والتجريب ،  والبحث ، والاختبار ، والملاحظة ، والتساؤل .

á  الحاجة إلى اكتساب المهارات اللغوية ، فمرحلة الطفولة المبكرة تعتبر من أسرع مراحل النمو اللغوي ، وهذه المهارة ذات قيمة في تحقيق التوافق الشخصي والاجتماعي للطفل ، ولتنمية لغة الطفل تركز المعلمة على الأنشطة القصصية والأناشيد ، كما تتيح له فرص المناقشة والمحادثة والانطلاق في الحديث .

á    الحاجة إلى التعرف على البيئة ، حيث يحتاج الطفل إلى أن يتعرف على معالم البيئة الطبيعية ، والحضارية .

á    الحاجة إلى التعلم عن طريق الحواس ، والصور الحسية ، وممارسة عمليات التطابق والتجميع والتسلسل .

á  الحاجة إلى الإبداع والاختراع ، والإبداع هو نشاط يقود الطفل إلى إنتاج يتصف بالجدة والأصالة والقيمة ، ومن أهم مظاهر الإبداع الطلاقة ، كالطلاقة في التعبير ، حيث يمكن للطفل أن يقدم أفكاراً متعددة ، وسريعة ، ومتنوعة ، وسليمة في الموقف الواحد ، وبالمثل الطلاقة في التشكيل واستخدام الرموز والأرقام وغيرها .

 

فالعملية الإبداعية للطفل هي كشف صيغة للطفولة تتسق وتتوازن لتمنحنا رؤية علمية نحو عالم الطفل ، ولهذا يكون الإبداع هضماً وتمثلاً لكل ما يحفل به هذا العالم الطفولي من توجهات وخصوصيات ، وما يتفق مع المتغيرات التي تفرزها مراحل النمو التي هي قبض المبدع في كل ما يبدع ، ويمكن النظر إلى أدب الطفل من مستويات مختلفة تتضح فيما يلي : (عبد الرؤوف أبو السعد ، 1994 : 315-316)

 

  • مستوى تثقيفي ، حيث التراث الأدبي القديم والحديث يمد القائمين على تعليم الأطفال ، وتربيتهم ، بحصيلة وافرة من الخبرات الأدبية ، والتجارب الإنسانية ، الأمر الذي يساعد على رفع مستوى الأداء التربوي والتعليمي .
  • مستوى إبداعي ، وهو إبداع يقوم به الكبار الموهوبين ، يتقدمون به إلى الأطفال ، وتتحقق فيه شروط الطفولة وتوجهاتها ، واحتياجاتها الإدراكية .
  • مستوى إبداعي يقوم به الأطفال أنفسهم ، وهو إبداعي يعمل على تنميته لدى الأطفال والآباء والأمهات والجدات والمعلمين والمربين ،وذلك بأثر من الجماليات التي تثيرها الأعمال الأدبية بأدائها وإيقاعاتها ، وأفكارها ، وبذلك نتوجه بالذوق نحو الملكة الإبداعية .

 

وفي كل المستويات تصبح اللغة اللفظية بجمالها وأساليبها ومفرداتها ، وصورها الفنية المعبرة اللبنة الأساسية في البناء الأدبي والفني والإبداعي .

 

 

الفنون الأدبية كأسلوب للتربية الإبداعية لدى طفل الروضة :

يشير "تورانس" و"جوف" (Torrance, P., & Goff, K., 1990:2) أن الأبحاث أثبتت أن الأطفال يتعلمون ويكتسبون المعارف بصورة أكثر فاعلية واقتصادية ، وذلك عن طريق التفكير الإبداعي بالمقارنة بالتعليم التقليدي للأطفال ، حيث يقوم تفكير الطفل على إدراكه الحسي ، كما يقوم أيضاً على ما يكونه من صور ذهنية مختلفة ، حسية ولفظية ، يسترجعها ويستحضرها في ذهنه عندما يلزم الأمر في سياق نشاطه العقلي . (فوزية دياب ، 1980 : 88)

 

و1التفكير على هذا المعنى يعني التعريف بالطرق التي يحل بها الناس مشكلاتهم ، وينمون مفاهيم عقلية عن العالم الذي يعيشون فيه ، لذا يجب على معلمة الروضة أن تنمي في الطفل الأنواع المختلفة من التفكير التي تمكنهم من التوافق مع المواقف الجديدة ، ومن ذلك :

 

à تعويد الطفل على التفكير غير المقيد من خلال اشتراك الطفل وتفاعله مع الآخرين ، والاستماع إلى آرائهم عن طريق الأسئلة المفتوحة غير المقيدة بإجابة واحدة (نعم أو لا) ؛ بل إجابات فيها تعليلات واستنتاجات .

à تعويد الطفل على التفكير المستقل من خلال توجيهه لمعرفة أجوبة أسئلته من مصادرها ، كاصطحابه في رحلة أو زيارة يبحث ويستقصي ويختبر ويشاهد إلى أن يصل إلى إجابة سؤاله .

