قائمة الروابط

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الحادية والعشرين

  الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد  r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[1]

أعزائي المستمعين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  فهذه حلقات من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) وها نحن في بيت حِب رسول الله r بيت ملئ بالحب والعدل والمساواة وأقام دعائمه عليها إنه بيت الصحابي الجليل زيد بن حارثة  بن شراحبيل t مولى وخادم الرسولr  عاش في أكناف بيت النبوية وخالط أهله وخدمهم بل اختار بيت النبيr قبل البعثة على بيت أبيه وعشيرته واختار العبودية على الحرية  وقصة ذلك 0

 إن زيدا عاش في بيت سيادة وشرف فقد كان أبوه سيد قومه ، ولكّن زيدا حرم العيش في كنف أبيه وعشيرته ، وسبب ذلك أن أم زيد بن حارثة، سعدى بنت ثعلبة الطائية.خرجت وابنها زيد لزيارة قومها ، فأغارت عليهم مجموعة من قاطعي الطريق فاحتملوا زيداً ، وهو يومئذ صبيا وباعوه عبدا بسوق عكاظ، فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد لعمته خديجة بنت خويلد ، فلما تزوجها رسول الله r قبل البعثة، وهبته له.  

  ثم إنّ قوم زيد أعلموا بمكانه ، فخرج أبوه حارثة في عشيرته، وقدما مكة، فسألوا عن النبي r: فقيل: هو في المسجد. فدخلوا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب وابن هاشم، ثم سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني، وتطعمون الضيف، جئناك في ابننا عندك، فامنن به علينا وأحسن في فدائه إلينا. فقال رسول الله r: " فهلا غير ذلك؟ أدعوه، فأخيره. فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء. وإن اختارني، فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني شيئاً " .قالوا: قد زدتنا على النَّصَف، وأحسنت. فدعا رسول الله r زيداً، فقال له: أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم أبي وعمي وأخي. فقال: أنا من قد علمت؛ فاخترني أو اخترهم. فقال: ما أنا بمختار عليك أحداً. فقال له أبوه: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية؟ قال: نعم، قد رأيتُ من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالمختار عليه معه أحداً. فلما رأى رسول الله r ذلك من زيد، أخرجه إلى الحجّر، فقال لمن حضر: اشهدوا أن زيداً ابني أرثه ويرثني. فطابت أنفسهم. فكان زيد يدعى زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام،. فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } [الأحزاب : 40] ، ونزلت قوله تعالى : {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ}  [الأحزاب : 5] . ([2])

  (( إنها لعناية إلهية أدركت زيدا ليكون في عدد أسرة النبيr ، وإنها لسعادة كبرى لم يحظ بها عربي في التاريخ. وقع في الأسر والسِّباء ، إذ كان شأن السبي الوقوع في قيد العبودية ولكنها الألطاف الربانية ، نقلته من العبودية إلى الحرية ))0([3])

  حينها عاش زيد في بيت محمد بن عبد اللهr يعايش من أخلاقه وصفاته الحميدة ما تطيب معه العشرة بل الحياة حتى إذا بعث بالرسالة واصطفاه الله بالنبوية كان زيد بن حارثة من أوائل المبايعين على الإسلام 0

 وذلك إن الرسولr عرض دعوته على صديقه أبي بكر t فآمن به ، وصدق برسالته دون تردد ، وقد بيَّن ذلك r بقوله : « إن الله بعثني إليكم فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت ، وواساني بنفسه وماله . . » ([4]) .

  ثم عرض دعوته على ابن عمه الغلام علي بن أبي طالبt ، ومولاه زيد بن حارثةt ، فآمنا وصدقا ، فكان لهؤلاء الأربعة السبق إلى الإسلام ، فعلي أول من أسلم من الغلمان ، وخديجة أول من أسلم من النساء ، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي ، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار رضي الله عنهم أجمعين ([5])

 

 وكأني بزيد ينتظر هذه اللحظة الحاسمة في تاريخ البشرية ليقتنصها فقد ساقته أقدار الله تعالى إليها فبعد أن كان طفلا يلهو ويلعب في مرابع قبيلته شمال الجزيرة العربية تمتد له يد الابتلاء والتمحيص فيقاد في سلك العبودية إلى شعاب مكة ليولد فيها من جديد في أحضان حرية منحها أيها سيدهُ وولي نعمته محمد بن عبد الله بن عبد المطلبr لتبلغ منتهاها باصطفائه بأن يكون من الصفوة الأولى من أصحاب رسول الله r وينعم بالعيش في أكناف بيت النبوة يُعايش رسول الإسلام و ينهل من ينابيع النبوة علما وخلقا وسلوكا ليتوج ذلك بشهادة رسول الله r، لزيد بن حارثة :(( يا زيد أنت مولاي ومني وإلي وأحب القوم إلي)).([6])

والناظر إلى قصة الابتلاء التي تعرض لها زيد بن حارثة يرى فيها فصول من قصة يوسف عليه السلام فمن حياة البدو إلى حاضرة مصر ومن قيود العبودية إلى خزائن الأرض إنها سنة الابتلاء والصبر التي تتوج بحسن العاقبة قال تعالى :{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [السجدة : 24] 

وفي صحيح البخاري من مناقب زيد بن حارثة وفضله ، ما رواه البراء بأن النبي r قال في زيد: (( أنت أخونا ومولانا )) ([7])

 وكان زيد في خدمة رسول اللهr في حله وسفره حتى إذا حانة ساعة الهجرة إلى المدينة خرج زيد مهاجرا إليها وفي المدينة (( آخى رسول الله r بينه وبين حمزة. وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين أراد القتال. ))([8])

  ولمّا استقر الرسولr بالمدينة أرسل مولاه زيدا وأبا رافع ليحضرا بقية أهله ومنهم زوجته سودة بنت زمعة وابنتاه أم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهن جميعا، وهل لهذه المهمة إلا زيد بن حارثة فخرج إليهن على موعد قد ضربه بينه وبينهن 0

وبعد غزوة بدر كلفه رسول اللهr بإحضار ابنته زينب من عند زوجها أبي العاص بن الربيع عندما اشترط عليه عند فِكاك أسره بعد بدر أن يفارقها لان الإسلام فرق بينهما فانطلق زيد وصاحب له من الأنصار فهاجر بزينب إلى المدينة لتلحق بأبيها رسول اللهr

ولقد بلغ من مكانة زيد عند رسول اللهr ما روته أم المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ،حين قالت : مَا بَعَثَ النَّبِيُّ r زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ t فِي جَيْشٍ قَطُّ إِلا أَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَوْ كَانَ بَقِيَ بَعْدَهُ اسْتَخْلَفَهُ )) ([9])

أعزائي المستمعين:

هذه صورة مختصرة من سيرة زيد بن حارثة t في خدمة الإسلام فإلى أن نلقاكم في الحلقة القادمة لنكمل بعض الجوانب العظيمة لبيت زيد بن حارثة  فإلى ذلك الموعد نستودعكم الله تعالى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيوت في خدمة

الحلقة الثانية والعشرين

الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد  r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[10]

أعزائي المستمعين:

  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  فهذه حلقات من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) وها نحن في بيت حِب رسول الله r  مولاه زيد بن حارثةt نستكمل الحديث عن جهوده  في خدمة الإسلام وجهاده في سبيل الله  فهاهي الأيام تمضي بزيد وهو في خدمة الإسلام ورسوله يسعد بذلك الاصطفاء والمحبة من رسول الله حتى إذا عاد رسول الله r من عمرة القضاء إلى المدينة أقام بها نحوا من ستة أشهر وحين علم الرسولr بأن الروم تنوي غزو المدينة حينها قرر r إرسال جيش بقيادة زيد بن حارثة إلى مؤتة لقتال الروم و صد عدوانهم عن الإسلام والمسلمين ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَt رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ r فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ )) ([11])

 (( ومع قوة المعركة واستبسال القادة والجند وانحسار المعركة بحيث لم تُحسم لأحد الطرفين، ولكنها تركت أثراً كبيرا لسمعة المسلمين، فالروم [حينها] أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض ومن يجرؤ على مجرد التفكير في طرح رأيه بوجهها فكيف بمواجهتها؟ وبمن؟

ثلاثة آلاف مقاتل أمام مئتي ألف مقاتل!

ثم ترجع هذه القوة والتي لا تُقاس بعدد الخدم في الجيش الرومي دون أن تتكبدها هزيمة!

إنها عجيبة الدهر وقف أمامها العرب والروم مشدوهين، لا يستطيعون تفسيراً إلا تفسير الإيمان والعقيدة، وهذا ما دعا القبائل [ العربية الموالية للروم] إلى الركون إلى القوة الجديدة فدخلت بنو سليم وأشجع وغطفان وذبيان وفزارة وغيرها في الدين الإسلامي.))([12])

 ولمكانة زيد بن حارثة القيادية قدمه رسول اللهr لقيادة هذا الجيش إذ لا اعتبار للمحبة أو القرابة أو حتى السبق للإسلام بل المعيار هو القدرة على القيادة، وأوضح دليل على ما نقول ما جاء في غزوة مؤتة فقد استعمل رسول الله r زيد بن حارثة وقدمه على ابن عمه جعفر، وقال: "إن أصيب -أي زيد- فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة" ومنه يتضح الانضباط بمُسمى القائد، والحسم يكون بين الأخيار إذا قُتل القائد، لذلك اتفقت كلمة المسلمين على خالد بن الوليد بعد مقتل القادة الثلاثة.([13])

 وبلغ من مكانة زيد عند رسول الله r أنه لما أصيب زيد في هذه المعركة، أتى النبي r أهله، فجهشت زينب بنت زيد في وجهه r. فبكى رسول الله حتى انتحب. فقال له سعد بن عبادةt: يا رسول الله ما هذا؟ قال: " هذا شوق الحبيب إلى حبيبه " ([14]).

 وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله r عرياناً قط إلا مرة واحدة. جاء زيد بن حارثة من غزاة له يستفتح. فسمع النبي r صوته، فقام عرياناً يجر ثوبه، فقبله واعتنقه. ([15])

(( وهكذا نسج الحب المتبادل والتقدير العميق بين النبي وزيد نسيجا لا تنفصم عراه ، ولا تبلى للأبد لحمته وسداه ، وامتد بكل قواه إلى ولده وفلذة كبده أسامة ، وأنتج الحب الصادق توأمين : الأب وابنه ، وأصبح زيد وابنه الحِبّ وابن الحِب مثلين رائعين ورمزين خالدين للحب الخالد والعاطفة الصافية . فهنيئاً لمن طفح قلبه بحب النبي ،وهنيئاً ألف مرة لمن حبه النبي r0 ))([16])

 هذا هو زيد بن حارثة أحد أركان بيته السامق الذي أقيم على الإسلام ومن أجل الإسلام عاش جميع أفراده العظماء ، ولعلك عزيزي المستمع تتساءل عن سيدة هذا البيت المباركة فهي ، أم أيمن بركة بنت ثعلبة رضي الله عنها . التي قال عنها رسول الله r : (هذه بقية أهل بيتي ) ؟ بل كان يناديها r: "يا أمه" ([17])

 فقد حضنت أم أيمن الرسولr واعتنت به منذ ولادته وخاصة بعد موت أمه آمنة بنت وهب وهي عائدة من المدينة فدفنت في الصحراء ، وعادت أم أيمن برسول الله تحضنه وترعاه وتكون له كنفا يستقي منه حان الأمومة حتى قال عنها r ( هي أمّي بعد أمّي )0([18])

وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال في وصفها : (( فَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللَّهِ r فَأَعْتَقَهَا ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ))([19])

وأم أيمن  هي حاضنة النبي r ورثها عن أبيه، هاجرت رضي الله عنها الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة 0([20])

  ولقد هاجرت رضي الله عنها بمفردها من مكة إلى المدينة سيرا على الأقدام، وليس معها زاد لكنه الحب والشوق إلى رسول اللهr والتوكل على الله. فقد روي أنها حين خرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر ـ وكانت صائمة ـ سمعت حسًا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها0([21])

  ومن جهاد أم أيمن رضي الله عنها ودفاعها عن الإسلام مشاركتها في غزوة أحد، فكانت تسقي الماء، وتداوي الجرحى، وكانت تحثو التراب في وجوه الذين فروا من المعركة، وتقول لبعضهم: ((هاك المغزل وهات سيفك)) كما شهدت مع رسول الله  r غزوتي خيبر وحنين([22]).

 وقصة زواجها من زيد بن حارثة أن أم أيمن كانت تُلطَّف النبي  r وتقوم عليه ، فقال رسول الله  r : (( من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن )).فلما سمع زيد شهادة الرسول لها فتزوجها فولدت له أسامة بن زيد . ([23])

وبلغ من مكانة أم أيمن وصلاحها إن الخلفاء الراشدين كانوا يعودونها فعَنْ أَنَسٍt قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ t بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ  r لِعُمَرَt انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَزُورُهَا. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ فَقَالاَ لَهَا مَا يُبْكِيكِ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ  r .فَقَالَتْ مَا أَبْكِى أَنْ لاَ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ  r وَلَكِنْ أَبْكِى أَنَّ الْوَحْىَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلاَ يَبْكِيَانِ مَعَهَا. 0([24])

قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث والفوائد المستنبطة منه استحباب : زيارة الصالحين وفضلها ، وزيارة الصالح لمن هو دونه ، وزيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره ولأهل ود صديقه ، وزيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة وسماع كلامها ، واستصحاب العالم والكبير صاحبا له في الزيارة والعيادة ونحوهما ، والبكاء حزنا على فراق الصالحين والأصحاب وإن كانوا قد انتقلوا إلى أفضل مما كانوا عليه والله اعلم .اهـ .([25])

   هكذا عاشت أم أيمن عمرها المديد حاضنة وراعية للرسول r في طفولتها وخادمة له ترعاه بروح الأمومة و الحب ومجاهدة في سبيل الله تعالى تخدم دينها وترعى أسرتها وتنصح للناس حتى وافتها المنية رضي الله عنها بعد ما توفي النبي r بخمسة أشهر .([26])

أعزائي المستمعين :

إن صور جهاد بيت أفراد زيد بن حارثة t كثيرة وعديدة وجهاد ابنه أسامة في الإسلام كبير هذا ما سوف نعرض منه نماذج في حلقاتنا القادمة فإلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم نستودع الله إيمانكم وصالح أعمالكم وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الثالثة والعشرين

بيوت في خدمة الإسلام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهدية ما تعاقب الليل والنهار0

أعزائي المستمعين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد ( بيوت في خدمة الإسلام ) وبيتنا اليوم هو بيت (الحِبّ بن الحِبّ..) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الصحابي الجليل الذي وصفه رسول اللهr بأنه من أحب الناس إليه فعن عبد الله بن عمر أن النبي  rقال : (( إن أسامة بن زيد لأحب الناس إلي أو من أحب الناس إلي وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا )) ([27])

أبوه زيد بن حارثة خادم رسول الله r الذي آثر الرسول على أبيه وأمه وأهله، وأمه هي أم أيمن، مولاة رسول الله وحاضنته، ولد أسامة بن زيد بمكة في بيت النبوة (( ونشأ في ظل النبوة وترعرع وأدرك في بيت النبي وفي رعايته وتربيته ، فأمن بالإسلام منذ صغره ، ولم يعرف إلا الإسلام ديناً خالصا لله تعالى ، ولم يدن بغير الإسلام عقيدة وعملاً وسلوكاً ، وتربى على انه جندي للإسلام ، يضحي بكل شيء في سبيل عقيدته التي آمن بها، مهاجر مع أبيه إلى المدينة ،وتقلب في أجواء الوحي والتنزيل القرآني.)) ([28])

إذا أسامة بن زيد قد بلغ من المكانة والحب في قلب الرسول r ما جعله يحمل بين الصحابة وسام ولقب ( الحبِ ابن الحبِ)  ولا غرابة في ذلك فأسامة قد جمع من الصفات الخلقية والخُلقية ما جعله بهذه المنزلة (( فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا إلى الإسلام، ومن أكثرهم ولاء للرسولr وقربا منه. وهو من أبناء الإسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه، وتلقوا رضاعتهم الأولى من فطرته النقية، دون أن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء وهو t على حداثة سنه، مؤمن، صلب، ومسلم قوي، يحمل كل تبعات إيمانه ودينه، في ولاء مكين، وعزيمة قاهرة..وهو مفرط في ذكائه، مفرط في تواضعه، ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود.. ..))([29])

 ولقد كان أسامة في طفولته قريب من رسول الله r فكان يحمله ويرعاه ويحضنه في حجره، فقد روى البخاري في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: أن الرسولr كان يأخذه والحسن فيقول: (( اللهم أحبهما فإني أحبهما ))([30])

 ولهذا قَالَتْ عَائِشَةُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَبْغُضَ أُسَامَةَ بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r  يَقُولُ ((مَنْ كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَهُ فَلْيُحِبَّ أُسَامَةَ ))([31])

 وبلغ من حب الرسول r لأسامة بن زيد انه كان يعتني بنظافته أثناء طفولته فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: أراد رسول الله r أن يمسح مخاط أسامة، فقلت: دعني حتى أكون أنا التي أفعل. فقال: (( يا عائشة، أحبيه، فإني أحبه )) ([32]).

 وعندما استشارت الصحابية فاطمة بنت قيس القرشية -رضي الله عنها- رسول الله  r من تنكح من الخطاب فقالت يا رسول الله خطبني مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْمٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r « أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لاَ مَالَ لَهُ وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ». فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا أُسَامَةُ أُسَامَةُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ r « طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ ». قَالَتْ فَتَزَوَّجْتُهُ فَاغْتَبَطْتُ. ([33]). وكيف لا تغتبط بهذه الزيجة والذي أشار عليها بها هو رسول اللهr المؤيد بالوحي ، كما إن الزوج هو أسامة بن زيد الذي لم يحبسه لونه من أن يسمو في سلم الإيمان ودرجات الفضيلة وهو أبن المدرسة النبوية0

  ولقد ظل أسامة بن زيد يحظى بالرعاية النبوية ففي مشهد عظيم كفتح مكة يدخل الرسول الكعبة وفي معيته أسامة وبلال فعن عبد الله بن عمر : أن رسول الله r دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن أبي طلحة الحجبي فأغلقها عليه ومكث فيها فسألت بلالا حين خرج ما صنع النبي r؟ قال جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى ))([34]

 وفي موقف آخر مشهود كيوم عرفة والناس عيونهم شاخصة إلى رسول الهدى r نراه يردف خلفه أسامة بن زيد، فعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ t قَالَ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ r بِعَرَفَةَ فَقَالَ هَذَا الْمَوْقِفُ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَأَفَاضَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَرْدَفَ أُسَامَةَ))([35])

  ومن جهاده في سبيل الله وتضحياته العظيمة انه حاول الجهاد مبكرا شوقا إلى الدفاع عن الإسلام وصد عدوان المعتدين من مشركي قريش والعرب ففي غزوتي احد والخندق عرض نفسه على رسول الله للجهاد فرده لصغر سنة وقد شارك t في غزوة مؤتة تحت قيادة أبيه الذي استشهد في هذه المعركة ثم شهد فتح مكة ومعركة حنين ولقد كان من النفر القليل الذين ثبتوا مع رسول اللهr  في أول المعركة وبهذا الثبات العظيم له ولثلة من الصحابة كان النصر العظيم0([36])

 ولما بلغ أسامة بن زيد العشرين من عمره قلده رسول اللهr  الكثير من الأعمال القيادية وعلى رأسها قيادة جيش الإسلام لحرب الروم وقد اغضب هذا الاختيار بعض الصحابة فاعترض على إمارة أسامة ضناً منه بأنه صغيرا على القيادة فزكى رسول الله هذه القيادة الشابة فعَنْ عبد الله بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ r بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ))([37])

 (( وهكذا قدّس الخليفة أبو بكرt هذه الوصاة، وعلى الرغم من الظروف الجديدة التي خلفتها وفاة الرسولr ، فان الصدّيق أصرّ على انجاز وصيته وأمره، فتحرّك جيش أسامة إلى غايته، بعد أن استأذنهُ الخليفة في أن يدع عمرt ليبقى إلى جواره في المدينة. 0وبينما كان إمبراطور الروم هرقل، يتلقى خبر وفاة الرسول، تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد، فحيّره أن يكون المسلمون من القوة بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم. وقال عنه المسلمون يومئذ: " ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة"..!! ))([38])

