مسائل بلاغية ونقدية في شرح
السهيلي لسيرة ابن هشام
د. محمد
رفعت أحمد زنجير
الأستاذ
المساعد - جامعة عجمان للعلـوم والتكنولوجيا
كلية التربية والعلوم الأساسية/أبو ظبـي
ملخص البحث
إن دراسة السيرة النبوية لأسباب بلاغية وأدبية أمر لا نكاد
نجد له أثرا كبيرا في دراسات السابقين، وهذا الحكم لا يكاد يستثنى منه أحد، إلا أن
يكون الإمام أبو القاسم
عبد الرحمن بن أبي الحسن الخثعمي، السهيلي، صاحب كتاب: (الروض الأنف في تفسير
السيرة النبوية لابن هشام)، فإن كتابه قد احتوى نكاتا بلاغية، وقضايا أدبية،
ونقدية، وهي جديرة بالتدوين، لأن السهيلي من علماء الأندلس،
والمغاربة عموما لهم منهجهم ومذاقهم الأدبي والبلاغي الذي يختلف عن المشارقة إلى
حد ما، وفي الكتاب مادة لغوية وأدبية وبلاغية لا يستهان بها، كما أن السهيلي صاحب
حاسة فنية رفيعة، وهو يميل إلى تذوق النصوص وتحليلها خلال شرحه.
ولذلك قمت
بجمع تلك المادة العلمية المتعلقة بالبلاغة والنقد لدراستها في هذا البحث، وجعلته
مكونا من تمهيد وخمسة مباحث وخاتمة.
استعرضت في التمهيد حياة السهيلي ومنهجه في كتابه الروض
الأنف، وعرضت في المباحث الثلاثة الأولى
للمسائل المتعلقة بعلم المعاني والبيان والبديع، ثم تناولت في المبحث
الرابع طرفا من حديثه عن البلاغة القرآنية وإعجاز القرآن، والبيان النبوي، وخصصت
المبحث الخامس لذكر بعض القضايا النقدية التي عرض لها السهيلي، وخلصت في الخاتمة
إلى أن السهيلي بذل جهدا في الجانب البلاغي في شرحه لسيرة ابن هشام، ولكنه ابتعد
إلى حد كبير عن المصطلحات البلاغية المتشعبة، وهو يمتلك حس الناقد ومقوماته، وله
اعتداد بشخصيته العلمية، وفي شرحه للسيرة ذخر علمي وأدبي وبلاغي، لذلك أرى أنه
بحاجة إلى التحقيق العلمي وإخراجه من جديد.
* * *
مقدمــــة :
تعتبر دراسة السيرة النبوية أمرا غاية في الأهمية،
لأسباب دينية وتاريخية وإنسانية واجتماعية ونحو ذلك، بيد أن دراستها لأسباب بلاغية
وأدبية أمر لا نكاد نجد له أثرا كبيرا في دراسات السابقين، وذلك يعود إلى أن السنة
النبوية مدونة بكتب منهجية متخصصة، وقد اعتنى العلماء بشرح تلك الكتب، وتطرقوا في
ثنايا شروحهم لأمور أدبية وبلاغية، وأما دراسة السيرة ذاتها، وما تحتويه من مسائل
ونكات بلاغية فهو أمر عزف عنه معظم الأوائل الذين انصبت جل جهودهم على جمع السيرة
وتدوينها وتهذيبها، لا غير.
وهذا الحكم لا يكاد يستثنى منه أحد، إلا أن يكون الإمام
أبو القاسم
عبد الرحمن بن أبي الحسن الخثعمي، السهيلي، صاحب كتاب: (الروض الأنف في تفسير
السيرة النبوية لابن هشام)، فإن كتابه قد احتوى على نكات بلاغية، وقضايا أدبية،
ونقدية، وهي جديرة بالتدوين والاهتمام للأسباب التالية:
السبب الأول: أن السهيلي من علماء الأندلس، والمغاربة
عموما لهم منهجهم ومذاقهم الأدبي والبلاغي الذي يختلف عن المشارقة إلى حد ما.
السبب الثاني: أن في الكتاب مادة لغوية وأدبية وبلاغية
لا يستهان بها، وهي متنوعة وتشمل: الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والشعر
الجاهلي والإسلامي، والأمثال والقصص، واللغة والعروض والمآخذ على الشعراء وغير
ذلك.
السبب الثالث: أن السهيلي صاحب حاسة فنية رفيعة، وهو
يميل إلى تذوق النصوص وتحليلها خلال شرحه، وهذا ما نحتاجه للتحليل الأسلوبي والنقد
الأدبي.
ولذلك قمت
بجمع تلك المادة العلمية المتعلقة بالبلاغة والنقد، ثم اخترت نماذج منها لدراستها
في هذا البحث، وذلك لإبراز جهود السهيلي البلاغية والنقدية، فقد درج المؤرخون
والباحثون على اعتباره ضمن علماء اللغة، علما بأن لمحاته البلاغية تجعله ضمن علماء
البلاغة أيضا، ولعل هذه الدراسة تسهم في معرفة الخطوط العامة للتطور البلاغي بين
المشرق والمغرب عبر تاريخنا العريق، ولعلنا نخلص من خلال تلك المعرفة إلى إدراك
الصرح العلمي المعرفي لحضارتنا الإسلامية، وتكامل هذا الصرح عبر القرون الممتدة.
ولنأخذ من هذا كله قبسا مضيئا لكي نستمر في مسيرة تطوير وبناء علومنا العربية
والإسلامية في المستقبل المشرق بإذن الله.
وقد رأيت أن يكون هذا البحث مكونا من تمهيد وخمسة مباحث
وخاتمة.
* * *
تمهــــيد:
سنتناول في هذا التمهيد حياة المؤلف، ومنهجه في كتابه.
أولا: حيـــاة المؤلف
ليس
بين أيدينا ترجمة مسهبة للسهيلي، حيث إن أغلب كتب التراجم قد ترجمت
له بإيجاز، فهو
أبو
القاسم وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله بن الخطيب أبي عمر أحمد
الخثعمي([1])
السهيلي([2])،
حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير، ولد في مالقة([3])
سنة (581هـ)، وعمي وعمره (17) سنة، ونبغ، فاتصل بصاحب مراكش، فطلبه إليها وأكرمه،
فأقام يصنف كتبه إلى أن توفي بها يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان سنة
(581هـ)، وهو صاحب الأبيات التي مطلعها:
يا
من يرى ما في الضمير ويسمع أنت
المعـد لكل ما يتوقع
من
كتبه:
1-
الروض
الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام
2-
تفسير سيرة يوسف
3-
التعريف
والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام
4-
الإيضاح والتبيين لما أبهم من تفسير
الكتاب المبين
5-
نتائج الفكر
6-
مسألة رؤية الله في المنام ورؤية النبي
صلى الله عليه وسلم.
7-
مسألة السر في عور الدجال
وغيرها.
وقد
أثنى عليه المؤرخون، قال عنه
ابن خلكان: (وأشعاره كثيرة، وتصانيفه ممتعة)([4]).