à تشجيع الطفل على ممارسة العمليات العقلية كالمقارنة والقياس والتمييز بين الأشياء المحيطة به عن طريق القصص والنزهات والزيارات والرحلات . (هدى قناوي ، 1983 : 159-160)

 

وحيث إن الإبداع هو خلق على غير مثال ، كما ورد في قواميس ومعاجم اللغة العربية ، أو الإيجاد أو التحقق في الوجود ، كما يرد في قاموس "ويبستر" ، فقد بات واضحاً أن هذا الخلق ، أو الإيجاد ، أو التحقق ، لما لم يكن متحققاً ، فإنه يحتاج إلى من يقوم بدور الفاعل الذي يجب أن تكون لديه قدرة على تخيل أو تصور شيء غير موجود ، وهذا التخيل يصل إلى ذروته في الممارسات الإبداعية المتحققة من خلال ثلاثية : الذاكرة ، والوعي والإدراك ، والخيال ، ولكي يتم إنجاز إبداعي لابد أن تتحرك هذه الثلاثية بفعل إرادي  حاسم ، حتى لا تصل مجرد تهويمات داخل العقل ، وعلى ذلك فإن العملية الإبداعية لابد أن يتوفر لها عنصر الخيال ، وإذا غاب هذا العنصر فقد اختلفت المنظومة الإبداعية . (مصري حنورة ، 2000 : 18-20)

 

وهذا ما يؤكده فايز مينا (2000 : 80) ، حيث يذكر أن الخيال يمثل عنصراً مهماً في العملية الإبداعية ، فالمتأمل في أي إبداع حقيقي في العلم والأدب أو الفن أو السياسة أو غيرها ، يلحظ أن هناك تفاعلات بصورة ما ، فلا يمكن تصور اختراع ما دون أن نتصور المخترع ، وقد كون رؤية خاصة لاختراعه عن طريق التخيل الذي يبنى في الأصل على ما لديه من حقائق ومنطق ، وينطلق بعدها بالتأمل والتصور ، وفي نهاية الأمر للتثبيت من صدق ما توصل إليه على أرض الواقع ، وصانع القرار المهم لابد من أن يمر في مراحل تبدأ بالواقع ، وينتقل إلى التخيل والتصور ، ثم يعود لحسم الموقف باختيار النتيجة منطقياً . (نجيب اسكندر ، 2000 : 73)

 

فلا يستطيع أي إنسان الوصول إلى عمله الإبداعي من دون أن يستند في تفكيره إلى بعض معطيات مخيلته ، وبعض من معطيات ذاكرته ، ويعتبر التخيل أكثر تلقائية ، بينما الإبداع يؤدي إلى حلول مستندة إلى الواقع لما نشعر به من مشكلات ، أي الوصول إلى حلول يمكن تحقيقها في عالم الواقع ، أما الذاكرة وما فيها من معلومات فإنها تتدخل في عملية الإبداع ، أو التفكير الإبداعي . (جليل شكور ، 1994 : 178)

 

لذلك فمن الأساليب المفيدة في تعليم الأطفال التفكير الإبداعي وتربيتهم إبداعياً الاهتمام بتنشيط خيالهم بشكل دائم ، فتنشيط الخيال هو أحد العمليات الأساسية في الإبداع . (ابتسام السحماوي ، 1998 : 213)

 

وفي هذا الصدد يشير تورانس" و"جوف" (Torrance, P., & Goff, K., 1990:3) إلى أنه من الطبيعي أن يتعلم الأطفال الإبداع من خلال : الرقص ، والغناء ، ورواية القصص ، واللعب ، والتمثيل التخيلي .

 

إنه من المهم أن نضع في الاعتبار بضعة أسس لتعليم الأطفال عندما نفكر في الفن والأنشطة الإبداعية كما يلي : (Edwards, C., & Springate, K., 1995: 1-2)

 

1.  إن الأطفال الصغار لديهم المقدرة على استيعاب الخبرات التي تستدعي مستوى أعلى من التفكير ، وتشمل : التخيل Analysis ، التركيب Synthesis ، التقويم Evaluation .

2.  يحتاج الأطفال للتعبير عن الأفكار والوسائل إلى استخدام وسائل تعبيرية مختلفة ، واستخدام وسائل الإعلام الرمزية ، حيث يُكوِّن الأطفال صوراً عقلية ، ويمثلون أفكارهم ، ويتواصلوا مع العالم بمجموعة من الطرق ، ويحتاج الأطفال لزيادة كفاءتهم ، كما يحتاجون للتكامل بين جميع الأشكال التي تتضمن : الكلمات ، الإيماءات ، الرسومات ، النحت ، البناء ، الموسيقى ، التمثيل الدرامي ، الحركة ، الرقص .

3.  يتعلم الأطفال من خلال الأنشطة المفيدة ذات المعنى في مختلف فروع المواد المتكاملة ، وتساعد المناقشات ذات النهاية المفتوحة ، والأنشطة طويلة المدى على الجمع بين الأنشطة اللغوية والعلوم والدراسات  الاجتماعية ، والتمثيل الدرامي ، والإبداع الفني .

 

إن مجال أدب الأطفال بما يتضمنه من : قصص ، وأشعار ، ومجلات ، وكتب ، ومسرح ، وموسيقى ، وأفلام ، وبرامج إذاعية مسموعة ومرئية ، مجال مهم له دوره كأسلوب للتربية الإبداعية للطفل ، من خلال تنمية القدرات الابتكارية والخلاقة لدى أطفالنا ، ففي أدب الأطفال خبرات متنوعة شاملة ومتكاملة ، والطفل يتلقى من هذه الخبرات ما يعده للاستجابة بطريقة موجبة لخبرات حيوية قادمة ، ويصحب تدريب الطفل على تنظيم بعض وظائفه الحيوية في جو وجداني خاص يغلب عليه الحب والتقبل والتشجيع ، فهو يتعلم من خلال هذه الخبرات التي تقدم له ، والتي يعايشها أنه متميز يمكنه السيطرة على  وظائفه ، وأنه يمكن إنجاز الخبرات الجديدة وحل المشكلات ، بل يتم تدريبه على إعادة التوافق مع ظروف الإحباط والفشل خلال محاولاته للتوصل للحلول المناسبة . (حسن شحاتة ، 1994 : 12)

