قائمة الروابط

الشراكة المجتمعية وتوفير شروط التربية الإبداعية والتمويل اللازم لها

هناك التزام بتوفير نمط  "التعليم للتميز والتميز للجميع"، وهذا النوع من التعليم هو نمط من أنماط التربية، وعلى درجة كبيرة من الأهمية، ويدور حول التربية الإبداعية، وشروطها، وأهمية الشراكة المجتمعية والتزامها بتوفير شروط هذه التربية الإبداعية. ورعاية المتفوقين والموهوبين.

وعلى أرض المدرسة تواجه الدول النامية تحديات عصرية، فهناك الزيادة المطردة فى كلفة التعليم، مع زيادة رغبة الشعوب بهذه الدول النامية للتسليح بالعلم لمواجهة تحديات القرن الحادى والعشرين، والذى يُطلق عليه قرن التكنولوجيا المتطورة سواءً أكانت فى مجالات الاتصالات أو المعلومات أو المعارف أو غيرها.

ولقد أصبح التعليم دالة فى مدى تقدم الأمم وأزدهارها، وبما تملكه من تكنولوجيا وعقول وسواعد مستعدة لتطويع هذه التكنولوجيا . وحتماً سيصبح العالم قرية صغيرة حين تزال حواجز المعرفة، وستقاس مكانة الشعوب بما تملكه من خبرات وبما تطوره من تكنولوجيا.

هذا والعصر الحالى لا يعترف سوى بالتفوق، ومن هنا يصبح نظام رعاية الطلاب الفائقين بطريقة جادة ضرورة عصرية، هؤلاء الطلاب الذين يحققون تفوقاً علمياً أو يتميزون بمواهب ملحوظة، أو قدرات إبداعية متميزة.

ومن ثم أصبح ضرورياً الاهتمام بتعليم المتفوقين وتوفير برامج دراسية مبتكرة تناسب هؤلاء الفائقين، ويمكن للجامعات إعداد بعض التخصصات الدقيقة فى صورة برنامج دراسى متكامل للطلاب المتفوقين، وعلى الطالب الاختيار بين هذه البرامج، وأن يسجل نفسه ضمن برنامج معين.

وعادة ما يعين مشرف أكاديمى للطالب يقوم بتوجيهه ومعاونته فى الاختيار، حيث يحدد الطالب مع المشرف الأكاديمى برنامجاً خاصاً يتم اختياره من مقررات المتفوقين، وعلى الطالب اجتياز جميع امتحانات هذا البرنامج بدرجة نجاح عالية للاستمرار فى هذا البرنامج الدراسى الخاص.

ويجب أن تتيح الجامعات معاملها ومراكزها التعليمية لاستخدام الطلاب المسجلين بهذه البرامج الدراسية الخاصة بمفردهم بدون تدخل باقى الطلاب معهم أثناء إجراء تجاربهم وأبحاثهم.

ويجب أن يختار الطالب أحد الأساتذة من داخل أو خارج أساتذة الإشراف الأكاديمى للعمل معه، بمعمله وقضاء ما يرغب من وقت معه لإجراء التجارب الخاصة ببرنامجه، أو معاونة الأستاذ فى إجراء ومتابعة أبحاثه، ويعطى هذا الأمر الطالب ثقة علمية، علاوة على اكتسابه الخبرات المباشرة من احتكاكه المباشر بالأساتذة.

وهناك العديد من الخدمات الجامعية التى يمكن أن تقدم للطلاب الفائقين فى مجال الإسكان عن طريق تمتع المتفوقين بمبنى بمفردهم، وقيام الطلاب المتفوقين بتقديم مساعدات علمية لزملائهم للتدريب المهنى، إلى جانب وجود مواسم ثقافية ومحاضرات إضافية لجذب اهتمام هؤلاء الطلاب، أيضا يمكن تقديم مقررات ترويحية لهؤلاء الطلاب، إلى جانب تمويل بعض أبحاث هؤلاء الطلاب الفائقين، وكذلك المنح اللازمة للإعاشة.

ويجب تقديم مجموعة من الأنشطة العلمية والثقافية والفنية والاجتماعية التى تمكن الطلاب الفائقين من تنمية مجالات تفوقهم وقدراتهم الإبداعية ومواهبهم، وهى أنشطة تضيف إلى التفوق العلمى الأساسى الموهبة.

ومن الملاحظ أن لوائح الجامعات المصرية تحدد سمات الطالب المتفوق فى دائرة حصوله على تقدير "جيد جداً" أو "ممتاز" ، ومن ثم يوضع هذا الطالب ضمن القلة التى تتربع على قمة الهرم فى تخصص أكاديمى ما فى عام جامعى ما، ويترتب على هذا التفوق العلمى حقوق تضمنها اللوائح والأنظمة الجامعية، وهى حقوق ترتبط فقط بالتقدير العام فى التخرج، ولا يتوقف حصول الطالب على هذا التقدير العام على أية أنشطة يشارك الطالب فيها، فى حين أن برنامج رعاية الطلاب الفائقين فى جامعات الدول المتقدمة يوسع دائرة التفوق العلمى حتى تخاطب هؤلاء الطلاب الفائقين الواعدين وهذا يعنى تحقيق هؤلاء الطلاب لمجموعة من المهارات المختلفة بجانب التفوق العلمى.

ومن ثم فهناك ضرورة ماسة إلى برامج تشاركية من كافة تنظيمات مجتمع الأمة فى مصر تسعى إلى تنمية القدرات لدى الطلاب الموهوبين، إلى جانب إتاحة فرص أفضل وأوسع لتكوين الشخصية المتكاملة للطالب وتوسيع مداركه وتنمية روح المبادرة لديه وتطوير مهاراته القيادية ومواهبه وذلك عن طريق توفير قدر إضافى من المعرفة والخبرة والتجربة والمران على البحث والقدرة على التكيف وتنمية إبداعه.

ويجب أن تسعى الشراكة المجتمعية إلى العمل على إكساب الطالب المتفوق أو الموهوب أو المبدع خبرات وتجارب إضافية تزيد على تلك التى تتوافر من خلال المناهج العادية مع التركيز على الأنشطة التى تتناسب مع استعدادات الطالب واهتماماته وطموحاته التى تدعم من قدراته وتشجعه على التعليم المستمر من خلال وسائل التعلم الذاتى وتوفر له المجال لتنمية موهبته وتحقيق إبداعه، وكذلك تنمية مهارات الاتصال لدى الطالب، وإعداده للوظائف القيادية، إلى جانب تنمية القدرة على التعبير عن ذاته ومدى ارتباطه بالبيئة والمجتمع على نحو يحقق لدى الطالب المتفوق أو المبدع تفهماً لأبعاد العلاقة التفاعلية بين الفرد ومجتمعه، ويتيح له فرصاً أفضل لتحقيق ذاته، والتعرف على القضايا التى تهم وطنه.

وتعيش المجتمعات اليوم عصر التقدم العلمى والتكنولوجى، وعليها لكى تواجه تحديات هذا العصر أن تهتم بتنمية شخصيات أفرادها تنمية شاملة لإعدادهم إعداداً يمكنهم من التفاعل الجاد الفعال مع متغيرات هذا العصر. ويتطلب هذا الإعداد ضرورة الاهتمام بالتربية الإبداعية لدى الطلاب بمدارس التعليم العام، فليس هناك إبداع بغير مبدعين أى بغير بشر يقومون بعملية الناتج الإبداعي.

وإذا كان العالم قد تحول إلى قرية صغيرة دائمة التغير، فإن على التربية أن تكون متجددة إلى أقصى درجة ممكنة فى أهدافها، ومناهجها، ومعلميها، حتى لا تنعزل عن مجريات الأحداث، وأن تحاول – من خلال عناصرها ووسائطها المختلفة – بناء الشخصية المبدعة التى لا تتابع الجديد فحسب، بل تؤثر فيه وتجد لنفسها مكاناً فى عالم الإبداع(133) ولقد بات مؤكداً أهمية بناء هذه الشخصية المبدعة فى أى مجال من مجالات الحياة.

كما يعتمد تقدم الأمم على إمكانياتهم المادية والبشرية، ومن ضمن الإمكانيات البشرية الأفراد المبدعون الذين لديهم القدرة على التفكير الابتكارى فى مواجهة المشكلات بشكل جديد فى جميع ميادين الحياة. وفى هذا الصدد أشار تورانس(Torrance) (134) إلى أهمية الإبداع تجاه الإسهام فى رفع مستوى رفاهية الأمم والشعوب وتحقيق الرضا لدى الأفراد. كما أن الأخطار التى تواجه البشرية اليوم، والمشكلات التى تواجه الأمم تنعكس على الأفراد، مما يستلزم تقديم حلول إبداعية من أجل تحسين حياة هؤلاء الأفراد(135).

كما أن تنمية المواهب لدى الأفراد تعتبر حاجة هامة لدى المجتمعات، وإن لم تتوفر متطلبات تنمية الموهبة طول الحياة للأفراد يمكن أن تضعف هذه الموهبة وتنتهى(136)، ومن ثم فلا بد من الاهتمام بالتربية الإبداعية لدى الأفراد من أجل أن تتقدم الأمم وتزدهر فى مختلف المجالات.

هذا والإبداع ليس سمة محصورة فى القلة من الناس بل هو قدرة كامنة لدى معظم الأفراد يمكن رعايتها وتطبيعها، ويظهر الإبداع حين يتوفر المناخ النفسى، ونتيجة لعمليات التنشئة الاجتماعية التى يمر بها الفرد خلال مراحل حياته المختلفة. كما يتوقف نتاج التفكير الإبداعى على عدد من العوامل النفسية والاجتماعية والتربوية، والتى تحد من أو تعمل على زيادة إنتاجية الشخص المبدع(137).

وقد أصبحت قضية (التربية الإبداعية) لدى الأفراد بصفة عامة، ولدى طلاب المدارس بصفة خاصة أحد أهم الأهداف التربوية الهامة التى تسعى المجتمعات إلى تحقيقها من خلال برامجها التعليمية فى المدارس (سيد الطواب، 1988). فالتعليم هو سبيل الأمم إلى التقدم والإبداع، ومعبر الأجيال نحو المستقبل. وقد انبثقت مناقشات عديدة فى مجال حاجات هذا القرن من الإبداع والمبدعين، وفى الاستراتيجيات التعليمية والتدريسية اللازمة للتربية الإبداعية بين الطلاب فى مدارس التعليم العام(138).

كما أشارت بعض الدراسات العلمية إلى أن الفصل واليوم الدراسى العادى هما أكثر الأماكن والأوقات الدراسية ملاءمة للتربية الإبداعية بين الطلاب، بشرط أن تتاح الفرص لكى تنمو موهبة الطالب المبدع، وأن يؤثر المعلم إيجابياً فى تنمية التفكير لدى طلابه، وأن تتوفر الأنشطة التربوية المناسبة لكى تتقابل الاحتياجات ويتحقق المردود(139).

وهكذا تعود دعوة فاخر عاقل(140) إلى جعل الهدف الرئيسى من التربية والتعليم يجب أن يكون تعليم الطلاب كيف يفكرون بطريقة بناءة، وبالشكل الذى يساعد على الإبداع. وفى هذا المجال يرى عبد السلام عبد الغفار(141) أننا نستطيع أن ننمى ما لدى الأبناء من قدرات إبداعية عن طريق ما نقدمه لهم فى المدارس من تربية، فهناك العديد من البرامج التى تهدف إلى تنمية قدرات الإبداع لدى الطلاب، كما يمكن إكساب الطالب مهارة إبداعية عن طريق التدريب، فيتميز الطالب بمستوى مرتفع من القدرة على إنتاج أكبر عدد من الأفكار التى ترتبط. بموقف أو بمثير معين فى فترة زمنية محددة مع تميز هذا الطالب بالقدرة على الانتقال من نوع من الأفكار إلى نوع آخر منها، مما يعطى الفرصة فى ظهور فكرة أصيلة سواء أكانت الأصالة فى صورة ندرة أو مهارة.

وإذا كان للتعليم هذه الأهمية فى التربية الإبداعية بين الطلاب، فالبيئة المدرسية من بين عناصر التعليم المختلفة – تحظى بالأهمية الأكبر فى هذه القضية، ودورها  واضح وجلى فى هذا المضمار(142) فالبيئة المدرسية يفترض أن تهتم بتوفير المواقف التى تجعل الطالب ينتج عدة إجابات متنوعة لمشكلة ما، بالإضافة إلى الاهتمام بالمواقف والمشكلات التى تتطلب استجابةً واحدة أو نتيجة واحدة صحيحة، والمعلم  كعنصر رئيسى فى البيئة المدرسية مطالب مهنياً أن يفهم قدرات طلابه، وأن يتعرف على حاجاتهم وميولهم، وأن ينمى جوانب الإبداع لديهم(143).

وقد أكدت نتائج دراسة كوبر(Cooper) (144) أهمية تقديم أنشطة تربوية ثرية ومتنوعة – من خلال البيئة المدرسية – لتقابل احتياجات الطلاب المبدعين فى مراحل التعليم العام. كما يرجى من المعلم أن يُعلم ويُربى ويُرشد ويُقيم، وأن يظهر مقدرته على تنمية ذاته، وأن يشارك فى تحديث المدرسة وجعلها أكثر تقبلاً للتغيير وتفاعلاً معه، تيسيراً للتعلم، بالإضافة إلى تنمية الإبداع لدى الطلاب(145) كما أن المعلم يجب أن يتحول إلى مرشد إلى مصادر المعرفة المختلفة ومنسق لعمليات التعليم ومصحح لأخطاء المتعلم، ومقوم لنتائج التعلم، وموجه إلى ما يناسب قدرات كل متعلم(146).

وقد ظهرت فى السنوات القليلة الماضية توجهات عالمية تدعو إلى التعليم الجيد لجميع الطلاب – المبدعين منهم والعاديين - تحقيقاً لمبادئ المساواة التعليمية. فقد نادى (توملنسون)(Tomlinson) (147) بضرورة توفير بدائل التعليم الجيد لكافة الطلاب فى مراحل التعليم، مهما تمايزت قدراتهم وبيئاتهم، من أجل توفير المساواة بينهم، إلى جانب التواصل بين برامج التربية العامة، وبرامج تربية الموهوبين فى مدارس التعليم العام. كما أوضح (جونسون) (Johnsen) (148) مدى أهمية تضمين البرامج التربوية أنشطة إثرائية مقصودة تلبى احتياجات الطلاب الموهوبين أثناء دراستهم فى مراحل التعليم المختلفة. أيضاً أظهرت ملاحظات عن الإصلاح التربوى مدى أهمية التعليم التعاونى بين الطلاب من أجل تلافى الآثار الاجتماعية الناشئة عن تصنيف الطلاب إلى موهوبين وعاديين. فالتعليم التعاونى قد يلبى احتياجات تربية الموهوبين فى مدارس التعليم العام(149).

وهكذا أصبح للشراكة المجتمعية أهمية متزايدة وشأناً أكبر فى مجال التربية الإبداعية بين  الطلاب فى مدارس التعليم العام، والتى أصبحت بدورها ضرورة حتمية لمواجهة متطلبات المستقبل واحتياجاته.

ورغم أهمية الشراكة المجتمعية فى التربية الإبداعية بين الطلاب، فإن بعض الدراسات العلمية أظهرت أن الكثيرين من القائمين بشئون المجتمع لا يدركون القوانين الأساسية للإبداع، بالإضافة إلى أن معظم الأنشطة التربوية فى المدارس تتجه غالباً فى طريق يتعارض مع نمو التفكير الابتكارى(150) وفى الوقت نفسه بات من المؤكد أن وظيفة التربية والتعليم فى مدارس التعليم العام تكمن فى تطوير الإنسان المبدع القادر على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، فقد أوضحت إحدى الدراسات(151) أن من أهم أهداف التربية هى مساعدة الطلاب على اكتشاف قدراتهم الإبداعية، والعمل على استثارتها وتوظيفها، ودعم اتجاهاتهم الإيجابية نحو التفكير الابتكارى. كما أظهرت دراسة أخرى(152) أن تنمية مهارات التفكير ليست بالعملية السهلة، وتحتاج إلى بيئة مدرسية ملائمة. فى حين أظهرت دراسة (وودس) (Woods) (153) إمكانية تعلم وتعليم مهارات التفكير الابتكارى عن طريق فهم أسلوب حل المشكلات فى بيئة محددة والتعرف على الأفكار الإبداعية بها. فالبيئة المدرسية التى توفر لطلابها المناخ النفسى الملائم، وتشجعهم على البحث والاستقصاء وفرص التفكير المتعمق فإنما توفر لهم فرص التربية الإبداعية وإيجاد الحلول الابتكارية للمشكلات التى تواجههم. كما نادت دراسة (كارول) (Carroll) (154) بأهمية أن يتعرف المعلم على عوامل التفكير الابتكارى لدى الطلاب الموهوبين فى الفصول الدراسية. ومن الضرورى أن ينمى المعلم ما لدى الطلاب من قدرات للتفكير الابتكارى عن طريق التدريب على مهارات خاصة فى استخدام هذه القدرات، مما يرفع مستوى الطلاب على الإنتاج الإبداعى فى المستقبل.

وهكذا فلكى نرعى الإبداع وننميه لدى طلابنا، فنحن نحتاج إلى بيئة ملائمة لتحقيق هذا الأمر، ببيئة مجتمعية لازمة لإثراء العلم والتعليم لدى الطلاب بما يؤدى إلى تنمية العملية الإبداعية لديهم. وقد نادت بعض الدراسات الحديثة فى هذا المجال بأهمية تدريب العاملين بالمدارس على أدوار فعالة لتحقيق أهداف التربية الإبداعية. وقد تطورت البرامج والتدريبات الصفية فى تعليم الموهوبين، وظهرت محاولات لإصلاح مدارس التعليم العام لتتوازن مع متطلبات تعليم الموهوبين من بين طلابها. ومن ثم لا بد أن تصبح المجتمعية فعالة فى التربية الإبداعية لدى هؤلاء الطلاب(155).

وقد بداية اختلفت الرؤى وتباينت حول معنى الإبداع، فيرى (مراد وهبة)(156) أن الإبداع هو سلسلة من النشاطات المنتظمة، والموجهة نحو هدف محدد. وهذه العملية تمكن العقل – فى النهاية – من تكوين علاقات جديدة، وإحداث شئ على غير مثال مسبوق، على أن يكون للمنتج الجديد فائدة للفرد والمجتمع. ويضيف (مراد وهبة)(157) أن الإبداع هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة، من أجل تغيير الواقع، مما يؤدى إلى التقدم.

والإبداع – من وجهة نظر (عبد الفتاح تركى)(158) - هو خاصية من خواص العقل البشرى حينما تتوفر له شروط التكوين الصحيح، خاصية يمكن إكسابها للإنسان بالتربية التى تتم فى ظروف مواتية للعمل الحر غير المسبوق والمبادرة الذكية للإنسان فى مواجهة التحديات والمواقف الجديدة.

وترى بعض الدراسات الأخرى(159) أن الإبداع مظهر من مظاهر الابتكار، أو شكل من أشكال التفوق، وهو يشير إلى أولئك الأفراد الذين لديهم القدرة على الإتيان بأشياء جديدة ومبتكرة، وهذه الأمور المبتكرة قد تكون تفسيراً لظاهرة فيزيائية أو حلاً لمسألة رياضية(160)، أو تعليلاً لظاهرة اجتماعية(161)، وقد يكون هذا الشيئ المبتكر تصميماً حديثاً لآلة معنية(162)، أو تصميماً للوحة فنية(163)، وقد يكون الإبداع فى نظم قصيدة شعرية أو فى كتاب قصة أدبية(164).

ويرى (عبد السلام عبد الغفار)(165) أن الإبداع يعنى الابتكار، وهو ظاهرة إنسانية متعددة الجوانب وتتحدد بنتائجها، وهذه الظاهرة الإبداعية (أو الابتكارية) تتصف بثلاث صفات هى الجدة والمغزى (أو المعنى) واستمرارية الأثر. والجدة أمر نسبى يتحدد فى ضوء ما هو معروف ومتداول فى مجال معين من مجالات الحياة، وبين أفراد جماعة معينة فى زمن معين. والناتج الإبداعى له معنى أى قيمة معينة، وهذا الناتج الإبداعى هو وليد عملية تفكير معينة وتحدث هذه العملية فى إطار فكرى معين، والناتج الإبداعى يرتبط بالحقائق التى تحيط بالمبدع، وكلما ازدادت أهمية الناتج الإبداعى ودلالته كان ذلك مؤشراً لمدى ارتباطه بحياة الفرد والجماعة. ويرتبط بمغزى الناتج ومعناه وأهميته بالصفة الثالثة للناتج الابتكارى وهى استمرارية آثار الناتج، وكلما استمرت الآثار المترتبة على الناتج الإبداعى كان ذلك دليلاً على أهميته ومعناه بالنسبة إلى مجاله، وبقدر ما يمثل الناتج الإبداعى إضافة أساسية بقدر ما تستمر آثاره، وبقدر ما يتناول الناتج الإبداعى تطويراً أو تعديلاً جوهرياً فى مجاله بقدر ما تنتشر وتستمر آثاره.

وهكذا فإن الإبداع هو نتاج نشاط عقلى ووظيفى لشخص يتواجد فى بيئة معينة ترعى هذا النتاج، وهذا النتاج يأتى فى مجال اكتشاف ما هو جديد، ولا يظهر ما لم تتوافر بنية معرفية وعوامل عقلية وسمات شخصية للشخص المبدع، بالإضافة إلى توافر مجموعة من العوامل الدافعية والبيئية التى يعيشها الفرد الموهوب وتدفعه إلى الإبداع وتسمح له بتقديم الأشياء المبتكرة وذلك فى المجال الذى يبدع فيه أو الذى يظهر إبداعه فيه.

ويرتبط بالإبداع مفهوم التفكير الابتكارى، حيث يعتبر التفكير الابتكارى أرقى مستويات النشاط المعرفى للإنسان(166)، وهو نشاط عقلى يميز الإنسان(167)، وبسميه البعض " التفكير الإبداعي"(168)، وقد يسمى " التفكير المنتج"(169)، وقد يسمى " التفكير التباعدي"(170)، وهو يعنى تلك العملية التى ينتج عنها حلول أو أفكار إبداعية وجديدة تخرج عن الأطر المعرفية المعلومة سواء على مستوى الشخص الذى يفكر، أو على مستوى البيئة التى تحيط بهذا الشخص المفكر.

ويشتمل التفكير الابتكارى على ثلاثة عوامل أو قدرات هى قدرة الطلاقة، وقدرة المرونة، وقدرة الأصالة(171)، وتضاف قدرة رابعة إلى هذه القدرات هى إتمام التفاصيل أو الإتقان(172).

وهكذا فإن امتلاك الفرد لقدرات التفكير الابتكارى تجعله متميزاً بمستوى مرتفع من القدرة على إنتاج أكبر عدد من الأفكار التى ترتبط بموقف أو بمثير معين فى فترة زمنية محدودة (الطلاقة) مع تميز هذا الفرد بالقدرة على الانتقال من نوع من الأفكار إلى نوع أخر منها (المرونة)، مما يعطى الفرصة فى ظهور فكرة أصلية، سواء أكانت (الأصالة) فى صورة ندرة أو مهارة أو ارتباط بعيد(173).

وقد أوضح (سعيد إسماعيل على)(174) أن التربية تعنى تلك العملية التى عن طريقها نقوم بتنمية جوانب الشخصية الإنسانية فى مستوياتها المختلفة. ذلك أنه شاع بين المتخصصين أن للشخصية مستويات ثلاثة : المستوى الأول، هو مستوى الوعى والإدراك المعرفى، والمستوى الثانى، هو مستوى العاطفة والوجدان، والمستوى الثالث هو مستوى الحركة والمهارة. ويتم تنمية الجانب المعرفى للإنسان عن طريق تزويده بكم من المعلومات والمعانى والمفاهيم والحقائق، فضلاً عما يرتبط بهذا من حيث طريقة التفكير ومنهج البحث وأساليب الربط والاستنتاج والاستنباط والتحليل والنقد. أما المستوى الثانى فيشتمل على الميول والاتجاهات والقيم. أما المستوى الثالث، فهو مستوى حركى، يتصل بالمهارات العملية المختلفة.

وقدمت (صفاء الأعسر)(175) مفهومين فى التربية، المفهوم الأول يتمحور حول تحصيل المعارف والمهارات التى تنمى قدرات البشر على مواجهة مشكلات ومعطيات محددة فى إطار حياة مستقرة ومواقف متكررة. أما التربية من أجل التجديد فهى تضع كل المعطيات – حتى أكثرها استقراراً – موضوع الاختبار، وهى التى تعد الإنسان لما ينتظره من تحديات وتغيرات تخلخل كثيرا من الثوابت.وهنا يصبح المعنى الحقيقى للتربية هو تنمية بشر مبدع قادر على استشراف المستقبل وتشكيله، بالإضافة إلى تقبله والتواؤم معه.

ويرى (رياض الدباغ)(176) أن التربية تعتبر عملية حياتية اجتماعية لا تقتصر على مفاهيم التدريب والتعليم والتأهيل فحسب ، بل تشمل حركة الحياة وإبداعات الإنسان فى إطار المجتمع طيلة حياته.

ومن ثم فإن "التربية الإبداعية" تعنى تلك العملية التى عن طريقها نقوم بتنمية جوانب الشخصية الاجتماعية لكى تصبح مرنة ومتقبلة لذاتها ، وقادرة على امتلاك قدرًا من الاستقلالية  والاكتفاء الذاتى والحساسية تجاه المشكلات. تلك الشخصية الاجتماعية التى تصبح -نتيجة تأثير البيئة المدرسية المتحررة من القوالب الجامدة على هذه الشخصية الاجتماعية– متميزة بارتفاع مستوى طموحها وتعدد ميولها وتميزها فى امتلاك قدرات الطلاقة والمرونة والأصالة والإتقان بالصورة التى تحقق لهذه الشخصية الاجتماعية القدرة الإبداعية على العمل المنتج الهادف فى جميع المجالات، وبما يتمشى مع مواهبها.

وترتكز إسهامات الشراكة المجتمعية فى تجويد البيئة المدرسية من أجل توفير شروط التربية الإبداعية على عدة منطلقات منها

-    أن كل فرد يمتلك إمكانات إبداعية أو ابتكارية، ومن المهم أن ندرك أن الإبداع أو الابتكار ليس بالإمكان تدريسه فى مراحل التعليم المختلفة، ولكن بالإمكان أن نهيئ المدخل والظروف للمتعلمين لاستغلال وتوظيف إمكاناتهم الإبداعية أو الابتكارية(177).

