قائمة الروابط

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة

 

 

 

شرح كتاب آداب المشي إلى الصلاة
العلامة محمد ابن إبراهيم آل الشيخ
نسخ: موقع روح الإسلام -
www.islamspirit.com

شرح كتاب آداب المشي إلى الصلاة أو العبادات (الصَّلاة، الزكاة، الصّيَام)
من تقريرات الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله
جمعه ورتبه وعلق عليه وطبعه على نفقته: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فهذا "كتاب العبادات" المسمى ب "آداب المشي إلى الصلاة" انتقاه الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، اجزل الله له الأجر والثواب: في أحكام الصلاة والزكاة والصيام، مقتدياً في تأليفه بقول الإمام أحمد رحمه الله: "يجب أن يَطْلُبَ من العلم ما يقوم به دينه. قيل: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله صلاته وصيامه ونحو ذلك". فذكر الشيخ أحكام "الصلاة" و"الزكاة" و"الصيام" وأضاف أشياء أخرى من آداب السلام والاستئذان وغيرها. ودلل على ذلك بما في الكتاب والسنة واجماع الأمة وأقوال العلماء المجتهدين. وجرده مما يوجد في كتب بعض المنتسبين إلى الأئمة الأربعة من أمور مبتدعة أو مرجوحة. وإن كانت قليلة. وبوبه، وخرج ما يراه محتاجاً إلى تخريج من الأحاديث التي أوردها وترك بعضها لشهرته.
فكان هذا الكتابُ مع اختصاره مثالاً للتحقيق في هذه العبادات، ومفيداً للمبتدئين والمتوسطين وأئمة المساجد قدوة المصلين.

ص -5-

(1/1)


وكان هذا المؤلف ومن انتفع بدعوته وكتبه ومن أخذ بتوجهاته ونصره من حكام آل سعود مثالاً حياً لصدر هذه الأمة المشهود لها بالخيرية: في العقائد والعبادات والمعاملات والحدود والجنايات والجهاد والأخلاق والآداب وكل ما له صلة بالإسلام. -خصوصاً في نجد- قال حفيده الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: "لم يُوجد إطباق على الخير مثل إطباق أهل نجد، أما أفراد فموجود كثير في المغرب وغيره". أهـ. فرحم الله هذا المؤلف وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

ص -6-

هذا الشرح للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
ولما كان ذلك الكتاب كما وصفه سماحة شيخنا بقوله:" مهم جداً ولا سيما لطالب العلم المبتدي" اهـ. وكان أول كتاب يحفظه الطلاب في الفقه، ثم ينتقلون بعده إلى "زاد المستقنع، وشرحه" في عصره، ولأني كنت ممن يقرؤه ويستمع إلى تقريرات الشيخ عليه في عام تسعة وستين وعام سبعين وثلاثمائة وألف، وعرفت آنذاك قيمتهما العلمية، ولما أعلم من الثقة والقبول لمؤلفات المؤلف وغزارة علم الشارح، ولما قرأته في صحيح مسلم من قول ابن سيرين رحمه الله:"إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم" اهـ. ولمحبتي لحفظ العلم ونشره لذلك كله حرصت على تسجيل هذه التقريرات في دفاتري مرتين في عام (69 و70) وظلت هذه المدة -خمسين عاماً محفوظة عندي كغيرها من شروحات الشيخ وتقريراته وفوائده. ولولا لطف الله بي وبها وبشيخنا وتذكري قول الشاعر:
العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة

لطارت في الهواء أو ندت في الصحراء؛ فلم يكن أحد يحفظها حرفياً أو يقيدها ويمتلك زمامها. ثم إني في عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف استعنت الله في جمعها من دفاتري وتبييضها وترتيب عباراتها مع
ص -7-

(1/2)


المتن، واختيار الأوضح والأشمل من عبارته، وقد أسوق العبارتين تتميماً للفائدة. وراجعت بعض العبارات استشكلتها وألفاظ الأحاديث التي ساقها، وعلقت على ما ترك من شرحه أو احتاج إلى زيادة إيضاح. فجاء شرحاً كاملاً موثقاً مختصراً جزل المعاني، قريباً لفهم المتعلم العامي. وكان الشيخ رحمه الله يأخذ بالأحوط فيما فيه خلاف معتبر، ذاكراً الخلاف في مسائل مهمة، مرجحاً الراجح ومضعفاً المرجوح بالأدلة وذلك من حسن نيته، ومحبته لتحقيق العلم ونشره والعلم به، ونصحه للراعي والرعية، فجزاه الله أفضل الجزاء. وأحمد الله على إعانتي وتوفيقي، وأسأله تعالى أن يجعل قصدي وعملي خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع بهذا الشرح كما نفع بمتنه إنه جواد بر رؤوف رحيم. وصلّى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

ص -8-

بسم الله الرحمن الرحيم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باب آداب المشي إلى الصلاة
(بسم الله الرحمن الرحيم)
ابتدأ المصنف رحمه الله بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، وتأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكاتباته ومراسلاته.
ألف المصنف رحمه الله هذا في "العبادات" واقتصر على آداب المشي إلى الصلاة وما بعده من صفة الصلاة إلى آخر الزكاة والصيام.
ولم يذكر الطهارة؛ لأن الكلام فيها يطول، والنواقض معروفة في مواضع أخر، وكذلك الحج معروف في المناسك.
ومهم جداً لطالب العلم، ولا سيما المبتدي، لا سيما صلاته: تفاصيلها، وأفعالها، ويعرف زاكته، وصيامه، فألف هذا مشتملاً على المذكورات.
س: هل المسمي له "آداب..." المصنف، أو غيره؟.
جـ: الذي يقؤب أنه ليس اسمه، وجعل للمصنف؛ لأنه ليس

ص -9-

(باب آداب المشي إلى الصلاة)

(1/3)


(يسنُّ الخروج إليها متطهراً)، (بخشوع) (لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضَّأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقصوده آداب المشي... فقط؛ بل المراد أحكام العبادات؛ لكن لما رؤي، (باب آادب المشي إلى الصلاة) سماه بعض الطلبة. إلاّ أن يوجد ما يدل على هذا1.
(يسنُّ الخروج إليها متطهراً) الصلاة مشروع فيها آداب يتأدب بها.
فإن ابن آدم شرع له آداب في مَحَالَ: منها هذا، أن لا يخرج إلى المسجد إلا كامل الطهارة. هذه هي السنة أن يتطهر في بيته.
(بخشوع) ظاهرٍ عليه الخشوع، وهو السكون والتذلل، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [41/39] فدل على أن الخشوع ضد الارتفاع. يكون في خروجه ممشاه بخشوع، وهو كونه مستحضراً أن ذاهب إلى طاعة ربه وماجاته. يكون في قلبه ما يظهر على جوارحه.
والدليل على أنه سنة ما يأتي:
(لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضَّأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: ومن أجل هذه التسمية اقتصر بعض من طبعه على ما يتعلق بالصلاة وترك الجنائز، والزكاة، والصيام.

ص -10-

المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة")، (وأن يقول إذا خرج من بيته -ولو لغير الصلاة- بسم الله، آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل، أو أضل، أو أزل، أو أزل، أو أظلم، أو أظلم، أو أجهل، أو يجهل عليّ)، (وأن يمشي إليها بسكينة، ووقار)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/4)


المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة").
فهذا الحديث دل على أن السنة أن يتطهر في داره، وأن يخرج إليها بخشوع، وأنه لا ينبغي أن يشبك بين أصابعه، وذلك لأنه في صلاة، وفي المسجد أشد، وفي الصلاة أشد وأشد. وعلل ذلك بأنه "في صلاة" فالصلاة أولى، وأولى.
وقوله: "ثم خرج" دليل على أنه مشروع أن يتطهر قبل.
(وأن يقول إذا خرج من بيته -ولو لغير الصلاة- بسم الله، آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل، أو أضل، أو أزل، أو أزل، أو أظلم، أو أظلم، أو أجهل، أو يجهل عليّ).
يندب إذا خرج من بيته ولو لغير الصلاة أن يقول: اللهم... إلى آخره. وأهم مخارجه للصلاة، وإلا فيقوله عند كل مخرج.
(وأن يمشي إليها بسكينة، ووقار).
يندب أن يمشي بسكينة ووقار، ولا يمشي بانزعاج واندفاع.

ص -11-

(لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا")، (وأن يقارب بين خطاه)، (ويقول: "اللهم إني أسألك بحق السَّائلين عليك وبحق ممشايَ هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً خرجت اتقاءََ سخطك وابتغاءَ مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت")،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والسكينة: المراد بها عدم الاضطراب وإكثار الحركات. والوقار: المراد به الاحتشام من عدم الالتفات أو عدم إكثار الالتفات، ومن عدم رفع الصوت عندما يتكلم وأشباه ذلك مما هو من الوقار.

(1/5)


(لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا"). هذا الحديث دال على ما تقدم. (وأن يقارب بين خطاه). والخُطوة بالضم الخطيئة. لما جاء في الحديث: ".. وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة" الحديث. وإذا كان هكذا علم أنه يكثر بكثرة الخُطا، ويحصل بالمقاربة بين الخطا، بخلاف ما إذا لم يقصر الخطا فإنه يقصر ما ذكر من رفع الدرجات وتكفير السيئات نسبياً.
(ويقول: "اللهم إني أسألك بحق السَّائلين عليك وبحق ممشايَ هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً خرجت اتقاءََ سخطك وابتغاءَ مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت").

ص -12-

(ويقول: اللَّهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وفوفي نوراً، وتحتي نوراً، اللهمَّ أعطني نوراً)، (فإذا دخل المسجد استحب له أن يقدم رجله اليمنى)، (ويقول: بسم الله، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يندبأن يقول: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك إلى آخره. وهو الإثابة. فإجابة الداعين وإثابتهم من جملة أسمائه وصفاته، فدعاؤه بذلك من جملة دعائه بأسمائه وصفاته. فما في هذا الحديث تشهد له الآيات.
(ويقول: اللَّهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وفوفي نوراً، وتحتي نوراً، اللهمَّ أعطني نوراً).

(1/6)


يندب أن يقول ذلك؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما حين بات عند النبي صلى الله عليه وسلم في بيت خالته ميمونة، فروى من صلاته وخروجه، وذكر أنه قال: اللهم... إلى آخره. فدل على أن من الأدعية المشروعة هذا الدعاء. وسؤاله أن يجعله؛ لأن تلك إذا نور عليها بنور استقامت على الطاعة، وسلمت من المعاصي. وجاء الحديث: "أن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصاله من ذلك النور يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل".
(فإذا دخل المسجد استحب له أن يقدم رجله اليمنى) والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في شأنه كله. وتقديم اليمنى هنا لشرفها، وتأخيرها عند الخروج تقديم لها في المعنى.
(ويقول: بسم الله، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه
ص -13-

القديم من الشيطان الرجيم، اللهمَّ صلِّ على محمد، اللهمَّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وعند خروجه يقدم رجله اليسرى ويقول: ...وافتح لي أبواب فضلك)، (وإذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القديم من الشيطان الرجيم، اللهمَّ صلِّ على محمد، اللهمَّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وعند خروجه يقدم رجله اليسرى ويقول: ...وافتح لي أبواب فضلك).
فالدخول والخروج مجتمع مفترق. فالمجتمع أن الداخل والخارج اتفقا في قول: اللهم اغفر لي ذنوبي، وافترقا في قول: فضل، ورحمة. لأن الداخل متعرض لأبواب الرحمة في تأدية الصلاة وقبولها. والخارج قد وفر الوقت وصلاها، وقد طلب الفضائل فناسب أن يقول: وافتح لي أبواب فضلك.
(وإذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). يعني: مشروع أن يبادر إلى ركعتين قبل أن يجلس، وهما تحية المسجد.

(1/7)


لقول صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حى يصلي ركعتين"، وقد روي: "أعطوا المساجد حقها"، قيل: وما حقها؟ قال: "ركعتين قبا أن يجلس"؛ فدل على أنها حق للمساجد وحظ لها، كما أن تحية منى رمي الجمرة فلا يبدأ بشيء قب ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجته.
ومحلها قبل الجلوس، فإن جلس وطال الزمان فإنها سنة فات محلها. أما إن قرب الزمان فيقوم فيصليها بدليل الذي جلس والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فقال له: "أصليت قبل أن تجلس؟ قال: لا. قال: قم

ص -14-

(ويشتغل بذكر الله)، (أو يسكت)، (ولا يخوض في حديث الدنيا)، (فما دام كذلك فهو في صلاة)، (والملائكة تستغفر له ما لم يؤذ أو يحدث).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاركع ركعتين". فدل على أن الرجل إذا دخل المسجد وجلس فانتبه أو نبه فإنه يقوم ويصلي. أما إذا طال فلا. وذلك أنه مطلوب الصلاة قبل الجلوس. وهنا حصل الجلوس وطال، وفرق بين الطويل والقصير.
وإذا صلى راتبة الفجر في بيته ثم أتى المسجد فالأولى أن يصلي تحية المسجد.
(ويشتغل بذكر الله). فإذا كان في المسجد وصلى تحيته فينبغي له أن يشتغل بذكر الله من تلاوة القرآن -وهو أفضل الأذكار القولية- والتسبيح، والتحميد، والحوقلة، ودعاء الله، وسؤاله المغفرة، ونحو ذلك.
(أو يسكت) فإن لم يكن فينبغي له أن يصمت، وذلك أنه في هذه الحالة في صلاة.
(ولا يخوض في حديث الدنيا) إذا كان كذلك فكيف يفعل ما هو من أعمال الدنيا.
(فما دام كذلك فهو في صلاة) بالقوة، كما جاء في الحديث.
(والملائكة تستغفر له ما لم يؤذ أو يحدث) فإذا جاء إلى المسجد متطهراً وصلى واشتغل بالذكر فإنه في صلاة، فإن لم يفعل فيسكت، فإنه في صلاة، كما تقدم.

ص -15-

(باب صفة الصلاة)

(1/8)


(يستحب أن يقوم إليها عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة. إن كان الإمام في المسجد، وإلا إذا رآه)، (قيل للإمام أحمد قبل التكبير: تقول شيئاً)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(باب صفة الصلاة)
حقيقتها، وبيان ما اشتملت عليه من الأقوال والأفعال والكيفيات. وهذا شامل لأركانها، وواجباتها، ومندوباتها.
(يستحب أن يقوم إليها عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة. إن كان الإمام في المسجد، وإلا إذا رآه) يندب أن يكون الإمام والمأموم على جلوسهما إلى وصوله إلى "قد قامت الصلاة" وعند وصوله إلى قد قامت يقومان -وذكر بعضهم استحباب جلوسه إن كان قائماً إلى أن يصل المؤذن إلى "قد" من الإقامة- لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. وإن لم يكن الإمام في المسجد ولا رآه بل كان خارج المسجد فلا يقوم من مكانه حتى يرى الإمام، كما في قوله: "إذا قامت الصلاة ولم تروني فلا تقوموا"، فإذا كان في المسجد فيقام عند "قد" لأنه بيان لقرب الصلاة، فما بعد الإقامة إلى القيام في الصلاة، ليحصل التراص والتساوي قبل إحرام الإمام. وإذا كان الإمام ليس حاضراً فقوله: "قد" وعدمه واحد، فيكون كما هو حتى يأتي الإمام. وإذا كان الإمام متأخراً فيكون القيام بعدما يدخل الإمام؛ لأنه من حين يتقدم يأتي بالتحريمة. وإن لم يره وتحقق أنه جاء قام.
(قيل للإمام أحمد قبل التكبير: تقول شيئاً) يعني تتلفظ بالنية؟.

ص -16-

(قال: لا. إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه)، (ثم يسوي الإمام الصفوف بمحاذاة المناكب والأكعب)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/9)


(قال: لا. إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه) فالنية ليست أكثر من استشعار ما سيفعله ويعزم عليه ثم يفعله بعد شعوره به1، كإنسان يتوضأ الفجر، وكمن يرى المسجد فدخل معهم وهم يصولن. النية تصورك ما ستفعله والعزم عليه، ثم فعله بعد التصور، وهي من القلب؛ لا حظ للسان فيها أبداً.
والتلفظ بها بدعة. لأن هذا لم يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من خلفائه ولا من صحبه المرضيين ولا أحد الأئمة المتبوعين، ولا لها مستند، إنما قال الشافعي كلمة ظن بعض أصحابه أنه عنى بها النية، وهو غلط. والدليل دل على أنه لا بد لكل عمل من نية، وتقدم النية. فالذي ليس فيه نية كون الإنسان يتبرد بجميع بدنه في الماء وبعدما خرج من الحمام قال في نفسه: أنا أريد أن يكون هذا عن جنابتي، أو يغسل وجهه للتنظيف ثم لما غسله نوى أن يجعل هذا من الوضوء فيغسل اليدين بعده فلا يصح. الحاصل أنه لا أصل لوقوف الإنسان وتصوره، (نون) (ي) (هـ) بل تصورك وقصدك إياه هذه هي النية.
(ثم يسوي الإمام الصفوف بمحاذاة المناكب والأكعب) تسن تسوية الصف بمحاذاة المناكب والأكعب: أن يكون كعب هذا محاذ لكعب هذا، ومنكب هذا محاذ لمنكب هذا. هذا في القيام. أما في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فتصور والعزم عليه هذا هو النية. وإذا فعله بعد ذلك حصلت النية والفعل المطلوب كما يأتي.

ص -17-

(ويسن تكميل الصف الأول فالأول)، (وتراص المأمومين)، (وسد خلل الصفوف)، (ويمنة كل صف أفضل)، (وقرب الأفضل من الإمام)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/10)


الجلوس فالمحاذاة فيه بالمناكب، والمقاعد: جمع مقعدة. وليس العبرة بالمحاذاة برؤوس الأصابع في حال القيام ولا بمؤخر الرجلين وهي الأعقاب؛ فإن الرجلين تختلف طولاً وقصراً باختلاف الساقين. المقصود أنه لا يتحقق الاستواء في الصف إلا بالأكعب. والكعب هو العظم الناتئ. وجاء في الأحاديث المبالغة في هذا: أنه كان يلصق الرجل كعبه في كعب الرجل.
(ويسن تكميل الصف الأول فالأول) وجاء في الحديث أنه يقال للمتأخر: تقدم يا فلان، وللمتقدم تأخر يا فلان. فمشروع أن يكون الصف مستوياً. (وتراص المأمومين) ويكونون متراصين، كون هذا راص هذا، وهذا في الأحاديث معروف. (وسد خلل الصفوف) إذا رأى خللاً في الصف أشار إلى ذلك. وإن احتيج إلى زيادة بيان فيستعمل، كما في حديث: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم".
فعرفنا من قراءتك هذه فوائد. أحدها: أنه يندب أن لا يكبر الإمام حتى تستوي الصفوف. الثانية: أنه لا يبدأ في الصف الثاني ولا الثالث قبل كمال الأول أو الثاني. الثالثة: سد الفرج. وأدلة ذلك معروفة.
(ويمنة كل صف أفضل) وفي الحديث: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف".
(وقرب الأفضل من الإمام) والقرب من الإمام أفضل،
ص -18-

لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى")، (وخير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، (ثم يقول وهو قائم مع القدرة: ألله أكبر)، (لا يجزئه غيرها)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/11)


(لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى") فدل على أن الأحق بولاية الأمام أولو الأحلام والنهى ليسمع القرآن من الإمام تماماً. ويرى بعينيه صلاة الإمام، ويفيد تفضيل الدنو من الإمام كما تقدم. (وخير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) هذا متن حديث ورد، وإن كان فيه مقال. وذلك لتقدمهم للصلاة، ولبعدهم عن النساء، ولكونهم يأخذون عنه الاقتداء، ويخشى عليهم الفتنة بالنساء. والنساء بالعكس يخاف على الأولات أن يفتَتن أو يفتِن؛ فإن في قربهم نوع فتنة من الناحيتين، فتغايرت الأفضلية والشرعية. والنساء لهن صفوف كما للرجال صفوف، كما يفيده هذا الحديث الذي هذا متنه.
(ثم يقول وهو قائم مع القدرة: ألله أكبر) يعني في الفريضة فلا يصح منه وهو جالس، فإن فعل لم يجزئه فريضة، يعني أنها شرط إذا كان قادراً. أما لو كان مربوط1 أو مرحول1 أو مريض1 لا يقدر أصلاً أو بمشقة لا تحتمل أو خائف1 من رؤية عدو أو سبع سقط عنه للعذر. (لا يجزئه غيرها) فلو قال: الله أجل، أو: أمجد. أو: الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هذه الكلمات كتبتها هكذا، لأنه وقف عليها بالسكون ولهذه الكلمات نظائر و"المرحول": المقعد.

ص -19-

(والحكمة في افتتاحها بذلك ليستحضر عظمة من يقوم بين يديه فيخشع)، (فإن مد همزة "ألله" أو "أكبر" أو قال: "إكبار" لم تنعقد)، (والأخرس)، (يحرم بقلبه)، (ولا يحرك لسانه)، (وكذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكبير. لم يجز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وهو ما عرف عنه إلا "الله أكبر" فتبين أن أنواع التعظيم الأخرى لا تجزي.

(1/12)


(والحكمة في افتتاحها بذلك ليستحضر عظمة من يقوم بين يديه فيخشع) إذا بحث ما السر والحكمة في كون هذه الكلمة اختيرت -فإن كل الشرعيات على الحكمة والمصلحة عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، وكذلك قضائه وقدره- فالسر والحكمة أن يستحضر الإنسان كبرياء رب العلمين وتفرده بها، فيحمله على سكون قلبه وذله وإخباته لربه. والخشوع: هو لب الصلاة، ولا يكتب له إلا ما عقل منها.
(فإن مد همزة "ألله" أو "أكبر" أو قال: "إكبار" لم تنعقد). هنا يتصور ثلاث لحنات كل واحدة تبطل الصلاة فرضاً أو نفلاً. أحدها: مد همزة "أله" أو "أكبر" أو الباء. فمد همزة "ألله أكبر" خطر كبير -لا تعَلَّم دينه ولا نظر نظراً كاملاً- وإنما كانت مبطلة لكونها بمعنى كأنه سؤال استفهام: الله أكبر، أم لا؟ والذي يستفتح صلاته بـ "ألله آكبر" بمد ألف "أكبر" فإنه أيضاً استفهام. و"إكبار" هذا ما استفهم، لكن الإكبار شيء معروف في كلام العرب. يقال له: "الطبل" فإذا قال ذلك ما أثبت الأكبرية لله؛ لأن هذا كله يغير المعنى. ثم التساهل في اليسير يجر إلى الإخلال بالكثير.
(والأخرس) الأطرم، (يحرم بقلبه) ونيته وتصح (ولا يحرك لسانه) ولو كان يحسن بعض الحروف لعدم حصول المقصود بلسانه،

ص -20-

حكم القراءة والتسبيح وغيرهما)، (ويسن جهر الإمام بالتكبير، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا كبر الإمام فكبروا"، وبالتسميع لقوله: "وإذا قال سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد")، (ويسر مأموم ومنفرد)، (ويرفع يديه، ممدودتي الأصابع، مضمومة، ويستقبل ببطونهما القبلة، إلى حذو منكبيه)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/13)


فيكون تحريكه عبثاً لا يرجع بالكفاف. فيحرم بقلبه لا غير. وهكذا حكم أقواله عبث، فلسانه كأنه أحد أعضائه الأخرى. (وكذا حكم القراءة والتسبيح وغيرهما) الأخرس لا يقرأ ولا يسبح ولا يكبر ولا يأتي بذكر. يسبح بقلبه. وتحريكه لسانه عبث. ربما يقال: إنه إذا حركه وأكثر يبطل الصلاة؛ لأنه عمل من الأعمال، وإن كان وجد منه بعض الكلمات فهو متكلم بكلام يبطل ولا صار قولاً. هذا عمل. فيكفي إتيانه بالمشروعات بقلبه. وإن قدر على النطق بـ "ألله" نوى "أكبر" والغالب أنه لا يقدر. والمراد الذي بأصل الخلقة. وكثيراً ما يكون الخُرْسُ لا ينطقون.
(ويسن جهر الإمام بالتكبير، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا كبر الإمام فكبروا"، وبالتسميع لقوله: "وإذا قال سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد") يسن للإمام رفع الصوت بالتكبير، كما يسن في حقه رفع الصوت بسمع الله لمن حمده، لقوله: "إذا كبر الإمام"، وإذا قال: "سمع الله لمن حمده" فدل على أنه يكبر تكبيراً يسمعونه بحيث يقولون كقوله: "ألله أكبر"، و: "ربنا ولك الحمد"، (ويسر مأموم ومنفرد) أما المنفرد والمأموم فيسن الإسرار في حقهما. (ويرفع يديه، ممدودتي الأصابع، مضمومة، ويستقبل ببطونهما القبلة، إلى حذو منكبيه) يرفع

ص -21-

(إن لم يكن عذر)، (ويرفعهما إشارة إلى كشف الحجاب بينه وبين ربه)، (كما أن السبابة إشارة إلى الوحدانية)، (ثم)، (يقبض كوعه الأيسر بكفه الأيمن)، (ويجعلها تحت سرته)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يديه إلى فوق، (إن لم يكن عذر) يمنع وصولهما إلى هذا أو يكون أكثر، فإن كان هناك مانع يمنع المقدار فكونه أكثر أو أقل لا بأس به. (ويرفعهما إشارة إلى كشف الحجاب بينه وبين ربه) كأنه رفع الحجاب، قبل موجود ورفع ودخل1.

(1/14)


(كما أن السبابة إشارة إلى الوحدانية). رفعها إشارة إلى أن معبوده واحد، فيجمع بين ما في القلب من اعتقادها وبين الإشارة إليها بالأصبع الواحد وهذا أتم، كما تقدم.
(ثم) بعد فراغه من تكبيرة الإحرام يسن أن (يقبض كوعه الأيسر بكفه الأيمن) يقبض كوع يسراه بكف يمناه. والكوع هو العظم الذي في أعل الذراع مما يلي الرسغ. ومقابله العظم الثاني من جانب الخنصر، ويقال له: الكرسوع. فالكوع والكرسوع هما طرفا الزندين. والقبض هو إمساك الشيء بيده، (ويجعلها تحت سرته) وبعد القبض باليمنى على اليسرى يجعلهما تحت سرته، وهو القول المشهور في المذهب. وفي رواية أخرى عن أحمد: على صدره. وفي رواية أخرى: أنه مخير. وقبض كوع اليسرى بكفه اليمنى اتفقت عليه الأحاديث ولا نزاع فيه، إلا أن يكون شيء شاذ. لكن اختلف في موضعهما بعدما يقبض كوع يسراه بكف يمناه وجعلهما على مقدم بدنه: هل محل ذلك ما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: وبعض العماة يعكس: يرفعهما قبل الشروع في التكبير، وإذا شرع في التكبير حطهما، فكأنه يشير إلى إسدال الحجاب.

ص -22-

(ومعناه ذل بين يدي ربه عز وجل)، (ويستحب نظره إلى موضع سجوده في كل حالات الصلاة)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/15)


تحت السرة؟ أو على الصدر؟ ذهب جماعة وهو قول كثير من أهل الحديث إلى أنه على الصدر، لما في رواية وائل بن حجر: "على صدره" وهي زيادة على رواية الجماعة الذين لم يذكروا موضعهما. والزيادة من الثقة مقبولة. والرواية الأخرى: أنه يجعلهما تحت السرة، لخبر علي وغير ذلك من آثار عضدته وقوته. وابن القيم قرر في كتابه البدائع وذكر أيضاً شيئاً من ذلك -أظن في كتاب الإعلام- بما حاصله: أن الرواية عن وائل فيها شذوذ، ورجح جعلهما تحت السرة وقال: فيه حديث علي ومعضود بغيره1، وكل هذا من باب الاستحباب والندب، لا من باب الوجوب. فالقائلون: إنه يجعلهما تحت السرة عندهم أنه تارك للمندوب وإلا فهو جائز، وكذلك عند أهل القول الآخر. (ومعناه ذل بين يدي ربه عز وجل) السر في ذلك أنه ذل بين يدي رب العالمين، وذلك أن المصلي أمسك جارحت العمل والتصرف إحداهما بالأخرى، ووضعهما على صدره أو ما تحته كفّاً للنفس عن أي تصرف أو حركة تعظيماً لمن مثل بين يديه طاعة وذلاً وخضوعاً له سبحانه وتعالى.
(ويستحب نظره إلى موضع سجوده في كل حالات الصلاة) لأنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مؤمل عن سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره فقد روى هذا الحديث عبد الله بن الوليد عن سفيان لم يذكرا ذلك ورواه شعبة وعبد الواحد لم يذكر خالفاً* (بدائع الفوائد ج2/92، وفي الإعلام ج2/381) ولم يقل على صدره غير مؤمل بن إسماعيل.
ـــــــــــ
* كذا بالأصل. ولعه: لم يذكرا هذا.

ص -23-

(إلا في التشهد فينظر إلى سبابته)، (ثم يستفتح سراً)، (فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك)، (أي أنزهك التنزيه عما لا يليق بجلالك يا الله)، (وبحمدك. قيل معناه: أجمع لك بين التسبيح والتحميد)، (وتبارك اسمك)،

(1/16)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ادعى إلى خشوعه؛ بخلاف نظره من هنا وهنا فهو مما يشوش على خضوعه، كلما كثر المنظور تفرق النظر، وكثر انتقاش المرئيات في القولب؛ فإن النظر إلى موضع واحد يقل فيه التفكير والتشوش، وجاء في حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره إلى السماء في الصلاة فأنزل الله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [23/1، 2] قال: فطأطأ". (إلا في التشهد فينظر إلى سبابته) لكن يستثنى من هذا حالة واحدة وهي ما إذا كان في التشهد فإنه ينظر إلى سبابته، لحديث ابن الزبير: "لا يجاوز بصره إشارته". والسر في هذا أنه أتم للإخلاص لله ( بالوحدانية.
(ثم يستفتح سراً) بعدما يكبر يستفتح، والسنة أن لا يجهر بالاستفتاح (فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك) والتسبيح معناه: التنزيه، (أي أنزهك التنزيه عما لا يليق بجلالك يا الله) وقوله: (وبحمدك. قيل معناه: أجمع لك بين التسبيح والتحميد) فيكون بمعنى سبحان الله وبحمده. (وتبارك اسمك) هذه الصيغة جاءت في النصوص في حق الرب وحده: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [23/14] {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [40/64] في آيات. وهي على وزن تفاعل من البركة.

ص -24-

(وتعالى جدك)، (ولا إله غيرك)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/17)


وجاء عن ابن عباس: تعاظم. يريد بيان صيغة تفاعل، وإلا فالبركة كثرة الخير والنفع ودوامه. "واسمك" هذا مضاف مفرد فيعم جميع الأسماء كـ "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء" المعنى: بلغت أسماؤه في الكثرة والبركة والدوام الغاية التي لا غاية وراءها. وفي هذا إثبات الأسماء للرب سبحانه وتعالى، ومسلك أهل السنة والجماعة إثبات جميع ما جاء في الكتاب والسنة إثباتاً بريئاً من تمثيل الممثلين، كما أنهم ينزهون الله سبحانه عما لا يليق بجلاله تنزيهاً بريئاً من تعطيل المعطلين. وأسماء الله كسائر كلام العرب معروفة المعاني، فيعتقد مدلولها، ويؤمن به على ما يليق بجلال الله وعظمته، على حد قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [42/11] (وتعالى جدك) تعالى على وزم تفاعل، مثل تبارك، يعني بلغ من العلو الغاية. والعلو: الرفعة والارتفاع. وهو على ثلاثة أقسام، وكلها ثابتة لله: علو الذات، كما قال عبد الله بن رواحة:
وأن العرش فوق الماء طاف
وفوق العرش رب العالمينا

وعلو القدر والشرف. وعلو القهر والغلبة. "جدك" أي عظمتك. يعني: ارتفع قدرك وعظم.
فهذه: التكبير، والتحميد، والتهليل إذا ضمت إلى تكبيرة الإحرام هي التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هن أفضل الكلام" على الإطلاق.
(ولا إله غيرك) يعني: أنت وحدك المعبود بالحق؛ بل من عبد غيرك فهو معبود بالباطل والضلال.

ص -25-

(ويجوز الاستفتاح بكل ما ورد)، (ثم يتعوذ سراً)، (فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، (وكيفما تعوذ من الوارد فحسن)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/18)


وبعبارة أخرى: هذا معنى كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" فإن هذه الكلمة العظيمة فيها إثبات الإلهية لله، وهذه الكلمة أساس الملة، وهي دلت على إفراد الله بجميع أنواع العبادة واستحقاقه لها بالمطابقة، ودلت على توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات بالتضمن.
(ويجوز الاستفتاح بكل ما ورد) ورد "سبحانك اللهم" إلى آخره. "وجت وجهي" إلى آخره. "اللهم لك الحمد" إلى آخره. إذا استفتح الإنسان بواحد فقد جاء بوجه من أوجه السنة؛ لكن قد يكون بعضها أولى من بعض: إما مطلقاً، وإما في بعض الحالات1.
والأولى هذا "سبحانك اللهم..." لكونه أجمعها، وأفضلها في ذاته لاشتماله على ما تقدم لك.
(ثم يتعوذ سراً) يعني بعد الاستفتاح وهو سنة، كما أن الاستفتاح والسر به سنة، (فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) والتعوذ لأجل قراءة القرآن، للآية الكريمة: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [16/98] أي إذا أردت القراءة. (وكيفما تعوذ من الوارد فحسن) أشار المصنف إلى أنه وارد أشياء عديدة منها هذا ومنها غيره، وأي شيء استعاذ به المصلي جاز -كما أنه ورد في الاستفتاحات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ويأتي ذكر ألفاظها قريباً في باب صلاة التطوع إن شاء الله تعالى.

ص -26-

(ثم يبسمل سراً)، (فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم)، (وليست من الفاتحة ولا غيرها، بل هي آية من القرآن قبلها، وبين كل سورتين سوى براءة والأنفال)، (وتسن كتابتها أوائل الكتب)، (كما كتبها سليمان عليه السلام)، (وكما كان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشياء عديدة- أيها جاء به المصلي- أو خارج الصلاة كان مستعيذاً الاستعاذة المشروعة. لكن من أقواها هذا اللفظ، للآية السابقة.

(1/19)


(ثم يبسمل سراً) بعد الاستفتاح ندب لا وجوب، كل الثلاثة ندب، وكلها مما لا يجهر بها، (فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم) والجهر بها خلاف السنة، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين عدم الجهر. ورواية: "كانوا يسرون" شيء صحيح صريح لا يحتمل خلاف ذلك. فالمشروع أن تكون سراً لا جهراً، هذا الذي تدل عليه الأحاديث عند التأمل. وجاءت أحاديث صريحة دالة على الإسرار. وما جاء من أحاديث معارضة لها فإما غير صحيح أو غير صريح.
(وليست من الفاتحة ولا غيرها، بل هي آية من القرآن قبلها، وبين كل سورتين سوى براءة والأنفال) هي آية من القرآن مستقلة منفردة أمام جميع السور، فصل بين السور، وهي بعض آية من سورة النمل. (وتسن كتابتها أوائل الكتب) يعني أوائل الخطوط، فإذا كان أكبر فبطريق الأولى. فهو مسنون مطلقاً في الرسائل والكتب (كما كتبها سليمان عليه السلام) لبلقيس: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [27/30] فهو ابتاء نبي، وشرعنا أيد أصل ذلك، ودل على أنه مشروع أن يبتدأ بها. وإلا ففيه تقديم غير البسملة عليها، (وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم
ص -27-

النبي صلى الله عليه وسلم يفعل)، (وتذكر في ابتداء جميع الأفعال)، (وهي تطرد الشيطان)، (قال أحمد: لا تكتب أمام الشعر ولا معه)، (ثم يقرأ الفاتحة مرتبة)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/20)


يفعل) يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد...؛ ولم يقل: من محمد بسم الله (وتذكر في ابتداء جميع الأفعال) لحديث: "كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم" عند التنقلات من الأحوال، وعند المهمات يؤتى بها: كالشرب، والجماع، ودخول الدار، والخروج منها، وغير ذلك (وهي تطرد الشيطان) كما ورد1، هذا سر كتابتها (قال أحمد: لا تكتب أمام الشعر ولا معه) والقرآن مخالف للشعر، قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [36/69] ولكن صِنفٌ من ذلك ليس المقصود به الشعر؛ بل المقصود به العلم، كأنواع العلوم التي تؤلف نظماً فتكتب فيها، ما فيها ليس محذوراً؛ لأن المقصود غير الشعر. والذي يعمل القصائد ليعطى، هذا مذموم، ذكر بعض أهل العلم أنها ترد شهادته.
(ثم يقرأ الفاتحة مرتبة) فإن نكسها لم تصح، فإنها ليست هي الفاتحة. لو قال بعدما سمى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أو قدم كلمة على كلمة كالرحيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ومنه: "لو أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقناه فإنه إن قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً"، ومنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ورجل يأكل فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما دفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه" أخرجه أبو داود.

ص -28-

(متوالية)، (مشددة)، (وهي ركن في كل ركعة)، (كما في الحديث: "لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب")،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/21)


الرحمن. (متوالية) وكذلك لا بد من الإتيان بها متوالية، يعني لا يفصل بين الآيات، أو بين الكلمات كلمة عن كلمة، وهو أشد. والفصل ينقسم إلى فصل بسكوت، وفصل باشتغال بآخر، وكل منهما مفيت للموالاة إذا طال وكثر، إلا إذا كان مشروعاً؛ فإن قطعها بذكر غير مشروع ولو أنه ذكر، أو سكوت غسر مشروع وطال عرفاً لزمه استئناف الفاتحة من أولها؛ لأنه يقطع بعضها عن بعض، وإطالة الزمن لا يعد قارئها؛ بل يعد قراءة بعض وترك بعض، ثم نوبة أخرى قرأ بعضاً وترك بعضاً. أما إذا كان القطع بسكوت وذكر غير مشروع قصير عرفاً فإن ذلك لا يبطل. وإذا كان ليس ذكراً بل أجنبياً من الصلاة فإن هذه مسألة الكلام في الصلاة عمداً أو سهواً. أما إذا كان ذكراً مشروعاً أو سكوتاً مشروعاً فإن ذلك لو طال -من السكوت المشروع الاستماع لقراءة إمامه، فإذا سكت إمامه وأمكنه أن يقرأ قرأ ندباً لا وجوباً. وعند القائلين بأنه ركن على المأموم أن يقرأ إذا جهر الإمام. وهذا الأخير مرجوح كما يأتي. (مشددة) ويأتي بتشديداتها الإحدى عشرة.
(وهي ركن في كل ركعة) متعين قراءتها، ركن في حق الإمام والمنفرد. أما المأموم فتسفط عنه الركنية، وهذا أحد ما يتحمله الإمام (كما في الحديث: "لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب") فإنه نفي لذات الصلاة وحقيقتها، فدل على بطلانها وأنها لا تصح بدونها والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأها في كل ركعة
ص -29-

(وتسمى أم القرآن)، (لأن فيها الإلهيات)، (والمعاد، والنبوات، وفيها إثبات القدر)، (فالآيتان الأوليان يدلان على الإلهيات)، (وقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}: يدل على المعاد)، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الأمر والنهي والتوكل وإخلاص ذلك كله لله)، (وفيها التنبيه على طريق الحق وأهله والمقتدى بهم)، (والتنبيه على طريق الغي والضلال)، (ويستحب أن يقف عند كل آية)، (لقراءته صلى الله عليه وسلم)، (وهي أعظم سورة في

(1/22)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وتسمى أم القرآن) لها أسماء عديدة: فاتحة الكتاب. وأمّ القرآن. وسميت "أم القرآن" لما فيها من أصول الدين العظيمة، (لأن فيها الإلهيات) والإلهيات هي الأساس، (والمعاد، والنبوات، وفيها إثبات القدر) وهذه أصول عظيمة من أصول الدين (فالآيتان الأوليان يدلان على الإلهيات) الألوهيات (وقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}: (يدل على المعاد) الآية الثالثة {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} تدل على المعاد؛ فإن المعاد هو الجزاء والحساب. {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يدل على (الأمر والنهي والتوكل وإخلاص ذلك كله لله) و"العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وكرر إياك للاهتمام والحصر. أي: لا نعبد إلا "إياك"، ولا نتوكل إلا عليك. والدين كله يرجع إلى هذه الآية، (وفيها التنبيه على طريق الحق وأهله والمقتدى بهم) وهو صراط المنعم عليهم، (والتنبيه على طريق الغي والضلال) وأهل طريق الغي والضلال.
(ويستحب أن يقف عند كل آية) من آيات الفاتحة (لقراءته صلى الله عليه وسلم) فإن قراءته كانت مدّاً، وكان يقف عند كل آية (وهي أعظم سورة في
ص -30-

القرآن)، (وأعظم آية فيه آية الكرسي)، (وفيها إحدى عشرة تشديدة)، (ويكره الإفراط في التشديد، والإفراط في المد)، (فإذا فرغ قال: آمين بعد سكتة لطيفة)، (ليعلم أنها ليست من القرآن)، (ومعناها: اللهم استجب)، (يجهر بها إمام ومأموم معا في صلاة جهرية)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/23)


القرآن) أعظم سور القرآن على الإطلاق هي الفاتحة للحديث الوارد في ذلك فإنه جاء في فضل الفاتحة: "ما نزل في التوارة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها"، وفي بعض الروايات: "ولا في الزبور..." (وأعظم آية فيه آية الكرسي) ولما قال أبي إنها هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: "ليهنئك العلم أبا المنذر"..
(وفيها إحدى عشرة تشديدة) لابد من الإتيان بها جميعاً في الفاتحة، فإذا ترك شدة حرف فكأنما ترك حرفاً؛ فإن الحرف المشدد حرفان. فالأول في "االله" من "الحمد لله" إلى آخر الشدات. فلو ترك شدة من الإحدى عشرة ما صحت به تلك الكلمة ما صح به ذلك الحرف. (ويكره الإفراط في التشديد، والإفراط في المد) يعني التعمق والتشدد في المد مكروه، وذلك أنه يحصل منه زيادة حرف.
(فإذا فرغ قال: آمين بعد سكتة لطيفة) يستحب سكوت الإمام بعد {وَلا الضَّالِّينَ} بين ولا الضالين وآمين (ليعلم أنها ليست من القرآن) فائدة ذلك ليعرف أن "آمين" ليست من الفاتحة، وهي طابع الدعاء. (ومعناها: اللهم استجب) فإن الفاتحة من {اهْدِنَا} إلى آخرها "دعاء". (يجهر بها إمام ومأموم معا في صلاة جهرية) يقولها الإمام والمنفرد والمأموم. يجهر بها الإمام والمأموم. وجاء في الحديث: "إذا أمن الإمام

ص -31-

(معاً)، (ويستحب سكوت الإمام بعدها)، (في صلاة جهرية لحديث سمرة)، (ويلزم الجاهل تعلمها)، (فإن لم يفعل مع القدرة لم تصح صلاته)، (ومن لم يحسن شيئا منها ولا من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/24)


فأمنوا"، وجاء: "أنه يؤمن الإمام"، "فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" يوافق زمن تأمين المأموم في وقت واحد. ولفظها بالتخفيف ومد أولها. ولو شدد الميم ما صح؛ بل هذا مغير للمعنى؛ فإن معناها قاصدين. وكذلك لو قال: أَمِيْن بفتح الهمزة وكسر الميم وسكون الياء (معاً) يعني جميعاً مثل ما سبق بلفظ واحد. أما السرية فلا جهر فيها بالتأمين كما لا جهر بالقراءة، فيؤمن سراً.
(ويستحب سكوت الإمام بعدها) يعني بعد الفاتحة (في صلاة جهرية لحديث سمرة)1 (ويلزم الجاهل تعلمها) لحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" والذي يعلمها ولا يقرأها لا تصح صلاته. والذي لا يعلمها ويمكنه تعلمها يجب عليه. (فإن لم يفعل مع القدرة لم تصح صلاته) لتركه ركن صلاته قاصداً وهو يقدر على الإتيان به (ومن لم يحسن شيئا منها ولا من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 "...سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} رواية أبي داود قال شيخ الإسملا ابن تيمية قدس الله روحه: والسكتة التي عقب قوله: {وَلا الضَّالِّينَ} من جنس السكتات التي عند رؤوس الآي. إلى أن قال: ولم نعلم نزاعاً بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم الفاتحة ولا غيرها. وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة. إلى أن قال: وأيضاً فلو كان الصحابة كلهم يقرأون الفاتحة خلفه أم في السكتة الأولى وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فكيف ولم ينقل هذا احد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية خلفه يقرأون الفاتحة، مع أن ذلك لو كان مشروعاً لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله، فعلم أنه بدعة. (مجموع فتاوى ابن تيمية جـ 23/278).

ص -32-

(1/25)


غيرها من القرآن)، (لزمه أن يقول)، (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وهلله، وكبره ثم اركع" رواه أبو داود والترمذي)، (ثم يقرأ البسملة سراً)، (ثم يقرأ سورة كاملة)، (ويجزي آية)، (إلا أن أحمد استحب أن تكون طويلة)، (فإن كان في غير الصلاة فإن شاء جهر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غيرها من القرآن) وكذلك إذا لم يمكنه تعلمها (لزمه أن يقول) في حال قيامه في مكان قراءة القرآن (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وهلله، وكبره ثم اركع" رواه أبو داود والترمذي) فمستطيع الفاتحة لا يجزيه غيرها، وإن كان يستطيع بعضها ردده1، فإذا كان لا يحفظ شيئاً من القرآن فيكون الركن في حقه قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. كما تقدم.
(ثم يقرأ البسملة سراً) ثم يبسمل سراً لا جهراً. يعني بعد التأمين وبعد السكوت2. فإن كان خارج الصلاة فهو مخير بين الجهر بالبسملة والإسرار.
(ثم يقرأ سورة كاملة) هذا هو السنة أن يقرأ في كل ركعة بسورة، بكل السورة. ويأتي بيان طولها وقصرها. ولو فرق سورة في ركعتين جاز، (ويجزي آية) بل لو آية (إلا أن أحمد استحب أن تكون طويلة) كآية الكرسي وآية الدين. (فإن كان في غير الصلاة فإن شاء جهر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يعني كرره.
2 ويأتي تكملة البحث في الإسرار بها.

