قائمة الروابط
- مقابلة صحفية
- توصيف مقرر مشكلات تربوية (403 ترب )
- سيرة الذاتية / الدكتور عبدالله بن حلفان بن عبدالله العايش
- الفكر التربوي عند الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
- التربية البيئية في ضوء توجيهات التربية الإسلامية وتطبيقاتها في المدرسة
- السنن الاجتماعية في ضوء القرآن والسنة و توجيهاتها التربوية
- مدى رضا طلاب كلية المعلمين بمكة المكرمة عن البرنامج الدراسي بالكلية (1428هـ)
- منهجية البحث في العلوم الإنسانية في الفكر الإسلامي
- التنشئة الاجتماعية وإثرها في غرس مبادئي التربية البيئية للمدينة النبوية في نفوس الناشئة
- أعلام الفكر التربوي الاسلامي
- النمو الأخلاقي (و الاجتماعي ) ونمو الشخصية في ضوء نظريات التعلم
- نظريات التعلم ( دراسة موجزة )
- نظريات التعلم ( دراسة موجزة) الجزء الثاني
- نظريات التعلم ( دراسة موجزة) الجزء الثالث
- التعليم في بعض بلاد المسلمين المعاصرة تركيا نموذجا
- تابع التعليم في تركيا
- الفلسفة التربية
- بيوت في خدمة الاسلام
- بيوت في خدمة الاسلام - الحلقة (11- 20)
- بيوت في خدمة الاسلام - الحلقة (21 - 30 )
- بيوت في خدمة الاسلام - الحلقة (31- 38 )
- مقابلة شخصية
- رحلة الجزائر
- مقياس الوعي بالأمراض الجنسية
- ودور المعلم في تحقيق حسن الخلق وأثره علي الأمن الاجتماعي
- مكتبة الاستاذ الجامعي المتكاملة
- ودور المعلم في تحقيق حسن الخلق وأثره علي الأمن الاجتماعي
- منهجية السنة النبوية في تعزيز المسؤلية الاجتماعية لدى الشباب
- أخلاقيات البحث العلمي الاجتماعي في ضوء الفكر الإسلامي
- بنك التنمية الإسلامي ودوره في التنمية التعليمية في العالم الاسلامي
- صيانة الفكر في ضوء الشريعة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت في خدمة الإسلام
إعداد الله الذيدالله بن حلفان الاسمري
جامعة أم القرى
الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]
وصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[1] 0
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهذه حلقات من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) والتي يتم تقديمها في إذاعة نداء الإسلام على البرنامج الأول كل مساء الأربعاء الساعة (7/40 دقيقة ) نسبـرُ فيه تلك الأسر والبيوت العظيمة التي خلد التاريخ والآثار أخبارها و أعمالها الجلية في طاعة الله تعالى وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتخلق بأخلاق الإسلام الفاضلة فسمت تلك الأسر بجميع أفرادها إلى أعلى منازل الخير و مدارج العز والشرف 0
والناظر في كتاب الله تعالى يجد أن هناك آيات عظيمة إشارة إلى هذه الفضيلة التي تخلقت بها تلك البيوت -أو قل الأسر- وأصبحت مثلا عظيما يحتذا به و يحث الناس إلى الاقتداء بهم ومن أجَلِّ تلك البيوت بيت خليل الرحمن- إبراهيم - عليه وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأتم التسليم قال تعالى ممتدحا هذه الأسرة المباركة : { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } [النساء/54]
قال الشيخ طاهر بن عشور في تفسير هذه الآية (( آل إبراهيم : أبناؤه وعقبه ونسله ))[2]
وهم : إسماعيل وإسحق ويعقوب وزوجيه سارة وهي أم إسحاق وهاجر أم إسماعيل عليهم جميعا الصلاة والسلام0
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل للنبي صلى الله عليه و سلم من أكرم الناس ؟ قال ( أكرمهم أتقاهم ) . قالوا يا نبي الله ليس). هذا نسألك قال ( فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن بني الله ابن خليل الله ) .([3])
فآل إبراهيم بلغوا هذه المنزلة العظيمة بما اختصت به هذه الأسرة من فضائل أعظمها العبودية المطلقة لله والإخلاص في عبادته و الرسالة التي شَرفُوا بها وقد أكد القران الكريم هذا الاصطفاء قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [آل عمران/33، 34]
قال أبو جعفر الطبري شيخ المفسرين رحمه الله: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله اجتبى آدمَ ونوحًا واختارهما لدينهما ، واختار آل إبراهيم وآل عمران لدينهم الذي كانوا عليه، لأنهم كانوا أهل الإسلام. فأخبرَ الله عز وجل أنه اختار دين مَنْ ذكرنا على سائر الأديان التي خالفتهُ. ([4])
وقال قتادة : ذكر الله أهلَ بيتين صالحين، ورجلين صالحين0
و قوله:" ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ "، أي: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد لله0 ([5])
فهذا في فضل آل إبراهيم عليهم الصلاة والسلام والذي يردد كل مسلم في صلاتهِ ودعائهِ تمجيدَهم والثناءَ عليهم وعلى رسولِنا الكريمِ وآله الأخيار ، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا - أي الصحابة -: يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) ([6])
ومن صور التنشئة الاجتماعية التي نجدها واضحة في آل إبراهيم قصة إسماعيل ، وتنشئته لأهل بيته على العبادة ، و أمره لهم بإقامتها و صبره على ذلك d { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) } ( مريم /54-55)
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة مريم (آية 54-55): هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم ... وهذا الثناء الجميل والصفة الحميدة والخلة السديدة، حيث كان صابرا على طاعة ربه عز وأجل، أمرا بها لأهله ([7]).
كما أن أمر الأهل بالصلاة والحرص عليها هو ما خوطب به خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم d [وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ](132) (طه132)
ونجد أن يعقوب عليه السلام حفيد إبراهيم الخليل حريصا على تنشئة ذريته على التوحيد d{ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) } (البقرة 132-133)
ولما كان يعقوب عليه السلام يحتضر. شأن أهل الحق والحكمةِ أن يكونوا حريصين على صلاح أنفسهم وصلاح أمتهم كان من مكملات ذلك أن يحرِصوا على دوام الحق في الناس متَّبَعاً مشهوراً فكان من سننهم التوصية لمن يظنونهم خلفاً عنهم في الناس بأن لا يحيدوا عن طريق الحق ولا يفرطوا فيما حصل لهم منه ، فإن حصوله بمجاهدة نفوس ومرور أزمان فكان لذلك أمراً نفيساً يجدر أن يحتفظ به .([8])
(( إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة ، قوي الإيحاء ، عميق التأثير . . ميت يحتضر . فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار؟ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت؟ ما هو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه؟ ما هي التركة التي يريد أن يخلفها ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر ، يسجل فيه كل التفصيلات؟ . . إنها العقيدة . وهي الذخر . وهي القضية الكبرى، وهي الأمر الجلل ، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعته :{ $tB tbrß?ç7÷ès? .`ÏB ?Ï?÷èt/ ؟ } . .
هذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله . وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها . وهذه هي الأمانة والذخر والتراث . .{ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } . .إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه . إنهم يتسلمون التراث ويصونونه إنهم يطمئنون الوالد المحتضر ويريحونه .
وكذلك ظلت وصية إبراهيم لبنيه مرعية في أبناء يعقوب . وكذلك هم ينصون نصاً صريحاً على أنهم { bqßJÏ=ó¡ãB } .))([9])
ثم ورثوها في ذريتهم، ووصوهم بها، وجعلوها كلمة باقية في عقبهم،.هكذا يربي الأنبياء والصالحون أهاليهم و مجتمعاتهم ويحرصون على ذلك حتى آخر لحظة في حياتهم0
الحلقة الثانية
وأما الثناء الذي ورد في حق آل عمران و ما امتازت به هذه الأسرة الكريم من الشرف والعبودية لله تعال فقد حدثنا القرآن الكريم عن صور من تفاني هذه الأسرة في طاعة الله والمسابقة إليه و تمنى الذرية الصالحة من اجل استخلافهم في طاعة الله تعالى قال تعالى :
{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [آل عمران/35]
أمّا"امرأة عمران"، فهي أم مريم ابنة عمران، أم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه.
فهي في خلوتها تناجي ربها السميع العليم ولسان حالها قائل أنت: ((تسمع دعائي وتعلم نيتي وقصدي))([10])
قال صاحب الظلال : وقصة النذر هذه تشف لنا عن قلب « امرأة عمران » - أم مريم - وما يعمره من إيمان ، ومن توجه إلى ربها بأعز ما تملك . وهو الجنين الذي تحمله في بطنها . خالصاً لربها ، محرراً من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله سبحانه . والتعبير عن الخلوص المطلق بأنه تحرر تعبير موح . فما يتحرر حقاً إلا من يخلص لله كله ، ويفر إلى الله بجملته وينجو من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل قيمة ، فلا تكون عبوديته إلا لله وحده .([11])
وحين رزقها الله الحمل ووضعته حينئذ علمت أن الله قد اختصها بإكرامه ، وأفردها بنعمته ، فلفتها في خرقة وحملتها إلى بيت المقدس ، وقدمتها إلى الأحبار ، ودفعتها إليهم قائلة : دونكم هذه البنت فإني نذرتها لخدمة البيت أي (بيت المقدس ) وتركتها وانصرفت0([12])
قال تعالى { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران /37/38]
وعلى هذه الطريق العامرة بالطاعة تسير أسرة أخرى لها من الشرف والمكانة والرفعة الشيء الكثير وهي أسرة زكريا عليه الصلاة والسلام الذي أدرك هذا الصلاح والخير الكثير في أسرة آل عمران فتمنى أن يكون له من الخير مثل ذلك وان يرزقه الذرية الصالحة فخلى بنفسه في محرابه وبسط زكريا يديه متوسلا ،وهمس بصوته داعياً { رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ } [الأنبياء/89] و زكريا كان أكرم على الله من أن يرد دعوته ،وأعز عليه من أن يخيب رجاءه ، فانه ما مكث طويلا حتى نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [آل عمران/39]
يقول الإمام الالوسي رحمه الله : (( وهذه قصة مستقلة سيقت في أثناء قصة مريم لكمال الارتباط مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له ولما وجد زكريا عند مريم ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها : أنى لك هذا في غير حينه . قالت : هو رزق من عند الله يأتيني به الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فطمع زكريا في الولد فقال : إن الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادر على أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولداً فعند ذلك دعا ربه ([13])
وقال الشيخ ابن سعدي رحمه الله لقد : دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم. فاستجاب له دعاءه. ([14])
ولهذا سأل زكريا عليه السلام ربه أن يهب له من لدنه وليا (( وهذه الولاية، ولاية الدين، وميراث النبوة والعلم والعمل، ولهذا قال: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا }
أي: عبدا صالحا ترضاه وتحببه إلى عبادك، والحاصل أنه سأل الله ولدا، ذكرا، صالحا، يبق بعد موته، ويكون وليا من بعده، ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه، وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدا صالحا، جامعا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم. فرحمه ربه واستجاب دعوته 0([15])
عزيزي المستمع: هذه هي سيرة عطرة لبيوتات قامت على طاعة الله تعالى وارتسمت طريق الهدى لها منهجا فعلينا أن نسلك طرقهم ونهتدي بهداهم و هم لم يبلُغُوا هذه المنزلة العظيمة إلا بجهد عظيم ومثابرة وتربية ((ومما يمتاز به الأنبياء والمرسلون عن الحكماء والمؤلفين والعلماء المحققين أنهم يعنون بتربية النفوس والأشخاص الذين يضطلعون بأعباء الدعوة بعدهم وينفذون تعاليمهم ورسالاتهم علما وعملا ([16])
ومن النماذج القرآنية في التنشئة المتكاملة ( عقائديا و تعبديا، واجتماعيا و أخلاقيا ) ما نجده في موعظة لقمان لابنه إذ يأمره بالتوحيد والانقياد لله تعالى و ينهاه عن الشرك ويأمره بالصلاة ، و يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، و ويأمره حسن العلاقات الاجتماعية واحترام الحياة الطبيعية من حوله
d â ø?Î)ur tA$s% ß`»yJø)ä9 ¾ÏmÏZö/ew uqèdur ¼çmÝàÏèt? ¢Óo_ç6»t? ?w õ8Î?ô³è@ «!$$Î/ ( ?cÎ) x8ö?Åe³9$# íOù=Ýàs9 ÒO?Ïàtã á (لقمان12)
ومن هذه التربية التي مارسها الحكيم لقمان مع ابنه والتي خلدها لنا القرآن الكريم كوصية نستفيد منها نحن معشر الآباء والأمهات هذه الفوائد
الفائدة الأولى : الأمر بالإخلاص، والنهي عن الشرك: وبيَّن له السبب في ذلك فقال: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ووجه كونه عظيما، أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق بالخالق وهل أعظم ظلما ممن خلقه اللّه لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، فجعلها في أخس المراتب جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرا.
الفائدة الثانية : حق الوالدين: ولما أمر بالقيام بحقه، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال: { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ } أي: عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، وأمره بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، [وإكرامهما] وإجلالهما، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل..