ثانيا: المنهج العلمي للسهيلي
وضح
السهيلي سبب تصنيفه كتاب: (الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام)،
ومنهجه فيه، فقال في خطبة كتابه: "وبعد: فإني قد انتحيت في هذا الإملاء بعد
استخارة ذي الطول، والاستعانة بمن له القدرة والحول إلى إيضاح ما وقع في سيرة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، التي سبق إلى تأليفها أبو بكر محمد بن إسحاق المطلبي،
ولخصها عبد الملك بن هشام المعافري المصري النسابة النحوي، مما بلغني علمه، ويسر
لي فهمه، من لفظ غريب، أو إعراب غامض، أو كلام مستغلق، أو نسب عويص، أو موضع فقه
ينبغي التنبيه عليه، أو خبر ناقص يوجد السبيل إلى تتمته"([5]).
نلحظ من هذا المنهج عدم تنويهه بالبلاغة، بيد أنه خلال
شرحه عول عليها كثيرا، واستدرك بواسطتها على النحاة بعض الأمور، مما يمكن اعتبار
البلاغة إحدى مزايا شرحه، وإن لم يشر إليها صراحة في خطبة الكتاب.
المبحث الأول: مسائل علم المعاني
أولا: اختيار المفردات
اختيار
المفردات الملائمة للمعاني التي يتطلبها السياق حول موضوع ما أمر في غاية الأهمية،
وقد عبر عنه البلاغيون بفصاحة المفرد، وهي: "خلوصه من تنافر الحروف،
والغرابة، ومخالفة
القياس اللغوي"([6])، ولكن ربما كانت الكلمة
فصيحة، بيد أن هنالك ما يوائم المعنى أكثر منها، لذلك تقتضي البلاغة اختيار ما هو
أكثر مواءمة، كما في إيثار صيغة: )
لا
تحزن ( على (لا
تخف)،
يقول السهيلي: "فعندها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: )
لا تحزن إن الله معنا( (التوبة: 40)، ولم يقل لا تخف،
لأن حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم شغله عن خوفه على نفسه"([7])
ويوضح
السهيلي الفارق الدقيق بين مفردتين لهما نفس المعنى، بيد أن إحداهما أكثر اختصاصا
من الثانية، لذا يتطلب السياق استعمالها، كما هو بين كلمتي رسول ومرسل، يقول:
"بين الرسول والمرسل معنى دقيق، ينتفع به في فهم قول الله عز وجل: (وأرسلناك
للناس رسولا) (النساء: 79) فإنه لا يحسن في مثل هذا أن يقال : أرسلناك مرسلا، ولا
نبأناك تنبيئا، كما لا يحسن: ضربناك مضروبا، ولكشف هذا المعنى وإيضاحه موضع غير
هذا، واختصار القول فيه: أن ليس كل مرسل رسولا، فالرياح مرسلات، والحاصب مرسل،
وكذلك كل عذاب أرسله الله، وإنما الرسول اسم المبلغ عن المرسِل"([8]).
ويشير
إلى ضرورة التباعد بين الهمزتين في إذا جاءتا في كلمة واحدة لما في ذلك من التنافر،
وذلك بتقديم حرف ما عن موقعه، كما جاء في قول زيد بن عمرو:([9])
وقولا
له آأنت سويت هذه بلا وتد حتى اطمأنت
كما هيا
قال
السهيلي: "وقوله: اطمأنت كما هيا، وزنه افلعلت، لأن الميم أصلها أن تكون بعد
الألف، لأنه من تطامن أي: تطأطأ، وإنما قدموها لتباعد الهمزة التي هي عين الفعل من
همزة الوصل، فتكون أخف عليهم في اللفظ، كما فعلوا في أشياء قلبوها في قول الخليل
وسيبويه([10])
فرارا من تقارب الهمزتين"([11]).
وعرض
السهيلي إلى ذكر بعض مزايا البلاغة النبوية، من ذلك إشادته بدقة التعبير النبوي في
الدعاء، وتخيره للفظ الحسن في مخاطبة الخالق عز وجل، فقال في تعقيبه على حديث
الاستسقاء: "قوله عليه [الصلاة و] السلام: (اللهم حوالينا ولا علينا)([12])
كقوله في حديث آخر: (اللهم
منابت الشجر وبطون الأودية، وظهور الآكام)([13])، فلم يقل: اللهم
ارفعه عنا، هو من حسن الأدب في
الدعاء، لأنها رحمة الله، ونعمته المطلوبة منه، فكيف يطلب منه رفع نعمته،
وكشف رحمته؟ وإنما يسئل سبحانه كشف البلاء، والمزيد من النعماء، ففيه تعليم كيفية
الاستسقاء، وقال: (اللهم منابت الشجر)، ولم يقل: اصرفها
إلى منابت الشجر، لأن الرب تعالى أعلم بوجه اللطف، وطريق المصلحة، كان ذلك بمطر أو
بندى أو طل، أو كيف شاء، وكذلك بطون الأودية، والقدر الذي يحتاج من مائها"([14]).
ثانيا: الخبر والإنشاء
أشار السهيلي للخبر في تفسير سورة المسد، فقال في قوله
تعالى: (تبت
يدا أبي لهب وتب) (المسد: 1): "فسرت
أنه خبر من الله تعالى، وأن الكلام ليس على جهة الدعاء، كما قال تعالى: (قاتلهم
الله أنى يؤفكون) (التوبة: 30) أي إنهم أهل أن يقال لهم هذا، فـ(تبت يدا أبي لهب) (المسد: 1)
، ليس من باب: (قاتلهم الله)،
ولكنه خبر محض بأن قد خسر أهله وماله، واليدان آلة الكسب، وأهله وماله مما
كسب"([15]).
كما
أشار السهيلي إلى تضمن الخبر معنى الأمر، فقال: "وفي البخاري أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير)([16])...وهو
خبر يتضمن معنى الأمر أو الإغراء بالشيء، أو تركه"([17])، ومعلوم أن الأمر
هو من أقسام الإنشاء الطلبي.
