د-
منـظور بن محمد بن محمد رمضان
أستاذ
مساعد بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بمكة
إن الدعوة إلى الله تعالى من وظائف الأنبياء والمرسلين ومنهاج الصالحين من
عباد الله لأنهم صفوة خلق الله، وهي من أهم ركائز الإيمان وأعظم ركن من أركانه،
وأمرها وفضلها وخطرها بمكان معلوم، إذ هي بمنـزلة الرأس من الجسد والغذاء للبدن،
بـها بيان الحق ونشر الخير والهدى وتحقق السعادة للبشر، وبها تكشف وسائل الباطل
والمنكر وأساليبه الملتوية بشتى الطرق والوسائل، ولقد اعتنى القرآن الكرمي بهذا
الركن اعتناء عظيماً واهتم به اهتماماً بالغاً.
فلابد
للدعوة والداعية من خصائص وركائز ثابتة وقواعد مؤصلة حتى تسلم من الفشل، ويسلم
الداعية من الزلل والميل عن الجادة
الصحيحة، لذا يشترك فيها ما يشترك في سائر الأحكام الشرعية من فروض وواجبات
ومستحبات.
ولقد
كان منهج إبراهيم u في الدعوة إلى الله
موضع اهتمام القرآن، ذلك لما اشتملت عليه شخصيته الكريمة من الصفات الحميدة
والخصال الكريمة أولاً، ثم ما قامت عليه دعوته على أهم أهداف الدعوة وضوابطها
بأساليب نظرية وعملية، وطرق مجدية نافعة، رسم بـها الطريق للدعوة والدعاة، وأمر
الله تعالى الأمة بالاقتداء به u ليتخذوا طريقته
نبراساً لهم يسيرون على منوالها، ودرساً يجعلون الدعوة بـها مرغوبة محببة ، وبالله
التوفيق والسداد.
مقدمة
:
الحمد
لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما
بعد:
فإن
الله تعالى خلق الخلق لحكمة عظيمة وغاية نبيلة ألا وهي عبادته سبحانه وتعالى،
واقتضت حكمته أن بعث رسلا مبشرين ومنذرين، ليبـينوا للناس حقيقة عبادة الله
ليعبدوه على بصيرة وفق ما يشرع لهم، وامتحن الله الرسل بالأمم والأمم بالرسل،
ليرسموا بذلك منهج الدعوة وسبيلها الصحيح الذي رسمه الله لهم بقوله: ) قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن
اتبعني (
(يوسف 108) على حجة واضحة يتميز بها الحق من الباطل، وبرهان صحيح يقنع الخصم ويهدي
إلى سواء السبيل.
ولابد
لأصحاب الدعوة إلى الله من هذا التمـيز ولابد لهم من هذا الاقتداء: ) أنا ومن اتبعني…( ([1])
فكل من سار من بعدهم على هذا المنهج القويم فهو على منهج الأنبياء والرسل صلوات
الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو ممن عناهم الله بقوله: ) ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا…( (فصلت 33).
فما
دام أنها دعوة إلى الله تعالى فلابد لها من خصائص ممـيزة وركائز ثابـتة وقواعد
راسخة حـتى تسلم من الفشل، ويسلم الداعية من الزلل والميل عن الجادة الصحيحة.
وإذا
نظرنا إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة رسوله r وسـيرته فنَجِدُ أن الدعوة بمجموعها تدور حول محاور ثلاثة:
أولا:
توضيح الأمانـة وبيانها للناس ثم أداؤها على وجهها، وهذا ما أشار إليه القرآن
الكريم بقوله: )وإذ أخذ الله ميثاق
الذين أوتوا الكتاب لتبينّنه للناس ولا تكتمونه….( (آل عمران 187)
ثانيا:
إقامة الحجـة والبرهان، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: )ســنريهم آياتنا في
الآفاق وفي أنفسـهم حتى يتبين لهم أنه الحق…( (فصلت 35).
ثالثا:
إنقاذ الأمـة ووقايتها من أسباب الهلاك، وهذا ما أشار إليه القرآن بقولــه تعالــى:
) وكنتم على شفا حـفرة من النـار فأنقذكم منها( (آل عمران 103) . وبمجموع هذه المحاور الثلاثة
تتم الدعوة على أصولها.
ولقد
كان منهج إبراهيم u نموذجا في الدعوة
إلى الله وموضع اهتمام القرآن، ذلك لما اشتملت عليه شخصيته الكريمة من الصفات
الحميدة والخصال الكريمة أولا، ثم ما قامت عليه دعوته على أهم أهداف الدعوة
وضوابطها بأساليب نظرية وعملية، وطرق مجدية نافعة، رسم بها الطريق للدعوة والدعاة،
وأمر الله تعالى الأمة بالاقتداء به u سواء كان ذلك في صفاته u الشخصية أو في أساليبه النظرية أو أساليبه العملية، ليتخذوا
طريقته نبراسا لهم يسيرون على منوالها، ودروسا يجعلون الدعوة بها مرغوبـة محبـبة.
ولقد
نوه القرآن الكريم بمواقفه النبيلة الثابتة، وشهد له بعزيمـته القويــة الصادقـة
لا سيما مع أبيه في سبيل دعوته إلى توحيد الله تعالى، إلى أن أُلقِي في النار
فأكرمه الله برتبة (الخُلّة) ورفع من شأنه أن ضمه في صف أولي العزم من الرسل،
صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ومن هنا كان لهذا الموضوع
أهمية بالغة وضرورة ملحة.
أهمية
الدعوة وضرورتها:
قال
الله U:
)إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال
فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، ليعذب الله
المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان
الله غفورا رحيما( (الأحزاب 72، 73).
إن
الدعوة إلى الله تعالى تعـني تحمل الأمانة التي كلف الإنسان بحملها والعمل بمقتضاها
ثم دعوة الناس لها، ولذا كانت من وظائف الأنبياء والمرسلين ومنهاج الصالحين
المتقين من عباد الله لأنهم صفوة خلق الله، وهي من أهم ركائز الإيمان وأعظم ركن من
أركانه، وأمرها وفضلها وخطرها بمكان معلوم، إذ هي بمنزلة الرأس من الجسد والغذاء
للبدن والري للعطشان، بها نشر الملة السمحاء التي تمتاز في منهجها ببيان الحق ونشر
الخير والهدى وتحقق السعادة للبشر، وتكشف وسائل الباطل والمنكر وأساليبه الملتوية
بشتى الطرق والوسائل.
ولقد
اعتنى القرآن الكريم بهذا الركن اعتناء عظيما واهتم به اهتماما بالغا،.فذكره في
عدة مواضع منه، تارة بذكر آدابه وأساليبه التي يجب اتباعها ضمانا لنجاحها، كما قال
تعالى: ) ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هـي أحسـن إنّ
ربك هـو أعلم بمـن ضـل عـن سبيـله وهو أعلم بالمهتدين ( (النحل 125).
وتارة
بذكر قصص الأنبياء مع أممهم المخالفـة لأمـر الله وما حـل بها، كقصـة موسى u مع فرعون، قال
تعالى: ) هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربّه بالوادى المقـدس طـوى اذهـب إلى فرعون
إنه طغـى( (النازاعات 15- 19). وقال تعالى : ) فقولا له قولا لينا لعله يتذكرُ أو يخشى..( (طه 44).
وأخرى
بالحث والترغيب في الدعوة إلى الله، كما قال تعالى: ) قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصــيرة أنا ومن
اتبعــني...( (يوسف108).([2])
وقال تعالى: )ومن أحسن قولا ممن
دعا إلى الله وعمل صالحا...( (فصلت 33).
لذا
فليعلم الدعاة أن في أعناقهم أمانة عظيمة حملهم الله إياها، وهم مسئولون عنها
أمامه ولا يُعذرون حتى ولو كانوا في أحرج ظـروف وأضيقها، لا سيما في زمن الماديات
الذي ترك الناس فيه الدعوة إلى الله وزهدوا عنها بحب الدنيا وإيثارها عليها،
فليؤدوها على وجهها، انقاذا للأمة من الضلال في الدنيا ومن النار في الآخرة وإقامة
للحجة عليها: ) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل( (النساء 165) . في يوم لا يقبل فيه عذر ولا تنفع
فيه شفاعة قال تعالى: )فيومئذ
لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يُستعتبون( (الروم 57).
موضوع
البحث:
دراسة
الآيات التي تحدثت عن منهج إبراهيم u في الدعوة كما عرضه القرآن الكريم من حيث
أهميته وضرورته دراسة موضوعية يتبن من خلالها لكل مسلم عظمة الدعوة إلى الله
وضرورتها، وما يجب على كل مسلم تجاهها فيجعلها نصب عينيه ويلتـزمها في كل شئون
حياته العلمية والعملية، حتى تكون همّ حياته ومصدر سعادة إخوانه اقتداء بالخليل u الذي لم يدخر وسعا أو نصيحة أو أهمل سببا في إرشاد أبيه وقومه.
أهمية
البحث:
تظهر
أهمية البحث وثمـرته من حيث استمداده وموضوعه ومنهجه، ومن حيث تطبيقه وصلته
بالمجتمع وحاجته إليه ومدى تحقيقه للأهداف والنتائج والغايات المرجوة من ورائـه،
وإنّ موضوع (منهج إبراهيم u في الدعوة كما عرضه
القرآن الكريم) من أهم الموضوعات التي نحن في أمس الحاجة إليها، لا سيما في زمن
فسد فيه معتقد كـثير من الناس وتبلبلت أفكارهم تجاه دينهم وشريعتهم، فما حصل أو
يحصل من ضعف الوازع الديني أو خروج الناس على أحكام الله أو إهمالهم أوامر الله
ونواهيه وتساهلهم في ارتكاب المحرمات إلا بسبب تقصـير الدعاة في جانب الدعوة، أو
لعدم جدواها لعدم اتباع قواعدها المرسومة وفق شريعة الله تعالى واستلم السفهاء من
الناس زمام الغواية، فانتشر الإلحاد والملحدون في المجتمعات البشرية ممن يزعمون
العلم والفهم وهم في الحقيقة معاول لهدم الإنسانية وطمس معالم الحق في الناس.
الهدف
من البحث:
إن
التفسير الموضوعي يختلف عن التفسير التحليلي أو الإجمالي، فمن حيث المراجع العلمية
فإنه يعتمد بصورة كبيرة على الاستنباط والتلخيص لما في الآيات من المعاني
والإرشادات والإشارات والأسرار القرآنية الدقيقة بعد الرجوع إلى التفسير بالمأثور
والمعقول، كما يقول الزركشي: (أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر، واعلم
أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب
المعرفة وفي قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه كِبر أو هوى أو حب الدنيا أو
يكون غير متحقق الإيمان أو ضعيف التحقيق أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم
بظاهر، أو يكون راجعا إلى معقوله، وهذه كلها حُجُب وموانع وبعضها آكد من بعض) ([3])
ومن
حيث المنهج فإنه يعتمد على الموضوعات القرآنية فحسب.
ومن
حيث التحرير والأسلوب فإن المفسر يحتاج إلى تدبر آيات القرآن الكريم وإلى تعمق
فكري لمعاني الذكر الحكيم وتذوق للبيان والأسلوب القرآني الرصين، وإلقاء نظرة عامة
على جميع الآيات المجمعة من حيث تأليفها وترتيبها واستنباط العلاقة بينها وربط
عناصر الموضوع بعضه ببعض، ثم سبك هذه المعاني في قالب من الحقائق مترابطة متصلة
مثل سلسلة الذهب للخروج بنظرية قرآنية جديدة.
وهذا
يتأتى (إذا كان العبد مُصْغِيا إلى كلام ربّه ملقى السمـع وهـو شهيد القلب لمعاني
صـفات مخاطبه ناظرا إلى قدرته تاركا للمعهود من علمه ومعقوله) ([4])
فإنه يفتح الله عليه أبواب معرفته بحيث يقف على أسرار عظمة كتاب الله تعالى.
ويمكن
تلخيص بعض أهداف هذه الدراسة في النقاط التالية:
1- تحقيق مبدأ النصيحة التي يقوم عليها
أساس جلب الخير ودفع الشر عن البشر، والتواصي بالحق وبالصبر امتثالا لقول الله
تعالى: )
والعصر إن الإنسان لفي خُسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق
وتواصوا بالصبر (
(العصر) ولقول النبي r: (الدين النصيحة) قال الصحابة: لمن يا رسول الله ؟، قال: (لله ولكتابه
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) ([5]).
2- جمع ما يتعلق من
الآيات بموضوع البحث في مكان واحد، ثم البحث والنظر فيها من زاوية قرآنية محـددة،
ثم دراسـتها دراسة موضوعية وافية مركزة منحصرة على ما يتعلق بالموضوع شاملة
لجوانبه من حيث بيان ما يتعلق بموضوع (منهج إبراهيم u في الدعوة كما عرضه
القرآن الكريم) وضرورته، ومن حيث منهج الآيات في عرض الموضوع، دراسـة موضوعية على
نمط يغاير نمط الموضوعات العامة، بعيدا عن الإطالة المملة، ثم تفسير الآيات تفسيرا
موضوعيا من كتب التفسير بالرواية والدراية، ثم من كتب السنة على أساس وحدة واحدة
مترابطة.
3- تأصيل البحث بالقرآن
الكريم وبالسنة الصحيحة ومن واقع منهج السلف في الدعوة.
4- إخراج هذا الموضوع-
الذي لم يسبق أن كتب فيه حسب علمي- بمنهج التفسير الموضوعي، بأسلوب سهل ميسر،
وإيصاله إلى مسامعهم بوضوح تام ليسهل عليهم فهمه وإدراكه ثم السير على نهجه دعوة
بالحكمة والموعظة الحسنة وإرشادا ونصحا بالتي هي أحسن.
5- معذرة إلى الله
بإقامة حججه ونصب براهـينه على الناس وإيقاظهم وتنوير بصائرهم وإقناعهم وتنبيههم
من غفلتهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
6-
بيان
أهمية موضوع الدعوة إلى الله تعالى لا سيما في زمان تزعزعت فيه العقيدة وتذبذبت
الأفكار وترك الناس الدعوة إلى الله زهداً عنها بتقديس المادة وبحب الدنيا
وإيثارها عليها.
منهج
الآيات في عرض الموضوع:
إنّ
منهج الآيات بمجموعها وحسب تناولها للموضوع دارت على محورين رئيسيين:
المحور
الأول: تكلمت عن أساليب دعوة إبراهيم u النظرية.
المحور
الثاني: تكلمت عن أساليب دعوة إبراهيم u العملية.
أما
منهجي في عرض الموضوع، فإنني ذكرت الآيات التي تناولت الأساليب النظرية والعلمية
في الدعوة وما يتعلق بها، وتفسـير الآيات وبيان ما بينها من الصلة والترابط، وذكرت
ما فيها من الفوائد والآداب والإرشادات والتوجيهات الربانية الكريمة، مدعما ذلك
بالآيات القرآنـية وبالأحاديث النبوية الشريفة.
خطة
البحث:
اشتمل
البحث على: مقدمة، وفصلين، وستة عشر مطلبا.
المقدمة:
وفيها بيان فضل الموضوع، أهمية الدعوة وضرورتها، موضوع البحث، أهمية البحث، الهدف
من البحث، التعريف بمسمى البحث.
الفصل
الأول: صفات إبراهيم u وأثرها في الدعوة.
ويشتمل
على توطئة وأربعة عشر صفة.
الفصل
الثانـي: أساليب إبراهيم u في الدعوة كما
عرضها القرآن الكريم.
ويشتمل
على توطئة ومبحثين وستة عشر مطالبا:
المبحث
الأول: الأساليب النظرية
وتحته
أربعة مطالب:
المطلب
الأول: الاستعطاف، الثاني: أسلوب المناظرة والمحاجة، الثالث: استثارة الخصم،
الرابع: المعاريض.
المبحث
الثاني: أساليب إبراهيم u العملية في الدعوة.
ويشتمل على توطئة
واثني عشر مطلبا كالتالي:
المطلب الأول:
القدوة، الثاني: اللين أولا ثم الشدة،الثالث: الابتداء بالأهم، الرابع: الابتداء
بالأقـربين، الخامس: التحدي، السادس: تحطيم الأصنام، السابع: الهجـرة، الثامن:
المفاصلة والموادعــة، التاسع: المبادرة بامتثال أمر الله ببناء البــيت، العاشر:
المبادرة بامتثال أمر الله بذبـح ابــنه، الحادي عشـر: الدعاء والتضرع إلى الله،
الثاني عشر: دروس وعِبَر عَبْرَ قصة الخليل إبراهيم u.
* *
*
منهج إبراهيم u في الدعوة كما عرضه
القرآن الكريم
تعريف المنهج:
قال ابن فارس: النون
والهاء والجيم أصلان متباينان:
الأول: النهج
الطريق، ونهج لي الأمر: أوضحه، وهو مستقيم المنهاج.
والآخر: الانقطاع
وأتانا فلان ينهج إذا أتى مبهورا منقطع النفس…([6])
ولعل صلة المعني
بهذا الأصل واضحة وهو ما سبق ذكره من حيث بذل الداعية قصارى جهده في إبلاغ الدعوة
حتى ينقطع به النفس من شدة البلاغ، وتتفطر قدماه فيبقى مبهورا. من شدة السعي
والمسارعة في حضور مجالس القوم ونواديهم وأماكن تجمعاتهم كما كان حال رسل الله.
