منهج القرآن الكريم في توجيه الأمة إلى التوبة

إعداد

د. محب الدين بن عبد السبحان واعظ

الأستاذ المشارك  بقسم الكتاب والسنة

1425هـ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، خالق الإنس والجان، مالك يوم الدين، قابل التوب شديد العقاب، ذي الطول، لا إله هو، إليه المصير.

والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله وخليله وصفيه من خلقه محمد بن عبد الله الذي كان دائم الاتصال برب العالمين منيبا إليه وتائبا، وقد غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو القائل أفلا أكون عبدا شكورا، صلى الله تعالى عليه صلاة دائمة متصلة إلى يوم البعث والنشور، وعلى آله وأهل بيته وذريته الطيبين الطاهرين، وصحابته المخلصين لهذا الدين القويم، وورثته من أهل العلم بشرعه المبين، ومن سار على نهجهم واقتفى إلى يوم الدين.

وبعد: فان الله تعالى خلق البشر وجعله خليفة في الأرض وكرمه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وأسكن أبا البشر وزوجه جنة الخلد تفضلا منه وإحسانا، فما طال مقامهما إلا كان الشيطان وراءهما بوسائسه، ودلاهما بغرور، حتى ظلما أنفسهما، فأنابا إليه وتاب الله عليهما (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه أنه هو التواب الرحيم [1]).

ولقد صف الله سبحانه وتعالى نفسه بصفاته العليا، وهو أعلم به، وأنه قابل توبة العباد ويغفر ذنوبهم، فقال – جل وعلا - ( وأنا التواب الرحيم [2])

وقد اقترنت صفة التوبة مع صفة الرحمة في كثير من آيات القرآن الكريم، إلا في آية النور فقد اقترنت فيها صفة التوبة مع صفة الحكمة[3]، وأفردت صفة  التوبة في سورة النصر فقط فقال: (إنه كان توابا[4])

وقد قرن الله تعالى صفة التوبة مع الرحمة في توجيه المؤمنين لطلب المغفرة من الله تعالى بعد ظلمهم أنفسهم ومجيئهم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – واستغفار الرسول لهم فقال (لوجدوا الله توابا رحيما [5])

وعندما وجه – البارئ جل شأنه – الوصايا النافعة لضمان المجتمع من الانهيار وحمايته من الانحلال، وقد نهاهم عن السخرية واللمز والنبز والظن والتجسس والغيبة، ثم أمرهم بالتقوى فوصف نفسه فقال (إن الله تواب رحيم[6])

وموسى الكليم – صلوات ربي وسلامه عليه – حينما وجه قومه إلى التوبة بعد أن اتخذوا العجل وظلموا أنفسهم، وصف ربه بأنه هو التواب الرحيم [7].

وكذا إبراهيم الخليل - صلوات ربي وسلامه عليه – حينما دعا ربه بأن يتوب عليه، وصفه كذلك بهاتين الصفتين فقال: (إنك أنت التواب الرحيم [8]).

هكذا وردت صفة التوبة بانفراد مرة، وكثيرا مقترنة بصفات أخرى مثل الرحيم والحكيم – سبحانه وتعالى -. 

 

فكرة البحث:

لقد أثنى الله تعالى على الابن البار الصالح، الذي بلغ الأربعين من العمر، والذي  (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي? أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِي? أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى? وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي? إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ?لْمُسْلِمِينَ[9]).

فهذا الابن يطلب من الله تعالى الالهام لشكر نعمته التي أنعم بها عليه وعلى والديه، ويوفقه للعمل الصالح الذي يرضيه، ويجعل ذريته من الصالحين، ثم يلتجأ إليه تائبا من جميع الذنوب بقوله (إني تبت إليك وإني من المسلمين) فمن كان كذلك فهو من الأبناء البررة، الذين قال عنهم البارئ جل شأنه (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون[10]) فقول هذا الابن البار - كما جاء في الآية الكريمة السابقة – يتضمن طلبا وتوجها؛ طلبا من الله تعالى يشتمل على طلب الالهام للشكر، والتوفيق للعمل الصالح، وإصلاح الذرية، وتوجها منه إليه تعالى بالتوبة والاسلام له.

وقد كنت أردد هذه الآية مرارا بين الحين والآخر، أعمل الفكر فيها بإمعان، أملا في الشمول مع من يتقبل منهم الله التوابُ الرحيم، التوبةَ والعمل، وقد قيل: زكاةُ العلمِ العملُ؛ فلابد من التوبة ومن الامتثال والعمل، ثم بدا لي أن أقف على منهج القرآن الكريم والخطوات المودعة فيه، لعل الله تعالى أن يوفقنى وأمثالى من المقصرين للتوبة، لأن الانسان كثير الوقوع في الخطأ، وفي الحديث (كل ابن آدم خطّاء، فخير الخطائين التوابون[11] ).

 

 

قال الأمير الصنعاني: والحديث دال على أنه لا يخلو من الخطيئة إنسان، لما جبل عليه هذا النوع من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه، في فعل ما إليه دعاه، وترك ما عنه نهاه، ولكنه تعالى بلطفه فتح باب التوبة لعباده، وأخبر أن خير الخطائين التوابون المكثرون للتوبة على قدر كثرة الخطأ [12].

وقال الرسول – صلى الله عليه وسلم – (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم[13] ) .

حدود البحث وخطوات منهجه:

هذا البحث يتضمن بيان الخطوات المستخلصة من القرآن الكريم في عرض التوبة، للمؤمنين حتى يهتدوا إليها،  وركزت في الدراسة على من وردت توبتهم بلفظ صريح، دون من يفهم توبتهم من سياق الآية أو سباقها، لأن الغرض من البحث هو  بيان منهج القرآن في توجيه الأمة إلى التوبة.

وسرت في البحث حسب الخطوات التالية:

1-   جمعت الآيات التي تتحدث عن التوبة والتائبين وعاقبتهم ونحو ذلك.

2-   صنفتها حسبما تدل عليه الآيات من معنى وتوجيه وفائدة.

3-   اخترت الآيات التي تنبئ عن منهج وطريق وخطوات.

4-   رجعت الى كتب التفاسير المعتمدة بالماثور والدراية.

5-   ذكرت ما تدل عليه الآيات من معنى وبيان وتوضيح.

6-   رتبت الخطوات التي تدل المنهج حسب اجتهادي الشخصي كما تراه في ثنايا البحث.

 

الهدف من البحث:

1-   بيان هداية القرآن الكريم، وأنه يتضمن ما يصلح الأمة في العاجل والآجل.

2-   بيان منهج القرآن الكريم في عرض التوبة، من حيث الأمر والحث، والثناء والعاقبة، والذين لا تقبل توبتهم.

3-   عرض هذا المنهج بأسلوب مبسط وواضح.

4-   تذكير المجتمع وتنبيهه للرجوع إلى الله تعالى عن الذنوب بالتوبة النصوح.

هذا وقد كانت فقرات البحث كالتالي:

المقدمة /  معنى التوبة لغة وشرعا / معاني توبة الله على عباده / توبة العباد الى الله تعالى / أمر الله تعالى عباده بالتوبة / الحث على التوبة/ ثناء الله تعالى على التائبين / دعاء حملة العرش ومن حوله للتائبين /  دعـــوة الأنبياء أقوامهم الى التوبة  / وقت التوبة / قبول الله تعالى توبة عباده   / ثمرات التوبة  / عاقبة الذين لم يتوبوا/ الذين لا تقبل توبتهم، ثم الخاتمة، والفهارس .

هذا وأسأل الله التواب الرحبم دوام التوفيق للرجوع إليه منيبا تائبا، إنه سمع مجيب، والشكرله أولا وآخرا ظاهرا وباطنا، وأسأله التوفيق للعمل الصالح المرضي، وصلاح الأهل والأولاد والذرية، ويغفر لي ولوالدي والمسلمين أجمع، وصلى الله على سينا محمد وآله وصحبه وسلم .

الباحث

د. محب الدين واعظ

مكة المكرمة 1425هـ


معنى التوبة

التوبة في اللغة: كلمة أصلها مكونة من التاء والواو والباء، وهي تدل على الرجوع[14].

والتوبة في الشرع: الرجوع من الذنب، وتاب إلى الله يتوب توبا وتوبة ومتابا: أناب، ورجع عن المعصية إلى الطاعة، ورجل تواب: تائب إلى الله، والله تواب: يتوب على عبده.

قال أبو منصور: أصل تاب إلى الله ورجع وأناب، وتاب الله عليه: أي عاد عليه بالمغفرة[15].

قال الراغب الأصفهاني: والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كمل شرائط التوبة[16].

وقال الطبري: التوبة لا تكون توبة إلا مـمن ندم علـى ما سلف منه، وعزم فـيه علـى ترك الـمعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك الـمعاودة[17].