-    الإبداع أو الابتكار سمة هامة وضرورية للفرد فى أوجه نشاطه اليومى، حيث يأتى من خلالها الروائع الفنية والعلمية والتكنولوجية والأدبية فى شتى المجالات. ومن ثم ينبغى أن تؤدى البيئة المدرسية دورا فى زيادة قدرة الطلاب على الإبداع عن طريق إتاحة الفرص لزيادة قدرتهم على حل المشكلات القائمة والمحتملة وعن طريق الاستكشاف ومن خلال تنمية قدرات التفكير الابتكارى.

-    الإبداع أو الابتكار عملية يمكن وصفها وتحديد متطلباتها، ويمكن تدريب الطلاب على ممارستها بهدف زيادة قدراتهم الإبداعية. ويتطلب هذا الأمر أن تقوم البيئة المجتمعية بمساعدة الطلاب على فهم الشروط والأبعاد التى تقوم عليها هذه العملية الإبداعية تمهيدا لإكسابهم القدرة الإبداعية فى إيجاد الحلول للمشكلات التى تواجههم كأفراد أو جماعات فى مستقبل حياتهم.

-    الإبداع عبارة عن دلائل واستعدادات للإتيان بحلول جديدة وأفكار أصيلة تجاه العديد من المشكلات، وليس من الضرورى أن يكون المتعلم على درجة عالية من الذكاء لكى يكون مبدعاً. فالإبداع هو قدرة عقلية، شأنه شأن بقية القدرات الأخرى مثل الفهم، والتحليل، والتركيب، والاستنتاج، والقياس، وإدراك العلاقات… إلى غير ذلك مما نكتسبه بالتربية ومن خلال ممارسة هذه القدرات فى المواقف والخبرات المريبة(178). ومن ثم فكل طالب يمكن أن يكون ذا عقل مبدع، حالما توفرت له أسباب صياغة هذا العقل، أى شروط التربية الإبداعية.

-    يمكن تربية الإبداع لدى الطلاب من خلال مساعدتهم على ممارسة التفكير الابتكارى فى مواقف واضحة تعين على ذلك – كما تتطلب التربية الإبداعية لدى الطلاب توفير الشروط والأساليب التربوية والإمكانات المادية والبشرية الفاعلة فى مختلف مراحل التعليم، وتأتى قدرات العاملين بالبيئة المدرسية فى مقدمة هذه الإمكانيات، حيث تمثل إسهاماتهم فى هذا المجال أساسيات النجاح فى اكتشاف الطلاب الموهوبين، ونوعية التربية الإبداعية التى يجب أن يتعلمونها وطرق وأساليب تدريسهم ومناهجهم الدراسية، هذا وتنمية الإبداع لدى الطلاب مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتنمية قدرات التفكير الابتكارى لديهم، ولا يمكن فصل أدوار البيئة المدرسية فى تحقيق أهداف كل منها، كما لا يمكن فصل متطلبات تنمية التفكير الإبتكارى عن مثيلاتها الخاصة بتنمية الإبداع وتربيته لدى الطلاب.

وقد أشارت العديد من الأدبيات السابقة إلى قوة العلاقة بين "تنمية الإبداع" و " تنمية عوامل التفكير الابتكاري"، فقد تحدث(179) عن أن توافر قدرات التفكير الابتكارى (وهى قدرات الطلاقة، والمرونة، والأصالة، والإتقان) بمستوى عال شرط ضرورى ولكنه ليس كافياً لحدوث الإبداع أو الابتكار، ذلك أن الإنتاج الإبداعى أو الابتكارى يحتاج إلى عدد آخر من العوامل الكلية التى تمكن المبتكر من السيطرة على ما يوجد فى مجال ابتكاره، ويحتاج المبتكر إلى عدد من السمات الانفعالية مما يجعل منه فرداً واثقاً فى نفسه، معتمداً على ذاته، مسيطراً، ويحمل قدراً كبيراً من الميل للمغامرة، فالإبداع مغامرة. وتحتاج تنمية هذه السمات والقدرات إلى بيئة تقل فيها الضغوط وعوامل الكف، وتتميز بقدر كاف من المرونة والحرية واحترام وتقدير الإنسان. كما أن مفهوم " تربية الإبداع " تعنى توفير المناخ المناسب الذى يساعد على تطوير الدوافع الداخلية الموجودة لدى أى متعلم إلى طريقة تفكير ابتكارية مثمرة ومتفردة نحو تنشئة الشخصية المبدعة، والتى تتميز بخصائص منها الاستقلال، والقدرة على التعلم الذاتى والدافعية للتعلم(180).

أيضاً حين يحبس التفكير فى الأطر الجامدة للعمليات التى يقوم عليها التفكير الابتكارى تختفى كل إمكانية للإبداع، ومن ثم فإن القدرة على الإبداع – باعتبارها قدرة عقلية تكتسب بالتربية – هى مرتبطة بشكل أو بأخر بنمط التفكير الابتكارى(181).

-    تتطلب التربية الإبداعية لدى الطلاب توفير المناخ النفسى الخالى من التهديد والتخويف داخل البيئة المجتمعية، إلى جانب توفير الإمكانات المادية من أدوات وأجهزة وكتب إضافية وغيرها ممن يحتاجه الطالب فى سعيه للإبداع أو الابتكار. كما تتطلب هذه التربية قدرات خاصة من العاملين فى هذه البيئة المدرسية على ممارسة أساليب البحث والاستقصاء والاستكشاف وحل المشكلات فى تنظيم التعلم.

وقد أكد الفكر التربوى المعاصر فى معظم دول العالم على أهمية التربية الإبداعية لدى الطلاب الموهوبين فى مراحل التعليم العام عن طريق تهيئة المناخ التربوى الذى ينمى هذه المواهب ويصقلها فى الفصول الدراسية العادية إلى أقصى حد ممكن أن توصلهم إليه مواهبهم وقدراتهم – ذلك أن تقدم المجتمعات الإنسانية وازدهارها يتوقف على مدى فعالية ونشاط ذوى المواهب والقدرات على الإبداع والابتكار إلى حد كبير(182).

كما أن أحد مشاهد المستقبل – كما يراها (أحمد الصيداوي)(183) تتضمن عصر التواصل والتعاون الذى يعيد التقدير والاحترام للإبداع وللمبدعين. وفى هذا العصر - عصر التواصل والتعاون - تتمحور التربية حول المتعلم، ويتخذ العاملون بالبيئة المدرسية أدوار الميسرين للتعلم، والمشجعين على الحوار والتفاعل والإبداع.

ومن الملاحظ أن المناهج الدراسية فى مدارس التعليم العام تصمم فى العادة لتساير الطلاب العاديين من حيث القدرات والاستعدادات ومن ثم لا بد للمعلم أن يطور المهارات والمعارف والأنشطة والفعاليات المتضمنة فى هذه المناهج الدراسية حتى تلبى حاجات الطلاب المبدعين فى مدارس التعليم العام. فالإبداع موجود وبدرجات متفاوتة لدى جميع الطلاب(184). هذا ووجود الطلاب المبدعين فى مدارس التعليم العام قد يؤدى إلى هدر طاقاتهم وقدراتهم وإمكاناتهم إن لم يؤد العاملون بالبيئة المجتمعية أدواراً معينة فى رعاية هؤلاء الطلاب المبدعين. وفى هذا المجال يرى (عبد العزيز الشخص)(185) أن الطالب إذا توفرت لدية موهبة معينة ولم يستطيع تنميتها يكون قد فشل فى حياته، وإذا استخدم نصفها فقط فقد يكون قد فشل جزئياً. أما إذا كانت لديه الموهبة وتعلم كيف ينميها ويستخدمها بصورة مناسبة يكون قد حقق نجاحاً كبيراً فى حياته.

و من المنتظر أن تسهم الشراكة المجتمعية فى تطوير أهداف التربية الإبداعية بما يساعد الطلاب على الإبداع من أجل تطوير حياتنا وإرثنا الثقافى، وبما يتناسب مع ما يشيع فى العالم من ثقافات ، وبما يمكننا من الحياة مع الثقافات الأخرى كأنداد وليس كتابعين(186). فالكثير من الطلاب ما زالوا غائبين بدرجة كبيرة عن برامج المبدعين، وبيئات هؤلاء الطلاب الاجتماعية والاقتصادية لا تساعدهم على الإبداع، بينما رعاية مواهب هؤلاء الطلاب تعتبر حقوقاً أخلاقية(187). ومن ثم فالاتجاه الذى ينبغى أن يسود فى التربية الإبداعية لدى الطلاب يقع على عاتق أفراد البيئة المجتمعية فى المقام الأول.

وقد تعددت الدراسات والبحوث العلمية، وتنوعت فى مجال التربية الإبداعية لدى الطلاب فى السنوات الأخيرة من القرن العشرين، واهتمت هذه الدراسات بجوانب مختلفة فى مجال الإبداع وتنميته، ومن بين هذه الدراسات ما تناول دراسة المناخ التعليمى والبرامج والنظم التعليمية، بالإضافة إلى طرائق التعليم وأساليبه المختلفة، وما تنطوى عليه من ممارسات وعلاقات وتفاعلات بين المعلم والطالب والبيئة المدرسية، وأثرها على التفكير الابتكارى لدى الطلاب(188). كما تناولت بعض هذه البحوث طرق إعداد العاملين بالبيئة المدرسية وتأثيراتهم بشكل مباشر أو غير مباشر على بعض الأساليب التى يمكن أن تعينهم فى عملية التدريس، وفى تنشيط التفكير الابتكارى لدى الطلاب(189)، ذلك أن أسلوب التدريس الذى يتبعه المعلم يعتبر أحد العوامل الرئيسة التى تؤثر إيجابياً أو سلبياً فى نمو قدرات التفكير الابتكارى لدى الطلاب(190).

أيضاً من التحولات التى حدثت فى مجالى التربية والتعليم فى السنوات القليلة الماضية التركيز على التربية الإبداعية وشروطها ودور البيئة المدرسية فيها، والدور المستقبلى للآباء والمعلمين فيها، هذا ما أشارت إليه وثيقة اليونسكو عام 1992(191). وقد ظهرت الحاجة إلى تصور بيئة تعليمية جديدة يتم على ضوئها تحديد العلاقة المستقبلية بين المدرسة والمجتمعات المحلية، وفيها يتم تشكيل مجتمع متعلم ضمن المجتمعات المحلية، وهذا ما يمكن العناصر الشابة من ممارسة عمليات الإبداع والابتكار ضمن هذه المجموعات(192).

هذا وتعزيز فرص التربية الإبداعية لدى الطلاب بمدارس التعليم العام يتطلب تهيئة المناخ الملائم لأدوار فعالة من العاملين فى هذا المجال، كما يتطلب هذا الأمر تحديث المناهج الدراسية وتطويرها: أهدافاً ومحتوى وطرائق تدريس وأساليب تقويم بحيث تكون أكثر وظيفية وقدرة فى تربية الإبداع وتنمية التفكير الابتكارى لدى الطلاب. ويتطلب هذا الأمر أيضاً كفايات مهنية متعددة من جانب العاملين فى البيئة المدرسية، ومن هذه الكفايات التقويم، والتجديد المعرفى، والكفاية الإنسانية، والتعلم الذاتى، والمادة الدراسية، وإدارة الصف، إلى جانب كفاية أسلوب التدريس(193).

كما يجب على العاملين بالبيئة الصفية استخدام الطرق الحديثة فى التعليم، والتى تركز على التعلم الاستكشافى، وطرائق حل المشكلات، وطرائق التحدى والعصف الذهنى(194).

وللتربية الإبداعية شروط، ويأتى فى مقدمتها نمط البيئة المدرسية التى ينبغى أن تتطور، ليكون المعلم فى هذه البيئة المدرسية ميسراً للتعلم لا منشئاً له، وليكون المعلم متعلماً بصفة دائمة، يسعى إلى زيادة معرفته بمجتمعه، وبطلابه، وبالأساليب والطرق التى تجعل الطلاب ينغمسون فى التعلم الذاتى، وبذل الجهد، وتحقيق ذواتهم، وبعث الثقة فى نفوسهم، وتعليمهم كيف يتعلمون(195).

كما تؤدى البيئة المدرسية دوراً فعالاً فى الكشف عن الموهبة والإبداع لدى الطلاب عن طريق ملاحظة العاملين فيها لفعاليات الطلاب وأنماط سلوكهم وممارساتهم فى المدرسة. ويمكن للمعلم أن يقدم أنشطة استكشافية ( Explaratory Activities)  لهذا الغرض، فيتيح لطلابه فرصاً تربوية عديدة لأنواع ونماذج من الأنشطة والخبرات يمكن لهم أن يختاروا منها كل حسب اهتمامه وميوله. وفى الوقت نفسه إذا لاحظ المعلم أن هناك من يتعلم بسرعة ولا يحتاج إلى الإعادة أو التكرار، وأن الطالب يفكر بشكل فيه من الدلالة ما يلفت النظر إليه، أو أن لديه استغراقا فى التفكير والعمل فترات طويلة دون ملل، أو من يملك موهبة ما فى أى نوع من الأنواع الإبداعية. إذا أكتشف المعلم هذا الطالب وأكدت ذلك ملاحظاته فإنه يكون قد وضع يده على الطالب المبدع(196)، وتتولى البيئة المدرسية والعاملين فيها توفير شروط التربية الإبداعية لهذا الطالب.

كما أن هناك بعض الخصائص الأخرى التى يدل وجودها منفردةً أو مجتمعة على توافر الإبداع عند هؤلاء الطلاب، ومن هذه الخصائص تعلم المفاهيم الأساسية وإتقانها بسرعة كبيرة، إلى جانب القدرة على تكوين التجريدات والتعامل معها وفهمها، بالإضافة إلى تميز هؤلاء الطلاب بطاقة زائدة وحيوية فائقة ورغبة قوية للعمل المنفرد ولفترات طويلة من الوقت مع تميزهم بقدرة كبيرة على التركيز والانتباه.

ولكى تؤدى البيئة المدرسية دوراً فى استكشاف الطلاب المبدعين فى مدارس التعليم العام فلابد وأن يكون العاملون بهذه البيئة المدرسية قادرين على ممارسة أدوار ومهام الخبير التعليمى، والموجه والمرشد لطلابهم، ودور الباحث العلمى، ودور المختص بمادته العلمية، ودور المساعد فى إحداث التأثيرات على طلابهم، ودور المتفاعل مع الطلاب لمساعدتهم على إبراز إبداعاتهم، ودور المجدد الذى يساعد هؤلاء الطلاب على الإبداع(197).

كما أن استخدام أسلوب التدريس الصامت بعض الوقت فى الحصة، حيث يصمت المعلم وتتاح الفرصة للطلاب فى توسيع وتعميق الخبرات والفروض البديلة المرتبطة بالمفاهيم، قد تكون مدخلاً لاستكشاف الطلاب المبدعين فى مدارس التعليم العام.

والمعلم المعاصر يحب أن يكون مهنياً، بمعنى أنه يحب أن يتأمل – دائماً – ممارساته، وأن يقوّمها أولاً بأول، وأن يصحح أخطاءه بنفسه، بالإضافة إلى ضرورة تعاونه مع زملائه المعلمين فى القضايا الفكرية والعملية المتصلة بالمهنة(198).

وسمات وخصائص العاملين بالبيئة المدرسية الذاتية والمعرفية تلعب دوراً هاماً فى التربية الإبداعية لدى الطلاب فى مراحل التعليم العام. كما أن ذكاء المعلم، وسعة إطلاعه، وتميز مهارته هى عوامل رئيسة تساهم بنحو إيجابى فى رعاية الإبداع لدى الطلاب. كما أن لمستوى حماس العاملين بالبيئة المدرسية فى أدائهم لمهامهم التعليمية أثراً إيجابياً فى استكشاف الإبداع لدى الطلاب وتوجيهه بشكل عام، وخاصية الحماس من السمات الهامة التى تؤهل العاملين فى تحقيق هذا الهدف.

وهنا يجب الإشارة إلى أنه لكى يكون المعلم وغيره من العاملين بالبيئة المدرسية قادرون على أداء مثل هذه المهام، فلا بد وأن تقوم مؤسسات إعداد المعلمين بإعداد المعلم الناقد فى تفكيره وبشكل علمى، حتى يتسنى له اكتشاف الطالب المبدع(199). وقد أشارت إحدى الدراسات السابقة(200) إلى أهمية تملك العاملين بالبيئة المدرسية مهارات التفكير الشامل وأساليب حل المشكلات، إلى جانب قدرتهم على تحديد نتاج التفكير والفكرة الابتكارية التى ينتجها الطلاب. ومن هذا المنطلق، وارتباطاً بمتطلبات الإصلاح التربوى فى مدارس التعليم العام فإنه يجب تدريب العاملين فيها على برامج البنية الإدراكية، وعلى كيفية تحويل النماذج التفكيرية إلى نتاجات محددة من خلال استخدام عاملى الدافعية والتعزيز لدى الطلاب المبدعين. كما يجب أن يتطور التعاون بين الجامعات والبيئات المدرسية من أجل إرساء قواعد التعاون بين العاملين بكليهما(201). كما أنه من الأهمية بمكان أن يتم تدريب هؤلاء العاملين على أنشطة التعليم التكنولوجية فى كافة التخصصات بمدارس التعليم العام. وهناك الكثير من البرامج التكنولوجية التى تعتبر تطبيقاً للمهارات الأكاديمية التى يمكن تعلمها فى المدارس مثل الابتكار فى الكتابة، وفى مفاهيم العلوم والفنون وعلوم الصحة العامة. ومن ثم وجب على كل العاملين بالبيئة المدرسية التمرس على هذه الأنشطة التكنولوجية المتصلة بالمهارات الأكاديمية من أجل توفير شروط التربية الإبداعية لدى الطلاب فى هذا المجال(202).

وهكذا نستطيع أن نغير من صورة المدرسة ونعدل من دورها، وبحيث تصبح المدرسة خلية اجتماعية فاعلة فى التغير الاجتماعى البناء، وتعيد صورة التوافق والانسجام بين الناشئة ومجتمعهم، كما يمكن لمثل هذه البيئة المدرسية أن تسهم فى إغناء المناهج الدراسية وتكيفها لحاجات البيئة والمجتمع من ناحية ولتصبح أكثر استجابة للتطورات السريعة والمتلاحقة فى المجالات كافة من ناحية ثانية. كما يمكن لهذه البيئة المدرسية أن تؤدى دورها المتوقع فى بناء الشخصية المتكاملة لطلابها من خلال أداء دور فاعل فى ربط المدرسة بالمجتمع المحلى من أجل إثراء التربية الإبداعية بين الطلاب، كما يجب على البيئة المدرسية أن تتقصى المشكلات التى يعانى منها الوسط الاجتماعى، وأن تسهم فى الحفاظ على الصالح من قيم المدرسة والمجتمع، وأن تواكب التغيرات والتطورات المستمرة فى المجتمع، وفى العالم، وأن تترجمها فى برامج المدرسة وأنشطتها لتنمية الإبداع والتفكير الابتكارى بين الطلاب، وفى هذا المجال فمن الضرورى إيجاد مشاهدات تربوية بالبيئة المدرسية تطلق قوى الإبداع والابتكار وتحفز الهمم وتستنفر الطاقات بين الطلاب، كما يجب الإفادة من كافة المصادر المتاحة والممكنة فى المدرسة والبيئة وتوجيه ذلك كله باتجاه تحسين تعلم الطلاب وتعظيم إنتاجية مدرسته.

 

منظومة شروط التربية الإبداعية لدى الطلاب والمستنتجة من الأدبيات التربوية المعاصرة

ويعد العاملون بالبيئة المدرسية من أهم العناصر المؤثرة فى توفير شروط التربية الإبداعية لدى الطلاب داخل الصف المدرسى وخارجة فى إطار المدرسة، ويجب أن تهتم كافة التنظيمات فى المجتمع المدنى بتدعيم هؤلاء الأفراد من أجل إثراء الجو المدرسى وتوفير متطلبات هذه التربية الإبداعية.

ونعرض، فيما يلى، أهم عناصر هذه المنظومة فى شروط التربية الإبداعية لدى الطلاب فى مدارس التعليم العام، وإسهامات البيئة المدرسية وأطراف المجتمع المدنى فى توفيرها- كما اقترحتها الدراسات والبحوث والأفكار التربوية المعاصرة:

تنمية الطلاقة لدى الطلاب:

الطلاقة (Fluency)  تعنى القدرة على إنتاج عدد كثير من الحلول والأفكار والكلمات وطرق التعبير عن الأشياء. فهؤلاء الطلاب الذين ينتجون عدداً كثيراً من الأفكار يكونون أكثر ميلا ً لامتلاك حلولا ناجحة لأى مشكلة(203).

وتعتمد القدرة على إنتاج الحلول والأفكار الكثيرة تجاه أى مشكلة على مهارات التفكير المتعمق (Thinking Vertical) المتمثلة فى عمليات التأمل والفهم والتحليل، إلى جانب اعتمادها على مهارات التفكير الشامل (Thinking Comprehensive) الذى يعنى تنظيم الموقف للوصول إلى إنتاج أفكار وحلول، أو للوصول إلى معالجة جديدة، واختيار بدائل بعيدة عن النمطية(204).

ويقع على البيئة المجتمعية مسئولية تدريب الطلاب الموهوبين على مهارات التفكير المتعمق. وقد نادت كثير من الدراسات العلمية بتنمية مهارات هذا النوع من التفكير لدى الطلاب المبدعين(205). وفى هذا المجال يجب على العاملين بالبيئة المدرسية تشجيع التساؤل والسعى للوصول إلى إجابات مقنعة على قضايا مثارة، وإثارة مواقف تحتاج إلى هذا التفكير المتعمق فى محاولة لإيجاد مفاهيم جديدة وملائمة لتحقيق الهدف(206). وفى هذه المواقف يعمل المعلم على المحافظة على إنتباه الطالب المبدع، وتدريبه على مهارات التفكير الشامل وأوجه العمل التعاونى حينما يندمج فى خبرة تعليمية فى الفصل الدراسى(207).

كما أن التعاون بين المدارس والمجتمع المحلى والعمل التعاونى يبن الطلاب يؤدى إلى استثارة الطلاب وحفز الهمة بينهم، وإلى تصحيح استجابات كل منهم، هذا بالإضافة إلى الإفادة بما لدى الطلاب من مصادر معرفية متعددة تستخدم كأنشطة إثرائية وعلاجية للطلاب الآخرين، فضلاً عن الأثر التراكمى لتفاعل الطلاب بعضهم مع البعض الآخر، مما يرقى القدرات والمهارات، ويوجد مزيداً من التفاعل المثمر فى تنمية الطلاقة بين هؤلاء الطلاب(208).

وتستطيع البيئة المجتمعية توفير أنشطة العمل التعاونى يبن الطلاب، فمن شأن العمل التعاونى أن يهيئ الفرصة للطلاب لكى يبنى كل منهم على فكر الآخر، وهذا يزيد من درجة الطلاقة بينهم(209). كما أن تنمية الطلاقة لدى الطلاب ترتبط فى الغالب بمهارات المناقشة العامة الفاعلة والمفيدة، ومن ثم يستطيع العاملون بالبيئة المدرسية فى العادة، ومن خلال هذه المناقشات المفيدة حول المقررات الدراسية، تنمية الطلاقة لدى الطلاب. كما أن زيادة معدل المناقشة العامة أثناء اليوم الدراسى من شأنه أن ينمى التفكير بصوت مسموع بين الطلاب(210)، ومن ثم يجب على هؤلاء العاملين بالبيئة المدرسية تدريب طلابهم على المناقشات الجادة والهادفة والمستندة إلى البراهين أثناء إتمام التفاصيل. ويتصل بهذا الأمر تدريب الطلاب على أساليب التفكير الناقد والابتكارى، ويتم هذا الأمر عن طريق تكوين اتجاهات إيجابية نحو هذه الأنواع من التفكير، وأن تتضمن الأنشطة التربوية أنواعاً من التجريب على هذه الأساليب فى التفكير( Zielinski, 1994).

تنمية المرونة لدى الطلاب:

المرونة (Flexibility)  تعنى القدرة على إنتاج أفكار متنوعة، واستخدامها فى معالجة المواقف المختلفة، فالأفراد المبدعون قادرون على تنويع أساليبهم فى مواجهة المواقف المختلفة بيسر وسهولة(211).

وفى هذا الإطار يسعى الفرد إلى استخدام المعرفة استخداماً ذا معنى، أى توظيف ما لديه من معلومات لتحقيق أهداف حياتيه. إن استخدام المعرفة استخداماً ذا معنى يعد أهم جوانب تنمية المرونة، حيث يتضمن نموذج أبعاد التعلم خمس مهام تشجع على استخدام المعرفة استخداماً ذا معنى وهي: اتخاذ القرار، والاستقصاء، والبحث التجريبى، وحل المشكلات والاختراع(212).

وتستطيع البيئة المدرسية القيام بتنمية عامل المرونة لدى الطلاب عن طريق توفير الظروف المناسبة أمام الطلاب لاستثمار طاقاتهم الذهنية بدرجة متفوقة لتحسين تعلمهم وقراراتهم(213). كما يمكن تنمية المرونة لدى الطلاب باستخدام التدريبات المصورة واللفظية، فيستطيع العاملون بالبيئة المدرسية تحقيق أهداف الإبداع فى هذا الجانب عن طريق توفير الأنشطة التدريبية فترة من الوقت أمام الطلاب(214).

كما يستطيع العاملون بالبيئة المدرسية تدريب طلابهم على إيجاد حلولاً مرنه للمشكلات الدراسية، ومن أفضل الطرق فى هذا الخصوص ما يسمى بعصف الذهن(215)، وهو أسلوب لإنتاج أفكار جديدة ومبدعة بغض النظر عن أهمية تلك الأفكار واستخداماتها(216).

وتسهم البيئة المجتمعية فى إكساب الطلاب المرونة عن طريق توفير الأنشطة التربوية لزيادة فعاليتهم وتنظيم خبراتهم ومدركاتهم، واستغلال أكبر عدد ممكن من العمليات الذهنية فى إنتاج الأفكار المتنوعة. ومن ثم يكتسب الطالب القدرة على القيام بإنجازات تتطلب إعمال الذهن فى موضوع معين مثل التوضيح، وإعطاء الأولوية، والأمثلة، والتعميم، والتطبيق، والمحاكاة، والتفكير فى الموضوع بطريقة جديدة(217).

