قائمة الروابط

 أهم القضايا التربوية المطروحة فى المجتمع العربي ودور التربية في مواجهتها

تواجه المجتمعات الإنسانية حالياً العديد من القضايا التعليمية، والتى تحتاج من كافة التنظيمات المجتمعية شراكة من أجل التصدى لمواجهتها. فقد بدأت الفجوات الثقافية والمهنية تظهر بين الأجيال فى المجتمعات الإنسانية، فهناك أجيال أصبح فى مقدورها أن تكتسب معارف ومهارات تساعدها على التكيف مع التغيرات الثقافية المعاصرة وتؤهلها للتعامل معها بعكس الجيل الأكبر الذى يفتقد لمثل هذه المهارات، وتظهر هنا أهمية التنظيمات المجتمعية فى التنمية الثقافية والمهنية لهذا الجيل الأكبر(1)

كما أن تربية النفس على التمسك بمعايير الالتزام والسير بما جاء فيها فى كل حين وفى كل موقف،وتربية الأبناء وأفراد المجتمع كله فى مختلف مؤسساته وقطاعاته فى ضوء مبادئ هذا الالتزام أمر غاية فى الأهمية، وينبغى تفعيل المشاركة المجتمعية فى تنميته.

ولقد ضعفت مكانة المدرسة، واهتزت الثقة فى التعليم النظامى (التمدرس) فى توفير فرص للتنمية المهنية المتجددة للعاملين فى سوق العمل، بينما قويت النظم الخاصة البديلة لهذه المدرسة فى تقديم خدماتها فى مجال التنمية المهنية، ويستلزم هذا وقفة لتفعيل الشراكة المجتمعية نحو دعم هذا التوجه وتوحيد الجهود وتكاملها فى مجال التنمية المهنية للعاملين فى سوق العمل، كما ينبغى أن تخضع هذه البرامج فى هذا المجال للترشيد، فتربية الإنسان وإعداده مهنياً للحياة وللعمل لا يقتصر تحقيقها على تنظيم مجتمعى بعينه، وإنما تشترك وتتكامل فى تحقيقها جهود العديد من المؤسسات المجتمعية، فعلاقات التأثير والتأثر بين كافة الجهود التربوية المقدمة من مؤسسات المجتمع المختلفة واضحة وجلية، ومن ثم يصبح من الصعب- بل من المستحيل- الفصل بين التربية والمجتمع بجميع عناصره ومؤسساته(2)

ومن ثم فالتنمية الثقافية والمهنية وتحقيق جوانب الالتزام لدى المواطن لا يجب أن تترك دون إحداث شراكة فعالة بين التنظيمات الاجتماعية والمهنية فى المجتمع، كما أن الاستثمارات فى التربية والتعليم يجب أن تتم فى شراكة بين الدولة وبقية هذه التنظيمات الاجتماعية والمهنية وفق ضوابط ومعايير محددة وليس على ضوء أهواء ومغامرات.

ونعرض فى السطور التالية أهم القضايا التربوية المعاصرة والتى تمثلت فيما يلى:

1-     التنمية الثقافية والمهنية بين أفراد المجتمع العربي:

بداية تمثل الثقافة قيم ومعتقدات ونتاجات الأفراد المادية واللامادية، وهى تمثل مجمل طريقة حياة الأفراد والجماعات بجوانبها المادية واللامادية فى المجتمع، والثقافة تشمل مختلف مناشط الحياة مثل اللغة وطرق المعيشة وطرق التفكير وغيرها.

ويمكن تلخيص تعريفات الثقافة حول النسيج الكلى الذى يشتمل على الاعتقاد والمعرفة والفن والأخلاق والقانون والعادة، وكل القدرات التى يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً فى المجتمع، والثقافة تتألف من أنماط ظاهرة ومتضمنة للرموز التى تعبر عن الإنجازات المتميزة للجماعات الإنسانية، بما فى ذلك من تجسيد لهذه الرموز فى أشياء مصنوعة. والثقافة هى "مجموعة النشاط الفكرى والفنى فى معناها الواسع وما يتصل بهما من مهارات وما يعيش عليها من وسائل"، فالثقافة موصولة بمجمل الأنشطة الاجتماعية الأخرى مؤثرة فيها ومتأثرة بها، معينة عليها، ومستعينة بها، ليتحقق بذلك المضمون الواسع للثقافة متمثلاً فى تقويم شامل للمجتمع فى كل جوانب سعيه الحضارى إنتاجاً وارتفاعاً وأخذاً وعطاءاً فى تفاعل خصب وعطاء متجدد. والثقافة هى: "مجمل التراث الاجتماعى، وهى أسلوب حياة المجتمع التى تنظم حاجاته الاجتماعية وعلاقات الأفراد مع مجتمعهم ومع غيرهم من المجتمعات"، وتتناقل الأجيال المتعاقبة التراث الثقافى عن طريق الاتصال والتفاعل الاجتماعى، وعن طريق الخبرة بشئون الحياة والممارسة لها. والثقافة هى كل ما صنعه المجتمع واكتشفه، وهو يواجه مشكلاته التى صادفته وهو ينشط سلوكياً وتفاعلياً لإشباع حاجاته الحيوية والنفسية والاجتماعية والعقلية. وهناك نظرات أخرى فى الثقافة منها أن الثقافة هى كل عضوى يتمثل فى طريقة الحياة فى المجتمع، والثقافة هى مجموعة مختلفة من ألوان السلوك وأسلوب التفكير والتوافق فى الحياة وتدخل فى ذلك المعارف والمهارات والاتجاهات والتوقعات التى يكتسبها أفراد المجتمع ويتناقلونها كما هى أو يعدلون فيها وفق تغيير الظروف(3)

وقد لخص (حامد عمار)(4) هذه التعريفات والتحديدات للثقافة فى أنها تتفق جميعاً على جانبين هامين من ركائز الثقافة: أولهما أنها كل ما يصنعه الإنسان أو يقننه أو يتواضع عليه من أسلوب للحياة ومعداتها وأدواتها وعلاقاتها وأنماط التعامل والقيم التى ينبغى أن تسود فى الأخذ والعطاء بين أفراد مجتمع من المجتمعات. والجانب الثانى أن هذا الرصيد مما يصنعه الإنسان هو من الأمور التى تتناقلها الأجيال عن طريق التعليم والممارسة وأساليب التنشئة الاجتماعية المختلفة، كما أن هذا الرصيد الثقافى قابل للتعديل والتطوير، ومن ثم فإن هذا الرصيد الثقافى قابل للتنمية.

وإذا كانت الثقافة سمةً من سمات المجتمع، فإن تنمية هذه الثقافة تعتبر ضرورية فى تطور هذا المجتمع، بما يواكب تغير المطالب الاجتماعية والإمكانات المادية المتاحة وحاجات المجتمع المتغيرة.

وتعتبر التربية – من خلال وسائطها المختلفة- أداة نقل وتنمية للتراث الثقافى، وموقف التنمية للتراث الثقافى ليس واحداً فى جميع عناصر الثقافة، فتنمية عموميات الثقافة لا يكون بدرجة التنمية فى خصوصياتها، ففى عموميات الثقافة تتردد التوجهات التربوية المتضمنة فى التنمية المنشودة قبل إفساح المجال لأى تعديل أو تجديد أو تنمية فى الثقافة، بينما فى خصوصيات الثقافة فإن التنمية فى عناصرها تكون أكثر حرية، فالثقافة تنمى من أطرافها وتتطور وتتجدد حسب شدة تأثير التوجهات التربوية المتضمنة فى التنمية المجتمعية.

وفى هذا المجال يرى (سعيد إسماعيل على)(5) أن التعليم له أهمية قصوى بالنسبة للثقافة، وقد سارت العلاقة بينهما على نهج يجعل من صحة التعليم سبيلاً أساسياً للصحة الثقافية، ويتبدى هذا من خلال بعض النظرات إلى الواقع التعليمى فى مصر وتداعياتها الثقافية، فالتنوع الثقافى أمر مرغوب ونهج محمود، ولكنه محكوم بقاعدة، وإذا اختل ميزان العمل بها فلربما أساء وأنبت مظاهر تشرزم وفرقة، وتلك القاعدة تقول بأنه كلما اقتربنا من الأصول والجذور، فالأفضل هو التجانس والوحدة، وكلما بعدنا فى الفروع صح التعدد والتنوع.

وهكذا فإن تحديث المجتمع وما يتضمنه من عمليات تربوية متكاملة ومن توجهات ثقافية معاصرة فى هذا المجال يمكن أن يساهم فى "تنمية" الثقافة حتى تساير التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التى تطرأ على المجتمع، وتعمل التنمية الثقافية على تقبل التجديد الثقافى بحيث يصبح الأفراد بمهاراتهم ومعارفهم ضمن عوامل التجديد والتقدم الثقافى فى المجتمع، كما تساعد عمليات التنمية الثقافية أفراد الشباب المتعلم على فهم أسباب التغيرات الثقافية وغاياتها فى المجتمع،، والنتائج التى تؤدى إليها، وأن يكشف لهم ما فى عناصر ثقافاتهم الحالية من مواطن قصور ونواحى ضعف، وما يجب تجديده وتنميته فى عناصر ثقافاتهم حتى تتمشى وتواكب التغير فى المطالب الاجتماعية وسياسات المجتمع الاقتصادية وما طرأ من تطورات مجتمعية.

ويحتاج الإنسان إلى ثقافات متجددة،وقد لا يحصل عليها من مؤسسات التعليم النظامية، والتى لم تعد كافية لتنمية تلك الثقافات المتجددة، ومن ثم يجب أن تتبنى تنظيمات مجتمعية أخرى فى مجتمع الأمة هذه التنمية الثقافية، وفضلاً عن ذلك فإنه ما يشهده العالم المعاصر اليوم من تطور هائل ومستمر فى مجال العلم والمعرفة يفرض مشاركة التنظيمات الاجتماعية والمهنية للمؤسسات التعليمية النظامية فى تقديم خدمات ثقافية ومهنية للأفراد فى المجتمعات من أجل مواكبة هذا التطور، ومن أجل إحداث تنمية ثقافية ومهنية لهؤلاء الأفراد.

ويشير (ألكين وآخرون) (Alkin et al.)(6) إلى وجود العديد من عوامل التنمية الثقافية والمهنية فى مجتمع الأمة منها التدريب أثناء الخدمة (In- Service Training)  أو التربية المستمرة (Continuous Education)، أو التربية أثناء الخدمة (In- Service Education)، أو النمو المهنى (Professional Growth)، أو التنمية المهنية (Professional Development). فالتنمية المهنية للأفراد تعنى بتحسين المعارف والمهارات اللازمة لهؤلاء الأفراد أثناء ممارستهم لأعمالهم والتى تؤدى إلى تجويد أدائهم لأعمالهم ومهامهم المنوطين بها، وتتضمن عمليات التنمية المهنية للعاملين برامج منظمة ومخططة تمكنهم من النمو فى الثقافة المهنية مما يزيد من طاقاتهم الإنتاجية ويحسن كفاياتهم المهنية.

ومن آليات التنمية الثقافية والمهنية فى المجتمع الإنسانى ما يعرف بالاهتمام بمبادئ التعليم المستمر،والذى يعرف على أنه آلية يستطيع بها الأفراد ترقية معارفهم ومهاراتهم فى مجالات أعمالهم، وفى شتى أمور حياتهم، حيث يطلع هؤلاء الأفراد على ما وصلت إليه العلوم والتكنولوجيا من تقدم فى مجالات تخصصاتهم، إضافة إلى ترقية ثقافاتهم الحياتية(7).

وهكذا ينظر إلى التعليم المستمر كأداة للتنمية الثقافية والمهنية، حيث يتعود الفرد على البحث والاستقصاء ومواجهة التطورات والتغيرات المستمرة فى الحياة والتكيف معها.

وتهدف التنمية الثقافية والمهنية أيضاً إلى تنمية الوعى بالمشكلات الاقتصادية من أجل إحداث تعديل فى رؤية الفرد وتعامله مع هذه المشكلات بما يخفف من تأثير هذه المشكلات فى المجتمع ويقلل من حدتها،ولعل فى برامج التنمية الثقافية والمهنية ما يساعد الفرد على اكتساب مهارات العمل المنتج لكى يصبح عضواً فعالاً فى التنمية وتمكنه أيضاً من المحافظة على المعارف والمهارات الاقتصادية بما يحسن من أنماط الإنتاج ويرشد الاستهلاك. وبناءً عليه فالمأمول من التنمية الثقافية والمهنية للفرد أن تحسن من ثقافته نحو الاستهلاك وتقوى إرادته نحو التوفير.

كما تتضمن التنمية الثقافية أيضاً ما يعرف بعملية تنمية الثقافة السياسية من خلال إكساب الفرد القيم والأفكار والمعلومات والاتجاهات الإيجابية التى تتصل بالنسق السياسى للمجتمع الذى يعيش فيه الفرد، إلى جانب مساعدة هذا الفرد على المشاركة بإيجابية فى الحياة السياسية حاضراً ومستقبلاً(8). وتتسع التنمية الثقافية فى مجال الثقافة السياسية لتجعل الفرد على دراية بمختلف القضايا والاتجاهات السياسية المحلية والعالمية المعاصرة وكيفية التعامل معها، فضلاً عن اهتمام الثقافة السياسية بمساعدة الفرد على بناء هويته المستقلة على نحو يسمح له بالتعبير عن ذاته،وإعداده للقيام بأدواره المختلفة وذلك عن طريق مختلف الوسائط والمؤسسات المجتمعية(9).

كما تسعى الثقافة السياسية إلى تحقيق درجة عالية من فهم القضايا السياسية بما يمكن الفرد من إدراك أبعادها وتحديد دوره تجاهها ومدى مشاركته فى أحداثها(10).

وهناك خلل فى تصور الإنسان إلى مشكلات بيئته، فالتلوث البيئى مشكلة، واستنزاف موارد البيئة مشكلة، واختلال التوازن الطبيعى للبيئة مشكلة، إنها مشكلات صنعها الإنسان فى البيئة وعليه اليوم أن يواجهها ويتغلب عليها، وقبل ذلك، عليه أن يفهمها، ومن أجل ذلك ظهر ما يسمى بالتربية البيئية، والتى هى عملية تكوين القيم والاتجاهات والمهارات والمدركات اللازمة لفهم وتقدير العلاقات التى تربط الإنسان وحضارته بالبيئة التى يحيا فيها وتوضح حتمية المحافظة على موارد البيئة، وضرورة حسن استغلالها لصالح الإنسان وحافظاً على حياته الكريمة ورفع مستويات معيشته(11).

ومن ثم أصبحت تنمية الثقافة البيئية مطلباً ملحاً الآن لأن مشكلات البيئة أصبحت قضية حيوية، وينظر إليها كأخطر المشكلات والقضايا العالمية بالنسبة لمختلف الشعوب فى الوقت الراهن. كما أصبحت البيئة قضية حيوية ومنظورة من الكثيرين من العلماء والمفكرين ورجال الإعلام والصحافة والمؤسسات المجتمعية(12).

كما يعتبر التلوث من أهم مشكلات البيئة فى الفترة الأخيرة نتيجة التوسع فى التصنيع، واستخدام الميكنة الحديثة فى الكثير من مجالات الحياة، ولقد كان لمصر حظها من المشكلات البيئية وعلى الأخص مشكلات التلوث البيئى(13)، وقد أضحى الاهتمام بتنمية ثقافية مطلباً ملحاً فى مقاومة التلوث السمعى، والضوضاء فى مختلف المدن المصرية، ومواجهة ارتفاع درجات تلوث مياه النيل والبحيرات بمخلفات المصانع والمنازل.

ويذكر (جلال أمين)(14) أن التلوث لم يترك أى عنصر من عناصر البيئة، إلا وقد أصابه، وأثر فيها بصورة سيئة، كما أدى هذا التلوث إلى القضاء على الكثير من مظاهر الجمال المحيطة بالإنسان ولمواجهة هذه القضايا البيئية يحتاج المرء إلى تنمية ثقافية دائمة فى هذا المجال.

ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن هناك مشكلات أخرى بيئية مثل استنزاف الموارد الطبيعية فى مصر وتجريف التربة والزحف العمرانى المستمر على الأراضى الزراعية، وظهور العشوائيات فى مختلف أنحاء القطر المصرى، وإلقاء المخلفات الصناعية بشكل يؤدى إلى إحداث الضرر بصحة الإنسان(15).

ونتيجة لتعدد المشكلات البيئية وتنوعها وتزايد أخطارها على صحة الإنسان يلزم تنمية ثقافية بيئية تزيد من وعى الإنسان بالكثير من الأمور البيئية وتهيمن على سلوكه من أجل المحافظة على البيئة وتقليل عوامل تلويثها(16).

وتشغل المشكلة السكانية فى الوقت الحالى اهتمام المجتمع الإنسانى، وتوليها المنظمات المجتمعية القومية والعالمية عناية كبيرة، خاصة فى البلدان الفقيرة من منظور أن الزيادة السكانية تتسبب فى مشكلات مجتمعية عديدة مثل اختناق المدن ونفاذ الموارد(17). كما تؤدى المشكلة السكانية إلى خلل فى معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما تؤدى هذه المشكلة إلى انخفاض مستوى المعيشة بالنسبة للفرد والمجتمع على السواء، ويؤدى هذا كله إلى مزيد من التخلف وعدم القدرة على مسايرة التطورات المعاصرة(18).

وقد ترتب على وجود هذه المشكلة السكانية فى المجتمع المصرى عدة نتائج سلبية منها انخفاض حجم الصادرات فى مقابل زيادة حجم الواردات من الخارج فى السلع المعيشية كالقمح والسكر والألبان وغيرها، وتدنى مستوى التعليم وسوء توزيع الخدمات التعليمية وارتفاع كثافة الفصول الدراسية، وتدنى الأوضاع الصحية لدى الكثيرين من أفراد المجتمع المصرى، إضافة إلى زيادة معدلات التلوث البيئى فى المجتمع المصرى نتيجة استخدام البشر غير الرشيد للمرافق، والخلل فى سوق العمل والعمالة واضح وجلى، وتبرز هنا أهمية التنمية الثقافية فى هذا المجال، فهناك ضرورة حتمية فى تنمية ثقافية فاعلة للأفراد من أجل الوعى بنتائج المشكلة السكانية وخطورتها فى المستقبل القريب فى المجتمع المصرى.

وتظهر ثقافة الترويح كمطلب ملح من متطلبات التنمية الثقافية للأفراد فى المجتمع المصرى، فمفهوم "الترويح" (Recreation) من المفاهيم الهامة والتى نالت اهتماماً واسعاً فى السنوات الأخيرة نتيجة طغيان المدنية وزيادة حدة التسابق بين الأفراد نحو الوصول إلى مستويات مادية واجتماعية متقدمة عن الآخرين. والترويح عن النفس والخلود إلى الراحة بعض الوقت مطلب بشرى فى مختلف المهن وفى سائر الأعمال لما له من آثار نفسية واجتماعية على البشر وما يؤديه الترويح من راحة تؤدى إلى الارتقاء بمستوى العمل، والترويح يقصد به النشاط البناء الذى يمارسه الفرد فى وقت فراغه وبدوافع شخصية، سواء أكان هذا النشاط رياضياً، أو تثقيفياً، أو غير ذلك، وسواء تم هذا بشكل فردى أم بشكل جماعى، من أجل إدخال السرور وتحقيق السعادة الشخصية والاطمئنان النفسى للفرد الذى يمارس هذا النشاط الترويحى، ويرتبط النشاط الترويحى ارتباطاً وثيقاً بوقت الفراغ، ومن ثم فالنشاط الترويحى مرتبط وبشدة بوقت النشاط الحر الذى يكون تحت التصرف الكامل للفرد بعد أن يكون قد أدى عمله وواجباته(19).

وينظر إلى الأنشطة والخدمات الترويحية على أنها أنشطة مفيدة لقضاء وقت الفراغ ووسيلة لاكتساب الفرد السعادة وإشباع الحاجات النفسية بما يدعم شخصية الفرد ويزيد من كفاءته المهنية والإنتاجية فى المجتمع.

ولتحقيق هذه المنافع من الأنشطة الترويحية يحتاج الفرد إلى تنمية ثقافة الترويح لديه، يستطيع من خلالها أن يتعود على كيفية اختيار أساليب الترويح المناسبة لقضاء وقت فراغه، واستثماره أفضل استثمار ممكن، فالترويح يتطلب ثقافة ترويحية متحررة من قيود العمل، وفى الوقت نفسه متوافقة مع المعايير والقيم المجتمعية وجوانب الالتزام المتعارف عليها فى المجتمع.

وفى جانب آخر من جوانب الاهتمام بالتنمية الثقافية والمهنية، ونتيجة لعوامل التغير السريع الذى يتناول الحياة الإنسانية المعاصرة بجوانبها المتعددة والتى تعتبر من أكثر الخصائص التى تتسم بها ظروفنا المعاصرة، ونتيجة للتطور العلمى وما ينجم عنه من تقنيات وتطورات تكنولوجية عديدة ظهرت مهناً متمايزة فى المتطلبات الوظيفية وفى المهارات المهنية وفى الدخول النقدية،وأبقى على مهن ذات مهارات ودخول نقدية منخفضة، وقد أثرت هذه الأمور فى نمط تفكير الإنسان، وفرضت عليه مهمة قد لا تبدو يسيرة فى توقعاته المهنية تجاه فرص الوظيفة والبطالة، وفى متطلبات التنمية المهنية التى تيسر له فرص الحصول على عمل فى سوق العمالة.

والشباب المتعلم يقف حائراً وسط هذا التغير السريع، فهو من جهة تم إعداده لمهن محددة تكنولوجياً واكتسب مهارات مهنية محددة بفرص وظيفية وأعمال سادت فترة كبيرة من الزمن فى سوق العمل، ومن جهة أخرى يفرض على الشباب المتعلم التكيف مع ما يحيط به من مهن فى كافة القطاعات الاقتصادية فى المجتمع وأن يعيد هذا الشباب المتعلم عملية التكيف مع تلك المهن الدائمة التغير لكى يجد نوع من التوازن بينه وبين ما يطرأ عليه من تغيرات فى البنية الاقتصادية وسلسلتها المهنية فى المجتمع على نحو يمكنه من البقاء والاستمرار كعضو منتج فى مجتمعه.

وطالما أن الحياة من حول الشباب المتعلم فى تغير مستمر، فلا بد أن تستجيب برامج التنمية المهنية لهذا التغير، وبناءً عليه فإن على التنظيمات الاجتماعية والمهنية دوراً ثنائى البعد هو حماية المهن السائدة فى المجتمع وتنميتها بشكل يناسب التطور المجتمعى، وتقديم تنمية مهنية لمهن أكثر ملاءمة فى ضوء التحديات المستقبلية المتوقعة وظروف الواقع المعاصر(20).

وفى هذا المجال نادى (حامد عمار) بضرورة السعى إلى بناء الإنسان وتكوينه ثقافياً ومهنياً لمواجهة التحديات المعرفية والتكنولوجية والقيمية التى تهيؤه لإحداث النهضة خلال القرن الحادى والعشرين، وهذا يستدعى مفاهيم وأساليب متقدمة وتنمية لمهارات جديدة وقيم فاعلة ومحركة للفرد والمجتمع، تتطلبها الكفاءة والفاعلية فى العمل،وتستمد أدواتها وآلياتها وخبراتها من معارف العصر وتكنولوجياته ومستلزمات التنظيم والتعامل فيه، والالتزام بأسس الإدارة العلمية والإنسانية فى تسيير وحدات العمل ومواقعه(21).

كما أن التغيرات الناشئة عن التقدم العلمى وتطبيقاته التكنولوجية وما صاحبه من تغير فى سلسلة المهن والوظائف فى كافة القطاعات الاقتصادية فى المجتمع، وما يعانى منه أفراد المجتمع من فقر فى المهارات المهنية يستلزم بالضرورة دوراً جديداً للتنظيمات الاجتماعية والمهنية فى بناء شخصيات هؤلاء المتعلمين، وهذا الدور المنشود لهذه التنظيمات لا يتحقق إلا بتنمية مهنية فعالة، تستهدف الأفراد- تبعاً لأعمارهم وقدراتهم ومستويات نضجهم- وبحيث تعمل على "تجويد" مهاراتهم التى تمكنهم من التوافق مع تلك المتغيرات المهنية ومتطلباتها فى سوق العمالة، ومن هنا تبدو قضية "التنمية المهنية" عملية ضرورية للأفراد فى بناء أنفسهم مهنياً وتكوين شخصياتهم ومساعدتهم فى الحصول على تكيف ناجح مع ما يعترض فرص العمل فى المجتمع من تغيرات وتطورات تبعاً للأهمية النسبية لقطاعات المجتمع الاقتصادية.

وفى هذه "التنمية المهنية" عودة إلى نبعنا الصافى، وأساس حياتنا وقيمنا، ونعنى بذلك العودة إلى رأى الإسلام فى ممارسة المهن- كافة المهن وفى كافة القطاعات الاقتصادية، فلقد نظر الإسلام إلى كل المهن نظرة احترام وتقدير بشرط أن تؤدى هذه المهن خدمات لأكبر قطاع بشرى ممكن فى المجتمع، ودون نظرة متمايزة إلى نوعية هذه المهن. فالحدادة مهنة الأنبياء والملوك، فهذا داود (عليه السلام) ملك نبى يعلمه ربه الحدادة (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (سـبأ:10-11) وسليمان عليه السلام يفتخر بأنه تعلم لغة الطير (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (النمل:16)، ورسول الله r يرعى الغنم لقوم بالقراريط، ويعمل بالتجارة لحساب خديجة بنت خويلد، ويكون فى مهنة أهله، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، حتى إن مهنة تعليم الكلاب الصيد من المهن التى اعتبرها الإسلام وتحدث عنها قرآننا الكريم (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) (المائدة: من الآية4)، تلك بعض النماذج القيمية فى نظرة الإسلام للمهن فى سوق العمل والعمالة، والتى لو تفهمها شبابنا المتعلم لسعى إلى ممارسة كافة المهن فى المجتمع.

فسوق العمل الآن تتطلب نوعية مدربة من العمال وعلى أعلى مستوى من التعليم لأنه يتطلب المرونة بحيث يمنح العامل القدرة على التحول من عمل إلى آخر، إذ لن يكون الإنسان أسيراً لعمل واحد فقط طوال حياته فعليه أن يتابع التطور المستمر فى استخدام الآلات بالاستفادة من خبراته وتعليمه وتدريبه المستمر، ومن ناحية أخرى فالتربية مطالبة بإرساء قيم وأخلاقيات مهنية جديدة فى ظل تزايد استخدام التكنولوجيا التى أدت بدورها إلى تزايد المسئولية الشخصية عن أدوات الإنتاج، والحاجة المستمرة إلى التجديد والابتكار، ثم التنظيم والترشيد لعناصر الإنتاج.

ولاشك أن التنمية المهنية مرتبطة بتحديث بنية المعرفة، فمعرفة العصر لها خصائصها وسماتها، التى تفرض على النظم التعليمية مطالب ومسئوليات لكى تستوعب الأجيال الصاعدة من هذه المعرفة، وتعى أساليب استخدامها فى ترقية واقع حياة مجتمعاتها، ولكى تتمكن من جانبها من تقديم عطاء يحسب لها ضمن رصيد المعرفة الإنسانية ككل. ومن هنا فهدف تحديث بنية المعرفة من جانب مجتمع الأمة فى مصر يتمحور حول تثبيت موقع المعرفة الدينية بين أنواع المعرفة الأخرى التى يتداولها المجتمع، إلى جانب الوعى بالتراث والإفادة منه فى الإضافة للمعرفة الراهنة، وتقدير الفكر الإنسانى، وتنمية قدرات التعلم الذاتى، وتنمية القدرة على الاتصال والتواصل مع الثقافة العالمية، والوعى بمصادر المعرفة والحكم على درجة موثوقيتها، وتنمية القدرة على توظيف المعرفة فى واقع الحياة، والوعى بمفهوم التخصص فى إطار وحدة المعرفة.

ولعل من أوضح التحديات التى تواجه عمليات التنمية المهنية الآن تتمثل فى مجابهة "الثورة التكنولوجية" التى أحرزت تقدماً فى شتى مجالات الحياة، وأوجدت فى الوقت نفسه العديد من مشكلات الفقر والبطالة بين الشباب المتعلم، وقد جعل هذا التحدى الكثير من العلماء يطلقون على عصرنا الراهن، عصر التفجر المعرفى وحضارة المعلومات، وحضارة المعلومات هذه لها مطالبها التى يتعين على برامج التنمية المهنية أن تفى بها، وذلك بما تفرضه من بنيان جديد للمعرفة، يقوم على المشاركة والتأثير المتبادل فيما بين جوانب المعرفة. ومن هنا فعلى هذه البرامج فى التنمية المهنية أن تضطلع بمسئوليات جديدة تتمثل فى تكوين اتجاهات موجهة نحو تقدير المهارات وتنمية قدرة الإنسان على الانتقاء والاختيار من بين طوفان المعارف دون تحيز فكرى، مع الحفاظ على الهوية الثقافية أمام حتمية التواصل مع ثقافات الآخرين.

كما أن التطور الهائل فى نظم وتكنولوجيا الاتصال والإعلام أدى إلى زيادة حجم المعلومات المتاحة التى يجب الاستفادة منها وجعل التعليم مطالباً بإعداد الكوادر اللازمة والقادرة على انتقاء المعلومات وتصنيفها ومعالجتها، أيضاً الثورة العلمية وانفجار المعارف بمواد جديدة وأفكار وقيم وتصورات حديثة جعلت من الضرورى غرس المنهج العلمى فى التفكير والتمكن من إقامة البنى الأساسية لإنتاج العلم والتكنولوجيا، بالإضافة إلى ظهور الاتجاه المعاصر الذى يدعو إلى ضرورة ربط التعليم بجهود التنمية المهنية بحيث يكون رافداً أساسياً لها وأداة من أدواتها.

والتنمية المهنية بهذا الشكل تؤثر على الشباب المتعلم وعلى رغباته وتوقعاته فى مجال المهن التى يمارسها، فيميل إلى ممارسة بعض المهن دون الأخرى فى سوق العمل والعمالة، وأيضاً يحمل هؤلاء الأفراد الرغبة للمشاركة فى قطاعات إنتاجية بذاتها دون غيرها من القطاعات الاقتصادية فى المجتمع.

وفى إطار التغير السريع فى فعاليات سوق العمل يحدث انتقال واضح فى الفعاليات المعتمدة على الزراعة إلى الفعاليات المعتمدة على الصناعة، وهذا يملى على المؤسسات المجتمعية تقديم معارف مهنية تستجيب لهذا التحول، وتستجيب إلى متطلبات التقدم التقنى(22).

وفى مجال التربية والتعليم هناك ضرورة لعرض كافة عمليات التنمية المهنية للمعلمين، فقد حدث تطور فى عملية التنمية المهنية للعاملين فى التعليم بحيث لم تعد تعنى مجرد عملية التفتيش على المعلمين، وإنما أصبحت عملية فنية تسعى لتوجيه النمو المهنى للمعلمين، وبالتالى تطور مفهوم الإشراف من مجرد مراقبة المفتش لإعمال المعلم إلى عملية إرشاد المعلم، وإثارة دوافعه وقدراته- إى أنه تطور لصالح النواحى الإنسانية المتمثلة فى احترام المعلم والثقة  بقدراته، ولعله يكون مفيداً للقارئ الكريم أن يتعرف على كافة الرؤى البحثية فى هذا المجال، حيث يمكن تصنيف مراحل التطور فى عملية الإشراف الفنى والتنمية المهنية للمعلمين إلى مراحل عديدة منها: الإشراف الفنى بمعنى التفتيش، حيث كان التفتيش هو الشكل الأول لعملية الإشراف على المدارس، فكان المفتش يمارس عمله فى مراقبة أعمال المعلم لمجازاة المحسن ومعاقبة المسيء، وكان التفتيش بالمدارس يقوم على أساس استخدام السلطة وتصيد الأخطاء، وتوجيه النقد من جانب المفتشين، وكثيراً ما كانت تتم عملية المراقبة عن طريق الزيارات المفاجئة للمعلم فى الفصل، وقد غالى بعض المفتشين فى رقابة للمعلمين بحيث جعل أساس مهمته تلمس عيوب المعلم وتعقب هفواته، وقد أدى هذا النظام التفتيشي إلى إشاعة جو من عدم الثقة بين المعلم والمفتش، وأصبحت العلاقة بينهما لا تقوم على أساس سليم من ناحية العلاقات الإنسانية.

أما المرحلة الثانية من مراحل التطور فى عملية الإشراف والتنمية المهنية للمعلمين فقد دارت حول الإشراف الفنى بمعنى توجيه المعملين لاتباع أساليب عمل محددة وإجبارهم عليها: وفيه يعمل المشرف الفنى كخبير يساعد المعلمين فى التغلب على المشكلات التعليمية التى تواجهه. ويفترض هذا النمط من الإشراف أن هناك طرقا معينة للتعليم معترف بها هى أفضل الطرق، ويستطيع المشرف بخبرته ومعلوماته توجيه المعلمين إليها، وبهذا يعتبر المشرف هو صاحب السلطة العليا وعليه وحده أن يقرر كل شئ بالنسبة للمعلم، وبهذا أيضا يفقد الإشراف الفنى صفة  العمل الجماعى، ويفتقر إلى الأسس السليمة فى التخطيط، ويهتم بالمعلم مع إهمال الظروف الأخرى المؤثرة فى الموقف التعليمى، كما يهتم بدرجة كبيرة بتقرير الواقع ومدى تنفيذ المعلم للتعليمات والقرارات دون القيام بعمل إيجابى نحو التحسين المنشود فى عمليات التربية والتعليم فى ضوء التغيرات المجتمعية المعاصرة.

وقد طبقت الولايات المتحدة الأمريكية هذا النمط من الإشراف منذ قرن ونصف، مضى، حيث كان يرتكز على الزيارة المفاجئة للتفتيش على المدارس والتأكد من سلامة نظامها وحسن سلوك المعلمين وكفاءتهم، وانتظام توزيع الكتب وحسن سير العمل المدرسى، كما ضم فى ثناياه اتخاذ الوسائل الكافية لرفع مستوى التعليم بتشجيع المجلات والمطبوعات فى البيئة المدرسية، وعقد الاجتماعات العامة لدراسة قضايا التربية مع المعلمين، ولكن حتى فى ثنايا هذه الوسائل فقد ظهر الاتجاه التسلطى من جانب المشرف الفنى، حتى ولو كان هدفه الإصلاح، فغالبا ما كان يكتفى المفتش بإلقاء الملاحظات العامة بعد الزيارة، والتى عادة ما تكون بمثابة أوامر تنصب على استخدام المكتبات والوسائل التعليمية، وبناءً عليه فإن هذا النوع من الإشراف يحد من إمكانات المعلمين، ويقلل الرغبة لديهم فى النمو والابتكار، والقيام بمجهود مستقل، ويشجع التقليد الأعمى والتواكل واتباع نمط معين فى التعليم يرضى عنه المشرف الفنى ويباركه.

أما المرحلة الثالثة من مراحل تطور الإشراف والتنمية المهنية للمعلمين فكانت تدور حول الإشراف الفنى بمعنى التعاون وتقديم العون والمساعدة: ففى الأربعينات والخمسينات انتشر مفهوم الإشراف التعاونى حيث كان يعمل المشرف على تهيئة الفرص أمام المعلمين لتبادل خبراتهم من خلال العمل والتخطيط المشترك، وبذلك لا تقتصر عملية الإشراف الفنى بجوانبها المختلفة على القيادات العليا فقط، بل يشارك فيها ويتأثر بها المعلمون وغيرهم ممن يهمهم أمر العملية التعليمية، وبذلك أصبح للمشرف الفنى فيها الحرية فى استخدام أكثر الأساليب فعالية حتى يستطيع أداء مهمته فى توجيه المعلمين أفرادا وجماعات بغية تحسين أدائهم لمهنتهم، وبهذا انتقل. اهتمام الإشراف من تصيد الأخطاء إلى التوجيه ومساعدة المعلم على النمو المهنى، ويتطلب هذا أن تكون العلاقة بين المشرف الفنى والمعلم قائمة على أساس من التعاون والمشاركة، وأن تكون الصلة بينهما على أساس قوى من العلاقات الإنسانية السليمة.

وقد أدى تطور عملية التنمية المهنية فى مجال التربية والتعليم وتأثرها بالتغيرات التربوية والاجتماعية والاقتصادية فى الستينات والسبعينات والثمانينات إلى ظهور اتجاهات ونماذج إشرافية متعددة مثل الإشراف الإكلينيكى والإرشادى والتدريبى والمصغر والدافعى والإنسانى والإشراف كعملية تطوير المنهج المدرسى، واستمرت هذه الاتجاهات والنماذج فى عمليات التنمية المهنية للمعلمين منذ هذا التاريخ وحتى هذه الأيام.

وقبل استعراض هذه النماذج الإشرافية، تعرض بعض تعريفات الإِشراف الفنى فى التعليم، فقد ذكر (جود) (Good)(23) أن الإشراف الفنى يعنى مجموع الجهود التى تبذل من جانب القائمين على أمور التعليم بهدف توفير القيادة اللازمة لتوجيه المعلمين من أجل تحسين التعليم، فالإشراف الفنى عند (جود) يتضمن إثارة اهتمام المعلمين بالنمو المهنى ومراجعة الأهداف التربوية وأدوات وطرق التدريس، كما يتضمن تقويم المعلم.

وذكر (ويلز) (Wiles)(24) أن الإِشراف الفنى خدمة تقوم على أساس معاونة المعلم حتى يستطيع أداء عمله بطريقة أفضل من أجل صالح التلاميذ، وبهذا يسهم الإشراف الفنى – فى ضوء هذا المفهوم- فى تحسين العملية التعليمية.

أما (بورتون وبروكنر) (Burton and Brueckner)(25) فقد عرفا الإشراف الفنى بأنه الوسيلة التى تهدف إلى تقويم وتحسين الظروف التى تؤثر على التعليم، فالإشراف الفنى من وجهة نظرهما خدمة فنية يقوم بها متخصصون وتهدف إلى دراسة كل الظروف التى تؤثر على نمو المعلمين بغرض تحسينها.

وعرف (برجز وجستمان) (Briggs and Justman)(26) الإشراف الفنى بأنه الجهد الذى يبذل لإثارة اهتمام المعلمين وتنسيق وتوجيه نموهم المستمر فرادى وجماعات حتى يصبحوا أكثر فهما لوظيفة التعلم وبحيث يمكنهم أداء أعمالهم بطريقة أكثر فاعلية، وحتى يستطيعون توجيه نمو التلاميذ المستمر من أجل المشاركة الفعالة فى بناء المجتمع الديمقراطى، وعن طريق الإشراف الفنى يتم إعداد برنامج تعليمى يلائم حاجات التلاميذ، ويوفر الوسائل التى تمكن هؤلاء التلاميذ من التعلم بطريقة أكثر فاعلية، وبهذا يسهم الإشراف الفنى – فى ضوء هذا المفهوم- فى تحسين العملية التعليمية.

وعُرف(27) الإشراف الفنى بأنه عملية تهدف إلى تحسين المواقف التعليمية عن طريق المشاركة فى تخطيط المناهج والتوصل إلى الطرق التعليمية التى تساعد التلاميذ على التعلم بأسهل الطرق وأفضلها، وبهذا يصبح المشرف الفنى – فى ضوء هذا المفهوم- قائدا تربويا.

وعرف (بارتكى) (Bartky)(28) الإشراف الفنى بأنه تعليم المعلمين أثناء الخدمة لتحسين حالتهم، ورفع مستوى أدائهم لمهنتهم وتجويد طرائق تدريسهم فى ميدان التربية والتعليم.

أما (موريس) (Morries)(29) فقد عرف الإشراف الفنى بأنه "التنسيق والتنظيم وتوجيه المعلمين لمساعدة التلاميذ على زيادة معارفهم ومهاراتهم من أجل المساهمة الفعالة فى المجتمع، وهو جهد متواصل يهدف إلى تحقيق النمو الذاتى للمعلمين فتتحقق أهداف العملية التعليمية فى رقى المجتمع وتقدمه.

وعرف (الافندى)(30) الإشراف الفنى بأنه الجهود الدائمة المنظمة التى ترمى إلى مساعدة المعلم وتوجيهه وتشجيعه على تنمية ذاته تنمية تتحقق بعمله الدائب المتواصل على أسس سليمة مع تلاميذه لتحقيق الأهداف التربوية المطلوبة، فالإشراف وسيلة غايتها تحسين التدريس ومساعدة المعلم على أداء واجبه على خير وجه يستطيعه، وبذلك يساعد التلميذ فى الحصول على أفضل تربية ممكنة.

أما (آدمز) (Adams)(31) فقد عرف الإشراف الفنى بأنه خدمة فنية تقوم على أساس من التخطيط السليم، وتحاول تحسين عمليتى التعليم والتعلم فى المدارس، وبما يحقق أهداف التربية والتعليم فى المجتمع.

وعرف(32) الإشراف الفنى بأنه الأسلوب الذى يوفر التقويم السليم للعملية التعليمية، والهدف النهائى من الإشراف فى ميدان التربية والتعليم هو تقديم أفضل الخدمات التعليمية للتلاميذ فى جميع المستويات التعليمية.

أما (دوجلاس)(33) فقد عرف الإشراف على التعليم بأنه المجهود الذى يبذله المشرف الفنى لاستثارة وتنسيق وتوجيه النمو المستمر للمعلمين فى المدرسة فرادى وجماعات، وذلك لكى يفهمون وظائف التعليم فهما أحسن، ويؤدونها بصورة أكثر فعالية، وحتى يصبحون أكثر قدرة على استثارة وتوجيه النمو المستمر لكل تلميذ نحو المشاركة الذكية العميقة فى بناء المجتمع الديمقراطى الحديث، ويعنى هذا أن الغرض الكلى من الإشراف هو تحسين تربية النشء، وبهذا يحاول الإشراف إنشاء برنامج تعليمى أكثر ملاءمة لحاجات التلاميذ، وتوفير المادة والطريقة التى تمكن الطلاب من التعلم على نحو أكثر سهولة وفاعلية، أو بمعنى أخر يعمل الإشراف على تحسين المواقف التعليمية أمام التلاميذ والطلاب فى مراحل التعليم المختلفة.

وقد حدد (سيد حسن حسين)(34) مفهوم الإشراف الفنى بأنه نشاط موجه يعتمد على دراسة الوضع الراهن، ويهدف إلى خدمة جميع العاملين فى مجال التربية والتعليم لانطلاق قدراتهم ورفع مستواهم الشخصى والمهنى بما يحقق رفع مستوى العملية التعليمية وتحقيق أهدافها.

وذكر (دوجلاس)(35) أيضاً أن مفهوم الإشراف الفنى الذى يرتكز على إدراك تام لأهداف التعليم وأغراضه وأوجه نشاطه فى المدرسة الحديثة يمكن وصفه بأنه قيادة تربوية، تهدف إلى توجيه المعلمين ومساعدتهم وتنشيطهم وقيادتهم لنقد وتقويم ودراسة اتجاهاتهم وخبراتهم الفردية، وأوجه نشاطهم وطرقهم التربوية حتى يمكنهم بذل الجهد لتحقيق أهداف التعليم.

وعلى المستوى القومى(36) يعرف الإشراف الفنى بأنه جوهر مسئولية الموجه فى عمله والناظر فى مدرسته بقصد تحسين العملية التعليمية لأنه مهما كان أسلوب إعداد المعلم  فلن يكون بالغا حد الكمال الذى يكفل له المضى فى عمله طوال حياته دون توجيه أو إشراف أو مساعدة وبخاصة أنه يتعامل مع مجتمع متطور متغير، وتلاميذ ليسوا من نوع واحد وطرق تدريس وتربية متجددة، وفى حقلها تظهر دائما نظريات واتجاهات جديدة ومتطورة.

وهكذا فإن الإشراف الفنى كان يعنى إلى عهد قريب التفتيش فى مجال التربية والتعليم ثم تغير إلى وظيفة التوجيه، والموجة بما لديه من كفاءة فى عمله وفنه وخبرته رائد وموجه لمعلمى مادته وعليه واجب فى سبيل رفع مستواهم من النواحى العلمية والفنية والثقافية والتربوية إلى جانب وتزويدهم بالجديد من الخبرات والابتكارات للارتفاع بمستوى الأداء إلى أقصى درج ممكنة.

وقد عرف (عرفات عبد العزيز)(37) الإشراف الفنى فى مجال التعليم بأنه الوسيلة التى يتم بها تقييم وتقدير جهد المعلم فى العملية التعليمية من خلال ما يقوم به من أعمال متنوعة، ذات صلة بمادة تخصصه، وتهيئة الظروف المناسبة لأداء عمله بنجاح وذلك بهدف توجيه المعلم لإنتاج أحسن أساليب التدريس وتشجيعه على ابتكار طرق جديدة لتحقيق أهداف مادته ومعاونته على حل ما قد يعترض تلاميذه من مشكلات خاصة بهم، وكذلك مساعدتهم على استمرار نموهم العلمى، وبالتالى فإن الإشراف الفنى يعتبر عملية متابعة مستمرة لعمل المعلم وأنشطته التربوية".

وذكر (مصطفى زيدان)(38) أن الإشراف الفنى هو خدمة فنية تعاونية تهدف إلى دراسة الظروف التى تؤثر فى عملية التربية والتعليم، والعمل على تحسين هذه الظروف بالطريقة التى تكفل لكل تلميذ أن ينمو نمواً مطرداً وفق ما تهدف إليه التربية المنشودة.

وقد عرفت الإدارة العامة للتعليم الإعدادى(39) الإشراف الفنى بأنه الوسيلة التى يتم بها تقييم وتقدير جهد المعلم فى العملية التعليمية من خلال ما يقوم به من أعمال متنوعة، ذات صلة بمادة تخصصه، وتهيئة الظروف المناسبة لأداء عمله بنجاح وذلك بهدف توجيه المعلم لإنتاج أحسن أساليب التدريس وتشجيعه على ابتكار طرق جديدة لتحقيق أهداف مادته ومعاونته على حل ما قد يعترض تلاميذه من مشكلات خاصة بها، وكذلك تعمل على استمرار نموه العلمى، وبالتالى فإن الإشراف الفنى يعتبر عملية مستمرة لعمل المعلم وأنشطته التربوية.

وقد عُرف الإشراف الفنى أيضاً(40) بأنه عملية الاتصال المباشر المستمر بالتلميذ والمعلم والمدرسة والقائمين على إدارة التعليم فنيا، لمعاونتهم فى ممارسة مسئولياتهم والانتقال بهم فيها إلى الأفضل وترشيدهم فى الاضطلاع بهذه المسئوليات واطلاعهم على كل ما يستجد فيها أولاً بأول، ونقل خبرات وتجارب الآخرين إليهم، كل ذلك للاطمئنان إلى أن العملية التربوية دائمة الارتقاء وتساير روح العصر وتلفظ الجمود والتخلف وتحقق فى غاية الأمر غايتها النهائية فى إعداد أجيال أفضل وتضمن للتعليم عائدة المناسب من الإنفاق العام عليه.

وتلخص موسوعة البحث التربوى(41) أهم المبادئ التى يقوم عليها مفهوم الإشراف الفنى ومنها اعتماده على أسس تربوية سليمة من الناحتين النظرية والعملية، وهذه الأسس تربط بين العلم والفلسفة والواقع، وأن يقوم الإشراف الفنى بمعالجة المواقف التعليمية، وأن يُوصف بالديمقراطية، وأن يقدم الإشراف سلسلة من أوجه النشاط التعاونى المنظم فى التخطيط والتنفيذ، وأن يسترشد بالأهداف المهنية المراد تحقيقها.