وقد عرض السهيلي إلى موضوعات تتصل بالإنشاء منها:
1- الاستفهام
أشار
السهيلي إلى الاستفهام الإنكاري الذي يفيد العموم في قوله تعالى:(كيف
نكلم من كان في المهد صبيا)
(مريم:29)، فقال:
"اضطربوا في إعرابها، وتقديرها، لما كانت من بمعنى الذي، وجاء بكان على لفظ
الماضي، وفهمها الزجاج فأشار إلى أن من فيها طرف من معنى الشرط، ولذلك جاءت كان
بلفظ المضي بعده، فصار معنى الكلام: من يكن صبيا فكيف يكلم؟ لما أشارت إلى الصبي
أن كلموه، ولو قالوا: كيف نكلم من هو في المهد الآن، لكان الإنكار والتعجب مخصوصا
به، فلما قالوا كيف نكلم من كان صار الكلام أبلغ في الاحتجاج للعموم الداخل فيه"([18])
2-
النـــداء
تعرض
السهيلي للنداء، مبينا السر في التعبير بلفظ (يا بني إسرائيل) في بعض المواضع من
القرآن، وما في هذا التعبير من قيمة تربوية راشدة، تبعث على الإيمان، وتدعو إلى
الهدى، وتركه في مواضع أخرى، حيث يقتضي الحال استعمال صيغة أخرى تظهر كرم المنعم
وفضله، موضحا السبب في إيثار صيغة ما في موضع، وتركها في آخر، من بلاغة قرآنية تدل
على إعجاز الكتاب الحكيم، فقال: "(بنو
إسرائيل):
إسرائيل هم بنو يعقوب، وكان يسمى إسرائيل: أي سري الله، لكن لم يذكروا في القراءة
إلا إذا أضيفوا إلى إسرائيل، ولم يسموا فيه: بنو يعقوب، ومتى ذكر إبراهيم وإسحاق
ويعقوب لم يسم إسرائيل، وذلك لحكمة فرقانية، وهو أن القوم لما خوطبوا بعبادة الله،
وذكروا بدين أسلافهم موعظة لهم، وتنبيها من غفلتهم، سموا بالاسم الذي فيه تذكرة
بالله، فإن إسرائيل اسم مضاف إلى الله تعالى في التأويل، ألا ترى كيف نبه على هذا
المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا إلى الإسلام قوما يقال لهم بنو عبد
الله، فقال لهم: (يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم)([19])، يحرضهم بذلك على
ما يقتضيه اسمهم من العبودية لله، فكذلك قوله يا بني إسرائيل، إنما ورد في معرض
التذكرة لهم بدين أبيهم، وعبوديته لله، فكان ذكرهم بهذا الاسم أليق بمقام التذكرة
والتحريض من أن يقول لهم: يا بني يعقوب، ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره بإسحاق،
ثم يعقوب، كان لفظ يعقوب أولى بذلك المقام، لأنها موهبة بعقب أخرى، وبشرى عقب بها
بشرى، وإن كان اسم يعقوب عبرانيا، ولكن لفظه موافق للعربي في العقب والتعقيب،
فانظر مشاكلة الاسمين للمقامين، فإنه من باب النظر في إعجاز القرآن، وبلاغة
ألفاظه، وتنزيل الكلام في منازله اللائقة به"([20])
من
الجائز في النحو العربي وضع الجمع مكان المثنى أو المفرد([21])،
بيد أن السهيلي وجماعة من العلماء جوزوا وضع المثنى مكان المفرد أيضا، وبين
السهيلي السر البلاغي في هذا التعبير، فقال: "وقال الفرزدق:
عشية
سال المربدان كلاهما
وإنما
هو مربد البصرة، وقولهم: تسألني برامتين
سلجما
وإنما
هو رامة، وهذا كثير، وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة وبستان، فتسميها
جنتين في فصيح الكلام، إشعارا بأن لها وجهين، وأنك إذا دخلتها، ونظرت إليها يمينا
وشمالا رأيت من كلتا الناحيتين ما يملأ عينيك قرة، وصدرك مسرة، وفي التنزيل: )
لقد كان لسبأ في مكنهم آية جنتان عن يمين وشمال( (سبأ: 15) إلى قوله سبحانه: )وبدلناهم
بجنتيهم جنتين( (سبأ: 16)، وفيه: )جعلنا
لأحدهما جنتين( (الكهف: 32) الآية، وفي آخرها: )ودخل
جنته( (الكهف: 35) فأفرد بعدما ثنى، وهي هي([22])،
وقد حمل بعض العلماء على هذا المعنى قوله سبحانه: )ولمن
خاف مقام ربه جنتان( (الرحمن: 46) والقول في هذه الآية يتسع، والله المستعان"([23]).
رابعا:
وصف الجمع بالمفرد:
من
الجائز نحويا وصف الجمع بالمفرد في بعض الكلمات مثل: الرفيق والصديق والخليط التي
يستوي فيها المفرد والجمع،([24])،
بيد أن هذا الأسلوب يأتي أحيانا لغرض بلاغي لا يتأتى حصوله بغيره، يقول السهيلي:
"وقول عروة بن مسعود لقريش: (قد عرفتم أنكم والد)، أي كل واحد منكم كالوالد،
وقيل معناه: أنتم حي قد ولدني، لأنه كان لسبيعة بنت عبد شمس، وقد يجوز أن يقال في
الجماعة: هم لي صديـق وعدو، وفي التنزيل: )وحسن
أولئك رفيقا( (النساء :69)، فيفرد لأنه صفة لفريق وحزب، ويقبح أن تقول: قومك
ضاحك أو باك، وإنما يحسن هذا إذا وصفت بصديق ورفيق وعدو، لأنها صفة تصلح للفريق
والحزب، لأن العداوة والصداقة صفتان متضادتان، فإذا كان على أحدهما الفريق الواحد،
كان الآخر على ضدها، وكانت قلوب أحد الفريقين في تلك الصفة على قلب رجل واحد في
عرف العادة، فحسن الإفراد، وليس يلزم مثل هذا في القيام والقعود ونحوه، حتى يقال:
هم قاعد أو قائم،
كما يقال:
هم صديق،
لما قدمناه من الاتفاق والاختلاف" ([25]).
ويستطرد
السهيلي إلى ذكر بعض الآيات القرآنية التي جاء فيها وصف الجمع بالمفرد في موضع، واستعمال
صيغة الجمع في موضع آخر، مبينا السر في هذا الأسلوب، فيقول: "وأما قوله
تعالى: ) يخرجكم طفلا( (غافر: 67) بلفظ
الإفراد، وقال في موضع آخر: ) وإذا بلغ الأطفال
منكم الحلم ( (النور:59) فالأحسن في حكم البلاغة أن يعبر عن الأطفال الرضع
بالطفل في الواحد والجميع، لأنهم مع حدثان الولادة كالجنس الذي يقع على القليل
والكثير بلفظ واحد([26])،
ألا ترى أن بدء الخلق من طين، ثم مني، والمني جنس لا يتميز بعضه من بعض، فلذلك لا
يجمع، وكذلك الطين، ثم يكون الخلق علقا، وهو الدم، فيكون ذلك جنسا، ثم يخرجهم الله
طفلا، أي جنسا تاليا للعلق، والمني لا يكاد يتميز بعضهم من
بعض إلا عند آبائهم، فإذا كبروا وخالطوا الناس، وعرف الناس صورهم وبعضهم من بعض،
فصاروا كالرجال والفتيان قيل فيهم
حينئذ: أطفال، كما يقال: رجال وفتيان، ولا يعترض على هذا الأصل بالأجنة، أنهم
مغيبون في البطون، فلم يكونوا كالجنس الظاهر للعيون، كالماء والطين والعلق، وإنما
جمع جنين على أجنة، وحسن ذلك فيه، لأنه تبع للبطن الذي هو فيه" .([27])
ولا
ينسى السهيلي في تحليله للآيات القرآنية، بأن يستشهد بكلام العرب الأقحاح، الذين
هم معدن البلاغة، وموئل الفصاحة، لكي يؤكد صحة ما ذهب إليه من تحليل لوصف الجمع
بالمفرد في إحدى الآيات القرآنية، وعزوف البلاغة القرآنية عن ذلك في موضع آخر،
فيقول: "ويقوى هذا الغرض الذي صمدنا إليه في الطفل قول رجل من بني مجاعة لعمر
بن عبد العزيز، وقد سأله: هل بقي من كهول بني مجاعة أحد؟ قال نعم، وشكير كثير([28])،
فانظر كيف قال: الكهول وجمع، وقال في الصغار: شكير كما تقول حشيش، ونبات، فتفرد
لأنه جنس واحد، والطفل في معنى الشكير ماداموا رضعا، حتى يتميزوا بالأسماء والصور
عند الناس، فهذا حكم البلاغة، ومساق الفصاحة فافهمه"([29]).