والله أعلم.
والمَنْهَجُ
والمنهاج: الطـريق الواضـح، وكذلك النَهْجُ، قال تعالى: )لكلٍ جعلنا منكم
شِــرْعـَةً ومِنْهَاجَا ( (المائدة 48). وأنْهَجَ الطريقُ أي: استبانَ
وصار نَهجَا واضحا بَيِّنا، ويقال: فـلان يَستَنهِجُ سبيلَ فلان، أي: يسلُكُ
مَسلَكَه ([7]).
فالمنهج: الطريق
المستقيم الواضح فى الدين ([8]).
تعريف
الدعوة:
الدعوة:
مأخوذة من الدعاء، وهو النداء إلى الشيء والحث على قصده، قال تعالى: ) والله يدعو إلى دار السلام( (يونس 25).([9])
، والمراد هو جمع الناس على الخير ودلالتهم على الرشد بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن
المنكر.
قال
ابن تيمية: الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله،
بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله
وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره والدعوة إلى أن
يعبد العبد ربّه كأنه يراه ([10]).
والداعية:
هــو الـذي يدعــو إلى الله تعـالى علــى بصــــيرة.
فالمقصود
مِن منهج إبراهيم u في الدعوة: هي
الطريقة والسبيل الذي اتخذه وسلكه مع أبـيه وقومه في دعوتهم إلى ربّه تبارك
وتعالى.
الفصل الأول:
دراسة الآيات المشتملة
على صفات إبراهيم u وأثرها في الدعوة
الآيات
المشتملة على صفات إبراهيمu في الدعوة:
قال
تعالى: ) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من
المشركين، إنّ أولى الناس بِإبراهيم لَلَّذين اتبعوه وهذا النبي والـذيـن ءامنـوا
والله ولي المؤمنين ( (آل عمران 67، 68). وقال تعـالى: )واتخذ الله إبراهيم
خليلا ( (النساء 125) ، وقال تعالى: ) إنّ إبراهيم لأواه حليم ( (التــوبة 114). وقال I : ) إنّ إبراهيم لحليم أواه منيب( (هــود (75). وقال U: ) إنّ إبراهيم كان أمّةً قانِتَا لله حنيفا، ولم
يك من المشركين، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم، وءاتيناه في الدنيا
حسنة وإنه في الآخرة لَمِن الصالحين، ثم أوحينا إليك أن اتبع مِلَةَ إبراهيم حنيفا
وما كان من المشركين ( (النحل 120- 123). وقال :I: ) واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً،
إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني
قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن
الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمَسَّك عذاب من الرحمن فتكون
للشيطان ولياً، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني
مليّاً، قال سلام عليك سأسـتغفرلك ربي إنه كــان بي حـفيّا ( (مـريم 41-47). وقـال :I: ) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولـوا مدبرين ( (الأنبياء 57). وقال :I: )قالوا حرقوه وانصروا
آلهتكم إن كنتـم فـاعلين ( (الأنبياء 68).وقال :I: )الذي خلقني فهو
يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين ( (الشعراء 78- 80).وقال :I : ) هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا
عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون، فراغ إلى أهلـه فجــاء بعجل سمين، فقربّه
إليهـم قال ألا تأكلـون ( (الذاريات 24-27).
الفصل
الأول: صفات إبراهيم u وأثرها في الدعوة:
توطئة:
إنّ
الإسلام في حد ذاته منبع نور وهداية للبشرية، يرى وجوبا أن تتم الدعوة إليه من
خلال التطبيق الصحيح له قبل الدعوة إليه بالقول، ويقتضي ذلك الالتزام التام به
ظاهرا وباطنا، والتمسك به علماً وعملا، والتحلي بصفاته وآدابه تطبيقا واقتداءً،
والدعوة إليه بذلا ونصحا، ولا أدل على ذلك من محمد e.وأصحابه الذين
ساروا علـى نهـج إبراهيم u مع الأمم كما قال
الله تعالى: ) إنّ أولى الناس بِإبراهيم لَلَّذين اتبعوه وهذا النبي والـذين ءامنـوا
والله ولي المؤمنين ( (آل عمران 68).
إذ
إن من أسباب مقت الله وغضـبه ومن فشل الداعية ودعوته مخالفة الداعية واقعه ومبدأه
ومنهجه، ولا أقرب مثلا من أهل الكتاب ومن سار على نهجهم من أهل هذا الزمان من
المنتسبين إلى الإسلام حين خالفوا منهج الخليل إبراهيم u فكذبهم الله في
دعواهم، فقال تعالى: ) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان
حنيفا مسلما وما كان من المشركين ( (آل عمران 67).
وإنما
كانu مثالا للهداية
والطاعة والشكر والإنابة لله، وإماما يُقتدى به في الخـير لاستجماعه خصالها
وكمالها، كما قال الله U عنه: ) إنّ إبراهيم كان أمّةً قانِتَا لله حنيفا، ولم
يك من المشركين، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صــراط مــستقيم، وءاتيناه في
الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لَمِن الصالحين، ثم أوحينا إليك أن اتبع مِلَّةَ
إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( (النحل 120- 123).
هذه
الآيات الكريمات حـين تصف الخليل إبراهيم u بهذه الصفات الجليلة العظيمة، تتضمن أسـرارا
قرآنية عظيمة، وانطوى تحتها مباني ثابتة متينة لتشيد للـدعاة معالم بارزة يهتـدون
بها في ظلمات الجهل والجهالات لئلا يضلوا، جـدير بنا أن تكون لنا وفقة تأمل وتعقل
عند كل صفــة منها، وهي أربعة عشر صفـة :
1-
قال U:
) إنّ إبراهيم كان أُمـّــة (:
صـفة
صغيرة المبـنى كـبيرة المعنى قليلة الحروف كثيرة الصروف، صفة جمعت جميع خصال
الخـير وعناصر الفضيلة وكماله، لأنها من كلام الله لتوفي بالغرض على أتم الوجـوه
وأبلغها: فهـو إمام الخيـر ومعلمه، كان يوحد الله من بيـن سـائر الناس، وعاملا بما
عَلَّـمَه الله مـن الشـرائع، كما قال تعالى: ) إني جاعلك للناس إماما ( (البقرة 124).([11])
فهو كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان عنده u من الخير ما كان
عند أمـة وجماعة كثيرة،.فإطلاقها عليه u لاستجماعه كمالات لا تكاد توجد إلا متفرقة في
أمة كثيرة، وكل هذه المعاني تنطبق عليه ([12]).
فهو
u خير أهل دينه، جمـع
من خصال الخير وكمالاتها الحسية والمعنوية ما يعدل بها أمة كاملة،.فهو قد نصب أدلة
التوحيد ورفع أعلامها وخفض رايات الشرك، كما قال تعالى: ) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه
ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا
ونحن له مسلمون( (البقرة 133). وقال
تعالى : ) وجعلناهم أئمة يهدون بأمـرنا وأوحيـنا إليهـم فعـل الخـيرات وإقام الصـلاة
وكانوا لنا عابدين( (الأنبياء 73). أي: قانتـين مطيعين خاضعين .
2-
قال U:
) قانتــا لله… (:
مطيعا
خاضعا قائما بأمر ربّه على الوجه الأكمل والأمثل مؤمنا وحده والناس كلهم كفار،
داعية إليه مستجمعا لشروط الكمال في نفسه داعيا إليها غـيره، مستقيما على دين ربّه
حنيــفا غير مشرك مثل قومه ([13]).
3-
قال U:
) حنيفـا ولم يك من المشركين…( :
أهلا
للدعوة إلى الله لاستقامــته في نفسه ومقيــما غــيره على ملة الإسلام استقامة
تامـة كاملة بعيدا عن الهوى والمطالب النفسية، فهو u لم يمل إلى دين سوى
دين الإسلام،.ولم يشرك بالله قط: ) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان
حنيفا مسلما وما كان من المشركين ( (آل عمران 67) فيه إعلام من الله تعالى لكل من
خالف منهج إبراهيم u كائنا من كان قريبا
أم بعيدا، بأن إبراهيم u بريء منه وأنهم منه
بُــرءاء.([14]).
حقا
إنّ نعمة الاستقامة على التوحيد والسلامة من الشرك ليستوجبان شكر الله تعالى، فإذا
مَنّ الله على العبد بنعم وجب عليه شكرها وتوجيهها إلى منعمها
4-
قال U:
) شـاكرا لأنعــمه… (:
شــاكرا
شكرا دائما كاملا موصولا مستزيدا غـير مودع ولا معرض عما أنعم الله عليه من صغير
النعم وكبيرها جديدها وقديمها أولها وآخرها ظاهـرها وباطنها: ) لئن شكرتم لأزيدنكم( (إبراهيم 7) فكان من آثار ذلك الشـكر أن ) اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم….(
ونتيجة
جهاده في الله حق جهاده، وقنوته وإخلاصه وشكره لربّه، زاده الله من كل ضروب الخير
والفضل والنعم، كما قال تعالى: ) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لَمِنَ
الصالحين ( (النحل 121، 122). أي: وهــبه حسنات كثيرة عامة شاملة لا تختص بنوع
معين حسنات بكل معانيها.
فمن
هذه الحسنات الموهوبة: الولد الصالح، والثناء الحسن فى الدنيا حتى إن أهل الأديان
يتولونه ويثنون عليه، وأما لسان الصدق والنبوة فلا يوازيهما حسنة، كما قال تعالى
حكاية عنه: ) رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين ( (الشعراء 83، 84).
ومن
هذه الحسنات الموهوبة: شكر الخليل u نعم ربّه ابتــداءً وختـاما ظاهرا وباطنا سرا
وعلنا، خالصا مخلصا موصولا عدلا خضوعا واستكانة تعبدا ورقا لرب العالمين مولي
النعم، غــير مشرك في شكره شريكا من الآلهة والأنـداد كما يفعـل المشركون، سائلا
ربّه في أن يوفقــه لذكـره وشكره وحسن عبادته حتى يكون أهلا لجنـته ودار كرامـته
التي لا لغو فيها ولا تأثيم قائلا: )واجعلني من ورثة جنة
النعيم ((الشعراء
85).([15])
نعمــة ونعيما وحبرة وقرة عــين بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
المقام
مقام دعوة وإرشاد ولا يخلو من استفزازت وانفعالات وتشنجات، وإبراهيم u بشر رسول قد يثور
ويغضب على جهالة الجهال وسفاهة السفهاء، والحلم سيد الأخلاق ومن لوازم الدعوة
الأناءة والصبر، والتحمل من أصولها.
5-
قال U:
)إنّ إبراهيم
لَحلِيمٌ أواه منيب(
الخليل
u
أقدر على حزم نفسه وضبط أعصابه، ليصفح عن جهالات الناس ويصبر على أذاهم، فهو لم
يعاقب قط إلا في الله ولم ينتصر إلا لله، لأنه طبع على أحب الصفات إلى الله وهي:
الحلم وكرم الأخلاق والطمأنينة والتؤدة، فأصبحت من صفاته الخِلْقية والخُـلُـقـية ([16])
ولكن قد يعجز عنها أصحاب الدعوة، فما أجدر بهم أن يقتدوا بإمام الدعوة والدعاة
الخليل u.
ومن
آثار حلمه: توجعه وتألمه على كفر أبيه وقومه وأذيـتهم له، ولم يستعجل لهم بالعقوبة
والعذاب على حين أن حالهم يستوجب إحلال العذاب بهم.
6-
قال U:
) أوّاه….(:.
حــين
يتذكر حرمان أبـيه وقـومه من نعمة الإيمان ومن نعمة نعيم الجنة، يتذكر عاقبة الذين
أساؤوا من قومه السوأى فتذهب نفسه عليهم حسرات، يتوجـع على عاقبتهم بدخولهم النار
ويتأوه على سماجــة رأيهم وسفاهة عقلهم، ولكن لا ينفع الأسـى على قوم كافرين،
فيطلب من ربّه تبارك وتعالى الصبر والسلوان بكـثرة تلاوة كتابه والإنابة والخشوع
له، ويبتهل بالدعاء والتضرع إليه سبحانه وتعالى مقرا بالضعف والاستكانة ([17]).
7-
قال U:
) مُنِيب…(:
إنابــة
وافتقار إلى الله تبارك وتعالى من قدوة الدعاة الخليل u في طلب المدد والعون والسداد في كل الشئون، وتفويض لحال قومه إلى
الله، فإنه لا غنى للعبد عن مولاه طرفة عين أو أقل من ذلك، لا سيما في أمر الدعوةِ
إلى الله.
فمهما
بلغ تمكن العبد وتمكينه ومهما أعطي من قوة واقدام واستكملت لديه قوام الحياة
وعناصر السعادة، فلا يزال الضعف والعجز يلازمه، ومهما بلغ من العلم والفهم والذكاء
فإن النقص لا يفارقه، إلا من ركب مركب الصدق وتوجه به إلى الله في مغالبة الصعاب
بعزيمة صادقة ونية خالصة: ) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصِدّقون
والشهداء عند ربّهم لهم أجرهم ونورهم( (الحديد 19).
7- قال U: ) إنه كان صديقاً نبياً (:
قال
الزمخشـري أي: (كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء وبليغا في الصدق) ([18])
وذكرت هذه الصفة هنا مقترنة مع النبوة لكونه u كما قال الراغب: ) صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله( ([19])
فلا
عجب أن يذكر الله تعالى خليله إبراهيم u في معرض كمال الصدق ونهايته، كما يُفهم من
معاني الآية الكريمة حيـث عبر بصيغــة المبالغة، فقال: )واذكر في الكتاب
إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً ( (مريم 441) فإنّ الصدق ملاك أمر النبوة ومن
لوازم الدعوة ومن أخص صفات الداعية، وقد جعله الله من كمال الإيـمان، فقال: ) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون….( (الحدديد 19) وجعله من مؤيدات النبــوة والرسـالة،
فقال: ) لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ( (الحديد 25) وقال: ) قل هذه سبيلي أدعـوا إلى الله على بصـيرة ( (يوسف 108).([20]) وأمر به فقال: ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع
الصادقين ( (التوبة 119) لأنه مفتاح الخلة وباب الرضـى ورَحـبَـة الثقة والمودة.
9-
قال U:
) واتخذ الله إبراهيم خليلا…(:
منزلة
الخُلة منزلة رفيعة عظيــمة عالية، وهي والصدق توءمان كل منهما يخـتـبيء في الآخر
لينوب عنه، ولم تحصل هذه المرتبة إلا للخليلين: محمد وإبراهيم عليهما الصلاة
والسلام.
ولنقف
عند هذه الصفة العظيمة لنستشف بعض معانيها الجليلة وأسرارها اللطيفة:
فهو
السخي الكريم وهو الذي أحب الله حبا حتـى تخلل قلبه بمحبة الله فلم يدع فيه فراغا
إلا ملأه بحب الله حتـى أحبه الله، فوالى في الله وعادى في الله،.روي أنه لما رمي
فى النار بالمنجنيق وصار في الهواء، أتاه جبريل u فقال: ألك حاجــة ؟، قــال: أما إليك فلا،
فَخُلَّةُ الله لإبراهــيم u: نصرته إياه ([21]).
فلما
تأتي النتائج مرضية والعواقب حميدة، فتجـيش رحمة الله على عباده بالإنعام والتفضل
والاكرام، فإبراهيم u يحوز عمله القبول
وجهاده الرضى، فيفيض المولى عليه بِخِلع الرحمة والرضوان والقبول، قال تعالى: ) وناديناه أن يا إيراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك
نجزى المحسنين ( (الصافات
104، 105) فيمنح الجليل الجزيل: فيتخذ إبراهيم خليلا.
10-
(السخاء والكرم) :
قال
تعالى: ) هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سـلام
قوم منكرون، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين... ( (الذاريات 24- 27).
الضيافــة
من مكارم الأخلاق ومِن آداب الإسلام، ومِن خُلق النبيين والمرسلين وعباد الله
الصالحين، وهي كرم وبذل حفاوة وتكريم، تستمال بها النفوس وتجتذب وتعطف بها القلوب
وتؤلف، والدعوة كذلك بذل للمعروف لين في الكلام سخاء في الأخلاق، والضيف عزيز
كريم.
ولذا
كان إكرام بعض الناس فى العطاء سببا في إسلامهم، كما روي عن أنس t أن رجلا سأل النبي e غنما بين جبلين،
فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم ! أسلموا فوالله إنّ محمدا ليعطي عطاءً من لا
يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون
الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها ([22])
واعطى
يوم حنين صفوان بن أمية t مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، فقال صفوان: والله لقد أعطاني
رسول الله e ما أعطاني، وإنه
لأبغض الناس إليّ، فما برح يُعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ ([23]).
وقفة
لا بد منها: يجب أن يعلم الداعية أن يكون عطاؤه ومنعه لله تعالى فحسب، لا فرق في
ذلك بين القريب والبعيد والعدو والصديق ) إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا
تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خـبيرا ( (النساء 135).