ورغم الاختلافات الظاهرية التى توجد بين مجموعة التعاريف السابقة، إلا أنها تتفق فى مضمونها إلى حد كبير، فهى تتفق من حيث جوهرها فيما يلى:

  • الإشراف الفنى عملية تهدف أساسا إلى تحسين الموقف التعليمى، وحيث أن للمعلم دوراً كبيراً فى هذا الموقف التعليمى فإنه لابد أن تتجه الجهود إليه لتزداد كفاءته ويرتقى بأدائه فى تحسين المواقف التعليمية..
  • يعتمد الإشراف الفنى على التفاعل السليم والعلاقات الطيبة بين المشرفين الفنيين والمعلمين بما يحقق النمو المتكامل للتلاميذ، وأن تحسين عمليتى التعليم والتعلم قضية تعاونية يشترك فيها المشرف الفنى والمعلم وغيرهم ممن يهمهم أمر العملية التعليمية.
  • تهدف عملية الإشراف الفنى إلى إرشاد وتوجيه المعلمين لكل ما هو جديد فى مجال عملهم، والتنسيق بين جهودهم من أجل توفير خدمات تعليمية أفضل للتلاميذ والمجتمع.
  • ينصب اهتمام الإشراف الفنى على كافة الظروف والأبعاد والعوامل التى تؤثر فى تعليم التلاميذ مثل المنهج وطريقة التدريس والوسائل والأدوات التعليمية المستخدمة والعلاقات الإنسانية السائدة ونظم الامتحانات ومشكلات التلاميذ والمعلمين، فهذه المجالات وغيرها يجب أن يمتد إليها اهتمامات الإشراف الفنى والقائمين على عملياته المختلفة.
  • الإشراف الفنى خدمة تربوية تستهدف توجيه المعلم وإرشاده والعمل على تهيئة الظروف الملائمة لنموه المهنى ونمو تلاميذه فى الاتجاهات السليمة، كما أنها تهدف إلى مساعدة المعلمين على اكتساب الكفاءة الذاتية والمهارة الفنية التى تمكنهم من تقديم أحسن الخدمات التعليمية.

وفى ضوء ما سبق يمكن تعريف الإشراف الفنى فى التعليم بأنه: عمل إيجابى منظم يهدف إلى تحسين الموقف التعليمى، ويسعى لإثارة اهتمام المعلمين وتوجيه نموهم وإرشادهم ليكونوا أكثر فهماً لوظائف التربية والتعليم بشكل عام، والمرحلة التى يدرسون فيها بوجه خاص، وبقصد رفع مستوى العملية التعليمية وتحقيق أهدافها.

وقد صنفت إحدى الدراسات(42) النماذج الإشرافية المعاصرة إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: ويشمل النماذج الإشرافية التى تهتم بالعمل والإنتاج مثل الإشراف الإدارى (التفتيش)، والإشراف العلمى، والإشراف الإكلينيكى، والإشراف كعملية تطوير للمنهج المدرسى، والإشراف المصغر، وتلتقى هذه النماذج بالرغم من اختلاف منطلقاتها النظرية عند هدف أساسى واحد هو تحسين عملية التعلم والتعليم من خلال التركيز على إنتاجية المعلم والاهتمام بمتطلبات رفع الإنتاجية فى العمل التربوى.

الاتجاه الثانى: ويشمل النماذج الإشرافية التى تركز على تلبية حاجات المعلمين مثل الإشراف الإرشادى والإشراف الدافعى والإشراف المبنى على العلاقات الإنسانية والإشراف كعملية نمو للشخصية، وتتفق هذه النماذج فى اهتمامها بحاجات المعلمين والتعامل معهم كأشخاص وتحقيق بيئة عمل نفسية مريحة للعاملين فى ميدان التربية والتعليم.

وفيما يلى عرض موجز لهذه الاتجاهات فى الإشراف والتنمية المهنية للمعلمين

الاتجاه الأول: يمارس المشرف الفنى فى هذا الاتجاه دور الموجه مستخدما سلطته الرسمية وكفاءته المهنية فى رفع المستوى المهنى للمعلمين، وأهم الأنماط الإشرافية فى هذا المجال ما يلى:

الإشراف الإدارى(التفتيش):

بالرغم من أن التفتيش من أقدم أنواع الإشراف فى العملية التعليمية إلا أن بعض ملامحه ما زالت باقية، وما زالت بعض ممارساته تنتشر حتى الآن، ويفترض هذا النوع من الإشراف أن المعلم لا يستطيع تحمل المسئولية إلا إذا خضع  للمراقبة من ناحية المشرف الفنى، أما أسلوب العمل الذى يمارسه المشرف الفنى فهو زيارة الفصل لمعرفة مستوى المعلم وإنتاجيته بغرض تقويمه، على أن واستمرار هذا النوع من الإشراف فى النظام التعليمي قد لا يساهم فى تحسين عملية التعلم لأنه يؤدى إلى جمود عملية التعليم.

الإشراف العلمى:

يهتم هذا النموذج باستخدام الاختبارات والمقاييس فى دراسة الظواهر والمواقف التعليمية المختلفة، وهو شكل متطور للتفتيش حيث أنه يعتمد على الأحكام الموضوعية فى الحكم على المعلمين بدلا من الأحكام الشخصية التى يصدرها المفتش، ويتطلب هذا كفاءة المشرف فى استخدام الاختبارات والمقاييس، وعلى هذا فالإشراف العلمى يزود المعلمين بحقائق وأرقام موضوعية تساعدهم على تحسين أعمالهم، ويذكر (بورتون) (Burton) ، (وبروكنز) (Brueckner)(43) أن الإشراف العلمى يستخدم الطريقة والاتجاه العلميين بالحد الذى يسمح بالتطبيق على حركة العمليات الاجتماعية فى التربية، ويستخدم نتائج الأبحاث العلمية، ويطبقها على المواقف التعليمية، وفى المواقف التى لا يتيسر فيها استخدام الطريقة العلمية فإن الإشراف الفنى يستخدم طريقة حل المشكلات فى دراسة وتحسين عملياته ونتائجه بحيث يحصل فى النهاية على بيانات ونتائج أكثر موضوعية ودقة، ونجاح هذا المستوى من الإشراف فى تحسين العملية التعليمية وزيادة العائد منها يتوقف على مدى كفاءة المشرف الفنى، ومدى قدرته على تأهيل وتطوير ذاته، بحيث يستطيع مناقشة المعلمين واقناعهم بتنفيذ توجيهاته مع الأخذ بعين الاعتبار رأى المعلمين ومشاعرهم نحوه.

الإشراف المصغر:

ينظر هذا النموذج إلى التعليم كمجموعة من المهارات الجزئية التى يجب إن يتدرب عليها من يمارسها، وقد اشتق الإشراف المصغر من نمط التعليم المصغر، ويُمارس من خلال ملاحظات المشرف لإحدى مهارات التدريس فى فترة زمنية قصيرة، ثم يقوم بتحليلها مستخدماً تكنولوجيا التربية والوسائل التعليمية اللازمة، ومهمة المشرف تدريب المعلمين على إتقان هذه المهارات واستخدام الأدوات والآلات التعليمية، أما علاقة المشرف فالمعلم فأشبه بعلاقة الخبير بالمتدرب.

الإشراف الإكلينيكى:

يهتم الإشراف الإكلينيكى بتحسين العمل الصفى من خلال زيارة المعلمين فى صفوفهم وتحليل الموقف التعليمى، وتقديم التغذية الراجعة للمعلم عن نقاط قوته وضعفه، ويراعى هذا النموذج استخدام مجموعة خطوات منظمة تبدأ بإقامة علاقات الثقة مع المعلم ثم التخطيط المشترك للموقف التعليمى وتجديد المعلومات التى يجمعها المشرف فى أثناء الملاحظة والتحليل، وتنتهى هذه الخطوات بالتغذية الراجعة.

الإشراف كتطوير المنهج المدرسى:

يرى أنصار هذا النموذج أن أولى مهام المشرف الفنى الاهتمام بالمناهج الدراسية والعمل على تطوير محتواها وطريقتها وأسلوب تقويمها لتلائم حاجات التلاميذ والمجتمع.

ويتبين من عرض مختلف النماذج الإشرافية السابقة تركيزها الواضح على تحسين العملية التعليمية من خلال جوانب متعددة، فالإشراف الإدارى (التفتيشى) يهتم بمراقبة المعلمين ليؤدوا أعمالهم بطريقة أفضل، والإشراف المصغر، يهتم بتدريب المعلمين على مهارات التدريس الفعالة، والإشراف الإكلينيكى، يهتم بتحليل العمل داخل الفصول الدراسية، وتزويد المعلمين بالتغذية الراجعة، والإشراف كعملية تطوير المنهج المدرسى، يركز على إصلاح المناهج الدراسية لتلائم حاجات التلاميذ وحاجات المجتمع، أما علاقة المشرف الفنى بالمعلم فهى علاقات عامة، دون النظر إلى حاجات المعلمين المهنية والشخصية، ودون الاعتماد على أسس الاتصال والتفاعل فى العلاقات الإنسانية.

الاتجاه الثانى: وفيه يمارس المشرف الفنى دور المشجع مستخدماً السلطة القائمة على الصراحة واحترام الآخرين، ويشتمل هذا الاتجاه على النماذج الإشرافية التالية:

الإشراف الإرشادى والإشراف الدافعى والإشراف المبنى على العلاقات الإنسانية والإشراف كعملية تداخل (بين – شخصية) وفيما يلى عرض موجز لهذه النماذج:


 ا
لإشراف الإرشادى:

يستند هذا النموذج إلى ضرورة دراسة المؤثرات المختلفة التى تؤثر على جوانب شخصية المعلم من الناحيتين الانفعالية والعقلية وتوجه سلوك المعلم التعليمى، ويتطلب هذا أن يقيم المشرف علاقات إرشادية مع المعلم لفهم شخصيته والعوامل المؤثرة عليها، وشرح هذا الفهم للمعلم كى يزداد إدراكا لذاته المهنية ولنشاطه التعليمى، ويتطلب هذا أن يمتلك المشرف كفاءات إرشادية تتعلق بالملاحظة وتحليل الانطباعات وتفسير المواقف.

الإشراف الدافعى:

يهتم هذا النموذج بإثارة دوافع المعلمين باعتبار أن أساليبهم ونشاطاتهم هى انعكاس لدوافعهم وحاجاتهم، وأن أداءهم يرتبط سلباً أو إيجاباً بمستوى دافعيتهم، أما دور المشرف فهو إحداث درجة مواقف طارئة تكفى لاستغلال الدوافع الإيجابية عند المعلمين، ويتطلب هذا النموذج أن يكون المشرف مؤهلاً فى استخدام كفايات إرشادية تتعلق بالاتصال الإيجابى وعمليات التعزيز وتقديم التغذية الراجعة.

الإشراف المبنى على العلاقات الإنسانية:

يهتم هذا النموذج بإقامة العلاقات الإنسانية السليمة بين مختلف العاملين فى نطاق العملية التربوية، حيث إن التعليم عملية تفاعل إنسانية بين التلميذ والمعلم، ومهمة المشرف تقديم نموذج لهذا التفاعل فى علاقاته مع المعلم ليكون المعلم قادراً على تطبيق مثل هذه العلاقات مع تلاميذه.

ويتطلب هذا النموذج أن يكون المشرف مؤهلاً فى استخدام مهارات تتعلق بممارسة العمل الجماعى وإقامة العلاقات الإنسانية السليمة، ويهدف هذا النموذج إلى إزالة التعارض بين حاجات المعلمين وحاجات العمل حيث تبدو فاعلية أى عمل فى التوفيق السوى بين حاجات المعلمين ومتطلبات العمل.

الإشراف عملية تفاعل (بين شخصية):

يهتم هذا النموذج بإقامة عملية اتصال وتفاعل مع المعلمين خلال التأكيد على مشاركة المعلمين فى التخطيط للمشكلات التى يواجهونها، ويتخذ هذا النموذج مجموعة من الخطوات تبدأ بجمع المعلومات عن المشكلات التعليمية والتفكير فى الحلول والبدائل ليختار منها المعلم بحرية تامة ما يناسبه، وبذا يقترب هذا النموذج من ممارسة الإشراف الذاتى بدلاً من المساعدة التى يتلقاها المعلم من المشرف.

وبعد عرض هذه النماذج يتبين تركيزها على الاهتمام بشخصيته المعلم وحاجاته، فالإشراف الإرشادى يهتم بفهم الجوانب العقلية والانفعالية لشخصية المعلم، والإشراف الدافعى يهتم بزيادة مستوى دافعية المعلم، والإشراف كعملية تداخل (بين- شخصيه) تهتم ببناء اتصال فعال مع المعلم.

ويعتبر هذا تحولاً فى عملية الإشراف من الاهتمام بحاجات العمل إلى حاجات المعلم، ومن كيف يعمل المعلم؟، وماذا يعمل؟، إلى ما هو المعلم؟، شخصيته ودوافعه؟، وهو تحول موازٍ للأفكار والنظريات الحديثة فى الإدارة العامة التى استهدفت التوفيق بين متطلبات العمل وحاجات العاملين.

ومن هنا كان الإشراف الفنى الفعال إشرافا يعمل على التوفيق بين حاجات المؤسسة التعليمية وحاجات المعلمين، ويستمد خصائصه من مختلف الاتجاهات والنماذج الإشرافية المعاصرة فى ضوء الهدف الذى يسعى إليه الإشراف فى الواقع التعليمى، خاصة وان هذه النماذج قد لا توجد دائماً بصورة منفصلة فى النظام الإشرافى، بل قد تتداخل بعض هذه النماذج أو تتكامل مع بعضها فى تطوير واقع تعليمى معين.

ويهدف الإشراف الفنى الفعال بصفة عامة إلى تحسين العملية التعليمية، وفى سبيل تحقيق هذا الهدف الأساسى يسعى إلى تحقيق بعض الأهداف الفرعية التى هى أقرب ما تكون إلى وسائل يتخذها المشرف الفنى ليصل إلى تحقيق الهدف الأساسى، وهذه الأهداف الفرعية يجب أن تنال قسطاً متقارباً من اهتمام المشرف الفنى الذى يعود إليه وحده حق التقدير لما يجب أن يركز عليه من أهداف، ومن بين هذه الأهداف الفرعية:

الإشراف الفنى وتوضيح أهداف التربية لدى المعلمين:

يجب أن يبذل المشرفون الفنيون كل ما فى وسعهم لتوضيح أهداف التربية باعتبار أن الإشراف الفنى أداة لخدمة المعلمين، وإذا كان من أهداف التربية تحقيق النمو المتوازن للتلاميذ من النواحى المعرفية والحسية والجمالية والانفعالية والأخلاقية والروحية فإن على المشرف الفنى مسئولية توضيح هذه الأهداف، ومساعدة المعلمين على توظيف النشاطات والخبرات التى يجريها التلاميذ لتخدم هذا الهدف، وأيضا معاونتهم على الوصول إلى أفضل الطرق واتباع أحسن الأساليب المؤدية إلى تحقيق هذه الأهداف.

وهناك بعض الوسائل والأساليب التى يستطيع المشرف الفنى أن يقدمها إلى المعلمين لتحقق هذا الهدف، ومنها:

(1)      أن يتم تدارس جميع الأهداف التربوية المتوخاة، حتى يتضح معنى كل هدف وضوحا كاملا فى أذهان المعلمين.

(2)      مساعدة المعلمين على التفريق بين الغايات والوسائل.

(3)      تحديد الأهداف وراء كل نشاط، وما ينتظر أن تحققه النشاطات المقترحة للأهداف التربوية العامة، ولأهداف المدرسة الخاصة.

(4)   تشجيع المشرف الفنى لمعلميه على تخطيط الوحدات الدراسية، وعلى كتابة هذا التخطيط، ومراجعته، فى ضوء الأهداف المرسومة لكل وحده، وفى ضوء الأهداف العامة.

(5)      توجيه عملية التقويم التى يقوم بها المعلمون إلى قياس مدى تحقق الأهداف فى سلوك التلاميذ.

(6)   قيام المشرف الفنى بدور القدوة للمعلمين بأن يحدد الأهداف التى يريد الوصول إليها فى أى اجتماع يعقده للمعلمين، وأن يجعل هذه الأهداف واضحة للمعلمين، وأن يبين لهم كيف يستطيع ربط وسائله التى يستخدمها بالغايات التى يريد تحقيقها.

(7)      الكشف عن حاجات المعلمين، وتكوين علاقات إنسانية بينهم لرفع روحهم المعنوية وللمساهمة فى تحقيق أهداف المدرسة.

(8)      مساعدة المعلمين على الاستفادة من البيئة المحلية، والتعرف على مصادرها المادية والإنسانية.

وبهذا يسهم المشرفون الفنيون فى تهيئة الوسائل التى تيسر للمعلمين النجاح فى تحقيق رسالتهم على نحو يرفع من شأنهم، ويؤدى بالتالى إلى تحسين العملية التعليمية.

الإشراف الفنى ومساعدة المعلمين على تحقيق تكامل الخبرة:

تدعو التربية الحديثة إلى التعلم عن طريق الخبرة، وتركز على وحدتها، ومن هنا وجب على الإشراف الفنى الإسهام فى تحقيق وحدة الخبرة لدى المعلمين ويمكن الوصول إلى هذا الهدف بالتعاون بين أفراد أسرة المدرسة لتحقيق أهدافهم المشتركة بحيث يشعر الجميع أنهم أفراد أسرة واحدة لتحقيق غايات واحدة، وبمساعدة المعلمين على تفهم أهداف المدرسة التى يعملون فيها واكتشاف ما لدى المعلمين من استعدادات والعمل على تنميتها بالتدريب والتوجيه والإرشاد، والاستفادة منها فى تحقيق وحدة الخبرة لديهم، وأيضا يجب أن يهدف الإشراف الفنى إلى إبراز الروابط بين جميع مواد المنهج مما يؤدى فى النهاية إلى تماسك هذه الروابط، والوصول إلى الأهداف المشتركة الواجب تحقيقها، والتى تؤدى فى النهاية إلى مساعدة المعلمين على تحقيق تكامل الخبرة.

ويمكن تلخيص أهداف الإشراف الفنى فى هذا المجال بما يلى:

(1)      مساعدة المعلمين على تفهم أهداف المدرسة التى يعملون فيها بصفة عامة والمواد التى يقومون بتعليمها بصفة خاصة.

(2)      العمل على الحد من عزلة المعلمين الفكرية، واحترام شخصياتهم وآرائهم حتى يبادروا إلى الابتكار كلما سنحت لهم الظروف المواتية.

الإشراف الفنى وإدراك المعلمين لمشكلات تلاميذهم:

يهدف الإشراف الفنى الفعال إلى تمكين المعلمين من معرفة حاجات التلاميذ وضرورة العمل على إشباعها، وتشخيص الصعوبات التى تواجه المعلمين والتلاميذ ورسم الخطط لتذليل هذه الصعوبات، والوقوف على احدث الطرق التربوية ومداومة الاطلاع على نتائج المؤتمرات التربوية، وغير ذلك مما يساعد على نمو المعلم المهنى والعلمى حتى يستطيع الاسهام فى علاج مشكلات تلاميذه، ومما يساعد على تحقيق هذا الهدف أيضا ترغيب المعلم الجديد فى مهنته ومدرسته وجعله يتعلق بهما.

كما يساعد الإشراف الفنى الفعال، المعلم على الإلمام بخصائص البيئة التى تقع فيها مدرسته، وتوثيق الصلة بين المدرسة والبيئة، ومعاونة المعلم على فهمه لخصائص نمو الأطفال وحاجاتهم وطرق إشباعها ووسائل مساعدتهم على حل مشكلاتهم، كما يهدف إلى مساعدة المعلمين فى اكتشاف الفروق الفردية القائمة بين التلاميذ وتقديم المساعدة التى يحتاجها كل تلميذ بوصفه فرداً متميزاً له خصائصه الجسمية والعقلية والانفعالية الخاصة به، مما يسهم فى حل مشكلات تلاميذهم.

الإشراف الفنى وتحسين الظروف المدرسية:

من أهداف الإشراف الفنى تحسين العلاقات بين المعلمين، وتوطيد روح التعاون بين صفوفهم، والعمل على تحقيق النمو المهنى لهم ليصبحوا فى وضع أفضل لممارسة أعمالهم، وتحسين أنواع النشاطات التى تقدم إلى التلاميذ، والعمل على تحقيق انفتاح المدرسة على البيئة الخارجية وتقوية صلتها بالأهالى، وتوضيح دورها وجهودها لهم، وحثهم على الإسهام فى نشاطاتها، وتعريف المعلمين بالطرق التربوية الجديدة والاتجاهات الحديثة، وتستطيع هذه الأهداف فتح آفاق جديدة أمام المعلمين، وتدفعهم إلى طرق التجديد ومتابعة القراءة والاطلاع وتنمية معلوماتهم ومتابعة كل جديد.

ويمكن تلخيص أهداف الإشراف الفنى فى هذا المجال بما يلى:

(1)   اكتشاف مواهب واستعدادت العاملين مع المشرف الفنى، والعمل على تنميتها بالتوجيه والإرشاد.

(2)    مساعدة المعلمين على حسن استخدام الوسائل التعليمية.

(3)   دراسة العوامل المختلفة التى تسهل عملية التعليم أو تعوقها سواء منها ما يتعلق بالتلميذ أأم  المدرسة أم البيئة خارج المدرسة.

(4)  معاونة المعلمين على دراسة المناهج والكتب ونقدها نقداً بناءً بهدف تحسينها مع تسجيل الملاحظات عليها، ومن ثم تتاح للمعلمين فرصة النمو المهنى والشعور بالإيجابية والفاعلية فى العمل.

(5)   تحليل الصعوبات التى تعترض المعلم فى عملية التعليم ومساعدته على حلها.

(6)   العمل على حسن توجيه الإمكانيات المادية والبشرية وحسن استخدامها.

(7)   تنسيق جهود المعلمين من أجل تحسين الظروف المدرسية.

وهكذا يهدف الإشراف الفنى إلى أن تسير الظروف المدرسية وفق النظام والتعليمات واللوائح التى تقرها الجهات المختصة، كما يسعى إلى تشجيع القادرين من المعلمين على الابتكار بغرض التخلص من النمطية وتحقيق التحسن المستمر للبرنامج المدرسى.

الإشراف الفنى والروح المعنوية لدى المعلمين:

يسهم الإشراف الفنى الفعال فى بناء روح معنوية عالية عن طريق مساعدة المعلم على النمو المهنى والوظيفى، وتحسين مستوى أدائه، وبناء قاعدة أخلاقية متينة بين المعلمين، ودور المشرف الفنى هنا هو إثارة التنافس الشريف وإذكاء روح الحماس، ومساعدة المعلمين على معرفة مواطن الضعف فى أعمالهم ومحاولة تجنبها، وشعور المعلم بأهميته عامل مهم فى رفع روحه المعنوية، ومن المظاهر التى تنم عن تقدير المشرف للمعلم الثقة بما يصدر عنه واحترام ما يقوم به من تخطيط وتنفيذ، كما أن العدالة فى معاملة المشرف الفنى للمعلمين، وعدم محاباته للبعض منهم له أثره الكبير فى رفع روحهم المعنوية.

وحيث أن الفروق الفردية بين المعلمين أمر مسلم بوجوده، فيجب على المشرف الفنى أن يقبل المعلمين كما هم وبخصائصهم، وأن يتيح الفرص لكل منهم للشعور بأنه عضو نافع فى المدرسة، وأن يراعى الحالة الصحية والظروف الشخصية لكل منهم، كما يجب النظر بعين الاعتبار إلى أن تشجيع المعلمين على الابتكار دون توفير المستلزمات الأساسية من حيث الجهد والوقت والأدوات اللازمة، قد يسبب أضراراً بروحهم المعنوية، فيعانون من الإحباط نتيجة عجزهم عن القيام بما يطمحون إلى تحقيقه، ومن أجل هذا ينبغى توفير المستلزمات اللازمة عن طريق الدورات التدريبية، والأبحاث التجريبية والأدوات والمواد وإتاحة الوقت اللازم للقيام بالتجريب، وأن يعمل المشرف جاهداُ لإشاعة الطمأنينة فى نفوس المعلمين، وأن يعمل على تحسين ظروف مدارسهم وأن يشعرهم بقيمة عملهم ودورهم فى المجتمع وتطويره(44).

الإشراف الفنى وتقويم المعلم:

من ضمن أهداف الإشراف الفنى تقويم عمل المؤسسات التربوية وتقديم المقترحات البناءة لتحسينه، ومن بينها تقويم جهود المعلمين وقياس أثرها فى نمو التلاميذ باستخدام وسائل متنوعة مثل الملاحظة والمناقشة والاختبارات الموضوعية لقياس تحصيل التلاميذ، كل ذلك بهدف مساعدة المعلمين على النجاح فى أعمالهم، كما أن الإشراف الفنى يعين المعلم على تقويم نفسه ليتعرف على نواحى قوته فيدعمها، ونواحى ضعفه فيعالجها.

وحيث إن المشرف الفنى يمثل قيادة تربوية، فلابد أن يمارس مهامه بطريقة فعالة يكتسب من خلالها ثقة المعلمين وتأييدهم وتمكنه من إنجاز مهام جديدة تتسم بالابتكار ويتطلب تحقيق هذا كسب صداقة المعلمين وجعلهم يشعرون بمعاونته لكى تنجح الجماعة فى تحقيق أهدافها بفضل العمل الجماعى، وإذا كانت ثقة المشرف بنفسه- كما يقول (اندرسون) (Anderson) (45) أساسية لتحقيق العلاقات الطيبة، فإن الوجه الآخر للعملية هو ثقة المشرف بمن يعملون معه، وينبغى أن تكون هذه الثقة انعكاسا لإيمانه بقيمة كل فرد، وبقدرته على النمو، فالثقة بالفرد وبقدرته تفتح الطريق أمامه للتعامل الجيد مع غيره.

ومن بين الأهداف الأخرى للإشراف الفنى تنمية العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع المدرسى، وشعورهم بأهمية هذه العلاقات فى عملهم ومهنتهم، كما يلعب الإشراف دورا هاما فى مجال الإصلاح والتطوير، فهو بمثابة همزة وصل فى توصيل نتائج عملية التطوير بين مستوى التنفيذ ورسم السياسة التربوية.

يتبين مما سبق أن الإشراف الفنى الفعال يسعى لتحقيق أهداف متعددة منها توضيح أهداف التربية لدى المعلمين، ومساعدتهم على تحقيق تكامل الخبرة، وإدراكهم لمشكلات تلاميذهم والمساهمة فى تحسين الظروف المدرسية، والعمل على رفع الروح المعنوية لدى المعلمين والعمل على تقويم عملية التعلم.

وإلى جانب ما سبق، فيعلب الإشراف الفنى دوراً هاماً فى تحقيق أهداف العملية التعليمية، ولكى ينجح فى تحقيق أغراضه على مستوىٍ عالٍ من الكفاءة وجب أن يتوافر فى المشرف الفنى صفات فنية بعضها يتعلق بشخصيته، وبعضها يتعلق باستعداده العلمى والمهنى، كالشعور بالعدالة والنزاهة، والإيمان بقدرته ، والقدوة الحسنة والشعور بأهمية الرسالة التى يؤديها أو المهنة التى يمارسها، وضرورة الإخلاص للمهنة، وإتقان المادة وامتلاك القدر الكافى من الثقافة ومهارة الإرشاد المهنى، حتى يستطيع أن يؤدى وظيفة الاتصال بفعالية.

ويعتبر الاتصال أكثر وظائف المشرف الفنى أهمية، وذلك لأن جميع وظائفه الأخرى كالتخطيط والتنسيق والتقويم والتوجيه تعتمد إيجاباً أو سلباً على طبيعة عملية الاتصال وأسلوبها. ومن أجل هذا أصبح الاهتمام بالمشرف الفنى وإعداده ضرورة ملحة، وظهرت اتجاهات جديدة فى هذا المجال أهمها الاتجاه نحو تحديد الخصائص اللازمة للتوجيه، والمهارات التى يجب أن يتحلى بها المشرف الفنى، وكيفية تنميتها، وإذا كان الهدف من التربية هو أن يُنمى فى كل تلميذ أعظم ما عنده من إمكانيات فلابد من تشجيع المعلمين الذين يقومون بهذه الخدمة على أحداث تطورات ملحوظة فى أنفسهم، ويتم هذا بكسب المشرف لاحترام المعلم، وتملكه عنصر الحساسية فى القيادة حتى يتمكن من فهم دوافع المعلمين، وبالتالى التغيير فى اتجاهاتهم بحيث يؤثر ذلك على تغيير الأداء التعليمى، وأيضا لابد أن يتصف المشرف بالواقعية، فيقدر ظروف المعلمين، وواقع البيئة، ويقَّوم جهد المعلمين فى ضوء هذه الظروف، ويكون متواضعاً، ومتزناً فى انفعالاته، قادراً على ضبط نفسه وأن يملك الرؤية الكاملة فيما يتعلق بتحسين العملية التعليمية بكل جوانبها من حيث فهم خصائص نمو التلاميذ، والإلمام بدور المعلم فى العملية التعليمية، والتعرف على مختلف طرق التعليم والأدوات التعليمية المفيدة فى التعليم ، وأيضا الإخلاص فى الإشراف، فعندما يقتنع المعلمون بإخلاص المشرف ورغبته فى التحسين يتحقق التعاون ويتم التطور.

وهكذا فالمشرف الفنى شخص يجب أن يتوافر فيه القدرة على الانفتاح وقيادة الآخرين، والتفاعل معهم ومساعدتهم على استغلال قدراتهم وطاقاتهم إلى أقصى حد ممكن، ويشترط فى المشرف أن يكون قادراً على تطوير نفسه حتى يستطيع من خلال ذلك تطوير الآخرين، والأخذ بأيديهم، وأن يكون قادراً على تقبل ذاته حتى يساعد الآخرين على تقبل ذواتهم ويتعامل المشرف يوميا مع مجموعات متباينة من المعلمين والمعلمات، لذا يجب أن يكون بمقدوره تفهم نفسيه كل فرد منهم، وأن يعمل ما فى وسعه ليقارب بينهم، ولما كان الإشراف الفنى يتمشى مع مبادئ الديمقراطية، فينبغى على المشرف الاعتراف بحق المعلم فى التجريب والتجديد، واختيار طريقته فى التدريس، وإيجاد المناخ الذى يدفع المعلمين إلى الابتكار والتجديد، وأن يمتلك المشرف المهارة فى التعليم حتى يقف على تشجيع الاستقلال الفكرى، وأن يتم الإشراف فى جو تعاونى يتسم بالمحبة والصداقة، وهذا يحتم على المشرف أن يكون ماهرا فى قيادته، وأن يصبح قدوة حسنة للآخرين، وأن يمارس الاتصال المفتوح الذى يبنى على الاحترام المتبادل والبعد عن التقويم النقدى والسلطة الرسمية، وأن يبتعد عن الاتصال الذى يعتمد على استخدام السلطة الرسمية، وتستند إلى ممارسة الضبط والمراقبة. وهكذا فالمشرف القائد لا يقتصر فى ممارساته على دوره الوظيفى، بل يتعدى ذلك ليمارس سلوكاً قيادياً، فإذا كان السلوك الوظيفى للمشرف يتمثل فى تقبله للمسئولية فإنه فى السلوك القيادى يبحث عنها وتحركه فى ذلك دوافعه الداخلية وأهدافه الإنسانية ويكتسب مكانته من خلال إنجازاته لا من خلال وظيفته، وهذا يعنى أن المشرف الفنى كقائد لا يؤدى عملاً وظيفياً، بل يبادر إلى تطوير عمله ووضع مستويات وقيم جديدة له يسعى إلى تحقيقها بالتعاون مع المعلمين الموكل إليه مهام الإشراف والتنمية المهنية لهم.

يتبين مما سبق أن الإشراف الفنى الفعال يفضل ممارسة الاتصال الإيجابى الذى يعتمد على الاحترام المتبادل، والبعد عن التقويم الذاتى والسلطات الرسمية وعدم ممارسة الاتصال السلبى الذى يعتمد على استخدام السلطة الرسمية من جانب المشرف الفنى.

وقد أصبح للإشراف الفنى مجالات متعددة تتفق مع مفهومه الفعال وهذه المجالات تشمل ما يحدث داخل الفصل وخارجه، ويمكن تحديدها فيما يلى:

التلميذ:

لم يعد التعليم مجرد تلقين للمعرفة، بل تغيير فى طبيعة المتعلم وسلوكه، لذلك كان لابد للإشراف الفنى من العناية بكل ما يتعلق بجوانب نمو التلميذ، والتخطيط للعناية بصحته وتغذيته وعنايته، وتوزيع تلاميذ الصف بصورة علمية سليمة، ودراسة مشكلات غياب التلاميذ، فأتباع الأسلوب العلمى فى دراسة هذه المشكلات يعطى نتائج طيبة فى التعرف على الأسباب واقتراح الحلول المناسبة، وأيضا وقوف المعلم على أسباب التأخر الدراسى عند تلاميذه يسهم فى علاج هذه المشكلة ويبرز هنا دور الإشراف الفنى من حيث توجيه المعلمين وتزويدهم بالوسائل اللازمة للكشف عن هؤلاء المتأخرين دراسيا فى وقت مبكر حتى يسهل علاجهم.

وحيث إن العملية التعليمية تهتم بالتلميذ ككل اهتماماً يتضمن العناية بالجانب العقلى والجسمى والعاطفى والاجتماعى، بقصد إكسابه العادات السلوكية المرغوب فيها، لذا أصبح كل موقف تعليمى وسيلة لتحقيق النمو المتكامل للتلميذ، وعليه فإن أهم ما يهتم به الإشراف هو التلميذ وتعلمه، وأن الطريقة التى يتبعها المعلم فى إيصال المعلومات إلى عقله يجب أن تكون موضع عناية.

المعلم:

يمثل المعلم أحد الأركان الأساسية فى الموقف التعليمى، ويعتبر أقدر الناس على إدراك العوامل التى تحيط بعمله، ومن أجل ذلك يهتم الإشراف الفنى بالمعلمين، وبرفع كفاءتهم، ومن ثم يجب أن تبذل جهوداً مستمرة من ناحية المشرفين لمساعدة المعلمين على النمو المهنى، ويجب على المشرف الفنى لتحقيق النمو المهنى للمعلمين، البدء بالمشكلات التى يشعر بها المعلمون ويرغبون فى مناقشتها، فهى تشكل أساساً صالحاً لإقامة علاقات بينهم وبين المشرف وتنطوى على رغبته فى فهم ما يعانون منه، أو حرصه على تحقيق خيرهم، ويجب أن يحرص المشرف فى هذا الموقف على أن يتيح الفرصة لكل الآراء أن تعلن عن نفسها، فيركز على مبدأ التعاون والمشاركة، وأن تكون الصلة بينهما على أساس قوى من العلاقات الإنسانية الصحيحة، وأن يكون أسلوب المشرف فى تعامله مع المعلم ينم عن روح المودة والصداقة، وأن يستخدم العمل الجماعى حتى يزداد التعارف بين المعلمين ويتوقف نجاح المشرف فى إقامة علاقات إنسانية سليمة بينه وبين المعلمين على العمل وفق قيم ومفاهم معينة، وتوافر معارف ومهارات تيسر تحقيق ذلك، فيتعامل المشرف مع المعلمين فى غير تكلف، ويتخذ موقفاً سليماً إزاء مقترحات المعلمين وآرائهم، وما قد ينشأ من مشكلات تطرح للدراسة، ويجب أن يثق المشرف الفنى فيمن يعملون معه، فإذا وثق المشرف بنفسه وبالمعلمين الذين يشرف عليهم، يصبح التعامل مثمراً، وتنتشر الثقة فيما بينهم.

ويجب على المشرف الفنى أيضاً التعرف على قدرات معلميه فى التعليم وإدراكهم لأغراضه وممارستهم للأساليب السليمة فى أدائه وأن يعمل المشرف على أن يدرك المعلمون طبيعة المعرفة وتصنيفاتها بهدف تطوير قدرات المعلمين سواءً بالنسبة لتحديد الاحتياجات التدريبية أو رسم برامج التدريب، أو ممارسة أساليب مختلفة، ويستطيع المشرف تنمية الناحية الابتكارية عند المعلمين إذا ما أتاح لهم حرية التفكير وإشراكهم فى تحسين الأهداف والمنهج والمحتويات وطرق التدريس والتقويم وشجعهم على التجريب، وبعث فيهم الشعور بالثقة، وتعاون معهم فى الأخذ بأسلوب البحث العلمى، ويؤدى هذا إلى احترام شخصية المعلم التى تنعكس على علاقته بتلاميذه، وتؤثر فيها، ومن أخطر الأمور، كما يقول (سليمان شعلان)(46) أن يُترك المعلم يعانى من مشكلاته العاطفية والمالية والأسرية، لأن هذه المشكلات تصاحبه داخل الفصل، وتقف بينه وبين تلاميذه فتلقى عليهم بظلالها القاتمة وتعوق نجاح العملية التربوية.

 

المنهج:

المنهج هو لب العملية التعليمية ومن أهم وسائلها لتحقيق أهدافها، ولهذا يجب النظر إلى المنهج باعتباره المجال الأساسى لنشاط الإشراف الفنى، والذى يسهم فى صياغة محتوى المنهج، ويقدم المساعدة للمعلمين لدراسته دراسة عميقة للتعرف على أهدافه وأركانه، ويذكر (محمد على نصر)(47) أن المنهج إذا ما نفذ بطريقة سليمة فإنه يعمل على تحقيق النمو الشامل للمتعلم، ومن ثم فإن أولى مهام المشرف الفنى الاهتمام بالمناهج الدراسية والعمل على تطوير محتواها، وطريقتها وأسلوب تقويمها لتلائم حاجات التلاميذ والمجتمع، وكذلك النظر إلى هذه المناهج من حيث تحقيقها للأهداف العامة للتعليم والأهداف الخاصة للمرحلة التعليمية المعينة، ومسايرتها للتطورات القومية والتربوية والاجتماعية وروح العصر ومناسبتها لمستوى التلاميذ الفعلى وخصائص نموهم وترابطها وتكاملها ومرونتها، وكذلك العلاقة بين كميتها والزمن المخصص لها فى الخطة الدراسية، والتوازن بين المناهج المقررة للصف والمرحلة ومواجهتها للاحتياجات السلوكية والاجتماعية للتلاميذ والمجتمع، ثم تجريب مناهج جديدة وتحديد وسائل التجريب وتقويم نتائجه.

طرق التدريس:

تعتبر العملية التعليمية مهنة فنية، وطرق التدريس وسائل تلك العملية لتوصيل المحتوى التعليمى إلى التلاميذ، وهذه الوسائل لابد وأن تعتمد على أسس سليمة لتناسب العمر الزمنى للتلاميذ وبحيث تغطى ما بين التلاميذ من فروق، وهنا يبرز دور المشرف الفنى من حيث تشجيع المعلمين على البحث والاطلاع ومناقشته النتائج التعليمية حتى يرتفع مستواهم المهنى لحسن سير العمل داخل المدرسة، وأيضا يجب أن يكون المشرف الفنى على اتصال مستمر بالأبحاث التى تجرى بشأن تطوير طرق التدريس، وأن يناقش هذه الطرق مع المعلمين فى الحلقات الدراسية والندوات، وأن يحاول التجريب فيها بما يلائم ظروف كل مدرسة، وأن ينقل نتائج التجارب فى حالتى الفشل والنجاح على السواء إلى المدارس الأخرى، فربما تصادف التجربة فى مدرسة معينة ظروفاً أكثر ملائمة لها عن مدرسة أخرى فتثمر.

وهكذا ينبغى على الإشراف الفنى السعى إلى علاج القصور فى الأداء وتوجيه العاملين إلى أفضل وأمثل الطرق فى التدريس واستخدام المعينات ووسائل الاهتمام بضعاف التلاميذ والنهوض بمستوياتهم التحصيلية والوصول بهم إلى مستوى أقرانهم، وطرق استخدام الكتاب المدرسى وكتاب المعلم.

النشاط التعليمى:

يعرف (عميرة والديب)(48) النشاط التعليمي بأنه كل نشاط يقوم به المعلم أو التلاميذ أو كلاهما لتحقيق أهداف التربية سواءً أكان هذا النشاط داخل المدرسة أم خارجها، طالما أنه يتم تحت أشراف المدرسة وبتوجيه منها، وبهذا يعتبر النشاط التعليمي باباً مفتوحا أمام المشرف الفنى كأحد المجالات التى تساعد على تحسين برنامج التعليم فى المدرسة.

الوسائل التعليمية:

تساعد الوسيلة التعليمية التلاميذ على إدراك الحقائق والمفاهيم المجردة بأيسر الطرق فهى تقدم الحقائق والمعلومات بطريقة تناسب إدراك التلاميذ. والمنهج بمفهومه الحديث يرى أن هناك ضرورة ملحة لاستخدام الوسائل التعليمية، وبهذا فإن العناية بالوسائل التعليمية وإنتاجها ضرورة تتطلب تدخل من المشرف الفنى، فيوضح قيمة الوسائل التعليمية للمعلمين، ويشجعهم على إنتاجها من الخامات المحلية، كما يدربهم على حسن استخدامها لينتشر بينهم الوعى العام الذى يساعد على رفع مستواها، وحسن استخدامها فى أنشطة التربية والتعليم بالمدارس.

الكتاب المدرسى:

يجب على المشرف الفنى الاهتمام بدراسة الكتاب المدرسى ليكون على بينة من محتوياته، ويرشد المعلمين إلى مضمونه، ويساهم فى تأليفه وتجريبه وتعديله، وهناك عدة مسئوليات يجب أن يراعيها المشرف الفنى فى هذا المجال، منها:

1- مناسبة الكتاب المدرسى للمادة ومناهجها، وتحقيقه للأهداف الخاصة بالمرحلة الابتدائية.

2- مواصفاته من حيث المادة العلمية (الغرض- الأسلوب- الوسيلة- والخرائط).

3- وأخيرا إخراجه وتكلفته المالية ومدى الاستفادة منه.

المكتبات المدرسية:

تلعب المكتبة المدرسية دوراً هاماً فى إكساب التلاميذ عادة الاطلاع باعتبارها وسيلة لنشر الثقافة، ولذا ينبغى على المشرفين الفنيين الاهتمام والعناية بهذه المكتبات وذلك عن طريق حث المعلمين والإدارات المدرسية على تزويد هذه المكتبات بما تحتاج إليه من  الكتب والأثاث والأدوات، ويجب ألا يعتمد الموجه على المصادر الرسمية فقط فى تزويدها بما يلزمها من أدوات، بل ينبغى أن يتعاون أهل البيئة وأولياء الأمور والتلاميذ فى إمدادها بالكتب والمؤلفات.

وفى ضوء ذلك يجب على المشرف الفنى أن يضع فى خطته التربوية ضرورة التعرف على محتويات المكتبات والتأكد من سلامة محتوى كتبها، ومدى مناسبته لتحقيق الأهداف التربوية، وتصنيفها لتناسب مستويات الصفوف الدراسية والمادة العلمية بكل منها، وتنظيم أساليب الإفادة منها، واستخدام المعلمين لها، ومدى تشجيع التلاميذ على الإفادة منها فى البحث والاطلاع.

التقويم:

يعتبر التقويم مجالاً مهماً من مجالات عمل  المشرف الفنى، فهو عملية تهدف إلى تحديد مدى فاعلية البرنامج التعليمى، ومدى كفاءة القائمين بالخدمات التعليمية المختلفة من حيث مواجهة حاجات التلاميذ، ومن أجل التحسين، وفى مجال التقويم يجب على المشرف الفنى أن يولى عنايته بما يلى:

البطاقة المدرسية:

   تعتبر البطاقة المدرسية مجالاً هاماً من مجالات الإشراف الفنى لأنها تتضمن سجلاً شاملاً لحياة المتعلم، لذا يجب على المشرف الفنى العناية بالتخطيط لها، وتبصير المعلمين بقيمتها مع تدريبهم على حسن استخدامها لأن البطاقة المدرسية إذا تحققت بطريقة علمية سليمة تصبح دليلاً كافياً يبين حالة نمو التلميذ بالنسبة لنفسه ولزملائه، كما يجب على المشرف الفنى توجيه المعلم بشأن المفهوم الحديث للامتحان باعتباره وسيلة للكشف عن تحصيل التلميذ، كما يجب عليه إرشاد المعلم إلى أساليب الامتحانات الحديثة.

بطاقة المعلم:

ينبغى على المشرف الفنى الاهتمام ببطاقة المعلم كأداة تساعد كثيرا فى توجيهه وإسناده العمل الذى يتفق وقدراته واستعداداته.

التخطيط لبرنامج التدريس:

حيث إن التنظيم والتخطيط له وظيفة هامة فى العملية التعليمية، فيجب على المشرف الفنى توجيه المعلمين إلى أسس وقواعد تنظيم البرنامج اليومى، ووضع خطة الدراسة الأسبوعية وتوزيع المنهج والمشاركة فى تخطيط البرنامج مع كافة المعلمين فى التخصص الواحد.

المبنى المدرس:

يجب على المشرف الفنى، ملاحظة مدى مناسبة المبنى المدرسى للمرحلة الابتدائية وأهدافها، وتجديد هذا المبنى وصيانته، ثم سعة وإمكانيات التوسع فيه، والمشرف الفنى الناجح هو القادر على تزويد المبنى المدرسى بالتجهيزات والأدوات اللازمة والعمل على صيانته والمحافظة عليه وذلك بالتعاون مع أولياء الأمور والمعلمين والتلاميذ ليصبح مكاناً صالحاً للعملية التعليمية.

تنمية العلاقات المهنية:

يساعد الإشراف الفنى الفعال فى إيجاد علاقات مهنية طيبة بين العاملين فى المدرسة عن طريق العمل على إيجاد مناخ من الثقة المتبادلة والاحترام ومراعاة الفروق الفردية بين المعلمين والمعاونة فى التخطيط والتقويم.

مجال القيم والاتجاهات:

يستطيع المشرف الفنى إحراز نجاح فى مجال القيم والاتجاهات، حيث إن نجاح نشاط الإشراف الفنى كله يتوقف على رؤية المعلمين لأهمية الجهد التربوى الذى يبذلونه، حتى يسود التعاون بين كل من المشرفين والمعلمين ويتكون لديهم فهم عميق وإيمان بدور التربية فى تطور المجتمع.

يتبين مما سبق أن الإشراف الفنى الفعال يمارس مهام متعددة فى عدة مجالات منها التلميذ وطريقة تعلمه، والمعلم ونموه المهنى، والمنهج وتطويره، وطرق التدريس، والنشاط المدرسى والوسائل التعليمية والكتاب المدرسى والمكتبات ومجال التقويم والقيم والاتجاهات والمبنى المدرسى.

ونتيجة لتطور أهداف التربية، ولتغير أدوار المعلم واتساع نطاق المعرفة حدث تغير فى أساليب وأدوار المشرف الفنى، فتطورت الأساليب القائمة، واستحدثت أساليب أخرى أكثر فاعلية.

وقد كانت زيارة المعلم فى الفصل هى الأسلوب الرئيسى المستخدم من قبل المشرف الفنى لتحقيق أهدافه من حيث مراجعة أعمال المعلم والكشف عن عيوبه الشخصية والمهنية، وقد غلبت على هذه الزيارات صفة الآلية، وفى بعض الأحيان كان يتبع زيارة المشرف للمعلم فى الفصل اجتماع، ويعد هذا الاجتماع امتداداً لعملية كشف الأخطاء لدى المعلم ومحاسبته عليها، وقد كان هذا فى وقت ينظر فيه إلى الإِشراف الفنى على أنه مظهر من مظاهر الإدارة ينحصر فى ترتيب المعلمين فى سلسلة مهنية من الإنتاج والعطاء، وينظر إلى المشرف الفنى على أنه شخص مسيطر يعتمد على الأساليب القسرية فى مهمته التفتيشية، حيث يؤكد إلى معلمية ضرورة إتقان المادة التعليمية وإعادتها باعتبارها المحور الأساسى لعملهم.

