قائمة الروابط
بسم الله الرحمن الرحيم
تجربتي في الخط العربي ______________________________________ د. عبد الله بن عبده فتيني
أبيض ..وأسود..
صورة بديعة لازالت ذاكرتي تحتفظ بها .. يوم أن ذهبت إلى المدرسة كأول اقتحام لي للحياة خارج المنزل .. يوم أتممت بالتمام والكمال ست سنوات ، واذكر أن والدتي – رحمها الله – يومها ألبستني ثوبا ابيضا، وطاقية بيضاء ، وكنت لا ألبسهما إلا في العيد أو في صلاة الجمعة بالحرم ، وأعطتني حقيبة جلدية سوداء لزوم الكتب .. وكان يوما مميزا أذكر أن أبي - رحمه الله- أخذني من يدي مبالغا في تدليلي وأمي تودعني بنظرة لم تنجح في إخفائها - مليئة بالحب والدموع ، وقبل أن نصل أعطاني قطعة نقدية فرحت بها كثيرا ، ثم سلمني لعم حسين حريري بواب المدرسة الذي بالغ هو أيضا بالاحتفاء بي ، وفي الفصل وجدت جميع الطلاب متجهمين، كلهم على وشك البكاء، إن لم يكن بعضهم قد بكى فعلا بصوت منخفض، خوفا من ذلك الرجل الكبير الذي لا نعرفه، ننظر إليه كما تنظر القطة الصغيرة للأسد، يقف شامخا بيده عصا واسمعهم ينادونه بالأستاذ- لم يكن ذلك إلا المربي الفاضل الأستاذ محمد رواس رحمه الله ولم يستخدم تلك العصا قط- وفي وسط الفصل جلست منكمشااحتضن شنطتي السوداء لم أع شيئا مما قاله الأستاذ، فقط كنت أشرد بخيالي خارج النافذة...متى أرجع إلى البيت وإلى أمي.. وأفيق من شرودي لألمس تلك الحقيبة السوداء لأتأكد أنها لم تسرق، فقد أوصتني أمي ألا أفقد شنطتي وألا يتسخ ثوبي الأبيض.
في اليوم الثاني امتنعت عن الذهاب إلى المدرسة، ولم تفلح محاولات معي إلا حينما وعدني أبي - رحمه الله- بشراء ثوب أبيض جديد ، وأعطاني قطعتين نقديتين بدلا من واحدة، وقال بصوته الذي أحببته لازم تروح المدرسة عشان تتعلم وتصير بطل كبير ومشهور !!... ترى هل صرت بطلا كبيرا ومشهورا..كما تمنيت يا أبي ؟
وبالتدريج انتهت مسألة امتناعي عن الذهاب إلى المدرسة بالإغراء والتدليل تارة وإظهار الغضب والمخاصمة والوعيد باستخدام العصا تارة أخرى .
وبالفعل أوفى أبي بوعده واشترى لي ثوبا أبيضا، لم ألبسه إلا في يوم مميز آخر يوم أن عدت من المدرسة وقد مضى على بدئها قرابة شهرين فوجدت البيت به حركة غير معتادة ، وجميع الأقرباء وأصدقاء أبي موجودون صامتون واجمون... لقد توفي أبي ... وأما أشقائي الكبار فقد وجدتهم في حالة لم أشاهدهم بها من قبل، بعضهم يواسي بعضا ويمسح دموعه، ولقد برعوا - جزاهم الله خيرا ومتعهم بالصحة والعافية- في إخفاء حزنهم عني وعن بقية أشقائي وأغدقوا علينا الكثير من حبهم وعطفهم وعطاياهم ،فاذكر أن أخي محمد نور أخذني إلى الحانوت المجاور واشترى كثيرا من الحلوى التي اعتبرتها ثروة يجب الحرص عليها وإخفائها في مكان آمن، وأما أخي إبراهيم فقد ملأ يدي بقطع نقدية ناء كفيّ الصغيرين بحملها، وأسرعت ودسستها مع الثروة السابقة ، وأما أخي محمد علي فقد أعطاني قلما أسودا كان يحمله في جيبه ويعتز به، لم يكن يحمل مثل ذلك القلم من كان في مثل سني ، وصعدت لأرى أمي التي بذلت جهدا كبيرا في إخفاء حزنها وهمها فكنت اختلس منها نظرة إشفاق والدمع يملأ عينيها.. إلا أنها فاجأتني فألبستني ذلك الثوب الأبيض الجديد ( وطقمّتُ ) يومها ثوبا أبيض وقلما أسود .. وكأن قدري أن ارتبط بهذين اللونين الأبيض والأسود منذ الصغر .