ص -33-

(1/26)


بالبسملة وإن شاء أسر)، (وتكون السورة في الفجر من طوال المفصل)، (وأوله {ق})، (لقول أوس: سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: كيف تحزبون القرآن)، (قالوا: ثلاثاً)، (وخمساً، وسبعاً، وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل واحد)، (ويكره أن يقرأ في الفجر من قصاره من غير عذر كسفر ومرض ونحوهما)، (ويقرأ في المغرب من قصاره)، (ويقرأ فيها بعض الأحيان من طواله، لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بالأعراف)، (ويقرأ في البواقي من أوساطه إن لم يكن عذر، وإلا قرأ بأقصر منه)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالبسملة وإن شاء أسر) وأما في الصلاة فيسر لا يجهر لا قبل الفاتحة ولا ببسملة السور؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر. (وتكون السورة في الفجر من طوال المفصل) هذا هو السنة (وأوله {ق}) أول المفصل فيه نحو سبعة أقوال، وأصحها في أول المفصل "ق" إلى المرسلات، وأوساطه منها إلى الضحى، وقصاره آخره. (لقول أوس: سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: كيف تحزبون القرآن) على أيام الأسبوع السبعة (قالوا: ثلاثاً) يعني في أول يوم ثلاث سور (وخمساً، وسبعاً، وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل واحد) وهذه التعاديد إذا مضت صار آخر ذلك سورة الحجرات، فدل على أن أوله "ق". (ويكره أن يقرأ في الفجر من قصاره من غير عذر كسفر ومرض ونحوهما) فلو كان عذر من سفر أو مرض ونحوهما فلا كراهة، والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه قرأ بالمعوذتين في السفر (ويقرأ في المغرب من قصاره) وتقدم. (ويقرأ فيها بعض الأحيان من طواله، لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بالأعراف) ومن المعلوم طولها. (ويقرأ في البواقي من أوساطه إن لم يكن عذر، وإلا قرأ بأقصر منه) وقد ثبت أن

ص -34-

(1/27)


(ولا بأس بجهر امرأة في الجهرية إذا لم يسمعها أجنبي)، (والمتنفل في الليل يراعي المصلحة)، (فإن كان قريباً منه من يتأذى بجهره أسر. وإن كان ممن يستمع له جهر)، (وإن أسر في جهر وجهر في سر بنى على قراءته)، (وترتيب الآيات واجب)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بـ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} في العشاء. (ولا بأس بجهر امرأة في الجهرية إذا لم يسمعها أجنبي) ولا تجهر المرأة ولا سيما إذا كانت شابة حسنة الصوت فتمنع. وبعبارة أخرى: المرأة تسر، ولا يسمعها إلا ذو محرم. فلا تجهر لأنها عورة، وصوتها سبب للافتتان بها. كل ذكر فهو مجبول على حب النساء، وحب أصواتهن. (والمتنفل في الليل يراعي المصلحة) ما كان أصلح يفعله. إن كان في الجهر مصلحة جهر. والغالب أن الجهر إذا لم يؤذ النيام أنشط، كما قال عمر رضي الله عنه: "أطرد للشيطان، وأوقظ للوسنان" وهو أيضاً أضبط وأوعى. (فإن كان قريباً منه من يتأذى بجهره أسر. وإن كان ممن يستمع له جهر) هذا من تفصيل المصلحة. (وإن أسر في جهر وجهر في سر بنى على قراءته) إن أسر في جهر بنى على قراءته، ولا يعيدها من أولها، إذا جهر بآيتين فلا يردها1. لا يستأنف القراءة من أولها؛ فإن ذلك بعض الفاتحة في مثل المغرب والعشاء. "أو جهر في سر بنى على قراءته" ولا يلزمه الاستئناف. وإن ختمها سراً كفت.
(وترتيب الآيات واجب) فيجب قراءتها على الترتيب المعهود الموجود في الفاتحة وغيرها. فلا يجوز أن يقرأ القارئ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لا يعيدها.

ص -35-

(1/28)


(لأنه بالنص)، (وترتيب السور بالاجتهاد في قول جمهور العلماء)، (فتجوز قراءة هذه، قبل هذه؛ ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة في كتابتها)، (وكره أحمد قراءة حمزة والكسائي والإدغام الكبير لأبي عمرو)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدِّين}، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (لأنه بالنص) عن النبي صلى الله عليه وسلم كلما نزلت آية قال صلى الله عليه وسلم: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" رواه الترمذي.
(وترتيب السور بالاجتهاد في قول جمهور العلماء)لا بالنص عن النبي صلى الله عليه وسلم (فتجوز قراءة هذه، قبل هذه؛ ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة في كتابتها) فمصحف ابن مسعود شيء وغيره شيء آخر. ومن دليل جوازه ما جاء في صلاة حذيفة خلف النبي صلى الله عليه وسلم "افتتح سورة البقرة، ثم افتتح سورة النساء ثم افتتح سورة آل عمران" وكذلك ما جاء عن عمر وغيره، كل هذا يدل على ترتيب السور لا يتعين بل تجوز قراءة سورة قبل التي قبلها؛ لكن بعد الترتيب الآن الأولى الترتيب، ولا هو بواجب؛ لكن يستحب أن يكون مرتباً لها، أما عدمه فليس بحرام. واختلاف الصحابة في شيء يسر. وترتيب السور مراعى في شيء له أسباب أو استنساب. فقول المصنف: "ولهذا تنوعت إلى آخره" يشير إلى أنه ليس بواجب؛ فإنها ليست على نمط واحد بل مختلفة.
(وكره أحمد قراءة حمزة والكسائي والإدغام الكبير لأبي عمرو) وهي قراءات معروفة عند أهل القراءات1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/29)


1 وكره أحمد قراءة حمزة والكسائي لما فيهما من الكسر والإدغام والتكلف وزيادة المد. وأنكرها السلف منهم سفيان بن عيينة ويزيد بن هارون. قال في الفروع: ولم يكره أحمد غيرهما. وعنه والإدغام الكبير لأبي عمرو، للإدغام الشيدي. واختار قراءة نافع من رواية إسماعيل بن جعفر عنه، ثم قراءة عاصم. وقال له الميموني: أي قراءة تختار لي فأقرأ بها؟ قال: قراءة ابن العلاء لغة قريش والفصحاء من الصحابة رضي الله عنهم. (انظر كشاف القناع جـ1/345 وشرح المنتهى جـ1 ص182، 183).

ص -36-

(ثم يرفع يديه كرفعه الأول)، (بعد فراغه من القراءة وبعد أن يثبت قليلاً)، (حتى يرجع إليه نفسه)، (ولا يصل قراءته بتكبير الركوع)، (فيكبر ويضع يديه مفرجتي الأصابع على ركبتيه ملقماً كل يد ركبة)، (ويمد ظهره مستوياً)، (ويجعل رأسه حياله)، (لا يرفعه ولا يخفضه)، (لحديث عائشة)، (ويجافي مرفقيه عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/30)


(ثم يرفع يديه كرفعه الأول) وتقدم لك الرفع الأول وهو عند تكبيرة الإحرام (بعد فراغه من القراءة وبعد أن يثبت قليلاً) يسكت قليلاً (حتى يرجع إليه نفسه) حتى يتراجع إليه نفسه. وهذه إحدى السكتات. فإنها ثلاث: سكتة قبل القراءة، وسكتة بعد الفاتحة، وسكتة قبل الركوع. (ولا يصل قراءته بتكبير الركوع) كأن يقول: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} الله أكبر، أو يقطع الهمزة فهذا ما ينبغي، السنة جاءت بالفصل قليلاً. فيرفع يديه وهو في حال ابتداء انخفاضه. مبدأ رفع يديه بابتداء التكبير وينهيه عند كماله. (فيكبر ويضع يديه مفرجتي الأصابع على ركبتيه ملقماً كل يد ركبة) ملقماً كلا يديه ركبتيه (ويمد ظهره مستوياً) أعلى ظهره (ويجعل رأسه حياله) وِزَانَه (لا يرفعه ولا يخفضه) فلا يرفع أعلاه ولا بالعكس (لحديث عائشة) "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير" إلى قولها: "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك" (ويجافي مرفقيه عن جنبيه) يحني

ص -37-

جنبيه)، (لحديث أبي حميد)، (ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم)، (لحديث حذيفة رواه مسلم)، (وأدنى الكمال ثلاث)، (وأعلاه في حق الإمام عشر)، (وكذا حكم سبحان ربي الأعلى في السجود)، (ولا يقرأ في الركوع والسجود لنهيه صلى الله عليه وسلم عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرفقيه عن جنبيه (لحديث أبي حميد) في الصلاة وفيه: "فنحاهما عن جنبيه" وفي بعض أفاظه: "فيجافي يديه عن جنبيه" فهذا من سنن الصلاة الفعلية.

(1/31)


(ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم) هذا واجب، (لحديث حذيفة رواه مسلم) وفي حديث عقبة بن عامر: لما نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [56/96] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في ركوعكم"، فلما نزلت: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [87/1] قال: "اجعلوها في سجودكم". (وأدنى الكمال ثلاث) الواجب مرة (وأعلاه في حق الإمام عشر) أما المنفرد فلا حد له. هذا كله في الركوع (وكذا حكم سبحان ربي الأعلى في السجود) أيضاً أعلاه في حق الإمام عشر، وأدناه ثلاث. وعلى القول بالوجوب واحدة والباقي سنن.
(ولا يقرأ في الركوع والسجود لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك) لحديث: "نهيت أن قرأ القرآن راكعاً أو ساجداً. أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" ولهذا في حديث آخر: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" فالمناسب في حال السجود أن يدعو الله ويسأله، وأما القرآن فهو مشروع في القيام في الصلاة؛ فإن هيئات الصلاة الصورية انتصاب وغيره، فشرع في الانتصاب. والحكمة أن القرآن أشرف القول الذكري على الإطلاق
ص -38-

ذلك)، (ثم يرفع رأسه ويرفع يديه كرفعه الأول)، (قائلاً إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده وجوباً)، (ومعنى سمع استجاب)، (فإذا استتم)، (قائماً قال: ربنا ولك الحمد، ملء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/32)


وأعلاه فناسب له الهيئة التي هي أعلا الهيئات وهو الانتصاب، وهو صفة كمال بالنسبة إلى حالة الركوع والسجود. أما الركوع والسجود فهو حالة ناقصة بالنسبة إلى ذاته، وكمال بالنسبة إلى الذل والتعظيم، فهو موضع له ما يناسبه. فهيئات الذل يناسبها دعاء الذل والانكسار؛ لحديث: "إذا ارتفعوا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا" فعرفنا أن التسبيح مناسب للانخفاضات البدنية الحسية. وأما الانتصاب فيناسب فيه الأذكار السامية؛ ولهذا التكبير على المنار مناسبته معروفة، وتكبيرات الانتصاب في الجملة، وتكبيرات الاستسقاء و... وإن كان في غيره لكنه أكثر، فلا يناسب كلام رب العالمين أن يؤتى به في حالة الذل. وهذا بين لك: أن الشيء يكون بعض الأحيان عبادة، وبعض الأحيان لو أنه عبادة لا يصير عبادة في وقت. وتكون التكبيرات تبعاً للقيام، وكذلك بين السجدتين. والدعاء بعدها تبع للسجود. وهذا الذي يظهر لي من جنس المناسبات. أما كونه لا يقرأ فيهما فهذا معروف من الشرع.
(ثم يرفع رأسه ويرفع يديه كرفعه الأول) يعني عند الركوع (قائلاً إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده وجوباً) هذا من واجبات الصلاة. أما المأموم فيقتصر على التحميد، فيقول: ربنا ولك الحمد. (ومعنى سمع استجاب) فإن السمع: سمعان: سمع لا استجابة فيه، وسمع فيه الاستجابة فهو هنا سمع مضمن معنى الاستجابة.
(فإذا استتم) الإمام والمنفرد (قائماً قال: ربنا ولك الحمد، ملء
ص -39-

السموات، والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)، (وإن شاء زاد: أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، (وله أن يقول غيره مما ورد)، (وإن شاء قال: اللهم ربنا لك الحمد. بلا واو لوروده في حديث أبي سعيد وغيره)، (فإن أدرك المأموم الإمام في هذا الركوع فهو مدرك للركعة)،

(1/33)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السموات، وملء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد). سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد واجب. والمأموم الواجب في حقه التحميد فقط، كما تقدم. التحميد كماله مِلْءَ السموات، إلى آخره. هذا مندوب لا واجب في حق الكل. فالإمام يقول ربنا ولك الحمد بعد الاعتدال والمأموم من ابتداء الرفع. (وإن شاء زاد: أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) لوروده أيضاً1. يعني إن شاء زاد ذلك كله، فإن هذا ورد أيضاً. هذه الزيادة إن كان المقام مقام تطويل. (وله أن يقول غيره مما ورد) وجاء إذا أطال "لربي الحمد، لربي الحمد" كصلاة الليل. (وإن شاء قال: اللهم ربنا لك الحمد. بلا واو لوروده في حديث أبي سعيد وغيره) له قول أحد الأربع: ربنا لك الحمد، ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، (فإن أدرك المأموم الإمام في هذا الركوع) بقدر التحريمة (فهو مدرك للركعة) والجماعة سواء حصلت له الطمأنينة، أو لا، ويبقى قليلاً ليطمئن ولو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في حديث البراء بن عازب.

ص -40-

(ثم يكبر)، (ويخر ساجداً)، (ولا يرفع يديه)، (فيضع ركبته، ثم يديه، ثم وجهه)، (ويمكن جبهته وأنفه وراحتيه من الأرض)، (ويكون على أطراف أصابع رجليه)، (موجهاً أطرافها إلى القبلة)، (والسجود على هذه الأعضاء السبعة ركن)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/34)


لم يسبح. أما إذا رفع رأسه قبل الاجتماع مع الإمام فيه فإن تلك الركعة فاتت المأموم ويقضيها. فإدراك الركعة لا يحصل إلا بالاجتماع في الركوع. أما لو كبر تكبيرة الإحرام ورفع الإمام رأسه قبل ركوع المأموم فاتته تلك الركعة.
(ثم يكبر) بعد رفعه من الركوع (ويخر ساجداً) يخر: يسقط، يهوي للسجود (ولا يرفع يديه) للانحطاط في هذا السجود؛ فإن المواطن أربعة. أما الانحطاط والرفع إلى جلوس أو قيام غير القيام من الركعتين فلا ترفع فيه اليدان (فيضع ركبته، ثم يديه، ثم وجهه) وإذا نهض بالعكس، وذلك مستنده ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. والسر في ذلك: أن هذا أسهل وأرفق وأليق للمصلي. ولو قيل: يضع وجهه أولاً لكن في ذلك من المشقة وتشويه الهيئة -هيئة مشوهة وشيء من المشقة- فلهذا الشريعة الحكيمة جاءت بما تقدم. (ويمكن جبهته وأنفه وراحتيه من الأرض) يعني يتمم السجود على المذكورات، لا يصير نواش؛ بل يمكن الكل من الأرض، (ويكون على أطراف أصابع رجليه) في حالة السجود. وتكون أطراف أصابعه مفرقة، مبسوطة، هذا هو السنة (موجهاً أطرافها إلى القبلة) قد سجد على سبعة أعضاء التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" (والسجود على هذه الأعضاء السبعة ركن) فإن الشبعة هي: الجبهة، واليدان، والركبتان، والرجلان.

ص -41-

(ويستحب مباشرة المصلى ببطون كفيه)، (وضم أصابعهما موجهة إلى القبلة غير مقبوضة)، (رافعاً مرفقيه)، (وتكره الصلاة في مكان شديد الحر أو شديد البرد)، (لأنه يذهب الخشوع)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/35)


(ويستحب مباشرة المصلى ببطون كفيه) كونه ما يجعل حائلاً، هذا هو السنة. فإن كان على سجادة فيباشرها، وإن كان على فراش فيباشره، أو على الأرض فيباشرها، ولا يجعل شيئاً كالروافض1 (وضم أصابعهما موجهة إلى القبلة غير مقبوضة) ولا مفرجة، فتكون أصابع اليدين مضمومة مبسوطة. هذا هو السنة. (رافعاً مرفقيه) عن فخذيه.
(وتكره الصلاة في مكان شديد الحر أو شديد البرد) ويكون كذلك كل مكان يذهب الخشوع كالمصلى الذي فيه رائجة مستكرهة، أو وعر، أو شوك، أو تراب ناعم كتراب السبخة، فإنه يتأذى به (لأنه يذهب الخشوع) والخشوع فيها هو لبها. والخشوع هو حضور القلب في الصلاة.
فإنه إذا صلى في مكان حار ونحوه أقلقه، وكتابة الصلاة له بحسب ما حضر قلبه. وجاء ف الحديث: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها". وقال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت. فهذا ما يكتب للإنسان، أكثر ما فيه أنه يسقط المطالبة في الدنيا ولا يكتب له أجر تلك الصلاة. فيجتنب تلك الأمور التي تذهب خشوعه من الغبار الدقيق والمكان الحار أو أمامه شيء يشوش عليه، ولما صلى النبي صلى الله عليه وسلم والقرام أمامه قال لعائشة رضي الله عنها: "أميطي عنا قرامك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يسجدون على الطينة لاعتقادهم فيها.

ص -42-

(ويسن للساجد أن يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه)، (ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه ورجليه)، (ثم يرفع رأسه)، (ويجلس)، (مفترشاً)، (يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها)، (وينصب اليمنى ويخرجها من تحته)، (ويجعل بطون أصابعها إلى الأرض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/36)


هذا" الحديث. ولما صلى في الخميصة وكانت ذات أعلام قال: "إنها ألهتني عن صلاتي" فيجتنب الإنسان الأشياء التي تشوش عليه: من المكان، واللباس، والأمام المشوش1.
(ويسن للساجد أن يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه) لما ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم (ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه ورجليه) يندب في سجوده أن يكون واضعاً يديه حذو منكبيه. يعني مضمومة الأصابع، ويفرق بين القدمين فلا يلصق قدماً بقدم، كما لا يلصق يديه واحدة بالأخرى. هذا صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (ثم يرفع رأسه) يرفع رأسه من سجدته (ويجلس) هذه الجلسة (مفترشاً) بأن (يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها) بحيث يكون ظهرها على الأرض (وينصب اليمنى ويخرجها من تحته)2 وأما اليمنى فتكون منصوبة، مفرقة الأصابع، أطراف الأصابع إلى القبلة. ويكون مع ذلك واضعاً كفيه على فخذيه اليسرى على اليسرى، واليمنى على اليمنى (ويجعل بطون أصابعها إلى الأرض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: ومما يشوش: الساعات المنصوبة أمام المصلين، وتحديد أذان وإقامة الصلاة بالساعات والدقائق أمامهم، والآيات المكتوبة في المحاريب، وكتابة (الله). (محمد) في أعلا المحراب مما قد يوهم التسوية. وهناك من أضاف ياء النداء للرسول صلى الله عليه وسلم فيه.
2 وقال في تقريره على شرح الروض المربع "يخرجها من تحته" إنما تحته المفروشة. اهـ.

ص -43-

(1/37)


لتكون أطراف أصابعها إلى القبلة)؛ لحديث أبي حميد في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم)، (باسطاً يديه على فخذيه)، (مضمومة الأصابع)، (ويقول: رب اغفر لي)، (يأتي به مراراً)، (ولا بأس بالزيادة)، (لقول ابن عباس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقنى، وعافني، رواه أبو داود)، (ثم يسجد الثانية كالأولى)، (وإن شاء دعا فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لتكون أطراف أصابعها إلى القبلة؛ لحديث أبي حميد في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) في هبيان هذه الكيفية في الجلوس المشروع في هذا الركن (باسطاً يديه على فخذيه) البسط ضد القبض (مضمومة الأصابع) مبسوطة السنة أن لا يفرق.
(ويقول: رب اغفر لي) يقول هذا الدعاء فهذا موضع من مواضع الدعاء. (يأتي به مراراً) الواجب مرة، والزائد على ذلك سنة.
(ولا بأس بالزيادة) على قول: رب اغفر لي. قول: رب اغفر لي. هذا دعاء هذا الركن، ذِكْرُ هذا الركن خاصاً هو هذا، وإذا زيد فلا بأس فإنه محل في الجملة؛ فإن في الصلاة مواطن للدعاء، ومنها بعد الرفع بين السجدتين ومنها.. ومنها.. وأوسعها ما قبل السلام. وتوخي الأدعية الشرعية أولى (لقول ابن عباس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقنى، وعافني، رواه أبو داود) في باب الدعاء بين السجدتين.
(ثم يسجد الثانية كالأولى) سواء بسواء في جميع ما تقدم لك (وإن شاء دعا فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء
ص -44-

(1/38)


فقمن")، (أن يستجاب لكم" رواه مسلم)، (وله عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره")، (ثم يرفع رأسه مكبراً قائماً)، (على صدور قدميه معتمداً)، (على ركبتيه)، (لحديث وائل)، (إلا أن يشق لكبر أو مرض أو ضعف)، (ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى إلا في تكبيرة الإحرام، والاستفتاح ولو لم يأت به في الأولى)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقمن") حري، (أن يستجاب لكم" رواه مسلم) عمومه يقتضي أن لا بأس أن يدعو في هذا السجود1 (وله عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره) يدعو بهذا الدعاء. يفيد ما تقدم أنه لا بأس بالدعاء في هذا الموطن.
(ثم يرفع رأسه مكبراً قائماً) يعني إلى الركعة الثانية (على صدور قدميه معتمداً) بيديه (على ركبتيه) وكون نهوضه منها على صدور القدمين وكونه متعمداً.. كل سنة فعلية (لحديث وائل) ابن حجر2.
(إلا أن يشق لكبر أو مرض أو ضعف) أن سهل ذلك عليه فهو سنة وإن شق فيزول الندب في حقه تركاً وبعداً عن المشقة.
(ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى إلا في تكبيرة الإحرام، والاستفتاح ولو لم يأت به في الأولى) أما الاستعاذة فالرواية الأخرى عن أحمد أنه يستعيذ لك قراءة، وهذا القول فيه قوة هذا الذي ذكر الشيخ هنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: بل مندوب "أكثروا...".
2 وفيه: "وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه" رواه أبو داود.

ص -45-

(1/39)


(ثم يجلس للتشهد مفترشاً، جاعلاً يديه على فخذيه، باسطاً أصابع يسراه، مضمومة، مستقبلاً بها القبلة، قابضاً يمناه الخنصر والبنصر، محلقاً إبهامه مع وسطاه)، (ثم يتشهد سراً)، (ويشير بسبابته اليمنى في تشهده)، (إشارة إلى التوحيد)، (ويشير بها أيضاً عند دعائه في صلاة وغيرها)، (لقول ابن الزبير: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ثم يجلس للتشهد مفترشاً، جاعلاً يديه على فخذيه، باسطاً أصابع يسراه، مضمومة، مستقبلاً بها القبلة، قابضاً يمناه الخنصر والبنصر، محلقاً إبهامه مع وسطاه) وكونه مفترشاً، وواضعاً يديه على فخذيه، مبسوطتين، ويستقل بالرؤوس القبلة، من سنن الأفعال، وكونه محلقاً بهما إلى آخره، وكونهما مبسوطتان على الفخذين، والقبض المذكور:
(ثم يتشهد سراً) ثم يأتي بالتشهد يأتي بالتحيات "سراً" المشروع الإسرار بها بكل حال، لا فرق بين صلاة الليل والنهار كغالب أركان الصلاة. والتشهدات جاءت عدة: منها هذا المتفق عليه، وجاء ما في حديث عمر وابن عباس وغير ذلك. (ويشير بسبابته اليمنى في تشهده) سميت سبابة لأنه تشير بها عند السب. وسميت مسبحة وسباحة، لأنه يشير بها للتوحيد (إشارة إلى التوحيد) الإشارة بالسبابة محلها عند ذكر الجلالة إشارة لوحدانية الله، وأنه واحد أحد. وهذا في الصلاة (ويشير بها أيضاً عند دعائه في صلاة وغيرها) عند ذكر الله أي ذكر الجلالة تنبيهاً على التوحيد، وليتطابق البنان والجنان على التوحيد، يتطابق الظاهر والباطن؛ فإنه إذا كان في الباطن التوحيد ووجد في البدن الدلالة عليه كان ذلك أتم. (لقول ابن الزبير: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه إذا دعا
ص -46-

(1/40)


ولا يحركها" رواه أبو داود) (فيقول: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا يحركها" رواه أبو داود) المعنى أنه يحركها مرة واحدة، ولا يزيد على حركة الإشارة. إلا أنه عارضه حديث وائل: "أنه يحركها" وإذا ثبت حديث ابن الزبير فالجمع أنه يحركها التحريك الذي ليس بكثير فتكون المرة والمرتان وما يشبههما يأتي بهما أو من السنة، وأما الشيء الكثير فهو المراد بحديث ابن الزبير، لأن ذلك يكون من العبث. (فيقول: التحيات لله1 والصلوات1 والطيبات1 السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) جمع بركة. أي اسم الله عليك أيها النبي، والمعنى على هذا طلبت بركة اسم الله عليك. أو دعاء بمعنى السلامة، سؤال من الله له السلامة. لا منافاة فيه بين الدعاء وبين الإخبار. و"النبي" هو من استقامت أحواله الظاهرة والباطنة، وقال: إنه نبي، وقامت المؤيدات بصدقه في إخباره وهي المعجزات. عبارة أخرى: هو الإنسان الذكر، المعتدل في أحواله وأقواله، فيخبر أن الله أوحى إليه، فتقوم الدلائل على صدقه. ونعرف أن الله ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) أي على جميع الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة، كما جاء في حديث: "فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض". "والصالحين" جمع صالح، وهو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق عباده. وقيل: المكثر من العلم الصالح. وهو قريب من الأول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يأتي شرح هذه الكلمات في كلام المؤلف قريباً.

ص -47-

(1/41)


(أشهد أن لا إله إلا الله)، (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)، (وأي تشهد)، (تشهده مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم جاز)، (والأولى تخفيفه)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتدخل النساء في العموم. (أشهد أن لا إله إلا الله) صيغة خبرية مشتملة على أشياء من اعتقاد وغير ذلك مما هو مراد في كلمة الشهادة، وفي شهادة أن لا إله إلا الله: أنه هو المعبود وحده بحق، أما من عبد سواه فإنما عبدوا بمحض الجهل والضلال، قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [53/23] الآية (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) يعني عابد مملوك لله. والعبودية عامة، وخاصة.. فهي عامة لكل من في السموات والأرض. ومن الخاصة قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} [25/63] {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [15/42] وكذلك العبودية في حق النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء، فهذه عبودية خاصة، وأكما الناس فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. هذا التشهد الأول الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود، وهو في الصحيحين، هذه ميزة.

(1/42)


(وأي تشهد) من التشهدات (تشهده مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم جاز) يريد بهذا الكلام الذي تقدم لك أنه إذا أتى بأي تشهد منها كفى وسد وصار سنة؛ لكن إنما جاء التفاوت أن بعضاً أولى من بعض من جهة الإسناد وألفاظ الحديث، ولا سيما وهو يقول في هذا التشهد: "كما يعلمنا السورة من القرآن" فهذا جاء فيه من الحفظ ما لم يجئ في غيره وهذه ميزة ثانية. وجاء تشهد من رواية أنس بروايات وكيفيات عديدة كثير منها ثاتب كالذي في حديث ابن عباس: التحيات، المباركات، الطيبات لله. وغيره من تشهدات إذا أتى الإنسان بواحد مما ثبت منها عن النبي صلى الله عليه وسلم كفى للتشهد المصحح لصلاته. (والأولى تخفيفه) يعني
ص -48-

(وعدم الزيادة عليه)، (ثم إن كانت الصلاة ركعتين فقط صلى على النبي صلى الله عليه وسلم)، (فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، (ويجوز أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مما ورد)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما يطول من غير سرعة مخلة. وجاء في الحديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف"، والرضف الحجارة المحماة على النار. (وعدم الزيادة عليه) والأولى عدم الزيادة عليه، ولو زاد لكان جائزاً، لكن الأولى أن لا يزاد عليه.

(1/43)


(ثم إن كانت الصلاة ركعتين فقط صلى على النبي صلى الله عليه وسلم) الصلاة تكون تارة ركعتين كالفجر والجمعة والعيد والاستسقاء والنوافل في الغالب والأكثر. فإذا كانت ركعتين. فبعد الفراغ من التشهد الأول يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم (فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وهذا بالإجماع، السنة ثابتة مستفيضة بذلك، منها أمره صلى الله عليه وسلم في حديث كعب لماسئل: إن الله قد أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: "قولوا اللهم صلِّ على محمد..." فسر الصلاة المأمور بها بقوله: "قولوا إلى قوله مجيد" (ويجوز أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مما ورد)1 وصلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. ومعنى صلاة المسلمين على النبي بقولهم: اللهم صلِّ على محمد: اللهم أثنِ على عبدك عند ملائكتك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: ومنه ما رواه أبو داود والموطأ عن عبد الله بن عمر. (أبو داود رقم 971 الموطأ 1/91).

ص -49-

(وآل محمد أهل بيته)، (وقوله: "التحيات" أي جميع التحيات لله تعالى استحقاقاً وملكاً)، (والصلوات الدعوات)، ("والطيبات" الأعمال الصالحة فهو سبحانه يحيا ولا يسلم عليه، لأن السلام دعاء)، (وتجوز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم منفرداً)، (إذا لم يكثر)، (ولم تتخذ شعاراً لبعض الناس أو يقصد بها بعض الصحابة دون بعض)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وآل محمد أهل بيته) وهم من تحرم عليهم الزكاة، وأزواجه داخلات في أهل بيته.

(1/44)


(وقوله: "التحيات" أي جميع التحيات لله تعالى استحقاقاً وملكاً) يعني أن الرب جل وعلا هو المستحق لجميع التعظيمات، لأنه الكبير الذي لا أكبر منه والجليل الذي لا أجل منه. (والصلوات الدعوات) جميع الدعوات والصلوات المشروعة فلا يعبد معه سواه. فالعبادة له وحده، وهذا معنى كلمة الإخلاص، ("والطيبات" الأعمال الصالحة فهو سبحانه يحيا ولا يسلم عليه، لأن السلام دعاء) التحية تعظيم، والسلام دعاء فهو يعظم ولا يدعى له، والذي يدعى له المخلوق المحتاج.
(وتجوز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم منفرداً) كفلان ابن فلان، (إذا لم يكثر) لكن بشرط أن لا يكثر، بل بعض الأحيان (ولم تتخذ شعاراً لبعض الناس أو يقصد بها بعض الصحابة دون بعض) وبشرط أن لا يخص به أحد كتخصيص بعض الصحابة كما يفلعه الروافض. ولا يقال: كرم الله وجهه. لعلي فقط مخالفة للروافض، وهم قصدهم أنه ما
ص -50-

(وتسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصلاة)، (وتتأكد تأكداً كثيراً عند ذكره)، (وفي يوم الجمعة وليلتها)، (ويسن أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال)، (وإن دعا بغير ذلك مما ورد فحسن. لقوله صلى الله عليه وسلم: ثم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سجد لصنم أصلاً، بل ولد في الإسلام1. ومثل قول بعض الناس: عليه السلام. دون غيره من الثلاثة.

(1/45)


(وتسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصلاة) أما في الصلاة فهي ركن، وفي غيرها سنة (وتتأكد تأكداً كثيراً عند ذكره) وجوب الصلاة عليه متى ذكر للحديث: "تأمينه على المنبر". بعض العلماء يقول: إنه واجب، والجمهور أنه مندوب. وفي الحديث: "من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرا". وشرعيتها في الخطب ومكانتها منها معروفة. أما في لليلة الجمعة فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة".
(ويسن أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) هذا مسنون بعد الصلاة والتسليم على الرسول والتبريك على محمد وآله. وهذا ثبت من قوله وفعله، فهو دعاء مشروع، ومتأكد الشرعية. (وإن دعا بغير ذلك مما ورد فحسن. لقوله صلى الله عليه وسلم: ثم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهذا بمجرده لا يقتضي التفضيل المطلق، فبعض من لم يولد في الإسلام أفضل لفضائل أكثر وميز خاصة.

ص -51-

ليتخير من الدعاء أعجبه إليه)، (ما لم يشق على المأموم)، (ويجوز الدعاء لشخص معين)، (لفعله صلى الله عليه وسلم في دعائه للمستضعفين بمكة)، (ثم يسلم وهو جالس مبتدأً عن يمينه)، (قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله. وعن يساره كذلك)، (والالتفات سنة)، (ويكون عن يساره أكثر بحيث يرى خده)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) لحديث ابن مسعود هذا. والمشروعة أولى من غيرها؛ لكون المشروع كلام مشتمل على جوامع الكلم، وأيضاً هو سنة فيكون عاملاً بها (ما لم يشق على المأموم) فإذا كان إمامً فلا ينبغي إطالة الدعاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أيكم أمّ الناس فليخفف" الحديث.

(1/46)


(ويجوز الدعاء لشخص معين) أن يدعو في الصلاة لشخص معين فلان ابن فلان، ولا يخل بالصلاة، كما دعا صلى الله عليه وسلم لأناس بأسمائهم وأسماء آبائهم فقال: "اللهم أنج الوليد بن الوليد" الحديث. وقال: "اللهم العن فلاناً وفلاناً..." ولكنها دالة على ذلك عند وجوب سبب (لفعله صلى الله عليه وسلم في دعائه للمستضعفين بمكة) لأجل الضعفاء، قال في دعائه: "اللهم نج المستضعفين من المؤمنين".
(ثم يسلم وهو جالس مبتدأً عن يمينه) وهذه هي السنة الابتداء عن يمينه (قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله. وعن يساره كذلك) فلو سلم تلقاء وجهه ولم يلتفت عنه ولا مرة جاز، والالتفات سنة من سنن الأفعال، ليس من واجبات الصلاة. سنة فعلية (ويكون عن يساره أكثر بحيث يرى خده) للحديث الوارد فيه: "أنه إذا التفت عن شماله التفت حتى يرى بياض خذِّه صلى الله عليه وسلم"
ص -52-

(ويجهر إمام بالتسليمة الأولى فقط)، (ويسرهما غيره)، (ويسن حذفه وهو عدم تطويله أي لا يمد به صوته)، (وينوي به الخروج من الصلاة)، (وينوي أيضاً السلام على الحفظة)، (و)، (الحاضرين)، (وإن كانت الصلاة أكثر من ركعتين)، (نهض مكبراً على صدور قدميه إذا فرغ من التشهد الأول)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ويجهر إمام بالتسليمة الأولى فقط) الجهر بالأولى لا بد منه يسلم سلاماً يقتدى به.. وجاء في الحديث الآخر الجهر بهما جميعاً1 فيكون المراد الجهر بالأولى ليسمعهم2 (ويسرهما غيره) وهو الإمام والمنفرد (ويسن حذفه وهو عدم تطويله أي لا يمد به صوته) بل يسرع. هذا من سنن السلام، كما أن من سننه الوقوف عند آخره.
(وينوي به الخروج من الصلاة) يندب أن ينوي الخروج من الصلاة، (وينوي أيضاً السلام على الحفظة) من الملائكة (و) على (الحاضرين) الآدميين هؤلاء جميعاً.

(1/47)


(وإن كانت الصلاة أكثر من ركعتين) بأن كانت ثلاثية كالمغرب أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء (نهض مكبراً على صدور قدميه إذا فرغ من التشهد الأول)ويكون اعتماده على ركبتيه3 أما إن شق لضعف أو كبر أو لكونه نضو الخلقة أو نحو ذلك فإنه يسقط عنه الاعتماد على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهو في صحيح مسلم من حديث أبي معمر الأزدي وفي رواية لمسلم عن جابر بن سمرة: "... ثم يسلم على أخيه من عن يمينه وعن شماله".
2 وفي الإنصاف جـ 2/ص 83: وظاهر كلام جماعة يجهر فيهما، ويكون الجهر في الأولى أكثر.
3 كما تقدم.

ص -53-

(ويأتي بما بقى من صلاته)، (كما سبق)، (إلا أنه لا يجهر، ولا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة)، (فإن فعل لم يكره)، (ثم يجلس)، (في التشهد الثاني متوركاً يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ويخرجهما عن يمينه ويجعل إليتيه على الأرض)، (فيأتي بالتشهد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ركبته وصدور قدميه، فيسن ما يسن في حقه حيث كانت السهولة وإلا سقط ذلك؛ بل بعض الأحيان يسقط بعض الواجبات فكيف بالمندوبات. (ويأتي بما بقى من صلاته) يعني بالثالثة أو الثالثة والرابعة (كما سبق) في الركعات قبلها (إلا أنه لا يجهر، ولا يقرأ شيئاً بعد الفاتحة) ولا يزيد على الفاتحة (فإن فعل لم يكره) فإن زاد لم يكره، لحديث أبي سعيد الذي في صحيح مسلم، ولكن الأولى أن لا يزيد والزيادة إنما هي جائزة فقط، والأولى أولى، لحديث أبي قتادة: "وفي الأخريين بفاتحة الكتاب".

(1/48)


(ثم يجلس) بعد فراغه من الثالثة والرابعة (في التشهد الثاني متوركاً يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ويخرجهما عن يمينه ويجعل إليتيه على الأرض) وتكون صفة رجليه غير صفة رجليه في الأول، فهو هنا متورك يعني يفضي بوركه إلى الأرض إحدى رجليه منصوبة وأصابعها إلى القبلة والأخرى مفروشة وكلتاهما خارجتان. والعلماء اختلفوا في موضع الرجلين في الثانية في التورك ومحله: منهم من رأى أنه في كل تشهد يعقبه السلام. والمشهور والمعروف والذي تدل عليه الأحاديث أنه مختص بالأخيرة من ذات التشهدين، تفريقاً بين الجلوسين. ومن السر أن يعلم أنه الأول فلا يسهو. (فيأتي بالتشهد
ص -54-

الأول)، (ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)، (ثم)، (بالدعاء)، (ثم يسلم)، (وينحرف الإمام إلى المأمومين)، (على يمينه أو على شماله)، (ولا يطيل الإمام الجلوس بعد السلام مستقبل القبلة)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأول) يعني التحيات كما سبق
(ثم) يأتي (بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. (ثم) يأتي (بالدعاء) اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وغير ذلك كما شبق؛ لكن بالمشروع أفضل. (ثم يسلم) كما سبق.

(1/49)


(وينحرف الإمام إلى المأمومين) لأن الإمام يبقى مستقبل القبلة بقدر الاستغفار واللهم أنت السلام إلى آخره. ثم ينصرف بعد ذلك (على يمينه أو على شماله) ويكون إما لجهة يمينه أو شماله، وكل قد ورد، وفي الحديث: "لا يجعل أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته يرى أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ينصرف عن يساره" فيجوز هذا، وهذا. وإذا كانت الجهة التي ينصرف إليها حسن، ولا يهجر الأخرى حتى كأنها متعينة الأولى. (ولا يطيل الإمام الجلوس بعد السلام مستقبل القبلة) فإن في حديث عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" أخرجه
ص -55-

(ولا ينصرف المأموم قبله)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالانصراف")، (فإن صلى معهم نساء انصرف النساء)، (وثبت الرجال قليلاً لئلا يدركوا من انصرف منهن).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/50)


مسلم وذلك أن إعطاءهم ظهره وتوليه إياهم ظهره ما هو بحق، لكن سوغه الأمر المشروع، وهو إمامتهم ليكمل الاقتداء به، بخلاف إذا كان فيما بينهم، فإذا انقضت فالحكم يدور مع علته. فيقول: اللهم أنت السلام الخ، بعد الاستغفار ثم ينصرف إليهم. وقد تحوج الحال إلى أكثر من ذلك مثل ما إذا كان هناك نساء، كما دل عليه حديث أم سلمة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم يمكث في مكانه يسيراً فنرى -والله أعلم- لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال (ولا ينصرف المأموم قبله) بل المأموم يبقى على حالته حتى ينصرف الإمام (لقوله صلى الله عليه وسلم: "إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالانصراف") لهذا الحديث أخرجه مسلم. (فإن صلى معهم نساء انصرف النساء) يعني يقمن من أمكنتهن ويخرجن من المسجد (وثبت الرجال قليلاً لئلا يدركوا من انصرف منهن) لئلا يحصل الاختلاط والاتفاق معهن في الطريق؛ لأن النساء عورة؛ فإن الاختلاط يسبب الافتتان. كما تقدمت الإشارة في حديث أم سلمة.

ص -56-

(ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار عقب الصلاة فيقول)، (استغفر الله ـ ثلاثاً)، (ثم يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. ثم يسبح ويحمد ويكبر)، (كل واحدة ثلاثاً وثلاثين، ويقول تمام المائة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذكر بعد الصلاة

(1/51)


(ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار عقب الصلاة فيقول) ما يأتي ذكره (استغفر الله ـ ثلاثاً) وهذا أول ما يبدأ به (ثم يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) لحديث أبي هريرة وثوبان وعائشة. ويقول بعد ذلك، (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) ويقول، (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. ثم يسبح ويحمد ويكبر) التسبيح والتحميد والتكبيرات المعروفة (كل واحدة ثلاثاً وثلاثين، ويقول تمام المائة:

ص -57-

لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، (ويقول بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب قبل أن يكلم أحداً من الناس "اللهم أجرني من النار" سبع مرات)، (والإسرار بالدعاء أفضل)، (وكذا بالدعاء المأثور)، ويكون بتأدب وخشوع وحضور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/52)


لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وهذا يقال في دبر كل صلاة من الصلوات الخمس (ويقول بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب قبل أن يكلم أحداً من الناس "اللهم أجرني من النار" سبع مرات) لوروده في قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا انصرفت من صلاة المغرب فقل اللهم أجرني من النار سبع مرات قبل أن تكلم أحداً فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك كتب لك جوار منها. وإذا صليت الصبح فقل ذلك فإنك إن مت يومك كتب لك جوار منها" أخرجه أبو داود والنسائي- هذا جنس المشروع من الذكر بعد الصلاة. ويقرأ آية الكرسي، والمعوذتين، جاء في فضل قراءتها: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى" للكبير والأوسط. وفي رواية {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وعن عقبة بن عامر قال: "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة" أخرجه أبو داود والنسائي. (والإسرار بالدعاء أفضل) من الجهر، لقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} [7/ 55] (وكذا بالدعاء المأثور) أفضل من الذي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لكونه يشتمل على ما لا يشتمل عليه غيره؛ فهو أجمع، ولكونه أنفع مما يشتمل عليه غيره، وفيه كمال التأسي، فيكون قد دعا بالدعاء النبوي (ويكون بتأدب وخشوع وحضور
ص -58-

قلب ورغبة ورهبة، لحديث: "لا يستجاب الدعاء من قلب غافل")، (ويتوسل بالأسماء والصفات)، (والتوحيد)، (ويتحرى أوقات الإجابة)، (وهي ثلث الليل الآخر)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلب ورغبة ورهبة، لحديث: "لا يستجاب الدعاء من قلب غافل") هذا من آداب الدعاء ووظائفه.

(1/53)


(ويتوسل بالأسماء والصفات)يتوسل إلى الله بأشياء –يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته كما قال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [7/180]. ومنها: "اللهم ظلمت نفسي ظلماً كثيراً" الحديث، وكما قالت عائشة: "أرأيت إن وافقت ليلة القدر" الحديث ويأتي. هكذا الأدعية التي يدعو بها ويعلمها غيره كانت مشتملة على التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته (والتوحيد) ويستول بالتوحيد كما في الدعاء: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت" الحديث، وجاء في الحديث "أنه الاسم الأعظم". ويتوسل إليه بالأعمال الصالحة عموماً كما في قصة أصحاب الصخرة. ويتوسل إليه بدعاء الحي الحاضر، كما توسل الصحابة بالنبي في حياته، كما في حديث: "استسق لنا ربك" وتوسل عمر بالعباس. فهذا جنس الوسائل: بأسمائه وصفاته، وبالأعمال التي أفضلها التوحيد، وبدعاء الحاضر يقول: يا فلان ادع الله لي1.
(ويتحرى أوقات الإجابة) ينبغي أن يتوخى أوقات ينظرها فيدعو فيها (وهي ثلث الليل الآخر) وهو وقت النزول الإلهي يقول الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أما التوسل بذوات الأموات أو بذوات الأحياء في حضورهم أو غيبتهم –لا بدعائهم- فهو من باب الأقسام على الله بهم أو السؤال بهم أو بحقهم أو جاههم وهذا بدعة، أو شرك (مجموع الفتاوى جـ 1/205، 213- 225).

ص -59-

(وبين الأذان والإقامة)، (و)، (أدبار الصلاة المكتوبة)، (وآخر ساعة يوم الجمعة)، (وينتظر الإجابة)، (ولا يعجل)، (فيقول: قد دعوت ودعوت فلم يستحب لي)، (ولا يكره أن يخص نفسه إلا في دعاء يؤمن عليه)، (ويكره رفع الصوت)، (ويكره في الصلاة التفات يسير)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/54)


تعالى: "من يدعوني فأستجيب له" الحديث، وفي حديث: "أي الدعاء أجوب؟ قال جوف الليل" (وبين الأذان والإقامة) كذلك (و) كذلك (أدبار الصلاة المكتوبة) أدبار لصلوات المفروضة (وآخر ساعة يوم الجمعة) فإن فيه ساعة الإجابة، كما في حديث: "لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه" متفق عليه. (وينتظر الإجابة) يسن انتظار الداعي الإجابة، فسؤاله عبادة، وانتظاره عبادة أخرى (ولا يعجل) لا ينبغي للداعي أن يستبطأ الجواب أيضاً. (فيقول: قد دعوت ودعوت فلم يستحب لي) هذا من آداب الدعاء أيضاً. (ولا يكره أن يخص نفسه إلا في دعاء يؤمن عليه) غيره. الإمام يدعو ويؤمن المأمومون فيجمع الضمير. أما في غيره فيجوز الجمع ويجوز أن يخص نفسه. (ويكره رفع الصوت) بالدعاء1 ففي الحديث: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً" الحديث.
ما يكره في الصلاة
(ويكره في الصلاة التفات يسير) وفي الحديث: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"، وفي الآخر: "إياك والالتفات في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 والصراخ أعظم.

ص -60-

(ورفع بصره إلى السماء)، (وصلاته إلى صورة منصوبة)، (أو إلى آدمي)، (واستقبال نار، ولو سراجاً)، (وافتراش ذراعيه في السجود)، (ولا يدخل فيها وهو حاقن أو حاقب)، (أو بحضرة طعام يشتهيه)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/55)


الصلاة فإنه هلكة". ومكروه (ورفع بصره إلى السماء) لقوله: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن أو لتخطفن أبصارهم" رواه البخاري (وصلاته إلى صورة منصوبة) تركه صلاته إلى صورة منصوبة، وذلك أنه يشبه عباد الأصنام في استقبال ما يعبدونه (أو إلى آدمي) أن يكون يصلي وأمامه وجه آدمي، لأن في ذلك مشابهة لعبادة الأصنام، واستقباله شيئاً فيه ألوان، وإشغال قلبه؛ لأن المطلوب في الصلاة الخشوع (واستقبال نار، ولو سراجاً) لأن في تشبهاً بالمجوس، ويدخل في ذلك السراج1 (وافتراش ذراعيه في السجود) المنهي عنه في الحديث المعروف. وليس المراد بالكراهة هنا التحريم. (ولا يدخل فيها وهو حاقن أو حاقب) وذلك أنه يفوت عليه لب الصلاة (أو بحضرة طعام يشتهيه) وكذلك إذا قدم إليه الطعام فيبدأ بالطعام ولو فاتته صلاة الجماعة، فلو صلى بتلك الحال لكانت جسماً بلا روح، والمعول على الروح، وفي الحديث:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: وذكر في فتاويه (جـ 2/ 226) أن مثل النار اللنبة الآن. وقلت هناك: وقد وضعت اللنبات في مسجده أمام السواري خلف المصلين وذلك بأمره. وكانت اللنبة التي تشعل للقارئ قبل الإقامة تطفأ إذا أقيمت الصلاة. اهـ.
أقول: وينبغي أن لا تشعل اللنبة التي تبين سلامة الميكرفونات من العطل في وقت الصلاة لأنها محاذية لوجه الجالس في الصلاة وأمامه. وما فيها هو نار: يكوى بها، ويطبخ عليها، ويقطع ويوصل بها الحديد، وغير ذلك مما هو مشاهد محسوس.