ويستخدم المشرف الفنى حالياً- بجانب أسلوب زيارة الفصل- أساليب أخرى متنوعة منها الاجتماعات والمؤتمرات والندوات والنشرات والمناقشات وتبادل الزيارات واستخدام الورشة التربوية والدروس التطبيقية والقراءات الموجهة وتشجيع البحوث التربوية، وعند التخطيط لاستخدام هذه الأساليب المتنوعة يجب على المشرف الفنى التفكير فى المبررات النظرية التى تفضل استخدام أسلوب عن أخر حسب الموقف التعليمى، ومن بين هذه الأساليب ما يلى:

الزيارات التى تتم داخل الفصول الدراسية:

ينبغى النظر إلى زيارات المشرف الفنى للمعلم فى الفصل على أنها ليست إظهاراً للاستعلاء، ولا إبرازاً للسلطة، ولا محاولة للتهوين من شأن المعلم أمام تلاميذه، وإنما هى وسيلة للتعاون يترتب عليها دعم وإثراء للمواقف التعليمية، ومن خلالها يحاول المعلم الاستفادة من خبرات المشرف، ويستعين بتوجيهاته فى حل المشكلات التى يواجهها، ويقف المشرف من خلالها على الصورة الحقيقية للصعوبات التى تواجه المعلم، كما أن هذه الزيارات تسهم فى نمو المشرف الفنى مهنيا عن طريق ما يضيفه إلى خبراته من خبرات جديدة، وهناك بعض الاعتبارات التى ينبغى مراعاتها عند بدء زيارة المشرف الفنى للمعلم فى الفصل منها:

(1)   أن يبدأ المشرف الفنى بتكوين علاقات طيبة مع المعلمين قبل الزيارة، مع التأكيد لهم أن الغرض من هذه الزيارات هو الحصول على المعلومات اللازمة عن النشاط المدرسى.

(2)      أن يعرف المعلم توقيت الزيارة مقدماً، كما ينبغى أن تتم حسب حاجة المعلم لتصبح زيارة هادفة.

(3)      تحديد الهدف من الزيارة مسبقا، وإبداء كل احترام للمعلم وخاصة أمام التلاميذ، مع تسجيل الملاحظات بموضوعية.

(4)   الاهتمام بزيارة المعلمين المبتدئين بالمدرسة، والمعلمين الذين يقومون بتجريب أفكار وطرق جديدة، وأن يكون الهدف من الزيارة ليس مجرد تقدير المعلم وتقويمه، بل ودراسة ما يجب أن يحصل عليه التلاميذ والوسائل التى تحقق ذلك.

الاجتماعات التى تتم بعد زيارة المشرف للفصول الدراسية:

لكى تكون الزيارة ذات فائدة ينبغى أن تتبعها اجتماعات مع المعلمين لتحليل النشاط المدرس، ومناقشة نواحى القوة والضعف فى العملية التعليمية، ويتم هذا الاجتماع بين كل من المشرف الفنى ومعلمى الفصول، وهو من الوسائل الفعالة لمعاونة المعلمين على النمو المهنى، وفى تحسين العملية التعليمية، ويعتبر هذا النوع من أصعب أنواع الاجتماعات لأنه يتطلب توافر مهارة وكفاءة فى المشرف الفنى حتى يستطيع إدارة الاجتماع بنجاح، ويذكر (بارتكى) (Bartky) (49) أنه يجب على المشرف الفنى كسب ثقة المعلمين أثناء هذا الاجتماع وبعث الأمن والطمأنينة فى نفوسهم، حتى لا يعتقد المعلم أن الغرض من هذا الاجتماع تحدى قدرته المهنية، وتوجيه النقد غير العادل إلى جهوده، وفرض وجهة نظر عليه مهما كانت صحتها، وبالتالى إلزامه بتنفيذ مقترحات وتوصيات لا يعتقد بفائدتها.

كما يجب على المشرف الفنى التركيز خلال مثل هذه الاجتماعات على نقاط القوة ونقاط الضعف عند المعلم التى يعتقد المشرف بإمكانية علاجها، ولا يقف طويلا عند نواحى الضعف التى لا إرادة للمعلم فيها، حتى يصبح هذا الاجتماع وسيلة مفيدة لتحسين الروح المعنوية لدى المعلمين، ومعاونتهم على حل مشكلاتهم والبحث عن وسائل التحسين، ولكى ينجح هذا النوع من الاجتماعات ينبغى على المشرف عدم وضع مقترحات محددة مسبقاً، بل ينظر المشرف إلى الاجتماع باعتباره فرصة يدلى فيها كل المجتمعين بآرائهم، بهدف تحسين المواقف التعليمية.

الاجتماعات العامة:

تلعب الاجتماعات العامة فى ميدان الإشراف الفنى أهمية كبيرة لرفع مستوى المعلمين المهنى وتحسين العملية التعليمية، وفيها تتاح الفرصة للتفكير والتخطيط التعاونى، وتبادل الأفكار مما ينتج عنه زيادة النمو المهنى للمعلمين.

وعلى المشرف الفنى أن يضع فى اعتباره أن الهدف من هذا النوع من الاجتماعات هو الوصول اتفاق إتقان مشترك وتخطيط تعاونى للتحسين، وأن يتم فى جو من المودة والسرور والثقة المتبادلة بين المجتمعين، ويرى (سيد حسن حسين)(50)  أن الوقت المناسب لعقد هذه الاجتماعات هو الوقت الذى تحدده الجماعة تبعا لاحتياجاتها، ووفقاً لظروفها ونوع مشكلاتها، وذلك عن طريق الاتفاق الودى بين كل من المعلمين والمشرف الفنى، وهذه الاجتماعات قد تحقق من الفائدة الكثير مما لا يتوافر فى الاجتماعات الفردية التى تعقد بين كل من المشرف وأحد المعلمين لما توفره من تدريب للمعلمين على التفاعل السليم والقيادة الديمقراطية أثناء العمل مع الجماعات، ومما يمكن المعلم من ممارسة الأساليب الصحية داخل جدران فصله، وأثناء تفاعله مع تلاميذه.

ويرى المشرف الفنى الناجح أهمية إعداد مكان الاجتماع وتزويده بالأثاث المناسب وتوفير المطبوعات والمواد الكتابية التى قد يحتاج إليها، كما يرى أن يكون الجلوس حول مائدة أو على شكل مائدة حتى تسهل عملية المناقشة، وخلال هذا الاجتماع يسعى المشرف الفنى إلى تحقيق أهداف تربوية منها التوصل إلى فلسفة تربوية تعبر عن أهداف الجماعة، وتحسين طرق التدريس، واكتشاف القدرات الخاصة لدى المعلمين ومحاولة استغلالها، وبث الحماس فى نفوسهم نحو الابتكار.

تبادل الزيارات بين المعلمين:

يعتبر تبادل الزيارات بين المعلمين وسيلة للاطلاع على النتائج الجديدة، وهذه الزيارات نوعان، فيمكن للمعلم زيارة زميلة فى المدرسة التى يعمل بها، أو أن يزور معلما آخر وفى مدرسة أخرى. ويؤدى تبادل الزيارات بين المعلمين إلى تبادل الأفكار وتحقيق الصلة الاجتماعية التى تزيد من تآلفهم وترابطهم، ويرى كثير من المعلمين والمشرفين الفنيين أن تبادل الزيارات بين الفصول لملاحظة المعلمين فى أثناء التدريس من أعظم الوسائل التى تساعد على نمو المعلم مهنيا، ويرى (دوجلاس)(51) أن هذه الزيارات تتيح الفرصة للمعلم لملاحظة كيف يعمل معلم أخر فى الفصل، وطبيعة العلاقات بين المعلمين كثيرا ما تشجعهم على تبادل الرأى فى مشكلاتهم كزملاء يبحثون عن حلول، وبهذا يعتبر تبادل الزيارات أسلوب من الأساليب المفيدة للمعلم، وخاصة المعلمين الذين لا يستطيعون تحديد عيوبهم أو تنفيذ المقترحات التى يتفق عليها فى الاجتماعات، أو التى تسرد فى المطبوعات، وقد ذُكر(52) أن تبادل الزيارات بين المعلمين فيه نوع من المشاركة، فهم يتبادلون الخبرات ومواطن القوة عندهم، وتسهم فى نمو المعلمين مهنياً.

ويعمد المشرف الفنى قبل تنفيذ برنامج تبادل الزيارات إلى إقناع المعلمين بقبول هذا البرنامج، موضحاً لهم أهدافه، ومبرزاً أهميته من حيث الفوائد المشتركة التى تعود عليهم لكى تتكون لديهم اتجاهات إيجابية نحو المشاركة الجادة فى هذا البرنامج، وهذا الأسلوب يمنح المعلم الثقة بنفسه من حيث أنه قادر على دراسة ومناقشة المواقف التعليمية، وخلاله يتعرف المعلمون على المتطلبات الأساسية للنجاح فى المهنة فيستفيد المعلم من أساليب زملائه والمناقشات التى تتم بين أعضاء العملية التعليمية فى أثناء الزيارة بين المعلمين.

الدروس  التطبيقية التى يقدمها المشرف للمعلم:

تعتبر الدروس التطبيقية أحد الأساليب الفردية التى تستخدم منذ فترة بعيدة فى برامج الإشراف الفنى، والغرض منها إعطاء فكرة عن التدريس بطريقة معينة، أو توضيح كيفية التدريب على مهارة معينة، وتتوقف فعالية هذه الدروس التطبيقية غالباً على مدى شعور المعلمين بحاجاتهم إليها، ومدى رغبتهم فى توضيح أسلوب تدريسى معين فى عملهم.

وقد ذكر (سبيرز) (Spears)(53) بعض المبادئ التى تعتمد عليها الدروس التطبيقية منها:

(1)      يجب أن تجرى الدروس التطبيقية فى مواقف تعليمية طبيعية دون تكلف حتى يسهل تطبيقها والاستفادة منها.

(2)      ترتيب الزيارات، وتقتصر مشاهدة هذه الدروس على المعلمين فى مجموعات مناسبة من حيث العدد.

(3)      يجب على المشرف الفنى إبراز الجوانب الهامة من الدروس التطبيقية.

(4)   يجب الإعداد والتخطيط من قبل المشرف لهذه الدروس، حتى تؤتى الفائدة المرجوة منها للمعلمين، وخاصة الجدد منهم، وحتى لا تصبح مضيعة لوقت وجهد المعلمين.

النشرات:

يمكن للمشرف الفنى عن طريق النشرات أن يلخص تقارير اللجان التى ستعرض فى الاجتماعات العامة للمعلمين، أو أن ينقل إلى المعلمين القرارات التى تتخذ فى الاجتماعات أو أن يقدم تقارير عن مسائل مهنية نتيجة لزياراته للمعلمين، أو أن يناقش تقارير بحوث وتجارب أجريت بشأن أساليب جديدة فى التدريس.

وفى الظروف التى لا يتيسر فيها عقد اجتماع للمعلمين، أو عند الحاجة إلى توصيل معلومات وأفكار تهم المعلمين، أو عندما لا يستدعى توصيل هذه المعلومات عقد اجتماع للمعلمين تستخدم هذه النشرات، وإذا ما أعدت هذه النشرات إعداداً طيباً، وكان تنظيمها واضحاً، وإذا ما خرجت من مجرد التعليمات والروتين، وأخذت صفة الاستمرار والانتظام، وركزت على ما يهم المعلمين، فإنه يمكن أن تأخذ مكانها بين أساليب الإشراف الفنى الفعال.

القراءات الموجهة:

من بين الأساليب التى تحقق النمو المهنى للمعلمين القراءات، فالمعرفة فى تزايد مستمر، ويمكن للمعلم بالقراءة تنمية معلوماته، وتكييف خبراته لتلائم المواقف التعليمية، ويبرز هنا دور المشرف من حيث  إثارة اهتمام المعلمين، وتوجيههم الاتجاه السليم المدروس نحو القراءات الحرة والموجهةويمكن تحقيق ذلك من جانب المشرف الفنى فى مواقف مختلفة مثل اجتماعات المعلمين، أو عقب زيارة للمعلمين فى الفصول، وعند مناقشة مشكلة تعليمية معينة.

ويظهر دور المشرف الفنى فى استخدام القراءات الموجهة فى مجالين هما:

(1)    اختيار القراءات التى يطلبها من المعلمين، وتعريفهم بأماكن تواجدها، وتنظيم الاستفادة منها ومتابعة نتائجها فى حياتهم المهنية.

(2)  وتغيير اتجاهات المعلمين نحو القراءة، وذلك بمشاركة المعلمين فى اختيار الكتب والمجلات، وإثارة اهتمام المعلمين بالمكتبة ومعاونتهم على الاستفادة مما قرأوه بتطبيق نتائج هذه القراءات فى مجال عملهم.

الورشة التربوية:

وهى تنظيم تربوى يهدف إلى تطبيق الاتجاهات التربوية الحديثة فى حل المشكلات التعليمية بما يضمن رفع مستوى كفاءة المعلمين وبحيث يؤدى هذا إلى رفع مستوى العملية التعليمية، ويعتمد العمل فى الورشة التربوية بجانب المناقشات النظرية على البحث والتجريب، وتوزيع المسئوليات توزيعاً عادلاً، ويذكر (سيد حسن حسين)(54) أنه لنجاح الورشة ينبغى أن تقام فى الزمان والمكان المناسبين وهى كنوع من الاجتماعات يجب أن تتفق وظروف الجماعة ونوع المشكلة، وتفيد الورشة التربوية المعلمين المشتركين فيها من حيث مواجهتهم للمشكلات التعليمية التى تصادفهم، ودراستهم بطريقة جماعية، وأيضا من حيث زيادة النمو المهنى للمعلمين وتنمية روح القيادة بينهم.

   وقد تحددت(55) كيلى أهداف الورشة التربوية فى وضع المعلمين فى مواقف تساعد على إزالة الحواجز بينهم، مما يمكنهم من زيادة حسن التفاهم. وإتاحة فرص النمو للمعلمين عن طريق العمل نحو أهداف مشتركة، وتوفير الفرص للمعلمين لحل المشكلات التى تواجههم وتهمهم، ووضع المعلمين فى مواقف يتحملون فيها مسئولية التعلم، وإكساب المعلمين خبرة فى العمل التعاونى، وتعليمهم طرقاً وأساليب جديدة فى التعليم، وتوفير الفرص للمعلمين كى يتعاونوا مع غيرهم لإنتاج أدوات ووسائل للتعليم تفيدهم فى عملهم المدرسى، وتوفير المواقف التى يقوم فيها المعلمون بتقويم جهودهم وأعمالهم، وتوفير الفرص والمواقف التعليمية التى تساعد على رفع روحهم المعنوية.

البحوث التربوية:

تساعد البحوث التربوية فى تحسين النمو المهنى للمعلمين، ومعاونتهم على حل المشكلات التى تواجههم، وفى الوقت نفسه فإن البحوث تكون بمثابة دافع قوى لهم على تحسين أنفسهم مهنيا.

والمشرف الفنى باعتباره رائداً تربوياً يستخدم المشكلات التى تصادف المعلمين كوسيلة لتشجيع المعلم على النمو المهنى، ومعاونته على إعداد بحث لإيجاد أفضل الحلول فى مواجهة هذه المشكلات، بالإضافة إلى معاونة المعلمين فى التعرف على البحوث التى ظهرت نتائجها، وكيفية الاستفادة من هذه النتائج لتطبيقها عمليا والاهتمام بقراءة البحوث التى يقوم بها معلمون آخرون.

واتجاه المشرف الفنى نحو البحوث التربوية يؤثر تأثيرا كبيرا فى القيام بها، فإذا كان لدى المشرف الاهتمام الكافى بالبحوث، فإن هذا الاتجاه يصبح له أثر كبير فى إثارة اهتمام المعلمين للقيام بهذه البحوث وبناءً عليه فإن المشرف الفنى عليه أن يساعد فى تحديد المشكلة وفى اختيار أساليب البحث وفى جمع البيانات، وأن يكون مستعدا لتقديم المشورة، وفى تشجيع المعلم على نشر بحثه حتى تصبح النتائج فى متناول المعلمين الآخرين.

الندوات:

تمتاز الندوات عن غيرها من الاجتماعات بدعوة متخصص لالقاء الضوء على مجال ثقافى أو علمى أو اجتماعى أو مهنى أو فنى تسعى الجماعة إلى دراسته، وترغب فى تفسيره أو بحثه، والمشتركون فيها يشاركون المدعوين أصحاب الخبرة فى المناقشة وإبداء الرأى، كما تمتاز بأنها أسلوب تعليمى يزيد من خبرات الحاضرين ويرفع من مستواهم العلمى والثقافى والمهنى والفنى، وتفيد الندوات فى تبادل الآراء والأفكار والخبرات المشتركة والتى تسهم فى تحسين الموقف التعليمى.

المحاضرات:

تعتبر المحاضرات فرصة طيبة لإلقاء الضوء على موضوع ما فى مجال معين وذلك عن طريق الاستماع لما يقدمه الخبراء ورجال الفكر والمختصون، وعن طريقها يستطيع المعلمون إدراك ما يقدم فيها من دراسات علمية ومهنية لها قيمتها فى النشاط التعليمى، ويذكر (سيد حسن حسين)(56) أنه ينبغى إعداد دليل لكل محاضرة يتضمن العناصر الرئيسية كملخص لها يساعد المدعوين على متابعتها ثم مناقشة محتوياتها، فإذا أحسن إعداد المحاضرات تم تحقيق الكثير من الفوائد التربوية فى الموضوعات التى تتضمنها هذه المحاضرات

حلقات المناقشة:

وهى نوع من الاجتماعات تسعى إليه الجماعة النشطة للبحث والمناقشة ذلك لأن هذه الجماعة تؤمن بأن لكل فرد فيها طاقة لها قيمتها، واجتماع أفرادها فى حلقات للمناقشة له آثار طيبة فى دراسة كل ما يتعلق بمشكلات العمل والعاملين، وتمتاز حلقات المناقشة بأن كل فرد من الجماعة يشعر بكيانه وله قيمته، مما يجعله يعمل بروح الفريق فى حل المشكلات القائمة وبما يؤدى إلى النجاح فى التوصل إلى نتائج ملموسة فى الموضوعات المطروحة للمناقشة

المؤتمرات:

تعقد المؤتمرات فى مجال التربية والتعليم لتضم الموجهين أو رؤساء الأقسام ونظار المدارس والمدرسين الأوائل والمعلمين، ويختلف توقيت المؤتمرات حسب نوع المشكلة، ومقتضيات العمل، ويستطيع المشرف الفنى فى ظل هذه المؤتمرات التعرف على المعلمين، وعلى نوع العلاقة القائمة بينهم فى جو طبيعى لا تكلف فيه، حتى يستطيع مساعدتهم فى التغلب على المشكلات التعليمية التى تواجههم فى مجال عملهم.

يتضح مما سبق أن الإشراف الفنى الفعال يمارس أساليب متعددة لتحقيق أهدافه فى التنمية المهنية للعاملين فى الميدان التعليمى، ومن هذه الأساليب زيارة المشرف الفنى للمعلم فى الفصل، والاجتماعات التى تتم بعد زيارة المشرف للفصول الدراسية، والاجتماعات العامة، وتبادل الزيارات بين المعلمين، والدروس التطبيقية التى يقدمها المشرف للمعلم والنشرات، وأسلوب القراءة الموجهة، والورشة التربوية والبحوث التربوية التى يكلف بها المعلم، والندوات والمحاضرات، وحلقات المناقشة والمؤتمرات.

ومن الأمور العجيبة وتأثراً بأفكار البنك الدولى والاتحاد الأوربى، راحت وزارة التربية والتعليم تخطط لتحسين نوعية التعليم فى منأى عن تطوير هذه الأساليب فى التنمية المهنية للمعلمين، وراح البنك الدولى والاتحاد الأوربى يدعم برامج تحسين التعليم المصرى بملايين من الدولارات – كقروض لتحسين التعليم- وبشرط عدم إنفاق أياً منها فى تطوي ما هو قائم من هيئات الإشراف الفنى، بل لجأت وزارة التربية والتعليم إلى استئجار المبانى والقاعات الخاصة بأسعار قد تكون مرتفعة فى معظم الأحيان من أجل توفير أماكن للتدريب الممول من البنك الدولى والاتحاد الأوربى بهدف تحسين وتنمية مهارات العاملين بالمدارس. ولم تستفد وزارة التربية والتعليم بالطاقات البشرية المتواجدة فى أقسام التوجيه والإشراف التربوى بمديريات التربية والتعليم وإداراتها التعليمية المختلفة، ومن ثم جاءت بعض البرامج التدريبية مكررة وسريعة وبانتهائها انتهى كل شئ، فى حين لو أنفقت هذه الملايين من خلال أقسام الإشراف والتوجيه التربوى بالمدارس والمديريات والإدارات التعليمية لكان العائد أعظم.

وفى المستقبل القريب يتكرر الشئ نفسه وبصورة مختلفة حيث تتجه النية إلى إنشاء هيئات لقياس الجودة فى التعليم فى منأى عن وزارة التربية والتعليم، وقد جاءت رؤية أن مقدم الخدمة التعليمية لابد وأن ينفصل عن قياس جودتها، فماذا نحن فاعلون بأقسام الإشراف والتوجيه والتقويم؟، سوف يتكرر السيناريو نفسه الذى حدث فى البرنامج الطموح لتحسين التعليم فى مصر. ورؤيتنا أن تفعيل الشراكة المجتمعية أجدى فى مواجهة المشكلات التعليمية التى نعانى منها، فالمطلوب البحث فى إسهامات فعالة للجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والعمالية ومجالس الآباء والمعلمين، المطلوب استحضار أدوار فعالة لهذه التنظيمات الاجتماعية فى تجويد وتحديد العائد من التعليم.

وإذا كانت تنمية الإنسان من أجل ذاته ينبغى أن تظل الهدف النهائى من التربية، فإن التنمية المهنية لدى الشباب المتعلم يمكن أن تكون واحدة من الوسائل التى تؤدى إلى تلك التنمية الإنسانية، هذا ومن المسلم به أن نوعية التنمية المهنية لأفراد القوى البشرية العاملة هى نتاج لعمليات التنشئة الاجتماعية والتعليم والتدريب والخبرات الذاتية والمهنية فى المجتمع، فالصلات المتبادلة بين العمل والتربية فى أنماطها المختلفة تظهر جلية واضحة من خلال التنمية المهنية المكتسبة لدى الأفراد.

والشراكة المجتمعية – من خلال منظماتها ومؤسساتها المختلفة- تعتبر الأداة الرئيسة فى التنمية المهنية اللازمة لمتطلبات سوق العمل. والتنمية فى نهاية الأمر لها هدفاً واحداً كبيراً له ثلاثة أقطاب، وهذا الهدف الثلاثى هو أن تبلغ الفرد كمال نموه وتفتحه الإنسانى عن طريق ربطه بالحياة الاقتصادية فى مجتمعه أولاً وعن طريق ربطه بالقيم الاجتماعية فى بلده وفى العالم ثانياً، وعن طريق ربطه أخيراً بما هو فوق الاقتصاد وفوق القيم الاجتماعية، وهى القيم الإنسانية التى يصل إليها بواسطة تفتحه واستقلاله(57).

كذلك فإن بعض المؤسسات المجتمعية تساعد الأفراد إما لاكتساب مهنة معينة تمكنهم من الدخول إلى سوق العمل، أو على الأقل تهيئهم لتنمية مهنية من خلال نوع من التدريب(58).

كما أن التنمية المهنية تعتبر عاملاً هاماً فى تعزيز مصير الفرد فى المجتمع عن طريق تزويده بالثقافة المهنية التى تزيد من فرص توظيفه وعمله،ومن ثم فى زيادة مكانته فى المجتمع دائم التغير وخاصة فى البنية الاقتصادية. والتنمية المهنية لها أهمية فى إكساب الأفراد الثقافة المهنية المتصلة بالمهن المتنوعة فى سوق العمل، إلى جانب دورها فى التأثير على القيم والدوافع واتجاهات الشخصية، وهذه بدورها تؤثر فى تحسن مستويات الإنتاجية للقوى البشرية العامة.

وينشأ فى كل مجتمع من المجتمعات عدد كبير ومتنوع من أنشطة التعليم غير النظامى، حيث تشمل كل الجهود المبذولة فى ميدان تعليم أولئك الأفراد الذين لم يسبق لهم الحصول على فرص تعليمية أو أولئك الذين نالوا قسطاً محدوداً من التعليم ويرغبون فى الاستزادة من الثقافة المهنية بعد دخولهم سوق العمل، أو أولئك الذين يجدون أنه من الضرورى استكمال تعليمهم بهدف مواكبة التغيرات الجارية فى بنية المهن(59). وفى هذا المجال تنحصر مهمة هذا النوع من التعليم فى جعل الفرد أكثر قدرة على اختيار المهنة التى تناسب قدراته وميوله، وتأتى برامج الارتقاء المهنى من خلال مختلف الأنشطة التدريبية لتكسب الفرد التنمية المهنية اللازمة كمتطلبات للمهنة التى اختارها، وبجانب التدريب تلعب الخبرة المهنية دوراً هاماً فى تحسين الثقافة المهنية وتجويدها لأفراد القوى البشرية العاملة.

كما أن الفرد يمتلك خبرات ذاتية ناشئة عن عمره الزمنى، فكلما تقدم العمر الزمنى بالفرد، زادت خبراته وتحسنت مهاراته المهنية، وإلى جانب هذه الخبرات الذاتية ودورها فى التنمية المهنية للأفراد توجد الخبرات المهنية التى ترتبط بمهنة ما، وهذه الخبرات المهنية تنقسم إلى خبرات مهنية تتصل بالوظيفة الحالية للفرد، وخبرات مهنية تتصل بمجال تلك المهنة بشكل عام، إلى جانب الخبرات المهنية الناشئة عن المستوى الوظيفى الذى يتواجد فيه الفرد فى عمله، وهذه الخبرات المتنوعة تؤثر إيجاباً فى "تجويد" المهارات المهنية للفرد فى مسيرته المهنية.

وهكذا تتفاوت أدوار مؤسسات مجتمع الأمة وتنظيماته وهياكله المختلفة فى تأثيراتها فى التنمية المهنية ضمن عمليات التنمية البشرية سواءً على المستوى الفردى أو المجتمعى، بتفاوت الوسائل والمواقف والآليات المؤثرة على الفرد فى تكوينه داخل الأسرة وخارجها، وتتفاوت هذه بدورها نتيجة المعرفة المتاحة وتطبيقاتها التكنولوجية المستخدمة فى التنشئة والتعليم والتدريب والتثقيف من عالم الكبار، بدءاً من الأمهات والآباء وامتداداً إلى مؤسسات التعليم النظامى وغير النظامى، وإلى قنوات الإعلام والثقافة والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية، وقيم المجتمع ومفاهيمه ومساحة تعامله مع الطبيعة والكون(60).

ومن ثم أصبحت التنمية الثقافية والمهنية بين الأفراد ضرورة عصرية تتطلبها التغيرات والتطورات التى تحدث فى تقنيات الإنتاج وأساليبه المتجددة، إلى جانب تعدد نظم العلاقات والأدوار فى شتى مناحى سوق العمل، ويقتضى هذا الأمر تجويد المهارات باستمرار فى ميدان الإنتاجية. فقد فرضت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية الحديثة تحديات مهنية فى أغلب دول العالم، مما يستلزم إصلاحات جذرية فى برامج التنمية المهنية فى سوق العمل، ونتيجة لهذه التغيرات التكنولوجية التى تسود سوق العمل، إلى جانب زيادة أنماط التجارة الحرة، كل هذه العوامل فرضت تحديات فى إعداد العمالة الماهرة على مستوى عالمى، وهذا استدعى أنماطاً تدريبية حديثة للعاملين فى سوق العمل، منها تدريبات مهنية بالتعاون مع القطاعات الإنتاجية المتخصصة، إلى جانب تطوير مهارات الاتصال الوسيطة المعتمدة على تكنولوجيا المعلومات(61).

وقد شرعت بعض الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا فى إقامة مؤسسات تربوية غير نظامية متخصصة فى التنمية المهنية للأفراد أثناء الخدمة مثل مدارس التنمية المهنية ومراكز النمو والتطوير المهنى فى سوق العمل(62). وتعمل هذه المؤسسات على تتبع خريجى التعليم بقصد العمل على زيادة نموهم المهنى بعد مباشرة العمل فى الواقع الميدانى، وتقدم هذه المؤسسات المتخصصة فى التنمية المهنية خدماتها فى عدة أنماط منها مناقشة المشكلات المتصلة بالواقع وتحليلها وتقديم العون والمشورة للعاملين أثناء الخدمة.

كما طورت بعض الولايات الأمريكية حاسبات آلية جديدة، من خلالها يمكن تلبية الاحتياجات المهنية للعاملين هناك، حيث يمكن – ومن خلال هذه الحاسبات الآلية- الاتصال بكليات المجتمع، ويتم التعاون بين مواقع العمل وهذه الكليات فى توفير التدريبات المهنية المتعمقة للعاملين. وهكذا فإن العاملين بمواقع الإنتاج المختلفة يكونون على الدوام فى اتصال مع ما يستجد من معارف ومهارات فى مجالات تخصصاتهم(63).

وهكذا فإن القرن الحادى والعشرين قد امتلأ بكافة ألوان التقدم العلمى والثقافى والتكنولوجى فى كافة المجالات وفى كل مظاهر الحياة، وتظهر هنا أهمية التنمية الثقافية والمهنية من أجل إيجاد مواطنين مهرة قادرين على التعامل مع هذا التقدم وتلك المتغيرات، مواطنين يمتلكون قدرات عقلية عليا ومكتسبين لمهارات تكنولوجية متقدمةوممتلئين بوجدانيات إيجابية وانتمائية لوطنهم وقوميتهم وإنسانيتهم وقيمها الرفيعة، فلن يكون هناك تقدم بدون هؤلاء المواطنين المثقفين القادرين على الأخذ بأسباب العلم والتعامل مع أوجه الثقافة والتعايش مع مظاهر الحياة الجديدة المليئة بالمفاجآت.

ولنأخذ التجربة المعاصرة من أوربا فى هذا المجال، فأوربا تريده تعليماً موحداً فى جميع الدول مع 2010.. التعليم أساس بناء المجتمع.. الاستثمار فى التعليم أهم الأهداف لتحقيق التنمية.. وزير التعليم ليس له الحق فى تعديل نظام التعليم ومراحله.. البحث العلمى مسألة أساسية فى الجامعات وألا يعتبر  نقصاً لدورها التعليم فى حالة تطوير وتحديث مستمر.. اللامركزية فى اتخاذ القرار داخل المراحل التعليمية من أجل النهوض، الحاسب الآلى وتكنولوجيا المعلومات وتدريس اللغات أمور غير قابلة للمناقشة داخل المدارس والجامعات والالتزام بتدريسها.. علوم العصر الجديد لها الأولوية.. التدريب هو الأمل فى مواصلة تطوير القوى البشرية..

هذه الرؤية التى قدمتها الصحافة تتحدث عن التفوق والصرامة والشدة فى تطبيق وتنفيذ النظام التعليمى الألمانى بكل مكوناته من قبل المسئولين عنه فى كل ولاية وعلى مستوى الحكومة الفيدرالية ليس من باب الوجاهة أو الصدمة الحضارية أو من باب المقارنة، ولكن أن النظام لدى الألمان مبدأ مهم ولا تعديل فى مناهج أو نظام دراسى أو مراحل تعليمية أو امتحانات بدون دراسة تستغرق وقتاً ولا فردية فى اتخاذ القرار.. وهناك من يقومون من خلال هيئات ومؤسسات بدراسة أى مقترح قبل اتخاذ أى قرار وقبل تنفيذه لدراسة الإيجابيات والسلبيات بالرغم من أن الألمان يؤكدون أنهم تركوا التعليم دون تطوير من الستينات وحتى نهاية السبعينيات وأن أول تطوير لتعليمهم جاء عام 1980 وفى عام 1990 كانت جميع المكونات والأهداف قد تحققت أنهم ما زالوا يبحثون عن التطوير الذى يجعل لنظامهم عالمية خلال الاندماج فى أوربا، خاصة مع الأنظمة التعليمية الإنجليزية والفرنسية.

كما أن ألمانيا تبنى يومياً مدرسة جديدة ولديها 315 جامعة ومعهداً منها 82 جامعة و122 معهداً عالياً تضم 95% من الطلاب الدارسين والباقى يدرس تعليماً جامعياً حراً.. وفى كل ولاية ألمانية وزير للتعليم، وهؤلاء الوزراء يعملون جميعاً تحت قوانين أساسية لتوحيد الولايات ومجالس فيدرالية تشرف على الجميع ومن حق كل ولاية أن تقوم بالتطوير والتحديث وفقاً لظروف ولايتها ولكن وفقاً للقانون الموحد، وهنا تكون المنافسة دون تدخل مباشر من الحكومة وفرض تجارب على الطلاب والمسئولين بالولايات.. والتعليم العام والجامعى مجاناً ودون سداد أية نوع من المصروفات.. وإن وجدوا أى طالب غير قادر على استيعاب الدروس يقومون من خلال مدرسى المدرسة بإعادة شرح الدروس عقب انتهاء الدراسة اليومية أو فى الصباح المبكر أو فى أى أيام يتم تحديدها دون مقابل.. والتفوق بين الطلاب أحد الأهداف، ونتائج الامتحانات جميعها تعلن وفق النظام المعروف المستهدف على  شكل هرم "معدول" وهو الذى يؤكد نجاح النظام التعليمى وأسئلة الامتحانات المتدرجة.

وهناك هيئات ومؤسسات على مستوى الاتحاد الفيدرالى الألمانى تتعاون من أجل تفعيل الدور للمدارس والجامعات أو التدريب المهنى.. والنظام التعليمى الألمانى يظهر فى أول الأمر أنه معقد ولكنه مرتب ومحدد لأن كل ولاية تعرف جيداً دورها وأهدافها وفقاً لنظام عام ولكل ولاية الحق فى سن بعض القوانين التى لا تتعارض مع الدستور لمدارسها.. وقبل الستينيات كان هناك 6% من إجمالى من هم يتعلمون يدرسون فى الجامعات وبعد التطوير خلال الثمانينيات والتسعينيات أصبح الآن 37.5% من إجمالى المتعلمين يدرسون فى مؤسسات التعليم العالى، أما بالنسبة للتعليم العام فالجميع يتعلم . والمشروعات التعليمية وتطوير أداء المعلمين لا يتوقف حالياً حتى أصبح هناك انفجار تربوى خلال هذه المدة. وخصص للولايات الـ 16 مبلغ 4 مليارات يورو لإقامة اليوم الكامل فى المدرسة و200 مليون يورو لتحديث الأدوات والتجهيزات التقنية فى الجامعات حتى يكون النظام التعليمى نظاماً عالمياً.

وهناك تفكير فى إدخال مناهج متطورة جداً فى مجال علوم الهندسة والتقنيات والبيولوجيا وهندسة السيارات والطاقة وأن يفتح مجال التعليم أمام الطلاب دون صعوبات.. والفروق الفردية بين الطلاب تراعى، والموهوبون  تقوم الدولة بمساعدتهم.

والدراسة بالجامعات الألمانية تبدأ خلال شهر أكتوبر من خلال فصلين دراسيين والدراسة فى كل فصل من خلال المحاضرات والفصول الدراسية 4 أشهر لكل منها، والحصول على شهادة البكالوريوس الدولية تستغرق من 3 إلى 4 سنوات كحد أقصى ولكن بسبب تركيز الدراسة على البحث العلمى المتعمق فإن الكثيرين من الطلاب لا يتمكنون من الانتهاء من الدراسة خلال هذه المدة المقررة. والدكتوراه تحتاج من سنتين إلى 5 سنوات ويمكن للطالب أن يحصل على شهادة الماجستير الألمانية والدولية كمؤهلات مهنية لمدة 4 سنوات ونصف بعد الثانوية.

ويتم تدريس مواد للطلاب  الألمان لكى تساعدهم على الانخراط فى العمل مباشرة بعد التخرج ومواصلة دراستهم العلمية وتدريبهم على أحدث ما هو موجود فى العالم، وكيف يمكن للشباب أن يفكر ويبتكر ويناقش ويطرح الحلول.

كما أنه تم وضع نظام للدراسة والمناهج يختار الطالب ما يناسبه ويلتزم بالتخصص وما يحقق أحلامه وآماله وطموحه بالإضافة إلى البرامج التدريبية فى المصانع والشركات، حيث يحصل الطالب على نوعية جديدة من التعليم والتدريب بالإضافة إلى المحاضرات والندوات والمؤتمرات المتاحة بيسر وسهولة له ويتم عرض أحدث العلوم والأجهزة وكيفية استخدامها من خلال الحاسب الإلكترونى وتكنولوجياته والتى أصبحت أساسية فى كل عمل.

ويجب دائماً البحث عن المواد الدراسية الحديثة التى مكن أن تقديمها للطلاب ليكونوا أولاً بأول دارسين لأحدث العلوم هناك مثال لمادة جديدة اسمها الرياضيات الاقتصادية تهم جميع الشركات الكبرى والمتقدمة تم إدخالها عام 2003م للتدريب وتختار هذه المواد بعد أن تثسأل جميع المؤسسات والشركات والمصانع والمهتمين فى سوق العمل ماذا يحتاجون من الخريجين من تخصصات؟. وتقوم مؤسسات أخرى بدراسة هذه الاقتراحات لإدخالها فوراً للجامعة لتوافق عليها ويتم تدريسها لأن هذا هدف أصيل داخل الجامعات،وكذلك تخصصات جديدة فى مجال الطب حيث تم بإنشاء معهد ومركز متخصص فى زرع الأعضاء وكذلك تخصص بيولوجيا الخلايا وتخصصات أخرى فى القلب والمعدة، فدور الجامعة ليس تخريج طلاب لسوق العمل فقط فهذا دور أسهل كثيراً من أى عمل آخر، بل التحدى الحقيقى كيف يتم تخريجه أى مهارات خريج الجامعة ومعارفه، والبحث عن أحدث العلوم ليتعلمها ليكون لديه قدرات ومهارات تساعد فى العمل توظيف بعد التخرج بالإضافة إلى معرفته بأحدث الأدوات والتجهيزات التقنية حتى لا يفاجأ بها ويصبح جاهلاً داخل عمله. وهذه تعتبر سمعة غير جيدة للجامعة التى تخرج فيها.

كما أن الجامعات داخل ألمانيا ليست متشابهة فى نوعية الدراسة، ولكل جامعة تميز فى بعض العلوم عن الجامعة الأخرى وهو الذى يعطى المنافسة والتميز والتخصص ومن حق أى طالب فى أى ولاية أن يلتحق بأى جامعة فى أى ولاية أخرى فى العلوم التى يختارها ولكن وفقاً لشروط يتفوق بها فى بعض العلوم خلال المرحلة الثانوية. والتطور فى البحث العلمى بشكل مستمر ليس على المستوى القومى فقط بل والدولى إلى جانب دعم الباحثين والعلماء خاصة من الشباب من أجل زيادة التبادل العلمى.

وعن التعليم العام بالمدارس فعند زيارة المدارس يلاحظ أنها تم بناؤها على أساس مخطط ولها قدرة استيعابية بحيث يكون الحد الأقصى 30 طالباً فى الفصل الواحد ولا يتم تجاوزها مهما كانت الأسباب، وداخل المدرسة الواحدة أكثر من ملعب يمارس فيه الطلاب تقريباً معظم الألعاب الجماعية والفردية وأماكن متخصصة ليتعلمون الفنون والموسيقى والرسم والنحت ولا يتركون أى نوع من الهوايات التى يمكن اكتشافها فى الطلاب إلا وخصص لها مكان بل وتعيين مدرسين هدفهم دائماً اكتشاف هذه المواهب من خلال متابعتهم بشكل مستمر.. أما المدرسون القائمون على التدريس فهم نوعية تعى جيداً  دورهاً ولا تخرج عنه وتبذل أقصى جهد من أجل ترقية المعارف والمهارات بين طلابهم.

كما أن أى شخص فى ألمانيا لا يستطيع أن يقوم بمزاولة أو ممارسة أى مهنة يختارها إلا بعد أن يحصل على شهادة التدريب المهنى ومدتها 3 سنوات حتى ولو كان يريد ممارسة أى عمل مثل أن يصبح حلاقاً أو سباكاً أو غيرها. ويتم هذا التدريب من خلال معاهد متخصصة وهذا التعليم يسمى الثنائى حيث يتقدم من يريده أو يتعلم من خلاله ويحصل على الشهادة فيتم إعداد امتحانات للتقدم تناسب قدراته ومؤهلاته سواءً أكانت عقلية أو جسمانية أو غيرها ويختار وظيفة من بين 350 وظيفة معترفاً بها داخل ألمانيا ولا يمكن لأحد أن يخترع أو يحدد وظيفة إلا وتكون الحكومة قد حددتها فيظل 15 شهراً للتدريب بالمصانع والشركات و18 شهراً للدراسة بالمعهد وبعد مرور عام ونصف عام يعقد امتحان النجاح فيه شرط للتقدم إلى الفصل الدراسى الثانى وأحدث الوظائف الموجودة حالياً وظائف حماية البيئة فى ثلاثة مجالات هى الصرف والمجارى والنفايات والتلوث، والنساء يدرسن لكى يصبحن فى وظيفة حلاق أما الرجال فيتجهون دائماً للعمل فى المصانع والورش الكبرى.

وفى جانب آخر فإن التنمية البشرية المأمولة لا يمكن أن تتحقق دون أن تكون هناك نظام جديد للرعاية الصحية تكفل حصول المواطنين كافة- ودون استثناء- على الرعاية الصحية الأساسية من خلال شبكة متكاملة للتأمين الصحى، واتباع سياسة دوائية مبتكرة تعزز من صناعتنا الدوائية،وترشد من استيرادنا للأدوية من الخارج.

كما أصبح حتمياً التوصل إلى حلول غير تقليدية لمشكلة الزيادة السكانية، يؤمن بها المجتمع ويعمل على تحقيقها، على نحو يطور من المفاهيم الشعبية التى تربط بين حجم الأسرة ودخلها، وبناء قناعة راسخة لدى المواطن المصرى، أن المشكلة السكانية لم تعد مشكلة تؤرق الدولة فقط، بل أصبحت خطراً جسيماً يهدد طموحاته وآماله تهديداً مباشراً،ويحول دون قدرات الدولة والمجتمع على تحقيق أهداف التنمية المنشودة.

ولا يمكن تحقق الشراكة الجادة بين المجتمع والدولة دون أن يكون للشباب والمرأة دور محورى فى المشاركة السياسية الفاعلة، التى تتطلب منهجاً متطوراً للثقافة السياسية، وترسيخ مفاهيم جديدة تحفزهم على الدخول فى مجالات العمل المنتجة، وتشجيعهم على المشاركة فى العمل التطوعى الهادف للارتقاء بالمجتمع. وعلى الدولة أن تبادر بدفع الكفاءات القادرة والمؤهلة منهم لتولى المسئولية فى موقع العمل الحزبى والحكومى المختلفة. بما يحقق مزجاً متفرداً بين الخبرة الطويلة والرؤى الجديدة، ويقدم نموذجاً للتلاقى بين خبرة الماضى وحماس المستقبل.

ويستوجب ذلك أيضاً إزالة كافة أنواع التمييز ضد المرأة، ليس فقط من منطلق مساواتها بالرجل، ولكن من واقع قناعة الدولة والمجتمع بقدرتها على المشاركة الإيجابية كشريك أساسى فى التنمية، فى إطار من توحيد المعايير والتشريعات والإجراءات التى لا تفرق بين الفرص التى يحصل عليها المواطنون إلا بقدر استعدادهم لتحمل المسئولية وقدرتهم على اكتساب الخبرات والمهارات اللازمة للمشاركة فى عملية التنمية.

وقد شهدت الفترة الأخيرة من مسيرة المجتمع المصرى إصلاحاً اقتصادياً واسعاً وانفتاحاً متزايداً على العالم الخارجى،مما عزز من القدرة على التعامل مع قضايانا الاقتصادية المتشابكة، وأهمها مواجهة الزيادة السكانية، وتشجيع الصادرات وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وتحديث الصناعة الوطنية بما يضمن مزيداً من الجودة وفتح المزيد من الأسواق العالمية، وتطوير النظم الضريبية والجمركية، وتحقيق المزيد من الاستقرار فى سوق الصرف الأجنبى، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص فى التنمية.

2- تنمية عوامل الالتزام لدى أفراد المجتمع المصرى:

يشير مفهوم الالتزام إلى مطابقة القول للعمل، وهو مفهوم مركب من عدة مناحى، فالالتزام يترتب عليه المسئولية، وهذه المسئولية يترتب عليها العمل والذى يترتب عليه الجزاء. ويعد الالتزام (بمقتضى القيم الإيمانية) من المؤشرات الإيجابية فى التعريف بمعايير السلوك الإسلامى، إذ أنه يشير إلى مجموع هذه الالتزامات (المسئولية والعمل والجزاء من الفرد المسلم) كما جاءت فى الأوامر والنواهى التى اشتمل عليها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وما اشتملت عليه من مبادئ وأحكام تحدد مجموع هذه الالتزامات ومدى امتثال الفرد الواعى وتطبيقه لهذه الالتزامات،وكما طبقها السلف الصالح(64).

والالتزام تكليف للنفس من داخلها- فى ضوء عقيدة تلزم الإنسان بهذا الميثاق أو العهد كما جاء بهذه العقيدة- باحترام كرامة الإنسان وحريته وحرماته وصيانة دمه وعرضه وماله وعقله ونسله بوصفه إنساناً وعضواً فى مجتمع(65). هذه الصفات الملزمة للفرد تتحقق من خلال مجتمع ملتزم بعقيدة – أى ملتزم بميثاق أو بعهد يطبق على الجميع. وفى المجتمعات الإسلامية لا يتصور أحد أن يتحقق الالتزام المنشود إلا فى ظلال مجتمع ملتزم بعقيدة الإسلام(66).

ويرتبط مفهوم الالتزام بالإنسان وضميره، فالضمير هو من أخص ملكات الإنسان، وهو شعور يظل مكنوناً داخل النفس البشرية، ولا يمكن لإنسان أخر أن يتدخل فيه، أو يطّلع عليه، إنما الله سبحانه وتعالى هو الذى يطّلع عليه، وهكذا فإن الضمير يراقب أفعال المرء ويجعله ملتزماً، ويقف وراء حزنه وفرحه، فالإنسان الذى يرضى ضميره عما فعله والذى يندم على ما ارتكبه يكون مرتاحاً وسعيداً. وهكذا فالضمير عبارة عن شمعة تضئ للإنسان طريقة وسط متناقضات الحياة وأحكام البشر المتضاربة، والمذاهب والآراء المتعارضة، والإنسان الملتزم دائم الكفاح مع نفسه، وهذا الإنسان هو الذى يبدأ بإعلاء مكانة ضميره وجعله يقظاً دائماً.

ومن العوامل المساعدة فى تربية ضمير المرء وجعله يقظاً دائماً مدى ما يطرح، عن حقوق المواطنين ومدى تضافر جهود الكفاءات الوطنية لصياغة تنظيمات حقوق المواطنين المدنية والسياسية والاجتماعية فى شكلها الصحيح، والذى يضمن التوازن بين كمال التنظيم وكلفته التى تفرضها الحريات الفردية ومصالح المجتمع، فى ظل التحولات الخطيرة التى تحتاج العالم، وهو أمر بالغ الدقة والصعوبة، لكنه الطريق الوحيد لتجنب الممارسات الفردية البربرية المطلقة، وإحياء مكانة الضمير الإنسانى.

