قائمة الروابط

 

 

جمالية النداء في شعر محمد الماغوط *  

رمضان حينوني

المركز الجامعي بتمنراست

توطئــــة:

لا نبالغ إذا قلنا: إن النداء في قصائد الماغوط يشكل ظاهرة فنية لها وزنها في المنظومة الجمالية لنصه الشعري، فقليلة هي القصائد التي تخلو من النداء في ديوانه، وكأنما يريد أن يفجر بها هموما فكرية تسكنه فلا يكاد يتخلص منها حتى يمتلئ بها من جديد. إنها وسيلته الأساسية في التواصل مع القارئ، وأداته التي يضرب بها أعداءه المختفين خلف أقنعة من الصعب الكشف عنها.

وبما أن الماغوط يعاني هواجس العلاقة مع الآخر، فلا غرو أن يكون النداء من أكثر الأساليب البلاغية استعمالا عنده. فالبعد عن الناس فزيولوجيا ومعنويا يعطي للنداء حضورا متميزا في النص، خصوصا إذا كان البعد غربة بكل أبعادها النفسية والاجتماعية والفكرية.

ودراسة ظاهرة مثل النداء في أي نص أدبي تتطلب التطرق إلى جوانب عدة، وتتفرع إلى مجالات معنوية و أسلوبية و إيقاعية كثيرة. لكننا في هذه الدراسة الموجزة اكتفينا بأربعة محاور، نراها توصل إلى إدراك قيمة النداء الجمالية عند شاعر لا يملك إلا أن ينادي ويتعب في النداء طالما أنه لم يقتنع يوما أنه يعيش كما يراد للإنسان أن يعيش؛ فهو يرى العالم من حوله يتلون ويتبدل دون أن يشعر أن حياته تلونت وتبدلت، كما يتوقع لكل حياة تواكب الزمن وتطمح فيه للوصول إلى الأحسن والأفضل.

أ - تتالي النداء:

ما أكثر ما نجد تتالي النداء في قصائد الماغوط، إلى حد أن القصيدة قد ترد كلها سلسلة نداءات، كما هو الحال في " أطلال دارسة " و" دخان الخرائط" و" سفر برلك" و" مدرجات رومانية" على سبيل المثال، وبتعدد النداء تتعدد الجهات المخاطبة به، في إشارة إلى تشتت الشاعر وتيهه وضياعه. فحين يخاطب الشاعر جهة واحدة، فإن ذلك يعني تركيز وعيه، وأن القضية التي تشغله محددة معينة، وبالتالي يكون أكثر ارتياحا في صوغ فكرته. أما في حال الماغوط، فإنه يبدو كمحارب مرهق وسط عالم من الأعداء، أو متهم بين عشرات القضاة، كل منهم يريد توريطه وانتزاع الحق منه.

ففي (أطلال دارسة) وهي نموذج القصيدة الندائية، يريد الشاعر استرجاع جملة مطالب صرفت في غير وجهتها الصحيحة ، أو أخطأت وجهتها :

فلسطين أريد شهدائي

إسرائيل أريد حطامي

أيتها الشواطئ أريد مرساتي

أيتها الصحراء أريد سرابي

أيتها الغابات أريد طيوري

أيها الصقيع أريد جدراني1

ويمضي في نداءاته الكثيرة التي تجمع الجامد والحي، المادي والمعنوي، من عتبات وعواصف ومطربين ومراجيح وملكات جمال ومقابر وغجر وغيرها، يطالبها جميعا باسترجاع ما منحها إياه، وكأن ما أعطي لها لم يؤد إلى نتيجة، أو إلى النتيجة التي كان يرجوها. فكثرة الشهداء لم تحرر فلسطين، وحطام الأرض لم يكسب إسرائيل إخضاع أصحاب الأرض التي حطمتها، و الطيور لم تحول الغابات إلى جنان الراحة و الهناء ، و هكذا يفعل اليأس فعلته فيجعل الماغوط يخبط في غير اتجاه، يوزع صرخاته على الجميع، و كأن موجودات الأرض كلها ساهمت في هذا الوضع السيئ الذي يعيشه .