كما يمكن لأفراد البيئة المجتمعية تدريب الطلاب على مرونة التفكير عن طريق استخدام ألعاب الكمبيوتر الإيجابية وغيرها من أنماط التكنولوجيات المنتجة الجديدة، والتى يتدخل فيها الطالب بنشاط ما من أجل تنمية عامل المرونة لدى الطلاب. وقد أشارت بعض الدراسات السابقة إلى الأهمية المتزايدة للتكنولوجيا وأجهزة الحاسوب فى مجال تنمية الإبداع ومهارات التفكير الابتكارى لدى الطلاب(218).

ويرى (جيمس كييف)(219) أن أساليب تعليم "مرونة التفكير" هى بمثابة طرق تساهم فى مساعدة الطالب على تنظيم وتعديل إجراءات الحصول على المعرفة، ومن خلال إستراتيجيات تعليم "مرونة التفكير" يمكن للطالب أن يتعلم مقررات دراسية مختلفة ونقل ما تعلمه لمواقف حياتية وتعليمية أخرى وفى مواجهة العديد من المشكلات اليومية.

ومن ثم فقد ظهر هذا الاهتمام المعاصر الذى ينادى بضرورة تعليم "مرونة التفكير"، كما ظهر اهتمام معاصر لمفهوم ما بعد المعرفة : أى أنك تتعلم كيف تفكر فى تفكيرك؟ وما  الاستراتيجيات التى تتبعها فى حل المشكلات المختلفة، على أن تكون على وعى بهذه الاستراتيجيات(220).

كما أن مدخل التفكير الحسى يفترض أن الطالب يعرف " كيف يفكر ". ومن ثم تأتى إسهامات البيئة المدرسية لدعم وتوجيه ورعاية الوظائف الإدراكية والتى تشكل أسس الوظائف المعرفية، ويستطيع المعلم مد يد العون للطلاب فى اكتشاف إمكاناتهم(221).

وفى هذا المجال يسهم العاملون بالبيئة المدرسية فى زيادة درجات الوعى وتقديمه على الاهتمام بالمحتوى، لأن زيادة الوعى وسيطرته على العمليات الذهنية أثناء إنهماك الطالب المبدع فى أى مهمة يحسن الأداء الذهنى العملياتى ويعمل على رفع مستوى القرارات والحلول والمعالجات لما يواجهون فى المواقف الصفى والحياتى(222).

تنمية الأصالة لدى الطلاب:

الأصالة (Originality)  تعنى القدرة على إنتاج أفكار جديدة غير مألوفة، فالأفراد المبدعون يمتلكون أفكاراً جديدة غير تقليدية(223).

ومن ثم يسعى الفرد إلى اكتساب المعرفة الجديدة وتكاملها واتساقها مع المعرفة القائمة فعلاً، بحيث تصبح المعرفة الجديدة والمعرفة القائمة مكوناً معرفياً واحداً جديداً فى الذاكرة بعيدة المدى(224). أيضاً يسعى الفرد إلى تعميق المعرفة وتدقيقها، أى الوصول بالمعرفة إلى نهايات ونتائج جديدة. وفى هذا البعد يقوم الفرد بتحليل ما اكتسبه من معلومات ومعارف وذلك من خلال تدريبه على الأنشطة العقلية المختلفة منها المقارنة، وتحليل الأخطاء، والتصنيف، وصياغة الحجج التى تدعم المعارف، والاستقراء، وتحليل الرؤية، والاستنباط، والتجريد(225).

ويمكن للبيئة المدرسية المساهمة فى هذا الأمر عن طريق توفير فرص المعرفة المتعمقة التى تدفع بالطالب لأن يخرج عن النطاق التقليدى المحدود ليبحث عن بدائل، ونقاط أكثر بعداً وعمقاً فى نواح مختلفة تتعلق بالموقف المطروح لإنتاج أفكار جديدة حول مسببات ذلك الموقف(226).

وفى هذا المجال يتيح العاملون بالبيئة المدرسية فرصة ما يسمى بالدراسة المتعمقة  (Indepth Study) لموضوعات معينة يختارها الطالب المبدع فى حدود موضوعات المناهج العادية. أيضاً يهتم هؤلاء العاملون بتنمية مهارات الدراسات الفردية والمستقلة، إلى جانب العمل على تنمية مهارات التفكير التجريدى والتركيز على المستويات العليا للعمليات العقلية، ودراسة المهام ذات النهايات المفتوحة (Open – End – Tasks). وتعمل الإدارة المدرسية ضمن عناصر البيئة المدرسية على تكامل المهارات الأساسية مع العمليات العقلية، وتنمية مهارات البحث والاطلاع، وتشجيع المبدعين على إنتاج أفكار جديدة وعلى إنتاج أفكار تستخدم حلولاً غير تقليديه للمشكلات المعروضة، إلى جانب تشجيع المبدعين على تنمية مهارات التقويم الذاتى لديهم(227).

ومن بين الاتجاهات الحديثة فى تنمية الأصالة لدى الطلاب متابعة تطورات بناء الاختبارات التحصيلية بحيث يكتشف فيها المتعلم قبل غيره قدراته وإيجابياته وسلبياته بحيث تتحول هذه الاختبارات إلى أدوات تقويم مستمر فى يد كل من الطالب والمعلم، ليصبح الطالب لديه القدرة على التقويم الذاتى، وكذلك يصبح التعلم شركة بين أطراف هى المعلم والمتعلم، والبيئة المدرسية، ويعتمد على إيجابية الطالب المتعلم أكثر من اعتماده على إيجابية عناصر البيئة المدرسية(228).

وهكذا تعمل البيئة المدرسية على تدريب الطلاب على أنواع مختلفة من معارف ومهارات التقويم الذاتى بدلاً من التركيز على كم من المعلومات، ومن ثم تصبح أدوار العاملين بالبيئة المدرسية هى كيفية مساعدة الطالب المبدع للتدريب على بعض مهارات العمليات الإبداعية والعمل المستقل والعمل وسط الجماعة، إلى جانب تدريب هؤلاء الطلاب المبدعين على عمليات الاكتشاف وطرقها المختلفة والتى تساعدهم على البحث والاطلاع(229). كما تعمل البيئة المدرسية على تزويد الطلاب بتدريبات فعالة على ميسرات التقويم الذاتى(230).

وفى ربط المعارف وتحليلها وتنظيمها يعتبر المعلم قائداً تربوياً فى تحديد المشكلة، وتقديم تعريف محدد لها، ثم فى إيجاد حلول قائمة على توليد الأفكار، ثم فى اختيار أحد البدائل واتخاذ القرار بشأنها. أما فى الخطوة الخامسة فهى اتخاذ موقف كالنظر فى النتائج والعمل مع الطلاب(231).

وهكذا ففى مجال تنمية الأصالة لدى الطلاب المبدعين يجب أن تشجع البيئة المجتمعية هؤلاء الطلاب على تحليل المعارف وتنظيمها والإبداع من خلالها، وعلى هؤلاء الطلاب أن يختاروا أكثر من مجال واحد للعمل والإبداع فيه، وفى هذا المجال يجب تعميم تدريس المعلوماتية فى مراحل التعليم العام.

تنمية الإتقان لدى الطلاب:

الإتقان (Elaboration)  يعنى القدرة على إتمام التفاصيل، هذا والقدرة على إتمام التفاصيل تحتاج إلى تعلم التفكير فى مواجهة المشكلات الحساسة. وتظهر هنا طرق الابتكارية والتقويم أثناء إتمام التفاصيل(232)، كما يظهر أثر استخدام العادات العقلية المنتجة التى تمكن الأفراد من تحقيق وتنظيم الذات.

وتساهم البيئة المدرسية فى هذا المجال عن طريق إتاحة الفرص للطلاب لتكوين اتجاهات إيجابية عن إتقان العمل، فالفرد لا يولد مزوداً بأى اتجاه إزاء أى موضوع خارجى، وإنما تتكون الاتجاهات نتيجة احتكاك الفرد بمواقف خارجية متباينة تؤثر عليه بطريقة ما، بحيث ينتهى الأمر إلى تكوين بعض الاتجاهات الخاصة(233).

كما يجب أن تعمل البيئة المدرسية على تتميه عادات التنافس بين الطلاب بما يؤدى إلى محاولة كل طالب إظهار أفكاره فى أحسن صورة، وهذا من شأنه أن يزيد من درجة الإتقان(234). فالمنافسة بين الطلاب تؤدى إلى انشغالهم بإظهار أفكارهم فى أحسن صورة، وهذا من شأنه أن يزيد من درجة الإتقان بين هؤلاء الطلاب.

كما يسعى العاملون بالبيئة المدرسية إلى تنمية العادات العقلية المنتجة مثل الحساسية للتغذية الرجعية، والسعى لتحقيق الدقة والاستفادة من الحد الأقصى من الكفاءة(235).

وفى هذا المجال يشارك أفراد البيئة المجتمعية فى تطوير مفاهيم النشاط المدرسى، وفى كيفية الإفادة منه فى تنمية الإتقان لدى الطلاب المبدعين، وبما يحقق أهداف مناهجنا بصور أكثر عمقاً ومرونة، وبما ينمى قدرة الطلاب فى التعليم المستمر ويزودهم بآلياته وأساليبه(236). فالمعلم يختار الخبرات التعليمية التى تحقق تنمية الإتقان بين الطلاب، وعلى المعلم أن يختار أساليب وإستراتيجيات التدريس المناسبة لتحقيق هذا الهدف فى تنمية الإتقان، بالإضافة إلى إبداء حرصه أن يكون قدوة حقيقية للطلاب فى هذا المجال(237).

ويجب أن تظهر إبتكارية العاملين بالبيئة المدرسية عند محاولته تحقيق بعض الأهداف التربوية، وعندما ينجح أو يفشل البعض فى تحقيق تلك الأهداف فإنه يكتشف مواطن قوته وضعفه فى معلوماته أو أسلوب تدريسه أو تعامله مع الطلاب أو فى شخصيته وقدراته فيقوم بتحليل تلك النقاط وإيجاد علاقات بين خبراته السابقة والمواقف الحالية وما يمكن أن يحدث مستقبلاً، وبالتالى يمكن الوصول إلى حلول تقوده إلى أن يكون متقناً فى تعامله مع الطلاب(238).

تنمية البنية المعرفية لدى الطلاب:

لتربية الإبداع عدة متطلبات معرفية، حيث تعتبر هذه المتطلبات بمثابة الخلفية التى لا يستطيع الطالب المبدع أن يقدم ناتجاً إبداعيا دون توافرها ، ومن ثم فإن التعمق فى البنية المعرفية يجب أن يتضمن فى أى نشاط  تعليمى أو تربوى تقدمه البيئة المدرسية لهؤلاء الطلاب المبدعين.

ويرتبط التعمق فى البنية المعرفية بعمليات التفكير الابتكارى، فالاختلاف بين الطلاب المبدعين وبين غيرهم من الطلاب هو اختلاف فى عمليات التفكير فى جوانبه المختلفة (الإدراك، والانتباه، والتنظيم، والتذكر، والاستبصار، والاسترجاع). والزمن الذى يستغرقه الطالب فى معالجة البنية المعرفية، ونوعية العمليات الذهنية التى يجريها على تلك البنية المعرفية، من عمليات الترميز، والتسجيل والتسمية، والاستدخال، والتنظيم، والربط، والإدماج، والاسترجاع من جهة، وعمليات المعالجة المتعمقة الرأسية والعمودية والأفقية للخبرات من جهة أخرى تحدد مستوى التفكير الذى يوظفه الطالب فى إنتاجه الإبداعى(239).

وتسهم البيئة المدرسية فى تنمية هذه المتطلبات المعرفية لدى الطلاب المبدعين عن طريق تزويدهم بالأنشطة التعليمية والتربوية التى تناسب قدراتهم المعرفية(240)، كما يتضمن أى نشاط فى تربية الإبداع العمليات المعرفية مثل التذكر والتفكير المحدود، بالإضافة إلى عوامل ترتبط بالتقويم(241)، مما يساعد هؤلاء المبدعين فى نتاجهم الإبداعي.

ويمكن لأفراد البيئة المجتمعية تنمية مهارات التفكير الابتكارى بين الطلاب عن طريق تدعيم الخبرات المكتسبة من خلال تمثيل الأدوار، حيث تتاح الفرص لكى يلعب هؤلاء الطلاب أدوار العلماء الموهوبين، وهذا الأسلوب يساعد الطلاب فى امتلاك المفاهيم الشائعة فى هذا التخصص، ومن ثم فى تنمية البنية المعرفية بين هؤلاء الطلاب الموهوبين(242).

وللبيئة المجتمعية دور هام أيضاً فى تزويد الطلاب المبدعين بالاستراتيجيات المعرفية التى تساعدهم على معالجة الخبرة وتنظيمها، والتعامل مع البدائل بطريقة تحترم فيها قدرات المتعلم. فالنظم المعرفية أصبحت متعددة، ومن ثم لا يجب الاعتماد على نظام معرفى واحد. كما أن التعلم من مصادر متنوعة يحسن من أساليب التعلم الصفى، ويزيد من تفاعل الطلاب المبدعين مع الأفكار والخبرات المقدمة فى تنمية البنية المعرفية لهم. وفى هذا المجال تتاح حرية واستقلال أكثر للطالب المبدع، حيث تصبح هذه الحرية خاصية لبنيته المعرفية المكونة لخريطة قدراته الذهنية. فحرية الطالب المبدع فى اختيار ما يتعلمه مطلب رئيسى فى التربية الإبداعية. هذا والإنتاجية الابتكارية تكون ناتجاً من مدى اهتمام الطالب بالمعارف والتجارب والخبرات التربوية السابقة فى هذا المجال(243).

أيضاً يجب أن تتيح البيئة المجتمعية فرص التعلم الذاتى، وتعلم الطالب كيف يتعلم (Learning how to learn). ويمكن للبيئة المدرسية هنا تنمية التفكير الابتكارى لدى الطلاب عن طريق تنمية الاستجابات الإبداعية لمواجهة أى مشكلة. ويلعب المعلم فى هذا الأمر دور الميسر لطلابه فى وصف الموضوع بكلمات عامة، وتوليد قائمة من التخيلات العقلية المتشابهة أو المتناظرة فى المراحل الأولى من الإبداع، ثم اختيار أحد هذه الحلول المبتكرة(244).

وفى هذا المجال يرى عبد الفتاح جلال(245) أنه يجب على المعلم أن يمتلك القدرة على أن يكسب طلابه قدرات التعلم الذاتى ومهاراته، والذى يتطلب معرفة مصادر المعرفة وأدواتها وكيفية التعامل معها، وقراءة محتوياتها وكيفية اختيار المادة التعليمية المناسبة، والتمييز بين مصادرها الأولية والثانوية والقدرة على تقويمها.

ويرى حامد عمار(246) أن تزويد البيئة المدرسية للمتعلم بالمعرفة شرط لازم فى عملية التعليم ولكنه ليس شرطاً كافياً فى تحقيق أى مستوى من مستويات التفكير وتكوين العلاقة وانتهاءً بتنمية الإبداع، فهذا كله يستلزم الإلمام بالمعلومة بشرط أن يكون لها بنية وتعاقب ومعنى وفاعلية فى الإدراك من أجل التفاعل مع الذات، لغير الأشياء، ومع الطبيعة. وهذا يدل على أنه ليس الحصول على المعلومات هو الهدف، ولكن الهدف معرفة ماهية هذه المعلومات ومدى توظيفها فى العملية التعليمية ومستويات إدراكها وتفاعلها مع الشخص نفسه وزملائه والمجتمع والبيئة التى حوله بما يؤدى إلى مناخ قوى لتربية الإبداع وتنمية الابتكار.

تنمية العوامل العقلية لدى الطلاب:

هناك مؤشرات عقلية للتعرف على الطلاب المبدعين منها مستوى مرتفع من الاستعداد للتحصيل الدراسى، ومستوى مرتفع من الاستعداد لتعلم موهبة ما، واستعداد مرتفع فى المهارات الميكانيكية. وبصفة عامة، فالطالب المبدع متفوق عقلياً، وهو يصل فى أدائه إلى مستوى أعلى من مستوى العاديين فى أى مجال من المجالات التى تعبر عن المستوى العقلى الوظيفى للفرد بشرط أن يكون ذلك المجال موضع تقدير الجماعة(247).

وفى هذا المجال يرى عبد السلام عبد الغفار(248)  أن العوامل العقلية تساعد على إدراك الفجوات ومواطن الضعف أو الخطأ فيما يمتلكه الطالب المبدع من معلومات مثل الحساسية للمشكلات، فالفروق بين الطلاب المبدعين وبين غيرهم من الطلاب هى فروق فى مستوى العمليات العقلية التى يوظفها الفرد على ما يقدم له من خبرة. وكلما زادت العمليات العقلية الأكثر تعقيداً كلما ارتقى مستوى تفكير الطالب وزادت إبداعاته.

وقد تأسس رأى على افتراض أن قدرات التفكير الابتكارى – بوصفها عوامل عقلية – قابلة للنمو والتحسن عن طريق التدريب(249)، كما أن عمليات التفكير عند الطلاب المبدعين تتصف بالسرعة والمنطقية مقارنة مع الطلاب العاديين، وفى ضوء التفكير المنطقى عند الطالب المبدع فليس من المستغرب أن تكون المقدرة على طرح التساؤلات وتفهم العلاقات الموجودة بين الأسباب والنتائج كلها من المؤشرات العقلية الأساسية للطلاب المبدعين(250).

ويلخص ويب(Webb) (251) الخصائص العقلية للمبدعين بحصيلة لغوية جيدة، وفهم أعمق لتفصيلات اللغة، وقدرة عالية على التركيز والانتباه لوقت طويل، وحفظ المعلومات العامة، وميل لعمل التجارب بطرائق مختلفة، إلى جانب تركيب الأفكار بطرائق مبتكرة.

وهكذا فمما لا شك فيه أن التربية الإبداعية لدى الطلاب تحتم الكشف عن قدراتهم العقلية فى وقت مبكر من حياتهم، مع تقديم الأنشطة التعليمية التى تحقق أكبر قدر ممكن من النمو فى هذه القدرات العقلية لديهم. فقد يتعرض الطلاب المبدعون لخبرات تعرقل الاستغلال الطبيعى لقدراتهم واستعداداتهم الإبداعية، وقد يحكم عليهم بأنهم مشاغبون بسبب ميلهم للاستعراض وطرحهم للتساؤلات حول كثير من القضايا والأمور الجديدة. ومن ثم فإن الطلاب المبدعين يحتاجون إلى أنشطة تربوية تتناسب مع قدراتهم واستعداداتهم وتفوقهم التحصيلى(252).

كما أن توافر أفكار إبداعية تعمل على تدريب المبدعين على العمليات العقلية العليا أمر لا بد منه. ومن ثم يجب أن يتدرب الطلاب على إيجاد حلول إبداعية لحل أى مشكلة، ويتم ذلك عن طريق توليد الأفكار اللازمة لحل مشكلة معينة دون التعرض لنقدها فى البداية، إلى جانب إطلاق حرية التفكير، وترحيب المعلم بكل الأفكار مهما يكن مستواها ما دامت متصلة بالمشكلة موضوع الاهتمام(253).

كما يعمل أفراد البيئة المجتمعية على تحسين كفاءة نواتج القدرات العقلية بين الطلاب عن طريق التوسع فى برامج التعليم الموجه من قبل المؤسسات المجتمعية وتوجيه الطلاب إلى دراسات حرة تنمى العوامل العقلية لديهم(254). كما يجب  تدريب الطلاب على البحوث الابتكارية المعتمدة على تحديد المشكلة وتعريفها وتوليد الأفكار وتنقيح الحلول، واستخلاص النتائج من خلال عمليات وتصنيفات علمية، والتوصل إلى الحلول المبتكرة(255)، ومن ثم يجب الاهتمام بتدريب الطلاب على مثل هذه البحوث الابتكارية فى حل المشكلات، فيلجأ المعلم إلى تنمية هذه المهارة عن طريق الشرح والتطبيق، إلى جانب ربط هذه المهارة مع مهارات العصف الذهنى والتفكير بصوت مسموع، والتعليم التعاونى(256).

كما يمكن استخدام استراتيجيات التمثيل البصري(Visualization Strategies)   مثل التخيلات العقلية فى شرح الأمثلة التاريخية التى أحاطت بالإبداع والمبدعين والمخترعات العلمية خلال الحقب التاريخية، فتعرض أمثلة تاريخية، وتناقش أنواعها فى مختلف المعارف، ومن ثم يقود التمثيل البصرى إلى تطبيقات تربوية فى مجال التربية الإبداعية لدى الطلاب(257).

ويجب تزويد الطلاب بالمهارات العقلية، والنظر إليها باعتبارها من الأهداف التربوية الأساسية لأية مادة دراسية. وفى هذا المجال يذكر عبد السلام عبد الغفار(258)، إنه يجب العمل على تنمية القدرات العقلية المختلفة وهى متعددة ولا يُعرف حدود نموها، وغاية ما تستطيع البيئة المدرسية القيام به هو تهيئة أفضل الظروف لحدوث أفضل نمو لقدرات الطلاب فى المراحل التعليمية المختلفة.

ويرتبط دور العاملين بالبيئة المدرسية فى تنمية القدرات العقلية لدى الطلاب المبدعين بمدى اهتمام المدرسة بطرق وأساليب الحصول على المعرفة. ومن ثم يجب على المعلم أخذ زمام المبادرة والتقليل قدر الإمكان من مظاهر حفظ المعرفة، والعمل على تنمية القدرات العقلية لمناقشة هذه المعرفة، وأن تعمل البيئة المدرسية على تهيئة أفضل الظروف لحدوث أفضل نمو لقدرات هؤلاء الطلاب المبدعين فى المواقف التعليمية التعلمية.

وقد وصفت إحدى الدراسات دوراً متميزاً للعاملين فى البيئة المدرسية فى تنمية القدرات العقلية لدى الطلاب المبدعين فى الفصل المدرسى العادى عن طريق إتاحة المعارف من خلال حياة الطالب، ومن خلال المواقف القائمة كخطوة أولى لحل المشكلة، ثم تحديد المشكلة، وأكتشاف أأاكتشاف الحلول المتضمنة لتوليد الأفكار والاقتراحات والاختيار من بين البدائل المتضمنة وتحديد المعيار واتخاذ القرار وتكييف المعايير وحل المشكلة من خلال خبرات الطلاب(259).

تنمية السمات الشخصية لدى الطلاب:

من السمات الشخصية التى تميز الطلاب المبدعين أنهم واثقون من أنفسهم، ومتكيفون مع من حولهم، ولديهم مستوى عال من المشاركة الوجدانية، وهم مرنون فى تقبل وجهات النظر، وهم قادرون على الاعتراف بحقوق الآخرين، وباستطاعتهم تحسس مشاعر الآخرين وآمالهم(260).

وقد أشار عبد السلام عبد الغفار(261) إلى أن الطالب ذا الاستعداد النفسى للإبداع هو طالب يتسم بالمرونة والنكتة، يقبل على الناس ويشرع فى إنشاء صداقات، وينجح فى تكوين علاقات اجتماعية. فإنتاج الجديد فى أى مجال من المجالات هو مغامرة، وصفات مثل الثقة بالنفس، والاعتماد عليها، والاكتفاء الذاتى تعتبر من السمات الشخصية التى تؤدى دوراً هاماً فى الإبداع(262).

وقد لخصت ريم ودافيز (Rim and Davis) (263) السمات الشخصية للطالب المبدع فى ميله إلى الاستقلالية فى التعلم، ولدية دافع ذاتى على التعلم، بينما يعتمد الطلاب الآخرون فى تعلمهم على المعلم، إلى جانب أن الطلاب المبدعين يستمتعون بالواجبات والأعمال غير المهيأة تماماً بينما يفضل غيرهم الواجبات المهيأة مسبقاً. أيضاً يفضل الطلاب المبدعون الطرائق التعليمية التى تقوم على المشاركة الفعالة، بينما يفضل الطلاب الآخرون الطرائق التى تقوم على المشاهدة فقط.

ومن متطلبات السمات الشخصية لدى الطلاب الموهوبين إدراك المبدع أن هناك علاقة سببية بين الفعل والنتيجة، كما يدرك الطالب المبدع أن التعزيز الإيجابى أو السلبى لسلوكه يتوقف على أساليب عمله، وعندئذ يكون التحكم داخلياً. وهؤلاء الطلاب من ذوى التحكم الداخلى يتميزون بمفهوم إيجابى عن الذات، فيشعرون بسماتهم وقدراتهم، وما يمتلكونه من لغة وذكاء، ومن ثم يميلون إلى الانضباط الذاتى بغض النظر عن جوانب الانضباط الأخرى، وهؤلاء الطلاب من ذوى الانضباط الذاتى لديهم القدرة على الإبداع والابتكار واستخلاص الحقائق واستنباط المعلومات من المواقف الغامضة(264)، كما أن الطلاب المبدعين يمتلكون الدافع القوى والمثابرة فى العمل(265).

وتستطيع البيئة المدرسية الإسهام فى توفير شروط التربية الإبداعية فى هذا المجال باستخدام طريقة الحوار والإقناع فى التعليم، حيث أنها تساعد المتعلم على تحقيق التفاعل والإيجابية والثقة بالنفس. والتدريس من خلال الحوار والإقناع يكسب المتعلم التفكير الناقد والثبات الانفعالى، وبذلك يمكن للحوار أن يكسب المتعلم منهجية للتفكير الابتكاري. ومن ثم يجب على العاملين بالبيئة المدرسية تدريب طلابهم على الحوار الإيجابى مع توفير جوانب الثقة المتبادلة بين الطلاب ومع التأكيد على الجانب الإنسانى وتوفير جو ديمقراطى تسوده الحرية والتسامح(266).

ومن المهم إيصال المتعلم إلى مرحلة متقدمة من مراحل الانضباط، وهى مرحلة الانضباط الذاتى وتتمثل قيم الانضباط الذاتى فى تصرف الطالب وفق القوانين لأسباب تنبع من داخله وليس لأسباب مفروضة عليه من الآخرين. هذا ويتصل بإكساب الطلاب قيم الانضباط إكسابهم - فى الوقت نفسه- قيم الحرية والمهارات الاجتماعية الأخرى فى إطار المحافظة على الأعراف السائدة فى المدرسة(267). ويتصل بهذا الأمر دور المعلم داخل الفصل بحث يكون قادراً على تحديد علاقة المادة التى يدرسها بالقيم التى يرجحها كمعلم، ومدى مناسبة طريقة التدريس التى يستخدمها مع المادة التى يقوم بتدريسها والوسائل التى يقوم باستخدامها وفائدتها فى هذه المادة، إلى جانب رأيه فى المنهج ونقاط قوته وضعفه ودوره فى تنمية المهارات لدى المتعلم والمتمثلة فى النقد والحوار والتذوق(268).