   وهكذا رأينا رسول الله r يهتم بالشباب ويعدهم للأمور العظيمة ويقدمهم على الأشياخ لأنهم مستقبل الإسلام ولا بد أن يأخذوا بالتجربة والقيادة و أن يمارسوها في ارض الواقع لأنهم أكثر جراءة على التغيير و التضحية للوصول إلى الغايات العظيمة  فحين فتح رسول الله r مكة جعل إمارتها في يد احد شبابها  عتاب بن أسيد حيث كان أول أمير على مكة وكان عمره حين استعمل نيفاً وعشرين سنة، وأثبت t أنه أهل لهذه الإمارة ، وجعل معاذ بن جبل الشاب الأنصاري وزيرا له ومرشدًا وموجهًا ومعلمًا لأهل مكة([39])

وكان من مواقف أسامة بن زيد العظيمة حربه للمرتدين ودفاعه عن حياض الدين وكذلك اعتزاله الفتنة في أواخر زمن عثمان حتى وفاته في خلافة معاوية وقد قضى بقية عمره مهتما بتعليم الناس والفتيا والعبادة حتى وفاته t فرحم الله أسامة في الخالدين0

(( فلقد كان كبيرا في نظر الصحابة وهو شاب صغير ، وعظيما في تقدير الناس، وهو فتى حدث ، بما أسبغ الله عليه من نعمة العقل الراجح ، والأناة والحكمة في معالجة الأمور ، ومناقشتها ، والجرأة والشجاعة في مواجهة الإحداث )) ([40])

 والى أن نلقاكم أعزائي المستمعين في الأسبوع القادم نستودعكم الله تعالى0

 

 

 

 

 

 

 

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الرابعة والعشرين

  الحمد الله الذي نصر رسوله وأيده بالصحابة الأخيار من المهاجرين والأنصار والقائل في محكم التنزيل: { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[الحشر : 9]

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد  r القائل: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ ».([41])

  أعزائي المستمعين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  فهذه حلقة  جديدة من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) وها نحن في بيت  من بيوت الأنصار الذين قال فيهم رسول اللهr « اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ ». يَعْنِى الأَنْصَارَ. ([42]) انه بيت الصحابي الجليل عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليدt  وأمه الصحابية قرة العين بنت عبادة بن نضلة  الأنصارية وزوجته الصحابية الجليلة أم حرام بنت ملحان صاحبة المواقف العظيمة وسيأتي الحديث عنها في اللقاء القادم بمشيئة الله 0

 إذا بيت عبادة بن صامت من بيوت الأنصار الذين امتدحهم الله تعالى  بقوله : {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[الحشر : 9] 0

وأمتدحهم رسول الله rفي أكثر من موقف ودعا لهم فقال « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ ».([43])

وعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r امتدح الأنصار وأوصى بهم فقَالَ « إِنَّ الأَنْصَارَ كَرِشِى وَعَيْبَتِى وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ».([44])

ثم إن عبادة بن الصامت احد الأنصار الذين قال فيهم r: (( لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا ، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ )) ([45])

لقد كان عبادة بن الصامت من سادات الأنصار وزعمائهم اسلم قبلة بيعة العقبة على يدي رسول الهدى والخيرr عندما اجتمع بهم في عرصات منى حيث كان رسول اللهr يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج فلما أراد الله إظهار الدين و نصر نبيه ساقه إلى هذا الركب من الأنصار، وهم بمنى يحلقون رؤسهم فجلس إليهم فدعاهم إلى الله ، وقرأ عليهم القرآن ، فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدقوا وآووا ونصروا وجاهدوا في الله حق الجهاد  وكانوا والله أطول الناس ألسنة ، واحدهم سيوفا 0([46])

 لقد كان عبادة بن الصامت من هذا الركب الميمون فبايع ولم يتردد و آمن ولم يتزعزع فكانt من أصحاب بيعتي العقبة الأولى والثانية ،الذين سارعوا إلى الإسلام، وبسطوا أيمانهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعين، وشدّوا على يمينه مؤازرين ومسلمين.

 و لقد كان من أعمال عبادة بن الصامت الجليلة في خدمة الإسلام بعد بيعته للرسولr ونصرته له وبذله لماله وجاهه في خدمة الإسلام جهاده معه في كل المشاهد فقد شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله r ([47])

كما انهt من أهل بيعة الرضوان ، الذين شهد الله تعالى لهم بالإيمان والرضا عنهم قال تعالى : { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } [الفتح : 18]

 وهو من فقهاء الصحابة ومن خطبائهم المشهورين ومن سفراء الإسلام ولهذا وصفه أصحاب السير بأنه (( كان من سادات الصحابة )) ([48]) و((كان فاضلا خيرا جميلا طويلا جسيما ))([49])

  وكان عباد بن الصامت من حملة القرآن ومعلميه فقد قال عنه محمد بن كعب القرظي : جمع القرآن في زمن النبي r خمسة من الأنصار : معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء ([50])

  وفي أسد الغابة  لأبن الأثير : إن عبادة بن صامت كان ممن يعلم القرآن في عهد النبيr. علمه لأناس من أهل الصفة. ([51])

    كما كان من أعماله الجليلة تولية القضاء ، قال ابن الجوزي عنه انه ممن شهد المشاهد كلها مع رسول الله وهو أحد النقباء الأثني عشر وقد وجهه عمر إلى الشام قاضيا ومعلما فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين 0([52])

   وقال عنه الإمام الأوزاعي رحمه الله إن : أول من ولي قضاء فلسطين عبادة بن الصامت0([53])

  كما كان له t في زمن النبوة كُتاب يُعلم فيه القراءة والكتابة لفقراء الصحابة وخاصة أهل الصفة إلى جانب تعليمهم القرآن الكريم 0 فقد اخرج الإمام احمد في مسنده عن عبادة بن الصامت انه قال : (( علمت ناسا من أهل الصِّفّة الكتابة والقرآن )) ([54])

  ومن أعماله الجليل في عهد الخلفاء الراشدين حربه للمرتدين ودفاعه عن الإسلام أمام جيوش الردة تحت راية الصديق t حتى تكللت تلك الحروب بنصر الإسلام و وعودة المرتدين إلى الحق والقضاء على دواعي الردة و أسبابها 0

  ثم لم كانت خلافة عمر بن الخطابt كان عبادة بن الصامت من أشهر قادة الفتح الإسلامي في بلاد الشام ومصر حيث كان من إبطال الإسلام الذين يرفعون معنويات الجند بوجودهم خلال الجيش فقد وصفه عمر بن الخطاب بأنه بألف رجل وذلك لشجاعته ورأيه السديد وتضحيته العالية فقد ذكر أهل التاريخ انه لما أبطأ عمرو بن العاص في فتح مصر لتحصن قواتها وكثرتهم أرسل إليه الخليفة عمر بن الخطاب كتابا يلومه فيه ويخبره بأنه قد أمده بأربعة ألاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف وهم : الزبير بن العوام ، والمقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد 0([55])

فكان الفتح المبين على أيدهم وأدخلت مصر في حوزة الإسلام وأصبحت بعد هذا الفتح من مراكز الإسلام الخالدة وجهاد أهلها في الإسلام ودفاعهم عنها مشهور ومشهد على مر التاريخ0

 

أعزائي المستمعين:

هذه صورة مختصرة من أعمال عبادة بن الصامت t في خدمة الإسلام فالي أن نلقاكم في الحلقة القادمة لنكمل بعض الجوانب العظيمة الأفراد هذا البيت فالي ذلك الموعد نستودعكم الله تعالى 0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الخامسة والعشرين

  الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[56]

أعزائي المستمعين:

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  فهذه حلقة من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) نتحدث فيها عن بيت من بيوت الأنصار من بني النجار أخوال عبد المطلب جد النبيr  والذي نزل فيهم رسول اللهr عند قدومه المدينة حيث بركت به ناقته على أعتاب دار مالك بن النجار وبها بنى الرسولr مسجده وبيته، والأنصار عموما لهم في الإسلام أيادي بيضاء في خدمة الإسلام فقد ساهموا رجالا ونساء في نصرة الإسلام وإعلاء كلمته وإظهاره على الدين كله 0

  إذا فبيتنا اليوم هو بيت الصحابي الجليل خادم الرسولr أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي t أمه الرميصاء أم سُلَيْم بنت ملحان الأنصارية -رضي الله عنها-  وأخوه البراء بن مالك الأنصاريt، وعمه أنس بن النضرt ، وزوج أمه أبو طلحة الأنصاريt جميعهم كانوا من أعلام الإسلام الكبار، أحبَوا الإسلام وأحبوا رسوله r وأحبوا إخوانهم المهاجرين وأخلصوا لرسالة الإسلام فكانت تضحيتهم من أجل هذا الدين بأنفسهم وأموالهم 0

 وعندما قدم رسول اللهr المدينة كان أنسt صبيا في الثامنة من عمره أسلم وأمه قبل قدوم رسول الله r أما أبوه فقد أعرض عن الإسلام وخرج إلى الشام في تجارة فهلك هناك ، وعند قدوم الرسولr إلى المدينة تسابق الأنصار إليه يخدمونه بأموالهم وأنفسهم ويفدونه بكل ذلك 0

  ولما رأت الرميصاء أم أنس هذا التسابق والتضحيات وهي امرأة أرملة لا تملك المال ولكنها تملك ما هو أغلى من ذلك فلذة كبدها ابنها أنس بن مالك، فدفعها ذكاؤها وحسن تدبيرها بأن تدفع بابنها إلى أعماق بيت النبوة فيتربى هناك تحت عين رسول الله r فينهل من ينبوع الرسالة الصافي ويخدم رسول الله وأهل بيته، حينها حملته أمه أم سُلَيْم بنت ملحان وقدمت إلى رسول الله r وقال : يا رسول الله لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفك بتحفة ، واني لا اقدر على ما أتحافك به إلا ابني هذا ، فخذه فليخدمك ما بدا لك0([57])

 وقد روى أنسt ذلك الموقف فقال: جاءت بي أم سُلَيْم إلى رسول الله r قد أزرتني بنصف خمارها، وردتني ببعضه، فقالت:يا رسول الله ! هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك، فادع الله له. فقال: (( اللهم أكثر ماله وولده )). فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادّون على نحو من مئة اليوم0 ([58]).   

فقَبِله النبي r، وكناه أبا حمزة، ولازم أنس رسول الله r ملازمة شديدة، ما فارقه فيها أبدا. وخدم أنس النبي r عشر سنين، وشهد معه ثماني غزوات، وصلى معه إلى القبلتين.