 

فتحقق الدراما الإبداعية – إلى جانب كونها خبرة إبداعية ثرية تشحذ الخيال ، وتطلق طاقات التعبير الإبداعي الحر – النمو المتكامل للطفل ، وهي بذلك تصلح أن تكون أسلوباً تربوياً متكاملاً ، يفاد منه في جميع جوانب تنشئة الطفل تنشئة إبداعية ، ذلك لأنها تعتمد على المشاركة الفعالة النشطة من جانب الطفل الذي ندفعه إلى تحصيل الخبرات والتدريب على حسن الرؤية ، وتنمية القدرة على التعبير اللغوي وحل المشكلات ، فإذا كانت هناك طرق عديدة لإيقاظ الفكر وتنشيط الخيال وحل المشكلات غير المعتادة ، فإن الدراما الإبداعية خير هذه الطرق جميعاً . (عفاف عويس ، 1993 : 46)

 

فإن اللعب الدرامي والشروح الخيالية والاستخدامات الجديدة للقصص المألوفة ، طرق جديدة في اللعب والتقدير الجمالي للأشياء ، كلها علامات يمكن من خلالها اكتشاف المقدرة الإبداعية للطفل . (عفاف عويس ، 1993 : 26)

 

فالدراما الإبداعية ، وفيها يتشكل فريق من الأطفال مع مُربِّ أو مخرج يحكي لهم قصة ، ويحدد معهم شخصياتها وأبطالها ، ويسألهم من منهم يصلح لأداء دور كل شخصية منها ، ثم يقومون بتمثيل العمل ، مختارين لأنفسهم كلمات الحوار الذي يدور ، وذلك بطريقة تلقائية ، تعينهم على التعبير عن أنفسهم .

 

ونحن نعترف بأن أطفالنا عاجزون إلى حد ما عن التعبير عن أنفسهم ، فما من أفكار وتجارب لديهم ثرية وغزيرة ، وما من ثروة لغوية تساعدهم على التعبير عنها إن هي وجدت ، وإذا تحققت هذه وتلك تكتشف أنها ليست لديهم الشجاعة الكافية لذلك ، ونحن بحاجة إلى قصص ذهني مستمر لعقولهم الغضة ، كما نود أن نُدخلهم في تجارب تُثري هذه العقول ، ولابد أن تزيد من قدراتهم على التعبير ، وامتلاك ناحية اللغة ، بجانب تشجيعهم على أن ينطلقوا ، وما نظن أن هناك سبيلاً لكل ذلك أفضل من الدراما التلقائية الإبداعية .  لذلك فنحن في مسيس الحاجة إلى هذه الدراما التي تُعنى بتحويل المشاهد الخيالية التي يراها الطفل على المسرح إلى واقع مُعاش ، والطفل في هذه الدراما ممثل ومتفرج ومؤلف للحوار ، بمعنى أنه يؤدي دوراً ، ويشاهد نفسه ، ويختار بنفسه لنفسه الكلمات التي تجري على لسانه ، وهو بذلك يكتشف الكثير من نواحي الحياة ، وأيضاً ينمو ويتطور ، إذ يُعبر عن نفسه وعن الشخص الآخر الذي يتقمص دوره ويمارس لوناً من الحرية المنظمة ، ويتدرب عليها . (عبد التواب يوسف ، 1998 : 121)

 

وتعد القصة من الفنون الأدبية المؤثرة على السلوك القيمي في المواقف اليومية ، وأنها أكثر حيوية وتشخيصاً للمواقف الحية ، وأكثر جاذبية للأطفال ، ومن أقدرها على إمتاعهم ، فهي تستثير مشاعرهم ، وتمتلك عقولهم ، وتنمي القدرة على الإبداع لديهم ، وتحلق بهم في أجواء الخيال بعيداً عن محدودية الواقع . (حسن شحاتة ، 1991 : 20-25)

 

كما أن الموسيقى أيضاً تساعد على اكتشاف الطفل للأصوات وتجريبه لها والتعبير الشخصي عنها ، فتضع اللبنة الأولى للإبداعية عنده ، بمعنى تنمية القدرات الإبداعية لديه ، وذلك بمثابة نقطة انطلاقة نحو تنمية القدرات الإبداعية لدى الطفل ، فالموسيقى تعتبر وسيلة للتعبير المبدع . (تفيدة الملاح ، 1997 : 400)  

 

ويتمتع الطفل بقوة تفكير مدهشة في هذه المرحلة ، فهو يستطيع أن يتعلم كلمات أكثر مما سيتعلمه في بقية حياته ، ويستطيع أيضاً أن يتعلم كيف يقرأ النوتة الموسيقية مع التآزر الحركي الصحيح ، وأن يعزف على الآلات الموسيقية ، وأن يرقص الرقصات المعقدة ، وأن يؤدي التمارين الرياضية . (علاء الدين كفافي ، 1997 : 9)

 

فلاشك أن للأطفال ميل شديد للتعرف على الموسيقى وملامحها من خلال المهارات الإيقاعية والإبداعية المختلفة : تصفيق إيقاعات الأغاني ، ابتكار مصاحبة إيقاعية لأغاني الأطفال ، ابتكار بعض الاستجابات الحركية التي تلائم الموسيقى التي يسمعها الأطفال . (تفيدة الملاح ، 1997 : 400)

 