معاني توبة الله على عباده

سبحان الكريم التواب، الرحمن الرحيم بعباده، العليم الخبير بأفعالهم وأقوالهم، لاتخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فسبحان الذي كلف العباد بالعبادة، بل تحمل الإنسان الأمانة (إنه كان ظلوما جهولا [18]) لكن رزقهم التوبة من الخطايا والإنابة إلى الله وإلى طاعته مما يكره من معصيته، وقبل منهم توبتهم.

فتوبة الله على عبيده: لها معنيان:

الأول: أن يزرقهم الله تعالى التوبة إليه، ويجعلهم من أهل الإياب إلـى طاعتـه والإنابة إلـى مرضاتـه، ويهديهم إليه بلطف منه لهم لينيبوا ويرجعوا عما هم عليه من معاصي وخلاف أمر الله عز وجل، وقد قال ابن منظور: وتاب الله عليه: وفقه لها[19]، فهناك الكثير من الآيات التي تدل على ذلك.

قال تعالى: (يُرِيدُ ?للَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[20]) قال النسفي: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) أي يوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف[21].

وقال تعالى: (لَقَدْ تَابَ الله عَلَى? ?لنَّبِيِّ وَ?لْمُهَاجِرِينَ وَ?لأَنصَارِ ?لَّذِينَ ?تَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ?لْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيم[22]ٌ)  يقول الطبري: لقد رزق الله الإنابة إلى أمره وطاعته نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين ديارهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله في الله، الذين اتبعوا رسول الله في ساعة العسرة منهم، من النفقة والظهر والزاد والماء، مِنْ بعدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمُ عن الحقّ ويشكّ في دينه ويرتاب بالذي ناله من المشقة والشدّة في سفره وغزوه، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ يقول: ثم رزقهم جلّ ثناؤه الإنابة والرجوع إلى الثبات على دينه وإبصار الحقّ الذي كان قد كاد يلتبس عليهم[23].

وقال تعالى (وَعَلَى ?لثَّلَـ?ثَةِ ?لَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى? إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ?لأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّو?اْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ?للَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُو?اْ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لتَّوَّابُ ?لرَّحِيمُ[24]) قال البيضاوي: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) بالتوفيق للتوبة، (لِيَتُوبُوا) أو أنزل قبول توبتهم ليعدوا من جملة التائبين، أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم (إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لتَّوَّابُ) لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة (?لرَّحِيمِ) المتفضل عليهم بالنعم[25].

وقال تعالى (وَحَسِبُو?اْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ?للَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَ?للَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ[26] )

أي: ثم رزقتهم التوبة، وهديتهم بلطف منـي لهم، حتـى أنابوا ورجعوا عما كانوا علـيهم من معاصيّ وخلاف أمري، والعمل بـما أكرهه منهم إلـى العمل بـما أحبه، والانتهاء إلـى طاعتـي وأمري ونهيـي[27].

وقال تعالى (ثُمَّ يَتُوبُ ?للَّهُ مِن بَعْدِ ذ?لِكَ عَلَى? مَن يَشَآءُ وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[28])

يقول تعالى ذكره: ثم يتفضل الله بتوفيقه للتوبة والإنابة إليه من بعد عذابه الذي به عذّب من هلك منهم، قتلاً بالسيف، ويتوب الله على من يشاء من الأحياء، يقبل به إلى طاعته والله غَفُورٌ لذنوب من أناب وتاب إليه منهم ومن غيرهم منها، رَحِيمٌ بهم فلا يعذبهم بعد توبتهم، ولا يؤاخذهم بها بعد إنابتهم[29].

الثاني: قبول توبة العبد، وأن يؤب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه[30] قال تعالى ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون [31]) وقد قال ابن منظور: وتاب الله عليه: عاد عليه بالمغفرة، والله تواب: يتوب على عبده[32]، والكثير من الآيات القرآنية التي تتحدث عن توبة الله على عباده بهذا المعنى.

قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِ?تِّخَاذِكُمُ ?لْعِجْلَ فَتُوبُو?اْ إِلَى? بَارِئِكُمْ فَ?قْتُلُو?اْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ?لتَّوَّابُ ?لرَّحِيمُ[33])

وقوله: (فَتابَ عَلَـيْكُمْ) أي قبل توبتكم، قال ابن جرير: رجع لكم ربكم إلـى ما أحببتـم من العفو عن ذنوبكم، وعظيـم ما ركبتـم، والصفح عن جرمكم (إنّهُ هُوَ التّوَّابُ الرَّحِيـم)ُ يعنـي الراجع لـمن أناب إلـيه بطاعته إلـى ما يحبّ من العفو عنه، العائد إلـيه برحمته الـمنـجية من عقوبته[34].

وقال تعالى: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ?للَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ?للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم[35]).

أي: من تاب ممن صدر منهم الظلم كالسرقة ونحوها، فإنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَـيْهِ، أي: يقبل توبته، يقول الطبري: فإن الله - جلّ وعزّ – يرجعه إلـى ما يحبّ ويرضى عما يكرهه ويسخط من معصيته، إن الله غفور رحيم، ساترٌ علـى من تاب وأناب عن معاصيه إلـى طاعته ذنوبَه بـالعفو عن عقوبته علـيها يوم القـيامة وتركه فضيحته بها علـى رؤوس الأشهاد، رحيـم به وبعبـاده التائبـين إلـيه من ذنوبهم[36].

 

معنى توبة العباد الى الله تعالى

وتوبة العبد إلـى ربه: إنابته إلـى طاعته، وأوبته إلـى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التـي كان علـيها مقـيـما مـما يكرهه ربه[37]، وأصل تاب: عاد إلى الله ورجع وأناب [38]، ويخبرنا الله – سبحانه وتعالى – في محكم التنزيل عن الذين تابوا , وأنابوا إلى الله تعالى من أنبيائه وعباده الصالحين، وأقتصر في هذا البحث على من وردت عنهم التوبة بلفظ صريح، دون من يفهم توبيهم من سياق الكلام أو سباقه، مثل آدم وداوود ويونس – عليهم الصلاة والسلام - فقال تعالى عن توبة موسى الكليم – صلوات الله وسلامه عليه –  (وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى? لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي? أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـ?كِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى? رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى? صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ?لْمُؤْمِنِينَ[39]).

قال الألوسي: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى? لِمِيقَـ?تِنَا) أي لوقتنا الذي وقتناه أي لتمام الأربعين (قَالَ رَبّ أَرِنِى) أي ذاتك أو نفسك، قال رب العزة والجلال (لَن تراني) أي لا قابلية لك لرؤيتي وأنت على ما أنت عليه (وَلَـ?كِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ)  أي طور سيناء  (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ) ولم يفتته التجلي (فَسَوْفَ تَرَانِى) إذا تجليت لك، (فَلَمَّا تَجَلَّى? رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) أي ظهر له على الوجه اللائق بجنابه تعالى بعد جعله مدركاً لذلك (جَعَلَهُ دَكّا) أي مدكوكاً متفتتاً، (وَخَرَّ موسَى?) أي سقط من هول ما رأى (صَعِقًا) أي صاعقا وصائحا من الصعقة، والمراد أنه سقط مغشياً عليه، (فَلَمَّا أَفَاقَ) بأن عاد إلى ما كان عليه قبل، وذلك بعود الفهم والحس  ورجوع العقل والفهم إليه بعد ذهابهما عنه   (قَالَ) تعظيماً لأمر الله سبحانه (سُبْحَـ?نَكَ) أي تنزيهاً لك من مشابهة خلقك في شيء، أو من أن يثبت أحد لرؤيتك على ما كان عليه قبلها، أو من أن أسألك شيئاً بغير اذن منك (تُبْتُ إِلَيْكَ) من الاقدام على السؤال بغير أذن (وَأَنَاْ أَوَّلُ ?لْمُؤْمِنِينَ) بعظمتك وجلالك، أو بأنه لا يراك أحد في هذه النشأة [40].

وقال الطبري:  يقول تعالـى ذكره: فلـما ثاب إلـى موسى علـيه السلام فهمه من غشيته، وذلك هو الإفـاقة من الصعقة التـي خرّ لها موسى - صلى الله عليه وسلم - قال: سُبْحانَكَ تنزيها لك يا ربّ وتبرئة أن يراك أحد فـي الدنـيا ثم يعيش، تُبْتُ إلَـيْكَ من مسألتـي إياك ما سألتك من الرؤية، وأنا أوَّلُ الـمُؤْمِنِـينَ بك من قومي أن لا يراك فـي الدنـيا أحد إلا هلك[41].