ومن العوامل المهمة فى تربية الإنسان الملتزم إعلاء قيم الحوار ومنها الحوار الدينى، فهو جزء من الحوار بين الحضارات ولا يمكن عزله عن أشكال الحوارات الأخرى لأن الحضارات فى كل مكان فى العالم قامت أساسا على قاعدة من الدين ولا يزال الدين حتى اليوم أحد المكونات الرئيسية للحضارات بالإضافة إلى اللغة والتاريخ والثقافة.

والعالم يشهد الآن حروبا لها مظهر عرقى أو اقتصادى أو سياسى أو غير ذلك من مسميات، ولكن خلفيتها دينية بالدرجة الأولى، والحوار الدينى بالمعنى الصحيح لهذا المفهوم لن يكتب له النجاح إلا إذا كان مبنيا على أساس من الاحترام المتبادل والمساواة التامة بين جميع الأطراف دون أى لون من ألوان التشويه أو التزييف.

ومما ينبغى التنويه به أن الإسلام قد أعلن المبادرة الأولى للحوار بين الأديان منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان وذلك فى دعوة القرآن إلى الحوار فى قوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64).

وإذا كان أساس هذه المبادرة يعد أساسا دينيا فى المقام الأول فإنه يمكن أن ينظر إليها من جانبين: أحدهما أنسانى والآخر دينى.

أما الجانب الإنسانى فإنه يرجع إلى أن الناس جميعا قد خلقوا من نفس واحدة ولذلك يقول القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(النساء:1)، ومن هنا فإنه ليس هناك مجال للفروق المصطنعة التى تفصل بين البشر، فكلهم من أصل واحد.

أما الجانب الدينى فإنه يرجع إلى أن الناس جميعا مخلوقون لله الذى جعلهم مختلفين فى أعراقهم وعقائدهم ولغاتهم، ولكنه أراد فى الوقت نفسه أن يجعل من هذا الاختلاف منطلقا للحوار والتعاون وتبادل المنافع فيما بينهم وليس سبيلاً للنزاع والشقاق، (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(المائدة: من الآية2). فالاختلافات بين البشر فى الدين أو الجنس أو اللغة لا تعنى إلغاء المساواة بينهم وإنما تعنى تأكيد الخصائص المميزة لكل شعب، تماما مثلما هو الحال لدى الأفراد.

كما أن الإسلام يعتبر الاعتداء على فرد واحد من  أفراد البشر بغير حق بمثابة اعتداء على البشرية كلها، كما جاء فى القرآن الكريم: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" (المائدة: 32).

ومن حرص الإسلام على الحوار المثمر والتعاون البناء بين البشر إرجاع الأمور الخلافية بين الناس فى عقائدهم إلى الله وحده يوم القيامة كما جاء فى القرآن الكريم: (إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ شهيد (الحج: 17)، وما دام الأمر كذلك فإن على البشر إذن من مختلف الأديان أن يتفرغوا فى هذا العالم للتعاون فيما بينهم من أجل خير البشرية كلها.

ومن أجل ذلك أكد الإسلام حرية العقيدة تأكيدا لا لبس فيه ولا غموض "لا إكراه فى الدين" (البقرة: 256).

وفى قوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) (الكهف: من الآية29)

إن هذا الموقف الإسلامى المتسامح مع كل الناس من كل الأديان يرفض رفضا قاطعا كل أشكال العنف أو الإرهاب أو الاعتداء على حقوق الإنسان بأى شكل من الأشكال، ولكنه يقف فى الوقت نفسه بجانب المظلومين أفراداً كانوا أو شعوباً حتى يحصلوا على حقوقهم الإنسانية المشروعة، ويسهموا مع بقية الشعوب فى إقامة صرح السلام فى العالم.

ولا يكتفى الإسلام بتعليم اتباعه التسامح بوصفه شرطاً أساساً من شروط السلام الضرورية للمجتمع الإنسانى، بل يطلب الالتزام بالسلوك الإيجابى الذى لا يقبل بالأخر فحسب، بل يمد إليه يد التعاون ويحترم ثقافته وعقيدته وخصوصياته الحضارية ما دام الآخر لا يعتدى على المسلمين.

وهذا ما يؤكد عليه القرآن الكريم فى قوله: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).

واحترام الإسلام للتعددية الدينية والثقافية أمر أكده النبى عليه الصلاة والسلام فى دستور المدينة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان ولم يكن ذلك مجرد كلام نظرى بل كان وسيظل دائماً واقعاً معاشاً فى المجتمع الإسلامى.

ولا عجب فى ذلك حيث إن كلمة الإسلام مشتقة فى اللغة العربية من نفس الأصل الذى اشتق منه لفظ السلام، ومن أسماء الله فى الإسلام "السلام" وتحية المسلمين فيما بينهم هى السلام، والمسلمون يختمون صلواتهم خمس مرات يوميا بالاتجاه بأمنيات السلام لنصف العالم يمينا ثم لنصفه الأخر شمالا.

إنه إذا كان يوجد بين المسلمين بين حين وأخر بعض الدعاة إلى التطرف فهذا أمر له نظيره فى كل الأديان والحضارات ولا صلة له بالإسلام كدين، ولا يجوز التعميم فيه أو نسبته إلى الإسلام بأى حال من الأحوال.

والأمل معقود على كافة التنظيمات المجتمعية فى النهوض بمسئوليتهم ونشر ثقافة السلام بين أفراد المجتمع، من أجل توفير حياة كريمة للأجيال الجديدة التى لم يكن لها ذنب فى أى نزاعات حدثت فى الماضى بين اتباع الأديان.

كما أن الشريعة الإسلامية سبقت جميع الشرائع فى إقرار حقوق الإنسان، سواءً أكانت حقوقاً عامة مثل حق الترشيح للمناصب، وحق الانتخاب، أو غيرها من الحقوق الخاصة مثل حق الملكية، وحق العمل، وحق التنقل، وحقه فى سلامة بدنه.. أو حقوقا اجتماعية أو اقتصادية، كحقه فى الدولة بأن توفر له عملاً كريماً يتعيش منه، أو تجرى عليه رزقا "مرتباً ثابتاً" حتى يجد عملا يتعيش منه هو ومن يعول، ولم يقف الأمر عند حق تقرير هذه المبادئ من الناحية النظرية.. سواء أكان فى القرآن أو السنة النبوية، بل أوجدت الشريعة الإسلامية من الآليات والوسائل ما يمكنه من الدفاع عن هذه الحقوق،  منها منصب "صاحب المظالم" وهذا المنصب مهم فى الدولة الإسلامية، ويختص بالتحقيق فى شكاوى المواطنين، إذا ما اعتدى أحد على حقوقهم، وهذا المنصب يجمع صاحبه بين عدالة القاضى وهيبة الوزير.. وهو منصب يعلو على منصب القاضى.. ويقل عن الوزير. وكلنا يعلم قصة المواطن المصرى حينما كان فى مسابقة "للجرى" مع ابن عمرو بن العاص" "والى مصر" آنذاك وعندما غلبه المصرى صفعه ابن الوالى على خده فاشتكى المواطن المصرى إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه فاستدعى الوالى وابنه وطلب من "المضروب" أن يقتص لنفسه من ابن الوالى، وبعد ذلك تم إنشاء منصب صاحب المظالم.

وهناك منصب أخر هو "المحتسب" وهو أيضا لحماية حقوق الأفراد ضد من يعتدى عليها، ويشبه هذا المنصب ما استحدثته أوروبا من تشريعات، وكذلك المحكمة التى أنشأنها الاتحاد الأوربى حديثا لمحاكمة من يعتدى على حقوق الإنسان. غير أن هذه المبادئ والنظم للأسف الشديد لم يتم تطبيقها عمليا من بعض الحكام المسلمين فى مختلف العصور مما أظهر الإسلام فى نظر الأوروبيين والأمريكيين بمظهر النظام الذى لا يهتم بحقوق الإنسان.

وعلينا الآن أن نعود إلى ذاتنا الإسلامية، ونطبق نظامنا الإسلامى، معيدين منصب المحتسب، وصاحب المظالم.

وهكذا فإن "مصطلح حقوق الإنسان" بالنسبة للإسلام، مصطلح جديد لحقوق قديمة، فالإسلام  يعرف حقوق الإنسان منذ تمام الوحى الإلهى فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية.. وكل ما ورد فى مواثيق حقوق الإنسان فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر فى 10/12/1948م، وما ورد فى الاتفاقيتين الصادرتين عن الأمم المتحدة للحقوق المدنية والسياسية، وله أيضا الحق فى الكفاية فى معيشته، وحق المجتمع فى أن يكفل الفرد بعمله الصالح، وكل هذه الحقوق لها نصوص قاطعة فى الإسلام، فالقرآن الكريم يقرر (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ) (البقرة: من الآية256)، والسنة النبوية تمنع التفتيش والتحرى عما فى الضمائر، والإنسان له الحق فى حماية حياته فقد جعل القرآن الكريم حياة الفرد تمثل حياة المجتمع كله، عند الاعتداء عليها أو إحيائها.. فالله تعالى يقول (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة: من الآية32)، ويقول الله تعالى:  (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء: من الآية29).

وكذلك فالإنسان له حرية العمل، وحرية التنقل، ولقد دعانا الله إلى الانتشار فى الأرض، وكذلك دعانا إلى المشاركة فى العمل والرأى والفكر والأمور العامة. كقوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى: من الآية38)، وهذه الحقوق لا يختلف فيها الرجل عن المرأة، ولا المتعلم عن طالب العلم، فالحق فى المساواة هو من حقوق الإنسان فى الإسلام كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ )(النساء: من الآية1).

وفى التشريع الإسلامى لا مجال للتفاضل بين الناس إلا من خلال المعيار الحقيقى والصحيح وهو التقوى، والعمل الصالح، فليس هناك أفضلية فى الجنس ولا غيره، فالمساواة فى البشرية لا يرد عليها أى قيد.

كما أن مفهوم الحرية، لا سيما الحرية الشخصية، لدى الغرب بالذات يشمل حرية الإنسان فى التصرف فى جسده، وعرضه وماله بغير قيد ولا شرط، بينما الإسلام- يضع ضوابط لمفهوم الحرية، فيجعلها فى خدمة حياة الإنسان، ورفعة شأنه والقيم العليا.. وهناك أيضا فى مفهوم حرية الرأى تشريع إسلامى يجعلها فى خدمة الفكر والعلم الذى ينفع البشر.

وتطبيقا لذلك فإن حرية الفرد رجلا كان أو امرأة حرية كاملة فى التصرف فيما ينفعه وينفع المجتمع، وليست حرية مطلقة فى اتباع الشهوات وتحصيل الملذات، كما أن الشرع الإسلامى منذ أكثر من ألف سنة، يعطى الإنسان حقاُ فى أن يكفله المجتمع فى حالة العجز والفقر.

ويعطى الشرع الإسلامى أيضا حقا فى إبداء المشورة والنصيحة، وإعلان الرأى فى المسائل العامة، ولذلك فإن كرامة الإنسان المنصوص عليها فى القرآن الكريم تستوجب حقه فى حرية التصرف، والاعتقاد، وإبداء الرأى، والمشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. كل ما ورد فى هذه المواثيق من حقوق الإنسان موجود بوضوح فى البيان التشريعى للإسلام.

ويلاحظ أيضا أن ما ورد فى الإعلان العالمى عن كرامة الإنسان هو ترديد لما جاء فى الآية الكريمة (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)(الاسراء: من الآية70)، وما ورد من مبادئ حقوق الإنسان يعترف به الإسلام بنصوص واضحة.. والمبادئ لا خلاف عليها مطلقا.

وفى جانب آخر من جوانب الالتزام يرى علماء الإسلام أن الدعوة إلى السخاء والكرم والبر والأمر بالمعروف، هى من صميم مبادئ الإسلام المقررة، ومن أهم ما يقوم عليه بناء المجتمع الإسلامى، ولهذا كانت إجابة الدعوى إلى الإنفاق، والبذل والعطاء ضرورية وهامة، بحيث لا يصح التهاون فيها، ولا التباطؤ أو التسويف فى مجالها، وكانت نظرة الإسلام إلى الذين يدعون إلى الإنفاق فى سبيل  الله فيواجهون الدعوة بالبخل، كانت النظرة إلى هؤلاء مشددة، فإن بخلوا فإن نتيجة البخل أليمة، وأن أعرضوا عن دعوة نبيهم، فإن عاقبة الأعراض وخيمة، حيث يستبدل الله قوما غيرهم، قال الله تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد:38)

وهناك دعوة الإسلام إلى البذل والإنفاق وضرورة أن تتسم بالمسارعة والأداء فى حالة الصحة لأن الإنفاق فى هذه الحالة دليل على صدق نية صاحبة، وعلى إخلاصه، وهذا بخلاف حال من أشرف على الموت، فإن صدقته تكون ناقصة بالنسبة لحالة، وهو صحيح البدن، قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(المنافقون10، 11).

إن الإنسان فى حال صحته وتمام قوته، يكون من الصعب عليه أن يخرج ماله، لأن الشيطان حينئذ يزين له الحياة، وإمكان طول العمر، وأنه قد يحتاج إلى هذا المال، وتنشأ دوافع السوء والتكالب على الحياة والبخل بالمال، ومن مخافة الفقر، ومن الأمل الطويل فى الحياة، قال الله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة:268).

وكذلك من سمات دعوة الإسلام إلى السخاء والبذل، توضيح حقيقة الأمر، وبيان أن المال مال الله، وإننا مستخلفون فيه، وأن ما نقوم به من إنفاق فى وجوه البر والخير، وفى صنائع المعروف، هو الباقى، بل هو الذى يصح تسميته بأنه مالنا، لأننا ادخرناه ليوم الحاجة الكبرى، وأما ما جمعناه أو اكتنزناه فهو مال الورثة وليس مالنا، كما جاء فى قول الرسول r: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله" قالوا : يا رسول الله  ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر" رواه البخارى. ومصداق هذا قول الله تعالى (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (النحل: من الآية96).

وكم زين الشيطان لكثير من الأغنياء وأصحاب الثراء الوافر، أن فى الإنفاق والبذل نقصاً، وإن فى السخاء والكرم وتقليلاً للثروة، فيخشون الفقر، ويحرصون على المال، ويضنون به على أصحاب الحقوق، وكم حسب أصحاب الثروات أموالهم وعرفوا ما عليهم من زكاة مالهم، ولكنهم عندما يرون أن ما يجب عليهم إخراجه جزء كبير، ومبلغ ضخم من المال، يتراجعون عن الزكاة، ويستكثرون إخراج مثل هذا المبلغ، فيبخلون، ويمتنعون عن الزكاة، والإنفاق لظنهم أن الإنفاق أو الصدقة تنقص المال، ولكن الحقيقة، تخالف ذلك فالرسول صلوات الله عليه وسلامة يقول:" ما نقص مال عبد من صدقه، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله بها عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله باب فقر" رواه ابن ماجه.

نعم إن المال لا ينقص بالصدقة، بل يزداد ويبارك الله فيه ويخلف على صاحبه الذى انفق فى سبيل الله، أما الذى ضن به وامسكه فأنه لا يبارك فيه بل يصيبه التلف والضياع والخسران، ويكون ماله هذا هو زاده إلى جهنم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا فيه ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم اعط منفقا خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفاً" رواه البخارى.

إن السخاء والكرم، والبذل، والإنفاق، من أهم ركائز الالتزام فى الإسلام، من خلالها يقوى المجتمع، ويتعاون الأفراد، ويسعون لصالح الفرد والجماعة متعاونين على البر والتقوى، وبها يقترب الإنسان من ربه ويقترب من قلوب أخوته المسلمين، ويقترب من الجنة ويبعد عن النار، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السخى قريب من الله، قريب من الناس" قريب من الجنة، بعيد عن النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد عن الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، والجاهل السخى أحب إلى الله من عابد بخيل" (رواه الترمذى).

ومن جوانب الالتزام فى الإسلام الرحمة بين الناس، وهناك ارتباط وثيق بين الحرية والمسئولية والرحمة، فالحرية أساس المسئولية، ويتصل بهما- أى بالحرية والمسئولية قيم" "الرحمة، والمودة وحسن الخلق"، فمن كلمات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، (إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم)، (ما زال جبريل يوصينى بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه)، (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، (من دل على خير فله مثل أجر فاعله)، (علموا، ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت)، (ما من شئ فى الميزان أثقل من حسن الخلق)، (خصلتان لا تجتمعان فى مؤمن: البخل وسوء الخُلق)، (كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق)، ( لا ينبغى للمؤمن أن يكون لعاناً)، (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا)، تلك بعض القيم التى تنشر الرحمة بين الناس، والتى يجب أن نلتزم بها فى التعامل مع بعضنا البعض، كما يجب على كافة التنظيمات المجتمعية العمل على تنمية هذه القيم لدى الأفراد.

هذا وقد ترك الفكر الفلسفى الغربى تأثيراته الواضحة فى التزام أفراد المجتمع الغربى فى القول والعمل، فالالتزام عندهم يهتم فى المقام الأول بالنظام، وخلاف ذلك مما لا يتعارض مع النظام، فالناس أحرار، ويجب أن يكونوا أحراراً، حتى يمكنهم أن يتعرفوا على أى القيم أفضل للأخذ بها.

وقد رأى (كارل ياسبرز) (Karl Jaspers) أن الحرية تمثل المسألة الأساسية فى مدى التزام الفرد ضمن إطار من الحياة الكريمة، على أن حرية الاختيار لا تقترن برؤية أو عقيدة ولا تكون مسبوقة بتبرير أو تحديد لغاية أو معرفة ببواعث، وهذه هى الحرية الإنسانية المسئولة، فالإنسان- من وجهة نظر (كارل ياسبرز)- صانع مصير ومحدد أفعاله، وهو حر فى اختيار معيار الالتزام لمنظومته الأخلاقية(67). ويرى (كارل ياسيرز) أن الحرية الحقيقية تؤدى إلى مشاركة جادة فى المناشط مع الآخرين، ونحن كأفراد أحرار علينا أن نلتزم بحريات الآخرين، على أن المشاركة مع الآخرين يجب أن تظل تفاعلاً صادقاً، وليس تجمعاً غير ملتزم للمجموعة(68).

وتشغل مسألة الحرية بالنسبة للإنسان مركزاً رفيعاً وهاماً لدى المفكرين المصريين الذين أدركوا الارتباط الوثيق بين ازدهار العلم وتوفير الحرية، وبين انحطاط العلم وشيوع الاستبداد، فالاستبداد يفسد الأخلاق ويعيق التربية ويجعل من التعليم أداة تحيل الأفراد إلى نعاج لا يهمها من أمر الدنيا إلا سد رمقها(69).

ومن وجهة نظر الفكر الإسلامى فإن مبدأ الحساب والجزاء يعنى أن الإنسان محاسب على عمله مع ربه ومع نفسه ومع الناس، ولا ينجيه من الجزاء السيئ إلا الالتزام بتطبيق مبادئ الإسلام فى كل كلمة يقولها وفى كل عمل يقوم به، حتى فى الصمت والترك، لأن ذلك هو السياج الأمين المتين فى المجتمع كله، وما دام المجتمع أفراداً فى الأصل، فإن المجتمع لا يستفيد بشئ مثل ما يستفيد بأن يلتزم أفراده بأدب الإسلام فى القول والعمل(70).

ومن أهم عناصر الالتزام فى الفكر الإسلامى شعور المرء بالكلمة الطيبة والتمسك بالحديث بها والتى ضربها الله مثلاً للشجرة الطيبة ذات الأصل الثابت فى السماء تؤتى من الخيرات كل حين بما يأذن الله لها به، ومن أجل أن يكون الكلام فى الناس طيباً مرضياً لله تبارك وتعالى، فإن هذا الكلام يجب أن يكون ليناً، ويجب أن نختار ألفاظه بدقة، ويجب أن يكون محبباً إلى كل من يسمعه من الناس لما يشتمل عليه من الخير واللين والحكمة(71).

والعجيب أن معظم دول العالم المتقدمة انتبهت إلى تأثير الكلمة الطيبة فى تعامل الناس بعضهم مع البعض الآخر، وراحت تنظيماتهم المدرسية والاجتماعية والمهنية تُعَّود الأفراد هناك على (لازمة محددة) هى أن تبدأ كلماتهم بكلمة (من فضلك) (Please)  ثم تتوالى كلمات المناقشة، وتنتهى جملتهم الخطابية دائماً بكلمة (شكراً) (Thank You)، ومن ثم اختفت العصبية فى المناقشة والجدال غير المفيد، عكس ما هو حادث فى مجتمعاتنا العربية من ألفاظ خشنة وجدال ممقوت، وأصوات عالية أثناء المناقشات وغياب أدب الحوار.

أما الالتزام فى العمل – من وجهة نظر إسلامية- فينبغى أن يبنى على قواعد وآداب مثل إحسان الظن بالناس والرحمة بهم والإحسان إليهم وتقديم العون لهم والعمل على نفعهم فى دينهم ودنياهم، فالمجتمع الذى يسوده حسن الظن بالناس يأمن فيه كل واحد على نفسه وعلى سيرته وسمعته، وذلك هو نوع من الأمن قلما يتوفر إلا فى المجتمع الذى التزم أفراده بإحسان الظن فى الناس. إن المجتمع الذى يلتزم فيه كل شخص بإحسان الظن فى الآخرين هو المجتمع الذى يتمتع بأرقى العلاقات الإنسانية وأنقاها، وأبعدها عن الأخطاء والعداوة وأكثرها حرصاً على صون أعراض الناس(72).

ويتضمن الالتزام أيضاً دعوة عامة إلى تقديم العون للآخرين، على أن تقديم هذا العون قد يكون بأيسر الأمور، فقد يكون فى تبسم المرء أو طلاقة وجهة، وقد يكون أمراً بمعروف ونهياً عن منكر، وقد يكون بإرشاد ضال ودلالته على ما يريد، وقد يكون بالكلمة الطيبة، وقد يكون بالاهتمام بأمور الناس، وقد يكون بتلمس الأعذار حتى عند حدوث خطأ غير مقصود. ومن جوانب الالتزام التى ينبغى أن يتحلى بها الإنسان هى التزامه نحو بيئته التى يعيش فيها مع غيره، فعدم التزام الإنسان وتماديه فى العبث بالبيئة أدى إلى اختلال التوازن بين عناصر البيئة المختلفة، فالضوضاء زادت بشكل واضح فى الحياة المعاصرة نتيجة الأصوات الصادرة من وسائل النقل التى تجرى فى الطرقات، وكذلك الأصوات الصادرة من الآلات المستخدمة فى أعمال الحفر والبناء، إلى جانب الأصوات الصادرة من مختلف المحال التجارية والصناعية ويتداخل مع هذا كله الأصوات العالية الصادرة من أجهزة الإذاعة والتليفزيون والتسجيلات المنتشرة فى المقاهى والمحال التجارية فى الشوارع. هذا والمحافظة على بيئة الإنسان مسألة لا تنظمها القوانين والتشريعات الحكومية وحدها، إنما هى مسألة ترتبط بمدى التزام الإنسان بصيانة بيئته والمحافظة عليها، فالتزام المواطنين هو الذى يجعلهم يحترمون القوانين بوازع داخلى منهم وبرغبة من أنفسهم. وتظهر هنا أهمية الشراكة المجتمعية فى التصدى لتمادى البشر وعدم التزامهم نحو المحافظة على البيئة التى يعيشون فيها وصيانتها من مصادر التلوث فى كافة أشكاله.

هذا واجتياز أزمات الأمم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يتوقف على التربية المنظمة والمنضبطة والتى تكون أهم مخرجاتها الفرد الملتزم فى البيت والعمل والشارع وفى أى مكان يتواجد فيه. هذا الإنسان الملتزم يتميز بالوعى بدوره والمتفهم لمستلزمات نماء شخصيته، متفتح العقل والعين، يحرس مجتمعه بالنقد البناء الهادف، يشارك الآخرين ويوجههم بإيجابية، هذا الفرد الملتزم تعود النظام والقدرة على النقد وتنظيم الأفكار.

ومن المهم أيضاً أن يكون للقانون قوة يرد الناس عما يضرون به أنفسهم، ويتعلمون من خلاله الالتزام فمثلاً فى تربية الالتزام لدى الأفراد نحو مواجهة التزايد السكانى فإن إعانات غلاء المعيشة يمكن أن تعطى عن الطفل الأول ولا تعطى عن الثانى أو الثالث! هذا فهم واع لاستخدام القانون فى التزام الأفراد نحو تكوين أسرة صغيرة، كما أن لقانون العمل دوراً أساسياً فى إلزام الناس بالصواب لأنفسهم فى مسألة انفجار التوالد بغير وعى- واجب على القانون أن يكون صارماً فى تحريم عمل الأطفال، حماية لهم فى المقام الأول، ولرد ذويهم إلى الصواب وإعلامهم سلفاً أن التعايش على حساب الأطفال والصبية لا يتعارض فقط مع واجب الأباء والأمهات، وإنما يحظره القانون حظراً لا مجال للترخص فيه!!.

ويتصل بإلزام أفراد المجتمع المشاركة فى حل المشكلة السكانية، تلك القضية البالغة الحساسية والخطر، الالتفات الواعى إلى المكون العاطفى والمكون الادراكى لقطبى الأسرة المصرية، المكون العاطفى يدفع نحو الإنجاب، والمكون الادراكى صمام واقٍ من الإسراف فيه، والتوازن بين المكونين العاطفى والإدراكى هام وضرورى ولازم، والحاجة إليه أكثر فى مجتمعات الفقر والجهل حيث يبرز إضافة إلى هذين المكونين مكون ثالث هو "المكون الشهوى" عوضاً عن تقليدية الحياة، فيزداد الانجراف والاندفاع فيما لابد أن ينعكس على تزايد الإنجاب.

ولقد قطعت الدعوة الدينية مساحة كبيرة حتى الآن سواءً فيما يتعلق بمعنى ومقصود "المباهاة" بكثرة النسل، أما فيما يتعلق بموازين العلاقة والواجبات بين الزوجين- أو فيما يتصل بمناسبة أو ملاءمة "تنظيم النسل" لظروف كل أسرة طبقاً لصلاح أحوالهم وتمكينا لها من حسن تربية وتنشئة أطفالها والارتقاء بالأجيال من خلال هذا الرشد الواجب فى فهم "النسل" على أنه مسئولية تحتاج إلى مقومات لابد من توفرها وتوفيرها!.

فى مجتمعنا، يغدو الإعلام صاحب دور جوهرى وأساسى فى وجود مناخ ثقافى يتغلغل فى نسيج الشخصية المصرية، ويطبع رؤيتها وفهمها وبصيرتها فى التعامل مع أحوالها الخاصة، وإدراك العلاقة التبادلية الحتمية بين الخاص والعام وانعكاس كل منهما- سلباً أو إيجاباً- على الآخر، ارتفاع المستوى الثقافى هو باب الأمل لإيجاد الوعى بالمشكلة والالتزام بحلها، فالالتزام هو باب الأمل لإيجاد الوعى بالمشكلة وفهم أبعادها وإدراك مخاطر وأهوال العقود عن مواجهتها.. أما الخطاب الدينى، فلعل من أوائل أولوياته الآن، أن يضع هذه القضية بأبعادها ضمن دعوته المباشرة وغير المباشرة فى تربية الالتزام، حيث يجب أن يرشد الناس إلى فهم حقيقى يدركون به أن "العدد فى الليمون" وأن القيمة الحقيقية هى فى "النوع" و "الكيف" .. وأن هناك من الأفراد- من يطاول أمما بأسرها بما لديه من علم ومعرفة وثقافة وعزم وإرادة.. وإن هناك آلاف، بل ملايين ، لا يساوون شيئاً حقيقاً.. وأن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون اليوم، قبل الغد، إلى الارتفاع بمستوى القدرات البشرية لكل فرد من أفرادها، وأن نجاحها الحقيقى معقود على مكونات الفرد المسلم، رجلا كان أم امرأة، ومدى ما يحصله من معارف وخبرات وقدرات، فى عالم لم يعد فيه مكانه إلا لمن يملك العلم والقدرة، مزودتين بالعزم والإخلاص.

وما نريد قوله هنا كيف تتحول النفوس فى المجتمع المصرى إلى نفوس مريحة لا تعانى الألم نتيجة كثرة أطفالها، تريح غيرها ومجتمعها، ولعل الابتسامة المتبادلة بين البشر تشعر المرء بالأمن والاطمئنان. أيضا النظرة المريحة والملامح البشوشة تبعث على الراحة النفسية. وما نحتاج إليه الآن، وبشدة، وأكثر من أى وقت مضى، هو عودة الابتسامة والمرح والبشاشة، فالناس يحبون البشاشة، ويستريحون إلى الوجه البشوش، الذى يشيع الراحة والسلام مع كل من يتعامل معه. فالبشاشة تشعر الإنسان بالفرح، وهذا الفرح ينتقل من فرد إلى فرد، ومن ثم تشيع السعادة والفرح بين غالبية الناس.

إن المجتمع المصرى، ومن ثم الإنسان المصرى هادئ الطبع، وفى ظل الظروف الصعبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى يمر بها أفراد المجتمع المصرى، تحتاج إلى تنظيمات اجتماعية تعمل على إدخال الهدوء إلى النفوس، ومهما كانت الأمور تبدو صعبة، يجب العمل على تهوينها وتخفيف وقعها. فيجب بث الطمأنينة والهدوء بين الناس. ومن طبيعة البشر أنهم يحبون من يأتى إليهم بخبر طيب ويستبشرون به، ويفرحون بلقائه، بعكس الذى يجلب الحزن إلى نفوسهم. ومن هنا ندعو إلى تخفيف الأحزان عن الناس، حتى عند حدوث الكوارث نبحث بهدوء وفى راحة لمواجهة هذه الصعاب الناشئة عن التزايد السكانى الرهيب فى المجتمع المصرى.

على أنه لا يكفى أن يكون الإنسان هادئاً من الخارج، فى كلامه وفى أعصابه، إنما يجب أن يكون هادئاً من الداخل، بمعنى أن تكون طبيعته ونفسية هادئة، فالنفس التى تغلى من الداخل، حيثما حلت يحل الغليان والتوتر، تعيش كشعلة حيثما ألقيت أحرقت ونشرت نارها هنا وهناك. ومن هنا ندعوا بأن نعوَّد أفراد المجتمع المصرى أن تكون أصواتهم هادئة، ومشيتهم أيضاً هادئة، ومعاملاتهم مع بعضهم البعض هادئة، ومناقشاتهم هادئة ومريحة، لا صياح ولا تشاجر، علاقات اجتماعية تسودها المودة والرحمة، نريد أن تختفى المشادات والعنف بين الناس.

وفى جانب آخر من جوانب الالتزام المجتمعى مواجهة تحديات إخواننا المسلمين فى المجتمعات الغربية، والتحديات التى تواجه المسلمين بالغرب بصفة عامة لها أكبر الأثر فى عملية التكوين الدينى أى التربية الدينية للمسلمين هناك وكيفية تحقيقها دون أن يصاحبها ما يؤثر عليها بالسلب من أفكار بعيدة عن الإسلام، وكذلك تمويل المشاريع الإسلامية خاصة بعد محاولات التضييق على المنظمات الإسلامية هناك واتهامها واتهام الجهات التى تدعمها بأنها إرهابية بالإضافة إلى مفهوم المؤسسة الدينية فى الغرب والتى تتمثل فى الإمام والمفتى والمسجد والمرشدين الدينيين.

ومن القضايا المهمة التى تواجه المسلمين فى الغرب: اللغة العربية ومكانتها بين الغربيين وقضايا الطعام والملبس من حرام وحلال وطبيعته وشكله فضلا عن مسئولية المسلم فى المساهمة فى الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتزاماته فى أنشطتها.

كما إن من أخطر مشاكل المسلمين أنهم ما زالوا لا يملكون وسائل إعلام خاصة بقهم حيث تمكنهم من التعريف بأنفسهم وكذلك المساهمة فى الحوار الاجتماعى والثقافى والسياسى من خلال الإعلام.

وهناك رؤية ترى أن المسلمين فى الغرب مسئولون عن غياب المعرفة بالإسلام والتى يمكن أن تتحقق بسهولة من خلال التعامل مع أبناء الأديان الأخرى خاصة فى مجال الإنسانيات وهى مجالات يمكن للمسلمين أن يكونوا مؤثرين وفاعلين وآثارها ستكون كبيرة فى العلاقة بين البلاد الإسلامية والخروج من صراع الحضارات إلى قيمة التعارف والحوار وبالتالى نشر مفهوم السلام الذى هو من أهم الأسس التى بنى عليها الإسلام ونادى بها.

كما أن هناك الشورى كأساس للحكم فى العالم الإسلامى وهذه عليها عدة ملاحظات من أهمها أن هناك حكما شائعاً فى أوساط حضارة الغرب بأن الحكم فى الشرق بصفة عامة حكم استبدادى حتى أصبح مألوفا الحديث عن الاستبداد الشرقى وقد انتشرت هذه المقولة حتى باتت أشبه بالمسلمات بل انتقلت إلى بعض المفكرين العرب ذوى الثقافة الغربية وأصبحوا يروجون لها وينطلقون فى أبحاثهم منها أما الملاحظة الثانية فهى أن الحديث عن الممارسة الديمقراطية فى الشرق ركز على النظر إلى قمة هرم الحكم مغفلا مستوياته الأخرى من القاعدة إلى القمة وبالعكس ولم يلتفت فى كثير من الأحيان إلى تحديد المصطلحات مما أدى إلى الخلط فى دلالاتها ومفاهيمها كما هو الحال فى مصطلح أولى الأمر.

وقد كانت قصص مليئة بمعانى المجتمعات العربية – حتى قبل الإسلام- الشورى واتخاذها وسيلة لتحقيق النجاح حتى الحكم بل أن القرآن الكريم حمل لنا قصة ملكة "سبأ" التى جمعت قادتها تخبرهم برسالة الملك سليمان عليه السلام وتسألهم الرأى والمشورة وتستمع وتناقش وتفسر وتقترح، وقد جاء الإسلام فانضج هذا المبدأ وجعل سورة كاملة بالقرآن تسمى "الشورى".

وهكذا نرى أن الإسلام التزم بحرية الأفراد، حتى أن الإسلام أعطى من الحريات ما لم يتحدث عنه دين أو نظام آخر بل إنه حرص على دعم الحرية الدينية منذ اللحظة الأولى وبالقرآن سورة كاملة تتحدث عن الحرية وهى سورة الكافرون يقول تعالى: "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولى دين" (سورة الكافرون) ولا يجوز فى الإسلام إرغام أحد على ترك دينه أو اعتناق دين أخر، وتلك أعلى درجات الحرية فضلاً عن حرية التفكير والتعبير والعمل والثقافة والحرية المدنية.

ولا شك أن الحرية يصحبها ازدهار فكرى وهو أمر لم تخل منه دولة إسلامية على مدى التاريخ الإسلامى سواء فى حالات قوته أو حالات ضعفه وهو دليل عملى على ما منحه الإسلام من حريات.

ولقد تعامل الإسلام مع كافة البشر على أساس وحدة الأبوين والأصل والوشيجة الإنسانية العامة.

يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: من الآية13).

كما أن الحكمة من هذا التنوع هو التعارف والتآلف، لا التمايز والاختلاف والتناحر والانشقاق والتعصب وأن المعيار الفريد التى يتمايز به البشر والميزان الدقيق الذى يتفاضل به الناس وتعلو درجاتهم عند الله هو التقوى.

ونعود ونكرر، فقد سبق الإسلام إقرار مبادئ حقوق الإنسان فى العالم مقررا أسبقية الإسلام فى تقرير هذه الحقوق مع الرؤية الشاملة لهذه الحقوق فى كل المجالات بالإضافة إلى أن هذه الحقوق فى الإسلام لها ميزة تختلف عما وضعته القوانين الوضعية بأن الإنسان يطبقها ويلتزم بها كدين قبل أن تكون نظام حكم وبالتالى يعتبر الإيمان بالله بما يكون من ضمير يقظ وواع وملتزم يعتبر الضمانة الأولى لحقوق الإنسان حيث تمثل رقيبا ذاتياً دائماً يمنع الإنسان من المساس بحقوق أخيه الإنسان.

وهكذا كلما زاد الوعى والفهم بقيم الإسلام الحنيف زاد الاهتمام بهذه الحقوق والالتزام بها إلا أنه للأسف الشديد فإن معاناة كثير من المسلمين فكريا واجتماعيا واقتصاديا ينعكس سلبا على وضع حقوق الإنسان فى هذه المجتمعات فى مقابل وعى الإنسان الغربى بحقوقه ودفاعه عن ممارسة هذه الحقوق الأمر الذى ينعكس إيجابيا وبالتالى فالإنسان الغربى يتمتع بحقوقه أكثر من أى إنسان أخر.

كما لم يلتزم دين من الأديان بالدعوة إلى العمل والإبداع والابتكار كما التزم الإسلام الذى جعله فرض عين على كل مسلم ومسلمة كالصلاة أى أن الإسلام لم ينظر إلى العمل كوسيلة من وسائل البقاء على الحياة أو تحقيق الرفاهية وإنما جعله هدفاً فى ذاته سواءً احتاج إليه المسلم لتحقيق البقاء أو الرفاهية أو لم يحتاج إليه.

لذا نظر الإسلام إلى العاملين باعتبارهم أرقى طبقات المجتمع الذين يستحقون رضوان الله ونعمته وجعل الالتزام بالعمل والعمل وحده هو طريق التفاضل بين الناس فى الدنيا والآخرة بل أن درجات التقوى فى الإسلام تقاس بمستوى العمل.

وهنا نتساءل كيف تعيش أمة حالة من الكسل والخمول والأداء الأقل جودة فى العمل فى حين أن دينها هو الإسلام الذى يقدس العمل أيما تقديس حيث جعله عبادة ثم جعله فرض عين على كل مسلم ومسلمة وقد ضرب لنا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه أروع الأمثلة فى تقديس العمل بالقول والفعل. أما بالقول فقد استنكر انقطاع أحد المسلمين للعبادة فى المسجد لأن أخاه ينفق عليه وعلى أهله فقال له"أخوك أعبد منك" لأن أخوه ينفع نفسه والآخرين ويمنع نفسه والآخرين من ذل المسألة ويشارك فى تحقيق مصالح الناس ومنافعهم ورفاهيتهم، أما هو فلا يعمل إلا بعضا مما فرض عليه من العبادة لا ينتفع بها إلا هو ويصبح فى حاجة إلى عون الآخرين على استمرار حياته بل يصبح طعامه وشرابه عالة لأنه عضو غير عامل وكأنه زيادة تثقل السفينة ولا تحركها.

أما الجانب العملى فى تقديس الرسول للعمل والالتزام به وترك الكسل أو التواكل، فهو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قام أصحابه بذبح شاه واقتسموا العمل فيما بينهم واختار الرسول جمع الحطب لطهو الشاة وحاول الصحابة أن يتولوا مسئولية الرسول إلا أنه رفض وكان يمكن أن يقبل وهو أمر يسعد المسلمين لأنهم سيكفون الرسول الجهد وينالهم هذا الشرف إلا أنه أراد أن يضرب لنا مثلا بأن العمل فرض عين وأنه شرف فى ذاته وليس فى هدفه لذلك كان يمسك بأيدى العاملين التى تبدو عليها آثار الجهد والعمل ويقول: "هذه يد يحبها الله".

ولكن قطاعا كبيراً من الناس الآن ينظر إلى العمل وكأنه عقاب ويبحث عن كيفية الحصول على المقابل دون أن يلتزم بالجهد اللازم وهو أمر يبدو فى عدم الجودة فى الإنتاج أو تعطيل مصالح الناس وتأخيرها وهو أمر له مردوده السلبى على المجتمع أولا وعلى شكل المسلمين أمام المجتمعات الأخرى ولا يمت للإسلام بصلة.

إن الإسلام جعل كل عمل يقوم به المؤمن ما دام قد ابتغى به وجه الله له ثوابه حتى أن يلبس المؤمن ثياباً ابتغاء أن يستر عورته أو أن يقدم لأسرته أسباب حياتها بل إن معاشرته لزوجته وهى متعه يحققها لنفسه ينال عليها الثواب وقد سأل الصحابة رسول الله r عن ذلك عندما قال لهم: "وفى بضع أحدكم صدقة" وفسر لهم استغرابهم بأن المسلم لو قام بهذا الفعل مع امرأة أجنبية كان سيعاقب على ذلك كما أنه بالتزامه بفعله هذا مع زوجته يعف نفسه ويعف زوجته.

على هذا فإن الأمة الإسلامية التى تعيش حالة من حالات تراجعها المخيفة تحتاج إلى التزام شديد من خلال حملات تتحدث عن العمل كهدف وليس كوسيلة وعن مسئولية كل فرد من أفراد المسلمين فى تحقيق النهضة.

وكما قال صلى الله عليه وسلم ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده وأن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده" ولم يرد تاريخيا أن رسولا من الرسل كان بلا عمل بصرف النظر عن حاجته إليه أو عدم حاجته فقد قال صلى الله عليه وسلم" إذا قامت القيامة وفى يد أحدكم فسيلة واستطاع أن يغرسها فليغرسها وبالطبع فإنها إشارة إلى الالتزام الكامل بالعمل حتى آخر لحظة مع الحياة فى الدنيا.

وفى ضوء تنوع منابع الفكر، المسموع والمرئى، وفى عصر تتسابق فيه المعلومات وتتدفق مع كل صوب وحدب عن طريق الأطباق الفضائية وغيرها من أدوات نقل الثقافات الإنسانية إلى كافة سكان هذه البسيطة، تتضح أهمية ذلك النمط من الإنسان الملتزم الذى يمتلك القدرة على تنظيم الأفكار والنقد والتحليل والتشخيص لما يسمع ويرى، الإنسان الذى يمتلك الانفتاح الفكرى على الثقافة الإنسانية، والتفاعل معها أخذاً وعطاءً، على أن يحاط هذا الانفتاح الفكرى بالتزامات روحية مستقاة من معتقداتنا الدينية،وتقاليدنا العربية، وتراثنا الفكرى المتراكم.

ففى الوقت الحاضر يواجه الفكر التربوى فى مجتمعنا بتيارين يبدو للوهلة الأولى أنهما متضادين هما الفكر الليبرالى فى "تربية البشر الملتزم" والذى يعتمد فى نظامه التربوى وفى مختلف مراحل التعليم، وفى الأغلب الأعم، على النظم المستمدة من التجربة الغربية فى التربية المنضبطة، والاتجاه الثانى يدعو إلى محاولة تلمس معالم الفكر التربوى فى بناء البشر الملتزم من خلال جهود التأصيل الإسلامى فى جوانبه النظرية والتطبيقية.

وفى خلال الفترة الحالية الحرجة والتى تمر بها معظم المجتمعات الإسلامية، والعلاقات المتداخلة والمتشابكة مع المجتمع الغربى، فإن جهود التأصيل الإسلامى فى الفكر التربوى نحو بناء الشخصية الاجتماعية الملتزمة تتعثر، وتواجه بعض المعوقات فى تجربتها فى هذا المجال، فى حين أن محاولة الاستفادة من أى جانب من جوانب التربية فى هذا المجال يتم استنتاجه من الفكر التربوى الغربى ينال التشجيع من الكثيرين من أفراد الهيئات الرسمية فى المجتمعات الإسلامية، ويعارضه فى الوقت نفسه وعلى الدرجة نفسها المتحمسون من دعاة أسلمة العلوم التربوية.

فى حين أن غربلة الفكر التربوى الغربى وانتقاء المفيد منه فى بناء الشخصية الاجتماعية الملتزمة، والذى لا يتعارض مع القيم الدينية الحنيفة التى نؤمن بها، قد تكون أساليب فعالة- على الأقل فى الوقت الحاضر- فى تنمية عوامل الالتزام لدى الأفراد فى المجتمع المصرى.

وينبغى النظر إلى النظام القيمى الذى يعود الأفراد على الالتزام على اعتبار أن هناك بعض القيم السائدة والراسخة فى المجتمع، والتى تشكل الوعاء القيمى من عادات وتقاليد لأفراد هذا المجتمع، ودور التربية فى هذا المضمار ينحصر فى مساعدة الفرد على حيازة هذه القيم،والتى تمثل الضمير الجمعى والمضمون القيمى الأمثل لأفراد هذا المجتمع حتى يشبوا ملتزمين بها ومتمسكين بجميع جوانبها.

وإلى جانب مساعدة الفرد على التفاعل أخذاً وعطاءً مع هذا المضمون القيمى الأمثل، يجب العمل على تشجيع قيم الذاتية والاستقلالية لدى هؤلاء الأفراد فى إطار من الالتزام المجتمعى.

ويجب إشعار الأفراد الملتزمين، خاصة الشباب منهم، باحترام قيمهم ومشاعرهم وتطلعاتهم للمستقبل، فالشباب غالباً ما يمثل عنصر حيوية الأمة، وهو يفكر بطموح الشباب، والذى غالباً ما يكون حافلاً بضروب متنوعة من الطاقات العقلية والانفعالية والجسدية، ويكون أقرب إلى القيم والمثل العليا المنشودة التى لم يعكر صفوها،ويحد من اندفاعها قسوة الواقع ومشكلاته، ومن ثم فهذه الطاقات ينبغى أن تفسح لها المجالات حتى تسير فى إطار المضمون القيمى الملزم للمجتمع، وألا توضع العوائق والعقبات فى سبيلها حتى لا تنقلب إلى قوى سلبية فى المجتمع، ومن ثم يجب أن تهيأ الأجواء التى تساعد الفرد على أن يصبح عضواً ملتزماً وذا قيمة فى هذا المجتمع.

وتظهر قيم التعاون فى حياة الأفراد الملتزمين والإيمان بقيمة هذا التعاون من أجل تحقيق التنافس الشريف بينهم، فإذا ما استطاعت التربية المجتمعية تنمية قيم التعاون بين الأفراد، فعندئذ نستطيع القول بأن هؤلاء الأفراد حين يشبون، يصبحون أعضاءً ملتزمين فى المجتمع. ويستطيعون المساهمة فى حل الكثير من المشكلات المجتمعية أمثال قيم التنازع والأنانية، والتى تسود بعض المجتمعات الإنسانية فى الآونة الأخيرة.

وإلى جانب ما سبق فإن أفراد المجتمع بحاجة إلى من يرشدهم إلى قيم الانضباط فى العمل، وفى هذا المجال فإن طريقة الضبط الحالية للعاملين فى سوق العمل والمتمثلة فى التوقيع بالحضور والانصراف تترك أثراً فى نمو مشاعر الأفراد العاملين وقيمهم، وفى شعورهم بالاستقلالية واحترام الذات من عدمها.

كما أن إحدى المسئوليات الهامة للتربية المجتمعية هى إيصال الفرد إلى مرحلة متقدمة من مراحل الانضباط، وهى مرحلة الانضباط الذاتى، وتتمثل قيم الانضباط الذاتى فى تصرف المرء وفق اللوائح والقوانين المجتمعية لأسباب تنبع من داخله، وليس لأسباب مفروضة عليه من الآخرين، ولن يتأتى اكتساب هذه القيم إلا إذا كان الفرد يعمل فى موقع يزوده بقيم الانضباط،وذلك من خلال الخبرة الذاتية. وهذه الخبرة الذاتية لن تتأتى لدى الفرد إلا إذا كان على قناعة تامة بجدوى اللوائح والقوانين المجتمعية التى تؤدى إلى الانضباط، ويعلم علم اليقين أنها إنما وجدت لتحقيق الالتزام منه ومن الآخرين، بقدر وافر من العدالة وعدم الغبن، حيث يؤدى الانحياز عنها إلى أضرار تعود عليه، وعلى الآخرين من أفراد المجتمع بعوائد سلبية،وعندئذ يشعر المرء أنه بحاجة إلى العمل على دفعها أو التمسك بها والعمل بمقتضاها، والسير فى ضوء هذه القيم الانضباطية فى المجتمع.