وفي " دخان الخرائط " يهندس الشاعر النص بطريقة تتالي النداء أيضا ينتهي بطلب، كما هو الحال في السابقة؛ غير أن ما يريده هو البراء من أشياء وليس الرغبة في استرجاعها. وتبدو الأشياء في نظره مزيفة فقدت بريقها وحقيقتها:

أيها التايمز الجميل هذه ليست أغنيتي

أيتها البحار الهائجة هذه ليست سفني

أيتها البحار هذه ليست مغاوري

.........................

نيتشه ليس هذا جنوني

كافكا ليست هذه متاهتي

.....................

أيها المسيح هذا ليس صليبي

أيها المهدي المنتظر لست بانتظارك

موسى هذه ليست سينائي

هرتزل هذه ليست أرض ميعادي.

وإذا كان الماغوط مولعا بالتعديد، كما نرى، والإبحار في إيراد المعلومات العامة، فليس ذلك إلا ليخدم فكرته أو مطلبه. إن هذه الأغاني والسفن والمغارات وما إليها ما هي جميعها إلا وجود الشاعر المسلوب أو المهدور. إذ تغدو الأشياء التي تشكل جوهر الإنسان في غير صورتها الحقيقية، مقنعة لا يكاد يتعرف عليها رغم أنها كانت جزء منه.

وفي كلا النصين، نلمس حرص الشاعر على نسبة الأشياء إلى أصحابها كما يعرفها الناس ويعتبرونها من بديهياتهم، وهو عندما يتوجه إلى منادى معين فإنه يربطه بما عرف عنه. إنه أسلوب يبين مدى معرفة الآخر بما يسببه من ضيق أو أذى أو تزييف، و كأن الشاعر يقيم الحجة على الآخر، ويترك الكرة في مرماه.

أما في سفر برلك فإن الشاعر يمضي معتمدا الطريقة نفسها، مع فارق بسيط هو الاكتفاء بأداة نداء واحدة في مطلع النص، ثم يعطف عليها كامل نداءاته بالواو:

أيتها التفاحة الهاربة من الإصلاح الزراعي

والقطة الهاربة من جمعية الرفق بالحيوان

والنشيد الهارب من مدرسة الإعداد الحزبي

والنشيد الهارب من مدرسة الإعداد الحزبي

واليافطة الهاربة من إحدى المسيرات

.............................

تعالوا إليّ

وتجمعوا حولي في هذه الليلة الموحشة

فلي معكم حديث طويل ومستفيض

كدجلة والفرات والنيل واليرموك

قبل أن يجفوا ويلحقوا ببردى القائد.

فلا نكاد نلمس اختلافا لهذه القصيدة عن سابقتيها إلا في شيء واحد هو الخبر المؤجل إلى نهاية النص، فالنداء يتسلسل ويتنازل ليصل في آخر المطاف إلى ما يريد الشاعر من كل مناداته. لهذا تشكل الأسطر الأخيرة في هذا النوع من النصوص زبدة النص أو فكرة الشاعر الجوهرية. وهو ما نجد شبيها له في " مدرجات رومانية" حيث يختم الشاعر قصيدته بسلسلة من النداءات الموزعة على جهات مختلفة كما في النماذج السابقة .فهو يخاطب الحدادين والنجارين والحجارين والبواقين وشرطة المرور والنساء المتلاسنات، وكل ذي صوت وضجيج وصخب ليطلب في النهاية شيئا واحدا:

اخفظوا أصواتكم

و أصوات صفاراتكم وأبواقكم و مطارقكم

تخاطبوا همسا

و سيروا على رؤوس أقدامكم

فالوطن يحتضر !!

يفاجئنا الماغوط هنا بالربط الغريب بين أصوات تصخب بها الحياة اليومية للكادحين والناس العاديين وبين الخشوع للوطن المحتضر، فهذه الفئة من الناس لا دخل لها مباشرا في احتضاره. بل إن الفئة التي كان يجب أن يطلب منها ذلك هي الساسة، وكبار رجالاتها باعتبارهم أصحاب الحل والعقد، فهم الأجدر بهذه النداءات لأن احتضار الوطن يمس بمراتبهم و مصالحهم. فإذا كانوا لم ينجحوا في انتشال الوطن من الكارثة، فحري بهم على الأقل أن يتركوه يحتضر بسكينة وسلام.