وامتلأ قلب أنس بحب النبي r ، فها هو ذا يقول وقد تجاوز به العمر التسعين سنة: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبـي (يقصد رسول الله r).

  وقد أحبت أسرة أنس رسول الله r حبا شديدا، وكانت لأسرته في قلب رسول الله r منزلة خاصة، فأمه أم سُلَيْم، وخالته أم حرام بنت ملحان، وعمه أنس بن النضر بطل أحد، وعمته الرُّبيِّع بنت النضر. وكان لهؤلاء النسوة أثر كبير في تنشئة أنسt وكان يذكر ذلك بكل فخر وامتنان فقال t ((كن أمهاتي يحثثني على خدمة رسول الله r ([59]).  

 (( لقد سعد أنس عشر سنين في ظلال المصطفى r ، ثم سعد بقية عمره المديد وهو يعيش ذكريات تلك السنوات العشر ، تلك الذكريات التي انطبعت في وجدانه ، ولم تفارقه في سفر أو حضر ، في عافية أو مرض ، في عسر أو يسر ، بل ولا في يقظة أو منام – فقد كان يقول (ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيـبي – يعني رسول الله r – ثم يبكي))([60])

لقد سعد أنس بوجوده في بيت النبوة فقد كان ينهل من عطف الرسول اللهr وأبوته له فقد كان يخاطبه بـ((يا بني )) ففي سنن الترمذي عن أنس بن مالك : قال لي رسول الله r يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل))([61])

ووصف أنسt حسن خلق الرسولr  وتعامله معه فقال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r  مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَنِى يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَذْهَبُ. وَفِى نفسي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِى بِهِ نَبِىُّ اللَّهِ r فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ في السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ r  قَدْ قَبَضَ بِقَفَاىَ مِنْ وَرَائِى - قَالَ - فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ « يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ ». قَالَ قُلْتُ نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.))([62])

   ومن أعمال أنس بن مالك في خدمة الإسلام مشاركته t في حروب الردة في عهد أبي بكر الصديق t. وكان t ممن حضر موقعة اليمامة، وشهد الفتوحات في عهد عمر، وعثمان بن عفان، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم-.([63])  

  ولقد وصف الذهبي رحمه الله أنس بن مالك فقال هو :الامام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة، خادم رسول الله r ، وقرابته من النساء، وتلميذه، وآخر أصحابه موتا. روى عن النبي r علما جما. وروى عن جل الصحابة و استفاد من علمه خلق كثر0([64])

واشتهر أنس t بالعلم والفقه والتبحر في علوم الدين، وروى كثيرا من أحاديث الرسول r ، وما يدل على علمه الغزير أنه قال لثابت البناني: يا ثابت خذ عني، فإنك لن تأخذ عن أحد أوثق مني، إني أخذته عن رسول الله  r عن جبريل، وأخذه جبريل عن الله.([65])

     ولقد وصف الذهبي رحمه الله أنس بن مالك فقال هو :الامام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة، خادم رسول الله r ، وقرابته من النساء، وتلميذه، وآخر أصحابه موتا. روى عن النبي r علما جما. وروى عن جل الصحابة و استفاد من علمه خلق كثر0([66])

 فقد روي لأنس بن مالك في كتب الحديث: ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثا (2286) [67]

 

  ولقد طال العمر بأنس بن مالك بسبب بركة  دعاء النبي له فقال : (( اللهم أطل عمره وأكثر ماله وولده واغفر له))([68]) فاستفاد منه خلق كثير من الصحابة والتابعين وقد تنقل بين كثير من حواضر الإسلام من الحجاز إلى الشام وحطَّ عصا ترحاله بالعراق وخاصة البصرة التي كانت حاضرته وعاصمة إقليمه والتي بها توفي أنس t في أوائل التسعينيات من القرن الأول الهجري، وعمره يقترب من المائة، وكانt آخر من مات من أصحاب رسول الله r بالبصرة، ولما مات قال أهل البصرة: ذهب اليوم نصف العلم، وذلك لأنهم كانوا يرجعون إليه في كل ما اختلفوا فيه من حديث رسول الله r 0([69] )

أعزائي المستمعين:

 هكذا هم الأنصار حب وفداء وجهاد, عاهدوا فوفوا , وبايعوا فصدقوا وآووا فأحسنوا فرضي الله عنهم أجمعين وإلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم لنستكمل الحديث عن بيت أنس بن مالك فإلى ذلك الموعد نستودعكم الله تعالى0

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة السادسة والعشرين

  الحمد لله رب العالمين والهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على إمام المتقين ورسول رب العالمين محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة و أتم التسليم وعلى أصحابه الميامين من الأنصار والمهاجرين ، ومن سار على منهاجه إلى يوم الدين وبعد

أعزائي المستمعين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذه حلقة جديدة في برنامجكم الأسبوعي بيوت في خدمة الإسلام ونحن اليوم سوف نستكمل الحديث عن بيت خادم رسول الله أنس بن مالك الأنصاري t ودوره في خدمة الإسلام 0

  أعزائي المستمعين:

  لقد صحب أنس بن مالك النبي r أتم الصحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجرته r إلى المدينة، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وكان ممن بايعه تحت الشجرة.

وقد روى عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشهدت بدرا ؟ فقال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر. وقد خرج مع رسول الله r إلى بدر، وهو غلام يخدمه ([70]).

  ولقد كان رسول الله يخص بيت أنس بالزيارة فقد روى الامام البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه دخل النبي r على أم سُلَيْم فأتته بتمر وسمن قال أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سُلَيْم وأهل بيتها فقالت أم سُلَيْم يا رسول الله إن لي خويصة قال ما هي قالت خادمك أنس فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به قال اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له فيه فإني لمن أكثر الأنصار مالا وولدا))([71])

  وكان أنس tكثير الشبه برسول الله في عباداته فكان يقتفي أثره ويهتدي بهديه فطال عمره حتى احتاج الناس إليه واخذوا عنه الكثير من السنن فعن تلميذه ثابت البناني قال : قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله r من ابن أم سُلَيْم، - يعني أنسا ([72]).

  ومن أفراد بيت أنس الذين خدموا الإسلام واعلوا كلمته أخوه الصحابي الجليل البراء بن مالك الأنصاري t البطل الكرار صاحب رسول الله  r ، شهد أحدا وما بعدها، وبايع تحت الشجرة. ([73])

 كان شجاعا مقداما لا يُشق له غبار اشتهر بالفدائية والمخاطرة بنفسه من أجل إعلاء كلمة الله تعالى حتى انه حُرم من قيادة الجيوش الإسلامية بسبب جراءته وشجاعته المفرطة ،كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الجيش: لا تستعملوا البراء على جيش، فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم ([74]).

وبهذه الصفة العظيمة حقق الله تعالى به النصر على الأعداء وخاصة في يوم من أشدِّ أيام معركة اليرموك ضراوة وقسوة تكبد المسلمين فيها خسائر عظيمة في الأرواح وخاصة في طبقة القراء والعلماء ، فلما رأى البراء إن المعركة تطول والمسلمين قد أجهدوا في حرب مسيلمة الذي تحصن في حصونه عزم البراءt على أصحابه أن يحتملوه على ترس، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة بين اتباع مسيلمة الكذاب ، فاقتحم إليهم، وشد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب الحديقة. وقد جرح يومئذ بضعة وثمانين جرحا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرا يداوي جراحه ([75]). وحريا بخالد بن الوليد أن يعتني بفارس من أجل فرسان الإسلام العظام0

وكان tيتقدم الفرسان مبارزا ومنازلا لصناديد الشرك فيوردهم حياض الموت فقد اشتهر أن البراء قتل في حروبه مئة نفس من الشجعان مبارزة.

 وتجلت شجاعته في حصار تستر عندما تحصن فيها الفرس واستعصى على المسلمين فتحها هنالك تجلت شجاعة البراء وإقدامه حين اقتحم أسوارها وعلى هامات جند الفرس يعمل فيهم سيفه ، فقاتلهم في جوف المدينة، حتى تمكن من فتح أحد أبوابها وولج منه جند المسلمين فكان النصر حليفهم وسقطت معاقل الفرس المنيعة في أيدي المسلمين بسبب جراءة و شجاعة البراء بن مالك ، وقد استشهد t في هذه المعركة وكان البراءt قد تمنى على الله الشهادة في هذه المعركة الفاصلة ([76]).

  وقد كان البراء بن مالك t مستجاب الدعوة صادق السريرة فعن أنس بن مالكt قال: قال رسول الله r: (( كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك ))([77])

أعزائي المستمعين:

 ومن جنود هذا البيت الذي تجلت فيه صور البطولة والتضحية أنس بن النضر عم أنس بن مالك الأنصاري ، وهو أول شهيد تقدمه هذه الأسرة المجاهدة في سبيل الله (( وصورة استشهاده ملحمة من أروع ملاحم البطولة والتضحية والفداء، ويكفي صاحبها فخرا شهادة الله سبحانه وتعالى له بالصدق والثبات ))([78]) قال تعالى { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}  [الأحزاب : 23]

روى مسلم في صحيحه عن أَنَسٌ قال: إن عَمِّىَ الذي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ   r بَدْرًا فَشَقَّ عَلَيْهِ قَالَ أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ  r غُيِّبْتُ عَنْهُ وَإِنْ أراني اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  r لَيَرَانِىَ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا - قَالَ - فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  r يَوْمَ أُحُدٍ فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ يَا أَبَا عَمْرٍو أَيْنَ فَقَالَ وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ فَوُجِدَ فِى جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ فَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِىَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلاَّ بِبَنَانِهِ.))([79])

    قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث  إن :(( فِي قِصَّة أَنَس بْن النَّضْر مِنْ الْفَوَائِد جَوَاز بَذْل النَّفْس فِي الْجِهَاد ، وَفَضْل الْوَفَاء بِالْعَهْدِ وَلَوْ شَقَّ عَلَى النَّفْس حَتَّى يَصِل إِلَى إِهْلَاكهَا ، وَأَنَّ طَلَب الشَّهَادَة فِي الْجِهَاد لَا يَتَنَاوَلهُ النَّهْي عَنْ الْإِلْقَاء إِلَى التَّهْلُكَة . وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَنَس بْن النَّضْر وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صِحَّة الْإِيمَان وَكَثْرَة التَّوَقِّي وَالتَّوَرُّع وَقُوَّة الْيَقِين .))([80]

