قائمة الروابط
- مقابلة صحفية
- توصيف مقرر مشكلات تربوية (403 ترب )
- سيرة الذاتية / الدكتور عبدالله بن حلفان بن عبدالله العايش
- الفكر التربوي عند الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
- التربية البيئية في ضوء توجيهات التربية الإسلامية وتطبيقاتها في المدرسة
- السنن الاجتماعية في ضوء القرآن والسنة و توجيهاتها التربوية
- مدى رضا طلاب كلية المعلمين بمكة المكرمة عن البرنامج الدراسي بالكلية (1428هـ)
- منهجية البحث في العلوم الإنسانية في الفكر الإسلامي
- التنشئة الاجتماعية وإثرها في غرس مبادئي التربية البيئية للمدينة النبوية في نفوس الناشئة
- أعلام الفكر التربوي الاسلامي
- النمو الأخلاقي (و الاجتماعي ) ونمو الشخصية في ضوء نظريات التعلم
- نظريات التعلم ( دراسة موجزة )
- نظريات التعلم ( دراسة موجزة) الجزء الثاني
- نظريات التعلم ( دراسة موجزة) الجزء الثالث
- التعليم في بعض بلاد المسلمين المعاصرة تركيا نموذجا
- تابع التعليم في تركيا
- الفلسفة التربية
- بيوت في خدمة الاسلام
- بيوت في خدمة الاسلام - الحلقة (1-10)
- بيوت في خدمة الاسلام - الحلقة (21 - 30 )
- بيوت في خدمة الاسلام - الحلقة (31- 38 )
- مقابلة شخصية
- رحلة الجزائر
- مقياس الوعي بالأمراض الجنسية
- ودور المعلم في تحقيق حسن الخلق وأثره علي الأمن الاجتماعي
- مكتبة الاستاذ الجامعي المتكاملة
- ودور المعلم في تحقيق حسن الخلق وأثره علي الأمن الاجتماعي
- منهجية السنة النبوية في تعزيز المسؤلية الاجتماعية لدى الشباب
- أخلاقيات البحث العلمي الاجتماعي في ضوء الفكر الإسلامي
- بنك التنمية الإسلامي ودوره في التنمية التعليمية في العالم الاسلامي
- صيانة الفكر في ضوء الشريعة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الحادية عشرة
بيوت في خدمة الإسلام
الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]
والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[1] 0
أعزائي المستمعين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فما زال الحديث موصول عن بيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t ودوره العظيم في خدمة الإسلام والمسلمين ولعل من ابرز الجوانب التي برز فيها t العلم والفتيا فكان من أكثر الصحابة قضاء وفتيا فلقد طال عمره و احتاج الناس إليه وكان قريبا من العامة يخالطهم ويصلون إليها فكثرة حاجة الناس إليه ولقد كان علي t من كبار فقهاء الصحابة ولقد كانت له مدرسته الفقهية المشهورة وكان على t من المكثرين من الفتيا من أصحاب رسول الله r، قال ابن القيم: الذين حفظت عنهم الفتوى، من أصحاب رسول الله مائة ونيف وثلاثون نفسًا، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر ابن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر([2]) 0
وقد بلغ علي t من العلم مرتبة جعلته يقول للناس وهو في العراق: سلوني، فعن سعيد بن المسيب t قال: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير على بن أبي طالب([3])t ، وقد وثق الناس بعلمه سواء الصحابة أو التابعون، فعن ابن عباس، t ، قال: إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به0([4])
وكان أمير المؤمنين عليّ t من احرص الناس على طلب العلم فقد قال: ما دخل نوم عيني، ولا غمض رأسي على عهد رسول الله r حتى علمت ذلك اليوم ما نزل به جبريل -عليه السلام- من حلال أو سنة أو كتاب أو أمر أو نهي، وفيمن نزل.([5])
وكان يقول عن نفسه: "والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت؟ إن ربي وهب لي قلبًا عقولاً، ولسانًا صادقًا ناطقًا "سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم نهار، وفي سهل أم في جبل؟".([6])0 وقد قال في آخر عهده: "سلوني قبل أن تفقدوني". وكان ذلك عندما مات أكثر علماء الصحابة.([7])
ومن أعمال علي t في خدمة الإسلام عنايته بالقران الكريم فلقد كان ممن حفظ القرآن كاملا عن ظهر قلب وكان من كتاب الوحي لرسول الله r وقد ساعدته هذه المهارة في القراءة والكتابة على التبحر في العلوم الشرعية0
ولقد اشتد اهتمامه t بلغة القران الكريم اللغة العربية الفصحى عندما رأى تأثير العجم الذين دخلوا في الإسلام على اللسان العربي فأمر بتدوين قواعدها و رسم حروفها بالنقاط و الحركات كم كان t يرى أن تكون كتابة النصوص بخط بَيَّن مع التفريج بين السطور، والتقريب بين الحروف، فعن أبي عثمان الجاحظ، قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب: الخط علامة، فكلما كان أبين كان أحسن([8])، وقد أمر كاتبه عبيد الله بن أبي رافع بقوله: ألف دواتك وأطل سن قلمك، وأفرج بين السطور، وقرمط بين الحروف( أي قرب بينها.). وعن أبي حكيمة العبدي قال: كنا نكتب المصاحف بالكوفة، فيمر علينا عليُ ونحن نكتب فيقول: أَجِلَّ قلمك، قال: فقططت منه، ثم كتبت فقال: هكذا نورا من نور الله([9])0
وكان أمير المؤمنين عليt يحرص على تطبيق العلم في جميع صور حياته العامة والخاصة و يطلب من الناس الأخذ بذلك حتى تتغير حياتهم إلى الأفضل ويصبح الإسلام والحق سلوكا في عالم الواقع ولهذا كان t يتعهد ما تعلمه بالعمل وتطبيقه، فكان يحث على لزوم التعليم وطلب العلم ومصاحبة العالم، والحرص على الأخذ منه0
وكان t حريصا على طهارة كسبه وقوته فلا يأكل إلا ما تأكد إليه انه حلال طاهر فلقد كان أمير المؤمنين t يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير الذي يأكل منه ويقول: لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم، وقال سفيان: إن عليًا لم يبن آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، وإن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب([10]).
فهو t لم يكن له دور ومساكن ومالا وفيرا فلقد عاش حياته على الكفاف بل هو اقرب إلى الفقر من ذلك مقتديا برسول الله r إذ يقول (( عرض علي ربي أن يجعل بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب و لكن أشبع يوما و أجوع يوما فإذا جعت تضرعت و إذا شبعت حمدتك و ذكرتك ))([11])
وأما علاقته مع ذوي القربى فكان مثالا عظيم يقتدي به فعن صهيب مولى العباس بن عبد المطلب، قال: رأيت عليا يقبل يد العباس ورجله ويقول: يا عم، ارض عني([12]). فهذه هي القدوة لنا اليوم مع إبائنا وأعمامنا ومن كبر سنه فينا تقديرا واحتراما لهم واقتداء بسلف هذه الأمة فعن ضرار الطائي احد أصحاب علي t إذ يقول عنه : يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له([13]).
لقد سخر أمير المؤمنين علي t حياته في خدمة الإسلام والمسلمين فلقد كان يقضي سحابة يومه في سبيل الله فعن زاذان قال: كان على يمشى في الأسواق وحده يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ: {تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا} [القصص: 83]، ثم يقول: نزلت هذه الآية بأهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس([14]). وأخرج الخلال بسنده عن أبي سعيد قال: كان علي يأتي أهل السوق، اتقوا الله وإياكم والحلف، فإن الحلف ينفق السعلة، ويمحق البركة، وإن التاجر فاجر إلا من أخذ الحق وأعطى الحق، والسلام عليكم ثم ينصرف، ثم يعود إليهم فيقول لهم مثل مقالته([15]).
فهذا الإشراف المباشر من أمير المؤمنين على بن أبي طالب t ، في عهد ولايته و وقوفه بنفسه على أمور الناس، بل تعدت ذلك إلى خدمة الناس في شئونهم، كإرشاد الضال، وإعانة الضعيف، ورفع الظلم. ومنع الاحتكار والأضرار بالناس في أعمالهم ومنافعهم ، وهو بذلك يرسم القدوة لكل مسئول ولكل من اسند إليه رعاية شيء من مصالح المسلمين أن يتقي الله فيهم و يتبع هدي أصحاب رسول الله r في قيامهم بالأمانة وأداء الأعمال على أحسن حال فعز بذلك الإسلام والمسلمين0
أعزائي المستمعين :
لقد أدرك علي t دور المرأة المسلمة وحقها في الإسلام كما كان حريصا على تربيتها والعناية بها وإرشادها وتعليمها وحثها على الخير وكان ينكر اختلاط النساء بالرجال ويحذر منه وخاصة إذا كان هذا الاختلاط مع غير المسلمين في الأسواق، فلقد أنكر ذات مرة على الرجال وقال لهم : ألا تستحيون أو تغارون؟ فإنه بلغني أن نساءكم يخرجن في الأسواق يزاحمن العلوج([16]).
ومما اشتهر بها أمير المؤمنين علي t حروبه للخوارج وفقهه في التعامل معهم فقد جلى لهذه الأمة أمر هؤلاء القوم و سن لهم الأحكام الشرعية التي يجب أن يعاملوا بها خاصة أن هذه الفرقة قد ثلمت في الإسلام ثلما لم ينجبر حتى عصرنا هذا والخوارج كما يعرفهم الإمام الشهرستاني: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أم كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان([17]).
وقال ابن حجر معرفًا لهم: والخوارج هم الذين أنكروا على عليّ التحكيم وتبرؤوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم، فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة([18])، وقال في تعريف آخر: أما الخوارج فهم جماعة خارجة، أي: طائفة، وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم على الدين وخروجهم على خيار المسلمين([19]).
أعزائي المستمعين :
ولقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي r في ذم الخوارج المارقة، وصفوا فيها بأوصاف ذميمة شنيعة جعلتهم في أخبث المنازل، فمن الأحاديث التي وردت في الإشارة إلى ذمهم، ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري t قال: بينما نحن عند رسول الله r وهو يقسم قسمًا، إذ أتاه ذو الخويصرة هو رجل من تميم، فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: «دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه، فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نفسه، وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، وقد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة (أي القطعة من اللحم) تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس»، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله r وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظر إليه على نعت النبي r الذي نعته([20]).
ومن صفاتهم الذميمة التي ذمهم بها الرسول r : أنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرد النطق به، وأنهم أصحاب عقول رديئة وضعيفة، وأنهم عندما يقرؤون القرآن يظنون لشدة ما بلغوا إليه من سوء الفهم أنه لهم وهو عليهم، فقد روى البخاري رحمه الله من حديث علي t أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله r حديثًا، فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله r يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان ،أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ،لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»([21]).
وفي هذين الحديثين ذم الخوارج بأنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرد النطق، فقد دل الحديث الأول على أنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب([22]).
فيجب الحذر من هذا الفكر وتربية الأمة على الكتاب والسنة وبيان فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنة و تعظيم دماء وحقوق المسلمين و عدم التهاون مع الخارجين على منهج الإسلام مهما كانت الذرائع ويجب بذل الجهد في توعية وتوجيه الضال منهم و مناصحته من قبل أهل العلم والتقوى 0
وان هذا الفكر الخارجي كان من نتائجه سفك دماء زكية طاهرة ظلما وعدونا وهل هناك ذنب أعظم من استحلال دماء أصحاب رسول الله r ومنهم الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان و علي رصي الله عنهما اللذان كانا من ضحايا هذا الفكر المنحرف0
إن من ضلال هذه الفئة أن ترى إن قتل علي أمير المؤمنين وابن عمي الرسول واحد العشرة المبشرين بالجنة قربة إلى الله انه والله لفكر منتكس و انحرافا شنيعا عن الحق وضلال لا يدانيه ضلال إن إهراق قطرة دم من مسلم بغير حق فكيف بعلي بن أبي طالب الذي اعتدى عليه الخارجي الضال عبد الرحمن بن ملجم صبيحة السابع عشر من شهر رمضان في السنة الأربعين من الهجرة و هو خارج إلى صلاة الفجر وبهذه الجريمة البشعة يستشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t كما بشره رسول الله بالشهادة فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله r: «اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد»([23])
فرضي الله عن أصحاب رسول الله r ورزقنا حبهم وموالاتهم وتبع أثرهم و إلى أن نلقاك عزيزي المستمع في الحلقة القادم لنستكمل معك بعض أفراد بيت علي بن أبي طالب t و دورهم في خدمة الإسلام نستودعكم الله تعالى0
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثانية عشر
بيوت في خدمة الإسلام
الحمد لله القائل في محكم التنزيل {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [الأحزاب/33]
والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله r القائل : ((يا أيها الناس إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما و هما كتاب الله و أهل بيتي عترتي ثم قال : أتعلمون إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من كنت مولاه فعلي مولاه ))([24])
« اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ في الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».([25])
أعزائي المستمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فما زال الحديث موصول عن بيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t و دوره العظيم في خدمة الإسلام والمسلمين واليوم سيكون حديثنا عن احد أركان هذا البيت العظيم و هي فاطمة بنت محمد رضي الله عنها زوج علي بن أبي طالب وفيه نعرض لشيء من حياة هذه السيدة العظيمة فهي فاطمة بنت إمام المتقين سيد ولد آدم رسول الله r وأمها خديجة بنت خويلد، كانت تكنى بأم أبيها([26])، ولُدت رضي الله عنها قبل البعثة سنة خمسة وثلاثين من مولد النبي r ([27])، زوجها النبي r على بن أبى طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر، وولدت له الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، ([28]).