إن الشاعر بهذا يعبر عن وعي ناضج بحقيقة الأمور، فعندما يقلب المفاهيم فإنما يريد في إشارة ذكية إلى كشف الزيف عن واقع يراه منحرفا.. إنها نوع من السخرية الناقدة التي تسعى إلى إظهار مبلغ الخطأ في النظر إلى الغطاء الخارجي للأشياء، وعدم التعمق في جوهر الحقائق.

ويتموضع النداء في النص وفق حالات نفسية، ويعكس دلالات معينة؛ فعندما يريد الشاعر أن يفجر غضبه وثورته العارمة يبدأ بالنداء، كأنما يصرف به تلك الضغوط النفسية التي نتجت عن غليان الأحداث وتناقضها وعبثيتها أحيانا، قبل أن يعود إلى هدوئه وتقاريره وأوصافه وتصوراته. يقول في  (الرجل الميت):

أيتها الجسور المحطمة في قلبي

أيتها الوحول الصافية كعيون الأطفال

كنا ثلاثة .....

فالنداء هنا يكشف عن ثورة متفجرة، وهم طاف على السطح يؤكدان أن الشاعر في حالة من الصحب والاضطراب. ثم قليلا قليلا يمتص القص والحكي شيئا من ذلك، وإن كان يلجأ من حين لآخر إلى النداء لكن نبرته ليست كالتي نلمسها في مطلع النص.

إن تحطم الجسور على القلب لتعبير صارخ شاك يعكس حجم المأساة التي أضحى يعيشها، واختيار الجسر ليتحطم على القلب في حد ذاته اختيار دال. لقد كان يكفي في الحقيقة شيء اقل حجما من ذلك بكثير ليتألم الشاعر، لكن الجسر رمز التواصل قد تحطم على قلبه. أما الجمع بين الأوحال والصفاء فإنه من باب وضوح المصائب وشفافيتها دون أن يكون هناك إمكانية للانصراف عنها.

هذا التموضع يختلف عما نجده في (آخر تانغو في الصعيد) إذ يبدأ النص بسلسلة منوعة من الأخبار التي تدور كلها حول الجديد المستجد في العالم:

إعصار جديد في أمريكا

حوت جديد في اليابان

أرز جديد في الصين زهور جديدة في هولندا

........................

ثم ينطلق في سلسلة نداءاته المعتادة المشتتة، والموجهة إلى أشياء لا يجمعها جامع:

أيتها الأغصان الباردة كأطراف الموتى

أيتها المواهب الذابلة في ربيعها الأول

أيتها السجون المزدحمة بالأحرار

.................

ليختم باستفهام حائر عن الجديد الأهم الذي ينتظره ولا يتحقق:

أما من عبد الناصر جديد و لو برتبة عريف؟

 لقد خدم النداء في هذه القصيدة الخاتمة التي تمثل زبدة المعنى الذي يريده؛ إنه واسطة ناجحة بين الأخبار الجديدة التي لا أهمية كبيرة لها في نظر الشاعر، وبين اليأس من تحقيق الحلم الكبير الذي يراوده. 

إن النصوص التي تعتمد تتالي النداء في أغلبها وحدوية الفكرة؛ فالنص بأكمله يأتي ليقول شيئا واحدا، أو ليعكس خاطرة واحدة، وهي في نص: استرجاع ما قدم للآخر فلم يأت بنتيجة، وفي آخر:التبرؤ مما قدم للآخر لأنه تعرض للتشويه والتزييف، وفي ثالث: الرغبة في الحديث وتفريغ الهموم الناتجة عن اختلال الأوضاع، وفي رابع: الخشوع لاحتضار الوطن، وهكذا.

ويربط الماغوط الفكرة في النصوص السابقة بذاته، فضمير المتكلم حاضر فيها، مما يعزز الاعتقاد بأن النداء عند الماغوط وسيلة للتنفيس عن غربة متجذرة، وعامل من عوامل التعبير عن سخطه من الواقع الفردي و الجماعي السيئ.

وبالطبع، ليس تتالي النداء بهذه المواصفات بدعة ماغوطية، بل نحن واجدون شعراء ضاربين في القدم عاشوا الغربة في وجه من أوجهها، وجدوا في هذه الطريقة وسيلة للتعبير والتخفيف، مثل الذي نجده عند امرئ القيس في قوله:

أجارتنا إن الخطوب تنــوب     و إني مقيم ما أقام عسيــب

أجارتتا إنا غريبان ههـــنا     و كل غريب للغريب  نسيـب

أجارتنا ما فات  ليس يـؤوب     و ما هو آت في الزمان فريب .