الفائدة الثالثة : وجوب الاقتداء بالصالحين : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } وهم المؤمنون باللّه، وملائكته وكتبه، ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه.
وإتباع سبيلهم، أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى اللّه، التي هي انجذاب دواعي القلب وإراداته إلى اللّه، ثم يتبعها سعي البدن، فيما يرضي اللّه، ويقرب منه.
الفائدة الرابعة : خشية الله في السر والعلن : { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ } التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، { فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ } أي في وسطها { أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ } في أي جهة من جهاتهما { يَأْتِ بِهَا اللَّهُ } لسعة علمه، وتمام خبرته وكمال قدرته،
الفائدة الخامسة- وجوب القيام بالأعمال الصالحة: ومن أعظمها :
أ – إقامة الصلاة { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ } حثه عليها، وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية، { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ } وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه.
الحث على مكارم الأخلاق ومنها:
أ- { وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك الناس، تكبُّرًا عليهم، وتعاظما.
ب - { وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا } أي: بطرا، فخرا بالنعم، ناسيا المنعم، معجبا بنفسك. { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } (6) في نفسه وهيئته وتعاظمه { فَخُور } بقوله.
ج- { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أي: امش متواضعا مستكينا، لا مَشْيَ البطر والتكبر، ولا مشي التماوت.
د- { وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ } أدبا مع الناس ومع اللّه، { إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ } أي أفظعها وأبشعها { لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار، الذي قد علمت خسته وبلادته.
و- ونهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر، والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك.
وهذه الوصايا، التي وصى بها لقمان لابنه، تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمرا، وإلى تركها إن كانت نهيا.
إذا التنشئة الاجتماعية في الإسلام تأخذ من هذه النماذج القرآنية القدوة قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } (الأنعام .9.)
الحلقة الثالثة
وبيتنا اليوم الذي سنتحدث عنه من اجل بيوت الإسلام قاطبة بل هو يأتي في ذروتها وحيدا بعد بيت آل محمد صلى الله عليهم وسلم تسليم 0
انه بيت أبي بكر الصديق، السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله بالتوفيق، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والأسفار، ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفاخر فاق به كافة الأخيار، وعامة الأبرار، وبقى له شرفه على كرور الأيام والأعصار، و لم يسم إلى ذروته همم أولى الأيد والأبصار، حيث يقول عالم الأسرار:{ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة/40] ، إلي غير ذلك من الآيات والآثار، ومشهور النصوص الواردة فيه والأخبار0([17])
انه بيت عُمر بالإسلام وعاش أفراده أدورا خالدة دافعوا فيها عن الإسلام في أول أيامه وعانوا في سبيله المصاعب الجسام وجاهدوا في الله حق جهاده
ونحن هنا لن نتكلم عن سيرة أبي بكر رضي الله عنه وبذله وعطائه في الإسلام إنما سنقتصر في برنامجنا هذا و في جميع حلقاته إظهار الجانب الأسري و دور أفراد الأسر في خدمة الإسلام لنكشف جانبا خفيا من سير هؤلاء العظماء وان نجاحهم متعدد الاجوانب0
إن أسرة الصديق رضي الله عنهم بذلوا في الإسلام جهدا عظيم وقبل أن نعرض لهذه الجهود يجب أن نتعرف على أفراد هذه الأسرة المباركة
فهو: أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة القرشي.
كني بابي بكر ولقب بالعتيق، والصديق وهما لقبا شرف وكمال فالأول من العتاقة التي هي الحسن والجمال في الوجه، والثاني من التصديق التي هي أسمى ألقاب الصالحين في الحياة وكأن ذلك لصدقه وتصديقه، فهو أول من آمن من الرجال بالرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه فيما جاء به وقد قال صلى الله عليه وسلم : قال : « ما لأحد عندنا يَد إِلا وقد كافأْناه ، ما خلا أبو بكر، فإن له عندنا يدا يُكافئُه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحد قطُّ ما نفعني مالُ أبي بكر، ولو كنتُ مُتَّخِذا خليلا من الناس لاتَّخَذْتُ أبا بكر خليلا، أَلا وإِنَّ صاحبكم خليلُ الله ». وزاد رزين : « وما عرضتُ الإِسلام على أحد إِلا كانت له كَبْوَة ، إِلا أبو بكر، فإنه لم يَتَلَعْثَم في قوله ». ([18])
أما والده، فهو عثمان بن عامر بن عمرو يكنى أبا قحافة أسلم يوم الفتح، وأقبل به الصديق على رسول الله ( فقال: يا أبا بكر هلا تركته، حتى نأتيه، فقال أبو بكر: هو أولى أن يأتيك يا رسول الله، فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ([19])، ويروى أن رسول الله ( هنأ أبا بكر بإسلام أبيه ) ( [20])،
وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنَّهُ النبي صلى الله عليه وسلم ( في توقير كبار السن واحترامهم ويؤكد ذلك قوله ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يعرف حق كبيرنا)([21]).
وأمه هِيَ أُمّ الْخَيْرِ بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَمْرِو وَاسْمُهَا : سَلْمَى ، وَتُكَنّى : أُمّ الْخَيْرِ وَهِيَ مِنْ الْمُبَايَعَاتِ 0 مبكراً في دار الأرقم بن أبي الارقم0
ويظهر بر الصديق بأمه وحرصه على هدايتها في قوله لرسول الله (: هذه أمي برةٌ بولدها وأنت مبارك فادعُها إلى الله وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار.) إنه الخوف على أمه من عذاب الله والرغبة في رضاه وجنته لها وإشفاقا عليها وبرا بها، ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لأم أبي بكر بالهداية فاستجاب الله له، وأسلمت أم أبي بكر وأصبحت من ضمن الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعى لنشر دين الله تعالى 0)([22])
أما زوجات أبي بكر فهن - أم رومان بنت عامر بن عويمر- أسلمت قديماً، وبايعت، وهاجرت إلى المدينة وهي والدة عبد الرحمن وعائشة رضي الله عنهم، وتوفيت في عهد النبي ( بالمدينة سنة ست من الهجرة([23]).
وزوجته الثانية فهي - أسماء بن عُمَيس بن معبد بن الحارث: من المهاجرات الأوائل، أسلمت قديماً قبل دخول دار الأرقم، وبايعت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهاجر بها زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ثم هاجرت معه إلى المدينة فاستشهد يوم مؤتة، وتزوجها الصديق فولدت له محمداً روى عنها من الصحابة : عمر، وأبو موسى، و عبد الله بن عباس، وأم الفضل امرأة العباس، فكانت أكرم الناس أصهاراً فمن أصهارها: رسول الله وحمزة، والعباس وغيرهم([24]).
وكان مولد محمد بن أبي بكر عام حجة الوداع، ولدته أسماء بنت عميس بالشجرة حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوجه إلى مكة للحج، ثم كان في حجر علي بن أبي طالب، و ولاه على مصر، وقتل بها.([25])
الزوجة الثالثة - حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاري : و هي أم كلثوم وكان أبو بكر لما هاجر إلى المدينة نزل على خارجة فتزوج ابنته حبيبة رضي الله عنها وعن ابيها0
وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده، وأدركوا النبي ( وأدركه أيضاً بنو أولاده: إلا أبو بكر من جهة الرجال والنساء فكلهم آمنوا بالنبي وصحبوه، فهذا بيت الصديق، فأهله أهل إيمان، ليس فيهم منافق ولا يعرف في الصحابة مثل هذا لغير بيت أبي بكر رضي الله عنهم.
وكان يقال: للإيمان بيوت وللنفاق ومَشْهَدُهُ.من بيوت الإيمان من المهاجرين، وبني النجار من بيوت الإيمان من الأنصار([26]).
وقد مَدْحه حَسّانَ رضي الله عنه فقَالَ :
خَيْرُ الْبَرّيّةِ أَتْقَاهَا ، وَأَفْضَلَهَا ... بَعْدَ النّبِيّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا
وَالثّانِي التّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ ... وَأَوّلُ النّاسِ قَدَمَا صَدّقَ الرّسُلَا ))([27])
فسر ا" ي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: " أحسنت يا حسان "[28]
إما فضل أبي بكر فنتركه للرسول صلى الله عليه وسلم يذكره لنا ويقف بنا عليه، فما هناك من هو أصدق من رسول الله، ولا أعرف بأبي بكر منه فلنستمع إلى أعظم بيان في هذا الشأن روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: « إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَىَّ في مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ لاَ تُبْقَيَنَّ في الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلاَّ خَوْخَةَ أَبِى بَكْرٍ ».) ([29]).
ولأبي بكر من الولد عبد الله وأسماء ذات النطاقين وأمهما قتيلة تزوجها في الجاهلية وطلقها0
وعبدالله و عائشة وأمهما أم رومان ومحمد وأمه أسماء بنت عميس وكان أبنائه عبد الله وأسماء وعائشة من وائل من إسلام على يد الصديق إذ عرض عليهم الإسلام مبكرا وبدأ بأهل بيته أمانة ونصحا لهم وقد كانوا من السابقين الأوائل إلى الإسلام فهذا شرفا لهؤلاء الفتية لا يدانيه سوى شرف الإسلام ذاته-
وهاك نبذة مختصرة من جهاد هذه الأسرة العظيمة في خدمة الإسلام
إنه لم اشتد أذى قريش على الإسلام والمسلمين وأذن الله لرسوله صلى الله عليه و سلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة واخذ المسلمون يهاجرون إلى المدينة أدركت قريش خطورة ذلك وخاصة بعدما فشا خبر بيعة العقبة الثانية و التي كان منها: « تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط ، والكسل ، وعلى النفقة في العسر ، واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم ، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم ، وتمنعوني مما تمنعون عنه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة »[30]
هنا أدركت قريش إن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر دعوته قد خرج عن سيطرتها ومن هنا كان اجتماع دار الندوة والذي أجمعت قريش فيه على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم 0
فعن ابن عباس قال في قوله تعالى { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال/30] قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل اقتلوه. 00وقال بعضهم: بل أخرجوه ([31])
وحينها أوحى الله إلى رسوله بما عزمت عليه قريش وأذن له حينها بالهجرة إلى المدينة وفي هذه الحظات الحاسمة كانت لأسرة أبي بكر الصديق الدور الرائدة فيها وهذا ما نُبينهُ في الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى على آمل اللقاء بكم نستودعكم الله تعالى0
الحلقة الرابعة
مازال الحديث مستمر عن أسرة الصديق أبي بكر رضي الله عنهم جميعا وكنا توقفنا في الحديث السابق عند اللحظات الأولى من قصة).هجرة والدور العظيم الذي قام به الصديق وأسرته من اجل إنجاحها وصرف أنظار مشركي مكة عن طريق الهجرة فتعالوا معنا نستمع وإياكم إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تصف لنا هذا الدور الذي قامت به أسرتها فتقول :
(( فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر . قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه و سلم لأبي بكر ( أخرج من عندك ) . فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول لله قال ( فإني قد أذن لي في الخروج ). فقال أبو بكر الصحبة بأبي أنت يا رسول الله).؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( نعم ) . قال أبو بكر فخذ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( بالثمن ). قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يُكّتادَان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيصيبان من لبنها ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث))([32])
في هذا الحديث الذي ساقه البخاري في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا جانبا من دور أسرة أبي بكر رضي الله الرائد في هذه الحظات الصعبة كيف غامرة بأفراد أسرتها في سبيل الله فداء للإسلام ولرسوله صلى الله عليه وسلم 0 وكيف خططت هذه الأسرة المباركة لإدارة أزمة الهجرة وإنجاحها و وضبطت جميع أدوارها بكل سرية وإتقان حتى كتب لها النجاح بإذن الله ورعايته 0
فهذا الابن الشاب عبد الله بن أبي بكر رغم حداثة سنه يجوب مجالس قريش بالنهار ليجمع الإخبار منها ليوافي بها رسول الله بالأسحار في مخبئه بغر ثور دون أن تفطن قريش إلى ذلك 0
فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو، لقد ربُى عبد الله في بيت الصديق على حب دينه، والعمل لنصرته ببصيرة نافذة وفطنة كاملة وذكاء متوقد، يدل على العناية الفائقة التي اتبعها سيدنا أبو بكر في تربيته وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام به خير قيام وقد أتقن عبد الله هذا الواجب بطريقة رائعة فلم تأخذ واحداً من أهل مكة ريبة فيه، وكان يبيت عند الغار حارساً حتى إذا اقترب النهار عاد إلى مكة فما شعر به أحد0([33])