ورقا ً أبيض وحبرا أسود تلك هي (زوّادتي ) في رحلتي مع الخط العربي .. فلقد أكرمني رب العالمين بأن تتلمذت على يد الأستاذ فخر الدين رضا وكانوا يختصرون اسمه فينادونه الأستاذ فخري .. علم من إعلام المدرسة الرحمانية الابتدائية بمكة واحد أبرز مدرسيها ، وبالرغم من قسوته الظاهرة مثل معظم أبناء جيله ، إلا انه يحمل قلبا عطوفا حببني فيه وفي الخط العربي ، وتعلمت أصول خطي الرقعة و النسخ ، ورأت عيني لأول مرة إبداعا خطيا ينثره الأستاذ فخري كالدرر (بطبشورة ) بيضاء على (سبورة ) سوداء، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، ولقد تعلمت منه كيفية تجهيز حبر الكتابة من الحبر الصيني وهو عبارة عن قطع رقيقة سوداء كقشور البن تذاب في زجاجة صغيرة بماء ساخن وتوضع عليها خيوط حريرية وأحيانا يضاف إليها قطرات من العطر لإخفاء رائحة الحبر الكريهة ، ويسمى هذا الخليط (الليقة).
يبدوا أن أمي- رحمها الله- لمست وأنا في تلك السن المبكرة حبي للخط العربي، فكانت لا تسمح لي بالنزول أسفل المنزل- حيث (الدكة) التي يجتمع فيها أشقائي الكبار وأصدقائهم في أوقات العصاري من كل يوم- إلا بعد أن اكتب بالقلم الرصاص، صفحة من القران الكريم بخط يجب أن يكون جميلا مقاربا لخط المصحف ، وكانت تمسح الكلمات، التي كتبتها باستعجال، فظهرت مشوهة لأعيد كتابتها بصورة جميلة ، فلم يكن مسموحا (بالكروَتة) وأيضا كان عليّ كتابة ما كنت أتناسى كتابته من آيات واسطر، كسلا مني، فلم يكن مسموحا ( بالخنصرة) وكأنها رحمها الله تكسبني قيما أخلاقية مع التدريب الخطي .
وبعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية وانقطعت صلتي بدروس الأستاذ فخري لم يكن أمامي إلا أن أتدرب فرديا مقلدا بعض النماذج البسيطة إلى أن انتهيت من المرحلة الثانوية، واذكر أن خالي د. سالم مليباري أشار علي بعد حصولي على الثانوية العامة بان أتخصص في مجال الخط العربي وانه يرى أن في ذلك خيرا لي، ولعله لمس موهبة في خطي، فأقنعني بان أكون متخصصا في مجال أُبدع فيه وأكون من الأوائل المتميزين، أفضل من أن أكون متخصصا في مجال مثلي فيه كثيرون، وبالرغم من أن هذا التخصص ليس مناسبا للفرع العلمي الذي اخترته لنفسي في المرحلة الثانوية، إلا أنني التحقت بقسم التربية الفنية بجامعة أم القرى عن قناعة بأن في ذلك خير لي، كما تنبأ خالي جزاه الله خيرا ومتعه بالصحة والعافية .