تنمية العوامل الدافعية لدى الطلاب:

وهى مجموعة العوامل التى تدفع المبدع إلى السيطرة على ما لديه من معلومات ومهارات فى مجال الإبداع الذى يبدع فيه، وهو الذى يدفعه أيضاً إلى التفكير واكتشاف ما قد يوجد فى ذلك المجال من أوجه ضعف، ومن ثم إلى التفكير فى الجديد والتعبير عنه(269).

والعوامل الدافعية هى إحدى المتطلبات الضرورية للتعلم، فمهما كانت المعدات والأجهزة والكتب متوفرة بالمدارس، فإن كل ذلك لن يغنى عن استثارة الدافعية لدى الطلاب، والمتمثلة فى عدد من العوامل تتراوح بين شخصية الطالب وسماته وقدراته إضافة إلى حوافز التعلم واستراتيجياته(270).

ويقصد بإثارة الدافعية عند الطلاب إيجاد الرغبة وحفز الهمة لديهم ويتم ذلك عن طريق مشاركة المنزل للمدرسة، ومشاركة المدرسة للمنزل فى إثارة الدافعية لدى هؤلاء الطلاب أثناء ممارسة العمليات الإبداعية. ومن ثم يجب على البيئة المدرسية أن تنفتح على الجو الأسرى للتلاميذ من أجل توفير المواد القرائية المناسبة لتنمية فرص الإبداع لدى الطلاب، فالخبرات المتطابقة ما بين المدرسة والمنزل تحفز الهمم لدى الطلاب وتزيد الدافعية بينهم(271).

هذا وتزداد الدافعية بين الطلاب للعمل كلما أزداد انغماسهم فى هذا العمل، وارتفع مستوى أدائهم. فحين يبدأ الطالب المبدع فى العمل ويسيطر على بعض مفردات المجال، تبرق شرارة الدافعية، وإذا سيطر الطالب المبدع على هذا المجال، فإن شرارة الدافعية تزداد وتستمر هذه الزيادة إذا بدأ الطالب المبدع فى اكتشاف العلاقات، وانتقل إلى مستويات أعلى من التفكير(272).

ويمكن للبيئة المدرسية أن تسهم فى تنمية الدافعية لدى الطلاب عن طريق تنمية حساسية حل المشكلات لدى الطلاب، فالطالب يجب أن يصبح حساساً تجاه استخدام إستراتيجيات حل المشكلات التى لها عوائد تتمثل فى توفير فرص النشاط الإبداعى فى المستقبل(273). كما يجب على البيئة المدرسية إثارة الدوافع لدى الطلاب ورعاية قدراتهم واستعداداتهم وتوفير المزيد من وسائل التعلم لهم، وأن يعتمد المعلم استراتيجية التدريس الصامت – لبعض الوقت أثناء الحصة الدراسية – والتى تعتمد على أن يصبح المعلم صامتاً، وفى المقابل يستمر الطالب فى توليد الفروض المرتبطة بمفاهيم الدرس. ويعتمد المعلم فى هذا الأمر على معرفة الطالب وتخيله للعالم من حوله، ومعرفته لذاته(274).

كما أن الطلاب المبدعين يحتاجون إلى تركيز جهود البيئة المجتمعية من أجل تعليمهم الاستراتيجيات النافعة فى التعلم جنباً إلى جنب مع تعليمهم المواد الدراسية المختلفة. فتدريس المادة العلمية مهم ولكن إرشاد الطلاب إلى أنجح الاستراتيجيات التى تعمق فهم هذه المواد عند دراستها يعد على الدرجة نفسها من الأهمية . وقد يكون مفيداً أن يتم تدريب الطلاب على العزو وطرق وأساليب إدارة الموارد المتاحة كالوقت والأصدقاء والأماكن المناسبة فى تحسين مستوياتهم التعليمية(275).

كما أشارت إحدى الدراسات(276) إلى أنه من الأفضل أن تترك الفرص للطلاب المبدعين لكى يتعرفوا على أخطائهم بأنفسهم، فهذا يؤدى إلى زيادة أسباب الدافعية فى المهام المعرفية بين هؤلاء الطلاب المتفوقين.

وللبيئة المجتمعية دور فعال فى زيادة الدافعية والثقة بين الطلاب ومحاولة تعريفهم بمقدار النجاح الذى يحرزونه فى حل أى موقف تعليمى، وعلى العاملين بالبيئة المدرسية أن يعملوا على المساهمة فى زيادة الدافعية لدى الطلاب عن طريق جعلهم يعتمدون على أنفسهم فى مواجهة حل الموقف، وعلى المعلم أن يزيد من إجراءاته وأساليبه التى تهدف إلى رفع دافعية الطلاب للتعلم وزيادة إقبالهم عليه، ويمكن للمعلم توظيف مدخل أسلوب حل المشكلات لتحقيق هذه الأهداف(277).

تنمية العوامل البيئية لدى الطلاب:

ينظر إلى الإبداع كمحصلة لتفاعل الوراثة والبيئة معاً، فالوراثة تزود الفرد بمدى من الاستعدادات، ثم تأتى البيئة لتضع الفرد على نقطة الاستعداد. ويظهر الإبداع لدى الطالب إذا عاش فى بيئة تتفهم قدراته وإمكانياته الإبداعية(278). فإذا كانت البيئة التى يعايشها الفرد بيئة سمحة ومرنه وتحترم فيها حرية الطالب فى التفكير والتعبير، ولا تتسرع فى إصدار الأحكام على من يفكر ويعبر عن فكره، وإذا كانت البيئة تعطى للفكرة والرأى والناتج – بصفة عامة – فرصة التجريب فإن هذا سوف يكمل ذلك الجانب الذى يصعب أن يظهر ناتجاً إبتكارياً فى غيابه(279).

وهكذا يحتاج الطالب المبدع إلى بيئة تقل فيها الضغوط وعوامل الكف، وتتميز بقدر كاف من الحرية واحترام وتقدير الإنسان، وتتكامل فيها أساليب التعليم ما بين البيئتين المدرسية والأسرية لإيجاد بيئة تساهم فى التربية الإبداعية لدى الطالب. ويجب على البيئة المدرسية هنا أن تتعاون مع الأسرة فى توفير الوسائل الثقافية بما فيها القصص والمجلات وغيرها من الوسائل التى تساعد على التربية الإبداعية لدى الطلاب.

كما أن الطالب المبدع فى حاجة لأن يعيش فى بيئة تحتوى مثيرات مختلفة وغنية تستثير القدرات الكامنة لديه، إلى جانب أن يكون المناخ الثقافى والاجتماعى والتربوى مناسباً لنمو قدراته، ويعنى ذلك أن يكون المجتمع حوله معنيا باستثمار قدرات ذلك المتفوق المبدع، وتوظيفها فى مجالات مختلفة من حياة المجتمع ذاته(280).

وهكذا فإن أكثر ما يحتاجه الطلاب المبدعون هو احترام العاملين بالبيئة المدرسية لهم وثقتهم فى قدرة طلابهم على إنتاج عمل مبدع، ويشيع بين هؤلاء قيم معينة منها الأمانة، والصراحة، والاحترام المتبادل، والطموح والمثابرة فى العمل.

كما أن الطالب يمتلك فى الغالب بعض المعارف والمهارات المتضمنة من خلال معايشته للبيئة المحيطة به، ويمكن للمعلم طرح مشكلات تثير فرص الإبداع فى الفصل من خلال إتاحة الفرص لإظهار كل طالب معارفه ومهاراته المكتسبة من البيئة التى يعيش فيها. وهكذا يستطيع المعلم إتاحة فرص الإبداع من خلال استخدام هذه المعارف والمهارات البيئية فى كيفيه حل المشكلات التى تعرض على الطلاب أثناء تقديم الأنشطة التربوية(281).

وقد أشارت دراسات سابقة فى مسألة نمو القدرات الإبداعية وعلاقتها بالبيئة إلى أن نمو القدرات الإبداعية يشهد ارتفاعاً ملحوظاً فى نهايات مرحلة الطفولة وفتوراً فى بداية مرحلة المراهقة نتيجة عوامل بيئية تتمثل فى عوامل الضغط والمسايرة والامتثال لقوانين الجماعة ومواجهة مطالب الحياة(282).

كما أن العاملين بالبيئة المدرسية مسئولون عن التفاعل الإيجابى والتعاون بين المدرسة والبيئة الخارجية عنها، فيعمل هؤلاء على توفير المناخ الابتكارى للطلاب فى كل من البيئة المدرسية والمنزل وذلك لكى تتحسن فرص المعرفة والفهم لديهم، فحين يتعرف العاملون بالبيئة المدرسية على المناخ السائد فى منازل الطلاب، يستطيعون عمل مواءمة بين أساليب تعاملهم مع الطلاب وأساليب الوالدين فى معاملة أبنائهم، وهذا يؤدى لأن تلعب العوامل البيئية دوراً فى تنمية القدرات الإبداعية لدى الطلاب(283).

ويستطيع العاملون بالبيئة المدرسية من خلال اتصالهم بأسر الطلاب– أن ينصحون الوالدين بأن سلوك التسامح فى التنشئة ينمى الإبداع لدى أبنائهم، ومن ثم تقوم المعاملة الوالدية على الإقناع والمحاورة الفكرية والحرية وعدم فرض القيود على الأبناء والبعد عن أساليب العقاب القاسية، فإن هذا ينمى الإبداع لدى الطلاب، وفى هذا الأمر أوضحت (مها زحلوق)(284) أن الأباء الذين يمكن أن يسهموا فى تنمية الإبداع لدى أبنائهم هم الأباء الذين يتسمون بذهن متفتح، وبمرونة عقلية، وبعد عن التسلط، وبقدرة على منح أبنائهم الاستقلالية التى تمكنهم من الثقة بالنفس. ومن ثم يتم التعلم فى جو مريح يشعر الطالب فيه بالهدوء والطمأنينة، حيث يكون المنهج المدرسى متصلاً بالبيئة المحيطة التى تخدم اهتمامات شخصية الطالب، وتتيح له استخدام ميسرات التعلم المتواجدة فى البيئة المحيطة حوله.

كما أن المناخ العام فى البيئتين المدرسية والأسرية يجب أن يتسم بالعدالة والتسامح والحرية والاحترام المتبادل، لأن فى ذلك ما يسمح بنمو الإبداع، فما يلاحظه الطلاب فى المنزل والمدرسة من نمط للعلاقات بين الأفراد يترك تأثيراته فى سلوكهم، ومن ثم فى ميلهم لممارسة التفكير الإبداعى فى مناشط حياتهم(285).

هذا ومشاركة الأسرة للمدرسة فى الأنشطة التربوية قد يترك أثراً كبيراً فى جعل البيئة الدرسية نشطة وفعالة فى تربية الإبداع وتنمية التفكير الابتكارى لدى الطالب(286) ومن ثم فلا بد من تفعيل أدوار مجالس الأباء فى رعاية الإبداع لدى الطلاب، والعمل على نشر نتاجات الطلاب الإبداعية فى مؤسسات المجتمع المحلى مثل الصحف المحلية والمجلات.

اعتماد أساليب التجميع والعزل:

تتعدد الأساليب التى يتم تنظيمها بغرض رعاية الإبداع وتنميته لدى الطلاب، وتختلف هذه الأساليب من مجتمع لآخر حسب درجة تقدم هذه المجتمعات، ومن بين هذه الأساليب أسلوب التجميع والعزل، حيث يقصد بأساليب التجميع والعزل تجميع الطلاب المبدعين وعزلهم عن باقى الطلاب العاديين لكل وقت الدراسة أو بعضها، وتستهدف هذه الأساليب توفير أكبر درجة ممكنة من التجانس بين الطلاب المبدعين، وجعلهم فى صف خاص بهم مما يسهل استفادتهم من العملية التربوية المقدمة لهم استفادة كاملة.

وتهدف أساليب التجميع والعزل بين الطلاب المبدعين إلى توفير بيئة تربوية مثيرة محفزة تتحدى قدرات هؤلاء الطلاب وتسمح لهم بالتعلم من بعضهم البعض والذين لهم القدرات والاهتمامات والميول نفسها(287).

وتتم أساليب التجميع والعزل وفق أشكال متمايزة، لعل أهمها المدارس الخاصة للمتفوقين والمبدعين، إلى جانب الصفوف الخاصة حيث يتم تجميع هؤلاء الطلاب المبدعين فى فصول خاصة، أو حتى فى مراكز معينة حيث يدرس هؤلاء الطلاب المقررات والأنشطة والمناهج التى تتناسب مع احتياجاتهم بعيداً عن البرنامج المدرسى العادي.

ولقد كانت مصر من أوائل الدول العربية التى اهتمت بإنشاء مدارس خاصة للمتفوقين والمبدعين منذ بداية الخمسينات من هذا القرن، حيث بدأت مدرسة المعادى للمتفوقين فى عام 1955، تلى ذلك مدرسة عين شمس للمتفوقين عام 1960، ثم تلا بعد ذلك إنشاء العديد من المدارس النموذجية التى تقبل هؤلاء الطلاب المتفوقين المبدعين فى أى مجال من مجالات الإبداع.

وتقبل مثل هذه المدارس الخاصة الطلاب الموهوبين والمتميزين فى قدراتهم العقلية، حيث تعمل هذه المدارس على تقديم مقررات دراسية مكثفة تستثير طاقات هؤلاء الطلاب وتلبى حاجاتهم الإبداعية وذلك فى المجال أو المجالات التى يبدعون فيها. وتقدم بعض هذه المدارس النموذجية نفس المقررات الدراسية التى يدرسها الطلاب العاديون، ولكن بشكل أكثر عمقاً وثراءً بحيث تلبى حاجات هؤلاء الطلاب المبدعين، وتنمى التفوق العقلى لديهم(288).

أما الصفوف الخاصة للمتفوقين والمبدعين ، فهى نوع من الصفوف يتم إنشاؤها ضمن إطار المدرسة العادية، وتخصص لها فى الغالب المقررات الدراسية التى تخصص للطلاب العاديين، ولكن بطريقة أكثر عمقاً وثراءً، بحيث تأتى ملبية لحاجات الطلاب المبدعين، وتعمل على تنمية مستوى قدراتهم واستعداداتهم.

وفى مصر تم إنشاء العديد من هذه الفصول الخاصة لرعاية هؤلاء الطلاب ذوى القدرات الفائقة، إلى جانب تزويد هؤلاء الطلاب بمقررات اختياريه تسمى مواد المستوى الرفيع، وبخبرات تربوية إضافية مكملة للخبرات الصفية فى عدد من المواد الدراسية.

وبجانب هذه الصفوف الخاصة هناك طريقة تجميع الطلاب الموهوبين فى بعض المقررات الدراسية فترة من الوقت فى صفوف خاصة، فى حين يستمرون فى باقى المقررات الدراسية الأخرى مع زملائهم العاديين فى الصف العادى(289). كما يتم تجميع الطلاب المبدعين فى ركن واحد فى هذه الصفوف الدراسية فترة من الوقت أو طول الوقت خلال اليوم الدراسى ليأخذوا مقررات دراسية إضافية غير مقررة على الطلاب العاديين.

وهناك مناهج خاصة للطلاب المبدعين، حيث يتعلق هذا المحتوى المنهجى بمدى واسع من الموضوعات والمشكلات التى تراعى كافة الاهتمامات والاحتياجات. كما تقدم هذه المناهج الخاصة خبرات إدراكية تعزز الخبرات المنهجية وتدعمها(290).

وفى هذا الخصوص صدر القرار الوزارى رقم (114) لعام 1988(291) بشأن إنشاء فصول خاصة للمتفوقين بالمدارس الثانوية العامة بهدف رعاية ذوى القدرات الفائقة، وتهيئة ظروف تربوية مناسبة تساعد هؤلاء الطلاب على تنمية مواهبهم ومتابعة تفوقهم العلمى وإثراء شخصياتهم وتنمية مواهبهم من أجل إعداد جيل من العلماء والمبدعين.

كما يتم تزويد هؤلاء الطلاب المتفوقين والمبدعين بمقررات اختيارية تسمى مواد المستوى الرفيع يمتحن فيها هؤلاء الطلاب وتضاف إلى مجموعهم العام إن حصلوا على نسبة معينة فى  هذا المقرر.

وفى الولايات المتحدة الأمريكية أوضحت دراسة كوكس (Cox) (292) أن (72%) من الأنشطة التربوية المنفذة لرعاية الطلاب المبدعين تستخدم أسلوب الصفوف الخاصة بعض الوقت أثناء اليوم الدراسى فى المدارس العامة.

اعتماد أسلوب التسريع أو الإسراع:

يقصد بأسلوب التسريع أو الإسراع نقل الطالب المتميز فى قدراته إلى الصفوف الأعلى بسرعة أكبر مما هو متبع فى نظام المدرسة العادية. وهذا الأسلوب يجعل الطالب المبدع قادراً على الدراسة مع من هم فى مستواه من الناحية العقلية والتحصيلية، ويعنى ذلك أن سيرته الدراسية من حيث السنوات يكون أسرع مما هو معتاد فى حال أقرانه من الطلاب العاديين(293). وفى هذا الأسلوب يمكن السماح أيضاً للطالب المبدع أن يشاهد دروساً تعليمية فى الصف التالى وهو طالب فى الصف الحالى، إلى جانب إتاحة الفرص لمثل هؤلاء الطلاب لدراسة موضوعات دراسية فى الصفوف الأعلى.

وهكذا فإن أسلوب التسريع أو الإسراع يهتم بمكافأة الطالب المتفوق والمبدع بإسراع تعلمه(294) كدخوله المدرسة مبكراً أو انتقاله إلى صف أعلى من صفه الدراسى، وهذا يسمى (التخطي)، أو ترفيعه فى مادة دراسية (دراسة مقرر ما فى الصف التالى وهو طالب فى الصف الحالى مثلاً)، أو حتى الإسراع بتخرجه قبل زملائه، أو إكمال متطلبات الدراسة قبل الوقت المطلوب حسب قدراته واستعداداته. ومن ثم فإن الطالب المبدع يتحرك فى السلم التعليمى طبقاً للسرعة التى تسمح بها قدراته العقلية دون النظر إلى العمر الزمنى أو المرحلة التعليمية التى ينبغى أن يوضع فيها الطالب.

اعتماد أسلوب الإثراء أو الإغناء :

يقصد بأسلوب الإثراء أو الإغناء تزويد الطالب المبدع بخبرات تربوية إضافية مكملة للخبرات الصفية العادية فى عدد من المواد الدراسية لأن الطلاب المبدعين غالباً ما يتمكنون من الانتهاء من النشاطات الصفية العادية بسرعة وبكفاءة أكبر من غالبية الطلاب العاديين، إلى جانب تزويد الطالب المبدع بخبرات غنية فى موضوع أو مادة دراسية واحدة هى التى يبدو إبداعه فيها. إذن فأساليب الإثراء أو الإغناء هى برامج وأنشطة منهجية خاصة تصمم لمقابلة إحتياجات المبدعين. وتعتمد هذه البرامج الخبرات التربوية المتنوعة سواءً فى المحتوى أو فى الطريقة التى تقدم للمبدعين فى الأنشطة الصفية واللاصفية، وهذا ما يسمى بالأنشطة الاثرائية.

وفى الولايات المتحدة الأمريكية أوضح جاليجر (Gallagher)(295)  أن أكثر أنواع الأساليب التنظيمية فى التربية الإبداعية لدى الطلاب استخداماً هى الأنشطة الإثرائية فى الفصول العادية بعض الوقت، إلى جانب رعاية المعلم لطلابه المبدعين فى فصولهم العادية، واستخدام الغرف والفصول المجهزة بطريقة معينة تسمى غرفة المصادر (Resource Room) ، حيث تجهز الغرف بالمعدات والأجهزة لتلائم كافة استعدادات المتعلمين ومواهبهم. أيضاً هناك دروس خاصة للطلاب المبدعين فى أيام الإجازة الأسبوعية إلى جانب فصول خاصة للمبدعين ضمن المدرسة العادية.

وتأخذ الأنشطة الإثرائية أشكالاً وصوراً  متعددة ويمكن حصرها – كما وردت فى بعض الدراسات السابقة(296) فيما يلى:

-    الدراسات المستقلة المفردة للطالب المبدع، حيث يدرس الطالب المبدع فيها بعض المقررات الإضافية حسب رغبته بغض النظر عن مكانة هذه المقررات الإضافية فى المقررات الدراسية العادية.

-         تكليف الطلاب المبدعين بزيارة المكتبات المدرسية وإعداد تقارير عن الموضوعات التى تتعلق باهتماماتهم ومجال إبداعاتهم.

-         تنظيم معارض علمية بالمدارس حول عدد من الموضوعات المبتكرة ، وتخصيص جوائز للطلاب المبدعين فيها.

-         تنظيم نوادى الإبداع فى المدارس، وتشجيع الطلاب المبدعين على الانتساب إليها.

-         تدريبات صفية منهجية فى الكتاب المدرسى تخصص لهؤلاء الطلاب.

-         برامج صيفية وبرامج نهاية الأسبوع تحت إشراف المدرسة.

-         مطبوعات توزع على الطلاب المبدعين فى الصف المدرسى دون زملائهم العاديين.

-         مناهج إضافية للطلاب المبدعين الذين يؤدون أداءً متميزاً فى فصولهم العادية ويحتاجون إلى رعاية خاصة لتنمية مواهبهم وقدراتهم.

هذا والأنشطة الإثرائية السابقة تهدف إلى تحقيق بعدين رئيسيين هما : البعد الأفقى حيث توسع الطريق أمام الطالب المبدع لزيادة معلوماته وتوسيع مداركه وتعريفه بموضوعات عديدة ومتعددة فى مجال إبداعه، والبعد الرأسى، حيث تعمل على تعميق مفهوم المبدع فى المعلومات المعطاة(297).

الخلاصة :

ومن التحليل السابق لنتائج الأدبيات التربوية المعاصرة فى مجال التربية الإبداعية لدى الطلاب تم التوصل إلى أهم شروط التربية الإبداعية وإسهامات البيئة المدرسية فى توفيرها. هذه  الشروط والإسهامات  يجب العمل على توفيرها من خلال المشاركة المجتمعية الفعالة، بمعنى أن تتكاتف كافة التنظيمات المجتمعية فى المجتمع المدنى فى توفيرها.

جدول (1)

شروط التربية الإبداعية وإسهامات البيئة المدرسية فى والشراكة المجتمعية توفيرها

شروط التربية الإبداعية

إسهامات الشراكة المجتمعية فى توفيرها

الطلاقة

1-    تدريب الطلاب على مهارات التفكير المتعمق حول التأمل والفهم والتحليل

2-    تدريب الطلاب على مهارات التفكير الشامل المتمركز حول تنظيم الموقف للوصول إلى أفكار جديدة.

3-          توفير أنشطة العمل التعاونى بين الطلاب فى المجال الذى يتعاملون فيه

4-          وضع أسس وآداب للمناقشة العامة الفاعلة والمفيدة.

المرونة

5-    توفير الأنشطة التربوية التى تعتمد على الحاسوب لتدريب الطلاب على مرونة التفكير.

6-    توفير الأنشطة التربوية التى تتطلب إعمال الذهن فى الإنجاز التحصيلي

7-          توفير التدريبات المصورة واللفظية فى حل المشكلات التعليمية.

8-    تدريب الطلاب على توظيف ما لديهم من معلومات لتحقيق أهداف حياتية.

الأصالة

9-    تدريب الطلاب على ربط المعرفة الجديدة بالمعرفة القائمة لاستخلاص نتائج الدرس.

10-  تدريب الطلاب على تحليل ما اكتسبوه من معرفة للوصول إلى نتائج جديدة.

11-     تنمية مهارات تنظيم المعرفة المختارة.

12-     تنمية مهارات التقويم الذاتى بين الطلاب.

الإتقان

13-     تدريب الطلاب على استخدام العادات الصالحة فى تنظيم الذات.

14-  تدريب الطلاب على الدقة فى الأداء التعليمى من خلال تطوير الأنشطة المدرسية.

15-     تكوين اتجاهات إيجابية عن إتقان العمل لدى الطلاب.

16-     تنمية عادات التنافس بين الطلاب أثناء إتمام التفاصيل.

البنية المعرفية

17-     تزويد الطلاب بالأنشطة التعليمية التى تناسب قدراتهم المعرفية.

18-     تدريب الطلاب على العمليات المعرفية فى جوانب التذكر والتطبيق.

19-  إتاحة الفرص للطلاب لكى يلعبوا أدوار العلماء الموهوبين فى التخصص.

20-     تدريب الطلاب على العمليات المعرفية فى جوانب الإدراك والانتباه

العوامل العقلية

21-  تدريب الطلاب على إظهار العلاقات الموجودة بين الأسباب والنتائج.

22-  تدريب الطلاب على تركيب الأفكار بطرائق مختلفة فى الدروس التعليمية.

23-  احترام الطلاب الذين يطرحون أفكاراً إبداعية جديدة لحل مشكلة معينة.

24-     عرض أمثلة تاريخية ومناقشة أنواعها فى التخصص المعروض.

السمات الشخصية

25-     تنمية جوانب المغامرة لدى الطلاب.

26-     اعتماد أساليب الحوار والإقناع مع احترام الرأى والرأى الآخر.

27-     تنمية جوانب الانضباط الذاتى لدى الطلاب.

28-  إتاحة فرص الواجبات المنزلية الحرة والكافية لإشعار الطالب باستقلاليته فى التعلم.

العوامل الدافعية

29-  إتاحة الفرص التعليمية المعتمدة على أسلوب حل المشكلات داخل الفصل.

30-  إتاحة الفرص للطلاب لاكتشاف العلاقات بين عناصر الموضوع المعروض.

31-  إتاحة الفرص لكى يرتقى الطلاب بمستوى تفكيرهم فى معرفة أخطائهم بأنفسهم.

32-  إتاحة الفرص لكى يستكشف الطلاب كل ما هو جديد فى الموضوع المعروض.

العوامل البيئية

33-  إتاحة الفرص للطلاب لإظهار معارفهم ومهاراتهم المكتسبة من بيئاتهم.

34-  العمل على أن تكون بيئة الصف سمحة ومرنة ويسودها الاحترام المتبادل.

35-     احترام حرية الطالب فى التفكير والتعبير عن هذا التفكير.

36-     عدم التسرع فى إصدار الأحكام على الطلاب.

التجميع والعزل

37-  تجميع الطلاب المتفوقين فى صف خاص بعض الوقت أثناء اليوم الدراسى.

38-  تجميع الطلاب المتفوقين فى ركن واحد فى الصف المدرسى طول الوقت.

39-  تجميع الطلاب المتفوقين فى ركن واحد فترة من الوقت للتدريب على إبداعاتهم.