وعن قصة زواجها يحدثنا زوجها على بن أبى طالب رضي الله عنه فيقول: خُطبت فاطمة إلى رسول الله r فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله r ؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله r فيزوجك. فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله r زوجك. قال: فوالله ما زالت ترجينى حتى دخلت على رسول الله r فلما أن قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة. فقال رسول الله r «ما جاء بك؟ ألك حاجة؟» فسكت فقال: لعلك جئت تخطب فاطمة؟ فقلت: نعم، فقال: وهل عندك من شيء تستحلها؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، فقال: ما فعلت درع سلحتكها؟ فوالذي نفس على بيده إنها لحطمية ما قيمتها أربعمائة درهم، فقلت: عندي، فقال: قد زوجتكها، 00 فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربعمائة درهم من عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا أبا الحسن، ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت: نعم، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان، فدعا له النبي بخير([29]).
ولقد عاشت فاطمة بنت محمد كأعظم زوجة تخدم زوجها وتربي أبنائها و تقوم بخدمة أهل زوجها رغم ضيق العيش و فقر زوجها وقسوة الحياة من حولها ولم يمنعها عظيم شرفها وعلو نسبها من الصبر على هذه القسوة ، فلقد كانت معيشة علي وفاطمة، وهما أحب الناس إلى رسول الله r ، معيشة زهد وتقشف، وصبر وجهد، فقد روي عن عليً t قال: مكثنا أيامًا ليس عندنا شيء، ولا عند النبي r ، فخرجت فإذا أن بدينار مطروح على الطريق، فمكثت هنيهة أؤامر نفسي في أخذه أو تركه، ثم أخذته لما بنا من الجهد، فاشتريت به دقيقًا، ثم أتيت به فاطمة فقلت: اعجني واخبزي، فجعلت تعجن وإن قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها ثم خبزت، فأتيت النبي r فأخبرته، فقال: «كلوه فإنه رزق رزقكموه الله عز وجل»([30])، وعن الشعبي، قال: قال علي t: تزوجت فاطمة بنت محمد رسول الله r ومالي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل، ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، ومالي خادم غيرها([31])، وعن مجاهد قال علي: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا بامرأة قد جمعت مدرًا، فظننتها تريد بلَه، فأتيتها فقاطعتها كل دلو بتمرة، فمددت ستة عشر دلوا، حتى مجلت (أي تورمت) يداي ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفي هذا بين يديها، فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي r، فأخبرته، فأكل معي منها([32]).
ففي هذه الاخبار بيان للحياة القاسية والفقر الذي عاشه بيت علي بن أبي طالب وكيف صبروا على ذلك وكيف كانت تعيش فاطمة بنت محمد رضي الله عنها صابرة محتسبة فهي قدوة في ذلك لكل امرأة مسلمة يجب عليها أن تعيش حياتها صابرة عاملة لا يقف الفقر أو الجوع عائقا أمام نجاحها و تفوقها وقيامها بحق ربها و حق أهل بيتها0
فهذه السيدة العظيمة فاطمة رضي الله عنها تقوم بواجبها وتحسن تربيت أولادها والراعية في مال زوجها امتثالا لقول أبوها رسول الله r « أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالأَمِيرُ الذي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ».([33]) فهي بحق راعية لبيت بعلها رضي الله عنها0
ولقد علم رسول اللهr بحال فاطمة وزوجها وصبرهما على قسوة العيش ولقد قال لها علي ذات يوم عندما تذاكرا قسوة العيش وصعوبته وشكوى فاطمة من الآم تجدها في يدها وصدرها من كثرة العمل والطحن فقال لها علي قد جاء رسول الله r بسبي فاذهبي فأسأليه خادمًا.، فقالت: أنا والله طحنت حتى مجلت يداي، فأتيت النبي فقال: ما جاء بك أي بنية. قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت فقال عليُ : ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتينا جميعًا، فقال عليُ: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله r: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم، فرجعا فأتاهما النبي r وقد دخلا في قطيفتها إذا غطت رءوسهما تكشف أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رءوسهما، فثارا، فقال: مكانكما،، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام، فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين فهو خير لكما من خادم ) 0([34])
وفي هذا الموقف عزيزي المستمع تستوقفنا عدة أمور ينبغي الإشارة إليها:([35])
- منها إن فاطمة الزهراء رضي الله عنها على الرغم من أنها بنت النبي r وأحب بناته إليه ، إلا أنها تحرجت في أن تسأله شيئا لنفسها ، وان أموال المسلمين وما أتاهم الله من فضله يجب أن تذهب لمن يستحقها من المسلمين ، الأحوج فالأحوج
- كذلك نستفيد من هذا الموقف تلبية السيدة فاطمة رضي الله عنها لأمر زوجها في الذهاب إلى أبيها، لأنها تعلم بان طاعة الزوج واجبة ما لم يأمرها بمعصية0
- وفي هذا الموقف نلاحظ مبدأ العدل الذي جاء به الرسولr فلم يكن عليه الصلاة والسلام لم يكن يترك أحدا من فقراء المسلمين الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم وتركوا أوطانهم في سبيل الله لم يكن ليتركه محتاجا لطعام يقيم أوده ويعطي لأحد من أهل بيته خادما حتى لو كانت الزهراء رضي الله عنها0
وهكذا عاشت السيدة فاطمة التي قال فيها رسول اللهr ( فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني)([36]) وقال « فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّى يُؤْذِينِى مَا آذَاهَا ».([37]) في مكانة سامقة يحيطها الإجلال والتكريم لبنوتها من رسول الله ولكونها أما للسبطين الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة و زوجة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبt 0
وفي صحيح البخاري باب مناقب قرابة رسول الله r ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه و سلم روى رحمه الله قول النبي r: ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة )([38])
ولقد بلغ من مكانة السيدة فاطمة الزهراء في قلب أبيها أن جعلها مضربا لأمثاله و مثالا غاليا على قلبه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام رسول الله r حين أنزل الله عز و جل { وأنذر عشيرتك الأقربين } . قال ( يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا )([39])
وبلغ من جهاد فاطمة رضي الله عنها في نصرة الإسلام إنها كانت تشارك مع زوجها علي رضي الله عنه في معركة احد فتجلب الماء للمجاهدين وتداوي جراح أبيها رسول الله r عندما جرح ، فقد روى مسلم رحمه الله في صحيحه عن سهْلَ بْنَ سَعْدٍ عندما سُأل عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ r يوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ r وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ r تَغْسِلُ الدَّمَ وَكَانَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لاَ يَزِيدُ الدَّمَ إِلاَّ كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ.)) ([40])
إن منزلة فاطمة الزهراء في الإسلام عظيمة و جهادها في الإسلام وذبها عن أبيها وإدخال السرور عليها من أعظم القربات وكان رسول الله r يخصها بزائد الحب لأنها آخر أبنائه عيشا فقد توفي جميع أبنائه عليه السلام في حياته ولم يبقى من زهرة الحياة الدنيا سوى الزهراء رضي الله عنها لهذا كانت قريبة منه هي وأبنائها وخاصة السبطين الحسن والحسين و توج هذا الحب بأنها خصت بخبر قرب اجل النبي r وأنها ستلحق به عن قرب فعَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها قَالَتْ كُنَّ أَزْوَاجُ النبي r عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِى مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ r شَيْئًا فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا فَقَالَ « مَرْحَبًا بِابْنَتِى ». ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ. فَقُلْتُ لَهَا خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r سَأَلْتُهَا مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ r قَالَتْ مَا كُنْتُ أُفْشِى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r سِرَّهُ. قَالَتْ فَلَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ r قُلْتُ عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِى عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِى مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَتْ أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ أَمَّا حِينَ سَارَّنِى في الْمَرَّةِ الأُولَى فَأَخْبَرَنِى « أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ وَإِنِّى لاَ أُرَى الأَجَلَ إِلاَّ قَدِ اقْتَرَبَ فَاتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ». قَالَتْ فَبَكَيْتُ بُكَائِى الَّذِى رَأَيْتِ فَلَمَّا رَأَى جَزَعِى سَارَّنِى الثَّانِيَةَ فَقَالَ « يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَىْ أَنْ تَكُونِى سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ ». قَالَتْ فَضَحِكْتُ ضَحِكِى الَّذِى رَأَيْتِ. ([41])
ولما حضرت النبي r الوفاة بكت عليه فاطمة حتى سمع النبي r صوتها فقال r (( لا تبكي يابنية ، قولي إذا ما مِتُّ إنا لله وإنا إليه راجعون ، فان لكل إنسان بها من كل مصيبة معوضة )) قالت فاطمة رضي الله عنها : ومنك يا رسول الله ؟ قال : ومني 0([42])
وتحزن السيدة فاطمة على وفاة أبيها و تحتسبه عند الله تعالى وكانت وفاتها بعد وفاة النبي r بستة أشهر فرضي الله عنها وأرضاها([43]).
أعزائي المستمعين
إن الحديث عن بيت أمير المؤمنين يُزين أسماعنا ويطرب أفئدتنا و نروي به عطش حبنا للبيت العلوي الطاهر فإلى الحلقة القادمة نستكمل الحديث عن السبطين الحسن والحسين رضي الله عنهما فإلى ذلك الحين نستودعكم الله تعالى0
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثالثة عشر
(بيوت في خدمة الإسلام )
اذيعة هذه الحلقة في شهر ربيع الاول
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهدية ما تعاقب الليل والنهار0
أعزائي المستمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد ( بيوت في خدمة الإسلام )
وبيتنا اليوم الذي سنتحدث عنه من اجل بيوت الإسلام قاطبة بل هو يأتي في ذروتها وحيدا فهو جزء من بيت آل محمد صلى الله عليهم وسلم تسليم 0
إنه بيت الصحابي الجليل خامس الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب t وعن آل بيته الأطهار والحديث عن هذا البيت العظيم بإيمانه والعظيم بأهله والعظيم بنسبه والكبير بأهله يشنف الأسماع ويطربها ، وطيب الذكر دليل على طيب الأصل وكريم الخصال فهو سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الإسلام و حفيده وقرة عينه وسيأتيك عزيزي المستمع بعض الاخبار عن مكانته عند رسول الله r وعند الخلفاء الراشدين و سائر الصحابة رضوان الله عليهم اجمعين0
إن مكانة السبط الحسن بن علي في نفوس المسلمين عظيمة والحديث عنه يسر الجميع ويسعده و نحن في برنامجنا هذا ( بيوت في خدمة الإسلام ) سوف نعرض الأثر هذا الصحابي الجليل في خدمة الإسلام والمسلمين و عرض جوانب من شخصيته العظيمة ليكون قدوة لنا 0
أعزائي المستمعين:
الحسن بن علي بن أبي طالب t هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي ، المدني الشهيد ، فهو سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته من الدنيا وهو سيد شباب أهل الجنة ، فهو ابن السيدة فاطمة بنت إمام المتقين سيد ولد آدم رسول الله r ، وكانت فاطمة تكنى بأم أبيها، وأبوه أمير المؤمنين علي t، وهو حفيد أم المؤمنين خديجة بنت خويلد وخامس الخلفاء الراشدين .([44])
ولدى الحسنt بالمدينة النبوية قال علي بن أبي طالب t، لما ولد الحسن سميته حرباً فجاء النبي r فقال أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : لا ، بل هو حسن ([45])
ونلاحظ أن رسول الله rعندما سمى الحسن والحسين رضي الله عنهما عدل بهما عن مسميات قبل الإسلام وما تدل عليه أسماؤها من القتال وسفك الدماء فاختار لهما أكرم الأسماء وأجل المعاني([46]) ، وقد وصف الحسن t بالسيد ولقبه بهذا اللقب جده الرسول الكريم محمد r كما جاء في الحديث الصحيح : ((إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين))([47])
ولما ولد الحسن أذن رسول r في أذنيه بالصلاة كما روي ذلك عن أبي رافع ، والسر في ذلك وحكمته كما قال الدهلوي : ـ رحمه الله ـ([48]) :
1 ـ إن الأذان من شعائر الإسلام 00ثم أن من خاصية الأذان أن يفر منه الشيطان ، والشيطان يؤذي الولد في أول نشأته ، فقد ثبت أن النبي r قال : ما من مولد يولد إلا والشيطان يمسه فيستهل صارخاً من مس الشيطان، إلا مريم وابنها([49]) .
وأضاف ابن القيم ـ رحمه الله ـ أسراراً أخرى للتأذين فقال :إن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام ، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله الدنيا ، كما يلقن التوحيد عند خروجه منها .وهروب الشيطان من كلمات الأذان ، وهو كان يرصده حتى يولد ، فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها ، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به .
وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته ، سابقة على دعوة الشيطان كما كانت فطرة الله التي فطر عليها على تغيير الشيطان لها ونقله عنها ولغير ذلك من الحكم([50]) ، وهكذا نتعلم من هدى النبي r ، استحباب الأذان في أذن المولود اليمنى ثم تقام الصلاة في الأذن اليسرى ، وبذلك يكون أول ما يلامس أذنيه الدعوة إلى الركن الركين في هذا الدين بعد توحيد رب العالمين([51]) .
ولقد كانت بشرى رسول الله r بمولد الحسن عظيمة ، وكان رسول الله r يحمله ويداعبه ، ويدعوه ليتسلق صدره ويلعب معه ، وترعرع الحسن tفي حجر النبوة ، ولاحظته عين الرعاية النبوية ، من ولادته حتى يفاعته ، ولقد كان شبهه بالنبي r ظاهر في محيَّاه وأساريره ، وقد تمتع الحسن t بمكانة كبيرة وتقدير عال من جده الرسول الكريم ، ومن عامة الصحابة وهذا ليس لكونه سبطه فحسب ، بل لما تحمله نفس الحسن t من صفات طيبة وخلق عال وتواضع كريم ، وهذه بعض الأحاديث والمواقف التي تبين مكانة الحسن عند جده r.
