قائمة الروابط

القاعدة الكبرى الثانية: اليقين لا يزول بالشك

 

هذه القاعدة الثانية من القواعد الكبرى، واتفق العلماء على اعتبار هذه القاعدة التي عمت فروعها جميع مسائل الفقه، حتى قال السيوطي رحمه الله: «إن المسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو أكثر»،

 

شرح ألفاظ  القاعدة:

معنى اليقين: لغة: العلم الذي لاشك معه، وقالوا: يقال للعلم الحاصل عن نظر واستدلال يقيناً، قال تعالى: } وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا{ أي علمت علماً يقينياً أنها آيات من عند الله تعالى.

اصطلاحاً [عند المناطقة والأصوليين]: عرفه عدد من العلماء بأنه:«اعتقاد الشيء الجازم المطابق للواقع، غير ممكن الزوال».

وبنحوه قيل:  اعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لايكون إلا كذا، مطابقاً للواقع غير ممكن الزوال([1]).

محترزات التعريف:

قوله: «اعتقاد الشيء»: خرج به الشك لأن الشك لااعتقاد فيه، لاستواء طرفيه.

قوله: «الجازم» خرج به الظن.

قوله: «المطابق» خرج به الجهل المركب، والذي هو اعتقاد جازم غير مطابق للواقع.

قوله: «غير ممكن الزوال» خرج به علم المقلد؛ لأن المقلد يغير اعتقاده بتغيير من قلده.

والفقهاء أدخلوا في معنى اليقين في هذه القاعدة الظنَّ الغالب فاعتبروه يقيناً وأجبوا العمل به، لذا قال النووي رحمه الله : « واعلم أنهم يطلقون العلم واليقين ويريدون بهما الظن الظاهر لا حقيقة العلم واليقين، فان اليقين هو الاعتقاد الجازم وليس ذلك بشرط»

تعريف الشك:

الشك نقيض اليقين، إذا لايجتمع في أمر واحد شك ويقين، ومعناه في اللغة، الضم و التداخل، لذا يقال: شككته بالدبوس أي: أدخلته في جسمه، ومنه قول عنترة:

                        فشككت بالرمح الأصم ثيابه                ليس الكريم على القنا بمحرم

وشك عليه الأمر، إذا التبس عليه،:قال تعالى: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك)، وهو معنى التداخل حيث دخل هذا في هذا، فلم يتضح الأمر.

 

اصطلاحاً:  قيل «مااستوى طرفاه»، وقيل: «تجويز شيئين لامزية لأحدهما على الآخر»، وقيل: «هو الوقوف بين الشيئين لايميل القلب إلى أحدهما».

وهذه التعاريف عند الأصوليين وأما عند الفقهاء فهو: «مطلق التردد»، أي سواء كان الطرفان متساويين عند الشاك أو أحدهما راجحاً.

أقسام الشك:

يقسم بعضهم الشك على عدة اعتبارات نذكر منها:

أ‌-    أقسام الشك باعتبار موضوعه([2]) وينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1-   الشك الطاريء على ما أصله حرام، مثاله شك في حل ذبيحة حيث إنه في بلد فيه مسلمون ووثنيون([3])، أو رمى صيداً فوقع في الماء ووجده ميتاً، فشك هل مات بسبب رميته أم بغرقه، فيحرم؛ لأنه شك طرأ على أصل حرام، وهو أن الأصل في الذبائح الحرمة فتحرم([4])، وكذلك لو خالط كلبُه كلاباً أخرى ولم يدر أصاده كلبه أو غيره لم يأكله لأنه لم يتيقن شروط الحل في غير كلبه كما قال النبي r: ( إنك إنما سميت على كلبك ولم تسم علي غيره) رواه البخاري ومسلم([5]).

2-   الشك الطاريء على ما أصله مباح، كما لو وجد ماء متغيراً، فشك هل تغيره بنجاسة أو بمكث، أم بشيء طاهر، فنقول الأصل في المياه الطهارة([6]).

3-    الشك الطاريء على ما لايعرف أصله، كمعاملة من أكثر ماله حرام، ، وشك هل ما أخذه من ماله من الحلال أم من الحرام، فلا تحرم معاملته، لعدم اليقين([7]).

ب‌-       أقسام الشك باعتبار وقته: ينقسم إلى قسمين

1-   الشك في أثناء العبادة، فإذا شك هل أتى في الصلاة بركن كذا أو لم يأت به، فالأصل أنه لم يأت به، ولذا قالوا من شك في ترك ركن فكتركه، ولذا جاء النص على هذا في الحديث الصحيح: من قوله r: (  إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ)

2-   الشك بعد الفراغ من العبادة: وهذا لايلتفت إليه، لأن سببه في الغالب الوساوس الشيطانية، وإلا لما تأخر هذا إلى الانتهاء من العبادة،  وأيضاً فإن العبادة قد انقضت بيقين، حيث لم يحصل الشك إلا بعدها، فلا يزول هذا اليقين بهذا الشك الطاريء، ولذا وضعوا قاعدة نصوا بها على هذا فقالوا: «لا اثر للشك بعد الفراغ من العبادة»


أركان القاعدة:

ذكر بعضهم أن لهذه القاعدة ركنان، هما: اليقين السابق والشك اللاحق، فلابد أن يكون لدى المكلف يقين مستقر، ثم يطرأ عليه بعده شك، عندها نقول تحققت القاعدة، فيكون الحكم: «اليقين لايزول بالشك».

المعنى الإجمالي للقاعدة:

أنه إذا ثبت أمر من الأمور إما بدليل، أو أمارة قوية، أو أي طريق من طرق الإثبات، فإنه لايرفع هذا الثابت ما يطرأ عليه من شك، وليس من شرط القاعدة، أن يكون الطاريء في قوة الثابت، بمعنى أن الثابت لو كان يقيناً، ثم طرأ عليه ظن غالب فإنه يزيله، لذا جوز أكثر العلماء نسخ السنة للقرآن.

أدلة القاعدة: 

1- قوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لايغني من الحق شيئا) قال المفسرون: يعني أن الشك لا يغني عن اليقين شيئاً ولا يقوم مقامه([8]).

2- في الحديث الذي رواه الشيخان، أنه (شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ r  الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ: لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا)

3- قوله r: (إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ).

فروع القاعدة:

نذكر تحت فروع القاعدة القواعد المندرجة تحتها وهي كثيرة اخترنا بعضاً منها، وذكرنا فروعه.