خامسا: التناوب بين الأدوات
أشار
السهيلي إلى أن أساليب التعبير العربية تقتضي التناوب بالأدوات أحيانا، شريطة وجود
قرينة تدل على ذلك، فقال في تفسير سورة الكافرون: "فإن قيل: كيف قال )
ولا أنتم عابدون ما أعبد( (الكافرون: 3، 5) ولم يقل من أعبد؟، وقد قال أهل العربية إن ما
تقع على ما لا يعقل،
فكيف عبر بها عن الباري تعالى؟ فالجواب أنا قد ذكرنا فيما قبل أن ما قد تقع على من
يعقل بقرينة، فهذا
أوان ذكرها، وتلك القرينة الإبهام والمبالغة في التعظيم والتفخيم، وهي في معنى
الإبهام لأن من جلت عظمته، حتى خرجت عن الحصر، وعجزت الأفهام عن كنه ذاته، وجب أن
يقال فيه ما هو كقول العرب: سبحان ما سبح الرعد بحمده"([30]).
سادسا: وضع المضارع مكان الماضي
تقتضي
البلاغة أحيانا وضع صيغة المضارع مكان الماضي، وذلك إذا صحب المضارع من الأدوات ما
يحوله إلى الماضي، كـ: (ما) التي فيها معنى الشرط، يقول السهيلي في تفسير سورة
الكافرون: "وبقيت نكتة بديعة يتعين التنبيه عليها، وهو قوله تعالى: )
ولا أنا عابد ما عبدتم ( (الكافرون: 4) بلفظ الماضي، (ولا أنتم عابدون ما أعبد) (الكافرون:
3، 5) بلفظ المضارع في الآيتين جميعا، إذا أخبر عن نفسه قال: ما أعبد، ولم يقل: ما
عبدت، والنكتة في ذلك أن (ما) لما فيها من الإبهام، وإن كانت خبرية تعطي معنى
الشرط، فكأنه قال: مهما عبدتم شيئا، فإني لا أعبده، والشرط يحول المستقبل إلى لفظ
الماضي، تقول:
إذا قام زيد غدا فعلت
كذا، وإذا خرج زيد غدا خرجت"([31]).
التقديم
والتأخير أحد المباحث البلاغية المهمة، وقد عرض له السهيلي في مواضع
متعددة، منها عند قوله تعالى: ) وليس الذكر كالأنثى( (آل عمران: 36) حيث بين
أن الترتيب بحسب الأفضل في نظر الله للعبد، فقال: "فإن قيل: كان القياس في
الكلام أن يقال: وليس الأنثى كالذكر، لأنها دونه، فما باله بدأ بالذكر؟ والجواب أن
الأنثى إنما هي دون الذكر في نظر العبد لنفسه، لأنه يهوى ذكران البنين، وهم مع
الأموال زينة الحياة الدنيا، وأقرب إلى فتنة العبد، ونظر الرب للعبد خير من نظره
لنفسه، فليس الذكر كالأنثى على هذا، بل الأنثى أفضل في الموهبة([32])،
ألا تراه يقول سبحانه ) يهب لمن يشاء إناثا ( (الشورى: 49) فبدأ
بذكرهن قبل الذكور([33])،
وفي الحديث: (ابدؤوا بالإناث)([34])،
يعني في الرحمة وإدخال السرور على البنين، وفي الحديث أيضا: (من عال جاريتين دخلت
أنا وهو الجنة كهاتين)([35]) فترتب الكلام في
التنزيل على الأفضل في نظر الله للعبد، والله أعلم بما أراد"([36]).
وأشار
إلى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ) ندع أبناءنا وأبناءكم
ونساءنا ونساءكم( (آل عمران: 161)، مبينا ما في ترتيب الكلام من إعجاز، فقال:
"نكتة في قوله: )ندع
أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم( (آل عمران: 161) بدأ بالأبناء والنساء قبل الأنفس، والجواب أن أهل
التفسير قالوا أنفسنا وأنفسكم، أي ليدع بعضنا بعضا، وهذا نحو قوله )فسلموا على أنفسكم( (النور: 61) في أحد
القولين، أي يسلم بعضكم على بعض، فبدأ بذكر الأولاد الذين هم فلذ الأكباد، ثم
بالنساء اللاتي
جعل بيننا ويبنهم مودة ورحمة، ثم من وراءهم من دعاء بعضهم بعضا([37])،
لأن الإنسان لا يدعو نفسه، وانتظم الكلام على الأسلوب المعتاد في إعجاز
القرآن"([38]).
وهذا الترتيب من الأدنى إلى الأعلى، والبلاغيون يطلقون عليه مصطلح الترقي([39]).
وأشار السهيلي إلى تقديم الفاعل، وهو مضاف إلى ضمير
المفعول، وما في هذا التقديم من مأخذ عند علماء النحو بسبب خلل النظم في الجملة،
وذلك في قول
حسان يمدح مطعما:([40])
وبكى
عظيم المشعرين كليهـما على
الناس معروفا له ما تكلمـا
فلو
كان مجد يخلد الدهر واحدا من
الناس أبقى مجده اليوم مطعما
قال
السهيلي: "وهذا عند النحويين من أقبح الضرورة([41])،
لأنه قدم الفاعل، وهو مضاف إلى ضمير المفعول، فصار في الضرورة مثل قوله:([42])
* جزى
ربه عني عدي بن حاتم * "([43])
ولكن
السهيلي مع إقراره بالقاعدة النحوية، فهو لم يسلم للنحاة عيبهم على بيت حسان، لأن
هذا من وضع الظاهر موضع المضمر في مقام التعظيم([44])،
يقول مستدركا على النحاة: "غير أنه في هذا البيت أشبه قليلا، لتقدم ذكر مطعم،
فكأنه قال: أبقى مجد هذا المذكور المتقدم ذكره مطعما، ووضع الظاهر موضع المضمر،
كما لو قلت: إن زيدا ضربت جاريته زيدا، أي ضربت جاريته إياه، ولا بأس بمثل هذا،
ولا سيما إذا قصدت قصد التعظيم وتفخيم ذكر الممدوح، كما قال الشاعر:
وما
لي أن أكون أعيب يحيى ويحيى
طاهر الأثواب بر" ([45])
ويلتمس
السهيلي مسوغا آخر لصنيع حسان، مجوزا أن يكون مطعما منصوبا على البدل، للمفعول
الثاني المحذوف للفعل أبقى، يقول: "ويجوز نصبه عندي على البدل من قوله: وبكى
عظيم المشعرين، ويكون المفعول به من قوله: أبقى مجده محذوفا، فكأنه قال: أبقاه
مجده أبدا، والمفعول لا قبح في حذفه، إذا دل عليه الكلام كما في هذا البيت"([46]).
وعرض السهيلي إلى تقديم المفعول على فعل الأمر، وما في هذا
التقديم من فائدة، فقال في تفسير سورة المدثـر: "وقوله بعد هـذا ) وربك فكبر( (المدثر: 3) أي ربك كبر لا غيره، لا يكبر عليك شيء من أمر الخلق،
وفي تقديم المفعول على فعل الأمر إخلاص، ومثله قوله: (إياك نعبد)أي لا نعبد غيرك،
ولم يقل نعبدك ونستعينك، وفي الحديث: إذا قال العبـد : ) إياك نعبد، وإياك نستعين( (الفاتحة: 5)، يقول الله
تعالى: (أخلص لي عبدي العبادة، واستعانني عليها، فهذه بيني وبين عبدي)([47])"([48]).