ألا ترى أن الشاعر عمد في خطابه للمرأة الميتة إلى تكرار النداء بالهمزة (أ) و كرر المنادى أيضا، ثم عطف إلى تكرار الغربة في صيغ مختلفة،(واستحضر روحها فأحيا شخصها، وهو الغريب البعيد عن وطنه؛ وأخذ يكرر نداء القريب مع لفظ يدل على لطف بديع ليزيل وحشته.)2

ب - أنواع النداء:

قبل أن نتطرق إلى هذه الجزئية ، حري بنا أن نقف عند لغة الماغوط نفسها؛ تلك اللغة التي لا تختلف كثيرا في معجمها اللغوي من اللغة العامة، و ليس ذلك غريبا بالنسبة إلى شاعر مسكون بهم الإنسان العربي البسيط، ومتمرد على القوانين التي تقيد التعبير دون أن تنجح في الوصول إلى القراء .

فاللغة عند الماغوط تبدو كأنها وسيلة لا غاية.. وسيلة لإيصال الفكرة، ونقل الواقع أكثر منها لغة تمضي في ركاب البلاغة العربية بزخارفها وأبهتها وأساليب البيان المبهرة فيها. بل يذهب الأمر به أحيانا إلى الوقوع في أخطاء لغوية يعترف بها ويصر على بقائها، يقول في مقابلة له مع " العربية ": حتى إذا حدث في شعري خطأ لغوي أو مطبعي أصر عليه، ولا أسمح لأحد بأن يعبث بكتاباتي."3 وكأني بالماغوط يفضل أن يكون كما هو بسيطا في لغته ومظهره ، عاريا من كل تنميق أو زيف أو تظاهر ، وأن تكون لغته استجابة لدعوة إليوت بهبوط اللغة إلى مستوى الحياة اليومية، إليوت الذي كان له(دور مؤثر في إشاعة هذه الدعوة التي وجد فيها الشاعر العربي إغراء خاصا، دفعه إلى تبسيط لغته الشعرية، وإحكام صلته بالأرض  ما تعج به من غبار وأنين وبساطة) 4.

وربما كان لمسيرة شاعرنا الدراسية أيضا دور في ذلك؛ فهو لم يتابع دراسته بعد الابتدائية إلا قليلا عندما أراد أن يدرس الزراعة، لكن فقر أسرته حال دون أن يجعلها مسارا ليتركها إلى الكتابة الشعرية والأدبية. ولا يعني هذا بالطبع أن لغة الماغوط ضعيفة أو ركيكة، لكنها لغة استطاع صاحبها أن يجعلها في مستوى الأفكار التي تحملها، فهو يلبس اللفظ البسيط حلة من الإيحاء الفني، والإشارة المعنوية الجميلة، وأحيانا التصوير المكشوف والمغري للظواهر والأحداث، بحيث يؤثر في القارئ، ويترك في نفسه مجالا للتصور ورد الفعل.   

لهذا كله، لا نكاد نعثر في شعر محمد الماغوط سوى على أداة نداء واحدة هي(يا)، وكأن الماغوط لا يعرف غيرها. فهل يعود ذلك إلى فقر في لغته كما ألمحنا آنفا، أم يعود إلى الدور والمعاني التي يعكسها هذا الحرف في البلاغة العربية؟

يجمع العرب على أن أدوات النداء كثيرة ومتنوعة الدلالات والأغراض البلاغية، فمنها ماهو للقريب وما هو للبعيد، وما هو للنداء الحقيقي وما هو لأغراض بلاغية تفهم من سياق الكلام، ولاحظوا أن العربي قد ينزل القريب منزلة البعيد، والبعيد منزلة القريب، وما إليها مما ورد في كتب البلاغة قديما وحديثا. ويهمنا من ذلك بعض ملاحظات تتعلق بحرف (يا) لها علاقة بشعر الماغوط نوردها فيما  يأتي :

-إنه الحرف الأقرب من بين أحرف النداء الثمانية إلى الاستعمال مطلقا، ألا نراء شائعا في كتاب الله عز وجل؟ في ندائه لأنبيائه، وللمؤمنين، والكافرين، والناس أجمعين فيقول:(يا عيسى)،(يا أيها الذين آمنوا)،( قل يا أيها الكافرون)،( يا أيها الناس اعبدوا ربكم).