أعزائي المستمعين :

 هكذا هم الأنصار حب وفداء وجهاد, عاهدوا فوفوا , وبايعوا فصدقوا وآووا فأحسنوا فرضي الله عنهم أجمعين والى أن نلقاكم في الأسبوع القادم لنستكمل الحديث عن بيت أنس بن مالك فإلى ذلك الموعد نستودعكم الله تعالى0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة السابعة والعشرين

  الحمد لله رب العالمين والهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على إمام المتقين ورسول رب العالمين محمد بن عبد الله  r وعلى أصحابه الميامين ومن سار على منهاجه إلى يوم الدين وبعد

أعزائي المستمعين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهذه حلقة جديدة في برنامجكم الأسبوعي بيوت في خدمة الإسلام ونحن اليوم سوف نستكمل الحديث عن بيت الصحابي الجليل خادم رسول الله r  أنس بن مالك  t ودوره في خدمة الإسلام 0

  أعزائي المستمعين:

 سبق وان تحدثنا عن موقف أم أنس بن مالك وهي الرميصاء أم سُلَيْم بنت ملحان الأنصارية عندما دفعت بطفلها أنس ليخدم الرسول r ويعيش في كنف بيت النبوة وسوف نخص حديثنا هذه الحلقة بشيء من سيرتها وجهادها العظيم في خدمة الإسلام ورسوله 00 فأم سُلَيْم بنت ملحان الأنصارية الخزرجية النجارية أم أنس بن مالك ،كانت تحت مالك بن النضر والد أنس بن مالك في الجاهلية فغضب عليها حين أعلنت إسلامها فخرج إلى الشام ومات هناك . فخطبها أبو طلحة الأنصاري وهو مشرك فقالت : أما إني فيك لراغبة وما مثلك يرد ولكنك كافر وأنا امرأة مسلمة فإن تسلم فلك مهري ولا أسألك غيره . فأسلم وتزوجها وحسن إسلامه0([81])

وفي هذا الموقف الدعوي العظيم تتجلى صور من عبقرية المرأة المسلمة و دقة تفكيرها الإبداعي في مخاطبة غير المسلم وبيان ضلال ما هو عليه من شرك وذلك بتحطيم قناعاته المزيفة وكشف اللثام عن الخرافة والأساطير التي نسجها عالم الشرك والكفر في مخيلته عن الإلهة والأصنام  التي لا تنفع ولا تضر ولكنه عمى البصيرة الذي يصاب به المشرك، ففي السنن عن أنس : إن أبا طلحة خطب أم سُلَيْم فقالت : يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد ينبت من الأرض ينجرها حبشي بني فلان قال : بلى . قالت : أفلا تستحي تعبد خشبة !

 إن أنت أسلمت فإني لا أريد منك الصداق غيره . قال : حتى أنظر في أمري . فذهب ثم جاء فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . فقالت : يا أنس زوج أبا طلحة . فتزوجها .([82])

   إن أبا طلحة الأنصاري من عقلاء الأنصار وحلمائها فتعاملت أم سُلَيْم مع هذه المكانة بما يناسبها فصورت له معبوده على حقيقته في أقبح صوره قطعة خشب تنبت في التراب يصنعها عبد حبشي تأبى طبيعة أبي طلحة الجاهلية أن يجالس عبدا كيف والعبد هذا هو الذي يصنع له إلهه ، لقد أثرت الكلمات هذه في أبي طلحة فما لبث أن عاد مسلما ، ووفت أم سُلَيْم بوعدها فتزوجته وكان مهرها هو إسلام أبي طلحة فأنعم به من مهر ومن موقف دعوي عظيم 0

  إن هذه الصحابية الجليلة الداعية الفاضلة أم سُلَيْم بنت ملحان مثل حي يقتدى به في بناء الأسرة المسلمة المكافحة التي تقوم بداء رسالتها وفق المنهج الرباني الذي ترقى بها إلى مدارج الكمال الإنساني 0

   إن بيت أم سُلَيْم نموذجا يجب التوقف عنده في حسن إيمانها و تعلقها بالإسلام ورسوله وكذلك بحسن جهادها مع زوجها في سبيل الله ومع هذا كله فيه نموذجا فريدا للزوجة المسلمة العاقلة وسوف نعرض عزيزي المستمع لبعض من هذه المواقف للقدوة والامتثال وخاصة المرأة المسلمة اليوم التي هي في أشد الحاجة إلى دراسة سيرة هذه المرأة العظيمة0

 لعل من أجل التضحيات التي يقدمها الإنسان المسلم هي الجهاد بنفسه وماله في سبيل الله وأم سُلَيْم بنت ملحان المجاهدة كانت تغزو مع رسول الله  r ، ففي يوم احد كانت إلى جنب عائشة أم المؤمنين يجلبن الماء للمجاهدين ويداوين الجرحى فعن أنس t قال : (( لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي e قال ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر و أم سُلَيْم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب . وقال غيره تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم 0 ([83])

  ومن أشهر مواقفها الجهادية ما كان منها يوم حنين حين ثبتت وزوجها مع رسول الله حينها الْتَفَتَ رَسُولُ اللّهِ  r  فَرَأَى أُمّ سُلَيْمٍ بنت مِلْحَانَ وَكَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي طَلْحَةَ وَهِيَ حَازِمَةٌ وَسَطَهَا بِبُرْدٍ لَهَا ، وَإِنّهَا لَحَامِلٌ بِعَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَعَهَا جَمَلُ أَبِي طَلْحَةَ وَقَدْ خَشِيَتْ أَنْ يَعُزّهَا الْجَمَلُ فَأَدْنَتْ رَأْسَهُ مِنْهَا ، فَأَدْخَلَتْ يَدَهَا فِي خِزَامَتِهِ مَعَ الْخِطَامِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ  r  أُمّ سُلَيْمٍ ؟ قُلْت : نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللّهِ اُقْتُلْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يَنْهَزِمُونَ عَنْك كَمَا تَقْتُلُ الّذِينَ يُقَاتِلُونَك ، فَإِنّهُمْ لِذَلِكَ أَهْلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ  r أَوَ يَكْفِي اللّهُ يَا أُمّ سُلَيْمٍ ؟ قَالَ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ فَقَالَ لَهَا أَبُو طَلْحَةَ مَا هَذَا الْخِنْجَرُ مَعَكِ يَا أُمّ سُلَيْمٍ ؟ قَالَتْ خِنْجَرٌ أَخَذْته ، إنْ دَنَا مِنّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ أَلَا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا تَقُولُ أُمّ سُلَيْمٍ الرّمَيْصَاءُ . وحدث أنس أن أبا طلحة استلب وحده يوم حنين عشرين رجلا([84])0

  ومما اشتهرت به أم سُلَيْم رضي الله عنها طلبها للعلم والتفقه في أمر النساء فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت أم سُلَيْم إلى رسول الله e   فقالت أن الله لا يستحي من الحق فهل للمرأة من غسل...

ولهذا قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نعم النساء، نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ))[85]

ولقد كان رسول الله e يقوم بنفسه بتعلم النساء فعن ابن عباس قال أشهد على النبي أن رسول الله e خرج ومعه بلال فوعظهن وأمرهن بالصدقة.... قال ابن حجر في الفتح باب عظه الأمام النساء ونبه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الثوب إلى تعليم الأهل ليس مختص بأهلهن بل ذلك مندوب للإمام الأعظم. ومما يؤكد إقبال النساء على العلم والمعرفة وشديد حرصهن عليها، فعن أبي سعيد ا لخدري t إن النساء قلن للرسول الله: يا رسول الله غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه فواعدهن من الغد، فأمرهن ووعظهن ))[86]

وقال رسول الله e (( ثلاثة لهم أجران ومنهم (( ورجل كانت عنده أمه فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران ))[87]

  أعزائي المستمعين:

والى أن نلقاك عزيزي المستمع في الحلقة القادمة لنكمل الحديث عن بعض إفراد بيت السيدة الأنصارية أم أنس بن مالك الرميصاء بنت ملحان رضي الله عنهم جميعا فالي ذلك الحين نستودعكم الله 0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الثامنة عشرين

  الحمد لله رب العالمين والهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على إمام المتقين ورسول رب العالمين محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة و أتم التسليم وعلى أصحابه الميامين ومن سار على منهاجه إلى يوم الدين وبعد

أعزائي المستمعين:

مازال الحديث متصلا عن الداعية الفاضلة الرميصاء بن ملحان أم سُلَيْم رضي الله عنها التي لم تشغلها الدنيا ومسؤولياتها عن السمو إلى معالي الرتب فقد آثرت على نفسها في مواضع كثيرة فها هي تدفع بابنها أنس بن مالك إلى خدمة الرسول r والانقطاع إليه ، ثم هاهي تزوج نفسها لرجل من الأنصار مقابل إسلامه فهي حرصت على تبليغ هذه الرسالة والتفاني في خدمة الرسول  فهي لم تترك بابا تلج منه إلى خدمة الإسلام ورسوله إلا وولجته بكل شموخ وكبرياء المرأة المسلمة ، فإلى جانب ما اتصفت به أم سُلَيْم رضي الله عنها من صفات الشجاعة وخدمة الدعوة بما يناسب قدراتها0 كانت رضي الله عنها مثلا رفيعا للزوجة الصالحة التي تعد حسن تبعلها لزوجها من العناصر الرئيسة التي ينبغي أن تحرص عليها المرأة المسلمة 0([88])

 وتتجلى شخصيتها الفذة في حسن التبعل في هذا الموقف العصيب الذي يرويه ابنها أنس بن مالك إذ قال : اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ قَالَ فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ فَلَمَّا رَأَتْ امْرَأَتُهُ (أي أم سُلَيْم ) أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ كَيْفَ الْغُلَامُ قَالَتْ قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ قَالَ فَبَاتَ فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ  r ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ  r بِمَا كَانَ مِنْهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  r لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا قَالَ سُفْيَانُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ .([89])

  فأم سُلَيْم مع عظم الفقد لم تفقد رجاحة عقلها وسليم تصرفها فعمدت إلى غسل وتكفين صغيرها ثم أعدت الطعام لزوجها الصائم وتزينت له لتدخل السرور والطمأنينة إلى نفسه ولم تبادر إلى إزعاجه بل سعت إلى راحته وإدخال السرور إلى نفسه ولما أصبح أخبرته الخبر الذي قد سبق فيه حكم الله وقضاؤه والذي لا راد لها 0 وبعده يمضي أبو طلحة إلى رسول الله ليقص عليه ما جرى في بيته فيبارك الرسول فعل أم سُلَيْم ويدعو لهما فيقول : ((لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا))0