هذا .. ويذكرنا القرآن الكريم بتوبة من بلغ الأربعين من الإنسان فيقول: (وَوَصَّيْنَا ?لإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً حَتَّى? إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي? أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ?لَّتِي? أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى? وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي? إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ?لْمُسْلِمِينَ[42]).

يقول الله - تعالى ذكره - مخبرا عن قيل هذا الإنسان: إنّي تُبْتُ إلَيْكَ، تبت من ذنوبي التي سلفت مني في سالف أيامي إليك، وَإنّي مِنَ المُسْلِمِينَ، ومن الخاضعين لك بالطاعة، المستسلمين لأمرك ونهيك، المنقادين لحكمك[43].

وقال ابن كثير:  وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها، وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود - رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد (اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا [44]) .

ثم ذكر الله تعالى في الآية الكريمة التالية عاقبتهم الحسنى، بقبول العمل الحسن، وتكفير السيئات،  وإدخالهم الجنة، فهؤلاء المتصفون بما ذكر في الآية الأولى، التائبون إلى الله تعالى المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، فيغفر لهم الكثير من الزلل، ونتقبل منهم اليسير من العمل، وهم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وعد الله عز وجل من تاب إليه وأناب، ولهذا قال تعالى: (وَعْدَ ?لصّدْقِ ?لَّذِى كَانُواْ يُوعَدُون)[45]. 

 

أمر الله تعالى عباده بالتوبة

خلق الله تعالى الإنسان وجعل فيه النفس المتقلبة من حال إلى حال، المنقلبة حسب البيئات وتقلبات الزمن، فلا تثبت على طريقة ولا تستقر على سبيل إلا من رحم، لذا أرسل الله تعالى الرسل الكرام لهداية الناس إلى الطريق المستقيم، ولأنه تعالى يعلم من عباده الانحراف وحدوث الزلل والوقوع في الخلل، فوجههم إلى الطريق الأقوم، في مثل هذه الأحوال، وبين لهم بأن التوبة هي المنجاة وفيها السلامة والنجاة، فأمرهم الله – عز وجل – بالتوبة في آيات عديدة من كتابه الكريم، في آيات من سور مكية ومدنية، ولا يخفى بان الأمر بالتوبة من أهم الأوامر الإسلامية.

فبين الله تعالى في الآيات المبدوءة بها سورة هود المكية، بأنه – سبحانه وتعالى – أحكم الآيات القرآنية من الدَّخل والخلل والباطل، ثم فصلها بالأمر والنهي ، بأن لا يعبد البشر إلا الله وحده لا شريك له ويخلعوا الآلهة والأنداد، وقال تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يقول للناس: إنني لكم من عند الله نذير، أنذركم عقابه على معاصيه وعبادة الأصنام، وبشير أبشركم بالجزيل من الثواب على طاعته وإخلاص العبادة والألوهة له.

ثم قال تعالى (وَأَنِ ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُو?اْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّي? أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ[46])

يأمر الله تعالى ذكره عباده أنِ يسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ وأن يعملوا من الأعمال ما يرضي الرب عز وجل،  ثُمَّ يتُوبُوا إلَيْهِ بإخلاص العبادة له دون ما سواه من سائر ما يعبدون من دونه [47].

وأمره تعالى عباده بالتوبة في الآيات المدنية أصرح، وهم إليها أحوج؛ لأن العبد المؤمن مهما جد واجنهد، ومهما امتثل واعتدل،  لا يخلو حاله عن سهو ونسيان، وتقصير في أوامره واقتراف لنواهيه، وانزلاق في ارتكاب المحرمات، أو التعدي على الآخرين، أو يقع في غيبة أو نميمة أو حسد وحقد، وما شابه ذلك، لذا أمر الله - عز وجل - المؤمنين جميعاً بالتوبة وأمّلهم بالفلاح إذا تابوا، قال تعالى (وَتُوبُواْ إِلَى ?للَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ لعلكم تفلحون[48]).

قال القرطبي: قوله تعالى: (وَتُوبُو?ا) أمْرٌ، ولا خلاف بين الأمّة في وجوب التوبة، وأنها فرض متعيّن؛ والمعنى: وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى، فلا تتركوا التوبة في كل حال[49].

وقد ابتدأت هذه الآية بالخطاب للنبي – صلى الله عليه وسلم – ليوجه أمته الى الفضائل الاجتماعية، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي الواردة في الآية الكريمة، ولكنها ختمت بخطاب الله - عز وجل - المؤمنين ليتوبوا إلى ربهم، قال الألوسي: وتلوين الخطاب وصرف له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الكل بطريق التغليب، لإبراز كمال العناية بما في حيزه من أمر التوبة ، وأنها من معظمات المهمات الحقيقية ، بأن يكون - سبحانه وتعالى - الآمر بها، لما أنه لا يكاد يخلو أحد من المكلفين عن نوع تفريط في إقامة مواجب التكاليف كما ينبغي ، لا سيما في الكف عن الشهوات.

وقال أيضا: وفي تكرير الخطاب بقوله تعالى: (أَيُّهَ ?لْمُؤْمِنُونَ) تأكيد للإيجاب وإيذان بأن وصف الايمان موجب للامتثال حتماً[50]، أي: إن كنتم مؤمنين امتثلوا أمر ربكم وتوبوا  إليه عما أنتم فيه من الذنوب والمعاصي، أو المنكرات، أوالانحراف عن جادة الطريق ومنهج الله تعالى.

وقال الثعالبي: والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على التفريط في المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل [51].

وقال القرطبي: وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان[52].

وقال تعالى (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا[53]) أي توبة بالغة في النصح، بل تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب عنه [54].

قال الطبري: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله، تُوبُوا إلى اللَّهِ؛ أي ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله، وإلى ما يرضيه عنكم، تَوْبَةً نَصُوحا، رجوعا لا تعودون فيها أبدا[55].

وقال الشيخ ابن عاشور: أمر المؤمنين بالتوبة من الذنوب إذا تلبسوا بها لأن ذلك من إصلاح أنفسهم، بعد أن أمروا بأن يُجنبوا أنفسهم وأهليهم ما يزجّ بهم في عذاب النار، لأن اتقاء النار يتحقق باجتناب ما يرمى بهم فيها، وقد يذهلون عما فرط من سيئاتهم فهُدوا إلى سبيل التوبة التي يمحون بها ما فرط من سيئاتهم[56].

وقال تعالى (أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى? ?للَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ[57]) قال الفراء: هذا أمر بلفظ الاستفهام؛ كقوله تعالى?: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ[58]) أي: انتهوا، والمعنى: أن الله يأمركم بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم (وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [59].

قال ابن كثير: وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه[60].

قال الألوسي: والاستفهام في قوله تعالى: (أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى? ?للَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) للإنكار، وفيه تعجيب من إصرارهم – أي النصارى - أو عدم مبادرتهم إلى التوبة، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي ألا ينتهون عن تلك العقائد الزائغة والأقوال الباطلة فلا يتوبون إلى الله تعالى الحق ويستغفرونه بتنزيهه تعالى عما نسبوه إليه عز وجل، أو يسمعون هذه الشهادات المكررة والتشديدات المقررة فلا يتوبون عقيب ذلك (وَ?للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فيغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا [61].

الحث على التوبة

القرآن الكريم كلام رب العالمين، يعلم ما يصلح البشر ويرشدهم، ويعلم خبايا صدورهم، ومكنون قلوبهم، إذ أمر المؤمنين بالتوبة إلى الله تعالى من ذنوبهم، بل هناك آيات أخرى تحثهم على التوية علهم يستقيموا على الجادة، فيمتثلوا ويعملوا بتوجيهات ربهم وخالقهم.

قال تعالى: (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـ?لِحَاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ?للَّهِ متابا[62])

يحث الله – سبحانه وتعالى – المؤمنين إلى التوبة والعمل الصالح في الآية؛ فَمَن تَابَ عن المعاصي التي فعلها بتركها بالكلية والندم عليها وَعَمِلَ صَـ?لِحَاً يتلافى به ما فرط منه .

أو: ومن خرج عن جنس المعاصي وإن لم يفعله ودخل في الطاعات فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ?للَّهِ، ويرجع إليه سبحانه بذلك مَتاباً أي رجوعاً عظيم الشأن مرضياً عنده تعالى، ماحيا للعقاب محصلاً للثواب.

أو: فإنه يتوب إلى الله تعالى ذي اللطف الواسع الذي يحب التائبين ويصطنع إليهم.

أو: فإنه يرجع إلى الله تعالى، أو إلى ثوابه سبحانه مرجعاً حسناً[63] .