-إنه الحرف الذي يستخدم للمسافات البعيدة بعدا حقيقيا أو مجازيا، ذلك أن صوته( يتشكل من جوف الفم مع حركة انفتاح الفك الأسفل باتجاه الصدر، وهذا يعني أنه يخرج من أقصى الحلق ثم يلتصق بالقعر العميق لتجويف الفم، مما يجعله بعيدا في المنطلق، وأكثر التصاقا بالنفس الداخلية.) 5

-إنه الحرف الذي لا يصلح فقط للنداء الحقيقي، بل يخرج أيضا إلى الندبة والاستغاثة، إذا أمن اللبس، وهما أقرب النداءات تعبيرا عن الأزمات والأحزان وضيق النفس وغربتها.

-وهو الحرف الذي يقترن بأيها وأيتها المخاطب بهما المعرف بـ(أل)، مذكورة قبلهما أو محذوفة. بل هي التي نقدر بها الأداة المحذوفة في كل منادى، فقولنا: أيها الطالب، مقدر بـ: يا أيها الطالب. وقولنا: محمد احذر عدوك، مقدر بـ: يا محمد احذر عدوك، وهكذا.

إن اختيار الشاعر لحرف(يا) بالمواصفات السابقة ليكشف عن ملمحين أساسين: أحدهما شكلي يتمثل في الإيقاع، والآخر معنوي هو غربة الشاعر.   

أما دور النداء في إيقاع القصيدة فواضح للعيان، ألا ترى أن الشاعر يحرص على بناء النداءات وفق نظام من تشابه الكلمات وزنا أو تقاربها على الأقل؟ لا أعني بالطبع أنه يقيم للوزن العروضي أهمية، ولكنه الوزن الذي يأتي من نظام تجاور الكلمات :

فلسطين أريد شهدائي

إسرائيل أريد حطامي

و الشيء نفسه في :

أيها التايمز الجميل هذه ليست أغنيتي

أيتها البحار الهائجة هذه ليست سفني

وأيضا في :

والقطة الهاربة من جمعية الرفق بالحيوان

والنسيم الهارب من جمعية حماية البيئة

فكل كلمة من السطر الأول تقابلها أخرى في السطر الثاني، بحيث تكون من النوع الصرفي نفسه. فالاسم يقابل الاسم والفعل يقابل الفعل والحرف يقابل الحرف وقل مثل ذلك عن الصيغ اللغوية الأخرى. ففي غياب الوزن العروضي، يبحث شاعر قصيدة النثر عن البديل ممثلا في التوازي والسجع والجناس والتكرار وحجم الأسطر إضافة إلى التركيب اللغوي1 الذي نجد النداء من أهم مكوناته في شعر الماغوط.

وأكثر ما يستخدم هذا النظام مع (أيها)و(أيتها) مع حذف الأداة، أو مع حذف الأداة فقط كما تبينه النماذج السابقة .

 أما الملمح الثاني فيبدو جليا من خلال تجسيد الماغوط لغربته وبعده عن واقعه والعالم الذي يحيط به، فهو يشعر أن ثمة حائلا بينه و بين ما يريد سياسيا واجتماعيا. لهذا لا يوظف أدوات النداء التي أجمع العرب أنها للقريب مثل الهمزة و(أي)، والماغوط يوظف (يا) لهذا الملمح بشكل ملفت للانتباه دون تكرار أو حذف غالبا؛ فهو يقول في " الرجل الميت" مثلا:

يا قلبي الجريح الخائن

أنا مزمار الشتاء البارد

و يقول في "رجل على الرصيف":

يا أشجار الأكاسيا البيضاء

ليتني مطر ذهبي

يتساقط على كل رصيف وقبضة سوط.

و يقول في" جفاف النهر":

يا صحراء الأغنية التي تجمع لهيب المدن

و نواح البواخر

لقد أقبل الليل طويلا كسفينة من الحبر

و أنا أرتطم في قاع المدينة

كأنني من وطن آخر.