والبلاغيون يعتبرون الصيغ السابقة في الآيات من باب القصر، ولم يشر السهيلي إلى
اصطلاحهم وإن كان قد فسر الآيات بما يوافق مفهوم القصر.
ثامنا: قيود الجملة
عرض
السهيلي إلى بعض القيود التي تعتري الجملة، مثل الاستثناء في قوله تعالى: )
لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين( (الفتح: 27)، قال مبينا
فائدة هذا الاسـتـثناء: "ويسأل عن قوله : )إن شاء الله آمنين( (الفتح: 27)، ما فائدة هذا الاستثناء؟ وهو خبر واجب؟، وفي
الجواب أقوال:
أحدها أنه راجع إلى قوله: (آمنين)،
لا إلى نفس الدخول، وهذا ضعيف لأن الوعد بالأمان قد اندرج في الوعد بالدخول.
الثاني أنه وعد على الجملة
والاستثناء راجع التفصيل، إذ لا يدري كل إنسان منهم هل يعيش إلى ذلك أم لا، فرجع
الشك إلى هذا المعنى، لا إلى الأمر الموعود به، وقد قيل إنما هو تعليم للعباد أن
يقولوا مثل هذه الكلمة ويستعملونها في كل فعل مستقبل، أعني:
إن شاء الله"([49]).
كما
عرض السهيلي إلى بعض أحكام الحال، والتنكير الذي يعتريها
بسبب التشبيه في بعض التراكيب، فقــال
تعقيبا على قول ابن لقيــم العبسي يوم خيبر: ([50])
فرت
يهود يوم ذلك في الوغا تحت
العجاج غمائم الأبصار
"وهو
بيت مشكل غير أن في بعض النسخ وهي قليلة عن ابن هشام، أنه قال: فرت: فتحت، من
قولك: فررت الدابة إذا فتحت فاها، وغمائم الأبصار هي مفعول فرت، وهي جفون أعينهم،
هذا قول، وقد يصح أن يكون فرت من الفرار، وغمائم الأبصار من صفة العجاج، وهو
الغبار، ونصبه على الحال من العجاج، وإن كان لفظه لفظ المعرفة عند من ليس بشاذ في
النحو، ولا ماهر في العربية، وأما عند أهل التحقيق فهو نكرة، لأنه لم يرد الغمائم
حقيقة، وإنما أراد مثل الغمائم، فهو مثل قول امرئ القيس:
*
بمنجرد قيد الأوابد هيكل *
فقيد
هنا نكرة، لأنه أراد مثل القيد، ولذلك نعت به منجردا، أو جعله في معنى مقيد، وكذلك
قول عبدة بن الطيب:
*تحية من غادرته غرض الندى *
فنصب
غرضا على الحال" ([51]).
ويستطرد
السهيلي إلى ذكر بعض النظائر لما سبق ذكره من أحكام الحال، فيعرض إلى بعض آيات من
القرآن وأمثال العرب وكلامها، فيقول: "وأصح الأقوال في قوله سبحانه: )
زهرة الحياة الدنيا( (طه: 131) أنه حال من المضمر المخفوض، لأنه أراد بالتشبيه بالزهرة
من النبات، ومن هذا النحو قولهم: جاء القوم الجمَّاء الغَفير، انتصب الحال، وفيه
الألف واللام، وهو من باب ما قدمناه من التشبيه، وذلك أن الجماء هي بيضة الحديد([52])تعرف
بالجماء والصلعاء، فإذا جعل معها المغفر، فهي غفير، فإذا قلت جاءوا
الجماء الغفير، فإنما أردت العموم والإحاطة بجميعهم، أي جاؤوا جيئة تشملهم
وتستوعبهم، كما تحيط البيضة الغفير بالرأس، فلما قصدوا معنى التشبيه دخل الكلام
الكثير كما تقدم، وكذلك قولهم: تفرقوا أيدي سبا، وأيادي سبا([53])،
أي مثل أيدي سبا، فحسنت فيه الحال لذلك، والذي قلناه في معنى الجفاء والغفير رواه
أبو حاتم عن أبي عبيدة، وكان علامة بكلام العرب" ([54]).
ويبين
ما فات سيبويه هنا حين ذهب إلى شذوذ كلمة الجماء لأنها معرفة، فيقول: "ولم
يقع سيبويه على هذا الغرض في معنى الجماء، فجعلها كلمة شاذة عن القياس، واعتقد
فيها التعريف، وقرنها بباب وحده([55])،
وفي باب وحده أسرار قد أمليناها في غير هذا الكتاب، ومسألة وحده تختص بباب وحده" ([56])
ويستطرد
السهيلي إلى تبيان كيفية تنكير الحال بسبب التشبيه، يقول: "وهذا الذي ذكرناه
من التنكير بسبب التشبيه، إنما يكون إذا شبهت الأول باسم مضاف، وكان التشبيه بصفة
متعدية إلى المضاف إليه، كقوله: قيد الأوابد، أي: مقيد الأوابد، ولو قلت مررت
امرأة القمر على التشبيه لم يجز، لأن الصفة التي وقع بها التشبيه غير متعدية إلى
القمر، فهذا شرط في هذه المسألة، ومما يحسن فيه التنكير وهو مضاف إلى معرفة: اتفاق
اللفظين، كقوله : له صوت صوت الحمار وزئير زئير الأسد، فإن قلت: فما بال الجماء
الغفير، جاز فيها الحال، وليست بمضافة؟ قلنا: لم تقل العرب: جاء القوم البيضة،
فيكون مثل ما قدمنا من قولك: مررت بهذا القمر، وإنما قالوا الجماء الغفير بالصفة
الجامعة بينها، وبين ما هي حال منه، وتلك الصفة: الجم، وهو الاستواء، والغفر، وهي
التغطية، فمعنى الكلام: جاؤوا جيئة مستوية لهم، موعبة لجمعهم، فقوي معنى التشبيه
بهذا الوصف، فدخل التنكير لذلك، وحسن النصب على الحال، وهي حال من المجيء"([57]).
وأشار
السهيلي مرة أخرى إلى أحكام الحال، مكررا بعض ما سبق،
وعارضا للخلاف بين الخليل وسيبويه في مسألة تنكير الحال ووصفها، ومؤيدا لمذهب
الخليل في هذه القضية، فقال تعقيبا على قول عباس بن مرداس: ([58])
فإن
يهدوا إلى الإسلام يلقوا أنوف
الناس ماسمر السمير
"أنوف
الناس: انتصب على الحال، لأنه نكرة لم يعرف بالإضافة، لأنه لم يرد الأنوف
بأعيانها، ولكن أشرافا، وهذا كقوله:
*
بمنجرد قيد الأوابد *
لأنه
جعله كالقيد، ومثل هذا ما ذكرناه من قبل في نصب: (غمائم الأبصار) وليس هذا من باب ما
منعه سيبويه حين قال معترضا على الخليل: لو قلت مررت بقصير الطويل، تريد مثل
الطويل لم يجز، والذي أراده الخليل هو ما ذكرناه في غير موضع من استعارة الكلمة
على جهة التشبيه، نحو قيد الأوابد، وأنوف الناس، تريد أشرافهم،
فمثال هذا يكون وصفا للنكرة، وحالا من المعرفة، وقد ألحق بهذا الباب: له
صوت صوت الحمار، على الصفة، وضعفه سيبويه في الحال، قال: وهو في الصفة أقبح، وإنما
ألحقه الخليل بما ينكر، وهو مضاف إلى معرفة من أجل تكرر اللفظ فيه، فحسن لذلك"([59]).