ولقد عاش عبد الله بن أبى بكر رضي الله عنهما حياته في ظل الإسلام يعمل ويجاهد من اجل نصرته حتى إذا كان فتح طائف رُمي بسهم ظل يعاني منه حتى قضى عليه شهيدا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين ليلة فمات رضي الله عنه متأثرا بهذا الجرح ([34])
وقد حزن عليه أبوه الصديق رضي الله عنه حزنا شديد فقد كان نصيره وساعده الأيمن في بناء هذه الأسرة المباركة وبهذا الشهادة طويت صفحت احد أبناء هذه الاسرة0
وهذه سماء بنت أبي بكر كُبرى أبناء الصديق الفتاة الضعيفة تقوم بدورها في محنة الهجرة تقطع نطاقها نصفين لتربط به زاد رسول الله صلى الله عليه وأبيها ثم تحمله على عاتقها أي الزاد والماء في جبال مكة وليتك عزيزي المستمع تتصور المسافة التي تقطعها هذه الفتاة من دارها بجور البيت العتيق إلى جنوب مكة إلى أعالي جبل ثور مسافة طويلة وارض وعرة وشعاب مقفرة موحشة وجبال شاهقة يجبن فيها الشجاع و يتيه الخبير الماهر فكيف بأسماء الفتاة الشابة التي تحملت في سبيل الله كل ذلك بضع ليالي 0
إنها صور من الفداء والجهاد تبذله أسرة الصديق في مرحلة من أصعب وأحرج مراحل الإسلام فلو انكشفت في هذه اللحظة الأسرار و تسربت خطة الاختفاء كان لها من العواقب ما الله به عليم
واليكم جانب عظيم لجهاد خدم أبي بكر وغلمانه في سبيل الإسلام فهذا عامر بن فهيرة يرعى الغنم بالنهار في شعاب مكة ثم يدلف بها في الليل إلى الغار ليمتنحها الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار إنها صور من البطولات التي خاضها أبناء الإسلام الأوائل ترسم للأجيال صور من الفداء والتضحية وحفظ الإسرار والأخذ بالحيطة والحذر والتخطيط المتقن0
وأما عامر بن فهيرة الراعي فهذه موجزة سيرة ترويها أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها (( قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، حتى قدموا المدينة. فقتل عامر يوم بئر معونة، وأسر عمرو بن أمية، فقال له عامر بن الطفيل الذي غدر بهم : من هذا، وأشار إلى قتيل، فقال عمرو بن أمية لله : هذا عامر بن فهيرة. فقال عامر بن طفيل : لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض.)) ([35]) أكرم بها من كرامة لك يا عمر بن فهيرة0
إن الحديث عن أسماء بنت أبي بكر يطول وقصص فدائها وجهادها تزخر به مصادر السيرة النبوية و كتب التاريخ0
إن إسلامها المبكر و مشاركتها في نصرة الإسلام وخدمة الرسالة لصورة جميلة لكل فتاة من بنات المسلمين في كل زمان ومكان تستلهم من سيرة أسماء القدوة والنموذج الإسلامي للمرأة المسلمة التي لم يروعها كثرة الأعداء وقلة النصير و تحزب الأحزاب وضعف الإسلام فكانت بإيمانها وجهادها جبلا شامخا تتكسر على سفوحه فلول الأعداء0
ومن صور الشجاعة والذكاء التي نقتبسها من سيرة سماء رضي الله عنها في هذه الظروف الصعبة ما ذكره ابن إسحاق قال : وحُدثتُ عن أسماء قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي، قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشاً خبيثاً فلطم خدي لطمة خر منها قرطي، قالت: ثم انصرفوا0([36])
ثم إن من صور كرمها وحسن تدبيرها في هذه المرحلة بثُ الأمان والطمأنينة في بيت الصديق وتصف لنا أسماء رضي الله عنها ذلك فتقول : (( لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه؟ قالت: قلت: كلا يا أبه إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً، قالت: فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة في البيت كان أبي يضع فيها ماله ثم وضعت عليها ثوباً ثم أخذت بيده، فقلت: ضع يدك يا أبت على هذا المال، قال: فوضع يده، فقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن ففي هذا لكم بلاغ، قالت: لا والله ما ترك لنا شيئاً ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك.))([37])
فهي رضي الله عنها تريد أن تسلي جدها وتذهب غيظه و لا توغر صدره على ابنه ثم إن من حسن ثقتها في الله تعالى بان الأرزاق من عند الله وانه هو الرزاق سبحانه وتعالى0
لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلاً هُنَّ في أمس الحاجة إلى الإقتداء به، والنسج على منواله وصبرها على ما تلاقيه هي و إخوتها في مكة من تضييق و ترهيب من قبل مشركي قريش ، لا تشكو ضيقاً، ولا تظهر حاجة، حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم ( زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه وأسامة بن زيد، وأمه بركة المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر وفيهم أسماء وعائشة ، حتى قدموا المدينة )([38])
إن سيرة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما لا تكفي لها هذه الحلقة فأسماء قد غصة كتب التاريخ والسيرة والتراجم بطيب ذكرها فهي كما وصفها أبو نعيم في حلية الأولياء: هي الصادقة الذاكرة والصابرة الشاكرة 0 ([39])
الحلقة الخامسة
مازال الحديث مستمر عن أسرة الصديق أبي بكر رضي الله عنهم جميعا وكنا توقفنا في الحديث السابق عند اللحظات الأولى من قصة الهجرة والدور العظيم الذي قام به الصديق وأسرته في المرحلة المكية من الدعوة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام 0
ولقد هاجر أبناء أبي بكر جميعهم إلى المدينة النبوية وكان أخرهم إسلاما وهجرة عبد الرحمن بن أبي بكر إذ وفد إلى المدينة مسلما في فتية من قريش هاجروا إلى النبي صلى الله عليه و سلم قيل الفتح0([40])
ولقد كان لعبد الرحمن فضل الصحبة و قد قال أصحاب التراجم : ما نعلم في الإسلام أربعة أدركوا النبي صلى الله عليه و سلم الآباء مع الأبناء إلا أبو قحافة الجد و أبو بكر الأب و عبد الرحمن بن أبي بكر الابن و ابنه الحفيد الثاني أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم0([41])
ومما امتازت به شخصية عبد الرحمن بن أبي بكر متأثرا بتربية أبيه الصديق خصلة الصدق فعن سعيد بن المسيب قال : ما تعلق على عبد الرحمن بن أبي بكر بكذبة في الإسلام0([42])
وانعم بها من صفة وخلق كريم تربى عليها بيت الصديق ولقد كان من شجاعته وجهاده في الإسلام مضربا للأمثال فلقد شهد عبد الرحمن فتح اليمامة وقتلَ يومئذ سبعةً من المرتدين وهو الذي قتل محكم بن الطفيل صديق مسيلمة على باطله وكان محكم واقفا في ثلمة حائط فرماه عبد الرحمن فسقط محكم فدخل المسلمون من الثلمة فخلصوا إلى مسيلمة فقتلوه وقد شهد عبد الرحمن رضي الله عنه فتح الشام وكان معظما بين أهل الإسلام([43])
ومما امتاز به بين الصديق الكرم وحسن الضيافة بل كان أبو بكر رضي الله عنه ينشئ عليه أهل بيته ويشتد غضبه أن اخل بهذه الخصلة فهو حريص على امتثال أوامر الإسلام بإكرام الضيف قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت )([44])
وقد أورد الإمام مسلم في صحيحه إحدى صور الكرم الذي طبع عليه بيت الصديق فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ قَالَ نَزَلَ عَلَيْنَا أَضْيَافٌ لَنَا - قَالَ - وَكَانَ أَبِى يَتَحَدَّثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ اللَّيْلِ - قَالَ - فَانْطَلَقَ وَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ افْرُغْ مِنْ أَضْيَافِكَ. قَالَ فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جِئْنَا بِقِرَاهُمْ - قَالَ - فَأَبَوْا فَقَالُوا حَتَّى يَجِىءَ أَبُو مَنْزِلِنَا فَيَطْعَمَ مَعَنَا – أي أبو بكر- قَالَ - فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّهُ رَجُلٌ حَدِيدٌ وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا خِفْتُ أَنْ يُصِيبَنِى مِنْهُ أَذًى - قَالَ - فَأَبَوْا فَلَمَّا جَاءَ لَمْ يَبْدَأْ بِشَىْءٍ أَوَّلَ مِنْهُمْ فَقَالَ أَفَرَغْتُمْ مِنْ أَضْيَافِكُمْ قَالَ قَالُوا لاَ وَاللَّهِ مَا فَرَغْنَا. قَالَ أَلَمْ آمُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ فَقَالَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. قَالَ فَتَنَحَّيْتُ - قَالَ - فَقَالَ يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِى إِلاَّ جِئْتَ - قَالَ - فَجِئْتُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ مَا لي ذَنْبٌ هَؤُلاَءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يَطْعَمُوا حَتَّى تجيء. )) ([45])
ومن صور التربية المنزلية التي كان يمارسها الصديق في غرس قيم التواضع و نبذ الكبر والغرور و تربية أبنائه على خلق التواضع ما ترويه أم المؤمنين عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : " لَبِسْتُ مَرَّةً دِرْعًا جَدِيدًا فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَيْهِ ، وَأَعْجَبُ بِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا دَخَلَهُ الْعُجْبُ بِزِينَةِ الدُّنْيَا مَقَتَهُ رَبُّهُ حَتَّى يُفَارِقَ تِلْكَ الزِّينَةَ ؟ قَالَتْ فَنَزَعْتُهُ فَتَصَدَّقْتُ بِهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَسَى ذَلِكَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكِ 0 ))([46])
لقد اثر هذه التوجيه في حياة الصديقة عائشة رضي الله عنها فما زالت ترويه لأبناء المسلمين ليكون لهم في أبي بكر القدوة الحسنة في تربية أنفسهم و ذراريها0
ولم تقتصر تربية أبي بكر على أبنائه بل تعداهم إلى مواليه وخدمه ورعايته لهم ودعوتهم إلى الإسلام كما سبق في قصة مولاه عامر بن فهيرة رضي الله عنه حيث كان من السابقين إلى الإسلام ثم إن الصديق كان يهتم بتفقد خدمه ومواليه ومكاسبهم فعن زيد بن أرقم قال كان لأبي بكر الصديق مملوك يغل عليه فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة فقال له المملوك مالك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة قال حملني على ذلك الجوع من أين جئت بهذا قال مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني فلما أن كان اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني فقال أف لك كدت تهلكني فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ وجعلت لا تخرج فقيل له إن هذه لا تخرج إلا بالماء فدعا بقدح من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها فقيل له يرحمك الله كل هذا من أجل هذه اللقمة فقال لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لأني سمعت حبيبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به"([47]) . فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة0 ([48])
وعن محمد بن سيرين قال : لم أعلم أحدا استقاء من طعام أكله غير أبى بكر 0([49])
قال:ل أبي بكر العظام السيدة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأحب نسائه إليه بل أحب الناس كما روى - عمرو بن العاص رضي الله عنه - : أن النبي صلى الله عليه و سلم بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك ؟ قال : ( عائشة ) . فقلت من الرجال ؟ فقال ( أبوها ) . قلت ثم من ؟ قال ( عمر بن الخطاب ) . فعد رجالا)) ([50])
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) ([51])
ولقد اعتنى أبو بكر رضي الله عنه بتربية ابنته عائشة حتى أصبحت أية في الأدب والعلم والأخلاق والتبعُل لزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم واليك عزيزي المستمع صورا من حياة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها 0
فقد كانت أم المؤمنين عائشة رائدة لتعليم والفتيا ، ولها دورها في الحياة العامة ((السياسة)) ، وكانت مرجعاً للصحابة ، وقد جمع لها الزركشي رحمه الله في كتابه ((الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة)) أكثر من أربعين منقبة لها وحدها لم تشترك معها فيها امرأة من نساء رسول الله e فقد كال في فضلها رسول الله e (( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ))([52]).
وقد بلغ من علمها أن قال عنها ابن أبي مليكه عند البخاري:"إن عائشة كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه"([53]).
يقول السيوطي رحمه الله ، وكان لها مصحف خاص بها جمعت القرآن إلى تفسيره ولذا كان بحجم المصحف ثلاث مرات )) ولقربها من رسول الله e فلقد كانت ممن جمع القرآن حفظاً ومعرفة بمعانيه وتفسيره فهي ترد على من قل فهمه لذلك ، أو خالف ترتيب السور ، ففي البخاري كتاب التفسير قولها (( لقد نزل بمكة على رسول الله e وإني لجارية ألعب (السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) سورة القمر(46) وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عنده))([54]).
تفرق رضي الله عنها بين مكية ومدنية ، وإدراكها كذلك وهي طفلة تلعب وتلقفها القرآن بحفظه ، ولعل حفظ القرآن كان عناية من والدها الصديق رضي الله عنه فقد كان حريصاً على تعليم القرآن لأهل بيته t جميعاً .
إما الأدب فكانت من رواته أخبار انتشارها واستحضارها للشعر معلوم، ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء قوله:" كانت عائشة تقول(رويت للبيد ألف بيت)([55]).
وعندما يقع الخلاف بين الصحابة في حديث رسول اللهt أم المؤمنين هي القاضي بينهم فهذا أبو هريرة tيحدث بحديث سمعه ابن عمر فينكره على أبي هريرة فيذهب به إلى عائشة فتقضي لأبي هريرة ويعتذر ابن عمر في أدب جم معترفاً بإتقان أبي هريرة في الحديث([56]) بل كان من عادة أبي هريرة أن يجلس بالقرب من حجر عائشة في المسجد يسمع ما يحدث به الناس ثم يختم قوله (( يا صاحبة الحجرة أتنكرين مما أقول شيئا ؟))([57]).