وفي قسم التربية الفنية أكرمني ربي بان أكون أحد تلاميذ أشهر أساتذة الخط العربي في الوطن العربي هو الأستاذ محمد أبو الخير -رحمه الله - شيخ أزهري حيي خجول من جيل العمالقة المصريين ، كريم، زاهد في الدنيا ، ربطتني به عاطفة جياشة وصداقة عميقة، وكانت لنا لقاءات علمية في الجامعة وأخرى خارجها ، كانت لقاءاتنا مزيجا من دروس في الخط العربي وأخرى في اللغة والأدب، فنهلت من علمه وثقافته ومما حفظته ذاكرته، من قصص تراثية ،وأخرى اجتماعية، ومواقف مرت به أو مر بها ، يهديني في نهاية سردها خلاصة تجربته منها ، كان لا يذكر أحدا إلا بخير فتعلمت منه ألا اغتاب أحدا، و كان لا يحب انجاز العمل - أي عمل- بسرعة وعدم إتقان، فتعلمت منه الصبر والإخلاص في العمل، وغير ذلك كثير من القيم الأخلاقية تعلمتها منه جنبا إلى جنب، مع القيم الفنية والجمالية في الخط العربي .. رحم الله شيخي أبا الخير فقد كان له من اسمه نصيب كبير، ومهما ذكرت في حق هذا الرجل لن أوفيه حقه ولا يجازيه عني إلا الله عز وجل بأن يغفر له ويرحمه ويجعل ما علمنيه وما سوف أعلمه لطلابي وما سوف يعلمونه لطلابهم، علما نافعا مثابا عليه إن شاء الله .
نضج فني..
وتعد دراستي الجامعية ومرافقتي للأستاذ أبو الخير مرحلة جديدة في رحلتي مع الخط العربي مرحلة النضج الفني ، ومنها أصبح لي توجها مميزا أثمر في مرحلة الدراسة العليا عن أطروحة للماجستير بعنوان القيم الفنية والجمالية في الخط العربي ، وكانت أول رسالة ماجستير تمنح في التربية الفنية في المملكة العربية السعودية ، وأول رسالة علمية تتناول الخط العربي كقيمة جمالية تراثية، أشرف عليها أستاذنا د.احمد الغامدي في الجوانب العامة لهيكل البحث وتنظيمه، وشاركه الشيخ محمد أبو الخير في الإشراف على الجوانب الفنية، وتناولت الدراسة الأسس الفنية التي تبنى عليها اللوحة الخطية في جميع أنواع الخط العربي كالثلث والنسخ والكوفي والفارسي والديواني والرقعة وغيرها فساهمت هذه الأسس في تحديد معايير الجمال في تذوق الأعمال الخطية ، ثم تلى تلك الرسالة، مؤلف وفقني الله لإخراجه بعد الماجستير مباشرة، وهو عبارة عن كتاب تعليمي عن الخط العربي الكوفي، ثم اُبتعثت إلى مصر للحصول على الدكتوراة، فتناولت الأطروحة العلاقة المتبادلة بين العلم وتطوراته والمعطيات التكنولوجية الحديثة مثل الحاسب الآلي وغيرها، والخط العربي كقيمة تراثية، ثم قمت بإنتاج عدد كبير من الأعمال الخطية شملت جميع أنواع الخط العربي وخاصة الكوفي والديواني والفارسي والنسخ وعدد كبير من الأعمال الفنية التشكيلية المستلهمة من الخط العربي .وما عرف بالاتجاه (الحروفي) في الفن التشكيلي، ومازلت إلى الآن أنتج تلك الأعمال الخطية، بأسلوب يتجدد بتجدد المعطيات التكنولوجية الحديثة . . وأما ا لمشاركات الفنية فقد شاركت في كثير من المعارض والمهرجانات الخاصة بالخط العربي، بأعمال فنية، وورش عمل، ومحاضرات، في مصر وتونس والمغرب والإمارات واليمن وكوريا الجنوبية .
إنتاج علمي..