وتظهر قيم "الإتقان" فى حياة الأفراد الملتزمين، وقد حرص الإسلام على حض المسلمين على الإتقان فى جميع ما يقوم به الإنسان المسلم الملتزم أياً كان موقعه، وفى ذلك يقول الله سبحانه وتعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)(الملك:1-2)، كما أكد رسول الله r أهمية قيم الإتقان فى حياة البشر، فقد قال r (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) (متفق عليه)(73)، وقيم الإتقان هنا تنسجب على جميع الأعمال- الدينية والدنيوية- التى يقوم بها الإنسان لكى يُسعد ديناً ودنياً.

وهناك ضرورة الآن،وأكثر من أى وقت مضى، إلى الالتزام بصناعة قرارات تربوية فعالة تواجه "كم" و"كيف" التربية والتعليم فى المجتمع المصرى. وفى هذا المجال يعتبر القرار الوسيلة الأساسية التى تحقق بها الإدارة أهدافها، وبالتالى فهى جوهر عمل الإدارة والعمل الذى يميزها عن غيرها من الأعمال، ولمدخل اتخاذ القرارات أهمية بالغة لتفهم طبيعة عمل المديرين وتفسيرها، ولذلك اتسعت الدراسات الموجهة نحو ترشيد عملية اتخاذ القرارات للابتعاد عنها عن المغامرة غير المحسوبة، وذلك بتقريبها من منهجية البحث العلمى، والتفكير المنظم، والاعتماد على الحقائق، واستخدام الأساليب الإحصائية المتقدمة فى معالجة البيانات.

وفى مجال العمل نجد أن تصريف أمور العمل تتباين وتتمايز كلما اتسع مجال النشاط، وفى العادة فإن المدير الفرد يدير أعمال مجموعة من الأفراد وينسق بين أعمالهم كى يصل معهم وبهم إلى تحقيق أهداف المنشأة التى يقود العمل فيها، وهو فى الوقت نفسه يقسم العمل بينهم، ويحدد مسئولية كل واحد منهم، كما يحدد علاقاتهم التنظيمية وفى كل مرحلة من مراحل عمله يتخذ قراراً، كما أنه وحين يتعامل مع البيئة الخارجية يتخذ قرارات تتعلق بتحديد علاقة المنشأة التى يترأسها مع المتعاملين معها. وعلى ضوء نوعية القرار، وشكله، وتوقيته، ودقته، ينجح المدير فى إدارة منشأته من عدمه.

    والقرار يعتبر حلقة رئيسة فى العملية الإدارية، ولا تتكامل هذه العملية بدونه، فالتخطيط والتنظيم والتوجيه وعمليات المتابعة لن تخرج إلى حيز التنفيذ إلا إذا تم اتخاذ قرار فيها، كما أن عملية اتخاذ القرارات لا تقتصر على جانب إدارى دون أخر، بل أنها تنتشر فى جميع المستويات والجوانب الإدارية (74).

وبناءً عليه فإن صناعة القرار هى محور العملية الإدارية، ومن هذا المنطلق فإن اتخاذ القرار يعتبر أمراً أساسياً بالنسبة لجميع الرؤساء، وفى مختلف المواقع فى نطاق المراحل والمستويات الإدارية التى توجد فى أى مؤسسة من المؤسسات. والقرار يتطلب فيمن يصدره أن يتصف بالقدوة والكفاءة للتعرف على المشكلة، والتفهم الكامل للتحليلات والحلول البديلة وتقييمها لاختيار الأفضل من بينها لاتخاذ القرار المناسب. وليكن مفهوما أن القرار تتوقف قيمته على نجاح الأثر الذى يترتب عليه(75)، كما تتوقف مدى فعالية القرار على "كم" المعلومات الضرورية المتوفرة لدى صانعى القرارات، بالإضافة إلى "كيف" هذه المعلومات.

والتربية- سواءً منحتها المدرسة أم كانت من فعل مؤسسات تربوية لا نظامية- هى عملية غايتها تيسير أشكال التعلم المعرفى، والعاطفى، والنفسى- حركى، والاجتماعى لفرد أو جماعة(76). ولتحقيق أهداف هذه العملية فى جوانبها المتعددة يلزم توافر معلومات ضرورية لدى مسئولى التربية فى أى مجتمع، وهذه المعلومات الضرورية ينبغى أن تتعلق بـ "كم" ، و "كيف" التعليم الواجب تقديمه وتأمينه لأفراد المجتمع. ومن أجل جمع معلومات ضرورية ومفيدة حول "كم" ، و"كيف" هذا التعليم لابد أولا أن نسلم بأن القرارات التربوية الفعالة فى هذا المجال ينبغى أن تتخذ على مستويات تنظيمية مختلفة، وينبغى توفير منظومة للمعلومات الضرورية فى اتخاذ القرارات التربية الفعالة.

وقد أصبحت صناعة القرار التربوى مجالاً تقنياً عالياً فى المجتمعات الإنسانية. ويتناول القرار التربوى فى أى مجتمع- فى العادة- قضايا رئيسية فى شتى مناحى التربية والتعليم. ومن ضمن هذه القضايا الرئيسية ما يتعلق بخصائص "التكميم التعليمى"، أى أعمال التكميم التى تقابل قضايا أعداد التلاميذ والمدرسين، والعاملين فى مجالى التربية والتعليم، إلى جانب دراسة حجم المنشآت والمعدات التى تحتاجها النظم التعليمية فى أى وقت، وبتوزيعها الجغرافى على سائر المناطق والولايات. ويتناول القرار التربوى أيضا قضايا ترتبط بخصائص "كيف" التعليم، أى نوعيته اللازمة لإنماء أفراد المجتمع بصورة متوازنة متكاملة فى جميع نواحى النمو الإنسانى.

    وتعتبر "صناعة القرار" من العمليات الرئيسة فى أى عمل إدارى، ومن ثم نالت اهتمام الكثيرين من رجال علم النفس وعلم الاجتماع والإنثروبولوجيا. وفى محاولة للتعرف على العوامل والمتغيرات المتفاعلة والمواتية لاتخاذ القرار، سواء أكانت هذه العوامل شخصية أو اجتماعية أو حضارية، ومن ثم فقد ظهرت الكتابات التى تناولت الظاهرة تحت مسمى "صنع" و"اتخاذ القرار" ، باعتبارهما يحتويان عمليات متداخلة(77). هذا والاعتقاد السائد فى الوقت الحالى أن عملية صناعة القرار من الأمور الحيوية والهامة فى نجاح الإدارة، فالإدارى فى أى موقع يحتاج إلى عملية منظمة فى صناعة أى قرار.

وفى مجال "صناعة" القرار التربوى تعددت آراء الكتاب والباحثين فى مجال التربية وعلم النفس، حول مفهوم خصائص القرار التربوى الفعال وسماته، ويتوقف ذلك- إلى حد بعيد- على مدى إدراك هذا المفهوم، ومدى مشاركة الأفراد فيه، فقد ينظر البعض إلى عملية اتخاذ القرارات التربوية على أنها عملية مشاركة فيما بين أفراد العملية التعليمية، أو على أنها عملية استئثار برأى فردى، أو على أنها اختيار البديل الذى يحقق أقصى إنتاجية فى الموقف التعليمى، أو أنها محاولة إدارية لتحقيق هدف تربوى محدد.

    وقد اختلفت الآراء حول مفهوم القرار وسماته، بينما اتفقت آراء الباحثين حول أهمية صنع أو "صناعة" القرار، فيرى (دركر(  (Drucker)(78) أن العمل الذى يؤديه المديرون- مهما كانت طبيعته- يتم من خلال عملية "صناعة" القرارات، والتى تتم يوميا بشكل عادى لدرجة أن المديرين لا يشعرون بها ولا بأهميتها، وأن إدارة أى منظمة أو مؤسسة لا تعدو كونها عملية "صناعة" للقرارات.

    ولعل هذا المعنى ما أكده (سيمون) (Simon)(79) الذى اعتبر أن عملية "صناعة" القرارات عملية مماثلة لعملية الإدارة، فيرى (سيمون) أن صنع القرارات هو قلب الإدارة، وأن مفاهيم "صناعة" القرار يجب أن تكون مستمدة من منطق الاختيار الإنسانى.

    ويرى (هاريسون) (Harrision)(80) أن عملية "صناعة" القرارات هى عملية إصدار حكم معين عما يجب أن يفعله الفرد فى موقف معين، وذلك بغرض الفحص الدقيق للبدائل المطروحة بغرض اتباع إحداهما.

    وينظر البعض إلى "صناعة القرار" على أنها ذلك العمل أو المفهوم الشامل الذى يحتوى على أكثر من مرحلة  أو خطوة، للوصول إلى قرار معين. و "صناعة" القرار ليست مرحلة من مراحل تكوين القرار، وإنما هى فى الواقع صفة تطلق على جميع المراحل التى يمر بها القرار(81). أما عملية اتخاذ القرار فهى ذلك الجزء الهام من مراحل "صناعة" القرار، وإحدى وظائفه الرئيسة، وليست مرادفة لعملية "صناعة" القرار. ومرحلة اتخاذ القرار هى خلاصة ما يتوصل إليه صانعوا القرار(82).

    ويرى البعض أيضا أن عملية "اتخاذ القرار" تعتبر عملاً ذهنياً لاختيار بديل من بين مجموعة البدائل، وهى عملية مفاضلة واختيار من بين مجموعة من البدائل لتحقيق أهداف محددة(83).

    ويرى (البانيز) (Albanese)(84) أن "صناعة" القرار تعتبر عملية اختيار من بين مجموعة من البدائل يقوم بها هؤلاء المسئولون عن الأنشطة المكونة لوظائف الأطراف المشاركة فى العمل.

    أما (عمرو غنايم) فيعرف عملية "صناعة" القرار بأنها تعنى الاختيار القائم على أسس موضوعية لبديل واحد من بين بديلين مختلفين أو أكثر. ويكون القرار هو البت أو التحديد لما يجب أو لا يجب أن يتم، وذلك لإنهاء وضع معين، وبصورة نهائية، للحصول على نتيجة ملموسة لحل المشكلة موضع القرار(85).

    وفى ضوء ما سبق يمكن القول بأن "صناعة القرار" ما هى إلا منظومة متصلة بعضها ببعض وكل قرار كبير يستتبعه بالضرورة سلسلة متصلة من القرارات الصغيرة، لأن كل قرار يسبقه ويلحقه قرار إلى أن تتحقق لمنظومة "صناعة" القرار نتائجها، وهى الأهداف التى تسعى التى تحقيقها هذه المنظومة.

    هذا إذا نظرنا إلى عملية "صناعة" القرار على أنها عملية إدارية فحسب. ولكن هناك آراء أخرى فى هذا المجال ترى أن عملية "صناعة" القرار تمثل الجذور الأساسية لعمليات حل المشكلات، ورسم السياسات، والاستراتيجيات، والخطط، وتعمل فى ضوء هذه الإشكاليات(86). وعملية "صناعة القرار" مستمرة، تنتهى بإصدار أو اتخاذ القرار، والقرارات تتخذ دائما فى إطار القيود والعوامل والمؤثرات التى منها ما هو نفسى، وما هو اجتماعى، بالإضافة إلى العوامل الحضارية والثقافية، وأن "صناعة القرار تتأثر بهذه العوامل. لذا فإن عملية "صناعة القرار أصبحت من أعقد العمليات، لأن تحديد المشكلات وإيضاحها يحتاج إلى ربطها بغيرها من المشكلات والقرارات السابقة(87).

    وينبغى الإشارة إلى أن "صناعة القرار" فى ظل العلاقات الإنسانية لم تعد قاصرة على أولئك الذين يشغلون المناصب الإدارية العليا فى المنظمات، بل أصبح فى مقدور الأفراد المشاركة فى تحديد الأهداف، وفى رسم البرامج، وفى وضع السياسات، وأن المسئولية بعد أن كانت تتركز فى قمة التنظيم أصبح من الممكن فى ظل هذه الرؤية المشاركة فيها وتحمل تبعاتها. كما أن عملية اتخاذ القرارات لم تعد قاصرة على المديرين وحدهم، بل أصبح من المعمول به إشراك كل من يتأثر بهذه القرارات من قريب أو من بعيد(88).

    ولابد من توافر ثلاثة شروط رئيسه فى "صناعة" القرار، وهى: وجود مشكلة تتطلب "صناعة القرار"، وأن يكون هناك أكثر من بديل أمام متخذى القرار، والحرية الشخصية فى اختيار أحد البدائل. ولكن مما يلاحظ أن شرط وجود مشكلة لاتخاذ القرار يعنى أن القرارات فى جملتها علاجية، ولاحقة على وجود مشكلة، على حين أن الأمر الآن أصبح يتطلب أكثر من ذى قبل أن تتجه القرارات نحو الاهتمام بالجانب الوقائى أيضا، بمعنى أن تطوير الواقع واستشراف مستقبل أفضل لا يقتضى بالضرورة وجود مشكلة بمعناها التقليدى. ويؤكد البعض فى عملية "صناعة القرار" على توافر عنصر الوعى، حيث تعرف "صناعة القرار" بأنها الاختيار الواعى من بين مجموعتين من الأفعال المتاحة على الأقل(89)، ولعل هذا الوعى يعد من ضرورات اتخاذ "صناعة القرار"، باعتبار أن القرار يمثل لدى آخذه الاختيار الأفضل من بين البدائل المتاحة، ومن ثم فلابد أن يتوفر الإدراك والوعى التام بجوانب المشكلة، وما تتطلبه من معلومات.

    وقد افترض عدد من أصحاب النظريات الإدارية، والمهتمين بدراسة السلوك الإنسانى فى الهيئات والمنظمات أن أى جماعة متفاعلة تتخذ قرارات أكثر فعالية من تلك التى تتخذها مجموعة من الأفراد منفصلين، وذلك لعدة أسباب أهمها أن أفكار ومعلومات مجموعة من الأشخاص أكثر من مجموعة أفكار ومعلومات شخص واحد، ومن البديهى أن تعدد الأفكار. وكثرة المعلومات وتسهم فى تحديد المشكلة بدقة، وتستطيع تقييم بدائل الحلول المتاحة، وتؤدى مشاركة أفراد المجموعة فى "صناعة" القرار إلى زيادة التزام الأفراد بتنفيذ القرار وحماسهم لهذا التنفيذ. ويتمكن الأفراد عادة من خلال "صناعة" القرار بواسطة مجموعة من الأفراد من فهم أكثر للمشكلة ومبررات اتخاذ القرار بالصورة التى اتخذ بها، وتفهمهم لبرنامج تنفيذه، وبالتالى إلى تيسير التنفيذ الفعال للقرار والتطبيق المرن له(90).

يضاف إلى ما سبق أنه من خلال مشاركة الأفراد فى اتخاذ القرارات، يشعر الفرد بإشباع حاجاته للانتماء، وزيادة درجة رضاه الوظيفى، وأنه عضو فعال فى مجموعة مهمة، ويدرب الفرد على الاتصال الفعال داخل المجموعات. كما تمكن مشاركة أفراد المجموعة فى اتخاذ القرارات من زيادة فرص التعاون بين الأفراد لحل المشكلات المشتركة، وزيادة الفهم المتبادل، وتيسير فرص التنسيق بينهم، وكذلك تنمية وتقوية روح الفريق. ويؤدى اتخاذ القرار بشكل جماعى إلى إشباع الحاجات العليا للأفراد، والتى تتمثل فى الاستقلال، والشعور بالذاتية والإنجاز، ويجعل العمل أكثر إثارة وإشباعا(91). كما أن المشاركة فى تحديد الأهداف، وفى رسم السياسات، وفى تخطيط البرامج، وفى "صناعة " القرارات المتصلة بكل الجوانب الإدارية والفنية، وتنفيذها، تؤدى إلى نجاح العمل وانتظامه(92).

وهكذا سبق يمكن تحديد السمات الهامة فى عملية "صناعة القرار" فى عدة محاور منها (93):

-    أن عملية "صناعة القرار" تتسم بالشمولية، إذ تمثل الأداة الرئيسة التى يستخدمها المديرون فى إدارة المهام الرئيسة فى مواقع العمل، وفى هذا الإطار فإن عملية "صناعة القرار" لا تقتصر على مستوى إدارى دون مستوى آخر، بل أنها تنتشر فى جميع المستويات الإدارية، وتتواجد فى كل جزء منها. كما أنها تتعامل مع كل "إشكالية" محتملة متعلقة بالمنظمة، أو العاملين فيها أو المتعاملين معها، أو حتى البيئة الخارجية المحيطة بها.

-    أن الصفة المميزة فى "صناعة القرار" هى وجود بديلين أو أكثر أمام متخذى القرار حتى يمكن المفاضلة، واختيار البديل المناسب، ويعنى ذلك أن وجود بديل واحد فقط لا يجعل المدير فى موقف "صناعة" القرار.

-    أن هناك فرقاً بين "صناعة" القرار، و "اتخاذ" القرار، فعملية "صناعة" القرار تعنى فى حد ذاتها ذلك العمل أو المفهوم الشامل الذى يحتوى على أكثر من مرحلة أو خطوة للوصول إلى قرار معين. "فصناعة" القرار ليست مرحلة من مراحل تكوين القرار، وإنما هى فى الواقع صفه تطلق على جميع المراحل التى يمر بها القرار، ابتداءً من تحديد المشكلة، وانتهاءً بحلها ومعالجتها بشكل أو بآخر. أما عملية "اتخاذ" القرار فهى ذلك الجزء الهام من مراحل "صناعة القرار"، ومرحلة "اتخاذ" القرار هى خلاصة ما يتوصل إليه صانعوا القرارات من اختيارات مطروحة، كما أن عملية "اتخاذ القرار" ترتبط أساسا بالمعايير، فجميع القرارات تتخذ وفى ذهن متخذها بعض المعايير، ويتأثر اختيار البديل- إلى حد كبير- بالمعايير المستخدمة ومدى توافر المعلومات اللازمة لها.

-         أن عملية "صناعة" القرار تمر بمجموعة من الخطوات المتتابعة والمتشابكة والتى يمكن ترتيبها منطقيا فى المراحل التالية: (94).

تحديد المشكلة:

يعتبر تحديد المشكلة أهم خطوة فى "صناعة القرار". والتحديد الدقيق للمشكلة هو بداية الحل، والتشخيص الخاطئ لها سوف يقود إلى اتخاذ قرار خاطئ مهما كانت درجة الدقة والوضوح فى تنفيذ الخطوات التالية. وتحديد المشكلة يتطلب قدراً كبيراً من الخبرة والمهارة، كما أنها تستند إلى المقدرة العلمية لمتخذ القرار سواءً فى مجال استيعابه لأصول البحث والتفكير، أو لمعرفته بالأصول العلمية لميدان التطبيق الذى تقع المشكلة فى دائرته. وتحديد المشكلة يتطلب صياغتها فى نهاية الأمر فى عبارات واضحة ودقيقة المعانى، والتأكد من وجود علاقة وثيقة بين المشكلة- كما صيغت- وبين الموقف بظواهره المختلفة، وبذلك نعرف لماذا تحل المشكلة؟، بالإضافة إلى التأكد من أن المشكلة قابلة للحل قبل الانتقال للخطوة التالية.

جمع المعلومات والبيانات:

وتعتبر هذه المرحلة هى الدعامة الرئيسة التى تبنى عليها "صناعة" القرارات، فالمعلومات هى مادة العمل الإدارى، لذلك فهى تحتاج إلى تخطيط وإعداد قبل البدء فيها، بهدف أن تتحدد أولاً طبيعة المعلومات الضرورية فى صناعة القرار، وكذلك المصادر التى تستقى منها هذه المعلومات، والوسائل التى يستحسن استخدامها فى جمع المعلومات، والأساليب التى يتم بها تنظيم هذه المعلومات وتنسيقها وتبويبها.

دراسة الحقائق وتحليل المشكلة:

قبل البدء فى إنجاز هذه الخطوة لابد أولاً من التأكد من أن البيانات والمعلومات المستخدمة فى معالجة المشكلة و "صناعة" القرار فى مواجهتها- كلها أو بعضها- يمكن الاعتماد عليها، أم أنها مجرد آراء تنقصها البراهين القاطعة. كما ينبغى التأكد مما إذا كانت المصادر التى أمكن الحصول منها على هذه البيانات والمعلومات مصادر أمينة يمكن الاعتماد عليها أم أنها مصادر غير موثوق بها؟، هذا وتحليل المعلومات المتجمعة يعنى تناول هذه المعلومات بطريقة يتسلسل فيها التفكير، وتظهر فيها العلاقة بين جوانب المشكلة بوضوح.

تحديد بدائل الحلول:

بعد تحديد المشكلة، وجمع المعلومات، ودراسة الحقائق، وتحليل المشكلة، فإن الخطوة التالية هى التعرف على البدائل الممكنة لحل "المشكلة المعروضة". ويشترط فى هذا المقام وجود بديلين على الأقل، حتى يتم  التمكن من اختيار أحدهما، فالاختيار من البدائل هو أساس "صناعة" القرار، ومتخذ القرار- فى هذه المرحلة- يحصر كافة البدائل فى شكل قائمة، كما أنه وفى هذه القائمة تتم دراسة جميع البدائل الممكنة حتى تلك التى تبدو من الوهلة الأولى أنها عديمة الجدوى، إذ قد يتضح فيما بعد عكس ذلك. ومن المهم أنه يراجع هذه القائمة أو التعديل فيها نتيجة لمشاركة الآخرين فى المناقشة. ولعل أهم ما تسفر عنه مشاركة الآخرين ومناقشاتهم ليس فقط إسقاط أو إضافة بدائل، وإنما إدخال تعديل على ترتيب البدائل فى القائمة حسب أهميتها النسبية.

ويعنى تحديد بدائل الحلول أيضاً دراسة المزايا والعيوب المختلفة التى يتضمنها كل بديل، والآثار السلبية والإيجابية له على المدى القصير والطويل، ومدى مساهمته فى تحقيق الحل الكامل للمشكلة، ويتم تحليل وتقييم البدائل فى ضوء المعلومات المتاحة عن كل بديل، وفى ضوء بعض العوامل والسمات المستخدمة للتفضيل بين البدائل، والتى تعبر عن الأهداف المطلوب تحقيقها، وتحليل بدائل الحلول قد يعتمد كلية على المجهود الفردى لصانع القرار، أو قد يتطلب مجهوداً جماعياً وخبرات متنوعة.

تنفيذ القرار ومتابعة التنفيذ:

وهذا يعنى بدء العمل فى تنفيذ القرار المتخذ فى ضوء الخطوات الموضوعة، ويحدد تنفيذ القرار مدى فعاليته وقابليته للتطبيق العملى، ومن ناحية أخرى فإن تنفيذ القرار لن يؤدى إلى تحقيق الأهداف المرغوبة ما لم تتم عمليات المراقبة والمتابعة للتأكد من أن التنفيذ يتم طبقا للقرار، ويتم اتخاذ الإجراءات التصحيحية إذا ما حدث انحراف عن التنفيذ.

تقييم القرار:

وأخيراً، فإنه من المهم أن تعرف الإدارة "ردود الأفعال" تجاه قراراتها المتخذة بصورة مستمرة، وذلك بإمدادها المستمر بالمعلومات التى توضح لها آثار تصرفاتها ونتائجها. ومن ناحية أخرى فإن المعلومات المرتدة تعد بالنسبة للإدارة بمثابة طريقة للتعلم وتغيير السلوك. ويمكن الحكم على فعالية القرار من مدى مساهمة القرار فى تحقيق الأهداف المرغوبة، ومدى تكافؤ نتائج وعوائد القرار مع ما يبذل فيه من موارد بشرية ومالية، وطبيعة المشكلات والصعوبات التى واجهته.

وهكذا، فإن "صناعة القرار" من العمليات المتشابكة والمعقدة، والتى يتوقف نجاحها وفعاليتها على العديد من العوامل المحيطة بها. ومن بين هذه العوامل طبيعة الموقف أو المشكلة، وتعدد وتنوع أهداف القرار، وظروف اتخاذ القرار، وعنصر الزمن، وظروف التنظيم، والمنفعة الشخصية لمتخذى القرار، والبيئة المحيطة باتخاذ القرار، إلى جانب المعلومات الضرورية اللازمة فى "صناعة القرار".

ولتحقيق الفعالية الكافية فى "صناعة" القرار يجب الالتزام بتوافر شراكة بين كافة الأطراف إلى جانب الالتزام بتوفير المعلومات الضرورية عند مختلف مستويات اتخاذ القرار.

فشراكة كافة الأطراف تسهم فى اتخاذ قرارات أكثر فعالية من تلك التى يتخذها مستوى بعينه بعيداً عن مشاركة كافة المستويات، وفى هذا الصدد يجب توافر معلومات كافية عند متخذى القرار.

ولكن ما أوجه الاستفادة من مفاهيم وسمات القرار بصفة عامة فى "صناعة" القرار التربوى الفعال فى مجال التربية والتعليم بصفة خاصة؟. هذا ما سنعرض له فى السطور التالية:

فعالية القرار التربوى:

من استعراض سمات القرار وفعاليته، أمكن استخلاص أن عنصر الشراكة يلعب دوراً هاماً فى "صناعة" القرار. وتطبيقا لمبدأ الشراكة فى "صناعة" القرار، وانطلاقا من هذا الإدراك الواعى، وشعورا بأهمية وخطورة الدور الذى يقوم به المربون فى العملية التعليمية، ظهرت عدة كتابات ودراسات ميدانية، تناولت العلاقات القائمة فى المؤسسات التربوية، وكيفية إدارة هذه المؤسسات، والعاملين فيها، والأدوار التى يستطيع المربون القيام بها فى إدارة مؤسساتهم، وقد بينت هذه الدراسات أن العملية التعليمية تتحسن وتحقق أهدافها باشراك المربين فى اتخاذ القرار التربوى(95).

وقيمة القرار التربوى وأهميته، تزداد بزيادة حجمه، ومستوى انتشاره على مستوى القاعدة، وهذا يقتضى شعوراً حقيقياً من جانب المشاركين بـ"إشكالية" القرار التربوى وأبعادها، وهناك ثمة تأكيد على ضرورة توافر عنصر المشاركة إزاء عملية "صناعة" القرار التربوى، ذلك أن شرط المشاركة يشير إلى إمكانية حصر أكبر "كم" ممكن من المعلومات والبيانات والبدائل المطروحة، بما يضمن الاختيار الأفضل من بين هذه البدائل(96).

واشتراك أكبر عدد ممكن من العاملين فى صنع القرار يجعل كثيراً منها مبنياً على أساس من العدالة والمنطقية، الأمر الذى يرغب الكثيرين من العاملين فى تطبيقها والسير بموجبها، وبذل المزيد من الجهد فى تحقيقها(97).

ولكى تؤتى المشاركة ثمارها المرجوة، يُحبذ أن يشعر المشاركون بأن ما يؤخذ من قرارات ترتبط بمصالحهم، وأن تتميز علاقات المشاركين فيما بينهم بالثقة المتبادلة، كما يجب  أن يكون لديهم شعور بأن استقلالهم غير محدد. وهناك من يذهب بالمشاركة إلى حد إشراك الآباء وأولياء الأمور فيما يؤخذ بشأن أبنائهم من قرارات، وكذلك الساسة وأصحاب المواقع القيادية بالمجتمع(98).

ويلاحظ أن ثمة حاجة للأخذ بنوع من التوفيق فيما بين الأساليب المركزية واللامركزية بما يضمن تدفق المعلومات، والمشاركة فى الخبرات، وتنمية روح التعاون بين المعنيين.

كما أن إشراك المربين فى رسم السياسة، وتخطيط البرامج التربوية فى "صناعة" القرار التربوى، يرفع من الروح المعنوية لهؤلاء المربين، ويشعرهم بأنهم على جانب كبير من الأهمية، وأن لهم دوراً فى القرارات التى تتخذ. أما إذا كانت السياسة التربوية ترسمها سلطة عليا خارج جدران المدرسة، فإن إدارة المدرسة الناجحة يمكنها أن تنمى الروح المعنوية للمعلمين بإحاطتهم بتلك السياسة. وحينذاك تكون لدى المربين فرصة لإجراء تعديلات وفقاً للسياسة الجديدة فى العملية التعليمية، فإحاطة المربين علماً بالمتغيرات التى تحدث فى سياسة التعليم تمكنهم من تعديل الخطط التربوية الفردية وفقاً لتلك التغيرات، وتجعل فى إمكان المربين أن يرسموا الخطط التى توضع بها السياسة الجديدة موضع التنفيذ.

وتؤدى البيانات (التى تُجمع بشتى طرق جمع المعلومات) دوراً هاماً فى فعالية القرار التربوى، فالنتائج التى تتعلق ببعض الأهداف المحددة للنظام التعليمى تؤثر فى فعالية هذا القرار التربوى. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لدى استغلال البيانات المستقاة من طرق جمع المعلومات، ينبغى التأكد من الصلاحية العلمية للطريقة التى صممت ونفذت فيها هذه الدراسات.. كتلك التى أهمل أصحابها الإشارة بوضوح إلى الفئة السكانية المستهدفة، وإلى الطرائق الموضوعية فى تشكيل العينات وتفريعاتها، وإلى مراحل ووحدات تشكيل العينات ذات الدرجات المتعددة، وإلى التقنيات المستخدمة لخفض مخاطر الانحراف.

والتفاوتات الناجمة عن عدم الرد على الأسئلة إلى حدها الأدنى، وإلى حجم العينات المصممة والمعتمدة، وإلى مجال الخطأ فى تشكيل العينات، تلك الدراسات يجب أن تقابل بأكبر قدر ممكن من الحيطة والحذر، كما أن البيانات التى تجمع فى إطار نظم الامتحانات الوظيفية يمكن أن تشكل كذلك مصدراً مهماً للمعلومات، ويمكن أن تبلغ إلى المعلمين ومديرى المدارس بشكل مستويات أداء لكل سنة دراسية ممثلة من جهة، ولمجموعات المدارس التى هى فى خدمة مجتمعات ذات خصائص اجتماعية واقتصادية متشابهة تقريبا من جهة ثانية، وعندما لا يكون هناك نتائج استقصاءات أو امتحانات قد تضطر النظم التعليمية إلى أن تصمم بنفسها طرائقها الخاصة فى متابعة الأداء وتقييمه(99).

وقد لخص )وهيب سمعان، ومحمد منير مرسى)(100) المهارات اللازمة لنجاح الإدارة التعليمية فى صناعة القرار التربوى الفعال إلى مهارات إدارية، والمقصود بالمهارة أداء العمل بسرعة ودقة، وهذه المهارات مكتسبة، أى يكتسبها أفراد متخذو القرار التربوى من خلال خبراتهم وتجاربهم وممارستهم، وهناك مجموعة من المهارات التى تعتبر ضرورية  فى صناعة القرار التربوى الفعال مثل المهارات الابتكارية، وهى تتعلق بمدى كفاءة "صانع" القرار فى ابتكار الأفكار والإحساس بالمشكلات، الفنية فى الحلول. والمهارات الابتكارية ضرورية لمساعدة "صانعى" القرارات التربوية على النجاح فى تخطيط العمل وتوجيهه وترتيب الأولويات وتوقع الأمور التى يمكن أن تحدث مستقبلا.

وإلى جانب المهارات الابتكارية توجد المهارات الفنية والتى تتعلق بالأساليب والطرائق التى يستخدمها "صانع القرار" فى ممارسته لعمله ومعالجته للمواقف التى يصادفها. وتتطلب هذه المهارات الفنية توفر قدر ضرورى من المعلومات التى يتطلبها نجاح القرار التربوى الفعال.

والمهارات الإنسانية مهمة وضرورية فى فعالية القرار التربوى، وذلك نظراً للتنوع الكبير فيما بين الأفراد الذين يشملهم القرار التربوى.

كما أن وجود نظام فعال للاتصال فى الإدارة التربوية يعتبر أمراً هاماً فى فعالية أى قرار تربوى، ويمكن النظر إلى عملية الاتصال فى فعالية القرار التربوى من زاويتين(101). هما: الاتصالات الرسمية، وهى عمليات وأساليب الاتصال التى تنقل وجهة نظر ورغبات وتعليمات المستويات العليا للإدارة التربوية إلى المستويات الأدنى، كما تنقل بالمقابل ردود فعل ومطالب واقتراحات الكوادر الإدارية والفنية فى المستويات الأدنى إلى أصحاب "صناعة" القرار فى المستويات الأعلى. والنوع الثانى من الاتصالات هو نظام الاتصالات غير الرسمية، والتى تعتبر فى كثير من الإدارات التعليمية وسيلة فعالة لتنفيذ الأعمال وتحقيق الأهداف. ويعتمد هذا النوع من الاتصالات على وجود علاقة إنسانية متطورة بين عناصر الإدارة التربوية، وبينها وبين المؤسسات والمنظمات الأخرى فى المجتمع، وبمعنى آخر، فإن هذا النوع من الاتصالات وتبادل المعلومات يعتمد على مدى تنمية العلاقات الشخصية بين عناصر الإدارات التربوية المختلفة، وبقية إدارات المجتمع التنموية.

وقد لخصت إحدى الدراسات(102)  العوامل التى تساعد على فعالية القرار التربوي فى مدى التزام القرار التربوى بالأسس والقواعد التى يبنى عليها القرار، والشرح الموجز والمختصر عن الأهداف الفرعية للقرار التربوى الأصلى، وإدراك "صانعى" القرار والمامهم بالأبعاد النفسية التى قد يتركها أى قرار على نفسيات العاملين، وهذا يؤدى إلى تقبل القرار التربوى الجديد، وإلى جانب ذلك تطبيق القرارات الهامة على مراحل، تجنباً لما ينتج عن تطبيقها دفعة واحدة من مشكلات ومآخذ، ووضوح محتويات القرار التربوى وصياغته فى أسلوب علمى مفهوم، وقدرة القرار التربوى على البقاء لفترة زمنية معقولة، لأن ذلك يؤكد صحة المعلومات التى بنى عليها القرار وملاءمته للظروف والأوضاع المجتمعية المحيطة فيه هذا القرار التربوى، إلى جانب تحديد الصلاحيات والواجبات والاختصاصات لكل مستوى من مستويات "صناعة" القرار التربوى الفعال.

وتجمع مدارس الفكر التنموى والتربوى- حالياً- على أن التربية هى جزء من كل، ونظام فرعى من نظام كلى شامل هو المجتمع بكل فئاته وهياكله، وهى بالتالى لا تقوى وحدها على الاضطلاع بمسئولية تنشئة الأجيال(103)، إنما تحتاج إلى خارطة طريق فى نمط شراكة مجتمعية فعالة فى دعم أهدافها وكافة أنشطتها التربوية.

وتأسيسا على ذلك، فإن فعالية القرار التربوى يجب أن تأخذ فى اعتبارها أن مسئولية التربية مشتركة، وأن كثيراً من جوانبها يرتبط بأرض الواقع، ومن ثم يجب أن يكون القرار التربوى واقعياً وقابلاً للتطبيق، ويجب أن يهتم القرار التربوى بدور المدرسة، وأن يصل إلى تصور عما يوجد من قصور فى عناصر البيئة المدرسية، ومدى ملاءمتها لتحقيق الأهداف التربوية من حيث المناهج، والمعلم، والأبنية المدرسية، ونظم الإدارة المدرسية.

كما أن تعدد مصادر المعلومات، وزيادة حجمها إلى حد الانفجار المعرفى أحياناً، مع التطور التقنى الذى أتاح لها سهولة الجمع، وسرعة التدفق والانتشار، قد وضع الناس أمام وسائط جديدة، مؤثرة وفعالة، فى عملية التعليم والتثقيف. فالاختصاصيون والعاملون فيها أقدر- ولا شك- على تقديم حصيلة خبراتهم المباشرة بفضل ما يتوافر لهم من خبرات ومهارات وإمكانات، وهو الأمر الذى يدفع هؤلاء إلى الإسهام فى الأنشطة التربوية والثقافية، بجانب نشاطهم الإنتاجى فى مؤسساتهم(104). ولا شك أن العملية التعليمية فى أشد الاحتياج إلى قرارات تربوية فعالة فى مواجهة هذه المتغيرات.

ويشارك القرار التربوى فى التخطيط للأنشطة التعليمية، فيعمل "القرار التربوى" على توفير المواد المتنوعة، والمثيرة للاهتمام، والقابلة للاستعمال، ويمكن للقرار التربوى توفير فرص المشاركة فى الأنشطة التعليمية، وتشجيع الطلاب على ممارسة هذه الأنشطة، واكتساب المتعة من خبراتهم. وفعالية القرار التربوى فى هذا المجال يتطلب التخطيط السليم للأنشطة، وإبراز الدور الفعال للمشرف التربوى على هذه الأنشطة التعليمية بحيث يهيئ جواً مناسباً لممارسة هذه الأنشطة بحرية(105).

وتعد العلاقات الإنسانية فى صياغة القرار التربوى من الأمور بالغة الأهمية لتحقيق الانجازات التربوية المهمة. والثقة المتبادلة بين كافة أفراد "صانعى" القرار التربوى ينبغى أن تسود فى ظل العمل التربوى. وهكذا فان إنماء الثقة بين أفراد "صانعى" القرار التربوى تعتبر من المهارات اللازمة فى فعالية القرار التربوى وقد قدمت إحدى الدراسات لجوانب الثقة التى ينبغى توافرها فيما بين الأفراد المتعاونين فى "صناعة" القرار التربوى فى عناصر المشاركة والمشاطرة فى الأحداث الشخصية، كالأمور الأسرية، والمشاعر، وقابلية تحمل الخطأ والمدى المتوقع لقدرة المسئول على تحمل الخطأ، ذلك أن الخطأ من طبيعة البشر، إلى جانب عنصر الاخلاص والالتزام بالأهداف الثابتة للتنظيم وقادته، وقبول الآخرين فى تزويد المعلومات وصنع القرار، والتقدير أى الرغبة فى تبادل الأفكار والمثل مع الآخرين، والدراية أى تحسس حاجات الآخرين، والاتصال والوضوح فى التواصل مع الآخرين شفوياً أو كتابياً، والانفتاح والرغبة فى استقصاء خبرات جديدة، والاستقامة وتحاشى الخداع(106).

وتمثل عملية الاتصال أحد العناصر الرئيسة فى التفاعل الإنسانى، وعن طريق أنظمة الاتصالات الجيدة تفاعلت الجماعات والمنشآت مع بعضها البعض، واستطاعت احراز تقدم ملموس فى نمو المجتمعات، وفى الوقت نفسه كانت أنظمة الاتصال السيئة السبب فى نشوء الكثير من المشكلات فى المجتمعات الإنسانية(107).

وأهمية الاتصال والتواصل تظهر فى مدى فعالية القرار التربوى، فوجود اتصال سليم وفعال ضرورة ملحة فى فعالية القرار التربوى والاستفادة من جميع جوانبه، لأن الجهات الموكل إليها تنفيذ القرار التربوى تستطيع القيام بتحليل المواقف أو الإشكالية التربوية بشكل سليم، كما تستطيع وضع حل أو حلول بديلة ملائمة ومناسبة لذلك الموقف أو تلك الإشكالية من كافة الجوانب، مع حساب كل التوقعات والنتائج المترتبة على ذلك الحل. وقد يفشل كل ذلك إذا وجد هناك خطأ فى عمليات التواصل والاتصال بين كافة المعنيين بالقرار التربوى، فتبادل المعلومات من خلال اتصالات جيدة بين أطراف العملية التعليمية يسهم فى فعالية القرار التربوى.

وتلعب المشاركة الشعبية دوراً هاماً فى فعالية القرار التربوى، وتتجلى أهمية المشاركة الشعبية- كما يتصورها (ضياء الدين زاهر) فى مقاله: تأملات فى مسألة المشاركة الشعبية فى التعليم(108)، فى كونها التعبير الصادق عن حق إنسانى أكدته وتؤكده كافة المواثيق والدساتير الدولية المتصلة بحقوق الإنسان، والتى تؤكد على أن للإنسان الحق الكامل فى المشاركة فى قضايا مجتمعه عن طريق إبداء الرأى، أو تقديم المعونة للآخرين، أو الاشتراك فى إدارة الشئون العامة لبلاده بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، منظمة، أو حرة، وكذا حقه فى أن يشارك بحرية فى الحركة الثقافية لمجتمعه.

فالمشاركة أذن- كمبدأ إنسانى وديمقراطى- تعطى للإنسان الحق فى إخضاع كافة المسائل والموضوعات التى تؤثر فى حياته وحياة جماعته ومجتمعه للمناقشة وإبداء الرأى. وقد يصبح من المستحيل الفصل بين المشاركة الشعبية، وكافة جوانب العملية التعليمية باعتبار الأولى هدفاً وشرطاً للثانية فى آن واحد. فالعملية التعليمية لا تصبح فعالة إلا بقدر ما يشعر الشعب بالحاجة إليها لمواجهة المطالب الجوهرية، وإشباع الحاجة إلى المشاركة فى صنع وإصدار القرارات المؤثرة فى حياته وتشكيل مستقبله.

ولاحداث الفعالية فى القرار التربوى اقترح هذا المقال التوسع فى الاتجاه نحو اللامركزية، على نحو يضمن توزيع سلطات اتخاذ القرار، وتفويضها إلى مستويات أدنى حتى تصل إلى أصغر تشكيل إدارى (المدرسة) وربما يُسمح "للمحليات" بحرية التصرف فى الأموال التى تخصص لها وفق حاجتها، والمشاركة الفعلية فى تصريف شئونها التعليمية، وبالتالى المشاركة الفعلية للجماهير فى فعالية القرار التربوى فى المجتمع.

وقد تساهم التنمية الإدارية للقيادات التربوية بكافة مستوياتها فى فعالية القرار التربوى، وانتقاء وتعيين العناصر التى تتميز بالكفاءة فى الإدارة التعليمية، وإعدادها علمياً راقياً، على نحو يتناسب مع طبيعة مقتضيات الإدارة الحديثة، يسهم حتماً فى فعالية أى قرار تربوى سواء من حيث رسم سياساته واستراتيجياته، أو تنفيذ خططه بدءاً من مرحلة صناعته وحتى مراحل تنفيذه.

وقد نادى ضياء الدين زاهر فى هذا المجال(109). بتطوير جذرى وشامل لبرامج التدريب الحالية للعاملين فى الإدارة التربوية والتعليمية بما يضمن زيادة أكيدة فى فعاليتها، وبما يتيح لهؤلاء العاملين برامج للتنمية المستمرة مصاحبة لكل تطور وتغير يطرأ على النظام التعليمى والإدارى، وهناك الدعوة إلى التوسع فى إنشاء مراكز لنظم المعلومات التربوية، وعلى امتداد كافة قطاعات التعليم لمساعدة الإدارة التربوية- على كافة المستويات- فى رؤية واقع العملية التعليمية والمعاونة على توضيح أبعاد المواقف الإدارية بغية اتخاذ القرارات التربوية الفعالة، وإعادة النظر فى القوانين والتشريعات القانونية والإدارية والمالية التى تسيطر على النظام التعليمى، والتى لا تتناسب مع طبيعة المتغيرات والتحولات التى أصابت كل قطاعات المجتمع، بغية إزالة العوائق أمام صانعى القرار التربوى، وتوجيه، وفتح مسارات الحركة أمامه، على أن يكون ذلك مصحوبا بإعادة تحديد وتوصيف الأدوار والمسئوليات الإدارية المختلفة.

ومن استعراض مفهوم القرار، وسمات ومراحل صناعته، يمكن الخروج بنتائج مؤداها أن "صناعة" القرار بصفة عامة و"صناعة" القرار التربوى بصفة خاصة تكمن قيمته وأهميته فى ضوء توافر عدة شروط منها: توافر عنصر المشاركة، واستقلالية من يشارك فى صناعة" القرار" التربوى، والتوفيق بين الأساليب المركزية واللامركزية فى جمع المعلومات الضرورية فى "صناعة" هذا القرار. كما أن "صناعة" القرار التربوى الفعال لا تخضع لخطوات محددة بعينها، بل يمكن أن تتم فى ضوء عدة فرضيات(110)، هى:

الفرضية الأولى:

تتضمن عملية "صناعة" القرار التربوى الفعال خمس خطوات رئيسه هى:

1-   إدراك وتحديد المشكلة التربوية أو الإشكالية التعليمية.

2-   تحليل الصعوبات فى الموقف التربوى أو التعليمى الحالى.

3-   بناء وإقامة المحكات والمعايير العلمية الكافية لحل هذه الصعوبات.

4-  التفكير فى إقامة خطة تنفيذية وفق احتمالات معينة من البدائل، وإتاحة المجال للاختيار والاستدلال بنتائج محتملة لكل بديل من هذه البدائل، وإتاحة الفرصة لاختيار أفضل بديل للعمل والتنفيذ.

5-   البدء فى خطة التنفيذ.

ويجب أن تخدم هذه الخطوات بعضها البعض، ويجب أيضا أن تكون هذه الخطوات ذات طبيعة دائرية ومتداخلة بحيث يمكن أن تسبق خطوة خطوة أخرى أو تلاحقها، وهذا أمر هام فى "صناعة" القرار التربوى الفعال فى مجال التربية والتعليم.

الفرضية الثانية:

أن "صناعة" القرار التربوى الفعال تتم بواسطة فرد أو جماعة أو من خلال التعاون بينهما، فصناعة القرار التربوى عبارة عن وجوه متداخلة من أوجه التعاون بين كافة العاملين فى مجال التربية والتعليم. والمهم فى هذا أن عوامل التعاون يجب أن تتميز بالعديد من الخصائص منها: الاستمرارية، وتفردها بالنواحى الأخلاقية، وأن تستعد لمواجهة التحديات، وأن تنشد النمو والتقدم فى مجال التربية والتعليم.

الفرضية الثالثة:

أن العاملين فى الحقل التربوى لا يستطيعون- أحيانا- صنع قرارات تربوية فعالة لأن أوجه التربية والتعليم معقدة ومتداخلة الإشكاليات، ومن ثم فإن معظم القرارات التربوية تكون مهتمة باختيار فرض من بين عدة بدائل، وقد يكون ذلك نسبيا، ولا يتم اختيار أحسن البدائل وأكثرها فائدة فى مجال التربية والتعليم لأسباب مجتمعية، فالمسئول يبحث عن "أفضل" البدائل بالدرجة الكافية التى ترضى العالم الخارجى، ولا يبحث عن "أحسن" البدائل التى تحقق فعالية التربية والتعليم.

الفرضية الرابعة:

تتم "صناعة" القرار التربوى الفعال من وضع "افقى"، ويتم مد العاملين فى مجال التربية والتعليم بهذا القرار التربوى، وحجة هذه الفرضية أن هؤلاء العاملين لا يستطيعون أن يتخذوا قرارات تربوية فعالة، فمسئوليات "الرئيس" هى تحديد الغايات المتعلقة بمناحى التربية والتعليم، ومسئوليات المرؤوسين تنحصر فى تحديد أفضل الوسائل لتحقيق هذه الغايات. وهذه الوسائل يجب أن تكون فى إطار اللوائح والإجراءات التنظيمية والبدائل والخيارات المطروحة، ويجب أن يكون هذا القرار التربوى محاطا بقيم وبدائل وخيارات معدة سلفاً من قبل الهيئة صاحبة هذا القرار.

الفرضية الخامسة:

إن "صناعة" القرار التربوى الفعال يجب النظر إليها على أنها نمط من أنماط العمل فى مهام المناهج وطرق التدريس، والمبانى، والتجهيزات، وشئون الطلاب، والتقويم، والتوجيه، والشئون المالية والإدارية… الخ. ومن ثم فإن "صناعة" القرار التربوى الفعال تشمل كافة الأمور التعليمية، ولا يمكن لطرف أن يستأثر بها دون كافة أطراف العملية التعليمية.

ومن تحليل هذه الفرضيات الخمسة فى مجال "صناعة" القرار التربوى الفعال، يمكن القول بأن القرار التربوى يجب أن يرتكز على شراكة فعالة بين مستويات متعددة، منها مستوى المعلمين وأولياء الأمور، ومستوى مديرى المدارس، ومستوى الإدارات المحلية، ومستوى السلطات الوطنية. هذا إذا أردنا الفعالية التامة فى صناعة القرار التربوى.