يبدو إذن من خلال ما سبق أن النداء بـ(أيها) موظف ليكون للثورة والانفعال، فالشاعر يحمله ما يريد أن ينقله إلى الآخر رفضا وتمردا وصرخا، بما يمكن أن نسميه في النهاية هجوما على الآخر، وزمجرة في وجه القدر الذي وضعه في غير الزمان والمكان الذين يوائمانه، بينما النداء بـ(يا) موظف للانكفاء على الذات، والتقوقع في محراب الحزن واليأس في انتظار الموت.

وهكذا يصنع النداء عند الماغوط جزء من جمالية القصيدة معنويا وشكليا، خصوصا في القصائد الندائية المتميزة عن غيرها باستعراض ملفت لترسانة من الكلمات المتجانسة إيقاعا، رغم بعدها الشاسع بعضها عن بعض من حيث الدلالات اللغوية، إلى الحد الذي يبدو فيه كأن الشاعر يسوقها، كما تساق نوق عشواء في صحراء ممتدة.

ج - النداء و الخطابية الجديدة:

يعيب كثير من النقاد على الشعراء استغراقهم في الخطابية الجافة التي تملي على الآخر ولا تعطيه شيئا، تتسلط عليه ببيانها وتركيب كلماتها دون أن تحركه فعلا للقيام بشيء للصالح العام. وقد أذكى النبرة الخطابية على امتداد عقود ماضية صراع مذهبي وسياسي وعقائدي كرسته نكبة فلسطين وما آل إليه الوطن العربي بوجود احتلال مفروض في قلب هذه الأمة؛ فانقسم الشعراء إلى معسكرات وأحزاب، كل حزب يحاول الدفاع عن مبادئه ورؤاه.

وأصبح الشاعر نتيجة لذلك خطيبا فواهة لا يشق له غبار، يهز الجماهير هزا بما أوتي من بيان، ثم سرعان ما تتآكل الكلمات المنمقة بمرور وقت قصير كأنه لم يقلها، ولم تكن من صنع حماسته وثورة نفسه؛ حتى دأبنا على إلصاق وصف(الجوفاء) لكل كلام أو شعر أو نثر يحمل هذه الصفات.

لا أقصد هنا الخطابة النثرية سياسية كانت أو غيرها، بل أقصد الشعر عندما يتحول إلى مجرد كلمات وعبارات خطابية. قد نشاطر سميح القاسم قوله: (لو يُعطى الآن خطاب سياسي حماسي لأي واحد منا " الشعراء " نراه أفضل من خطيب. الفرق بين الخطابة كعمل سياسي ثوري وبين العبارات الجوفاء الكبيرة، حيث يقف الخطيب لمدة أربع ساعات ويقرأ جملا كلها صحيحة لغويا، كان قد جمع أبياتا شعرية وآيات قرآنية وكلمات سياسية منتقاة. لكنها لم تصل إلى الجماهير لأنها مجرد خطابة)6 لكن القاعدة ليست واحدة، وليس الشعراء جميعهم قادرين على توظيف الخطابية بشكل واع وفعال خصوصا في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ الأمة.

ومهما يكن من أمر، فإننا لا نريد مما سبق أن تبخس الخطابية حقها في استنهاض الهمم، ودفع الشعوب إلى التحرك لاسترجاع الحقوق، لكننا نعيب عليها أنها اعتمدت على الأوامر والنواهي الفوقية العمودية، واتخذت منحى واحدا ولهجة مكررة عند عديد من الشعراء حتى غدت صالحة للتنكيت والدعابة أكثر منها للفعل الحقيقي.

وجاء جيل من الشعراء، بقدر ما تمرد على الواقع المزري الذي وصلت إليه الأمة، تمرد أيضا على النظم التقليدية للخطاب. وإذا لم يكن هو صانعَها ومبتكرَها فعلى الأقل هو الذي فرضها بديلا، فهو لا يميز نفسه عن القارئ، بحكم كونهما ضحيتين لعالم مجنون تتقلب قوانينه وأحكامه كما يتقلب النائم على سرير من شوك.