تاسعا:
القصر بواسطة ضمير الفصل
أطلق
السهيلي على القصر مصطلح الاختصاص، وهو مصطلح كان الشيخ عبد القاهر الجرجاني قد
استخدمه قبله([60])، وبين فائدته بالأسلوب منوها بما ذكره من قبله الشيخ عبد القاهر الجرجاني، فقال عند قوله
تعالى: ) إن شانئك هو الأبتر( (الكوثر: 3): "ولم يقل إن شانئك أبتر، يتضمن اختصاصه
بهذا الوصف، لأن هو في مثل هذا الموضع تعطي معنى الاختصاص، مثل أن يقول قائل: إن
زيدا فاسق، فلا يكون مخصوصا بهذا الوصف دون غيره، فإذا قلت إن زيدا هو الفاسق،
فمعناه هو الفاسق الذي زعمت، فدل على أن بالحضرة من يزعم غير ذلك، وهكذا قال
الجرجاني([61])
وغيره في تفسير هذه الآية أن هو تعطي الاختصاص"([62]).
عاشرا: الإيجاز
يكون
الإيجاز في البلاغة على قسمين: إيجاز قصر، وهو ما ليس بحذف، ومعناه كثير يزيد على لفظه،
وإيجاز بالحذف، ويكون المحذوف إما جزء من الجملة، أو جملة أو أكثر من جملة([63]).
وقد
عرض السهيلي لأضرب من الإيجاز،
مبتدئا بحذف الحروف التي يورث حذفها سهولة في نطق الكلمة أو الجملة، وبين جواز
حذف بعض الحروف، مثل لام الجر واللام الأخرى مع ألف الوصل في كلمة (لله)،
فقال عند ذكر قول رجل من حمير: ([64])
* لاه
من رأى مثل حسان قتيلا في سالف الأحقاب * : "وقوله: لاه
من رأى مثل حسان: أراد لله، وحذف لام الجر واللام الأخرى مع ألف الوصل، وهذا حذف
كثير، ولكنه جاز في هذا الاسم خاصة لكثرة دوره على الألسنة، مثل قول الفراء: (لهنك
من برق علي كريم) أراد والله إنك. وقال بعضهم: أراد لأنك، وأبدل الهمزة هاء، وهذا
بعيد، لأن اللام لا تجمع مع إن، إلا أن تؤخر اللام إلى الخبر، لأنهما حرفان
مؤكدان، وليس انقلاب الهمزة هاء بمزيل العلة المانعة من اجتماعهما"([65]).
وعرض
السهيلي إلى حذف لام القسم، فقال عند قول أبي الصلت بن ربيعة الثقفي، وتروى أيضا
لأمية ابن أبي الصلت:([66])
حتى
أتى ببني الأحرار يحملهم إنك عمري قد
أسرعت قلقالا
قال
السهيلي:([67])
"وقوله عمري: أراد لعمري، وقد قال الطائي:
عمري
لقد نصح الزمان وإنه لمن
العجائب ناصح لا يشفق "
وبين
السهيلي الحذف في كلمة أيش، وأصل هذه الكلمة، فقال: "تقول فلان أيش هو وابن
أيش، ومعناه أي شيء؟! أي: شيء عظيم، فكأنه أراد من آل قحطان، ومن المهاجرين
الذين يقال فيهم مثل هذا، كما تقول: هم وما هم؟ وزيد وما زيد؟ وأي شيء زيد، وأيش
في معنى أي شيء، كما يقال ويْلُُمِّه،
في معنى ويل أمه على الحذف لكثرة الاستعمال"([68]).
وأشار
السهيلي إلى حذف المنادى مع بقاء حرف النداء، وذلك عند قول زيد بن عمرو:([69])
فقلت
له يااذهب وهارون فادعوا إلى
الله فرعون الذي كان طاغيا
قال:
"ألا يا اذهب على حذف المنادى، كأنه قال: ألا يا هذا اذهب، كما قرئ: ) ألا يا اسجدوا( (النمل: 25)، يريد : يا قوم اسجدوا([70]).
وكما قال غيلان:([71])
* ألا
يا اسلمي يا دار ميٍٍّ
على البلى *"([72]).
وبين
فائدة حذف المفعـول به لما فيه من الإبـهام، وذلك في قولـه تعالى: )فاصدع بما تؤمر( (الحجر: 94)، فقال: "والمعنى: اصدع بالذي تؤمر به،
ولكنه لما عدي الفعل إلى الهاء حسن حذفها، وكان الحذف ههنا أحسن من ذكرها، لأن ما
فيها من الإبهام أكثر مما تقتضيه الذي، وقولهم : (ما)
مع الفعل بتأويل المصدر، راجع إلى معنى الذي إذا تأملته، وذلك أن (الذي)
تصلح في كل موضع تصلح فيه (ما)، التي يسمونها المصدرية، نحو قول الشاعر:([73])
عسى
الأيام أن يرجعـ ـن
(يوما) كالذي كانوا
أي
كما كانوا، فقول الله إذا : (فاصدع بما تؤمر) إما أن يكون معناه : بالذي تؤمر به
من التبليغ ونحوه، وإما أن يكون معناه: اصدع بالأمر الذي تؤمره، كما تقول: عجبت من
الضرب الذي تضربه، فتكون ما ههنا عبارة عن الأمر الذي هو أمر الله تعالى، ولا يكون
للباء فيه دخول، ولا تقدير، وعلى الوجه الأول: تكون ما مع
صلتها عبارة عما هو فعل للنبي صلى الله عليه وسلم، والأظهر أنها مع صلتها عبارة عن
الأمر الذي هو قول الله ووحيه، بدليل حذف الهاء الراجعة إلى: ما، وإن كانت بمعنى الذي
في الوجهين جميعا، إلا أنك إذا أردت معنى الأمر، لم تحذف إلا الهاء وحدها، وإذا
أردت معنى المأمور به، حذفت باء وهاء، فحذف واحد أيسر من حذفين، مع أن صدعه وبيانه
إذا علقته بأمر الله ووحيه كان حقيقة، وإذا علقته بالفعل الذي أمر به كان مجازا،
وإذا صرحت بلفظ الذي لم يكن حذفها بذلك الحسن" ([74])
ويستطرد
السهيلي إلى ذكر آيات من القرآن حذف فيها المفعول به، مبينا فائدة الحذف لما فيه
من الإبهام، ومنوها بإضافاته النحوية، فيقول: "وتأمله في القرآن
تجده، كذلك نحو قوله تعالى: )وأعلم
ما تبدون وما كنتم تكتمون( (البقرة: 33)، )ويعلم
ما تسرون وما تعلنون( (التغابن: 4)، (لما خلقت بيدي) (ص: 75)، و )
لا أعبد ما تعبدون( (الكافرون: 2)، ولم يقل: خلقته، وحذف الهاء في ذلك كله، وقال في
الذي: )الذين آتيناهم
الكتاب( (البقرة: 121)، )الذي
جعلناه للناس سواء( (الحج: 25) وما أشبه ذلك، وإنما كان الحذف مع ما أحسن لما قدمناه
من إبهامها، فالذي فيها من الإبهام قربها من (ما) التي هي شرط
لفظا ومعنى، ألا ترى أن (ما) إذا كانت شرطا تقول فيها: ما تصنع أصنع مثله، ولا
تقول ما تصنعه، لأن الفعل قد عمل فيها، فلما ضارعتها هذه التي هي موصولة، وهي بمعنى
الذي، أجريت في حذف الهاء مجراها في أكثر الكلام، وهذه التفرقة في عود الضمير على (ما)،
وعلى (الذي) يشهد لها التنزيل، والقياس الذي ذكرناه من الإبهام، ومع هذا لم نر
أحدا نبه على هذه التفرقة، ولا أشار إليها، وقارئ القرآن محتاج إلى هذه التفرقة" ([75]).