فقد بلغ من محبة رسول الله r ورحمته بالحسن وملاعبته له ما رواه أبو هريرة t قال : قال رسول الله r: من أحَب الحسن والحسين فقد أحبَّني ومن أبغضهما فقد أبغضني([52]) و يمتثل أبو هريرة لهذا التوجيه النبوي فيقول : t أن النبي r قال للحسن : اللهم إني أحبه ، فأحبه ، وأحب من يحبه([53]) قال أبو هريرة : فما رأيته إلا دمعت عيناي([54])
بل إن رسول الله كان يرق له وللحسين فيلعبان معه وربما رقيا على ظهره الشريف وهو مع ذلك يبتسم ويُسر منهما فعن عبد الله بن مسعود قال : كان النبي r يُصلي والحسن والحسين يثبان على ظهره ، فيباعدهما الناس فقال دعوهما ، بأبي هما وأمي ، من أحبني فليحب هذين([55]) .
وكان عليه الصلاة والسلام يتعاود زيارة بيت فاطمة ويسأل عن حفيده الحسن فعن أبي هريرة t قال : خرجت مع رسول الله r في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتي خباء فاطمة فقال : أثم لُكع أثم لٌكع يعني ((حسناً)) فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا، فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه(4[56]) .
وعن البراء بن عازب قال : رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي r وهو يقول : اللهم إني أحبه فأحبه([57]) . وعن يعلى بن مرة قال : جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله r فجاء أحدهما قبل الآخر ، فجعل يدَه في عنقه فضمَّه إلى بطنه وقبَّل هذا ثم قبَّل هذا ثم قال : إني أحبُّهما ، فأحبوهما . ((أيها الناس : الولد مبخلة مجبنة ))([58])
وامتثالا عزيزي المستمع لهذا التوجيه النبوي بحب السبطين ها نحن نتذاكر سويا سيرتهما العطرة فنسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعا حب الله وحب رسوله وحب آل محمد وحب الصالحين من عباده0
وها كذا كان التابعين رحمهم الله يتبارون في حب السبط و يذيعون ذلك في الناس فعن زهير بن الأقمر قال : قال رجل من الأزد : سمعت رسول الله r يقول للحسن بن علي : من أحبَّني فليُحبه ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب . ولولا عزمة رسول الله r ما حدّثْتُكم([59]) 0
ولقد كان رسول الله يتنزه بالحسن والحسين على دابته وربم ذهبا بهما معه في بعض شأنه فعن سلمة بن الأكوع قال :قَالَ لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِىِّ اللَّهِ r وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ على بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِىِّ r هَذَا قُدَّامَهُ وَهَذَا خَلْفَهُ. ([60]) ، فمن هذا المعين فليتعلم الآباء المحبة وليغترفوا العطف والحنان على الأبناء ، وفيها الشئ الكثير من هدي النبي r لمحبته للحسن ورحمته به وملاعبته وفيها إرشاد نبوي للمسلمين في كيفية بناء نفس الطفل وتكوينه ، وفيها إجابة لهذا السؤال المهم كيف نبني عاطفة الطفل ؟ ونؤدي له حقه ليكون إنساناً سوياً في مستقبله ؟ فقد أشارت الأحاديث النبوية إلى مجموعة من الأسس التي بتطبيقها نسير على هدى ونور بيّن.([61])
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يجلون الحسن ويرفعون من قدره رغم صغر سنه لمكانته من رسول الله وتقربا لله بحب من يحب رسول الله وتقديرا آل النبي فهذا أفضل الناس بعد رسول الله أبو بكر الصديق يحمل الحسن بن علي على عاتقه فعن عقبة بن الحارث ، قال : إني لمع أبي بكر إذ مرَّ على الحسن بن علي فوضعه على عنقه ثم قال : بأبي شِبْهَ النبي لا شبيهاً بعلي قال : وعلي معه فجعل علي يضحك([62]) ، وفي رواية أخرى عن عقبة بن الحارث ، قال : خرجت مع أبي بكر من صلاة العصر بعد وفاة النبي r بليال وعلي يمشي إلى جنبه فمر بحسن بن علي وهو يلعب مع غلمان فاحتمله على رقبته وهو يقول : وبأبي شبه النبي ليس بشبه بعلي وعلي يضحك([63]) ، ونرى حقيقة المحبة والانسجام بين أبي بكر وعلي وهذا ما تؤكده هذه الرواية الصحيحة ليس كما يدعي بعض الناس .
وهذا أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان t يؤكد مكانة الحسن بن علي ومنزلته العظيمة فيقول : كان رسول الله r يمصُّ لسان الحسن أو شفته ، وإنَّه لن يُعَذَّبَ لسانٌ أو شفتان مصَّهما رسول الله([64]) . ورواية معاوية للحديث يدل على محبته للحسن0
ولقد أعلن رسول الله r مكانة الحسن بن علي t وبين جلالة قدره ، على مرأى ومسمع من الناس في غير ما مرة وقد تواترت الروايات بقوله r عن الحسن ، وإن ابني هذا سيد ، قال بن عبد البر : وتواترت الآثار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن بن علي : إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين([65])، وفي حديث أبي بكرة قال : سمعت النبي r على المنبر، والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول : إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح بيه فئتين من المسلمين([66]) 0
فهذه الأحاديث تؤكد مكانة الحسن وانه سيدا للمسلمين وان الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فيحقن بهذا الصلح دماء المسلمين ويعيد السلم والأمن للبلاد والعباد وهذا الموقف وغيره من المواقف الجلية للحسن t سوف نتحدث عنه في الحلقة القادمة بمشيئة الله
فالي ذلك الموعد نستودعكم الله تعالى على أمل اللقاء بكم 0
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الرابعة عشر
(بيوت في خدمة الإسلام )
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهدية ما تعاقب الليل والنهار0
أعزائي المستمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد ( بيوت في خدمة الإسلام ) وبيتنا اليوم الذي سنتحدث عنه من اجل بيوت الإسلام قاطبة بل هو يأتي في ذروتها وحيدا فهو جزء من بيت آل محمد صلى الله عليهم وسلم تسليم 0
إنه بيت الصحابي الجليل خامس الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين الحسن بن علي بن أبي طالب t وعن آل بيته الأطهار وسوف نستكمل الحديث اليوم عن الأعمال الجليلة للحسن بن علي في خدمة الإسلام والمسلمين ولعل من أعظم الأعمال التي سطرها هذا الصحابي الجليل موقفه العظيم في إيقاف الفتن التي حلت بالمسلمين منذ مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان حيث وقعت الحروب و الثارات بين المسلمين وتعطلت كثير من مصالح الإسلام والمسلمين وعلى رأسها الفتوحات الإسلامية حيث انشغل العالم الإسلامي حينها بهذه الفتن حتى قيض الله لها الحسن بن عليt وذلك عندما بويع بالخلافة في شهر رمضان من سنة 40هـ وذلك بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب tعلى يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم ([67]) ، وقد اختار الناس الحسن بعد والده إذ ترك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للناس اختيار خليفتهم إذ لم يعين أحداً من بعده ، ولقد أشار عليه أصحابه بأن يعهد للأمر من بعده لأحد فقد قيل له : استخلف علينا قال : لا ، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله r قالوا : فما تقول لربك إذا أتيته ، قال : أقول : اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم ، فإن شئت أصلحتهم ، وإن شئت أفسدتهم([68]) 0
وبعد مقتل علي t أمير المؤمنين صلى عليه ابنه الحسن بن علي وكبر عليه أربع تكبيرات ، ودفن بالكوفة ، ثم بويع بالخلافة بعد أبيه وكان أول من بايعه قيس بن سعد ، قال له : أبسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه ، وقتال المُحلِّين ، فقال له الحسن t: على كتاب الله وسنة نبيه ، فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط : فبايعه وسكت ، وبايعه الناس([69]) ، وقد اشترط الحسن بن علي على أهل العراق عندما أرادوا بيعته فقال لهم : إنكم سامعون مطيعون ، تسالمون من سالمت ، وتحاربون من حاربت([70]) 0
وفي رواية ابن سعد : إن الحسن بن علي أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين ، بايعهم على الإمرة ، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه ، ويرضوا بما رضي به ([71])
ونلاحظ عزيزي المستمع بأن أمير المؤمنين الحسن بن علي t قد درس الواقع وعرف علله و حدد المخرج من هذه الفتن وعلم برجاحة عقله و عظيم فكره بان المخرج من هذه الفتن هي العودة إلى مضامين الوحدة الإسلامية و دفن بؤر الفتن و الثارات بجمع المسلمين كافة تحت راية واحدة تجمع شتاتهم و تلم شملهم وتعيد لهم القوة والمكانة التي كادت تذهب بها الفتن والحروب التي نشبت بين المسلمين 0
ولقد صدق وعد رسول الله في الحسن حينما أكد في أكثر من موضع بأن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين المسلمين ، قال ابن عبد البر : وتواترت الآثار الصحاح عن النبي rأنه قال في الحسن بن علي : إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين([72])، وفي حديث أبي بكرة قال : سمعت النبي r على المنبر، والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول : إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح بيه فئتين من المسلمين([73]) 0
ووصفه عليه الصلاة والسلام للفئتين بالعظيمتين ، كما في راوية عند البخاري([74]) ، لأن المسلمين كانوا يومئذ فرقتين فرقة مع الحسن t وفرقة مع معاوية وهذه معجزة عظيمة من النبي rحيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر ، فلقد كان ذلك موقف الجليل منه الحسن t إذ تنازل بالخلافة والبيعة لمعاوية بن أبي سفيان فظهر في هذا الموقف طيب أصله وكرمه إذ تنازل عن حظوظ النفس الدنيوية و التشوف للخلافة فضحى بكل ذلك من اجل وحدة الإسلام والمسلمين وهذا موقف عظيم يدل على حرص الحسن بن علي على مصلحة الإسلام وحقن الدماء و إعادة اللحمة إلى الأمة الإسلامية ورفع السيف عن كاهلها من اجل سلامتها وسلامة الدين قبل ذلك و قطع الطريق على أصحاب الفتن ومشعليها 0
وفي هذا الموقف العظيم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ((فلما أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بالإصلاح وترك القتال دل على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين كان أحب إلى الله تعالى من فعله فدل على أن الاقتتال لم يكن مأمورا به 00؛ بل دل الحديث على أن معاوية وأصحابه كانوا مؤمنين ؛ كما كان الحسن وأصحابه مؤمنين ؛ وأن الذي فعله الحسن كان محمودا عند الله تعالى محبوبا مرضيا له ولرسوله .))([75]) انتهى كلامه رحمه الله
إن هذا الموقف العظيم من أمير المؤمنين الحسن بن علي t يعلمنا درسا عظيما لكل الأجيال لتعلم أن مصلحة الإسلام والمسلمين يجب أن تقدم على كل مصلحة وان يكون لهم في شخصه الكريم قدوة إذ سعى إلى السلم والأمن و أبدل الأمة بسنين الحرب والثارات سني امن وأمان عادة للإسلام حيويته و فتوحاته و تعاف الجسد الاسلامي من تلك الفتن بفضل الله تعالى ثم بفضل الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة 0
فقد تحقّق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه عندما قُتِلَ الخليفة الراشد على بن أبي طالب رضي الله عنه - وبايع الناس الحسن بن علي - رضي الله عنهما - ، وكانت كتائب الحسن كالجبال - كما ذكره البخاري في صحيحه - فأراد الحسن أن يحقن دماء المسلمين ، يجمعهم على إمام واحد يلم شملهم ، فتنازل لمعاوية بن أبي سفيان ، خال المؤمنين ، وكاتب وحي رب العالمين رضي اللّه عن جميع أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أجمعين ، فكان هذا الموقف الذي وقفه الحسن من أعظم مواقف الحكمة ، ومن أبرز الأدلة الواضحة على زهد الحسن في الدنيا الفانية ، ورغبته في الآخرة الباقية ، وحقنه دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد ترك الخلافة والملك ، لا لِقِلَّة ولا لذلة ، ولا لعلة ، بل لرغبته فيما عند الله ؛ لما رآه من حقن دماء المسلمين ، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة .
وسمي هذا العام الذي تنازل الحسن - رضي الله عنه - فيه لمعاوية : عام الجماعة ، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية رضي اللّه عنهما
(( إن شخصية الحسن بن علي بن أبي طالب t تعتبر شخصية قياديّة ، وقد اتصف رضي الله عنه بصفات القائد الرّباني ، فمن أهم هذه الصِّفات : إيمانه العظيم بالله واليوم الآخر ، والعلم الشرعيُّ ، والثقة بالله ، والقدوة ، والصِّدق ، والكفاءة ، والشَّجاعة ، والمروءة ، والزُّهد ، وحب التضحية ، والتّواضع ، وقبول النصيحة ، والحلم والصَّبر ، وعلو الهمَّة ، والحزم ، والإدارة القويَّة ، والعدل ، والقدرة على حلِّ المشكلات ، وغير ذلك من الصِّفات ، وبسبب ما أودع الله فيه من صفات القيادة الربانية استطاع أن يقدم مشروعه الإصلاحي مع قدرته على التنفيذ والتغلب على العوائق في الطريق وتوّجت جهوده الفذة بوحدة الأمة))([76])
ولقد كانت للحسن شخصيته العظيم في فعل الخير والتفاني في الطاعات والقربات حتى صار للناس قدوة عظيمة يرون في شخصه أخلاق الإسلام و أخلاق جده رسول الله فكان مثلا يحتذا به وقبلة للناس في العلم والمسألة فعلى لسانه يسيل العلم الغزير والحكمة البالغة وعلى يديه تقض حوائج الناس ومطالبهم حتى عد أكرم الناس في زمانه حتى صار عمل الخير وخدمة الناس شعار له0
ومن المعلوم بأن العمل الخيري له لذة تعبدية خاصة، يشعر بها من ينوي بفعله مرضاة الله سبحانه وتعالى والتقرب إليه سبحانه والصحابة وآل بيت النبوة رضوان الله عليهم قدموا للأمة الإسلامية منهاج عمل تربوي خيري ، منبعه التوجيه الرباني والهدي النبوي، فلقد كان الحسن بن علي رضي الله عنهما إماما في البذل والعطاء والصدقة فلقد اشتهر عنه انه ممن قاسم ماله مع الله ثلاثة مرات وهذه الأعمال الجليلة يندر أن تجدها في واقعنا المعاصر إذ سمة أهل الغنى الشح والتكاثر في الأموال والزينة وعدم البذل والسخاء وكان يجب أن يكون لهم في أصحاب رسول الله القدوة الحسنة فعن ابن عباس t قال :عن الحسن بن علي ( ولقـد قاسم الله ماله ثلاث مرات، حتى إنه يعطي الخف ويمسك النعل0
وروي أن الحسن بن علي رضي الله عنهما دخل ذات يوم على أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وهو يجود بنفسه ويقول واكرباه واحزناه فقال له الحسن، وما الذي أحزنك يا عم، فقال له أي ابن رسول الله عليَّ دين مقداره ستون ألف درهم ولا أتمكن من رده، فقال الحسن رضي الله عنه، سأردها عنك، فقال له أسامة فك الله رهانك يا ابن النبي إن الله أعلم حيث يجعل رسالته. وهكذا نجد حال سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قضاء الدين لعلمه بعظم الجزاء على هذا المعروف الجميل.