وهكذا، بدأت الخطابية الجديدة تبتعد عند محمد الماغوط من مجرد كلام أجوف إلى كشف فاضح ونقد لاذع لكل مظهر سلبي مهما علا شأنه السياسي والاجتماعي في شجاعة وقوة. فالشاعر تجاوز الاستجداء وطلب الفعل إلى وضع القارئ أمام واقعه ومسؤولياته. تكفي صورة الذات التي يرسمها، وعلاقة الفرد الضعيف بالآخر القوي، والبراءة من الفساد و التشويه، والمطالبة باسترجاع ما يبذله الفرد لمجتمعه دون أن يجد ما يريد من الحماية والعزة والكرامة، وأشياء غيرها كثيرة مما رأيناه في النماذج السابقة، يكفي كل ذلك لإيصال الخطاب إلى القارئ دونما حاجة إلى قرع سمعه بالعنتريات التي لا تنتج غير التثاؤب والتقاعس.

والخطابية الجديدة عند الماغوط أيضا توظف المأساة والملهاة معا؛ فهي تلهيك لتبكيك، وتبكيك لتخفف عنك شيئا من مأساة الواقع، وفي كلتا الحالتين على القارئ أن يكون منتبها إلى الرسالة التي يوجهها الشاعر إليه. وبمعنى آخر، فإن الخطابية الجديدة خطابية مثقفة وواعية، أما التقليدية فهي حماسية غوغائية تلونها العاطفة، ثم تدفع بها إلى الواجهة، لكن سرعان ما تذهب الأصباغ ويفتر الإعجاب وتسقط الكلمات في بحر الضياع، فتضيع القضايا ويظل خطابنا يراوح مكانه، ولا يبرح دائرة القول إلى الفعل إلا ناذرا.  

د - جرأة النداء:

نصطدم أحيانا، ونحن نبحث في فنية الكتابة، بتعابير وأفكار مرفوضة اجتماعيا أو دينيا؛ فالالتزام بمفهومه الشامل لا ينفك مطلبا يصر عليه جمهور كبير من القراء. ويكفينا ما لاقته مقولة " أعذب الشعر أكذبه " من ردود أفعال عند النقاد، فهناك أشعار تهزنا بمبالغاتها وخروجها عن المألوف القولي وتبلغ القمة بلاغة وجمالا، لكن الذوق يرفضها لأنها تمس وترا حساسا في ثقافة الإنسان.

فقديما عيب على ابن هانئ الأندلسي قوله في الخليفة الفاطمي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار   فاحكم فأنت الواحد القهار

كما عيب على المتنبي قوله :

أنا الذي بين الإله به الأقدار والمرء حيثما جعله

فالأول أراد أن يهز ممدوحه ويخترق به الحدود العقلية بجعله إلها أو شبه إله، والثاني أراد أن يغيض أعداءه فجعل من نفسه نبيا أو شبه نبي.

وإذا سلمنا بأن على الناقد أن يلتمس للشاعر الأعذار، وأن يحاول ربط ما يمكن أن يكون زلات فكرية أو معنوية بالرغبة في إبداع الصورة الأدبية الراقية، فإن المبالغة في الحالتين السابقتين تتجه إلى هدف محدود، ولا يجب أن نفهمها على إطلاقها، وإلا خرجنا إلى تكفير الشاعر وإخراجه من دينه وثقافته، وهذه ليست مهمة الناقد بأي حال من الأحوال.

والماغوط مثل أي شاعر متمرد لم يسلم من النقد (الأخلاقي) لبعض أشعاره؛ ففي قصيدة " خوف ساعي البريد " يقول:

لكن يا أيها التعساء في كل مكان

جل ما أخشاه

أن يكون الله أميا.

قد يبدو الشاعر بهذا – في نظر شريحة هامة من القراء - متجاوزا كل الحدود، وماسا الذات الإلهية بوقاحة الجاهل، وإذا كان لهؤلاء الحق في حكم كهذا، أفلا يمكن للناقد أن يقرأ هذه الجرأة من منظار آخر تصبح فيه العبارة مربوطة بسياق معين يبعدها عن أن تكون مجرد عبارة مطلقة متحدية لمشاعر المؤمنين؟

وإذا عدنا إلى سياق هذه الأسطر وجدنا للأمية تلميحا لعدم الاستجابة؛ فالشاعر ينادي مجموعة من البائسين اليائسين الذين تجمعهم الشكوى من الحياة طالبا منهم أن يبعثوا له بهمومهم ليعد بها ملفا يرفعه إلى الله، ولكنه يخشى بعد كل هذا الجهد والعناء، ورغم درجة المأساة التي مست هؤلاء، أن لا تكون ثمة استجابة من الله للتخفيف من وقعها.