ص -61-

(بل يؤخرها ولو فاتته الجماعة)، (ويكره مس الحصى)، (وتشبيك أصابعه)، (واعتماده على يديه في جلوسه)، (ولمس لحيته)، (وكف ثوبه)، (وإن تثاءب كظم ما استطاع)، (فإن غلبه وضع يده في فمه)، (ويكره تسوية التراب)، (بلا عذر)، (ويرد المار بين يديه)،

(1/56)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"لا صلاة بحضرة الطعام"، وفي الحديث الآخر: "إذا حضر العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب" متفق عليه (بل يؤخرها ولو فاتته الجماعة) للحديث المتقدم.
(ويكره مس الحصى) ففي الحديث: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه" (وتشبيك أصابعه) في نفس الصلاة، وفي انتظاره ومشيه إليها، للحديث المتقدم (واعتماده على يديه في جلوسه) يعني يعتمد عليها على الأرض، كما يكره اعتماده بها على خاصرته (ولمس لحيته) لأن هذا من العَبث –يده هذه في شعره- فهذا من العبث المنافي للخشوع، وكل ما كثر العبث صار دليلاً يفيد أن قلبه قد انشغل (وكف ثوبه) ليدَعْ ثيابه تسجد معه. (وإن تثاءب كظم ما استطاع) بقدر ما يقدر (فإن غلبه وضع يده في فمه) يصنع ما ذكر. (ويكره تسوية التراب) يعني الذي يقابل المصلي على الأرض، كونه يواسي الحصباء يجعله متواسي مكروه، وجاء النهي عنه، وتعليله "بأن الرحمة تواجهه" كما تقدم، وهو أيضاً من العبث؛ ففيه الأمران. وجاء في حديث: "واحدة، أودع" (بلا عذر) وهذا كله ما لم يوجد بصفة تفوت الخشوع، فإن وجد مسحه مرة واحدة.
(ويرد المار بين يديه) هذا المشروع أن لا يدع المار. ومرور أحدٍ
ص -62-

(ولو بدفعه)، (آدمياً كان)، (أو المار غيره)، (فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً)، (فإن أبى فله قتاله ولو مشى يسيراً)، (ويحرم المرور بين المصلي وبين سترته)، (وبين يديه إن لم يكن له سترة)، (وله قتل حية وعقرب)، (وقملة)، (وتعديل ثوب)، (وعمامة)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/57)


مما يضعف صلاته فأمر أن لا يدع أحداً يمر بين يديه إذا لم يكن سترة. أما إن كان بعيداً أو له سترة فلا. (ولو بدفعه) بالقوة، وهذا هو مقاتلته التي في الحديث ومغالبته، فإن لم يندفع إلا بدزه فبدزه، فإن انكسر فيه شيء فلا ضمان؛ لأنه متعد المرور، والمصلي أراد السلامة من عدوانه (آدميا كان) المار (أو المار غيره) وملا أردت بهيمة أن تمر بين يديه صلى الله عليه وسلم ألصق بطنه بالجدار ومرت من ورائه (فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً) لا فرق (فإن أبى فله قتاله. ولو مشى يسيراً) لم تبطل بذلك. (ويحرم المرور بين المصلِّي وبين سترته) بل قال ابن القيم: لو عدت من الكبائر. ذكره في أخر الإعلام. وفي الحديث: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من يمر بين يديه" هذا يفيد غلظ التحريم (وبين يديه إن لم يكن له سترة) ويحرم أيضاً إذا لم يكن له سترة من قريب فكذلك.
(وله قتل حية وعقرب) في الصلاة، لحديث: "اقتلوا الأسودين في الصلاة الحيّة والعقرب"، (وقملة) وقمل يسوغ له ذلك (وتعديل ثوب) عندما يتغير ثوبه إذا كان عليه رداء فانحل، أو الإزار بدأ ينفك (وعمامة)والعمامة كذلك إذا انتقضت عليه له ردها، كل هذه من الأشياء التي أبيحت له. وظاهر هذا أنه لو استدعى فعلاً كثيراً كما هو
ص -63-

(وحمل شيء ووضعه)، (وله إشارة بيد ووجه وعين لحاجة)، (ويكره السلام على المصلي)، (وله رده بالإشارة)، (ويفتح على إمامه إذا ارتج عليه، أو غلط)، (وإن نابه شيء في صلاته سبح رجل وصفقت امرأة)، (وإن بدره بصاق أو مخاط وهو في المسجد بصق في ثوبه)، (وفي غير المسجد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/58)


ظاهر الحديث. (وحمل شيء ووضعه) لحلمه صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب ووضعها في صلاة الفريضة وهو يؤم (وله إشارة بيد ووجه وعين لحاجة) والإشارة تكون باليد، وتكون بالرأس. (ويكره السلام على المصلي) وفي حديث: "لا غرار في الصلاة ولا تسليم" قال أحمد: يعني فيما أرى أن لا تسلم، ولا يسلم عليك، (وله رده بالإشارة) كما فعل صلى الله عليه وسلم حين جاءته الأنصار فسلموا عليه في الصلاة بسط كفه وجعل بطنه إلى أسفل وظهره إلى فوق.
(ويفتح على إمامه إذا ارتج عليه، أو غلط) أرتج عليه أغلق عليه القرآن فلم يدر ما يقرأ بعدها. والغلط أن يبدل أو يسقط أو يزيد أو ينقص. ومن الدليل "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي: "أصليت معنا؟ قال: نعم. قال: فما منعك" فهو جائز، بل مشروع. وإذا كان في الفاتحة وجب وتعين لتستقيم الفاتحة للإمام والمأمومين (وإن نابه شيء في صلاته سبح رجل وصفقت امرأة) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا نابكم شيء في صلاتكم فلتسبح الرجال ولتصفق النساء" فإذا سها الإمام أو استؤذن عليه فالسنة ما ذكر.
(وإن بدره بصاق أو مخاط وهو في المسجد بصق في ثوبه) ولا يدعه يقع في الأرض صيانة للمسجد عما يستقذر (وفي غير المسجد
ص -64-

عن يساره)، (ويكره أن يبصق قدامه أو عن يمينه)، (وتكره صلاة غير مأموم إلى غير سترة)، (ولو لم يخش مارّاً)، (من جدار، أو شيء شاخص كحربة، أو غير ذلك، مثل آخرة الرحل)، (ويسن أن يدنو منها لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ويدن منها")، (وينحرف عنها يسيراً، لفعله صلى الله عليه وسلم)، (وإن تعذر خط خطّاً)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/59)


عن يساره) أو تحت قدمه لخبر أبي هريرة (ويكره أن يبصق قدامه أو عن يمينه) في الصلاة كراهية شديدة، وفي الحديث: "فإن الله قبل وجهه"، "وعن يمينه ملك كريم".
(وتكره صلاة غير مأموم إلى غير سترة) الإمام والمنفرد لا بد أن يصليا إلى سترة. أما المأموم فتكفي عنه سترة إمامه. (ولو لم يخش مارّاً) وسواء كان خشي ماراً، أولا. فإنه مشروع مطلقاً. والسترة (من جدار، أو شيء شاخص كحربة، أو غير ذلك، مثل آخرة الرحل) سواء كان في الحضر أو السفر. والرحل هو المسمى الآن "الشداد" وهي بمقدار ثلثي ذارع تقريباً (ويسن أن يدنو منها لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ويدن منها") فهذا الحديث دل على مسألتين: صلاة إلى سترة، وأن ذلك مندوب؛ اتقاءَ ما يمر، وكونه ما يؤثر جنس شيء مر. وإذا دنا منها صار أحصل للمقصود، (وينحرف عنها يسيراً لفعله صلى الله عليه وسلم) لا يصمد إليها صمداً فيجعلها بين عينيه، بل يجعلها عن يمينه شيء، أو عن يساره شيء، جاء "أنه صلى الله عليه وسلم لا يصمد إلى العمود" فهو مستقبله لكن لاتمام الاستقبال (وإن تعذر خط خطّاً) أمامه ويكفي، لما في
ص -65-

(وإذا مر من ورائها شيء لم يكره)، (فإن لم يكن سترة)، (ومر بينه وبينها امرأة أو كلب أو حمار بطلت صلاته)، (وله قراءة في المصحف)، (والسؤال عند آية رحمة، والتعوذ عند آية العذاب)،
(والقيام ركن في الفرض)، (لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [2/238])، (إلا العاجز، أو عريان)، (أو خائف)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/60)


الحديث: "فإن لم يجد فليخط خطاً" (وإذا مر من ورائها شيء لم يكره) هذا هو فائدة نصبها، ولم يؤثر بطلاناً إن كان مثله يبطل، بخلاف إن كان مما يؤثر فإنه م دونها كالكلب فإنه يبطل، فيؤثر المار إما نقصاً أو بطلاناً (فإن لم يكن سترة) إن كان ما هنا سترة أو كان سترة (ومر بينه وبينها امرأة أو كلب أو حمار بطلت صلاته) تبطل بمرور أحد هذه الثلاث للحديث الذي رواه مسلم: "يبطل صلاة المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل المرأة، والحمار، والكلب الأسود".
(وله قراءة في المصحف) له ذلك (والسؤال عند آية رحمة، والتعوذ عند آية العذاب) لما في حديث حذيفة قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة –إلى أن قال- إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ".
أركان الصلاة
(والقيام ركن في الفرض) القيام في الصلاة لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [2/238]) وقوله لعمران: "صل قائماً" الحديث إلا من استثنى (إلا العاجز) لا يقدر أن يقوم إلا بمشقة لا تحتمل، مثل المقيد ما يقوى يقوم أو المربوط (أو عريان) يخشى أن ينكشف عورته إذا قام (أو خائف) يخاف يراه سبع أو عدو
ص -66-

(أو مأموم خلف إمام الحي العاجز عنه)، (وإن أدرك الإمام في الركوع فبقدر التحريمة)، (وتكبيرة الإحرام ركن)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/61)


(أو مأموم خلف إمام الحي العاجز عنه) عن القيام فيجوز. هذا إذا صلى إمام الحي جالساً فيصلون خلفه جلوساً ندباً، ولو صلوا قياماً صحت؛ لأنه لما صلى جالساً أو أومأ إليهم أن اجلسوا. فعن جابر بن عبد الله قال: "ركب النبي صلى الله عليه وسلم فرساً بالمدينة فصرعه على جذم نخلة فانفكت قدمه –إلى أن قال- فصلى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا. قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً، وإذا صلى الإمام قائماً فصلوا قياماً، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائهم".
وأما حديث صلاة المأمومين خلفه قياماً فقيل: إنه منسوخ. وقيل: بالجمع. فممن جمع أحمد بأنهما مسألتان: صلاتهم جلوساً إذا ابتدأها جالساً، وصلاتهم قياماً فيما إذا ابتدأ الصلاة قياماً ثم اعتل فجلس. والجمع إذا أمكن أولى من النسخ.
(وإن أدرك الإمام في الركوع فبقدر التحريمة) إن لحق المسبوق الإمام في الركوع فإنه يدخل في الركعة، ويكون قد أدرك الركعة. ولا يكفيه تكبيرة الإحرام، لا يدرك الركوع إلا بالاجتماع في الركوع، إن كان ذلك، وإلا فلا. فإن اجتمعا في جزئ من الركوع ولو لم يحصل الطمأنينة فإنه مدرك. وأقا ما يكون مجتمعاً مع إمامه في الركوع أن يكون المأموم في أول صفة الركوع والإمام في آخر صفته. (وتكبيرة الإحرام ركن) لا نعتقد إلا بها لحديث: "تحريمها التكبير" وهذه صيغة
ص -67-

(وكذا قراءة الفاتحة على الإمام والمنفرد)، (وكذا الركوع، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حصر تفيد أنه لا يدخل فيها إلا به. (وكذا قراءة الفاتحة على الإمام والمنفرد) لحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".

(1/62)


أما المأموم فيتحملها الإمام عنه عند جمهور العلماء. أما مذهب الشافعي والمشهور عند المنتسبين إلى الحديث فهو أنها تجب على المأموم، لعموم "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وجاء في الحديث سؤال السائل لأبي هريرة.. فقال: "اقرأ بها في نفسك". والجمهور يجيبون بأنه ليس هناك شيء صريح، إنما هو العموم، والعموم يقدم عليه الخاص، وجاءت أشياء خاصة كحديث: "من كان له إمام فقراءته له قراءة" وإن كان ضعيفاً فهو معضود بأشياء أخر منها: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [7/ 204] قال أحمد: أجمعوا على أنها في الصلاة. وقال: "ما لي أنازع القرآن". ثم التأمين على قراءة الإمام مفيد أن قراءته له قراءة: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [10/89] فجعل دعاءً لهما جميعاً، فيفيد أن قراءة الإمام لهما جميعاً. وقد بسط شيخ الإسلام في مسألة مستقلة في الفتاوى أدلة ذلك، وترجيحه. أما في السكتات فيندب عندهم خروجاً من الخلاف. ويأتي.
(وكذا الركوع لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [22/ 77]) فالركوع ركن بالإجماع، والاعتدال منه ركن، والسجود ركن بالإجماع وهو على الأعضاء السبعة. كما سبق، والاعتدال منه ركن، والجلوس بين السجدتين ركن.
ص -68-

(والطمأنينة في هذه الأفعال ركن)، (ورأى حذيفة رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال له: ما صليت، ولو مت لمت على غير فطرة الله التي فطر عليها محمدا صلى الله عليه وسلم)، (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً دخل المسجد فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ، فعلها ثلاثاً، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبياً لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل

(1/63)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(والطمأنينة في هذه الأفعال ركن) يعني الركوع فيها، الركود في الركوع، وفي الاعتدال منه، وفي السجود، وفيما بين السجدتين ركن بدليل ما يأتي. كل هذه الأربعة لا بد من الطمأنينة فيها.
(ورأى حذيفة رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده فقال له: ما صليت، ولو مت لمت على غير فطرة الله التي فطر عليها محمدا صلى الله عليه وسلم) فنفى عنه حذيفة الصلاة لعدم الطمأنينة، فدل على أن الطمأنينة لا تتم الصلاة بدونها، فلا بد منها في الصلاة، وبيَّن أن مستنده الفطرة التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الفطرة التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم هي الطمأنينة، وأن من تركها فقد ترك الفطرة التي فطر الله عليها محمداً صلى الله عليه وسلم.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً دخل المسجد فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلّ، فعلها ثلاثا، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبياً لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حق تعتدل
ص -69-

قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" رواه الجماعة، فدل على أن المسمى في هذا الحديث لا يسقط بحال، إذ لو سقط لسقط عن الأعرابي الجاهل)، (والتشهد الأخير ركن، لقول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا التحيات لله" الحديث رواه النسائي ورواته ثقات)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/64)


قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" رواه الجماعة، فدل على أن المسمى في هذا الحديث لا يسقط بحال، إذ لو سقط لسقط عن الأعرابي الجاهل).
(والتشهد الأخير ركن، لقول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا التحيات لله" الحديث رواه النسائي ورواته ثقات) فدل على أن التشهد المعنيَّ مفروض، وأنه لا بد من كون ذلك في حال جلوسه، وعلى أن التشهد إلى أن محمداً عبده ورسوله واجب.
والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتسليمتان: كل أربعة لم تذكر في حديث المسيء، ومع ذلك هي أركان دلت عليها أدلة أخر. أما التشهد فقد دل عليه قوله: "إذا جلس أحدكم للتشهد الخ.." وأما الصلاة على النبي فقد دل عليها قوله:
ص -70-

(والواجبات التي تسقط سهواً ثمانية)، (التكبيرات)، (غير الأولى)، (والتسميع للإمام والمنفرد)، (والتحميد للكل)، (وتسبيح ركوع وسجود)، (وقول رب اغفر لي)، (والتشهد الأول)، (والجلوس له)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/65)


"قولوا اللهم صل على محمد الخ" ويقرهم على الإتيان بها في حالة الجلوس. والتسليم دليله الحديث المتقدم "وتحليلها التسليم". ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الركن "اللهم صل على محمد" فإذا قال هذا لو سلم فإن الصلاة صحيحة؛ لكنه تشهد ناقص الفضيلة. والترتيب بين الأركان ركن: كونه يبدأ بالتحريمة على الركوع، ثم بالركوع قبل السجود، وكونه يأتي بالتشهد بعد فراغه من الركعات كلها، وكونه يصلي على النبي بعد التشهد، وكون الخاتمة هو التسليم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرتباً وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
الواجبات:
(والواجبات التي تسقط سهواً ثمانية) بعدما ذكر الأركان ذكر الواجبات. الواحد واجب، كل واحدة من واجبات الصلاة (التكبيرات) هذا واجب للإمام والمأموم والمنفرد (غير الأولى) عذا الأولى وهي الترحيمة فإنها ركن. (والتسميع للإمام والمنفرد) يأتيان به يعد الارتفاع. (والتحميد للكل) والمأموم في حال الرفع؛ لأنه لا يقول سمع الله لمن حمده، (وتسبيح ركوع وسجود) واحدة واجب، والزائد سنة. وأدنى الكمال ثلاث، وما زاد على ذلك إلى عشر فهو أكمل. (وقول رب اغفر لي) الوجب مرة والزيادة سنة وأدنى الكمال ثلاث وما زاد على ذلك إلى عشر فهو أكمل (والتشهد الأول) واجب (والجلوس له) وكونه يأتي به جالساً واجب. فهذه الثمانية إذا سها فالصلاة صحيحة
ص -71-

(وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال)، (فسنن الأقوال سبع عشرة)، (الاستفتاح)، (والتعوذ)، (والبسملة)، (والتأمين)، (وقراءة السورة في الأوليين، وفي صلاة الفجر، والجمعة، والعيد، والتطوع كله)، (والجهر، والإخفات)، (وقول ملء السماء والأرض إلى آخره)، (وما زاد على المرة في تسبيح ركوع وسجود)، (وقول رب اغفر لي)، (والتعوذ في التشهد الأخير)،

(1/66)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما عليه سجود السهو. أما الأركان إذا تُرِكَ نسياناً فلا بد من الإتيان به، ومع ذلك يأتي بالسجود. والركن والواجب في العمد واحد، وإنما يختلفان في السهو، فالركن لا بد من الإتيان به وما بعده، والواجب إن تركه سهواً فلا عليه إلا أنه يسجد للسهو فقط.
(وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال).
السنن في الصلاة:
(فسنن الأقوال سبع عشرة) الأول (الاستفتاح) وتقدم .(والتعوذ) كذلك (والبسملة) تقدم الكلام فيها. (والتأمين) كذلك، (وقراءة السورة في الأوليين، وفي صلاة الفجر، والجمعة، والعيد، والتطوع كله) والأدلة على ذلك معلومة.
(والجهر، والإخفات) الجهر سنة في محله، والإخفات سنة قس محله. (وقول ملء السماء والأرض إلى آخره) سنة أيضاً قولية، (وما زاد على المرة في تسبيح ركوع وسجود) الواجب مرة،وما زاد سنة، (وقول رب اغفر لي) وكذلك قول رب اغفر لي يكرر ثانياً وثالثاً. الواجب مرة والزائد على سؤال المغفرة كارحمني واهدني وارزقني كل هذا سنن أقوال (والتعوذ في التشهد الأخير) من سنن
ص -72-

(والصلاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم)، (والبركة عليه وعليهم). (وما سوى ذلك فسنن أفعال)، (مثل كون الأصابع مضمومة، مبسوطة، مستقبلا بها القبلة عند الإحرام والركوع والرفع منه)، (وحطهما)، (عقب ذلك)، (وقبض اليمين على كوع الشمال وجعلهما تحت سرته)، (والنظر إلى موضع سجوده)، (وتفريقه بين قدميه في قيامه)، (ومراوحته بينهما)، (وترتيل القراءة)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/67)


الأقوال، (والصلاة على آل النبي صلى الله عليه وسلم) من سنن الأقوال، (والبركة عليه وعليهم) والتبريك عليه وعلى آل النبي صلى الله عليه وسلم هذه سنن الأقوال.
(وما سوى ذلك فسنن أفعال) فرفع اليدين في المواطن الأربعة سنة. وهذه السنة تتضمن عدة سنن –فإذا كبر كون الرفع هذا المقدار لا أزيد سنة (مثل كون الأصابع مضمومة، مبسوطة، مستقبلا بها القبلة عند الإحرام والركوع والرفع منه) كون الأصابع مضمومة سنة، وكونه موجهاً بها إلى القبلة سنة، وهكذا (وحطهما) أي وضعهما (عقب ذلك) بعذ لك، كونه يعيد قبض اليسرى. فالحط مجرده سنة، (وقبض اليمين على كوع الشمال وجعلهما تحت سرته) فالحط والقبضن وجعلهمما تحت سرته كل هذه سنن. والكوع تقدم لك معناه أنه العظم الذي في الذراع الذي يلي الإبهام، وما يلي الخنصر فهو الكرسوع. (والنظر إلى موضع سجوده) سنة؛ بخلاف التشهد فالنظر فيه إلى الأصبع سنة أيضاً. (وتفريقه بين قدميه في قيامه) كونه لا يلصق قدماً يقدم؛ بل يفرج. (ومراوحته بينهما) كونه بعض الأحيان اعتماده على رجل أكثر من الأخرى، سمي مراوحة لكونها ترتاح بالتخفيف عليها (وترتيل القراءة)

ص -73-

(والتخفيف للإمام)، (وكون الأولى أطول من الثانية)، (وقبض ركبتيه بيديه مفرجتي الأصابع في الركوع)، (ومد ظهره مستوياً)، (وجعل رأسه حياله)، (ووضع ركبتيه قبل يديه في سجوده)، (ورفع يديه قبلهما في القيام)، (وتمكين جبهته وأنفه من الأرض)، (ومجافاة عضديه عن جنبيه)، (وبطنه عن فخذيه)، (و)، (فخذيه عن ساقيه)، (ووضع يديه حذو منكبيه مبسوطة الأصابع إذا سجد وتوجيه أصابع يديه مضمومة إلى القبلة)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/68)


هو من سنن الأفعال.(والتخفيف للإمام) هو سنة فعلية في حقه، (وكون الأولى أطول من الثانية) كما في حديث أبي قتادة وأبي سعيد وغيرهما مما دل على أنه يطال في الركعة الأولى أكثر من الثانية (وقبض ركبتيه بيديه مفرجتي الأصابع في الركوع) هذه سنة؛ فإن قبضه سنة، والتفريج سنة أيضاً. (ومد ظهره مستوياً) هذه سنة (وجعل رأسه حياله) لا مرفوع ولا مخفوض هذه سنة أيضاً، (ووضع ركبتيه قبل يديه في سجوده) هذه من سنن الأفعال، (ورفع يديه قبلهما في القيام) قبل الركعة هذه من سنن الأفعال، (وتمكين جبهته وأنفه من الأرض) هذه من سنن الأفعال أيضاً، (ومجافاة عضديه عن جنبيه) تنحيتهما من سنن الأفعال (وبطنه عن فخذيه) (و) رفع (فخذيه عن ساقيه) وتفريقه بين الركبتين والقدمين كله من سنن الأفعال (ووضع يديه حذو منكبيه مبسوطة الأصابع إذا سجد وتوجيه أصابع يديه مضمومة إلى القبلة) هذا من سنن الأفعال -كونهما بإزاء منكبيه مبسوطتين، وتكون مبسوطة الأصابع ل غير مقبوضة وبطونهما على الأرض كله من سنن الأفعال- هذا من كمال السنة في اليدين.

ص -74-

(و)، (مباشرة المصلى بيديه وجبهته)، (وقيامه إلى الركعة)، (على صدور قدميه)، (معتمداً بيديه على فخذيه)، (والافتراش في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهدالأول)، (والتورك في الثاني)، (ووضع يديه على فخذيه مبسوطتين مضمومتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة بين السجدتين وفي التشهد)، (وقبض الخنصر والبنصر من اليمنى، وتحليق إبهامها مع الوسطى، والإشارة بسبابتها)، (والالتفات يميناً)، (وشمالا في تسليمه)، (وتفضيل الشمال على اليمين في الالتفات)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/69)


(و) يستحب (مباشرة المصلى بيديه وجبهته) كونه لا يحصل حائل إن كان يصلي على الأرض، وكذلك إن كان يصلي على سجادة ونحوها فلا يجعل شيئاً يختص بيديه ووجهه.
(وقيامه إلى الركعة) وكون نهوضه منها (على صدور قدميه) يعني ثم يقوم (معتمداً بيديه على فخذيه) كل سنة فعلية (والافتراش في الجلوس بين السجدتين)، وفي التشهد الأول من ذات التشهدين (والتورك في الثاني) في التشهد الأخير (ووضع يديه على فخذيه مبسوطتين مضمومتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة بين السجدتين وفي التشهد) ويستقبل بالرؤوس القبلة من سنن الأفعال. (وقبض الخنصر والبنصر من اليمنى، وتحليق إبهامها مع الوسطى، والإشارة بسبابتها) كل ذلك من سنن الأفعال. (والالتفات يميناً) يمنة في التسليمة الأولى، (وشمالا في تسليمه) الأخير (وتفضيل الشمال على اليمين في الالتفات) كل سنة. وإلا لو سلم مستقبل القبلة صحت صلاته.

ص -75-

(وأما سجود السهو)، (فقال أحمد: يحفظ فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد وسلم)، (وسلم من ثلاث فسجد)، (وفي الزيادة)، (والنقصان)، (وقام من الثنتين فلم يتشهد)، (قال الخطابي)، (المعتمد عليه عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة)، (يعني حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بحينة)، (وسجود السهو يشرع)، (للزيادة)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالمشروع في الصلاة وليس بركن ولا واجب الجميع يقرب من الخمسين أو السبعين من الأقوال والأفعال.
سجود السهو:

(1/70)


(وأما سجود السهو) هذا في محل ترجمة كأنه قال: "باب سجود السهو"، (فقال أحمد: يحفظ فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد وسلم). يعني كما في حديث أبي هريرة، (وسلم من ثلاث فسجد) كما في حديث عمران، (وفي الزيادة) كما في حديث ابن مسعود، (والنقصان) كما في حديث ابن بحينة، وفي "الشك" كما في حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف. هذا المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومدارها على هذه الخمسة المتضمنة خمسة أشياء (وقام من الثنتين فلم يتشهد) كما في حديث ابن بحينة، (قال الخطابي) يعني حَمْدَ بن سليمان أبو سليمان. وبعضهم يقول حَمَدَ بفتح الثلاثة. وبعضهم يقول: أحمد. وهو حَمْدٌ بفتح الحاء وسكون الميم. لا غير: (المعتمد عليه عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة) مداره على هذه الخمسة (يعني حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بحينة).
(وسجود السهو يشرع) لثلاثة أشياء، (للزيادة) سهواً وعمداً،
ص -76-

(والشك: في فرض، ونفل)، (إلا أن يكثر)، (فيصير كوسواس)، (فيطرحه)، (وكذا في الوضوء والغسل وإزالة النجاسة)، (فمتى زاد)، (من جنس الصلاة قياماً)، (أو ركوعاً أو سجوداً أو قعوداً)، (عمداً بطلت)، (وسهواً يسجد له)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين رواه مسلم")، (ومتى ذكر عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير)، (وإن زاد ركعة قَطَعَ متى ذكر، وبنى على فعله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(والشك: في فرض، ونفل) هو عام في الفض والنفل (إلا أن يكثر) السهو (فيصير كوسواس) فيصير مثل الوسواس، إذا ابتلي بالشكوك الكثيرة (فيطرحه) ويبني على غالب ظنه (وكذا في الوضوء والغسل وإزالة النجاسة) والتيمم إذا كثرت عليه الشكوك.

(1/71)


(فمتى زاد) فعلاً، (من جنس الصلاة قياماً) في محل قعود أو عكسه (أو ركوعاً أو سجوداً أو قعوداً) ولو مثل جلسة الاستراحة، (عمداً بطلت) إن كان عمداً فهي باطلة.
(وسهواً يسجد له) وإن كان سهواً يسجد له وجوباً، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا زاد الرجل أو نقص في صلاته فليسجد سجدتين رواه مسلم") والمراد إذا واد سهواً، أو نقص سهواً (ومتى ذكر عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير) كل رجوع إلى تصحيح الصلاة أو تلافي ما فرط منه فإنه لا يدخل بتكبير جديد، فإنه في حكم الصلاة، ولا بطل حكمها حتى يقال يكبر، ولهذا في الأحاديث ما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إلى فعل ما ترك بتكبير خاص، (وإن زاد ركعة قَطَعَ متى ذكر، وبنى على فعله
ص -77-

قبلها)، (ولا يتشهد إن كان قد تشهد ثم سجد وسلم)، (ولا يعتد بالركعة الزائدة مسبوق)، (ولا يدخل معه من علم أنها زائدة)، (وإن كان إماماً أو منفرداً فنبهه اثنان)، (لزمه الرجوع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبلها) لأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة قياماً وعمداً، وذلك يبطلها.
(ولا يتشهد إن كان قد تشهد. ثم سجد وسلم) كأن يقوم بعد التشهد في الفجر، يحسب أنه باق عليه شيء من الصلاة أو في التشهد الأخير في المغرب يحسب أنه باق عليه ركعة، فهذا إذا تنبه فيجلس ويأتي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن التشهد الذي فعله في محله فلم يبق إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويكمل ويسجد للسهو ويسلم. وإن كان قد أتى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فمن حين يسجد يسلم..
وإن كان لم يتشهد فيتشهد ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي بالمندوب بعد ذلك ثم يسجد للسهو ثم يسلم.

(1/72)


(ولا يعتد بالركعة الزائدة مسبوق) إذا دخل فيها مسبوق وهي زائدة ألغاها؛ لأنها ليست بمعتبرة؛ لأنه ابتدأ بالإمام ليقتدي به بما هو من نفس الصلاة، وهذه ليست من نفس الصلاة. أكثر ما يعذر بكونها ليست تبطل الصلاة. إما أن تكون صحيحة فلا. (ولا يدخل معه من علم أنها زائدة) لأنها ليست بصلاة فلا يُحْرِم معه فيها. ولو علم بعدما سلم الإمام فيجيب رابعة.
(وإن كان إماماً أو منفرداً فنبهه اثنان) أنه قد زاد أو نقص (لزمه الرجوع)، وإذا صدر منه ما ينبغي أن ينبه عليه وجب على المأمومين أن
ص -78-

ولا يرجع إن نبه واحد إلا أن يتيقن صوابه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول ذي اليدين)، (ولا يبطل الصلاة عمل يسير كفتحه صلى الله عليه وسلم الباب لعائشة، وحمله أمامة ووضعها). (وإن أتى بقول مشروع في الصلاة في غير موضعه كالقراءة في القعود والتشهد في القيام لم تبطل به)، (وينبغي السجود لسهوه)، (لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين")،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينبهوه جميعاً ور يتركونه مع العلم حتى تقع صلاته صحيحة وصلاة إمامهم، فإن رفض قولهما مع كونهما مما يوثق بهما بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً لا جاهلاً أو ناسياً ولا من فارقه، (ولا يرجع إن نبه واحد إلا أن يتيقن صوابه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول ذي اليدين) فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحقٌّ ما قال ذو اليدين؟" ثم رجع لما صاروا اثنين. أما المأموم عندما يلتبس عليه يسكت.

(1/73)


(ولا يبطل الصلاة عمل يسير كفتحه صلى الله عليه وسلم الباب لعائشة، وحمله أمامة ووضعها) الصلاة ما يبطلها العلم اليسير الذي من غير جنس الصلاة كما ذكر هنا وأشباه ذلك مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها لا تخلف الانضباط؛ بخلاف الكثير فإنه يخرجها عن وضعها الشرعي.
(وإن أتى بقول مشروع في الصلاة في غير موضعه كالقراءة في القعود والتشهد في القيام لم تبطل به) إذا أتى بقول مثلما تقدم، إن كان عمداً أبطلها. وهنا إن أتى بقول ونحوه مشروع في غير موضعه لم تبطل به؛ لأنه إنما هو ذكر والصلاة محل الذكر، لكنه إن أتى به سهواً فاستحب له السجود، (وينبغي السجود لسهوه) لعموم الأدلة (لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين") وهذا ناس فدخل في

ص -79-

(وإن سلم عمداً قبل إتمامها عمدا بطلت)، (وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها ولو خرج من المسجد)، (أو تكلم يسيراً لمصلحتها)، (وإن تكلم سهواً أو نام فتكلم أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة من غير القرآن لم تبطل)، (وإن قهقه بطلت إجماعاً؛ لا إن تبسم)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عموم "إذا نسي أحدكم" إلى آخره.

(1/74)


(وإن سلم عمداً قبل إتمامها عمدا بطلت) إذا سلم عامداً قبل تمام الأركان بطلت، (وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها ولو خرج من المسجد) وإذا كان نسي أو خرج لكن قريب فيعيد ما نسي. أما لو أبطأ أو أحدث فلا يبني. ودليل البناء قصة ذي اليدين –وتقدمت- وقصة سهوه في عدة أحاديث. وإذا لم يذكرها إلا في منزله إن كان يرجو جماعة فيرجع إلى المسجد، وإن لم يرج فلا. ولا أذكر أنه يرجع لكن في بعضها أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ووصل إلى حجرته. فإذا كانت ثابتة والنبي جاء وصلى بهم صار دليلاً على المسألة وإن لم يثبت بقي البحث فيها. ويرجع في قرب الزمن وبعده إلى العرف. ويبني من دون تكبير، (أو تكلم يسيراً لمصلحتها) وإن تكلم لمصلحتها وكان يسيراً لم تبطل. وتقدم في قصة ذي اليدين (وإن تكلم سهواً أو نام فتكلم أو سبق على لسانه حال قراءته كلمة من غير القرآن لم تبطل)1.
(وإن قهقه بطلت إجماعاً؛ لا إن تبسم) فإنها لا تبطل. الضحك محرم ويبطلها، والتبسم لا يبطلها، وهو مكروه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وذا اليدين تكلموا وبنوا على صلاتهم (الروض المربع).

ص -80-

(وإن نسي ركناً غير التحريمة فذكره في قراءة الركعة التي بعدها بطلت التي تركه منها وصارت الأخرى عوضاً عنها)، (ولا يعيد الاستفتاح قاله أحمد)، (وإن ذكره قبل الشروع في القراءة عاد فأتى به وبما بعده)، (وإن نسي)، (التشهد الأول ونهض)، (لزمه الرجوع والإتيان به ما لم يستتم قائماً لحديث المغيرة رواه أبو داود)، (ويلزم المأموم متابعته)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وإن نسي ركناً غير التحريمة فذكره في قراءة الركعة التي بعدها بطلت التي تركه منها وصارت الأخرى عوضاً عنها) فإن لم يأت به بطلت...

(1/75)


(ولا يعيد الاستفتاح قاله أحمد) يجزيه الاستفتاح الأول.
(وإن ذكره قبل الشروع في القراءة1 عاد فأتى به وبما بعده)2 (وإن نسي) الإمام (التشهد الأول ونهض) قام، (لزمه الرجوع والإتيان به ما لم يستتم قائماً لحديث المغيرة رواه أبو داود) وأما إذا استتم قائماً فإنه يكره الرجوع. وإذا شرع في القراءة حرم الرجوع. ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا شك أحكم فقام في الركعتين فاستتم قائماً فليمض وليسجد سجدتين، فإن لم يستتم قائماً فليجلس ولا سهو عليه". رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني واللفظ له. (ويلزم المأموم متابعته) للحديث: قيام النبي صلى الله عليه وسلم ونسيانه التشهد الأول، وقام الصحابة معه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" وهذا أحد الأشياء التي يتحملها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 إن ذكر الركن المنسي قبل شروعه في القراءة التي بعدها.
2 عاد لزوماً فأتى بالركن المتروك وبما بعده من الأركان (الكشاف ق جـ1/ 403) باختصار.

ص -81-

(ويسقط عنه التشهد)، (ويسجد للسهو)، (ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين)، (ويأخذ مأموم عند شكه بفعل إمامه)، (ولو أدرك الإمام راكعاً وشك هل رفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعاً لم يعتد بتلك الركعة)، (وإذا بنى على اليقين أتى بما بقي)، (ويأتي به المأموم بعد سلام إمامه)، (ويسجد للسهو)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنه الإمام، وإذا سها المأموم، والفاتحة. (ويسقط عنه التشهد) هذا التشهد يسقط عنه يتحمله عنه الإمام، وعدة أشياء يتحملها الإمام عن المأموم منها ما تقدم (ويسجد للسهو) وجوباً، فعندما قام من الثنتين لزمه السجود للسهو في آخر صلاته.

(1/76)


(ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين) اثنتين أو واحدة فليبن على اليقين؛ فإن الواحدة قد صلاها والمشكوك فيها يلغيها ويأتي بالثانية. فالفجر إن شك اثنتين أو واحدة، أو الظهر ثلاث أو أربع فيأتي بواحدة وهكذا، هذا حكم الإمام والمنفرد. (ويأخذ مأموم عند شكه بفعل إمامه) أما المتحقق فلا دخل له في ذلك. أما الشاك فيكفيه ولا عليه سيء غير ذلك. (ولو أدرك الإمام راكعاً وشك هل رفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعاً لم يعتد بتلك الركعة) لأنه شك والأصل أنه لم يدركها حكماً بناءً على اليقين، ويسجد للسهو، وذلك لأنه لا يدري هل أدركها مع إمامه، أو لا؟ فهو كمن شم في عدد الركعات في الحكم (وإذا بنى على اليقين أتى بما بقي) أتى بالباقي بعده، وهكذا (ويأتي به المأموم بعد سلام إمامه) كالركعة التي شك فيها فإنه إذا سلم يقوم يأتي بها (ويسجد للسهو) إذا قام فيما شك فيه، وكذلك غيره مما شك فيه وجوباً كله.
ص -82-

(وليس على المأموم)، (سجود سهو)، (إلا أن يسهو إمامه)، (فيسجد معه ولو لم يتم التشهد)، (ويسجد مسبوق لسلامه مع إمامه سهواً، ولسهوه معه، وفيما انفرد به)، (ومحله قبل السلام)، (إلا إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر، لحديث عمران، وذي اليدين، وإلا في ما إذا بنى على غالب ظنه إن قلنا به)، (لحديث علي وابن مسعود)، (وإن نسيه قبل السلام أو بعده أتى به وجوباً تلافياً لما ترك لم يطل الفصل).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/77)


(وليس على المأموم) الذي لم يسبق، (سجود سهو) ينفرد به ثم يسجد ويسلم. هذا ما يتصور. ما يصدر منه: إما مبطل لها فهذا له حكم بطلانها يوجب الاستئناف. وإذا فعل شيئاً لا يوجب إلا سجوداً فإنه يتحمل عنه السهو الإمام، (إلا أن يسهو إمامه) صار على إمامه سهو، (فيسجد معه ولو لم يتم التشهد) يسجد معه ثم بعد الرفع من السجود يتمه. (ويسجد مسبوق لسلامه مع إمامه سهواً، ولسهوه معه، وفيما انفرد به) المسبوق مأموم من جهة ومنفرد من جهة.
(ومحله قبل السلام) كله، (إلا إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر، لحديث عمران، وذي اليدين، وإلا في ما إذا بنى على غالب ظنه إن قلنا به) فإن فيه رواية عن أحمد: أن السجود على ما في الأحاديث وهذه قوية للأحاديث وعمل بالسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم فيسجد ندباً بعد السلام، (لحديث علي وابن مسعود) يستدل به على غالب الظن، (وإن نسيه قبل السلام أو بعده أتى به وجوباً تلافياً لما ترك لم يطل الفصل) وإن طال سقط عنه ذلك. واختيار الشيخ وجوبه عليه وإن طال الوقت.

ص -83-

(وسجود السهو وما يقول فيه وبعد رفعه)، (كسجود الصلاة).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وسجود السهو وما يقول فيه وبعد رفعه) بين السجدتين ما يتعلق به من الأحكام، (كسجود الصلاة) سواء اتفق محل السجود أو اختلف. الحكم سواء في أنه يكفيه سجدتان.
باب صلاة التطوع
(قال أبو العباس)، (التطوع تكمل به صلاة الفرض يوم القيامة إن لم يكن أتمها)، (وفيه حديث مرفوع)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باب صلاة التطوع
يعني النوافل بعد الفرائض. النوافل مشروعة لما فيها من الفضل، ولما فيها من ترقيع الخلل.

(1/78)


(قال أبو العباس) ابن تيمية، وكنايته تقي الدين، وكنيته شيخ الإسلام، وهو مات ولم يتزوج لأجل ما شغل به في صغره بالتعلم، ثم بعدها تصدى حبس ونوظر ونصر. ومن عناية الله له أن أيد الله ما نشره في آخر الزمن: (التطوع تكمل به صلاة الفرض يوم القيامة إن لم يكن أتمها). (وفيه حديث مرفوع) "أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة، وإن لك تكن تامة قال الله تعالى لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون به فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ لأعمال على حسب ذلك" أخرجه الحاكم.

ص -84-

(وكذلك الزكاة وبقية الأعمال)، (وأفضل التطوع الجهاد)، (ثم توابعه من نفقة فيه وغيرها)، (ثم)، (تعلم العلم وتعليمه)، (قال أبو الدرداء: العالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم. وعن أحمد طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وكذلك الزكاة وبقية الأعمال) مثل ذلك ما تقدم. والتطوعات على مراتب في الآكدية. (وأفضل التطوع الجهاد) وفيه الحديث: "وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله: ويصدق على قتال الكفار. وهو مشتق من "جاهد" أي بالغ في قتال عدوه. فدل على أن الجهاد أفضل.
والجهاد أنواع: أحدها: بالنفس. والثاني: باللسان. ستة أشياء1. وجهاد النفس من أقسام الجهاد. والجهاد كالصلاة فيه انقسام إلى فريضة، وتطوع. والكلام هنا في التطوع لا في الفريضة. (ثم توابعه من نفقة فيه وغيرها) فالأول الجهاد بالبدن وبعده النفقة فيه، وهما أفضل الجهاد بماله وبدنه، وإذا ضم إلى ماله لسانه كان أكمل الجهاد.

(1/79)


(ثم) بعد الجهاد، (تعلم العلم وتعليمه) بل هو من الجهاد، بل هو من حياة الإسلام والمسلمين، بل هو الهدى ودين الحق الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم. (قال أبو الدرداء: العالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم. وعن أحمد طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: وفي الاختيارات: منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة الحجة واللسان، والرأي والتدبير، والصناعة. اهـ. والسادس بالمال.

ص -85-

(وقال أحمد: تذاكر بعض ليلة أحب إليّ من إحيائها)، (وقال: يجب أن يطلب الرجل من العلم ما يقوم به دينه)، (قيل له: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله: صلاته، وصومه، ونحو ذلك)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أحمد روايتان. إحداهما: أن أفضل الأعمال الجهاد، ثم العلم. والرواية الأخرى: أن العلم أفضل مطلقاً بالقيد وهو أن يعرف الهدى فيعمل به ويعلمه الغير فيعملوا به طلباً لوجه الله. وقد يجمع بين الروايتين أنه بعض الأحيان أفضل، وهذا أفضل بعض الأحيان. ويأتي عنه أن التطوعات تكون أفضل في بعض الأحيان وبعض الأشخاص والأزمان، كما جاء في النصوص: أن الأعمال تتفاضل، فعند زهد الناس فيه وكثرة الباطل يكون العلم أفضل من غيره. وفي حالة أخرى: إذا خشي من مهاجمة العدو وجب قتاله في زمن قليل ويدفع صار أفضل. ثم هذا التفضيل أنت عارف أنه في تطوع العلم. أما العلم الذي هو فرض ما دخل في هذا:

(1/80)


(وقال أحمد: تذاكر بعض ليلة أحب إليّ من إحيائها) يعني: قليل من ليللة في العلم الشرعي لا سيما علم التوحيد والعقائد "أحب إليّ من إحيائها" فهذا يؤخذ منه تقديم البحث فيه على نوافل الصلاة. (وقال) أحمد: (يجب أن يطلب الرجل من العلم ما يقوم به دينه) هذا بيَّن أن التعلم والتعليم الذي تقدم الكلام فيه أنه العلم الذي هو تطوع. أما الفرض فهو فرض. (قيل له) ثم قيل لأحمد: (مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله: صلاته، وصومه، ونحو ذلك) يعني مثل معرفته عقيدته وتوحيده وما افترض عليه صلاته وصومه –فصلاته بكل حال،
ص -86-

(ثم)، (الصلاة)، (لحديث: استقيموا)، (ولن تحصوا)، (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، (ثم بعد ذلك ما يتعدى نفعه من عيادة مريض)، (أو قضاء حاجة مسلم)، (أو إصلاح بين الناس)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير أعمالكم وبأفضل من درجة الصوم والصلاة؟ إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة" صححه الترمذي)، (وقال أحمد: إتباع الجنازة أفضل من الصلاة)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصيامه كذلك، والزكاة إن كان عنده مال وجب، وإلا فلا. والحج إن كان مستطيعاً وجب عليه.
(ثم) بعدما تقدم في الآكدية (الصلاة) تطوعات الصلاة (لحديث: استقيموا) بالثبات على الحق الذي عرف وعمل به فلا يلوي عنه يمنة ولا يسرة، (ولن تحصوا) هذا مثل حديث: "كل أمتي خطاء وخير الخطائين التوابون". فالمعنى: لن تقوموا بكل ما أمرتم (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) هذا الشاهد منه: أن كل ما دل عليه أنه بعد المذكورات مع أن ظاهره أنه آكد التطوعات.

(1/81)


(ثم بعد ذلك ما يتعدى نفعه من عيادة مريض) وهي من حقوق المسلم على المسلم، (أو قضاء حاجة مسلم) "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" وقال: "تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق"، (أو إصلاح بين الناس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير أعمالكم وبأفضل من درجة الصوم والصلاة؟ إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة" صححه الترمذي) ظاهر معناه (وقال أحمد: إتباع الجنازة أفضل من الصلاة) وهو من حقوق المسلم على المسلم، ومما يتعدى نفعه أيضاً.