وكانت مرجعاً للخلافة فهذا أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان يستشيرها ويطلب النصح من أم المؤمنين ففي مسند الإمام أحمد (( صار معاوية في خلافته يكتب إليها سائلاً عن حكم أو حديث أو شيء من فعل النبي e ولا يطمئن إلى يقين، مما يسمع من غيرها حتى يرد عليه جوابها فيبرد صدره ))([58]).
وإما علمها بالفقه والفتوى فقد قال الزهري قد أجزم أن عائشة أفقه نساء الأمة على الإطلاق([59]) وإما ابن حجر فيروي ما قيل فيها (( قيل إن ربع الأحكام الشرعية منقول عهنا ))([60]).
وقد شهد لها كبار الصحابة كأبي موسى الأشعري فقال:"ما أشكل علينا أصحاب النبي e فسألناه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علم"([61]).
إما إتقانها للعلوم الأخرى فتورد هذا الأثر للذهبي إذ يقول:" هذا ابن أختها عروة بن الزبير يصف عائشة فيقول: لقد صحبت عائشة فما رأيت أحدا قط كان أعلم بأية نزلت ولا بفريضة ، ولا سنة ولا بشعر ، ولا أدرى له ، ولا بيوم من أيام العرب ، ولا بنسب ولا كذا ، ولا بقضاء ولا طب منها ، فقلت لها : يا خالة ! الطب من أين تعلمتيه ؟ قالت : كنت أمرض فينعت لي الشيء ، أو يمرض المريض فينعت له ، وأسمع الناس ينعت لبعضهم لبعض فأحفظه"([62]) فهذا عروة أحد فقهاء المدينة الأربعة في عصره يشهده لبنت الصديق بهذه المنزلة ولا غرابة فالعلم بالنسب أخذته عن أبيها نسابة العرب والفقه من زوجها رسول الله e في ترجمة صفية بنت الحارث (( أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نزلت في قصر عبد الله بن خلف بالبصرة فسمعت منها صفية ونساء أهل البصرة))([63]).
وفي مسند أم المؤمنين عائشة عند الحافظ بن حجر رحمه الله خمس وستون امرأة روين عنها رضي الله عنها أحاديث في جميع شؤون الحياة وهؤلاء النسوة تمتد بهن الخارطة الجغرافية من البصرة بالعراق إلى المدينة ،فمكة المكرمة وهذا دليل على أن أم المؤمنين كانت تعلم وتحدث النسوة في كل بلد نزلت فيه ولهذا روي عنها هذا الكم من النساء غير الرجال ومن أراد أن يطلع على أحاديثهن فليراجع مسندها للإمام الحافظ بن حجر رحمه الله([64]).
وكانت عائشة تعظ النساء في المواسم فعن دِقْرَةُ بنت غالب الراسبية البصرية أُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ قاضي البصرة (( قَالَتْ كُنَّا نَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَرَأَتْ عَلَى امْرَأَةٍ بُرْداً فِيهِ تَصْلِيبٌ فَقَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ اطْرَحِيهِ اطْرَحِيهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا رَأَى نَحْوَ هَذَا قَضَبَهُ. )) (أي قطعه وأزاله)) ([65])
فهذه صورة مبسطة عن سيدة من سيدات بيت أبي بكر الصديق التي خدمة الإسلام ورسول الإسلام فهنيء لهم هذا الشرف و هم قدوتنا لنا معشر المسلمين في كل مكان وزمان علينا أن نتأثر بهم ونقتدي في تربيتنا بهم لنكون نحن وأبنائنا مثلا يحتذا به 0
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت في خدمة الإسلام
الحلقة السادسة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى آل الأخيار و صحبه الآبار وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أعزائي المستمعين : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ابن نفيل بن عبد العزى كان من سادة قريش وسفرائها و من أشجع شبابها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب 0
قال ابن الجوزي: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب، إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيراً، أو نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافراً ومفاخراً، ورضوا به رضي الله عنه([66]).
و لم سمع بدعوة الإسلام ناصبها العداء و رفض أن يستمع إلى صوت الحق وأخذته العزة بالإثم كما فعل الكثير من أسياد مكة مخافة على مكان:م و مصالحهم وتأثرا بما وجدوا عليه إبائهم ومجتمعه من صور الشرك والظلم ولكن هذه الحالة لم تدم طويلا مع عمر بن الخطاب فلقد شاءت قدرت الله تعالى له الهدى و التوفيق إلى الحق وبسبب دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ?، فقد كانت السبب الأساسي في إسلامه فقد دعا له بقوله: اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب،: وكان أحبهما إليه عمر([67])
ومازال عمر يحدث الناس عن رحلته إلى الإسلام فيقول : أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدو إسلامي ؟
قال: كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا يوما في يوم شديد الحر بالهاجرة، في بعض طرق مكة، إذ لقيني رجل من قريش فقال: أين تذهب يا ابن الخطاب ؟ فقلت: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن في بني هاشم، وبني زهرة، وقد قتلت محمدا.
فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت، وتركت دينك الذي أنت عليه.
قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر ؟: إن ختنك، وأختك قد صبوا، وتركوا دينك الذي أنت عليه.
فمشى عمر غاضبا حتى أتاهما، وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خباب قال: فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم.
وكان خباب يقرئهم طه فقالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا قال: فلعلكما قد صبوتما.
فقال له سعيد بن زيد زوج أخته فاطمة بنت الخطاب: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك. فوثب عمر على ختنه فوطأه وطئا شديدا فجاءت فاطمة فدفعته عن زوجها.
فنفحها بيده نفحة فدمي وجهها فقالت وهي غضبى: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك: أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد واشهد أن محمدا رسول الله ، وحين رأى عمر صنيعه في أخته ساءه ذلك و أناب إلى رشده ، و قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه. فقالت: أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون. فقم، واغتسل، أو توضأ.
فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ: طه حتى انتهى إلى قوله: { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه/14]. : فقال عمر دلوني على محمد([68])
وحينها اسلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وانظم عمر إلى كتيبة الإسلام واعتز المسلمون به و قوية شوكتهم بإسلامه وإسلام حمزة بن عبد المطلب وانتقلت حينها دعوة الإسلام من السرية إلى العلن والجهر بالدعوة وحينها لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاروق ([69])،0
أعزائي المستمعين:
ونعود إلى سيرة عمر وأسرته في خدمة الإسلام كما عودناكم ، لقد اسلم عمر في دار الأرقم بن أبي الأرقم ثم انطلق داعية إلى الإسلام وبأ بأهل بيته ليدعوهم إلى الإسلام ولم تتردد أسرته في ذلك بل أسلمت وأنظمة إلى أسرة الإسلام ، ولقد كان لعمر جهده العظيم في تربية أسرته وإعدادها لخدمة الدين وإلزامها بحياة الإسلام في صورته المثالية حتى أن الدارس لحياته الأسرية في جميع مراحلها يعجب من صبر عمر وقدرته على أن يرسم لنا صورة مثالية للالتزام بتعاليم الإسلام وبالنزاهة في جميع مراحل الحياة حتى يخايل إليك وكأن عمر لم يعش إلا لسرته فقط 0
فلقد مدحه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: فقال : لو أن علم عمر بن الخطاب وضع في كفة الميزان، ووضع علم الأرض في كفة لرجح علم عمر([70])، وقال أيضاً: إني لأحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم([71]). وقال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحاً وكانت هجرته نصراً وكانت إمارته رحمة([72]).
وفي جانبه الاجتماعي فمدحه جاره العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال: كنت جاراً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فما رأيت أحداً من الناس كان أفضل من عمر، إن ليله صلاة، ونهاره صيام، وفي حاجات الناس0([73]).
أما إمام التابعين الحسن البصري فيفض في ذكر عمر فيقول: إذا أردتم أن يطيب المجلس فأفيضوا في ذكر عمر([74])، وقال أيضاً: أي أهل بيت لم يجدوا فقده فهم أهل بيت سوء([75]).
وعن دور أمير المؤمنين في الفتح الإسلامي وخدمة الدولة الإسلامية فيقول
اللواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله: وإذا كانت أسباب الفتح الإسلامي كثيرة، فإن على رأس تلك الأسباب ما كان يتمتع به عمر بن الخطاب من سجايا قيادية فذة لا تتكرر في غيره على مر السنين والعصور إلا نادراً([76]).
و يقول عنه الشيخ علي طنطاوي رحمه الله : أنا كلما ازددت إطلاعا على أخبار عمر، زاد إكباري وإعجابي به، ولقد قرأت سير آلاف العظماء من المسلمين وغير المسلمين، فوجدت فيهم من هو عظيم بفكره، ومن هو عظيم ببيانه، ومن هو عظيم بخلقه، ومن هو عظيم بآثاره، ووجدت عمر قد جمع العظمة من أطرافها، فكان عظيم الفكر والخُلق والبيان، فإذا أحصيت عظماء الفقهاء والعلماء، ألفيت عمر في الطليعة، فلو لم يكن له إلا فقهه لكان به عظيماً، وإن عددت الخطباء والبلغاء كان اسم عمر من أوائل الأسماء، وإن ذكرت عباقرة المشرعين، أو نوابغ القواد العسكريين، أو كبار الإداريين الناجحين، وجدت عمر إماماً في كل جماعة، وعظيماً في كل طائفة، وإن استقريت العظماء الذين بنوا دولاً، وتركوا في الأرض أثراً، لم تكد تجد فيهم أجلّ من عمر. وهو فوق ذلك عظيم في أخلاقه عظيم في نفسه([77]).
ولقد أعجب بشخصية عمر كثير من المستشرقين والباحثين الأجانب في الفكر الإسلامي فهذا المستشرق الغربي ( موير ) في كتابه الخلافة: يقول عن عمر بن الخطاب ، كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر وأظهر ما اتصفت به إدارته عدم التحيز والتعبد وكان يقدر المسؤولية حق قدرها وكان شعوره بالعدل قوياً ولم يحاب أحداً في اختيار عماله، ومع أنه كان يحمل عصاه ويعاقب المذنب في الحال حتى قيل إن دِرة عمر أشد من سيف غيره إلا أنه كان رقيق القلب وكانت له أعمال سجلت له شفقته، ومن ذلك شفقته على الأرامل والأيتام([78]).
وقال الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتابه محمد وخلفاؤه: إن حياة عمر من أولها إلى آخرها تدل على أنه كان رجلاً ذا مواهب عقلية عظيمة، وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة، وهو الذي وضع أساس الدولة الإسلامية ونفذ رغبات النبي ? وثبتها، وآزر أبا بكر بنصائحه في أثناء خلافته القصيرة، ووضع قواعد متينة للإدارة الحازمة في جميع البلدان التي فتحها المسلمون، وإن اليد القوية التي وضعها على أعظم قواده المحبوبين لدى الجيش في البلاد النائية وقت انتصاراتهم، لأكبر دليل على كفاءته الخارقة لإدارة الحكم وكان ببساطة أخلاقه واحتقاره للأبهة والترف، مقتدياً بالنبي ? وأبي بكر، وقد سار على أثرهما في كتبه وتعليماته للقواد([79]).
هذا وقد طويت بوفاة الخليفة الراشد العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه صفحة من أنصع صفحات التاريخ وأنقاها فقد عرف فيه التاريخ رجلاً فذاً من طراز فريد، لم يكن همه جمع المال، ولم تستهوه زخرفة السلطان، ولم تمل به عن جادة الحق سطوة الحكم، ولم يحمل أقاربه ولا أبناءه على رقاب الناس، بل كان كل همه انتصار الإسلام، وأعظم أمانيه سيادة الشريعة وأقصى غايته تحقيق العدالة بين أفراد رعيته، وقد حقق ذلك كله بعون الله عز وجل في تلك الفترة الوجيزة التي لا تعد في عمر الدول شيئاً مذكوراً([80]).
إن دراسة هذه السيرة العطرة تمد أبناء الجيل بالعزائم العمرية التي تعيد إلى الحياة روعة الأيام الجميلة الماضية، وبهجتها وبهاءها، وترشد الأجيال بأنه لن يصلح أواخر هذا الأمر إلا بما صلحت به أوائله وتساعد الدعاة والعلماء على الاقتداء بذلك العصر الراشدي ومعرفة معالمه وصفاته ومنهجه في السير في دنيا الناس وذلك يساعد أبناء الأمة على إعادة دورها الحضاري من جديد.([81])
إن عبقرية عمر متعددة الجوانب ولعل من صورها الجانب الأسري والاجتماعي وعمر كان لديه العديد من الزوجات والأبناء
فجملة أولاده رضي الله عنه ثلاثة عشر ولداً، كانت لهم جميعا الصحبة رضي الله عنهم، ومجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية والإسلام ممن طلقهن أو مات عنهن سبع([82])، وكان رضي الله عنه يتزوج من أجل الإنجاب، والإكثار من الذرية، فقد قال رضي الله عنه: ما آتي النساء للشهوة، ولولا الولد، ما باليت ألا أرى امرأة بعيني([83])، وقال رضي الله عنه: إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبحه وتذكره([84]).