40-  تزويد الطلاب المتفوقين بمقررات دراسية اختيارية غير مقررة على باقى الطلاب.

التسريع الإسراع

41-  إتاحة الفرص التعليمية للطلاب المتفوقين لحضور حصص دراسية فى الصفوف الأعلى.

42-  إتاحة فرص دراسة مقرر ما فى الصف التالى، وهو طالب فى الصف الحالى.

43-  إتاحة فرص مشاهدة دروس تعليمية فى الصف التالى، وهو طالب فى الصف الحالى.

44-  إتاحة فرص دراسة موضوعات دراسية فى الصف التالى، وهو طالب فى الصف الحالى.

الإثراء والإغناء

45-     تزويد الطلاب المتفوقين بخبرات تربوية إضافية حسب رغبتهم.

46-  تكليف الطلاب المتفوقين بإعداد التقارير عن موضوعات تتعلق باهتماماتهم.

47-  تشجيع الطلاب المبدعين على الانتساب إلى " أسر الإبداع " فى المدرسة.

48-  تكليف الطلاب المتفوقين بتدريبات صفية إضافية فى الكتاب المدرسى.

وفى ضوء عملية التكامل بين الرؤى التربوية المختلفة عن شروط التربية الإبداعية وإسهامات البيئة المدرسية وأطراف الشراكة المجتمعية فى توفيرها والتى تبدو فى الأدبيات التربوية المعاصرة – وبين واقع إسهامات أطراف الشراكة المجتمعية فى توفير شروط التربية الإبداعية لدى الطلاب فى مراحل التعليم العام من خلال الخبرات المعاشة هناك ضرورة لشراكة مجتمعية تعمل على تجويد البيئة المدرسية من أجل توفير شروط التربية الإبداعية لدى الطلاب فى مدارس التعليم العام. ويجب أن تعمل أطراف الشراكة المجتمعية الفعالة على توفير البيئة المدرسية التى تتميز بالسمات التالية:

-    بيئة تعليمية تعمل على تدريب الطلاب على مهارات التفكير الشامل المتمركز حول تنظيم الموقف للوصول إلى أفكار جديدة، مع العمل على توفير أنشطة العمل التعاونى بين الطلاب فى المجال الذى يتعاملون فيه. هذا وأنشطة العمل التعاونى تقوم على فكرة تقسيم طلاب الفصل إلى مجموعات تضم كل مجموعة من خمسة إلى ستة طلاب، يكونون متنوعين عادة من حيث القدرة والمستوى، ليعكسوا مستويات الفصل، وتكلف المجموعة الأولى بعمل معين – فى إطار الوحدة التى تدرس، وتقوم المجموعة بتوزيع العمل على بعضهم البعض، حيث يقوم كل واحد بعمل معين. وعندما يُنهى كل منهم ما كلف به، يتم تقويمه. وهذا النوع من التعليم هام جداً ومطلوب فى مدارسنا(298).

-    بيئة تعليمية تشجع العاملين فيها على استخدام إستراتيجية التعليم التعاونى وتدريب الطلاب عليها. ويوصى عبد الفتاح جلال(299) فى هذا الأمر بأن ينوع المعلم فى طريقة تدريسه بأساليب كثيرة منها طريقة الحلقات الدراسية، والتعلم الإرشادى، والتدريس التعاونى، والدراسة المستقلة وطرق التعليم البرنامجى، واستخدام تكنولوجيا التعليم والاتصالات المتقدمة والحوار بين المعلمين بالمدارس لتبادل الرأى وعرض كل ما هو جديد فى مجال التخصص.

-    بيئة تعليمية تعمل على توفير التدريبات المصورة واللفظية فى حل المشكلات التعليمية، والعمل على توفير الأنشطة التربوية التى تعتمد على الحاسوب لتدريب الطلاب على مرونة التفكير. ويمكن الاستفادة من نتائج دراسة سميث (Smith) (300) من حيث التوصية بوضع أجهزة الحاسوب الموجودة فى المدارس فى قاعة مفتوحة للتعليم تحت إشراف العاملين بهذه البيئات المدرسية، على أن تترك الفرص الكاملة لمن يرغب من الطلاب المتفوقين فى تعلم البرامج على الحاسب الآلى. فتعلم عناصر البرمجة على الحاسب الآلى تحتاج إلى توفير بيئة غنية بالمثيرات، وتوظيف التفكير الإبداعى للطلاب ومهارات حل المشكلات فى هذا المجال.

-    بيئة تعليمية يستخدم العاملون فيها التقنيات الحديثة فى العملية التعليمية والتربوية مما يفعل دورها فى إثراء البيئة التعليمية المحيطة بالطلاب، ومن بين هذه التقنيات استخدام الفيديو والإذاعة والحاسبات وشبكات المعلومات، إلى جانب إقامة المناظرات والمهرجانات التعليمية وأوائل الطلبة، مما يقوى جوانب المشاركة والتعاون والرغبة فى المساهمة.

-    بيئة تعليمية تعمل على تنمية مهارات التقويم الذاتى بين الطلاب، وتدريب الطلاب على الدقة فى الأداء التعليمى من خلال تطوير الأنشطة المدرسية، والعمل على إتاحة الفرص للطلاب لكى يلعبوا أدوار العلماء الموهوبين فى التخصص، إلى جانب تدريب الطلاب على العمليات المعرفية فى جوانب الإدراك والانتباه، وتدريب الطلاب على تركيب الأفكار بطرائق مختلفة فى الدروس التعليمية، والعمل على عرض أمثلة تاريخية ومناقشة أنواعها فى التخصص المعروض.

-    بيئة تعليمية تسعى إلى تنمية جوانب المغامرة لدى الطلاب عن طريق المشاركة فى المناسبات القومية والاجتماعية وإيجاد فرص التنافس بين الطلاب المبدعين فى إنتاج إبداعاتهم المتصلة بهذه المناسبات، مع تشجيع المسابقات والمنافسات الفردية والجماعية كما يجب تخصيص وقت كاف للتفكير والاكتشاف واللعب بالأفكار دون ضغط من العاملين بالبيئة المدرسية من أجل الحصول على الإجابة الصحيحة للمسألة.

-    بيئة تعليمية تعتمد أساليب الحوار والإقناع مع احترام الرأى والرأى الأخر ووضع أسس وآداب للحوار بين العاملين بالبيئة المدرسية، مع العمل على تنمية قيم التعاون بين الطلاب، والإيمان بقيمة هذا التعاون من أجل تحقيق الإبداع وتنميته بين الأفراد المتعلمين.

-    بيئة تعليمية تتيح الفرص التعليمية المعتمدة على أسلوب حل المشكلات داخل الفصول، والتقليل من التدريبات الروتينية بقدر الإمكان والتركيز على مهارات التفكير الابتكارى والتفكير التباعدى ومهارات حل المشكلات، فليس المهم هو حل المشكلة والوصول إلى الناتج الصحيح، بل الأهم هو تعلم طريقة الحل(301).

-    بيئة تعليمية تعمل على إتاحة الفرص للطلاب لاكتشاف العلاقات بين عناصر الموضوع المعروض، مع إتاحة الفرص لكى يرتقى الطلاب بمستوى تفكيرهم فى معرفة أخطائهم بأنفسهم، إلى جانب إتاحة الفرص لكى يستكشف الطلاب كل ما هو جديد فى الموضوع المعروض.

-    بيئة تعليمية تعمل على أن تكون بيئة الصف سمحة ومرنة ويسودها الاحترام المتبادل، وينبغى على العاملين بالبيئة المدرسية توفير بيئة تعليمية جذابة ومناخ اجتماعى إيجابى تيسر جميعها تربية الإبداع لدى الطلاب وتزويد فرص التفاعل الإيجابى فيما بينهم، وتزيد من إمكانية اشتراكهم الفاعل فى ألوان النشاط التعليمى المخطط. كما يجب على المعلم إغناء بيئة الصف المدرسى بخبرات تعليمية ونشاطات تربوية أوسع وأشمل من المنهاج الأساسى المطلوب من الطلاب العاديين. وهنا يمكن للعاملين بالبيئات المدرسية إدخال عدداً كبيراً من النشاطات والخبرات كالرحلات الميدانية، والمشاريع الفنية والأنشطة الكتابية وإصدار مجلة وغير ذلك من النشاطات. فالإبداع – كما ترى بعض الدراسات السابقة(302) - عملية اجتماعية، بالإضافة إلى إنها سمات شخصية، وتحتاج إلى دعم من البيئة المدرسية المحيطة بها.

-    بيئة تعليمية تعمل على توفير جو من الحرية داخل الفصول الدراسية مما يساعد المعلمين على بناء وتصور عالم جديد فى الفصول الدراسية بحيث يتمكن كل من الطلاب والمعلمين – وعلى قدم المساواة – من إظهار قدراتهم وإبداعاتهم، علاوة على أن توفير مثل هذا الجو من الحرية داخل الفصول الدراسية يتسبب فى إيجاد الاحترام المتبادل، والتجانس، وتبادل المعارف بين أطراف العملية التعليمية(303).

-    بيئة تعليمية تعمل على تجميع الطلاب المتفوقين فى ركن واحد فى الصف المدرسى – سواءً فترة من الوقت أو طول الوقت – للتدريب على إبداعاتهم، إلى جانب تزويد الطلاب المتفوقين بمقررات دراسية اختيارية غير مقررة على باقى الطلاب. ويجب أن يراعى فى إعداد هذه المقررات الإضافية تنوعها بما يتمشى مع متطلبات إنماء شخصيات هؤلاء الطلاب المبدعين، ومن ثم تصبح هذه المقررات الإضافية وسيلة لتثقيف الذات وتنمية ملكات التفكير وإكساب هؤلاء الطلاب مهارات إضافية تناسب الإبداع الذى يميزهم عن غيرهم من الطلاب. أيضاً يمكن تجميع الطلاب المبدعين فى موهبة واحدة ساعات معينة كل أسبوع، من خلالها يستطيع العاملون بالبيئة المدرسية توفير الجو المناسب للطلاب لإنماء الإبداع وإثراء فرصة بينهم.

-    بيئة تعليمية تتيح الفرص التعليمية للطلاب المتفوقين لحضور حصص دراسية فى الصفوف الأعلى، إلى جانب إتاحة فرص دراسة موضوعات دراسية فى الصف التالى، وهو طالب فى الصف الحالى. أيضاً إتاحة فرص دراسة مقرر ما فى الصف التالى، وهو طالب فى الصف الحالى، إلى جانب إتاحة فرص مشاهدة دروس تعليمية فى الصف التالى، وهو طالب فى الصف الحالى.

-    بيئة تعليمية تعمل على أن يدرس الطلاب المبدعون – بجانب دراستهم للمقررات الدراسية العادية – أنشطة تربوية علاجية تستهدف مزيداً من التعمق فى فهم مفردات المقررات الدراسية، إلى جانب أن تلك المطالعات الإضافية فى هذه الأنشطة التربوية المتاحة سوف توسع مجال المعرفة لدى هؤلاء الطلاب، وتحسن نظرة الطلاب لأنفسهم، كما تساعد فى تحقيق أمال العاملين بالبيئة المدرسية وتوقعاتهم فى إنجاز طلابهم التحصيلى. وقد وجدت إحدى الدراسات السابقة(304) أن مثل هذه الأنشطة التربوية قد أحدثت تأثيراً إيجابياً فى المدرسة والقضايا التربوية المتصلة بها.

-    بيئة تعليمية تهتم بالأنشطة اللاصفية بين هؤلاء الطلاب المبدعين، حيث يمكن تكليف هؤلاء الطلاب بدراسة مقررات إضافية فى اللغات الأجنبية، وبرمجة الحاسبات الآلية. كما يجب الاهتمام بزيارة المكتبات العامة، وإعداد التقارير حول الموضوعات التى تتعلق باهتمامات هؤلاء الطلاب، وكذلك إقامة المعارض وإجراء بعض البحوث والمشاريع المتصلة بالبيئة المحلية.

ومن خلال هذه الأنشطة نصل إلى أن المدرسة الفاعلة المنتجة فى المستقبل، تلك المدرسة التى ترتبط ببيئتها،وتسعى لتكريس أسس متينة لشراكة فاعلة مع هذه البيئة والانفتاح عليها أخذاً وعطاءاً، ومن ثم تصبح المدرسة المناخ الأمثل للتعليم والتعلم والتنشئة الاجتماعية السوية،وبؤرة الخير المؤثر فى المجتمع المحلى المحيط بها، للأخذ بيده فى سبيل التطوير والتقدم. وهذا يستوجب السعى لتعميق شراكة فاعلة بين المدرسة والبيئة، وتوسيع مجالات وفرص الممارسة الديمقراطية فى الإدارة المدرسية وتنشيط دور مجالس الاتحادات الطلابية فى العملية التعليمية، والنظرة للتعليم باعتباره أمراً مجتمعياً من ناحية، وقضية أمن قومى من ناحية ثانية، ومدخلاً لتحقيق ديمقراطية التعليم من ناحية ثالثة.

3- نمط الشراكة المجتمعية وترشيد أوجه الإنفاق فى مجال التعليم المصرى

دار التساؤل الثالث لهذه الخارطة فى الطريق حول الإسهامات الضرورية لتنظيمات مجتمع الأمة المصرى من أجل ترشيد الإنفاق فى مجال التعليم المصرى. ومن بين هذه التنظيمات الاجتماعية والمهنية التى تتكامل جهودها فى هذا المجال الأحزاب السياسية باعتبارها تنظيماً اجتماعياً فعالاً وسط الجماهير وتتشكل منه الحكومات التى تسن القوانين والتشريعات فى تمويل التعليم وترشيد الإنفاقات فى مجاله، إلى جانب النقابات المهنية والعمالية التى تضم فى عضويتها الملايين فى كافة المهن المتواجدة فى سوق العمالة، والجمعيات الأهلية المرجو تفعيل أدوارها وبشدة هذه الأيام لسد العجز فى الخدمات التعليمية نتيجة دخول اقتصاديات السوق إلى معظم بلدان العالم وما نتج عنها من تقلص الخدمات التعليمية الحكومية.

وتعرض خارطة الطريق فى صفحاتها التالية أهم النتائج التى تم التوصل إليها للإجابة عن هذا التساؤل الرئيسى الثالث حول الإسهامات الضرورية للتنظيمات الاجتماعية والمهنية المختارة فى هذه الخارطة وهى الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية والقطاعات الخيرية لترشيد الإنفاق فى مجال التعليم المصرى:

أ – الشراكة المجتمعية وتوفير المخصصات المالية للتعليم:

أضحى التعاون المجتمعى بين الجهود الحكومية والأهلية أحد المدخلات الرئيسة لتمويل الإنفاق على التعليم وتحقيق أفضل عائد منه، وقد حرصت وزارة التربية والتعليم فى السنوات الأخيرة على تشجيع الجمعيات الأهلية والقطاعات الخيرية فى تمويل العملية التعليمية، فصدر القرار الوزارى رقم (30 ف) بتاريخ 10/2/2000 الذى نص على التصريح للجمعيات الأهلية بإنشاء مدارس الفصل الواحد، ومدارس المجتمع، والمدارس الصغيرة فى عقد شراكة بين الوزارة والجمعيات الأهلية بهدف تفعيل دور الجمعيات الأهلية فى تدعيم الخدمات التعليمية فى الأماكن الأكثر حرماناً، ومواجهة احتياجات البيئات المحرومة ثقافياً، إلى جانب دعم قدرات المجتمعات المحلية فى تعزيز الأنشطة التعليمية، وتأكيد هذه القدرات بالمشاركة الإيجابية فى العملية التعليمية(305).

كما أن قضية المشاركة المجتمعية وتوفير الدعم اللازم للعملية المجتمع للعلمية التعليمية وتطوير البحث العلمى ودعم هيئات التدريس ورفع المستوى مطلوبة الآن وبشدة، إلى جانب طرح قضية البحث العلمى وقضية التعليم وتطويره، وقد تم إعداد ورقة عمل للحزب الوطنى الديمقراطى فى هذا الشأن، حيث إن الحزب يعطى أهمية كبرى للبحث العلمى والتنمية التكنولوجية، وقد وفرت الدولة التمويل الكافى للعملية التعليمية الجامعية حيث وفرت الدولة 720 مليون جنيه خلال الخطة الخمسية 2002/ 2007م. كما وفرت دعما من الخارج بلغ 73 مليون دولار كقرض من البنك الدولى إضافة إلى 11 مليون يورو كمنحة للبحث العلمى وتطوير التعليم الجامعى وتحديث نظم البحث العلمى.

إن نسبة الإنفاق على البحث العلمى الآن 1% من الدخل القومى وهو ما يعنى 2.6 مليار جنيه هذا العام وهناك دول أخرى يصل فيها إلى 2.5% ولكن فى مقارنة مع عام 86 كانت النسبة 0.3% فى مصر وهو ما يؤكد اهتمام الدولة يدعم البحث العلمى وتبلغ نسبة ما تنفقه الحكومة على البحث العلمى 90% من حجم ميزانية البحث العلمى. البالغ نسبتها الآن 1% من جملة الدخل القومى

إن اقتراحات الحزب الوطنى لتطوير البحث العلمى ترتكز على أن يتم الاستخدام الأمثل لمنتجات البحث العلمى وأن يكون التوجه نحو الأبحاث التطبيقية وليس فقط الأبحاث النظرية.

كما أن من توصيات الحزب التواصل مع علماء مصر فى الخارج، وقد تم تحقيق خطوات كبيرة حيث زار مصر أكثر من 750 عالما مصريا للمشاركة فى مشروعات البحث العلمى والتطوير للمنظومة التعليمية مع ربط البحث العلمى ومراكز الإنتاج والصناعة.

وأنه يجرى حاليا تنفيذ 25 مشروعا لتطوير البحث العلمى والتعليم الجامعى وتمثل عملية تطوير مناهج كليات التربية المرتبة الأولى فى مشروعات التطوير فى مجال التعليم العالى.

كما أن الوزارة اهتمت بالملكية الفكرية وبراءات الاختراع حيث بلغ عدد براءات الاختراع للمصريين (100) براءة اختراع بعد أن كانت لا تتجاوز (20) براءة اختراع فى الأعوام الماضية.

وعن أداء أعضاء هيئات التدريس،  فتوجهات الحزب والوزارة هو الاهتمام برفع مستوى أعضاء هيئة التدريس من حيث التفرغ للأبحاث وتطور المناهج التعليمية، والعلم هو الثروة الحقيقة وركيزة مهمة فى عمليات التطوير فى التعليم والمجتمع الذى يقوم بتخريج الإنسان المصرى القادر على التعامل مع العلم والمعرفة وينمى لديه الشعور بالانتماء والهوية المصرية، إن أساتذة الجامعات المصرية لعبوا دوراً مهما فى بناء المجتمع المصرى وتطوير جميع أوجه الإنتاج والتطوير والتنمية، والحزب تبنى الخطة الاستراتيجية لتطوير التعليم العالى.

كما تبنى الحزب قضية الالتزام فى العملية التعليمية بين الأستاذ والجامعة أى الربط بين الحقوق والواجبات لأعضاء هيئة التدريس والتفرغ الكامل الذى يشجعه الحزب بحيث يتفرغ عدد من الأساتذة والقيادات الجامعية على مستوى رئيس الجامعة ونائب رئيس الجامعة وعميد الكلية تفرغاً كاملاً للعملية القيادية الجامعية.

وفى مصر الآن 2.4 مليون طالب جامعى يمثلون 30.5% من الشريحة العمرية المواكبة للتعليم وأن الحزب قد تبنى مشروعا لتقسيم الجامعات الكبرى إلى جامعات صغيرة لتحقيق اللامركزية فى الإدارة والاستقلالية والتطوير. وإن هناك صندوقا لتحقيق التكافل للطالب الجامعى وتوفير الرعاية الكاملة للطلاب غير القادرين ورعاية الموهوبين منهم.

كما أن التوجه الآن هو التوسع فى إنشاء الجامعات الأهلية غير الهادفة للربح تحت الإشراف العلمى الكامل لوزارة التعليم العالى ووضع المعايير والضوابط من خلال هيئة اعتماد وضمان جودة التعليم التى تبنى الحزب إنشاءها. أن التوسع فى التعليم الجامعى وتوفير التمويل اللازم لهذه العملية من القادرين ورجال الأعمال وتحقيق أعلى مستوى من الاستغلال الأمثل للتمويل المتاح وتحقيق مزيد من اللامركزية للجامعات لتحقيق تمويل ذاتى لها.

إن توجه الدولة والحزب هو التوسع فى زيادة القبول بالجامعات لإتاحة الفرصة الكاملة لكل شاب مؤهل لدخول الجامعة، وقد بلغ عدد الذين تم توزيعهم عام 2003م عن طريق مكتب التنسيق 500 ألف طالب وبذلك يصل عدد المقيدين فى الجامعات 2.3 مليون طالب عام 2003م، وهو ما يحقق المبدأ الدستورى فى أن التعليم العالى حق مكفول لكل قادر على الاستيعاب والتحصيل.

كما أن لدينا 20 جامعة حكومية فيها 8 فروع لجامعات وقد أعطيت فرصة من (3- 5) سنوات لاستكمال مقوماتها وإعلان استقلالها، وفى مصر جامعات خاصة والمطلوب زيادتها وليس لدينا أى جامعة أهلية غير هادفة للربح.

وقد أعلن الأمين العام للحزب الوطنى فى المؤتمر السنوى الأول للحزب فى سبتمبر 2003م فتح حوار وطنى قومى حول قضايا الوطن والمواطن، والعمل فى ضوء مبدأ المشاركة والمصداقية على فتح الحوار الجاد المسئول من خلال أوراق النقاش التى طرحها الحزب فى لجانه وجلساته العامة فى المؤتمر.

كما أن أمناء الحزب الوطنى على مستوى الوحدات الحزبية والمراكز والأقسام. من أعضاء المؤتمر- عبروا عن آرائهم بحرية وعكسوا مشاكل المواطنين وقضاياهم اليومية واحتياجاتهم فى تفاعل كامل مع أوراق النقاش.

كما أكد الأمين العام للحزب أن ورقة النقاش حول حقوق المواطنة والديمقراطية طرحت علاقات المواطن بالدولة وطموحاته وأماله فى الارتقاء بالخدمة مع انتهاء العزوف عن المشاركة فى العمل السياسى.

كما أن الرسالة التى يتم توجيهها من أوراق النقاش المعروضة على المؤتمر تتأكد فى أن الحزب وحكومته جادون فى تقديم ما التزموا به وفى صورة استراتيجيات تنعكس على الحياة اليومية للمواطن فى قضاياه التى تتصل بالتعليم والصحة والبناء على الأرض الزراعية، والصحة والسكان والمرأة.

وأوضح الأمين العام للحزب الوطنى أن المؤتمر استهدف من خلال المناقشات فى اللجان والجلسات العامة، حل مشكلات المواطن فى الأسعار إلى جانب طرح رؤية متكاملة للاقتصاد، وكيفية مساندة الحزب لحكومته من خلال طرح حزمة من الإجراءات الاقتصادية التى تستهدف استقراراً فى سوق الصرف.

وحول قضايا الشباب أوضح أمين الحزب أن الحزب لم يطرح أفكاراً بل طرح سياسات وطنية تحقق المشاركة الحقيقية.

وأشار إلى أن ورقة المواطن والديمقراطية أوضحت سبل تحقيق الحرية والديمقراطية ومجتمع تكافؤ الفرص من خلال العدالة الناجزة وتحديث التشريعات وتنفيذ الأحكام والعلاقة بمؤسسات المجتمع المدنى واحزابه، وتعديل قانون الأحزاب، وتعديل قانون ممارسة الحقوق السياسية وتحديث قوانين النقابات.

ورغم حسن النوايا التى أبداها أمين الحزب الوطنى الديمقراطى فى هذه الرؤى الإصلاحية وأوراق العمل والسياسات المرجو اتخاذها، إلا أنه إذا أرادت مصر أن تبنى نظاما سياسيا جديداً يواكب العصر والتغيرات العالمية ويستند إلى الديمقراطية فإنه يجب الاعتراف أولا بأن عملية التنمية السياسية لها هدف واحد هو إقامة بنية أساسية لهذا النظام الديمقراطى تسمح بحرية أكبر وقدرة على اختيار القيادات بسلاسة وهدوء ثم تعزيز أفضل العناصر منها وتقديمها للحياة العامة والسياسية وعدم تهميش قطاعات أو أفراد لسبب أو لأخر، فالعبرة بالأفعال وليست بالأقوال.

وتطالب خارطة الطريق الحالية بتفعيل الشراكة بين الجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والعمالية والقطاعات الخيرية فى دعم جهود المدارس الحكومية القائمة فى جوانب الإصلاحات والترميمات والمساعدة فى توفير الأثاث والتجهيزات، وتمويل بعض الأنشطة المدرسية، كما يمكن للجمعيات الأهلية مساندة الجهود الحكومية فى العملية التعليمية عن طريق بناء أجنحة فى مدارس قائمة بالفعل، إلى جانب المساهمة المادية فى سد احتياجات المدارس من المعامل والأجهزة والوسائل المعينة.

وإذا كان الواقع يتحدث عن عزوف بعض التنظيمات المجتمعية مثل الجمعيات الأهلية عن التعاون فى توفير مخصصات الإنفاق على التعليم بسبب قصور إمكانات هذه الجمعيات وصعوبة الحصول على أراضى لبناء المدارس وغير ذلك من الأسباب فإن تفعيل الشراكة بين هذه الجمعيات الأهلية والحكومة من خلال مسألة تملك أسهم محددة فى المدارس الحكومية، وإسناد إدارة بعض المؤسسات التعليمية الحكومية إلى هذه الجمعيات الأهلية فى المجتمعات المحلية التى تقع فى نطاقها هذه المدارس تعتبر مداخل جيدة لتفعيل التعاون المجتمعى فى الإنفاق على التعليم وترشيده. فالعلاقات التنسيقية بين الحكومة والجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والعمالية يجب أن تأخذ (المنحى الامتدادى)، بحيث توفر الحكومة المبانى المدرسية مثلاً وتتدخل النقابات المهنية والعمالية من أجل توفير مستلزمات التدريس وأجهزتها التكنولوجية، وتدخل الهيئات الأهلية والقطاعات الخيرية لتعلو بهذه الأشياء وتحسن الخدمات التعليمية والإدارية بالمدارس.