ص -87-

(وما يتعدى نفعه يتفاوت)، (فصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق)، (وهو أفضل من صدقة على أجنبي)، (إلا زمن)، (مجاعة)، (ثم حج)، (وعن أنس مرفوعاً: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" قال الترمذي: حسين غريب)، (قال الشيخ: تعلم العلم وتعليمه يدخل في الجهاد وأنه نوع منه)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وما يتعدى نفعه يتفاوت) بالكيفية والكمية وبالأحوال والأشخاص (فصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق) فيها صدقة وصلة، وذلك أنه في تلك الحال في حاجة: فتدفع إليه، وتزول حاجته وفاقته خير من إنقاذ هذا من الرق، فهو في الحالة الراهنة مضطر، وهذا ألم الرق أسهل عليه من ألم الجوع على هذا. (وهو) أي العتق، (أفضل من صدقة على أجنبي) لعظم نفعه بتخليصه من أسر الرق وأكبر. رجح الأول ما اجتمع فيه أنه محتاج قريب (إلا زمن) غلاء و(مجاعة) فالصدقة مطلقاً أفضل لدعاء الحاجة إليها إذاً، هذا مستثنى.
(ثم حج) بعدما تقدم (وعن أنس مرفوعاً: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" قال الترمذي: حسين غريب) فهذا يؤخذ منه أن طلب العلم مرتبته فوق مرتبة الجهاد، وأنه لا يقدم تطوع الجهاد على طلب العلم أنه في سبيل الله وجهاد.

(1/82)


(قال الشيخ: تعلم العلم وتعليمه يدخل في الجهاد وأنه نوع منه) وذلك أن الجهاد دفع باطل وسعي في دفعه. ومن ذلك فشو العلم ووجوده في الناس، وهو مما يضر فقده. والجهاد بعضه بالسنان،
ص -88-

(وقال)، (استيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلاً ونهاراً أفضل من الجهاد الذي لم يذهب فيه نفسه وماله)، (وعن أحمد: ليس يشبه الحج شيء)، (للتعب الذي فيه، ولتلك المشاعر، وفيه مشهد ليس في الإسلام مثله)، (عشية عرفة)، (وفيه إنهاك المال والبدن)، (وعن أبي أمامة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له" رواه أحمد وغيره بسند حسن)، (وقال الشيخ: قد يكون كل واحد أفضل في حال)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعضه بالألسن والذب والحط. (وقال) الشيخ (استيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلاً ونهاراً أفضل من الجهاد الذي لم يذهب فيه نفسه وماله) للحديث في ذلك. (وعن أحمد: ليس يشبه الحج شيء) هذه رواية تقتضي تقديم الحج على غيره وأنه أفضل حتى من الجهاد، (للتعب الذي فيه، ولتلك المشاعر، وفيه مشهد ليس في الإسلام مثله) مجمع لم يوجد في الإسلام مثله (عشية عرفة)... وفضلها معلوم (وفيه إنهاك المال والبدن) ظاهر (وعن أبي أمامة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم" أي الأعمال أفضل؟ قال: "عليك بالصوم فإنه لا مثل له" رواه أحمد وغيره بسند حسن) هذا ظاهره أن تطوع الصوم أفضل من جميع التطوعات فهو من صيغ العموم فإنه يفيد أن لا شيء مثله ولا شيء فوقه. وجاء ما تقدم أن هناك ما هو أفضل منه فالجمع ما يأتي.
(وقال الشيخ: قد يكون كل واحد أفضل في حال) يعني: الجمع بينه وبين ما تقدم وما يشبهه في بعض الأحاديث تقديم هذا على هذا-

ص -89-

(1/83)


(لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه بحسب الحاجة والمصلحة)، (ومثله قول أحمد: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله)، (ورجح أحمد فضيلة الفكر على الصلاة والصدقة)، (فقد يتوجه منه أن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجمع- أنها تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فقد يكون هذا الشخص أفضل منه من هذا الشخص، وهذا يعرف بالتأمل، وهو يختلف بهذه الأمور، (لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه بحسب الحاجة والمصلحة) النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا مديمين على هذا وحده؛ بل تارة هذا، وتارة هذا. فتارة يقومون بالجهاد. وتارة مقيم عند الوالد. فهو لا يجزم أن واحداً أفضل في كل حال وفي كل زمان ومكان ومن كل أحد وبهذا تجتمع الأحاديث وتتحد دلالتها. (ومثله قول أحمد: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله) هذا يؤيد ما تقدم أن أفضلية الأعمال الواحد ليس مطلقاً، بل المراد أنه يخص حاله هو. فقول أحمد يدل على أنه ينظر ما كان أشد تقوية للإيمان في القلب وتثبيتاً له أنه أولى من الذي لا يحضره إلا بكسل. فصار هنا شيئان: تفضيل ذات، وتفضيل نسبة. فيكون أفضل بالنسبة إلى كذا وكذا.
(ورجح أحمد فضيلة الفكر على الصلاة والصدقة) وذلك أن في الفكر الصحيح في آيات الله الكونية ونعمه لتشكر مما يقوي التوحيد واليقين ما هو معروف. فمن انفتح له هذا الباب على وحيه صار على أبواب من الخير كثيرة وانفتح عليه أعمال القلوب. رجح ذلك على الصلاة، والصدقة (فقد يتوجه منه أن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح) وهو كذلك؛ فإن أعمال القلوب تستغني عن أعمال الجوارح،
ص -90-

(1/84)


(وأن مراد الأصحاب أعمال الجوارح)، (ويؤيده)، (حديث: أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله)، (وحديت: أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله)، (وآكد التطوعات الكسوف)، (ثم الوتر)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبالعكس أعمال الجوارح لو خلت من النية لم يثب عليها بحال، (وأن مراد الأصحاب أعمال الجوارح) ومراد الأصحاب عمل الجوارح، وهذا صحيح. (ويؤيده) يدل عليه، (حديث: أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله) فهو دال على أن أعمال القلوب أفضل من أعمال الجوارح (وحديت: أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله) وهذا الحديث.
(وآكد التطوعات الكسوف)1 صلاة الكسوف. وبعض ذهب إلى الوجوب؛ لكنها سنة مؤكدة بمرة. والنبي صلى الله عليه وسلم لما وقع الكسوف خرج فزعاً يجر رداءه خشي أن تكون الساعة، وقال: "فأفزعوا إلى الصلاة" وهي مشروعة لها جماعة. وجنس ما تشرع له الجماعة آكد مما لا تشرع له. وما تقدم من فزعه وقوله: "فافزعوا" دال على أنها آكد من الاستسقاء.
ثم بعد الكسوف الاستسقاء2، ثم بعد الاستسقاء التراويح.
(ثم الوتر) هذا ترتيبها في الأفضلية، لكون المذكورات تشرع لها الجماعة، وغيرها لا تشرع إلا تبعاً. وإن كان أحد القولين في الوتر أنه فرض على النبي صلى الله عليه وسلم، فالوتر لا يترك سفراً ولا حضراً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وتأتي أحكامه في بابه.
2 وتأتي أحكامه في بابه أيضاً.

ص -91-

(ثم سنة الفجر)، (ثم سنة المغرب)، (ثم بقية الرواتب)، (ووقت صلاة الوتر بعد العشاء إلى طلوع الفجر)، (والأفضل آخر الليل لمن وثق بقيامه)، (وإلا أوتر قبل أن يرقد)،

(1/85)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ثم سنة الفجر) وفي الحديث "ركعتان الفجر خير من الدنيا وما فيها" رواه مسلم.
(ثم سنة المغرب) لقول ابن عمر "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد المغرب في بيته".
(ثم بقية الرواتب) ثم بعد ذلك بقية الرواتب العشر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليهن، ويأتي تفصيلهن.
صلاة الوتر
(ووقت صلاة الوتر بعد العشاء إلى طلوع الفجر) لحديث: "إن الله أمدكم بصلاة خير لكم من حمر النعم. قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر". وفي حديث عائشة: "فانتهى وتره إلى السحر" فهذا كله وقت الوتر من حين تنقضي العشاء سواء قدمت جمع تقديم أو أخرت، فإن ابتداءه من العشاء إلى الفجر، فإذا طلع الفجر خرج وقت الوتر.
(والأفضل آخر الليل لمن وثق بقيامه) والأفضل الوتر آخر الليل، لحديث عائشة المشار إليه "فانتهى وتره إلى السحر" يعني كان آخر الأمر أنه لا يوتر إلا في السحر، وهو آخر الليل، فهذا أفضل؛ ولأنه وقت النزول الإلهي، لحديث أبي هريرة: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول" الحديث؛ ولكونه أفضل لغير ذلك؛ فإن كل وقت فاضل آخره أفضل من أوله. وهذا في حق الذي يثق (وإلا أوتر قبل أن يرقد) يوتر أول الليل، لحديث أبي هريرة الذي
ص -92-

وأقله ركعة)، (وأكثره إحدى عشرة)، (والأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بركعة)، (وإن فعل غير ذلك مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فحسن)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/86)


فيه: "وأن أوتر قبل أن أنام" وذلك أنه يسمر في درس العلم ويخشى أن لا يقوم آخر الليل، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فالذي لا يثق ينبغي في حقه أن يوتر أوله مخافة أن يفوته آخره.
(وأقله ركعة) فمن أوتر بواحدة فقد أوتر. وهذا أدنى الوتر وأقله. له أقل، وكمال، وأدنى كمال. فأقله واحدة (وأكثره إحدى عشرة) لحديث عائشة وغيره فإن فيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" الحديث.
(والأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بركعة) لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" فهو عام الوتر وغيره، ولحديث ابن عباس لما بات مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فذكر فيما رواه: "أنه صلى الله عليه وسلم صلى اثنتين، ثم اثنتين" الحديث. فإن فيه ألفاظ. المقصود أنه يسلم من كل اثنتين، ثم تفرد الأخيرة بسلام وحدها. (وإن فعل غير ذلك مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فحسن) ولكن أحسنه ما تقدم. أما لو صلى خمساً جميعاً أو سبعاً أو تسعاً ونحو ذلك كما ورد فحسن، فإنه ورد في الوتر ووصل الوتر وفصله كيفيات عديدة؛ فكل كيفية صنع مثل ما شرع فهو جائز، وأحسنه ما تقدم. وهذا ليس اختلاف تضاد؛ بل اختلاف تنوع؛ فإن اختلاف التضاد هو المذموم؛ والتنوع من يسر الشريعة وسماحتها فإنها جاءت بألوان.
ص -93-

(وأدنى الكمال ثلاث)، (ويجوز بسلام واحد)، (ويجوز كالمغرب)، (والسنن الراتبة عشر)، (وفعلها في البيت أفضل)، (وهي ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتا الفجر)، (ويخفف ركعتي الفجر)، (و)، (يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص، أو يقرأ في الأولى بقوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية، التي في سورة البقرة،
وفي الثانية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ

(1/87)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وأدنى الكمال ثلاث) يصلي اثنين، ثم يأتي بواحدة ويسلم، (ويجوز بسلام واحد) لكن الأفضل الأول (ويجوز كالمغرب) بأن يصلي اثنتين ثم يجلس ثم يأتي بالأخرى.
(والسنن الراتبة عشر) لما تقدم (وفعلها في البيت أفضل) (وهي ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتا الفجر) لحديث: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
الرواتب:
وجاء أيضاً في بعض الأحاديث زيادة ركعتين قبل الظهر فذهب بعض إلى أنهما ليسا براتبة، وهي مؤكدة.
(ويخفف ركعتي الفجر) هذا من سننها أن يخفف، وفي حديث عائشة: "حتى أني أقول.. أقرأ بأم الكتاب" (و)ثبت أنه كان (يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص، أو يقرأ في الأولى بقوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية، التي في سورة البقرة، وفي الثانية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ

ص -94-

تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية)، (وله فعلها راكباً)، (ولا سنة للجمعة قبلها)، (وبعدها ركعتان، أو أربع)، (وتجزىء السنة عن تحية المسجد)، (ويسن له الفصل بين الفرض والسنة بكلام أو قيام، لحديث معاوية)، (ومن فاته شيء منها استحب له قضاؤه)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية) كلُّ سنة، وثبت.
(وله فعلها راكباً) له فعل الرتبة راكباً.
(ولا سنة للجمعة قبلها) بل محل التطوع والإكثار منه غير حد. أما أن هناك حد عليه دليل فلا (وبعدها ركعتان، أو أربع) ركعتان في بيته كما في حديث ابن عمر، أو أربع في المسجد.

(1/88)


(وتجزىء السنة عن تحية المسجد) الراتبة إذا فعلها في المسجد أجزأته عن تحية المسجد.
(ويسن له الفصل بين الفرض والسنة بكلام أو قيام، لحديث معاوية) وهو أن يقوم إلى محل يمينه أو يساره أو قدام. ويكفي الفصل بالكلام.وإن كان من حين صلى الفريضة قال: الله أكبر قام وصلى من دون كلام ولا قام من محله إلى آخر فهذا منهي عنه. وإن كان فصل بكلام ولو بذكر كان فاصلاً؛ لا يشترط أن يكون أجنبياً من الذكر أو الصلاة فهذا يصلح أن يكون فاصلاً بينهما، وإلا فليس متعبداً أن يكلم الذي إلى جنبه. المنهي عنه قول: الله أكبر وهو في مكانه لم يتكلم.
(ومن فاته شيء منها استحب له قضاؤه) جاءت السنة بقضاء بعض
ص -95-

(ويستحب أن يتنفل بين الأذان والإقامة)، (والتراويح سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم)، (وفعلها جماعة أفضل، ويجهر الإمام بالقراءة لنقل الخلف عن السلف)، (ويسلم من كل ركعتين لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنى")، (ووقتها بعد العشاء وسنتها قبل الوتر إلى طلوع الفجر، ويوتر بعدها)، (فإن كان له تهجد جعل الوتر بعده، لقوله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرواتب؛ فإنه صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين التي بعد الظهر لما شغل عنها بعد العصر، ةصلى ركعتي الفجر بعدها، وقيس الباقي على ذلك.
(ويستحب أن يتنفل بين الأذان والإقامة) لحديث: "بين كل أذانين صلاة".
التراويح:

(1/89)


(والتراويح سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم) التراويح من أنواع التطوع سميت "صلاة التراويح" لكونهم يصلون أربعاً ثم يستريحون، يفصلون بين كل أربع براحة، فسميت تراويح. فهي سنة (وفعلها جماعة أفضل، ويجهر الإمام بالقراءة لنقل الخلف عن السلف) الخلف توارثوه عن الصحابة إلى وقتنا هذا. (ويسلم من كل ركعتين لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنى") ولحديث ابن عباس المتقدم لما بات عند خالته ميمونة (ووقتها بعد العشاء وسنتها قبل الوتر إلى طلوع الفجر، ويوتر بعدها) بعدما يفرغ من صلاة العشاء وراتبتها هو ابتداء من أوله. وأما ابتداؤه من آخره هو التراويح، فوقت الوتر هو وقت التراويح (فإن كان له تهجد جعل الوتر بعده، لقوله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً") فمن
ص -96-

(فإن أحب من له تهجد متابعة الإمام قام إذا سلم الإمام فجاء بركعة)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" صححه الترمذي)، (ويستحب حفظ القرآن إجماعاً)، (وهو أفضل من سائر الذكر)، (ويجب منه ما يجب في الصلاة)، (ويبدأ الصبيَّ وليُّه به قبل العلم)، (إلا أن يعسر)، (ويسن ختمه في كل أسبوع) (وفيما دونه أحياناً)، (ويحرم تأخير القراءة إن خاف نسيانه)، (ويتعوذ قبل القراءة)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان له نهجد يسلم بعد التراويح فلا يأتي بالوتر، (فإن أحب من له تهجد متابعة الإمام قام إذا سلم الإمام فجاء بركعة) تشفع له ذلك ثم يوتر (لقوله صلى الله عليه وسلم: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" صححه الترمذي) هذه فائدة متابعة الإمام في التراويح.

(1/90)


(ويستحب حفظ القرآن إجماعاً)يجب حفظ الفاتحة (وهو أفضل من سائر الذكر) هو أفضل من التسبيح إلى آخر الأذكار الأخرى كما في حديث: "وما تقرب العباد إلى الله بأفضل مما خرج منه" (ويجب منه ما يجب في الصلاة) وهو الفاتحة فقط (ويبدأ الصبيَّ وليُّه به قبل العلم) حتى أنه قبل معرفة الواجبات عليه، (إلا أن يعسر) عليه حفظه (ويسن ختمه في كل أسبوع) لحديث أوس ابن أوس: "كيف تحزبون القرآن" (وفيما دونه أحياناً) خصوصاً في رمضان، ويكره تأخير ختمه أكثر من شهر.
(ويحرم تأخير القراءة إن خاف نسيانه) جاء الوعيد على ذلك في بعض الأحاديث، (ويتعوذ قبل القراءة) للآية الكريمة: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [16/ 98]
ص -97-

(ويحرص على الإخلاص ودفع ما يضاده)، (ويختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار)، (قال طلحة بن مصرف: أدركت أهل الخير من هذه الأمة يستحبون ذلك، يقولون: إذا ختم أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وإذا ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح. رواه الدارمي عن سعد بن أبي وقاص. إسناده حسن) (ويحسن صوته بالقرآن)، (ويرتله)، (ويقرأ بحزن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/91)


(ويحرص على الإخلاص ودفع ما يضاده) الإخلاص هو أساس العمل وضده الرياء. (ويختم في الشتاء أول الليل، وفي الصيف أول النهار) قال طلحة بن مصرف: أدركت أهل الخير من هذه الأمة يستحبون ذلك، يقولون: إذا ختم أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وإذا ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، رواه الدارمي عن سعد بن أبي وقاص. إسناده صحيح. هذا دليل الاستحباب كثرة الصلاة عليه حسب طول الزمن (ويحسن صوته بالقرآن) لحديث: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" و "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وقال لأبي موسى لما سمع صوته: "لقد أعطي هذا مزماراً من مزامير داود" المقصود أنه مشروع تحسين الصوت بالقرآن.
(ويرتله) يقرؤه على تمهل ليكون عوناً على فهم القرآن وتدبره ووصفت عائشة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم1 (ويقرأ بحزن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 فقالت: كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أكول منها. وفي صحيح البخاري عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كانت مداً، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم". وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان يقطع قراءته آية آية. {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.. الخ".

ص -98-

وتدبر)، (ويسأل الله تعالى عند آية الرحمة، ويتعوذ عند آية العذاب)، (ولا يجهر بين مصلين أو نيام أو تالين جهراً يؤذيهم)، (ولا بأس بالقراءة قائماً وقاعداً ومضطجعاً وراكباً وماشياً)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/92)


وتدبر) وتفهم لمعاني القرآن يكون قلبه مستحضراً لمعاني القرآن، ويكون بتخشع وجزن، وذلك لأن القرآن له معان عديدة: منها نصوص خوف، ومنها نصوص رجاء، ومنها نصوص تعظيم الله عز وجل. فالخوف ظاهر، وذكر الله ظاهر الخشية أن لا يقوم بحقيقة التعظيم، ولا حقيقة الرجا، فلا ينبغي أن يكون ضاحكاً أو لاهياً ولا مشغول القلب؛ فإن هذا في الحقيقة ما قرأ القراءة التي تنبغي.
(ويسأل الله تعالى عند آية الرحمة، ويتعوذ عند آية العذاب) مندوب في حق القارئ أن يسأل الله عندما تمر به آية الرحمة ويستعيذ عندما تمر به آية العذاب. لحديث حذيفة: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة –إلى أن قال- إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ".
(ولا يجهر بين مصلين أو نيام أو تالين جهراً يؤذيهم) كان عند مصلين فلا ينبغي أن يجهر جهراً بحيث يؤذيهم لتشويشه عليهم، ولا بين نيام لإيقاظه إياهم به.
وإذا كان بين تالين يتلون فلا يجهر بحيث يؤذيهم *.
(ولا بأس بالقراءة قائماً وقاعداً ومضطجعاً وراكباً وماشياً)1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قلت: أما أن لا يسمع صوت من أي واحد من أهل المسجد –كما هو موجود في بعض البلاد- فليس مراداً هنا لأنه قيده هنا بخشية الإيذاء والتشويش.
1 لحديث عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض وثمَّ يقرأ القرآن" متفق عليه. ونقله ابن منصور وغيره. الفروع جـ 1/ 551.

ص -99-

(ولا تكره في الطريق ولا مع حدث أصغر)، (وتكره في المواضع القذرة)، (ويستحب الاجتماع لها والاستماع للقاريء)، (ولا يتحدث عندها بما لا فائدة فيه)، (وكره أحمد السرعة في القراءة)، (وكره قراءة الألحان وهو الذي يشبه الغناء)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1/93)


(ولا تكره في الطريق1 ولا مع حدث أصغر)2
(وتكره في المواضع القذرة) تكريماً للقرآن.
(ويستحب الاجتماع لها3 والاستماع للقاريء)4
(ولا يتحدث عندها بما لا فائدة فيه)5
(وكره أحمد السرعة في القراءة)6
(وكره قراءة الألحان وهو الذي يشبه الغناء)7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لما روي عن إبراهيم التيمي قال: كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق.
2 ور مع حدث أصغر بخلاف الحدث الأكبر.
3 لكن ينبغي أن يكون أحياناً لا سنة راتبة (مجموع الفتاوى جـ 22 ص 520، 522، فروع جـ 1/ 554، 555).
4 لأنه يشارك القارئ.
5 لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} الآية ولأنه إعراض عن الاستماع الذي يترتب عليه الأجر بما لا طائل تحته.
6 وتأوله القاضي إذا لم يبين الحروف، وتركها أكمل لما تقدم من استحباب الترتيل والتفكر.
7 وقال هو بدعة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في أشراط الساعة: "أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم غناءً" قال: في مجموع الفتاوى: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وقد فسره الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما بأنه من الصوت، فيحسنه بصوته ويترنم به دون التلحين المكروه –إلى أن قال- فمن لم يترنم بالقرآن ترنم بالشعر (جـ 11 ص 532، 533).

ص -100-

(1/94)


(ولا يكره الترجيع)، (ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وأخطأ ولو أصاب)، (ولا يجوز للمحدث مس المصحف)، (وله حمله بعلاقة)، (أو في خُرْج فيه متاع)، (وفي كمه)، (وله تصفحه)، (بعود ونحوه)، (وله مس تفسير وكتب فيها قرآن)، (ويجوز للمحدث كتابته من غير مس)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا يكره الترجيع)1.
(ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وأخطأ ولو أصاب)2.
(ولا يجوز للمحدث مس المصحف) المحدث حدثاً أكبر أو أصغر لا يجوز له مسه، (وله حمله بعلاقة) أو في شيء آخر ساتر.
(أو في خُرْج فيه متاع) يجوز (وفي كمه) كذلك (وله تصفحه) يعني تتبعه (بعود ونحوه) ونحو ذلك (وله مس تفسير وكتب فيها قرآن) لا بأس أن يمسها المحدث مطلقاً. (ويجوز للمحدث كتابته من غير مس) يجوز للمحدث كتابة القرآن من غير مس للمكتوب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترجيع هو الترديد في الصوت كما رجع يوم الفتح في قراءته {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً}. وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه: إ، إ، إ، ثلاث مرات، ذكره البخاري (الهدي النبوي ج1/134-تفسير ابن كثير ج4 فضائل القرآن ص47).
2 لا يجوز التفسير بالرأي لقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} ولما روي عن ابن عباس مرفوعاً: "من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار" وروي سعيد بسنده عن الصديق: أي سماء تظلني أو أي أرض تقلني أو أين أذهب أو كيف أصنع إذا قلت في كتاب الله بغير ما أراده الله (شرح المنتهى ص 242 مطبعة دار الفكر).

(2/1)


ص -101-
(وأخذ الأجرة على نسخه)، (ويجوز كسيه الحرير)، (ولا يجوز استدباره أو مد الرجل إليه ونحو ذلك مما فيه ترك تعظيمه)، (ويكره تحليته بذهب أو فضة)، (وكتابة الأعشار، وأسماء السور، وعدد الآيات، وغير ذلك مما لم يكن على عهد الصحابة)، (ويحرم أن يكتب القرآن أو شيء فيه ذكر الله بغير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وأخذ الأجرة على نسخه)1 (ويجوز كسيه الحرير)2...(ولا يجوز استدباره أو مد الرجل إليه ونحو ذلك مما فيه ترك تعظيمه)، (ويكره تحليته بذهب أو فضة)3 واستدل على ما عدن تحريم تمويه كتابة المصحف وتهيبه بحديث: "أنه أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بطشت ذهب فيه حكمة وعلم"4.
(وكتابة الأعشار، وأسماء السور، وعدد الآيات، وغير ذلك مما لم يكن على عهد الصحابة)5 6 (ويحرم أن يكتب القرآن أو شيء فيه ذكر الله بغير طاهر) يحرم كتابته بنجاسة فإنه من أعظم أنواع الاستهانة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كما جاز أخذ الأجرة على الرقية "إن أحق ما أخذتم عليه الرقية كلام الله".
2 نص عليه أحمد. وفي ذلك تعظيم له كلبسه في الحرب. (الآداب الشرعية ج 2/333).
3 قدمه ابن تميم وابن حمدان. وعنه: لا يكره. (الآداب الشرعية ج 2/333).
4 في حديث الإسراء الطويل.
عارضة: تحبب إلى الناس، لكن لا بالباطل بل بالحق (شيخنا).
5 فإنهم رضي الله عنهم والعلماء بعدهم أمروا بتجريد القرآن وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن، فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس ولا التعشير ولا آمين ولا غير ذلك... لأنه ليس من القرآن (مجموع الفتاوى ج13/105).
6 الصحابة كتبوا المصاحف بغير شكل ولا نقط لأنهم لا يلحنون، ولما حدث اللحن في زمن التابعين صار بعضهم يشكل المصاحف وينقطها. وإن كتبت بنقط وشكل أو بدونها جاز. (مجموع الفتاوى ج12/586).

(2/2)


ص -102-
طاهر)، (فإن كتب به أو عليه وجب غسله)، (وإن بلي المصحف أو اندرس دفن)، (لأن عثمان رضي الله عنه دفن المصاحف بين القبر والمنبر)، (وتستحب النوافل إلا أوقات النهي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالقرآن. وإذا كان لا يمس بعضو نجس فبطريق الأولى أن لا يكتب بنجس. "أو شيء فيه ذكر الله" وكذلك الذي فيه من ذكر شيء من أسمائه فإنه يكره. (فإن كتب به أو عليه وجب غسله) يحرم أن يكتب في شيء طاهر بنجاسة أو يكتب بشيء طاهر لكن في محل نجس، ويجب غسله في الصورتين، إكراماً للقرآن من كونه بنجاسة، أو في نجاسة. (وإن بلي المصحف أو اندرس دفن) يعني إذا بقي لا ينتفع به فيدفن إكراماً له وصيانة لئلا يبقى عرضة للأنواع الأخرى غير ذلك، وأن لا يقلب كما يقلب المتاع المتروك، (لأن عثمان رضي الله عنه دفن المصاحف بين القبر والمنبر) عثمان حفر لها ودفنها عند المنبر لما جمع المصاحف على مصحف واحد. وبعض ذهب إلى أنه يحرق. وهذا سائغ ومن إكرامه لئلا يبقى بقاءً غير مكرم.
النوافل المطلقة:
(وتستحب النوافل إلا أوقات النهي) وهي خمسة من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى غروبها، وإذا شرعت في الغروب حتى يتم. فالنوافل المطلقة لا تحد بوقت ولا بعدد ولا بمكان ولا تقيد بحال، سواء حاضر أو مسافر إلا في أوقات النهي. والمطلقة في مقابلها المقيدة، فالمقيد إما بعدد، أو بوقت، أو بصلاة، فهذا معروف: كصلاة الضحى مقيد بالوقت المعروف، والرواتب مقيدة بعدد

(2/3)


ص -103-
(وصلاة الليل مرغب فيها وهي أفضل من صلاة النهار)، (وبعد النوم أفضل)، (لأن الناشئة لا تكون إلا بعده)، (فإذا استيقظ ذكر الله تعالى)، (وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، (الحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبصلاة قبلها أو بعدها على حسب ما هو معروف في الأحاديث. وكالوتر ونحو ذلك، وتحية المسجد، وركعتي الوضوء، والاستسقاء؛ فإن هذه مقيدة بأحوالها وقيودها. وأما المطلقة فكما تقدم كون الإنسان يجد في نفسه نشاطاً فهي جائزة فيما عدا الأوقات المنهي عنها.
(وصلاة الليل مرغب فيها وهي أفضل من صلاة النهار) وذلك لحضور القلب فيها، وبعده عن الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، وفي الحديث: "وصلاة الرجل في جوف الليل مشهودة" فإنه أحرى أن يتواطأ قلبه ولسانه على الصلاة وما ينبغي فيها. وفي النهار الإنسان بعرضة الأشغال والأمور الأخرى (وبعد النوم أفضل) إذا كانت بعد رقدة فإنها أفضل (لأن الناشئة لا تكون إلا بعده) للآية الكريمة: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً}.
(فإذا استيقظ ذكر الله تعالى) ليكون مستفتح أول نهاره بالذكر، (وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ليكون أول ما ينطق به التوحيد، كأن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا آخره. أو يقول الأذكار الواردة، ومنها: (الحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) فإذا قال: الحمد لله وسبحان الله إلى آخره، فإنه قد أتى بخير الكلام

(2/4)


ص -104-
(ثم إن قال: اللهم اغفر لي أو دعا أستجيب له)، (فإن توضأ وصلى قبلت صلاته)، (ثم يقول: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور)، (لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، سبحانك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، الحمد لله الذي رد عليّ روحي)، (وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره)، (ثم يستاك)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: "خير الكلام سبحان الله والحمد، ولا إله إلا الله، والله أكبر" (ثم إن قال: اللهم اغفر لي أو دعا أستجيب له) لما ورد في الحديث الذي رواه البخاري والترمذي وأبو داود (فإن توضأ وصلى قبلت صلاته) كذلك ورد في الحديث المذكور، (ثم يقول: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور) هو البعث، فإن النوم هو الموتة الصغرى، (لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، سبحانك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، الحمد لله الذي رد عليّ روحي) يعني حياتي (وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره) هذا من بقية الذكر الذي يقوله عند الانتباه.
(ثم يستاك) فهو مشروع هنا لحديث حذيفة فهو أحد ما يتأكد فيه السواك، فإنه يتأكد في مواطن: أحدها هذا، وذلك أن من حكمة شرعية السواك تطييب رائحة الفم، ومن المعلوم أنه ليس نظيفاً في هذه الحال، فيكون متأكداً.

(2/5)


ص -105-
(فإذا قام إلى الصلاة إن شاء استفتح باستفتاح المكتوبة)، (وإن شاء بغيره كقوله: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(فإذا قام إلى الصلاة إن شاء استفتح باستفتاح المكتوبة) "سبحانك اللهم وبحمدك" إلى آخره. والاستفتاحات عديدة. ويناسب أن يأتي باستفتاح مناسب للصلاة في الطول والقصر، فإن كانت طويلة طول، فإنه معلوم أن صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل تختلف عن صلاته بالنهار. هذه الجمل "سبحانك اللهم" إلى آخره اشتملت على الوحيد، والثناء على الله، فهو يقتضي إثبات أنواع التوحيد الثلاثة، والثناء عليه بهن.
(وإن شاء بغيره كقوله: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا

ص -106-

(2/6)


أنت ولا قوة إلا بك)، (وإن شاء قال: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم")، (ويسن أن يستفتح تهجده بركعتين خفيفتين)، (وأن يكون له تطوع يداوم عليه وإذا فاته قضاه)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنت ولا قوة إلا بك) هذا استفتاح ابن عباس وهو أطولها أو من أطولها.
(وإن شاء قال: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم") ثبت ذلك في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في صلاة الليل يقول ذلك. فإن شاء استفتح بحديث ابن عباس، أو بهذا، أو بما في حديث علي: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" وهو من الطويلة، وإن شاء بغير ذلك.
(ويسن أن يستفتح تهجده بركعتين خفيفتين) للحديث الوارد في ذلك حديث أبي هريرة.
(وأن يكون له تطوع يداوم عليه وإذا فاته قضاه) يستحب أن يكون التهجد يداوم عليه، ويجعل له مقداراً يراتب عليه كل ليلة، وهذا دأب الصالحين وصفتهم كونه يدام عليه ولا يخل به حتى إذا فاته قضاه.

ص -107-

ويستحب أن يقول عند الصباح والمساء ما ورد)، (وكذلك عند النوم والانتباه)، (ودخول المنزل والخروج منه)، (وغير ذلك)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ويستحب أن يقول عند الصباح والمساء ما ورد)1.
(وكذلك عند النوم والانتباه)2.
(ودخول المنزل والخروج منه)3.

(2/7)


(وغير ذلك) كالأدعية والأذكار المشروعة في ابتداء الشراب والأكل والفراغ منهما وعند رؤية البلدة أو القفول منها وهند الأذان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ومما ورد هذه الأذكار: "سبحان الله وبحمده مائة مرة"، حين يصبح وحين يسمى "أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب القبر" وإذا أصبح قال مثل ذلك أيضاً: "أصبحنا وأصبح الملك لله" الخ. "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين ثلاث مرات"، "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا" وانظر لبقية الأدعية العامة والخاصة (تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة من الأدعية والأذكار. تأليف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وقد اقتصر على ما صحت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وسردها هنا يطول (ص 17-42).
2 "اللهم باسمك أموت وأحيا" يقوله إذا أخذ مضجعه. وإذا استيقظ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" رواه البخاري.
كان صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة يجمع كفيه ثم ينفث فيهما فيقرأ فيهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات.
3 "اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا ثم ليسلم على أهله" أخرجه أبو داود بإسناد حسن.

(2/8)


ص -108-
والتطوع في البيت أفضل)، (وكذا الإسرار به إن كان مما لا تشرع له الجماعة)، (ولا بأس بالتطوع جماعة إذا لم يتخذ عادة)، (ويستحب الاستغفار بالسحر والإكثار منه)، (ومن فاته تهجده قضاه قبل الظهر)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعده1.
(والتطوع في البيت أفضل) لحديث: "صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة" فهو مفيد شرعية صلاة الرجل في بيته. (وكذا الإسرار به إن كان مما لا تشرع له الجماعة) أما علم الناس به إذا كان جماعة فهو أفضل. وما لا تشرع فالتخفي فيه أفضل. وصلاة الفرض في الجماعة سنة، وليست سنة فقط فإنه لا يقرُّ أحد على الصلاة في بيته، هذا هو دين المسلمين، وخلافه خلاف السنة والصدر الصالح، وفي الحديث: "إنكم لو صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم" الحديث. أما ما تشرع له الجماعة من النوافل فالمسجد أفضل مع المسلمين في الجماعة كالكسوف والاستسقاء.
(ولا بأس بالتطوع جماعة إذا لم يتخذ عادة) التطوع المطلق الذي لا تشرع له الجماعة يجوز فعله جماعة بشرط أن لا يكثر، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعل بعض الصلوات في جماعة، كما في حديث أم سلمة، والظاهر أنه معه من صلى في البيت. فالمقصود أن المسألة معلومة.
(ويستحب الاستغفار بالسحر والإكثار منه) لقوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [3/17]، (ومن فاته تهجده قضاه قبل الظهر)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: "التحفة" لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز طبعة دار العاصمة.

ص -109-

(ولا يصح التطوع من مضطجع)، (وتسن صلاة الضحى)، (ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال)، (وفعلها إذا اشتد الحر أفضل)، (وهي ركعتان)، (وإن زاد فحسن)،

(2/9)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره" (ولا يصح التطوع من مضطجع)1.
صلاة الضحى
(وتسن صلاة الضحى) صلاة الضحى سنة، والأحاديث بها معروفة كثيرة.
(ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال) لها وقت في الأول، والآخر. فإذا ارتفعت الشمس قدر رمح فهو أوله، وآخره إلى قبل الزوال بقليل. أما قبل الطلوع فمنهي عنها في هذا الوقت، وكذا عند قيامها منهي عنه، فما بين الطرفين هو الوقت. (وفعلها إذا اشتد الحر أفضل) يعني إذا ارتفع الضحى أولى وأفضل، لحديث: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" وارماضها هو أن تلجأ إلى الظل. (وهي ركعتان) لحديث أبي هريرة: "وركعتي الضحى" وأما غيرها فليس فيه إلا أحاديث فيها ذكر أعداد، (وإن زاد فحسن) لحديث أم هانئ2 فقوله: "وإن زاد فحسن" ظاهر هذه العبارة أنه إذا زاد على ذلك حتى عشر فحسن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وفاقاً لأبي حنيفة ومالك. ونقل ابن هانئ صحته اختاره بعضهم وفاقاً للشافعي رواه الترمذي عن الحسن. (الروع ج1 ص 565).
2 لأنها روت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثمان ركعات يوم الفتح ضحى (فروع ج1/567).

ص -110-

(وتسن صلاة الاستخارة إذا هم بأمر)، (فيركع ركعتين)، (من غير الفريضة)، (ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه بعينه)، (خير لي في ديني ودنياي فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)، (ثم)، (يستشير)،

(2/10)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلاة الاستخارة
(وتسن صلاة الاستخارة إذا هم بأمر) ولا ترجح تركه ولا فعله (فيركع ركعتين) يصلي صلاة الاستخارة (من غير الفريضة) يعني مستقلة. ومفهومه أنه لو صلى راتبة أنه يكفي إذا نوى صلاة الاستخارة هذا معنى غير المكتوبة (ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه بعينه) إن كان تزويجاً فيسميه، وإن كان سفراً فيسميه.. الخ. (خير لي في ديني ودنياي فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به) هذا دعاء الاستخارة.
(ثم) بعد الاستخارة (يستشير) ولا يستشير عدواً، ولا جاهلاً، بل
ص -111-

(ولا يكون وقت الاستخارة عازماً على الفعل أو الترك)، (وتسن تحية المسجد)، (وسنة الوضوء)، (وسجدة التلاوة سنة مؤكدة، وليست بواجبة)، (لقول عمر: من سجد فقد أصاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من اجتمع فيه الخبرة والمعرفة، والمودة (ولا يكون وقت الاستخارة عازماً على الفعل أو الترك) فإنه إذا كان كذلك لم يبق محل للاستخارة.
(وتسن تحية المسجد) بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، ومن دليلها حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" محلها قبل أن يجلس، وإن جلس ولو عمداً ولم يطل فالسنة بحالها. ومن مزيد تأكدها أنها تفعل حال الخطبة، فإنه مأمور في الأحاديث أن يصلي قبل أن يجلس.

(2/11)


(وسنة الوضوء) تسن سنة الوضوء، وهي من السنن إذا غسل غسول الصلاة، يسن لحديث بلال؛ فإن بلالاً قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما عملك؟ فإني لاأراني أدخل الجنة فأسمع الخشفة فأنظر إلا رأيتك، فقال: إني ما توضأت إلا صليت به ركعتين" فهو دليل على شرعية صلاة الوضوء، وأنه إذا توضأ يصلي به ركعتين نافلة، وكذلك كونه إذا ذهب صلى الله عليه وسلم ذهب معه بإداوة من ماء وعنزة.
(وسجدة التلاوة سنة مؤكدة، وليست بواجبة) ذهب بعض إلى أنها واجبة، وذهب الجمهور إلى الندب، وهي عديدة: سبعة عشر سجدة. أولها في "سورة الأعراف" وآخرها في "سورة العلق " وهي معلومات معروفات (لقول عمر رضي الله عنه : من سجد فقد أصاب،

ص -112-

ومن لم يسجد فلا إثم عليه رواه مالك في الموطأ)، (وتسن للمستمع)، (ولا يسجد السامع)، (والراكب يومىء بسجوده حيث كان وجهه)، (لما روي عن الصحابة، وقال ابن مسعود للقارىء وهو غلام: اسجد فإنك إمامنا)، (وتستحب سجدة الشكر عند نعمة ظاهرة عامة أو أمر يخصه)، (ويقول إذا رأى مبتلى في دينه أو بدنه: الحمد لله الذي عافاني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/12)


ومن لم يسجد فلا إثم عليه رواه مالك في الموطأ) قول عمر يستدل به على عدم الوجوب. (وتسن للمستمع) كما تسن للتالي فله أجر الاستماع، كما أن القراءة لها أشد، فكذلك الاستماع؛ بخلاف الذي سمع سمعاً من دون استماع (ولا يسجد السامع) الذي لم ينصت بل سمع اتفاقاً (والراكب يومىء بسجوده حيث كان وجهه) غير الراكب يسجد بالأرض، والذي على راحلته يسجد بحسب راحلته كالمتنفل عليها. (لما روي عن الصحابة، وقال ابن مسعود للقارىء وهو غلام: اسجد فإنك إمامنا) قول ابن مسعود هذا أفاد أنه معلوم عنده شرعية سجود التلاوة، وأنه مشروع في حق التالي والمستمع، وأنه في حكم الصلاة من بعض الوجوه من جهة الإمام. ومفيد بمفهومه أنه لو لم يسجد التالي لم يسجد المستمع. بعض أهل العلم يرى أنه يسجد ولو بلا وضوء.
(وتستحب سجدة الشكر عند نعمة ظاهرة عامة أو أمر يخصه) لنعمة دينية أو دنيوية، لما بشر أن لمن صلى على نبيه صلى الله عليه وسلم عشراً سجد، وكذا لما جاءه خبر إسلام أهل اليمن.
(ويقول إذا رأى مبتلى في دينه أو بدنه: الحمد لله الذي عافاني

ص -113-

مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا)، (وأوقات النهي)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/13)


مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا) مندوب لذلك، هذا من شكر نعمة الله على العبد بأن سلم الله من البلاء. شكر النعمة هو الاعتراف بها في الباطن، والتحدث بها، وصرفها في مرضاة مسديها. وحق النعمة الشكر. والنعمة: إما سلام من محذور، أو حصول مطلوب مرغوب. وإذا كان مبتلى في دينه فينبغي الجهر به، فيسمعه لعله أن يرتدع وينزجر ولا مضرة. وإن كان المصلحة عدم الجهر فلا يجهر مثل مسألة إنكار المنكر، وأنتم تعرفون أنه يقام على مفسدة قليلة مخافة الوقوع في مفسدة أكثر. وإن كان في بدنه فيقول فيما بينه وبين نفسه.
س: يتوضأ ويسجد سجود الشكر؟
جـ: الذي يفهم من الأحاديث أنه يتيمم ويسجد، كما فعل صلى الله عليه وسلم لما أخبر كما تقدم فالذي يقول: إنه يتوضأ يقيم دليلاً، وهي مسألة معروفة. وقريب منه: التكبير، والتسليم منها. فمن يقول: إنه صلاة. فهو مفتقر له. ومن لا يقول ويمانع أكثر ممن أوجب الوضوء. ومسألة التكبير والسلام أفضل في الشكر، وهي صالحة هنا أيضاً.
س: هل السجدة عن قيام؟
جـ: قد يستدل بقوله: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} [17/109] خر سقط، فهو عن قيام أتم سقوطاً، وإن كان عن جلوس سقوط نسبي، سقط من الجلوس إلى السجود.
(وأوقات النهي) التي نهي عن الصلاة فيها إلا ما استثنى:

ص -114-

خمسة)، (بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)، (وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح)، (وعند قيامها حتى تزول)، (وبعد صلاة العصر حتى تدنو من الغروب)، (وبعد ذلك حتى تغرب)، (ويجوز قضاء الفرائض فيها، وفعل النذورات)، (وتفعل صلاة الجنازة في الوقتين الطويلين).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/14)


(خمسة) ويقال: ثلاثة إن جعل قبل الطلوع وبعده واحد. والذي بعد العصر واحد. فهو اصطلاح. فالحاصل أنه من حين يطلع الفجر لا يتطوع إلى أن ترتفع الشمس قدر رمح. وما قبل الفجر بعضهم يعده سادساً وبعضهم لا يعده لأنها تفعل فيه الراتبة. فالذي هو وقت النهي بكل حال هو (بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)، (وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح) في نظر الرائي. الرمح المتوسط؛ فإن من الرماح ما هو معروف الطول، ومنها ما هو معروف القصر. والمعروف عند أهل العلم أن الاعتبار بالمتوسط (وعند قيامها حتى تزول) وهذا الوقت قصير بالمرة (وبعد صلاة العصر حتى تدنو من الغروب) وفي بعض روايات الحديث حتى تتضيف (وبعد ذلك حتى تغرب) إذا اقتربت إلى الغروب. ويجمعها أنها كلها أوقات نهي، ويفرقها أن بعضها يفعل فيها بعض، فإن النهي في الثلاثة أبلغ هذا مأخوذ من الأحاديث، (ويجوز قضاء الفرائض فيها، وفعل النذورات) وركعتي الطواف وإعادة جماعة إذا أقيمت وهو في المسجد. ومن فائدة التقسيم تفعل الصلاة الفرض قضاء الخ (وتفعل صلاة الجنازة في الوقتين الطويلين) ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس، ما بعد العصر إلى الغروب؛ بخلاف ما بعد طلوعها وعند قيامها وتضيفها لا يصلي على الجنازة.
ص -115-

بابُ صَلاة الجماعَة
(أقلها اثنان)، (في غير جمعة وعيد)، (وهي واجبة على الأعيان حضراً وسفراً)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ صَلاة الجماعَة

(2/15)


شرعيتها، وأنها فرض عين على الأعيان من الذكور؛ بخلاف الإناث؛ بل الذكور البالغين. وأما من دون البلوغ فهم مرغبون فيها ومتعبدون. أما الوجوب فلا. وقول قوي: أنها لا تصح أبداً لو صلى وحده، وعليه أدلة قويه. (أقلها اثنان) إمام ومأموم، والأدلة على أنهما جماعة معلومة، من ذلك صلاته بابن عباس، قال: "فأقامني عن يمينه" في قصة نومته عند خالته ميمونة، وجابر وجبار وأحدهما قبل أن يأتي الثالث، وحديث: ألا رجل يتصدق على هذا" و"صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده". وأكثرها لا حد له، فكل ما كان أكثر فهو أحب إلى الله.
وهذا، (في غير جمعة وعيد) فلا بد من أكثر من ذلك على أقوال عديدة، وإن كان فيه قول أن ما صح جماعة صح في الجمعة، وغيره أقوى.
(وهي واجبة على الأعيان حضراً وسفراً) هذا الذي إليه أحمد رحمه الله أنها فرض عين في السفر والحضر، واجب ومتأكد فرضيتها بالمرة. وبه تعرف أن ما يفعله بعض المسافرين وهو في البلد خطأ، فإنها واجبة عليه الجماعة، ويلزمه أن يتم إذا لم يكن معه جماعة، ويفوِّت سنة القصر لوجوب الجماعة.

ص -116-

حتى في خوف لقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [4/102]. (وتفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة)، (وتفعل في المسجد)، (والعتيق أفضل)، (وكذلك الأكثر جماعة)، (وكذلك الأبعد)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(حتى في خوف لقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [4/102] هي دالة على وجوب الجماعة حتى في هذه الحالة.