هذا.. وفي الآيات التي نزلت في حفصة وعائشة – رضي الله عنهما – بقوله تعالى (إِن تَتُوبَآ إِلَى ?للَّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا[64]) حَثَّهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا: أي زاغت ومالت عن الحق، وهو أنهما أَحَبَّتَا ما كَرِه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من اجتناب جاريته واجتناب العسل، وكان عليه السلام يحبّ العسل والنساء [65].

هذا .. وفي ذكر الله تعالى جزاء الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقترفون أنواعا من الذنوب والمعاصي والاعتداء على الآخرين، وأنهم يخلدون في العذاب، ثم التعقيب على ذلك بقوله تعالى (إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـ?لِحاً فَأُوْلَـئِكَ يُبَدّلُ ?للَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَـ?تٍ[66]) حث على التوبة، بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم، أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة، وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه، أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثواباً وَكَانَ ?للَّهُ غَفُوراً رَّحِيما،ً فلذلك يعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات [67].

 

ثناء الله تعالى على التائبين

وصف الله عز وجل عباده المؤمنين بصفات حميدة أحرى بـهم أن يتحلوا بها، لأنه تعالى بشرهم بالفوز العظيم، فقال (?لتَّائِبُونَ ?لْعَابِدُونَ ?لْحَامِدُونَ ?لسَّائِحُونَ ?لرَّاكِعُونَ ?لسَّاجِدونَ ?لآمِرُونَ بِ?لْمَعْرُوفِ وَ?لنَّاهُونَ عَنِ ?لْمُنكَرِ وَ?لْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ?للَّهِ وَبَشرِ ?لْمُؤْمِنِينَ[68]).

هذه الصفات نعوت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة (?لتَّـ?ئِبُونَ) من الذنوب كلها، التاركون للفواحش[69]،   التائبون الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله[70] ثم ختم الآية بالبشرى للمؤمنين المتصفين بهذه المحاسن المبدوءة بالتوبة .

وفي ذكر الله تعالى صفات الزوجات اللاتي يبدّل الله تعالى رسولَه الكريم – صلى الله عليه وسلم – إن طلق أزواجه، بقوله (عَسَى? رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً منكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيبَاتٍ وَأَبْكَاراً [71]) دليل على ثنائه من اتصف بهذه الصفة الجليلة (التوبة) فقوله (تائِبات) راجعات إلى ما يحبه الله منهنّ من طاعته عما يكرهه منهنّ[72]، أو راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركات لمحاب أنفسهن[73].

وفي قول الله تعالى: (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـ?لِحَاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ?للَّهِ متابا[74]) ثناء  وبيان للمكانة العالية للتائبين، فَمَن تَابَ عن المعاصي بتركها والندم عليها، وَعَمِلَ صَـ?لِحَاً يتلافى به ما فرط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ?للَّهِ ويرجع إليه بذلك، مَتاباً مرضياً عند الله، ماحياً للعقاب محصلاً للثواب[75].

والله – سبحانه وتعالى – يثني على التائبين ويعدهم بالجزاء الحسن، كما أن للتوبة ثمرات سامية محمودة العاقبة، وسيأتي ذكرها آخر البحث.

 

دعاء حملة العرش ومن حوله للتائبين

يقول الله تعالى عن حملة العرش ومن حوله من الملائكة المقربين وعن أعمالهم التي بها يتقربون إلى الله تعالى (?لَّذِينَ يَحْمِلُونَ ?لْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَ?غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَ?تَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ?لْجَحِيمِ ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـ?تِ عَدْنٍ ?لَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَ?جِهِمْ وَذُرِّيَّـ?تِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ?لْعَزِيزُ ?لْحَكِيمُ، وَقِهِمُ ?لسَّيِّئَـ?تِ وَمَن تَقِ ?لسَّيِّئَـ?تِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ [76]).

يخبر الله تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين بأنهم يسبحون بحمد ربهم أي يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فهم خاشعون له أذلاء بين يديه وأنهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة   -عليهم الصلاة والسلام -  كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لاخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله[77]».

ويخبرنا الله تعالى عن دعاء الملائكة للتائبين، إذ يقولون (فَ?غْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَ?تَّبَعُواْ سَبِيلَكَ) أي فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات، وَقِهِمْ عَذَابَ ?لْجَحِيمِ أي وزحزحهم عن عذاب الجحيم، وهو العذاب الموجع الأليم، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـ?تِ عَدْنٍ ?لَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَـلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وَأَزْو?جِهِمْ وَذُرّيَّـ?تِهِمْ، أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال تبارك وتعالى: (وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَ?تَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَـ?نٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَـ?هُمْ مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء [78])

ثم قال: (وَقِهِمُ ?لسَّيّئَـ?تِ)  أي فعلها، أو وبالها ممن وقعت منه، وَمَن تَقِ ?لسَّيّئَـ?تِ يَوْمَئِذٍ،  أي يوم القيامة فَقَدْ رَحِمْتَهُ ، أي لطفت به ونجيته من العقوبة وَذ?لِكَ هُوَ ?لْفَوْزُ ?لْعَظِيمُ  [79].

وهذه الآيات الكريمات فيهن البشارة العظيمة من الله تعالى لعباده المؤمنين التائبين، بأن الملائكة المقربين يدعو لهم بما يريح خاطرهم في الدنيا والآخرة، فتدعو الملائكة   - الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون - بالمغفرة لهم، وإدخالهم جنات عدن، والصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وأن يحفظهم من السيئات التي هي السبب الموجبة للعذاب، فما أحرى بالعبد المؤمن أن يتوب إلى الله عز وجل، وما أحوجه إلى دعاء الملائكة المقربين.

 

 

دعوة الأنبياء أقوامهم الى التوبة

أربعة من الأنبياء الكرام – هود وصالح وشعيب وموسى –صلوات ربي وسلامه عليهم – يوجهون أمتهم ويدعونهم الى التوبة مقدمين الاستغفار مما صدر منهم من ذنوب أوسيئات أو معاصي أو تقصير أو تجاوز أو ظلم، وفي تقديم الاستغفار دليل واضح على أن التوبة لاتأتي إلا بعد اعتراف العبد بتقصيره وذنوبه، فيطلب من العلي الغفار مغفرة ذلك كله، ثم ينيب ويتوب إلى الله تعالى معترفا بعدم العودة إليها، لتكون التوبة نصوحا كما وصفها البارئ جل شأنه.

وفي قصص الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام- عظات وعبر (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاوْلِى ?لأَلْبَـ?بِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى? وَلَـ?كِن تَصْدِيقَ ?لَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[80])

يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف نجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين عِبْرَةٌ  لأصحاب العقول،  وما كان لهذا القرآن أن يفترى ويختلق من دون الله،  وَلَـ?كِن تَصْدِيقَ ?لَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ  من الكتب المنزلة من السماء وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير،  وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء  من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور الجلية، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى وبالأسماء والصفات، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان هُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد[81].

فهذا هود – عليه الصلاة والسلام – يقول لقومه عاد (وَي?قَوْمِ ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُو?اْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ?لسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ[82])

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل هود لقومه: وَيا قَوْم اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ يقول: آمنوا به حتـى يغفر لكم ذنوبكم. والاستغفـار: هو الإيـمان بـالله فـي هذا الـموضع، لأن هودا صلى الله عليه وسلم إنـما دعا قومه إلـى توحيد الله لـيغفر لهم ذنوبهم، كما قال نوح لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ وَيُوَخِّرْكُمْ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى[83]).

وقوله: ثُمَّ تُوبُوا إلَـيْهِ يقول: ثم توبوا إلـى الله من سالف ذنوبكم وعبـادتكم غيره بعد الإيـمان به. يُرْسلِ السَّماءَ عَلَـيْكُمْ مِدْرَارا يقول: فإنكم إن آمنتـم بـالله وتبتـم من كفركم به، أرسل قَطْرَ السماء علـيكم، يُدِرّ لكم الغيث فـي وقت حاجتكم إلـيه، وتـحيا بلادكم من الـجدب والقحط[84].

وهذا صالح – عليه الصلاة والسلام – المرسل إلى ثمود (قَالَ ي?قَوْمِ ?عْبُدُواْ ?للَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـ?هٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ?لأَرْضِ وَ?سْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَ?سْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُو?اْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيب[85]ٌ).