خاصة وان أسامة بن زيد كان مولا لرسول الله وكان رسول الله يحبه ويحب أباه حتى لقب بالحب ابن الحب فلم ينسى الحسن هذه العلاقة و المحبة فرعاها أحق رعاية كيف وجده رسول الله يحث على إكرام صديق الأبوين فعن أبي أسيد ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رجل من بني سلمة ، وأنا عنده ، فقال : يا رسول الله ، إن أبوي قد هلكا ، فهل بقي لي بعد موتهما من برهما شيء ؟ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهودهما من بعدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة رحمهما التي لا رحم لك إلا من قبلهما»([77])
أعزائي المستمعين:
إن شخصية الحسن بن عليt معين لا ينضب فهو مثال في مكارم الأخلاق و قدوة في الإسلام محبا للخير وساعيا إليه أنقذ الله به الأمة من دوامة الفتن و الحروب فكانت ولايته راشدة وتنازله عن الخلافة وبيعته لمعاوية مكرمة خالدة باقية فهو سيد في الدنيا والآخرة فرضي الله عنه وأرضاه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين 0
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت في خدمة الإسلام
الحلقة الخامسة عشرة
الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]
والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[78]
أعزائي المستمعين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهذه حلقات من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) وها نحن نتجول في بيوت صحابة رسول الله r لنعرض لكم نماذج من هذه الصفوة المباركة نقتبس من نور هديهم ما يصلح حال الأمة في واقعنا المعاصر فالصحابة رضوان الله عليهم جميعا ، قاموا بتطبيق أحكام الإسلام ونشروه في مشارق الأرض ومغاربها فعصرهم خير العصور، بشهادة سيد المرسلين إذ قال : ((خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) ([79]) فهم الذين علموا الأمة القرآن الكريم، ورووا السنن والآثار عن رسول الله r ، (( فتاريخهم هو الكنز الذي حفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والجهاد، وحركة الفتوحات، والتعامل مع الشعوب والأمم، فتجد الأجيال في هذا التاريخ المجيد ما يعينها على مواصلة رحلتها في الحياة على منهج صحيح، وهدى رشيد، وتعرف من خلاله حقيقة رسالتها ودورها في دنيا الناس.))([80])
ونحن اليوم عزيزي المستمع سوف نعرض لك جانب من بيت الخليفة الراشد عثمان بن عفان ذي النورين t في خدمة الإسلام ورسول الإسلام وجانب من كرمه وعطائه و حسن خلقه فلقد كان عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف([81]) , والذي يلتقي نسبه بنسب رسول الله r في جده عبد مناف
كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولد له من رقية بنت رسول اللهr زوجته الأولى غلام سماه عبد الله، واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله([82]).
كما كان من ألقابه الجليلة ( لقب ذي النورين، وقد ذكر بدر الدين العيني رحمه الله ([83]) في شرحه على صحيح البخاري، أنه قيل للمهلب بن أبي صفرة: لم قيل لعثمان ذو النورين؟ فقال: لأنا لا نعلم أحدا أرسل سترا على بنتي نبي غيره.([84]) وعن حسين الجعفي: لم يجمع بين ابنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان، فلذلك سمي ذا النورين.([85]) وقيل: سمي بذي النورين لأنه كان يكثر من تلاوة القرآن في كل ليلة في صلاته، فالقرآن نور وقيام الليل نور([86]).
وقد ولد tفي مكة بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح ([87])، وقيل: ولد في الطائف، فهو أصغر من رسول الله r بنحو خمس سنين([88]).
ولقد اتسمت شخصية عثمان بن عفان بصفات جليلة و كان من خير معادن الناس في الجاهلية والإسلام فكان في أيام الجاهلية من أفضل الناس في قومه؛ فهو عريض الجاه ثري، شديد الحياء، عذب الكلمات، فكان قومه يحبونه أشد الحب ويوقرونه. لم يسجد في الجاهلية لصنم قط ولم يقترف فاحشة قط، ولم يشرب خمرا قبل الإسلام وكان يقول: إنها تُذْهب العقل والعقل أسمى ما منحه الله للإنسان، وعلى الإنسان أن يسمو به ([89]). ولقد كان t يصف نفسه فيقول : ( ما تغنيت، ولا تمنيت، و لا مسست ذكري بيمني منذ بايعت بها رسول الله r، ولا شربت خمرًا في جاهلية ولا إسلام، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام.([90]) وكان ( على علم بمعارف العرب في الجاهلية ومنها الأنساب والأمثال وأخبار الأيام، وساح في الأرض فرحل إلى الشام والحبشة، وعاشر أقواما غير العرب فعرف من أحوالهم وأطوارهم ما ليس يعرفه غيره.([91]) (( واهتم بتجارته التي ورثها عن والده، ونمت ثرواته, وأصبح يعد من رجالات بني أمية الذين لهم مكانة في قريش كلها، فقد كان المجتمع المكي الجاهلي الذي عاش فيه عثمان يقدر الرجال حسب أموالهم، ويهاب فيه الرجال حسب أولادهم وإخوتهم ثم عشيرتهم وقومهم، فنال عثمان مكانة مرموقة في قومه، ومحبة كبيرة.))([92])
ومن أطرف ما يروى عن حب الناس لعثمان لما تَجَمَّع فيه من صفات الخير أن المرأة العربية في عصره كانت تغني لطفلها أغنية تحمل تقدير الناس له وثناءهم عليه، فقد كانت تقول:
أحبك والرحمن
حبَّ قريش لعثمان([93])
هكذا هي شخصيته في الجاهلية علو نسب وشرف مكانة وحسن خلق وبهذه المواصفات ساد t قومه وشرفه رسول الله بمصاهرته مرتين 0
ولقد كان لعثمان بن عفان من الأزواج ( ثماني زوجات كلهن بعد الإسلام ومنهن: رقية بنت رسول الله وقد أنجبت له عبد الله بن عثمان، ثم لما توفيت رضي الله عنها زوجه رسول الله أختها الصغرى أم كلثوم رضي الله عنها0 فقد أكرمه الله تعالى بهذه الزيجة من بنتي رسول الله لما له من صفات كريمة اتسمت بها شخصيته العظيمة في الجاهلية والإسلام
وأما أبناؤه فقد كانوا تسعة أبناء من الذكور وسبع من البنات ومن اجل أبنائه عبد الله وأمه رقية بنت رسول الله r ولد قبل الهجرة بعامين، وأخذته أمه معها عندما هاجرت مع زوجها عثمان إلى المدينة. وفي أوائل أيام الحياة في المدينة نقره الديك في وجهه قرب عينه، وأخذ مكان نقر الديك يتسع حتى طمر وجهه حتى مات في السنة الرابعة للهجرة، وكان عمره ست سنوات.([94])
ولقد وأكرمه الله تعالى بالزواج من بنت رسول الله r رقية، وقصة ذلك أن رسول الله r كان قد زوجها من عتبة بن أبي لهب، وزوج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت سورة المسد قال تعالى : { تبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) } [المسد/1-5]
قال لهما أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية ((حَمَّالَةَ الْحَطَبِ)) فارقا ابنتي محمد، ففارقاهما قبل أن يدخلا بهما كرامة من الله تعالى لهما، وهوانًا لابني أبي لهب([95]), وما كاد عثمان بن عفان ( يسمع بخبر طلاق رقية حتى استطار فرحا، وبادر فخطبها من رسول الله r فزوجها الرسول الكريم منه، وزفتها، أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وقد كان عثمان من أبهى قريش طلعة، وكانت هي تضاهيه قسامة وصباحة، فكان يقال لها حين زفت إليه:
أحسن زوجين رآهما إنسان
رقية، وزوجها عثمان0([96])
وعن عبد الرحمن بن عثمان بن عفان قال: أن رسول الله r دخل على ابنته وهي تغسل رأس عثمان، فقال: "يا بنية أحسني إلى أبي عبد الله، فإنه أشبه أصحابي بي خُلُقًا". ([97])
وأما شقيقة عثمان، فهي آمنة بنت عفان، أسلمت يوم الفتح مع أمها وبقية أخواتها، وبايعت رسول الله r مع نسائي قريش الأتي بايعن رسول الله على أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن ولا يزنين.([98])
وأخته من أمه : أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أسلمت بمكة، وهاجرت وبايعت رسول الله r وهي أول من هاجر من النساء بعد أن عاد رسول الله r إلى المدينة بعد صلح الحديبية. وهي التي نزل فيها قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ } [الممتحنة/10]
قال ابن كثير في تفسير الآية : هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط في الهجرة، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله r، فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، ومنعهن أن يُرْدَدْنَ إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان ([99]) .
ولما بعث رسول الله بالرسالة كان عثمان قد ناهز الرابعة والثلاثين من عمره حين دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام، ولم يعرف عنه تلكؤ أو تلعثم بل كان سباقا إلى الإسلام فأجاب على الفور دعوة الصديق، فكان بذلك من السابقين الأولين حتى قال أبو إسحاق: كان أول الناس إسلاما بعد أبى بكر وعلي وزيد بن حارثة عثمان.([100]) فكان بذلك رابع من أسلم من الرجال، ومضى في إيمانه قُدُمًا قويا هاديا، وديعا صابرا, عظيما راضيا، عفوا كريما، محسنا رحيما، سخيًّا باذلا، يواسي المؤمنين، ويعين المستضعفين، حتى اشتدت قناة الإسلام.([101])
ولم يمنع عثمان بن عفان ماله أو مكانته الاجتماعية من أن يصيبه عذاب قريش وأذاها كما أصاب غيره من المسلمين الأوائل فقد أوذي عثمان وعُذب في سبيل الله تعالى على يد عمه الحكم ابن أبي العاص بن أمية الذي أخذه فأوثقه رباطا وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلُّك أبدا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين، فقال عثمان: والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.([102])
ولكون نفس عثمان تأبى الأذى والذل والهوان وتعشق الحرية والسمو قرر الهجرة مع من هاجر إلى الحبشة ولم تمنعه كسادة تجارته أو ذهاب منزلته من المضي قدما في درب الهجرة مصطحبا معه زوجته رقية بنت رسول الله r، وكان وصولهم للحبشة في شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة، فوجدوا الأمن والأمان وحرية العبادة، وقد تحدث القرآن الكريم عن هجرة المسلمين الأوائل إلى أرض الحبشة، قال تعالى: { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل:41]
ولما زاد عدد المسلمين في مكة وظهر أمرهم عاد عثمان بن عفان وزوجه رقية رضي الله عنهما.([103]) إلى مكة يحدوهم الشوق إلى رسول الله و حب الأوطان ومصاحبة المسلمين فاستقر المقام به حتى أذن الله بالهجرة إلى المدينة فهاجر عثمان بأهله واستقرت به عصى الترحال في رحاب طيبة الطيبة وفي السنة الثانية توفيت زوجته رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم فزوجه أختها الصغرى أم كلثوم ولم تزل عند عثمان -رضي الله عنهما- إلى أن توفيت في شعبان سنة تسع من الهجرة بسبب مرض نزل بها، وصلى عليها رسول الله r وجلس على قبرها. وعن أنس ابن مالك أنه رأى النبي r جالسا على قبر أم كلثوم، قال: فرأيت عينيه تدمعان، ". ([104])
وفي هذه المرحلة كان عثمان بن عفان من جنود الإسلام العظماء الذين قدموا أنفسهم وأموالهم في خدمة الإسلام ورسوله rليبدأ عهدا جديدا في دولة الإسلام يقدم خلاله صورا من العطائات الخالدة والتي سنذكر نماذج منها في الحلقة القادمة بمشيئة الله فالي ذلك الحين نستودعكم الله تعالى 0
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت في خدمة الإسلام
الحلقة السادسة عشرة
الحمد لله رب العالمين والهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على إمام المتقين ورسول رب العالمين محمد بن عبد الله عليه وعلى آله الفضل الصلاة والسلام وعلى أصحابه الميامين ومن سار على منهاجه إلى يوم الدين وبعد
أعزائي المستمعين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذه حلقة جديدة في برنامجكم الأسبوعي بيوت في خدمة الإسلام ونحن اليوم سوف نستكمل الحديث عن بيت عثمان بن عفان t ودوره في خدمة الإسلام 0
أعزائي المستمعين:
ما إن فرغ الرسول r من بناء مسجده والذي اتخذه مقرا ومركزا للإسلام والمسلمين وشرع في إقامة المجتمع المسلم بل الدولة الإسلامية و يرسم ملامح هذا البناء الحضاري الجديد وفق رؤية ربانية يرسم برامجها و غاياتها رسول الله r ويساعده في تحقيق ذلك صحابته الكرام الذي يعمل كل واحد منهم بكل طاقاته وإمكاناته وفق ما رسم لهم قائدهم العظيم حتى يخال إليك إن كل واحد من الأصحاب إماما في مجاله ووحيد عصره في فنه يعملون وفق منظومة متشابكة من القدرات والطموحات والعلاقات المنسجمة والمتكاملة ليبغي بعضها على بعض شعارهم الآثار وميسمهم الإخوة في الله وصفهم ربهم فقال { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } [الفتح/29]
وفي علاقاتهم الاجتماعية وصفهم فقال تعالى: { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر/9]
ضمن هذا النسيج الرائع كان يعمل ذو النورين عثمان بن عفان يفني نهاره في خدمة الإسلام والمسلمين ويقيم ليله في تلاوة القران الكريم وبين هذين العملين يمضي عمره المديد وهاك بعض المواقف الخالدة لعثمان بن عفان في خدمة الإسلام وسف نقتصر على بعضها، لأن وقت البرنامج لا يسمح باستيفائه ولكن هدفنا دوما هو التذكير ببعض مواقف شخصياتنا للتذكير ولاتخاذ القدوة0
فمن مواقفه t في خدمة الإسلام جهاده العظيم تحت لواء رسول الله r وعدم تخلفه عن ذلك إلا بعذر وتوجيه من رسول الله حيث كان يكلفه ببعض الإعمال التي تتعارض وحضور بعض الغزوات ومنها تأخره عن غزوة بدر الكبرى حيث كلفه رسول الله r برعاية زوجته رقية بنت رسول الله في مرضها الذي ماتت فيه إذ انه t (( خرج فيمن خرج مع رسول الله فردَّه r للقيام على ابنته، فكان في أجَلِّ فرض لطاعته لرسول الله وتخليفه، وقد ضرب له بسهمه وأجره فشاركهم في الغنيمة والفضل والأجر لطاعته الله ورسوله وانقياده لهما.)) ([105])
وكان كثيرا ما يستخلفه رسول الله أميرا على المدينة حين خروجه منها لثقته فيه و حسن إمارته للناس كما كان رسول الله يستعمله لسفارته ولمفاوضة قريش لمكانته وعظيم شأنه في المجتمع القرشي فعندما نزل رسول الله الحديبية رأى من الضرورة إرسال مبعوث خاص من جانبه إلى قريش ليبلغهم نواياه السلمية بعدم الرغبة في القتال، فدعا رسول الله r عثمان ( فقال: "اذهب إلى قريش فخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتال أحد، وإنما جئنا زوارًا لهذا البيت، معظمين لحرمته، معنا الهدي، ننحره وننصرف"، فخرج عثمان بن عفان فاخبرهم بمقصد رسول الله وتعظيمه للبيت الحرام ورغبته في العمرة وعرض المشركون على عثمان ( أن يطوف بالبيت فأبى )([106])، وقام عثمان بتبليغ رسالة رسول الله r إلى المستضعفين بمكة وبشرهم بقرب الفرج والمخرج،([107]) وأخذ منهم رسالة شفهية إلى رسول الله r جاء فيها: اقرأ على رسول الله r منا السلام، إن الذي أنزله بالحديبية لقادر على أن يدخله بطن مكة.([108]) وتسربت شائعة إلى المسلمين مفادها أن عثمان قتل، فدعا رسول الله r أصحابه إلى مبايعته على قتال المشركين ومناجزتهم، فاستجاب الصحابة وبايعوه على الموت([109]) ثارا لعثمان سفير الإسلام الذي أشيع قتله بمكة وكان عدد الصحابة الذين أخذ منهم الرسول r المبايعة تحت الشجرة ألف وأربعمائة صحابي.([110]) وقد تحدث القرآن الكريم عن أهل بيعة الرضوان، وورد فضلهم في نصوص كثيرة من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، قال تعالى : { لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 17، 18].