ومن أشهر أزواجه أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال في سبب الزواج منها: أتعلق منها بسبب من رسول الله ?، فخطبها من أبيها علي بن أبي طالب، فأصدقها عمر رضي الله عنه أربعين ألفاً، فولدت له زيداً ورقية 0
وقد روى البيهقي في سننه الكبرى عن عَلِىِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : لَمَّا تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عَنْهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِىٍّ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ أَتَى مَجْلِسًا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ لِلْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ فِيهِ غَيْرُهُمْ فَدَعَوْا لَهُ بِالْبَرَكَةِ. فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ مَا دَعَانِى إِلَى تَزْوِيجِهَا إِلاَّ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ :« كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ سَبَبِي وَنَسَبِى ».([85])
أعزائي المستمعين :
وقبل أن نودعكم نذكركم بان للحديث بقية عن أسرة عمر بن الخطاب و دورها في خدمة الإسلام فالي الحلقة القادمة يكون موعدنا نستودعكم الله تعالى0
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت في خدمة الإسلام
الحلقة السابعة
الحمد لله رب العالمين والهادي إلى الصراط المستقيم والصلاة والسلام على إمام المتقين ورسول رب العالمين محمد بن عبد الله عليه وعلى آله الفضل الصلاة والسلام وعلى صحابه الميامين ومن سار على منهاجه إلى يوم الدين وبعد
أعزائي المستمعين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذه حلقة جديدة في برنامجكم الأسبوعي بيوت في خدمة الإسلام ونحن اليوم سوف نستكمل الحديث عن بيت عمر بن الخطاب ودوره في خدمة الإسلام 0
لقد كان لهذا البيت أفراده العظماء والذين لهم مكانتهم في عصر النبوة وصدر الإسلام ومن هؤلاء الأفراد عبد الله بن عمر بن الخطاب الشاب الناشئ في عبادة الله والرجولة الصالحة الذي تربى في مدرسة النبوية وتأثر بشخصية أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي ورث منه الكثير من السمات و الأفعال التي تدل على عظم التربية وأثرها الكبير في حياة عبد الله بن عمر 0
لقد كان اسمه في الجاهلية عبد الله وانعم به من اسم وفي الحديث (( إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ))([86]) ومن شدة فخر عبد الله بن عمر بهذا الاسم نقشه على خاتمه 0([87]) فهو يفتخر بعبوديته لله وببنوته لأبيه العظيم عمر0([88])
بحق لقد (( كان أشبه ولد عمر بعمر عبد الله ))([89]) كما قال ابن الجوزي رحمه الله وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن (( مات ابن عمر وهو في الفضل مثل أبيه ))([90])
ثم هناك صفات خاصة في شخصية عبد الله بن عمر كانت نتاجا لعصره ولصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجهاده المبكر وملازمته لكثير من الصحاب رضوان الله عليهم جميعا0
ولد عبد الله بن عمر في السنة الثانية من البعثة واسلم صبيا مع والديه وأخته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ،وهو مازال صبيا صغيرا وهاجر وعمره إحدى عشرة سنة مع والده ووالدته زينب بنت مضعون رضي الله عنها وهي من المهاجرات 0
ولقد كان ابن عمر شديد الملازمة والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه فيحفظ ما يرى من أفعال وأقوال النبي ويلازم المسجد فلا يكاد يفارقه حتى قيل فيه (( كان ابن عمر من أحلاس المسجد يأوي إليه ويسكنه )) ([91])
وبلغ من ثقة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشاب انه أجاز شهادته في رؤية هلال رمضان فعن ابن عمر ، قال : تراءى الناس الهلال ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته « فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر الناس بالصيام »([92])
وكذلك كان يمشي بين يدي رسول الله وينفذ ما يأمره به من إزالة المنكرات فعندما نزل تحريم الخمور كلفه رسول الله بإراقة الخمور التي في الأسواق ، يَقُولُ رضي الله عنه: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ وَهِىَ الشَّفْرَةُ فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَرْسَلَ بِهَا فَأُرْهِفَتْ ثُمَّ أَعْطَانِيهَا وَقَالَ « اغْدُو عَلَىَّ بِهَا ». فَفَعَلْتُ فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ وَفِيهَا زُقَاقُ خَمْرٍ قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّامِ فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّى فَشُقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ ثُمَّ أَعْطَنِيهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَأَنْ يُعَاوِنُونِي وَأَمَرَنِي أَنْ آتِىَ الأَسْوَاقَ كُلَّهَا فَلاَ أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إِلاَّ شَقَقْتُهُ فَفَعَلْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ في أَسْوَاقِهَا زِقًّا إِلاَّ شَقَقْتُهُ. »([93])
ولقد وقف عبد الله بن عمر حياته في خدمة الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم ومع صغر سنه فلقد باشر الجهاد بنفسه مبكرا واخذ يتمنى الشهادة و يتحمس للجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعرض نفسه على الرسول في غزوة بدر الكبرى وفي غزوة أحد فيرده رسول الله رحمة وشفقة عليه لصغر سنه ، وقد حزن رضي الله عنه لذلك حزنا شديدا إذ كان يرى في نفسه من الشجاعة والتضحية وحب الإسلام ونصرته قال رضي الله عنه : عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر فاستصغرني فلم يقبلني فما أتت على ليلة مثلها من السهر والحزن والبكاء إذ لم يقبلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما كان من العام المقبل عرضت عليه فقبلني فحمدت الله على ذلك )) ([94])
ولم بلغ الخامسة عشر أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد وحينها أصبحا جنديا ملازما للرسول في جميع غزواته ولم يتخلف عن أي غزوة أو مشهد0
وتبلغ الأمور ذروتها فيكون ممن شهد غزوة الحديبية وبايع رسول الله صلى الله عليه على الموت في سبيل الله حتى قبل أن يبايع أبوه عمر ففي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أن الناس كانوا مع النبي صلى الله عليه و سلم يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر فإذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه و سلم فقال يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فوجدهم يبايعون فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع )) ([95])
أنها العبقرية والإبداع فلم يدع الفرصة المبادرة تفوته كيف لا ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم ممدودة للمبايعة فأي شرف وأي مغنم سيفوته لو توان عن ذلك أنها التربية العمرية التي صنعة هذه الشخصية فأعطتها الاستقلال والمبادرة واسمع إلى هذا الأب عمر عندما يعاتب ابنه إذ لم يبادر فعن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : « من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ؟ » قال عبد الله: فأردت أن أقول: هي النخلة، فمنعني مكان أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هي النخلة »، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا. أحسبه قال : حمر النعم)) ([96])
وتمضي سيرة عبد الله بن عمر في علو وإعجاب من رسول الله صلى الله عليه بهذا الشاب المسلم فيمدحه في أكثر من مناسبة ويشيد به ويرفع من شخصيته لما رأى فيها من خير فقد كان ابن عمر يحدث أبنائه بذلك فعن ابنه سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه و سلم إذا رأى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه و سلم وكنت غلاما شابا وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول أعوذ بالله من النار قال فلقينا ملك آخر قال لي لم ترع . فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال ( نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ) . فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا )) ([97])
وفي موطن الجهاد والبسالة يمدحه القائد الأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن مجاهد قال : شهد ابن عمر فتح مكة وهو ابن عشرين سنة وهو على فرس جرور ومعه رمح ثقيل وعليه بردة فلوت، قال فأبصره النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو يختلي لفرسه فقال: إن عبد الله إن عبد الله، يعني أثنى عليه خيرا.([98])
هكذا كانت سيرة ابن عمر في عهد النبوة جهاد وعبادة وتضحية وتفاني في خدمة الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم وتتبعا لأثاره واقتداء به في جميع أفعاله وأقواله حتى أصبح ابن عمر اشد الناس متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسالم وقد وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت (( ما كان احد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله كما كان يتبعه ابن عمر )) ([99])
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبويع أبو بكر بالخلافة انقاد ابن عمر للخليفة ومضي في خدمة دينه يدافع عن الإسلام ويطلب الشهادة في حروب المرتدين ويمني نفسه بها فكان في مقدمة صفوف المسلمين في معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وفي هذه المعركة الحاسمة في تاريخ الإسلام يسقط العديد من الصحابة الكرام حاملي القران ، ويعود عبد الله وأصحابه بالنصر والفتح المبين لكن هناك شهداء ومنهم عمه زيد بن الخطاب رضي الله عنه واسمع إلى عمر بن الخطاب إذ يعاتب ابنه إذ لم يشارك عمه الشهادة في سبيل الله فقد روى أهل السير والتاريخ انه (( لما رجع الناس - من معركة اليمامة- قال عمر لابنه عبد الله، وكان معهم: ألا هلكت قبل زيد؟ هلك زيد وأنت حي! ألا واريت وجهك عني؟ فقال عبد الله: سأل الله الشهادة فأعطيها وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها.)) ([100])
عزيزي المستمع :
لقد تعلم الأب عمر من الإسلام ومن قائده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التضحية بالنفس و المال والولد في سبيل الله هي العزة والكرامة ، فلا يكتفي من ابنه بحضوره المعركة ورجوعه مع الجيش الغالب المنتصر بل يريده شهيدا في سبيل الله كعمه زيد بن الخطاب 0 ([101])الذي مازال عمر يفاخر به فيقول : لما قتل زيد بن الخطاب ونعي إليه قال: رحم الله أخي سبقني إلى الحسنين أسلم قبلي واستشهد قبلي.)([102])
فأين نحن اليوم من تلك النفوس الكبيرة0 حيث تركنا أبنائنا يحترقون في شهوات الحياة وصغائر الأمور أو في الفتن التي لا تجر على الإسلام إلى المصائب و المحن ولم نربيهم على فهم حقيقة الإسلام والعيش من اجل الإسلام 0
ومن الأقوال المأثورة عن العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله قوله: (من السهل الموت في سبيل الله لكن الأصعب والأعظم العيش في سبيل الله0 ))
حقا إننا في عصر يجب أن نعيشه بروح الإسلام وبروح السعي والكفاح لما فيه نصر الإسلام وتمكين المسلمين على كل الأصعدة والأخذ بزمام المبادرة لتحقيق العزة بجميع مناحيها المادية والمعنوية وقبل ذلك الروحية0
أعزائي المستمعين:
سيرة عبد الله بن عمر معين لا ينضب من الدروس والعبر في خدمة الإسلام فالي اللقاء القادم نستكمل صور من عطاءات البيت العمري إلى أن نلقاكم في ذلك الوقت نستودعكم الله تعالى 0
بسم الله الرحمن الرحيم
بيوت في خدمة الإسلام
الحلقة الثامنة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى آل الأخيار و صحبه الآبار وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أعزائي المستمعين : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
ففي الحلقة الماضية وعدناكم بإكمال الحديث عن سيرة عبدالله بن عمر بن الخطاب و خدمته للإسلام والمسلمين وسوف نكمل الحديث عنه وعن أسرته الطيبة المباركة
فنقول مستعينين بالله لقد كانت شخصية ابن عمر تزداد عظمة و تقديرا في نفوس الناس بسبب صحبته رسول الله صلى الله عليه وسلم واقتدائه به و ملازمته لكبار الصحابة وأخذه عنهم وكذلك ما الزم به نفسه من التعفف و الزهد في الحياة و بذله كل جهده في طاعة الله تعالى و السعي في مصالح المسلمين العامة والخاصة 0
ولقد بلغ من إعجاب الناس بشخصية عبدالله بن عمر إن طالبوه بان يكون خليفة عليهم خاصة وان الأمة قد أجمعت حبه وتقديره و الإعجاب بسيرته وسمته ولكن ورعه وخشيته من الله و حذره من الفتنة وإراقة دماء المسلمين منعه من قبول ذلك وعندما طلب منه ذلك قال لهم (( لو اجتمعت على الأمة إلا رجلين ما قاتلتهما ))([103])
وقال ذات مرة (( لا أقاتل في الفتنة واصلي وراء من غلب )) ([104])
بل انه كره دخول الناس في الفتنة و تعجب من تساهلهم في ذلك قال: إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبيناهم كذلك، إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينا وشمالا، فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى جلا الله ذلك عنا، فأبصرنا طريق الأول. فعرفناه، فأخذنا فيه.
إنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضا بنعلي هاتين الجرداوين ([105])
ومن صور خدمة الإسلام التي قدمها عبدالله بن عمر العلم الغزير الذي ورثه لنا وعلى راس ذلك كتاب الله تعالى فلقد كان عبدالله ابن عمر ممن حفظ القرآن الكريم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال الذهبي في معرفة القراء الكبار وقد جمع القرآن من الصحابة معاذ بن جبل وأبي زيد الأنصاري وسالم مولى أبى حذيفة وعبد الله بن عمر وعتبة بن عامر[106]..