وخلال سنوات البعثة، ساهمت مع أشقائي الخطاطين المصريين في تأسيس الجمعية المصرية العامة للخط العربي، التي يرأسها الصديق الخطاط الشهير مسعد خضير . وبعد العودة من البعثة وفقني الله عز وجل في تأسيس الجمعية العلمية السعودية للخط العربي وتأسيس الجمعية العلمية السعودية للتربية الفنية بجامعة أم القرى ،وكذلك قمت بتأسيس مركز الخط العربي بجامعة أم القرى ، ليكون أول مركز جامعي لتعليم الخط العربي على مستوى العالم.وقمت بإلقاء بعض المحاضرات في معرض الرياض الدولي للكتاب وفي عدد من المؤسسات التعليمية ، وترأست عدد من لجان التحكيم للمسابقات الخاصة بالفنون التشكيلية والخط العربي بكل من وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة والإعلام . ولقد وفقني اله العالمين بتأليف عدد من الكتب والأبحاث العلمية منها :
- جماليات الخط العربي الكوفي
- أهمية الفنون التشكيلية في خدمة البيئة المحلية
- توظيف الخط العربي في تصميمات جمالية مستخدمة
- تنوع إبداعات الخط العربي و علاقته بتقنيات الحاسب الآلي
- مدى الاستفادة من الحاسب الآلي في ممارسة الخط العربي
- دراسة مقارنة للأساليب المتبعة في تصميمات الخط العربي
- جمالية التشكيل بالخط العربي في أعمال الفنان باجنيد
- التراث الإسلامي كأحد مصادر الإلهام في الفن الحديث
- تأثير جماليات الخط العربي في الإعلان
- الخط العربي .. التاريخ و الجماليات
- الخط العربي الدارج و معايير الحكم عليه وعلاقته بالسمات الشخصية.
- محمد طاهر الكردي المكي .. خطاطا و رساما.
- لفظ الجلالة على الأحجار الشاهدية بمكة المكرمة في القرن الثاني الهجري و الاستفادة منه في ابتكار تصميمات زخرفية معاصرة .
وتقلدت عدة مناصب إدارية في الجامعة مثل:
- وكيل كلية التربية بجامعة أم القرى
- وكيل عميد شئون الطلاب
- المشرف التنفيذي على برنامج الدراسات العليا المسائي
- وكيل كلية التربية للاعتماد الأكاديمي والجودة
قبل عام تقريبا قامت وزارة الثقافة والإعلام ممثلة في جمعية الثقافة والفنون بجدة مشكورة، بتكريم عدد من الرواد في مجالات الثقافة، مثل الشاعر الكبير الأستاذ إبراهيم خفاجي ، والأستاذ القدير الموسيقار جميل محمود، وعدد آخر من الرواد في المجالات الثقافية المختلفة، وكنت من ضمن المكرمين كرائد ٍ من رواد الخط العربي .. وفي ذلك الحفل، كنت جالسا بجوار الموسيقار المبدع الأستاذ طارق عبد الحكيم، وكنا نتجاذب أطراف الحديث، فذكرنا أهمية التكريم وأثره على مسيرة المبدع، وقلت له أنني أعد نفسي من المحظوظين من أبناء جيلي، إذ كرُمت مع هؤلاء العباقرة، في حين لم أقدم الكثير، مقارنة بما قدموه، فقال لي: "حين عملت في تخصصك وأنجزت ما أنجزته ، لم يكن يدور بخلدك متى تكرّم ، ولم تسع إلى الوهج الإعلامي الذي يتهافت إليه الكثير، فجاء ك التكريم لعندك، واحرص يا عبدالله على نعمة التواضع، التي هي سر تألق المبدعين" ... كلمات من ذهب أهديها إلى الشباب والشابات الطامحين من أبناء وطني الحبيب .
كل ما ذكرته من إنجازات كانت بفضل الله المعطي الوهاب ليس لي فضل إلا أنني حاولت أن أكون مخلصا محبا لعملي و لتخصصي ، اللهم اغفر لي ولوالديّ وسامحهما وتجاوز عن سيئاتهما واغفر لأساتذتي وكل من له فضل عليّ واجعل عملي خالصا لوجهك الكريم . وصلى الله وسلم على النبي الكريم .