 وقد بلغ من حب الصحابة رضي الله عنهم للرسول مبلغا عظيما فتعلقوا بشخصه الكريم حتى ملئ ذلك أفئدتهم حبا وشوقا إليه فتسابقوا إلى إظهار ذلك امتثالا لسنته واقتداءً بأخلاقه و مكارمه الكثيرة (( ولم يحظ بهذا الحب والتقدير صحابته الرجال ، وإنما سجلت كتب السيرة ورواياتها مواقف جليلة من الصحابيات اللواتي عُرِف عنهن هذا الحرص على إرضائه وتقديره وتهيئة أسباب الراحة والطمأنينة أمامه ، والصحابية الجليلة أم سُلَيْم في مقدمة هذا الفريق من النساء اللواتي أحببن قائد الدعوة ، واظهرن له هذا الحب العميق، وربما كان يساعدها على الإفصاح والتعبير عنه بالفعل والقول أنها كانت محرماً له r))([90])

قال بن الجوزي : سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سُلَيْم أخت آمنة بنت وهب أم الرسولr من الرضاعة .([91]

  ومما يدل على هذا الحب الذي تكنه أم سُلَيْم بنت ملحان للرسول r فقد روى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : "إن أم سُلَيْم(1) كان تبسط للنبي r، نطعاً فيقيل عندها على ذلك النطع، قال : فإذا نام النبي r، أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة، ثم جمعته في سك(2) وهو نائم. قال : فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إلى أن يجعل في حنوطه من ذلك السك، قال فجعل في حنوطه"([92]).

 وكان من صور محبة أم سُلَيْم للرسول r، أنها كانت تصنع الطعام و ترسل به ابنها أنس إلى النبي r، وتـقول له اعتذر لنا لان هذا الطعام قليل فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ r،فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ ، فَصَنَعَتْ أمي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ في تَوْرٍ فَقَالَتْ يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r،فَقُلْ بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي وَهْىَ تُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَتَقُولُ إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r، فَقُلْتُ إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَتَقُولُ إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ))([93])         

   ولقد كان زوجها أبو طلحة يشاطرها هذا الحب والجود والسخاء فقد كان يتفقد حال الرسول r، ويهدي إليه فقد أدرك ذات مرة أن صوت النبي r، ضعيفا من شدة الجوع فما لبث أن سأل زوجته أم سُلَيْم رضي الله عنها هل من طعام ترسله للرسولr  فقال لها : لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ  r ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ قَالَتْ نَعَمْ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ – أرسلت به ابنها أنس-  فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ  r آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِطَعَامٍ فَقُلْتُ نَعَمْ 0))([94])

  لقد كان أبو طلحة مثلا في الجود والعطاء ، فقد انفق أحب أمواله إليه في سبيل الله امتثالا لأمر الله تعالى في قوله تعالى : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [آل عمران : 92]

حينها امتثل أبو طلحة لهذا التوجيه الرباني فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ  r يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  r بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.))([95])

 ولقد كان أبو طلحة مجاهدا عظيما في صفوف المسلمين فقد لازم الرسولr في حله وترحاله وثبت معه في جميع مواقفه ليكون فداءً للرسول r من كل مكروه ففي غزوة احد(( فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَرْمِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ  r يَوْمَ أُحُدٍ وَالنَّبِيُّ  r خَلْفَهُ يَتَتَرَّسُ بِهِ وَكَانَ رَامِيًا وَكَانَ إِذَا رَمَى رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ  r شَخْصَهُ يَنْظُرُ أَيْنَ يَقَعُ سَهْمُهُ وَيَرْفَعُ أَبُو طَلْحَةَ صَدْرَهُ وَيَقُولُ هَكَذَا بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يُصِيبُكَ سَهْمٌ نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَسُوقُ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ  r وَيَقُولُ إِنِّي جَلْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَجِّهْنِي فِي حَوَائِجِكَ وَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ))([96])

 ومازال أبو طلحة على هذه السيرة الحميدة من الجهاد في سبيل الله والإنفاق في سبيل الله والذود عن حياض الإسلام وتبليغه إلى الناس جميعا مع ما أصابه من الكبر والشيخوخة فقد طال به العمر فأدرك خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وكان وفيا لهم ناصحا للإسلام والمسلمين حتى وافته المنية سنة أربع وثلاثين للهجرة فصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا0

  وبوفاة أم سُلَيْم وزوجها أبي طلحة في خلافة عثمان طويت صفحة من أجمل صفحات الإسلام جهادا ودعوة ومحبة للإسلام ورسوله r  بعدما ورثا لنا علمين جليلين من أعلام الإسلام العظماء ابنها أنس بن مالك ، وأخيه من أمه عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ليبقى لهذا البيت طيب ذكره وجميل عطائه في الحياة الإسلامية 0

 أعزائي المستمعين:

 إلى هنا نختم حديثنا عن هذا البيت الأنصاري الذي ضم كوكبة من الصحابة والصحابيات كان لهم في خدمة الإسلام ورسولهr الجهد الكبير فإلى أن نلقاكم في بيت آخر من بيوت الإسلام العاملة في نصرة هذا الدين نستودعكم الله تعالى 0 

 

 

 

 

(بيوت في خدمة الإسلام )

الحلقة التاسعة والعشرون

 

   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهديه ما تعاقب الليل والنهار0

أعزائي المستمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد (بيوت في خدمة الإسلام )

 وفي هذه الحلقة سوف يكون حديثنا عن بيت اشتهر صاحبه بتلاوة القران الكريم آناء الليل وأطراف النهار امتدح رسول الله r صاحبه فقال (( لقد أعطى أبو موسى مزمارا من مزامير داود ))([97])

 انه بيت الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري  t واسمه عبد الله بن قيس الأشعري  فقد ناداه رسول اللهr بهذا الاسم فقال (( يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ  )) ([98])

   وأبو موسى الأشعري t ينتمي إلى قبيلة الأشعريين اليمانية ولهذه القبيلة فضلها ومكانتها في خدمة الإسلام فقد كانوا من حملة القرآن الكريم وأهل العلم والجهاد فقد امتدحهم رسول الهدى r فقال : (( إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو قال العدو قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم )) ([99])

 وقد ضرب الأشعريون رضي الله عنهم المثل الأعلى في الإيثار والتكافل الاجتماعي حتى أصبحوا فيه قدوة للعالمين فهذا رسول اللهr يثني على هذه الأخلاق والعادات الاجتماعية الحسنة التي اشتهروا بها فيقول (( إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِى الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِى إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّى وَأَنَا مِنْهُمْ )).([100])

    فالأشعريون عباد ومجاهدون في وقت واحد، وهم فيما بينهم متعاونون ومتكافلون رضي الله عنهم وأرضاهم0 ([101])

  إن نشر العلم بين المسلمين وتعليمه من سمات الأشعريين رضي الله عنهم، فلقد ذكر رسول الله r في بعض خطبه قوما من المسلمين فأثنى عليهم خيرا ثم قال (( ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم ؟ ،وما بال  أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون ؟ ، والله ليعلّمن قومُ جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعجلنهم العقوبة )) ثم نزل فقال: قوم من ترونه عنى بهؤلاء ؟ قالوا : الأشعريين هم قوم فقهاء ولهم جيران من أهل المياه والأعراب 0

فبلغ ذلك الأشعريين فأتوا الرسول r فقالوا : يا رسول الله ذكرت قوما بخير وذكرتنا بشر فما بالنا ؟ فقال : (( ليعلمن قوم جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم و لينهونهم وليتعلمون قوم من جيرانهم ويتفقهون أو لأعجلنهم العقوبة في الدنيا فقالوا يا رسول الله : أنفطن غيرنا ؟ فأعاد قوله عليهم 00 فقالوا : يا رسول الله : أمهلنا سنة فأمهلهم سنة ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم ))[102]0

  فهذه دعوة عامة إلى العلم والتعلم وردم حفرة الجهل عن الأمة ولنشر العلم بين أفراد المجتمع ، فيا ليت أن الدول الإسلامية المعاصرة تتبع هذا التوجيه النبوي للقضاء على الأمية كما تفعل ذلك حكومة المملكة العربية السعودية وفقها الله إذ  تقيم مدارس محو الأمية وتعليم الكبار وتقيم كذلك المراكز التوعوية والتعليمية الصيفية إذ تكلف بعض المعلمين والعلماء بعقد حلق ومراكز لمحو الأمية وتعليم الناس الدين والقراءة والكتابة وحبذا لو جعل هناك عاما يخصص لحملة كبرى من جميع فئات المجتمع المتعلمين للقضاء على الأمية والجهل التي انتشرت في صفوف المسلمين0

  ولقد كان الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رحمه الله يأمر العلماء بالنزول إلى الناس في مواطنهم وتعليمهم العلم وتوسيع دائرة العلم بين الناس وكان يقول : (( ليفشوا _ أي العلماء – العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا ))[103]0

     ومن أسباب دخول الأشعريين في الإسلام دعوة أبي موسى الأشعري t لهم وحثهم على الدخول في هذا الدين العظيم فلقد كان أبو موسى الأشعري يتردد على مكة وأسواقها وحينها سمع بدعوة الرسول r إلى الإسلام ونبذه الشرك وأعماله فأسلم أبو موسى الأشعري قديماً في أول أيام البعثة ثم رجع إلى قومه فلم يزل بهم حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله r  فبشر بقدومه فعن أنس أن النبي r قال ( يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا فقدم الأشعريين فيهم أبو موسى ) فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين: جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.([104])

ومن مواقف أبي موسى الأشعري t في خدمة الإسلام انه كان من أوائل الدعاة إلى الإسلام فحين أسلم بمكة وخاف عليه رسول اللهe من أذى قريش أمره أن يعود إلى قومه وان يدعوهم الله تعالى، فعن أنَس بْنَ مَالِكٍ قال: قَالَ النَّبِيُّ e: ((سَيَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا لِلْإِسْلَامِ مِنْكُمْ قَالَ فَقَدِمَ الْأَشْعَرِيُّونَ مِنْهُمْ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ الْمَدِينَةِ جَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ وَجَعَلُوا يَقُولُونَ غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ قَالَ وَكَانَ هُمْ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْمُصَافَحَةَ )) ([105])

  وقد لازم أبو موسى الأشعريt رسول الله e منذ قدومه وشارك في بقية غزوات الإسلام وكان سيد في قومه ومقدمهم عند رسول اللهe كما كان حريصا على خدمة رسول الله والسعي في قضاء حوائجه فعن أبي موسى الأشعري، قال: خرج رسول الله e يوما إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في أثره، فلما دخل الحائط، جلست على بابه، وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي e))([106])

      ولقد كان أبو موسى الأشعري t ممن حفظ القرآن والعلم وكان من أطيب الناس صوتاً سمع النبي e قراءته فقال: (( لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة .. لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ) فقال أبو موسى: يا رسول الله لو أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحييراً ([107]).