ولقد أدرك ابن عمر فضل العلم والفقه في الدين فحرص على النبوغ فيه وذلك امتثالا لتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من يرد به خير يفقه في الدين ))[107]
ولقد اكتمل نور الوحي في قلب عبدالله بن عمر بجمع السنة إلى القرآن الكريم حفظا وعناية فقد كان من أكثر الصحابة رواية والمكثرين في ذلك، ويأتي في المرتبة الثانية في رواية السنة المطهرة بعد أبي هريرة رضي الله عنه فقد روى عبد الله بن عمر : ألفان وست مائه وثلاثون حديـــثا(2630) [108].
ولقد بلغ من مكانة عبدالله بن عمر في رواية السنة أن وصف البخاري روايته بقوله : اصح الأسانيد مطلقا : مالك ، عن نافع ، عن عبدالله بن عمر0ويسمى هذا الإسناد مسبك الذهب0([109])
ولقد كان لابن عمر مدرسته ومريديه الذين اخذوا عنه العلم ونشروه في الأمة وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله ، في إعلام الموقعين (( والدين والفقه والعلم انتشر في الأمة عن أصحاب ابن مسعود ، وأصحاب زيد بن ثابت ، وأصحاب عبد الله بن عمر ، وأصحاب ابن عباس ، فعلم الناس عامة عن أصحاب هؤلاء الأربعة[110] )) .
وابن عمر رضي الله عنه في سعيه للعلم والفقه في الدين يقتدي في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره ربه بالاستزادة من العلم إذ لم يأمر الله تعالى نبيه بالازدياد من شيء في هذه الحياة الدنيا إلا من العلم قال تعالى :â @è%ur Éb>§? ?ÏTô?Î? $VJù=Ïã ÇÊÊÍÈ á (طه 114)
بل أن الرسول الله r لم يجعل الحسد إلا في اثنتين فقد روى بعض الصحابة –كابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم - قول النبي r (( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق )) وفي حديث ابن عمر وآبى هريرة (( لا حسد إلا على اثنتين : رجل آتاه الله القران فقام به أناء الليل وأناء النهار[111]))
فلا شيء في هذه الحياة الدنيا يستحق التنافس فيه والغبطة عليه والتملي منه والترفع على الجنس والأقران به – في ميزان القرآن والسنة – إلا حكمة تذاع وتهدى في مسارب الحياة أو مال ينشر في الخير ويبنى به صروح الحق والسعادة دون منة على أحد أو إرهاق أو عنت للناس0[112]
ومع هذه المكانة العظيمة في العلم لأبن عمر فها نحن نجده يجلس يستمع إلى منهو دونه في العلم والمنزلة ويتأثر بحديثه ففي ( أخبار مكة ) للفاكهي أن ( ابن عمر t كان يجلس إلى عبيد الله بن عمير ، وعبيد الله يقص خلف المقام - في الحرم المكي الشريف - ، فرأيت عيني ابن عمر تذرفان دمعاً وهو يقول لله درك يا ابن قتادة[113]))0
هذه بعض بركات بيت عمر بن الخطاب تتجلى في صور جهاد وسعي ابنه عبدالله بن عمر
وقبل أن نختم سيرة هذا البيت المبارك كان لزاما علينا أن نتحدث عن شخصية عظيمة من إفراد البيت العمري كان لها التأثير العظيم في خدمة الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الشخصية عزيزي المستمع هي أم المؤمنين حفصة بنت أمير المؤمنين عمر الفاروق tكانت قبل زواجها من النبي e عند خنيس بن حذافة السهمي فلما توفي خطبها النبي e وكان عمر عرضها على أبي بكر وعثمان فلم يردا عليه بالقبول لأن رسول الله e كان قد ذكرها ولما شكى عمر ذلك إلى رسول الله e قال رسول الله e ((يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة ))[114]
ولقد اعتنى عمر بتربيها كسائر بنيه ذكورا وإناثا وبلغ من عبقريته التربوية أن حرص على تعليمها الكتابة والقراءة مع ندرة ذلك في الرجال فما بلك في صفوف الناس فلقد كانت إلى جانب عمتها فاطمة بنت الخطاب مم يجدن الكتابة والقراءة وهذه خاصية ومزية للبيت العمري0
قال ابن حجر رحمه الله في قال في الفتح ((إذا الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسوله أكد من الاعتناء بالإماء.
وكان هناك نساء من الصحابيات يجدن الكتابة كشفاء بنت عبد الله و حفصة أم المؤمنين وفاطمة بنت الخطاب روى عمر بن الخطاب أن أخته أم جميل (فاطمة ) بنت الخطاب أسلمت وإن عندها كتفاً اكتتبتها من القرآن تقرآها سراً))[115]
وقد ذكر الإمام أبو عبيدة القاسم بن السلام رحمه الله في أول كتابه في القراءات من نقل عنهم شيء من وجوه القراءة من الصحابة
فذكر حذيفة وسالماً وأبا هريرة وابن عمر وابن عباس وعمرو بن العاص وابنه عبد الله و معاوية وابن الزبير وعبد الله بن السائب وعائشة و حفصة وأم سلمة وهؤلاء كلهم من المهاجرين[116] .
قال الذهبي عن أم المؤمنين حفصة – مسندها في كتاب بقي بن مخلد ستون حديثاً اتفق لها الشيخان على أربعة أحاديث وانفرد مسلم بستة أحاديث[117]
تعلمت الكتابة على يد الشفاء بنت عبد الله العدوية والتي قال لهل رسول الله e ((علمي حفصة النملة – أي الرقية - كما علمتها الكتاب ))[118]
وقد بلغ من ثقة الصحابة فيها أن جمع المصحف وأودع في بيتها لما لها من علم و دراية بكتاب الله تعالى0
(( ولما أجمع الصحابة على أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان في جمع الناس على مصحف إمام يستنسخون منه مصاحفهم .." أرسل أمير المؤمنين عثمان إلى أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف "
تلك هي الوديعة الغالية !!.. التي أودعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عند ابنته حفصة أم المؤمنين.. فحفظتها بكل أمانة .. ورعتها بكل صون ...فحفظ لها الصحابة … والتابعون …. وتابعوهم من المؤمنين إلى يومنا هذا … وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. ذلك الذكر الجميل الذي تذكر فيه كلما تذاكر المسلمون جمع المصحف الشريف في مرحلتيه … في عهد الصديق أبي بكر … وعهد ذي النورين عثمان… وبعد مقتل عثمان…إلى آخر أيام علي….بقيت حفصة عاكفة على العبادة صوامة قوامة … إلى أن توفيت في أول عهد معاوية بن أبي سفيان …وشيعها أهل المدينة إلى مثواها الأخير في البقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.))([119])
عزيزي المستمع :
إلى أن نلقاك في لقائنا القادم نستودعك الله تعالى وأخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين0
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة التاسعة
بيوت في خدمة الإسلام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهدية ما تعاقب الليل والنهار0
أعزائي المستمعين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد ( بيوت في خدمة الإسلام )
وبيتنا اليوم الذي سنتحدث عنه من اجل بيوت الإسلام قاطبة بل هو يأتي في ذروتها وحيدا فهو جزء من بيت آل محمد صلى الله عليهم وسلم تسليم 0
إنه بيت الصحابي الجليل رابع الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t وعن آل بيته الأطهار والحديث عن هذا البيت العظيم بإيمانه والعظيم بأهله والعظيم بنسبه والكبير بأهله يحتاج إلى أسفار عديدة وأزمان مديدة ليستوفي الحديث حقه ولكن عذرنا في الإيجاز في الحديث أن نحيط المستمع بأطراف الخير ليمضي فيه متزودا من سيرة هذه الأسرة الخالدة في ذكرها و الخالدة في طيب نسلها فهي إلى يومنا هذا تقدم للأمة أعلام و قدوات في الخير والعمل الصالح 0
أعزائي المستمعين
إن أمير المؤمنين : على بن أبى طالب بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله r ويلتقي معه في جده الأول عبد المطلب بن هاشم، ووالده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي r0
أما كنيته: فهو أبو الحسن، نسبه إلى أبنه الأكبر الحسن وهو من ولد فاطمة بنت رسول الله r، ويكنى أيضًا بأبي تراب، كنية كناه بها النبي r وكان يفرح إذا نودي بها، وسبب ذلك أن الرسول r جاء بيت فاطمة رضي الله عنها فلم يجد عليًا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يَقل (أي ينام القيلولة ) عندي، فقال r لأنس: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله r وهو مضطجع وقد سقط رداءه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله r يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، ومن رواية البخاري: والله ما سماه إلا النبي ، ومن كُناه: أبو الحسن والحسين وأبو السبطين ([120]).
ولقبه: أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين. ولادته t قبل البعثة بخمس عشرة أو ست عشرة سنة.([121])
وكل منا يعرف شرف البيت الهاشمي ومكانته في قريش بل في العرب قاطبة وما يحمله هذا البيت من مكانة في الواقع العربي في ذلك الزمان وهذا بدوره ينعكس على أفراد البيت الهاشمي ومن هنا فإن سمو شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t يعود إلى عدة عوامل منها عظمة الإسلام في صناعة الإنسان و التربية النبوية التي خص بها على بن أبي طالب إذ تربى في بيت الرسول r قبل البعثة وبعدها كما إن من أسباب التميز في شخصية علي بن أبي طالب اثر الأسرة والنسب العظيم الذي ينتمي إليه فعن أبي هريرة t: عن رسول الله r قال ( تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)([122])
ويقول الدكتور الصلابي في فضل نسب علي بن أبي طالب([123]) (( لقد دل علم التشريح، وهو دراسة التركيب الجسدي، ولعم النفس، وعلم الأخلاق، وعلم الاجتماع، على تأثير الدم والسلالات في أخلاق الأجيال وصلاحياتها ومواهبها، وطاقاتها، إلى حد معين، في أكثر الأحوال، ومنها:
أولا: القيم والمثل التي مازال آباء هذه الأسرة وأجدادها يؤمنون بها أشد الإيمان ويحافظون عليها، أو يحاولون أن يحافظوا عليها أشد المحافظة، ويتنبلون لها ويمجدون، ويعتبرون من جار عليها من أبناء الأسرة، أو خالفها وحاد عنها شاردًا غريبًا، ويرون في ذلك غضاضة، وسقوط همة وقلة مروءة، وعقوقًا للآباء وإساءة إليهم لا تغتفر في قوانين هذه الأسرة العرقية المتوارثة.
ثانيا: حكايات الآباء وعظماء الأسرة في البطولة والفتوة والفروسية، والشهامة، والأنفة والإباء، والجود والسخاء، وحماية المظلومين والضعفاء، تتناقلها الأجيال وتتباهى بها، وذلك في سن مبكرة، ومن أيام الصبا إلى سن الشباب والكهولة، فتؤثر في تكوين عقليتها ومشاعرها، وتعيين المقاييس للعظة والرجولة، والبر بالآباء، وتبرير شهرة الأسرة والسلالة.( انتهى كلام الدكتور الصلابي )
والناظر إلى تاريخ بني هاشم وطيب ذكرهم في العرب وسعيهم إلى مكارم الأخلاق ونبذهم للظلم والجور وإحسانهم إلى الناس و خدمتهم للبيت الحرام (( وما امتاز به هؤلاء من مشاعر الإنسانية الكريمة، والاعتدال في كل شيء، ورجاحة العقل، وقوة الإيمان لما للبيت من مكانة عند الله، والبعد عن الظلم ومكابرة الحق، وعلو الهمة، والعطف على الضيف والمظلوم، والسخاء، والشجاعة، وما تشتمل عليه كلمة (الفروسية) عند العرب من معان كريمة وخلال حميدة، والسيرة التي تليق بأجداد الرسول الكريم r تتفق ويتفق مع ما كان يفضله ويدعو إليه من مكارم الأخلاق، غير أنهم عاشوا في زمن الفترة، وسايروا أبناء قومهم في عقائد الجاهلية، وعباداتها ([124]) ولم يصل بنو هاشم إلى هذه المكانة في مجتمعهم إلا بالتضحية والعطاء والبذل وخدمة الناس.))([125])
ولقد ولد علي بن أبي طالب في كنف أبوين هاشميين. فأم أمير المؤمنين على بن أبى طالب t: (( هي الصحابية الجليلة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية ،وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا )) ([126]) ، وقد كان لها فضل على رسول الله r ثناء يتمه وكفالة عمه أبو طالب بناء على وصية جده عبد المطلب له ، فكانت فاطمة بنت أسد له أمًا بعد أمه فقد أشفقت عليه و رعته بين أبنائها كأحدهم إذ عاش النبي في كنف عمه أبي طالب و زوجه قرابة عشرين عام ، ولما بعث النبي r سابقة إلى الإيمان به و الانضمام مع ابنها على t إلى الاستجابة لدعوة الإسلام وأصبحت من السابقات الأوليات التي حفظ لها الإسلام هذه الأسبقية كما كان لها فضل الهجرة إلى المدينة ، وكانت رضي الله عنها مثالاً للأم الحانية في معاملة فاطمة بنت الرسول رضي الله عنها، إذ كانت تقوم بمساعدتها برًا بها وبوالدها r حيث كانتا تعيشان تحت سقف واحد وكانت العلاقة بينهما علاقة أمومة ورحمة.كما أن صلتها بالنبي r قربة ونسبا أضافت إلى شخصيتها مكرمة حفظ الحديث وروايته، فقد روت عن النبي r مجموعة من الأحاديث، وقد كانت لها مكانة كبرى عند رسول الله r ، ويخصها بالهدية، فقد أورد ابن حجر بالإصابة أن عليًا t قال: أُهدى إلى رسول الله حلة إستبرق فقال: «اجعلها خُمُرًا بين الفواطم» ([127]). فشققتها أربعة أخمرة، خمارًا لفاطمة بنت رسول الله r وخمارًا لفاطمة بنت أسد رضي الله عنها أم علي، وخمارًا لفاطمة بنت حمزة رضي الله عنها ).