وفى ضوء ضعف المشاركة من الجمعيات الأهلية وأصحاب المصانع والمؤسسات والشركات الخاصة فى تحمل بعض أعباء تمويل التعليم فى مصر، وفى ضوء إنصراف أولياء الأمور وأبنائهم إلى الدروس الخصوصية، قد يكون فى فرض الضرائب، خاصة فرض الضرائب العقارية على الأملاك والعقارات مدخلاً جيداً فى توفير دعم إضافى لتمويل التعليم فى محافظات مصر، ويمكن أن تفرض هذه الضرائب مباشرة من خلال أجهزة الحكم المحلى (الأحياء) وتدعم بها مدارس الحى نفسه، وقد تسمى بضرائب القيمة المضافة لتحسين التعليم فى هذا الحى أو ذاك، بدلاً من الاتجاه السائد حالياً بفرض ضريبة (نظافة الأحياء) على تلاميذ المدارس وإجبار الإدارات التعليمية على تحصيلها من التلاميذ فى جميع المدارس حتى من هؤلاء التلاميذ الذين لم يستطيعوا تسديد الرسوم الدراسية المقررة.

وهذا ما يحدث فى الصين- كما أورده (بارى)(306) حيث تفرض العديد من الحكومات المحلية ضرائب إضافية على أرباح الشركات والمصانع وملاك العقارات لتدعيم برامج التعليم بهذه المحليات، وتساهم النقابات المهنية والعمالية فى تحصيل هذه الضرائب من مؤسساتها الإنتاجية التابعة لها لتدعيم تمويل التعليم بها، ومن خلال هذه الضرائب تدعم الكفاءة الداخلية لمدارس التعليم ، ويدعم الأطفال الفقراء بها.

كما يلزم أن تسهم البورصة والشركات الاستثمارية بها فى دعم تمويل التعليم فى مصر من خلال خصم نسبة من المكاسب المتحصلة من بيع وشراء الأسهم والسندات بها، ويمكن أن تتدخل البنوك بخصم نسبة من أرباح شهادات إيداع الأفراد، ومن جوائز شهادات الاستثمار، وجوائز شهادات المليونير التى استحدثت أخيراً، ومن عوائد الودائع بالنقد المحلى والأجنبى ومن أرباح حسابات الأفراد بالبنوك ومن كافة أرباح الأوراق المالية والتى تدر ربحاً منتظماً من البنوك فى توفير بعض المخصصات لتدعيم مصاريف التعليم فى مصر.

أيضاً شركات الصرافة وشركات التأمين والشركات الخاصة فى مجال الاتصالات وشركات الإعلانات يجب أن تعرف مسألة المساهمة فى تمويل التعليم من خلال خصم نسبة من مكاسبها نتيجة بيع خدماتها للجمهور، وتخصيص هذه النسبة التى تم خصمها بالكامل لتدعيم الانفاقات التعليمية.

والمطلوب الآن تهيئة جو من الثقة بين مؤسسات الإنتاج ومؤسسات التعليم، من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وعقد الندوات التى تجمع بين الباحثين والمسئولين فى كافة التنظيمات الاجتماعية فى مصر. ومن هنا يكون بالإمكان زيادة الضرائب المستحقة على مؤسسات الإنتاج تدريجياً مقابل تسويق منتج مؤسسات التعليم، والتعليم العالى على وجه الخصوص، وكذلك حث المسئولين بمؤسسات الإنتاج على التبرع طواعية لصالح مؤسسات التعليم(307).

وقد طالب (نوجويرا) (Noguera)(308) بديمقراطية القاعدة فى حكم المدارس العامة فى المجتمع الأمريكى، وهذه الدعوة صالحة أيضاً لمجتمعنا المصرى فى تفعيل الشراكة المجتمعية فى توفير المخصصات المالية للتعليم، فالآباء يمكنهم المساهمة فى تمويل تعليم أبنائهم حين تتوفر شروط المشاركة، وحين يحدث ذلك يتجاوب أولياء الأمور ويتصدون لتحمل المسئولية فى هذا التمويل، فمجتمع الأمة يتيح لأفراده حرية المبادرات فليس من الممكن أن يعتمد المجتمع فى حركته الاقتصادية على آليات الخصخصة واقتصاديات السوق الحرة فى إطار التنافس، بينما يجمد هذا الأمر فى حركته الاجتماعية ومن ضمنها حركته التعليمية.

كما أن المساعدات التقنية المقدمة ضمن برنامج المساعدات الدولية تلتهم النصيب الأكبر فى قطاع التربية،وتصل إلى ثلاثة أرباع هذه المساعدات الدولية، إضافة إلى أن (20%- 40%) من أموال هذه المساعدات التقنية تذهب كأجور للمستشارين والخبراء والمؤسسات التقنية المانحة،وعلى المستوى القومى (المحلى) لا تتوافر إمكانات الاستفادة المثلى من هذه التقنيات، فتضيع مخصصات الدعم الخارجى فى هذا المجال دون حدوث طفرة التحسين المطلوبة، كما أن الحكومات القومية تلجأ إلى استخدام أموال المعونات الخارجية كبديل لتوفير المخصصات المالية للتعليم بدلاً من التمويل الحكومى، وليس كمورد إضافى لتحسين التعليم، ولعل تجربة (زامبيا) عام 1996 تكون أجدى فى تفعيل الدعم الخارجى فى تمويل التعليم، فقد خصصت المعونات الدولية لها فى هذا القطاع فى بناء (1100) مدرسة، وتزويدها بـ(46000) مكتب، (1.4 مليون) كتاب مدرسى من أجل إيجاد فرص تعليمية لتلاميذ التعليم الابتدائى. أيضاً خصصت (أوغندا) معوناتها الخارجية فى قطاع التعليم الابتدائى والتى زادت مخصصاتها المالية من (60 مليون دولار أمريكى) عام 1997 إلى (125 مليون دولار أمريكى) عام 2002م فى إنشاء مدارس جديدة وقاعات دروس. وكان القرض مع البنك الدولى ينص على تحمله (90%) من كلفة بناء هذه المدارس، وتتحمل الحكومة الأوغندية (10%) الباقية من الكلفة، وفى (تنزانيا) حققت المعونات الخارجية طفرة فى البنية التأسيسية لبرنامج التعليم، حيث تم توجيه برامج المساعدات الدانماركية والهولندية لبناء مدارس جديدة فى (62) منطقة ريفية بها(309).

وللاستفادة من هذه التجارب الأفريقية، ولتفعيل مخصصات الدعم الخارجى فى تمويل التعليم فى مصر يلزم توحيد الجهود وتكاملها بين أقسام التدريب بمديريات التربية والتعليم والشبكة القومية للتدريب عن بعد، وبرامج تحسين التعليم الممولة من البنك الدولى والاتحاد الأوربى، ويمكن أن يتم هذا التوحيد والتكامل عن طريق نقابة المعلمين، وعلى أن تسهم النقابة بمدخراتها النقدية وممتلكاتها العقارية فى تحسين البيئة التعليمية من وجهة نظر استثمارية عن طريق تسخير مبانيها المنتشرة فى ربوع محافظات الجمهورية وتأجيرها لبرامج تحسين التعليم نظير الحصول على الأجور النقدية التى تدفع لمبانى القطاع الخاص،ومن استثمار تأجير بعض أماكن نقابات المعلمين يتم تحديث المبانى المدرسية وإقامة أماكن جديدة لقطاع التعليم فى جميع الأماكن بجمهورية مصر العربية.

وعلى مؤسسات العون الخارجى العمل على زيادة المخصصات المالية لبناء مدارس جديدة أكثر من التركيز على المخصصات المالية فى مجال التكنولوجيا، فزيادة الفصول الدراسية وإلغاء تعدد الفترات فى المدارس يأتى فى مكانة متقدمة الأهمية عن تطبيق الحكومة الإلكترونية الخاصة بإدارة التوتر والوقت بالمدارس، والتى بدأت فى سبتمبر  2002م.

ويمكن الاستفادة من المخصصات المالية الخارجية الخاصة بتمويل التعليم فى مصر من أجل إقامة مشروع قومى خاص بالتربية والتعليم، ويتمحور هذا التصور فى الاستفادة من التسهيلات المادية المقدمة من الدولة للمناطق الاستثمارية، ومن التمويل الدولى لقطاع التعليم من أجل إقامة "مدينة استثمارية مملوكة لوزارة التربية والتعليم"، أسوة بمدينة الإنتاج الإعلامى المملوكة لوزارة الإعلام، تتضمن إقامة مصانع خاصة بالأثاث المدرسى متعدد الاستخدام، وكذا الأجهزة المعملية، ومصانع لطبع الكتب المدرسية ونشرها، إلى جانب طبع الأدوات الكتابية وإنتاج الوسائل التكنولوجية التى لها دور مؤثر فى العملية التعليمية، وحتى إنتاج الكمبيوتر التعليمى. ويؤدى هذا الاقتراح، إذا ما تم تبنيه والعمل على تنفيذه، إلى تفعيل الدعم الدولى فى تجويد إنتاج الكتاب المدرسى والوسائط التعليمية الأخرى فى مجال التعليم، ويمكن تطوير ما قامت به وزارة التربية والتعليم بشأن إنشاء مدينة مبارك للتعليم بمدينة السادس من أكتوبر لتعظيم دور التكنولوجيا فى العملية التعليمية لتحقيق هذا المشروع القومى المقترح، فقد تضمن التخطيط لهذه المدينة إنشاء مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، وقاعة مؤتمرات،ومسرح تعليمى،وقاعة تصحيح امتحانات ومخازن ومبانى للتدريب وقاعات للتدريب عن بعد(310)، ويلزم أن تتحول هذه المدينة المقترحة إلى وحدة إنتاجية متكاملة مملوكة لوزارة التربية والتعليم، تشمل مصانع إنتاجية لمستلزمات التمدرس أكثر من كونها مدينة خدمات فى الإعلام التعليمى.

وإذا كانت بعض المنح والمعونات الدولية الموجهة لقطاع التعليم فى مصر خلال الفترة من 1995 إلى 2002 قد وجهت مباشرة إلى التغذية المدرسية فى مدارس التعليم قبل الجامعى، فيلزم التفكير فى نوعية التغذية المدرسية المقدمة، وفى الفئات المستفيدة منها. فقد بلغت جملة الاعتمادات المخصصة للتغذية المدرسية فى عام 2000/2001 حوالى (241 مليون جنيه)، وكان للتوسع فى الفئات المستفيدة من التغذية المدرسية الأثر البالغ فى تزايد أعداد الطلاب المستفيدين من التغذية، حتى وصل المستفيدون من التغذية المدرسية خلال العام الدراسى 2000/2001 حوالى (9.6 مليون طالب)(311). وبتحليل هذه الأرقام اتضح أن ما يخص الطالب المستفيد من التغذية المدرسية (25 جنيها)، فى السنة (لا تسمن ولا تغنى من جوع!).

وتنوه خارطة الطريق الحالية بأهمية الشراكة المجتمعية فى توجيه المخصصات المالية فى مجال التغذية المدرسية، حيث تقترح هذه الدراسة وضع أولويات للفئات المستفيدة من الطلاب من مشروع التغذية المدرسية بحيث يكون هؤلاء الطلاب من بين أولئك الذين تنطبق عليهم معايير الحرمان بالمحافظات وبالأحياء الفقيرة، وتقدم التغذية المدرسية لهؤلاء الطلاب فى هيئة دعم مالى، أى يعطى المال مباشرة إلى هؤلاء الطلاب الفقراء لكى يتمكنوا من شراء هذه الخدمة المدرسية بأنفسهم، ويمكن تقديم هذا المال على هيئة (سندات تغذية) تمنح للطلاب الفقراء، ومن خلالها يمتلك الطلاب حرية الاختيار فى شراء ما يحتاجونه فعلاً من أنواع التغذية من أماكن عامة تتعاقد معها وزارة التربية والتعليم لتقديم هذه الخدمات المدرسية فى مقابل إن تسترد هذه الأماكن المال المدون فى هذه السندات من المناطق  والإدارات التعليمية الواقعة فى نطاقها، وتحدد الجمعيات الأهلية المتواجدة بالأحياء أسماء الذين يستحقون هذه السندات الخاصة بالتغذية المدرسية.

ب- الشراكة المجتمعية وترشيد الإنفاق من خلال التمويل الذاتى للمدارس:

الشراكة المجتمعية فى هذا السياق مفهوم ينهض على أساس مشاركة المجتمع بكافة أفراده وتنظيماته فى إدارة التمويل بالمدارس، فالمؤسسة التعليمية، ينظر إليها، فى ضوء هذا الفكر، على أنها شركة بين أفراد البيئة المدرسية من ناحية، وبين الطلاب وأولياء أمورهم وأحزابهم السياسية ونقاباتهم المهنية وجمعياتهم الأهلية التى ينتمون إليها أو إلى بعض منها من ناحية ثانية. وإذا حدثت هذه الشراكة المجتمعية وشاركت فى إدارة التمويل بالمدارس ساد مفهوم الشفافية فى العمل التربوى، وأصبحت مسئولياته جماعية: إدارة وتنظيماً وإنفاقاً للميزانيات المخصصة لهذه المدارس، وإذا ساد هذه المفهوم أيضاً فى إدارة التمويل بالمدارس من خلال شراكة مجتمعية أطرافها الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية وغيرها من الكيانات المتواجدة فى مجتمع الأمة المصرى يمكن تحقيق الرؤية المستقبلية للوزارة باتجاه ترشيد الإنفاق وتجويد العائد من التعليم فى مصر.

كما يمكن تفعيل المخصصات المالية للتعليم فى مصر من خلال نقل صنع قرار صرف الأموال المخصصة لكل مدرسة إلى مجلس الآباء والمعلمين والذى يرأسه مدير المدرسة ويشترك فى عضويته المعلمين وأولياء الأمور بهذه المدرسة إلى جانب اشتراك أعضاء من الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم وبقية الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية والقطاعات الخيرية بالمجتمع المحلى فى هذا المجلس، إضافة إلى استطلاع آراء أولياء الأمور فى أوجه الصرف، ويسود مبدأ المساءلة بخصوص استخدام مخصصات التمويل الحكومى للمدارس، وحينئذ تستطيع المدارس اتخاذ قرارات أكثر كفاءة فيما يتعلق بكيفية إنفاق الأموال المخصصة لها، حيث تستطيع هذه المدارس تحديد احتياجاتها الفعلية والأولويات الملحة بصورة أفضل من السلطات التعليمية الأعلى. وفى هذا الأمر إحداث لفعالية صرف المخصصات المالية للتعليم وترشيد للنفقات التعليمية فى هذا المجال، حيث ينظر إلى المدرسة كوحدة متكاملة فى الأداء والتمويل وطلب زيادة الإنفاق والمساءلة، وهذا من شأنه أن يقود إلى كفاءة أفضل فى استخدام المخصصات المالية وتحسين الجودة التعليمية وإحداث التطوير المنشود، وفوق كل هذا تحقيق العدالة فى توزيع التمويل الحكومى على المدارس المختلفة، ففى مدرسة مكتظة الفصول (60 تلميذاً) فى الفصل، وتعمل فترتين فى اليوم الواحد، يكون أجدى لها توظيف الدعم الحكومى المخصص لتطوير التعليم بها فى بناء فصول إضافية وتوفير مقاعد بها عن السعى لتوفير أجهزة الكمبيوتر والتليفونات وشبكة الكهرباء اللازمة لتشغيل الحكومة الإلكترونية على مستوى كل مدرسة لإدارة الوقت والتفاوض وإدارة الخلاف والتوتر والتقنية المعلوماتية، وقد أقرت الوزارة بأن حوالى (20%) من مدارسها تعمل فى نظام تعدد الفترات الدراسية(312)، ومن ثم تستطيع الشراكة المجتمعية التبصر فى الأمر وتحديد الأولويات والتنسيق بين ما هو ممكن وما هو مأمول من جوانب التطوير التعليمى.

ويدعم هذا الاقتراح القرار الوزارى رقم (200) بتاريخ 14/9/2000 بتفويض السادة المحافظين كلٌ فى دائرة اختصاصه فى مباشرة اختصاص الهيئة العامة للأبنية التعليمية بشأن إجراء الصيانة الضرورية للمبانى التعليمية والإشراف عليها، على أن يتم الصرف من الاعتمادات المالية بالموازنة العامة للدولة (نفقات جارية)(313)، ويتبقى إعطاء الصلاحيات إلى المدارس نفسها فى كيفية إنفاق المخصصات المالية لها،وقد اتخذت وزارة التربية والتعليم هذه الخطوة فى قرارها الوزارى رقم (287) بتاريخ 5/12/2000 بخصوص (المدرسة المصرية الدولية للغات) بالمجمع التعليمى بالإسماعيلية ومهام مجلس إدارة المدرسة بها ومنها إعداد اللائحة الداخلية للمدرسة، ويمكن أن يسرى هذا التوجه على المدارس الأخرى، وفى هذا تفعيل للشراكة المجتمعية فى إدارة المدارس والإشراف على أوجه الإنفاق فى أنشطتها التربوية والتعليمية بها، وتوجيه مخصصاتها المالية لما هو أجدى وأكثر نفعية فى شئون التربية والتعليم لأبناء هذه الأمة.

وقد أوضح (هاس) (Hass2)(314) أن توزيع المصادر المالية الحكومية على المدارس فى ضوء أعداد الطلاب بكل مدرسة يحقق العدل ويدعم المدارس وتظهر الاحتياجات التمويلية لتعويض ما قد ينقص، ويسمح للمناطق المحلية بفرض الضرائب لإكمال التمويل، ويشجع الشراكة المجتمعية فى توفير ما ينقص من المخصصات المالية لتجويد التعليم بالمدارس.

ويرى (هاردير) (Harder4)(315) أن تنفيذ هذه المقترحات يتطلب بالضرورة تطوير المهارات الإدارية والمحاسبية لدى مدراء المدارس مثل تطوير مهارات إدارة الأعمال وتحديد الدخول والنفقات المدرسية،ومهارات التوفير والاستثمار الأمثل فى ميزانيات المدارس،وفوائد ومعوقات القروض وما هو متاح منها لحل مشكلات تمويلية طارئة،ومهارات التحفيز وتأثيره على الإنتاجية التعليمية من أجل المساعدة فى اتخاذ قرارات رشيدة نحو إنفاق الميزانيات المدرسية فى المجالات الأكثر ارتباطاً بالأهداف المحددة لهذه المدارس.

وإذا أعطيت المدرسة المسئولية والمحاسبة بدرجة أكبر، ومنحت صلاحيات التصرف فى المخصصات المالية لها، وساد نظام الشراكة المجتمعية فى تحديد أوجه الصرف، يمكن على الأقل ربط الحوافز والمكافآت الشهرية للمعلمين بمقدار الإنجاز التعليمى الذى يحققونه لتلاميذهم، فكلما زادت المعارف والمهارات التى اكتسبها الطلاب، تزيد الحوافز والمكافآت المقدمة للمعلمين، والتى يتم ربطها سلفاً بميزانيات المدارس، ويشرف على منحها لهؤلاء المعلمين لجان شراكة من أعضاء الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم والأحزاب السياسية المتواجدة بهذه المجتمعات المحلية وأفراد من النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية ومن مشاهير مجتمع الأمة فى هذه المناطق.

وإذا قبل هذا الاقتراح من وزارة التربية والتعليم، تكون مهمة الإدارة التعليمية تجميع الموارد المالية من جميع المصادر المركزية والمحلية ووضع حصة كل مدرسة فى دائرتها من هذه المخصصات المالية فى حساب بنكى خاص باسم كل مدرسة على حدة، غير أن تنفيذ هذا الاقتراح يتطلب وجود إطار عام فى السياسة التعليمية فى مصر يقوم على شراكة مجتمعية تتمتع من خلالها المدارس بصلاحيات كبيرة فى التصرف فى غالبية بنود ميزانيتها،وترتيب هذه البنود فى ضوء أهميتها لتحقيق أهدافها المنشودة.

وقد يدعم هذا الاقتراح رؤية وزارة التربية والتعليم- على الأقل فى دائرة ما ينبغى أن يكون حتى الآن- لإدارة تسويق المدارس كوحدات إنتاجية. فقد طرح هذا الموضوع فى إطار البرنامج التدريبى الذى تنظمه وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة لمدراء المدارس والإدارات التعليمية لتطوير مهاراتهم وصقل كفايتهم الإدارية ليصبحوا أكثر قدرة على تنفيذ الرؤية النظرية للوزارة فى ترسيخ مبدأ: التعليم للتميز والتميز للجميع، حيث تنادى الوزارة بضرورة تشجيع المدارس التى تدار بمفهوم الوحدات الإنتاجية لكى تهتم هذه المدارس بنشاط التسويق لتدعيم مركزها التنافسى فى البيئة المحيطة. وقد تضمن هذا البرنامج التدريبى لهؤلاء المدراء موضوعات الخطط التسويقية وواجبات مدير التسويق، وأساليب الإعلانات والترويج، وكيفية إدارة المبيعات ومنافذ التوزيع، والتعبئة والتغليف،وكفاءة التخزين(316).

وهكذا فالرأى هنا أننا نحتاج فى مصر إلى أن تصبح المؤسسات التعليمية فى شراكة مع أولياء الأمور،ومع أجهزة الحكم المحلى، ومع أعضاء النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية فى كافة جوانبها التعليمية، بحيث تصبح هذه المدارس مراكز إحساس وطنية تؤثر فى مسار المجتمع، فحين يحدث أمر نتجه إلى مؤسسات التعليم للسلامة والمأوى، وعندما نواجه بالأمراض وتتهدد الصحة العامة، نسعى إلى المدارس للتزود بالتعليم الوقائى،وحين يحس الجمهور بقرب مؤسسات التعليم إلى مشكلاته، وحين يرى الآباء أنهم صانعو قرار تربوى بهذه المدرسة أو تلك، سوف تزيد الشراكة المجتمعية فى تمويل التعليم، وربما تتحول الأموال الشعبية التى تذهب إلى الجيوب والأيدى الخاصة نظير الدروس الخصوصية إلى تلك المدارس وتتلاقى الأفكار وتتفتح لتمهد الطرق فى تحسين نوعية التعليم. وإذا كانت الوزارة قد استصدرت القرار الوزارى رقم (464) لعام 1998 والذى بمقتضاه أصبح دور الآباء واضحاً فى تطوير العملية التعليمية ومتابعة تنفيذها، والتأكد من تحقيق المدرسة للأهداف التربوية، فيجب أن يشارك الآباء وبقية الكيانات بمجتمع الأمة المصرى فى تفعيل ميزانيات المدارس وإبداء الرأى فى أوجه الصرف.

كما أن المدارس الخاصة لم تسهم بعد فى حل مشكلة الدروس الخصوصية، فتلاميذها مصابون أيضاً بحمى الدروس الخصوصية، وهنا يثار التساؤل حول ما إذا كان أولياء الأمور والطلاب وأطراف الشراكة المجتمعية الفاعلة قد فقدوا ثقتهم فى الخدمات التعليمية المقدمة فى المدارس الحكومية (الأميرية) والخاصة على حد سواء نتيجة ضعف جودة التعليم بها؟، ومن ثم يلجأ أولياء الأمور إلى الاستفادة بأقصى درجة ممكنة من التعليم (الحر) المقدم لأبنائهم من خلال الدروس الخصوصية، رغم تحمل أولياء الأمور الكلفة المرتفعة لهذه الدروس الخصوصية. والاقتراح هنا أنه لو شارك أولياء الأمور مع أطراف الشراكة المجتمعية (الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية) المدرسة المسألة التمويلية والمسئولية التعليمية فسوف يشكلون ضغطاً مباشراً على هذه المدارس لكى تحسن من جودة التعليم المقدم من خلال برامجها التعليمية.

ويستلزم تفعيل المخصصات المالية للتعليم فى مصر أيضاً ترشيد النفقات الإدارية وإصلاح الهياكل الوظيفية فى مجال التعليم. فالرواتب والأجور والحوافز والمكافآت تمتص حوالى (85%) من هذه المخصصات المالية، والفئات الوظيفية للعاملين فى مجال التعليم تحتوى على حوالى (45%) ينحدرون فى سلسلة المهن الإدارية المساعدة بالمدارس، وفى المقابل نجد ندرة العمالة الفنية المتدربة فى مجال تكنولوجيا التعليم مع العلم بأن دعم استخدام تكنولوجيا التعليم مرتبط وبشدة مع توافر عدد كاف من الفنيين المؤهلين لاستخدام هذه التكنولوجيا المتقدمة فى مجال التعليم،ومن ثم ينبغى التفكير فى تبديل بعض الوظائف الإدارية بوظائف الاستشارى الفنى المقيم فى المدرسة، وبحيث تتحدد مهام هذا الاستشارى الفنى المقيم فى المدرسة بتدريب المعلمين على استخدام الحاسب الآلى وحجرات مناهل المعرفة، ومن ثم يمكن ترشيد المخصصات المالية للتعليم فى مجال المرتبات. ويمكن تشجيع الفئة الإدارية فى المدارس إلى التحول إلى الفئة الفنية عن طريق التدريبات التحويلية، وربط الزيادة فى الأجور بمدى التقدم فى هذا المجال- أيضاً وبدلاً من الاتجاه السائد حالياً فى إيجاد فرص التدريب التحويلى لخريجى كليات التربية لتمهينهم على مهن أخرى، يمكن تقديم فرص عمل (معلم فنى مبتدئ) لهم لمدة عامين أو ثلاثة، ويشترط أن يكمل هؤلاء المبتدئون بنجاح برنامجاً لاكتساب المهارات والمعارف الجديدة فى مجال تكنولوجيا التعليم، وبما يحسن من أدائهم التدريسى خلال هذه المدة، وبعد إكمالهم هذا البرنامج التدريبى بنجاح يحصل (المعلم الفنى المبتدئ) على صفة (المعلم الفنى المحترف) القادر على تدريس تكنولوجيا التعليم بمدارس التعليم ، ويصبح هؤلاء المعلمون الفنيون المحترفون نواة للهياكل المشرفة والمدربة والتى تستطيع أن تسير بمثل هذه التكنولوجيا السيرة الحسنة المحققة لأهدافها التنموية فى مجال التعليم، والشراكة المجتمعية بين الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية وبقية كيانات مجتمع الأمة المصرى هامة جداً لتحقيق هذه التوجهات وتنفيذها فى واقع العمل التربوى فى نظامنا التعليمى.

وبخصوص التعاون الدولى ومخصصاته المالية فى تمويل التعليم فى مصر، والمعونات والمنح والقروض لتحسينه، لم تظهر الطفرة فى التحسين حتى الآن، ولم تحدث التنمية المتكاملة لمنظومة التعليم المصرى، وغابت الشراكة التعاونية بين ما هو دولى،وما هو قومى، حتى فى مجال تنمية مهارات العاملين بالمدارس، بقيت أقسام التدريب الحكومية بمديريات التربية والتعليم فى منأى عن المشاركة الدولية، وراحت برامج تحسين التعليم الممول بسخاء من البنك الدولى والاتحاد الأوربى تشكل وحداتها التنفيذية وتعمل باستقلالية تامة بعيداً عن أى تنسيق أو تبادل برامج وأنشطة تدريبية مع هذه الأقسام المختصة أصلاً فى التنمية المهنية للمعلمين.