ولا
بد أن يكون في حسبانه بأن المال مدعاة للمؤاثرة إن لم يراقب الله فيه، أسوة برسول
الله r
لا يريد من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، فلا يهمه إرضاء قريب أويزعجه غضب صديق أو
يثـيره شر من أحسن إليه، فلا بد من الصبر والتحمل في ذات الله تعالى ليتحقق المنع
والعطاء لله وحده.
11-
(الصـبر والتحمل):
إنّ
الصبر والتحمل لمن أبرز صفات الداعية وأوجبها ومن أصول منهج الدعوة وأسسها
وآدابها، ، فمن فقد الصبر فقد الدعوة، فلا يكمل الداعية ولا تتم الدعوة بدون صبر
واصطبار.
وأَمـَرّ
الصـبر وأشده صبر عباد الله المخلصين على حقوق الله وحدوده حين يعتدى عليها.
لقد
ناظر إبراهيم u قومه في بطلان أمر
آلهتهم وألزمهم الحجة وعجزوا عن الجواب، ولكن نظراً لمكانة الآلهة وعظيم شأنها
عندهم، ونظراً إلى كبير ما ارتكبه إبراهيم u في حق آلهتهم في نظرهم قالوا: )حرقوه وانصروا
آلهتكم إن كنتم فاعلين ( (الأنبياء 68). شـعور بالعجز والضعف أمام الحق،
وتلك سمة الطغاة قديماً وحديثاً، فالذي يتعدى على الآلهة يعاقب بأفظع العقاب وأشده
وهو النار.
ذكر
ابن كثير عن بعض السلف أنه عرض لإبراهيم u جبريل وهو في الهواء فقال: ألك حاجة ؟ فقال: أمَّا
إليك فلا وأمَّا إلى الله فبلى، وروي أنه قال: (اللهم! أنت الواحد في السماء، وأنا
الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غيري، حسبى الله ونعم الوكيل)، وفي رواية قال: ) لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك
الملك لا شريك لك ( ([24])
وهنا
تتجلـى شخصية إبراهيم u المطبوعة على الحلم
والصفح والصـبر والتحمل، فإن القوم لم يتركوا باباً من الأذية والتعذيب إلا طرقوه،
ولكنه u لم يغضب فيفقد برّه
وأدبه مع أبيه، ولم يَدْعُ على قومه بالهلاك مع استحقاقهم لذلك، ولكن فوض أمرهم
وأمره إلى الله تعالى.
12-
(توكله على الله):
لا
حول ولا قوة للعبد مطلقاً لا سيما فيما لا يقدر عليه غير الله، من: الهداية
والإيمان والرزق والنفع والحياة السعيدة، ويتجلى هذا الخلق النبيل في حياة إبراهيم
u حينما يفوض أمر دفع
ضّر المرض وجلب نفع الشفاء وأمر الرزق والمعاش وأمر الحياة والأجل والعمــر إلى ربـّه
سبــحانه بقولـه: ) الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين،
وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين ( (الشعراء 78- 80).
يقف
سيد قطب تحت ظلال هذه الآيات فتتجلى له أسرارها فيستنبط: بما لأجله يصـف الخليل u ربّه تبارك وتعالى
في هذه الآيات وبما لأجله يفتقر الخلق إليه سبحانه، وبما لأجله يستحق العبادة من
عباده، ) الذي خلقني فهو يهدين ( أنشأني من حيث يعلم ولا أعلم فهو أعلم بحقيقتي
وتكويني، وحالي ومآلي، ويرشدني وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور مصالح الدين
والدنيا والمعاش والمعاد، هداية متصلة من حين نفخ الروح إلى منتهى أجلي، {والذي هو
يطعمني ويسقين} فهو الكفيل بأمر الرزق وهو الذي يطعم ويسقي اختصاصاً وملكاً ولا
أحـد سواه، ) وإذا مرضت فهو يشفين ( أدب مع الله فلا ينسب مرضه إلى ربّه وهو يعلم أنه بمشيئة ربّه
يمرض ويصح، ولكنه يذكر ربّه في مقام الإنعـام والإفضــال، ولا يذكره في مقـام
الابتلاء والامتحان ) والذي يميتني ثم يحيين (وكان قومه ينسبون
الموت إلى الأسباب، إنه التوكل والاستسلام المطلق الشامل واليقين الكامل من قلب
قوي قد امتلأ صدقاً وطمأنينة وثقة بالله ([25]).
وإن
من آثار توكله على ربّه المحض قوله حين عرض له جبريل قائلاً: ألك حاجة ؟ إن لحظات
الكَربِ والمصيبةِ لحَظَاتٌ عصيبَةٌ، ومِنْ شأنِ المكروب افتراص لحظات الفرج، لكن
الخليل u لعظيم إيمانه وثقته
بربّه كان جوابه من فوره دون تردد أو تفكير أو تريث: (أمّا إليك فلا).
فكانت
نتيجة هذا التوجه العظيم إلى الله في أشد حالات الكرب والشدة: )قلنا يا نار كوني
برداً وسلاماً على إبراهيم(. (الأنبياء 69).وتَضَامَن
الأب مع القوم: ) وأرادوا به كيداً ( . (الأنبياء 70). ومع ذلك لم يفقد برّه بأبيه وعطفه على قومه حتى في
أحرج الظروف: ) فجعلناهم الأخسرين ( (الأنبياء 70).
13-
(برّه بأبيــه):
بر
الوالدين حق ثابت واجب مطلقاً لا يسقط حتى في حال كفرهما، قال تعالى: ) واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين
إحسانا( (النساء 36) وفيه ترويض للنفس على اكتساب الأخلاق الحميدة وتطبيع النفس
على تحمل المضايقات ومشاق الدعـوة، ففيه ما في الدعوة من المشقة والعناء، قال
تعالى: )واذكر في الكتاب
إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر
ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا
سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن
يمَسَّك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم
لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً، قال سلام عليك سأستغفرلك ربي إنه كان بي
حفيّا( (مريم 42- 45).
يظهر
لنا من خلال هذه الصورة كمال بـرّ إبراهيم u وحلمه، في ألفاظه وتعـبيراته وفي تصرفاته في
مواجهة قسوة أبيه، حين يخاطبه بألفاظ تُنـبيء عن غاية الشفقة والعطف والبر والتعظيم،
كما هو شأن الأبوة وحقها الواجب على الأبناء، ليهديه إلى الـخير الذي هــداه الله
إليه، فيقــول: ) يا أبت ...يا أبت (.
إلا
أن هذه الدعوة بأحبّ الألفاظ وأرقّها لا تجد منفذاً إلى القلب القاسي، بل تقابل
بالاستنكار والتهديد بألفاظ شديدة اللهجة: ) أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته
لأرجمنك واهجرني مليّاً ( ابتعد عنى سالما، إنذار لك بأشد العقوبات وبالموت الشنيع الفظيع
إن أنت أصررت على هذا الموقف.
فيظل
الرضّي الحليم حليماً ليكون قدوة حسنة ومثالاً يحتذى به في البرّ والدعوة، مجانبا
لأسباب الغضب غير جبان أو خائف فيلين جانبه للتهديدات، هكذا الداعية وهكذا تكون
الدعوة مقرونة بالشجاعة ([26]).
14-
(الشـجــاعــه):
إن
الشجاعة للرجال من أوصاف الكمال والجمال لا سيما الأنبياء والرسل منهم، وإن تغـيير
المنكر يحتاج إلى قوة وشجاعة وثبات ولربما لحق الداعية من الضرر والأذى إذا كان
الخصم جباراً غشوماً ظلوما، فإذا ما وقف العناد والمكابرة في وجـه الحِيَلِ والطرق
المؤديـة إلى بيان الحق فلا مفر من إثبات الحق وإعلائه ولا محيد عن إبطال الباطل
ودحضه وإلزام الخصم وإفحامه.
فلما
تبين آخر المطاف رفض قوم إبراهيم u قبول الحق، قارعهم وأعلن الحرب عليهم ونازلهم، فلم يهب من الطغاة
الجبابرة بطشهم وجـبروتهم في إبلاغ دين الله، بل أعلن بكل شجاعة وإقدام وقوة
وبسالة، مُوطنا نفسه على مقاساة المكاره للذب عن دين الله، غير مبالٍ بنفسه قائلا:
) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ( (الأنبياء 57).
هذه
بعض صفـات الخليل إبراهيم u التي كان لها الأثر
البالغ في الدعوة إلى الله تعالى.
وكل
صفـة من هذه الصفات لها مغزى ومعـنى عميق، يجب على الداعية تدبرّها والوقوف عندها
واستنباط ما فيها من عــبر وعظات ونصائح وإرشادات، حتـى يعرف مكانه من الدعوة.ومكان
الدعوة منه، والله أعلم.
الفصل الثاني:
أساليب إبراهيم u في الدعوة كما
عرضها القرآن الكريم
المبحث الأول :
دراسة الآيات المشتملة على أساليب إبراهيمu النظرية في الدعوة
الآيات
المشتملة على أساليب إبراهيمu النظرية في الدعوة:
قال تعالى: ) ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه
الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم
فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدى
القوم الظالمين ( (البقرة 258). وقال تعالى: ) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة،
إني أراك وقومك في ضلال مبين، وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من
الموقنين، فلما جنَّ عليه الليل رأىكوكباً قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب
الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن
من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا
قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من
المشركين، وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن
يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم ولا
تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن
كنتم تعلمون، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهـم الأمن وهم مهتدون،
وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إنّ ربك حكيم عليم ( (سورة الأنعام 74- 83). وقال تعالى: ) يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني
عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا
أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمَسَّك عذاب
من الرحمن فتكون للشيطان ولياً، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته
لأرجمنك واهجرني مليّاً، قال ســلام عليــك سأســتغفرلك ربي إنه كان بي حفيّا ( (سورة مريم 42- 45). وقال تعالى: )فجعلهم جذاذا إلا
كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا
سمعنا فتى يذكرهم يقال لله إبراهيم قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون،
قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا
ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت
ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعـكم شيئاً ولا يضـركم أُفٍّ
لكم ولما تعبـدون مـن دون الله أفـلا تعقلون ؟ (. (الأنبياء 62، 63).
وقال تعالى: )فنـظر نـظرة في النجـوم،
فقال إني سقيم( .( الصفات 88، 89).
الفصل الثاني:
(أساليب إبراهيم u النظرية والعملية في الدعوة)
المراد بالأساليب هي الفنون والطرق المختلفة
التي يسلكها الداعية حسب التيسير والنفع، والمقصود بها هنا: الفنون والطرق التي
سلكها إبراهيم u فى الدعوة إلى الله
تعالى ([27]).
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: الأساليب النــظرية:
والمقصود بالأساليب
النظرية: هي الفنون أو الطرق التي تخضع للدراسة والتلقي والتعليم والبحث والتأمل
المجرد عن التطبيق والتجارب العملية ووسائلها.
وتحته أربعة مطالب:
المطلب الأول: (الاستــعطاف)
الاستـعطاف هـو العـطف واستمالة القلب، قال
الراغـب: هـو الميل والشـفقة، يقال: عطـف علـيه وثَنـاهُ عاطِفَةُ رَحِمٍ ([28]).
ويأتي
الاستعطاف في طليعة الأساليب النظرية لأنه مطلب أساسي مهم في معاملة الناس لكي
يتقبلوا ما يقال لهم وهو قرين اللين، فقد يتغافل الداعية عنه حينما يغوص في أعماق
الدعوة ويأخذه شيء من الحماسة والانفعال والغضب لله ولرسوله r، فلا يقبح ولا يجهل ولا ينتقص ولا يتعالى، وليكن الخليل u قدوتــه حينما تأدب
مع أبيه- على حين صــدر من أبيه ما صـدر- بقوله: ) يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني
عنك شيئاً يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ( (مريم42، 43). فلم يصفه بالجهل وإن كان هو كذلك،
ولم يصف نفسه بالعلم الفائق وإن كان هو كذلك.
وإن من معاني الاستعطاف تذكير العبد بفضل
المنعم المتفضل حتى يصرف شكره له لا لغيره، كما نهى الخليل u أباه عمـا هـو عليه
من الضلال والغـواية، وذكـره بفضل الله عليه فقال: ) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن
عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمَسَّك عـذاب من الرحمـن فتكون للشيطان ولياً (. (مريم 44، 45).
ولذا عُدّ الاستعطاف من صفات الداعية الناجح
الذي كثيرا ما يجذب القلوب الشاردة ويؤلف القلوب النافرة ويأتي بالخير بدلا من
الزجر والتأنيب والتوبيخ، فإن قانون الدعوة ليس منحصرا في شخصية معينة وإنما هو
علم ومعرفة وهداية وفيـض رباني، فيقــول: ) فاتبعني أهدك صراطا سويا (. (مريم 43) فلا غضاضة في أن يتبع الوالد ولده إذا كان على نور
وهداية من الله وعلى اتصال بالله.
وهذا ما يجب التنبيه به على الداعية أسوة بالخليل
u
الذي لم يغب عن باله مبدأ الاستعطاف فلم يفقد برّه بأبيه فيغلظ له في القول ولم
يغضب فيتجاوز حدود التوقير، مع ما لقي من الاستنكار والوعيد بأشد العقوبات: ) قال أراغــب أنت عن آلــهتي يا إبراهيم لئن لم
تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً ( (مريم 46).
ولا يكن الاستعطاف كافيا أو الاستنكار والوعيد
مانعا من مواصلة الجهد، كما أن الخليل u مع إعراض أبيه وغلظته لم يقطع أمله ولم يقلل من وعظه ونصائحه حتى
في ثنايا تخويفه بل قال: ) سلام عليك سأستغفرلك ربي إنه كان بي حفيّا( قلبه ليهديه إلى الخير الذي هداه الله إليه،
فخاطبه بألفاظ مفعمة بالتبجيل والتعظيم: ) يا أبت ..يا أبت (.([29]).
المطلب الثاني: (أسلوب المناظرة والمحاجة)
المناظرة والمحاجة كما يقول السيد الجرجاني: "قريبتا
المعنى، وهي: النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب"
([30]).
قال القرطبي: "دلت الآيات على إثبات
المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، فهو
كله تعليم من الله السؤال والجواب والمجادلة في الدين، لأنه لا يظهر الفرق بين
الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل، وجادل النبي e أهل الكتاب وباهلهم
([31])
، وتجادل أصحاب النبي e يوم السقيفة
وتدافعوا وتناظروا حتى ظهر الحق وصدر ونفذ في أهله وغير ذلك، فالاحتجاج بالعلــم
والأدلة مبــاح وشائع.قال تعالى: ) فَلِمَ تُحاجّون فيما ليس لكم به عِلْم ((آل عمران 66)".([32]).
وأمر الله تعالى نبيه e أن يجادل بما أوحى
إليه، فقال: ) فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ( (الكهف 22). يقصد به إظهار الحق والوصول إلى
الصواب، فإذا ظهر الحق وتبين وجه الصواب وجب قبوله.
أما اتباع الهوى ومغالبة الخصم أو حب الظهور،
فمكابرة وتعنت وبطر للحق وسبب لغضب الله، كاليهود حين عرفوا الحق فأنكروه فغضب
الله عليهم ولعنهم، وكقوم إبراهيم u حين ناظرهم وحاجهم ولكن لم يكن منهم إلا
العناد والتعنت والمكابرة، كما قال تعالى: ) ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه
الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم
فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدى
القوم الظالمين ( (البقرة 258).
يذكر القرآن الكريم لنا مناظرتين ومحاجتين جرتا
بين الخليل إبراهيم u وبين قومه:
فالأولى: دارت مع ذلك العنيد نمرود، لإثبات
قدرة الله وتصرفه المطلق فى الملك والملكوت، بأسلوب يتسم بالرفق واللين والتحاور
المثمر، لغرض عرضها على النبي e وعلى المسلمين في
أسلوب التعجب لبيان حال هذا الكافر الذي ) آتاه الله الملك ( فبطر وكفر وأورثـته النعم الكبر والعتو، فوضع هذه المحاجة
القبيحـة موضع ما يجب عليه من الشكر، وادعى لنفسه ما هو من اختصاص الرب.
وقد
احتج إبراهيم u على نمرود بظاهرتين
متكررتين في كل لحظة، وبألصق شيء لحس الإنسان، وهما في الوقت نفسه من الأمور التي
لا يقدر عليها غير الله تعالى، ومن الأسرار التي خفيت على العقل إدراك حقيقتها،
ذلك لأنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها
أحد، ومن ثَمّ عرّف إبراهيم ربّه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد ولا يمكن
أن يزعمها أحد وهو بربوبية الله تعالى، فقال: ) ربي الذي يحيي ويميت (.
لكن
الطاغية فزع إلى وجه آخر مغالطاً نفسه ومموهاً به على قومه، فنسب ما هو من اختصاص
الله لنفسه بقوله: ) أنا أحيي وأميت ( وعنى بذلك أنا أقتل من أردت قتله فيكون ذلك مني
اتلافاً له، وأستحيي من أردت قتله فلا أقتله فيكون ذلك منـي إحيــاءً له، على حدّ ما
تعارفوا عليه، كما حكى الله بقوله: )ومن أحياها فكأنما
أحيا الناس جميعا( (المائدة 32). ([33]).