ولقد كان حظ السيدة فاطمة أم علي بن أبي طالب مباركًا في حياتها وعند وفاتها، وحظيت بالتكريم إذ توفيت في حياة الحبيب المصطفى r 0
وفي هذا البيت الهاشمي تربى علي بن أبي طالب ورغم فقر أبيه وقلة ماله فلقد نشاء علي على مكارم الأخلاق و الفروسية و تأثر بإقامته الطويلة في بيت الرسول اللهr0
وقد يتساءل المرء عن سبب تربية علي بن أبي طالبt في بيت رسول الله r فقد ذكر ابن هشام في السيرة ،(( أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله r للعباس عمه - وكان من أيسر بني هاشم يا عباس : إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه عياله، آخذ من بيته واحدًا وتأخذ واحدًا، فنكفيهما عنه،فقال العباس: نعم.. فانطلق حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله r عليًا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا t فضمه إليه، فلم يزل علي بن أبى طالب t مع رسول الله r حتى بعثه الله نبيًا، فاتبعه عليّ، فأقر به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه ([128]).
فكان هذا من أكبر نعم الله عز وجل على عليّ t ، إذ رباه وأدبه الذي أدبه الله، عز وجل، وحفظه وعصمه ورعاه، والذي كان خلقه القرآن، فانعكس هذا الخلق القرآني على عليّ t، وكفى بتربية النبي r تربية لعلي t ، فقد نشأ في بيت الإسلام وتعرف إلى أسراره في مرحلة مبكرة من حياته، وبهذا يكون أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أول الصبيان إسلامًا.([129])
وبهذه التربية الصالحة على يد رسول الله وسيدة نساء العالمين أم المؤمنين خديجة يشق علي عباب الحياة الصعبة بكل قوة وجسارة ويكون فيها بطلا من أبطال الإسلام وفرسانه العظام و يشهد له التاريخ بجهاده و دفاعه عن الإسلام والمسلمين وخدمته لهذا الدين منذ إسلامه حتى شهادته t0
أعزائي المستمعين : ولقد كان بيت أبي طالب خير معين للنبي قبل البعثة وبعدها فعندما أعلن رسول الله r الدعوة إلى الله وصدع بها وقف أبو طالب بجانب رسول الله r وصمم على مناصرته وعدم خذلانه، فاشتد ذلك على قريش غمًا وحسدًا ومكرًا، وإن المرء ليسمع عجبًا ويقف مذهولاً أمام مروءة أبى طالب مع رسول الله r فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن أخيه محمد r بل واستفاد من كونه زعيم بني هاشم أن ضم بني هاشم، وبني المطلب إليه في حلف واحد على الحياة والموت، دفاعًا لرسول الله r مسلمهم ومشركهم على السواء ([130])، وذلك في أكثر من موقف ومنها حصار قريش لبني هاشم في الشعب والذي امتدي لبضع سنوات0
ومات أبو طالب في النصف من شوال في السنة العاشرة من النبوة، وهو ابن بضع وثمانين سنة، ولم يسلم أبو طالب ([131])، وفي هذا العام ماتت في خديجة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتتابعت على رسول الله r المصائب، وسمي هذا العام بعام الحزن ([132]).
إن صور جهاد عليt كثيرة عديدة وجهده في الإسلام كبير هذا ما سوف نعرض منه نماذج في حلقاتنا القادمة فإلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم نستودع الله إيمانكم وصالح أعمالكم وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة العاشرة
بيوت في خدمة الإسلام
الحمد لله القائل في محكم التنزيل { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [الأحزاب/33]
والصلاة والسلام على رسول الهدى القائل لِعَلِىٍّ « أَنْتَ مِنِّى بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى ». ([133]) وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى سائر أتباعه بحق ما تتابع الليل والنهار0
أعزائي المستمعين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فما زال الحديث متبوعا عن بيت سيد بني هاشم علي بن أبي طالب t وأرضاه وعن بيته المبارك و دورهم في خدمة الإسلام و الذود عنه و إبلاغه إلى العالمين و حديثنا اليوم عن دوره t في نصرة رسول الله r في ساعة الهجرة العظيمة وفدائه له بنفسه فبعد أن علمت قريش ببيعة العقبة الثانية وعزم الرسول r الهجرة إلى المدينة وبيعة الأنصار له بالدفاع عنه وعن الإسلام والمسلمين غاض قريش ذلك وصعب عليهم وعلمت حينها بخطورة موقفها فاجتمعت قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي r والتخلص منه وحينها أعلم الله نبيه r بذلك، وكان النبي r أحكم خلق الله، فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر على بن أبى طالب t أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله r والأعداء قد أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت هو يعلم أن الأعداء لا يفرقون بينه وبين الرسول الله r في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال ([134])،وقد جاء في رواية: أن رسول الله r قال له: نم في فراشي، وتَسَجَّ ببردي هذا الخضري، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم ([135]). وقال ابن حجر: فرقد عليُّ على فراش رسول الله يوارى عنه، وباتت قريش تختلف، وتأتمر، أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، حتى أصبحوا فإذا هم بعلي، فسألوه، فقال: لا علم لي، فعلموا أنه قد فر ([136])، وعن ابن عباس: إن عليًا قد باع نفسه تلك الليلة حين لبس ثوب النبي، ثم نام مكانه ([137])، ولنا مع هذا الموقف الفدائي لعلي t وقفات :
الوقفة الأولى: حرص الرسول r بالأخذ بالأسباب والتخطيط المحكم للهجرة وخداع قريش بمكوث علي في فراشه حتى يتسنى له ولصاحبه أبي بكر الخروج بسلام من مكة إلى مأمنهم بغار ثور0
الوقفة الثانية : شجاعة علي t وموافقته فداء الرسول بنفسه والتضحية بها في سبيل نجاح الدعوة وسلامة رسول الله r من أن يصيبه أذى من قريش0 (( وتعتبر تضحية علي غالية، إذ كان من المحتمل أن تهوى سيوف فتيان قريش على رأسه t ، ولكن عليًا لم يبال بذلك، فحسبه أن يسلم رسول الله نبي الأمة، وقائد الدعوة )) ([138]).
الوقفة الثالثة : خلق المصطفى عليه الصلاة والسلام وأمانته فهو بحق الرجل الأمين كما كان يسمى قبل البعثة وبعدها حيث لم تكن قريش تستأمن أحدا على أموالها وودائعها غيره ، وقد وفى لهم ولم ينسه هم الهجرة ومخاطرها و ظلم قريش له ولأصحابه وسلبهم لأموالهم ودورهم بعد هجرتهم ومع هذا يعيد رسول الله إليهم ودائعهم ويكلف عليا t بهذه المهمة بعده0
وقد أمر النبي r عليا بأن يقيم بمكة أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل، وأداء الأمانة ([139])،
يقول الشيخ البوطي في هذا الموقف : ((وإن في إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله r مع محاربتهم له، وتصميمهم على قتله، دليل باهر على تناقضهم العجيب الذي كانوا واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه، ويزعمون أنه ساحر، أو مجنون، أو كذاب، لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من هو خير منه أمانة وصدقًا، فكانوا لا يضعون حوائجهم، ولا أموالهم التي يخافون عليها إلا عنده، وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه، وإنما بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق، الذي جاء به، وخوفًا على زعامتهم وطغيانهم )) ([140])، وصدق الله العظيم: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33].
الوقفة الرابعة : شجاعة علي بعدما اكتشف فتيانُ قريش خدعتهم ونجاة رسول الله من القتل و مخادعة علي لهم فقد قسوا على علي وانتهروه وضربوه، وأخذوه إلى المسجد فحبسوه هناك ساعة، ثم تركوه ([141]) ليدلهم على وجهة الرسول وصاحبه ولكنه وقف أمامهم بصلابة ورباطة جأش قائلا: لا أدري، أو رقيبًا كنت عليه؟ أمرتموه بالخروج فخرج. وضاق القوم بتلك الإجابة الجريئة وغاظهم خروج رسول الله من بين أظهرهم، وقد عموا عنه فلم يروه0 ([142])
وبقي عليُ في مكة يجوب أحيائها باحثًا عن أصحاب الودائع التي خلفه رسول اللهr من اجل ردها إلى أصحابها، وظل يرد هذه الأمانات حتى برئت منها ذمة رسول الله r وهناك تأهب للخروج ليلحق برسول الله r بعد ثلاث ليال قضاهن في مكة ([143]).
وليتك عزيزي المستمع : تتصور معي المسافة بين مكة والمدينة بجبالها وحرّاتها وقسوة بيئتها يقطعها علي شابا لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره وحيدا ولكنها قوة الإرادة وصلابة الموقف وحبا لله ورسوله يمضي علي ُ في هجرته، يكمن بالنهار فإذا جن عليه الليل سار حتى قدم المدينة، وقد تفطرت قدماه ([144])، وهكذا يكون على t ، قد لاقى في هجرته من الشدة ما لاقى، فلم تكن له راحلة يمتطيها، ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس وفي مشي الليل ما فيه من الظلمة المفجعة والوحدة المفزعة، ولو أضفنا إلى ذلك أنه t قد قطع الطريق على قدميه دون أن يكون معه رفيق يؤنسه0 ([145])
وعندما يصل علي إلى المدينة ويلحق بركب رسول الله r تتجلى شخصية علي كبطل من إبطال الإسلام ورجاله الكبرى و يعرف له الصحابة مكانته في الإسلام وقربه من الرسول ومحبة الرسول له ولكن شجاعة علي وبسالته تتجلى في أعظم المواقف قاطبة يوم بدر في معركة الإسلام الأولى والأعظم على مر التاريخ إذ فيها وقف علي كفارس عظيم ندا لفرسان قريش ولم يمنعه صغر سنة وحداثة تجربتها في المعركة من أن يكون احد فرسانها وتكون له ولأعمامه الظفر على خصومهم0
ومضى علي وسيفه ينتقلان من نصر إلى نصر يدافع عن الإسلام ويبلغه و يهوي به على جماجم الكفر وطواغيت الجاهلية من مشركي قريش ويهود الجزيرة ومرتديها ويحفظ له الإسلام والمسلمين صفحات خالدة تسطر بمداد من نور هذا ما كان في ساحة الجهاد0
ومن المعلوم بأن ميادين كفاحه وحياته t عديدة فلقد كان مستشارا أمينا للرسولr ويستعمله في جميع أعماله ثم للخلفاء الراشدين فلم يكونوا رضوان الله عليهم يقضون أمرا دون حضوره ومشورته ومواقفه في القضاء معلومة ومشهورة 0
ولما اشتد المرض بالنبي r كان عليّ ممن لازم فراشه r حتى وفاته ثم باشر غسله مع الفضل بن العباس وأسامة بن زيد. وقال عليّ t: بأبي أنت وأمي ، طبت حيًا وطبت ميتًا, وكان عليّ t ممن نزل في قبر رسول الله r وباشروا دفنه.([146])
وبعد وفاة النبيr تولى الخلافة أبو بكر الصديق t ببيعة باختيار من جميع الصحابة وحينها كان عليّ t من المبايعين وفي معية الصديق ومستشاريه ولم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات، وكان يشاركه في المشورة، وفي تدبير أمور المسلمين، وسانده في حروبه ضد المرتدين. فعن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: لما برز أبو بكر واستوي على راحلته، أخذ عليّ بن أبي طالب t بزمامها، وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله، لم إليك سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا0 ([147]) فاخذ الصديق بنصيحته ورجع إلى المدينة.