إضافة إلى أن كلمات الشعر الموجهة للأطفال عادة ما تكون بسيطة ، تموج بالمعاني والبدائع ؛ حيث إن الإيجاز والموسيقى عاملان يجعلان الشعر وسيلة مهمة للنفاذ إلى عقل وقلب الطفل ، فالشعر ما هو إلا فن يعتمد أساساً على اللغة ، فإذا ما تكون لدى الطفل رصيد من اللغة ، نتيجة لحفظة الشعر والاستماع إليه ، ساعد ذلك على نمو ذكاء الطفل ، الذي يعتمد أساساً على هبة من الله ، فالشعر ما هو إلا نوع من الإبداع ، وحب الشعر عن الأطفال قد يخلق عندهم الملكة الإبداعية . (إسماعيل عبد الفتاح ، 2000 : 52)

 

ومما سبق يتضح أن أدب الأطفال باعتباره وسيطاً تربوياً يتيح الفرص أمام الأطفال لمعرفة الإجابات عن أسئلتهم واستفساراتهم ، ومحاولات الاستكشاف ، واستخدام الخيال ، وتقبل الخبرات الجديدة التي يرفدها أدب الأطفال ، إنه يتيح الفرصة أمام الأطفال لتحقيق الثقة بالنفس ، وروح المخاطرة في مواصلة البحث والكشف وحب الاستطلاع ، والدافع للإنجاز الذي يدفع إلى المخاطرة العلمية المحسوبة من أجل الاكتشاف والتحرر عن الأساليب المعتادة للتفكير ، والميل إلى البحث في الاتجاهات الجديدة ، والإقدام نحو ما هو غير يقيني ، وتفحص البيئة بحثاً عن الخبرات الجديدة ، والمثابرة في الفحص والاستكشاف من أجل مزيد من المعرفة لنفسه وبيئته ، هذا كله يعني أن أدب الأطفال يوفر سياقاً نفسياً اجتماعياً يراعي سمات الإبداع وينميها خلال عملية التفاعل والتمثل والامتصاص من حيث استثارة المواهب ، ومحاولة تنمية هذه المواهب عن طريق تحقيق جو من التسامح والدفء العاطفي ، والحب والديمقراطية ، إنه يمثل ثقافة جزئية مؤثرة على الطفل في المرحلة العمرية التي ينمو فيها معرفياً ، ووجدانياً ، ومهارياً ، وبالتالي فإن دور أدب الأطفال في تربية الطفل إبداعياً هو دور أساسي وجوهري. (حسن شحاتة،1994: 13-14)

دور أدب الأطفال في مجالات الفكر والإبداع لدى طفل الروضة :

لقد أصبح الإبداع والتعليم والتربية مظهراً من مظاهر عالم الطفولة ، حيث أكدت الدراسات أننا نبدأ بالطفل عند التعلم ،وأننا بالتعليم نجسد حلم الطفولة ، ونجعل من هذه الأحلام رؤانا ، ونحول تلك الأحلام إلى حقائق توظف في خدمة التعليم ، أو التذوق ، أو إلى إبداع أدبي يتعادل مع هذا العالم الذي هو حلم الطفولة ، وعن طريق الأدب بأنواعه وأشكاله المختلفة ينبغي أن نجسد الحلم الطفولي ، وأن نجعل الأطفال يعيشون حلمهم ، وذلك بالكشف عن قدراتهم ، ومهاراتهم ، وميولهم ، والتي تتعاون جميع الأنشطة الأدبية في الكشف عنها ، ولكن ليبدأ كل أديب يبدع للأطفال بمعايشة الحلم الكبير الذي يعيشه الأطفال ، ويملأ مراحل نموهم الجسماني والعقلي والوجداني بالرغبات وتوهج العواطف ، ويغمرهم في سديم من المشاعر والأحاسيس المبهمة بأطيافها الوردية ، وبنقائها وصفاتها وعذوبتها ، ويأتي الأديب ليضع حدوداً ويكشف عن حقائق ، ويمنح هذا الحلم الجسد الذي يتحرك بقوة الأمل ، والرغبة في الحياة ، ومواصلة الأحلام .  فالحقيقة أن الإبداع للأطفال معناه تجسيد حلمهم ، وجعل الأدب معادلاً حقيقياً وفنياً وإنسانياً لهذا الحلم ، والوصول بالطفل إلى معايشته رغبة في تحويل قيم الحلم وجمالياته ، ورحابة انطلاقات إلى سلوك وفكر ناضج ، ووعي سليم ، وتخيل رشيد ، وتلك هي أهم عناصر ومقومات الشخصية السوية  المبدعة . (عبد الرؤوف أبو السعد ، 1994 : 157-158)

 

ومع ذلك يقتصر عمل كثير من المدارس على تزويد الأطفال بالمعلومات المنهجية في نواحي العلوم والفنون والآداب المختلفة ، وهذا يمثل قصوراً كبيراً في قيام هذه المدارس بدورها في تنشئة الصغار ، لأنها تغفل أمراً على درجة قصوى من الأهمية ، هو : تعلم واكتساب طريقة التفكير الصحيحة ، بحيث يكون تفكير الفرد علمياً ، منطقياً ، سديداً ، موضوعياً ، بعيداً عن التعصب ، أو المصلحة الشخصية والعوامل الذاتية .  وطريقة التفكير الصحيحة هي عادة معرفية ، لها قيمة كبيرة في التقدم البشري ، وهي من أهم ما يجب أن يركز عليه المشتغلون في ميادين التربية والتعليم ، أما الاقتصار على الحفظ والاستظهار ، والاعتماد على الذاكرة وحدها ، فإنه لا ينجح في إعداد الفرد المفكر الناقد المستنير ، الذي يحسن الحكم على الأمور ، وتقدير العواقب ، وابتكار الحلول ، والذي يستطيع أن يسير بمجتمعه خطوات إلى الأمام .