وفي هذه الحادثة أي بيعة الحديبية ظهرت بعض فضائل عثمان و ومكانته في الإسلام فقد ذكر المحب الطبري اختصاص عثمان بعدة أمور، منها: اختصاصه بإقامة يد النبي الكريمة مقام يد عثمان لما بايع الصحابة وعثمان غائب، واختصاصه بتبليغ رسالة رسول الله r إلى مَنْ بمكة أسيرا من المسلمين، وذكر شهادة النبيr لعثمان بموافقته في ترك الطواف لما أرسله في تلك الرسالة(120)، فعن إياس بن سلمة عن أبيه أن النبي r بايع لعثمان إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئا لأبي عبد الله الطواف بالبيت آمنا، فقال النبي r: "لو مكث كذا ما طاف حتى أطوف" (121).
وأكرم بها من تزكية وشهادة من رسول الله لعثمان t وعندما نذكر صورا من جهاد عثمان فلن ننسى مواقفه الاجتماعية العظيمة التي سطر بها نموذجا فريدا في الكرم والعطاء حتى أصبح أية في ذلك وإماما لا ينازعه في احد فقد كان سخيا كريما يجود بماله في سبيل الله وفي صور الخير العديدة فكان يجهز الجيوش ويواسي الفقراء ويتبرع لإعمال الخير العديدة ومن صور ذلك تجهيزه لجيش العسرة أو ما يسمى غزوة تبوك فلقد كان للفقر والحاجة أسبابا منعت جل الصحابة من المسير في هذه الغزوة واخذوا يشتكون إلى رسول الله في ذلك ويطلبونه التجهيز لهم لرغبتهم في الجهاد معه في سبيل الله وعدم التخلف عنه فقال r: (( من يجهز هؤلاء ويغفر الله له؟)) وفي رواية : (( من جهز جيش العسرة فله الجنة )) ([111]) وما كاد عثمان يسمع نداء الرسول r هذا حتى سارع إلى مغفرة من الله ورضوان، وهكذا وجدت العسرة الضاغطة (عثمانها المعطاء) ([112])، وقام بتجهيز الجيش حتى لم يتركه بحاجة إلى خطام أو عقال. لقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها (155),
قال ابن شهاب الزهري: قَدم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيرا، وستين فرسا أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" مرتين.([113])
لقد كان t واسع الثراء كريم العطاء سخر ماله في خدمة دينه وأمته قربة إلى الله تعالى ومن صور عطائاته الاجتماعية وتوسيعه على الناس وقضاء حوائجهم ورفع المشقة عنهم انه لما قدم النبي r المدينة النبوية وجد أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله r : "من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له في الجنة".([114]) وقال r : "من حفر بئر رومة فله الجنة". ([115]) فسارع عثمان إلى إجابة نداء النبوة وادخل السرور على بيوت المدينة فجلب لهم الماء العذب لتروى الحناجر وتلهث بالدعاء لك يا عثمان بالقبول فمن لي بعثمان اليوم ليروي عطاش المسلمين في بقاع الأرض ويرسم السعادة على شفاه المعوزين فرجال المال اليوم كثر ولله الحمد فهل إلى من يقتفي اثر عثمان ويسخر ماله في حوائج المسلمين0
أعزائي المستمعين :
يخيل لنا جميعا أن ليس هناك بابا للخير والإنفاق إلا وطرقه عثمان بن عفان فإذا كان بناء المساجد من اجل وأعظم القربات الباقيات فكيف بمن وسع وعمر مسجد رسول الله rوسع فيه يرجو رضي الله واستجابة لرغبتي الرسول والمسلمين في توسعته فيكون عثمان t حامل لواء العمار لهذا المسجد العظيم ويكون صاحب السبق في هذا المضمار 0
فلقد رأى عثمان تزاحم المسلمين في المسجد النبوي للصلاة فيه خلف إمام الهدى وسيد المتقين وتزاحمهم فيه لحضور خطبه ومواعظه وتوجيهاته وتوافد الوفود إليه ونزول على رغبت النبي r من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال r: "من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بـخير له منها في الجنة؟" ([116]) فاشتراها عثمان بن عفان من صلب ماله ([117]) بخمسة وعشرين ألف درهم، أو بعشرين ألفا، ثم أضيفت للمسجد([118]), ووسع على المسلمين t وأرضاه([119]).
ولتعلم عزيزي المستمع ليست هذه المرة وحدها مساهمة عثمان في إعمار الحرمين الشريفين ففي خلافته t وسع المسجد النبوي وكان ذلك سنة تسع وعشرين من الهجرة وتسمى إلى اليوم التوسعة العثمانية نسبة إليه وكذلك قام بتوسعة المسجد الحرام بعد أن ضاقت بالناس التوسعة العمرية لعمر بن الخطاب فوسع فيه واشترى الدور المحيطة به وألحقها بالمسجد و بنى الأروقة وهو أول من عمل ذلك لتظل المسلمين من الحر والمطر و تسهل عليهم الإقامة فيها لأداء شعار الصلاة0
ومن اجل أعماله t في خدمة الإسلام العناية بالقران الكريم قراءة وجمعا وتعليما فلقد روى عن رسول الله r قوله: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". ([120]) وقد عرض القرآن الكريم كاملا على رسول الله r قبل وفاته، وكان، حافظا لكتاب الله، وكان حجره لا يكاد يفارق المصحف0
ولقد جمع عثمان بن عفان أبان خلافته المسلمين على مصحف واحد، فجمع الأمة على قراءة صحيحة التي قرأها النبي r في العرضة الأخيرة على جبريل عليه السلام.
ومن اجل ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك ، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد ، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه ، حين رأى في ذلك من مصلحة في كفّ المنازعة ، ودفع الاختلاف ، "وذلك كله بمشورة من حضره من علماء الصحابة - رضي الله عنهم - ، وقد ارتضاه علي بن أبي طالب - t ، وحمد أثره فيه" ([121])
وهكذا استطاع عثمان بن عفان t بهذا العمل الجبار أن يزيل جذور الخلاف ، ويجمع الأمة عبر كل العصور - منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم وحتى عصرنا الحاضر - على التزام المصحف الذي أجمعوا عليه، وحمد له المسلمون ذلك العمل0
وبهذه الأعمال الجلية ختم عثمان حياته شهيدا فداءً لدماء المسلمين إن تهراق في سبيل الدفاع عنه وضحى بنفسه ليصدق فيه قول الرسول صلى الله وفي صاحبيه أبي بكر وعمر الراشدين رضي الله عنهم (( اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان))([122])
وبالشهادة تطوى سني عثمان التسعين و تختم صحائفه لتنشر بين يدي الله يوم الدين ليحكم له في خصومه مهما تباعدت بهم الأماكن والأزمان فرضي الله عن ذي النورين عثمان بن عفان الخليفة الراشد والى هنا عزيزي المستمع نستودعك الله على أمل اللقاء بكم في بيت آخر من بيوت الإسلام الخالدة 0
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة السابعة عشرة
بيوت في خدمة الإسلام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهدية ما تعاقب الليل والنهار0
أعزائي المستمعين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد ( بيوت في خدمة الإسلام ) وبيتنا اليوم هو بيت حواري رسول الله الزبير بن العوام بن خويلد، عمته رضوان الله عليها هي خديجة بنت خويلد زوج النبي r وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللهr00 وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين عهد إليهم عمر t بالخلافة وأسلم وله اثنتا عشرة سنة وقيل ثمان سنين. ([123])
عاش يتيما في كنف أمه وكان كثير الإقامة في بيت عمته خديجة بنت خويلد فتربى في كنف رسول الله مثله مثل نده وقرينه علي بن أبي طالب إذ جمع بينهما النسب والعيش في بيت رسول الله وحين دعاه أبو بكر t إلى الإسلام اجبه إلى الإسلام ولم يتردد 0
فقد أسلم الزبير مبكرًا، فكان واحدًا من السبعة الأوائل الذين سارعوا إلى الإسلام، ولما علم عمه نوفل بن خويلد بإسلامه غضب غضبًا شديدًا، وتولى تعذيبه بنفسه، فكان يلفُّه في حصير، ويدخن عليه بالنار، ويقول له: اكفر برب محمد، (أكف) عنك هذا العذاب. فيرد عليه الزبير قائلاً: لا، والله لا أعود للكفر أبدًا. ([124])
وقد اسلم من بيت الزبير أخواه شقيقاه السائب وأم حبيب ابنا العوام وأمهما صفية بنت عبد المطلب، وأسلم أخواه لأبيه عبد الرحمن وزينب ابنا العوام0([125])
وقد كان الزبير بن العوام t قريب الصلة برسول الله فقد روى عن النبي r أنه قال: " الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي " . وأنه r قال: " لكل نبي حواري وحواريي الزبير " وسمع ابن عمر رجلاً يقول: أنا ابن الحواري فقال له: إن كنت ابن الزبير، وإلا فلا.