فسلم له إبراهيم u تسليم الجدل،
وانتقل معه إلى الاحتجاج بسنة ظاهرة مرئية ليفحمه، فقال له: ) إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من
المغرب( لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر له أن يخرج عنها بمخرج
المكابــرة والمشاغبة، ) فبهت الذي كـفر( فانقطع وبطلت حجته و سكت متحيراً ([34]).
فألهم الله الخليل u الحجة بتوفيقه كما قال: ) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ( (الأنعام 83).([35])
أما نمروذ فلم يجد ما يتعلل به أو يعتذر وخشي الفضيحة، فأظهر لأعوانه وجلسائه أن
هذا إنسان مجنون يجب أن يخرج من مجلسه، فمن جنونه أنه كسر الأصنام وأن النار لم
تحرقه، فتحقق فيه قول الله: ) والله لا يهدى القوم الظالمين ( فلم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق؛ لأن ذوي الألباب
يكذِّبونه ([36]).
أما الثانية: فقد دارت مع أبـيه وقومه ليثبت
لهم الألوهية والربوبية المطلقتين لله تعالى- وقد حصل شـيء من الإيقان بوجود الله-
فأُعْلِموا بالأدلة القاطعة ببطلان هذه الآلهة وأُخْبِروا بوجوب وجود الإله الحق.
فأخـبرهم من جهة أنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ
إلهاً بغير حجة ولا برهان: ) أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً (. (الأنعام 81). لأنه المحيط بكل الكائنات علماً فقام الدليل على
أنه الرب: ) وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون ( . (الأنعام 80) ولأن كل ما في الكون طائع له فقام الدليل أنه
الإله الحق قال تعالى: ) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه
الباطل وأن الله هو العلي الكبير ( (لقمان 30).
فاستفتح الخليل u محاجته بأسلوب يتسم
بشيء من الشدة والتوبيخ والاستنكار، مشعراً بأن قضية العقيدة فوق روابط الأبوة
والبنوة وفوق مشاعر الحلم والسماحة والمجاملة: ) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة
إني أراك وقومك في ضلال مبـين، وكذلك نُري إبراهيـم ملكوت السموات والأرض وليكون
من الموقنين…( . (الأنعام 74، 75) ففي مضمون هذه الآيات إشارة إلى فضيلة صفاء
الفطرة التي أخبرنا عنها r عن ربّه تبارك وتعالى: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم
الشياطين فاجتالتهم عن دينهم- أي: استَخَفّوهم فذهبوا بهم في الباطل- وحَرّمَتْ
عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرَتْهُم أن يشركوا بِى ما لم أنزل به سلطاناً) الحديث ([37]).
يستدل إبراهيم u على إثبات ألوهية الله تعالى وربوبيته من خلال
ثلاث صفات: (البقاء والدوام والعظمة) مستدلاً على ذلك بأقرب شيء إلى الأنظار
يُشاهَد على الدوام.
وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في محاجة
الخليل u: ) فلما جنَّ عليه الليل رأىكوكباً قال هذا ربي
فلما أفل قال لا أحب الأفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن
لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر
فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون…( . (الأنعام 76- 78) ([38])
فمن ذا يَرْعى أو يدبر أمر الكون إذا كان الرب يغيب ؟ ومثل هذا الكواكب إذا كانت
بنورها وبزوغها وضخامتها وعلوها...فكيف بالأصنام.؟ فقام الدليل على وجوب بطلان هذه
الآلهة.([39]).
فصدع الخليل u بالحق وأشعرهم بالعجز والاستعانة والافتقار
إلى الله للهداية إلى سـواء السبيل بقـوله: ) لئن لم يهـدني ربي لأكونن من القوم الضالين ( (الأنعام 77). وبقوله: ) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً
وما أنا من المشركين (. (الأنعام 79).
ذكر الألوسي أن السر في استدلال إبراهيم u بالنجوم أن القوم
كانوا منجمين- والاحتجاج عليهم من واقع معرفتهم وإدراكهم أقوى إلزاما للحجة- وإنما
كان يناظرهم على طريقتهم ليبين لهم أن النجوم تقوى وتضعف حسب وقت مطلعها وأفولها،
فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى
النقصان، والكواكب باستحالتها إلى القوة تارة والضعف أخرى ناقصة التأثير عاجـزة
التدبـير، مسخرة لا تملك لنفسها تصرفاً ومثل هذه لا تصلح للإلهية ([40]).
لكن الأمر انعكس لانتكاس عقولهم فلجئوا إلى
الدفاع عن الآلهة بالتهديد والتخويف من بطشها: ) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا
أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون، وكيف
أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشـركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي
الفريقـين أحــق بالأمــن إن كنتم تعلمون..( (الأنعام 80، 81).حيث يستحقوا أن يتوجوا بتاج
العز والكرامة الإلهية، لأنهم: ) الذين آمنوا ولم يَلْبِسُوا إيمانهم بظلم أولئك
لهم الأمن وهم مهتــدون ( (الأنعام 82). ([41])
في الدنيا بالهداية والتوفيق للحجج والبراهـين، وفي الآخرة: )لا يحزنهم الفزع
الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون( (الأنبياء 103).
وختاماً يمتنُّ الله على الخليل u بمنّةِ العون غلى
الدعوة وعلى غيرها فيقول: ) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات
من نشاء إنّ ربك حكيم عليم ( (الأنعام 83). فعندما تصدق النية ويخلص الإخلاص
يأتي التأييد الرباني والإلهام الإلهي ليفتح للعبد أنواع أبواب الدعوة وطرائقها.
المطلب الثالث: (اســــتثارة الخصـم)
سـدت
أبواب المخارجة في وجه القوم فلجأ إبراهيم u وهو يبصرهم بطريق الحق- شأن الداعية الحكيم -
إلى استثارتهم واستفزازهم ليستيقظوا لمناقشته ومناظرته مرة بعد مرة حتى تتضح
القضية الملتبسة التي من أجلها ثار الجدال والنزاع، كما فعل موسى u مع فرعون عندما ذكّره بربوبية الله بقوله: ) وأهديك إلى ربك فتخشى ( (النازعات 19). ليظهر ما يجول في الخاطر من حق
أو باطل: ) قـد جاءكـم بصـائر مـن ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ( (الأنعام 104).
فأثارهم أولا عمليّاً ليراجعوا أنفسهم فحطم
أصنامهم: ) فجعلهم جذاذاً إلا كبيرا لهم ( (الأنبياء 58) خَلْقاً ومنزلة، وعلق الفأس في
عنقه أو جعله في يده ليحتج به عليهم فيبكتهم كيف تقع هذه الفاجعة وكبير الآلهة
حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة ؟ أو كما قال ابن كثير: "ليعتقدوا أنه هو الذي
غار لنفسه وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها" ([42])
لأن من شأن المعبود أن يُرْجَع إليه في المهمات والملمات، ) لعلهم إليه يرجعون ( (الأنعام 58). ولكنهم إذا رجعوا إليه لم يجدوا
عنده خــبرا.
فبدلا من مراجعة أنفسهم، إذا هم يبحثون عمن
كسرها وفتك بها هذا الفتك المؤلم قائلين: ) من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا ســمعنا
فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ( (الأنبياء 59- 61). فلا زالوا مصرين على أنها
آلهة وهي جذاذٌ.
ثم أثارهم ثانية نظرياً، فاستفزهم بالكلام
وقهرهم، فاستولى عليهم الغضب وظهرت فيهم بوادر الانتقام فقالوا: ) ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ ( (الأنبياء 62).
فقابل إبراهيم u هذا الغضب بالتهكم والتعريض ليزيد من ثورتهم،
فيقيم الدليل عليهم على أكمل وجه ويقطع كل شبهة وحجة، فرد عليهم بالججة المسكتة
المفحمة: ) بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا
إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ( (الأنبياء 63- 65). فكيف تعبدون من يعجز عن
النطق ؟، فازدادوا خيــبة وقهراً ([43]).
ثم أثارهم ثالثاً ببيان زيف مبدئهم فسفه
أحلامهم وسب آلهتم، لعله في ذلك يكون واعظاً، فختم عليهم بهذه الخاتمة قائلاً: ) أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعـكم شيـئاً ولا
يضركــم أُفٍّ لكم ولما تعبـدون من دون الله أفلا تعقلون (. (الأنبياء 66، 67).
المطلب الرابع: (المعاريـض)
المعاريض: حمع معراض، من التعريض، وهو خلاف
التصريح من القول، وهو التورية بالشيء عن الشيء.
قال الراغب: "هو كلام له وجهان مِن صدق
وكذب، أو ظاهر وباطن، فيقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر، قال تعالى: ) ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به مِن خِطْبَة
النساء( (البقرة 235). ([44]).
لكن محل الجواز فيما يخلص من الظلم أو يحصل على
الحق، أما في إبطال الحق أو عكسه فلا يجوز.([45]).
وفي المعاريض مـن السعة ما يستغني بها الداعية
عن الاضطرار إلى الكذب، ولا ضـير في ذلك، ومن هذا ما ورد في سيرة الحبيب المصطفى e ([46])
وهذا من أساليب الدعوة إلى الله، ذلك لما يعايش
الداعية من الموانع والمضايقات وما يواجه من الصعاب والعقبات والمواقف الحرجة،
فكان لا بد له من سلاح يُقَدّر به للمواقف بما يناسبها، للخروج من المآزق إبقاء
على نفسه واستمرارا للدعوة لئلا يمسها مساس أهل الفوضى والريب، وقطعا لألسنة
المنافقين الذين يثيرون الشكوك والجدل والأكاذيب لتشويه صورتها، فلا بد للمسلم إن
ضاقت به ضائقة أن يكون حكيما في تصرفاته فَطِنَا لَبِقاً لطيفاً يعرف المداخل
والمخارج دون أن يلجأ إلى الكذب أو يحرج نفسه بإخباره خلاف الواقع.
لكن الخليل إبراهيم u عندما يختار أسلوب
التورية والتعريض كما حكى الله تعالى عنه بقوله: ) قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون( (الأنبياء 63). وبقولـه تعالى: ) فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم ((الصافات 88، 89) فليس ذلك خوفا على نفسه وإنما هو ضمان لاستمرارية
الدعوة وقطع شبههم وإقامة الدليل عليهم بإلزامهم الحجة تبكيتا لهم، وتنبيها على
فساد اعتقادهم بإثارتهم وإيقاظهم من غفلتهم، ليحملهم على التأمل في شأن آلهتهم،
رجاء الهداية والوصول إلى الحق، إذ أن شأن الآلهة عند القوم أعلى من حال أنفسهم،
فكيف تغفل النجوم عن إخبارهم عما سيحصل للآلهة من الفتك، فأوهمهم u أنه تفكر في
أحوالها من حيث الاتصال والتقابل الذي يدل- بزعمهم- على الحوادث وما يترتب عليها،
فأثبت لهم u بطلان تأثير النجوم
في هذا الكون كلياً، بالتالي ثبت عجز الآلهة رأسا ([47]).
فأخرج قوله: ) إني سقيم ( مخرج التعريض بما يوقعهم في الحيرة والاعتراف ببطلان ألوهية
الجمادا وأن نظرتهم في أمر النجوم فاسدة، وأن من لا يملك التحكم في نفسه فهو أعجز
من أن يتحكم في غيره، ليبطل بذلك مزاعمهم فأوهمهم من تلك الجهة لِيلقَمُوا حجرا. ([48]).
المبحث الثاني:
دراسة الآيات
المشتملة على أســاليب إبراهيم u العملية في الدعوة
(الآيات
المشتملة على أســاليب إبراهيم u العملية في الدعوة)
قال
الله: ) ووصــى بها إبراهيمُ بَنِيهِ ويعقوبُ...(. ( البقرة 132). وقال تعالى: ) وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهن قال إني
جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدى الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة
للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا
بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا،
ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا وجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة
لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهــم رســولا منهم
يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ( (البقرة 124- 129). وقال ) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان
حنيفا مسلما وما كان من المشركين(.(آل عمرن 67). وقال تعالى: )وما كان استغفار
إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه(.(التوبة 114). وقال U: ) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا.واجنبني
وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مـني ومن
عصاني فإنك غفور رحيم ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم
ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم
يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيئ في الأرض ولا في
السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إنّ ربي لسميع الدعاء رب
اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء، ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين
يوم يقوم الحـساب (.
(إبراهيم (35- 41). وقال: ) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا
يبصر ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك
صراطا سَوِيّا، يا أبت لا تعبدِ الشيطان إن الشيطانَ كان للرحمن عصيا، يا أبت إني
أخاف أن يمسَكَ عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم
لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّاً (. ( مريم 42- 45). وقال تعالى: ) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي، عسى
ألا أكون بدعاء ربي شقيا( (مريم 48). وقال تعالى: ) وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه
ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (. ( الأنبياء 71).
وقال: ) وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي
شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ( (الحج 26). وقال: ) رب هب لي حُكْماً وألحقني بالصالحين واجعل لي
لسان صدق فـى الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين
ولا تخزني يوم يبعثون ( (لشعراء 83- 87). وقال تعالى: ) وأنــذر عشــيرتك الأقربين (. ( الشعراء 214). وقال: ) أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء
رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ( (القصص 57)..وقال: ) وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم
خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا، إنّ الذين
تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا.فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا
له….( (العنكبوت 16، 17). وقال تعالى: ) فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو
العزيز الحكيـم ووهبنا له إسحاق ويعـقوب وجعلنا في ذريّته النبوة والكتاب ( (العنكبوت 26، 27) وقال تعال: ) فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون، ما لكم لا
تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين، فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله
خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيداً
فجعلناهم الأسفلين وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين، فبشرناه
بغلام حليم.فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا
ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما
وَتَلّهُ للجبين، ونا ديناه أن يا إبراهيم، قد صَدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزى
المحسنين، إنّ هذا لهو البلاء المبين، وفَدَيناه بِذِبْح عظيم (. (الصآفات 91- 107) وقال: ) وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَرَآءٌ مما
تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعـون (. (الزخرف 26- 28). وقال تعالى: ) وإبراهيم الذي وفى(.( النجم 37)..وقال تعالى: ) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ
قالوا لقومهم إنا بُرَءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وَبَدَا بيننا
وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه
لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك
المصير( (الممتحنة 4).
المبحث
الثاني: (أســاليب إبراهيم u العملية في الدعوة)
ويشتمل
على توطئة واثني عشر مطلبا كالتالي:
توطئة:
ويقصد
بالأساليب العملية التطبيق العملي والامتثال الشخصي الذي تتقعد به القواعد الراسخة
للدعوة ليقف الداعية على أصول قويـة متينة ثابتة، وإن التطبيق العملي له أثر كـبير
في نشر الدعوة إلى الله، كما أن العكس بالعكس، فمن نظر في تاريخ سلف الأمة وجد أن
دعوتها إلى الإسلام كانت بالتطبيق الصحيح، فلم ينتشر الإسلام على هذه المعمورة
بالسيف أو الرمح أو السهم قدر ما انتشر بالدعوة والقدوة الحسنة والتطبيق الصحيح
الكامل له، فكانت الأمة مثالاً يقتدى بها في تطبيق تعاليم الإسلام في صغير الأمور
وكبيرها، ولا يزال التطبيق العملي الصحيح للإسلام إلى يوم القيامة عاملا أساسيا من
عوامل الدعوة إلى الله بين الأفراد والجماعات على مختلف طبقاتهم وثقافاتهم.
ثم
خلف من بعدهم خلف شَوّهوا صورة الإسلام وتركوا تعاليمه وأوامره ونواهيه وارتكبوا
المخالفات، فأصبحوا بذلك سبباً للصدّ عن الدخول فى الإسلام، وكم ضر الإسلام أهله
بسبب التعديات والمخالفات.
المطلب
الأول: (القـــدوة)
القدوة:
كما قال الراغب: (هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره، إنْ حسناً
وإنْ قبيحاً، وإنْ ساراً وإنْ ضاراً، ولهـذا قال تعالى: ) لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ( (الأحزاب 21). فَوَصَفَها بالحسنة) ([49]).
ولقد
جعل الله تعالى الخليل إبراهيم u قدوة للسالكين
وإماما للدعوة والدعاة يقتدى به ويتبع أثره فى التوحيد وفى الأقوال والأفعال، كما
قال تعالى: ) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ( (الأنعام 90). ونوه في كتابه بذكره وشهد له
بقوله: ) وإبراهيم الذي وَفّى (. (النجم 37). ([50])
. ليكون له في أمر الدعوة قيادة دينية، فصار قدوة الناس وإمامهم في الخـير، وحصل
له الثناء الدائم، وذلك حين قيامه بما كلفه الله به حق قيام، قال تعالى: ) وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمـــات فأتمــهن
قال إني جاعلك للناس إماما… (. (البقرة 124).([51]).
وطلب من
الله تعالى استمرارية الإمامة من بعده وأن يكثر في الأمة المرشدين الذين يوجهـون
الناس إلى الخـير، قال تعالى علـى لسانه: )قال ومـن ذريـتي(
(البقرة 125).وقال: )
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب
والحكمة ويزكيهم ...(
(البقرة 129).