  وكان الناس يجتمعون عليه ليسمعوا صوته الشجي الندي بالقرآن قال أبو عثمان النهدي (( ما سمعت مزماراً ولا طنبوراً ولا صوتاً أحسن من صوت أبى موسى الأشعري أن كان ليصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة من حسن صوته[108]))

  ولقد كان تلاميذه يزيدون على ثلاث مئة ممن حفظ القرآن كاملاً فعن أبي الأسود الديلي عن أبيه قال : جمع أبو موسى القراء فقال : لا تدخلوا عليّ إلا من جمع القرآن ، قال : فدخلنا عليه زهاء ثلاث مئة فوعظنا وقال : أنتم قراء أهل البلد ، فلا يطولون عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب[109]

ولقد عد السيوطي رحمه الله في الإتقان من اشتهر بالتفسير من الصحابة وسماهم وهم : الخلفاء الأربعة ، وابن  مسعود وابن عباس وأبىّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين[110]

  ولقد أستغفر له النبي e واستعمله على زبيد وعدن وكان الرسول الله e  قد أرسله ومعاذ إلى اليمن ليقرؤوا الناس القرآن[111]0

 

أعزائي المستمعين:

هذه بعض أللمحات عن دور أبي موسى الأشعريt وقبيلته الأشاعرة في خدمة الإسلام  فالي أن نلقاكم في الحلقة القادمة لنكمل أن شاء الله بعض الجوانب العظيمة لبيت أبي موسى الأشعري فإلى ذلك الموعد نستودعكم الله تعالى 0

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الثلاثون

  الحمد لله رب العالمين والهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على إمام المتقين ورسول رب العالمين محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة و أتم التسليم وعلى أصحابه الميامين ومن سار على منهاجه إلى يوم الدين وبعد

أعزائي المستمعين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي بيوت في خدمة الإسلام ونحن اليوم سوف نستكمل الحديث عن بيت أبي موسى الأشعري t ودوره في خدمة الإسلام 0

  أعزائي المستمعين:

  لقد كان لأبي موسى الأشعري t مكانة عظيمة عند رسول الله e لما امتازت به شخصية أبي موسى من صدق وإخلاص للإسلام ورسوله e وقبول اجتماعي لدى القبائل اليمنية التي أنظمت إلى الإسلام ومن اجل هذه المكانة العظيمة بعث رسول الله e أبا موسى الأشعري إلى اليمن وكان ذلك بعد غزوة تبوك إذ بعثه داعياً ومعلماً ووالياً ولقد تحدث رضي الله عنه عن سبب بعثه إلى اليمن فقال : أَتَانِي نَاسٌ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فَقَالُوا اذْهَبْ مَعَنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَإِنَّ لَنَا حَاجَةً قَالَ فَقُمْتُ مَعَهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَعِنْ بِنَا فِي عَمَلِكَ فَاعْتَذَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e مِمَّا قَالُوا وَقُلْتُ لَمْ أَدْرِ مَا حَاجَتُهُمْ فَصَدَّقَنِي رَسُولُ اللَّهِ e وَعَذَرَنِي وَقَالَ إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ فِي عَمَلِنَا مَنْ سَأَلَنَاهُ)) ثم قال ولكن اذهب أنت يا أبا موسى )) فبعثه إلى اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل[112].

 وفي صحيح البخاري باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ثم روى عن أبى بردة بن أبي موسى الأشعري قال : بعث رسول الله e أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال : وبعث كل واحد منهما على مخلاف ، ثم قال (( يسرا ولا تعسرا يسرا ولا تنفرا ))[113]

وتوجههe باليسر وعدم العسر، واليسر وعدم التنفير قواعد تربوية عظيمة إذ لا يمكن أن تقوم العملية التعليمية على غير هذه القواعد العظيمة والتي يدركها كل من كان له علاقة بالتربية وأساليبها وغاياتها .

وكان أبو موسى يدرك أهمية التعليم وخاصة أن رسول الله e خصهم – الأشعريين – بأمر تعليم الناس وخاصة جيرانهم وكان رضي الله عنه لا يترك فرصة تمر دون أن يبتهلها فهذا أحد مواقف الدعوة في نشر العلم يحض الناس فيها على التعليم والتعلم فعن أبي المهلب قال : سمعت أبا موسى على منبره وهو يقول : (( من علمه الله علماً فليعلمه ، ولا يقولن ما ليس لـه به علـم ، فيكون من المتكلفين ويمرق مـن الدين ))([114])

وكان مسجده بالبصرة ثم الكوفة مدرسة للتعليم ومجالس للعلم وكان الناس ينهلون منها شتى  العلوم الدينية في القرآن والسنة والأحكام الفقهية وغيرها وكان يضبط قراء تهم للقرآن الكريم فعن أبى شوذب  قال : ((كان أبو موسى إذا صلى الصبح استقبل الصفوف رجلاً رجلاً يقرئهم ))([115])

وعن أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلما الناس القرآن([116]) ، و قال لهما : ( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا) ([117])

قال ابن حجر في الفتح تعليقاً على هذا الحديث : ( وفي الحديث : الأمر بالتيسير والرفق بالرعية ، وتحبيب الإيمان لهم وترك الشدة ، لئلا تنفر قلوبهم ، ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالإسلام ، أو قارب حد التكليف من الأطفال ، ليتمكن الإيمان من قلبه ، ويتمرن عليه .

   وكذلك الإنسان في تدريب نفسه على العمل إذا صدقت إرادته لا يشدد عليها بل يأخذها بالتدريج والتيسير ، حتى إذا أنست بحالة ودامت عليها ، نقلها لحال آخر ، وزاد عليها أكثر من الأول . حتى يصل إلى قدر احتمالها ولا يكلفها بما لعلها تعجز عنه ..) ([118] )

   ولما بلغ أبو موسى الأشعري وفاة رسول الله e وهو باليمن استأذن الخليفة الراشد أبا بكر الصديقt في العودة إلى المدينة والمشاركة في الفتوحات الإسلامية إذ اشتاقت نفسه للجهاد في سبيل الله فانظم إلى جند الإسلام في بلاد الشام حتى عهد عمر بن الخطابt إذ أوكل إليه إمارة البصرة التي كانت قاعدة الإسلام في بلاد العراق وأوصاه فقال : (( وإني لا أستعملك على أبشارهم ولا أغراضهم. وإنما استعملتك لتصلِّي بهم وتقضي بينهم وتقسم بالعدل.)) ([119])

  ثم بعثه عمرt إلى الكوفة أميراً ومعلماً وحكّمه علي t على نفسه في شأن الخلافة لجلالته وفضله([120])

   ومن مناقب أبي موسى الأشعري t وفضائله أنه يعد من قضاة الإسلام الكبار ، قال ابن المدني : قضاة الأمة أربعة : عمر ، وعلي ، وأبو موسى ، وزيد بن ثابت ([121])

   فقد اشتغل رضي الله عنه بالقضاء في خلافة عمر حتى  خلافة علي رضي  الله عنهم وكان بينه  وبين عمر رسائل في القضاء هي من دعائم القضاء الإسلامي.

 وكان أبو موسى يتأنى في أحكامه، ولا يتسرع في إصدار الأحكام حتى يظهر له الحق ، ويقول: لا ينبغي للقاضي أن يقضي حتى يظهر له الحق كما تبين له الليل من النهار. فبلغ ذلك القول عمر بن الخطاب فقال: صدق أبو موسى . ([122])

 ومن بيت أبي موسى الأشعري مجاهدون كبار كعمه أبي عامر الأشعري t وكان أبو عامر من كبار الصحابة . وشارك في العديد من الغزوات  وكان له في غزوة حنين موقف مشهود فلما فرغ رسول الله e من حنين بعثه على جيش إلى أوطاس خلف الفارين من هوازن وكان المنهزمون قد انقسموا ثلاث فرق : فرقة منهم لحقت بالطائف . وفرقة بنخلة وفرقة بأوطاس . فانتهى إليهم أبو عامر فإذا هم مجتمعون فناوشوه القتال وقتل منهم أبو عامر تسعة مبارزة بعد أن يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام وأفلت منه العاشر ثم استشهد أبو عامر في هذه الواقعة . ثم خلف أبا عامر أبو موسى t فقاتل القوم حتى هزمهم وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا([123])

 ولقد كان لأبي موسى الأشعري أبناء خدموا الإسلام وكانوا من رجالاته العظام ومنهم أبنه أبي بردة التابعي الجليل واشتهر بكثرة روايته للحديث عن أبيه  وعن علي بن أبي طالب وحذيفة بن اليمان وجمهور من الصحابة أدركهم فروى عنهم العلم وكان من كبار رواة السنة رحمه الله0

  والجدير بالذكر أن الإمام الكبير أبا الحسن الأشعري من العلماء العظام الذين قدمتهم للأمة أسرة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، فأبو الحسن الأشعري  وهو الذي رد على المعتزلة ، وكشف ضلالهم وزيفهم ، بعد أن رفعوا رؤوسهم، فحجزهم بقوة حجته في أقماع السمسم، وقمع بدعتهم، ورد أيضا على الملحدة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة، وأكثر المسلمين في الأقطار الإسلامية ينتسبون إلى عقيدته التي استقر عليها أمره في كتابه ( الإبانة عن أصول الديانة ) ([124])0

 إن بيت أبي موسى الأشعري من أجلّ البيوت التي خدمت الإسلام وقدمت للأمة الإسلامية كثيرا من الأعلام والمجاهدين العظام.