وفي خلافة الفارق كان عليّ t من السابقين إلى بيعته وكان عضوًا بارزًا في مجلس شورى عند عمر، بل كان هو المستشار الأول، فقد كان عمر t يعرف لعليّ فضله وفقهه وحكمته، وكان عمر يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن.([148]) وعندما احتاج عمرt أن يضع تاريخًا رسميًا ثابتًا لتنظيم أمور الدولة وضبطها، جمع الناس وسألهم: من أي يوم نكتب التاريخ؟ فقال علي من يوم هاجر رسول الله r وترك أرض الشرك، ففعله عمر.([149])
وقد كان عمر t يراه من أفضل من يقود الناس، فقد ورد عنه أنه كان يناجي رجلاً من الأنصار، فقال: من تحدثون أنه يستخلف من بعدي؟ فعد الأنصاري المهاجرين ولم يذكر عليًا، فقال عمر: فأين أنتم من عليّ؟ فوالله لو استخلفتموه، لأقامكم على الحق وإن كرهتموه. وقال لابنه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- بعد أن طعن: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق.([150])
ولما توفي عمرt وبيع عثمان بن عفانt بالخلافة كان علي من أوائل المبايعين لعثمان والراضي بخلافته وكان t حريصا على وحدة الصف الإسلامي ويكره الفتن ويحذر منها ولقد نصر على بن أبي طالب عثمان t ودفاعه عنه، وهذا متواتر عن علي t ، بل كان أكثر الناس دفاعًا عن عثمان، t ، جاء ذلك بأسانيد كثيرة، وشهد بذلك مروان بن الحكم حيث قال: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم يعني عليًا عن عثمان([151]).
ولما وقعت الفتنة في أواخر خلافة عثمان وقتل الخارجين فيها عثمان بن عفانt ظلما وعدوان وبغيا ساء ذلك علي بن أبي طالب t واعتزل الناس في بيته حتى جاءه الصحابة يطلبون البيعة له بالخلافة، وإجماع الصحابة من المهاجرين والأنصار والناس عامة في المدينة على بيعته، ويدخل في هؤلاء أهل الحل والعقد، وهم الذين قصدوا عليًا وطلبوا منه أن يوافق على البيعة، وألحوا عليه حتى قبلها صونا لجماعة المسلمين و حفظا للوحدة الإسلامية ورغبة في قطع الفتنة والقضاء عليها، ومن المعلوم (( بأن أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، هو على بن أبي طالب t ، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، وهذا ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة0))([152])
أعزائي المستمعين:
وقبل أن نودعكم نؤكد لكم بان للحديث بقية فإلى اللقاء القادم نستودعكم الله تعالى0
[1] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305
[2] - التحرير والتنوير - (ج 3 / ص 445)
[3] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1235)
[4] - تفسير الطبري - (ج 6 / ص 326)
[5] - تفسير الطبري - (ج 6 / ص 328
[6] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1232) الحديث رقم3189
[7] - ابن كثير – تفسير القرآن ،مرجع سابق ، - ج 3ص110
[8] - التحرير والتنوير - (ج 1 / ص 489)
[9] - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 90)
[10] - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 128)
[11] - ظلال القرآن - (ج 1 / ص 362)
[12] - قصص الأنبياء ، محمد احمد جاد المولى وآخرون ، ص210
[13] تفسير الألوسي - (ج 3 / ص 14)
[14] - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 129)
[15] - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 489)
[16] - أبو الحسن الندوي ، أريد أن أتحدث إلى الإخوان - (ج 1 / ص 8)
[17] - حلية الأولياء - (ج 1 / ص 14)
[18] - ابن الأثير ، جامع الأصول من أحاديث الرسول - (ج 1 / ص 6489) ودلائل النبوة للبيهقي - (ج 2 / ص 34)
[19] - الكامل لابن الأثير (2/51)؛ تاريخ الطبري (4/165).
[20]- تاريخ الطبري (4/165).
[21] - الحاكم ، المستدرك - (ج 1 / ص 131)
[22] - الصلابي ، أبوب كر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره - (ج 3 / ص 5)
[23] - الكامل لابن الأثير (2/52)
[24] البداية والنهاية (6/350).
[25] - الحاكم، - (ج 1 / ص 90)
[26] - تاريخ الدعوة إلى الإسلام، ص348.
[27] - الروض الأنف - (ج 1 / ص 429)
[28] - الإستيعاب في معرفة الأصحاب - (ج 1 / ص 295)
[29] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1337) و صحيح مسلم - (ج 7 / ص 108)
[30] - الحاكم ، المستدرك على الصحيحين للحاكم - (ج 10 / ص 34)
[31] السيرة النبوية لابن كثير - (ج 2 / ص 239)
[32] - صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1417)
[33] الصلابي ،أبو بكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره - (ج 3 / ص 46)
[34] - البيهقي ،السنن الكبرى - (ج 9 / ص 98)
[35]- حلية الأولياء - (ج 1 / ص 56)
[36] - والحديث أخرجه أحمد 6 / 350
[37] - حلية الأولياء - (ج 1 / ص 226)
[38] - السيرة النبوية لابن كثير - (ج 2 / ص 236
[39] - الحاكم، ، حلية الأولياء (2 /55 )
[40] - الحاكم ، المستدرك - (ج 3 / ص 540)
[41] - الحاكم، المستدرك - (ج 3 / ص 540)
[42] - لحاكم ، المستدرك - (ج 3 / ص 540)
[43] - ابن كثير ، البداية والنهاية - (ج 8 / ص 89)
[44] - البخاري ،صحيح البخاري - (ج 5 / ص 2240)
[45] - مسلم صحيح مسلم - (ج 6 / ص 131)
[46] - الحاكم ، جامع الأحاديث - (ج 25 / ص 183)
[47] - الحاكم ، المستدرك - (ج 4 / ص 468)
[48] - ابن الجوزي ، صفة الصفوة - (ج 1 / ص 251)
[49] - السيوطي ،جامع الأحاديث - (ج 25 / ص 185)
[50] - البخاري صحيح البخاري ج 3 / ص 1339
[51] - البخاري صحيح البخاري ج 3 / ص 1252
1 - البخاري صحيح البخاري ج 4 ص1895
2 - البخاري صحيح البخاري ح 1 ص54
3 - البخاري ـ صحيح البخاري ج 3ص301
1 - الذهبي سير أعلام النبلاء ح 2 ص140
2 - البخاري صحيح البخاري ح 1 ص407 حديثا فضل إتباع الجنائز
4 - الإمام أحمد المسند ج 6 ص87
5 - الذهبي سير إعلام النبلاء ج 2 ص135
6 - ابن مجر : فتح الباري ح 7 ص17
7 - الترمذي جامع الترمذي حديث رقم 3982
1 - الذهبي ـ سير أعلام النبلاء ج 2ص184
2 - المزي ـ تهذيب الكمال ج 35 ص209
3 - ابن حجر ـ مسند المؤمنين عائشة ـ مكتبة السنة القاهرة ـ ط الأولى 1416 هـ ـ ص335 ـ 374 تحقيق ـ أبو المطيع عطاء الله السندي
[65] - مسند أحمد - (ج 54 / ص 442)
[66] - ابن الجوزي ، مناقب عمر ص11 .
[67] - الترمذي (3682) المناقب وصححه الألباني صحيح الترمذي 2907 .
[68] - انظر ، البكري ، عبد الرحمن ، عمر بن الخطاب - (ج 1 / ص 21) و الرياض النضرة في مناقب العشرة - (ج 1 / ص 135)
[69] - صحيح التوثيق في سيرة وحياة الفاروق عمر بن الخطاب ص15 .
[70] - مصنف بن أبي شيبة (12/32) إسناده صحيح.
[71] - الطبراني ، المعجم الكبير (9/179،180) وإسناده صحيح.
[72] - الطبراني ، المعجم الكبير (9/178) إسناده ضعيف فيه انقطاع.
[73] - تاريخ المدينة (3/345) فيه انقطاع، الحلية (1/54).
[74] - ابن الجوزي، مناقب أمير المؤمنين ص251 ، محض الصواب (3/909).
[75] ابن سعد ، الطبقات (3/372).
[76] - الإدارة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب ص393 .
[77] - طنطاوي ، أخبار عمر ص5
[78] - محمد رشيد رضا ، الفاروق عمر بن الخطاب، ص54،55 .
[79] - محمد رشيد رضا ، الفاروق عمر بن الخطاب، ص54،55 .
[80] - جولة في عصر الخلفاء الراشدين ص297 .
[81] - الصلابي ، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - (ج 2 / ص 83)
[82] - البداية والنهاية (7/144).
[83] - الشيخان أبو بكر وعمر برواية البلاذري تحقيق الدكتور إحسان صدقي ص227 .
[84] - قاسم عاشور ، فرائد الكلام للخلفاء الكرام، ص112 .
[85] - البيهقي ، السنن الكبرى للبيهقي. ط المعارف بالهند - (7 / 63)
[86] - مسلم ، كتاب الآداب
[87] - ابن سعد، الطبقات (4/176)
[88] متو، محي الدين ، عبد الله بن عمر ،ص 17
[89] - الذهبي،زي ، صفوة الصفوة ، (1/567)
[90] - الذهبي ، سير أعلام النبلاء ( 3/140)
[91] - أبو نعيم ، حلية الأولياء ، (2/7)
[92] - الحاكم ، المستدرك على الصحيحين - (ج 4 / ص 72)
[93] - أحمد، مسند - (ج 13 / ص 337)
[94] - البخاري ، جامع الأحاديث - (ج 36 / ص 413)
[95] - البخاري ، صحيح البخاري - (ج 4 / ص 1534)
[96] - ابن حبان ، صحيح ابن حبان - (ج 1 / ص 476)
[97] - صحيح البخاري - (ج 1 / ص 378)
[98] - ابن سعد، الطبقات - (ج 4 / ص 172)
[99] - ابن سعد، الطبقات، ( 4/1450)
[100] - ابن الأثير ، الكامل في التاريخ - (ج 1 / ص 375)
[101] - متو، محي الدين ، عبد الله بن عمر ،ص65
[102] - ابن عبد البر ، الإستيعاب في معرفة الأصحاب - (ج 1 / ص 165)
[103] - الذهبي، ، حلية الأولياء ، (1/310)
[104] - الذهبي ، سير أعلام النبلاء - (ج 3 / ص 161)
[105] - الذهبي، سير أعلام النبلاء - (ج 3 / ص 237)
[106] - الذهبي معرفة القراء الكبار ح1 ص43
[107] - ابن عبد البر – جامع بيان العلم ج1ص25
[108] - انظر – ابن كثير – الباحث الحثيث ص70 ، ابن الجوزي – تلقيح فهوم أهل الأثر ص363 ابن حزم الأندلسي – جوامع السيرة ص275 – أبو زهرة – محمد أبو زهرة – الحديث والمحدثون ص 130 – 146 .
[109] - النووي ، تهذيب الأسماء واللغات (1/280)
[110] - ابن القيم إعلام الموقعين ح1 ص 20
[111] - البخاري صحيح البخاري ج1ص165 الفتح – ومسلم ج1ص558 النووي – والحسد المحمود أن تتمنى أن يكون لك مثل ذلك مع عدم زوال النعمة عن صاحبها0
[112] - حمادة – د فاروق : أسس العلم وضوابطه ص10
[113] - الفاكهي – أخيار مكة ح2 ص338
[116] - القرطبي : كتاب التبصرة في القراءات السبعة ص92-93
[117] - الذهبي ـ سير النبلاء ج 2 ص227
[118] - ابن عبد البر ـ الاستيعاب ج 4 ص1869
[119] - برهان ، محمد ، نساء حول الرسول - (ج 1 / ص 22)
[120] - البخاري، صحيح البخاري رقم الحديث (3500، 5851 )
[121] 0 البخاري:كبير للطبراني (1/54) رقم 163بسند مرسل.
[122] - البخاري : رقم الحديث(3304)
[123] - الصلابي : سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – ص 29
[124] - الألوسي، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب (1/243).
[125] - الصلابي : سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – ص 29
[126] - السيرة النبوية لابن هشام (1/350، 351). نسب قريش: ص(40) فضائل الصحابة (2/ 685)
[127] - السيرة لابن هشام (1/45، 46)
[128] - ابن هشام السيرة النبوية (1/246).
[129] - الصلابي ، سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - (ج 1 / ص 43)
[130] - فقه السيرة النبوية للغضبان ص(184).
[131] مجمع الزوائد (8/356) رجال السند رجال الصحيح
[132] - الإصابة (8/27) رقم 1153.
[133] - مسلم، صحيح مسلم 7 / 119
[134] - القهشام، الحكمة في الدعوة إلى الله : ص(235).
[135]- ابن هشام ، السيرة (2/91)، 0
[136] - ابن حجر، فتح الباري (7/237).
[137] - السباعي، السيرة النبوية (1168 )
[138] - السباعي ، السيرة النبوية: ص(345).
[139] -الطبري، الكبرى (3/22)، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص(166).
[140] - البوطي ، فقه السيرة : ص 153 .
[141] -الطبري ، تاريخ الطبري ،2/374 .
[142] - المصدر السابق، 2/374
[143] - الطبري، تاريخ الطبري (2/382)، ابن كثير، البداية والنهاية (7/335)0
[144] - ابن كثير، البداية والنهاية (7/335)0
[145] - الصلابي ، سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب71
[146] - ابن هشام ،السيرة النبوية (2/662)
[147] - السيوطي ، جامع الأحاديث ، (25/25 )
[148] - البخاري، جامع الأحاديث ، رقم( 30828 )
[149] - البخاري ، التاريخ الكبير (1/9).
[150] - زوائد مسند الحارث، تحقيق حسين أحمد (3/741) صحيح الإسناد
[151] - الذهبي ، عهد الخلفاء الراشدين، ص (460)
[152] - الصلابي ، سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - (ج 1 / ص 278)