فكل نبي
أرسله الله أو كتاب أنزله مِن بَعد إبراهيم u فهو من آثار دعوته، كما قال تعالى: ) وجعـــلنا
في ذريته النبوة والكتاب…((العنكبوت 27). ([52]).ولكن
لمن يستحقها بالصلاح والإيمان، لا كما يدعي اليهود ومن كان على شاكلتهم ممن ظلموا
أنفسهم بمخالفة منهج الأنبياء والرسل.
يقول سيد
قطب: إن الظلم أنواع وألوان، ظلم النفس بالشرك، وظلم الناس بالبغي، والإمامة
الممنوعة على الظالمين تشمل كل معاني الإمامة، إمامة الرسالة وإمامة الخلافة
وإمامة الصلاة، وكل ما كان يشمله معانى الإمامة والقيادة، فالعدل بكل معانيه هو
أساس استحقاق الإمامة، والظلم بكل معانيه هو أساس الحرمان من الإمامة.
واليهود لا
يستحقون الإمامة والقيادة . لانحرافهم عن عقيدة جدهم إبراهيم u ونبذهم شريعة الله ولظلمهم وفسقهم وانتهاكهم لحرمات
الله، وكذلك من يسمون أنفسهم اليوم بـ(المسلمين) بما ظلموا وبعدوا عن طريق الله، وبما
نبذوا شريعة الله وراء ظهورهم، واستبدلوها بالقوانين الوضعية، ودعواهم الإسلام
وَهم مجانبون عنه دعوى كاذبة لا تقوم على أساس من عهد الله.
إن التصور
الإسلامي يقطع كل الصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل، ويسقط كل الروابط
والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة، فهو يفصل بين الولد والوالد والزوج والزوجة
إذا انقطع بينهما حبل العقيدة،.فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر، والذين آمنوا
من أهل الكتاب شيء، والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى- عليهم السلام- شيء
آخر ولا صلة بينهم جميعا ألبتة.
إن الأسرة
ليست آباء وأبناء وأحفادا، إنما هي هؤلاء حين تجمعهم عقيدة واحدة، وإن الأمة ليست
مجموعة أجيال متتابعة من جنس واحد معين، إنما هي مجموعة من المؤمنين مهما اختلفت
أجناسهم وأوطانهم وألوانهم، هذا هو التصور الإيماني الصحيح الذي ينبثق من خلال هذا
البيان الرباني في كتاب الله الكريم.([53]).
فمن انطوى
تحت لواء التوحيد فالخليل u قدوته في كمالات الخير لأنه القدوة في نصب أدلة
التوحيد ورفع أعلامها وخفض رايات الشرك، قال تعالى: )
إنّ إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ( (النحل 120)
([54])
لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا وثنيا، بعيدا عن الهوى والمطالب النفسية مستجمعا
شروط الكمال في نفسه: )
ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان
من المشركين (.(آل عمران 67).
لأن ملة
التوحيـد واحدة والدعـوة إليها منهج الأنبياء والمرسلين جميعا قال تعالى: {ولقـد
بعثنا في كل أمـة رسـولا أن اعبـدوا الله واجتنبوا الطاغوت (
(النحل 36).([55]).
ولذا أمر
الله محمدا e - مع علو درجته وعظيم منزلته- بأن يقتدي بأبيه
إبراهيم u مسـلكا ومنهجــا لاستقامتـه على الطريقــة، قال
تعالى: )ثم أوحيـنا إليك أن اتبـع ملة إبراهيم حنيفا وما كان
من المشـركين (
(النحل 123).
ومن
أمثلة هذا الاقتداء بالخليل u مسألة
الولاءوالبراء الذي هو أوثق عرى الإيمان ومن مقتضيات العقيدة ولوازمها، قال تعالى:
) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه…( (الممتحنة 4). ليكون ذلك شرعة ومنهاجا للأجيال
القادمة، حين تبرأ هو وقومه من الكفار قائلين: )إنا بُرَءآؤا منكم
ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكـم وَبَدَا بيننا وبينـكم العداوة والبغضاء أبـدا
حتى تؤمنـوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك مـن الله
من شـيء ربنا عليك توكلنـا وإليك أنبنا وإليك المصـير( (الممتحنة 4).([56]).وهذا
من دعاء إبراهيم u وأصحابه، وتعليم
للمؤمنين أن يقولوا هذا القول.
فلا مودة
ولا رابطة تربط بين المسلمين وبين الكفار مهما كانت الأسباب والظروف مع الاتكال
الكامل على الله تعالى، ولا اعتداد بهم أو بآلهتهم مهما كانت قرابة أو قربى، ولا
تنازل ولا تسامح في المباديء،وهذا هو الاقتداء الصحيح والأسوة الحسنة المأمور بها
فى الشريعة المحمدية، فمن خالف في هذه القاعدة الأساسية فإنه لا تنفعه قرابة أو
قربى ([57]).
المطلب
الثاني: (الليـن أولا ثم الشــدة)
لقد
كان الرفـق واللين محمودا في أكثر الأحوال، قال تعالى مُنَوّها بفضله: )اذهبا إلى فرعون إنه
طـغى فقــولا له قولا ليـنا لعله يتذكرُ أو يخشى( (طه (43، 44). وقال: ) ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ( (النحل 125). وقال e: (إن الرفق لا يكون
في شيء إلا زانه، ولا يُنـزع من شيء إلا شانه) وفي رواية عنه e: (من يحرم الرفق يحرم الخير) ([58])
ويقولe: (إنّ الله رفيق
يحب الرفق في الأمر كله) ([59]).
إلا
أن للين والرفق مواضع، وللشدة والقسوة مواضع، والداعية بمثابة طبيب يعالج الأمور
بمقتضى الحال والشأن، فيعطي كل إنسان مايناسبه من الدواء.
بالنظر إلى
اعتبار أن الرفق واللين له الصدارة والأسبقية، وأن الرأفة والرحمة المتضمنة لأرق
الألفاظ وأعذبها والتزام الأدب والوقار هو الأساس إلى سبيل الرشاد، ليبرز ذلك كله
في صورة المشفق الناصح الأمين الحريص على المصلحة، كما حكى الله عن الخليل وهو
يستميل أباه وقومه بأرق الألفـاظ وأعذبـها: )
يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا
سَوِيّا، يا أبت لا تعبدِ الشيطان إن الشيطانَ كان للرحمن عصيا، يا أبت إني أخاف
أن يمسَكَ عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً (. (مريم (42- 45).
فإذا وصل اللين
والرفق إلى طريق مسدود دون جدوى أو فائدة، فلا ما نع من مجانبـة الأدب أحيانا،
ليحس الإنسان بعظيم مرتكبه وكبير جرمه، كما حكى الله U عن الخليل uحين دعوته لأبيه
وقومه: ) وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال
مبين ( (الأنعام 74)([60]).
وقال تعالى عنه: ) يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني
عنك شيئاً((مريم
42).
قال القرطبي: إنها
أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه حيث يرميه بالضلال المبين الذي يدل على سفهه ([61])،
ويدل عليه ما حكى الله تعالى عنه في أسلوب الاحتقار: ) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم
لها عاكفون، قالوا وجدنا أباءنا لها عابدين(.(الأنبياء 52- 53)([62]).فلاحرمة
للقرابة ولا تسامح ولا مجاملة في أمر العقيدة، ولا يمكن أن يـطغى حـق الأبـوة على
حق الله: ) لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ( (الأنبياء 54).
فقد يقسو الإنسان أو
يستنكر على شخص لمنفعته على أن يكون ذلك درجات حسب الضرورة، فيبدأ بالأهم والأولى
والأنفع والأنجع والأنجح، كما أخبر الله بذلك عن الخليل u: ) وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم
خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا، إنّ الذين
تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا...(.( العنكبوت 16).
المطلب
الثالث: (البـداءة بالأهـم)
أحكام
الله تعالى كلها مهمـة، وإنما كان البداءة بالأهم منها ليكون ذلك طريقا لما بعده،
ولذا كان على رأسها تقوى الله تعالى الذي هو أساس الأعمال كلها والبداءة به طريق
إلى ما بعده، لأن الخشية ملاك الأمر كله فمن خشي الله أتى منه كل خير، ولأهميته
بدأ الخليل u
به قال U عنه: ) وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم
خير لكم إن كنتم تعلمون (.(العنكبوت 16).
ثم
ثنى بالأمن والأمان لأنه به تتحقق الخشية، بل لا يقل ضرورة وحاجة عن ضـرورة الغذاء
والكساء، ولا يستساغ طعام أو شراب، أوتطيب وتتأتى عبادة على وجههــا إذا فقد الأمن
والأمان، لذا كان في طليعة طلب الخليل u: )رب اجعل هذا البلد
ءامنا(.(إبراهيم
35). فإذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا، ولذا يمتن
الله به على قريش مقرونا بالغذاء فيقول: ) فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع
وآمنهم من خوف( (سورة قريش) ويقول: ) أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويُتخطف الناس
من حولهم ( (العنكبوت 67).
ولعظيم
مِنّة الأمن على العبد وكبير ضرورة الصحة والعافية عليه فإن الله تعالى سيوجه
سؤاله كما قال: ) ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ( (سورة التكاثر) قال الطبري: عن ابن عباس وابن
مسعود y الأمن والعافية
والصحة في الأبدان والأسماع والأبصار ([63])
ولقد استجاب الله دعوة الخليل إبراهيم u فجعله حرما آمنا، فلا يُختلى خلاه ولا يعضد شـوكه
ولا ينفر صيده ولا تحل لُقَطته إلا لمعَرِّف، قال تعالى: )أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء
رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون(
(القصص 57). وقال تعالى: )
إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات
بينات مقام إبراهيم ومن دخلـه كان آمنا(
(آل عمران 96، 97) ([64]).
فإذا تحقق اللازم حصل قيام الملزوم من تحقيق التوحيد
والقيام بواجب الطاعة والعبادة التي من أجلها خلق الإنسان ومن أجلِّها وأفضلها
إقامة الصلاة التي هي عماد الدين وصلة بين العبد وربّه، وما لأجله أسكن ذريته في
هذا الوادي الأجرد المقحط وتم بناء هذا البيت، فقال: )
واجنبني وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضلَلَن كثيرا من
الناس فمن تبعني فإنه مـني ومـن عصاني فإنك غفور رحيم، ربنا إني أسكنت من ذريتي
بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا لِيُقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي
إليهم وارزقهم من الثمرات...(
(إبراهيم 35- 37). ليكون ذلك عونا لهم على طاعة الله تعالى وذكره
وحسن عبادته وطـريقا لشكر نعم الله، فقال: )
لعلهم يشكرون ((إبراهيم 37).
فاستجاب الله تعالى دعاءه فقال: ) أولم نمكن
لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ( (القصص 57).
فلا يخلو بلد الله الحرام من اللحم ومن الفاكهة على مختلف فصول السنة.
وأخيرا يتضرع الخليل u إلى ربّه تبارك وتعالى بأن يجعل الله أعماله خالصة
لوجهه الكريم لارياء ولا سمعة فيها، وأن يقر عينيه في خاصة ذريته وأهل بيته
الأقربين بإصلاحهم فيقول: )
ربنا إنك تعلم ما نُخفي وما نُعلن وما يخفى على الله من شيء في
الأرض ولا في السماء، الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي
لسميع الدعاء(.(إبراهيم 38، 39) ([65])
والله أعلم وأحكم.
المطلب الرابع:
(الابـتـــداء بالأقــــربيـن)
إن للعبد حقا على نفسه وهو مقدم على من سواه ثم بعد
ذلك يأتي الابتداء بالأقربين ثم من يليهم حتى لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من
العطف والرأفة فيحابيهم في الإنذار والتخويف، كما قال الرازي: "إذا تشدد على
نفسه أولا ثم بالأقرب فالأقـرب ثانيا، لم يكن لأحـد فيه طعـن ألبتة وكان قـوله
أنفع وكلامه أنجع" ([66])
وهذا كان دأب السلف في الدعوة يبدءون بأنفسهم ثم من
يليهم لأن الاهتمام بشأن القربى وهدايتهم إلى الحق أجل وأولى، وتخصيصهم بالإنـذار
كما قال القرطبي: "لتنحسم أطماع عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على
الشرك وامتثـال لأمــر الله: )
وأنذر عشيرتك الأقربــين (
(الشعراء 214) ([67]).فإذا
حصل قبول وإذعان من القريب كانت استجابة البعيد أسرع، وبذلك تنـزاح كل عقبة قعود
في سبيله لتصفو له طريق الدعـوة
ويفسح أمامه مجال التحدي والمنازلة لكل معاند ومخاصم، ولذا بدأ الخليل u بدعوته بأقرب قريب وهو والده، قال تعالى حكاية عنه:
)
إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك
شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صـراطا سـويا، يا
أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمـن عصـيا، يا أبت إني أخاف أن يمسـك
عـذاب مـن الرحمن فتكون للشيطان ولياً (
(مريم 42- 45) ([68]).
المطلب
الخامس: (التحــدي)
لابد
من إثبات الحق وإعلائه ولابد من إبطال الباطل ودحضه، فإذا توقف الرفق واللين ولم
تنفع الشدة والقسوة، يأتي دور التحــدي والمبارزة لمنازلة الخصم وإفحامه وإلزامه
الحجة، وهو ما جرى للخليل إبراهيم u مع أبـيه وقــومه، حيث وقف العناد والمكابرة
في وجـه الأدلة والبراهين الواضحة فلا بد من تنحيته وإزالته ليأخذ الحق طريقه،
فنازلهم وتوعـدهم بكسر أصنامهم، ضاربا بذلك كل الاعتبارات الشخصية ووشايج القرابة
واعتبارات العشيرة عرض الحائط، متحديا بذلك أقوى قـوة مانعة، دفاعا عن دين الله
غير مبالٍ بنفسه، وصدر كلامه u بالقسم واليمين
بقوله: ) وتالله ( قسـم ويمـين، ) لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ( (الأنبياء 57).([69]).
المطلب السادس:
(تحطيـم الأصنــام)
إن التطبيق
العملي في الدعوة من أبرز سمات الداعية، قال صلي الله عليه وسلم: (من رأى منكم
منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه) ([70])
وإن من تلك الصور التطبيقية التي نقلها القرآن الكريم للأمة الإسلامية ما ذكره عن
الخليل إبراهيم u وهو يتعرض بكل قوة
وبسالة لأعز شيء وأكرمه عند قومه آلهتهم، فبين زيفها وأبطلها فكسرها، فَعَلَ ذلك
وهو واثق بالله مُوَطِّن نفسه على مقاساة المكاره وتحمل الشدائد في سبيل الله
والذب عن دين الله غير مبالٍ بنفسه، فتحـدى الطغاة الجبابرة فلم يهب بطشهم
وجبروتهم في إبلاغ دين الله، فوقف أمام الأصنام قائلا: ) ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربـا
باليمــين، فأقبلــوا إليه يزفــون ( (الصافات 91- 94).
لقد تسامع
القوم بالخبر وعرفوا الفاعل، فأقبلوا بجمعهم الغاضب الهائج إليه يسرعون قائلين: ) من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا ســمعنا
فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشــهدون ( (الأنبياء 59).
تصور إبراهيم u بهذا الحدث العظيم
أنهم سيراجعون أنفسهم في أمر آلهتهم، ولكنهم لا زالوا مصرين على أنها آلهة وهي
جذاذ يبحثون عمن كسرها وفتك بها هذا الفتك المؤلم قائلين: ) قالوا أانت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم( (الأنبياء 62).
فواجه إبراهيم u هذا الحدث بشجاعة
وبسالة وبقوة إيمانية وثبات كالجبال الرواسـي التي لا تتـزعزع، فلم يخف الكثرة
الناقمة الغاضبة الهائجة المائجة، فرد عليهم مجيبا بالحق بكل طمأنينة وسكون ثابت
الفؤاد غير مبال أو مكترث بهم وجَهّلهم وسفّه أحلامهم، قائلا: ) أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون ( (الصآفات 91- 96). متوعدا وموبخا ومؤنبا لهم
ومنكرا عليهم قائلا: ) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين،
فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون ( (الأنبياء 57- 58).([71]).وقائـلا:
) بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا
إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علــمت ما هــؤلاء ينطقون ( (الأنبياء 63- 65). ولكن القوم آثروا العناد
والمكابرة فاندفعوا متهورين إلى الدفاع عن الباطل فواجههم بحقيقة فساد فعلهم موبخا
لهم ) قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما
تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ( (الأنبياء 66، 67)..فإذا كان الحال هكذا فيجب
الرحيل عن قوم لا يعقلون ولا يمـيزون.
المطلب
السابع: (الهجــرة)
قال
القرطبي: "الهجرة أقسام وأنواع منها: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام،
وكانت فرضا في أيام النبي e وهذه الهجرة باقية
مفروضة إلى يوم القيامة، فإن بقي في دار الحرب كان عاصيا.
ومنها:
الخروج من أرض البدعة، قال مالك: (فلا يحل البقاء بأرض يُسب فيها السلف).
ومنها:
الخروج من أرض غلب عليها الحرام، فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم.
ومنها:
الفرار من الأذية في الدين والبدن والمال والأهل؛ فإنّ حرمة مال المسلم وأهله
كحرمة دمه بل أشد وأوكد، وذلك فضل من الله رخص فيه ليخلصها من ذلك المحذور".([72]).