 هكذا عاش أبو موسى الأشعري عابدا ومجاهدا وقارئا للقرآن شديد الورع يـبتعد عن الفتن ويعتزلها فقد كان t يخشى أن يسأله الله تعالى عن أي ظلامة في عنقه لمسلم، واستمر أبو موسى في محرابه معلما للقرآن الكريم وقارئا له حتى وافته المنية سنة اثنتين وأربعين للهجرة فرضي الله عنه وعن سائر أصحاب رسوله e .([125])

 والى أن نلقاك عزيزي المستمع في الحلقة القادمة نستودعك الله تعالى 0

 

 

 


[1] - البخاري ، صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305

[2] - أنساب الأشراف - (1 / 206)

[3] - وهبة زحيلي ، أسامة بن زيد ،ص19

[4] - البخاري ، صحيح البخاري (حديث رقم 3461) 3 / 1339 .

[5] - انظر : ابن كثير ، البداية والنهاية 3 / 28 ، 29 .

[6] - الطبقات الكبرى لابن سعد - (3 / 44) ومسند الإمام احمد

[7] - صحيح البخاري ، (3 / 1364)

[8] - أنساب الأشراف ، (1 / 208)

[9] - الآحاد و المثاني - (1 / 185)

[10] - صحيح البخاري - (3 / 1288) الحديث رقم 3305

[11] - صحيح البخاري ، (10 / 321)

 

[12] - إرشاد السؤول إلى حروب الرسول - (1 / 175) ما بين الأقواس زيادة

[13] - انظر : إرشاد السؤول إلى حروب الرسول - (1 / 259)

[14] - أنساب الأشراف - (1 / 208)

[15] - المرجع السابق  (1 / 208)

[16] - وهبة زحيلي ، أسامة بن زيد ،ص23

[17] -- الطبقات الكبرى (8/179) ، والإصابة (8/358)،ومستدرك الحاكم(4/63).

[18] - الإصابة (8/359)

[19] - صحيح مسلم - (5 / 162)

[20] - أسد الغابة - (1 / 1320)

[21] -انظر: حلية الأولياء (2/76)، الطبقات (8/162).

[22] - نساء حول الرسول - (1 / 72)

[23] - ابن سعد في الطبقات - الكبرى (8/179)

[24] - صحيح مسلم - (7 / 144) الحديث رقم(6472)

[25] - شرح النووي على صحيح مسلم (16/10)

[26] - صحيح مسلم برقم (1771) .

[27] -   ابن الأثير أسد الغابة 1/40

[28] - وهبة زحيلي ، أسامة بن زيد ،ص18

 

[29] - رجال حول الرسول - (1 / 138)

[30] - صحيح البخاري - (3 / 1366) الحديث رقم 3528

[31] - مسند أحمد - (42 / 132)

[32] - أخرجه الترمذي (3818)

[33] - صحيح مسلم - (4 / 198) رقم الحديث (3785)

[34] - صحيح البخاري - (1 / 189) رقم الحديث(483)

[35] - مسند أحمد - (2 / 5)

[36] - انظر ، سيرة ابن هشام (2/437)

[37] - صحيح البخاري  - (16 / 491) رقم الحديث (6627)

[38] - رجال حول الرسول - (1 / 139)

[39] - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/153)

[40] - وهبة زحيلي ، أسامة بن زيد ،ص106

[41] -: صحيح مسلم - (7 / 173) الحديث رقم 6570

[42] - صحيح مسلم - (7 / 174) ، الحديث رقم 6573

[43] -: صحيح مسلم - (7 / 173) الحديث رقم 6570

[44] - صحيح مسلم - (7 / 174) الحديث رقم 6576

[45]- صحيح البخاري ت - (10 / 394)

[46] 0 انظر ، ابن سعد الطبقات 1/216-217 وانظر ابن كثير البداية والنهاية ص148

[47] - أسد الغابة - (1 / 573)

[48] -  السيوطي ، حسن المحاضرة ( 1/211

[49] - النووي ، تهذيب الأسماء ، 1/275

[50] - احمد،ر الإصابة  2 / 269

[51] - ابن الأثير أسد الغابة  2 /16

[52] - الخزاعي – الدلالات السمعية ص 79 -80

[53] -ابن الأثير، أسد الغابة - (1 / 574)

[54] - احمد ، المسند ، 5/315

[55] -  فتح مصر ص61

[56] - البخاري ، صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305

[57] - سير أعلام النبلاء - (3 / 397)

[58] - أخرجه مسلم في " صحيحه " (2481) (143)

[59] - أحمد 3 / 110، ومسلم (2029) (125)، وابن سعد 7 / 20

[60] - عبد الحميد طهماز ، انس بم مالك ،ص62 انظر سير أعلام النبلاء 3/397

[61] - سنن الترمذي - (5 / 46)

[62] - صحيح مسلم - (7 / 74) رقم الحديث6155

[63] - سير أعلام النبلاء - (3 / 396)

[64] - سير أعلام النبلاء - (3 / 396)

[65] - الحاكم ، المستدرك ، رقم الحديث  6455

[66] - سير أعلام النبلاء - (3 / 396)

[67] - الشريف منصور بن عون – مرويات ابن مسعود في كتب السنة ومسند أحمد ص1615 –دار الشروق جدة ط الأولى 1985 م.

[68] - المعجم الأوسط - (1 / 161)

[69] - البداية والنهاية 9 / 88، مجمع الزوائد 9 / 325، تهذيب التهذيب 1 / 376، الإصابة 1 / 71، النجوم الزاهرة 1 / 224، خلاصة تذهيب الكمال: 35، شذرات الذهب 1 / 100، 101، تهذيب ابن عساكر 3 / 142.

[70] -  الذهبي ، سير أعلام النبلاء - (3 / 397)

[71] - صحيح البخاري ت - (5 / 107) رقم الحديث 1982

 

[72] - سنن الترمذي  (3833)

[73] - سير أعلام النبلاء - (1 / 195)

[74] - " المستدرك " للحاكم 3 / 291، وابن سعد 7 / 1 / 10، و " أسد الغابة " 1 / 206، و " الاستيعاب " 1 / 285.

[75] - الإصابة ،1 / 236، وابن عبد البر ، الاستيعاب ،1 / 287

[76] - الحاكم 3 / 292 ،وابن عبد البر في ، الاستيعاب، 1 / 286.

[77] - الترمذي ، سنن الترمذي رقم الحديث،(3853)

[78] - عبد الحميد طهماز ، انس بن مالك ، ص63

[79] - صحيح مسلم - (6 / 45) رقم الحديث ، 5027

[80] - فتح الباري لابن حجر - (8 / 399)

 

[81] - أسد الغابة،1/1444، والاستيعاب 4/1940 رقم 4163، والرياض المستطابة ص326، 327، والإصابة 4/441 رقم 12077 .

 

 

[82] - مصنف ابن أبي شيبة - (3 / 459)

 

[83] - البخاري ، صحيح البخاري ، (3 / 1055) كتبا مناقب الأنصار ، حديث رقم2880

[84] - سيرة ابن هشام - (2 / 445)

- 4 البخاري صحيح البخاري ج 1 ص60 حديث رقم 130

[86]ـ [86] - الأمام أحمد ـ المسند ج 3 ص72، 34 ـ والبخاري ـ صحيح البخاري ج 1 ص195

2ـ البخاري ـ صحيح البخاري رقم 97 ـ ج 1 ص252

3ـ الصنعاني: عبد الرزاق ـ مصنف عبد الرزاق ح 5 ص326 ـ ولهى 1392 هو تحقيق حبيب ألا عظمي

4ـ أبن حجر ـ الإصابة ج 4 ص276

 

 

 

[88] - أمينة عمر ، أم سليم بنت ملحان ، ص 61

[89] - صحيح البخاري ت - (3 / 248) حديث رقم 1301

[90] - أمينة عمر ، أم سليم بنت ملحان ، ص87

[91] - ابن حجر ، فتح الباري ، 11/80

[92] - البخاري , صحيح البخاري، 11/73 رقم 6281، ومسلم، صحيح مسلم رقم الحديث،2332 .

[93] - مسلم ، صحيح مسلم ،4 / 150 ، حديث رقم،3580

[94] - البخاري ،صحيح البخاري، 9 / 108، حديث رقم،3578

[95] - صحيح البخاري ،3 / 504، رقم الحديث،1461

[96] - مسند أحمد ،21 / 445

 

[97] - مسند أحمد بن حنبل-ن - (2 / 354)

[98] - صحيح البخاري ت - (16 / 161) رقم الحديث 6348

[99] - صحيح البخاري-ن - (4 / 1547) رقم الحديث 3991

[100] - صحيح مسلم - (7 / 171) رقم الحديث ،6564

[101] - عبد الحميد طهماز ، أبو موسى الأشعري (1411هـ ) ، ص 15 ، سلسلة أعلام المسلمين ، دار القلم ، دمشق0

[102] - الطبراني – الكبير ج 1ص123

[103] - البخاري – صحيح ج1ص225 الفتح0

[104] - الإستيعاب في معرفة الأصحاب - (2 / 68)

[105] - مسند الصحابة في الكتب الستة - (20 / 180)

[106] - معرفة الصحابة لأبي نعيم - (4 / 1752)

[107] - البخاري رقم 4660 – ومسلم رقم 1321

[108] - الذهبي  - النبلاء ح2 ص392

[109] - الدهلوي - حياة الصحابة ح3 ص 235

[110] - الذهبي – محمد حسين – التفسير والمقرون ح1 ص 66 .

[111] - البخاري-  صحيح البخاري ح6 ص 113، 10 / ص345

[112] - مسند الإمام أحمد ح 4 ص 409  و مسلم رقم 1733

[113] - البخاري ج 8 ص 60

[114] - بن سعد الطبقات ج 4 ص 107

[115] - الذهبي ، سير أعلام النبلاء 2 ص 389

[116] -  مسند الإمام أحمد ح 4 ص 397

[117] - البخاري ، صحصح البخاري 7/599 رقم الحديث3038

[118] - ابن حجر -  فتح الباري ح16 ص286

[119] - الذهبي ، سير أعلام النبلاء 2/391

[120] - الذهبي- معرفة القراء الكبار ح1 ص40

 

[122] - ابن سعد ، الطبقات ، 2/113

[123] - ابن سعد ، الطبقات ، 6 / 16،

[124] - عبد الحميد طهماز ، أبو موسى الأشعري ص 144

[125] - سير أعلام النبلاء - (2 / 382)