يقول تعالـى ذكره: وأرسلنا إلـى ثمود أخاهم صالـحا، فقال لهم يا قوم: اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأخـلصوا له العبـادة دون ما سواه من الآلهة، فما لكم من إله غيره يستوجب علـيكم العبـادة، ولا تـجوز الألوهة إلاّله. هُوَ أنْشأَكُمْ مِنَ الأرْضِ  وجعلكم عُمَّارا فـيها، وأسكنكم فـيها أيام حياتكم،  فـاسْتَغْفِرُوهُ واعملوا عملاً يكون سببـا لستر الله علـيكم ذنوبكم، وهو الإيـمان به وإخلاص العبـادة له دون ما سواه واتبـاع رسوله صالـح، ثُمَّ تُوبُوا إلَـيْهِ واتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم إلـى ما يرضاه ويحبه، إنَّ رَبـيِّ قَرِيبٌ مـمن أخـلص له العبـادة ورغب إلـيه فـي التوبة، مـجيب له إذا دعاه[86].

وشعيب – عليه الصلاة والسلام – يقول لأصحاب الأيكة  (وَ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُو?اْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ[87]).

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل شعيب لمن أرسل إليهم : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أيها القوم من ذنوبكم -بـينكم وبـين ربكم- التـي أنتـم علـيها مقـيـمون، من عبـادة الآلهة والأصنام وبَخْس الناس حقوقهم فـي الـمكايـيـل والـموازين، ثُمَّ تُوبُوا إلَـيْهِ وارجعوا إلـى طاعته والانتهاء إلا أمره ونهيه، إنَّ رَبِّـي رَحِيـمٌ بـمن تاب وأناب إلـيه أن يعذبه بعد التوبة. وَدُودٌ ذو مـحبة لـمن أناب وتاب إلـيه يودّه ويحبه[88].

ويقول تعالى عن موسي الكليم – عليه الصلاة والسلام – (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِ?تِّخَاذِكُمُ ?لْعِجْلَ فَتُوبُو?اْ إِلَى? بَارِئِكُمْ فَ?قْتُلُو?اْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ?لتَّوَّابُ ?لرَّحِيمُ[89])

قال موسى لقومه من بنـي إسرائيـل: يا قوم إنكم ظلـمتـم أنفسكم بالارتداد واتـخاذ العجل ربـا بعد فراق موسى إياهم، ثم أمرهم موسى بـالـمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلـى الله من ردّتهم بـالتوبة إلـيه، والتسلـيـم لطاعته فـيـما أمرهم به، وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه، قتلهم أنفسهم، فـاستـجاب القوم لـما أمرهم به موسى، من التوبة مـما ركبوا من ذنوبهم، إلـى ربهم علـى ما أمرهم به، وقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ) يعنـي بذلك توبتكم بقتلكم أنفسكم، وطاعتكم ربكم، خير لكم عند بـارئكم، لأنكم تنـجون بذلك من عقاب الله فـي الآخرة علـى ذنبكم، وتستوجبون به الثواب منه، وقوله: (فتَاب عَلَـيْكُمْ) أي بـما فعلتـم مـما أمركم به من قتل بعضكم بعضا. وهذا من الـمـحذوف الذي استغنـي بـالظاهر منه عن الـمتروك، لأن معنى الكلام: فتوبوا إلـى بـارئكم، فـاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بـارئكم، فتبتـم فتاب علـيكم، فترك ذكر قوله «فتبتـم» إذْ كان فـي قوله: فتَابَ عَلَـيْكُمْ دلالة بـينة علـى اقتضاء الكلام فتبتـم.

ويعنـي بقوله: (فَتابَ عَلَـيْكُمْ) رجع لكم ربكم إلـى ما أحببتـم من العفو عن ذنوبكم، وعظيـم ما ركبتـم، والصفح عن جرمكم، إنّهُ هُوَ التّوَّابُ الرَّحِيـمُ يعنـي الراجع لـمن أناب إلـيه بطاعته إلـى ما يحبّ من العفو عنه. ويعنـي بـالرحيـم: العائد إلـيه برحمته الـمنـجية من عقوبته[90].

 

وقت التوبــة

ورد في القرآن الكريم أربع آيات محكمات يحدد الله - عز وجل - فيها وقت التوبة وأنه الاقلاع من الذنب، فثلاث آيات منها مكية، آية الأعراف ثم الأنعام ثم النحل، والرابعة مدنية هي آية النساء[91] ، فيقول الله تعالى (وَ?لَّذِينَ عَمِلُواْ ?لسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُو?اْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيم[92] ).

يقول جلّ ثناؤه: والذين عملوا الأعمال السيئة، ثم رجعوا إلـى طلب رضا الله بإنابتهم إلـى ما يحبّ مـما يكره، وإلـى ما يرضى مـما يسخط - من بعد سيىء أعمالهم - وصدّقوا بأن الله قابل توبة الـمذنبـين وتائب علـى الـمنـيبـين بإخلاص قلوبهم ويقـين منهم بذلك، لَغَفُورٌ لهم، وساتر علـيهم أعمالهم السيئة، وغير فـاضحهم بها، رحيـم بهم، وبكلّ من كان مثلهم من التائبـين[93].

وفي آية الأنعام تحديد لوقت التوبة، إذ يقول البارئ – جل وعلا – (وَإِذَا جَاءكَ ?لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـ?تِنَا فَقُلْ سَلَـ?مٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى? نَفْسِهِ ?لرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[94])

قال الطبري: وإذا جاءك يا محمد القوم الذين يصدّقون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا فيقرّون بذلك قولاً وعملاً، مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم، هل لهم منها توبة؟ فلا تؤيسهم منها، وقل لهم: سلام عليكم؛ أمنة الله لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها، كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَة، أي: قضى ربكم الرحمة بخلقه، أنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وأصْلَحَ فإنَّه غَفُورٌ رَحيمٌ[95] .

وقال ابن كثير: أكرمهم الله تعالى بردّ السلام عليهم، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم، تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً، أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ  ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ في توبته بأن أتى بشروطها من التدارك والعزم على عدم العود أبداً، ورجع عما كان عليه، وأصلح العمل في المستقبل، فشأنه -سبحانه - وأمره مبالغ في المغفرة والرحمة له وهو غَفُورٌ رَّحِيمٌ[96] .

وآية النحل تؤكد ما سبق إذ يقول سبحانه: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ?لسُّوء بِجَهَـ?لَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [97]) .

وقال الثعالبي:  هذه آية تأنيسٍ لجميعِ العالم؛ فهي تتناوَلُ كلَّ كافرٍ وعاصِ تَابَ من سوءِ حالِهِ، بعد ما تَعَدِّى الطَّوْر ورُكب الرأْس، وقلَّما يوجَدُ في العصاة مَنْ لم يتقدَّم له علْم بُحَظْر المعصيةِ التي يُوَاقِع [98].

وهكذا تفيد كل الآيات المكية بأن التوبة من العبد تصدر بعد مقارفة الذنب وارتكاب المعصية، أو الابتعاد عن منهج الله تعالى وطريقه الواضحة، وتبّين انحرافه أو ضلاله أو وقوعه في المحظور، والوقت نفسه تحدده الآية المدنية إلا أنها تضيف قوله (من قريب) في قوله تعالى (إِنَّمَا ?لتَّوْبَةُ عَلَى ?للَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لسُّو?ءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـ?ئِكَ يَتُوبُ ?للَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ?للَّهُ عَلِيماً حَكِيماً[99]).

أي التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لسُّوء ، ويرتكبون المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة، بجهالة وسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، ثُمَّ بعد ذلك يَتُوبُونَ من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت[100] .

إذا وضح بهذا وقت التوبة، وأنها تكون بعد ارتكاب المعصية، وبعد الوقوع في المحظور، أو الانحراف عن الطريق السوي، ففيه الدلالة إلى أن الذي يتوب هو من صدرت منه هذه المخالفات، وزل ووقع في الخطأ.

وقال الطبري:  ثم يتوبون قبل مـماتهم فـي الـحال التـي يفهمون فـيها أمر الله تبـارك وتعالـى ونهيه، وقبل أن يغلبوا علـى أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الـحشرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا مـمن ندم علـى ما سلف منه، وعزم فـيه علـى ترك الـمعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك الـمعاودة، فأما إذا كان بكرب الـموت مشغولاً، وبغمّ الـحشرجة مغمورا، فلا إخاله إلا عن الندم علـى ذنوبه مغلوبـا، ولذلك قال من قال: إن التوبة مقبولة ما لـم يغرغر العبد بنفسه، فإن كان الـمرء فـي تلك الـحال يعقل عقل الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعة من شروده عن ربه إلـى طاعته كان إن شاء الله مـمن دخـل فـي وعد الله الذي وعد التائبـين إلـيه من إجرامهم من قريب [101] وفي الحديث عن النبـي -صلى الله عليه وسلم - «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» [102].