والهجرة
تعني إعلانا بمقاطعة حبل الولاية والنسب والقرابة وهجران في الاعتقاد والأبدان
ومفارقة الأوطان، ليتمـيز الصف الموحد من الصف المشرك، فيلحق من كان بين الكفار
بالركب المهاجر في سبيل الله الذين تركوا الركون إلى الدنيا وتجردوا لله وللدفاع
عن دينه، وهجروا في ذلك الأهل والمال والوطن.
وأول
من فعل هذه الهجرة إبراهيم u وذلك بعدما نفدت
الحيل مع أبيه وقومه وسدت سبل الدعوة فقال: ) إني مهاجــر إلى
ربي ( (العنكبوت 26). إذ لا خـير في البقاء مـع قوم
عدموا الخير.وأسبابه، وقالوا تقاسموا ابالله لنبيتنه وأهله : ) وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي
باركنا فيها للعالمين (. (الأنبياء 71)
فأمره
الله بالهجرة هو وابن أخيه لوط عليهما السلام بعيدا عن موطن الكفر والكافرين
والضلال والضالين فرارا بدينه وأهله فعوضه الله عن وطنه وقومه بـذرية تحــمل رسالة
الله إلى الأبـد، قال تعالى: ) فآمن له لوط وقال
إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته
النبوة والكتاب(.(العنكبوت 26، 27).
فيكفيه ذكرا وفخرا حيث جعل الله تعالى من ذريته سيد الأولين والآخرين وخاتم
النبيين والمرسلين، والرحمة المهداة والنعمة المسداة محمد e [73].
وهكـذا
من ترك شيئاً لله أذاقـه الله حـلاوة الإيمان وعوضـه بأحسـن وأفضل منها كما قال
الخليل u لقومـه: ) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي، عسى ألا أكون بدعاء ربي
شقيا ( (مريم 48).
المطلب
الثامن: (المفاصلـة والموادعــة)
إن
لم يكن إذعان للدعوة أو استجابة لرسل الله تعالى أو وقف العناد في وجه الدعوة
وبقيت المكابرة مركبا ذلولا لأهل الطغيان، أو انعدم حق الصلة والقرابة، فلا بد من
إعلان المفاصلة ولا بد من تنفيذ الموادعة، لتجد الدعوة أرضا خصبة تبذر فيها
بذورها، وذلك يتمثل في موقف إبراهيم u حين أعلنها صريحة: ) إني ذاهب إلى ربي سيهدين ( (الصافات 99).([74]).بعد
أن كذبه قومه وقد شاهدوا الآيات فتعصبوا للأصنام وَلاءً لها وانتقاما من أجلها،
لأن قضية التوحــيد فوق كل القضــايا وطلب العزلة حفاظا على دين الله أمر واجب: )وأعتزلكم وما تدعون
من دون الله وأدعو ربي، عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا( (مريم 48).([75])
وهذه
المفاصلة والموادعة إنما هي إفصاح عن الحب والبغض في الله وتحقيق لمبدأ الولاء
والبراء الذي أخبر الله عن خليله u بقوله: ) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة
وعدها إياه فلما تبين له أنه عـدو لله تبرأ منه((التوبة 114). ويؤكد هذا ما جاء في قوله تعالى: ) وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَرَآءٌ مما
تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ( (الزخرف 26- 28)([76]).
وكان
من نتيجة هذه المفاصلة والموادعة أن أكرم الله الخليل u فأبقى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) خالدة تالدة ثابتة واضحة لا
يتلبس بها الباطل باقية دائمة قائمة في ذريته، كما قال: ) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ( (الزخرف 26- 28). ولا يزال فيهم إلى الأبد من
يدعو إلى التوحيد كموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويحقق وصيته
التي وصا بها ذريـته وبنيه: ) ووصــى بها إبراهـــيمُ بَنِيهِ ويعقوبُ…( (البقرة 132) ([77]).
ومن
أجلها أمر الله الخليل u بإقامة معلم بارز لها ليبقى معلماً خالدا ورمـزا بارزا للحنيـفية
ليكون معقلا لأهل التوحيد ويبقى دويـه إلى الأبد فأمره بناء بيـته المطهر ويرفع هو
وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعده.
المطلب التاسع:
(المبادرة بامتثال أمر الله بنــاء البيـت)
بين
الله للخليل u
موضع بناء البيت وأرشده إليه، وأمره بأن يبنيه على اسمه وحده فهو بيت الله وحده
دون سواه، ولتوحيده أقيم هذا البيت منذ اللحظة الأولى. وبأمره يعظم ويقدس ويقصد
ويُحج ويُعتمر ويُطاف حوله، وبأمره يُطهر من الشرك والأصنام والأوثان والأرجــاس
والأنجاس قال U:
) وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين
والقائمين والركع السجود ( (الحج 26).([78]).
تتعاقب الأجيال على حجه، ويتنافس المسلمون في بلوغ رحابه، في جواره الخير والبركة
قال U:
) إنّ أول بيت وضـع للناس للـذي ببـكة مباركا وهـدى للعالمين، فيه آيات
بينات مقـام إبراهيـم ومن دخله كان آمنا( (آل عمران 96، 97).
أقيم
هذا البيت ليكون مركزا يتـجه إليه المسلمون كل يوم خمس مرات ليوثقوا الصلة بربّهم،
وليلتقي حوله جموع المسلمين من أقاصي الدنيا، يؤمه أهل الإيمان لأداء فريضة الله
وتجديد عهد الطهر والتحرر من عبودية الغير، وليمثل حلقة وصل تجذب العباد إلى الله
ليبقى دَوِيّ العبادة وذكر الله في أذهانهم قائما دائما، وليتذكروا على الدوام أن
جزاء التضحية والاخلاص لدين الله هو رفع درجات المحسنين المخلصين، وتخليد عمل
العاملين: ) وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من
مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين
والركع السجود ( (البقرة 125).([79]).
وليذكّرهم
بأن أداء العمل محـض إمتــثال، ومطلق القيام بالواجـب لا يستوجب الأجـر، قال
تعالى: ) وإذ يرفـع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل،
ربنا تقبل منا إنك أنت الســميع العليم( (البقرة 125- 127). بل لا بد في إتيان الطاعات من الابتهال
والتضرع في قبولها، ولا بد من الصبر والاحتساب على
الابتلاء
فإن الله تعالى لن يناله لحـومها ولا دماؤها ولا يريد تعذيب العباد أو قتلهم، ولـكن
يناله التقـوى والاستسـلام التام منكم في كل أمر ونهي
المطلب العاشر:
(المبادرة بامتثال أمر الله بذبح ابـنه)
إن كمال الإيمان
يستدعي مبادرة الامتثال وإن قوة اليقين يستلزم الصبر والثقة والثبات، وإن في سبيل
الحب الصحيح يرخص كل غال وثمين، فإذا خلد الله تعالى ذكر خليله u في العالمين ببناء
بيته الحرام، فكذلك رفع ذكره بمبادرته بامتثاله لأمر ربّه بذبح ابـنه وفلذة فـؤاده،
على حـين طلب الخليل u مـن ربّه على كبر
السـن وبرغبـة الفطـرة: ) رب هـب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم( (الصافات 100، 101).
فلما بلغ الغلام
مبلغ القوة والسـعي ليحمـل عن أبيـه بعـض متاعب الحياة ويعيـنه على أمـور ديـنه
ودنياه، ويحمـل عنـه العلم والحـكمة فإذا بالأب يقول: ) يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا
ترى( (الصافات 102).
أدرك الخليل u أنها إشارة من ربّه
تبارك وتعالى بالتضحية فلم يتردد أو يراجع نفسه أو يطلب التحقيق، فكيف أذبح إبني
الوحيد بمجرد رؤيا رأيتها علها تكون أضغاث أحلام ؟، فلم يخطر له إلا خاطر التسليم
والتنفيذ حتى وإن لم تكن وحيا صريحا، إلا أنها إشارة من رب السموات والأرض !.
تكفي هذه الإشارة
لأمثال الخليل u لينفذ أمر ربّه في
إيمان قوي راسخ، دون أن يسأل ربّه شأن المتعللين: لماذا، وكيف، ومــتى، وأين
أذبــح ؟!، ليشعر بذلك الأجيال القادمة مِن بعده بأن أوامر الله تنفذ حالا، فهـي
لا تقـبل التراجـعات النفسـية ووساوسها، ولا تحتمل التفــكير والتلـكؤ والتأني في
تنفيذها، فتلبـى كما لبى الخليل u أمر ربّه في غير
إزعاج ولا تضجر وتذمر، وتنفذ حكمه في كل أمر ونهي وفي كل محبوب ومكروه طوعا وإنابة
واستسلاماً بكل رضى وقبول وهدوء وطمأنينة ([80]).
وفي
مقابل ذلك- كما يقول سيد قطبب- : فهو u لا يندفع في عجلة وتهور ليخلص نفسه وينتهي منه
فورا حتى يريح أعصابه من ثقله، ولكن خاطب ابنه على سبيل الترحم والعطف والشفقة: ) يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك((الصافات 102). ذبحا إراديا يتولى تنفيذ هذه المهمة الشاقة- على
البشر- بيده دون أن يرسل وحيده في معركة أو يكلفه بأمر تنتهــي به حياتــه ولكن: )أني أذبحك (.
وفي
الوقت نفسه فهو u ليعرف مدى كمال
إيمان ابنه وقوته وصلابته، حتى يأخذه طاعة وإسلاماً فينال كامل أجر الطاعة، لا
يريد تنفيذ الأمر على غِـرّة دون أن يشير عليه، فيوطن نفسه ويثبت قدمه إن جزع
ويأمن عليه إن سلم، بل يعرض الأمر عليه ويطلب منه التروي والتريث، كالذي يعرض
المألوف من الأمر فيقول له: ) فانظر ماذا ترى( أي:
انظر ماذا تريني أياه من صبرك واحتمالك، أو ما تريك نفسك من الرأي.
فإذا
بالابن أعجب من أبيه !، فهو يريد أن يرتقـى كالأب إلى الكمال، فيبادله هذه الشفقة
الأبوية بالتوقير والتعظيم والتبجيل بكامل الود المعبر عن كمال الرضى بلفظ الأبوة
قائلا: ) يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (.(الصافات 102).امض لما أمرك الله به في تسليم من غير قلق ولا فزع
ولا فقدان وعي ورشد، فالأمر لا يقبل التردد والمشورة ([81]).
وإنها
لفتة قرآنية عظيمة نشاهدها من خلال هذا الموقف كما يصفها الألوسي بقوله: لم يتظاهر
إسماعيل u في تنفيذ المهمة
الشاقة بالطَولِ والجلادة والشجاعة والإقدام، بل علق الأمر بمشيئة الله استعانة
وتبركا وتواضعا وتأدبا مع الله، معترفا بضعفه مدركا حدود قدرته وطاقته في
الاحتمال، ليعينه على طاعته فقال: ) ستجدني إن شاء الله من الصابرين ( (الصافات 102) أي: من جملة الموفقين للصبر مع ما
فيه إغراء للأب على الصبر لِما يعلم من شفقته عليه من عِظم البلاء، حيث أشار إلى
أن لله عِبَاداً صابرين ([82]).
قال
U: ) فلما أسلما وَتَلّهُ للجبين، وناديناه أن يا
إبراهيم ( (الصافات 103، 104) ([83])
أي قد وقع العمل موقع الرضـى والقبول، ونتائجه قد ظهرت والغاية منه قد تحققت والله
لا يريد تعذيب عباده ولا يريد دماءهم ولا أجسادهم في شيء، فكانت النتيجـة: ) قد صَدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين، إنّ هذا
لهو البـــلاء المبــين، وفَدَينــاه بِذِبْـح عظيم ( (الصآفات 101- 107). فشرع الله الذبح والأضاحي
وإراقة الدماء تخليدا لذكرهما وتعظيما لأجرهما وشريعة يعمل بها إلى يوم القيامة، امتثالا
لأمر الله وإطعاما للبائس الفقير ([84]).
المطلب
الحادي عشر: (الدعاء والتضرع إلى الله)
الدعاء مخ
العبادة أو هو العبادة وسلاح المؤمن ووصله الذي يصله بجناب الله الذي لا تعجزه
المسائل، قال تعالى: )
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعى إذا دعان ( (البقرة
186). والله تعالى يعلم فطر عباده فأمرهم وحثهم على الدعاء ليبـثوا ما في صدروهم
فيريحوا أعصابهـم لتطمئن قلـوبهم بأنهم وَكّلُوا وفوضوا أمرهم إلى من هو أقوى
وأقدر منهم، قال تعالى: )
ادعوا ربكم تضرعا وخُفْيَة إنه لا يحــب المعتـدين ( (الأعراف
55). وقال تعالى: )
وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون
جهنم داخرين (
(غافر 60).
إن الدعوة
تستجاب ولكنها بحكمة الله تتحقق في أوانها، غير أن الناس يستعجلون !، وغير
المواصلين يملون ويقنطون، قال e: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب
لي) ([85]).
غير أن
الأنبياء والمرسلين أكثر الناس تضرعا إلى الله بالدعاء لا يقنطون ولا يملون،
يواصلون ولا يقطعون، يلحون ولا يفترون، أعظم الناس طمعا في نوال الله وفي طلـب
العون على أمور الدين والدنيا، كما حكى الله عن زكريا u: )وزكريا إذ نادى ربّه رب لا تذرني فردا وأنت خـيـر
الوارثــين (
(الأنبياء 89).فرزقه الله بعد (خمس وتسعين) سنة ([86]).
ولقد أدرك
الخليل u أهمية الدعاء ومكانته عند الله تعالى، فابتهل وتضرع إلى الله تعالى
امتثالاً لأمره وتعليما للعباد، وكرر النداء في دعائه وإنّ تكرار النداء له معنى
ومغزى، وقدم ما حقه التقديم في الدعاء فصدر دعواته بهذا النداء الجميل اللطيف حرصا
ومبالغة منه في الضراعــة والابتــهال فقال: )رب اجعل هذا البلد آمنا.....(
(إبراهيم 35). لأنه ترك تَرِكَتَهُ وأهله بهذا الوادي المقفر
المجدب الذي لا أنيس فيه، ثم قفل منطلقا فتبعته هاجر رحمة الله عليها قائلة: يا
إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ؟، قالت له مرارا، وجعل إبراهيم u من شدة الوجد والحزن لا يلتفت إليها فقالت له: آلله
أمرك بهذا ؟، قال: نعم. قالت في يقين وإيمان كامل: (إذا لا يضيعنا) ثم رجعت،
وانطلق u حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ورفع يديه
يناجي ربّه بعيدا عن عيون الناس بعيدا عن أسماعهم يخلص فيها لربّه، ويكشف له عما
في صدره، يبوح لحبيبه عما أصابه من اللأوى والحزن، يناجي ربّه في قرب واتصال: ) رب ( بلا واسطة
حتى ولا بحرف نداء، وإن ربّه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء، ولكن المكروب يستريح
ببيان ما في صدره ([87]).
فاستهل
طلبه بأمور عدة منها أن يجعل الله هذا البلد- المكان القفر الموحش - مستوطنا مؤنسا
معمورا محبوبا آمنا من القحط والجدب والغارات ومن الخوف فلا يرعب أهله حتـى
يتمكنوا من أداء العبادات فقال: ) رب اجعل هذا بلدا آمنا( (إبراهيم 35). فإذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان
لشيء من أمور الدين والدنيا.
ثم يسأله
وذريته غاية ما يُطلب في الدعاء وهو الثبات على التوحيد واجتناب الشرك فيقول: ) واجنبني
وبَنِيَّ أن نعبد الأصـنام، رب إنهن أضللن كثـيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن
عصاني فإنك غفور رحيم (
(إبرّهيم 35،، 36)([88]).
ثم يكرر
طلبه الذي لأجله أسكن ذريته بهذا الوادي بألطف الألفاظ وأحبها إلى الله طمعا فى
الاستجابة وطلبا لكفاية مؤنة الرزق وليكون ذلك عونا لهم على طاعة الله، لا سيما في
مثل هذا الوادي الجدب البَلْقَع الخالي من كل مرتفق ومرتزق، لما في السعي في حصوله
من الانشغال عن ذكر الله فيقول: )
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا
ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ((إبراهيم 37).
ولقد حقق
الله دعوته u، فإن الناس لا يزالون يحنون إلى زيارة البيت يبذلون
كل غال وثمين في سبيل الوصول إليه، ومن زاره مرة ازداد شوقا وحنينا إليه.
والأرزاق
تجبى إلى مكة بلطف الله ورحمته، حتى إنه ليجتمع فيه من كل أقطار العالم البواكير
من الفواكه المختلفة الأزمان والفصول في يوم واحد، كما قال تعالى: ) أو لم نمكن
لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا((القصص 57).
ثم يمضي
الخليل u في دعائه لله تعالى كحال الضعفاء متواضعا يطرح فقره وفاقته وحاجته ووجده
أمام ربّه على تَرِكَتِه وفراقه لأهله، مستسلما مسلما أمره إلى مولاه ما يغني عن
البيان والكلام، ويسأله معترفا بالعبودية والإخلاص، أن يجنبه الرياء والسمعة ويمن
عليه بالرضى، فيقول: )
ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض
ولا في السماء(
(إبراهيم 38).([89]).