وهنا، نوجه الدعوة إلى استخدام (حلقة) "صناعة" القرار التربوى بحيث تشمل هذه الحلقة عدة خطوات وتتميز بعدة سمات منها: تحديد المشكلة المراد دراستها، والمشاركة فى صناعة القرار التربوى الفعال من كافة المشاركين فى العملية التعليمية، وأن يتم الاختيار الواعى لأفضل آراء المشاركين، فيجب أولاً تحديد المشكلة التربوية المطلوب قرار تربوى بشأنها، ثم تحديد البدائل، والاستدلال بالتتابع لكل بديل، وأخيراً اختيار "أحسن" هذه البدائل، ويتم اختيار هذا "الأحسن" بعد إتاحة الفرصة الكافية للمشاركة فى إبداء جميع الآراء.

وبهذا ينظر إلى "صناعة" القرار التربوى الفعال كمجموعة من العمليات المتشابكة التى تتكامل فيما بينها داخل المنظومة التعليمية، وبينها وبين نفسها، لتحقيق الفعالية المطلوبة والمنشودة من العملية التربوية، وبهذا فإن كلا من المعلمين وأولياء الأمور، ومديرى المدارس، والعاملين بالمناطق المحلية، وبالمناطق المركزية، يعتبرون حلقات دائرية متفاعلة فيما بينها، ومتعاونة، من أجل تهيئة أفضل الظروف لتحقيق الأهداف التربوية والاجتماعية التى وضعت من أجلها.

"وصناعة" القرار التربوى الفعال تعتمد على أدوار المعلمين فيها، فالمعلم فى مدرسته ربما يكون رأيه ضرورياً فى فعالية القرار التربوى، أيضا الموجهون والعاملون بالمناطق المحلية، لهم دور فعال فى "صناعة" القرار التربوى، فمن خلال المتابعة الميدانية لأعمال المعلمين، ومن خلال رؤيتهم للواقع الميدانى يمكن إبداء الآراء فى أى قرار تربوى.

وحيث أنه لا يمكن وضع حد فاصل بين المدرسة والمجتمع، وأن المجتمع يتكون من أفراد تميزهم نظم وتقاليد مشتركة، فإن أولياء الأمور مدعون للمشاركة فى "صناعة" القرار التربوى الفعال، كما أن التعاون بين الآباء وأولياء الأمور والمعلمين يلعب دوراً إيجابياً فى "صناعة" القرار التربوى الفعال، وبهذا يحمل كل من البيت والمدرسة نصيبا فى فعالية القرار التربوى.

فالمدرسة مجتمع صغير، وفيها مستويات قيادية متدرجة، من مجلس الآباء بالمدرسة الذى يضم بعض الأهالى مع بعض العاملين بالمدرسة، ومجلس إدارة المدرسة الذى يضم مدير المدرسة والناظر ومعاونين من المشرفين، وجمعيات الآباء والمعلمين والجماعات المدرسية المختلفة للطلاب كجماعات النشاط والفرق الرياضية، ومجالس الاتحادات الطلابية(111).

كما أن المدرسة مؤسسة تربوية رسمية مقننة، وهى مجتمع صغير بتركيبة بشرية خاصة، ومهمات تنموية حاسمة لحياة الفرد والمجتمع، فالمدير المدرسى يجب أن يكون فرداً قادراً بالتوجيه على صيانة وتشغيل البناء المدرسى مادياً، وعلى ترشيد مسئوليات التعلم، وتنسيق عمليات الاتصال والتعامل اليومى للفئات المدرسية، وتشغيل المناهج والمواد والوسائل التعليمية، وتقرير كفاية التحصيل المدرسى، وإدارة القوى العاملة المدرسية، والمساهمة فى تخطيط وتوجيه الأنشطة الإضافية اللامنهجية، وتطبيق النظم والأحكام المدرسية، وتنظيم علاقات المدرسة مع الأسر والمجتمعات المحلية والدعاية لرسالة المدرسة لدى الجهات الاجتماعية(112).

أيضا النظام المدرسى أصبح مشكلة خطيرة لمعظم المعلمين فى المدرسة، ومع ازدياد خطورة مشاكل النظام، أصبح لزاماً أن يكون المعلم على درجة من الكفاءة (فى قوة شخصيته ومستوى معرفته) لضبط سلوك المتعلمين. هذا ولا يعنى الضبط أن يتمتع المتعلم بالهدوء الكامل، وعدم الحركة، وإنما يكون المتعلم قادراً على تلبية توقعات دوره كمتعلم، ملتزماً بسلوك ملائم يعبر عن متعلم متحضر(113).

وبالنسبة لمدير المدرسة، فإن أهم المسئوليات الفنية له تنحصر فى رفع مستوى العملية التربوية فى مدرسته فى ضوء الجديد من المعرفة والتكنولوجيا، والإشراف على كافة ألوان النشاط المدرسى، ووضع خطة خاصة به، والإشراف على برامج التوجيه والإرشاد للمتعلمين، وزيارة فصول المدرسة زيارات متكررة لتقويم كل من المعلمين والمتعلمين، وتوجيه العاملين بالمدرسة والتلاميذ أخلاقياً وفنياً، وتنظيم الاختبارات المدرسية، ودراسة نتائجها، بالتعاون مع أولياء الأمور، وتقديم التقارير الفنية والإدارية إلى السلطات المحلية(114).

وتستطيع السلطات المحلية المشاركة وبفعالية فى القرار التربوى، وفى شئون التربية والتعليم، فهى تستطيع أن تؤثر فى "صناعة" القرار التربوى فيما يتعلق بإنشاء وتجهيز وإدارة المدارس، وكذلك فى تنفيذ المناهج والامتحانات ووسائل تقويم الطلاب، وفى القرارات التربوية فى مجال مواعيد الدراسة، والامتحانات والعطلات.. إلى غير ذلك من الأمور.

وفى هذا الصدد يشير (مصطفى متولى)(115)، إلى أن مسئولى الإشراف الفنى بالسلطات المحلية لهم دور هام فى سير العمل المدرسى بطريقة فعالة، وفى التنسيق بين وظيفة المدرسة وبين أنواع النشاط التربوى الأخرى التى تمارسها باقى السلطات المحلية، وبهذا يكون الإشراف الفنى من جهة السلطات المحلية من أهم العوامل التى تساعد على نجاح العملية التربوية، وتعمل على تحقيق أهدافها، وتهتم السلطات المحلية بتحسين أدوار المعلمين وتحسين عمليتى التعليم والتعلم.

ومن أهم مسئوليات أفراد السلطة المحلية فى جوانب العملية التعليمية زيارة المعلمين فى الفصول للتأكد من مستوى أداء المعلم فى العملية التعليمية، والقيام بشرح نقاط المنهج، والمتابعة الميدانية للوقوف على حالة المدارس فى المنطقة المحلية، ومتابعة الكتب المدرسية والتأكد من توافرها، ومتابعة تنفيذ التوجيهات الوزارية والتربوية والتأكيد عليها، أى أن السلطات المحلية تحدد أهداف السياسة التعليمية واتجاهاتها العامة، إلى جانب تحديد أهداف المراحل التعليمية وخصائص الطلاب ودراسة المناهج والخطط الدراسية والأنشطة التعليمية، بما يتناغم مع توجهات السلطات الوطنية(116).

وعلى المستوى الوطنى، تكمن الأهمية القصوى فى صناعة القرار التربوى، فى واقتراح القوانين واللوائح والتشريعات التى تتعلق بمسائل التعليم وتتبع السلطات الوطنية مباشرة، ومن ضمن القرارات التربوية على المستوى الوطنى ما يتعلق بأى اقتراحات فى مجال تغيير المناهج الدراسية، وحقوق وتأليف الكتب الدراسية المقررة.

وهناك رؤية ترى أن المستوى الوطنى (المركزى) هو الذى يشرف على الاستثمار فى الإنسان عموماً، والسلطة المركزية هى التى تنسق بين مختلف المناطق المحلية فى هذا الاستثمار، وتضع الخطوط العريضة للسياسة التربوية، وتحدد الخطط العاجلة والآجلة، وتتابع تنفيذ هذه الخطط(117).

ويمكن تلخيص دور السلطات الوطنية فى صناعة القرار التربوى فى جوانب وضع سياسة تعليمية متوازنة على مستوى المجتمع القومى باختلاف المحليات، وباختلاف نوعيات التعليم ومراحله، وتنسق السلطات الوطنية مشروعات خطوط التوسع التعليمى فى ضوء الاحتياجات المطلوبة بمختلف أنحاء المجتمع، وتحصر السلطات الوطنية التكلفة المالية اللازمة لتقديم خدمة تعليمية متوازنة فى المجتمع، وإعداد خطة البعثات الداخلية والخارجية بالتنسيق مع الدوائر المختلفة داخل السلطات الوطنية، ومع السلطات الوطنية فى المجتمعات الإنسانية الأخرى. وتعمل السلطات الوطنية على التأكد من تنفيذ المناهج الدراسية المناسبة للمجتمع وظروفه، إلى جانب تخطيط أساليب التقويم الخاصة بالتلميذ والمعلمين والتوجيه الفنى وأطراف العملية الإدارية الأخرى(118).

وهكذا، فإن "صناعة" القرار التربوى الفعال يمكن أن تتم فى شكل دائرى، وعلى كافة المستويات: مستوى أولياء الأمور والمعلمين، ومستوى مديرى المدارس ومستوى السلطات المحلية، ومستوى السلطات الوطنية. ويجب فى صناعة القرار التربوى الفعال أن نركز فى كل مستوى من مستوياته على عدة اعتبارات من أهمها:

أولا: تحديد المشكلة أو الإشكالية وإدراك جزئياتها: فتحديد المشكلة والإحاطة بجزئياتها من الأمور الهامة فى صناعة القرار التربوى الفعال، وفهم أسلوب وجزئيات المشكلة له أهمية قصوى فى التحليل، و"صناعة" القرار التربوى الفعال ليست بالضرورة رد فعل لوجود مشكلة تربوية، ففى الحقيقة أن التأثير الفعال اليقظ وتحديد المشكلات وإدراكها، واختيار البدائل الصحيحة وبرامج التنفيذ ربما يعمل على منع المشكلة أصلاً، وفى الوقت نفسه سوف يساعد على إنماء العملية التعليمية.

ثانياً: تحليل الصعوبات فى الموقف التعليمى الراهن: وتعتبر هذه المرحلة من "صناعة" القرار التربوى مرتبطة مباشرة بالخطوة السابقة، والتحليل يعنى تصنيف المشكلة التربوية، بمعنى: هل هى فريدة فى حدوثها أم متكررة؟، وهذا التصنيف يؤسس "ميكانيزمات" وإجراءات "صناعة" القرار التربوى الفعال فى مواجهة هذه المشكلة التربوية المطروحة للنقاش.

ثالثاً: وضع معايير فى "صناعة" القرار التربوى الفعال: فبعد تحليل وتحديد الصعوبات فى الموقف التعليمى، يجب على "صانع" القرار التربوى أن يعتمد ويقرر ماذا يمكن أن يحدد من خطوات الحل فى القرار التربوى؟، ما الواجبات المقارنة بمقابلة الحاجات؟، هل الحل النهائى يمكن رؤيته فى هذا القرار التربوى الفعال؟، أم أن هذا القرار يحل جزءا أو جزئيات من المشكلة الرئيسة؟، وربما يقدم القرار التربوى نتائج جزئية فى ضوء تحقيق الرضا المجتمعى، وبصفة عامة، تستخدم المعايير فى الحكم على فعالية القرار التربوي من عدمها.

رابعاً: تنفيذ القرار التربوى الفعال: يجب أن يفكر صانع القرار فى كيفية تنفيذه، فبعد التعرف على المشكلة، وجمع المعلومات، وتحديد المشكلة، من الضرورى على "صانع" القرار التربوى أن يطور خطة الفعل بطريقة عملية من حيث تحديد والاستدلال، والتنبؤ الجيد، ودراسة واختيار البدائل لتنفيذ القرار التربوى، وعلى ذلك فإن "صناعة" القرار التربوى يجب أن ترتبط بأرض الواقع، لكى يصبح القرار التربوى فعالاً.

ومن حيث تحديد البدائل لتنفيذ القرار التربوى، فإن اختيار العديد من البدائل واكتشافها وتحديدها قد يكون مفيداً فى تنفيذ القرار التربوى، فصانعوا القرارات التربوية يستطيعون تنمية بدائل محددة وفريدة فى صناعة القرار التربوى الفعال، وفى هذا الصدد فإن استخدام استراتيجيات البدائل المؤقتة فى الدراسة والتفكير فى "صناعة" القرار التربوى الفعال لأمر جدير بأن يؤخذ فى الاعتبار، فالبدائل المؤقتة غالباً ما تكون أساساً طيباً لكثير من التوجهات الفعالة فى "صناعة" القرار التربوى الفعال.

ومن حيث الاستدلال بالنتائج المتوخاة من القرار التربوى الفعال، فإن لكل بديل درجة محددة من النتائج، ومن ثم فإن صياغة البدائل وتتابعها المحتمل له قدرة على الاستدلال بالنتائج إلى درجة ما.. وهكذا يؤكد الاستدلال بالتتابع الحاجة إلى منظومة للمعلومات الضرورية فى صناعة القرار التربوى الفعال.

ومن حيث دراسة واختيار البدائل لتنفيذ القرار التربوى الفعال، فإن تسجيل كافة المعلومات الضرورية سوف تكون مفيدة فى صناعة القرار التربوى، وطبيعة المعلومات المتوفرة لدى صانعى القرار تعطى أفضل بديل لتنفيذ هذا القرار التربوى، وصياغة خطة العمل والبدء فى التنفيذ هو العنصر الأخير فى صناعة القرار التربوى الفعال.

وهكذا فإن "صناعة" القرار التربوى الفعال يجب أن تتم فى شكل دائرى لإحداث الفعالية المطلوبة فى مجال التربية والتعليم، فكل مستوى من مستويات العملية التعليمية يجب أن يساهم فى "صناعة" القرار التربوى الفعال، ولتحقيق أقصى فعالية، يلزم على كل مستوى أن يؤثر فى "صناعة" القرار التربوى، ومدى تأثير كل مستوى من مستويات العملية التعليمية فى "صناعة" القرار التربوى الفعال يتوقف على طبيعة المعلومات المتوفرة لكل مستوى من مستويات اتخاذ القرار، فحلقة المعلمين وأولياء الأمور تتوفر لديهم معلومات مفصلة وجيدة فى "صناعة" القرار التربوى الفعال إذا كان ذلك مرتبطا بخصائص المتعلمين، فى حين أن مستوى مديرى المدارس تتوفر لديه أفضل المعلومات الضرورية فى صناعة أى قرار تربوى فعال على مستوى المدارس التى يعملون فيها.

أما إذا كانت "صناعة" القرار التربوى الفعال مرتبطة "بكم" من المدارس المتواجدة فى منطقة تعليمية (محلية) واحدة، فإن أفضل من يمتلك معلومات هامة فى ذلك الشأن هم السلطات المحلية.

وإذا كان القرار التربوى انعكاسا لموقف مجتمعى، وعلى مستوى الدولة، فإن السلطات الوطنية هى المهيأة، وهى التى تمتلك المعلومات الضرورية فى "صناعة" هذا القرار التربوى الفعال.

3- تنويع مصادر التمويل وترشيد الإنفاق فى مجال التعليم المصرى:

لتوضيح خارطة الطريق فى نمط الشراكة المجتمعية من أجل ترشيد الإنفاق فى مجال التعليم المصرى، هناك ضرورة فى إلقاء الضوء على كافة الرؤى فى مفاهيم الكلفة والتمويل وترشيد الإنفاق مع الحفاظ على جودة العائد وتحسينه فى مجال التعليم.

وبداية تتسم قضايا القرن الحادى والعشرين بالتغير السريع، بل المذهل فى بعض جوانبها- ومن بين هذه القضايا المطروحة للنقاش والجدل قضايا الكلفة والعائد فى مجال التعليم، وكيفية ترشيد النفقات التعليمية وتنظيم الجهود وبلورتها فى اتجاه إعداد الإنسان المتعلم القادر على العمل والعطاء والتكيف مع التطورات المهنية السريعة بما يحقق أقصى عائد ممكن من التعليم.

وللكلفة والعائد عديد من المفاهيم التى توضح معناها ودورها فى مجال التعليم، حيث يترادف مفهوم "الكلفة" مع النفقات والجهد المبذول فيها،وهذه النفقات والجهد المبذول فيها قد تكون خاصة أى من قبل الأفراد، وقد تكون عامة، اجتماعية، أى من قبل المجتمع.

أما مفهوم "العائد" فيترادف مع النفع والفائدة، ومن ثم فقد يكون متعلقاً بالفرد، أى بما يعود بالنفع على الفرد، أو قد يكون عائداً عاماً متعلقاً بالمنافع التى تعود على المجتمع من جراء هذه "الكلفة".

وفى مجال التعليم تتضمن "الكلفة" أكثر من الحسابات الظاهرة للنفقات من النقود، سواءٌ النفقات الخاصة، أى من قبل الأفراد، أو النفقات الاجتماعية، أى الكلفة الاجتماعية من قبل المجتمع، "فكلفة التعليم" إذن تتضمن تقديراً لكلفة كافة الموارد التى تحملها الاقتصاد من أجل التعليم. وهذا يتضمن نفقات رواتب المعلمين، ورسوم التعليم فى المدارس والجامعات، وقيمة اقتناء الكتب والأدوات والسلع المدرسية، إضافة إلى قيمة استخدام المبانى والمعدات المدرسية، بالإضافة إلى تقدير الكلفة الكلية للاستثمار فى التعليم بدلالة الفرص البديلة التى ضحى بها المجتمع ككل، أو الأفراد أنفسهم، إلى جانب قيمة وقت الطلاب مقاساً بدلالة الاستخدامات الجارية والبديلة. وبمعنى آخر - كما يرى (محمود عباس عابدين) (119) فإن "كلفة التعليم" تتسع لتشمل كافة التكاليف الرأسمالية والجارية بالمعنى الشامل لهذه التكاليف.

أما "العائد" فى مجال التعليم فقد يتعلق بالعائد الخاص الذى يعود على الفرد المتعلم، وقد يكون عائداً عاماً، أى يتعلق بالمنافع التقنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإنسانية التى تعود على المجتمع من الكلفة والاستثمار فى التعليم (Yin Chang) (120) فالمنافع التى يتم الحصول عليها من الكلفة فى التعليم تأخذ أشكالاً متعددة بعضها اقتصادى وبعضها غير اقتصادى بعضها شخصى، وبعضها اجتماعى (محمد محروس إسماعيل)(121)، فالفرد يستفيد من التعليم عن طريق حصوله على وظيفة معينة ودخل نقدى منها، وكذلك التمتع بحياة جيدة وبمنتجات حضارية فى مجتمعه. كما أن التعليم يسهم فى النمو الاقتصادى لأى مجتمع، وفى زيادة الدخل القومى له، بالإضافة لعوائد التعليم الأخرى فى مجال العمل ونظام التأمينات والعلاج وأنماط الترفيه وغيرها من الفوائد المكتسبة من التعليم، إلى جانب العوائد الاجتماعية من التعليم مثل تأثير التعليم على صحة الأفراد، وعلى أنماط سلوكهم، وعلى كيفية إنفاق الأفراد دخولهم، إلى جانب دور التعليم فى الارتقاء بالنظام القيمى فى المجتمع، وإنماء جوانب المواطنة الصالحة والانتماء لدى الأفراد، إضافة إلى إسهامات التعليم فى تنمية جوانب التوافق النفسى والسلوك الصحى السوى وتربية الأبناء والاستهلاك الرشيد، إلى جانب دور التعليم فى الوقاية من الجرائم.

وفى ضوء تعاظم مفاهيم العائد من التعليم، وفى ظل الأزمات الاقتصادية، وندرة الموارد،والانفجار السكانى، وما يستتبعه من تزايد تدفق الطلاب على التعليم، إلى جانب تزايد كلفة التعليم بشكل مستمر، تزداد الحاجة إلى دراسة علاقات الكلفة بالعائد كرابط حيوى بين مدخلات أى نظام تعليمى وبين عملياته وأهدافه ومخرجاته.

وقد سارت الدراسات والبحوث السابقة فى تحديدها لنمط العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم فى مدخلات بحثية متمايزة منها مدخل التقرير والمقارنة والترابط بين الكلفة والفوائد، وتحليل الكلفة والمنفعة، والكلفة والفعالية من التعليم، إلى جانب مدخلات النماذج والدوال الرياضية ومدخل الجودة فى تقدير علاقات الكلفة بالعائد فى مجال التعليم.

ومن أجل تحسين نوعية التعليم يفكر المخططون فى كافة أنماط العلاقات بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم، والخيارات المطروحة فى هذه العلاقات. فمسألة الإنفاق على التعليم وتمويله والعائد المرجو من هذه الكلفة تعد من القضايا الجدلية فى ضوء تنوع علاقات الكلفة بالعائد فى مجال التعليم.

فقد أقرت دراسات وبحوث سابقة رؤى تقريرية بوجود عوائد إيجابية عديدة من تعليم أفراد المجتمع تزيد عن الكلفة فى مجال التعليم، كما قدمت دراسات وبحوث سابقة أدلة وصفية فى مدى الترابط بين الكلفة والفائدة من التعليم لدى الأفراد فى سوق العمل والعمالة. كما ركزت رؤى بحثية عديدة على المقارنة بين كلفة التعليم والمنفعة النقدية المتوقعة فى المستقبل، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. وقد عارضت مؤسسات تعليمية فى فرنسا وإيران وإيطاليا(122)  نماذج تحليل الكلفة والمنفعة النقدية المتوقعة من التعليم واعتبرتها عمليات تحليل لا تؤدى إلى نتائج مضمونة فى تحسين نوعية التعليم. وإلى جانب هذه الرؤى البحثية فى علاقات الكلفة والعائد توجد علاقات معدل الكلفة والفعالية أو معدل الكلفة والكفاية الداخلية والخارجية لنظام تعليمى ما، إلى جانب تقدير علاقات الكلفة بالعائد استناداً إلى مدخل النماذج والدوال الرياضية ومدخل الجودة وإمكانية الاستفادة من مفاهيم الجودة فى قطاع الأعمال التجارية والصناعية ومقاييسها المختلفة مثل مقياس الجودة العالمية أيزو 9000 (ISO 9000) فى تحسين العوائد الإنتاجية من التعليم(123).

وقد عرف (جيلمور) (Gilmore)(124)  "الكلفة" بأنها أموال تدفع مقابل تحقيق منفعة معينة. وتعبر "الكلفة"- من هذا المنظور الاقتصادى - عن تضحية بوحدات نقدية، وهذه يمكن قياسها والتنبؤ بها وتحديدها مسبقاً. وعلى هذا يمكن القول بأن "الكلفة" -بهذا المعنى- تمثل ما هو متوقع من تضحيات مالية لازمة لتحقيق أهداف معينة، على أن تكون هذه التضحيات بناءً على تصرف رشيد ويمكن توقعها من جانب الإدارة(125).

وتنقسم "الكلفة" -من وجهة نظر الاقتصاديين- إلى عنصرين هما كلفة صريحة Explicit Cost وهى تناظر "الكلفة" بالمفهوم المحاسبى التقليدى، وكلفة ضمنية Implicit Cost ويطلق عليها اصطلاح الكلفة المتلاشية؛ لأنها تحدث عند التنفيذ، ولا يجوز الاعتماد على بيانات ومعلومات التكاليف، التى حدثت فى الماضى إلاَّ كمؤشر لما ستكون عليه التكاليف فى المستقبل(126)، وأضاف (محمد سويلم)(127). عنصراً ثالثاً "للكلفة" هى كلفة الفرصة (Opportunity Cost) التى تحسب من خلال مقارنة العائد من أى فرص أخرى متاحة لاستثمار هذا المال أو هذه الكلفة، والفرق بين العائد فى الحالتين يسمى كلفة الفرصة.

وهذه الرؤى الاقتصادية لمعنى "الكلفة" ضيقة المعنى ومحدودة الوصف فى المجال التربوى، إذ تتركز اهتماماتها حول المعنى النقدى- أى النفقات النقدية، وتهمل الجهد الفردى والمجتمعى المستتر والمبذول فى هذه "الكلفة"، خاصة حين يتعلق الأمر بمجال التربية والتعليم.

وقد حددت إحدى الدراسات(128) الكلفة بالنفقات الجارية على التعليم، المنظورة وغير المنظورة،ومنها ما يتحمله الطلاب والآباء، إلى جانب الأجور النقدية التى يمكن أن يحصل عليها التلاميذ من فرص العمل التى تتاح لهم أثناء انتظامهم بالمدارس، وثمن الأرض والمبانى التى يهبها الأهالى. والى جانب هذه النفقات الجارية توجد نفقات دورية،ونفقات عامة أو اجتماعية على التعليم.

وعرفت دراسة أخرى(129) "كلفة" التعليم بأنها مجموع النفقات التى يتحملها المجتمع فى سبيل الحصول علىمخرجات التعليم.

وعرف (مهنى غنايم)(130) "كلفة" الطالب بما يخص الطالب الواحد من مجموع ما ينفق على التعليم من قبل الدولة، على أن هناك "كلفة" أخرى ناتجة عن إنفاق الأسرة على أبنائها (تكلفة الأسرة)، بالإضافة إلى تكلفة الفرصة البديلة.

وعرف (جون ستون) (John Stone)(131) "الكلفة" التعليمية بأنها جملة الأموال التى تنفق على النظم التعليمية من أجل تحقيق أهداف قومية اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية.

ورأى (أتكنسون)(132) أن "كلفة" التعليم تشمل الكلفة المباشرة بما تشمله من أموال ينفقها الطلاب والمجتمع على التعليم مباشرة، إلى جانب الكلفة غير المباشرة،وهى تعنى كلفة الفرصة والاختيار والكلفة الاستثمارية. وقد أضاف (باتيس) (Bates)(133) إلى هذه الكلفة فى مجال التعليم تكاليف التقنيات الموجودة حالياً للتدريس، وللتدريس عن بعد، وكلفة الساعة التى يكون فيها أو ينفقها الطالب فى اتصاله مع كل تقنية فى مجال التعليم.

وقدم (أنطون حبيب رحمة)(134) تعريفه لكلفة التعليم بأنها مجموع القيم المادية والمالية التى تنفق أو ينبغى إنفاقها لإنتاج مخرجات معينة من الموارد البشرية.

وترى (هادية أبو كليلة)(135) أن كلفة التعليم قد تكون عامة أو خاصة. الكلفة العامة غالباً ما تقع على عاتق الدولة خاصة إذا كان التعليم بالمجان، والكلفة الخاصة وهى التى تتحملها الأسرة وتتمثل فى بعض أو كل العناصر المتصلة برسوم التعليم فى المدارس والجامعات وقيمة الكتب والأدوات المدرسية الأخرى والدخل الذى يضحى به الفرد الذى فضل الاستمرار فى التعليم وهو ما يسمى (بكلفة الفرصة الضائعة).

ومن استعراض هذه التعريفات للكلفة بدلالة النفقات العامة والخاصة فى مجال التعليم يمكن استخراج أهم جوانب الكلفة فى هذا المجال، وهى الكلفة الحكومية المتمثلة فى الأجور والمرتبات وفى النفقات الدورية على التعليم، إلى جانب أجور المبانى وثمن الأراضى والمعدات والأجهزة المدرسية ونفقات التقنيات التكنولوجية فى مجال التعليم، إضافة إلى الكلفة الخاصة المتمثلة فى المصروفات الإضافية التى يتحملها الطلاب وأولياء الأمور فى مجال التعليم. كما تتضمن جوانب هذه الكلفة الأجور النقدية التى كان يمكن كسبها من فرص العمل أثناء التمدرس (كلفة الفرص الضائعة).

أما فى مجال الكلفة الثابتة والمتغيرة فى مجال التعليم فترى إحدى الدراسات(136) أن تكاليف أى نظام تعليمى تتكون من تكاليف ثابتة وأخرى متغيرة، فالتكاليف الثابتة لا تتغير مع تغير أعداد الطلاب، ولكنها تتغير مع تغير وضع النظام نفسه وحدوث تعديلات هامة فى حجم أنشطته. بينما التكاليف المتغيرة تميل إلى الارتفاع أو الانخفاض مباشرة (بصورة خطية) تبعاً (لتغير أعداد الطلاب)، و(مرتبات المدرسين)، و(تكلفة إنتاج الوسائط التعليمية)، و(المواد المطبوعة)... وغيرها.

وقدم (والتر وماك ماهون) (Walter and McMahon)(137) نوعاً آخر من الكلفة فى التعليم تمثلت فى مدخلات نفقات إعداد المناهج وأجور المعلمين والتجهيزات المادية والعلمية، ونفقات التدريب العملى وكلفة المعارف الاقتصادية التى تقدمها المدارس المهنية والفنية، فهذه كلها لها تأثيرات على معدل العائد من التعليم.

وقد أورد (محمود عباس عابدين)(138) بعض المصطلحات التى تتصل بمفهوم الكلفة فى مجال التعليم منها كلفة الموارد الحقيقية Real Resource Cost مثل أعداد المدرسين وساعات عملهم، وعدد الكتب المدرسية وغيرها. ويمكن أن تقاس هذه الموارد بدلالة قيمتها النقدية، ويعبر عنها ككلفة نقدية أو تمويلية. والكلفة العامة Public Cost وهى التى تدفع أو تمول بواسطة الحكومة. والكلفة الخاصة Private Cost التى يتحملها الطلاب وأسرهم فى شكل مصاريف مدرسية، ومصروفات إضافية وشراء زى المدارس والكتب وغير ذلك من المستلزمات. والتكلفة بالأسعار الجارية Current Prices، والتكلفة الجارية Current Cost التى ترتبط بخدمات العاملين والإمدادات القابلة للاستهلاك. وتكلفة الوحدة Unit Cost التى تقابل الطالب أو الفصل أو المدرسة أو المعلم، أو أى وحدة قابلة للتعريف، وتكلفة الفرصة Opportunity Cost وهى القيمة التى كان من الممكن كسبها لو استخدمنا هذه النقود فى البديل الأكثر ربحية، وتكلفة العوامل Factor Cost وهى تعنى الأسعار المدفوعة عن طريق التربية لعوامل الإنتاج التربوى- أى مدخلات الموارد التربوية مثل المعدات والمبانى وغيرها. والنفقات الإجمالية Total Expenditures وهذه تشمل عادة النفقات الجارية والرأسمالية لفترة موازنة معينة.

وهكذا تتمثل الكلفة فى هذا المحور فى جانبين رئيسيين هما النفقات الثابتة والنفقات المتغيرة. النفقات الثابتة لا تتغير مع تغير أعداد الطلاب مثل نفقات التجهيزات المادية والعملية وأجور المبانى وغير ذلك من النفقات اللازمة لتمويل النظم التعليمية. أما النفقات المتغيرة فتتمثل فى نفقات إعداد المناهج ومرتبات العاملين ونفقات تدريباتهم فى مجال التعليم، إلى جانب النفقات الخاصة التى يتحملها الطلاب وأسرهم فى شكل مصروفات مدرسية وإضافية، بالإضافة إلى القيم النقدية التى كان من الممكن كسبها لو استخدمت هذه النفقات النقدية فى بديل آخر أكثر ربحية (كلفة الفرص).

ومن تجميع التعريفات الخاصة بالكلفة فى مجال التعليم فى المحورين الرئيسيين السابقين واستخراج الأبعاد التى حواها كل تعريف منتمى لأى من المحورين السابق الإشارة إليهما يمكن استنتاج المفهوم الشامل للكلفة فى مجال التعليم والتى تتمثل فى حساب نفقات أى مرحلة تعليمية من مراحل التعليم وتشمل المصروفات الدراسية، ونفقات المعيشة،ومرتبات المدرسين، وتكاليف الكتب والمعدات، والنفقات الشخصية، والمصروفات الإضافية، والدخل المفقود أو الدخل الذى كان مفترضاً أن يكسبه التلميذ لو لم يستمر فى دراسته،مع مراعاة خصم الدخل الذى يحصل عليه الطالب من عمله خلال الدراسة وفى الإجازات (إن وجد)، يضاف إلى هذه النفقات نسبة ربح مركبة بالفائدة السائدة تبعاً لنسبة التضخم فى المجتمع.

وفى حالة التعليم المفتوح فتشمل الكلفة ما يسمى الكلفة التطويرية وكلفة عملية توصيل المعدات والأجهزة. وبناءً عليه فهناك كلفة ثابتة وكلفة متغيرة، وكلفة إجمالية(139).

وهكذا اتسعت نظرة التربويين وتميزت بالتكامل والشمول فى رؤيتهم لمفهوم "الكلفة" فى مجال التعليم، كما تعددت البدائل فى تقدير الكلفة المستقبلية للتعليم، فهناك الكلفة العامة والخاصة وكلفة التقنيات وكلفة الفرصة والكلفة الخاصة بالفرص الضائعة وكلفة التجهيزات المادية والعلمية وكلفة مدخلات الموارد التربوية. غير أن (ستيرن) (Stern)(140) له رأى فى إشكالية كلفة الفرصة الضائعة، أو الفرصة البديلة، فهو يرى أن بعض الطلاب يعملون فعلاً أثناء الدراسة، وهذه لها فوائد إيجابية وأخرى سلبية. فمن الفوائد الاقتصادية لهؤلاء الطلاب الذين يعملون أثناء دراستهم العوائد النقدية المكتسبة، والخبرات المهنية، ومقومات المهن والوظائف التى تساعد فى تنمية المهارات فى أعمالهم مستقبلاً. أما العوائد السلبية على هؤلاء الطلاب فتأتى غالباً على حساب مستوياتهم الأكاديمية، فقد وجدت دراسة (ستيرن) أن الطلاب الذين يعملون من 15 إلى 20 ساعة فى الأسبوع يعانون ضعفاً أكاديمياً، ومستوياتهم التحصيلية متدنية، وإنجازاتهم لواجباتهم المدرسية قليلة، أيضاً وجدت هذه الدراسة أن هذه العوائد السلبية تقل باضطراد بتناقص عدد ساعات العمل لهؤلاء الطلاب. وهذه النتيجة- من وجهة نظر الباحث- تحتم إعادة النظر فى كلفة الفرص الضائعة بحيث يتم ربطها بمستوى الإنجاز التعليمى.

وهكذا فإن كلفة التعليم تعد من أعقد الموضوعات التى يواجهها التعليم وأكثرها إثارة للرؤى النقدية فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. وقد ظهرت اتجاهات تدعو إلى ضرورة مساهمة القطاعين العام والخاص من خلال الاعتماد على الإنفاق الحكومى والإنفاق الخاص والرسوم الدراسية، فالمجتمع بكامله يستفيد من الاستثمار فى التربية. وبناءً عليه فإن الإنفاق على التعليم يجب أن تتحمله الدولة والأفراد والمستفيدين من القوى البشرية المتعلمة، كما يجب ترشيد الكلفة فى التعليم المصرى من خلال ترشيد الكلفة الحكومية مع العمل على زيادة كفاءة التعليم.

وينبغى الإشارة إلى أن النظرة إلى التعليم على أنه قوة إنتاجية ذات عائد وعلى أنه يقوم بوظيفة اقتصادية بدأت ملامحها تتضح خلال العقود الماضية على أيدى (آدم سميث) (Adam Smith)، و(الفريد مارشال) (Alfred Marshall)، و(جون ستيوارت) (John Stuart)، و(ستروميلين) (Strumilin) وغيرهم.

ومع ظهور نظريات الاستثمار فى رأس المال البشرى- والتى تطورت فى كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة فى أواخر الخمسينات وأوائل الستينيات بدأت التساؤلات تثار حول العلاقات المتبادلة بين التعليم واقتصاديات الأفراد والمجتمعات على السواء، وكيف يمكن أن يساهم التعليم فى توزيع الدخول النقدية بين أفراد المجتمع الواحد، إلى جانب تأثيرات التعليم على الصحة العامة للمواطنين(141).

وقد حددت بعض المؤلفات العلمية(142) فى مجال الاقتصاد  مفهوم العائد، بوجه عام، بأنه المكاسب النقدية التى تتحقق من العمليات الاستثمارية طوال فترة الإنتاجية.

وهذه نظرة ضيقة المعنى فى معنى العائد، ولا تتمشى مع العائد المأمول فى مجال التعليم، فللتعليم عوائده المفيدة فى تقدم المجتمعات الإنسانية وتطورها. فمن العوائد الإيجابية للتعليم على المجتمع الإنسانى تقدم المعارف وظهور التكنولوجيا الحديثة وازدهار وسائل المواصلات. هذا إلى جانب أن هناك علاقة ما بين مستويات إنتاجية الأفراد وبين مستوياتهم التعليمية، وأن التعليم- غالباً- ما يؤدى إلى تحسن نسبى فى مستوى الإنتاجية بين الأفراد. ويوجد من يفترض أيضاً أن التعليم يساعد على تنمية المهارات والقدرات وسمات الشخصية، وأن التعليم أحد مدخلات التطور الاقتصادى والاجتماعى للفرد وللمجتمع على السواء.

وينظر إلى التعليم على أنه من أفضل الوسائل لكسب القيم الاجتماعية والاتجاهات التى يشترك فيها جماعات كثيرة من المجتمع، أو قطاعات منه، وبذلك يساعد التعليم على زيادة تكيف الأفراد مع المجتمع، والتعليم يكسب قيم الاعتماد على النفس والرغبة والدافعية لتحقيق التقدم الذاتى(143).

وقد جاءت فكرة العائد فى مجال التعليم فى مصر والعالم العربى وتطورت على أيدى علماء التربية فيها، حيث انتهت وجهة نظر التربويين فى المجتمع العربى إلى أن التعليم استثمار أو إنفاق إنتاجى، فالمعارف والمهارات التى يتلقاها الفرد خلال عملية التعليم تؤثر بطريقة مباشرة فى إنتاجية الفرد وفى أسلوب حياته،وبالتالى فى اقتصاديات واجتماعيات المجتمع ككل. والتعليم يعطى هنا عائداً معيناً فى المستوى الاقتصادى والاجتماعى.

هذا ودراسة العوائد فى مجال التعليم تعددت وتشعبت فشملت القدرة على استعمال وسائل الترفيه والاستمتاع بها، إلى جانب تحسين مستوى المعيشة نتيجة زيادة الإنتاج والدخل (انطون حبيب رحمة)(144) كما اشتملت عوائد التعليم على عناصر مرتبطة بالتنمية مثل تحقيق حياة أفضل للمجتمع بالأسلوب العلمى المدروس، وتحقيق الرخاء الاقتصادى والرفاهية الاجتماعية، وتحقيق الاستقلال الاقتصادى والاستقلال الذاتى بصوره المختلفة سياسياً واقتصادياً وثقافياً(145).

وذهب (حامد عمار)(146) فى تحليله للعائد من التعليم إلى أن للتعليم- إلى جانب علاقته بتطوير إنتاجية العمل كماً وكيفاً، وتحسين الكفاية الإنتاجية- تأثيراً فى أبعاد التنمية الشاملة بمختلف جوانبها حتى يكون التعليم فعالاً. ومن بين تلك الأبعاد الجوانب الصحية وقاية وعلاجاً، بين الأطفال والشباب، والذكور والإناث. كما قرر (حامد عمار)(147) بأن للتعليم إسهاماً بالغاً فى التنمية البشرية، وفى التنمية العامة، وتشير القرائن والخبرات إلى أن عائده قوى ومؤثر فى تحقيق التنمية المستقلة فى مصر.

أما (هيرش) (Hirsch)(148) فقد صنف عوائد التعليم إلى عوائد فردية Individual Benefit وهى مجموع الفوائد التى يحققها التعليم للفرد بعد الانتهاء من الدراسة بالمراحل التعليمية التى التحق بها، وعوائد اجتماعية Social Benefit وهى عبارة عن مجموعة الفوائد التى يحققها التعليم لكل أعضاء المجتمع.

أما (لارى وبرنكمان) (Larry and Brinkman)(149) فقد صنفا العائد فى مجال التعليم إلى عائد فورى يتمثل فى حصول الفرد على خدمة أو ثمرة إنتاجية فى لحظة القيام بها دون استمرار عائدها إلى فترات مستقبلية، وعائد استثمارى يتمثل فى حزمة من الخدمات أو الثمرات الإنتاجية التى يحصل عليها الفرد طوال حياته، وهذه الحزمة تنقسم إلى نوعين: عائد مادى اقتصادى يتمثل فى مجموع الأموال النقدية أو العينية التى يحصل عليها الفرد، إلى جانب عائد اجتماعى يتمثل فى ارتفاع مستوى الإنتاجية فى المجتمع بما يؤدى إلى زيادة الدخل القومى، ومن ثم زيادة دخول الأفراد فى هذا المجتمع.

وقد أثبت (ديكسون) (Dickson)(150)  أن من أهم أسباب تواجد مشكلات التنمية القومية فى جنوب أفريقيا كان غياب التجديد والإبداع فى مجال التعليم، فهناك صلة وثيقة بين التخلف الاقتصادى والصراعات العرقية وبين الافتقار إلى التجديد والإبداع فى التعليم.

وفحص (سولمون) (Solomon)(151) العلاقة بين مستويات التعليم والسلوك الدينى بين النيجيريين الكبار والراشدين الذين يعيشون فى لاجوس بنيجيريا. وقد هدفت دراسته إلى معرفة شعور الناس هناك تجاه دور الدين فى حياتهم،وتأثير التعليم على السلوك الدينى بينهم.

أما (روست وكنوست) (Rust and Knost)(152) فقد أكدا أن أهم عوائد إصلاح التعليم فى دول وسط وشرق أوربا هو التحول الاجتماعى الذى حدث للفكر الاشتراكى فى هذه الدول. وقد عرض هذان الباحثان كيفية رد فعل الأنظمة التعليمية للانهيار القيمى الذى حدث هناك، والأفكار والقيم الجديدة من جانب القائمين على السياسة التعليمية والباحثين والمعلمين. فالتعليم جعل الشباب فى دول وسط وشرق أوربا يستجيبون للقيم والمثل الجديدة التى نمت بعد انهيار الفكر الاشتراكى هناك.

غير أن (ماركيانو) (Marciano)(153) يرى فى عوائد التعليم شيئاً آخر مزعجاً، فهو يرى أن بعض أنماط التعليم تقوم- من خلال بعض كتب التاريخ - بترويج الجهل المدنى وتحول المسئولية المدنية إلى امتثال للوطنية، فيتم تعليم الشباب وتدريبهم على تأييد آراء صفوة من الناس فى رؤيتهم للصراعات الدولية. إلى جانب أن التعليم يقوض أحياناً العوامل الأساسية للمواطن الذى يعيش أو يحب أن يعيش فى دولة ديمقراطية.

ويقدم (ولش) (Welch)(154) دليله على عوائد التعليم من التجربة الأسترالية، حيث يرى أن أولويات الإصلاح الاقتصادى هناك بدأت بالإصلاح التعليمى، حيث إن التعليم الأسترالى قد تم تغيير شكله جوهريا كجزء رئيسى من عملية إعادة تشكيل المجتمع الأسترالى.

ويرى (زنانيكى) (Znaniecki)(155) أن للتعليم عوائد اجتماعية عديدة تظهر أهميتها أثناء عمليات التغير الاجتماعى، فعوائد التعليم الاجتماعية تتمثل فى قدرة الفرد على المشاركة فى النظام الديمقراطى، وفى قدرته على المشاركة فى عمليات التجديد الثقافى والتعلم الذاتى.

وللتعليم عوائده على البيئة المحيطة بالفرد،وفى هذا المجال يرى (ألبرج وفيلهو) (Ahlberg, and Filho)(156) أن للتعليم الرسمى وغير الرسمى علاقة وتأثيراً فى نوع الحياة والأفكار والخبرات والتجارب التى تشكل نوع البيئة ومشكلاتها المتعددة.

وقد أوضح (شرام) (Schramm)(157) أن المناقشات السياسية والأكاديمية فى المؤتمر الاجتماعى الخامس ببرلين ترى أن الاستثمار فى التعليم والتدريب المهنى يعد أمراً هاماً جداً لنجاح عملية التحول فى اقتصاديات دول الاتحاد الأوربى من أجل تعزيز اقتصاد هذا الاتحاد الأوربى.

وتناولت دراسة (عبد اللطيف محمود محمد)(158) مفهوم الاستثمار فى الصناعات التعليمية كبديل لتطوير نظم التعليم العربية من منطلق أنَّ التعليم يعتبر أقرب المجالات التى تسهم بشكل مباشر فى تحقيق التنمية البشرية حتى سنة 2020م باعتبار بيانات 1994 هى سنة الأساس.

ويعرض (ابستاين وماكجيم) (Epstein and McGimm)(159) رؤية سلبية للعائد الاجتماعى من التعليم، خاصة فى الدول النامية والدول الاشتراكية سابقاً، حيث يرى أن القيم الديمقراطية يتم تجاهلها بصورة كبيرة مع طلاب العلم الحاليين، مما يقلل من دور التعليم فى رسم الاتجاهات الديمقراطية تمهيداً لتطبيقها فى الحياة، فلم تصبح المدرسة فى هذه المجتمعات أداة لتخليد الديمقراطية وإحداث عمليات الإصلاح الاجتماعى.

وهكذا توجد تباينات فى النظرة إلى العائد فى مجال التعليم،ويتعلق هذا الأمر بطرق تصنيف هذه العوائد هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، تبرهن هذه الدراسات على المعنى الواسع، والمفهوم الشامل للعائد فى مجال التعليم مهما زادت كلفته. وتوجد تصنيفات عديدة للعائد فى مجال التعليم، غير أن تصنيف هذه العوائد إلى عوائد اقتصادية وعوائد اجتماعية هو أكثرها شيوعاً فى دراسات العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم. هذا ويتميز التربويون عادة فى نظرتهم لهذا التصنيف فى مجال العوائد الاقتصادية والاجتماعية بالتكامل والشمول فيما بينهما والعلاقات التفاعلية بين ما هو اقتصادى وما هو اجتماعى أخذاً وعطاءً، تأثيراً وتأثراً، أو هكذا يجب أن ينظر التربويون لهذا المفهوم.

وتنظر الدراسة الحالية إلى التعليم على أنه مشروع استثمارى ولابد أن يكون له مردود اقتصادى واجتماعى. فالتعليم يعود على الفرد بمنافع خاصة كالدخل الأعلى والمكانة الاجتماعية، إلى جانب المنافع العامة المتمثلة فى إنماء الوعى المجتمعى بين الأفراد المتعلمين. ولكى يؤتى التعليم ثماره المرجوة لابد من ربط أهداف التعليم وكفاءة مخرجاته بمتطلبات سوق العمل، وأخذ حاجة سوق العمل واحتياجاته من المعارف والمهارات فى الاعتبار. وهكذا فإن توجيه التعليم نحو احتياجات سوق العمل يعتبر من ضرورات العملية التعليمية فى الوقت الحاضر، فالتعليم ينظر إليه فى أحد جوانبه على أنه وسيلة لإعداد القوى البشرية العاملة عالية التأهيل وعالية الكفاءة لحياة الإنتاج والعمل، ومن ثم فما نحتاجه اليوم، أكثر من أى وقت مضى، هو ترشيد الكلفة فى مجال التعليم مع الحفاظ على تجويد البيئة التعليمية من أجل الحصول على أفضل عائد من التعليم.

وقد جاءت دراسات بعض الباحثين حول العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم فى أسلوب تحليلى تقريرى، حيث أظهر هؤلاء الباحثون فى تحليلاتهم  فروقاً جوهرية بين المتعلمين وغير المتعلمين فى جوانب عديدة متعلقة بالإنتاج والإنفاق والسلوك، مما دفعهم إلى "تقرير" وجود عوائد إيجابية من تعليم أفراد المجتمع تزيد عن الكلفة فى مجال التعليم.