 

وهناك صلة وثيقة بين اللغة والفكر ، ويتوقف التفكير إلى حد كبير على الصور اللفظية البصرية والسمعية ، وكذلك على (الكلام الباطني) ، ولهذا فإن اللغة تمثل عوناً كبيراً على التفكير ، وعلى تنظيمه ، وتيسيره ، وتوضيحه .

 

وكذلك نجد أن اللغة هي وسيلة تمثيل الأفكار ، ونقلها بين أفراد الجنس البشري ، وكلما زاد الثراء اللغوي ، وتوفرت الكلمات المعبرة عن مختلف الأشياء والمفاهيم ، زادت قدرة الفرد على التفكير والتعبير ونقل الأفكار ، وأصبحت أكثر فعالية ودقة ، ومن ثم فإن تقدم الفكر مرتبط أشد الارتباط بثراء اللغة ، كما أن ضحالة اللغة وتخلفها ، والفقر في الألفاظ ، هي من العقبات الرئيسة في طريق التفكير وقوة رقيه وتطوره . (أحمد نجيب ، 1991 : 289-290)

 

ولا تقتصر وظيفة اللغة على إمداد الفرد بالأفكار والمعلومات ونقل الإحساس إليه ؛ بل إنها تعمل على إثارة أفكار وانفعالات ومواقف جديدة لديه ، وتدفعه إلى الحركة والتفكير ، وتوحي له بما يعمل على تفتيق ذهنه ، وتوسيع آفاق خياله ،وتنمية قدراته الإبداعية ، وهذا ما دفع بعض الباحثين لأن يربط اللغة بالفكر الإنساني ، ويقرر بأن إمكانية التفكير أولاً وأخيراً تستند إلى اللغة التي تستخدم في إبراز عناصر الفكر ،ففرض إنسان دون لغة معناه فرض إنسان دون فكر ؛ بل إن بعضاً آخر – مثل "واطسن" و"آرثر كسيلر" – تجاوز ذلك فرأى أن اللغة هي التفكير نفسه .

 

الإنسان يوجد ، وتوجد لديه القدرة على التفكير ، ويمارس عملية التفكير فعلاً قبل أن تكون لديه القدرة على ممارسة اللغة ، وهو كذلك يستطيع أن يطور اللغة ، أو يغير فيها في أنماطها ، وفي رموزها ، وفي مدلولات ومفاهيم هذه الرموز بما أوتي من قدرات عقلية وملكات خاصة ، أضف إلى ذلك أن صفات لغة من اللغات تظل قائمة مادام أهلها يحتفظون بعاداتهم نفسها في التفكير ؛ فاللغة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتفكير ، غير أنها ليست شرطاً ضرورياً   لحصوله ، وليس هي التفكير نفسه ، وإنما هي آلة وأداته ، أو المساعد الآلي   له . (ثناء الضبع ، 2001 : 20-21)

 

إن الارتباط الوثيق بين اللغة والتفكير يوضح عمق أثر أدب الأطفال ، وتأثيره على كل من (اللغة) التي يقوم بدور أساسي في غناها وترائها ، و(التفكير) الذي يمكن أن يقوم أدب الأطفال أيضاً بدور مهم في تنميته   وتطويره ، ودعم أسلوبه الصحيح بين الأطفال . (أحمد نجيب ، 1991 : 291)

 

والفكر الإنساني إذا ما تحول إلى نوع من الإبداع ، في أدب وفكر   وفن ، نجد فيه المبدأ الواحد قد تألف من الكثرة في وحدة تضمها محققاً على نحو أروع ، فتظهر بجلاء في قصيدة الشعر التي ليست كومة من مفردات  اللغة ، بل هي نسق فريد من تلك المفردات على صورة جيدة تحمل مضموناً فيه الإبداع الذي يتلقاه المتذوق كما يتلقى حقائق الحياة في شتى صورها ، بمعنى أن الإبداع يكون توليداً ، أو تجويداً ، أو حياة مبتكرة من أجزاء كانت متناثرة .

 

فالشكل الجديد غير المسبوق هو نوع من الإبداع ، والإبداع قد يأخذ أشكالاً عن طريق وسائل منها : الكلمة ، اللون ، النغم ، الخطوط ، بحيث تخرج جملة الإبداعات بحصيلة موحدة وهدف ونغمة

 

فالإبداع نوع من الفكر ، والفن ، والأدب ، فالإنسان هو مبدع لفكر وأدب وفن ، على نحو لا يشاركه فيه كائن آخر من كثرة ، شريطة أن تنخرط تلك الكثرة في وحدة تؤلف بينها ، لتجعل منها كياناً واحداً ، فالمعادلة الرياضية تحتوي على عدة رموز مختلفة لكنها اشتقت جميعاً في جسم رياضي واحد . (محمد الصاوي ، 1995 : 159-160)

 

وتقوم التربية الإبداعية بدور هام في تنمية التفكير الإبداعي عند الأطفال بوسائل مختلفة ، منها : (أحمد نجيب ، 1991 : 291-293)

 

1.  إتاحة الفرص أمام الطفل للإسهام في حل مشكلاته الخاصة ، وقيامه بدور إيجابي في هذا السبيل ، بدلاً من أن نقدم له الحلول الجاهزة ، مع تدريبه على إدراك المشكلة من جميع جوانبها ، وافتراض الحلول ، وتقييم هذه الحلول بطريقة موضوعية ، ومحاولة وضعها موضع التنفيذ ، وما إلى ذلك ، مما ينمي التفكير العلمي ، والابتكاري عند الأطفال .