ويصف الزبير علاقته برسول الله فيقول لابنه عبد الله ل: يا بني، كانت عندي أمك وعند رسول الله r خالتك عائشة، وبيني وبينه من الرحم والقرابة ما قد علمت، وعمة أبي أم حبيبة بنت أسد جدته وأمي عمته، وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وجدتي هالة بنت وهب بن عبد مناف، وزوجته خديجة بنت خويلد عمتي([126])
وبيت الزبير بن العوام يضم صفوة من الأخيار فله من الولد أحد عشر ذكرا وتسع نسوة: فمن زوجاته السيدة أسماء بنت أبي بكر ومن أولادها عبد الله وعروة ، وقد كان الزبير يربي أبنائه على التضحية في سبيل الإسلام ومن أساليبه في ذلك تسمية أبنائه بالشهداء من إخوانه من الصحابة وكان يتمنى الشهادة له ولبنيه مثلهم فقد روى ابنه عروة عن أبيه قوله :(( وإني أسمي بني بأسماء الشهداء لعلهم أن يستشهدوا، فسمى عبد الله بعبد الله بن جحش، والمنذر بالمنذر بن عمرو، وعروة بعروة بن مسعود، وحمزة بحمزة بن عبد المطلب، و جعفرا بجعفر بن أبي طالب، ومصعبا بمصعب بن عمير، وعبيدة بعبيدة بن الحارث، وخالدا بخالد بن سعيد، وعمرا بعمرو بن سعيد بن العاص، وجميعهم استشهدوا في سبيل الله.))([127])
ومن الأعمال الخالدة التي قدمها الزبير في خدمة الإسلام انه لم يتخلف t عن غزوة غزاها رسول الله r وكان الزبير أول من سل سيفاً في سبيل الله عز وجل، وذلك في المرحلة المكية ، فعن عروة عن أبيه أن أول رجل سل سيفه في سبيل الله الزبير، وكان سبب ذلك أن المسلمين لما كانوا مع النبي r بمكة وقع الخبر أن النبي قد أخذه الكفار فأقبل الزبير يشق بسيفه والنبي r بأعلى مكة فقال له : " ما لك يا زبير " قال : أخبرت أنك أخذت . فصلى عليه النبي rودعا له ولسيفه0([128])
ومن دلائل محبة الزبير للرسولr ولصاحبه أبي بكر t أنه حين لقيهما أثناء عودته من تجارته إلى الشام وهما في طريق الهجرة كساهما ثيابا جديدة كان قد اصطفاها لهما من الشام لفضلهما عليه، ([129]) وما أن وصل بتجارته إلى مكة حتى سعى للإعداد للهجرة إلى المدينة ليلحق بالرسولr وليكون قريبا من رسول الله ومجاهدا في سبيل الله ولقد هاجر الزبير الهجرتين الهجرة الأولى إلى الحبشة والهجرة الثانية إلى المدينة وكان معه في هجرة الثانية أمه صفية بنت عبد المطلب وزوجته أسماء بنت أبي بكر
ومن اجل أعمال الزبير في خدمة الإسلام بذله نفسه وماله في سبيل الله فقد حضر جميع المشاهد مع رسول الله r ولم يتغيب قط فهو ممن نذر نفسه أن يكون جنديا في خدمة الإسلام ورسوله، فقد شارك في غزوة بدر وكان احد فرسانه ، ومن خصائصه في هذه المعركة الخالدة في تاريخ الإسلام انه كانت عليه يومئذ عمامة صفراء كان معتجراً بها، فيقال: إنها نزلت الملائكة يوم بدر على سيماء الزبير.
وقد شهد الحديبية والمشاهد كلها، ومن مواقفه المشهودة يوم الحديبية ما روى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : (( نَدَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ فَقَالَ النَّبِيُّ r إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ )) ([130])
وقد قال رسول الله r : " لن يلج النار أحد شهد بدراً والحديبية " وثبت عن الزبير أنه قال: جمع لي رسول الله r أبويه مرتين يوم أحد ويوم قريظة، فقال: " ارم فداك أبي وأمي" ([131])
ولم ينقطع جهاد الزبير في سبيل الله بل كان من جند الإسلام الذي ساحوا في البلاد للذود عن الإسلام أمام فلول الردة ثم جرد سيفها للفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان و لقد كان له في معركة اليرموك مواقف من البطولات سجلها التاريخ كفارس عظيم يسعى لنصرة الإسلام وتبليغه للعالمين فعن عروة قال : كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف كنت أدخل أصابعي فيها: ثنتين يوم بدر وواحدة يوم اليرموك.
وروى البخاري عن عَائِشَةُ: قولها لعروة بن الزبير : يَا ابْنَ أُخْتِي! كَانَ أَبُوَاكَ -يَعْنِي: الزُّبَيْرَ، وَأَبَا بَكْرٍ - مِن: {الَّذِيْنَ اسْتَجَابُوا لِلِّهِ وَالرَّسُوْلِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ} لَمَّا انْصَرَفَ المُشْرِكُوْنَ مِنْ أُحُدٍ، وَأَصَابَ النَّبِيُّ r وَأَصْحَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، فَقَالَ: (مَنْ يُنْتَدَبُ لِهَؤُلاَءِ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ بِنَا قُوَّةً؟). فَانْتُدِبَ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ فِي سَبْعِيْنَ، فَخَرَجُوا فِي آثَارِ المُشْرِكِيْنَ، فَسَمِعُوا بِهِم، فَانْصَرَفُوا.([132])
قال عنه احد القادة العسكريين المعاصرين يصف جانبا من شجاعته في سبيل الله (( الزبير بن العوام هو من عائلة فيها الشجاعة والإقدام، ومن السابقين في الإسلام، ومن الذين شهروا سيوفهم أمام الباطل، وقد اختص بالاستطلاع والاستخبارات، وقاتل في جميع الغزوات، وكان سنداً للرسول r، قوياً، مهاجماً في جميع حروبه.
أسلم بعد أبي بكر الصديق، وقاتل كما قاتل، وحضر جميع المعارك السابقة برفقة أبي بكر، ولما استلم الخلافة كلف الزبير بقيادة أحد التشكيلات، وكان قائداً لأحد الكراديس في معركة اليرموك. وقد تبين من خلال المعارك السابقة واللاحقة لخلافة أبي بكر شجاعته وجرأته، فكان لا يخاف من العدو أبداً، فيهاجمه بأشد ما عنده، وكان له قوة بدنية تساعده على اقتحام المصاعب، وتحمل مشاق الحرب، وكان في معركة اليرموك في مقدمة المهاجمين، إذ استطاع خرق صفوف العدو بجنوده، والالتفاف على مؤخرته. فهو القائد صاحب الإرادة القوية، والتفكير السليم، والإيمان الذي لا يتزحزح، وهو الجندي المسلول سيفه دائماً في وجه الأعداء، فالقتال عنده أولاً و آخراً، وقد اشترك فيما بعد بالفتوحات مع عمرو بن العاص في مصر.([133]) انتهى قول اللواء محمد ضاهر0
وقال عنه أحد الصحابة: صحبت الزبير بن العوام في بعض أسفاره، ورأيت جسده، فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك لم أره بأحد قط، فقال لي: أما والله ما فيها جراحة إلا مع رسول الله r، وفي سبيل الله. وقيل عنه: إنه ما ولى إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجا، ولا شيئًا إلا أن يكون في غزوة مع النبي rأو مع أبي بكر أو عمر أو عثمان.([134])
أعزائي المستمعين:
هذه صورة مختصرة من أعمال الزبير بن العوامt في خدمة الإسلام فالي أن نلقاكم في الحلقة القادمة لنكمل بعض الجوانب العظيمة لبيت الزبير فالي ذلك الموعد نستودعكم الله تعالى 0
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت في خدمة الإسلام
الحلقة الثامنة عشرة
الحمد لله رب العالمين والهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على إمام المتقين ورسول رب العالمين محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة و أتم التسليم وعلى أصحابه الميامين ومن سار على منهاجه إلى يوم الدين وبعد
أعزائي المستمعين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذه حلقة جديدة في برنامجكم الأسبوعي بيوت في خدمة الإسلام ونحن اليوم سوف نستكمل الحديث عن بيت الزبير بن العوام t ودوره في خدمة الإسلام 0
أعزائي المستمعين:
ومن أعمال الزبير بن العوامt الجليلة في خدمة الإسلام انه كان من المنفقين في سبيل الله فعلى كثرة تجارته ونجاحه فيها فانه سخرها في سبيل الله فكان يقوم بالنفقة على الفقراء والمحتاجين وابن السبيل ويوسع على ذوي القربى كما كان ينفق على أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ،فعن أم درة قالت: (( بعث الزبير إلى عائشة بغرارتين تبلغ ثمانين ومائة ألف درهم.))([135])
كما كان يقوم بكفالة الأيتام والأرامل فقد أوصى إليه عدد كبير من الصحابة بكفالة أبنائهم بعد وفاتهم وممن أوصى إليه بذلك ما رواه عروة بن الزبير إذ قال : (( أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة، منهم: عثمان بن عفان، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، فكان ينفق على الورثة من ماله، ويحفظ أموالهم ))([136]) وذلك لثقتهم فيه وسخائهt في سبيل الله تعالى0
وعن كعب قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فما كان يدخل منها بيته درهم واحد؛ كان يتصدق بذلك كله. وقال فكان يتصدق بقسمه كل ليلة، ويقوم إلى منزله ليس معه منه شيء.
وروي عن جويرة قالت: باع الزبير دارا له بستمائة ألف، قال: فقيل له: ويا أبا عبد الله غبنت قال: كلا، والله لتعلمن أني لم أغبن؛ هي في سبيل الله. ([137]) وهذه صورة من صور السخاء التي امتاز بها الصحابة رضوان الله عليهم0
ومع اشتغال الزبير بالإرشاد والتوجيه وحث الناس على الامتثال بأحكام الشرع و كان يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومع هذا فانه كان قليل الحديث فقد كانt يعظم رسول الله ويجله حتى انه من شدة محبته له وعلى الرغم من طول صحبته للنبي ( فإنه لم يرو عنه إلا أحاديث قليلة، وقد سأله ابنه عبد الله عن سبب ذلك، فقال: لقد علمت ما كان بيني وبين رسول الله r من الرحم والقرابة إلا أني سمعته يقول: (( وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ )) ([138]) فكان t يخاف أن يتحدث عن رسول الله r بشيء لم يقله، فيزل بذلك في النار.([139])
ومن صور أعماله الاجتماعية حرصه على التنمية الاجتماعية لأفراد المجتمع وحثهم على السعي في طلب الرزق وعدم الاتكال على الآخرين ومحاربته للبطالة والعجز والكسل فقد كان يذكر الناس بحث النبيr الناس على العمل فعن عروة عن أبيه الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: (( لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ))([140])
وكان الزبير رضي الله عنه حريصا على وحدة المجتمع الإسلامي و تكامل علاقاته وقيامها على مبادئ الخير والنصح و يحثهم على اجتناب السلوك السيئ ويذكرهم بنصائح الرسول وتحذيراته فقد روى الإمام احمد في مسنده عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعَرِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)) ([141])
لقد عاش الزبير بن العوام حياة مديدة في خدمة دينه وأمته لم يتوان في نصرة الحق والدفاع عنه وقد توفي رضي الله عنه شهيدا إذ غدر به ثلة من الخوارج الذين خرجوا على عثمان و أوقدوا نار الفتنة بين المسلمين وحين حاول الزبير اعتزالها بعد معركة الجمل قتلوه وهو قائم يصلي وقد نعاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t و حزن على مقتله فعن (( زِرِّ بن حُبَيْشٍ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَلِيٍّ t ، فَأُتِيَ بِرَأْسِ الزُّبَيْرِ t ، فَقَالَ عَلِيٌّ t: بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ.))([142])
وبوفاة الزبير لم ينقطع الخير بذلك فقد خلف من بعده أبنائه البررة يحذون حذوه في خدمة الإسلام وقبل أن نتطرق إليهم سوف نوجز الحديث عن سيدة من بيت الزبير بن العوام فلقد ضم هذا البيت نماذج من الصحابيات المجاهدات في خدمة الإسلام فهذه أم الزبير صفية بنت عبد المطلب ومكانتها العظيمة كأم وهبت الإسلام أبناء عظماء كالزبير بن العوام وشقيقاه السائب وأم حبيب ابنا العوام وسوف نلقي الضوء على شخصية السيدة الهاشمية أم الزبير بن العوام صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها عمة الرسول وأخوها حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء كان إسلام صفية رضي الله عنها مبكراً ،ونجد ذلك جليلا في اول خطبة خطبها رسول الله مبلغا عشيرته بالإسلام، فعندما دعا رسول الله r عشيرته الأقربين ، فقد خص في الخطاب ابنته فاطمة وعمته صفية رضي الله عنهما بما أمره الله عز وجل بتبليغه وذلك دليل على مكانتها ومكانة المرأة في الإسلام وان الإسلام خاطب الرجل والمرأة على حد سواء0
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزلت : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } ،(1) قام النبي r فقال :"يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً ، سلوني من مالي ما شئتم " ([143])
وكما هو معلوم لم يفرض الإسلام الجهاد على النساء، ولكنه لم يحرمها عند الضرورة. فقد شاركت صفيه رضي الله عنها في غزوة أحد . وذلك بقتال الأعداء بالرمح. وقد جاءت يوم أحد وقد انهزم الناس وبيدها رمح تضرب في وجوه الناس وتقول: انهزمتم عن رسول الله r؟ وكان أخوها حمزة بن عبد المطلب قد قتل ومثل به في تلك المعركة فلما رأها رسول الله rمقبلة قال لابنها الزبير: أرجعها لكي لا ترى أخيها. فذهب إليها الزبير بن العوام وقال: يا أماه إن رسول الله r يأمرك أن ترجعي .