ونسوق تجربة (السلفادور) للاستفادة منها فى ترشيد الإنفاقات فى مجال التعليم، فللتغلب على ما أحدثته الحرب الأهلية من دمار فى (السلفادور) فيما بين عامى 1980، 1992، فإن الآباء فى بعض المناطق الأشد فقراً تولوا إدارة المدارس المحلية.. وقد انتشرت هذه التجربة على مستوى الأمة فى (السلفادور)، حيث مكنت لجنة التعليم بها الآباء من الاشتراك فى إدارة المدارس وتعيين المدرسين ودفع المرتبات، واستخدام الأموال المحولة إليهم من الوزارة لدفع كلفة العملية التعليمية،وتخضع كل مدرسة لإدارة جمعية تعليمية محلية أعضاؤها من الآباء المنتخبين فى اجتماع عام،وتقوم هذه الإدارة التعليمية المنتخبة فى نهاية كل عام بتقييم عمل وأداء المعلمين للنظر فى إمكانية تجديد عقودهم(317).

ولو فكرنا فى هذه التجربة، ونفذناها فى مدارسنا، فلسوف يتطور التعليم، ولسوف توجد الحلول العملية لمواجهة ظاهرة (التعليم الحر) من خلال الدروس الخصوصية فى مدارسنا. والنشاط الخيرى مطلوب وبشدة أن يتصدى لهذه الظاهرة المرضية فى المجتمع، فالحكومة لن تظل وصية على الناس إلى الأبد، ولن تستطيع على الدوام أن تواجه هذه المشكلة بقراراتها الوزارية مثلما فعلت فى مواجهة ظاهرة غياب الطلاب شبه الجماعى فى الأعوام الدراسية الأخيرة، والقرارات الوزارية التى صدرت، وعلى نطاق واسع، لنقل بعض مدرسى الثانوية العامة ممن يوسمون بأباطرة الدروس الخصوصية بين المحافظات المختلفة بجمهورية مصر العربية.

ج- الشراكة المجتمعية وترشيد الإنفاق من خلال تشريع أداء الجودة بين المدارس:

يرتكز مبدأ الإنفاق على التعليم فى ضوء أداء الجودة على منح أولياء أمور الطلاب سندات دعم تعليمية لتدعيم مصاريف التعليم لأولادهم بدلاً من توفير الحكومات لمدارس لتعليم هؤلاء الطلاب، وتتبارى المدارس فى تقديم تعليم جيد لاجتذاب العدد الأكبر من هؤلاء الطلاب ومن ثم الحصول على أموالهم المتضمنة فى السندات التعليمية الممنوحة لهم من حكوماتهم، أى تزيد حدة التنافس بين المدارس من أجل تحسين جودة التعليم وتقليل النفقات التعليمية، أو على الأقل ترشيد واضح لهذه النفقات فى مجال التعليم.

ويقوم هذا التشريع فى مجال التعليم على تعاون كافة التنظيمات المجتمعية فى مسألة الإنفاق على التعليم، حيث تقدم الحكومة دعماً مالياً محدداً لكل تلميذ، وتستنهض مساهمات النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية والقطاعات الخيرية للتضامن مع المدارس من أجل زيادة فعالية العملية التعليمية بهذه المدارس وإحداث تحسين مستمر وصولاً إلى تحقيق الجودة فى التعليم.

وتشير التقارير الصحفية الأخيرة إلى أن الحكومة المصرية تأمل فى فتح باب الشراكة مع الجهود الأهلية  والمنظمات غير الحكومية والقطاعات الخيرية وبقية كيانات مجتمع الأمة المصرى من أجل توفير (40 مليار جنيه) خلال السنوات العشر القادمة لاستثمارها فى مجال التعليم من خلال إقامة (مدارس تعاونية ذى جودة فى مجال التعليم) يلتحق التلميذ بها نظير حصة سهمية مقدارها(4 آلاف جنيه)،   ويمكن استرداد هذا المبلغ فى أى وقت عند ترك التلميذ للمدرسة، وبدأت هذه التجربة بالإسكندرية منذ بداية 2001م وتم تطبيقها فى (30 مدرسة)(318).

وفى مجال الإنفاق الأسرى على التعليم فى مصر وتجويد مستواه بين أبناء هذه الأسر-  على الأقل فى درجات التحصيل الدراسى فى الامتحانات المدرسية- يشير تقرير التنمية البشرية الذى أعده معهد التخطيط القومى عن عام 1998 إلى أن متوسط الإنفاق الأسرى على تلميذ التعليم العام وصل (561 جنيهاً)، وأن أكبر بند من بنود الإنفاق الأسرى سواءً فى الريف أو الحضر يتم على الدروس الخصوصية(319)، ومن الممكن أن تلعب الجمعيات الأهلية والقطاعات الخيرية دوراً كبيراً فى حل مشكلة الدروس الخصوصية وذلك بعمل مجموعات تقوية بكل جمعية أهلية، ويتم اختيار معلمين أكفاء للعمل بها مقابل أجر رمزى(320). ويحتاج هذا الأمر إلى شراكة مجتمعية لمواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية، والمداخل التربوية لمواجهة هذه الظاهرة المجتمعية تنحصر فى تجويد التعليم بالمدارس، سواءً الحكومية منها أو الخاصة.

وقد قدمت دراسة (نبيل عبد الخالق متولى)(321) تفسيراً لضعف الشراكة المجتمعية فى مسألة الإنفاق على التعليم من حيث كونه يأتى مصاحباً لتنامى ظاهرة الدروس الخصوصية فى المجتمع المصرى، حيث يسود الاعتقاد لدى الكثير من الأسر المصرية، بأنها تنوب عن الحكومة فى دفع جزء من مصروفات التعليم، ومن ثم فليس هناك مجال لأى شراكة أخرى تضاف إلى أعباء الأسرة المصرية، خاصة أن قيمة الجنيه المصرى فى انخفاض، وغلاء المعيشة فى تصاعد مستمر، وما أصبح شائعاً كما يراه (سعيد إسماعيل على)(322) هو تلقى معظم الطلاب للدروس الخصوصية، ويتم ذلك من أول العام الدراسى، وربما من العطلة الصيفية، وكذلك فى كل المواد إلى حد كبير، والأسباب هنا كثيرة ومتداخلة، ويأتى فى مقدمة هذه الأسباب غياب الجودة فى التعليم المدرسى.

وهكذا أصبحت نفقات الدروس الخصوصية والتى وصلت إلى حوالى (10 مليارات جنيه) فى العام الدراسى الواحد من ضمن النفقات غير المباشرة، والتى تمثل جانباً هاماً فى الإنفاق على التعليم، وتشير التحليلات الصحفية والندوات الإعلامية إلى ارتفاع تكلفتها على الأسرة ومدى ما تعانيه الأسرة المصرية من أزمات نقدية نتيجة محاولتها تدبير نفقات الدروس الخصوصية. والملبس المدرسى تعرض للتغيير والتبديل فى  ضوء تمايز مدارس التعليم فى مصر، فلكل نمط من أنماط التعليم (الحكومى، والخاص، واللغات، والتجريبى) زى مدرسى يتباهى به وكأنه رمز للجودة فى التعليم، ويتم تبديله وتغييره كل عام مما أضاف أعباء مالية جديدة على الأسر فى المجتمع المصرى، كما فشلت المجموعات الدراسية التى شجعتها وزارة التربية والتعليم لتكون البديل الشرعى للدروس الخصوصية من أجل رفع درجات الجودة فى التعليم، وترجع بعض أسباب هذا الفشل إلى نسب توزيع حصيلة هذه المجموعات الدراسية على العاملين عليها من المعلمين والإداريين والعمال والنسب المخصصة من عوائدها لحساب الصناديق التعليمية فى ضوء القرار الوزارى رقم 462 لسنة 1999م.

كما أن نفقات شراء الكتب الخارجية لتحسين وتجويد التعليم تمثل عبئاً مالياً على الأسر المصرية نظراً لتعدد مسميات هذه الكتب فى المقرر الواحد بالتعليم ، إضافة إلى ظهور أسماء براقة ومتغيرة من هذه الكتب الخارجية على مدار العام الدراسى مثل كراسة الأوائل والمراجعة النهائية، ومراجعة ليلة الامتحان، والتوقعات المرئية، وكيف تتفوق فى الامتحان، حتى الصحافة دخلت هذا الميدان بإصدارها جريدة التفوق، ثم دخلت التجارة الإلكترونية إلى جميع مراحل التعليم، فأصبح مطروحاً فى الأسواق الدروس التعليمية التى تبثها القنوات الفضائية التعليمية المتعددة (قناة التعليم الابتدائى، وقناة التعليم الإعدادى، وقناة التعليم الثانوى،وقناة التعليم العالى) والتى بدأ بثها منذ نوفمبر 1998، إضافة إلى كلفة الأقراص (المضغوطة) (CD- ROM) والتى تخزن الدروس التعليمية بالصورة والصوت. وأصبحت قضية الأسر المصرية تتمحور حول كيفية توفير الوقت والتمويل اللازم لكى يستفيد الأبناء من هذه الخدمات التعليمية ذى الجودة العالية على مدار العام الدراسى، فساعات الإرسال تتراوح ما بين (12-18) ساعة يومياً لكل قناة فضائية، إضافة إلى الدروس التعليمية على القناتين الثانية والثالثة والقنوات المحلية(323).

وفى واقع الأمر فإن توفير المخصصات المالية للتعليم ومواجهة صعوباته تحتم تفعيل الشراكة المجتمعية من خلال الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية لتصبح أدوات فاعلة لتقوية مجتمع الأمة فى مصر، ويتم ذلك من خلال أن تعمل كل جمعية أهلية وكل نقابة مهنية وعمالية على إنشاء صندوق لتلقى أموال الزكاة والهبات من أهل الخير، على أن يخصص دخل هذا الصندوق لتمويل بناء المدارس لأبناء الفقراء واليتامى ولأبناء الحى تخفيفاً من كثافة الفصول بالمدارس الأميرية. وأن تنظم هذه الكيانات المجتمعية مع الجهات التعليمية الرسمية ولجان الأحزاب السياسية الحاكمة فرص عمل بهذه المدارس لخريجى كليات التربية حديثى التخرج والمنتظرين لوظائف التدريس بالوزارة، وأن تحرص وزارة التربية والتعليم على إيجاد قنوات شراكة مع الجمعيات الأهلية والقطاعات الخيرية فى بناء مدارس جديدة مملوكة لوحدات الحكم المحلى التى تقع الجمعيات الأهلية فى نطاقها الجغرافى، ويحشد الرأى العام الشعبى لتمويل بناء هذه المداس وتوفير المتطلبات الأساسية بها. ولعل القانون الجديد للجمعيات والمؤسسات الأهلية الذى صدر بتاريخ (1/6/2002م) يمهد لقنوات اتصال فعالة بين الجمعيات الأهلية وبين غيرها من المنظمات الحكومية وغير الحكومية،ويوجد شراكة سواءً فى تبادل المشورة أو فى تملك حصص فى المبانى المدرسية لكى نصل إلى الشراكة المجتمعية الحقيقية فى مواجهة مشكلات تمويل التعليم وترشيد الإنفاقات التعليمية وتحقيق الجودة بين المدارس.

هذا وتفيد دراسات العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم فى إيجاد نوع من التناسق بين الميزانية المخصصة للتعليم، وغيرها من الميزانيات المخصصة لقطاعات الإنتاج والخدمات الأخرى فى ضوء معدلات العائد من الاستثمار فى هذه القطاعات. وتسهم هذه الدراسات فى توزيع الموارد المتاحة للتعليم- وبخاصة الموارد المالية- توزيعاً عادلاً ومنطقياً بين مراحل التعليم وأنواعه المختلفة، فى ضوء معايير معدل العائد منها، إلى جانب معايير الأهداف المنشودة فى كل مرحلة تعليمية، وأعداد الطلاب المسجلين فى كل منها، وخصائصهم وطبيعة المناهج المقررة وغيرها(324). كما توجه نتائج هذه الدراسات مخططى التعليم إلى توجيه الاستثمار فى أى نمط من أنماط التعليم، وفى أى نوع من أنواعه، وفى أى مرحلة من مراحله تكون الكلفة ومعدل العائد الأفضل نسبياً.

كما أن ربط العائد من التعليم بالدخل،ومحاولة دراسة العلاقة بين الكلفة والعائد فى هذا المضمار تواجهها صعوبة دراسة العوامل الأخرى المؤثرة فى دخول الأفراد مثل فروق القدرات الطبيعية، والوضع الاجتماعى والاقتصادى للفرد والخبرات المهنية، ونوع العمل، والحظ، والجنس، وغير ذلك من العوامل التى يصعب حصرها.

وفى مجال تحليل الكلفة والفعالية فإن هناك تباين فى وجهات النظر، فمن قائل أن مستويات الكفاية المهنية والإنتاجية لأفراد القوى البشرية العاملة فى سوق العمل ترتبط مباشرة بمقدار الكلفة فى التعليم،ومن ثم فإن تحسين الفعالية يتوقف على جودة التعليم. وهناك من يرى أن العلاقة بين الكلفة والفعالية تتأثر بعلاقات متشابكة فى مجال التعليم،ومن الصعب الفصل بينها. فسوق العمل يحتوى على قطاعات أولية وقطاعات ثانوية، القطاع الأولى يحتوى على مهن تحتاج من شاغليها التميز فى التعليم، ومن ثم زيادة الكلفة عليه، بينما القطاع الثانوى يشتمل على أعمال تتطلب من شاغليها قدراً قليلاً من التعليم. ومن ثم تتباين علاقة الكلفة والفعالية فى ضوء تمايز سوق العمل وانقسامه إلى قطاعات أعمال مختلفة مهارياً.

وفى حالة اعتماد بحوث الكلفة والفعالية فى هذا المجال فيجب بذل كافة الجهود الممكنة لجعل تطبيق النتائج فى التخطيط لتحسين نوعية التعليم يتسم بالدقة قدر الإمكان،ويستتبع ذلك بذل المزيد من الجهد فى عديد من المجالات، لعل من أهمها: تحديد الأهداف بشكل واضح، وقابل للقياس قدر الإمكان،وتحديد كلفة كل بديل بشكل دقيق، وتوسيع النظرة للفعالية، قدر الإمكان، وعدم قصرها على البعد التحصيلى المعرفى فقط، مع الاستفادة من التطورات التى حدثت فى مجال القياس والتقويم. واتخاذ كافة التدابير المنهجية والتطبيقية للتحديد الدقيق لفعالية كل بديل، وبشكل قابل للمقارنة(325).

أما الدراسات التى اعتمدت مدخل النماذج والدوال الرياضية فى تفسير العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم فتواجهها عدة صعوبات منها أن الاعتماد على الدخل القومى وطريقة العامل المتبقى ومؤشرات النمو الاقتصادى لها كثير من المآخذ الاقتصادية، كما أن التحقق والثقة فى البيانات التى تتضمنها هذه النماذج والدوال الرياضية، بالإضافة إلى صعوبة تحديد افتراضات المتغيرات العلية أو السببية التى يتم تضمينها فى النماذج والدوال الرياضية لتفسير العلاقة بين الكلفة والعائد. وأيضاً معرفة الترتيب الزمنى لعلاقة "السبب" "بالنتيجة" (Time Order Problem) يعد من الأمور الهامة فى هذا المدخل البحثى.

ويمكن أن تفيد هذه الدراسات التى اعتمدت مدخل النماذج والدوال الرياضية فى الكلفة والعائد التعليمى، فى التخطيط لتحسين نوعية التعليم من خلال تناولها للعديد من المتغيرات منها حجم المدرسة، إلى جانب بعض المتغيرات الخاصة بجودة المعلم (قدراته وخبراته ونمط إعداده)، التى أصبحت كفة تأثيراتها الإيجابية فى النواتج والمخرجات أرجح من تأثيراتها العكسية، والحوافز التى قفزت إلى مكانة متقدمة جداً من حيث تأثيرها الإيجابى فى النواتج والمخرجات التربوية، إلى جانب المدخلات غير المدرسية، خاصة الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للوالدين، وجماعات الرفاق التى أصبح تأثيرها أكثر إيجابية ودلالة واتساقاً عبر الزمن(326).

ومن ثم فإن دراسات العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم تنبئ - من وجهة نظر الباحث- بمدى قدرة الأفراد على الكسب النقدى وزيادة دخولهم نتيجة تحسين كفاياتهم الإنتاجية، فقدرة الأفراد هى التى تسهم فى تحسين الكفايات المهنية والإنتاجية، إلى جانب القيم والدوافع، وهذه بدورها تؤثر فى تجويد كفايات العمل لدى الأفراد، وبناءً عليه يجب التخطيط لنوعية التعليم المطلوبة فى المجتمع فى ضوء هذه الرؤى البحثية فى العلاقة بين الكلفة والعائد التعليمى.

كما أن دراسات العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم تنبئ بزيادة رغبات الأفراد وارتفاع طموحاتهم المهنية، وظهور شخصيات متمايزة، كما أن علاقة الكلفة والعائد يرتبط بقضية الاختيار الشخصى،وما يتضمنه من إشباع لرغبات الفرد وحاجاته الشخصية والاجتماعية. وقد تلعب العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم دوراً فى التنبؤ بمدى قدرة الأفراد على التدريب على كفايات العمل فى سلسلة متصلة من الأعمال والمهن فى سوق العمل. وربما سوف يتضمن فى المستقبل القريب مفاهيم الأهداف والأغراض والمتطلبات والنتائج والأدوار فى دراسات العلاقة بين الكلفة والعائد التعليمى ودورها فى تخطيط نوعية التعليم.

وربما سوف تتعد مصادر الإنفاق على التعليم فى مجتمعنا المصرى بصورة أكثر كلفة، فتظهر الرسوم الدراسية عالية الكلفة، وربما تظهر أيضاً القروض التعليمية بين الطلاب، وضرائب تشغيل الخريجين كمدخلات رئيسة فى الكلفة والعائد التعليمى بين الأفراد. فمن ناحية الرسوم الدراسية يقوم الفرد أو ولى أمره بدفع رسوم دراسية مقابل التعليم الذى يحصده كوسيلة لاستعادة الكلفة التعليمية. وقد تمثل الرسوم الدراسية عبئاً على الفرد وعلى ولى أمره، وقد تعيق أبناء الشريحة الاجتماعية الفقيرة عن مواصلة التعليم، خاصة فى مراحله العالية.

وفى التخطيط لتحسين نوعية التعليم يشهد العالم تحولاً تدريجياً فى مشاركة الفرد فى تمويل فرصه التعليمية، فأصبحت الأسئلة المطروحة الآن فى التخطيط التعليمى هى: كم يدفع الفرد نظير فرصه التعليمية؟ ومتى يدفع؟ وكيف يدفع؟، وما الأسلوب الفعال لضمان العائد المرجو من هذه الكلفة الخاصة فى مجال التعليم(327). وفى هذا المجال يفكر المخططون فى علاقة الكلفة بالرسوم الدراسية الخاصة بالفرد،وبمقدرته الاقتصادية لكى يمكن تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية بين شرائح المجتمع الواحد. كما يتم التفكير فى ربط الرسوم الدراسية بنوعية التعليم وبمراحله المختلفة لأن الكلفة والعائد فى مجال التعليم تتباين باختلاف "الكم"، و"الكيف" التعليمى.

أما القروض التعليمية فتعد من أساليب استعادة الكلفة فى مجال التعليم، إذ يقوم الفرد بتمويل تعليمه عن طريق دفع مؤجل بحيث يتم استعادة هذه القروض التعليمية بأساليب وطرائق مختلفة باختلاف النظم المالية بين الدول. وقد تكون هذه القروض بدون فوائد لكل فرد يتفرغ للدراسة طوال الوقت.

كما أن أحد مصادر تمويل التعليم قد تكون فى فرض ضريبة على الجهات المستفيدة من مخرجات التعليم، على أن يتم ربط هذه الضريبة بكلفة التعليم الذى تلقاه الخريج، على أن تقسم هذه الضريبة على فترة زمنية كافية لتغطية الكلفة التعليمية للخريج. ومن متطلبات نجاح هذه الخطوة تقوية العلاقة بين التعليم والإنتاجية، وكذلك تقوية العلاقة بين نوع التعليم الذى يتلقاه الفرد والعمل المستقبلى الذى سيمارسه بحيث يصعب على فرد متخصص فى عمل معين القيام بعمل خريج آخر متخصص فى عمل آخر.

وعليه فإن علاقة الكلفة بالعائد فى مجال التعليم يجب النظر إليها كمؤشر جيد فى التخطيط لتحسين نوعية التعليم المطلوبة للفرد وللمجتمع على السواء، وفى التخطيط لتوفير هذه الكلفة.

وتظهر هنا أهمية تعاون التخصصات التربوية جميعاً فى إعداد مقاييس مقننة تعبر عن جودة فعالية الخريج من كافة الأنظمة التعليمية، إلى جانب أخذ آراء المختصين فى قطاع الأعمال الإنتاجية من أجل  مشاركتهم فى الحكم على كلفة وفعالية المنتج التعليمى من النظام التربوى.

وهنا يجب التفكير فى مزاوجة أكثر من مدخل بحثى فى تقدير علاقات الكلفة بالعائد فى مجال التعليم وفى أدوارها فى تخطيط نوعية التعليم المطلوبة فى القرن الحادى والعشرين. كما يجب دراسة العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم استناداً إلى تقدير الجودة وفقاً لآراء الخبراء فى فعالية المنتج التعليمى المراد مقارنة كلفته التعليمية بالعائد الاقتصادى والاجتماعى منه، خاصة فى المهن المتصلة بالأعمال المهارية، على أن تحدد معايير موضوعية متعددة لتقدير جودة المنتج التعليمى من خلال هؤلاء المحكمين وثيقى الصلة بهذه الأعمال المهارية بعد الدقة فى اختيارهم.

ويمكن الاستفادة من الدراسة الحالية فى ترشيد الإنفاق مع زيادة العائد فى التعليم المصرى من خلال ترشيد الكلفة الحكومية فى مجال التعليم مع العمل على زيادة كفاءة التعليم. فقد أوضحت هذه الدراسة بعض مفاهيم الكلفة والبدائل المتعددة لها فى مجال التعليم، وتأتى الكلفة الحكومية فى التعليم فى مجتمعنا المصرى لتمثل أعقد الموضوعات وأكثرها إثارة للرؤى النقدية فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. وتنادى هذه الدراسة بضرورة البحث عن مصادر إضافية أخرى لتمويل التعليم والمساهمة مع الحكومة فى كلفته مثل زيادة المصروفات المدرسية،وفتح باب التبرعات المالية المحلية وفرض ضرائب رمزية على الخدمات العامة من أجل تحسين نوعية التعليم. وفى الوقت نفسه يحب على صانعى القرارات التعليمية العمل على ترشيد الإنفاق فى مجال التعليم، ويستلزم هذا الأمر ضرورة ترشيد نفقات أنشطة التدريس والأنشطة التعليمية المصاحبة، إلى جانب ترشيد النفقات الإدارية وإصلاح الهياكل الوظيفية فى مجال التعليم.

وبتحليل الكلفة الحكومية فى مراحل التعليم وأنواعه المختلفة نجد أن الرواتب والأجور والحوافز والمكافآت تمتص الجزء الأكبر من هذه الكلفة، وأن الفئات الوظيفية للعاملين فى مجال التعليم تحتوى على العديد من الوظائف الإدارية وبنسب مرتفعة وبكلفة مرتفعة أيضاً.

ولكى نقلل الكلفة أو نرشدها مع زيادة العائد فى التعليم المصرى يصبح من الضرورة، بل من الأهمية القصوى إعادة النظر فى نظام الترقيات للعاملين فى مجال التعليم، مع التقليل دوماً من الهياكل الإدارية والارتفاع النسبى بالهياكل الفنية فى المدارس. فمن خلال الخبرات المعاشة نجد أن الغالبية العظمى من أفراد الهيئات التدريسية يسعون حثيثاً إلى وظيفة إدارية (وكيل، ناظر….) عند قدوم الترقية إليهم، وبناءً عليه نجد أن نسبة كثيرة من هؤلاء العاملين بمدارس التعليم قبل الجامعى ينحدرون فى سلسلة المهن الإدارية بالمدارس، وفى المقابل نجد ندرة العمالة المهنية والفنية المتدربة فى مجال تكنولوجيا التعليم مع العلم بأن دعم استخدام تكنولوجيا التعليم مرتبط وبشدة مع توافر العدد الكافى من الفنيين المؤهلين لاستخدام هذه التكنولوجيا المتقدمة فى مجال التعليم.

وطالما أن وزارة التربية والتعليم المصرية قد عقدت العزم على تطوير التعليم وإمداده بجميع فنون التكنولوجيا المطورة أصبح لزاماً عليها أن توجد الهياكل المشرفة والمدربة والتى تستطيع أن تسير بمثل هذه التكنولوجيا السيرة الحسنة الناجحة المحققة لأهدافها التنموية، والغريب أن معظم معامل التطوير التكنولوجى وغرف مناهل المعرفة ما هى إلا مخازن أمينة لأجهزة متقدمة لا تستخدم ولا تفتح إلا فى نطاق ضيق، مدعياً من يقوم بالإشراف عليها بأنها عهدة ولا يوجد من نستطع أن نطلق عليها متخصصاً فنياً وكذا لا يوجد من يشرف عليه فى مجاله ويحاسبه، ويرشده فى تشغيل هذه الأجهزة التكنولوجية المتقدمة تشغيلاً جيداً، بحيث يعود هذا التشغيل بالنفع والفائدة فى مجال التربية والتعليم.

وقد سارت وزارة التربية والتعليم فى مصر بخطوات جادة فى تطوير العملية التعليمية من خلال تطوير وتحديث مناهج الدراسة وإثرائها بخبرات معاصرة فى مراحل التعليم المختلفة، كما جاء إدخال مواد الحاسب الآلى فى مراحل التعليم ليكمل استراتيجية النهوض بمستوى التعليم لتلبية الاحتياجات التنموية للمجتمع، ويتبقى التدريب الجاد للعاملين بمستويات التعليم المختلفة على مهارات الحاسب الآلى حتى يستطيعون تنمية قدرات تلاميذهم فى هذا المجال.