2.  تنمية خيال الأطفال بطريقة سليمة ، والطفل لديه استعداد قوي لهذا ، والخيال الإنساني مسئول عن كل الأعمال الابتكارية في حياة البشر .

3.  إتاحة الفرص أمام الأطفال للتجريب واكتشاف الأشياء ، واستطلاع البيئة المحيطة بهم ، والكشف عن خواص الأشياء وتجريبها ، وممارسة ألعاب البناء والتركيب ، والرسم ، والقص ، والتكوين ، وما إلى ذلك مما يرضي محاولاتهم الأولى في عالم الابتكار ، والإبداع ، ويكون له أثر قوي في تربيتهم ، وأسلوب تفكيرهم .

4.  الاهتمام بالفروق الفردية بين الأطفال ، لأن لكل طفل عالمه الخاص ، ومن المهم أن نعمل على تنمية استعدادات الفرد ، وقدراته إلى أقصى حدودها ، وإمكاناتنها .

5.  إثارة اهتمام الأطفال بالمشكلات المختلفة ، والإحساس بها ، وإثارة حماسهم للبحث في هذه المشكلات ، والتماس الحلول المبتكرة المناسبة لها .

6.  الاهتمام بممارسة الأنشطة الإبداعية وتذوقها ، والإبداع متنوع تنوع الحياة ، وهو يتضمن كافة أنواع النشاط الإنساني ، ومن المهم أن تتاح للطفل فرص ممارسة الأنشطة الإبداعية المختلفة وتذوقها ، مثل الرسم ، والتصوير ، والأشغال الفنية ، والهوايات ، والابتكارات التقنية ، والتصميم ، والعمارة ، والخزف ، والأدب ، والشعر ، .... الخ .  وهنا يجد الطفل نفسه مبتكراً ، ويبدأ إنتاجه المعني بمعارفه السابقة ، ثم يضيف إليها من ذاته وأحاسيسه وعواطفه وأفكاره ، فيخرج إبداعاته الأولى التي تمهد لإعداده ليكون فرداً مبتكراً ، أو مبدعاً .

7.  تنمية قدرة الأطفال على الملاحظة الدقيقة ، والتقاط الظواهر ذات القيمة ، التي تبدو وكأنها حدثت مصادفة ، مثل سقوط التفاحة من الشجرة ، أو ارتفاع غطاء الإناء بفعل قوة البخار ، وتشجيعهم على محاولة تفسير هذه الظواهر ، واختبار التفسيرات المختلفة ، والتحقق من صحتها .

8.  تدريب الأطفال على الصبر والمثابرة وبذل الجهد المتصل ، فالمبدعون يتميزون دائماً بالقدرة الفائقة على تحمل العناء ، "فإديسون" الذي اخترع المصباح الكهربائي والحاكي "الفونوغراف" ، والصور المتحركة "السينيما" ، وبطارية السيارة ، وعداد النور ، ومئات من المخترعات الأخرى ، حتى كانوا يطلقون عليه الساحر الذي يخرج المخترعات العجيبة من كمه .  "أديسون" هذا كان صبره وتحمله للعناء بلا حدود ، ويروون أنه قابل مرة مشكلة في عمله ، وأخذ يجرب الطرق المختلفة لحلها ، حتى قام بحوالي عشرة آلاف تجربة ، فشلت كلها ، ولكن لم ييأس ، واستمر يجرب حتى وصل إلى الحل في النهاية ، ولهذا يضربون المثل دائماً "بأديسون" ، ويقولون إن عبقريته واحد في المائة إلهام ، وتسعة وتسعون في المائة عرق وجهد .

9.  تدريب الأطفال على التفكير الناقد الذي يحسن التعليل ، والتحليل ، وربط الأسباب بالنتائج ، وهل تؤدي هذه الأسباب إلى تلك النتيجة ..؟ ، وهل هذا التفسير يتفق مع الأسباب ..؟ ، وما مدى معقولية الفكرة ..؟ ، وما المبررات ..؟ ، ومدى سلامتها ، وفاعليتها ، وتقييم الأمور بطريقة موضوعية ، بعيداً عن الهوى والغرض والميل الشخصي ..الخ .

10.  تشجيع التعلم عن طريق الاكتشاف ، وهذا يرتبط ببعض ما جاء في النقاط السابقة ، وفي كثير من الدول المتقدمة يعتبرون أن أهم ما يتعلمه الطفل هو ما يصل إليه عن طريق الاكتشاف لا عن طريق الحفظ  والتلقين .