(2/16)


(وتفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة) من يقول إنها ليست فرض عين يقولون إذا صلى فذاً من غير عذر فهو عاص، وإذا صلى مع الجماعة زاد بهذه الأضعاف. ومن يقول: هي فرض عين. يسلك مسلكاً آخر، وله جواب آخر، وهو أن التفضيل المذكور في حق المعذور إذا ذهب إلى هذا الشيء الذي ليس بواجب عليه زاد له من الأجر صارت صلاته أفضل بهذا العدد.
(وتفعل في المسجد) بل هو بيتها وشرعيتها لا في البيت، إنما الصلاة في البيت فعل المتخلفين والمنافقين؛ بل ينكر على من يفعلها في البيت، ولا يقرون.
(والعتيق أفضل) من الجديد، وذلك لقدم الطاعة فيه؛ ولهذا أعتق مسجد من المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، وهو أقدمها. ثم ما كان أقدم فهو أفضل، لكثرة ما وجد فيه من الطاعة، فله مزية على غيره. (وكذلك الأكثر جماعة) فالتفضيل بالجماعة تارة (وكذلك الأبعد) أفضل إذا كان مسجدان على التساوي فيما تقدم فالأبعد أفضل. ولما أراد بنو سلمة التحول قال: "دياركم تكتب آثاركم" يعني إذا ذهبتم منها إلى
ص -117-

ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه)، (إلا أن يتأخر فلا يكره ذلك)، (لفعل أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسجد. وجاء في الحديث: "أن الإنسان إذا خرج من بيته لا يخطو خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة" وتقدم.
والتفضيل باعتبار آخر بالإمام بعلمه وتقواه وخشيته لله. وقد يفضل ويقدم باعتبار المأمومين إذا كان فيهم تقوى وعلم؛ فإن مصافة أهل الصلاح لا بد تورث زيادة خير، كما أن مصاحبة أهل الفساد تسبب نقصاً أو شراً ولا بد.

(2/17)


(ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه) فإن أذن فالحق له وإلا فلا، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد على في بيته على تكرمته إلا بإذنه" فإن أذن فيؤم، وإلا فلا؛ لما في ذلك من الافتيات عليه في سلطانه؛ فإن السلطان له في هذا المسجد، ولأنه يؤدي إلى الشقاق والنزاع، والجماعة إنما شرعت للتواد والتصافي والتعاون على البر والتقوى.
(إلا أن يتأخر فلا يكره ذلك) فيسقط حقه، متعين فعل الصلاة في المسجد، فإذا كان له عذر فتأخر من أجله فهذا له أحوال؛ فإن تأخر وضاق الوقت صلوا ولا حاجة للمراجعة، والمراد الوقت الاختياري (لفعل أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف) في قصة ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فلما أن تأخر الوقت صلى الصديق رضي الله عنه. وأما قصة عبد الرحمن بن عوف ففي صلاة الفجر لما تأخر صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى بعض حاجته صلى بالناس عبد الرحمن، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد صلوا ركعة، فصلى معهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، وأتى بركعة،
ص -118-

وإذا أقيمت الصلاة فلا يجوز الشروع في نفل)، (وإن أقيمت وهو فيها أتمها خفيفة)، (ومن أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة)، (وتدرك بإدراك الركوع مع الإمام)، (وتجزيء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال: "أحسنتم" فدلت السنة على أنه إذا تأخر وتضايق الوقت أنهم يصلون. أما إذا كان تأخر الوقت المعتاد فهذا يراسل حتى يؤتى منه بخبر، من دليل ذلك قصة عمر، وقوله: يا رسول الله نام النساء والصبيان...

(2/18)


(وإذا أقيمت الصلاة فلا يجوز الشروع في نفل) للحديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" لأن الوقت قد اختص بالفريضة التي هذه الإقامة لها، (وإن أقيمت وهو فيها أتمها خفيفة) فإن أقيمت الصلاة وكان قد أحرم بنافلة أتمها خفيفة ليجمع بين الأمرين: بين إتمام النافلة التي دخل فيها، وبين الفريضة.
(ومن أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة) كالجمعة، وإدراك الوقت؛ فإن حديث: "وما أدركتم فأتموا" احتمال أن يكون ركعة أو دونها، والاحتياط أن يكون ركعة. (وتدرك بإدراك الركوع مع الإمام) فإذا لحق المسبوق الإمام في الركوع فإنه يدخل معه في الركعة ويكون قد أدرك الركعة، وقصة أبي بكرة حين جاء والنبي صلى الله عليه وسلم قد ركع فدخل معه في الصلاة -إلى آخره- يدل على ذلك (وتجزيء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع) تكون تكبيرة الركوع سنة في حقه أن يكبر ثانياً، وإلا لو ترك أجزأته تكبيرة الإحرام في هذه الحالة. أما لو نوى بتكبيرة الإحرام الثنتين ما صحت صلاته، أو نوى تكبيرة الركوع ما انعقدت
ص -119-

لفعل زيد بن ثابت، وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل خروجاً من خلاف من أوجبه)، (فإن أدركه بعد الركوع لم يكن مدركاً للركعة)، (وعليه متابعته)، (ويسن دخوله معه للخبر)، (ولا يقوم المسبوق إلا بعد سلام الإمام التسليمة الثانية)، (فإن أدركه في سجود السهو بعد السلام لم يدخل معه)، (وإن فاتته الجماعة استحب له أن يصلى معه)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/19)


(لفعل زيد بن ثابت، وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل خروجاً من خلاف من أوجبه) فتكون الثانية مندوبة في حقه لا واجبة كما تقدم، والخروج من الخلاف مطلوب، (فإن أدركه بعد الركوع لم يكن مدركاً للركعة) فتكون الركعة قد فاتته ويقضيها (وعليه متابعته) إذا كبر معه بعد الرفع من الركوع. (ويسن دخوله معه للخبر) لحديث: "من جاء والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام" (ولا يقوم المسبوق إلا بعد سلام الإمام التسليمة الثانية) فلو قام بع الأولى اتقلبت نفلاً ولا أجزأت فريضة، وذلك لتركه واجباً فيها وهو أنه ما تم ائتمامه بل قام قبل فأخل بواجب وهو من الفريضة وفريضته باقية عليه، (فإن أدركه في سجود السهو بعد السلام لم يدخل معه) لأن هذا شيء منفصل فلا يدخل في عموم "من أتى والإمام في حال" الحديث.
(وإن فاتته الجماعة استحب له أن يصلى معه) لما يأتي. وظاهر كلام المصنف وغيره أنه لا يلزم تحصيل جماعة اخرى إذا كان قصد المسجد فوجد الصلاة قد صليت فلا يجب عليه القصد إلى مسجد آخر
ص -120-

لقوله صلى الله عليه وسلم من يتصدق على هذا فيصلي معه)، (ولا تجب القراءة على مأموم)، (لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [7/204])، (قال أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة)، (وتسن قراءته فيما لا يجهر فيه الإمام)، (أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/20)


إذا اتفق أن هنا آخر، (لقوله صلى الله عليه وسلم من يتصدق على هذا فيصلي معه) فإن لم يوجد فيستحب لبعض الحاضرين أن يصلي معه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء رجل بعد صلاة العصر: "من يتصدق على هذا" الحديث... فينبغي أن يصلي معه آخر وهو صدقة عليه، وبفعله يكون قد صلى في جماعة، وهو غير مشروع أن يصلوا فرادى.
وعلى القول بأن الجماعة لا تدرك إلا بركعة وهم اثنان فأزيد فلا يدخلون مع الإمام إذا لم يدركوا الركوع.
(ولا تجب القراءة على مأموم) بل قراءة إمامه تكفي، ولكن يقرأ في السكتات والسرية ندب لا وجوب، (لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [7/204]) والسر في الأمر بالجهر هو الاستماع، فإنه ما جهر إلا ليسمعوه، وحق السامع الإنصات كما في الآية، (قال أحمد: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة) ولقصة أبي بكرة صحت منه الركعة وهو ما قرأ الفاتحة ولا حضر قراءتها ثم قوله تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [10/89] (وتسن قراءته فيما لا يجهر فيه الإمام) كالظهر والعصر والأخريين من الثلاثية والرباعية (أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون
ص -121-

القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه خروجاً من خلاف من أوجبه)، (لكن تركناه إذا جهر الإمام للأدلة)، (ويشرع في أفعالها بعد إمامه من غير تخلف بعد فراغ الإمام)، (فإن وافقه كره)، (وتحرم مسابقته)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/21)


القراءة خلف الإمام فيما أسر فيه خروجاً من خلاف من أوجبه) خروجاً من خلاف الشافعي والبخاري وغيرهما. بل بعض أهل العلم ذهب إلى أنه لا يقرأ أبداً لا في السرية ولا السكتات هذا عند الأحناف، والجمهور على خلافه (لكن تركناه إذا جهر الإمام للأدلة) لقوله: "ما لي أنازع القرآن"، "وإذا قرأ فأنصتوا". وتقدم أن للإمام سكتات إحداها: إذا فرغ من الفاتحة1.
(ويشرع في أفعالها بعد إمامه من غير تخلف بعد فراغ الإمام) عند الإئتمام -المأموم عليه أن يشرع بعد فعل إمامه؛ فإذا هوى الإمام للركوع هوى، وإذا رفع رفع، وإذا سجد سجد. وهذا حقيقة الإئتمام المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" الحديث، والذي يتصور هنا أمور عديدة. أحدها: الموافقة. الثاني: المسابقة. الثالث: التخلف عنه. (فإن وافقه كره) لكن إن كان عمداً فهو حرام وهذا في غير تكبيرة الإحرام.
(وتحرم مسابقته) سواء سبق بالركوع أو غير الركوع، إلا أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهذه السكتة التي بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة سكتة متوسطة هي دون قراءة الفاتحة وأكثر من السكتة التي قبل الركوع. أما أن تكون بقدر قراءة المأموم الفاتحة فهذا ليس عليه دليل. ا.هـ من تقريره على الروض المربع. وقال الشيخ تقي الدين: إنها من جنس السكتات على رؤوس الآي وذلك لا يتسع لقراءتها. وقال: القراءة مع جهر الإمام منكر. (انظر فهارس مجموع الفتاوى جـ37 ص 76، 77).

ص -122-

فإن ركع أو سجد قبله سهواً رجع ليأتي به بعده)، (فإن لم يفعل عالماً عمداً بطلت صلاته)، (وإن تخلف عنه بركن بلا عذر، فكالسبق به)، (وإن كان)، (لعذر من نوم أو غفلة أو عجلة إمامه فعله ولحقه)، (وإن تخلف بركعة)، (لعذر تابعه فيما بقي من صلاته، وقضاها بعد سلام الإمام)، (ويسن له)، (إذا عرض عارض لبعض المأمومين يقتضي خروجه أن يخفف)،

(2/22)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الركوع أغلظ؛ لأنه من الاختلاف الممنوع منه شرعاً، (فإن ركع أو سجد قبله سهواً رجع ليأتي به بعده) الذي فعل ذلك سهواً يتبعه. ومجرد المسابقة لا تبطل فإذا عاد ثم فعل مثل ما فعل إمامه لم تبطل، (فإن لم يفعل عالماً عمداً بطلت صلاته) لأن الائتام واجب وترك فبطلت، بخلاف الناسي، كالتشهد.
(وإن تخلف عنه بركن بلا عذر، فكالسبق به) ومسألة التخلف كالسبق، فيحرم التأخر كما يحرم التقدم. فهنا السبق إلى ركن، والسبق إلى ركنين. ولا يعد متخلفاً إلا بعد فراغه منه. (وإن كان) تخلف عن إمامه (لعذر من نوم أو غفلة أو عجلة إمامه فعله ولحقه) فمثلاً الذي غلب عليه النعاس ولم يعلم به فإذا ركع قبله ورفع وسجد يتبعه كذلك ويجزيه ويكفيه (وإن تخلف بركعة) كاملة (لعذر تابعه فيما بقي من صلاته، وقضاها بعد سلام الإمام) يتابع الإمام بما فيه الإمام وقام بتلك الركعة التي تخلف عنها بعذر.
(ويسن له) للإمام (إذا عرض عارض لبعض المأمومين يقتضي خروجه أن يخفف) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن
ص -123-

وتكره سرعة تمنع مأموماً من فعل ما يسن)، (ويسن تطويل قراءة الركعة الأولى أكثر من الثانية)، (ويستحب للإمام انتظار الداخل ليدرك الركعة إن لم يشق على المأموم)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه" الحديث.

(2/23)


(وتكره سرعة تمنع مأموماً من فعل ما يسن) فالرسول الذي أمر بالتخفيف يحسب له عشر تسبيحات في الركوع، فالأمر بالتخفيف لا يدل على النقر، وجاء في الحديث: "فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً".
(ويسن تطويل قراءة الركعة الأولى أكثر من الثانية) لحديث أبي قتادة وحديث أبي سعيد.
حديث أبي قتادة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر -إلى أن قال- ويطيل في الركعة الأولى ما لا يطيل في الركعة الثانية" وهكذا العصر، وهكذا الصبح. وفي رواية: "فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى".
وحديث أبي سعيد الخدري: "كنا نحرز قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين في الظهر قدر ألم السجدة، وفي الأخريين قدر النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، ولأخريين على النصف من ذلك" رواه مسمل.
(ويستحب للإمام انتظار الداخل ليدرك الركعة إن لم يشق على المأموم) ممن معه، فإن شق لم يستحب، لأن حرمة من دخل أعظم من
ص -124-

وأولى الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله)، (وأما تقديم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر مع أن غيره أقرأ منه كأبيّ ومعاذ. فأجاب أحمد: أن ذلك ليفهموا أنه المقدم في الإمامة الكبرى. وقال غيره: لما قدمه مع قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" علم أن أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم؛ لأنهم لم يكونوا يتجاوزون شيئاً من القرآن حتى يتعلموا معانيه والعمل به، كما قال ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن لم يتجاوزهن حتى يتعلم معانيهن والعمل بهن)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/24)


حرمة من لم يدخل في الصلاة. فيستحب عدم العجلة بالركوع انتظاراً للمأموم أن يدخل لحديث: "لا يركع حتى لا يسمع وقع قدم".
(وأولى الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله) لحديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" كما يأتي، وهو أصل في التقديم في الإمامة: أن الأجود أقدم، ثم الأفقه، إلى آخر ما ذكر في الحديث فيقدم في الفضائل الدينية بالفضل في الدين.
(وأما تقديم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر مع أن غيره أقرأ منه كأبيّ ومعاذ. فأجاب أحمد: أن ذلك ليفهموا أنه المقدم في الإمامة الكبرى. وقال غيره: لما قدمه مع قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" علم أن أبا بكر أقرؤهم وأعلمهم؛ لأنهم لم يكونوا يتجاوزون شيئاً من القرآن حتى يتعلموا معانيه والعمل به، كما قال ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن لم يتجاوزهن حتى يتعلم معانيهن والعمل بهن).
ص -125-

وروى مسلم عن أبي مسعود البدري يرفعه: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وروى مسلم عن أبي مسعود البدري يرفعه: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً)،
فهذا الحديث تناول معظم الأوصاف المفيدة الأولوية، وما لم يكن متناولاً له هذا النص باللفظ فإنه يكون بالقياس على ما نص عليه في حديث أبي مسعود هذا. وحينئذ الأولى بالإمامة الأقرأ.

(2/25)


قوله: "أقرأ" هذه أفعل التفضيل، يعني أفضلهم قراءة في جودتها وقوتها، يعني من حيث أداء ألفاظ القرآن على الوجه الأكمل، لا من حيث العربية [فقط] والعربية هنا شاملة للنحو والتصريف وما يتبعهما، ولا من حيث أداء الحرف على وجهه وإعطائه حقه وهو المسمى بالتجويد [فقط]. إلا أنا نعرف هنا أنه ليس التجويد بحسب ما يراه كل أحد. الذي يتجاوزن الحد في إخراج الحروف فهذا ليس هو التجويد الشرعي. ملخص هذا وحاصله أن من الناس من يتعدى الحد في التجويد1. "العالم فقه صلاته" فإذا وجد رجلان أحدهما أقرأ من غيره وعالم فقه صلاته فهذا لا يقدم عليه أحد. وإذا وجد اثنان استويا في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: فبعضهم يزيد في الحرف حتى يجعله حرفين أو أكثر وكذلك حروف المد ولم يكن شيخنا رحمه الله -وهو مجود- يمد هذا المد.

ص -126-

ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)، (وفي الصحيحين)، (يؤمكم أكبركم)، (وفي بعض ألفاظ أبي مسعود: فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً. أي إسلاماً)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأقرئية وامتاز أحدهما بعلم فقه صلاته والآخر لا، فيقدم العالم فقه صلاته استويا في الأصل المقدم على كل شيء وهو الأقرئية وامتاز أحدهما بشيء يؤثر في الصلاة وهو علمه بفقهها. وإذا استووا في القراءة وفي فقه الصلاة فيقدم الأفقه الذي يعلم عموم الفقه في الدين متناولاً فقه صلاته وفقه غير صلاته. ثم بعد ذلك "الأقدم هجرة" إذا وجد الاستواء في الأمور المؤهلة المتقدمة لسبقه إلى هذا الواجب. فإن كانوا في الهجرة سواء "فأقدمهم سناً" لأنه تقدم في العبادة على الآخر بسنين.
(ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه).

(2/26)


يعني المكان الذي سلطانه له: كالمسجد يرتب فيه إمام ترتيب شرعي، فالصلاة من دون إذنه افتيات عليه. وبعض أهل العلم ذهب إلى أنها لا تصح.
(وفي الصحيحين) من حديث مالك بن بحينة: إذا حضرت الصلاة، (يؤمكم أكبركم) فدل على أن السن يقدم به. والله أعلم لتقاربهما في الدين. (وفي بعض ألفاظ أبي مسعود: فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً. أي إسلاماً) فدل على أن التقدم في الإسلام فضيلة.
ص -127-

ومن صلَّى بأُجرة لم يصلّ خلفه، قال أبو داود: سئل أحمد عن إمام يقول: أُصلي بكم رمضان بكذا وكذا. فقال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا)، (ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي -وهو كل إمام مسجد راتب- إذا اعتل صلوا وراءه جلوساً)، (وإن صلى الإمام وهو محدث أو عليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة لم يعد من خلفه)، (وأعاد الإمام وحده في الحدث)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ومن صلَّى بأُجرة لم يصلّ خلفه، قال أبو داود: سئل أحمد عن إمام يقول: أُصلي بكم رمضان بكذا وكذا. فقال: أسأل الله العافية، ومن يصلي خلف هذا) أما ما يعطى من بيت المال فلا يدخل في هذا.
(ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي -وهو كل إمام مسجد راتب- إذا اعتل صلوا وراءه جلوساً) إمام مرتب موظف في مسجد، وعلته التي من أجلها صلى قاعداً يرجى زوالها لقصة النبي صلى الله عليه وسلم لما سقط فجش شقه صلى جالساً وصلى الصحابة خلفه. والأصل فرضية القيام على المصلي. فأخرج الإمام العارض إما في تلك الصلاة وحدها، أو نائباً عنه، أو إمام الحي ولكن لا يرجى زوال علته مثل ما لو كان أقعد لا يستطيع القيام أو المفلوج.

(2/27)


(وإن صلى الإمام وهو محدث أو عليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة لم يعد من خلفه) إذا لم يعلموا إلا بعد الانتهاء من الصلاة. (وأعاد الإمام وحده في الحدث) لأنه محدث. أما بالنسبة إلى النجاسة إذا لم يعلم بها إلا بعد الصلاة فهي صحيحة، وسواء كان
ص -128-

(ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق)، (والسنة وقوف المأمومين خلف الإمام)، (لحديث جابر وجبّار لما وقفا عن يمينه ويساره أخذ بأيديهما فأقامهما خلفه رواه مسلم)، (وأما صلاة ابن مسعود بعلقمة والأسود وهو بينهما. فأجاب ابن سيرين: أن المكان كان ضيقاً)، (وإن كان المأموم واحداً وقف عن يمينه، وإن وقف عن يساره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علمها قبل الصلاة أو لم يعلمها أصلاً إلا بعد الصلاة، لقصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه...
(ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه بحق) لما في الحديث: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وانرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون". والمراد من جهة دينه إذا كرهوه. أما لو كان بغير حق أو لأجل أنه ينهاهم عن منكر فلهذا أن يبقى ولا تكره إمامته لهم، فإنهم ما كرهوه إلا لأغراض أنفسهم وتأييدها. وتارة يكرهونه لما فيه من الصلابة وملازمة السنة وتأييدها. ويحرص على دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
(والسنة وقوف المأمومين خلف الإمام) لفعله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى قام أصحابه خلفه. و(لحديث جابر وجبّار لما وقفا عن يمينه ويساره أخذ بأيديهما فأقامهما خلفه رواه مسلم) ويستثنى من ذلك إمام العراة فإنه يقف وسطهم. (وأما صلاة ابن مسعود بعلقمة والأسود وهو بينهما. فأجاب ابن سيرين: أن المكان كان ضيقاً) فإن المكان فيه عرض وليس فيه طول.

(2/28)


(وإن كان المأموم واحداً وقف عن يمينه، وإن وقف عن يساره

ص -129-

أداره عن يمينه)، (ولا تبطل تحريمته)، (وإن أمّ رجلا وامرأة وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفه لحديث أنس، رواه مسلم)، (وقرب الصف منه)، (أفضل)، (وكذا قرب الصفوف بعضها من بعض)، (وكذا توسطه الصف لقوله صلى الله عليه وسلم: "وسطوا الإمام وسدُّوا الخلل")، (وتصح مصافّة صبي لقول أنس: صففت أنا واليتيم وراءه والعجوز خلفنا)، (وإن صلى فذّا لم تصح)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أداره عن يمينه) فلو أحرم عن يساره أداره، (ولا تبطل تحريمته) لقصة ابن عباس لما أداره النبي صلى الله عليه وسلم لم تبطل تحريمته (وإن أمّ رجلا وامرأة وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفه لحديث أنس، رواه مسلم) "أقامني عن يمينه، وأم سليم خلفنا".
(وقرب الصف منه) من الإمام (أفضل) لأنه أكمل للاقتداء. (وكذا قرب الصفوف بعضها من بعض) أفضل من بعدها. وفي الحديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: "تقدموا فأتموا بي" (وكذا توسطه الصف لقوله صلى الله عليه وسلم: "وسطوا الإمام وسدُّوا الخلل") هذا دليل المسألة، (وتصح مصافّة صبي لقول أنس: صففت أنا واليتيم وراءه والعجوز خلفنا) والنساء خلف إذا قمن وصففن مع صبي.
(وإن صلى فذّا لم تصح) الفذ: الفرد. يعني من غير عذر لحديث: "لا صلاة لفرد خلف الصف". أما إذا كان عذر لم يجد موقفاً عن يمين الإمام أو لا يتمكن من تخلل الصفوف إليه فإنه يصلي فذاً وتصح. وإن زالت الفردية قبل الفراغ من الركوع فإنه ليس بفذ حكماً.

ص -130-

(2/29)


(وإن كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه صح ولو لم تتصل الصفوف)، (وإن كان بينهما طريق وانقطعت الصفوف لم يصح واختار الموفق وغيره أن ذلك لا يمنع الاقتداء لعدم النص والإجماع)، (ويكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين)، (قال ابن مسعود لحذيفة: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، رواه الشافعي بإسناد ثقات)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وإن كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه صح ولو لم تتصل الصفوف) إذا كان في المسجد واحد، (وكذ لو لم يرً أحدهما إذا سمع التكبير كالمشاهدة) وإن لم يره ولم ير من وراءه صحت إذا سمع التكبير لحصول الاقتداء بالسماع، لأنهم في موضع الجماعة فاكتفى بما يحصل به الاقتداء وهو السماع ولم يحتج إلا رؤية الإمام، ورؤية من وراءه؛ لأنهم في موضع العبادة وهو واحد. (وإن كان بينهما طريق وانقطعت الصفوف لم يصح واختار الموفق وغيره أن ذلك لا يمنع الاقتداء لعدم النص والإجماع) ثم عدم اتصال الصفوف: بأن يكون بينهما مكان صف هذا أحد الأقوال. وقيل: أكثر من ذلك. ثم هذا فيه الخلاف. والقول الآخر تصح.
(ويكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين) إذا كان الارتفاع ذراعاً فأكثر بخلاف ما دون ذلك فإنه لا يكره، لصلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر فيركع عليه وإذا أراد السجود نزل. (قال ابن مسعود لحذيفة: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، رواه الشافعي بإسناد ثقات)لحديث: "إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مكانهم" فالجمع بين هذا الحديث وبين صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر أن العلو إذا كان

(2/30)


ص -131-
(ولا بأس بعلو مأموم لأن أبا هريرة صلّى على ظهر المسجد بصلاة الإمام، رواه الشافعي)، (ويكره تطوع الإمام في موضع المكتوبة بعدها)، (لحديث المغيرة مرفوعاً رواه أبو داود)، (لكن قال أحمد: لا أعرفه عن غير علي)، (ولا ينصرف المأموم قبله لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف")، (ويكره لغير الإمام اتخاذ مكان في المسجد لا يصلي فرضه إلا فيه لنهيه صلى الله عليه وسلم عن إيطان كإيطان البعير).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسيراً دون ذراع لم يكره، (ولا بأس بعلو مأموم لأن أبا هريرة صلّى على ظهر المسجد بصلاة الإمام، رواه الشافعي) يعني والإمام أسفل، ولا بد من عدم التقدم. وهذا تقدم الكلام حوله.
(ويكره تطوع الإمام في موضع المكتوبة بعدها) لأنه يتوهم الداخل أنه يصلي بالناس فينبغي أن يتنحى يمنة أو يسرة، أو خلفه، أو يتقدم، (لحديث المغيرة مرفوعاً رواه أبو داود) "لا يصلين الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه" (لكن قال أحمد: لا أعرفه عن غير علي) يعني لا أعرف كراهية ذلك عن غير علي (ولا ينصرف المأموم قبله لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف") لحديث: "إنما أنا إمامكم فلا تسبقوني" الحديث (ويكره لغير الإمام اتخاذ مكان في المسجد لا يصلي فرضه إلا فيه لنهيه صلى الله عليه وسلم عن إيطان كإيطان البعير)1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 معناه أن يألف الرجل مكاناً معلوماً من المسجد مخصوصاً له يصلي فيه، كالبعير لا يأوي من عطن إلا لمبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخاً. هذا أحد القولين في معناه. (النهاية لابن الأثير).

(2/31)


ص -132-
(ويعذر في ترك الجمعة والجماعة مريض)، (وخائف)، (أو ما هو مستحفظ عليه)، (لأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بلل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق)، (لقول عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر: "صلوا في رحالكم" أخرجاه)، (ولهما عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير يوم جمعة: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله. فلا تقل: حيَّ على الصلاة قل: صلُّوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني، يعني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة:
(ويعذر في ترك الجمعة والجماعة مريض) وأدلة ذلك كثيرة. (وخائف) ضياع ماله لو ذهب يصلي الجمعة ضاع ماله، (أو ما هو مستحفظ عليه) أو مال مستحفظ عليه سواء بأجرة أو لا فإنه يعذر، (لأن المشقة اللاحقة بذلك أكثر من بلل الثياب بالمطر الذي هو عذر بالاتفاق) ومن المعلوم أنه يلحق من يخاف على ماله أعظم من مشقة المطر، فاشترك في ذلك الجمعة والجماعة.
(لقول عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر: "صلوا في رحالكم" أخرجاه) فهذا من أدلة كون المطر عذراً في ترك الجماعة والجمعة، كما سبق.
(ولهما عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير يوم جمعة: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله. فلا تقل: حيَّ على الصلاة قل: صلُّوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: فعله من هو خير مني، يعني

ص -133-

رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض)، (ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً)، (ولو خلا من آدمي لتأذي الملائكة بذلك).

(2/32)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض) فهذا يدل على أن المطر عذر في ترك الجمعة، فبطريق الأولى أن يكون عذراً في ترك الجماعة.
(ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً) لحديث: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا"، (ولو خلا من آدمي لتأذي الملائكة بذلك) كما في إحدى روايات هذا الحديث: "فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
ص -134-

باب صَلاة أهل الأعذار
(يجب أن يصلي المريض قائماً في فرض)، (لحديث عمران: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باب صَلاة أهل الأعذار
وهم أنواع كما يأتي، ولهم أحكام خاصة.
(يجب أن يصلي المريض قائماً في فرض) كما هو الأصل. ألصل القيام فيها، ولو كان مريضاً ما لم يصل مرضه إلى ما يأتي بيانه (لحديث عمران: "صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى
جنب" رواه البخاري)، (وتصح صلاة فرض على راحلة واقفة أو سائرة خشية تأذ بوحل ومطر)، (لحديث يعلى بن أمية)، (رواه الترمذي وقال: العمل عليه عند أهل العلم)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/33)


جنب" رواه البخاري) فإن لم يستطع صلى قاعداً للأدلة المخصصة لعموم أدلة القيام، فإذا عجز عن القيام أو شق عليه القيام صلى قاعداً. فإذا عجز أصلاً عن القعود بحيث لا يثبت جالساً، إلا بممسك أو يستطيع أن يجلس لكن بمشقة لا تحتمل فيسقط عنه الجلوس ويصلي مضطجعاً، وتكون صلاته على جنبه. وعمران كان به مرض البواسير وهو الداء الذي يكون بالمقعدة فلا عَذَرَه بمطلق المرض، بل بيَّن له أحكام كا حالة.
(وتصح صلاة فرض على راحلة واقفة أو سائرة خشية تأذ بوحل ومطر) كذلك. ويأتي دليله (لحديث يعلى بن أمية).
ويقال ابن منية ولفظه: "انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راجلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، يعني إيماءً يجعلِ السجود أخفض من الركوع"، هذا عذر في الصلاة على الراحلة الفريضة وغيرها، وأن الجماعة بحالها لا تسقط، فيتقدم الإمام أمامهم، ويومون إيماءً، ويكون السجود أخفض من الركوع (رواه الترمذي وقال: العمل عليه عند أهل العلم) وهذا في الفريضة. وأما النافلة فتصح مطلقاً. ومثل المطر والطين في الأرض المرض، أو خوف يخشى على نفسه أو راحلتهم، بل أولى.

ص -135-

(والمسافر يقصر الرباعية خاصة)، (وله الفطر في رمضان)، (وإن ائتم بمن يلزمه الإتمام أتم)، (ولو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة ولا يعلم متى تنقضي أو حبسه مطر أو مرض قصر أبداً)، (والأحكام المتعلقة بالسفر أربعة: القصر، والجمع، والمسح، والفطر)، (ويجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/34)


(والمسافر يقصر الرباعية خاصة)هذا من الأعذار "السفر"، فعذره يخوله أن يصلي الرباعية ركعتين، هذا دلت عليه السنة. (وله الفطر في رمضان) وكذلك له أن يفطر، وله أن يصوم؛ لكن الفطر أفضل.
(وإن ائتم بمن يلزمه الإتمام أتم) متابعة لإمامه الواجبة عليه، (ولو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة ولا يعلم متى تنقضي أو حبسه مطر أو مرض قصر أبداً) بلا حد؛ بل حده انقضاء ما حبسه ومنعه، غلب على ظنه كثرة ذلك أول قلته، أو لم يغلب على ظنه بل غلب على ظنه قصر ذلك، أو استوى عنده الأمران؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة.
(والأحكام المتعلقة بالسفر أربعة: القصر، والجمع، والمسح، والفطر) والمسح معروفة أحكامه في بابه، والقصر والفطر تقدما، والجمع يأتي.
(ويجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين) والجمع هو أحد عوارض السفر، كما أن من عوراض السفر القصر. والقصر عزيمة، والجمع رخصة. والجمع يكون تارة للسفر، وتارة يكون للمرض، وتارة يكون للمطر، وتارة يكون لغيرهما. وفعله في بعض الأحيان
ص -136-

(في وقت أحدهما)، (للمسافر)، (وتركه أفضل)، (غير جمعي عرفة ومزدلفة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفضل من تركه. والأكثر في موارده أن الترك أفضل. والجمع إنما هو بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وهما العشاءان، فلا جمع بين العصر والمغرب بحال، كما لا جمع بين الظهر والفجر بحال. إنما الجمع بين الوقتين الذين وقتهما واحد؛ فللعذر هو لهما وقت واحد. والأصل فيه السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس وغيره. (في وقت أحدهما) إما في وقت الظهر جمع تقديم، أو في وقت العصر جمع تأخير.

(2/35)


(للمسافر) هذه أحد الحالات التي يجوز فيها الجمع. وحيث ساغ الجمع السفري ونحوه فإنه يجوز أن يجمع تقديماً، ويجوز أن يجمع تأخيراً. ولكن هنا أفضلية: تارة يكون الأفضل جمع تقديم، وتارة يكون يكون الأفضل جمع التأخير. وبعض الأحيان يكون لازماً، وبعض الأحيان يكون ليس بلازم بل نظرا إلى ما هو الأرفق، وإذا استويا فالأولى جمع التأخير، لما فيه من الأحوطية.
في سفر قصر. وحدّه: أنه أربعة برد. إلى أخره. وعند الشيخ تقي الدين: أنه ما يسمى سفراً يحمل فيه الزاد والمزاد فهذا هو الذي يفطر فيه وهو الذي يقصر فيه وهو الذي يجمع فيه بين الصلاتين. هذا من ناحية المسافة. ويشترط أن لا يكون السفر منهياً عنه.
(وتركه أفضل) إذا كان نازلاً وليس نيته الارتحال بين الوقتين.
(غير جمعي عرفة ومزدلفة) يستثنى من ذلك جمعان: أحدهما:
ص -137-

(ولمريض يلحقه بتركه مشقة)، (لأنه صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ولا سفر)، (وثبت الجمع للمستحاضة وهو نوع مرض)، (واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر)، (وقال: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة أو شغل)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمع عرفة، والآخر: جمع مزدلة. فالأفضل فيهما الجمع: جمع عرفة تقديماً، وجمع مزدلفة تأخيراً، ليتوفر الوقت للدعاء فيكون من الظهر إلى المغرب كله وقوف. وفي التأخير لمزدلفة اتصال السير. فجمع عرفة أفضل مطلقاً، وكذلك جمع مزدلفة.

(2/36)


(ولمريض يلحقه بتركه مشقة) هذا الشيء الثاني الذي يُسَوَّغُ الجمع، المريض الذي يلحقه بتركه مشقة (لأنه صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ولا سفر) فتعين أن يكون ذلك للمرض، فيكون هذا من أدلة جمع المريض بين الصلاتين (وثبت الجمع للمستحاضة وهو نوع مرض) فيكون أيضاً من أدلة الجمع للمرض. ونحوها من به سلس البول والقروح السيالة التي تسيل منها النجاسة كثيراً فيعفى عنها، فإن الكل له الجمع. (واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر) وقد ثبت الجمع للمطر والذي يلحق أصحاب هذه الأمور المرض ونحوه من المشقة أكثر مما يلحق في المطر، فدل على ثبوت الجمع للمرض والاستحاضة وما في معناها ممن به سلس البول أو سلس المذي الخ. بجامع المشقة.
(وقال: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة أو شغل) تقد بيان أشياء تبيح ترك الجمعة والجماعة فما منها من شيء إلا ويبيح الجمع بين الصلاتين، وهذا مذهب أحمد، ومذهبه رحمة الله عليه أوسع
ص -138-

(وقال: صحت صلاة الخوف النبي صلى الله عليه وسلم من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة)، (وأما حديث سهل فأنا أختاره)، (وهي صلاة ذات الرقاع)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المذاهب في ذلك، فإنه يرى الجمع للشغل. ومن هذا مثلاً حفر الآبار فيما تقدم حين كان السني على البهائم لو خرجوا لصلاة الظهر لتزايد الماء عليهم، فيجوز أن يجمعوا. ومثله من يبتلى بذود الجراد والدبا ونحو ذلك؛ بخلاف مطلق الأشغال فإنها ليست مرادة هنا؛ إذ الإنسان لا يخلو غالباً من شغل، ولو قيل بذلك لكان الفرد يجمع كل يوم أو الجماعة يتفق لهم أشغال وهذا لا قائل به؛ بل المراد الشغل الذي يحصل بتفويته نقص.
صلاة الخوف:

(2/37)


(وقال: صحت صلاة الخوف النبي صلى الله عليه وسلم من ستة أوجه أو سبعة كلها جائزة) الخوف عذر، كما أن السفر عذر، والمرض عذر، والمطر عذر. وصلاة الخوف جاءت بصفات عديدة كلها جائزة. والأصل في شرعيتها الكتاب العزيز والسنة المطهرة. فمن الكتاب قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [4/101] الآية، والآية بعدها، والسنة بذلك مستفيضة. (وأما حديث سهل فأنا أختاره) سهل بن أبي حثمة وإنما اختاره أحمد لأنه أوفق لما دل عليه القرآن، ولأنه أقل أفعالاً، الثالث قلة الأفعال المخالفة لأصل الصلاة: فيها وغير ذلك (وهي صلاة ذات الرقاع) وهي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع غزوة
ص -139-

(طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. متفق عليه)، (وله أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها رواه أحمد وأبو داود والنسائي)، (ويستحب حمل السلاح فيها لقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ})، (ولو قيل بوجوبه لكان له وجه)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/38)


غطفان بأرض نجد. وسميت ذات الرقاع لأن الظَهْرَ قليل وإنما يمشون على أرجلهم حتى نقبت فكانوا يضعون الرقاع على أرجلهم. وصفتها أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أصحابه طائفتين (طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. متفق عليه) فكانت له ركعتين، ولكل طائفة ركعتين. فهذه هي التي اختارها أحمد.
(وله أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها رواه أحمد وأبو داود والنسائي) وهذه إحدى صفات صلاة الخوف: أنه صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة ركعتين وسلم بها، ثم ذهبوا يحرسون، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعتين، فصار للنبي أربع، ولكل طائفة ركعتين. وإذا لم يكن خوف لم تصح (ويستحب حمل السلاح فيها لقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ}) لهذه الآية الكريمة. ولا يثقله يكون شيئاً خفيفاً: فرد، خنجر، سكين. (ولو قيل بوجوبه لكان له وجه) يعني لأن الله أمر
ص -140-

(لقوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [4/102])، (وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها)، (لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [2/239])، (يومون إيماء بقدر الطاقة)، (ويكون السجود أخفض من الركوع)، (ولا تجوز جماعة إذا لم تمكن المتابعة).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/39)


بذلك، مراده أنه إن كان قاله أحد من أهل العلم فهو وجيه، وإن لم يكن أحد قال به فليس بوجيه ما قاله، يعني مسألة الوجوب. أما الاستحباب فظاهر (لقوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [4/102]).
(وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) صلاة الخوف التي لم يشتد فيها الخوف تشترط فيها الصلاة إلى القبلة. وإذا اشتد الخوف وهو أن يكون حال المسايفة فيسقط الاستقبال فيها والجماعة، ويفعلون ما يستطيعون من استقبال القبلة والقيان ونحو ذلك، (لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [2/239]) وكل من الصلاتين صلاة الخوف الشديد والخوف غير الشديد في القرآن الكريم. والصفات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي قال أحمد أنها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم هي في الخوف غير الشديد. (يومون إيماء بقدر الطاقة) كما تقدم أن عليهم أن يفعلوا ما يستطيعون (ويكون السجود أخفض من الركوع) كما تقدم في صلاة المريض. (ولا تجوز جماعة إذا لم تمكن المتابعة) فقد شُرط الإئتمام لأجل الخوف. ثم الهارب خوفاً من عدو أو سبع أو سيل يصلي إذا أدركه الوقت ويفعل ما يستطيعه ويسقط عنه ما لا يستطيعه، حكمه حكم الخائف الخوف الشديد.

ص -141-

بابُ صَلاةِ الجُمْعَة
(وهي فرض عين)، (على كل مسلم)، (بالغ)، (عاقل)، (ذكر)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ صَلاةِ الجُمْعَة

(2/40)


اشتقاقها من الجمع، سميت بذلك لجمعها الخلق الكثير. وقيل: لأن الله جمع فيها خلق آدم وتم في هذا اليوم. وفضل هذا اليوم مشهور معلوم من النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة" الحديث. ثم هذا اليوم له مزايا وخصائص عظيمة عديدة (وهي فرض عين) كما أن الظهر والعصر فرض عين؛ بل هذا الفرض آكد من سائر بقية فروض اليوم (على كل مسلم) هذا قيد يخرج الكافر فإنها غير واجبة عليه الجمعة، ولا الصلاة بمعنى أنها لا تصح منه ولا يقضيها إذا أسلم، لا بمعنى أنهم لا يعاقبون على تركها كما يُعاقبون على كفرهم؛ فإن الواحد منهم إذا أسلم لا يطالب ولا يلزمه قضاء ما تركه في كفره؛ لأنه مطالب أوّلاً بالتوحيد، فإن لم يحصل منه التوحيد فإنه لا يصح منه ما عداه (بالغ) فلا تجب على الصبي لعدم تكليفه. (عاقل) فلا تجب على مجنون لفقده العقل، ولا تصح منه. المجنون جنوناً مطبقاً مطلقاً. والذي يخنق لا يجب عليه فعلها إذا لم يفق ويدرك من الوقت شيئاً لا من أوله ولا من آخره ولا من وسطه، والجمعة كذلك. فالعقل شرط للصحة والوجوب، والتمييز شرط للوجوب وليس بشرط للصحة، (ذكر) لأن المرأة شأنها الاستتار وعدم البروز في الغالب من أمرها، والبروز إنما
ص -142-

(حر)، (مكلف)، (مستوطن)، (ببناء يشمله اسم واحد)، (ومن حضرها ممن لا تجب عليه أجزأته)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/41)


هو للعارض، فلذلك سقطت عنها الجمعة (حر) هذا قيد يخرج العبد فإنه على المشهور لا تجب عليه لنقصه بأمور لازمة له لسيده. وقد قيل بوجوبها في حقه فيما أظن1، فالعبد محبوس بحكم الرق الشرعي مستحقة منافعه لغير؛ بخلاف الحر فإنه يملك منافع نفسه (مكلف) يعني بالغ عاقل أخرج الذي لم يبلغ -الصبي الذي ما بلغ- ويخرج المجنون كما تقدم فإنه لا نية له، والصبي تصح منه ولا تجب عليه؛ لأن له نية، إلا أن عباداته من باب التطوع لا من باب الفريضة. (مستوطن) هذا شرط آخر، فإن كان غير مستوطن بأن كان منزله الخيام وبيوت الشعر كالبوادي يرتحل عنه شتاءً أو صيفاً فإنها لا تجب عليهم في كلام كثير من أهل العلم، (ببناء يشمله اسم واحد) وسواء كان البناء فراسخ فإنه يلزم السعي إلى الجمعة من نفس المصر ولو كان بينه وبين المسجد خمسة فراسخ فأكثر. والبناء من إسمنت، أو حجر، أو مدر، أو قصب، بناء من ألواح، أو نحوها كعسف وهو الوشي، أو العشة، ومثله الصنادق وأشباهها مما جنسه يتخذ للاستيطان. فإذا كان خارج المصر وكان بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنها لا تجب عليه (ومن حضرها ممن لا تجب عليه أجزأته) المرأة لو حضرت وصلت الجمعة في المسجد أو في مكان يصح فيه الاقتداء، أو المسافر وصلى معهم، أو الصبي، أو العبد: صحت من الجميع؛ لأن إسقاطها عنهم رخصة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وجوبها على العبد قوي: إما مطلقاً، وإما إذا أذن له سيده. (مجموع الفتاوى جـ 24/184).

ص -143-

(وإن أدرك ركعة أتمها جمعة وإلا أتمها ظهراً)، (ولا بد من تقدم خطبتين)، (فيهما حمد الله)، (والشهادتان)، (والوصية بما يحرك القلوب وتسمى خطبة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/42)


وهم أخذوا بالعزيمة، بل أرادوا ما هو أعلى من حالة التخفيف. وكذلك المريض والخائف. (وإن أدرك ركعة أتمها جمعة وإلا أتمها ظهراً) إذا جاء المسبوق وقد فاته ركعة فاجتمع مع الإمام في ركوع الركعة الثانية فإنه يكون مدركاً للجمعة، ومن لم يدرك إلا أقل من ذلك بأن لم يدخل مع الإمام حتى رفع الإمام من الركوع لم يكن مدركاً للجُمعة، بل يتمها ظهراً بشرطين. الأول: أن يكون وقت الظهر قد دخل. الثاني: أن يكون قد نواها ظهراً، وإلا لم تصح منه ظهراً لفوات الشرطين أو أحدهما.
(ولا بد من تقدم خطبتين) لصحة صلاة الجمعة، للآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [62/9] الآية يراد بها الخطبة، أو الخطبة والصلاة جميعاً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين قبل الصلاة، وكونه لم يخل بذلك مرة واحدة.
(فيهما حمد الله) لفظ: الحمد لله. ويؤخذ من كلام بعض أهل العلم أن ما يدل على الثناء لا تصح به بل لا بد من لفظ الحمد. والزيادة على هذه الكلمة مستحب خروجاً من خلاف من قال بالوجوب والشرطية، ولأنه أكمل. (والشهادتان) ولا بد من ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل عبادة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، (والوصية بما يحرك القلوب وتسمى خطبة) كذلك ينبغي أن تكون الخطبة مشتملة على ذكر داعئم الدين وقواعده العظام، وكذلك
ص -144-

(ويخطب على منبر)، (أو موضع عال)، (ويسلم على المأمومين إذا خرج، وإذا أقبل عليهم)، (ثم يجلس إلى فراغ الأذان)، (لحديث ابن عمر رواه أبو داود)، (ويجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة)، (ويخطب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/43)


ينبغي بل يجب أن يأتي بما يحرك القلوب، أما شيء لا يحركها فلا ينبغي. ثم الاقتصار على ذكر فناء الدنيا والموت لا يكفي، كما أنه لا يكفي الاقتصار على كلمات الحكم النافعة، لا بد من موعظة وشيء يحرك القلوب. ثم أيضاً اعتماد التسجيع وكونه همخ الخطيب مرجوح ولا ينبغي، فإن أتى به مع إتيانه بالأمور الهامة فلا مانع من التسجيع.
(ويخطب على منبر) والقصد من ذلك ليكون أبلغ في إسماع الحاضرين إذا كان مرتفعاً (أو موضع عال) إن عدم المنبر، سواء كان بصفة عتبة، أو حجر، أو مرتفع من الأرض. وبعض الناس يزيد في ارتفاع المنبر ولا هو لاينبغي؛ بل ينبغي الاكتفاء بقدر العتبات التي كان يصعدها النبي صلى الله عليه وسلم.
(ويسلم على المأمومين إذا خرج، وإذا أقبل عليهم) يندب أن يسلم عليهم أول ما يخرج عليهم، وكذلك إذا صعد المنبر؛ فحينئذ يسلم سلامين: الأول: حين يتبين عليهم من الباب ونحوه. والثاني: بعدما يستتم واقفاً على المنبر قبل أن يجلس. (ثم يجلس إلى فراغ الأذان) هذا من السنة (لحديث ابن عمر رواه أبو داود) "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب" (ويجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة) لما في الصحيحين من حديث ابن عمر: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس" (ويخطب

ص -145-

قائماً لفعله صلى الله عليه وسلم)، (ويقصد تلقاء وجهه)، (ويقصر الخطبة)، (وصلاة الجمعة ركعتان)، (يجهر فيهما بالقراءة)، (يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين)، (أو بسبح والغاشية)، (صح الحديث بالكل)، (ويقرأ في فجر يومها بآلم السجدة، وسورة الإنسان)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/44)


قائماً لفعله صلى الله عليه وسلم) ولقوله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِماً} [62/11] فإن هذا في خطبة الجمعة، نزلت لما قدم العير من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة فانصرفوا ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً فدل على أنه يخطب قائماً (ويقصد تلقاء وجهه) لفعله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يقصد كان إرعاضاً عنهم أو عن بعضهم. والذي ينبغي أن يكون موقفه مما يسوي بينهم في الصوت. (ويقصر الخطبة) الخطيب لحديث: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه" وأن تكون الأولى أطول من الثانية، كما يندب تطويل الأولى من الرباعية والثلاثية.
(وصلاة الجمعة ركعتان) وهذا بالإجماع، فهي مستقلة وليست بدلاً من الظهر بل الأمر بالعكس. (يجهر فيهما بالقراءة) بالفاتحة فيهما. (يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك (أو بسبح والغاشية) وكذلك إذا قرأ بسبح والغاشية. وإن قرأ بالجمعة والغاشية جاء أيضاً في رواية (صح الحديث بالكل).
(ويقرأ في فجر يومها بآلم السجدة، وسورة الإنسان) تسن القراءة في فجرها بهاتين السورتين. وليس قراءة السجدة من أحل أن فيا سجدة وإن لم يقرأها قرأ سورة فيها سجدة، وإنما اختصتا لما فيهما
ص -146-

وتكره المداومة على ذلك)، (وإن وافق عيد يوم جمعة سقطت الجمعة عمن حضر العيد)، (إلا الإمام فلا تسقط عنه)، (والسنة بعد الجمعة ركعتان، أو أربع)، (ولا سنة لها قبلها)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بدء الخلق والثواب والعقاب والجنة والنار، فالحكمة في ذلك تذكيره بمبدئه حتى يعرف نفسه وربه، وتذكيره بالمعاد حتى يستعد ويخاف ويعمل، حتى يتوفى على ذلك بمنة الله. (وتكره المداومة على ذلك) لئلا يظن وجوبهما، بل يترك بعض الأحيان.