ومن خلال هذه الرؤى ننادى بإعادة النظر فى نظام الترقيات للمعلمين فى مجال التربية والتعليم بحيث تغلق أبواب أو فرص الترقيات للوظائف الإدارية بعضاً من الوقت ونحل محلها فرص الترقيات فى مجال تكنولوجيا التعليم من أجل الاستثمار الجيد لجهود العاملين فى مجال التعليم وتقنياته الحديثة، أملاً فى الوصول إلى الجودة فى مجال التعليم.

ولعل تجويد برامج التنمية المهنية لجميع العاملين فى الميدان التربوى بدءاً بالمعلمين وانتهاءً بمدراء المدارس يسهم فى ترشيد الإنفاق على التعليم. فمن طرق الاستثمار الأمثل للكلفة فى مجال التعليم الاستخدام المتعدد للإمكانات التعليمية المتاحة فى مجال الأبنية المدرسية والأجهزة التكنولوجية من أجل الحصول على إمكانات تربوية افضل وبما يؤدى إلى مخرجات تعليمية على درجة كبيرة من الكفاءة. ومن المعلوم أن توافر التجهيزات التكنولوجية الحديثة مع نقص فى الكوادر المتخصصة فى هذا المجال ينتج عنه ضعف الكفاءة فى الاستخدام لهذه الأجهزة التكنولوجية. وبدلاً من وجود مدير إدارة، ومدير مرحلة (أ)،ومدير مرحلة (ب) فى المدرسة نفسها، إلى جانب بعض النظار والوكلاء فى الإدارة المدرسية ينبغى التفكير فى تبديل بعض هذه الوظائف بوظائف الاستشارى الفنى المقيم فى المدرسة، وبحيث تتحدد مهام هذا الاستشارى الفنى المقيم فى المدرسة بتدريب المعلمين على استخدام الكمبيوتر وتشغيله لخدمة البرامج التعليمية المختلفة فى مراحل التعليم، كما يجب أن يكون هذا الاستشارى الفنى على دراية كاملة فى كيفية استخدام المعلمين لحجرات مناهل المعرفة الاستخدام الأمثل. ويجب أن يمتلك من يعمل فى هذه الوظيفة القدرات المهنية التى تمكنه من تطوير كفايات المعلمين فى هذا المجال، ومن ثم يمكن ترشيد الكلفة الحكومية فى مجال المرتبات والمكافآت بما يؤدى إلى تعظيم العائد من التعليم. ويتصل بهذا الأمر الدعوة إلى تطوير تجهيزات المعامل وبحيث تصبح هذه المعامل متكاملة وتصلح لتحقيق أكثر من هدف تربوى وتعليمى. ويسهم فى تحقيق هذا الأمر الدعوة إلى الاهتمام بإنشاء شعب "فنى/ تكنولوجى" فى مجال تكنولوجيا التعليم بكليات التربية بما يسهم فى إعداد الكوادر المؤهلة لاستخدام الأجهزة التكنولوجية الاستخدام الأمثل وبكلفة مناسبة. فالمطلوب كلفة حكومية منخفضة فى مواجهة استخدام تكنولوجيا التعليم إلى أقصى حد ممكن من الفعالية وتعليم أفضل. ولتحقيق هذا الأمر نحتاج إلى مجهودات العاملين فى مجال التربية والتعليم. فالحرص على إثراء عوائد التعليم مع الاعتدال فى الكلفة على التعليم مع الحفاظ على الجودة فيه يستلزم إعادة النظر فى استخدام القوى البشرية العاملة فى مجال التعليم لتحقيق هدف أو مجموعة أهداف نرغب فى تحقيقها فى كل مرحلة تعليمية على حدة.

وهكذا تشير خارطة الطريق الحالية إلى كيفية مساعدة المدارس على بلوغ الأهداف التربوية التى حددتها هذه المدارس بدون كلفة حكومية إضافية وذلك عن طريق إعادة رسم سلم الأولويات فى الترقيات أمام العاملين بهذه المدارس بحيث نفتح فرص الترقيات على مصراعيها أمام من يرغب فى وظائف الوكيل أو الناظر الفنى أو الاستشارى وليس الإدارى، الوكيل أو الناظر القادر على استخدام أجهزة تكنولوجيا التعليم وأجهزة الحاسب الآلى فى النظام التعليمى. فيكفى أن تتحمل الدولة كلفة توفير المنشآت والتجهيزات والمعدات فى مجال تكنولوجيا التعليم، ويتحمل من يرغب فى الترقية من العاملين فى الميدان التربوى كلفة التدريبات المهنية اللازمة لاستيعاب هذه المهارات وبما يؤدى إلى تحسين عملية التعليم، فهل من المعقول فى حسابات الكلفة وترشيدها وتعظيم عائدها أن يرقى المدرس الأول المجتهد الجدير بتدريس مادته إلى وظيفة وكيل ويبعد كلياً من الإشراف الممتاز على مادته التى عُرف عنه الجودة فيها، والأولى بالوزارة أن تتخذ منه مدرباً فاعلاً أو مستشاراً فنياً مقيماً فى مدرسته بدون أى كلفة نقدية إضافية.

ومن خلال تساؤلات مع هيئات التوجيه الفنى المختلفة تبين أن الحصص التى تسند لهؤلاء الوكلاء تكون غير عائدة الجدوى نظراً لعدم إقبال الوكيل على تدريسها بنفس راضية وبالحماس المطلوب، فقد تعود هؤلاء الوكلاء على المهام الإدارية وابتعدوا عن المهام التدريسية، ومن ثم يعزفون عن التديس.

ومما يدفع إلى ضرورة ترشيد الانفاقات فى مجال التعلم أن يحدد وكيل لكل مادة علمية يستفاد من درايته وخبراته السابقة، فمثلاً يجب العمل على تبنى فكرة إيجاد وكيل لمادة العلوم يتفرغ لتطوير معامل العلوم وكيفية استغلالها استغلالاً جيداً، وكذا على وتيرته وكيلاً لمعامل اللغات ومعامل الرياضيات وغيرها.

كما تنادى هذه الخارطة بضرورة التفكير فى كلفة العاملين الإداريين من المدراء والنظار بمدارس التعليم العام، ومدى إسهاماتهم فى مجاراة التربية والتعليم التقدم العلمى والتكنولوجى. فبرامج ترقيات هؤلاء الأفراد لابد أن تراعى التغيرات التكنولوجية المعاصرة فى القرن الحادى والعشرين، وما يصاحبها من تطور المعارف والمهارات فى هذه المهن، وتخطيط نوعية التعليم يجب أن يستند على تقدير دقيق لمهارات مديرى المدارس ونظارها ومدى فعاليتهم فى تحسين نوعية التعليم. وباختصار لابد من إصلاح نظم الترقيات فى مجال التربية والتعليم من أجل ترشيد الكلفة الحكومية فى مجال الرواتب والحوافز والمكافآت مع زيادة العائد فى التعليم المصرى عن طريق توفير القوى البشرية المهنية القادرة على ممارسة الأعمال المهارية فى مجال تكنولوجيا التعليم من بين الجهاز الإدارى المتضخم فى المدارس. فجودة أى مؤسسة تربوية تقترن دائماً بعدة مؤشرات خاصة بالإدارة وبالمعلمين وبالمتعلمين وبيئاتهم وظروفهم المحيطة بهم، وبالإمكانات والتنظيمات المدرسية والمجتمعية وغيرها. وأحد مدخلات تحسين نوعية التعليم تكمن فى تحديد الاحتياجات الفعلية من إدارى المدارس فى مجال الإدارة المدرسية، وباقى الأفراد من أعضاء هذا الجهاز الإدارى يجب توظيفه فى مجال تدريس تكنولوجيا التعليم من أجل الحصول على مردود تعليمى جيد.

ومن أجل ترشيد الكلفة وتعظيم العائد فى التعليم المصرى يجب استثمار الموارد التعليمية استثماراً جيداً، إلى جانب استثمار الأبنية التعليمية ومتابعتها وصيانتها بصفة دورية للحفاظ عليها أطول فترة ممكنة.

ومن المفروض على وزارة التربية والتعليم التى أوجدت هيئة الأبنية التعليمية أن يكون من بين أفراد إدارة المدرسة من يقوم بالإشراف على المبنى المدرسى إشرافاً دقيقاً تتاح له كل السلطات التى تدعم دوره فى الحفاظ على المبنى المدرسى وصيانة هياكله دورياً. ولعل اقتراح أن توجد وظائف (سباك وكهربائى ونجار) ضمن العمالة الموسمية التى تعين سنوياً فى المدارس وكافة المؤسسات التعليمية الأخرى يضمن شروطاً رئيسة فى صيانة المبانى المدرسية، وفى الوقت نفسه لن يكلف وزارة التربية والتعليم نفقات نقدية إضافية. فهذه الوظائف الموسمية يمكن الاستفادة منها فى تحسين البيئة التعليمية عن طريق انتقاء العمالة الفنية التى نحتاج خدماتها، والتى تتغير من عام دراسى إلى آخر.

كما أن البنك الدولى والاتحاد الأوربى يدعم برنامج تحسين التعليم المصرى بعدة ملايين من الجنيهات سنوياً ويشترط عدم اتفاق هذه الملايين أو جزء منها فى إقامة المبانى المدرسية أو بناء قاعات للتدريب أو أماكن للإدارة. فتلجأ وزارة التربية والتعليم إلى استئجار المبانى والقاعات الخاصة بأسعار قد تكون مرتفعة فى معظم الأحيان من أجل توفير أماكن للتدريب الممول من البنك الدولى والاتحاد الأوربى بهدف تحسين وتنمية مهارات العاملين بالمدارس، ومن وجهة نظر استثمارية فإن قيام هيئة الأبنية التعليمية ببناء أماكن وتأجيرها لمسئولى هذا البرنامج قد تكون أكثر جدوى وإفادة للوزارة.

كما يجب تبنى فلسفة الاستثمار فى الصناعات التعليمية ومنها إقامة مصانع خاصة بالتربية والتعليم تعمل على تزويد المدارس بالأثاث المدرسى متعدد الاستخدام، وكذا الأجهزة المعملية. ويجب الاستفادة من التسهيلات المادية المقدمة من الدولة للمناطق الاستثمارية من أجل إقامة مناطق استثمارية مملوكة لوزارة التربية والتعليم، أسوة بمنطقة أو مدينة الإنتاج الإعلامى المملوكة لوزارة الإعلام، تكون أولويات مهامها طبع الكتب المدرسية ونشرها، إلى جانب طبع وإنتاج الأدوات الكتابية والوسائل التكنولوجية التى لها دور مؤثر فى العملية التعليمية، وحتى إنتاج الكمبيوتر التعليمى. ويؤدى هذا الاقتراح، إذا ما تم تبنيه والعمل على تنفيذه، إلى خفض الكلفة الحكومية فى مجال إنتاج الكتاب المدرسى وتحسين جودته باستخدام وسائل حديثة ومتطورة فى أعمال الطبع. ويا حبذا لو تم طبع الكتب المدرسية بحيث تشمل المناهج متجمعة لبعض المواد ولعدد من السنوات الدراسية وبما يؤدى إلى خفض كلفة الوحدة من الكتب المطبوعة.

كما يجب البحث عن موارد إضافية للإنفاق على التعليم مثل العمل على تشجيع المحليات على المساهمة فى تمويل التعليم، وضرورة العمل على إنشاء صندوق قومى أو محلى خاص بالتعليم لدعم تمويل التعليم.

ويوضح الأنموذج (1) أهم المؤشرات التى توصلت إليها خارطة الطريق الحالية من تحليل دراسات الكلفة والعائد وكيفية الاستفادة منها فى تحسين نوعية التعليم فى المجتمع المصرى.


 

أنموذج (1)

تصور خارطة الطريق الحالية فى ترشيد مؤشرات الكلفة من أجل تجويد البيئة التعليمية

مؤشرات الكلفة التعليمية

توظيف الكلفة القابلة للترشيد فى تجويد البيئة التعليمية

-   نفقات رواتب وأجور العاملين.

-   ربط الحوافز النقدية للعاملين بتحقيق التقدم الدراسى لطلابهم، بدلاً من ربطها بأيام الأجازات.

-   نفقات إعداد الكتب والأدوات المطبوعة، وتكاليف إنتاج المعدات والوسائط المدرسية، وتكاليف تقنيات برامج تحسين التدريس والتدريس عن بعد.

-   إقامة مناطق استثمارية مملوكة للتربية والتعليم تكون مهمتها إنتاج الكتب والأثاث المدرسى والأجهزة المعملية والتقنيات والحاسوب المدرسى (إقامة مدينة للتعليم)، وفتح باب التبرعات من المؤسسات الإنتاجية المختصة بإنتاج التقنيات، وقبول فرص التدريب المجانية على تشغيل هذه التقنيات من قبل مؤسسات الإنتاج المختصة.

-   النفقات الحكومية الدورية فىالتحسين التعليمىونفقات برامج تدريب العاملين، وبرامج التنمية المهنية للطلاب ونفقات إعداد البرامج التعليمية المتلفزة.

-   ترشيد النفقات الإدارية وإصلاح الهياكل الوظيفية وإحلال فئة الاستشارى الفنى المقيم فى المدرسة، وربط شروط التعاقد على شراء أجهزة تكنولوجيا التعليم بفرص التدريب المجانى للعاملين بالمدارس لدى الشركات المختصة بإنتاج هذه الأجهزة مقروناً بالتعاقد معها.

-   رسوم التعليم فى المدارس والمصروفات الدراسية الإضافية

-   اقتراح القروض التعليمية بدون فوائد بين الطلاب لدعم تسديد الرسوم الدراسية بالمدارس، ومساعدة المواطنين فى المصروفات الدراسية الإضافية.

-   كلفة مدخلات الموارد التربوية بدلالة الفرص البديلة فى الاستثمار، والدخل النقدى المفقود نتيجة التمدرس.

-   وضع شروط لصيانة الأبنية التعليمية الجديدة ومتابعتها بصفة دورية لعدد من السنوات من قبل الشركات التى قامت بتنفيذها، وإيجاد درجات من التناسق بين الميزانيات المخصصة للأنشطة التعليمية والتربوية بين القطاعات الحكومية المختلفة.

-   نفقات تعليمية أخرى من المجتمع ومن الأفراد.

-   فرض ضرائب رمزية على الخدمات العامة فى المجتمع لتمويل صندوق تحسين التعليم، وفتح باب التبرعات من الجمعيات الأهلية ومن رجال الأعمال ومن مجالس الآباء والمعلمين لتدعيم هذا الصندوق.

يتضح من الأنموذج (1) السابق ما يلى:

أولاً:     فى مجال نفقات رواتب وأجور العاملين يجب ربط الحوافز بمدى تقدم التلاميذ علمياً وألا تربط هذه الحوافز بعدد أيام الإجازات فقط، ويمكن ربط هذه الحوافز أو جزء منها بمدى مجاراة المعلم واستخداماته التقنيات العلمية والتكنولوجية فى عمله مثل مشاركته فى الأنشطة التربوية ومجموعات التقوية فى المدرسة.

ثانياً:    فى مجال تكاليف الكتب الدراسية يجب تبنى فكرة الكتاب المستديم والجامع لفروع المادة الواحدة. كما يجب تبنى فكرة إقامة المناطق الاستثمارية المملوكة للتربية والتعليم تقوم على طباعة الكتب وتقديم التقنيات التعليمية المطلوبة.

ثالثاً:     فى مجال تحسين الأبنية التعليمية يجب أن يستفاد من الشركة المتعاقد معها بالبناء أن تقوم على صيانة المبنى لبضع سنين مستقبلية مع وضع الزيادة السكانية فى الاعتبار من ناحية عدد الأدوار والفصول وإمكانيات إضافة مبانى جديدة فى محيط المدرسة.

رابعاً:    فى مجال نفقات التدريب أثناء الخدمة بحيث مراعاة عدم تكرار برنامج التدريب وألا يتعارض التدريب مع سير العملية التعليمية واليوم المدرسى. مع ضرورة التزام الشركات المتعاقد معها فى شراء الحواسب الآلية التعليمية بتدريب من يقوم على تشغيلها مجاناً والتزامها بالصيانة لهذه الأجهزة لبضع سنين، فكلفة تطبيق التقنيات التكنولوجية يجب أن تتضمن كلفة التدريب على هذه التقنيات بما يؤدى إلى جودة مخرجات التعليم..

خامساً: فى مجال الاستفادة من نفقات برامج التنمية المهنية للطلاب يجب تطبيق فكرة المدرسة المنتجة، حيث تستطيع المدرسة تبنى بعض المشروعات الاستثمارية المنتجة التى تعود بعائدها على تحسين البيئة التعليمية ويجب أن تعود فكرة المقصف المدرسى بأسلوب مطور قادر على تلبية الاحتياجات المدرسية (قلم، كراسة، سندوتش) بما يعود بقيمة ربحية تسد بعض نفقات تحسين البيئة المدرسية.

سادساً: فى مجال الرسوم المدرسية: يجب أن تحدد هذه الرسوم بما يتناسب مع إمكانيات أولياء الأمور حتى يكونوا حريصين على سدادها.

سابعاً: فى مجال التبرعات من الجمعيات الأهلية ومجالس الآباء والمعلمين يجب ألا ترفض هذه التبرعات وأن تخضع لرقابة جادة من التربية والتعليم.

ثامناً:    فى مجال الاستعانة بنقابة المعلمين يجب ألا ينفصل دور النقابة عن التربية والتعليم بمعنى أن تساهم النقابة بمدخراتها النقدية فى تحسين البيئة التعليمية من وجهة نظر استثمارية، وأن تعود ربحية كافة المشروعات الاستثمارية التى تتبناها هذه النقابة على تحسين الأبنية التعليمية، وعلى سبيل المثال فيجب على نقابات المعلمين أن تسخر مبانيها المنتشرة فى ربوع محافظات الجمهورية لبرامج تحسين التعليم الممول بسخاء من البنك الدولى والاتحاد الأوربى نظير الحصول على الأجور النقدية التى تدفع لمبانى القطاع الخاص، ومن استثمار تأجير بعض أماكن نقابات المعلمين يتم تحديث المبانى المدرسية القديمة وإقامة أماكن أخرى جديدة. كما يجب أن تستثمر نقابات المعلمين أموالها فى تمويل إقامة المنطقة أو المدينة المملوكة لوزارة التربية والتعليم والتى تم اقتراحها فى هذه الدراسة، والتى تتحدد مهامها فى إنتاجية الكتب المدرسية والأدوات الكتابية والوسائل التكنولوجية والأثاث المدرسى اللازم لتطوير العملية التعليمية.

د – الشراكة المجتمعية وترشيد الإنفاق من خلال خصخصة بعض الخدمات التربوية:

تقوم بعض أفكار "ترشيد الإنفاق" فى مجال التعليم على زيادة أعداد المدارس الخاصة مع تقليل أعداد المدارس الحكومية، ثم التمهيد لنقل ملكية المؤسسات التعليمية إلى القطاع الخاص، وتستخدم عدة إجراءات فى نقل الخدمات التعليمية إلى القطاع الخاص، حيث تحرص الحكومات على منح سندات دعم تعليمية لأولئك الطلاب غير القادرين على دفع مصاريف التعليم، ولو تم تطبيق نظام السندات التعليمية فى مصر، يحتاج هذا الأمر إلمام أولياء الأمور بحزمة من البيانات الهامة لمعرفة الخيارات المتاحة أمامهم مثل سمات المدارس الموجودة فى المنطقة التى يسكنون فيها، والمقررات والبرامج الدراسية المقدمة،ومعلومات عن المعلمين والإداريين ومؤهلاتهم وخبراتهم المهنية، إلى جانب معرفة طبيعة الخدمات التعليمية المقدمة فى هذه المدارس. وإذا رغب ولى الأمر فى إلحاق ابنه فى إحدى المدارس البعيدة عن مسكنه فيظهر بند المواصلات، وهل السند التعليمى سوف يتكفل به؟، وهل سوف يخصص بند مستقل فى هذا السند التعليمى للمواصلات يدفع فقط لتدعيم تمويل هذا البند؟.

وبعد سنوات من الدعوة إلى خصخصة المدارس العامة ظهر اتجاه خصخصة بعض الخدمات التعليمية، فبدلاً من تشجيع أولياء الأمور من خلال منحهم سندات تعليمية، ومن ثم يصبحون كمستهلكى تعليم، يجب تشجيع هؤلاء على أن يصبحوا صانعى قرارات من خلال جهود مشتركة لمصلحة المدارس العامة(328) مثل إعادة هيكلة المدرسة، والتحرك نحو منهج أكثر تكاملاً، وتطوير المبنى المدرسى، والخدمات الاجتماعية المطلوبة فى المدرسة، هذه الجهود الإصلاحية لا تحتاج خبراء، إنما تحتاج جهود الآباء والمعلمين ومدراء المدارس وكيانات مجتمع الأمة المصرى، كما دعت اليونسكو(329) إلى حماية المصلحة العامة للمجتمعات، فالجودة فى التعليم الخاص تتعرض للخطر، والهوايات القومية تتدهور، وما يحتاجه العالم اليوم هو التوازن، وأن يكون دور الدولة فى التعليم محورياً.

وبناءً عليه يمكن خصخصة بعض الخدمات التعليمية فى قطاع التعليم فى مصر، عن طريق ترك فرصة توفير المنشآت والتجهيزات والمعدات فى مجال تكنولوجيا التعليم وصيانتها الدورية إلى القطاع الخاص نظير التعاقد معه مقابل كلفة نقدية محددة، وتتحمل النقابات المهنية والعمالية كلفة تدريبات العاملين بمجال التعليم لاستيعاب هذه المهارات، وبما يؤدى إلى تحسين عملية التعليم فى مدارسنا.

ويمكن الاستفادة من الأفكار حول الإعلانات التجارية التليفزيونية فى فصول الدراسة وفى غيرها من ملحقات المبنى المدرسى لتوفير المخصصات المالية للتعليم عن طريق الإعلان عن الكتب والتمارين الامتحانية والتوقعات المرئية التى تباع ويعلن عنها بالتليفزيون والمعلبات والمياه الغازية والأدوات المدرسية وملابس الزى المدرسى وكذا الإعلان عن الحاسبات الآلية وشركات صيانتها وغيره مما يهم الطلاب التعرف عليه والانتفاع به. ويتم هذا فى مقابل مردود مالى مرتفع يسخر لتطوير وخدمة البيئة المدرسية ذاتها.

ولا يبدو هذا الاقتراح غريباً لأن وزارة التربية والتعليم تتحدث فى دوراتها التدريبية لمدراء المدارس والإدارات التعليمية عن أهمية المدرسة المنتجة ومدى حرص الوزارة على تحويل المدارس إلى وحدات إنتاجية مدرة للدخل. وأن هناك العديد من المشروعات التى يمكن أن تندرج تحت هذا التوجه، فمن الممكن أن تنشئ المدرسة بالتعاون مع التنظيمات الاجتماعية والمهنية بمجتمع الأمة المصرى متجراً صغيراً، أو مقهى للإنترنت، أو مركزاً للتدريب على الكمبيوتر، أو التدريب على فنون التطريز والتفصيل والخياطة، أو تقوم بإنتاج بعض المصنوعات الجلدية أو الخشبية أو الورقية، كما يمكن الاتفاق مع مصانع الأغذية لتغليف وتعليب منتجاته، أو تبرم اتفاقاً مع أحد المصانع فى بيئتها لتزويده بحاجاته من الدوائر الكهربية البسيطة(330). ومن ثم يرتبط مشروع الإعلانات التجارية داخل هذه الوحدات الإنتاجية ومع سياق البيئة المدرسية وحاجاتها.

وهكذا يمكن أن تخصص كل مدرسة غرفة يتاح فيها الإعلان (بمردود مالى مرتفع) عن الإنترنت والكمبيوتر وأقمشة التفصيل وأدوات التفصيل والحياكة، والمربات والمخللات والعصائر والألبان والمصنوعات الجلدية والخشبية والأوراق وغيرها. ويمكن لأى مدرسة أن تتفق مع الشركات العاملة فى مجال الإعلانات أو مع النقابات المختصة لإدارة هذا المشروع.

ومن المهم فى ذلك كله أن يرتبط أى إعلان فى هذا السياق ببيئة المدرسة واحتياجات الطلاب الجسمية والفكرية،وبالضرورة يحرم الإعلان عن أى سلعة ليست البيئة المحلية فى حاجة إليها،ويمنع أى إعلان تجارى عن سلعة أو فكرة تتنافى مع القيم المجتمعية والسلوك الدينى فى التنشئة الاجتماعية.

ويمكن التفكير فى خصخصة بعض الخدمات التعليمية الأخرى فى مجال صيانة الأبنية المدرسية ومتابعتها بصفة دورية للحفاظ على جودتها أطول فترة ممكنة، فيترك لأطراف الشراكة المجتمعية وكيانات مجتمع الأمة المصرى مهام صيانة السباكة والكهرباء والنجارة بالأبنية التعليمية الحكومية نظير نفقات رمزية تدفع دورياً لهذه الأطراف، ويمكن تمويل هذه النفقات من عوائد الإعلانات التجارية بهذه المدارس، ومن أطراف الشراكة المجتمعية ذاتها.

كما يمكن لهيئة الأبنية التعليمية التفكير فى بناء أماكن حول أسوار مدارسها وتأجيرها لغرض بيع الأدوات المدرسية والكتابية وأجهزة الحاسب الآلى أو حتى الإعلان عنها، ومن هذا العائد يتم الإنفاق على الخدمات التعليمية الخاصة والسابق الإشارة إليها.

والمجتمع المصرى بحاجة إلى منتدى للمناقشات بين المسئولين عن لجنة السياسات بالحزب الوطنى الديمقراطى وبقية الأحزاب السياسية المتواجدة فى مصر وأعضاء النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية والقطاعات الخيرية وبقية تنظيمات مجتمع الأمة المصرى حول وضع أولويات لتفعيل المخصصات المالية للتعليم وترشيد الإنفاق فى مجاله. وينبغى أن تناقش القضايا المتصلة بالقروض والمنح وكافة أشكال المعونات التعليمية بين المانحين وبين السلطات التعليمية وجماعات المصالح خارج نطاق الحكومة مثل الدوائر الأكاديمية والجماعات المهنية ومنظمات المجتمع التطوعية والقائمين على البحوث فى مجال الكلفة والعائد فى قطاعات التعليم، حيث يتم تبادل الآراء بشأن التوظيف الأمثل لمصادر تمويل التعليم وأوجه الإنفاق المثلى لها، إلى جانب تطوير الشراكة والتعاون الدولى والمجتمعى فى توفير المخصصات المالية لتدعيم قضايا التربية والتعليم فى مجتمعنا العربي .

===================

المراجع الخاصة بهذه الدراسة موجودة طرف صاحب العلاقة.