 

كما أن تشجيع تساؤلات الأطفال ، والاهتمام بالإجابة عن استفساراتهم ، وتعويدهم الصياغة اللغوية الصحيحة ، وتصحيح أخطاءهم دون تخويف ، من خلال صياغة أسئلتهم واستفساراتهم ، والاستماع للقصص والأغاني والأناشيد ، ومناقشة الطفل فيما يستمع إليه ، مما يسهل على الطفل توضيح ما في ذهنه باستخدام الكلمات والتعبير الدقيق بمهارة . (هدى قناوي ، 1983 : 163-166)

 

كما أن إفساح المجال للحديث والمناقشة والمجادلة ، حيث يحتاج الأطفال للحديث بعضهم مع بعض ، فالاتصالات الشفوية والعملية تساعدهم في التعبير عن أفكارهم ، وتنظيمها بطريقة اجتماعية أكثر منها ذاتية ، كما تعلمهم كيفية الإصغاء واختلاف وجهة نظر الآخر ، لأن هذا التفاعل الاجتماعي ينمي التفكير . (ملكة أبيض ، 1993 : 57)

 

وعلى هذا الأساس ، وفي ضوء المفاهيم والأضواء السابقة نرى بوضوح أن لأدب الأطفال – بألوانه وصوره المختلفة – دوراً كبيراً واسع النطاق ، يتجلى في أمور ، منها ما يلي : (أحمد نجيب ، 1991 : 295-298)

 

  • يمكن "لأدب الأطفال" أن يدعم بقوة تربية الأطفال التربية الروحية  الصحيحة ، هذه التربية التي تدعم بدورها بناء شخصية الفرد السوي ، الذي يتسم بالصفات التي تدعم الفكر والابتكار والإبداع .
  • ويمكن لأدب الأطفال أن يعدهم للحياة في عالم الغد ، في القرن الحادي والعشرين ، بمتغيراته وتكنولوجياته المتقدمة ، ويلقي الأضواء أمامهم على ما ينتظرهم في هذا القرن الجديد ، ويحقق لهم التهيئة النفسية ، والوجدانية ، والعلمية ، والعملية لاستقباله استقبالاً صحيحاً ، والحياة فيه بجدارة وكفاءة واقتدار .  وأدب الأطفال الخاص والعام بألوانه المختلفة ، يقدم هنا لخدمة الحياة في مناخ المستقبل : المادة المعرفية ، المعلومات ، المهارات ، الاتجاهات ، والقيم ، مما يعين الأطفال على التكيف مع المستقبل ، والتحلي بالمرونة ، والتفكير العلمي ، والقدرات الابتكارية والإبداعية اللازمة لمواجهة المتغيرات الجديدة .
  • يقوم أدب الأطفال بدور هام في إثراء لغة الأطفال ، واللغة كما رأينا وثيقة الصلة بالتفكير ، كما أن تقدم الفكر ورقيه وازدهاره مرتبط أشد الارتباط بالنمو اللغوي .
  • تقوم القصص والمسرحيات والأغاني ، والأناشيد ، وغيرها من ألوان الإنتاج الأدبي ، بدعم القيم والصفات اللازمة لعمليات التفكير الابتكاري والإبداعي ، مثل : دقة الملاحظة ، الصبر والمثابرة ، التفكير الجاد  المستمر ، تنمية الخيال ، التفكير الناقد ... الخ .  وألوان الإنتاج الأدبي المقدم للأطفال تصل إلى دعم هذه الصفات ، والقيم الإيجابية بوسائل شديدة الفاعلية ، مثل : التقليد ، والقدوة ، والاستهواء (وهو تقبل آراء الآخرين من يعجب بهم الطفل ، ويقدرهم من غير نقد أو مناقشة) ، الانطباعات ، الاندماج ، التعاطف الدرامي ، التقمص ... الخ .
  • يقدم "أدب الأطفال" قصص العلماء ، والمخترعين ، وأهل الإبداع ، ليتخذ الأطفال من حياتهم وسيرهم وتصرفاتهم نماذج وأمثلة تحتذى .
  • يقدم أدب الأطفال أنماط للتفكير المستهدف ذو نماذج للتصرف السليم في مختلف المواقف ، ومن خلال تصرفات الأبطال الذين يعجب بهم الطفل ويقدرهم ، فيقلد تصرفاتهم ، ويتبنى أساليبهم من غير تردد ، على أن يكون هذا مما يخدم أساليب التفكير العلمي ، والتفكير الابتكاري والإبداعي .
  • تقوم كتب الأطفال – التي تقدم لهم أنشطة علمية فكرية – بدور هام في القيام بعمليات التصنيف ، واكتشاف المختلف والمتشابه ، والتدريب على دقة الملاحظة ، وابتكار الحلول ، والخروج من المتاهة ، وإكمال الصور والرسوم ، وحل الأحاجي والألغاز ، وما إلى ذلك .
  • وأدب الأطفال – في قصصه ، وبرامجه التليفزيونية والإذاعية ، وغيرها ، يتيح مواقف تستدعي من الأطفال : دقة الملاحظة والتأمل ، والربط   والتعليل ، والاستنتاج ، وحسن إدراك الأمور ، وتشجيع الرغبة في تفسير المسائل وحل المشكلات ، كما أن القصص البوليسية ، وبعض قصص المغامرات ، قد تتيح الفرصة أمام الأطفال للربط بين المعلومات والوصول إلى استنتاجات مناسبة لاكتشاف الفاعل ، أو المتهم مثلاً ، ثم عندما يكتشف الحل ، يستطيع الطفل أن يقيم ما توصل إليه من نتائج ، عن طريق ما قام به من استدلال .
  • تستطيع الكتب المدرسية – باعتبارها من أهم قطاعات كتب الأطفال – أن تنمي قدرتهم على الإبداع ، إذا راعت أمور منها : عرض المادة بتسلسل منطقي ، وعرض بعض المادة عن طريق أسئلة ومشكلات تثير قدرات الأطفال على الحل والبحث والدراسة ، وألا تقتصر التمارين على أسئلة الاستدعاء والتذكر ، بل تتضمن أسئلة عن تحليل المواقف ، وأعمال الفكر ، وأسئلة تقتضي من الطالب أن يعرض رأيه ، ويدافع عنه ويبرره ، ويبرهن على صحته ، وأن تتضمن المادة –كلما أمكن – عرضاً لبعض المواقف التي يتضح فيها إبداع العلماء وقدراتهم على الابتكار ، وأساليبهم في حل المشكلات ، وفي التفكير العلمي ، وما إلى ذلك ، وأن تصاحب المادة المكتوبة الصور والرسوم ، والخرائط التوضيحية .الجذابة المناسبة ، وأن تشجع الكتب المدرسية الطالب على التعلم الذاتي ، وأن تتضمن المستحدثات العصرية المناسبة في مجال المادة الدراسية ، ... وما إلى ذلك .
  • وأدب الأطفال الناجح يحبب الأطفال في الكتب ، والقراءة وكل أوعية العلم والمعرفة الحديثة ، ويحقق الألفة بينها وبين الأطفال ، وهذا في حد ذاته مكسب كبير ، لأنه يمثل امتلاكاً لمفتاح من أهم مفاتيح الحياة المستقبلية في عالم الغد ، كما أنه يساعد على النضج ، وعلى فهم النفس البشرية ، واستيعاب الحياة بمقوماتها الجديدة المتغيرة .