ومن بين هذه الدراسات التى اعتمدت على أسلوب التقرير فى مناقشة العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم دراسة (حافظ فرج أحمد)(160) عن تعليم المرأة العمانية والعائد من تعليمها، حيث قدم الباحث تصوراً تقريرياً عن كلفة تعليم المرأة العمانية والعائد الاجتماعى من تعليمها متمثلاً فى الاستغلال الجيد لوقت الفراغ، وتقدير الذات، والإحساس بالمكانة الاجتماعية، وتطبيق المبادئ التربوية الحديثة فى تربية الأبناء، ومساعدة الأبناء فى فهم دروسهم وحل واجباتهم المنزلية، ومتابعة انتظام الأبناء فى المدرسة والاستجابة الإيجابية لبرامج خدمة البيئة.

وناقش (أتكنسون)(161) عدة دراسات تقريرية أظهرت أن من ضمن عوائد الكلفة فى مجال التعليم الارتقاء الحضارى، وتنمية المهارات والقيم، ورفع المستوى الثقافى لأفراد المجتمع.

وقد نادى (جون) (John)(162) بزيادة إسهامات حكومات الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الفيدرالية فى تمويل التعليم، خاصة التعليم العالى من أجل ضمان العوائد الاقتصادية والاجتماعية منه، فمن وجهة نظره أن تحسين العوائد من التعليم مرتبط بزيادة الكلفة من أجل تحسين مستويات الإنتاجية فى المستقبل.

وناقشت دراسة (صلاح خضر السيد)(163) الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للاستثمار التعليمى فى مصر والعائد الاقتصادى والاجتماعى من وراء هذه الكلفة.

كما اعتمدت دراسات (محمد متولى غنيمة)(164) عن اقتصاديات تعليم الكبار أسلوب التقرير فى إظهار العلاقة بين الكلفة والعائد فى هذا المجال، وفى مجال إسهامات التعليم غير النظامى فى بناء القيمة الاقتصادية للتعليم النظامى.

كما قدمت دراسة (هادية محمد رشاد أبو كليلة)(165) تحليلاً تقريرياً لكلفة وفعالية وكفاية التعليم الجامعى فى مصر، والعوائد الاقتصادية والاجتماعية والفردية مجتمعة وملتحمة مع مفهوم الكفاية من التعليم الجامعى.

وأوضحت (آمال العرباوى)(166) فى دراستها التقريرية التحليلية عن الاستثمار فى التعليم وعوائده الاجتماعية أن العوائد الاجتماعية للتعليم متباينة بتمايز المراحل التعليمية المختلفة، فهى مرتفعة فى مرحلة التعليم الابتدائى، ثم تبدأ فى التناقص فى المراحل اللاحقة، كما أن العوائد الفردية للاستثمار فى التعليم تكون مرتفعة جداً فى مرحلة التعليم الجامعى وما بعدها، ويقل العائد الفردى فى المراحل السابقة للتعليم الجامعى.

وأشارت دراسة (باون وآخرون) (Bowen et al.)(167) إلى أن مؤسسات التعليم العالى فى المجتمع الأمريكى تؤثر فى إنتاجية الأفراد وفى مجمل حياتهم، ويمتد هذا التأثير ليشمل تنمية البنية المعرفية والتربية العاطفية والأخلاقية للفرد، كما أن روح نظام التعليم العالى فى الولايات المتحدة الأمريكية تؤثر على سلوك الفرد فى كيفية قضائه لوقت فراغه،وفى المحافظة على صحته.

وأظهرت دراسة (ناهد عدلى شاذلى)(168) دور التعليم الجامعى فى مواجهة تحديات التنمية لمجتمع القرن الحادى والعشرين،وأن للتعليم الجامعى أدواراً اجتماعية وثقافية وإنسانية بالإضافة إلى تلبية حاجات سوق العمل.

كما أوضحت (آمال العرباوى)(169) فى دراستها عن المتطلبات التنموية من تعليم الكبار فى مصر فى ضوء بعض المتغيرات المحلية والعالمية أن التعليم بصفة عامة، وتعليم الكبار بصفة خاصة ضرورة أساسية لرفع مستوى الكفاية الإنتاجية، الأمر الذى يعتبر شرطاً أساسياً لتحقيق معدلات عالية من التنمية.

تضمنت دراسات هذا المحور تحليلات تقريرية نظرية فى العلاقة بين الكلفة والعائد الاجتماعى والاقتصادى من التعليم، اتسمت بشمولية النظرة فى أهمية العوائد الفردية الاقتصادية والمجتمعية، وتوحى هذه الدراسات ضمنياً بأن الكلفة فى مجال التعليم تُعوَّض بشكل مجزى من خلال العوائد الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة من التعليم على الأفراد المتعلمين، وعلى المجتمع ككل، فى صورة رفع مستوى الكفاية الإنتاجية فى سوق العمل، للفرد وللمجتمع على السواء.

وتفترض هذه التقارير أن هذه العوائد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من التعليم للفرد وللمجتمع تسهم فى زيادة الإنتاجية للفرد فى سوق العمل، وبالتالى تعتبر مقياساً فى تحسن النمو الاقتصادى فى مجتمعاتهم.

كما أظهر هؤلاء الباحثون -فى تحليلاتهم- عوائد اجتماعية عديدة للتعليم من خلال نشر المعرفة،وتوسيع الأفق، وترقية الشخصية، ومنع الجريمة، وتنمية سلوكيات الأفراد.

وأهملت هذه الدراسات المعالجات الكمية القياسية والعوائد النقدية وزيادة المكاسب من الدخول فى تقديرها للعلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم. ومن الملاحظ وجود مبالغات فى وصف العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم فى هذا المحور، رغم ما فيها من اجتهادات ذكية فى تفسير هذه العلاقة.

وتفيد دراسات هذا المحور فى تحسين نوعية التعليم من خلال تحليل الظاهرة التربوية، ومعرفة كلفتها وطبيعتها وحدودها، والنتائج المتوخاة منها، كما تفيد هذه الدراسات فى التخطيط للوقوف على التقدم الدراسى فى مراحل التعليم والموارد المتاحة والمطلوبة فى ضوء الحاجات الراهنة، ومساعدة المدارس على بلوغ الأهداف التربوية التى حددتها هذه المدارس، وفى ترتيب هذه الأهداف بحسب الكلفة المطلوبة لها وبحسب سلم الأولويات، وفى تركيز قدرات المدرسة- المادية والبشرية- على تحسين البيئة التعليمية وفق أساليب تتلاءم مع هذه القدرات، واستعدادات المتعلمين وميولهم وأوساطهم العائلية.

كما يفيد أسلوب هذه الدراسة فى الكلفة والعائد من التعليم فى تقديم معلومات تساعد القائمين على تخطيط نوعية التعليم فى تحديد أى أنماط التعليم تحتاج إلى مزيد من الدعم، وفى توفير معلومات أساسية تمهد لاتخاذ قرارات بشأن إعادة النظر بالأهداف المرسومة، وبالأطر التربوية المطلوبة، وتمحيصها وتعديلها عند الاقتضاء.

وهناك دراسات وبحوث اعتمدت مدخل المقارنة والترابط بين الكلفة والفوائد من التعليم، حيث اعتمدت هذه الدراسات على فكرة المقارنة والطريقة الارتباطية بين متغيرات "الكلفة" ومتغيرات الفوائد من التعليم للبرهان على وجود علاقة بين "الكلفة" والعائد من التعليم. فمثلاً عند مقارنة جداول مرتبات الأفراد فى حرفة معينة بمستويات تعليمهم، يمكن أن تستخدم فى هذه المقارنات النسب المئوية والمتوسطات الحسابية ومعاملات الارتباط وغيرها من الأساليب الإحصائية المناسبة لعقد هذه المقارنات الوصفية من أجل تقديم أدلة وصفية فى مدى الترابط بين الكلفة والفائدة من التعليم لدى هؤلاء الأفراد فى سوق العمل والعمالة.

كما يمكن استخدام طريقة الارتباط بين زيادة النفقات التعليمية ونمو الدخل القومى للبرهان على أن مظاهر النشاط التعليمى مثل كم التعليم ونسب استيعاب الطلاب فى المراحل التعليمية المختلفة مع مؤشرات مستوى النشاط الاقتصادى لها صلة علة بمعلول (سبب ونتيجة. وفى هذه الطريقة يتم حساب العائد الاقتصادى للتعليم على أساس إيجاد معامل ارتباط الرتب بين قيمة ما يصرف على التعليم وبين زيادة ناتج الدخل القومى فى فترات زمنية متعددة.

وهناك طريقة أخرى فى هذا المدخل المقارن، تعتمد على قسمة أفراد العينة إلى مجموعتين: إحداهما أعلى فى مستواها التعليمى من الأخرى، ويتم التأكد من تكافؤهما بقدر الإمكان فيما يتعلق بالسن والجنس، والذكاء العام والخبرة، والمتغير التجريبى هنا هو مستوى التعليم، وتتم المقارنة بين المجموعتين فيما يتعلق بمستوى الدخول النقدية، فإذا وجد تحسن فى هذا المستوى لأفراد المجموعة الأولى عن أفراد المجموعة الثانية فيعزى ذلك إلى المستوى التعليمى لأفراد المجموعة الأولى.

كما يمكن أن تتم المقارنة على فترات زمنية معينة، والدراسات هنا تختبر مدى تأثير اختلافات المستويات التعليمية على مستويات دخول الأفراد، مقدرة بجملة دخولهم النقدية من أعمالهم، وذلك أثناء ممارستهم لحياتهم العادية. وتحاول هذه الدراسات اكتشاف درجة التغير فى مستويات الدخول النقدية لهؤلاء الأفراد وعلاقتها بمستوى التعليم وكلفته بينهم.

وهناك طريقة أخرى للمقارنة بين الكلفة والفوائد فى مجال التعليم، وتتلخص هذه الطريقة فى تقسيم الأفراد الملتحقين بوظائف حديثة لدى الشركات الإنتاجية إلى مجموعات حسب مستوياتهم التعليمية، وتتم مقارنة دخول هؤلاء الأفراد بمستوياتهم التعليمية، وبعد عام أو عامين من التحاق هؤلاء الأفراد بالعمل، تتم مقارنة دخول هؤلاء الأفراد الحالية بدخولهم وقت التعيين، وتتم استخلاصات مدى إسهامات المؤهلات التعليمية وكلفة اكتسابها فى تحسن مستوى دخول هؤلاء الأفراد.

ومن الدراسات التى أجريت فى هذا المجال دراسة (ليدن) (Lydon)(170) وفيها أوجد معامل الارتباط بين دخول خريجى التعليم العالى والكليات وبين نصيب الفرد من الدخل القومى خلال الفترة من 1940 إلى 1988 بالولايات المتحدة الأمريكية- وأظهرت هذه الدراسة زيادة أرباح خريجى الكليات والتعليم العالى من ناتج الدخل القومى كلما زادت سنوات التعليم وسنوات الخبرة المهنية.

كما أجرى (بيكر وديرل) (Becker and Darell)(171) دراسة ارتباطية شاملة بين مستوى تعليم الفرد وبين مستوى الدخل ومعدل الزيادة فيه فى كل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وأجريت هذه الدراسة على الخريجيين من الذكور فى عمر (25-34 سنة) وقد أوضحت هذه الدراسة زيادة معدل الدخول لخريجى التعليم العالى فى الولايات المتحدة الأمريكية عنها فى اليابان.

وقدم (رونالد إيرنبرج) (Ronald G. Ehrenberg)، (وروبرت سميث) (Robert S. Smith)(172) أمثلة عديدة لهذه الطرائق المقارنة بين الكلفة والفائدة فى مجال التعليم، حيث أوضحت هذه الدراسات مدى نفعية التعليم فى تحديد مستوى الأجور بين العمال فى الولايات المتحدة الأمريكية، وأظهرت هذه الدراسات الربح الناشئ عن الاستثمار فى التعليم.

كما عززت دراسة طولية(173) وجود عوائد غير مباشرة ترتبط بدرجة الشهادة الدراسية فى علاقة خطية بيانية أظهرت الاختلافات الأساسية فى سوق العمالة بين من حصلوا على درجات جامعية ومن حصلوا على درجات ما قبل البكالوريوس (Grubb, 1993).

ومن بين الدراسات التى اعتمدت مدخل المقارنة بين الكلفة  والفوائد فى مجال التعليم دراسات (محمد متولى غنيمة)(174) التى حملت عناوينها: القيمة الاقتصادية للتعليم فى الوطن العربى، والقيمة الاقتصادية للحلقة الأولى من التعليم الأساسى، والقيمة الاقتصادية للحلقة الثانية من التعليم الأساسى (بين فلسفة التخطيط وسياسة التطوير)، والسياسات التعليمية المحلية والتحديات العربية والعالمية وأثرها على مستقبل القيمة الاقتصادية للتعليم الثانوى العام والجامعى. فقد قارنت هذه الدراسات بين نسب ميزانية التعليم قياساً إلى ميزانية الإنتاج القومى، وحجم الإنفاق "الكلفة" على المستويات التعليمية المختلفة- وبين نسب الخريجيين من الأنظمة والمراحل التعليمية المختلفة.

واهتمت دراسة (سافيدرا) (Saavedra)(175) بتحديد مدى إسهام التعليم فى تفسير اختلافات الدخول بين الأفراد فى بيرو خلال الفترة من 1985 إلى 1991م، وقد دعمت هذه الدراسة الرأى القائل هناك بوجود تعليم زائد عن الحد فى بيرو ليس له ربحية.

كما حددت دراسة (مينون) (Menon)(176) كلفة التعليم العالى وعوائده الاقتصادية، كما توقعها طلاب التعليم النظامى فى قبرص. وقد توقع طلاب الكليات الجامعية هناك أن دخولهم النقدية بعد تخرجهم من مؤسسات التعليم العالى ونتيجة لالتحاقهم بسوق العمل ستزداد باضطراد مدى الحياة.

هذا ولم تفرق دراسات هذا المحور فى العلاقة بين الكلفة والفوائد فى مجال التعليم بين أنماط التعليم الرسمى وغير الرسمى، ولم تهتم كثيراً بتمايز أنواعه، وركزت على الأرباح الناشئة من التعليم فى نسب توزيع ناتج الدخل القومى بين الأفراد، وأهملت بقية العوائد منه، ولم تهتم هذه الدراسات بعزل "متغير التعليم" عن بقية العوامل المؤثرة فى نمو الدخل القومى التى لها صلة علة بمعلول.

أيضاً لم تتعقب هذه الدراسات علاقات التفاعل بين التعليم وبين كل من مدخلات العمل، ورأس المال، ومستوى النشاط الاقتصادى والاجتماعى، واعتمدت دراسات هذا المحور على المقارنات الوصفية بين الكلفة والأرباح وهذه نتائجها غير دقيقة فى تقدير العلاقة بين الدخول النقدية للأفراد وكلفة التعليم.   ويلاحظ أيضاً فى بعض هذه الدراسات شمولية مفهوم العائد الاقتصادى من التعليم، مع إغفال التحديد لجوانب الكلفة والعائد فى مجال التعليم.

ويمكن أن تفيد نتائج هذه الدراسات فى تحسين نوعية التعليم عن طريق المعلومات والبيانات التى تقدمها هذه الدراسات إلى السلطات التربوية المختصة والخاصة بتوزيع الموارد المخصصة لأنماط التعليم توزيعاً رشيداً، بحيث تتاح لهذه الأنماط التعليمية إمكانية ضمان الشروط المثلى للتعليم وكلفة توفيرها من عاملين ومنشآت وتجهيزات ومعدات ومعلومات وأفكار تسهم فى التحسين التربوى، إلى جانب كيفية استثمار الموارد المالية المتاحة للتعليم بما يؤدى إلى تحسين عملية التعليم.

وتسهم نتائج دراسات هذا المحور أيضاً فى تقييم مردود النظام التعليمى من خلال تقدير معدلات القيد والنجاح والكلفة إلى جانب تقدير معدلات المواظبة والنظام والانضباط المدرسى وتقييم الفعالية التربوية لمدرسة ما- أى إنتاجيتها مقاسة بكمية المعارف التى اكتسبها التلاميذ والكلفة التعليمية لهذه الإنتاجية.

وإلى جانب ذلك ربما تفيد دراسات هذا المحور المخطط التعليمى فى نواح أخرى، لعل منها إمداد المخطط التعليمى بإطار لفحص تكلفة التعليم، ومقارنتها بالزيادة فى دخول القوى العاملة المتعلمة. ولقد أهمل هذا الإطار فى بعض الخطط التعليمية، التى وضعت على أساس مدخل تخطيط التعليم وفقاً للاحتياجات من القوى العاملة، وكذا مدخل الطلب الاجتماعى. وقد تقترح نتائج مثل هذه الدراسات طرقاً لزيادة إنتاجية التعليم، إما بواسطة زيادة العائد، أو بواسطة تخفيض تكلفته، أو الاثنين معاً(177).

واستخدمت دراسات عديدة أسلوب تحليل الكلفة والمنفعة Cost-Benefit Analysis فى المقارنة بين كلفة التعليم والمنفعة النقدية المتوقعة فى المستقبل، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، وفى مراحل التعليم المختلفة وأنواعه المتعددة للوصول إلى معدل العائد من التعليم (The Rate of Return to Education).

ويقوم هذا الأسلوب على افتراض أن التعليم ينتج منفعة مادية مباشرة يمكن قياسها بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع، وأن هذا التعليم يتكلف نفقات متعددة يمكن أيضاً قياسها. وقوام هذا الأسلوب المقارنة بين أرباح الأفراد وبين كلفة تعليمهم، فنحصل على معدل مردود التعليم عن طريق استخراج العلاقة بين الدخول وكل النفقات التى يدفعها الفرد أو المجتمع بما فى ذلك المكاسب الضائعة والتى تتمثل فى المكاسب التى كانت ربما تأتى لو أن هذه النقود قد صرفت فى مجال استثمارى آخر(178).

وهكذا اهتمت الدراسات فى هذا المحور بمقارنة عوائد التعليم مقاسة بالدخول والأرباح التى اكتسبها الفرد خلال حياته العملية بتكاليفه التعليمية أو نفقات التعليم وصولاً إلى تحليل معدل الكلفة والعائد فى مجال التعليم. وجوهر هذا المدخل البحثى أنه يتعامل مع الاستثمار فى التعليم كتعامل رجال الأعمال مع الأموال التى تستثمر فى أى مشروع استثمارى، حيث يعبر عن العلاقة بين الفوائد المتراكمة خلال فترةزمنية معينة والناجمة عن العملية التعليمية من جهة، والمدخلات التى تم استخدامها فى فترة سابقة بواسطة نظام التعليم من جهة ثانية "بالإنتاجية الخارجية". وبناءً على ذلك يمكن التعبير عن هذه الإنتاجية الخارجية بواسطة معدل الكلفة والعائد لنظام تعليمى ما(179).

وأهم طرائق هذا المدخل البحثى فى تحليل معدل الكلفة والعائد هى طريقة القيمة الصافية، وطريقة معدل الربح الداخلى (أمال العرباوى)(180)، أما طريقة القيمة الصافية فتهتم بالمكاسب والنفقات المستقبلية بعد إخضاعها لمعدل خصم ملائم، ومعدل الخصم هذا هو معدل الفائدة التى يجب على الحكومة دفعها إذا اقترضت الأموال فى البداية لاستثمارها فى رأس المال البشرى. وأما طريقة معدل الربح الداخلى فتعتمد على حساب معدل الخصم، ويؤدى معدل الخصم إلى أن تكون قيمة الكلفة مساوية لقيمة الفائدة، ومعدل الخصم هذا يسمى "معدل الربح الداخلى"، فإذا زاد معدل الربح الداخلى على معدل الخصم كان المشروع مربحاً.

ومن الدراسات العربية فى هذا المجال دراسة (ثروت عبد الباقى)(181) عن تكلفة الطالب فى المرحلة الثانوية العامة، وقد أظهرت هذه الدراسة زيادة كبيرة فى تكلفة الطالب فى المرحلة الثانوية العامة ناتجة عن رسوب وتسرب الطلاب خلال سنوات الدراسة المختلفة. وكان الباحث ذاته قد استخدم مدخل تحليل الكلفة- المنفعة فى دراسته عام 1986 عن حساب العائد الاقتصادى ومعدل إنتاجية الاستثمار فى كل من التعليم الثانوى الصناعى والزراعى وأثر مشروع رأس المال الدائم على هذا العائد.

واستخدمت دراسة (محمود السيد عباس)(182) مدخل تحليل الكلفة- المنفعة فى حساب العائد الاقتصادى من المعاهد الفنية التجارية المتوسطة فىمصر، حيث سعت هذه الدراسة إلى التعرف على دخول أو أرباح عينة من خريجى المعاهد الفنية التجارية المتوسطة محل البحث فى دفعات مختلفة من العاملين فى بعض المصالح الحكومية والشركات فى مصر،ومقارنتها بكلفة طلاب المعاهد الفنية التجارية المتوسطة المباشرة (إنفاق حكومى)، (إنفاق أسرى)، (والكلفة غير المباشرة)، (كلفة الفرص الضائعة).

ومن الدراسات الأجنبية فى تحديد العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم باستخدام مدخل تحليل الكلفة- المنفعة دراسة (بيفك) (Bevc) (183) عن معدل العائد من عمليات الاستثمار فى التعليم فى مناطق يوجوسلافيا (سابقاً) خلال الفترة من 1970 إلى 1980م، وقامت هذه الدراسة بتحليل معدل الكلفة- المنفعة لمراحل التعليم الابتدائية والثانوية والتعليم العالى وفوق العالى خلال الفترة المحددة.

أما دراسة (فيزبين وسكاروبولس) (Fiszbein and Psacharopoulos)(184)  فاهتمت بتحليل معدل الكلفة والعائد الاستثمارى من التعليم فى جميع مراحله فى دولة فنزويلا  فيما بعد الفترة 1989 حتى 1992م، وقد صنفت هذه الدراسة العائد من التعليم إلى عائد خاص، وعائد اجتماعى. وقد أظهرت هذه الدراسة زيادة معدل العائد من التعليم الجامعى عند مقارنته بالتعليم الثانوى العام، فى حين انخفض هذا المعدل عند مقارنته بالتعليم الثانوى الفنى.

ودرس (جريفين وأدوارد) (Griffin and Edward)(185) معدل العائد من التعليم فى البرازيل فى الفترة من 1989 حتى 1992م. وأظهرت هذه الدراسة وجود عوائد مرتفعة للأفراد الذين حصلوا على أكثر من 12 عاماً فى التعليم، وهو ما يقابل التعليم الجامعى.

أما دراسة (كارنيل) (Carnell)(186)  فقد سعت إلى استخدام مدخل تحليل الكلفة- المنفعة لبرنامج التعليم الغذائى فى ولاية فيرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، والهدف من ذلك هو حساب العائد المباشر وغير المباشر نتيجة المشاركة فى برنامج الغذاء الممتد والتعليم الغذائى، وقد صنفت العوائد المباشرة وغير المباشرة من هذا النوع من التعليم فى تجنب الخسارة الإنتاجية للأسباب الناتجة عن المرض. واستخدمت هذه الدراسة تحليل الحساسية لتقييم آثار حبس سلوك النظام الغذائى ومعدل وقوع الأمراض بالنسبة للأشخاص منخفضى الدخل. وقد توصلت (كارنيل) إلى نتيجتين أساسيتين هما أن العائد غير المباشر من هذا البرنامج عادل أكثر من مليون دولار، والنتيجة الثانية هى تدعيم تحاليل الحساسية للمخرجات الإيجابية والشعور بالعائد الإيجابى من كل دولار تم استثماره فى برنامج الغذاء الممتد والتعليم الغذائى بولاية فيرجينيا.

وفى دراسة حالة قام بها كل من (وايت وكراوفورد) (White and Crawford)(187) عن تحليل الكلفة- المنفعة للمعلومات الإلكترونية فى جامعة هاريسبيرج بولاية بنسلفانيا بهدف تقليل النفقات لقاعدة بيانات إلكترونية، توصلت هذه الدراسة إلى أن أمناء المكتبات يمكنهم استخدام نتائج دراسات تحليل الكلفة- المنفعة لوضع الميزانية المناسبة من أجل خدمات هذه المكتبات.

أما (براجر وفريمان) (Bragger and Freeman)(188) فقد قدما بحثاً فى حساب الكلفة- المنفعة من تدريس طلاب علم النفس الذين تحت التخرج بحوثاً فى علوم الآداب والمفاهيم الإحصائية للميول، وشرحا كيف يستطيع هؤلاء الطلاب وضع معدل الكلفة- المنفعة من تجارب علم النفس المشهورة، وكيف يتعلمون القيام بتحليل نتائجها وتفسيرها.

كما دخلت منهاجية تحليل الكلفة- المنفعة دائرة التعليم عن بعد لمواقع على الإنترنت، حيث ناقش (تامى ورايت) (Tammy and Wright)(189) حاجة المعلمين والمدربين ورجال الأعمال إلى تقييم نفقات التدريب على مواقع الإنترنت، وهل طرق التدريب هذه والكلفة- المنفعة من ورائها مناسبة لمنظماتهم. وقدم الباحثان دراسة حالة لمعهد "بل على الخط" عن تحليل الكلفة- المنفعة بها.

وقد اعتمدت دراسات هذا المحور على بيانات تفصيلية عن الكلفة والعائد المتوقع من التعليم. ويمثل الحصول على مثل هذه البيانات، خاصة فى الدول النامية، مشكلة حيث يفترض معرفة جملة دخول الأفراد طوال حياتهم، وكل النفقات التى دفعها الفرد والمجتمع، بما فى ذلك المكاسب الضائعة من أجل حساب معدل العائد من التعليم. وهذا أمر تنقصه الدقة فى المجتمعات التى يعانى خريجو التعليم فيها من بطالة واضحة- مما يؤثر على دقة هذه الحسابات.

وركزت دراسات هذا المحور على حساب العوائد النقدية (Monetary Returns) من التعليم ومدى نفعيته فى تحديد مستوى الدخول المتوقعة.

كما أن حسابات الدخول المتوقعة فى المستقبل على أساس واقع الدخول الحالية أمر تنقصه الدقة أيضا، فالدخول المستقبلية تتعرض لتغيرات سريعة ومتلاحقة نتيجة حزمة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والقومية والعالمية. ولعل تجربة الهزات العنيفة السريعة والمتلاحقة فى تزايد معدلات الدخول النقدية للقوى البشرية العاملة فى المجتمع المصرى نتيجة لضرورات الإصلاح الاقتصادى فيها، وعلى الجانب الآخر انحدار معدلات الدخول وتناقص قيمتها للقوى البشرية العاملة فى المجتمع العراقى نتيجة الحصار الاقتصادى عليه يجعلنا نفترض- بقدر غير يسير من الشك- فى جدوى هذا المدخل البحثى وقدرته على التنبؤ بمعدل العائد من التعليم، إضافة إلى القصور الواضح لهذا المدخل البحثى فى تفسير العلاقة بين الكلفة والعائد الاجتماعى والنفسى فى مجال التعليم.

وقد أظهرت دراسة (كلونون وآخرون) (Cloonan et. al.)(190) عن تمويل نماذج التعليم المستمر فى فرنسا وإيران وإيطاليا أن نماذج تحليل الكلفة- المنفعة فى مجال التعليم هى عملية تحليل ضمنية ولا تؤدى إلى نتائج مضمونة،ونظم قيم العاملين بمؤسسات التعليم هناك تناهض أفكار هذا المدخل البحثى فى تحديد العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم.

وتفيد دراسات هذا المحور فى الكلفة ومعدل العائد فى تحسين نوعية التعليم من خلال إظهار دور التربية فى التنمية الاقتصادية ومن خلال استخدام نتائج هذه الدراسات كمدخل لتخطيط التعليم، حيث يتم حساب القيم الصافية لأى برنامج تعليمى- أى قيم الربح والخسارة المالية المتوقعة فى المستقبل، وبناءً عليه تخصص الموارد المالية لأنماط التعليم التى تزيد فيها الفوائد المعدلة عن الكلفة المادية لها. كما أن المشاريع أو المراحل التعليمية التى تحظى بالأفضلية فى التمويل، هى التى تحقق قيماً صافية موجبة، أى تزداد أيضاً منافعها الحالية عن تكاليفها الحالية،وكلما زادت القيمة الصافية الموجبة كان أفضل. إضافة إلى أن المشاريع أو المراحل التعليمية التى تحظى بالأفضلية فى التمويل هى التى تحقق قيماً لمعدل العائد تزيد عادة عن القيمة المحددة لمعدل العائد، لاسيما إذا كانت القيم هذه تزيد عن قيم معدل العائد من المشاريع الاستثمارية الأخرى. كما يستخدم معدل العائد من التعليم فى عمل مقارنات مهمة منها المقارنة بين مراحل التعليم وأنواعه المختلفة بالنسبة لمعدل العائد، ومقارنة معدل العائد من التعليم ككل بنظيره من المشروعات الاستثمارية الأخرى داخل البلد الواحد،ومقارنة معدل العائد الاجتماعى من التعليم فى دولة ما بنظيره فى دولة أخرى. وهذه المقارنات وغيرها من شأنها المساعدة فى توزيع ميزانية التعليم على مراحل التعليم وأنواعه، أو توزيع الميزانية العامة للدولة على مجالات الاستثمار المختلفة ومنها التخطيط لنوعية التعليم. وربما تؤثر هذه المقارنات فى اختيار الأفراد لنوع معين من التعليم، الأمر الذى يعكس العلاقة بين هذه الدراسات ونتائجها ومدخل الطلب الاجتماعى من التعليم(191).

4- دراسات وبحوث اعتمدت مدخل تحليل الكلفة والفعالية فى التعليم:

وهناك دراسات وبحوث اعتمدت مدخل تحليل الكلفة والفعالية فى التعليم، حيث يستهدف مدخل تحليل الكلفة والفعالية Cost-Effectiveness Analysis  الحصول على أفضل خريج مقارنة بفعالية عمله، وبما أنها فعالية ترتبط بتكلفة التعليم فإنه يمكن أن تعرف "بفعالية الكلفة"، كما أن الفعالية الداخلية لنظام التعليم يمكن التعبير عنها بواسطة "معدل الكلفة والفعالية"، أو معدل الكلفة والكفاية(192).

فقد تغيرت النظرة إلى التعليم من كونه قوة إنتاجية ذات عائد إلى اعتباره عنصر ضمن منظومة عناصر تسهم فى إعداد كفايات العمل فى سوق العمالة. ومن ثَمَّ بدأت النظرة تتغير من ربط التعليم بالدخل إلى ربطة بمخرجاته من حيث كفاءاتهم أى مهاراتهم الأساسية والأكاديمية فى العمل(193).

وقد يستخدم هذا المدخل البحثى عندما يتعذر قياس المخرج بوحدات نقدية، كما أن مدخل تحليل الكلفة- الفعالية يقارن بين عدة فعاليات، فهو يهدف إجمالاً إلى إعداد بيان دقيق بالتكلفات أو التضحيات، وكذا الفوائد المتضمنة فى كل القرارات البديلة، من أجل السماح عادة باختيار البديل الذى يقدم أكبر فائدة صافية(194).

هذا والعلاقة بين التعليم وكفايات العمل لا تأخذ نمطاً واحداً، بل أنماطاً مختلفة فى ضوء تمايز القطاعات الإنتاجية، ففى بعض قطاعات الإنتاج يؤثر التعليم مباشرة فى تحسين الكفاية الإنتاجية للفرد، وفى قطاعات إنتاجية أخرى تنبع أهمية التعليم فى كونه عنصراً هاماً فى تحسين الكفاية المهنية للفرد، والكفاية المهنية هى التى تحدد بدورها الكفاية الإنتاجية له.

وهكذا فمن المفترض أن التعليم ينتج ربحية لكل من الأفراد والمجتمع على السواء، فمن ناحية المجتمع فإن التعليم يفترض فيه القدرة على تزويد القطاعات الإنتاجية بأفراد قد تم إكسابهم كفايات العمل المناسبة،ومن ناحية الفرد يفترض أن التعليم قد أسهم فى تأهيله لسوق العمل ولفرصه المفتوحة أمام جميع الأفراد(195).

ومن الدراسات الميدانية فى هذا المجال دراسة (محمد السيد الإخناوى)(196) عن الكفاية المهنية لخريجى المدارس الفنية الصناعية نظام الخمس سنوات، وقد توصلت هذه الدراسة إلى وجود قصور فى الجانب الكيفى لخريجى المدارس الفنية الصناعية والمدارس النوعية الملحقة بالمصانع والشركات.

ومن بين الدراسات التى استخدمت هذا المدخل البحثى أيضاً دراسة (حنان إسماعيل أحمد)(197) فى العلاقة بين الكلفة والكفاية الداخلية فى المعاهد الفنية الصناعية التابعة للمؤسسات الإنتاجية.

كما أجرى (محمد عبد القادر سرور)(198) دراسة عن الكفاية الخارجية للتعليم الزراعى الجامعى فى مصر، والتى اتضح من خلالها أن هناك العديد من الصعوبات والمشكلات التى تقلل من اكتساب الطالب الكفايات المعرفية والمهارية والسمات الشخصية والصفات المهنية اللازمة لعمله المستقبلى فى مجال تخصصه.

ومن الدراسات الأجنبية فى هذا المجال دراسة (فيليبس) (Phelps)(199) عن الكلفة والفعالية فى كيفية استخدام الحاسب الآلى فى التدريب على الاتصال والتواصل فى سلاح المهندسين، وفى مراكز القيادة لأفراد احتياطى الجيش الأمريكى.

أما دراسة (ينبامرونج) (Yenbamrung) (200) فأوضحت تقييماً لفعالية النفقات التعليمية لطلاب الجامعة الإلكترونية، وأن هناك عائداً مثمراً من إنفاق هذه الكلفة. بينما أوضحت دراسة (ميتشيل) (Mitchell)(201) أنَّ مدخل تحليل الكلفة والفعالية مفيد فى عمليات التخطيط خاصة فى الاستخدامات الإبداعية للتقنية التعليمية.

وقد اهتمت دراسة (أنجر) (Inger)(202) بتوضيح تغير النظرة فى العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعلم، فأصبحت كفاءة المؤسسات التربوية تقاس بمدى إسهام مخرجاتها فى الاندماج مع مهارات العمل التكنولوجية المتغيرة والمتطورة.

كما أوضحت دراسة إنجليزية أن مدخل تحليل الكلفة- الفعالية مطلوب استخدامه وبكثرة حتى فى المجال السياسى. فمن المهم أن يفهم صانعو السياسة أبعاد هذا المدخل البحثى بحيث يستطيع هؤلاء الساسة تصور العواقب التى ستنتج عن قراراتهم بصورة واضحة. وقد أوضحت هذه الدراسة أن السياسة التى لا تفهم مدخل الكلفة والفعالية غير مرغوب فيها فى المستقبل(203).

أما دراسة (كاتاريل) (Catterall,)(204) فقد ناقشت أساليب تقييم إنتاجية التعليم العالى وكلفته، ومقارنة الكلفة بكفاءة الخريج كعائد إنتاجى خلال الخمس سنوات التالية لتخرجه.

ودراسات هذا المحور تراوحت بين وصف كفاءات الخريجين من النظم التعليمية إلى تكميم المخرجات التعليمية، أو النواتج المطلوب إعدادها: مثل عدد الناجحين ونسبتهم من صف مدرسى إلى آخر، والكفايات الخارجية لهم بدلالة المعارف والمهارات وسمات الشخصية والصفات المهنية اللازمة للعمل فى مجال التخصص.

وتغيب عن هذه الدراسات مقاييس دقيقة ومقننة تعبر عن فعالية الخريج فى ميدان العمل، وفى التوافق والانسجام المهنى والاجتماعى، فما زالت الفعالية تقدر بطريقة جزئية. وتغيب عنها النظرة الكلية. أيضاً يعانى هذا المدخل البحثى من مشكلة البيانات المرتبطة بالكلفة والفعالية مما يؤثر فى تفسير العلاقات بالدقة العلمية المطلوبة.

وتفيد دراسات هذا المحور فى العلاقة بين الكلفة والفعالية فى تحسين نوعية التعليم من حيث مجاراة التربية والتعليم التقدم العلمى والتكنولوجى، وأن تأخذ برامجها المهنية التغيرات المعاصرة فى القرن الحادى والعشرين، وما يصاحبها من تطور المعارف والمهارات فى المهن الحالية. فتخطيط نوعية التعليم يجب أن يقوم على تقدير دقيق لمهارات المهن فى ضوء المؤشرات السائدة عالمياً فى سوق العمل والعمالة حتى يمكن للمجتمع ملاحقة تطور الأعمال والمهن فى العالم.

كما أن القرارات التربوية التى تتخذ وفقاً لنتائج دراسات تحليل الكلفة والفعالية تتسم غالباً بالأهمية القصوى، لارتباطها بإصلاح نظم التربية والتعليم فى المجتمع.

كما استخدمت دراسات عديدة مدخل النماذج والدوال الرياضية فى دراسة العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم.

واستخدمت هذه النماذج والدوال الرياضية عدة طرائق إحصائية فى تحديد العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم. ومن بين هذه الطرق الإحصائية المستخدمة فى هذا المجال طريقة العامل المتبقى (Residual Factor) لتحديد نسبة إسهام التعليم فى نمو الدخل القومى، وطريقة دالة الإنتاج (Production Function) فى قياس العلاقة بين التعليم وجوانب أو منبئات النمو الاقتصادى، وطريقة تحليل الانحدار متعدد المتغيرات Multivariate Regression Analysis حيث تستخدم هذه الطريقة منطق الدراسة التجريبية فى إقامة علاقات سببية، وتستغنى عن أسلوب الدراسات القبلية والبعدية، وكذلك عن أسلوب الدراسات التجريبية والتتبعية، فاستخلاص السبب المحتمل للظاهرة التى تدرس يتم بالتحكم فى البيانات، وليس التحكم فى الأفراد الذين تجرى عليهم الدراسة.

وقد استندت دراسات عديدة فى قياس الكلفة والعائد فى مجال التعليم إلى طريقة "العامل المتبقى" الذى يستند بدوره إلى مفهوم دالة الإنتاج Production Function لتحديد مدى إسهام التعليم فى النمو الاقتصادى لمجتمع ما.

فقد حاول الباحثون قياس نسب الزيادة فى الناتج القومى الإجمالى لبلد من البلدان خلال حقبة من الزمن التى يمكن إرجاعها إلى المدخلات التقليدية أو بعضها، مثل: العمل وتنظيماته ورأس المال والثروات الطبيعية، واعتبار “العامل المتبقى” نتيجة للتحسينات التى طرأت على القوى العاملة من حيث الكيف بسبب التعليم، وبسبب الاختراعات الجديدة والتكنولوجيا والتقدم المعرفى الذى له صلة وثيقة بالتعليم.

وهكذا تقوم هذه الطريقة على تقدير دور العوامل القابلة للقياس، مثل قيمة راس المال وقوة العمل والثروات الطبيعية، فى الزيادة الإجمالية للدخل القومى لبلد ما فى فترةزمنية محددة، على أن يُعزى العامل المتبقى فى الزيادة الإجمالية للدخل القومى إلى بعض العوامل، وفى مقدمتها التعليم.

ومن أشهر من استخدم هذه الطريقة عالم الاقتصاد الأمريكى الشهير (دينسون) (Denison) (205) فى تفسيراته حول مدى إسهام التعليم فى النمو الاقتصادى فى الولايات المتحدة الأمريكية، وفى ألمانيا وبلجيكا وكندا منذ عام 1957 وحتى عام 1970.

كما يطبق الباحثون دالة الإنتاج Production Function فى قياس العلاقة بين التعليم والنمو الاقتصادى، حيث يفترض وجود علاقة بين الإنتاج الكلى من ناحية، وبين كل من رأس المال المادى، ورأس المال البشرى من ناحية ثانية، وهى دالة خطية متجانسة(206)، ويطلق عليها فى مجال اقتصاديات التعليم اسم دالة الإنتاج التربوى (Educational Production Function)(207).

كما لجأت بعض الدراسات التربوية إلى بناء نماذج رياضية (Mathematical Models) بهدف التوصل إلى علاقات علية- أى سببية (Causal Relationships) بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم، وبحيث يمكن التنبؤ بمستقبل هذه العلاقة ومحاولة ضبطها قدر الإمكان(208).

وفى هذا المجال أجرى (سكاروبولس وودهول) (Psacharopoulos and Woodhall) (209) دراسات حول مدى إسهام التعليم فى النمو الاقتصادى فىكل من استراليا وبلجيكا وكندا والدانمرك وفرنسا وألمانيا (الغربية سابقا) وإيطاليا، واتضح منها ارتفاع معدل إسهام التعليم فى النمو الاقتصادى فى هذه المجتمعات.

وفى دراسة مقارنة لبعض الدول فى أفريقيا وآسيا وشمال أمريكا (غانا وكينيا ونيجيريا وماليزيا والفلبين وكوريا الجنوبية وكندا) أوضح (سكاروبولس) (Psacharopoulos)(210) اختلاف معدل إسهام التعليم فى النمو الاقتصادى من قارة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى داخل القارة الواحدة.

وقد وضعت دراسة (جروب) (Grubb)(211) معادلة تقديرية وصفت من خلالها جملة الدخول النقدية لعينة من العمال فى سوق العمل فى الولايات المتحدة الأمريكية بلغت خمسة وأربعين ألفاً خلال الأعوام من 1980 حتى 1990 كدالة فى مصفوفة من المتغيرات البحثية هى مستوى التعليم ومدى المشاركة فى برامج التدريبات المهنية، والخبرات الذاتية والمهنية والنوع البشرى (الجنس).

كما استنتجت دراسة (باترينوس) (Patrinos)(212) أهم العوامل المؤثرة فى الدالة الإنتاجية للمهندسين من الرجال والنساء فى اليونان، وهى التعليم والخبرة المهنية، علاوة على أن الكفاية الإنتاجية بين هؤلاء الأفراد تزداد عبر الزمن.

وفى دراسة قام بها المركز القومى لإحصائيات التعليم فى الولايات المتحدة الأمريكية (National Center for Education Statistics)(213) تم إلقاء الضوء على وضع العمالة الماهرة فى العمر الزمنى من سن 25 سنة إلى سن 64 سنة فى سوق العمل الأمريكى كدالة فى النوع البشرى، ومستوى المهارة، والمستوى التعليمى، والمستوى التدريبى الأعلى.

كما أوضحت دراسة (سكاروبولس وآخرون) (Psacharopoulos, et.al.)(214) أن عائدات التعليم الاقتصادية تتمايز- فى ضوء نتائج الدالة الإنتاجية- تبعاً لاختلاف المرحلة التعليمية، ودرجات النمو الاقتصادى فى المجتمع المكسيكى.

واستخدم (ديكر) (Decker)(215) دالة الإنتاج فى المقارنة بين إنتاجية القوى البشرية العاملة فى بعض الدول الصناعية الكبرى، واستخدم فى هذه الدالة- علاوة على متوسط إنتاجية القوى البشرية العاملة- متوسطات الإنجاز التعليمى، ومهارات العمل، وسمات الشخصية، إلى جانب الاشتراك فى برامج التدريبات المهنية للقوى البشرية العاملة فى هذه المجتمعات.

كما أجرى (ستانوفينك) (Stanovnik)(216) دراسة لتقييم عائدات التعليم الاقتصادية فى سلوفينيا، واعتمدت هذه الدراسة على مفهوم الدالة الإنتاجية التى وضعها مينسر (Mincer) فى الولايات المتحدة الأمريكية فى تفسير اختلافات الدخول النقدية من الوظائف المهنية للعمال فى الفترة من 1978 إلى 1993م هناك.

وهناك طريقة التحليل متعدد الانحدار حيث تعتبر هذه الطريقة امتداداً لطريقة الدالة الإنتاجية، حيث تعتمد طريقة التحليل متعدد الانحدار على فكرة العلاقات الدالية وذلك فى دراسة العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم. وتستخدم هذه الطريقة ما يعرف بشكل التشتت أو الانتشار Scatter Diagram.

وقد استخدمت طريقة التحليل متعدد الانحدار فى تحديد العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم من قبل كثير من الدارسين فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، نشير هنا إلى بعض هذه الدراسات مثل دراسة التعليم والدخل التى أجراها (سكاروبولس) (Psacharopoulos)(217)  فى دول غرب أوربا، ودراسات عائدات التعليم التى أجرتها (هنشليفا) (Hinchliffe) فى الولايات المتحدة الأمريكية. ودراسة (محمد الأصمعى محروس) (Mahrouse)(218) بجامعة هامبورج بألمانيا (الغربية سابقاً) والخاصة بتأثيرات التعليم على المستوى المهنى، والدخل العائد والمنتظر، والانسجام الوظيفى بين عمال الصناعة فى جنوب مصر. وقد توصلت هذه الدراسة إلى أن العائد الاقتصادى للتعليم أكبر من العائد الاقتصادى للخبرة المهنية فى الوظائف المهنية العليا (الفنيون ورؤساء الأقسام)، بينما تفوق عامل الخبرة المهنية فى عائده الاقتصادى عن التعليم لدى عمال الصناعة سواء أكانوا مهرة أو شبه مهرة.

وألقت دراسة (لويرى) (Loury)(219) الأضواء على استخدام طريقة التحليل متعدد الانحدار فى تفسير جملة اختلافات الدخول النقدية خلال الأعوام من 1979 إلى 1986 للعاملين والعاملات ذوى المستويات التعليمية العالية فى بعض الولايات الأمريكية.

كما أجرى (محمد الأصمعى محروس)(220) دراسة عن دور تعليم الكبار فى طموحات الحراك المهنى فى سلطنة عمان، وقد خلصت الدراسة إلى أن أهم العوامل المؤثرة على طموحات الحراك المهنى لهؤلاء الدارسين ببرامج تعليم الكبار هى الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للفرد، والنوع (الجنس) والخبرة الذاتية المحددة بالعمر الزمنى للدارس، والتدريبات المهنية، والخبرات المهنية ومرحلة الدراسة ببرامج تعليم الكبار.

وأجرى (محمد الأصمعى محروس)(221) دراسة حول مدى إسهامات التعليم فى تحديد كفايات العمل بالمنطقة الصناعية بحى الكوثر بسوهاج، وقد وجدت هذه الدراسة أن الكفايات المهنية للعاملين هناك دالة فى المستويات التعليمية والخبرات الذاتية والمهنية بينهم.

وتواجه دراسات هذا المحور مشكلات متعددة منها مشكلة جودة البيانات، فالعلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم يتم تمحيصها عن طريق التحكم فى البيانات بدلاً من التحكم فى الأفراد الذين تجرى عليهم الدراسة.

والمشكلة الثانية فى هذا المدخل البحثى تتعلق بالتفاعلات بين مفاهيم الكلفة والتى تنبئ بالعائد فى مجال التعليم، الأمر الذى يؤثر على طبيعة نتائج هذه الدراسات.

فإذا كانت الكلفة التعليمية مرتبطة إرتباطاً قوياً بمتغير مستقل ثان مثل نوع المدرسة أو المستوى التعليمى لها فإن ترتيب إدخال هذه المتغيرات سوف يؤثر فى نتائج الدالة الرياضية المفترض أنها قادرة على التنبؤ بعوائد هذه المتغيرات المستقلة. فالمتغير الذى سيدخل فى التحليل متعدد الانحدار أولاً تتضخم عوائده، على حساب تقليل عائد أو عوائد المتغير أو المتغيرات المستقلة الأخرى التى أدخلت ثانياً فى تحليل نتائج هذه الدوال الرياضية.