قبول الله تعالى توبة عباده

وُصف البارئ – جل وعلا - بأنه (َقَابِلِ ?لتَّوْب[103]) أي  يقبل التوبة ممن تاب إليه وخضع لديه (وَهُوَ ?لَّذِي يَقْبَلُ ?لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ?لسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ[104]) والله تعالى الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ، ويعفو أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال، وهي معاصيه التي تاب منها[105] ، وهو يمتن على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه، ومن كرمه وحلمه أن يعفو ويصفح ويستر ويغفر، كقوله عز وجل: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ?للَّهَ يَجِدِ ?للَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً[106])  وقد ثبت في صحيح مسلم  عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك ـ أخطأ من شدة الفرح[107] )

وقال عبد الرزاق[108] عن معمر[109]عن الزهري[110] في قوله تعالى: (وَهُوَ ?لَّذِى يَقْبَلُ ?لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ )  إن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش)[111] .

وقال تعالى (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ?للَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ?لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه[112]ِ ) فأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه (وأن الله هو التواب الرحيم) وقال تعالى: (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِـينَ ويُحِبُّ الـمُتَطَهِّرِينَ[113]) أي إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِـينَ الـمنـيبـين من الإدبـار عن الله وعن طاعته إلـيه وإلـى طاعته[114] ،  ومما عسى يندر منهم من ارتكاب بعض الذنوب [115] والله – سبحانه وتعالى – علم صدور الإساءة من الانسان، فأمره بالتوبة وحضه عليها، ثم وعده بقبول توبته، وتجاوزه عنه مهما كانت ذنوبه، ما لم يكن شركا به (إن لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما [116]) .

 

ثمرات التوبة وفوائدها

ما أحسن ما يعمله الإنسان الخطّاء بالليل والنهار، أن يتوب ويؤب إلى ربه الكريم التواب، الذي وعده بالعطايا الجزيل، والثواب الوفير، والتجاوز عن السيئات، وقد وردت الآيات الواضحات ببيان ثمرات التوبة ونتائجها في الدنيا والآخرة.

فمن ثمراتها: الفلاح في الدنيا والآخرة:

قال تعالى: (وَتُوبُوا إلـى الله جَمِيعا أيُّهَ الـمُؤْمِنُونَ لعلكم تفلحون[117])

قال الطبري: يقول تعالـى ذكره: وارجعوا أيها الـمؤمنون إلـى طاعة الله فـيـما أمركم ونهاكم، من غَضّ البَصر وحفظ الفرج وتَرْك دخول بـيوت غير بـيوتكم من غير استئذان ولا تسلـيـم، وغير ذلك من أمره ونهيه. لَعَّلَكُمْ تُفْلِـحُونَ يقول: لتفلـحوا وتدركوا طَلِبـاتكم لديه، إذا أنتـم أطعتـموه فـيـما أمركم ونهاكم[118].

وقال الألوسي: أي لكي تفوزوا بذلك بسعادة الدارين[119].

ومن ثمراتها: التمتع بالمتاع الحسن:

قال الله تعالى: (وَأَنِ ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُو?اْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى[120])

قال القرطبي: هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش [121].

وقال الطبري:  يقول - تعالى ذكره - للمشركين الذين خاطبهم بهذه الآيات: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط عليكم من الدنيا ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت[122].

وقال النسفي: يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية من عيشة واسعة ونعمة متتابعة إلى أن يتوفاكم[123].

ومن ثمراتها: قبول العمل الحسن، والتجاوز عن السيئات:

قال الله تعالى: (أُوْلَـ?ئِكَ ?لَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي? أَصْحَابِ ?لْجَنَّةِ وَعْدَ ?لصِّدْقِ ?لَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ[124])

قال الطبري: يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفة صفتهم، هم الذين يتُقبل عنهم أحسن ما عملوا في الدنيا من صالحات الأعمال، فيجازيهم به، ويثيبهم عليه وَيَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِم يقول: ويصفح لهم عن سيئات أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فلا يعاقبهم عليها في أصحَابِ الجَنَّةِ يقول: نفعل ذلك بهم فعلنا مثل ذلك في أصحاب الجنة وأهلها الذين هم أهلها[125].

ومن ثمراتها: تكفير السيئات ودخول الجنان:

قال الله تعالى: (عَسَى? رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـ?تِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـ?تٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ?لانْهَـ?ر  يَوْمَ لاَ يُخْزِى ?للَّهُ ?لنَّبِيَّ وَ?لَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى? بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَ?غْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌُ[126])

قال ابن كثير: وعسى من الله موجبة[127].

وقال الطبري: وقوله: عَسَى رَبُّكُمْ أن يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّآتِكُمْ يقول: عسى ربكم أيها المؤمنون أن يمحو سيئات أعمالكم التي سلفت منكم، وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تجري مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ يقول: وأن يدخلكم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار يَوْمَ لا يَخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ محمدا صلى الله عليه وسلم وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أيْدِيهِمْ يقول: يسعى نورهم أمامهم وبأيمَانِهِمْ يقول: وبأيمانهم كتابهم[128].

ومن ثمراتها: إبدال السيئات حسنات:

قال تعالى: (إلاَّ مَنْ تابَ وآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِـحا فَأُولَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ[129])

قال الطبري: اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك:

فقال بعضهم: معناه: فأولئك يبدّل الله بقبـائح أعمالهم فـي الشرك، مـحاسن الأعمال فـي الإسلام، فـيبدله بـالشرك إيـمانا، وبقـيـل أهل الشرك بـالله قـيـل أهل الإيـمان به، وبـالزنا عفة وإحصانا.

قال ابن عبـاس، قوله: فأُولَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ قال: هم الـمؤمنون كانوا قبل إيـمانهم علـى السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحوّلهم إلـى الـحسنات، وأبدلهم مكان السيئات حسنات، وقال أيضا:هم الذي يتوبون فـيعملون بـالطاعة، فـيبدّل الله سيئاتهم حسنات حين يتوبون.

وقال آخرون بل معنى ذلك فأولئك يبدل الله سيئاتهم في الدنيا حسنات لهم يوم القيامة.

قال أبو جعفر وأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوله، فأولئك يبدل الله سيئاتهم، أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام، بنقلهم عما يسخطه الله من الأعمال إلى ما يرضى، وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح، وغير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه، إلا بتغييرها عما كانت عليه من صفتها في حال أخرى، فيجب إن فعل ذلك كذلك، أن يصير شرك الكافر الذي كان شركا في الكفر بعينه، إيمانا يوم القيامة بالإسلام، ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة، وذلك ما لا يقوله ذو حجا [130].

ومن ثمراتها: الإمداد بالمطر:

قال تعالى عن هود – عليه الصلاة والسلام – (وَي?قَوْمِ ?سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُو?اْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ?لسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ[131]).

قال الطبري: فإنكم إن آمنتـم بـالله وتبتـم من كفركم به، أرسل قَطْرَ السماء علـيكم يُدِرّ لكم الغيث فـي وقت حاجتكم إلـيه، وتـحيا بلادكم من الـجدب والقحط[132].

 


عاقبة الذين لم يتوبوا

ذكر الله - عز وجل – عاقبة الذين لم يتوبوا في حكايتين في آيتين؛ إحداهما مكية وأخراهما مدنية، فالحكاية التي وردت في الآية المكية، قصة أصحاب الأخدود، الذين أحرقوا المؤمنين ولم يتوبوا من فعلتهم، فقال تعالى: (إِنَّ ?لَّذِينَ فَتَنُواْ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ?لْحَرِيقِ[133]).

قال ابن كثير: (إِنَّ ?لَّذِينَ فَتَنُواْ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?ت) أي حرقوا (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ) ولم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ?لْحَرِيقِ ) وذلك أن الجزاء من جنس العمل[134]، وقال الطبري: فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ في الآخرة ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ في الدنيا [135].

قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة [136] فكأنه قال: إن تبتم عفوت عنكم، وإن لم تتوبوا فلكم عذاب الحريق .

والحكاية التي وردت في الآية المدنية بعد أن نهى الله المؤمنين من بعض رذائل الأعمال، فقال (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[137]) يقول تعالى ذكره: ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه، وكان ابن زيد يقول في قوله (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) قال: ومن لم يتب من ذلك الفسوق فأولئك هم الظالمون[138].

وقال الطبري: في قوله: (وإنْ تَوَلَّوْا فإني أخافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ[139]) يقول تعالى ذكره: وإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من إخلاص العبادة لله وترك عبادة الآلهة وامتنعوا من الاستغفار لله والتوبة إليه فأدبروا مولين عن ذلك، فإني أيها القوم أخاف عليكم عذاب يوم كبير شأنه عظيم هوله، وذلك يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [140].

وقال الألوسي: (وَإِن تَوَلَّوْاْ ) أي تستمروا على الاعراض عما ألقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتوبة [141] (فإنّي أخافُ عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْمٍ كَبِيرٍ) لكن إن استغفرتم وتبتم فستكون العاقبة غير ذلك.