ويشير
السهيلي إلى ما يفيده حذف ضمير المفعول من إيجاز، منبها في الوقت ذاته إلى أن
الحذف يحسن مع بعض الأدوات دون بعضها الآخر، وفي حال تعدي الفعل إلى مفعولين يكون
ذكر الضمير أفضل من حذفه لدفع التوهم من أن الفعل واقع على مفعول واحد، يقول:
"وقد يحسن حذف الضمير العائد على الذي، لأنه أوجز، ولكنه ليـس كحســنه مع من
وما، ففي التنـزيل: )والنور
الذي أنزلنا( (التغابن: 8) فإن كان الفعل متعديا إلى اثنين، كان إبراز الضمير
أحسن من حذفه، لئلا يتوهم أن الفعل واقع على المفعول الواحد، وأنه مقتصر عليه،
كقوله تعالى: ) والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء( (الحج: 25) ) الذين آتيناهم الكتاب( (البقرة: 121)" ([76]).
وأشار
السهيلي إلى كثرة حذف جواب إذا في القرآن الكريم، فقال
عند تفسير سورة النصر: "إنما قال: )
فسبح
بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا( (النصر: 3)، فهذا أمر لنبيه عليه [الصلاة و] السلام
بالاستعداد للقاء ربه تعالى، والتوبة إليه، ومعناها الرجوع عما كان بسبيله مما
أرسل به من إظهار الدين، إذ قد فرغ من ذلك، وتم مـراده فيه، فصار جواب إذا من قوله
تعالى: )إذا
جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا( (النصر: 1-2) محذوفا،
وكثيرا ما يجيء في القرآن الجواب محذوفا، والتقدير: إذا جاء نصر الله والفتح، فقد
انقضى الأمر، ودنا الأجل، وحان اللقاء، )فسبح بحمد ربك
واستغفره إنه كان توابا("
([77]).
كما
عرض السهيلي إلى باب حذف الجملة الواقعة بعد خلت وظننت، فقال: "وذكر في حديث
عمر، وقوله للرجل: أكنت كاهنا في الجاهلية؟ فقال الرجل: سبحان الله! يا أمير
المؤمنين لقد خلت فيَّ، واستقبلتني بأمر ما أراك استقبلت به أحدا منذ وليت، وذكر
الحديث، وقوله: خلت فيَّ، هو من باب حذف الجملة الواقعة بعد خلت وظننت، كقولهم في
المثل: (من يسمع يَخل)([78])،
ولا يجوز حذف أحد المفعولين مع بقاء الآخر، لأن حكمهما حكم الابتداء والخبر، فإذا
حذفت الجملة كلها جاز، لأن حكمهما حكم المفعول، والمفعول قد يجوز حذفه، ولكن لا بد
من قرينة تدل على المراد، ففي قولهم من يسمع يخل، دليل يدل على المفعول، وهو يسمع،
وفي قوله: خلت فيّ دليل أيضا، وهو قوله فيَّ، كأنه قال: خلت الشر في، أو نحو هذا"([79]).
وأشار
إلى حذف الجملة في الكلام، فقال عند قوله تعالى: )
أرأيت
الذي ينهى،
عبدا إذا صلى( (العلق: 9-10)، مشيرا إلى ما في
كل من : )أرأيت(، و)لنسفعا( من حذف: " قال محمد
ابن يزيد: في الكلام حذف، تقديره (أرأيت
الذي ينهى،
عبدا إذا صلى)،
أمصيب هو أم مخطئ، وكذلك في قوله: ) أرأيت إن كان على الهدى( (العلق: 11) كأنه قال:
أليس من ينـهاه بضال؟ وقوله: )لنسفعا
بالناصية( (العلق: 15) أي لنأخذن بها إلى النار"([80]).
وأشار السهيلي أيضا إلى
كثرة الحذف وفائدته في بعض صيغ التعبير التي تفيد التعجب، فقال: "ما
رأيت عطرا كاليوم: معناه عند سيبويه ما رأيت كعطر أراه اليوم عطرا، قال العرب: لم
أر كاليوم رجلا، أي كرجل أراه اليوم رجلا، فحذف ما دخلت عليه الكاف، وحذف الفعل،
وهو أرى، وفاعله ومفعوله، وهذا حذف كثير، لا سيما وقد يقال: ما رأيت كاليوم، ولا
تذكر بعده شيئا إذا تعجبت، فدل على أنهم لم يحذفوا هذا الحذف الكثير، ولكنهم
أوقعوا التعجب على اليوم، لأن الأيام تأتي بالأعاجيب، والعرب تذمها وتمدحها في
نظمها ونثرها"([81]).
كما
ذكر بعض الأحاديث من جوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تندرج
ضمن إيجاز القصر لما فيها من قصر العبارة وسعة المعنى، حيث قال السهيلي: "وفي
غزوة أوطاس قال النبـي صلى الله عليه وسلم: (الآن حمي الوطيس)([82])، وذلك حين استمرت
الحرب، وهي من الكلم التي لم يسبق إليها صلى الله عليه وســلم، فمنها هــذه: ومنها
: (مات حتف أنفه)([83])،
قالها في فضل من مات في سبيل الله، في حديث رواه عنه عبد الله بن عتيك، قال ابن
عتيك: وما سمعت هذه الكلمة – يعني حتف أنفه – من أحد العرب قبله صلى الله عليه
وسلم، ومنها: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)([84])، قالها لأبي عزة
الجمحي يوم أحد، وقد مضى حديثه، ومنها: (لا ينتطح فيها
عنزان)([85])،
وسيأتي سببهما. ومنها قوله عليه [الصلاة و] السلام: (يا
خيل الله اركبي)([86])،
قالها يوم حنين أيضا في حديث أخرجه مسلم" ([87]).