وإن الشكر
على النعم على الدوام محمود وعند الحاجة والشوق أحمد وآكد، فيلهج لسانه u بالحمد والشكر على نعم الله الواصلة إليه شأن العبد
يحمد ربّه ويثني عليه بالثناء الجميل على نعمه العظيمة بما مَنّ عليه ورزقه من
الذرية الصالحة بعد الكبر وما أَجَلَّ الإنعام بها عند إحساس الفرد بقرب نهايته
وحاجته الفطرية إلى الإمتداد ببقاء ذِكره، فيقول: )
الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إنّ ربي لسميع
الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء، ربنا اغفر لي ولوالديّ
وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (
(إبراهيم 39- 41).([90]).
ثم يشعرنا
الخليل u من خلال بنائه للبيت تصور دوام النقص والعجز عن إتقان العمل، والافتقار
إلى رحمة الله في القبول، ليكون العبد بين الخوف والرجاء: )
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبّل منا إنك
أنت السميع العليم (
(البقرة 127).([91]).فهو
u في أجل الطاعات ولكنه مع ذلك يقدم في دعائه صيغة التفعيل المشعر بالتكلف
في القبول والتقصير في أداء العمــل وبالضمائر المؤكدة التي تفيد الحصر: ) تَقبّل منا إنك
أنت السميع العليم (
([92]).فغايتنا
من العمل هو تنفيذ أمرك، فكلل عملنا بالنجاح والقبول، وأرنا أثر ذلك في معالم
الحج، ليبقى ذكرا وذخرا لنا: )
ربنا وجعلنا مسلمين لك ومـن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا
وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم(
(البقرة 128)([93]).
وتكررت
مسألة الخليل u للذرية استشعارا
بالمسئولية واهتماما منه بشأنهم وصلاحهم، وهذا تعبير صادق عن التضامن الذي يدعو
إليه الإسلام وهو حب الخير لكل الناس، امتثالا لقول النبي r:
(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ([94]).وكما
أخبرنا الله عن عــباده المتقــين في قوله: ) والذين يقولون ربنا هـب لنا من أزواجــنا
وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما( (الفرقــان 74). وهذا القدر مرغوب فيه شرعا، فإن
من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يــحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا
شريك له.([95]).
ولذا حرص
الخليل وابنه عليهما السلام على أن يبقى هذا التوحيد بقية باقية في عقبهما، فدعا
الله: )
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب
والحكمة ويزكيهــم إنك أنت العزيــز الحكــيم (
(البقرة 129). فكانت بعثة هذا الرسول الكريم محمد r من ذريتهما بعد قرون مضت استجابة لدعوتهما كما يقول
e عن نفسه: (أنا دعوة إبراهيـم وبشارة عيسى..) الحديث ([96]).
قال
القرطبي: يقال إنه لم يدع نبيّ إلا لنفسه ولأمته، إلا إبراهيم u فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة.[97].
وينتهز إبراهيم
u فرصة اختلائه بـربّه متوجها مبتهلا مستزيدا مستكثرا من رب لا يمل ولا
يضجر، لا يطلـب دنيا أو صحـة في الأبـدان، ولكن يسأله ما هـو أعلى وأولى وأجـل
فيقـول: )
رب هـب لي حُكْماً وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق فى الآخرين
واجعلني من ورثة جنة النعيم( (الشـعراء 83) ([98])
.فاســتجاب الله دعاءه فقال: )
وتركنا عليه في الآخرين(
(الصافات 129). إذ ليس أحد يصلي على محمد e إلا وهو يصلي على إبراهيم u.([99]).
ثم ينتقل
القرآن الكريم فيصور لنا صورة نادرة من دعاء الخليل u تنبيء عن خوفه ووجله بأن يكون قد قصر في أداء العمل
مع بذله قصارى جهده في تبيلغ الرسالة وأداء الأمانة، وهذا هو شأن الأنبياء والرسل
عليهم الصلاة والسلام فهم على بذل غاية الجهد وتحمل كبير المشقة في تبليغ الرسالة
يخافون التقصير، كما أخبر الله عنهم بقوله: )وكأين من نبي قاتل معه رِبيُّونَ كثير فما وهنوا لما
أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم
إلا أن قالوا ربنا اغفرلنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على
القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين( .(آل عمران 0146، 147).
فيدعو
الخليل u ربّه خائفا وجلا مشفقا مستحيا، بأن يجيره من جميع خزي يوم القيامة
وهَوَانِه، وأن لا يفضحه على رؤوس الأشهاد بالعتاب إن هـو قصـر في تبيلغ الدعوة
وأداء الأمانة، فيقول: )
ولا تخزني يوم يبعثون(
(الشعراء 83).([100]).
المطلب
الثاني عشر: (دروس وعِـبر عَــبْرَ قصة الخليل u)
إنّ
في منهج إبراهيم u في الدعوة إلى الله
دروسا وتوجيهات، مشاهد وعبرا تحمل في طياتها أسرارا عميقة ومواقف ثابتة في الدعوة
والطاعة والاصطبار منها:
1-
إن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر وعِلْمِهم القليل المحدود.
2-
يجب على المؤمن أن يتوكل على الله في كل شئونه بحسن معاملته وتوثيق صلته ويصلح
الذي بينه وبين ربّه من أمره في السر والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله، فيكفيه
الله ما بينه وبين الناس.
3-
ما كان تحويل النار برداً وسلاماً على إبراهيم u إلا مثلا له نظائر في صور كثيرة، ولكنها قد
تهز مشاعر العبد كما هزت هذه الواقعة الرائعة والكرامة الإلهية، فكم من ضائقات
وكربات تحيط بالشخص من شأنها أن تكون القاصمة القاضية، وما هي إلا لحظات يسيرة
فإذا هي تُحْيِي ولا تُمِيت وتنعش وتعود بالخير، قال تعالى: ) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب
السيئات عني إنه لفرح فخور ( (هود 10). وفي الحديث عنه e أنه قال: (تجيء فتن
يرقّق بعضها بعضا فيقول المؤمن: هذه مُهْلِكَتي، ثم تنكشف ثم تجيء فتنة فيقول
المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف- وفي رواية- فيقول المؤمن: هذه هذه) ([101]).
4- ليكن في حسبان
الداعية أن طريقه محفوف بالمخاطر مفروش بالأشواك، ففي كل لحظة وساعة يتوقع وقوع
الخطر، وليكن أسوته الخليل إبراهيم u في ذلك، لا يثنيه تخويف المرجفين ولا يرده بطش
الجبارين.
5- إن من أسباب نجاح
الداعية عدم المبالاة بتعاظم الأخطار، كحال الخليل u فإنه لم ينزعج ولم
يضطرب مع أنه يعاين بعينيه ما ينظم له من الخطر وما يُنْصَبُ له من النكال.
روي أن الأسود بن
قيس ذا الحمار تنبأ في اليمن فبعث إلى أبي مسلم الخولاني، فلما جاء قال: أتشهد أني
رسول الله ؟، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟، قال: نعم، قال فردد
ذلك مرارا، فامر بِنَارٍ عظيمة فأججت ثم ألقي فيها فلم تضره، فأمره بالرحيل فأتى
المدينة وقد مات النبي e واستُخْلِف أبو بكر
t فقال عمر t لأبي بكر: الحمد
لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم ([102])
والأمثلة للمتأمل
المتعظ في هذا الباب كثيرة، نسأل الله أن ينير لنا الطريق ويبصرنا بالحق أينما كان
وكنا إنه جواد كريم.
هذا وقد صدق الإمام
مسلم t حين قال: لا يستطاع العلم براحـة الجسم ([103])
فإنني قد بذلت جهدا كبيرا في جمع وترتيب وتنسيق مادة هذا البحث القيم المبارك، ولا
أدعي العصمة والكمال، ولا عدمت أخا كريما فاضلا نصوحا ستيرا ستر الزلة وأســدى
النصيحة وأبدى الصواب، وأسأل الله العفو عن الزلات والصفح عن الهفوات، كما أسأل
المولى جل وعلا الإخلاص والأجر والمثوبة والنفع، وأن يجعله في ميزان حسنات والدي
إنه سميع قريب مجيب الدعوات رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا
محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين.
[2]) أحكام القرآن للقرطبي جـ6/211، روح المعاني للألوسي جـ2/153.
[3]) البرّهان في علوم
القرآن للزركشي جـ2/180.
[4]) البرّهان في علوم
القرآن للزركشي جـ2/181.
[5]) صحيح مسلم جـ1/74.
[6]) معجم مقاييس اللغة لابن فارس جـ (ن هـ ج).
[7]) الصحاح للجوهري جـ1/346، المعجم الوسيط لإبراهيم أنيس ورفاقه (957).
[8]) أحكام القرآن للقرطبي جـ6/211، روح المعاني للألوسي جـ2/153.
[9]) انظر مفردات ألفاظ القرآن للراغب (315، 316).
[11]) انظر جامع البيان
للطبري جـ14/190، وأحكام القرآن للقرطبي جـ10/197.
[13]) أحكام القرآن
للقرطــبي جـ2/86، 10/197، وفتح القدير للشوكاني جـ1/133، 3/202.
ويؤيد
هذا المعنى ما روي عن ابن مسعود t أنه قال: (يرحم
الله معاذا !، كان أمة قانتا، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، إنما ذكر الله عزوجل
بهذا إبراهيم u، فقال ابن مسعود:
إن الأمة الذي يعلم الناس الخير، وإنّ القانت هو المطيع، وهذا وجه حسن في الآية،
لأنه إذا كان يعلم الناس الخير فهو يُؤتم به معاني القرآن جـ4/111، والمراجع
السابقة.
فيستفاد
من هذا الحديث: أن كل من اتصف بهذه الصفات التي اتصف بها الخليل إبراهيم u فإنه يشمله هذا
الفضل العظيم، وأنه أهل ليكون داعيا إلى الله تعالى.
[14]) جامـع البيان للطـبري
جـ14/190، 191، وأحـــكام القـرآن للقرطـــبي جـ2/86، 10/197، 198، وفتح القدير للشوكاني جـ1/133، 3/202.
[15]) انظر جامع البيان
للطبري جـ14/190- 193، وأحكام القرآن للقرطبي جـ2/86، 133، 10/197، 198، وفتح القدير للشوكاني جـ1/133، 3/202.
[16]) وفي هذا يقول النبي r لأشج عبد القيس t: (إنّ فيك خصلتين
يحبهما الله: الحلم والأناءة).صحيح مسلم جـ1/48.
[17] )
انظر أحكام القرآن للقرطبي جـ8/275.
[18]) تفسير الكشاف
للزمخشري جـ3/17.
[19]) مفردات ألفاظ
القرآن للراغب (479).
[20]) أحكام القرآن
للقرطبي جـ1/233، 5/272، وفتح القدير للشوكاني جـ3/335.
[21]) جامع البيان للطبري
جـ17/45، وذكره القرطبي في أحكامه جـ5/400. قال e: (اتخذ الله إبراهيم خليلا: لإطعامه الطعام،
وإفشائه السلام، وصلاته بالليل والناس نيام) ذكره القرطبي في أحكامه جـ5/401. وفي
الحديث: (الرجل على دين خليله فلينظر أحـدكم مـن يُخالِل) أخرجـه أبو داود في سننه
جـ4/259، والترمذي في جامعه جـ7/49، قال المنذري: وقد ضعفه بعضهم ورجح بعضهم
إرساله مختصر سنن أبي داود جـ7/186،
وصححه النووي.في رياض الصالحين جـ1/287.
وانظر
تفسير الطبري جـ5/297، 17/45، أحكام القرآن للقرطبي جـ5/400، 401، 9/64- 68،
11/303، 17/44، 45، وفتح القدير للشوكاني جـ1/519، 5/87، تفسير ابن كثير جـ4/235،
روح المعاني للألوسي جـ9/11، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ6/3382.
والمنجنيق: آلة قديمة من آلات
الحِصار، كان يرمى بها الحجارة الثقيلة عن بعد على الأسوار فتهدمها المعجم الوسيط
(855).
[22]) صحيح مسلم
جـ4/1806.
[23]) صحيح مسلم
جـ4/1806. وانظر أحكام القرآن للقرطبي جـ9/64، 68، 17/44، 45، روح المعانــــي
للألوسي جـ5/250، 9/11، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ6/3382.
[24] )
تفسير ابن كثير جـ3/184.
[25]) انظر في ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2603.
[26] انظر تفسير ابن كثير جـ3/123.
[27] )
مفردات الراغب (419) والصحاح للجوهري جـ1/149، المعجم الوسيط (441).
[28] )
مفردات الراغب (572)، وانظر الصحاح للجوهري جـ4/1405.
[29] )
أحكام القرآن للقرطبي جـ11/111، فتح القدير للشوكاني جـ3/336، روح المعاني للألوسي
جـ6/96، في ظلال القرآن جـ4/2312.
[30] )
التعريفات للجرجاني (207).
[31] )
المباهلة والابتهال: هو الاجتهاد والتضرع في الدعاء باللعن، وذلك أن يجتمع القوم
إذا اختلفوا في شيء فيقـولوا: لعنـة الله على الظالم منا. معاني القـرآن للنحاس
جـ1/415، وانظر أحكام القرآن للقرطبي جـ4/104.
[32] )
انظر: أحكام القرآن للقرطبي جـ3/286.
[33] )
قال القرطبي: ذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم u لما وصف ربّه تعالى بما هو صفة له من الإحياء
والإماتة لكنه أَمْـرٌ له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم إلى الحقيقة، وفزع نمروذ إلى
المجاز. أحكامه جـ3/ 283- 286، وانظر تفسير الطبري جـ3/23، ومفردات الراغب (269)
روح المعاني للألوسي جـ3/15، في ظلال القرآن جـ1/297.
[34] )
يقال: بَهُتَ وبَهِتَ وبُهِتَ: إذا انقطع وسكت متحيراً، وبُهِت يُبْهَت بَهْتاً،
ويقال: بهتُّ الرجلَ إذا افتريت عليه كذباً. وقُريء: )فَبَهَتَ( بفتحهما يعني: سب
وقذف نمروذ إبراهيم u حين انقطع وفقد الحيلة كشأن المغلوب المخذول، وكونه وُصِف بصفة
الكفر للتسجيل عليه، والإشعار بأن تلك المحاجة كُفْرٌ.أحكام القرآن للقرطبي
جـ3/286.وانظر: تفسير الطبري جـ3/25.
[35] )
كما فعل فرعون مع موسى u عندما حاجه، فقال
فرعون: )إن
رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون(
الشعراء (27).
[36]) تفسير الطبري جـ3/25، أحكام القرآن للقرطبي جـ3/286.
[37]) صحيح مسلم جـ4/2197).وانظر روح المعاني للألوسي جـ3/198.
[38]) )بازغة( طالعة، يقال: بَزَغَ يَبْزُغ بزوغا إذا طلع، وأفل يأفِلُ أفولا
إذا غاب. أحكام القرآن للقرطبي جـ7/27، المعجم الوسيط (54).
[39]) أحكام القرآن للقرطبي جـ7/26، تفسير ابن كثير جـ2/151، 152
[40] )
انظر روح المعاني للألوسي جـ3 /203.
[41] )
روى الشيخان وغيرهما عن عبد الله t قال: لما نزلت {الذين آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهم
بِظُلم} شق ذلك على أصحاب رسول الله e، وقالوا: أيّنا لا يظلم نفسه ؟، قال رسول الله
e: (ليس هو كما تظنـون،.إنما
هو كما قال لقمان لابنه): )يا
بُنَيّ لا تُشْرِك بِالله إِنّ الشّركَ لَظُلمٌ عَظِيم(.(لقمان
13). صحيح البخاري جـ1/87، 6/389، 8/294،
ومسلم جـ1/114، جامع البيان للطبري جـ5/254.
[42] تفسير ابن كثير جـ3/182.
[43] )
تفسير الطبري جـ17/40، تفســير ابن كثــير جـ3/183، روح المعاني للألوسي جـ6/64،
في ظلال القرآن لسيد قطب جـ4/2386.
[44]) مفردات الراغب (560) وانظر الصحاح للجوهري جـ3/1087، الفتح
جـ12/175.
[45] )
عمدة القاري جـ22/218، وانظر الفتح جـ10/594، 595.
[46]) فقد روي أنه إذا أراد سفرا لغزوة وَرَّى بغيرها، ومثله قوله e لمن قال له في طريق
الهجرة: ممن الرجل ؟، (من ماء)، حيث أراد e ذكر مبدأ خلقه، ومثله أيضا قول الصديق t حينـما سـئل عـن
النــبي e فقـال: هـو هاد
يهـديـني، وغـير هذا كثير والله أعلم. صحيح البخاري جـ6/112، وروح المعاني للألوسي
جـ7/101.
[47] )
وانظر جامع البيان للطبري جـ17/40، أحكام القرآن للقرطبي جـ11/299، روح المعاني
للألوسي جـ6/64، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ4/2386. واستنبط بعض الفضلاء من جوابه u: )بل
فعله كبيرهم هذا(
أنه أشار إلى الصنم الأكبر، وورى بإبهامه الذي قبض به على الفأس، إذ لولاه لما
استطاع القبض على الفأس، لأن اليد بدونه ضعيفة النفع.