(2/45)


(وإن وافق عيد يوم جمعة سقطت الجمعة عمن حضر العيد) وهي بنفسها لا تسقط بالعيد؛ إذ الجمعة فرض عين، والعيد ليس فرض عين؛ بل فرض كفاية. فالجمعة لا تسقط بذاتها إلا إذا لم يحضر العدد فلا تلزم، لا من أجل سقوطها بالعيد، بل من أجل عدم حضور النصاب، فإن عذر من تخلف أنها ساقطة عنه (إلا الإمام فلا تسقط عنه) عليه أن يقيم الجمعة إذا حضر العدد الكافي.
(والسنة بعد الجمعة ركعتان، أو أربع) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين. وجاء في حديث أبي هريرة الأمر بالصلاة أربع بعد الجمعة، أو كما في الحديث1 وفيه قول آخر: أنها إن صليت في المسجد فأربع وإن صليت في البيت فركعتان فيكون الجمع هو هذا، لا أن لها أقل وأكثر وهذا اختيار الشيخ2.
(ولا سنة لها قبلها) أي راتبة، وإلا فلها سنة قبلها وليست راتبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 "من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً" رواهما مسلم.
2 وانظر مجموع الفتاوى جـ 24/202.

ص -147-

بل يستحب أن يتنفل بما شاء)، (ويسن لها الغسل)، (والسواك)، (والطيب)، (ويلبس أحسن ثيابه)، (وأن يبكر ماشياً)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(بل يستحب أن يتنفل بما شاء) ومما يدل عليه الحديث الذي فيه الترغيب في التبكير للجمعة والصلاة إلى أن يخرج الإمام يعني للصلاة، وفي بعض ألفاظه: "وصلى ما قدر له" ولم يحدد، فإن ذلك سنة لا راتبة، وأقله ركعتان، وأكثره إلا أن يخرج الإمام.

(2/46)


(ويسن لها الغسل) مسنون ذلك بل مؤكد. ثم نعرف أن بعض أهل العلم ذهب إلى وجوب غسل الجمعة استدلالاً بحديث: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" والجمهور على عدم الوجوب، لحديث: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" فإن معناه من توضأ فقد أخذ بالرخصة ونعمت الرخصة، ومن اغتسل فقد أخذ بالعزيمة. وأهل هذا القول يجيبون بأن الوجوب تأكد الندبية، مثل ما يقال: حقك عليّ واجب. وتوسط آخرون بأن قالوا بوجوبه على أهل المهن الذين تكون لهم رائحة إذا لم يغتسلوا. وبكل حال فمزيد الندبية ظاهر. أقل ما يفيد مزيد التأكيد (والسواك) داخل في النظافة المطلوبة، (والطيب) لما روى البخاري عن أبي سعيد مرفوعاً: "لا يغتسل أحد يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن، ويمس من طيب امرأته" الحديث، فيندب التطيب في هذا اليوم لهذا الحديث (ويلبس أحسن ثيابه)لفعله صلى الله عليه وسلم، ولوروده في بعض ألفاظ هذا الحديث. (وأن يبكر ماشياً) يندب التبكير إليها، وأن يكون ماشياً. التبكير كما في الأحاديث: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة" الحديث، و"ماشياً" كما في الحديث: "ومشى".
ص -148-

(ويجب السعي بالنداء الثاني)، (بسكينة وخشوع)، (ويدنو من الإمام)، (ويكثر الدعاء في يومها رجاء إصابة ساعة الإجابة)، (وأرجاها آخر ساعة بعد العصر، إذا تطهر وانتظر صلاة المغرب لأنه في صلاة)، (ويكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يومها وليلتها)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/47)


(ويجب السعي بالنداء الثاني) أي الذي عند المنبر عقب جلوس الإمام على المنبر، لأنه كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا قبل النداء لمن منزله بعيد في وقت وجوب السعي عليه، (بسكينة وخشوع) وأن يكون في مسيره بسكينة ووقار. و"السكينة" بالنسبة إلى الحركة وعدمها بأن يكون ساكناً غير مضطرب. و"الوقار" في الهيئة والشكل. ومن الوقار غض البصر وخفض الصوت ونحو هذا (ويدنو من الإمام) يسن دنوه من الإمام، وجاء: أن مقاعد أهل الجنة قربهم من الله على حسب قربهم من الإمام يوم الجمعة. وكان ابن مسعود يبكر، فإذا جاء ووجد ثلاثة قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد.
(ويكثر الدعاء في يومها رجاء إصابة ساعة الإجابة) فإن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه (وأرجاها آخر ساعة بعد العصر، إذا تطهر وانتظر صلاة المغرب لأنه في صلاة) هذه الساعة فيها أقوال عديدة ذكرها ابن القيم في كتابه "زاد المعاد": ما هي هذه الساعة؟ من جملتها أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يخرج من الصلاة. وأقواها أنها بعد العصر، لما في بعض الأحاديث المصرحة.
(ويكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يومها وليلتها) كذلك لقوله
ص -149-

(ويكره أن يتخطى رقاب الناس)، (إلا أن يرى فرجه لا يصل إليها إلا به)، (ولا يقيم غيره ويجلس مكانه ولو عبده أو ولده)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلى الله عليه وسلم: "أكثروا من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت. قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".

(2/48)


(ويكره أن يتخطى رقاب الناس) الواحد الحاضر للجمعة ليس له أن يتخطى رقاب الناس الجالسين في الصف، للنهي عنه في الحديث، والوعيد عليه؛ فإنه جاء في الحديث: "الذي يتخطى رقاب الناس إنما يتخذ جسراً إلى جهنم" أو كما في الحديث. وفي الحديث الآخر: "إجلس فقد آنيت وآذيت" ففيه النهي عن ذلك، وبيان العلة وهو أذية الناس الذين يتخطى رقابهم (إلا أن يرى فرجه لا يصل إليها إلا به) لا يصل إلى موضعه ليصلي فيه فإن هذه حاجة. هذه مسألة مستثناة أن يكون المتخطي إلى فرجة ولا يصل إليها إلا بتخط لصف فأكثر، فإذا كان فرجة متروكة فلمن رآها وأرادها أن يتخطى، فإن من أمامها من الصفوف الذي ينبغي لهم أن يسدوها فلما لم يفعلوا سقط حقهم، وكان له الحق في التخطي ليسدها.
(ولا يقيم غيره ويجلس مكانه ولو عبده أو ولده) ولو للخلاف القوي، فإن المخالف يستثني العبد لكون منافعه مملوكة لسيده، وكذلك الولد الكبير الخلاف فيه معطوف على العبد. فإذا كان عبده وولده الكبير ممنوع في حقه إقامتهما من مكانهما فالناس بطريق الأولى، وذلك لما كان له من الحق في سبقه إليه؛ فإن عموم الحديث يتناول العبد والولد.

ص -150-

(ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين)، (يخففهما)، (ولا يتكلم)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن مس الحصى فقد لغا" صححه الترمذي)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/49)


(ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين) للحديث: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليصلَّ ركعتين" متفق عليه. (يخففهما) ينبغي الإيجاز فيهما لما في رواية مسلم: "وليتجوز فيهما" وذلك أنه مشروع في حقه شيئان: أحدهما: الإنصات للخطبة. والثاني: إعطاء المسجد حقه بصلاة التحية. فالجلوس من غير فعل للتحية إهمال لها وترك. والإطالة فيها بعض إهمال لمساع الخطبة. فالأولى أن يجمع بينهما فيصلي التحية ويوجز فيها ليحصل له فعل التحية والإصغاء إلى الخطبة لسماع ما يدرك منها.
(ولا يتكلم) للنهي عنه في الأحاديث. منها قوله: "من قال: صه، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" رواه أحمد. فهذا الحديث مفيد النهي عن التسكيت، وهو قول كلمة "صه" وهي كلمة واحدة، فيفيد أن التسكيت بجملة أشد، وأشد منه الكلام لغير تسكيت. فيفيد الحديث أن من صدر منه قول: "صه" فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. أي: لغت جمعته وسقط أجرها الذي امتازت به على غيرها، ولا يعبث والإمام يخطب، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن مس الحصى فقد لغا" صححه الترمذي) العبث بشيء كعبثه بالحصا كإن كان على حصباء، أو ثيابه، أو شيء من بدنه، أو نحو ذلك. وتقدم معنى "فلا جمعة له" فهذا الذي جاء إلى الجمعة ما حصل له إلا التعب: تعب الانتظار والقصد إليها من بعيد لعدم تأدبه وعدم قيامه بما يلزم لها من الإنصات وترك العبث
ص -151-

(ومن نعس انتقل من مجلسه لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك. صححه الترمذي).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ومن نعس انتقل من مجلسه لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك. صححه الترمذي) هذا حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره".

(2/50)


بابُ صَلاة العيدَيْن
(إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ صَلاة العيدَيْن
في الحديث: "الفطر والأضحى وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام" فالأعياد الزمانية السنوية ليس لأهل الإسلام إلا هي، وهي عيد الفطر والأضحى وأيام التشريق. ثم الأعياد المكانية ما فيه إلا يوم عرفة والمشاعر، وما عدا ذلك فهو من أسباب الشرك ومحرم.
و"صلاة العيدين" هي صلاة عيد الأضحى، وعيد الفطر. كل منهما فرض كفاية. وفيه قول: أنها فرض عين، ويستشهد له بالأمر بخروج العواتق وذوات الخدور، بل حتى الحيض اللاّتي ليس من شأنهن الخروج.
(إذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم) أول وقتها بارتفاع الشمس قيد رمح في منظر الناظر، وآخر وقت صلاة العيد زوال الشمس وهو دخول وقت الظهر، فإذا لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال فإنهم يصلونها من الغد لخروج وقت العيد بزوال الشمس يوم
ص -152-

(ويسن تعجيل الأضحى وتأخير الفطر)، (وأكله قبل الخروج إليها في الفطر تمرات وتراً)،
العيد لحديث أبي عمير1 وإن لم يكن صريحاً في الزوال فحمل ذلك على أنه لم يبق وقت تمكن الصلاة فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/51)


(ويسن تعجيل الأضحى وتأخير الفطر) فتفعل صلاة الأضحى في أول وقتها، وعكسه صلاة عيد الفطر فإن المسنون والفضيلة فيها التأخير. والفرق: أنهما اجتمعا في أن الكل صلاة تصلى في الوقت، واختلفا بما يقارنهما من العبادات، فإن عيد الفطر يقارنه عبادة صدقة الفطر قبل الصلاة. والأضحى العبادة المقرونة فيه بالصلاة هي عبادة النحر، ومن المعلوم أن مشروعية ذلك بعد الصلاة، فناسب تقديمها ليتسع الوقت للذبح. والفطر شرع أن تؤخر ليتمكن الناس من إخراج صدقة فطرهم. ويستدل لذلك بما روى الشافعي مرسلاً: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الأضحى، وأخر الفطر وذكر الناس" فهذا يفيد شرعية ذلك وأصل في ذلك. ويفيد أن ينبغي أن تشتمل خطبة العيد على ما يذكر الناس ويعظهم ويحرك قلوبهم.
(وأكله قبل الخروج إليها في الفطر تمرات وتراً) يسن أكله قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، يأكلها في بيته إذا تحقق طلوع الفجر، فإن لم يفعل فبعد صلاة الفجر. والسر في ذلك التفريق بين أول هذا اليوم وبين أول كل يوم مضى من أيام رمضان؛ فكما أن المشروع أن يبادر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 عن انس عن عمومة له من الأنصار قال:غم علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا غداً لعيدهم" رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وحسنه.

ص -153-

(ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي)، (وإذا غدا من طريق رجع من آخر)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/52)


الصائم إلى الفطر، فكذلك أيضاً هنا؛ فإنه ما ترك الطعام فيما قبله إلا طاعة لله، وما أكل في يوم العيد إلا طاعة لله، فإن الأكل قبل الخروج إلى المصلى من المبادرة إلى ما أباحه الله في هذا اليوم. والأفضل في أكله في الفطر على تمرات قبل أن يخرج، لما في حديث بريرة1 وأقل ذلك ثلاث، فإن زاد على الثلاث فينبغي أن يقطع على وتر، ولهذا في الحديث: "إن الله وتر يحب الوتر". (ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي) وهذا مما أفاده حديث بريرة، يفيد مشروعية ذلك وأن يتأخر الإنسان بذوق ذلك حتى يصلي. وإذا كان له أضحية فيكون أول شيء يتناوله منها. والأولى من كبدها، من جهة أنه أسرع شيء يؤكل منه، وكونه أخر الأكل إلى حين ذبح أضحيته. والأكل هنا والسرعة فيه شبيه بالفطر؛ فإنه منع نفسه عن الأكل في أول النهار ندباً، فالمسارعة إلى الفطر يحصل بالمبادرة إلى الكبد.
(وإذا غدا من طريق رجع من آخر) من طريق أخرى. قيل: إن السر في ذلك شهادة ما يمر به له إذا مر بطريق، فما يمر به يشهد له، وإذا مر في طريق آخر شهد له، فتتكرر الشهادات له بممشاه لتلك الطاعة. وقيل: لإغاظة المنافقين، فيغيظ من كان من المنافقين في الطريق الذي ذهب منه، ويغيظ من المنافقين من كان في الطجريق الذي رجع منه. وقيل: إن العلة لا تتعين فيه. وقد ثبت من السنة مخالفة الطريق في العيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي" رواه أحمد.

ص -154-

(فتسن في صحراء قريبة)، (فيصلي ركعتين)، (يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر بعدها ستاً)، (ويكبر في الثانية خمساً)، (يرفع يديه مع كل تكبيرة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/53)


(فتسن في صحراء قريبة) فإن هذا فعله صلى الله عليه وسلم وفعل خلفائه الراشدين رضي الله عنهم من بعده.
(فيصلي ركعتين) أي صلاة العيد ركعتين، وهذا مما لا نزاع فيه أن صلاة العيد اثنتين. (يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يكبر بعدها ستاً) يكبر في الركعة الأولى من الركعتين بعد التحريمة وبعد الاستفتاح ست تكبيرات زوائد. ثم بعد الفراغ منها يستعيذ، ثم يبسمل، ثم يقرأ الفاتحة... (ويكبر في الثانية خمساً) ويكبر في الركعة الثانية قبل القراءة خمساً يعني وبعد تكبيرة الانتقال فإن الخمس هنا زوائد، كما أن الست زوائد، فكان مجموع الزوائد إحدى عشرة؛ لحديث رواه الإمام أحمد1 وهي مندوبة (يرفع يديه مع كل تكبيرة) كل تكبيرة يكبرها المصلي وهو واقف غير منتقل مشروع فيها ذلك، لقول وائل بن حجر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبير" فرقع اليدين للإحرام لا نزاع فيه. وأما رفع اليدين في الانتقال فإن الجماهير على القول به، ولا سيما عند الركوع والرفع منه للسنة2. المقصود أنه مشروع رفع اليدين في تكبيرات العيدين، كما أنه مشروع في تكبيرات الصلاة على الجنازة أيضاً، قال أحمد: فأرى أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 عن عمرو بن شعيب عن جده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة".
2 من ذلك قول ابن عمر: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح للصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه" متفق عليه.

ص -155-

(ويقرأ فيهما بسبح والغاشية)، (فإذا فرغ خطب)، (ولا يتنفل قبلها ولا بعدها في موضعها)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/54)


يدخل فيه هذا كله. فحديث وائل فيه هذا العموم. وإذا استقرأنا النصوص إذا هي كل تكبير يصدر من مصل وهو واقف كثيرة: الإحرام، والاستخارة ترفع فيها اليدان، فكذلك هنا. ويشرع الذكر بين التكبيرات فلو قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر كفى. ولو قال سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. كفى ذلك. قال ابن مسعود: يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم (ويقرأ فيهما بسبح والغاشية) لقول سمرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}" هذا الحديث دليل على شرعية قراءة هاتين السورتين في صلاة العيد. وإن قرأ في الأولى بـ {ق} وفي الثانية بـ {اقْتَرَبَتِ} فكذلك ورد1.
(فإذا فرغ خطب) فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة، وقد سبق ذكر أحكام خطبتي الجمعة، وعرفت ذلك.
(ولا يتنفل قبلها ولا بعدها في موضعها) يكره التنفل في مسجد العيد، وكذلك الصلاة بعد العيد في مشجد العيد، وكذلك يكره أن يقضي فائتة كأن يذكر أنه ما صلى الفجر أو فجر أمس، فهذا يقضي لكن لا في مسجد العيد، فإن فعل فهو مكروه؛ لقول ابن عباس: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما" لأن الصلاة في هذا الموضع توهم الشرعية، فعدم فعلها فيه دفعاً لما قد يتوهم، ولما قد يسببه هذا الفعل في ذلك الموضع من الاشتغال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه مسلم.

ص -156-

(ويسن التكبير في العيدين)، (وإظهاره في المساجد والطرق)، .. (والجهر به من أهل القرى والأمصار)، (ويتأكد في ليلتي العيدين)، (وفي الخروج إليها)، (وفي الأضحى)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/55)


بالصلوات قبل العيد، والأحاديث تدل على أنه لا صلاة قبلها ولا بعدها.
(ويسن التكبير في العيدين) في عيد الفطر للنص عليه في القرآن: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [2/185] وكذلك في ليلة عيد الأضحى (وإظهاره في المساجد والطرق) والمجالس، والمجامع، وفي البيوت، وفي مواضع البيع والشراء، ونحو ذلك (والجهر به من أهل القرى والأمصار) ولا يكون بصفة ظاهرة إلا إذا جهر به ولم يسر ب. فيجهر من حين خروجه من بيته إلى أن يأتي المصلى، لفعل ابن عمر رضي الله عنهما من حين يخرج وهو مشتغل بالتكبير حتى يصلي. يعني وفي حال الجلوس في المسجد، وهو هنا في مصلى العيد أفضل من قراءة القرآن، والقرآن أفضل من سائر الذكر؛ لكن أوقات يكون الذكر فيها أفضل كالصباح والمساء، كما أنه لا يشتغل بالقراءة في الجلوس للتشهد، فتفضيل الذكر لذاته هو القرآن أفضل الأذكار. وهنا فضيلة الذكر لا من جهة الذات بل من جهة تخصيص الوقت به. ثم القراءة ليست من المنكرات في الجلوس للانتظار للعيد، إلا أن البحث في باب الأفضل لمَّا خصت شرعيته في هذا الوقت. ثم مع رغبة الناس عن الأفضل يكون فيه دعاية أن يرغب إلى المفضول نسبياً (ويتأكد في ليلتي العيدين) للآيتين السابقتين (وفي الخروج إليها) لفعل ابن عمر كما تقدم (وفي الأضحى) بل في عشر ذي الحجة كلها ليلاً ونهاراً.

ص -157-

(يبتدأ التكبير المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة)، (والمقيد من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق)، (ويسن الاجتهاد في العمل الصالح أيام العشر).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/56)


(يبتدأ التكبير المطلق من ابتداء عشر ذي الحجة) التكبير ينقسم إلى مطلق، ومقيد. فالمطلق له زمانان. أحدهما: بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان. والثاني: ما يتعلق بعيد النحر، وابتداؤه من استهلال شهر الحج. والمقيد ما قيد بأدبار الصلوات فقط.
(والمقيد من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق) قسم من الزمن مشترك بين المطلق والمقيد من صلاة الفجر يوم عرفة مجتمع فيه المطلق والمقيد. وهذا الابتداء في حق غير المحرم. أما المحرم فبتداؤه من ظهر يوم النحر؛ لأنه مشتغل بالتلبية، والتلبية أخص من التكبير؛ إذا التكبير مشترك بين الحجاج وغيرهم. إلا أنا نعرف أنه مشروع في حق المحرم التكبير أيضاً، وفي حديث أنس: "أنه كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر ولا ينكر عليه". وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وجاء عن السلف فيما يظهر جنس الإتيان بالوتر. (ويسن الاجتهاد في العمل الصالح أيام العشر)1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لحديث: "ما من أيام العمل فيهن أحب لله تعالى من هذه الأيام العشر . قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء".

ص -158-

بابُ صَلاةِ الكسوف
(ووقتها من حين الكسوف إلى التجلي)، (وهي سنة مؤكدة حضراً وسفراً حتى للنساء)، (ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ صَلاةِ الكسوف
أي كسوف أحد النيرين الشمس والقمر.

(2/57)


لا ريب في شرعية صلاة الكسوف، ولا نزاع فيه بين أهل العلم لا سيما كسوف الشمس. (ووقتها من حين الكسوف إلى التجلي) لصلاة الكسوف وقت محدود من أوله إلى آخره. فأوله من حين يبتدأ الكسوف هذا وقتها الحقيقي من أوله. ثم قد يكون أوله نسبياً من حين أدرك الكسوف. وآخره بزوال ما بالشمس والقمر من فقد الضوء وكماله. فإذا لم يوجد منه قليل ولا كثير فلا تكون مشورعية. لقوله: "حتى ينجلي" فدل على أنه لا صلاة قبلها ابتداء (وهي سنة مؤكدة حضراً وسفراً حتى للنساء) شرعية صلاة الكسوف مثل ما تقدم. لكن نعرف أن بعض أهل العلم ذهب إلى فرضيتها. وهذه آكد التطوعات كما سبق. واستنبطها بعضهم من قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [41/37] وأما السنة فأصرح شيء وأبينه فإنها مستفيضة من حديث عائشة وحديث أبي هريرة، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم جماعة.
(ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة) وفي الحديث: "إذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا"، وفي
ص -159-

(وينادى لها الصلاة جامعة)، (ويصلي ركعتين)، (يجهر فيهما بالقراءة)، (ويطيل القراءة والركوع والسجود)، (ثم يتشهد ويسلم)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث زائدة: "لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعتاقة في كسوف الشمس" أخرجه البخاري.
(وينادى لها الصلاة جامعة) فإنه صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي: الصلاة جامعة، إلى أن اجتمع الناس وحشدوا.
(ويصلي ركعتين) للأحاديث الكثيرة في ذلك: حديث عائشة، وأبي هريرة.

(2/58)


(يجهر فيهما بالقراءة) السنة أن يقرأ في الكسوف جهراً، لما جاء في الأحاديث. (ويطيل القراءة والركوع والسجود) وتقريب طولها مبين أنها قريب من سورة البقرة. والركوع ما جاء فيه تقدير، جاء ما يدل على أن زمنه قريب من زمن القراءة.
وإذا رفع من الركوع يستوي إذا رفع، كالأصل في بقية الصلوات، يرفع الإمام مسمعاً، ويحمد، كغيرها من الصلوات، ويجمع الإمام بينهما، ثم يقرأ بعدما يحمد سورة طويلة وهي دون الأولى، ثم يركع كما تقدم وهو دون الأول، ثم يسجد سجدتين طويليتين، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين لعدم وروده. ويظهر من الأحاديث أن لا يغاير بين السجدتين اللتين في الأولى طولهما سواء، والسجدتين اللتين في الأخيرة طولهما سواء؛ إلا أن مجموع السجدتين الأخيرتين أقل من مجموع السجدتين في الأولى. (ثم يتشهد ويسلم) والروايات بينت صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستقصاء لفعله صلى الله عليه وسلم.

ص -160-

(وإن تجلى فيها أتمها خفيفة لقوله: صلى الله عليه وسلم: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم").

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وإن تجلى فيها أتمها خفيفة لقوله: صلى الله عليه وسلم: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم") والمراد إذا حصل التجلي كله ولم يبق شيء من التغير؛ لأن الإبطال غير ممكن، {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [47/33]) فيخفف إذا لم يبق كسوف أصلاً. فإذا زال ما بالقمر والشمس من فقد الضوء وكماله لم يبق ما يوجد منه لا قليل ولا كثير فلا تكون مشروعة حينئذ. فقوله: "حتى ينكشف" وقد انكشف والانكشاف انقضى وفرغ، مدلول هذا أن الصلاة إنما هي إلى هذه الغاية.
بابُ صَلاةِ الاسْتسْقاء
(وهي سنة مؤكدة حضراً وسفراً)،

(2/59)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ صَلاةِ الاسْتسْقاء
الاستسقاء طلب السقيا والغيث، (وهي سنة مؤكدة حضراً وسفراً) وهو قول الجمهور. وبعضهم يذهب إلى عدم فعلها جماعة. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه عند سببه. وقد استسقى صلى الله عليه وسلم والتمر في المرابد، والاستسقاء فيه أوجه: صلاتها جماعة، واستسقاؤه صلى الله عليه وسلم على المنبر، ومرة في طريق من طرق المدينة فرفع يديه ودعا، ومرة في المسجد مع أصحابه. وكل في تلك المواطن يسقون. وفي البر. فهي مشروعة، وقد دلت عليها السنة، مؤكدة تشرع في السفر والحضر بآكدية مع وجود السبب وهو القحط.

ص -161-

(وصفتها صفة صلاة العيد)، (ويسن فعلها أول النهار)، (ويخرج متخشعاً، متذللا، متضرعاً، لحديث ابن عباس صححه الترمذي)، (فيصلي بهم ثم يخطب خطبة واحدة)، (ويكثر فيها الاستغفار)، (ويرفع يديه ويكثر منه)، (ويقول: اللهم اسقنا غيثاً، مغيثاً، هنيئاً، مريئاً، مريعاً، غدقاً، مجللاً، سحاً، عاماً، طبقاً، دائماً، نافعاً، غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم أسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين: اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/60)


(وصفتها صفة صلاة العيد) من كونها ركعتين، وفي الصحراء (ويسن فعلها أول النهار) فإنه صلى الله عليه وسلم فعلها حين خرج حاجب الشمس (ويخرج متخشعاً، متذللا، متضرعاً، لحديث ابن عباس صححه الترمذي) يشرع أن يخرج متخشعاً كما في هذا الحديث المشار إليه، (فيصلي بهم ثم يخطب خطبة واحدة) يعني كصلاة العيد، (ويكثر فيها الاستغفار) يكثر في خطبته المذكورة من الدعاء والاستغفار (ويرفع يديه ويكثر منه) يكثر من ذلك أي رفعاً كثيراً لحديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استسقى رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه" (ويقول: اللهم اسقنا غيثاً، مغيثاً، هنيئاً، مريئاً، مريعاً، غدقاً، مجللاً، سحاً، عاماً، طبقاً، دائماً، نافعاً، غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم أسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين: اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق.

ص -162-

اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً)، (ويستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة)، (ثم يحول رداءه فيجعل ما على الأيمن على الأيسر وعكسه)، (لأنه صلى الله عليه وسلم حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة ثم حول رداءه، متفق عليه)، (ويدعو سراً حال استقبال القبلة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/61)


اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك. اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علينا مدراراً) هذا مما حفظ من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (ويستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة) لما جاء في الحديث ا،ه استقبل القبلة. (ثم يحول رداءه فيجعل ما على الأيمن على الأيسر وعكسه) ومسنون تحويل ردائه ونحوه، وهذا من باب التفاؤل فإنه يتفاؤل أن يحول الله الحال إلى حال أحسن، بتحويل حالة الجدب إلى حالة الخصب. وجنس التفاؤل مما جاء به الشرع، وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل" (لأنه صلى الله عليه وسلم حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة ثم حول رداءه، متفق عليه) ودعا سراً. فدل على مشروعية التحويل المذكور (ويدعو سراً حال استقبال القبلة) يدعو سراً بعد الجهر. وأما في حال استقبال المأمومين والاستغفار فيدعو جهراً.

ص -163-

(وإن استسقوا عقب صلاتهم أو في خطبة الجمعة أصابوا السنة)، (ويستحب أن يقف في أول المطر)، (ويخرج رحله وثيابه ليصيبها المطر)، (ويخرج إلى الوادي إذا سال ويتوضأ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وإن استسقوا عقب صلاتهم أو في خطبة الجمعة أصابوا السنة) لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال: يا رسول الله "هلك الأموال وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه وما نرى في السماء" الحديث. والقصة معلومة معروفة. فدل على شرعية الاستسقاء، وأنه إن اقتصر عليه فقد جاء بوجه من أوجه السنة.

(2/62)


"أو بعد صلاة" كأن يستسقوا بعدما يفرغون من صلاة الظهر أو الفجر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في المسجد هو وأصحابه. ومن أوجهه أنه دعا عند أحجار الزيت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه ذلك، كما أن دعا مرة أو مرتين في السفر.
(ويستحب أن يقف في أول المطر) يعني لا سيما إذا كان أول مطر في السنة بعد الاستسقاء، مع أنه مستحب الوقوف عند كل مطر. وذكر بعضهم أنه مستحب الحسر عن الرأس، وأظنه جاء في حديث أنه فعل ذلك، وقال: "إنه حديث عهد بربه"1 (ويخرج رحله وثيابه ليصيبها المطر) وكذلك يخرج رحله يعني متاعه ليصيبه والرحل القش. فمثل الشداد وبعض الأشياء فهذا مما يستحب يعني رجاء أن ينال رحله وبدنه البركة (ويخرج إلى الوادي إذا سال ويتوضأ) يندب أنه إذا سال وادٍ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 جاء ذلك في حديث أنس قال: "أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر. قلنا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: "إنه حديث عهد بربه" (أخرجه مسلم رقم 898).

ص -164-

(ويقول إذا رأى المطر: اللهم صيباً نافعاً). (وإذا زادت المياه وخيف من كثرة المطر استحب أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)، (ويدعو عند نزول المطر)، (ويقول مطرنا بفضل الله ورحمته)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/63)


في البلد أن يخرج إليه لحديث: "اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهوراً نتطهر به"، (ويقول إذا رأى المطر: اللهم صيباً نافعاً) يعني أول ما يقع المطر يندب أن يقول: "اللهم صيباً" يسمى صيباً؛ لأنه يصوب وينزل "نافعاً" يسأل الله أن يجعله نافعاً؛ فإنه بعض الأحيان ينزل المطر ولا ينتفع به، وجاء الحديث: "ليس القحط أن لا تمطروا، بل القحط أن تمطروا، ثم تمطروا، ثم لا يبارك لكم".(وإذا زادت المياه وخيف من كثرة المطر استحب أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا. اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر) لما في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك.
(ويدعو عند نزول المطر) أي مستحب أن يدعو فإنه وقت إجابة دعوة، يسأل الله سبحانه ويطلبه الطلبات النافعة المهمة، يعني بأن يكون مراعياً ما له مزيد أهمية، وإلا فهو كغيره من أوقات الدعاء.
عبارة أخرى: فإنه وقت يرجى فيه إجابة الدعاء؛ فإنه وقت رحمة من الله للعباد يرجى عند هبته ومده أن يهب للعبد مغفرة ذنوبه، وأن يغيث قلبه كما أغاث الأرض.
(ويقول مطرنا بفضل الله ورحمته) مستحب ومتأكد؛ لحديث زيد
ص -165-

(وإذا رأى سحاباً أو هبت ريح سأل الله من خيره واستعاذ من شره)، (ولا يجوز سب الريح)، (بل يقول: اللهم إني أسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/64)


ابن خالد قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل إلى أن قال فيه: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" فمشروع أن يقول مطرنا بفضل الله ورحمته، وممنوع أن يقال: مطرنا بنوء كذا. فالأول من شكر الله على هذه النعمة. والثاني من كفرانها. فمنكر وحرام ومكروه وكفران أن يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا.
(وإذا رأى سحاباً أو هبت ريح سأل الله من خيره واستعاذ من شره) "سحاباً" يعني مخيلة سحاب. أو هبت ريح استعاذ به تعالى من شرها وسأل الله من خيرها؛ ولهذا في حديث عائشة: "ما هبت ريح إلا جثى رسول الله على ركبتيه يقول...الخ. وجاء في الحديث: أنه إذا رأى في السماء مخيلة يدخل ويخرج إلى أن يجيء أول المطر، ثم يسرى عنه. وسألته عائشة فقالت: إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، وقد رأى قوم العذاب: {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [46/24] يعني والله على كل شيء قدير.
(ولا يجوز سب الريح) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الريح" (بل يقول: اللهم إني أسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به،
ص -166-

وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً. اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)، (وإذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته)، (وإذا سمع نهيق حمار أو نباح كلب استعاذ بالله من الشيطان)، (وإذا سمع صياح الديك سأل الله من فضله).

(2/65)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً. اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) هذا هو المشروع لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح" الحديث.
(وإذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(وإذا سمع نهيق حمار أو نباح كلب استعاذ بالله من الشيطان) وذلك أنها إنما تنهق عند رؤية الشيطان، (وإذا سمع صياح الديك سأل الله من فضله) فيسأل الله من فضله فإنها رأت ملكاً.

ص -167-

بابُ الجَنائِزْ
(يجوز التداوي)، (اتفاقاً ولا ينافي التوكل)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ الجَنائِزْ
الجنائز جمع جَنَازة بالفتح؛ لا بالكسر. وذكرت هنا قبل الزكاة لكون الميت يتعلق به أحكام من جملتها الصلاة عليه وهي من أهمها، ومن جملتها غسله، وتكفينه، إلى آخره.
عبارة أخرى: مناسبة ذكرها هنا أن أعظم أحكامها الصلاة، فإنه إذا مات تعلق به أحكام منها غسله إلى آخره فلما كان أهمها الصلاة ذكرت قبل الزكاة -فتذكر الصلاة على الميت، وما كان قبلها وما بعدها، ونهاية ما يفعل بجسده بخلاف ماله.
(يجوز التداوي) اتفاق بين أهل العلم، إنما اختلفوا في الأفضل: هل هو التداوي، أو تركه؟ لم يقل أحد أنه محرم، فإنه جاء في الحديث: "تداووا عباد الله، ولا تداووا بحرام".

(2/66)


(اتفاقاً ولا ينافي التوكل) يجتمع مع التوكل مثل الأسباب الآخر، مثل: اعق وتوكل. فافعل السبب، وتوكل. ومثل مظاهرته صلى الله عليه وسلم بين درعين، وغير ذلك. فيفعل الأسباب ومع ذلك يتوكل على الله.
س: التوتين؟.
جـ: التوتين فيه كلام لأهل العلم لما فيه من تعجل البلاء، ولكونه نجاسة تدخل في البدن -قطعة من الصديد ويجرح الجلد
ص -168-

(ويكره الكي)، (وتستحب الحمية)، (ويحرم بمحرم أكلاً وشرباً، وصوت ملهاة)، (لقوله: "لا تداووا بحرام")،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويخش فيه، ثم بإذن الله إذا لقح خرج فيه خروج ويخفف وطئ الجدري، ولهم فيه فتاوى: منها الكراهة وهو أقل أحوالها. وصرح بعضهم بأنه مكروه، وأنه تعجل، وأيضاً قد يلقح فيموت. (ويكره الكي) وإلا فهو جائز هو أحد الثلاثة التي فيها الشفاء، فيجوز، وليس بحرام، لكن مع الكراهة، وإنما كان مكروهاً لأن فيه مزيد حرارة ووجع شديد.
(وتستحب الحمية) وهي الامتناع عن بعض المآكل والمشارب التي من طبيعتها أن تمد المرض لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تأكل إنك ناقة".

(2/67)


(ويحرم) التداوي، (بمحرم أكلاً وشرباً، وصوت ملهاة) يحرم أن يشرب حراماً تداويا به، أو يأكل حراماً تداوياً به، أو يتداوى بصوت ملهاة: مثل الطبل، أو دف، أو مزمار، أو غير ذلك من الملاهي الكثيرة؛ فهو منهي عنه، والآية الكريمة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [31/6] فدخل في ذلك الملاهي كلها، فيحرم حضورها فهي من جملة المحرمات التي ليس فيها شفاء، بل كثير من المحرمات تزيد الداء داء؛ لحديث: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً" (لقوله: "لا تداووا بحرام")، ولما في حديث: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" لا سيما إذا كان في داخل الجسد. أما إذا كان على الظاهر فجوزه الشيخ وبعض أهل العلم، وقالوا: إنه يغسل. والميتة أبيح منها ما يدفع به المخمصة، فإنه أبيح له ما يسد رمقه، ومثله أن يأخذ جرعة

ص -169-

(وتحرم التميمة)، (وهي عوذة أو خرزة تعلق)، (ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له)، (وعيادة المريض)، (ولا بأس أن يخبر المريض بما يجد من غير شكوى)، (ويجب الصبر)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خمر يدفع بها غصته يخاف الموت ولا عنده ماء، وهذا ليس من باب التداوي، بل هذا من باب دفع تلف النفس. وأما قوله: "ولا تداووا بحرام" فهو عام.

(2/68)


(وتحرم التميمة) والأحاديث فيها كثيرة، (وهي عوذة أو خرزة تعلق) على الأولاد عن العين، فلأجل ذلك صارت من أكثر ما تستعمل له (ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له) لحديث: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" أي قاطع اللذات، يعني اجعلوه في قلوبكم وفي ألسنتكم، لأجل الاستعداد للموت؛ فإنه يقطع على أهل النعمة نعمتهم. وذكر الموت فيه منافع وفوائد، ولما قام النبي صلى الله عليه وسلم على قبر رجل قال: "إخواني لمثل هذا فأعدوا".
(وعيادة المريض) هذا أحد حقوق المسلم على المسلم السبع، وقيل: إنها فرض على الكفاية. وقيل: إنها سنة مؤكدة، (ولا بأس أن يخبر المريض بما يجد من غير شكوى) أجد كذا وكذا، لا سيما إذا ذكر أنه مجرد إخبار لا شكوى؛ فإن الشكوى على الله، وسمى الله أيوب صابراً مع قوله شاكياً إلى ربه: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}. عبارة أخرى: كأن يقول أتألم من كذا على وجه الإخبار.
(ويجب الصبر) ويجب عليه الصبر على ما يتألم منه من الوجع وحرام عليه التشكي، فالشكوى لا تجوز لمن ليس في أيديهم من الحل والعقد والعافية شيء. والصبر في الشرع أقسام. أحدها: هنا: حبس
ص -170-

(والشكوى إلى الله لا تنافيه)، (ويحسن الظن بالله وجوباً)، (ولا يتمنى الموت لضر نزل به)، (ويدعو العائد للمريض)، (بالشفاء)، (فإذا نُزِلَ به استحب أن يلقن لا إله إلا الله)، (ويوجه إلى القبلة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/69)


النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن أن يفعل بيده شيئاً كأن يشق جيباً ونحوه مما يدل على عدم الصبر (والشكوى إلى الله لا تنافيه) لا تنافي الصبر كما في قصة أيوب (ويحسن الظن بالله وجوباً) لحديث: "أنا عند ظن عبدي بي فإن ظن بي خيراً فله" (ولا يتمنى الموت لضر نزل به) لا يجوز تمني الموت لشدَّة مرض ووجع. والجزع حرام، والصبر واجب. والحديث: "لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي" الحديث.
(ويدعو العائد للمريض) يشرع أن يدعو له (بالشفاء) فيقول: طهور. ويدعو له بالشفاء لما جاء في الأحاديث: "كأن يقول شفاك الله".
(فإذا نُزِلَ به استحب أن يلقن لا إله إلا الله) إذا صار في السياق فيلقن هذه الكلمة برفق، يُذَكَّر بصوت غير رفيع، ونداء يقهم منه الشفقة واللين لذلك الملقن؛ فإنه في حال شدة، كما أن يندب أن يكون الذي يلقنه أحب أهله إليه ليكون أقبل وأونس فينتهز الحالات التي يناسب أن يذكر فيها؛ فإنه أحرى أن يتكلم بهذه الكلمة؛ لأنه جاء في الحديث: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" هذه الفائدة من التلقين كونه يكون آخر كلامه لا إله إلا الله (ويوجه إلى القبلة) توجيهه إلى القبلة مندوب.
ص -171-

(ولا يقول أهله إلا الكلام الحسن)، (لأن الملائكة يؤمنون على ما يقولون)، (وسجى بثوب)، (ويسارع في قضاء دينه)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" حسنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/70)


فإذا مات أغمضت عيناه، لأن الروح إذا خرجت تبعها البصر، فإذا بقيت مفتوحة بقي بمنظر مشوه. فهذه فائدة إغماضهما لئلا يبقى بمنظر كريه، فإنه إذا مات شخصت عيناه إلى فوق، كشد لحييه يفعل في أول ما تخرج روحه ما دام جسده فيه حرارة.
(ولا يقول أهله إلا الكلام الحسن) يندب أن يقولوا الكلام الحسن، كما أنه لا ينبغي أن يقولوا الكلام الحشو فينبغي أن يدعو بالدعوات والأقوال الحسنة لرجاء الإجابة (لأن الملائكة يؤمنون على ما يقولون) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه"، (وسجى بثوب) يعني بعدما يموت ينبغي أن تنزع ثيابه يكون أنْفَه له ولا يحتر فيها، وينبغي أن يكون خفيفاً لئلا يسرع إليه التعفن، وليس المراد هذا الثوب بل لو رداء، والأحسن كونه يستره رهيف، (ويسارع في قضاء دينه) يجب وجوب المسارعة في قضاء دينه: من نذر، أو كفارة، أو حق لآدمي، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" حسنه

ص -172-

الترمذي)، (ويسن الإسراع في تجهيزه)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لجيفة مؤمن أن تحبس بين ظهراني أهله" رواه أحمد)، (ويكره النعي وهو النداء بموته)، (وغسله والصلاة عليه)، (وحمله وتكفينه ودفنه موجهاً إلى القبلة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/71)


الترمذي) لهذا الحديث قوله: "دينه" شمل الديون التي لله والتي للخلق، (ويسن الإسراع في تجهيزه) يندب الإسراع في تجهيز الميت، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لجيفة مؤمن أن تحبس بين ظهراني أهله" رواه أحمد) فمندوب ومشروع لهذا الحديث أن يبادر من حين يتوفى. وذكر العلماء أنه إذا مات غير فجأة؛ فإنه قد يظن بعض الأحيان أنه مات إذا وقف نفسه كما وقع لكثير.
(ويكره النعي وهو النداء بموته) وكان أهل الجاهلية إذا مات أركبوا فرساً: أن فلان مات. فهو من أفعال الجاهلية ينادي فلان مات. هذا من صنع أهل الجاهلية، تعظيماً لموته. ومنهم من يركب فارس أو مطية يحوم في العشائر فلان مات. أم الإخبار لمصلحة فهذا مما لا بأس به إذا لم يكن على وجه ما يمت لجاهلية، والنبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي، فهي للمصلحة لا تدخل في هذا.
(وغسله والصلاة عليه) فرض كفاية، (وحمله وتكفينه) يعني جعل كفن له، وعمل التكفين، إن كان من ماله، وإلا فلا بد للحاضرين أن يشتوا ذلك، ولا بد أن يباشروه ويلفوه في أكفانه. هذا فرض كفاية، كما تقدم (ودفنه موجهاً إلى القبلة) كل هذا فرض كفاية، وفي الآية: يقبر ولا يترك ويهمل، يجب ويتعين فعله ولا يترك.
ص -173-

(ويكره أخذ الأجرة على شيء من ذلك)، (وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة)، (ويسن للغاسل أن يبدأ بأعضاء الوضوء والميامن)، (ويغسله ثلاثاً أو خمساً)، (ويكفي مرة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/72)


(ويكره أخذ الأجرة على شيء من ذلك) بل المشروع أن تفعل هذه الأمور ابتغاء وجه الله مجاناً، يعني تغسيله، والصب عليه، وتطييبه، وكذلك حمله من موقعه إلى أن يوصل إلى محل غسله، وحمله إلى أن يوضع على كفنه، ولف كفنه عليه، وحمله إلى المصلى، وحمله إلى قبره، ودفنه، وحثي التراب عليه. كل هذه فروض كفاية. ولا يحرم أخذ الأجرة على ذلك. وقد لا يكره بعض الأحيان نظير الذي وجد ماء من المياه المكروهة التي صرح العلماء أنها مكروهة ثم لا يجد إلا هو فإنها تزول الكراهة. لو هنا فقير لا يجد إلا هذا فيأخذ وتزول الكراهة؛ فأخذ الأجرة يكره إلا إذا كان هناك حاجة.
(وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة) إلا أن يوصي أن يقبر حول أهل الصلاح1.
(ويسن للغاسل أن يبدأ بأعضاء الوضوء والميامن) لحديث أم عطية: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" تشريفاً للميامن على المشائم، وتشريفاً لأعضاء الوضوء على بقية البدن، (ويغسله ثلاثاً أو خمساً) خمساً سبعاً إذا احتاج إلى ذلك؛ لكن السنة هو ما تقدم (ويكفي مرة) إذا حصل بها الإنقاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: وله فتوى في عدم جواز نقله إلى المدينة المنورة لدفنه فيها. (انظر جـ3 من فتاويه ورسائله ص 226-228).