ويمكن أن تفيد هذه النماذج والدوال الرياضية فى التنبؤ بالكلفة والعائد المتوقع من التعليم، وهذا يفيد بدوره فى التخطيط لتحسين نوعية التعليم وفقاً لهذا المعدل من العائد المتوقع منه. كما تؤدى هذه النماذج والدوال الرياضية أدواراً هامة فى التنبؤ بكلفة الطلاب، فى ضوء تمايز المراحل التعليمية، الأمر الذى يسهم فى تجويد إعداد الخطط التعليمية، والتى تؤدى بدورها إلى توفير مستوى تعليمى جيد لهؤلاء الطلاب. أيضاً تلعب هذه النماذج والدوال الرياضية أدواراً بارزة فى التخطيط لتوفير الكلفة المطلوبة لنوع ما من أنواع التعليم فى ضوء الاحتياجات الفعلية من القوى البشرية المتعلمة والقادرة على ممارسة الأعمال المهارية المطلوبة فى سوق العمل.

وقد أشار (محمود عباس عابدين)(222) إلى بعض الأمور الهامة، التى ما زالت تحتاج لمزيد من التركيز العلمى، بهدف المساهمة فى تطوير بحوث هذا الميدان، ولعل من أبرزها تضافر الجهود من أجل تحديد المدخلات التربوية وتصنيفها وقياسها بكل أنواعها،وكذلك المخرجات التربوية القريبة منها والبعيدة. ولعل تركيزاً إضافياً يجب أن يُعطى لعوامل مثل التى تتعلق بكفاءة المعلم وإنتاجيته وما يتصل بهما من مؤثرات، وكذلك العوامل الأسرية والاجتماعية التى تتصل بالمدرسة والنظام التعليمى بشكل أو بآخر ، فضلاً عن أثر كل ذلك فى المخرجات التربوية. وما زال الميدان يحتاج لمزيد من التركيز فى جوانب تتعلق بتحديد المخرجات غير المعرفية للتربية وقياسها.

وقد ظهرت أطروحات فكرية تنادى بضرورة الحفاظ على جودة التعليم لارتباطه بالعائد منه خلال صيرورة العمل بين الأفراد وفى سوق العمل(223)، وقد استعرض (جراهام جيبس وآلان)(224). إشكالية المحافظة على الجودة برغم نقص الموارد مما يعطى إنطباعاً بأن الجودة فى التعليم ترتبط بمؤشر الكلفة، ومن ثم يجب الاهتمام بالحفاظ على جودة التعليم رغم قلة الموارد من خلال التفكير استراتيجياً.

وقد رأى كل من (لويز وسميث) (Lewis and Smith) (225) أن الجودة فى التعليم تشتمل على عناصر رئيسة هى التقنيات والمطالب والقيم والاتجاهات التى ترتبط بتدعيم مفهوم الجودة وآليات تنمية هذه القيم والاتجاهات.

وقد أورد (محمود عباس عابدين)(226) تعريفاً لمدخل الجودة فى التربية بأنه مجموعة الخصائص أو السمات التى تعبر بدقة وشمولية عن جوهر التربية وحالتها بما فى ذلك كل أبعادها: مدخلات، وعمليات، ومخرجات قريبة وبعيدة، وتغذية راجعة، وكذا التفاعلات المتواصلة، التى تؤدى إلى تحقيق الأهداف المنشودة والمناسبة لمجتمع معين، وعلى قدر سلامة الجوهر تتفاوت مستويات الجودة.

ومن وجهة نظر اقتصادية فإن مدخل الجودة الكلية وما يرتبط به من مفهوم جودة المطابقة تتطلب كلفة تنفق من أجل منع حالات انخفاض مستوى الجودة، إلى جانب كلفة مستترة من أجل تحسين فرص الربحية وتحسين النوعية(227).

وأضاف (براون) (Brown)(228) بإمكانية الاستفادة من مفاهيم الجودة فى قطاع الأعمال التجارية والصناعية ومقاييسها المختلفة: مثل مقياس الجودة العالمية أيزو 9000 (ISO 9000) فى تحسين العوائد الإنتاجية من التعليم الفنى فى الولايات المتحدة الأمريكية.

ويرتبط مدخل الجودة- فى بعض الأطروحات الفكرية- بالعلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم، حيث ينظر إلى الكلفة فى مجال التعليم كمنبئ جيد فى جودة التعليم. وقد ذهب (بوك وتايمز) (Bock and Timmes)(229) إلى ربط الكلفة بمستوى الجودة فى معاهد التعليم عن بعد فى هونج كونج. وهناك اعتقاد- كما يرويه (محمود عباس عابدين)(230).- بأن تزايد معدل الكلفة لكل طالب يكفل جودة المدخلات، التى تكفل بدورها جودة التعليم ككل، ومن هنا يقيسون الجودة بدلالة كلفة المدخلات.

وقد طورت جامعة كاليفورنيا (California State University)(231) مجموعة نماذج فى الكلفة والعائد فى مجال التعليم ليقوم باستخدامها صانعو القرارات التعليمية،ومن بين هذه النماذج نموذج الجودة فى مجال التعليم والكلفة المباشرة وغير المباشرة لتحقيق هذه الجودة وكلفة تطبيق التقنيات بما يؤدى إلى جودة مخرجات التعليم، والتى تؤدى بدورها إلى عائد مجزى من التعليم.

وهكذا يمكن تصور العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم فى علاقة أخرى تأخذ الشكل التالى:

الكلفة والجودة والعائد ...... فى تحسين نوعية التعليم

فالجودة وسيلة لإثراء العائد، وتشكل فى منظورها الشمولى حلقة وسيطة بين الكلفة والعائد: فمن ناحية رفع معدلات الجودة فى مجال التعليم فهذا ما يؤدى عادة إلى كلفة زائدة، ومحاولات رفع الجودة عادة ما تؤدى إلى رفع العائد فى مجال التعليم. ومن ناحية أخرى فإن تحسين الجودة يجب النظر إليه من منظور شمولى، فكلفة الطالب تؤخذ فى الحسبان جنباً إلى جنب مع المؤشرات الأخرى للجودة مثل برامج تدريب المعلمين والتقنيات وكثافة الفصول وغيرها، فهذه كلها يعبر عنها بكلفة.

وتشير نتائج الدراسات المتاحة فى هذا المجال إلى أن جودة المؤسسات التعليمية تؤثر إيجابياً فى الدخول الحياتية، بعد فترة زمنية معينة، أكثر من تأثيرها فى الدخول التى تأتى مباشرة بعد دخول خريج المؤسسة التعليمية الحياة العملية وسوق العمل فى المجتمع. كما أن الجودة فى مجال التعليم والتدريب يمكن اعتبارها عملية مربحة لأى نظام تعليمى أو لأى مؤسسة تدريبية (Brown and Hickey)(232) فعوائد الجودة من التعليم تظهر فى زيادة المكاسب الحياتية، إذ إن جودة المؤسسات التعليمية لها تأثيراتها فى المكاسب الحياتية لخريجيها (Solomon)(233).

وقد أشار (ولشيز) (Welches)(234) إلى أنَّ جودة التعليم تعتبر عامل حاسم فى جودة القوى البشرية العاملة، وعوائدها الاقتصادية والاجتماعية، أما (ويلموت) (Wilmott)(235) فناقش فوائد كثيرة لفعالية التعليم الجيد بمساعدة الحاسوب والمواد المطبوعة والتقنيات الفنية الحديثة وتقنيات الاتصال عن بعد فى مجال التعليم.

وفى جامعة وست جورجيا (State University of West Georgia) أجرى (هيل) (Hill)(236) دراسة عن فعالية الكلفة وتحليل الجودة فى برنامج دورات تدريبية لمعلمى هذه الولاية من خلال برنامج التعليم عن بعد. وقد أرجع الباحث النجاح الواضح لتعليم المعلمين من خلال برنامج التعليم عن بعد إلى فعالية الكلفة، فهناك - كما يقول (هيل) (Hill)- تكاليف كبيرة تصاحب هذا البرنامج، وعلى الرغم من أن التسجيل المتزايد فى هذا البرنامج غالباً ما يعوض هذه الكلفة العالية، إلاَّ أن المشكلة تبقى مشكلة الجودة، والغرض من هذا البحث هو تحليل الكلفة والعائد الحقيقى للتعليم عن بعد من خلال وسيط الجودة فى التعليم.

وفى دراسته عن مدى تأثير الإنجاز التعليمى للأفراد فى قرار الشركات الصناعية بشأن التوسع فى مواقعها فى ولايةٍ ما فى الولايات المتحدة الأمريكية أوضح (هوك) (Hoke)(237) أن جودة التعليم الذى تم الحصول عليه من قبل أفراد الولاية يؤخذ كمحدد هام ويؤثر بدرجة كبيرة فى إقرار مواقع لمصانع جديدة أو للتوسع فى مصانع قائمة فى الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن جذب فروع المصانع والشركات الجديدة يعد أمراً حساساً للنمو الاقتصادى لأى ولاية، فإن الولايات التى ترغب فى جذب هذا النوع من الشركات والمصانع تجد أنه سيعود عليها بالنفع إذا قامت بتشجيع التعليم العالى والمساهمة فى رفع كلفة إعداد الطالب به، وتوفير التقنيات التربوية، فهذا سيعود -كما تقرر هذه الدراسة- بالعائد المرجو والمتمثل فى تحسين أحوال مواطنى واقتصاديات هذه الولاية.

وفى اليابان أوضح (هيروشى) (Hiroshi)(238) أن هناك بعض الأشخاص يستثمرون أموالهم فى نوع الكلية الراغبين فى الالتحاق بها لأنهم يرون أن هذه الاستثمارات ستعود عليهم بالعائد الكبير. وقد درس هذا الباحث كلفة التعليم فى كلية تربية تتميز بالجودة، ومعيار الجودة كانت عنده هى الدرجات المطلوبة فى اختبارات الالتحاق بهذه الكلية. وقد وجدت هذه الدراسة أن نوع الكلية قد حسن المعدل الداخلى للعائد بدرجة كبيرة بين عينة خريجى هذه الكلية من الذكور فى اليابان، علاوة على ذلك فإن سنة التحضير لخوض اختبارات هذه الكلية ليس لها تأثير على العائد، ولكنها تؤثر على نوع الكلية التى يتم الالتحاق بها، ونوع الكلية التى يتم الالتحاق بها تؤثر بدرجة كبيرة فى معدل العائد على هؤلاء الخريجين.

ويؤخذ على مجموعة هذه الدراسات النظرة إلى "جودة" المؤسسات التعليمية بدلالة الكلفة فى مجال التعليم، فجودة التعليم تعتمد على عدة مؤشرات تعليمية واقتصادية وسياسية واجتماعية، كما تعتمد على عدة خصائص وتفاعلات داخل النظام التعليمى وخارجه. وبناءً عليه يجب اقتران "جودة" أى مؤسسة تعليمية بمؤشرات خاصة بالمعلم، وبالمتعلم وبيئته وظروفه المحيطة به، وبالإمكانات والتنظيمات المدرسية والمجتمعية وغيرها كثير.

وتسهم دراسات هذا المحور فى تحسين نوعية التعليم من خلال تحديد الاحتياجات الفعلية من معلمين أكفاء، ومبان، وإمكانات مادية أخرى وغيرها من العوامل المؤثرة فى رفع مستويات الجودة فى التعليم. فهناك العديد من السمات والخصائص المرتبطة بالتعليم ذى النوعية الجديدة،وهذه السمات والخصائص تفيد فى المساعدة فى التخطيط لتحسين نوعية التعليم المتصف بالجودة العالية، فالعبرة فى هذا الأمر فى كيفية توظيف مثل هذه السمات والخصائص التعليمية من أجل الحصول على مردود تعليمى جيد. وتفيد نتائج هذه البحوث فى الكلفة والجودة والعائد التعليمى فى التخطيط لتنمية الاستعدادات المعرفية والانفعالية، وفى عوامل التقدم فى التحصيل الدراسى، وفى التنمية المهنية لدى الطلاب.

ومن تحليل أمثلة لبحوث الكلفة والعائد فى مجال التعليم نستنتج وجود تمايز فى هذا المجال. فقد كان من الأمور الشائعة فى مناقشة هذه العلاقة تحديد مفاهيم الكلفة المباشرة وغير المباشرة فى مجال التعليم، إلى جانب تحديد قيمة الدخول المكتسبة من الأعمال والوظائف فى سوق العمل، والتى أسهم التعليم فى إعداد القوى البشرية المناسبة لها، إضافة إلى دور التعليم فى إكساب المتعلمين درجات من الرضا المهنى عن أعمالهم التى يعدون من أجلها، ثم أصبحت عوائد التعليم تقاس بمدى إسهاماتها فى تحديد كفايات العمل، إلى جانب قدرة المؤسسات التعليمية على إكساب طلابها مهارات التفكير العليا، وكافة المعارف المتصلة بعالم العمل، إلى جانب إكساب متعلميها القدرة على التعلم الذاتى كأحد أساليب التربية المستمرة.

ودراسة الكلفة فى مجال التعليم يجب أن تتضمن حوافز المعلمين وإسهامات الجمعيات الأهلية ومجالس الأباء والمعلمين ومجهوداتهم وتبرعاتهم، إلى جانب كلفة تكنولوجيا التعليم والوسائط التربوية الجديدة الأخرى، وكلفة البرامج التعليمية فى الراديو والتليفزيون إلى جانب كلفة برامج التعليم عن بعد، وكلفة برامج تحسين التعليم، كما تعددت الرؤى من قضية الإنفاق على التعليم مما يؤكد ضرورة استحضارها جميعاً عند صياغة السياسات التعليمية واتخاذ القرارات التمويلية.

وفى مجال دراسة العائد من التعليم، يجب إدخال عوائد إضافية مرتبطة بخصائص العمل ذاته وظروفه ضمن المكاسب من التعليم، مثل نظم التأمينات والمعاشات ودرجة استمراريتها وتوفر الشروط الصحية وفرص العلاج فى هذا العمل، ومستوى جودة هذا العلاج، وفرص الحرية أثناء ساعات العمل وأوجه الترفيه  المتاحة وأساليبها والبعد عن الفوضى واكتساب العادات الصحية السليمة، إلى جانب التوافق النفسى والانضباط الذاتى والاستهلاك الرشيد، واستخدام الوسائل القانونية فى إشباع الرغبات الاقتصادية والاجتماعية.

ومن ثم يمكن الاستدلال مستقبلاً وبدقة بمدى المكاسب الحقيقية وأبعادها ومظاهرها من الكلفة فى مجال التعليم، وهذه مدخلات رئيسة فى التخطيط لتحسين نوعية التعليم المطلوبة فى القرن الحادى والعشرين.

ورغم تنوع الدراسات فى العلاقة بين الكلفة والعائد فىمجال التعليم فى ضوء تمايز مدخلاتها البحثية، فإن ثمة صعوبات تؤثر فى نتائج هذه الدراسات،وفى أدوارها فى تحسين نوعية التعليم. ومن أمثلة هذه الصعوبات عند دراسة العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم وفى استخدامها فى تحسين نوعية التعليم ما يلى:

 - اختلاف وجهات النظر فى الأساليب التحليلية التقريرية الخاصة بتقدير العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم، إضافة إلى أنَّ إمكانات هذا المدخل البحثى- فى أساليبه المختلفة- يقف عند حد تنظير الظاهرة فى العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم والشواهد على وجود هذه العلاقة عن طريق الكشف عن بعض الخصائص المرتبطة بواقع الظاهرة المدروسة.

ورغم هذا فإن دراسات هذا المحور فى العلاقة بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم تفيد فى اتخاذ قرارات فى السياسة العامة تتناول مسألة الروابط بين التوجهات المتضمنة فى القوانين والتشريعات فى المجتمع، وبين الخطط والموارد الضرورية لكلفة التعليم من أجل وضع هذه التوجهات موضع التنفيذ. وهذه القرارات تشمل مجمل النظام التعليمى أو قطاعات واسعة منه، وكلفته المادية والجهود المبذولة لتحقيق الإصلاحات التى تتناول النظام ككل.

ويمكن أن تفيد نتائج دراسات هذا المحور فى العلاقة بين الكلفة والعائد فى التخطيط لتحسين نوعية التعليم من خلال توفير معلومات تمكن السلطات التعليمية المختصة فى المستوى القومى من أن تحدد تطور قدرة النظام المدرسى، فى الأمد الطويل، على مساعدة المتعلمين فى تحقيق درجات عالية من النمو المتوازن والتكامل بدنياً ومعرفياً ومهارياً واجتماعياً. أيضاً تسهم دراسات هذا المحور فى تحسين نوعية التعليم من خلال تطوير المعارف والمهارات المتضمنة فى المنهاج الدراسى ومن ثم يمكن أن تستخدم نتائج هذه الدراسات التقريرية فى تحسين السياسات والممارسات التربوية وتطويرها، على الأقل فى المنحى القيمى الفلسفى فى صناعة القرارات التربوية بصفة عامة.

 - أما الصعوبات المستنتجة من الدراسات التى اعتمدت مدخل المقارنة والطريقة الارتباطية بين الكلفة والعائد فى مجال التعليم فتتعلق بعدم القدرة فى العثور على جماعات المقارنة فى سوق العمالة الإنتاجية، تشترك فى خصائص كثيرة وتختلف فقط فى خاصية واحدة هى مستوى التعليم، وحتى إنْ وجدت مثل هذه المجموعات فلا يمكن التأكد من أنَّ الفروق فى مستويات الدخول النقدية راجعة إلى عامل التعليم فقط. فهناك صعوبة فى عزل متغير التعليم عن باقى المتغيرات المؤثرة فى جملة دخول الأفراد. كما أن معظم الدراسات الارتباطية تعانىنقداً فى توضيح العلاقة بين الكلفة والنتيجة الخاصة بدور التعليم فى المظاهر الاجتماعية والاقتصادية.

كما أن العلاقة بين التعليم والمظاهر الاجتماعية والاقتصادية فى المجتمع شديدة التداخل فيما بينها، ففعالية أى مدرسة يجب أن تقدر فى ضوء السياق الذى تعمل فيه هذه المدرسة. وبعبارة أخرى فإن الفائدة المرجوة من الكلفة فى مجال التعليم- مقاساً بكمية المعارف التى اكتسبها الطلاب- ينبغى أن ينظر إليها فى ضوء نوعية المتعلمين،وفى ضوء البيئة الاجتماعية والاقتصادية التى تعمل فى إطارها، وفى ضوء الخصائص المناخية التى تقع المدرسة ضمنها ودرجة تفاعلها بالنسبة إلى سائر المرافق الثقافية الأخرى فى المجتمع. ومن المتغيرات الأخرى المؤثرة فى علاقة الكلفة والفائدة فى المجال التعليمى كلفة توفير الكتب المدرسية ومناهج التدريب أثناء الخدمة للعاملين فى المدارس وتحسين الأبنية التعليمية.

وبعد تحديد هذه التدابير فى التخطيط لتحسين نوعية التعليم وتقدير كلفتها يمكن وضع نظام الأولويات، بحيث يمكن تنفيذ التدابير المختارة فى ضوء الكلفة،وفى ضوء الموارد المالية المتاحة، فقد تقضى الضرورة بإرجاء بعض التدابير التى تستدعى كلفة ضخمة إلى أن يتحسن الوضع الاقتصادى لمجتمع ما.

صعوبة اختيار دليل الإنتاجية الذى يستخدم فى قياس معدل الكلفة- المنفعة والربحية من التعليم. فالفروق فى الدخول بين الأفراد لا توفر مقياساً دقيقاً لاختلاف مستوى إنتاجيتهم، وصعوبة تحديد معدلات الخصم فى فترات زمنية متباعدة عند استخدام هذا المدخل البحثى،وصعوبات تحديد الكلفة والعائد فى مجال التعليم العالى على وجه الخصوص، بالإضافة إلى صعوبة حساب كلفة الفرص الضائعة لخريجى هذا النوع من التعليم فى وقت زادت فيه معدلات البطالة، وانخفضت فيه أيضاً المستويات المهارية للخريجين فى أماكن العمل. بالإضافة إلى اهتمام هذا المدخل البحثى بحساب العوائد الاقتصادية وخاصة النقدية منها،وإهمالها إلى حد كبير للعوائد الاجتماعية من التعليم.

ويتشكل الإنفاق على التعليم فى مصر من عدة مصادر هى الإنفاق الحكومى من الموازنة العامة للدولة،وإنفاق القطاع الخاص على المدارس الخاصة التى يمتلكها، إضافة إلى المنح والمعونات والقروض التى تبرمها الحكومة المصرية مع المنظمات الدولية للإنفاق على التعليم(239)، ويتحدد الإنفاق على التعليم، ومصادر هذا الإنفاق، من خلال برنامج الحكومة المصرية التى تقدمه للاعتماد فى مجلس الشعب بداية يوليو من كل عام ميلادى، والحزب الوطنى الديمقراطى هو الحزب الحاكم فى جمهورية مصر العربية منذ إعادة التجربة الحزبية عام 1977، حيث يشار إليه على أنه الوريث الشرعى لثورة يوليو 1952،ويقوم بتشكيل الحكومة المصرية من وقت لآخر، وله سياساته فى الإنفاق على التعليم، والتى تظهر فى برنامجه الحكومى سنوياً.

وقد تبنت سياسات الحكومة فى مصر زيادة الإنفاقات على التعليم، حيث زاد الإنفاق الحكومى على التعليم فى مصر من (10.5 مليار جنيه) فى العام الدراسى 1995/1996 إلى (21.4 مليار جنيه) فى العام الدراسى 2002/2003(240)، وتدور نسبة الإنفاق الحكومى على التعليم فى مصر خلال هذه المدة حول الـ (5%) من إجمالى الناتج القومى للمجتمع المصرى (البنك الدولى، 1999، ص20). وتقل هذه النسبة عن الحد الأدنى المطلوب تخصيصه من الإنفاق الحكومى على التعليم كنسبة من الناتج القومى الإجمالى فى ضوء اقتراحات اللجنة الدولية للتربية للقرن الحادى والعشرين(241) التى اقترحت على كل دولة نامية أن تخصص على الأقل نسبة (6%) من إجمالى الناتج القومى العام لتمويل التعليم فيها.

وقد تراوحت نسبة المنصرف على قطاع التعليم المصرى ما بين (11%) عام 1995 إلى (15%) عام 1999 من إجمالى المصروفات الحكومية المصرية خلال الفترة المذكورة(242)، واستمر توجيه نسبة الـ (15%) من إجمالى الموازنة السنوية لقطاع التعليم فى مصر حتى عام 2002م، حيث إن الموازنة العامة للحكومة المصرية للسنة المالية 2002/2003م بلغت (141.6 مليار جنيه) خصص منها (21.4 مليار جنيه) للتعليم أى حوالى (15%) من إجمالى هذه الموازنة.

وينبغى الإشارة إلى أن تقارير الحزب الوطنى الديمقراطى فى مصر عن الإنفاق الحكومى على التعليم المصرى تشمل ميزانيات التعليم الأزهرى والتعليم العالى وميزانيات الجامعات والبحث العلمى، إلى جانب ميزانية التربية والتعليم. وقد أشار البنك الدولى إلى أن حصة التعليم الأساسى فى مصر من جملة الاعتمادات المنصرفة من وزارة التربية والتعليم خلال العام الدراسى 1995/1996 بلغت (3.2 مليار جنيه) بنسبة (30.5%) فقط من إجمالى ميزانيتها(243)، وظلت هذه النسبة المخصصة للإنفاق الجارى على التعليم الأساسى ثابتة تقريباً، حيث تراوحت بين (30% -32%) من ميزانية التعليم خلال المدة من 1996 إلى 2001م(244).

وعلى الرغم من أن أعداد التلاميذ الملتحقين بالحلقة الأولى من التعليم الأساسى (التعليم الابتدائى) وبالحلقة الثانية من التعليم الأساسى (التعليم الإعدادى) بلغت (11.6 مليون) تلميذ فى العام الدراسى 2000/2001م، وهذه الأعداد أضعاف الملتحقين بالتعليم الثانوى بنوعيه العام والفنى (2.95 مليون) طالب، وبالتعليم العالى (1.3 مليون) طالب(245)، إلا أن نصيب التعليم الثانوى والعالى من نسبة المبالغ المخصصة للإنفاق الجارى على التعليم فى مصر ما زال كبيراً نسبياً مقارنة بما خصص للتعليم الأساسى وفى دولة تعانى من ارتفاع نسبة الأمية بها،وهذا ما أشار إليه (شولتز) (Schultz)(246) فى دراسة عن التوسع الكمى فى التعليم الأساسى فى أفريقيا، وكيف أن نسبة الدعم الحكومى الأكبر تذهب إلى التعليم العالى، ويعتبر (شولتز) هذا الأمر تحولاً عن مساندة الفقراء وسكان الريف وانحيازاً لأبناء الطبقة المتوسطة والغنية، هذا فى الوقت الذى نجد فيه أن مخصصات تمويل التعليم الأساسى من المحليات بالولايات المتحدة الأمريكية ومن تمويل السلطات المحلية ومن تمويل الحكومة الفيدرالية أعلى بصفة دائمة من مخصصات التعليم الثانوى والجامعى هناك(247).

وعلى الرغم من ضعف حصة التعليم من هذا الإنفاق الحكومى مقارنة بالإنفاقات الحكومية الأخرى فى مجال التسليح والأمن وغيرها من الإنفاقات، إلا أن نسبة كبيرة من الميزانية الحكومية للتعليم موجهة للأجور والمكافآت والحوافز، فقد وصل نصيب الأجور من إجمالى ميزانية التعليم قبل الجامعى (82%) من هذه الميزانية عام 1995/1996م(248)، ووصلت هذه النسبة فى العام الدراسى 2000/2001 إلى (83.4%). وقدرت دراسة علمية هذه النسبة بحوالى (85%) من إجمالى الإنفاق الجارى من الميزانية خلال التسعينات(249)، فقد تم رفع الحوافز لجميع العاملين بالبيئات المدرسية، كما زادت مكافآت الإداريين والنظار عن أعمال الامتحانات، حتى معاشات هؤلاء العاملين زادت باضطراد، وكلف هذا وزارة التربية والتعليم دعماً مالياً إضافياً،ولعل آخر دليل على هذا الأمر انحصر فى تحديد زيادة فى الأجور مقدارها (10%) حين تم رفع ميزانية الإنفاق الحكومى على التعليم من (20.4 مليار جنيه) عام 2001/2002م ليصل إلى (21.4 مليار جنيه) خلال العام الدراسى الحالى 2002/2003م.

والأمر المدهش حقاً أن نسبة المعلمين القائمين على التدريس فى مراحل التعليم قبل الجامعى حالياً بلغت (56.2%) من إجمالى العاملين فى هذا القطاع،وبقية النسبة المئوية تعمل فى وظائف إدارية معاونة ولا تتصل بالعملية التعليمية التدريسية، وهذا أمر يمتص نسبة كبيرة من الـ (30%) من الميزانية الحكومية المخصصة للتعليم، والتى تذهب فى صورة أجور ومكافآت وحوافز(250).

وتحت إلحاح الزيادة فى الإنفاق على التعليم للوفاء بالاحتياجات المتزايدة للمجتمع من التعليم، وفى ظل الضغوط التى تعمل على تقييد حجم ميزانية الحكومة، وبالتالى وضع سقف لا يمكن تجاوزه لميزانية التعليم، ومن أمثلة هذه الضغوط أعباء الدين العام المحلى والأجنبى وزيادة الإنفاق العسكرى (4.3%) من الناتج القومى، وتدهور الميزان التجارى وزيادة العجز فى الموازنة العامة للدولة والتى قدرت عام 2001/2002م بحوالى (6.7%) من إجمالى الناتج القومى(251)، لم تجد وزارة التعليم بديلاً عن أن تعلن أن هناك حاجة أكثر من أى وقت مضى إلى تكاتف كل الجهود الحكومية والشعبية والتنظيمات الاجتماعية والمهنية فى الإنفاق على التعليم. وكانت الحكومة قد أنشأت صندوقاً لدعم وتمويل المشروعات التعليمية فى حالة قصور ميزانية التعليم الحكومية عن توفير الأموال اللازمة لبناء المدارس وصيانتها. وتشمل موارد الصندوق بمقتضى القرار الوزارى رقم 227 لسنة 1989 الرسوم الإضافية التى تفرضها وزارة التربية والتعليم على استخراج الشهادات الدراسية،ونسبة (10%) من دخول الإدارات المحلية فى القرى والمحافظات ودخول الغرامات والمساهمات المالية من أعضاء المجتمع المحلى والتبرعات والمساهمات من قطاع رجال الأعمال. وما ينبغى الإشارة إليه هنا أن دور هذا الصندوق فى الإنفاق على التعليم محدود ومكمل للموازنة الحكومية المخصصة لقطاع التعليم.

كما حظى الإنفاق على التعليم فى مصر باهتمام العديد من الدول والمنظمات والهيئات الأجنبية المانحة، ومن أشهر هذه الدول والمؤسسات الدولية التى تقدم المنح والقروض الموجهة لقطاع التعليم المصرى، هى حكومات الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان،وكندا، والدانمارك،وفرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، إلى جانب مؤسسات البنك الدولى، والاتحاد الأوربى،ومنظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة، والصندوق العربى للإنماء الاقتصادى والاجتماعى، وصندوق الأوبك، وصندوق تنمية الموارد البشرية التابع لهيئة التنمية الدولية، والبنك الإسلامى للتنمية، ومنظمة اليونسكو.

وقد أظهرت دراسات تقويمية(252) جوانب التمويل الدولى للتعليم فى مصر حتى عام 1994 وظهر من نتائج هذه الدراسات سوء توزيع مخصصات القروض والمعونات الأجنبية، إلى جانب إهدار جانب كبير منها فى الإجراءات الإدارية، وشروط غير موضوعية فى بناء المدارس ونقص قطع غيار الأجهزة ومعدات المعونة الأمريكية، إلى جانب غياب التنسيق بين الأجهزة المحلية ووزارة التربية والتعليم والخبراء بمراكز تطوير التعليم بالجامعات المصرية، إضافة إلى ارتباط المعونة الأمريكية بما تنتهجه مصر من خطوات فى سياستها التعليمية تتفق ورؤية الولايات المتحدة الأمريكية، كما أظهرت هذه الدراسات أن أهم المجالات التى وجه إليها العون فى مجال التعليم هى بناء المدارس وتطوير مناهج التعليم وتطوير نظم المعلومات.

كما توصلت دراسة (فاتن محمد عدلى)(253) إلى أن انخفاض ميزانية التعليم المصرى وتقليص دور الحكومة أدى إلى تلقى العون الخارجى بدون أى دراسات جدوى، كما أنه لم توجد سياسة تمويلية واضحة للاهتداء بها عند تلقى العون الخارجى للتعليم قبل الجامعى فى مصر، إلى جانب عدم ملاءمة الأجهزة التكنولوجية المصاحبة للعون الخارجى وعدم توافر قطع الغيار اللازمة لهذه الأجهزة مع عدم توافر خبرات التشغيل وتقاضى الخبراء مرتبات خيالية،وعقد الندوات العامة فى الفنادق الراقية، كل هذا امتص الجزء الأكبر من العون الخارجى للتعليم المصرى، كما أوضحت هذه الدراسة أن العون المقدم من اليونسكو للتعليم فى مصر ركز فى المقام الأول على عقد الندوات التربوية، إلى جانب إمداد المدارس ببعض الأجهزة التعليمية، والمساهمة فى برامج محو الأمية وتعليم الكبار.

ومن بين المنظمات والهيئات الأجنبية التى تسهم فى الإنفاق على التعليم فى مصر  هيئة كير الدولية فى مجال إنشاء المدارس الصغيرة لمحو أمية الفتيات اللاتى لم يلتحقن بالمدارس، ومشروعات محو الأمية وتعليم الكبار، ومن هذه المعونات أيضاً القرض المقدم لتطوير مكتبة الإسكندرية، ومشروع مبارك/ كول لتطوير التعليم الفنى والتدريب المهنى منذ نهاية 1991 وحتى الآن،ومبادرة مبارك/ جور (الشراكة الأمريكية المصرية) لتدريب طلاب المدارس الفنية ومدتها سبع سنوات (2000-2007) ومشروع تطوير التعليم الثانوى، والقرض بـ (50 مليون دولار أمريكى) المقدم له من البنك الدولى، ودعم البنك الدولى بـ (30.5 مليون دولار أمريكى) لتطوير التعليم الجامعى الهندسى والفنى،ودعم صندوق النقد الدولى لإمداد المرحلة الثانوية بالتكنولوجيا الحديثة، والمنح المقدمة للربط بين الجامعات وإعادة تأهيل المستشفيات التعليمية الجامعية، إلى جانب المنح المقدمة من الوكالة الأمريكية للتنمية فى مجال التدريب للتنمية فى مصر، والقرض الممنوح من البنك الدولى فى عام 2002م، وقدره (50 مليون دولار أمريكى) بالإضافة إلى (10 ملايين دولار أمريكى) تمثل مساهمة الحكومة المصرية فى تمويل المرحلة الأولى من مشروعات تطوير التعليم العالى فى مصر حتى عام 2007م والمتضمنة تطوير وإعادة هيكلة كليات التربية وتطوير  المعاهد المتوسطة والعليا وإعداد تشريع جديد للتعليم العالى، وهناك منح ومعونات وقروض دولية أخرى أنفقت فى مجال التعليم فى مصر، وقدمت من هيئات وتنظيمات مجتمعية وحكومات عالمية مثل ما قدمته هيئة المعونة الأمريكية للتنمية من مخصصات مالية بلغت (286 مليون دولار أمريكى) وأنفقت فى بناء مدارس صغيرة لتعليم الإناث وتدريب معلمى اللغة الإنجليزية. كما قدمت هيئة التعاون الدولى اليابانية مخصصات مالية بلغت (1304 مليون ين يابانى) أنفقت فى تأليف الكتب ودليل المعلم فى مادتى العلوم والرياضيات للمرحلة الابتدائية. وقدمت هيئة المعونة الكندية مبلغ (5 مليون دولار كندى) لتغذية التلاميذ بمدارس التعليم الأساسى، وبالتعاون مع اليونيسيف لتدعيم مشروع مدارس المجتمع ومدارس الفصل الواحد. أما الدانمارك فقد خصصت مبلغ (22 مليون كرون دنمركى) فى تغذية التلاميذ بمدارس التعليم الأساسى. وقدمت فرنسا مبلغ (5.80 مليون يورو) لتدعيم تدريب المعلمين فى تدريس الفرنسية وتصميم وإعداد أنشطة علمية للتلاميذ. وقدمت المملكة المتحدة مبلغ (2 مليون جنيه إسترلينى) لتدعيم تدريب معلمى اللغة الإنجليزية. أما ألمانيا فقد قدمت (30 مليون مارك ألمانى) لتوفير فرص التدريب وإعداد المناهج الدراسية. وقدمت السوق الأوربية المشتركة مبلغ (20 مليون يورو) لتدعيم التغذية المدرسية. وقدمت إيطاليا مبلغ (4 مليون ليرة إيطالية) لتدعيم شراء أجهزة وأدوات مدرسية.  أما الصندوق العربى للإنماء فقد قدم مبلغ (15 مليون دينار كويتى) كقرض لبناء (180) مدرسة. وقدم صندوق الأوبك مبلغ (10 مليون دولار أمريكى) لتدعيم بناء المدارس. وقدمت هيئة التنمية الدولية مبلغ (86 مليون يورو) من أجل بناء (240) مدرسة، وقدم البنك الإسلامى للتنمية مبلغ (5 مليون دولار أمريكى) لتدعيم بناء مدارس فى مرحلة التعليم قبل الجامعى. وقدم الصندوق الإفريقى للتنمية مبلغ (138 مليون جنيه مصرى) كقرض من أجل بناء مدارس جديدة(254).

وقد ساهمت هذه المنح والمعونات والقروض فى الإنفاق على التعليم فى مصر،حيث قامت وزارة التربية والتعليم بإنشاء (5500) مدرسة بتكلفة بلغت ما يزيد عن ست مليارات جنيه خلال هذه الفترة للمراحل التعليمية المختلفة منها (575) مدرسة رسمية للغات (التجريبية)، كما تم توفير التجهيزات لهذه المدارس، بالإضافة إلى تجهيز المعامل والمكتبات وصالات للأنشطة التربوية(255). كما استفاد التعليم من هذه المنح والمعونات والقروض الدولية فى تحسين نوعية التعليم به،وتعليم الفتيات الريفيات وبرامج محو الأمية وتمويل مستشفيات الأطفال، وإنشاء مراكز لأمراض الكبد، ومشروع تغذية التلاميذ بمدارس التعليم قبل الجامعى، إضافة إلى مشروعات التدريب  للتنمية وتعزيز قدرة الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار على تشجيع التعليم مدى الحياة، ونشر مبادئ التعلم الذاتى كأحد أساليب التربية المستديمة.

كما قدم البنك الدولى قروضاً لتحسين قطاع التعليم فى مصر، القرض الأول (EGT2476) لتحسين التعليم قبل الجامعى خلال الفترة (1995-2002) بمبلغ (55.50 مليون دولار أمريكى)، أما القرض الثانى (EGT80) لتطوير التعليم الأساسى خلال الفترة (1997-2002) بمبلغ (75.00 مليون دولار أمريكى)(256).

وحددت الأهداف من القرض الأول (EGT 2476) الموجه لتحسين التعليم فى الفترة من 1995 إلى 2002م وقيمته (55.5 مليون دولار أمريكى) وبفائدة (4%) سنوياً فى دعم النظام الإحصائى بوزارة التربية والتعليم، وتطوير قاعدة بيانات وتدريب الكوادر العليا والمتوسطة بوزارة التربية والتعليم، وتدريب المعلمين بمرحلة التعليم الأساسى.

أما القرض الثانى (EGT 80) من البنك الدولى لتطوير التعليم الأساسى خلال الفترة من  1997 إلى 2002م وقيمته (75 مليون دولار أمريكى) وفائدته السنوية (3%) سنوياً فيهدف إلى تحسين نوعية التعليم من حيث الارتفاع بمستوى تحصيل التلاميذ وتدريب المعلمين أثناء الخدمة، وخاصة معلمى اللغة الإنجليزية وتحسين كفاءة النظام التعليمى فى مجالات تقليل نسب الرسوب والتسرب وتحسين إدارة العملية التعليمية ومتابعة أدوار مجالس الآباء والمعلمين، وتنمية مهارات العاملين بمجال التعليم الأساسى.

كما قدم الاتحاد الأوربى منحة لا ترد بقيمة (100 مليون يورو) لبرنامج تحسين التعليم الأساسى فى مصر خلال الفترة من 1997 إلى 2002م،وتهدف هذه المنحة إلى تدعيم مدارس البنات،وبناء مدارس جديدة،وزيادة معدلات الاستيعاب،وتقليل نسب الرسوب والتسرب وتحسين جودة التدريس وتدعيم الوحدات التنفيذية لبرنامج تحسين التعليم سواء على مستوى المديريات أو على المستوى المركزى(257).

هذا وقد ضمت وزارة التربية والتعليم هذه المنحة إلى القرض المقدم من البنك الدولى (EGT 80) السابق الإشارة إليه إضافة إلى ضم (75 مليون دولار أمريكى) منحة من هيئة المعونة الأمريكية للتنمية لتمويل برنامج طموح لتحسين التعليم الأساسى فى خمس عشرة محافظة من محافظات جمهورية مصر العربية، وأصبح هذا البرنامج معروفاً ببرنامج (البنك الدولى/ الاتحاد الأوربى) فى مصر (World Bank/ European Union Education Enhancement Program (E.E.P)، وانتهى هذا البرنامج بنهاية عام 2002م(258).

وحددت أهداف عامة وطموحة من هذا البرنامج تتعلق بتنمية مهارات القيادة المدرسية، وتطبيق وصنع القرار التعليمى، وتنمية مهارات التفاعل الاجتماعى وممارستها، واكتساب مهارات الاستخدام الأمثل للمبنى المدرسى ومرافقه واكتساب وممارسة المهارات التى تحقق توثيق الصلة بين المدرسة والمجتمع المحلى، واكتساب مهارات تقويم أداء العاملين والاستخدام الأمثل للثواب والعقاب،وإدراك مفاهيم التخطيط المدرسى وأساليبه بين العاملين فى مجال التعليم الأساسى، من أجل رفع فاعلية وكفاءة المنظومة الإدارية التعليمية ومن أجل ترشيد استهلاك وحسن استخدام الموارد المادية والبشرية، إضافة إلى زيادة معدلات الاستيعاب بالمدارس بنسبة (2%) سنوياً للإناث، وبنسبة (1.2%) للذكور.

وقدرت إحدى الدراسات (أحمد محمد نبوى، 2001، ص ص 175-176) إجمالى التمويل لمشروع تحسين التعليم فى مصر بـ (835 مليون دولار أمريكى)، ساهمت الحكومة المصرية بمنح ومعونات دولية قدمت لها بلغت (635 مليون دولار أمريكى)، بينما بلغت مساهمة الاتحاد الأوربى فى هذا المشروع (100 مليون يورو)، وقرض البنك الدولى (EGT 80) وقيمته (75 مليون دولار أمريكى).

ومما يلفت النظر فى هذا البرنامج الطموح لتحسين التعليم فى مصر هو استبعاد أقسام التدريب وكوادرها بمديريات التربية والتعليم بمختلف محافظات الجمهورية عن المشاركة فيه، وفوز مركز دراسات تعليم الكبار والتعليم المستمر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة (Center for Adult and Continuing Education, The American University in Cairo) بإعداد البرامج والمناهج التدريبية لتنمية الكفايات الأساسية لدى القيادات المدرسية والتعليمية على مستوى الجمهورية (وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 2002م).

ونتساءل هنا: ما الحكمة من إسناد هذه الفرص التدريبية للقائمين على أمور التربية والتعليم فى مجتمع الأمة فى مصر إلى مؤسسات أجنبية والتى تمتلك قوى ودوافع غير وطنية، والتى لا يمكن أن تأتى بخير للوطن؟!. وتعود الذاكرة إلى العقدين الأخيرين من القرن العشرين حين تنبهت دراسات تربوية وحذرت من محاولات إدخال التعليم وأنشطته التربوية المتعددة بمدارس مصر فى مصيدة التبعية، فجاءت دراسات(259) لتثير الاهتمام والوعى والحذر من بعض المظاهر التى تجعل التعليم فى مصر وقد أصابته مظاهر التبعية للغرب وثقافاته وقيمه وأطروحاته وتفسيراته للحياة وللحضارة وللمدنية. ورغم ذلك، وشيئاً فشيئاً، وتحت عباءة تحديث برامج التعليم وتحسينها وتطويرها وتجويدها وتجديدها وغير ذلك من مفاهيم العصرنة فى مجال التعليم فى مصر، راحت الجامعة الأمريكية بالقاهرة وغيرها من التنظيمات الاجتماعية والمهنية والأكاديمية والتعليمية الأجنبية تمارس هواية الغزو الثقافى، وبطبيعة الحال فإن البرامج التدريبية فى مجال التنمية المهنية لقادة التعليم فى مختلف الإدارات التعليمية وللقائمين على أمور التربية والتعليم بمختلف محافظات مصر احتلت مكان الصدارة فى تحقيق الهدف الرئيسى والدخول فى مصيدة التبعية وهو زرع القيم الثقافية الأمريكية فى عقول الناشئة والقائمين على تعليمهم، وبث روح الانبهار باللغة والثقافة والقيم الغربية فى مختلف مناشط الحياة.

كما وجهت منظمة اليونيسيف مساعدات لتمويل قطاع التعليم الأساسى فى مصر،ودعمت مشروع (مدارس المجتمع) الذى بدأ منذ عام 1992م ويستمر حتى عام 2007م بتمويل قدرة (5 مليون دولار كندى)، حيث تم تمويل هذا المشروع بمساعدة هيئة المعونة الكندية(260). وقد بلغ عدد هذه المدارس (200 مدرسة) عام 2000م موزعة على محافظات أسيوط وسوهاج وقنا، وفى إطار هذا التعاون تتولى وزارة التربية والتعليم المصرية توفير الكتب الدراسية، وتتولى منظمة اليونيسيف توفير الأثاث المدرسى وتدريب ميسرات التعلم(261)، وقد غطى هذا البرنامج عام 2001م حوالى (6000) دارسة ودارس، (70%) منهم من الفتيات، وتتبقى عقبة استكمال البنات لتعليمهن بعد هذه المرحلة بمدارس المجتمع فى المدارس الحكومية دون حل بالرغم من أن التقييم أظهر أن المتخرجات من مدارس المجتمع نجحن فى الامتحانات المدرسية الحكومية بتفوق(262).

وتُولى منظمة اليونيسيف اهتمامها أيضاً (لمدارس الفصل الواحد) التى تعتبر إحدى صيغ التعليم الأساسى لأبناء المناطق الريفية والنائية التى تضم عدداً قليلاً من التلاميذ فى سن التعليم الأساسى، وبلغ عدد هذه المدارس (2612) مدرسة فى عام 2001م، وتستوعب هذه المدارس كل الأطفال الملزمين، وأيضاً المتسربين من المدارس الابتدائية، وكذلك المرتدين إلى الأمية بعد قضاء سنوات الإلزام، خاصة من الفتيات اللاتى لم تشملهن الخطة التعليمية وما زلن فى سن الإلزام، واللاتى تسربن من المدارس الابتدائية، وقد بلغ عدد البنات بمدارس الفصل الواحد عام 2000/2001 (54022) دارسه وعدد البنين (1804) دارس(263).

وقد اتخذت الحكومة خطوة أخرى فى مجال تطوير التعليم حيث تقرر تأهيل أربعة ملايين تلميذ بالإعدادى على تكنولوجيا المعلومات فى إطار مشروع الحكومة الإلكترونية الذى بدأ فى سبتمبر 2002م والمفترض أن يستمر خمس سنوات ويتكلف (800 مليون جنيه) حيث يستلزم التعليم الإلكترونى فى مصر توفير (400 ألف حاسب آلى) بمعدل حاسب آلى لكل (10 تلاميذ) بتكلفة (200 جنيه) للتلميذ الواحد (جريدة الجمهورية 16/6/2002، ص8).

4- خاتمة :

تمثلت أهم القضايا التربوية فى هذا الجزء من خارجة الطريق المطروحة فى نمط الشراكة المجتمعية من أجل الاهتمام بالتنمية الثقافية والمهنية لأفراد المجتمع فى جوانبها المختلفة مثل تنمية الثقافة السياسية والاقتصادية والبيئية والسكانية، إلى جانب الاهتمام بالثقافة الترويحية كمطلب هام من متطلبات التنمية الثقافية للأفراد فى المجتمع المصرى. كما أن هناك ضرورة ملحة للاهتمام ببرامج للتنمية المهنية بين أفراد المجتمع بصفة عامة والمعلمين على وجه الخصوص فى مصر من أجل مجابهة الثورة التكنولوجية، والنهوض بمسيرة التربية والتعليم بها.

ومن بين القضايا التربوية الهامة التى طرحت للمناقشة فى هذه الخارطة إشكالية "الالتزام" وما يتصل بها من عوامل،وما يترتب عليها من مسئوليات وأعمال، والتى يترتب عليها الجزاء. ومن أهم عناصر الالتزام المراد تنميتها لدى أفراد المجتمع المصرى التحدث بالكلمة الطيبة،وحب التعاون وتقديم العون للآخرين، والانضباط فى القول والعمل، والوصول بالمرء إلى مراحل متقدمة من الانضباط وهى مرحلة الانضباط الذاتى لدى أفراد المجتمع المصرى.

وثالث القضايا التربوية المطروحة فى خارطة الطريق الحالية تمحورت حول كيفية تنويع مصادر التمويل فى مجال التعليم المصرى، ومدى تعاون التنظيمات المجتمعية المصرية والتنظيمات الدولية الأخرى فى تحقيق هذا التنويع فى الإنفاق التعليمى، وطرحت كافة الأفكار المعاصرة فى هذا المجال، حيث تكون الشراكة المجتمعية مطلوبة كأحد الموارد المالية الإضافية لتمويل التعليم فى مصر.