 

الذين لا تقبل توبتهم

لقد حدد الله سبحانه وتعالى الوقت لإحداث التوبة وفسح المجال للعبد، ووقت لها ميقاتا يفهم من توبته الرجوع عن كل ما اقترفه بكل صدق وواقعية، وبين لها ميعادا نهائيا إن تعداه لاينفعه توبته ولا رجوعه إن جاء ليتوب، فهيهات ولات ساعة مندم، يقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ ?لتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لسَّيِّئَاتِ حَتَّى? إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ?لْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ?لآنَ وَلاَ ?لَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـ?ئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً[142]).

أي: ولـيست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار علـى معاصي الله، حتـى إذا حضر أحدهم الـموت، وحشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه، قد أقبلوا إلـيه لقبض روحه، وقد غلب علـى نفسه، وحيـل بـينه وبـين فهمه بشغله بكرب حشرجته وغرغرته، وشاهد الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال وعاين ملك الموت وانقطع حبل الرجاء، قال: إنـي تبت الآن، في هذا الوقت الحاضر، يقول الله تبـارك وتعالى: فلـيس له توبة، لأنه قال ما قال فـي غير حال توبة. كما: حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن يعلـى بن نعمان، قال: أخبرنـي من سمع ابن عمر يقول: التوبة مبسوطة ما لـم يَسُقْ، ثم قرأ ابن عمر: (وَلَيْسَتِ ?لتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لسَّيّئَـ?تِ حَتَّى? إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ?لْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ?لاْنَ ) ثم قال: وهل الـحضور إلا السَّوْق.

وإيثار (قال) على (تاب) لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبار والتحاشي عن تسميته توبة، ولو أكده ورغب فيه، ولعل سبب ذلك كون تلك الحالة أشبه شيء بالآخرة بل هي أول منزل من منازلها، والدنيا دار عمل ولا جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل.

واختلف أهل التأويـل فـي  المراد بقوله (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ?لسَّيّئَـ?تِ)  فأولـى الأقوال  بـالصواب ما ذكره الثوري أنه بلغه أنه فـي الإسلام، وذلك أن  الله جلّ ثناؤه فرق بـين أسمائهم وصفـاتهم بأن سمى أحد الصنفـين كافرا، ووصف الصنف الآخر بأنهم أهل سيئات، ولـم يسمهم كفـارا ما دلّ علـى افتراق معانـيهم.

ثم قال تعالـى: (وَلاَ ?لَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)

عطف على الموصول قبله أي ليس قبول التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء، والمراد من ذكر هؤلاء مع أنه لا توبة لهم رأساً المبالغة في عدم قبول توبة المسوّفين والإيذان بأن وجودها كالعدم، (أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) يقول: هؤلاء الذين يـموتون وهم كفـار، أعتدنا لهم عذابـا ألـيـما، لأنهم أبعدهم من التوبة كونهم علـى الكفر[143].

وأكد الله تعالى عدم قبول توبة الكافر في قوله (إِنَّ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ?زْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـ?ئِكَ هُمُ ?لضَّآلُّونَ[144]).

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الآية، قول من قال: عنى بها الـيهودَ، وأن يكون تأويـله: إن الذين كفروا من الـيهود بـمـحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيـمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرا بـما أصابوا من الذنوب فـي كفرهم ومقامهم علـى ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التـي أصابوها فـي كفرهم، حتـى يتوبوا من كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي هذه الآية بـالصواب، لأن الآيات قبلها وبعدها فـيهم نزلت، فأولـى أن تكون هي فـي معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت فـي سياق واحد. وإنـما قلنا: معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا فـي كفرهم من الـمعاصي، لأنه جلّ ثناؤه قال: (لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) فكان معلوما أن معنى قوله: (لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) إنـما هو معنـيّ به: لن تقبل توبتهم مـما ازدادوا من الكفر علـى كفرهم بعد إيـمانهم، لا من كفرهم، لأن الله - تعالـى ذكره - وعد أن يقبل التوبة من عبـاده، فقال: (وَهُوَ ?لَّذِى يَقْبَلُ ?لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) فمـحال أن يقول عزّ وجلّ أقبل، ولا أقبل فـي شيء واحد، وإذ كان ذلك كذلك، وكان من حكم الله فـي عبـاده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب، وكان الكفر بعد الإيـمان أحد تلك الذنوب التـي وعد قبول التوبة منها بقوله: (إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ من بعد ذلك فَإِنَّ ?للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) علـم أن الـمعنى الذي لا تقبل التوبة منه، غير الـمعنى الذي تقبل التوبة منه، وإذ كان ذلك كذلك، فـالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد علـى الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام علـى كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملاً ما أقام علـى شركه وضلاله، فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلـح، فإن الله كما وصف به نفسه، غفور رحيـم [145].

إذا.. الذين لا تقبل توبتهم؛ من تاب من عمل السيئات حين حضور الموت، والكفرة الذين ماتوا على كفرهم، والعياذ بالله تعالى، فهم مطرودون من رحمة الله تعالى لأنهم لم ينتفعوا من أوقاتهم في الحياة الدنيا التي أفسح لهم المجال وأمهلهم الله تعالى يتمتعون فيها بعقولهم وجوارحهم.

 

 

 

 

الخاتمة:

الحمد لله الكريم التواب ، حذر عباده من أليم العقاب، يصفح ويتجاوز عمن تاب وأناب، والصلاة والسلام على سيد الأنام محمد بن عبد الله البشير النذير، صلاة دائمة متصلة ما تعاقب الليل والنهار، ومن سار على هديه إلى يوم المعاد.

وبعد: فهذه صفحات معدودات، خلاصة دراسة وافية، ونتيجة غوص في معاني ما تدل عليه آيات القرآن الكريم المتعلقة بالتوبة.

والتوبة النصوح حينما بصدر من العبد بتوفية شرائطها يكون علاجا روحيا وتهذيبا نفسيا، ونقلة اجتماعية، من الانحراف إلى الاعتدال، ومن المعاصي إلى الاكثار من الحسنات، ومن الظلم إلى العدل.

وكان من نتائج هذا البحث:

1-     أن القرآن الكريم يأمر عباد الرحمن بالتوبة، ويحضهم عليها، كما يثني على التائبين الراجعين إلى عفو الله ورضوانه، وهو يتقبل منهم توبتهم.

2-             أن حملة العرش ومن حوله يدعون للتائبين بالمغفرة ودخول الجنان، وصلاح الأهل والذرية.

3-             أن كثيرا من الأنبياء الكرام – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -  دعوا أممهم إلى التوبة.

4-             أن القرآن الكريم حدد وقت التوبة، ومن الذي يتوب، ومتى يتوب.

5-             بين القرآن الكريم ثمرات التوبة وفوائدها.

6-              بين القرآن الكريم عاقبة الذين لم يتوبوا.

7-             بين القرآن الكريم الأصناف الذين لا تقبل توبتهم.

هذا.. وصلى الله على سيدنا ونبينا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. والحمد لله رب العالمين.

 

 


[1]) سورة البقرة آية رقم  37 .

[2] ) سورة البقرة آية رقم  160.

[3] ) انظر الآية رقم (10).

[4] ) سورة النصر آية رقم 3 .

[5] ) سورة النساء آية رقم 64.

[6] ) سورة الحجرات الآيتان رقم 11-12.

[7] ) انظر سورة البقرة الآية رقم 54.

[8] ) سورة البقرة آية رقم 128 .

[9] ) سورة الأحقاف آية رقم 15.

[10] ) سورة الأحقاف آية رقم 16.

[11] ) رواه الإمام أحمد في مسنده،  3/198، والترمذي في سننه في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة، عن قتادة،4/273، ورواه ابن ماجة في سننه، في كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، 2/1420، ورواه الحاكم  وقال: حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، المستدرك 4/272، قلت: في إسناده علي بن مسعدة، وهاه بعض النقاد، ووثقه آخرون، لكن أورد الحديث ابن حجر في بلوغ المرام، وقال: سنده قوي. سبل السلام 4/179.

[12] ) المصدر السابق للصنعاني.

[13] ) رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار، توبة.  4/2106.

[14] ) انظر معجم مقاييس اللغة 1/357.

[15] ) لسان العرب مادة (توب) 1/454.

[16] ) المفردات في غريب القرآن 76.

[17] ) انظر تفسير الطبري 4/302.

[18] ) سوة الأحزاب آية رقم 72.

[19] ) لسان العرب مادة  (توب) /454.

[20] ) سورة النساء آية رقم 24.

[21] ) انظر تفسير النسفي 1/217.

[22] ) سورة التوبة آية رقم 117. 