فقالت صفية بنت عبد المطلب: ولم؟ لقد بلغني أن أخي مات ، وذلك في الله، لأصبرن ولأحتسبن إن شاء الله. فلما جاء الزبير رسول الله rفأخبره بقول أمه صفية فقال النبي r: خل سبيلها، فأتت صفية فنظرت إلى أخيها حمزة، وقد بقرت بطنه، فاسترجعت واستغفرت له.([144])
ومن صور جهادها وشجاعتها رضي الله عنها ما قامت به حين أراد أحد اليهود الذين نقضوا العهد مع رسول الله r في غزوة الخندق، إذ أراد أن يصعد الحصن الذي به نساء المسلمين وذراريهم - مستغلا انشغال المسلمين بمواجهة المشركين عند الخندق - فإذا بالسيدة صفية بنت عبد المطب رضي الله عنها تتصدى لهذا اليهودي بكل بسالة شجاعة بعمود من أعمدة الحصن، فضربته به ضربة خر من هولها ميتا، فأثارت الرعب في نفوس اليهود الذين جاءوا من خلفه، وارتدوا على أعقابهم مذعورين 0 ([145])
وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة رسول الله r أثر عميق في حفظ ذراري المسلمين ونسائهم، ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الآطام والحصون في منعة من الجيش الإسلامي -مع أنها كانت خالية عنهم تماماً- فلم يجترئوا مرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل، إلا أنهم أخذوا يمدون الغزاة الوثنيين بالمؤن كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد المسلمين، حتى أخذ المسلمون من مؤنهم عشرين جملاً. ( وبذلك كانت أول امرأة مسلمة تقتل رجلا في سبيل الله).([146])
وقد توفيت رضي الله عنها في خلافة عمر بن الخطاب ودفنت بالبقيع فرضي الله عنها فقد كانت سندا للرسول في دعوتها منذ اللحظة الأولى حين أمر بالتبليغ إلى أن لحق بربه وعمته صفية تقف إلى جانبه في السلم والحرب فهكذا هن نساء الإسلام وفاءً وصدقا في القيام بالواجب الأسري والدعوي والذب عن حياض الإسلام 0
والى إن نلقاك عزيزي المستمع في الحلقة القادمة لنكمل الحديث عن بعض إفراد بيت الزبير بن العوام رضي الله عنهم جميعا فالي ذلك الحين نستودعكم الله 0
(بيوت في خدمة الإسلام )
الحلقة التاسعة عشر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهدية ما تعاقب الليل والنهار0
أعزائي المستمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد (بيوت في خدمة الإسلام )
وبيتنا اليوم الذي سنتحدث عنه هو بيت من بيوت آل زبير بن العوام وهو بيت الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير بن العوام t ، أمير المؤمنين، كنيته أبو بكر، وأبو خبيب، القرشي الأسدي ، أحد الأعلام، ولد حواري رسول الله وابن عمته ([147])
كان لمولده قصة خاصة إذ هاجرت أمه السيدة العظيمة أسماء بنت أبي بكر وهي حاملة به في أيامها الأخيرة من الحمل فولدت بقباء، ثم أتيت به رسول الله r، فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة، فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله r ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له، فبرّك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام ولد بالمدينة، ففرحوا به فرحًا شديدًا، بل كبر الصحابة بمولده فرحا وسرورا ، لأنهم قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم، فلا يولد لكم (1). وسماه رسول الله عبد الله،([148]) فاجتمع له t في مولده من البركات والعلامات لم تجتمع لغيره وذاك فضل الله يؤتيه من يشاء0
ولما بلغ السابعة من عمره أرسله أبوه الزبير إلى النبيr ليبايعه على الإسلام جاء، وهو ابن سبع، أو ابن ثمان سنين، فبايع النبي r وقد سر النبي بتوجيه الزبير لابنه و حسن تربيته له t، فتبسم النبي r حين رآه مقبلاً، وبايعه. 0
ونشئ عبد الله بن الزبير في كنفي أبوين عظيمان يرعيانه ويخصانه بعظيم الصفات وجميل الأدب واخذ أبوه الزبير يعتني بتربيته ويصطحبه في جل مناسباته حتى في غزواته فقد ذكر عبد الله بن الزبير إن أبوه الزبير أردفه معه على فرسه يوم اليرموك ليعوده على القتال وولوج معتركها فكان له ما تمنى إذ أصبح ابن الزبير من اشد واكبر أبطال الاسلام0
فقد رُوي من نجابته وشجاعته التي ورثها عن أبيه الزبير بن العوام وجده الصديق أبي بكر رضي الله عنهما انه مرّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t وابن الزبير يلعب مع الصبيان، ففروا، ووقف ابن الزبير فقال له عمر: مالك لم تفر معهم؟ فقال: لم أجرم فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك ([149])، وتروى المصادر حادثة أخرى تبين شجاعته منذ صباه الباكر، فقد ذكرت المصادر التاريخية أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان وهو صبى، فمر بهم رجل فصاح عليهم ففروا، ومشى ابن الزبير القهقرى وقال: يا صبيان، اجعلوني أميركم وشدوا بنا عليه، ففعلوا ([150]).
وقد ترعرع عبد الله بن الزبير في كنف الجيل الأول من رجالات الإسلام فصحب وعقل جزء من حياة الرسولr وكذلك اخذ العلم عن كبار الصحابة وفي مقدمتهم العشرة المبشرين بالجنة ، فكان عالمًا عابدًا مهيبًا وقورًا، كثير الصيام والصّلاة شديد الخشوع قوىَّ السياسة([151])، وكان لأبيه الزبير وأمه أسماء وخالته عائشة وجده أبى بكر الصديق ، وجدته صفية عمة رسول الله r أكبر الأثر على شخصيته من جميع النواحي، وهذا ما نلمسه من صفات ابن الزبير العديدة في شتى جوانب حياته0 قال عنه ابن عمر -رضي الله عنهما-«أما والله إن كنت كما علمتُ صواماً قواماً وصولاً للرحم»([152])
ولو عرضنا لبعض مواقفه الخالدة في خدمة الإسلام لوجدنا أن عبد الله بن الزبير t أحد العبادلة الأربعة الذين تفقهوا في أمور الدين في المدينة المنورة وصاروا أئمة في زمانهم وهم: عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، ([153])، وقد حدث عن رسول الله وهو صغير، وكذلك حدث عن أبيه الزبير وعن جده أبى بكر، وعمر وعثمان وخالته أم المؤمنين عائشة التي كانت تحبه حبا شديدا بل لقد كانت تكنى بأم عبد الله فعن عروة بن الزبير قال: كان عبد الله بن الزبير أحب البشر إلى عائشة بعد النبي r وأبي بكر وكان أبرَّ الناس بها0([154])
وقد كان له تلاميذه ومريديه فقد رحل إليه الكثير من علماء التابعين لطلاب علمه واخذ الرواية عنه والاقتداء به فقد كان إماما في عبادته وخلقه وسائر عمله وممن طلب العلم لديه من مشاهير التابعين : أخوه عروة، وطاووس بن كيسان وعمرو بن دينار، وابن أبى مليكة، وثابت البناني، وغيرهم كثير 0
وكان الناس يحجون مع ابن الزبير للاقتداء به فقد قيل في زمانه لم يكن أحد أعلم بالمناسك من ابن الزبير في عهده([155]).
وقال عنه ابن عباس t: كان قارئًا لكتاب الله متبعًا لسنة رسول الله r قانتًا لله صائمًا في الهواجر من مخافة الله، ابن حواري رسول الله، وأمه بنت الصديق، وخالته عائشة زوجة رسول الله r فلا يجهل حقه إلا من أعمى الله بصيرته([156]).
فقد كان t قدوة حسنة في زمانه لازم السكنى بمكة فاستفاد من هديه وسمته خلق كثير0
ولقد اشتهر ابن الزبير بالفصاحة والخطابة، فكان t لا ينازع، وكان من خطباء قريش المعدودين، وكان إذا خطب يُشبه بجده أبى بكر الصديق t في حركاته وإشاراته ونبرات صوته0
ولقد شارك عبد الله بن الزبير في أعمال جليلة منها نسخ المصحف في زمن الخليفة الراشد عثمان فعن أنسt : أن عثمان أمر زيدًا، وابن الزبير، وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فنسخوا المصاحف، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيد في شيء، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ([157])0
ولما وقعت الفتنة في زمن عثمان بن عفان بسبب قيام الخوارج حينها بحصار الخليفة الراشد فقد كان عبد الله بن الزبير والحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب ليقوموا بحراسة دار الخليفة ونصرته وكانوا حينها يلحون على عثمان أن يسمح لهم بقتال الغوغاء، ولكن عثمان كان يرفض ذلك([158])0
ولما أمر عثمان من في الدار بالخروج أصر ابن الزبير ومروان بن الحكم على البقاء معه والدفاع عنه(2)، وقد أصيب ابن الزبير أثناء الحصار بإصابات بالغة كادت تودي بحياته، فقد روى المدائني أن كنانة - مولى صفية بنت حي – قالت : أخرج أربعة محمولين من دار غثمان وكان ابن الزبير منهم([159])وكان عثمان في هذه الظروف يقول: من كانت لي عليه طاعة فليطع عبد الله ابن الزبير([160])0
(( وفي هذا وضوح موقف ابن الزبير من عثمان وأنه يراه إمام حق ورشد، وأن المعتدين عليه مجرمون، وأن قتالهم من أفضل الأعمال عند الله، ومنها نستفيد أن الدفاع عن أولياء الله الصالحين بأي وسيلة شرعية من الذب عن أعراضهم وشدّ أزرهم من الأعمال الصالحة. )) ([161])
وقد شارك عبد الله بن الزبير في الفتح والجهاد وخاصة في فتح إفريقيا في ابلي في ذلك وكان من أعظم فرسانها وعلى يده كان مصرع ملك البربر الذي بقتله انتشر الإسلام في شمال إفريقيا وقد قاد ابن الزبير بعض السرايا في بلاد إفريقيا حتى إذا تم الفتح كان ابن الزبير ، ثم هو الذي زف خبر الفتح الإفريقي إلى الخليفة الراشد عثمان بن عفانt0
أعزائي المستمعين :
إن صور جهاد عبد الله بن الزبير t كثيرة وعديدة وجهاده في نصرة الإسلام كبير هذا ما سوف نعرض منه نماذج في حلقاتنا القادمة فإلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم نستودع الله إيمانكم وصالح أعمالكم وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت في خدمة الإسلام
الحلقة العشرون
الحمد لله رب العالمين والهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على إمام المتقين ورسول رب العالمين محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى أصحابه الميامين ومن سار على منهاجه إلى يوم الدين وبعد
أعزائي المستمعين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذه حلقة جديدة في برنامجكم الأسبوعي بيوت في خدمة الإسلام ونحن اليوم سوف نستكمل الحديث عن بيت عبد الله بن الزبير t ودوره في خدمة الإسلام 0
أعزائي المستمعين:
تحدثنا في الحلقة الماضية عن صور جليلة من شخصية ابن الزبير الفذة و اثر تربية والديه عليه وعلى خلقه وعبادته ومن صور العبادة التي امتاز بها عبد الله بن الزبير ما وصفه التابعي الجليل عثمان بن طلحة فقال: (( والله ما رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه..ولقد كان يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء إليها..وكان يركع أو يسجد، فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله،لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده إلا جدارا، أو ثوبا مطروحا..ولقد مرّت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي، فوالله ما أحسّ بها ولا اهتز لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا تعجل ركوعه.0)) ([162])
وقال عمرو بن دينار: (( كان ابن الزبير يصلي في الحجر، وحجر المنجنيق يصيب طرف ثوبه، فما يلتفت إليه))([163])
ومن اجل أعماله t زمن خلافته إعادة بناء الكعبة فقد هدم ابن الزبير الكعبة وذلك بعدما مال جدارها من رمى المنجنيق فهدم الجدار حتى وصل إلى أساس إبراهيم وكان الناس يطوفون ويصلون من وراء ذلك وجعل الحجر الأسود في تابوت والبسه الحرير وقد أعاد بناءها على ما كان رسول الله r يريد أن يبنيها عليه من الشكل ، وذلك كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله r: (( قال لولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة ولأدخلت فيها الحجر فان قومك قصرت بهم النفقة ولجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا يدخل الناس من أحدهما ويخرجون من الآخر ولألصقت بابها بالأرض فان قومك رفعوا بابها ليدخلوا من شاؤا ويمنعوا من شاؤا ))([164]) فبناها ابن الزبير على ذلك كما أخبرته به خالته عائشة أم المؤمنين عن رسول الله r0
وقد كانت خلافة عبد الله بن الزبير وبيعته بعد وفاة يزيد بن معاوية حيث بايعت جميع الولايات الإسلامية عبد الله بن الزبير أميرا للمؤمنين، واتخذ عبد الله من مكة عاصمة لدولته، وبسط يده على معظم بلاد الإسلام واستمرت خلافته حتى استشهد t ومن مواقفه البطولة في هذه الحظات الحاسمة وموقف أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها فأنه لما ضاق عليه الأمر و نفض من حوله صحابه (( دخل على أمه فقال لها: يا أمه، خذلني الناس حتى ولديّ وأهلي، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت -والله- يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على الحق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك، وإن قلت: كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس من فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا، القتل أحسن. فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال: هذا -والله- رأيي، والذي قمت به داعيًا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمه، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتني بصيرة مع بصيرتي، فانظري يا أمه فإني مقتول من يومي هذا، فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله، فإن ابنك لم يتعمد منكرًا، ولا عملاً بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم أتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي، اللهم إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني، فقالت أمه: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنًا إن تقدمتني، وإن تقدمتك ففي نفسي، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. قال: جزاك الله يا أمه خيرًا، فلا تدعي الدعاء لي قبل وبعد. فقالت: لا أدعه أبدًا، ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين، فتناول يديها ليقبلها فقالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: جئت مودعًا لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا، قالت: امض على بصيرتك وادن مني حتى أودّعك. فدنا منها فعانقها وقبلها فوقعت يدها على الدرع، فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد. فقال: ما لبسته إلا لأشد منك. قالت: فإنه لا يشد مني، فنزعها ثم أدرج كميه، وشد أسفل قميصه ، وأمه تقول: البس ثيابك مشمرة، ثم انصرف ابن الزبير وهو يقول:
إني إذا أعرف يومي أصبر ... وإنما يعرف يومه الحُر
فسمعت والدته قوله فقالت: تصبر والله إن شاء الله، أبوك أبو بكر والزبير، وأمك صفية بنت عبد المطلب 0))([165])
ومن هذا الموقف العظيم بين الأم سماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وابنها عبد الله بن الزبير ذلك الصحابي الجليل نستشعر تلك المواقف التربوية العظيم التي تحكمها علاقة الحب والحنان بين الأم وابنها والصبر والاحتساب من اجل القيم والمبادئ العظمية التي يعيش من اجلها العظماء وتكون مصارعهم على حياضها دون التنازل عنها 0
ولعلك عزيزي المستمع :
رأيت كيف يقف قائد عظيم بل خليفة المسلمين بين يدي أمه التي لم يكن يخرج عن رأيها خاصة بعدما خبر تجربتها وسمو إرادتها ورجاحة تفكيرها فلم تكن عاطفة الأمومة تطغى على صوت عقلها، ولم يكن يستشعر الاستغناء عنها، وطلب مشورتها، ونهج سبيلها مهما تطاول به العمر وقد ناهز السبعين من عمره وأخصبت رأيه التجارب، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه شبابنا اليوم فالقرب منهم وبذل المشورة لهم مطلب هام، لكن لابد من تهيئتهم لذلك، فقد دخل عبد الله بن الزبير على أمه يستشيرها في أمر صراعه مع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وكان ابن الزبير رجلاً مسنا لكنه تربى بقرب أمه ونهل من معينها- وهذا هو الشاهد من هذه الحادثة- فأشارت عليه بما رأته مناسبا لحاله: "الله الله يا بني إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه فأمض عليه.... وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن معك ".([166])
لقد ضربت أسماء مثلا للام المسلمة التي تضحي بنفسها وبنائها من اجل الحق وانتصاره على الظلم والطغيان فهي أول فدائية في الإسلام وهبت نفسها لله أثناء هجرة المصطفىr ثم نراها في كثير من المعارك والفتوحات الإسلامية بجوار زوجها الزبير بن العوام وموقفها في معركة اليرموك مشهودا لها إذا صرعت بخنجرها مجموعة من الروم عندما حاولوا اقتحام خيمتها، وتختم هذه المرحلة الجهادية الصابرة وهي في التسعين من عمرها بمنظر بكرها عبد الله بن الزبير وهو مسرب بدم الشهادة بجوار البيت العتيق الذي خرجت منه مهاجرة وهي تحمله في أحشائها إلى المدينة ليكون مولده بها فترى عينها نور الحياة بالمدينة النبوية وهاهي لحظاته الأخير وأنفاسه تغادر جسده ليتوارى في تراب مكة مهبط الوحي0
وقد كان استشهاده t عام 73هـ ووقف الصحابي الجليل عبد الله بن عمر على جثته وقال (( أما والله إن كنت كما علمت صوامًا قوامًا وصولاً للرحم، أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير)) ([167]).