ص -174-

(وإذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" صححه الترمذي، ولفظه: "والطفل يصلى عليه")، (ومن تعذر غسله لعدم ماء أو غيره يمم)، (والواجب في كفنه ثوب يستر جميعه)، (فإن لم يجد ما يستره ستر العورة، ثم رأسه، وما يليه)، (ويجعل على باقي جسده
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/73)


(وإذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه) وما قبله فلا يصلي عليه لأنها لم تنفخ فيه الروح، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" صححه الترمذي، ولفظه: "والطفل يصلى عليه") ولحديث ابن مسعود في حديث أطوار النطفة، فيدل على أنه بعد الزيادة على أربعة أشهر يغسل ويصلى عليه (ومن تعذر غسله لعدم ماء أو غيره يمم) من أجل كونه في برية، أو لضرورة كحريق، أو غيره مما يخشى سقوط شيء من البدن فإنه ييمم، فيضرب الميمم بيدي نفسه فيمم بهما وجهه وكفيه.
(والواجب في كفنه ثوب يستر جميعه) والزائد على ذلك سنة، (فإن لم يجد ما يستره ستر العورة، ثم رأسه، وما يليه) ستر العورة وجوب من السرة إلى الركبة، فإن لم يكف فيستر به الفرجين وما يليهما، فإن كان أوسع من ذلك فالعورة، فإن وجب زيادة فالرأس أولى من الرجلين، لشرفه؛ فإن فيه الحواس، وفيه الدماغ، وفيه محل العقل إما جميعه أو فيه والقلب جميعاً. والعورة كل البدن من الميت؛ لكن عورته الغليظة هي الفرجان. فإن وجد زائد على السترة والركبة فيجعل على الرأس كما تقدم، ثم يجعل على الميامن (ويجعل على باقي جسده
ص -175-

حشيش أو ورق)، (ويقوم الإمام في الصلاة عليه عند صدر رجل ووسط امرأة)، (ويكبر فيقرأ الفاتحة)، (ثم يكبر فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم)، (ثم يكبر)، (ويدعو للميت)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حشيش أو ورق) قراطاس.
(ويقوم الإمام في الصلاة عليه عند صدر رجل ووسط امرأة).

(2/74)


موقف الإمام في الصلاة على الرجل والمرأة في "صلاة الجنازة" هو ما تقدم لحديث: "أن امرأة توفيت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقام وسطها" أما الرجل فجاء عن أحمد رأسه وفاقاً للشافعي، والآخر لأحمد عند صدره. والحقيقة أنه قائم بينهما. وقيل في تعليل ذلك: لأن المرأة إنما كمالها بحملها بالذكور، والرجل بعلمه وعقله وهو في دماغه وقلبه (ويكبر فيقرأ الفاتحة) يكبر تكبيرة الإحرام، وبعدها يتعوذ، ويبسمل ويقرأ الفاتحة (ثم يكبر) الثانية (فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم) إلى كمالها، (ثم يكبر) الثالثة (ويدعو للميت) وأي دعاء كان يكفي، وبالمشروع أفضل. الكمال أن يدعو بالدعاء المشهور العمومي، ثم يدعو لخاصة نفسه، ومذكور جنسها في الكتب1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ومنه: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته فتوفه عليهما" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. "اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار" رواه مسلم "وأفسح له في قبره ونور له فيه" وإن كان الميت صغيراً قال: بعد ومن توفيته منا فتوفه عليهما: اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفرطاً وأجراً وشفيعاً مجاباً اللهم ثقل به موازينهما وعظم به أجورهما والحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم. (اهـ الروض المربع، قلت: هذا ما أشار إليه الشيخ رحمه الله).

ص -176-

(2/75)


(ثم يكبر الرابعة ويقف بعدها قليلاً)، (ثم يسلم واحدة عن يمينه)، (ويرفع يديه مع كل تكبيرة)، (ويقف مكانه)، (حتى ترفع روي ذلك عن عمر)، (ويستحب لمن لم يصل عليها أن يصلي عليها إذا وضعت، أو بعد الدفن على القبر، ولو جماعة، إلى شهر من دفنه)، (ولا بأس بالدفن ليلا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبارة أخرى: ويكبر أربع تكبيرات لا بد منها، ولا يستفتح، ثم بعد الثالثة يدعو بالدعاء العام، ثم الخاص. (ثم يكبر الرابعة ويقف بعدها قليلاً) ولا يبادر بالسلام (ثم يسلم واحدة عن يمينه) فقط (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) هذا المشروع رفع اليدين عند كل تكبيرة ثبت ذلك في الأحاديث ذكر تكبيرات العيد فإنها أشبه شيء بها، وهذا شأن تكبيرات الواقف: الإحرام، فما بعدها (ويقف مكانه) كما هو (حتى ترفع روي ذلك عن عمر) والتسليمتان جاءت عن بعض. والرجح الذي يعمل به الآن أنه واحدة.
(ويستحب لمن لم يصل عليها أن يصلي عليها إذا وضعت، أو بعد الدفن على القبر، ولو جماعة، إلى شهر من دفنه) من فاتته يستحب أن يصلي عليها إذا وضعت عند الدفن، أو موضع آخر، أو على القبر؛ لكن إلى شهر فإنه أكثر ما وجد شهر، فدل على أن الزائد لم يرد به الشرع، والحد إلى الشرع. أكثر ما ورد أنه إلى شهر.
(ولا بأس بالدفن ليلا) للأحاديث في الدفن ليلاً من ذلك الفن الذي قالت فيه عائشة: "فلم أسمع إلا وقع المساحي".

ص -177-

(ويكره عند طلوع الشمس وعند غروبها وقيامها)، (ويسن الإسراع بها)، (دون الخبب)، (ويكره جلوس من تبعها حتى توضع على الأرض للدفن)، (ويكون التابع لها متخشعاً متفكراً في مآله)، (ويكره التبسم والتحدث في أمر الدنيا)، (ويستحب أن يدخله قبره من عند رجليه إن كان أسهل)،

(2/76)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ويكره عند طلوع الشمس وعند غروبها وقيامها) لحديث عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب".
(ويسن الإسراع بها) يسن الإسراع بالجنازة لما في الحديث: "إن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه" الحديث، (دون الخبب) مما يتضرر به الحاملون، ولكونه يسبب خروج خارج.
(ويكره جلوس من تبعها حتى توضع على الأرض للدفن) بل يكون قائماً إلى أن تدفن (ويكون التابع لها متخشعاً متفكراً في مآله) ظاهر عليه الخشوع والخضوع وأنه صائر إلى القبر، وبعده إلى أن يستقر به القرار في أحد الدارين. (ويكره التبسم والتحدث في أمر الدنيا) فلا ينبغي الضحك ولا الكلام الذي ينافي التفكير في المآل، فإن الموت من أعظم المواعظ، الذي لا ينزجر في مثل هذه الحال قاسي قلب، الضحك أشد فإنه والغيبة في تلك الحال أشد وأشد.
(ويستحب أن يدخله قبره من عند رجليه إن كان أسهل) يعني بأن
ص -178-

(ويكره أن يسجى قبر رجل)، (ولا يكره للرجل دفن امرأة وثم محرم)، (واللحد أفضل)، (ويسن تعميقه وتوسيعه)، (ويكره دفنه في تابوت)، (ويقول عند وضعه: بسم الله، وعلى ملة رسول الله)، (ويستحب الدعاء عند القبر بعد الدفن واقفاً عنده)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/77)


يدخل الرأس أولاً من عند رجلي القبر، ثم يذهب به سلاً بانحدار (ويكره أن يسجى قبر رجل) إنما يفعل بالنساء. أما الرجل فيكره، كما جاء عن علي رضي الله عنه: أنه رفعه، وقال: إنما ينبغي للنساء. وهو الغطية بثوب ونحوه (ولا يكره للرجل دفن امرأة وثم محرم) هذا غير مكروه.
(واللحد أفضل) من الشق وفي الحديث: "اللحد، والشق لغيرنا" والنبي صلى الله عليه وسلم لحد له. واللحد: هو أن يحفر بعد انتهاء القبر في جانبه ما يتسع للميت. والشق أن يحفر في وسطه شبه الساقي فيوضع فيه، يزاد في عمقه ثم يبقى من هنا وهنا وكلُّ جاء، ولكن اللحد أفضل.
(ويسن تعميقه) تغويطه عن السباع (وتوسيعه) لأنه بيته إلى يوم القيامة؛ (ويكره دفنه في تابوت) لأنه خلاف سنة المسلمين في قبورهم (ويقول عند وضعه: بسم الله، وعلى ملة رسول الله) لما روي في ذلك1.
(ويستحب الدعاء عند القبر بعد الدفن واقفاً عنده) يستحب الوقوف بعد الفراغ من دفنه، لحديث: "استغفروا لأخيكم فإنه الآن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لقول ابن عمر: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وضع الميت في القبر قال ذلك" وفي لفظ: "وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ص -179-

(ويستحب لمن حضر أن يحثو عليه من قبل رأسه ثلاث حثيات)، (ويستحب رفع القبر قدر شبر)، (ويكره فوقه لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي: "لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته". رواه مسلم)، (ويرش عليه الماء ويوضع عليه حصباء تحفظ ترابه)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يسأل", ورفع اليدين بعد دفن الجنازة ما جاء فيه شيء، ولا ترفع.
(ويستحب لمن حضر أن يحثو عليه من قبل رأسه ثلاث حثيات) يندب لما ورد1. ثم بعد ذلك يهال إهالة بالمساحي ونحوها.

(2/78)


(ويستحب رفع القبر قدر شبر) لما جاء في وصف قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، وأن يكون مسنماً لما ورد في ذلك2.
(ويكره فوقه لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي: "لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته". رواه مسلم) وهذا بالنسبة إلى الشيء اليسير الذي ليس الرفع الكثير الذي يفعل على وجه الغلو في الميت؛ فإن الثاني محرم، وهو من وسائل الشرك، فإنه جاء النهي عن عدة أشياء تفعل حول القبر. منها: تعليته، ومن المنهي عنه التجصيص. وفتنة القبور عظيمة ووسيلة قوية إلى الإيقاع في الشرك، وقصة العلماء من قوم نوح وما فعل من في زمانهم معهم في قبورهم كاف في ذلك، مع ما ورد من أشياء أخر.
(ويرش عليه الماء ويوضع عليه حصباء تحفظ ترابه) لتلتصق الحصباء بالتراب الذي تطين بالماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لما روى جعفر بن محمد عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم حثا على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعاً".
2 لأنه صلى الله عليه وسلم رفع قبره عن الأرض قدر شبر، وروى البخاري عن سفيان التمار: "أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً".

ص -180-

(ولا بأس بتعليمه بحجر ونحوه ليعرف، لما روي في قبر عثمان بن مظعون)، (ولا يجوز تجصيصه ولا البناء عليه)، (ويجب هدم البناء)، (ولا يزاد على تراب القبر من غيره للنهي عنه، رواه أبو داود)، (ولا يجوز تقبيله ولا تخليقه وهو وضع الخلوق عليه ولا تبخيره)، (ولا الجلوس عليه)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا بأس بتعليمه بحجر ونحوه ليعرف، لما روي في قبر عثمان بن مظعون) "أن النبي صلى الله عليه وسلم علم قبر عثمان بن مظعون بصخرة عند رأسه" رواه أبو داود.

(2/79)


(ولا يجوز تجصيصه ولا البناء عليه) لا ترفع ويغلى فيها، والكتابة وأشباه ذلك. فلا تجصيص من جوانبه، ولا ظهاره (ويجب هدم البناء) لحديث أبي الهياج. وتقدم. (ولا يزاد على تراب القبر من غيره للنهي عنه، رواه أبو داود) بل يكتفى بترابه فقط.
(ولا يجوز تقبيله ولا تخليقه) يعني القبر (وهو وضع الخلوق عليه ولا تبخيره) بالعود ونحوه، إلى غير ذلك من أنواع الغلو فيه المصيرة له وثناً من الأوثان، فإنه منهي عنه؛ وقال عمر لما قبّل الحجر الأسود: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. يعني أن التقبيل للحجر لأجل ربه لا لأجله -فكل ما تقدم من الغلو في القبور، وهو سبب عبادتها؛ ولا عبدت إلا بسبب ما ذكر، كما أن من أنواعه جعلها مساجد، لأن هذه من وسائل الشرك؛ بل بعضها من الشرك.
(ولا الجلوس عليه) ولا هذا مقابل ما تقدم. فأهل الغلو يفعلون

ص -181-

(ولا التخلي عليه)، (وكذلك بين القبور)، (ولا الاستشفاء بترابه)، (ويحرم إسراجه)، (واتخاذ المسجد عليه)، (ويجب هدمه)، (ولا يمشي بالنعل في المقبرة للحديث)، (قال أحمد: وإسناده جيد)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/80)


غلواً لا يسوغ من تقبيلها والبناء عليها. (ولا التخلي عليه) وأهل الجفاء فيها والغلظة لا يبالون بها؛ بل يطؤنها إذا مروا، ويتغوطون، ويبولون. فهذا ظلم للأموات. والأول ظلم التوحيد، وإنزالهم منازل لا يستحقونها. والحق وسط بين هذين الطرفين، فلا تهان، ولا يبال عليها، ولا تخلق إلى آخره (وكذلك بين القبور) لما فيه من عدم احترامهم؛ فإن لهم حرمة كما هم أحياء (ولا الاستشفاء بترابه) أو يؤخذ تراب ويجعل على قرحة بل هذا من الشرك. (ويحرم إسراجه) لحديث: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" فإسراجه من الغلو فيه. (واتخاذ المسجد عليه) وبناء المسجد عليه سواء بناء أو الصلاة عنده. وكلٌّ اتخاذه مساجد. وأعلاه أن يجعل مسجد بحيطانه (ويجب هدمه) إذا بني على القبر وكان القبر سابقاً. فإن أحدث القبر تعين نبشه، فإن لم يفعل هذا ولا هذا لم تجز الصلاة فيه، ولم تصح، سواء هذا السابق، أو هذا.
(ولا يمشي بالنعل في المقبرة للحديث) "لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي أحب إليّ من أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق"، (قال أحمد: وإسناده جيد) لكن إن كان هناك أحجار محددة وكالرمضاء قيظ، أو نحو ذلك فلا بأس.

ص -182-

(وتسن زيارة القبور بلا سفر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" رواه أهل السنن)، (ولا يجوز للنساء لقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" ورواه أهل السنن)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/81)


(وتسن زيارة القبور بلا سفر) وفيها من المصلحة تذكير الآخرة، وإحسان المرء إلى نفسه بفعل هذا الإحسان. الثاني: إحسان إلى النفس بزيارة القريب كما كان مندوباً إلى زيارته في الحياة. وكذلك فيه الدعاء للميت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله" فإنه يتناول الحي والميت.
ونعرف أن الزيارة تنقسم إلى شرعية، وبدعية.
فالشرعية هي زيارتهم للسلام عليهم والدعاء لهم وتذكر الآخرة. والبدعية الشركية هي زيارةٌ لدعائهم والاستغاثة بهم، وتوسيطهم كصنيع المشركين الأولين. وهذا مما ابتلي به كثير من المنتسبين إلى الإسلام، وإن كانت قد خفت لأمرين: أولاً: لبيان العلماء أن هذا من الخرافات. الأمر الثاني: استيلاء الإلحاد والانحلال من الديانات، وإن كان عندهم الإنساب إليه (بلا سفر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" رواه أهل السنن) لا تشد إلى بقعة لطلب قربة غير المساجد الثلاثة.
(ولا يجوز للنساء لقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" ورواه أهل السنن) فقد جاء نهي خاص بالنساء. وعلة أخرى وهو من أجل ما اتصفن به من الخور
ص -183-

(ويكره التمسح به)، (والصلاة عنده)، (وقصده لأجل الدعاء)، (فهذه من المنكرات، بل من شعب الشرك)، (ويقول الزائر والمار بالقبر: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، (يرحم المستقدمين منّا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم)، (ويخير بين تعريفه وتنكيره في سلامه على الحي)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/82)


والضعف وعدم الصبر، فالرجال مأذون لهم، والنساء ممنوعات، أذن للرجال بقوله: "فزورها" ومنع الناس، وشدد المنع بهذا اللعن. والعن لا يكون على مكروه.
(ويكره التمسح به) بالقبر (والصلاة عنده) من اتخاذها مساجد الملعونون في الحديث (وقصده لأجل الدعاء) ظناً أن دعاء الله عنده أجوب (فهذه من المنكرات، بل من شعب الشرك).
(ويقول الزائر والمار بالقبر) أو المار في الجادة إذا كانت تمر بهم -وتقدمت لك شرعية الزيارة- (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) إن شاء الله للتبرك، فإنه لا شك في الموت كقوله: "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين". أو الصلاح فوجهه ظاهر (يرحم المستقدمين منّا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) هذا أحد الألفاظ الواردة في الزيارة، (ويخير بين تعريفه وتنكيره في سلامه على الحي) السلام عليكم. سلام عليكم.
ص -184-

(وابتداؤه سنة، ورده واجب)، (ولو سلم على إنسان ثم لقيه ثانياً وثالثاً أو أكثر سلم عليه)، (ولا يجوز الانحناء في السلام)، (ولا يسلم على أجنبية)، (إلا عجوز لا تشتهى)، (ويسلم عند الانصراف)، (وإذا دخل على أهله سلم)، (وقال: اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وابتداؤه سنة، ورده واجب) فإذا سلم عليك من لا يسوغ هجره فواجب عليك الرد، (ولو سلم على إنسان ثم لقيه ثانياً وثالثاً أو أكثر سلم عليه) يعني أنه لا يكفي في اليوم مرة أو مرتين بل هو مشروع عند التلاقي.
(ولا يجوز الانحناء في السلام) فإنه قسم من الركوع وخضوع فيدخل في العبادة. يعني عبادة هذا المسلم عليه.
س: إذا أشار بيده؟

(2/83)


جـ: لا يجوز هذا؛ لأنه من سلام أهل الكتاب.
(ولا يسلم على أجنبية) فهذا تسبب لكلامها، وكلامها عورة؛ لأنه يثير (إلا عجوز لا تشتهى) وإذا سلمت شابة فاتركها (ويسلم عند الانصراف) لما في الحديث: "ليس الأولى بأحق من الثانية"1، (وإذا دخل على أهله سلم) يقول: السلام عليكم. (وقال: اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: أما السلام بعد انتهاء الصلاة للانصراف فهو مكروه إذا اتخذ عادة. نبه عليه ابن تيمية رحمه الله.

ص -185-

(وتسن المصافحة)، (لحديث أنس: ولا يجوز مصافحة المرأة)، (ويسلم الصغير والقليل والماشي والراكب على ضدهم)، (ويسلم على الصبيان، وإن بلغه رجل سلام آخر استحب له أن يقول عليك وعليه السلام)، (ويستحب لكل واحد من المتلاقين أن يحرص على الابتداء بالسلام، ولا يزيد على قوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، (وإذا تثاءب كظم)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وتسن المصافحة) المسلمان إذا التقيا يسن أن يتصافحا فيجعل كفه في كفه (لحديث أنس1 ولا يجوز مصافحة المرأة) إلا إذا كان ذا محرم، (ويسلم الصغير والقليل والماشي والراكب على ضدهم) هذا ترتيب من يسلم (ويسلم على الصبيان2 وإن بلغه رجل سلام آخر استحب له أن يقول عليك وعليه السلام) جواباً له. وإن قال ورحمة الله وبركاته فهو أفضل في الرد. (ويستحب لكل واحد من المتلاقين أن يحرص على الابتداء بالسلام3 ولا يزيد على قوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)4.
(وإذا تثاءب كظم) يغطي فمه، ويكون الذي يلي فمه ظهر كفه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/84)


1 أنه سئل: "أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم" أخرجه البخاري والترمذي.
2 لعموم الأمر بالسلام على من عرفت ومن لم تعرف.
3 لحديث أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام قال: أولاهما بالله"، أخرجه الترمذي.
4 قال ابن عباس لمن زاد: "إن السلام انتهى إلى البركة" أخرجه في الموطأ.

ص -186-

(وإذا عطس خمر وجهه)، (وغض صوته)، (وحمد الله تعالى جهراً بحيث يسمع جليسه)، (ويقول سامعه: يرحمك الله ولا يشمت إذا عطس من لا يحمد الله)، (ويرد عليه العاطس بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم)، (وإن عطس ثانياً وثالثاً شمته. وبعدها يدعو له بالعافية)، (ويجب الاستئذان على من أراد الدخول عليه من قريب وأجنبي)، (والاستئذان ثلاث)، (وصفة الاستئذان السلام عليكم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وإذا عطس خمر وجهه) ينبغي أن يخمر وجهه يغطيه؛ لكونه يكون بمنظر غير حسن.
(وغض صوته) ويخفض صوته (وحمد الله تعالى جهراً بحيث يسمع جليسه) لما في الأحاديث الدالة على أن الإنسان إذا عطس يقول الحمد لله (ويقول سامعه: يرحمك الله ولا يشمت إذا عطس من لا يحمد الله) إذا عطس، فإنه عطس اثنان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر. فقيل له. فقال: "هذا حمد الله. وهذا لم يحمد الله"، (ويرد عليه العاطس بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم)1 (وإن عطس ثانياً وثالثاً شمته. وبعدها يدعو له بالعافية) لأنه نوع مرض.
(ويجب الاستئذان على من أراد الدخول عليه من قريب وأجنبي) واجب أن لا يدخل إلا بإذنه إن أذن له وإلا رجع لقوله تعالى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [24/28] (والاستئذان ثلاث) لا يزيد عليها، فإن أجيب وإلا فينصرف. (وصفة الاستئذان السلام عليكم،

(2/85)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال أحمد في رواية حرب: هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه (الآداب الشرعية جـ2/335).

ص -187-

أأدخل ويجلس حيث ينتهي به المجلس)، (ولا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما)، (وتستحب تعزية المصاب بالميت)، (ويكره الجلوس لها)، (ولا تعيين فيما يقول المعزي بل يحثه على الصبر ويعده بالأجر ويدعو للميت)، (ويقول المصاب: الحمد لله رب العالمين، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أأدخل) جاء ذلك في أحاديث، (ويجلس حيث ينتهي به المجلس) فإذا وجد في طرف المجلس جلس أو في صدره. والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى إلى مجلس جلس حيث انتهى به المجلس؛ لكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس في أي مكان من المجلس فهو في صدر المجلس، ومن صار حوله فهو في صدر المجلس وحصل الفضيلة والقرب من النبي صلى الله عليه وسلم.
(ولا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما)* (وتستحب تعزية المصاب بالميت) هذه مستحبة معلومة من السنة، (ويكره الجلوس لها) كونه يجلس في محل ليعزى1 (ولا تعيين فيما يقول المعزي بل يحثه على الصبر ويعده بالأجر ويدعو للميت) يندب في هذه الحال الدعوة للميت2، (ويقول المصاب: الحمد لله رب العالمين، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها) إذا عزي المصاب فيجيب بما ذكر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* وفي حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما". رواه أحمد.
1 قلت: ولما توفي الشيخ عبد اللطيف الفرضي الشاعر شقيق الشيخ محمد رحمهما الله تعالى جلس الشيخ ضحوة ذلك اليوم في دار الإفتاء كعادته، ومن عزاه قال: أجاب الله دعاك، الله يغفر له.

(2/86)


2 فيقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك.

ص -188-

(وإن صلى عملاً بقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [2/45] فحسن فعله ابن عباس)، (والصبر واجب)، (ولا يكره البكاء على الميت)، (وتحرم النياحة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرع أن يدعو بهذا الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة كما تقدم1، (وإن صلى عملاً بقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [2/45] فحسن فعله ابن عباس) وجاء في الحديث: أن النبي إذا حزبه أمر صلى.
(والصبر واجب) وهو في اللغة: الحبس. وفي الشرع: حبس القلب عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن مثل ضرب الخدود وشق الجيوب2.
(ولا يكره البكاء على الميت) بل هو مباح، إنما الممنوع النياحة والنبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى بعض أولاد بناته في النزع بكى رحمة للمخلوق، وليس في بكائه ما يضعف الصبر والرضى؛ فجمع بين حق الله وحق المخلوق.
فالبكاء جائز ولا ينافي الصبر، بل يكون بعض الأحيان أفضل من عدمه إذا كان رحمة له وشفقة على الميت مما أمامه فيكون حينئذ قد جمع بين حق الله من الصبر وبين حق الميت من شفقته عليه. وكثير من الناس بكاؤهم ليس إلا لفقد ذات الشخص أو لتمتعه به.
(وتحرم النياحة) وهي الصياح الصراخ؛ بل هي من الكبائر، كما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أو استجاب الله دعاءك ورحمنا وإياك.
2 وتقدم.

ص -189-

(والنبي صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة، والحالقة، والشاقة)، (فالصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة)، (والحالقة التي تحلق شعرها. والشاقة التي تشق ثوبها).

(2/87)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم (والنبي صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة، والحالقة، والشاقة) كما في حديث أبي سعيد (فالصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة. والحالقة التي تحلق شعرها. والشاقة التي تشق ثوبها) وهذا كله من النياحة.

ص -190-

كتاب الزَّكاة
(تجب في بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة)، (بشروط خمسة)، (الإسلام)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب الزَّكاة
لما ذكر المصنف رحمه الله الصلاة ذكر الزكاة. وفرضيتها كما في النصوص. والزكاة أحد أركان الإسلام. واشتقاقها من زكا إذا نما وزاد. وهي تطلق على التطهير أيضاً. قيل: إنها نزلت الزكاة ذات الأنصباء والمقادير بالمدينة.
(تجب في بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة) هذه مباني ما تجب فيه الزكاة. وقد تجب في غيرها مما فيه الخلاف بين العلماء: كالعسل، والمعدن، ونحو ذلك.
(بشروط خمسة) تجب في هذه المذكورات بشروط خمسة: (الإسلام) لأن من لم يكن مسلماً فهو مطالب بما هو أهم من ذلك من رغبته عن الإسلام وبقائه على الكفر. مسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة إلا آخره؟ المشهور أنهم مطالبون بها بمعنى أنهم
ص -191-

(والحرية)، (وملك النصاب)، (وتمام الملك)، (وتمام الحول)، (وتجب في مال الصبي والمجنون)، (روي عن عمر وابن عباس وغيرهما)، (ولا يعرف لهما مخالف)، (وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب إلا في السائمة فلا زكاة في وقصها)،

(2/88)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحاسبون عنها في الآخرة، ويعذبون بها زيادة على كفرهم. وأما في الدنيا فلا تصح: لا في قبولها، ولا في أحكامها، ومن تدفع إليه، ونحو ذلك (والحرية) فالعبد ما في يده ليس فيه زكاة (وملك النصاب) فلا زكاة في مال لم يبلغ النصاب. (وتمام الملك) فلا زكاة فيما ملكه ناقص (وتمام الحول) لحديث: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". أما المعشرات فلا يشترط في وجوب الزكاة فيها تمام الحول، بل يكتفي ببدو الصلاح.
(وتجب في مال الصبي والمجنون) لعموم الأدلة، وللآثار الثابتة عن الصحابة؛ فإن هذا حق يجب فيه المواساة، فاستوى فيه المكلف وغير المكلف. (روي عن عمر وابن عباس وغيرهما) وللعموم في ذلك كما تقدم، وللسر الذي في مال المكلفين. وغير المكلف يملك المال، وكما تجب منه النفقات على الأقارب والبهائم والمماليك. وليست الزكاة كالصلاة؛ فإن الصلاة بدنية فقط يشترط لوجوبها ما علم من التكليف، وأما هذه فعبادة مالية محضة، وما له يسع المواساة، فوجبت المواساة منه. (ولا يعرف لهما مخالف) يعني فيكون إجماعاً.
(وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب إلا في السائمة فلا زكاة في وقصها) أما السائمة فإن فيها مقادير محددة كل مقدار فيه زكاة، فما

ص -192-

(ولا في الموقوف على غير معين كالمساجد)، (وتجب في غلة أرض موقوفة على معين)، (ومن له دين على مليء كقرض وصداق جرى في حول الزكاة من حين ملكه، ويزكيه إذا قبضه أو شيئاً منه، وهو ظاهر إجماع الصحابة، ولو لم يبلغ المقبوض نصاباً)، (ويجزئ إخراجها قبل قبضه لقيام سبب الوجوب)، (لكن تأخيرها إلى القبض رخصة فليس

(2/89)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زاد فلا شيء فيه حتى يبلغ المقدار الآخر. وما عداه من الذهب والفضة وعروض التجارة ونحوها فهو بحسابه ولو نصف صاع. وكذلك الذهب لو زاد مثقالاً أو نصفة، وكذلك الفضة، والحبوب (ولا في الموقوف على غير معين كالمساجد) والقناطر ونحوها؛ لأن الزكاة صدقة ومواساة من المال. وهذا الوقف كله صدقة وعمل خير. (وتجب في غلة أرض موقوفة على معين) أما إذا كان على معين فتجب فيه الزكاة؛ لأنه يملك غلته، نظير ملك مالك الملك الطلق فإن المسألتين سواء، فإن الكل يملك الغلة.
(ومن له دين على مليء كقرض وصداق جرى في حول الزكاة من حين ملكه، ويزكيه إذا قبضه أو شيئاً منه، وهو ظاهر إجماع الصحابة، ولو لم يبلغ المقبوض نصاباً) من حين كان مستحقاً له هذا الدين على هذا الإنسان، فإذا مضى حول وهو في ذمته فإنه يزكيه إذا قبضه لما مضى، وكذلك شيء منه إذا قبضه لما مضى ولو لم يبلغ المقبوض نصاباً إذا صار ما قبض إلا بعضه فإنه يزكيه لكن بشرط أن يكون ما قبض مع ما بقي يبلغ نصاباً. (ويجزئ إخراجها قبل قبضه لقيام سبب الوجوب) وهو وجود النصاب، وتمام الحول (لكن تأخيرها إلى القبض رخصة فليس
ص -193-

كتعجيل الزكاة)، (ولو كان بيده بعض نصاب وباقيه دين أو ضال زكى ما بيده)، (وتجب أيضاً في دين على غير مليء ومغصوب ومجحود إذا قبضه)، (روي عن علي وابن عباس للعموم)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/90)


كتعجيل الزكاة) تعجيلها جائز جواز. أما زكاة الدين وهو عند صاحبه فالأفضل كونه يزكيه ولو ما قبضه؛ ليس الأفضل كونه يؤخرها إلى أن يقبضه (ولو كان بيده بعض نصاب وباقيه دين أو ضال زكى ما بيده) عنده نصف نصاب وفي ذمة زيد له نصف نصاب، يزكي الذي في يده ولو ما تم، والذي في ذمة زيد إن شاء زكى وإلا لا يجب إلا إذا قبضه "أو ضال" أي ضائع عنده نصاب لكن بعضه في يده وبعضه ضائع فإنه يزكي ما في يده، كمن عنده خمس من الإبل ثلاث في يده واثنتين ضائعات فإنه يزكي ما في يده وجوباً، والضال لا يزكيه إلا إذا وجده. وليس مراده الميؤوس منه.
(وتجب أيضاً في دين على غير مليء ومغصوب ومجحود إذا قبضه) الدين الذي على غير مليء لا يجب إلا إذا قبضه، ويجب فيه ولو كان على غير مليء فهو ماله وعنده مال ويصدق أن عنده مال. وكذلك المال المجحود الذي عند مليء جاحده ولا يبينه، وكذلك المغضوب. ولكن لا يجب حتى يقبضه في هذه الصور كلها. وهذا في المغضوب كالقول فيهن. وفي قول أنه يزكيه سنة، وإذا قبضه بعد يكون مالاً جديداً (روي عن علي وابن عباس للعموم) فهو دليل لما ذهب إليه المصنف.
ص -194-

(وإذا استفاد مالاً)، (فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)، (إلا نتاج السائمة وربح التجارة)، (لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم، رواه مالك)، (ولقول علي، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة)، (ويضم المستفاد إلى ما بيده إن كان نصاباً من جنسه أو في حكمه كفضة مع ذهب، فإن لم يكن من جنس النصاب ولا في حكمه فله حكم نفسه)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/91)


(وإذا استفاد مالاً) من إرث أو هبة أو أجرة عقار أو غير ذلك (فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول) وقبل ذلك لا يجب فيه شيء (إلا نتاج السائمة وربح التجارة) فلا يشترط حوله فليس حوله حول التجارة، فلو أن الإنسان عنده ألف يبيع فيه ويشتري وابتداء ملكه إياه على هلا عاشور [محرم]، يبيع فيه إلى الضحية ما نتج فيه شيء ثم العشر الباقية من تمام السنة نتج مائة فيزكيه ولو ما أخذ إلا عشرة أيام أو شهر، فإذا هل عاشور فقد تم له سنة ولو ما بلغ الإنتاج حول سنة (لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم، رواه مالك)فقوله للمصدق الذي بعثه: "اعتد عليهم بالسلخة" يعني في تكميل النصاب "ولا تأخذها منهم" لا تأخذها زكاة؛ فالسلخة التي ما تم لها حول تعد مع المال ولا تؤخذ. (ولقول علي، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة)فكان يعني إجماعاً. (ويضم المستفاد إلى ما بيده إن كان نصاباً من جنسه أو في حكمه كفضة مع ذهب، فإن لم يكن من جنس النصاب ولا في حكمه فله حكم نفسه) المستفاد والمستجد إلى ما في يده له أحوال. أحدها: أن لا يكون له جنس أبداً. الثاني: أن
ص -195-

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون له جنس ولكن دون النصاب. الثالث: أن يكون مثله أو في حكمه. فالأول بالنسبة إلى ما في يده إن كان نصاباً فيستقبل به الحول. فيحصل بذلك أحوال عديدة في أحوال عديدة، فيتحصل ست صور إذا كان أقل فيضم إلى النصاب الذي في يده من جنسه ذهب مع ذهب. وما في حكمه ذهب مع فضة. والعكس. فإن لم يكن من جنسه ولا في حكمه فلا يضم، فمن استفاد غنماً وفي يده غنم وبقر فلا يضم هذا إلى هذا.

(2/92)


بابُ زكاة بَهيمة الأنْعام
(لا تجب إلا في السائمة وهي التي ترعى أكثر الحول)، (فلو اشترى لها أو جمع لها ما تأكل فلا زكاة فيها)، (وهي ثلاثة أنواع)، (أحدها: الإبل فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً ففيها شاة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ زكاة بَهيمة الأنْعام
سميت بهيمة لكونها لا تتكلم. والمراد بها: الإبل والبقر والغنم خاصة (لا تجب إلا في السائمة وهي التي ترعى أكثر الحول) وهي الراعية أكثر الحول، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "في سائمتها" (فلو اشترى لها أو جمع لها ما تأكل فلا زكاة فيها) وسواء اشتراه وهو محصود أو وهو في الأرض. وإنما اختصت بالسائمة ولم تكن في المعلوفة لكونها إنما عظمت النعمة من غير كبير مؤنة، فما تأكله يحصل مجاناً؛ بخلاف من يشترى له فهي وإن تمت فهو بما تأكله (وهي ثلاثة أنواع) الإبل، والبقر، والغنم (أحدها: الإبل فلا زكاة فيها حتى تبلغ خمساً ففيها شاة) لا شيء
ص -196-

(وفي العشر شاتان)، (وفي خمس عشرة ثلاث شياه)، (وفي العشرين أربع شياه)، (إجماعاً في ذلك كله)، (فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض وهي التي لها سنة)، (فإن عدمها أجزأه ابن لبون وهو ما له سنتان)، (وفي ست وثلاثين بنت لبون)، (وفي ست وأربعين حقة لها ثلاث سنين)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/93)


في الأربع، ولا ما دون الأربع، وبعض ناقة لا زكاة. فمن الخمس إلى التسع فيها شاة (وفي العشر شاتان) فإذا علت إلى أربعة عشر فشاتان (وفي خمس عشرة ثلاث شياه) وإذا كانت تسعة عشر فليس فيها إلا شاتان (وفي العشرين أربع شياه) فإذا كملت عنده عشرون من الإبل وجب عليه أربع شياه. وهذا آخر عدد من الإبل تجب فيه الزكاة غنم.
فالواجب في العشرين إلى أربع وعشرين أربع شياه، بل ولو بعض الخامسة (إجماعاً في ذلك كله) هذا كله إجماع بين أهل العلم. ومستنده السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم (فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض وهي التي لها سنة) الواجب في خمس وعشرين بنت مخاض، سميت بذلك لأن أمها ماخض قد حملتـ والماخض الحامل. وهذا المقدار هو الواجب إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين (فإن عدمها أجزأه ابن لبون وهو ما له سنتان) تم له سنتان، سمي بذلك لأن أمه قد وضعت غالباً فهي ذات لبن وهذا هو الواجب إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين (وفي ست وثلاثين بنت لبون) فإاذ زادت عن خمس وثلاثين بأن كانت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون وهي التي تم لها سنتان ودخلت في الثالثة. وهذا هو الواجب فيها إلى خمس وأربعين (وفي ست وأربعين حقة لها ثلاث سنين) وهي "اللقية" يعني أنها قد لاقت الفحل،
ص -197-

(وفي إحدى وستين جذعة لها أربع سنين)، (وفي ست وسبعين بنتا لبون)، (وفي إحدى وتسعين حقتان)، (وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون)، (ثم تستقر الفريضة في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة)، (فإذا بلغت مائتين اتفق الفرضان، فإن شاء أخرج أربع حقاق،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2/94)


عندها قوة على طرقه إياها. وسميت حقة لاستحقاقها أن تركب ولأن يطرقها الفحل. وهذا هو الواجب في هذا العدد إلى أن تبلغ ستين (وفي إحدى وستين جذعة لها أربع سنين) ودخلت في الخامسة، وهذا أعلا سن يجب في الإبل. وسميت جذعة لأنها تجذع إذا ألقت سناً من الرباعي. وهذا هو الواجب فيها إلى أن تبل خمساً وسبعين (وفي ست وسبعين بنتا لبون) اثنتان أنثيان. وعرفت سنها فيما سبق. وهذا هو الواجب فيها إلى تسعين (وفي إحدى وتسعين حقتان) إجماع في جميع ما تقدم من الإبل، لصحة السنة بذلك، وصراحتها، وعدم حصول ووقوع ما يعتل به معتل. وهذا هو الواجب فيها إلى أن تبلغ مائة وعشرين (وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون) هذا هو الواجب فيها إلى مائة وتسع وثلاثين لحديث الصدقات الطويل الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثم تستقر الفريضة في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) تستقر الفريضة على حد لا يختلف، فيجب في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة ففي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وهكذا (فإذا بلغت مائتين اتفق الفرضان، فإن شاء أخرج أربع حقاق،
ص -198-

وإن شاء خمس بنات لبون)، (الثاني: البقر ولا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيع أو تبيعة لكل منهما له سنة)، (وفي أربعين مسنة لها سنتان)، (وفي ستين تبيعان)، (ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة)، (الثالث: الغنم ولا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين)، (إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين)، (فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإن شاء خمس بنات لبون) ولا يتصور إلا في المائتين فما فوق.

(2/95)


(الثاني:) من الأنواع الثلاثة من بهيمة الأنعام (البقر) سميت بذلك لكونها تبقر الأرض بالحراثة (ولا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين) هذا أدنى نصاب (فيجب فيها تبيع أو تبيعة لكل منهما له سنة) وهي التي تمت السنة ودخلت في الثانية (وفي أربعين مسنة لها سنتان) ثنية كمل لها سنتان ودخلت في الثالثة. ومنه إلى تسع وخمسين ليس فيها إلا مسنة (وفي ستين تبيعان) وبعد ذلك تستقر الفريضة (ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة) فلم يبق إلا الأوقاص. أما العشرات فكل ما زادت عشراً تغير بها الفرض، كالأبل.
(الثالث: الغنم ولا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين) ولا يجب فيها شيء قبل الأربعين، فإذا تم عنده أربعون فالواجب شاة، وهذا (إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين) المراد بالشاة الجذع من الضأن وهو ما تم له ستة أشهر ودخل في السابع، وثني المعز، وهو ما كمل له سنة ودخل في الثانية (فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه،

ص -199-

إلى ثلاثمائة. ففيها أربع شياه)، (ثم في كل مائة شاة)، (ولا يؤخذ تيس)، (ولا هرمة)، (أي كبيرة)، (ولا ذات عوار أي عيب)، (ولا الربى وهي التي لها ولد تربيه)، (ولا حامل)، (ولا السمينة)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولكن من أوسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خياره ولم يأمركم بشره" رواه أبو داود)، (والخلطة في المواشي)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى ثلاثمائة. ففيها أربع شياه ثم في كل مائة شاة) لما في حديث أنس في كتاب الزكاة1.

(2/96)


(ولا يؤخذ تيس) ذكر الماعز (ولا هرمة أي كبيرة) كبيرة السن، يعني التي كبر سنها جداً (ولا ذات عوار أي عيب) بأي عيب من العيوب، وهو العيب المانع من الإجزاء في الأضحية، إلا أن كان الكل كذلك، كلهن جرب، أو مجادير، أو عرج، أو... أو... (ولا الربى وهي التي لها ولد تربيه) لحاجة ولدها إليها في التربية؛ فإن أخذها وإياه ظلم، وأخذها دونه إما أن يموت أو ينقص نقصاً ظاهراً. (ولا حامل) لا تؤخذ الحامل لتشوف صاحب المال إلى نتاجها قريباً (ولا السمينة ولا خيار المال) لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإياك وكرائم أموالهم"، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولكن من أوسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خياره ولم يأمركم بشره" رواه أبو داود) ولهذا الحديث أيضاً.
(والخلطة في المواشي) خاصة: سواء خلطة أعيان: بأن كان مشاعاً بأن يكون لكل نصف ونحوه، أو خلطة أوصاف: بأن تميز ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.

ص -200-

(2/97)


(تصير المالين كالمال الواحد).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكل واشتراكا في مراح، ومسرح، ومحلب، وفحل، ومرعى (تصير المالين كالمال الواحد) في الزكاة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية".
بابُ زكاة الخارج مِنَ الأرْضِ
(تجب في كل مكيل مدخر من قوت وغيره)، (بشرطين: أحدهما: بلوغ النصاب، وهو خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ زكاة الخارج مِنَ الأرْضِ
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [2/267] وهذه الآية من جملة الأدلة على زكاة الخارج من الأرض، فهي أصل لزكاة الخارج من الأرض، (تجب في كل مكيل مدخر من قوت وغيره) من الحبوب والثمار الملكية المدخرة سواء كان مطعوماً، أو غير مطعوم كسائر الأبازير. وأما الذي لا ينتفع به إلا في الحال كالبقول والفواكه فلا تجب فيه لقصور النعمة فيه.
(بشرطين: أحدهما: بلوغ النصاب، وهو خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً) يشترط لذلك شرطان: أحدهما بلوغ النصاب، وهو ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي. والصاع خمسة أرطال وثلث عراقي. فهو دون صاعنا بنحو الخمس، فصاعنا من دون علاوة
ص -201-

(3/1)


(وتضم ثمرة العام الواحد وزرعه بعضها إلى بعض في تكميل النصاب)، (الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت الوجوب)، (فلا تجب فيما يكتسب اللقاط)، (أو يوهب له أو يأخذه أجرة لحصاده)، (ويجب العشر فيما سقي بلا مؤنة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو الصاع النبوي تقريباً. وقد ذكره من ألف في المد والصاع. (وتضم ثمرة العام الواحد وزرعه بعضها إلى بعض في تكميل النصاب) العام الواحد المراد به هنا ستة أشهر، ما نجح في أولها وآخرها فبعضه يضم إلى بعض، من أمثلة ذلك: الحنطة الرعي، والصيفي. فالذي نجح في الشتاء والذي نجح في الصيف كله يضم بعضه إلى بعض. وكذلك الدخن، وكذلك بقية الثمار. وكذلك الدثي الذي هو في الصيف ولا يصرم إلا في الشتاء.
(الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت الوجوب) وهو وقت اشتداد الحب وصلاح الثمر، فإذا تم مع الشرط الأول وهو بلوغ النصاب وجبت (فلا تجب فيما يكتسب اللقاط) لأن وقت اشتداد الحب ما هو في ملكه، فمثلاً لو كان عتيق لك عنده زراعة ومات وثتهما فوقت اشتداد الحب وهو كافر فرورثت حباً قد اشتد، فملكك في وقت بعد وجوب الزكاة وهي وجبت على كافر لا تصح منه. "اللقاط" يتفق أنه يلقط نصاباً (أو يوهب له أو يأخذه أجرة لحصاده) فلا زكاة لفقد الشرط.
(ويجب العشر فيما سقي بلا مؤنة) البعل يجب فيه العشر كاملاً؛ لكن بعد بلوغ النصاب. والذين يأخذون من البعول العشر1 ظلم؛ فإذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 يضمون البعول وهي لعدة أشخاص لا تجب على واحد منهم الزكاة.

ص -202-

(3/2)


(ونصفه بها)، (وثلاثة أرباعه بهما)، (فإن تفاوتا فبأكثرهما نفعاً)، (ومع الجهل العشر)، (ويجب إخراج زكاة الحب مصفى)، (والثمر يابساً)، (ولا يصح شراء زكاته ولا صدقته)، (فإن رجعت إليه بإرث جاز)، (ويبعث الإمام خارصاً ويكفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بلغ نصاباً ففيه العشر (ونصفه بها) الذي يسقى بغروب ودواليب فيه نصف العشر. (وثلاثة أرباعه بهما) والذي يسقى بنصفهما يجب فيه ثلاثة أرباع العشر. (فإن تفاوتا فبأكثرهما نفعاً) إن تفاوتا ولكن أحدهما أكثر وأنفع فالاعتبار بأكثرهما نفعاً (ومع الجهل العشر) فإن لم يدر فالعشر.
(ويجب إخراج زكاة الحب مصفى) من قشوره (و) إخراج (الثمر يابساً) لأنه بجفافه ويبسه ينقص. وظاهره أنه لا يجزئ الرطب؛ لأنه ييبس. والظاهر أن فيه خلافاً، فإذا نقصت الزكاة فالأصل أيضاً ينقص، ولا سيما على أصل من يجوز إخراج القيمة بشرطه وهو الأصلحية والأنفعية.
(ولا يصح شراء زكاته ولا صدقته) يحرم سواء زكاة المال أو صدقة التطوع؛ لأنه شيء تخلى من تموله، فيقطع التشوف لتموله ثانياً. وفي الحديث ما هو معروف من ذلك1.
(فإن رجعت إليه بإرث جاز)2.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر في شراء الفرس: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم".
2 وعند الأئمة الأربعة. قال في الفروع: وعلله جماعة بأنه بغير فعله. (الإنصاف جـ3/107).