 

ويتضح مما سبق أن أدب الأطفال يمكن أن يسهم بدور فعال في تكوين إنسان المستقبل الفرد المتقن ، المفكر ، المبتكر ، المبدع ، القادر على   التخطيط ، والتنفيذ ، وعلى التصرف في مختلف المواقف ، والتعامل مع مختلف الظروف ، والذي يحسن اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، في ضوء التفكير العلمي المتزن المتوازن ، لخير مجتمعه وأمته والإنسانية كلها .

أسس ومعايير إعداد فنون أدب الأطفال من منظور التربية الإبداعية:

هناك العديد من المعايير المناسبة ، والأمور التي يمكن مراعاتها عند إعداد مواد أدب الأطفال لتنمية الإبداع لدى الطفل ، وتشكيل الطفل المبتكر ، ووضعه في سياق اجتماعي يساعده على تنمية قدراته ، وفكره ، وخياله ،  ومنها : (حسن شحاتة ، 1994 : 13-14)

 

1.  وضع فنون أدب الأطفال على شكل مشكلات تستثير الطفل ، وتتحدى   عقله ، وتفتح المجال أمامه كي يفكر تفكيراً علمياً ،وتفسح المجال لخيال الطفل ، كي يتصور ويحلق في عالم مفارق لعالم الواقع .

2.  عرض فنون أدب الأطفال على أنها نتيجة تطور لا يقف عند حد ، وعلى إتاحة التحري للعقل بعرض المقدمات ثم النتائج ، وإفساح المجال أمام الأطفال للتجريد من حالات متعددة ، وتحرير عقليته من المحرمات   الفكرية ، والدعوة إلى فحص البيئة بحثاً عن خبرات جديدة .

3.  تدريب الطفل على الاستماع الناقد ، والقراءة ، والمشاهدة الناقدة ، والترحيب بإبداء الرأي والدعوة إلى التفسير والتعليل والموازنة بين الآراء والحقائق ، وكشف العلاقات والدعوة إلى استخدام الخيال ، والمخاطرة العلمية  المحسوبة ، والمساعدة على الاكتشاف .

 

كما يرى يعقوب الشاروني (2002 : 16-26) ضرورة مراعاة النقاط التالية عند تناول الأدب القصصي للطفل لتنمية إبداعاته ، ومنها ما يلي :

 

  • استخدام أسلوب الحوار (السؤال والجواب لقص القصة) أثناء قص القصة ، بحيث يحرص طوال الوقت على أن يشترك الأطفال معه في التعبير بألفاظهم وخبراتهم وخيالهم ، عن مواقف القصة المختلفة ، لتشجيع الأطفال على التفاعل والمشاركة والإبداع والابتكار ، كما أنه من أفضل الوسائل لتنمية أسلوب الحوار والمشاركة لتشجيع الأطفال على ابتكار الحوار الذي يمكن أن يدور بين شخصيات القصة في المواقف المختلفة ، سواء كانت هذه الشخصيات من البشر ، أو الحيوانات ، أو الجماد .  وهنا لابد من تشجيع الأطفال على أن يعبر كل واحد فيهم بألفاظه وعباراته وتعبيرات وجهه وجسمه ، على نحو يختلف عن أسلوب تعبير غيره من الأطفال ، وذلك لتنميه القدرة على التخيل والابتكار والإبداع ، ولتنمية الثروة اللغوية ، وتنمية الثقة بالنفس ، والقدرة على التعبير بالكلمات ، وكذلك لتدريب الأطفال على اللعب الخيالي أو التمثيلي الذي يمكن أن يقوم به الأطفال كنشاط مستقل بعد الانتهاء من قص القصة .
  • أهمية تشجيع الأطفال على تقديم أكثر من سبب لتصرفات أبطال القصة .
  • تشجيع الأطفال على اختيار اسم جديد للقصة ، ويمكن لعدد كبير من الأطفال اختيار أسماء متعددة .
  • كذلك اختيار نهاية جديدة للقصة ، ويمكن أن يقترح الأطفال تغير أحد مواقف القصة ، ويمكن لأكثر من طفل أن يقترح تغيرات مختلفة للموقف الواحد .
  • تمثيل مواقف من القصة ، ويمكن أن يتم تمثيل الموقف الواحد عدة مرات بأطفال مختلفين على أن يغير كل واحد منهم التعبير وجمل الحوار .