إن رفع ملف إلى الله، بهذا التعبير الجريء يمكن قراءته على أنه لجوء من الشاعر إلى الله بعد أن تمادى البشر في غيهم وطغيانهم، وفرطوا في رسالتهم ومهامهم. وإذا كان اللفظ قارعا حساسا فإن المعنى لا يخرج عن نطاق ما يعيشه الإنسان في مجتمع أهمل واجباته تجاه الضعفاء.

وبغض النظر عن إدراك المؤمن أن استجابة الله عز وجل لدعاء عبده مربوطة بإرادته وعلمه، فإن الشعراء عادة، وإن كانوا يدركون هذه الحقيقة، لا يعبرون عنها بالشكل المباشر كما هو عند الناس، فيتجرؤون على ركوب ألفاظ خطرة يعرفون أنها تمس جانبا في نفس المخاطب، لكنهم يريدون بها بالمقابل الثأثر فيه من خلال إظهار مدى بلوغ القضية المعنية حد الاستفحال الذي سببه تقصير الإنسان في مواقعه المختلفة.

ويمضي الماغوط في نداءاته الجارحة، فيقول مثلا في (أطلال دارسة):

أيها الله أريد صلواتي.

وفي (الرجل الميت):

يا رب

أيها القمر المنهوك القوى

أيها الإله المسافر كنهد قديم

يقولون أنك في كل مكان.

على أننا لسنا في صدد تبرير جرأة الماغوط أو إدانتها، إنما نريد أن نقرأ فيها الشاعر نفسه بعذاباته وغربته ومعاناته في الحياة، وهو الذي قال في قصيدة (بعد الذي والتي):

ووزارات الأوقاف لا تقرر أهليتي كمؤمن

وهذا صحيح، وهو يعني ما يقول؛ إذ في النهاية لا يصح إلا ما يعتقده الإنسان في نفسه، لا ما يقوله فيختلف الناس في تأويله و قياسه.

ثم أين يمكن أن نضع نداءات أخرى ابتعدت عن هذا المنحى، وجاءت وفق ما هو متعارف عليه. يقول في (كرسي الاعتراف):

يا رب

ساعدني على قول الحق

ومواجهة الواقع.

وهو استسلام كما نرى لقوة الله وجلاله، في لحظة هادئة صافية؛ مما يعزز القول بأن النظر إلى عمق الشاعر أهم من النظر إلى سطحه، وقراءة الشاعر في سياق اتجاهه العام أجدى من تتبع الألفاظ والعبارات لإدانته بها، وكأن الهدف هو إقامة محكمة للشاعر تعري سقطاته وزلات لسانه وتظهره للناس تافها حقيرا، وهذه ليست مهمة النقد الحقيقية على كل حال.   

الهوامش:

* شاعر ومسرحي سوري معاصر (1934 – 2006 ) رائد من رواد قصيدة النثر في الأدب العربي، من أعماله : الفرح ليس مهنتي – حزن في ضوء القمر – غرفة بملايين الجدران (شعر)–المهرج (مسرحية)– شرق عدن غرب الله، وغيرها.

1     نظرا لغياب كثير من قصائد الماغوط عن أعماله التي نشرتها دار المدى بدمشق عام 1998، و غياب ديوانه، طبعة دار الآداب ببيروت 1973 عن حوزتي حاليا ، فإنني اعتمدت على موقع " أدب" على الإنترنيت ورابطه :

http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=lsq&shid=354&start=0

2     جمالية الخبر و الإنشاء . د/ حسين جمعة .193. منشورات إتحاد الكتاب العرب – دمشق . 2005

3   مقابلة للماغوط مع قناة العربية. الرابط:

http://www.alarabiya.net/programs/2004/07/26/5293.html

4   في حداثة النص الشعري. د/ على جعفر العلاق.25. دار الشروق- عمان .ط1 . 2003

5   جمالية الخبر و الإنشاء. م . السابق . 186

6    المباشرة في شعر سميح القاسم . حوار أجرته اعتقال الطائي مع الشاعر في بودبست 1980 . الرابط:

http://www.iraqiartist.com/iraqiwriter/Observer/observer_11.htm