ص -203-

واحد)، (ويترك الخارص له ما يكفيه وعياله رطباً)، (فإن لم يترك فلرب المال أخذه)، (وكره أحمد الحصاد والجذاذ ليلاً)، (ولا تتكرر زكاة معشرات)، (ولو بلغت أحوالا ما لم تكن للتجارة فتقوم عند كل حول).

(3/3)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ويبعث الإمام خارصاً ويكفي واحد)1.
(ويترك الخارص له ما يكفيه وعياله رطباً)2.
(فإن لم يترك فلرب المال أخذه) ولا يحسب عليه.
(وكره أحمد الحصاد والجذاذ ليلاً) لأنه مبيت الذين يحضرون الحصاد.
(ولا تتكرر زكاة معشرات) بخلاف النقود والذهب والفضة (ولو بلغت أحوالا ما لم تكن للتجارة فتقوم عند كل حول) فإذا زرع زرعاً للتجارة فإنها تقوم عند الحول. وأما أنها تزكى زكاة حبوب فلا. فإذا كان عند ألف فلا زكاة إلا مرة، ثم إذا جاءت السنة الثانية فلا يزكي إلا إذا كان للتجارة. والمواشي كالذهب والفضة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لما روى عتاب بن أسيد رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم" رواه أبو داود. ولقول عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص عليهم النخل حين تطيب قبل أن يؤكل" رواه أبو داود.
2 بحسب اجتهاد الساعي لما روى سهل بن أبي خيثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، إن لم تدعو الثلث فدعوا الربع" رواه الخمسة إلا ابن ماجه.

ص -204-

بابُ زكاة النّقدين
(نصاب الذهب عشرون مثقالا)، (ونصاب الفضة مائتا درهم)، (وفي ذلك ربع العشر)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ زكاة النّقدين
ويقال لها: "الأعيان" والمراد: الذهب، والفضة. وسواء كانا مضروبين، أو سبائك، أو قطع.

(3/4)


(نصاب الذهب عشرون مثقالا) وذلك بالإجماع، والآثار عن الصحابة بذلك معروفة معلومة. والمثقال معروف مقدر بحبات الشعير: إحدى أو اثنتان وسبعون حبة شعير. فتقديره مذكور في الشروح -شروح كتب الفقه والحديث- والرسائل المؤلفة في المكاييل. فإذا كان عند إنسان عشرون مثقالاً وحال عليها الحول وهي عنده ففيها ربع العشر نصف مثقال. ولا يشترط كونه نوى بها كذا وكذا بل لو كانت منسية أو مبقيها ليشتري بها شيئاً من العوائز وحال عليها الحول. وليس من شرطه أنه غني أو فقير، فإن هذا الأخير غني من وجه، فقير من وجه. فغني من وجه من كون هذه الأشياء عنده؛ لكن هي بقيت عنده ما خرجها.
(ونصاب الفضة مائتا درهم) لحديث أنس في كتاب الصدقات الطويل. ومائتا الدرهم مائة وأربعون مثقالاً. (وفي ذلك ربع العشر) فالذهب زكاته ربع العشر، والفضة كذلك

ص -205-

(ويضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب)، (وتضم قيمة العروض إلى كل منهما)، (ولا زكاة في حلي مباح)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والأموال الزكوية على قسمين: قسم معشّر. وقسم غير معشّر. فالذي يجب فيه الخمس هو الركاز. والذي يجب فيه ربع العشر هو الذهب والفضة؛ لأن تحصيلهما لا يحصل إلا بمشقة وضرب في الأرض فقلَّت لذلك. والمواشي قلَّت فيها لكونها عرضة للآفات. والحبوب إلى آخره.

(3/5)


(ويضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب) لأنها نقود، وعين. والضم لا بالقيم؛ بل بالأجزاء. فلو كان عند إنسان عشرة مثاقيل ومائة درهم فإن عنده نصف نصاب ذهب ونصف نصاب فضة، فيضم هذا إلى هذا فيكون نصاباً، ولا ينظر إلى قيمة نصف نصاب الفضة ولا نصف نصاب الذهب لاتحادهما في الثمنية وربع العشر وأنه لا وقص فيهما وإن شاركهما في ذلك الحبوب والثمار (وتضم قيمة العروض إلى كل منهما) الذي في يده سلع للتجارة تامة فيها الشروط فإنها عند الحول تقوم بالأحظ للفقراء... وتضم تلك إلى ما بيده -فعنده خمسة مثاقيل ومئتا درهم وعروض تساوي خمسة مثاقيل أو مائة درهم الجميع نصاب نصفه ذهب. أو لا يعتبر بالمثاقيل بل يساوي خمسين درهماً. ومن صوره كأن يكون عنده قيمة ثمانية دنانير من العروض وثمانية مثاقيل من الذهب وعنده أربعون درهماً فهذا اجتمع عنده نصاب.
(ولا زكاة في حلي مباح) مباح اللبس من الذهب والفضة، لا زكاة فيه إذا كان معداً للاستعمال أو العارية؛ لأنه صرف بهذا عن وجه
ص -206-

(فإن أعد للتجارة ففيه الزكاة)، (ويباح للذكر من الفضة الخاتم)، (وهو في خنصر يسراه أفضل)، (وضعف أحمد التختم في اليمين)، (ويكره لرجل وامرأة خاتم حديد وصفر ونحاس)، (نص عليه)، (ويباح من الفضة قبيعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3/6)


المالية والنماء، وجعل من الجَمَال، فكان ملحقاً بالأموال الأخر التي غير النقد (فإن أعد للتجارة ففيه الزكاة) وإن أُعد للإجارة أو كان معداً للنفقة أو مقصوداً به المباهاة أو نحو ذلك -إلا إذا وجد الوجه المستثنى وهو اللبس والعارية-؛ فإن الأصل في الذهب والفضة أنهما زكويان فلا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل. والحلي جاءت فيه الأخبار عن الصحابة، وأيضاً صرف عن وجهة التمول إلى جهة الاستعمال، أشبه الثياب والأواني من بعض الوجوه1.
(ويباح للذكر من الفضة الخاتم) للبسه صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة (وهو في خنصر يسراه أفضل) من كونه في اليمين. وظاهره أن لا بأس به في البنصر وفي الإبهام، ولا تحريم ولا وجوب (وضعف أحمد التختم في اليمين) ضعف حديث التختم فيها. (ويكره لرجل وامرأة خاتم حديد وصفر ونحاس) لما جاء في مسند أحمد أنه حليه أهل النار (نص عليه) فنص أحمد على الكرهة كراهة تنزيه. وذهب بعض إلى الجواز لقوله في قصة الواهبة: "التمس ولو خاتماً من حديد" وسند ذاك الحديث لا يداني سند هذا الحديث في الصحة (ويباح من الفضة قبيعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وله رحمه الله فتوى مطولة في سقوط الزكاة على الحلي المعد للاستعمال أو العارية وبسط فيه أدلة ذلك، وأجاب عن ادلة من أوجبها ومنها حديث المسكتين. (جـ4/94-99 فتاوى ورسائله).

ص -207-

السيف)، (وحلية المنطقة)، (لأن الصحابة رضي الله عنهم اتخذوا المناطق محلاة بالفضة)، (ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه)، (ويحرم تشبه رجل بامرأة).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السيف) وهو ما كان على رؤوس القبضة (وحلية المنطقة) وهي مثل الحياصة (لأن الصحابة رضي الله عنهم اتخذوا المناطق محلاة بالفضة) هذا دليل المسألة.

(3/7)


(ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه) لقوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والفضة "هذان -الذهب والحرير- حل للإناث من أمتي وحرم على ذكورها" أبيح للمرأة لتحصل به الحظوة عند زوجها، وهو مختص بما جرت به العادة، لأن الأصل المنع، وإنما أبيح للحاجة، بقدر الحاجة.
(ويحرم تشبه رجل بامرأة) لما في الحديث: "من لعن المتشبهين من الرجل بالنساء والمترجلات من النساء" "والمتشبهين من الرجل بالنساء من المخنثين وغيرهم"1 وما ذاك إلا أنه إخراج للميزة التي ميز أحدهما به عن الآخر، لتشبه الكامل بالناقص، والعكس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجل والمتشبهين من الرجل بالنساء" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي عباس.
"لعن الله المخنثين من الرجل والمترجلات من النساء" رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي عن ابن عباس. هذا لفظ الحديثين.

ص -208-

بابُ زكاة العُروضِ
(تجب فيها إذ بلغت قيمتها نصاباً إذا كانت للتجارة)، (ولا زكاة فيما أعد للكراء من عقار وحيوان وغيرهما)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ زكاة العُروضِ
جمع عرض، سميت بذلك لأنها تعرض ثم تزول. والمراد الأموال التي يتجر فيها ليست ذهباً ولا فضة مطلقاً، ولا مواشي، ولا حبوب، ولا ثمار. بل المراد ما يباع ويشترى فيه: أثاثات، حيوانات، قال تعالى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [2/267] وفي الحديث: "أمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع".
(تجب فيها إذ بلغت قيمتها نصاباً إذا كانت للتجارة) فإذا مكثت عنده حولاً ولا نقصت فيه وكانت قيمة نصاب فقومت -ثمنت- إذا قرب الحول. إن كان الأحظ تثمنيها بذهب ثمنت بذهب، وإن كان الأحظ لهم تثمنيها بفضة ثمنت لهم بفضة.

(3/8)


(ولا زكاة فيما أعد للكراء من عقار وحيوان وغيرهما) له دواب وبيوت ولا له قصد إلا أن يتمنحها، ولا له قصد في التجارة، ولا له قصد بيع؛ بل هي عقارات باقية. أما إن اشتراها للتجارة، وفي أثناء التجارة يؤجرها ففيها الزكاة لتجمع بين الرح والتجارة: سيارات، مكائن. كل هذا إذا كان قصده التجارة لا يدري متى تكون مزبونة يبيعها فهذه تجارة.

ص -209-

بابُ زكاة الفِطْر
(وهي طهرة للصائم من اللّغو والرفث)، (وهي فرض عين على كل مسلم)، (إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع عنه وعن من يمونه من المسلمين)، (ولا تلزمه عن الأجير)، (فإن لم يجد عن الجميع بدأ بنفسه)، (ثم الأقرب فالأقرب)، (ولا تجب عن الجنين إجماعاً)، (ومن تبرع بمؤنة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ زكاة الفِطْر
ونسبتها إلى الفطر من نسبة الشيء إلى سببه؛ فمن أدركه الفطر لزمته، ومن لا فلا. فمن أدركه بعد الغروب.. الخ. (وهي طهرة للصائم من اللّغو والرفث) كما جاء في الحديث: "طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين" في هذا اليوم الذي هو يوم سرور، وليس لهم شيء إلا بالشحاذة، فجاء الأمر بإعطائهم (وهي فرض عين على كل مسلم) صغير أو كبير، حر أو عبد (إذا فضل عنده عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته صاع عنه وعن من يمونه من المسلمين) وجب إخراج فطرتهم. أما إذا كان ما عنده إلا صاع فلا، (ولا تلزمه عن الأجير) لأن الأجير إنما يعمل بأجرة. أما من يمونه من غير إجارة سواء كانت واجبة عليه أو متبرعاً بالنفقة فتلزمه (فإن لم يجد عن الجميع بدأ بنفسه) فيبدأ بنفسه (ثم الأقرب فالأقرب) ممن تحت يده (ولا تجب عن الجنين إجماعاً) وهو الذي في البطن لم يولد بعد (ومن تبرع بمؤنة

ص -210-

(3/9)


مسلم شهر رمضان)، (لزمته فطرته)، (ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين)، (ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر)، (فإن فعل أثم)، (وقضى)، (والأفضل يوم العيد قبل الصلاة)، (والواجب: صاع من تمر، أو بر، أو زبيب، أو شعير، أو أقط)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسلم شهر رمضان) السحور والفطور والعشاء (لزمته فطرته) هذا يمون هذا الشخص في رمضان فوجبت (ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين) لما في حديث: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان -وفي آخره- وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" وهذا من باب التوسعة في الوقت فيجوز جواز، وإلا فوقتها الحقيقي للإخراج هو يوم العيد قبل الصلاة، جاءت الأحاديث بذلك منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" متفق عليه، وحديث: "أغنوهم عن عن السؤال في هذا اليوم" (ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر) لأن الحال بمظنة الحاجة (فإن فعل أثم) فإن أخرها عن يوم العيد فإنه يأثم، يصير عاصي. (وقضى) ويجب عليه إخراج مقدارها من ماله وفاته الأجر الفاضل. (والأفضل يوم العيد قبل الصلاة) لما جاء في الحديث: "أن الناس أمروا بأدائها قبل الصلاة" فإن أخرها بعد الصلاة في سائر يومها كره، وإلا فليس قضاء.
(والواجب: صاع من تمر، أو بر، أو زبيب، أو شعير، أو أقط)
ص -211-

(فإن عدمها أخرج ما يقوم مقامها من قوت البلد)، (واستحب أحمد تنقية الطعام)، (وحكاه عن ابن سيرين)، (ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه).

(3/10)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا بد من صاع من بر... الخ. هذه الخمسة أصول أيها أخرج من واحد كفى (فإن عدمها أخرج ما يقوم مقامها من قوت البلد) إذا لم يجد في البلد شيئاً لكن يوجد رز، دخن، دخن أو غيره. فيخرج صاعاً يقام الآخر مقامها في القوت. (واستحب أحمد تنقية الطعام) يعني من جميع ما يخالطه من غيره (وحكاه عن ابن سيرين) وذلك أنها زكاة الفريضة وهي عن البدن، وتنقيته أنقى للدين وأصفى له (ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه) ويدفع فطرة عشرة إلى إنسان واحد، أو إنسان واحد يعطي عشرة، ليس مثل الكفارة، لم يرد دليل يخالف ما ذكر هنا، وإذا لم يرد فالأصل الإباحة.
بابُ إخْراج الزّكاة
(لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكانه)، (إلا لغيبة الإمام، أو المستحق)، (وكذا الساعي له تأخيرها عند ربها لعذر)، (قحط)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ إخْراج الزّكاة
(لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إمكانه) للأمر: "وآتوا الزكاة" والأمر إذا أطلق صار على الفور. (إلا لغيبة الإمام، أو المستحق) فغيبة الإمام أو المستحق عذر، وهذا تأخير لعذر. (وكذا الساعي له تأخيرها عند ربها لعذر) ولا يعجل قبضها (قحط) لجدب،
ص -212-

(ونحوه كمجاعة. احتج أحمد بفعل عمر).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكونه جدب إذا أخذت فإذا هي قِطِيْع (ونحوه كمجاعة. احتج أحمد بفعل عمر)1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3/11)


1 واحتج بعضهم أيضاً بقوله في صدقة العباس "هي علي ومثلها معها".
بابُ أهلِ الزّكاة
(وهم ثمانية)، (لا يجوز صرفها إلى غيرهم)، (للآية)، (الأول والثاني: {الفقراء والمساكين})، (ولا يجوز السؤال وله ما يغنيه)، (ولا بأس بمسألة شرب الماء، والاستعارة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ أهلِ الزّكاة
(وهم ثمانية) المذكورون في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [9/60] (لا يجوز صرفها إلى غيرهم) إلى غير هؤلاء الثمانية (للآية) المتقدم ذكرها (الأول والثاني: {الفقراء والمساكين})
الأول: الفقراء من لا يجدون بعض الكفاية. الثاني: المساكين الذين يجدون بعضها كنصفها أو أقل فيعطون كفايتهم سنة (ولا يجوز السؤال وله ما يغنيه) للأحاديث التي فيها الوعيد الشديد في سؤال الناس أموالهم وعنده ما يكفيه2 (ولا بأس بمسألة شرب الماء، والاستعارة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2 ومنها حديث أبي مسعود مرفوعا: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح. قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من ذهب" أخرجه أصحاب السنن. وحديث: "من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل، أو ليستكثر" أخرجه مسلم.
وحديث: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم" متفق عليه.

ص -213-

(3/12)


والاستقراض)، (ويجب إطعام الجائع، وكسوة العاري، وفك الأسير)، (الثالث: {العاملون عليها}: كجاب، وكاتب، وعداد، وكيال)، (ولا يجوز من ذوي القربى)، (الرابع: {المؤلفة قلوبهم} وهم السادات المطاعون في عشائرهم، من كافر يرجى إسلامه)، (أو مسلم)، (يرجى بعطيته قوة إيمانه أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والاستقراض) هذه الأمور لا تدخل في المسألة المذمومة (ويجب إطعام الجائع، وكسوة العاري، وفك الأسير) إذا علم جائع من المسلمين فإطعامه فرض كفاية، وكذلك العاري يجب كسوته إذا علم، وكذلك الأسير يجب فكه من أسره. فإذا علموا يذلك ولم يفعلوا أثموا.
(الثالث: {العاملون عليها}: كجاب، وكاتب، وعداد، وكيال) لكن نعرف أن العمال الذين يخرصون الآن ما يدخلون في العاملين عليها؛ فإن العمال الذين يقبضون ويكتبون ويحسبون هم العمال. أما هؤلاء الخراص فلهم أجرة على أهل الزرع، وإن بذلت من بيت المال جاز. (ولا يجوز من ذوي القربى) ولا يجوز أن يكون العامل من ذوي القربى لما يأتي (وإن شاء الإمام أرسله من غير عقد وإن شاء معلوماً)1.
(الرابع) من أهل الزكاة ({المؤلفة قلوبهم} وهم السادات المطاعون في عشائرهم، من كافر يرجى إسلامه)يعطيه الإمام، (أو مسلم) ولكن في إيمانه ضعف (يرجى بعطيته قوة إيمانه أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في الفروع جـ2/609: ويخير الإمام إن شاء نفل العامل من غير عقد ولا تسمية شيء، وإن شاء عقد له إجازة. اهـ

ص -214-

(3/13)


إسلام نظيره، أو نصحه)، (أو كف شره كرشوة)، (الخامس: {الرقاب} وهم المكاتبون)، (ويجوز أن يفدي بها أسير مسلم بأيدي الكفار لأنه فك رقبة)، (ويجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها لعمومِ قوله "وفي الرقاب")، (السادس: {الغارمون} وهم المدينون. وهم ضربان: أحدهما: من غرم لإصلاح ذات البين)، (وهو من تحمل مالاً لتسكين فتنة)، (الثاني: من استدان لنفسه في مباح)، (السابع: {في سبيل الله} وهم الغزاة، فيدفع لهم كفاية غزوهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إسلام نظيره، أو نصحه) أو يعطي لأجل جباية الزكاة من عشيرته، أو نحو ذلك. (أو كف شره كرشوة) أو يعطي ليدفع شره.
(الخامس: {الرقاب} وهم المكاتبون) يشترون أنفسهم من ساداتهم فيفك من الزكاة (ويجوز أن يفدي بها أسير مسلم بأيدي الكفار لأنه فك رقبة) فيدخل في عموم فك الرقاب. (ويجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها لعمومِ قوله "وفي الرقاب") لقول ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعق الرقبة من الزكاة.
(السادس: {الغارمون} وهم المدينون. وهم ضربان: أحدهما: من غرم لإصلاح ذات البين) فهذا يجوز ويستحق أن يدفع له لأجل دَيْنِه (وهو من تحمل مالاً لتسكين فتنة) كأن تكون ثائرة بين طائفتين فيعطى لفك المشكل وإطفاء تلك الثائرة ترغيباً للرؤساء في إطفاء الفتن وإخماد الشر (الثاني: من استدان لنفسه في مباح) والآية تشملها.
(السابع: {في سبيل الله} وهم الغزاة، فيدفع لهم كفاية غزوهم

ص -215-

(3/14)


ولو مع غناهم)، (والحج في سبيل الله)، (الثامن: {ابن السبيل} وهو المسافر المنقطع به الذي ليس معه ما يوصله إلى بلده)، (فيعطى ما يوصله إليه ولو مع غناه ببلده)، (وإن ادعى الفقر من لا يعرف بالغنى قبل قوله)، (وإن كان جلداً)، (وعرف له كسب لم يجز إعطاؤه)، (وإن لم يعرف له كسب أعطي بعد إخباره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب)، (وإن كان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولو مع غناهم) يجوز أن يدفع إليهم في حال غزوهم فيأكلون إلى أن يرجعوا (والحج في سبيل الله) يدخل فيه الحج وطلب العلم فإنه يدخل في سبيل الله، وهو نوع من الجهاد.
(الثامن: {ابن السبيل} وهو المسافر المنقطع به الذي ليس معه ما يوصله إلى بلده) ولو أنه في بلاده غني (فيعطى ما يوصله إليه ولو مع غناه ببلده) أما الذي يريده وهو في بلده فلا يعطى.
(وإن ادعى الفقر من لا يعرف بالغنى قبل قوله) أما إذا كان معروفاً بالغني ثم ادعى فقراً فلا بد من شهود ثلاثة كما في قصة قبيصة، (وإن كان جلداً)يعني قوي البدن (وعرف له كسب لم يجز إعطاؤه) وكونه لجلادته ليس يكسب ما يكفيه فإنه لا يصح أن يعطى لقوله: "ولا لذي مرة سوي" (وإن لم يعرف له كسب أعطي بعد إخباره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) بهذين القيدين: إذا لم يعرف له كسب، وبعد إخباره بذلك؛ لقصة الرجلين الذين رفع فيهما النظر وخفضه فرآهما جلدين فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". فأما من عرف أنه لا ينتفع بجلده فيعطى (وإن كان

ص -216-

(3/15)


الأجنبي أحوج فلا يعطى القريب ويمنع البعيد)، (ولا يحابي بها قريباً)، (ولا يستخدم بها أحداً)، (ولا يقي بها ماله)، (وصدقة التطوع مسنونة كل وقت)، (وسراً أفضل)، (وكذلك في الصحة)، (وبطيب نفس)، (وفي رمضان)، (لفعله صلى الله عليه وسلم)، (وفي أوقات الحاجة)، (لقوله تعالى: {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ})، (وهي على القريب صدقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأجنبي أحوج فلا يعطى القريب ويمنع البعيد) فإذا كان موجود قريب وأجنبي أفقر منه فيعطي الأجنبي (ولا يحابي بها قريباً) بل يبذلها على وجهها الشرعي. ويوجد في كثير من الناس المحاباة لكثير بأن يدفع إلى أقارب ليسوا محاويج فإن هذا لا يجوز ولا يجزي (ولا يستخدم بها أحداً) كمن يوكلهم ونحو ذلك (ولا يقي بها ماله) فلا بد أن يصرفها في وجهها الشرعي.
صدقة التطوع:
(وصدقة التطوع مسنونة كل وقت) وفيها فضل عظيم قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" وأمر النساء بالصدقة وعلل ذلك بقوله: "إني رأيتكن أكثر أهل النار" "الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" (وسراً أفضل) لحديث: "لا تعلم شماله ما تنفق يمسنه" (وكذلك في الصحة) كما في الحديث: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر" (وبطيب نفس): {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً} [2/262] (وفي رمضان) أفضل (لفعله صلى الله عليه وسلم) فإنه أجود ما يكون في رمضان (وفي أوقات الحاجة) وكذلك في الحاجات (لقوله تعالى: {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}) فدل على أنها مع الحاجة أفضل (وهي على القريب صدقة

ص -217-

(3/16)


وصلة)، (ولا سيما مع العداوة)، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "وأن تصل من قطعك" ثم الجار)، (لقوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [4/36])، (ومن اشتدت حاجته لقوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [90/16])، (ولا يتصدق بما يضره أو يضر غريمه أو من تلزمه مؤنته)، (ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة يكفيهم بكسبه وعلم من نفسه)، (حسن التوكل استحب، لقصة الصديق)، (وإلا لم يجز، ويحجر عليه)، (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلة) فهي وإن كانت على قريب فإنها يجتمع فيها الصدقة والصلة (ولا سيما مع العداوة) لا سيما إن كان عدواً، له، ففيها ثلاثة أمور: الصدقة، والصلة، وعصيان النفس والهوى، (لقوله صلى الله عليه وسلم: "وأن تصل من قطعك" ثم الجار) الصدقة فيهم أولى ممن ليس بجار، له ميزة لأجل الجوار (لقوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [4/36])، (ومن اشتدت حاجته لقوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} [90/16]).
(ولا يتصدق بما يضره أو يضر غريمه أو من تلزمه مؤنته) غريمه ديانه، أو كفيله؛ لأن هذه الأشياء واجبة؛ فالتصدق بما يضر بالواجب لا يجوز.
(ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة يكفيهم بكسبه وعلم من نفسه) الصبر و(حسن التوكل استحب، لقصة الصديق) وصدقته بجميع ماله. بشرط أن يعلم من نفسه إلى آخره (وإلا لم يجز، ويحجر عليه) في هذا التصرف (ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة) لأنها واجبة
ص -218-

(3/17)


(ويحرم المن في الصدقة)، (وهو كبيرة يبطل ثوابها)، (ومن أخرج شيئاً يتصدق به ثم عارضه شيء استحب له أن يمضيه)، (وكان عمرو بن العاص إذا أخرج طعاماً لسائل فلم يجده عزله)، (ويتصدق بالجيد)، (ولا يقصد الخبيث فيتصدق به)، (وأفضلها جهد المقل)، (ولا يعارضه خبر "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" المراد جهد المقل بعد حاجة عياله).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ويحرم المن في الصدقة) للآية الكريمة، (وهو كبيرة يبطل ثوابها) قال تعالى {لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [2/264].
(ومن أخرج شيئاً يتصدق به ثم عارضه شيء استحب له أن يمضيه) يستحب له إمضاؤه فإنه شيء طابت نفسه به لله. (وكان عمرو بن العاص إذا أخرج طعاماً لسائل فلم يجده عزله) عن ماله (ويتصدق بالجيد) لقوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} (ولا يقصد الخبيث فيتصدق به) والخبيث الرديئ (وأفضلها جهد المقل) سئل صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل؟ فقال: "جهد المقل" (ولا يعارضه خبر "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" المراد جهد المقل بعد حاجة عياله) فإن الجمع يعني بعد كفايته

(3/18)


ص -219-

كتاب الصّيام
(صوم رمضان أحد أركان الإسلام)، (فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب الصّيام
الصيام في اللغة: الإمساك. ومنه: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص، عن أشياء مخصوصة. إمساك بنية ما بين الليلين عن الأكل والشرب والجماع وما يقوم مقامها كالاستمناء والحجامة ونحو ذلك. والأشياء المخصوصة مفسداته كما يأتي. من شخص مخصوص هو المسلم العاقل المميز الذي ليس بحاض ولا نفساء.
(صوم رمضان أحد أركان الإسلام) الخمسة، هو أحد مبانيها العظام فرضيته مدنية لم يفرض إلا بالمدينة، وكذلك الزكاة ذات الأنصاب، بخلاف فريضة الصلاة فإنها مكية كما تعلمون (فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات) وكان قبل فرضية رمضان مفروض صيام يوم عاشرواء فنسخت فرضيته وبقي على الندب فقط.

ص -220-

(ويستحب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان)، (ويجب صوم رمضان برؤية هلاله)، (فإن لم ير مع الصحو)، (أكملوا ثلاثين يوماً ثم صاموا)، (بغير خلاف)، (وإذا رأى الهلال كبر ثلاثاً، وقال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضاه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ويستحب ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان) الليلة المكملة لشعبان لأنه يمكن أن يرى ويمكن أن لا يرى، فيكون من الاحتياط لهذه العبادة.

(3/19)


(ويجب صوم رمضان برؤية هلاله) إذا رؤي الهلال وجب الصوم، وسواء كانت عامة أو خاصة بأن قامت بينة، ويكفي واحد، كما جاء في الحديث عن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه" رواه أبو داود1 (فإن لم ير مع الصحو) ليلة الثلاثين والسماء صافية ليس فيها غيم ولا قتر ولا غبرة (أكملوا ثلاثين يوماً ثم صاموا) (بغير خلاف) إنما النزاع فيما إذا كان ليلة الثلاثين وكان قد حال دونه غبار أو قتر وإن كان القول الصحيح الذي تدل عليه النصوص أنه يوم الشك الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه النهي: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم"2.
(وإذا رأى الهلال كبر ثلاثاً، وقال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضاه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ1
رقم (2342).
2 أخرجه أبو داود برقم (2334)، والترمذي (686)، والنسائي (4/153).

ص -221-

ربي وربك الله، هلال خير ورشد)، (ويقبل فيه قول واحد عدل حكاه الترمذي عن أكثر العلماء)، (وإن رآه وحده وردت شهادته لزمه الصوم)، (ولا يفطر)، (إلا مع الناس)، (وإذا رأى هلال شوال لم يفطر)، (والمسافر يفطر إذا فارق بيوت قريته)، (والأفضل له الصوم خروجاً من خلاف أكثر العلماء)، (والحامل والمرضع إذا خافتا)، (على أنفسهما أو)، (ولديهما أبيح لهما الفطر)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3/20)


ربي وربك الله، هلال خير ورشد) لمجيئه في حديث ابن عمر. (ويقبل فيه قول واحد عدل حكاه الترمذي عن أكثر العلماء) ودلت عليه الأحاديث منها: حديث الأعرابي (وإن رآه وحده وردت شهادته لزمه الصوم) لأنه يعتقد أنه من رمضان، وهو أيضاً يثبت بشهادة واحد (ولا يفطر) إذا صام بناء على رؤيته (إلا مع الناس) لا يفطر على حساب صومه؛ لحديث: "الفطر يوم يفطر الناس" فلا ينفرد بعيد. (وإذا رأى هلال شوال لم يفطر) إذا لم يره معه أحد؛ لأنه لا يثبت بشهادة واحد، بل لا بد من اثنين ولا وجدا.
(والمسافر يفطر إذا فارق بيوت قريته) يسوغ له الفطر في ذلك اليوم، لدلالة الآثار على ذلك (والأفضل له الصوم خروجاً من خلاف أكثر العلماء) الأفضل تكميل ذلك اليوم الذي خرج فيه خروجاً من الخلاف.
(والحامل والمرضع إذا خافتا) من الصيام (على أنفسهما أو) خافتا على (ولديهما أبيح لهما الفطر) أو خافتا على ولديهما لهما الفطر
ص -222-

(وإن خافتا على ولديهما فقط أطعمتا عن كل يوم مسكيناً)، (والمريض إذا خاف ضرراً كره صومه للآية)، (ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً)، (وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار)، (أو دخل إلى حلقه ماء بلا قصد لم يفطر)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما جاء عن ابن عباس في تفسير الآية1 (وإن خافتا على ولديهما فقط أطعمتا عن كل يوم مسكيناً) فلا يجب إلا الإطعام فقط. أما في الصورتين الأوليين فيجب الإطعام، والصيام.
(والمريض إذا خاف ضرراً كره صومه للآية)2.
(ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً) وصار المشروع في حقه الأسهل والأيسر، كونه يفطر ولا يصوم؛ فإن صام فهو مكروه في حقه.

(3/21)


(وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار) أسفته الريح أو من دقيق يقلبه أو يكيله أو من طعام لم يفسد صومه؛ لأن هذه أشياء في التحرز منها حرج، وهذه الشريعة بعيدة عن الحرج؛ بل هي شريعة اليسر. (أو دخل إلى حلقه ماء بلا قصد لم يفطر) وكذلك إذا تمضمض فدخل إلى حلقه ماء من غير قصد لم يفطر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ليست منسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً.
2 {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} لما في ذلك من المشقة عليهما فيفطر ويقضي.

ص -223-

(ولا يصح الصوم الواجب إلا بنية من الليل)، (ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا يصح الصوم الواجب إلا بنية من الليل) لحديث: "لا صيام لمن لم يفرضه من الليل" فمن نواه صح فرضه، ومن لم ينو إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا يصح (ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده) بشرط أن لا يتقدم منه في أول النهار ما يفسده.
بابُ ما يُفسد الصَّوم
(من أكل أو شرب)، (أو استعط بدهن أو غيره)، (فوصل إلى حلقه)، (أو احتقن)، (أو استقاء فقاء)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بابُ ما يُفسد الصَّوم

(3/22)


يعني يبطله (من أكل أو شرب)الأكل يبطل إجماعاً، والشرب كذلك (أو استعط بدهن أو غيره) والإستعاط هو حقن الأنف، وصفته: أن يستلقي الإنسان المسعوط ويكون رأسه أخفض بقليل بحيث إذا دخل في الأنف يكون له انحدار إلى خياشيمه وما يتبعها (فوصل إلى حلقه) فإنه يفطر؛ لكونه أدخل إلى جوفه من منفذ. (أو احتقن) والمراد به هنا حقنة الدواء، ويتصور مع القبل فإنه يفطر1. (أو استقاء فقاء) استدعى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قلت: وانظر حكم التفطير بالإبر في الوريد أو العضل (جـ3 ص 188، 189 من فتاويه) وبيان أن أكثرها أدوية محلولة بماء، أو الماء في قارورة منفرد والمسحوق في قارورة وحده يخلط هذا مع هذا وقت الاستعمال كـ "الأونسلين" وبعض الحقن أغذية لا أدوية.

ص -224-

(أو حجم)، (أو احتجم فسد صومه)، (ولا يفطر ناس بشيء من ذلك)، (وله الأكل والشرب مع شك في طلوع الفجر، لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ})، (ومن أفطر بجماع فعليه كفارة ظهار)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طيوح كبده، فإذا قاء ولو قليلاً أفطر، بخلاف ما إذا ذرعه القيء (أو حجم) فلو حجم بآلة لم يفطر. (أو احتجم فسد صومه) وهذا إذا خرج دم. أما إذا لم يخرج فلا. لأن إخراج الدم إخراج للقوة، فإذا استدخل ما ينفع أو أخرج ما ينفع فإنه يفطر1.

(3/23)


(ولا يفطر ناس بشيء من ذلك) إذا كان ناسياً صومه فلا يفطر، أو كان ذاكراً صومه لكن باشره لا عن عمد (وله الأكل والشرب مع شك في طلوع الفجر، لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [2/187] والتبين غير الشك، والتأخر مكروه، وأما الحرام فلا، ما جاء المحرَّم بعد وهو الخيط الأبيض.
(ومن أفطر بجماع فعليه كفارة ظهار) المذكورة في قوله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وانظر إخراج الدم للفحص في رمضان وقياسه على الحجامة في (فتاوى ورسائله جـ3/192، 193) قلت: وبعض من يستخرج منهم الدم للفحص يغمى عليهم من كثرة ما يؤخذ منهم للفحص أو غيره. كما هو شاهد.

ص -225-

(مع القضاء)، (وتكره القُبْلَةُ لمن تتحرك شهوته)، (ويجب اجتناب كذب، وغيبة، وشتم، ونميمة)، (كل وقت)، (لكن للصائم آكد)، (ويسن كفه عما يكره)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3/24)


مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [58/1-4] (مع القضاء) ودليله حديث أبي هريرة الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو فقال: "هلكت يا رسول الله؟ قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. ثم جلس فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، فقال: تصدق بهذا، فقال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك" رواه السبعة واللفظ لمسلم فذكر مثل كفارة الظهار سواء من كونها على الترتيب: عتق، فصيام، فإطعام ستين مسكيناً.
(وتكره القُبْلَةُ لمن تتحرك شهوته) لأنها داعية إلى الجماع قوي. وأما الذي لا تتحرك شهوته فلا يكره.
(ويجب اجتناب كذب، وغيبة، وشتم، ونميمة) والبهت (كل وقت) في كل وقت (لكن للصائم آكد) وأغلظ وأشد تحريماً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
(ويسن كفه عما يكره) يحفظ صومه، وأن لا يجعل يوم صومه
ص -226-

(وإن شتمه أحد فليقل إني صائم)، (ويسن تعجيل الفطر إذا تحقق الغروب)، (وله الفطر بغلبة الظن)، (ويسن تأخير السحور ما لم يخش طلوع الفجر)، (وتحصل فضيلة السحور بأكل أو شرب وإن قل)، (ويفطر على رطب)، (فإن لم يجد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3/25)


ويوم فطره سواء، (وإن شتمه أحد فليقل إني صائم) يندب ذلك يعني لا يشاتم من شتمه فإن شاتمه احد فليقل إني صائم لما جاء في الحديث الذي تقم معناه، (ويسن تعجيل الفطر إذا تحقق الغروب) بأكل إن كان عنده، كمال فضيلة التعجيل بالأكل، لا بالماء وأصل فضيلة التعجيل يحصل بالماء (وله الفطر بغلبة الظن) إذا رجح في اعتقاده أن الشمس غائبة مهوب لا بد أن يجزم جزم أن الشمس غابت، فلو كان غيم أو قتر وكان معه ساعة مضبوطة أو كان عدد ساعات. ومن دليله أنهم أفطروا مرة في زمن عمر رضي الله عنه ثم تبينت له الشمس فقال: إنا لم نجانف لإثم. فدل على ما تقدم.
(ويسن تأخير السحور ما لم يخش طلوع الفجر)إن خشي أن يبغته فليبادر (وتحصل فضيلة السحور بأكل أو شرب وإن قل) عدم الوصال. ولكن الفضيلة الشبع. وليس حتى يتخم. وتحصل ولو بقليل.
س: الذي رأى من يأكل ويشرب وهو صائم هل يجب أن ينبهه؟
جـ: فيه وجهان. والذي يقول إنه واجب يقيم دليل.
(ويفطر على رطب)، (فإن لم يجد

ص -227-

فعلى التمر)، (فإن لم يجد فعلى الماء)، (ويدعو عند فطره)، (ومن فطر صائماً فله مثل أجره)، (ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، والذكر، والصدقة)، (وأفضل صيام التطوع صيام يوم وإفطار يوم)، (ويسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر)، (وأيام البيض أفضل)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3/26)


فعلى التمر) هذا هو السنة والأفضل، فها هنا شيئان الحلاوة، وخصوصية الحلاوة. الحلاوة فيها توليد الدم والقوة والفيتامين (فإن لم يجد فعلى الماء) هذا الأخير والماء مادة الحياة {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (ويدعو عند فطره) أي بعد فطره، ومنه: اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم" (ومن فطر صائماً فله مثل أجره) من غير أن ينقص من أجره شيء جاء ذلك في الحديث الذي هذا معناه.
(ويستحب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، والذكر، والصدقة) فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. والذكر والصدقة داخلة في ذلك وتضاعف في الأوقات الفاضلة.
صوم التطوع:
(وأفضل صيام التطوع صيام يوم وإفطار يوم) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" هذا أفضله.
(ويسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر) سواء كانت الثلاث الأولى أو التي تليها أو فرقة في الشهر. وجاء أن الحسنة بعشر أمثالها فيكون كصيام الدهر (وأيام البيض أفضل) لكن بعض الصوم أفضل من بعض
ص -228-

(ويسن صوم يوم الخميس والاثنين)، (وستة أيام من شوال)، (ولو متفرقة)، (وصوم تسع ذي الحجة، وآكدها اليوم التاسع وهو يوم عرفة)، (وصوم المحرم)، (وأفضله التاسع والعاشر)، (ويسن الجمع بينهما)، (وكل ما ذكر في يوم عاشوراء من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا صمت البيض فهو أفضل قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر" رواه الترمذي وحسنه. وسميت بيضاً لبياض ليالها بالقمر من المغرب إلى الفجر. وقيل: لأن الله بيّض فيها صحيفة آدم من الذنب.

(3/27)


(ويسن صوم يوم الخميس والاثنين) وفي الحديث صيامه لها، وقال: "إن الأعمال تعرض فيهما، على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" فهذا من جملة ما يسن صيامه.
(وستة أيام من شوال) كذلك يسن صيام ستة أيام من شوال، (ولو متفرقة) والتتابع أفضل، ويجوز التفريق. وأيضاً لها صور المبادرة وهي أفضل لقوله: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [20/84] فكونها تلي رمضان ومبادر بها من غير تفريق أفضل. فمن صام الست كان كم صام الشهرين الباقيين.
(وصوم تسع ذي الحجة، وآكدها اليوم التاسع وهو يوم عرفة) وهو أفضل أيام السنة، كما أن أفضل الليالي ليلة القدر (وصوم المحرم) يندب صيام المحرم كله (وأفضله التاسع والعاشر) أفضله وآكده (ويسن الجمع بينهما) ضم يوم إليه مخالفة لليهود. والأفضل التاسع والعاشر. ويجوز إحدى عشر قال أحمد: وإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام (وكل ما ذكر في يوم عاشوراء من
ص -229-

الأعمال غير الصيام لا أصل له بل هو بدعة)، (ويكره إفراد رجب بالصوم)، (وكل حديث في فضل صومه والصلاة فيه فهو كذب)، (ويكره إفراد الجمعة بالصوم)، (ويكره تقدم رمضان بيوم أو يومين)، (ويكره الوصال)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأعمال غير الصيام لا أصل له بل هو بدعة) مثل كحل العينين. وكذا في أحاديث تذكر كالتوسعة على العيال فهو باطل ما له صحة.
ويوم عاشرواء فيه طائفتان تتقابل: الروافض يجعلونه وما قبله يوم حزن. والنواصب يجعلونه يوم عيد. يسمى "عيد العمر" وأهل السنة لا يرون هذا ولا هذا، ولا يميزونه إلا بالصيام. وله مرتبتان: قبل الإسلام كان واجباً صيامه، ثم نسخ وكان سنة.

(3/28)


(ويكره إفراد رجب بالصوم) كونه رجب من أوله إلى آخره ولا يصوم من الشهر الذي قبله أو بعده مكروه، فإن أفطر منه شيئاً ولو يوماً واحداً زالت الكراهة (وكل حديث في فضل صومه والصلاة فيه فهو كذب).
والاعتمار فيه الذي يفعله بعض أهل الأمصار ما له وجه، إنما الذين يعظمونه أهل الجاهلية، فلا يعظم بذبح ولا صيام. وسواء قصد مشابهتهم أو لا.
(ويكره إفراد الجمعة بالصوم) لأنها عيد الأسبوع، وإن صيم يوم قبله أو بعده زالت الكراهة.
(ويكره تقدم رمضان بيوم أو يومين) للنهي عنه في حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود: "لا تقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه" الحديث، (ويكره الوصال) كراهة شديدة وهو أن يصوم يومين فأكثر لا يأكل في الليل ولا
ص -230-

(ويحرم صوم العيدين)، (وأيام التشريق الثلاثة)، (ويكره صوم الدهر)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يشرب، وبعض يحرمه. ونهى عنه صلى الله عليه وسلم وقال: "لو زاد لزدتكم" تنكيلاً ويجوز الوصال إلى السحر (ويحرم صوم العيدين) وهما الفطر والأضحى، الفطر يوم الفطر فرض وحتم إذا صاموا رمضان أن يتعاطوا المباحات، وأن يكون لهم أكل وسرور. وقد فرق الله بينهما فحتم عدم الأكل وجنس المفطرات، وحتم الفطر. فالذي يصومه أراد أن يسوي بين ما فرق الله بينه. وعيد الأضحى هو الذي تنحر فيه الضحايا والهدايا، وهي إنما تذبح للأكل ليس المراد إهراق دمها فقط. فالذي يصوم يريد معاكسة هذا المقصود الشرعي. وقال صلى الله عليه وسلم في يوم العيد: "هو يوم فطركم".

(3/29)


(وأيام التشريق الثلاثة) وذلك أنها من أعياد أهل الإسلام؛ لكن الذي لم يجد الهدي يجوز له الصيام إذا لم يصم يوم عرفة وما قبله تعين عليه الصيام؛ لأنه متعينٌ الصيام في الحج. والأفضل أن يقدمن، فإذا لم يبق من أيام الحج إلا هذه تعين أن يصمن.
والعيد عيدان حقيقيان. وما ليس بحقيقي وهو أيام التشريق شرعن تيسيراً في الوقت، فممنوع من صيامهن كما عرفت؛ لكن مرخص فيهن لمن لم يجد الهدي. أما العيدان فلم يرخص فيهما بحال.
(ويكره صوم الدهر) كأن يستمر في صيام لا يفطر أبداً، وفي الحديث: "لا صام من صام الأبد" وهو خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل، وخلاف قوله، وأنواع تطوعه بالصيام معلومة معروفة ليس منها هذا بحال.
ص -231-

(وليلة القدر)، (معظمه)، (يرجى إجابة الدعاء فيها؛ لقوله: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [97/3])، (قال المفسرون: في قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر خالية منها)، (وسميت ليلة القدر لأنه يقدر فيه ما يكون في تلك السنة)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وليلة القدر) هي في رمضان خاصة، وهي لم ترفع، وهي في العشر، وفي أوتاره آكد (معظمه)عظيمة القدر عند الله، ومن عظم قدرها ما جاء في القرآن: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [97/3] وفي الحديث: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وسميت ليلة القدر لعظم قدرها عند الله سبحانه وتعالى. وقيل: لكونه يقدر فيها ما يكون في السنة المقبلة، أو لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً. ولم يثبت فيها بعينها شيء صحيح صريح أنها بعينها في يوم معين، لا. بل دلت الأحاديث على أنها في العشر، وأنها في الأوتار آكد.

(3/30)


(يرجى إجابة الدعاء فيها؛ لقوله: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [97/3] (قال المفسرون: في قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر خالية منها) وهذا يفيك عظم فضل هذه الليلة، وأن بينها وبين سواها هذا البون البعيد. وألف الشهر من السنين ينيف عن ثمانين سنة، وهو عمر الإنسان إذا طال عمره لا يتجاوز هذا غالباً. (وسميت ليلة القدر لأنه يقدر فيه ما يكون في تلك السنة) هذا أحد ما قيل في سبب تسميتها. وهذا هو التقدير الحولي من أنواع التقدير.

ص -232-

(وهي مختصة بالعشر الأواخر، وليالي الوتر)، (وآكدها ليلة سبع وعشرين)، (ويدعو فيها بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني")، (والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وهي مختصة بالعشر الأواخر، وليالي الوتر) فهي مختصة برمضان، وبالعشر منه، وفي الأوتار آكد (وآكدها ليلة سبع وعشرين) أبلغ في الرجا أن تكون هي ليلة القدر، جاء أحاديث واعتبارات تدل على أنها أرجى من غيرها. (ويدعو فيها بما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني") مستحب أن يدعو بذلك في الليلة الذي يظنها هي، بل يُكثر؛ فإنه الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، ففيه التوسل إلى الله في حصول هذا المطلوب بأمرين: أحدهما: التوسل إليه باسمه العفو، وأن من وصفه العفو، ومن وصفه محبته لذلك. (والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم).

(3/31)


نقلته من تقريرات شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله سماعاً منه حرفياً في دروسه1 في عامي تسعة وستين وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية وانتهيت من تبييضه عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف هجرية. وصلى الله على محمد وعلى آل محمد وأصحابه أجمعين.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في مسجده وفي بيته.

ص -233-

(3/32)