[48]) أحكام القرآن للقرطـبي جـ15/92، وتفسير ابن كثير جـ4/13، فتـح
القدير للشوكاني جـ4/401. ولقد صدق u فإن الإنسان يعـتريه السقم في المستقبل، أو
أنه قد فسد مزاجه وتغير حاله فإنه عرضة للسقم الآن، أو أراد أنه سقيم القلب لما
رأى من كفر قومه بالله، لأن هذا مما يؤدي إلى سقم القلب والروح والفكر.
وعن أبي
هريرة t أن رسول الله e قال: (لم يكذب
إبراهيم النبي u قط إلا ثلاث كذبات،
ثنتين في ذات الله قوله: {إني سقيم}
وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا}
وواحدة في شأن سارة...الحديث). رواه البخاري 6/388، ومسلم 4/1840.
ذكر
القرطبي عن ابن العربي: "قوله: ولم يعد (هذه أختي) في ذات الله وإن كان دفع
بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم u فيها حظ من صيانة فراشه وحماية أهله، لم
يجعلها في ذات الله؛ وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته إلا العمل الخالص من
شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجـع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله كما قال: )ألا لله الدين
الخالص(
الزمر (3) وهذا لو صدر منا لكان لله، ولكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا، وتسمية ذلك في
حديث الشفاعة في حقه u ذنبا لأنه كان منه
خـلاف الأولى، ولقـرب محلهـم واصطفائهم عُدَّ هذا ذنبا" والله أعلم. أحكام
القرآن للقرطبي جـ11/301، وانظر روح المعاني للألوسي جـ8 /101.
[49] ) مفردات ألفاظ
القرآن للراغب (76).
[50]) جامـع البيان للطـبري
جـ1/523، وأحكام القرآن للقرطبي جـ2/97، تفسير ابن كثير جـ1/164، في ظلال القرآن
لسيد قطب جـ1/112.
[51] ) وهذه الكلمات
قيل: هي خصال الفطرة العشر: (قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص
الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء- يعني الاستنجاء-
والمضمضة ) وقيل غير ذلك، انظر تفسير الطبري جـ1/523، 524، وأحكام القرآن للقرطبي
جـ2/97، فتح القدير للشوكاني جـ1/137، روح المعاني للألوسي جـ1/373، في ظلال
القرآن لسيد قطب جـ1/112.
[52] ) أحـكام القرآن
للقرطبي جـ2/107، تفسير ابن كثير جـ1/167.، روح المعاني للألوسي جـ1/376، 377، فتح
القدير للشوكاني جـ1/137، 138.
[53] ) في ظلال القرآن لسيد
قطب جـ1/112.
[54] ) روح المعاني
للألوسي جـ5/249، وقد سبق معنى الأمة في أول البحث.
[55] ) روح المعاني
للألوسي جـ5/251، فتح القدير للشوكاني جـ3/202، وقد سبق تفسير هذه الآيات في الفصل
الأول: (صفات إبراهيم u).
[56] ) قال القرطبي:
الآية نص فى الأمر بالاقتداء بإبراهيم u في فعله، وذلك يصحح أن شرع مَن قبلنا شرع لنا
فيما أخبر الله ورسوله.أحكام القرآن للقرطبي جـ18/56.
[57] ) في ظلال القرآن
لسيد قطب جـ6/3542، وانظر: أحكام القرآن للقرطبي جـ18/56، تفسير ابن كثير جـ4/348،
روح المعاني للألوسي جـ10/69.
[58]) صحيح مسلم جـ4/2003.
[59]) صحيح البخاري جـ12/280.
[60] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ7/22.
[61] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ7/22.
[62] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ7/22، جـ11/111، 296جـ13/335، وانـظر: في ظلال القرآن لسيد قطب
جـ4/2311، 2385.
[63] )
جامع البيان للطبري جـ30/285، وانظر فتح القدير للشوكاني جـ5/490.
[64] ) قال الشوكاني:
أما الآية التي في البقرة: )وإذ
قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا( أي:
مكة والمراد الدعاء لأهله من ذريته وغيرهم، كما يقال: عيشة راضية اي: راض صاحبها.
فتح القدير جـ1/141.
[65] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ13/335، روح المعاني للألوسي جـ7/144، فتح القدير للشوكاني جـ4/196، في
ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2728.
[66] ) تفسير الفخر
الرازي جـ24/172.
[67] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ13/143، وانظر تفسير الكشاف للزمخشري جـ3/328.
[68] ) تفسير هذه الآيات
في موضوع: (برره بأبيه).
[69] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ11/297، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ4/2386.
[71] ) روي أنه كان لهم كل سنة يوم عيد يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم u: لو خرجت معنا إلى
عيدنا أعجبك ديننا، وكان قد أضمر في نفسه تنفيذ خطة فاحتال عليهم في التخلف عنهم
بقوله: )إني
سقيم( فلم يخرج معهم، فانتهز فرصة ذهابهم فدخل بيت الأصنام وهي مصطفة
فكسر الكل بالفأس ولم يبق إلا كبير الآلهة شأنا وهيكلا ، فعلق الفأس في عنقه أو في
يده ليبكتهم بقيام الححجة عليهم لأنهم إذا رجعوا ووجدوا ما حصل لآلهتهم فإنهم حتما
سيتجهون إلى الصنم الكبير فيسألوه عن الكاسر.أحكام القرآن للقرطبي جـ15/94- 96،
تفسير ابن كثير جـ4/13، روح المعاني للألوسي جـ8/123، 124، فتح القدير للشوكاني
جـ4/402، في ظلال القرآن لسيد قطب جـ5/2992، 2993.
[72] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ5/349، 350.، جـ15/97.
[73] ) انظر أحكام
القرآن للقرطــبي جـ11/305، 13/339، فتح القدير للشــوكاني جـ4/199، في ظلال
القرآن لسيد قطب جـ4/2388، 5/2732.
روي
أنه u خرج من العراق ومعه
لوط وسارة بنت عمه هاران الأكبر، وقد كانا مؤمنين به u يلتمس الفرار
بدينه، فنـزل حران، فمكث بها ما شاء الله، ثم قدم مصر، ثم خرج إلى الشام فنزل
السبع من أرض فلسطين، ونزل لوط بالمؤتكفة .روح المعاني للألوسي جـ6/70.
[74] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ15/97، وفتح القدير للشوكاني جـ4/403، روح المعاني للألوسي جـ8/126، في
طلال القرآن لسيد قطب جـ5/2994.
[75] ) )عسى( هذه موجبة لا محالة فإنه u سيد الأنبياء بعد نبينا محمد e، ولكنه u صدر بها لإظهار التواضع
ومراعاة حسن الأدب، والتنبيه على حقيقة الحق من أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل
منه عز وجل، لا بطريق الوجوب وأن العبرة بالخاتمة، وذلك لا يعلمه إلا الله. تفسير
ابن كثير جـ3/124، فتح القدير للشوكاني جـ3/336، روح المعاني للألوسي جـ6/102.
[76] ) تفسير ابن كثير
جـ2/393، فتح القدير للشوكاني جـ2/410.
[77] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ16/76، وفتح القدير للشوكاني جـ4/553.
[78]) راجع أحكام القرآن
للقرطبي جـ12/36، فتح القدير للشوكاني جـ3/447، روح المعاني للألوسي جـ6/142، في
ظلال القرآن لسيد قطب جـ4/2418.
[79] ) انظر أحكام القرآن
للقرطبي جـ2/110- 120، روح المعاني للألوسي جـ1/378- 385، في ظلال القرآن لسيد قطب
جـ1/113.
[80] ) جامع البيان
للطبري جـ23/76- 81، تفسير الكشاف للزمخشري جـ4/52، أحكام القرآن للقرطبي جـ15/97-
107، تفسير ابن كثير جـ4/15، 16، فتح القدير للشوكاني جـ4/403، روح المعاني
للألوسي جـ8/127- 132، في ظلال القرآن لسيد قطب
جـ5/2994.
[81] ) في ظلال القرآن
لسيد قطب جـ5/2994، وانظر تفسير الكشاف للزمخشري جـ4/52، أحكام القرآن للقرطبي
جـ15/97- 107، فتح القدير للشوكاني جـ4/403.
[82] ) روح المعاني للألوسي جـ8/129.، وفرق بين قول
إسماعيـل u وبين قول موسى u: )ستجدني
إن شاء الله صابرا( فلم
يوفق موسى u للصبر لأنه لم يسلك
هذا المسلك من التواضع في قوله: )ستجدني
إن شاء الله صابرا( حيث لم ينظم نفسه الكريمة في سلك الصابرين، بل أخرج الكلام على وَجْهٍ
لا يُشْعِرُ بوجود صابر سواه، فلم يتيسر له الصبر، مع أنه لم يُهْمِل أمر الاستثناء.
[83] ) ومعنى قوله
تعالى: )تَلّهُ
للجبين( أي
صرعه على شقه فوقع أحد جنبيه على الأرض. تفسير الكشاف للزمخشري جـ4/52.
[84] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ15/97- 107، فتح القدير للشوكاني جـ4/403، روح المعاني للألوسي جـ8/127-
132
[85] ) أخرجه البخاري
جـ11/140.
[86] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ11/79.
[87]) في ظلال القرآن لسيد قطب
جـ1/113، 4/2108.
[88] ) ذكر ابن كثير عن
ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله e تلا قول إبراهيم u )رب
إنهن أضللن كثرا من النـاس( الآية (إبراهيم 36) وقول عيسى u )إن
تعذبهم فإنهم عبادك( الآية (المائدة 118).، ثم رفع يديه ثم قال: (اللهم أمتي اللهم أمتي اللهم
أمتي) وبكى، فقال الله: اذهب يا جبريل إلى محمد ورَبُكَ أعلم، وسله ما يبكيك ؟،
فأتاه جبريل u فسأله، فأخبرّه
رسول الله e ما قال، فقال الله:
اذهب إلى محمد، فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك. تفسيره جـ2/540.
[89]) فكأن لسان حال الخليل u يقول: اللهم إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا من
أنفسنا فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكن ندعوك لإظهار العبودية.
[90] ) سورة إبراهيم
(35- 41) وقرأ بعضهم: {ولِوَلدَيّ}
يعني أسماعيل وإسحاق.أحكام القرآن للقرطبي جـ9/375، وانظر روح المعاني للألوسي
جـ5/243، وفتح القدير للشوكاني جـ3/113
[91] ) وعن وهيب بن
الورد أنه إذا قرأ هذه الآية، ثم يبكى ويقول: يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت
الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك ؟، تفسير تفسير ابن كثير جـ1/175.
[92] ) كما حكى الله عن
المؤمنين بقوله: )والذين
يؤتون ما آتَوّا وقلوبهم وَجِلَة...( المؤمنون
(60)، أي: يعطون ما أعطوا من الصدقاًت والنفقات ويؤدون حقوق الله عليهم في
أموالهم، ومع ذلك فهم خائفون وجِلون أن لا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا
في القيام بشرط الإعطاء، عن عائشة رضى الله عنها في هذه الآية، قالت: يا رسول الله
هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟، قال: (لا يا ابنة الصديق،
ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله) وفي رواية: (وهم يخافون ألا يتقبل
منهم).تفسير ابن كثير جـ3/248.
[93] ) انظر جامع البيان
للطبري جـ1/553، 554، وذكر الألوسي: أن التوبة تختلف باختلاف التائبين: فتوبة سائر
المسلمين: الندم والعزم على ألا يعود، ورد المظالم إن أمكن ونية الرد إذا لم
يمكن.وتوبة الخواص: الرجوع عن المكروهات من خواطر السوء والفتور في الأعمال،
والإتيان بالعبادة على غير وجه الكمال.وتوبة خواص الخواص: لرفع الدرجات، والترقي
في المقامات، فتوبة إبراهيم وإسماعيل من القسم الأخير. روح المعاني للألوسي
جـ1/386.
وذكر القرطبي: أن المراد بالتوبة
هنا هو طلب التثببت والدوام وهذا وجه حسن، وأحسن منه: أنهما لما عرفا المناسك
وبنيا البيت، أرادا أن يُبيّنا للناس ويعرفاهم، أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان
التنصل من الذنوب وطلب التوبة. أحكامه جـ2/127، 130.
[94] ) صحيح مسلم
جـ1/67.
[95] ) تفسير ابن كثير
جـ1/183.
[96] ) أخرجه أحمد في
مسنده جـ 4/127. وانظر أحكام القرآن للقرطبي جـ2/131.
[97] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ2/126.
[98]) تفسير ابن كثير جـ3/338.ولِذِكْر
إبراهيم u في دعائه لفظ
(الوراثة) فوائد وأسرار منها: أنه تيمن واقتداء في الطلــب بقوله تعالى: )تلك
الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا( مريم (63). أي: نبقيها على من كان تقيا من ثمرة تقواه ونمتعه بها كما نبقي
على الوارث مال مورثه ونمتعه به، ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتخير في دعائه أحسن
الألفاظ أرقها وأعذبها وأشملها ويحسن في الطلب فإن الله لا يعجزه شيء.
زاد سيد قطب: فيه إشارة إلى أن
من أراد الوراثة فالطريق معروف: التوبة والإيمان والعمل الصالح، أما وراثة النسب
فلا تجدي، فقد ورث قوم نسب أولئك الأتقياء من النبيين وممن هدى الله واجتبى؛ لكنهم
أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فلم تنفعهم وراثة النسب قال تعالى: )فسوف
يلقون غيا(
سورة مرريم (59) في ظلال القرآن جـ4/2315.
[99] ) أحكام القرآن
للقرطبي جـ13/113.
[100] ) فتح القدير
للشوكاني جـ4/105، 106، روح المعاني للألوسي جـ7/98- 100، في ظلال القرآن لسيد قطب
جـ5/2603، 2604.
[101]) صحيح مسلم جـ3/1473، وابن ماجه جـ2/369.ومعنى (فتن يرقّق بعضها
بعضا): أي يصـير خفيفا لِمَا يعقبه، أو يُشَوّق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها.
النهاية في غريب الحديث لابن الأثير جـ2/253.
[102]) تهذيب التهذيب لابن حجر جـ12/236.
[103]) صحيح مسلم
جـ1/428.
المراجع والمصادر
1-
القرآن
الكريم.
2-
الأعلام
للزركلي دار العلم للملايين بيروت لبنان ط 12 1997 م.
1-
البرّهان
في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي ط2 تحقيق محمد أبو الفضل نشر دار المعرفة
بيروت.
2-
التعريفات
لعبد القاهر الجرجاني
3-
تفسير
القرآن العظيم لابن كثير نسخة مصححة على نسخة دار الكتب المصرية دار إحياء التراث
العربي بيروت 1388 هـ.
4-
تهذيب
التهذيب للحافظ أحمد بن ججر ، دار الفكر العربي، ط 1/ عن مطبعة دائرة المعارف
النظامية حيدر آباد الدكن هند.
5-
الجامع
لأحكام القرآن لمحمد بن أحمد القرطبي وزارة الثقافة نشر دار الكاتب العربي للطباعة
القاهرة 1387 هـ.
6-
جامع البيان لابن جرير الطبري ط 2 1373 هـ
مصطفى البابي
7-
روح
المعاني لمحمود الألوسي دار الفكر بيروت 1398 هـ.
8-
رياض
الصالحين للنووي
9-
سنن
بن ماجه ، محمد مصطفى الأعظمي، ط 1/1403، طبع شركة الطباعة العربية السعودية
الرياض.
10- سنن أبي داود مراجعة
وضبط محمد محي الدين عبد الحميد دار الفكر
11- الصحاح للجوهري
تحقيق احمد عبد الغفور عطار ط 2 1399 هـ القاهرة.
12- صحيح البخـــاري ضبط:
محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب المكتبة السلفية دار الفكر.
13- صحيح الجامع الصغير
للألباني المكتب الإسلامي تحقيق زهير الشاويش ط 3 1410 هـ.
14- صحيح مسلم ضبط محمد
فؤاد عبد الباقي مطبعة دار إحياء الكتب العربية.
15- فتح الباري شرح صحيح
البخاري لابن حجر المكتبة السلفية دار الفكر.
16- فتح القدير للشوكاني
دار الفكر ط 3 / 1393 هـ.
17- في ظلال القرآن لسيد
قطب دار الشروق القاهرة
18- مجموع الفتاًوى لابن
تيمية ط 1/ طبعة الملك فهد حفظه الله.
19- مختصر سنن أببي داود
للمنذري تحقيق محمد حامد فقي طبعة الملك خالد رحمه الله.
20- معاني القرآن للنحاس
طبعة جامعة أم القرى.
21- المعجم المفهرس
لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي
22- المعجم الوسيط لإبراهيم أنيس ورفاقه ط 2
23- معجم مقاييس اللغة
لابن فارس ط 1 1420 هـ دار الكتب العلمية بيروت.
24- تفسير الفخر الرازي
مفاتيح الغيب ط 1 1401 هـ دار الفكر.
25- مسند أحمد ترتيب
رياض عبد الله عبد الهادي ط 2 1414 هـ دار أحياء التراث العربي.
26- مفردات ألفاظ القرآن
للراغب تحقيق صفوان عدنان داوودي ط 2 1418 هـ دار القلم دمشق.