وبهذه الشهادة ختم ابن الزبير حياته الحافلة بالجهاد والعلم والعبادة وسياسة الناس بالعدل فرضي الله عنه وعن سائر الصحابة رضوان الله عليهم والى أن نلقاكم أعزائي المستمعين في الحلقة القادمة نستودعكم الله
[1] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305
[2] - ابن القيم ، أعلام الموقعين.
[3] - الاستيعاب، ص (1103).
[4] - المرجع السابق ص 1104
[5] - مسند الإمام زيد، ص (343) نقلا عن منهج على بن أبي طالب في الدعوة.
[6] - الطبقات (2/338)، الحلية (1/67).
[7] - الحاكم، المستدرك على الصحيحين رقم الحديث 3299
[8] - الجامع لأخلاق الراوي(1/262).
[9] - المرجع السابق (1/262)
[10] - ابن الأثير ،الكامل في التاريخ (2/443).
[11] - البيهقي ، شعب الإيمان - (ج 2 / ص 172)
[12] - الذهبي، سير أعلام النبلاء (2/94) إسناده صحيح.
[13] - الاستيعاب (3/1108).
[14][14] - ابن كثير، البداية والنهاية (8/5).
[15] - ابن حنبل ، السنة ص (352)،
[16] - أحمد ، المسند (2/254،255) قال أحمد شاكر: صحيح الإسناد.
[17] - الشهرستاني: الملل والنحل. (1/116).
[18] - ابن حجر ، هدي الساري في مقدمة فتح الباري، ص 459.
[19] - ابن حجر: فتح الباري (2/281)
[20] - مسلم صحيح مسلم (2/744، 743).
[21] - البخاري صحيح البخاري (2/281).
[22] - البخاري صحيح البخاري (2/281).
[23] - مسلم ، صحيح مسلم (4/ 1880).
[24] - المستدرك - (ج 3 / ص 118)
[25] - صحيح مسلم – رقم الحديث( 934) (ج 2 / ص 16)
[26] - أسد الغابة (5/520)، الإصابة (4/365).
[27] - الطبقات لابن سعد (8/26).
[28] - حلية الأولياء (2/39، 43)، سير أعلام النبلاء (2/118، 134)
[29] - إحسان إلهي ظهير: الشيعة وأهل البيت: ص (137، 138).
[30] - كنز العمال (7/328)، المرتضى للندوي: ص(21).
[31] - كنز العمال (7/133)، المرتضى للندوي: ص(41).
[32] - ابن الجوزي ، صفة الصفوة (1/320)،
[33] - مسلم ، صحيح مسلم - (ج 6 / ص 7)
[34] - مسلم رقم يماني،البخاري رقم (3705).
[35] - محمد عبد يماني ، فاطمة الزهراء ، ص 152
[36] - البخاري: صحيح البخاري –(3510 ) (ج 3 / ص 1361)
[37] - مسلم: صحيح مسلم (6461 ) - (ج 7 / ص 141)
[38] - البخاري، صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1374)
[39] - البخاري، صحيح البخاري(6202) - (ج 3 / ص 1012)
[40] - مسلم ، صحيح مسلم ،قم الحديث 4743
[41] - مسلم صحيح مسلم رقم الحديث 6467
[42] - محمد عبد يماني ، فاطمة الزهراء ، ص 152
[43] - أبو نعيم حلية الأولياء (2/39، 43) الذهبي، سير أعلام النبلاء (2/118، 134)
[44] - انظر : الذهبي، سير أعلام النبلاء (3/246)
[45] - مسند أحمد (1/98 ، 118) صحيح ابن حبان (15/410) إسناد الحديث صحيح
[46] - كردي: فيتخان، الحسن بن علي ودوره السياسي ، ص 16
[47] - البخاري ، صحيح البخاري (2/306) .
[48] - الدهلوي ، حجة الله البالغة (2/385)
[49] - البخاري ، صحيح البخاري (5/196) رقم 4548 .
[50] - سويد : محمد ، منهج التربية النبوية للطفل ، نقلاً عن تحفة المولود لابن القيم ص 54 تحقيق فوّاز أحمد زمزلي
[51] - العنقري : نصر ، موسوعة تربية الأجيال المسلمة ، ص 66 .
[52] - النسائي : سنن النسائي رقم 8168 قام الشيخ عثمان الخميس ، بتخريج الحديث وحكم على درجته بأنه حسن لذاته في رسالته أحاديث بشأن السبطين صـ 312 .
[53] - مسند أحمد (2/249 ، 331) سنده صحيح .
[54] - الدوحة النبوية الشريفة صـ 74
[55] - عثمان الخميس ، أحاديث بشأن السبطين صـ 293 عثمان الخميس ، حديث حسن .
[56] - مسلم : صحيح مسلم رقم الحديث 4/1882 ـ 1883)
[57] - مسلم : صحيح مسلم رقم الحديث ، 2422 .
[58] - مسند أحمد (4/172) ، سنن ابن ماجة رقم 3666
[59] - مسند أحمد رقم الحديث 23155
[60] - مسلم : صحيح مسلم رقم الحديث 6413 .
[61] - الصلابي : الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه - (1 / 80)
[62] - البخاري ، صحيح البخاري رقم 3750
[63] - ابن سعد : الطبقات ، (1/247) إسناده صحيح .
[64] - مسند أحمد (4/93) ، إسناده صحيح ، سير أعلام (3/259) .
[65] - مسند أحمد (5/51) والبخاري بنحوه (3/244) .
[66] - البخاري ، ـ فضائل الصحابة رقم 3746 .
[67] - الطبقات (3/35 ـ 38)
[68] - مسند أحمد (2/325)
[69] - تاريخ الطبري (6/73)
[70] - المصدر نفسه (6/77) .
[71] - الطبقات تحقيق د . محمد السلمي(1/316،317)
[72] - مسند أحمد (5/51) والبخاري بنحوه (3/244) .
[73] - البخاري ، ـ فضائل الصحابة رقم 3746 .
[74] - البخاري ، فضائل الصحابة رقم 3746 .
[75] - ابن تيمية ، 00
[76] - الصلابي : الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه - (ج 1 / ص 274)
[77] - صحيح ابن حبان - (ج 2 / ص 326)
[78] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305
[79] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1335) حديث رقم3450
[80] - الصلابي ، عثمان بن عفان 1/5
[81] - الطبقات لابن سعد (3/53)، الإصابة (4/377) رقم (5463).
[82] -التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، ص19.
[83] - شذرات الذهب (7/286)، والضوء اللامع (10/131).
[84] - عمدة القاري، شرح صحيح البخاري (16/201).
[85] - سنن البيهقي (7/73)، قال الدكتور عاطف لماضة: خبر حسن.
[86] - عثمان بن عفان ذو النورين، عباس العقاد، ص79.
[87] - لإصابة (4/377)، رقم (5465).
[88] - عثمان بن عفان، صادق عرجون، ص45.
[89] - موسوعة التاريخ الإسلامي، أحمد شلبي، (1/618).
[90] - حلية الأولياء (1/60، 61) الخبر صحيح.
[91] - عبقرية عثمان للعقاد، ص72.
[92] - الصلابي ، عثمان بن عفان 1/12
[93] - موسوعة التاريخ الإسلامي، (1/618).
[94] - لأمين ذو النورين، محمود شاكر، ص365، التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، ص19.
[95] - ذو النورين عثمان بن عفان، محمد رشيد رضا، ص12.
[96] - أنساب الأشراف، ص89.
[97] -رواه الطبراني ورجاله ثقات، قاله الهيثمي، المجمع رقم: (14500).
[98] - الأمين ذو النورين، محمود شاكر، ص346.
[99] - تفسير ابن كثير - (ج 8 / ص 92)
[100] - السيرة النبوية لابن هشام، (1/287- 289).
[101] - عثمان بن عفان، صادق عرجون، ص53.
[102] - التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، ص22.
[103] -السيرة النبوية لابن هشام (1/402).
[104] - البخاري، كتاب الجنائز، رقم: (1342).
[105] -كتاب الإمامة والرد على الرافضة، للأصبهاني، ص 302.
[106] - زاد المعاد (3/290).
[107] -غزوة الحديبية لأبي فارس، ص85.
[108] -غزوة الحديبية لأبي فارس، ص85.
[109] -البخاري، رقم الحديث: (4169).
[110] -السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص482.
[111] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1351) رقم الحديث 2626
[112] - فتح الباري (7/67)، خلفاء الرسول، ص250،
[113] - الترمذي رقم الحديث3701 حسنه الألباني
[114] -صحيح النسائي للألباني (2/766).
[115] -خرجه البخاري رقم: (2778)
[116] - الترمذي رقم الحديث3703 مناقب عثمان
[117] - صحيح سنن الترمذي للألباني (3/209)، رقم: (2921).
[118] -صحيح سنن النسائي (2/766).
[119] - أعلام المسلمين لخالد البيطار (3/41).
[120] -البخاري، فضائل القرآن، رقم: (5027)
[121] -السنن الكبرى للبيهقي ج2 -ص41،42
[122] - ا لبخاري، فضائل القرآن، رقم:(3496)
[123] - الطبري،ب في معرفة الأصحاب - (1/151)
[124] - انظر : الطبراني وأبو نعيم .
[125] - الطبري ، الرياض النضرة في مناقب العشرة ،1 / 306
[126] - الطبري، الرياض النضرة في مناقب العشرة،1 / 305
[127] - الطبقات الكبرى لابن سعد ،3 / 101
[128] -- أسد الغابة ،1 / 378
[129] - الطبري ، الرياض النضرة في مناقب العشرة ،1 / 308
[130] - صحيح البخاري ، (7 / 294) رقم الحديث2847
[131] - الإستيعاب في معرفة الأصحاب ، 1 / 152
[132] - صحيح البخاري ، ( 10/122) رقم الحديث4077
[133] - محمّد ضاهر وتر، الريادة في حروب وفتوحات أبي بكر الصديق ،1 / 399 ، من منشورات اتحاد الكتاب العرب ، 1999م
[134] - علي بن نايف الشحود ، مشاهير الصحابة رضي الله عنهم ، (1 / 62)
[135] - الطبري ، الرياض النضرة في مناقب العشرة ،1 / 310
[136] - الطبري ، الرياض النضرة في مناقب العشرة ،1 / 311
[137] - تاريخ دمشق ، 18 / 339
[138] - صحيح البخاري (1 / 114) الحديث رقم110
[139] - مشاهير الصحابة رضي الله عنهم - (1 / 62)
[140] - البخاري ، صحيح البخاري كتاب الزكاة باب: الاستعفاف عن المسألة الحديث رقم1471
[141] - مسند أحمد - (3 / 29)
[142] - مسند الإمام احمد (31/100 )
[143] - رواه مسلم في كتاب"الإيمان"، برقم (205) ، باب قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين }
[144] - الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء - (2 / 72)
[145] - أنظر (صلاح الأمة في علو الهمة) (جـ7 - ص 168) - د. سيد حسين العفاني0
[146] - نساء حول الرسول - (1 / 115)
[147] - سير أعلام النبلاء (3/ 363).
[148] - البخاري رقم 5469، اليهود في السنة المطهرة (1/ 265).
[149] - الكامل في التاريخ (2/ 75).
[150] - سير أعلام النبلاء (3/ 370)
[151] - البداية والنهاية (11/ 204).
[152] - رواه مسلم (2545)
[153] - سير أعلام النبلاء (3/ 363)
[154] - لمحات عابرة من حياة العبادلة - (1 / 70)
[155] - تهذيب تاريخ ابن عساكر، نقلاً عن عبد الله بن الزبير، محمود شاكر ص 202
[156] - سير أعلام النبلاء (3/ 367)، البداية والنهاية (11/ 191).
[157] - الكامل في التاريخ (2/ 75).
[158] - الطبقات (3/ 70)،
[159] - أنساب الأشراف (1/ 564)
[160] - ابن سعد ، الطبقات (3/ 70).
[161] - الصلابي ، عبد الله بن الزبير ص35
[162] - لمحات عابرة من حياة العبادلة - (1 / 71)
[163] - المرجع السابق
[164] - البخاري ، صحيح البخاري ، (الحديث رقم 126)
[165] - تاريخ الطبري (7/76-77).
[166] - السعيد ، نورة بنت محمد ، أمهات قرب أبنائهن - (1 / 8) بتصرف