[23] ) انظر تفسير الطبري 11/54.

[24] ) سورة التوبة آية رقم 118.

[25] ) انظر تفسير البيضاوي 3/178.

[26] ) سورة المائدة آية رقم 71.

[27] ) انظر تفسير الطبري 6/312. 

[28] ) سورة التوبة آية رقم 27.

[29] ) انظر تفسير الطبري 10/104. 

[30] ) ذكر المعنيين الطبري في تفسيره لقوله تعالى (فَتَلَقَّى? آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ?لتَّوَّابُ ?لرَّحِيمُ) وابن منظور في لسان العرب مادة (توب).

[31] ) سورة الشورى آية رقم (25).

[32] ) لسان العرب مادة  (توب) /454.

[33] ) سورة البقرة آية رقم 54.

[34] ) انظر تفسير الطبري 1/288.

[35] ) سورة المائدة آية رقم 39.

[36] ) انظر تفسير الطبري 6/230. 

[37] ) تفسير الطبري 1/246.

[38] ) انظر لسان العرب مادة (توب) 1/454.

[39] ) سورة الأعراف آية رقم 144.

[40] ) انظر تفسير الألوسي 9/44.

[41] ) انظر تفسير الطبري 9/55.

[42] ) سورة الأحقاف آية رقم 15.

[43] ) انظر تفسير الطبري 26/17.

[44] ) هذا لفظ أبي داود أورده  الحافظ ابن كثير في تفسيره، إلا أن ابن مسعود قال: (وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد، سنن أبي داود ، باب التشهد 1/254، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وله شاهد من حديث ابن جريج عن جامع. 1/397، قلت: ورواة اسناد أبي داود كلهم ثقات، إلا شريك بن عبد الله النخعي، قال فيه ابن حجر: صدوق اختلط، ولعل الحاكم يقصد بالشاهد متابعة ابن جريج لشريك، فيكون الاسناد حسنا لغيره، والله أعلم.

[45] ) انظر تفسير ابن كثير4/158-159، والآية من سورة الأحقاف رقم 16.

[46] ) سورة هود آية رقم ( 3 )

[47] ) انظر تفسير الطبري 11/181.

[48] ) سورة النور آية رقم 31.

[49] ) انظر تفسير القرطبي 12/238.

[50] ) انظر تفسير الألوسي 18/146-147.

[51] ) انظر تفسير الثعالبي 4/316.

[52] ) انظر تفسير القرطبي 18/197.

[53] ) سورة التحريم آية رقم 8.

[54] ) فتح القدير 5/252، وانظر زاد المسير 9/313.

[55] ) انظر تفسير الطبري 28/167.

[56] ) التحرير والتنوير 28/367.

[57] ) سورة المائدة آية رقم 74.

[58] ) سورة المائدة آية رقم 91

[59] ) انظر تفسير البغوي 2/54، وزاد المسير 2/403.

[60] ) انظر تفسير ابن كثير 2/82.

[61] ) تفسير الألوسي 6/208.

[62] ) سورة الفرقان آية رقم 71.

[63] ) انظر تفسير الألوسي 19/50-51.

[64] ) سورة التحريم آية رقم 4.

[65] ) انظر تفسير القرطبي 18/188.

[66] ) سورة الفرقان آية رقم 70.

[67] ) انظر تفسير البيضاوي 4/288. 

[68] ) سورة التوبة آية رقم 112.

[69] ) انظر تفسير ابن كثير  2/393.

[70] ) انظر تفسير القرطبي 8/269.

[71] ) سورة التحريم آية رقم 5.

[72] ) انظر تفسير الطبري 28/164.

[73] ) انظر تفسير القرطبي 18/193. 

[74] ) سورة الفرقان آية رقم 71.

[75] ) انظر تفسير البيضاوي 4/228-229.

[76] ) سورة المؤمن الآيات رقم 7 ، 8 ، 9 .

[77] ) هكذا أورده الحافظ ابن كثير بمعناه، ولفظه عند الإمام مسلم (من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثلٍ) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب 4/2094.

ورواه ابن ماجة بمعناه، في كتاب المناسك، باب فضل دعاء الحاج 2/966.

[78] ) سورة الطور آية رقم 21.

[79] ) انظر تفسير ابن كثير 4/72 و 73، وتفسير النسفي 4/67.

[80] ) سورة يوسف آية رقم 111.

[81] ) انظر تفسير ابن كثير 2/499.

[82] ) سورة هود آية رقم 52.

[83] ) سورة نوح الآيتان رقم 3-4

[84] ) انظر تفسير الطبري 12/57-58.

[85] ) سورة هود آية رقم 61.

[86] ) انظر تفسير الطبري 12/62-63.

[87] ) سورة هود آية رقم 90.

[88] ) انظر تفسير الطبري 12/104-105.

[89] ) سورة البقرة آية رقم 53. 

[90] ) انظر تفسير الطبري 1/285-288.

[91] ) انظر بصائر ذوي التمييز 1/98-99.

[92] ) سورة الاعراف آية رقم 153. 

[93] ) انظر تفسير الطبري 9/70-71.

[94] ) سورة الأنعام آية رقم 54.

[95] ) انظر تفسير الطبري 7/208.

[96] ) انظر تفسير ابن كثير 2/136-137.

[97] ) سورة النحل آية رقم 119.

[98] ) انظر تفسير الثعالبي 2/325-326.

[99] ) سورة النساء آية رقم 17.

[100] ) انظر تفسير الألوسي 4/238.

[101] ) انظر تفسير الطبري 4/302.

[102] )  رواه الترمذي في سننه 5/507، في باب فضل التوبة والاستغفار، وقال: حديث حسن غريب،  ورواه الإمام أحمد في مسنده، 2/132، وابن ماجة في سننه في كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، 2/1420، والحاكم في المستدرك 4/286. ويغرغر: بغينين معجمتين، الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، وبراء مكررة، معناه: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيئ الذي= =يغرغر به المريض، والغرغرة: أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلع. النهاية 3/360.

[103] ) سورة المؤمن آية رقم 3 من قوله تعالى ( غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب …)

[104] ) سورة الشورى آية رقم 52.

[105] ) انظر تفسير الطبري

[106] ) سورة النساء آية رقم 110.

[107] ) رواه مسلم في صحيحه ، في كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، 4/2104-2105.

[108] ) هو: ابن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف، شهير عمي في آخر عمره، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، وله خمس وثمانون سنة، (ع) التقريب 354.

[109] ) هو: ابن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، مات سنة أربع وخمسين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين، (ع) التقريب 541.

[110] ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله القرشي الزهري، أبو بكر، الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين (ع) التقريب 506.

[111] ) راجع تفسير ابن كثير 4/115-116، ورواية عبد الرزاق في تفسيره، 2/191، والحديث في صحيح مسلم، ولفظه: (لله أشد فرحاً بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالته إذا وجدها) صحيح مسلم 4/2102.

[112] ) سورة التوبة آية رقم 104.

[113] ) سورة البقرة آية رقم 233.

[114] ) انظر تفسير الطبري 2/391. 

[115] ) انظر تفسير الألوسي 2/124.

[116] ) سورة النساء آية رقم 48.

[117] ) سورة النور آية رقم 31

[118] ) انظر تفسير الطبري 18/125.

[119] ) انظر تفسير الألوسي 18/147.

[120] ) سورة هود آية رقم 3.

[121] ) انظر تفسير القرطبي 9/4.

[122] ) انظر تفسير الطبري 11/181.

[123] ) انظر تفسير النسفي 2/145-146.

[124] ) سور الأحقاف آية رقم 16.

[125] ) انظر تفسير الطبري 26/17-18. 

[126] ) سور التحريم آية رقم  8.

[127] ) تفسير ابن كثير 4/393.

[128] ) انظر تفسير الطبري 28/168. 

[129] ) سورة الفرقان آية رقم  70.

[130] ) انظر تفسير الطبري 19/46-48.

[131] ) سورة هود آية رقم 53.

[132] ) تفسير الطبري 12/58.

[133] ) سورة البروج آية رقم 10.

[134] ) انظر تفسير ابن كثير 4/497.

[135] ) تفسير الطبري 30/137.

[136] ) أورده ابن كثير في تفسيره.

[137] ) سورة الحجرات آية رقم 11.

[138] ) انظر تفسير الطبري 26/134.

[139] ) سورة هود آية رقم 3.

[140] ) انظر تفسير الطبري 11/182.

[141] ) انظر تفسير الألوسي 11/208. 

[142] ) سورة النساء آية رقم 18.

[143] ) انظر تفسير الطبري 4/302-304، وتفسير الألوسي 4/239-240.

[144] ) سورة آل عمران آية رقم 90.

[145] ) انظر تفسير الطبري 3/342-345.