ورأى
أن النبي عليه الصلاة والسلام نسيج وحده في البلاغة، وهو أجل من أن يخلط مع غيره
من الفصحاء، مستدركا بذلك على الجاحظ الذي صحف كلمة نقلها عن يونس بن حبيب بشأن
فصاحة عثمان البتي، فنسبها الجاحظ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يقول السهيلي:
"وقال الجاحظ في كتاب البيان عن يونس بن حبيب: (لم يبلغنا من روائع الكلم ما
بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم)([88])، وغلط في هذا الحديث،
ونسب إلى التصحيف، وإنما قال القائل: ما بلغنا عن البتي، يريد عثمان البتي، فصحفه
الجاحظ([89])،
قالوا والنبي صلى الله عليه وسلم أجل من أن يخلط مع غيره من الفصحاء، حتى يقال ما
بلغنا عنه من الفصاحة أكثر من الذي بلغنا عن غيره، كلامه أجل من ذلك وأعلى، صلوات
الله عليه وسلامه"([90]).
أولا:
التشبيه
عرض السهيلي بعض أمور التشبيه، من ذلك كلمة مثل، فهي
عنده ترادف كلمة تشبيه، وتأتي بمعنى المثل (الاستعارة التمثيلية)، حيث قال عند قوله صلى الله عليه وسلم
: (الأنصار كرشي وعيبتي)([91]):
"فضرب
العيبة مثلا لموضع السر، وما يعتد به من ودهم، والكرش وعاء يصنع من كرش البعير،
يجعل فيه ما يطبخ من اللحم، يقال: ما وجدت لهذه البضعة فاكرش، أي إن الكرش قد
امتلأ، فلم يسعها فمه، ويضرب أيضا هذا مثلا، كما قال الحجاج: ما وجدت إلى دم فلان
فاكرش"([92]).
كما تعرض للكاف من أدوات التشبيه، وبين أنها قد تقحم
لتأكيد التشبيه، وربما كان إقحامها معيبا كما في قول الراجز: ([93])
* فصيروا
مثل كعصف مأكول *
قال
السهيلي: "إن الكاف تكون حرف جر، وتكون اسما بمعنى مثل، ويدلك على أنها حرف:
وقوعها صلة للذي، لأنك تقول: رأيت الذي كزيد، ولو قلت: الذي مثل زيد، لم يحسن،
وبذلك تكون اسما … وإذا دخلت على مثل، كقوله تعالى: ) ليس كمثله شيء( (الشورى:11) فهي إذا
حرف، إذ لا يستقيم أن يقال : مثل مثله، وكذلك هي حرف في بيت رؤبة، (مثل كعصف)
لكنها مقحمة لتأكيد التشبيه، كما أقحموا اللام من قوله: (يا بؤس للحرب)، ولا يجوز
أن يقحم حرف من حروف الجر سوى اللام، والكاف، أما اللام فلأنها تعطي بنفسها معنى
الإضافة، فلم تغير معناها، وكذلك الكاف تعطي معنى التشبيه، فأقحمت لتأكيد معنى
المماثلة، غير أن دخول مثل عليها كما في بيت رؤبة قبيح، ودخولها على مثل كما في
القرآن أحسن شيء، لأنها حرف جر، تعمل في الاسم، والاسم لا يعمل فيها، فلا يتقدم
عليها، إلا أن يقتحمها كما أقحمت اللام"([94]).
ويبين
السهيلي السر في بعض أساليب التشبيهات الدقيقة الغامضة، كما في قول عبد الله ابن
قيس الرقيات في قصة الفيل:([95])
واستهلت
عليهم الطير بالجنـ ـدل حتى كأنه مرجوم
يقول:
"وقوله: (حتى كأنه مرجوم) وهو قد رجم، فكيف شبهه بالمرجوم وهو مرجوم
بالحجارة؟ وهل يجوز أن يقال في مقتول: كأنه مقتول؟ فنقول: لما ذكر استهلال الطير،
وجعلها كالسحاب يستهل بالمطر، والمطر ليس برجم، وإنما الرجم بالأكف ونحوها، شبهه
بالمرجوم الذي يرجمه الآدميون، أو من يعقل ويتعمد الرجم من عدو أو نحوه، فعند ذلك
يكون المقتول بالحجارة مرجوما على الحقيقة، ولما لم يكن جيش الحبشة كذلك، وإنما
أمطروا بحجارة، فمن ثم قال: كأنه مرجوم"([96]).
ويبرز
السهيلي وجه الشبه والغرض من التشبيه لدى بعض الشعراء،
كما في قول شاعر من العرب:([97])
لقد أنكحت أسماء رأس
بُقيرة من
الأدْم أهداها امرؤ من بني غنم
رأى قدعا في عينها
إذ يسوقها إلى
غبْغب العزى فوسع في القسم([98])
يقول:
"معنى
هذا البيت: الذم، وتشبيه هذا المهجو برأس بقرة قد قربت أن يذهب بصرها، فلا تصلح
إلا للذبح والقسم"([99]).
وربما
شرح السهيلي التشبيه شرحا لغويا بلا تحليل، كما في قول تميم
بن أبي مقبل:([100])
فيه
من الأخرج المِرباع قرقرة هدر
الدّيافِيِّ وسط الهجمة الـبُـخرُ
قال:
"يصف في هذا البيت حمار وحش يقول: فيه من الأخرج، وهو: الظليم الذي فيه بياض
وسواد، أي فيه منه قرقرة، أي صوت، وهدر مثل هدر الديافي، أي: الفحل المنسوب إلى
دياف، بلد بالشام، والهجمة من الإبل: دون المائة"([101]).
وقد
تكرر هذا الصنيع من السهيلي في مواضع متعددة منها عند قول الجعدي:([102])
كأن
الغبار الذي غادرت ضحيا
دواخن من تنضب
حيث
قال السهيلي: "شبه الغبار بدخان التنضب لبياضه"([103]).
وكذلك
عند قول عباس بن مرداس:
*والأجربان:
بنو عبس وذبيان*
حيث
قال: "سماهما
بالأجربين، تشبيها بالأجرب الذي لا يقرب"([104]).
وأيضا
عند قول مطرود بن كعب الخزاعي:([105])
يبكين
شخصا طويل الباع ذا فَجَر آبي
الهضيمة فراج الجليلات
حيث
قال: "وقوله طويل الباع ذا فجر: الفجر: الجود، شبه بانفجار الماء"([106]).
وهو
هنا يطلق على الاستعارة مصطلح التشبيه، لأن التشبيه أساس الاستعارة وعليه تقوم كما
ذكر الشيخ عبد القاهر حيث قال: "والتشبيه كالأصل في الاستعارة، وهي شبيهة
بالفـرع له، أو صـورة مقتضبة من صوره" ([107]).
وتكرر
منه إطلاق مصطلح التشبيه على الاستعارة التصريحية، كما في تفسيره لقوله تعالى: ) أفأنت
تسمع الصم أو تهدي العمي ( (الزخرف: 40)، قال : "أي إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل
الموعظة إلى آذان القلوب، لا أنت، وجعل الكفار أمواتا وصما على جهة التشبيه
بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة، إذا شاء، لا نبيه ولا أحد"([108]).
ويقول
السهيلي أيضا في موضع آخر: "قولـه
عليه [الصلاة و] السلام: (أين
لكع؟)
يعني الحسن أو الحسين ممازحا لهما، فإن قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح
ولا يقول إلا حقا، فكيف يقول أين لكع وقد سماه سيدا في حديث آخر؟ فالجواب أنه أراد
التشبيه باللكع الذي هو الفلو أو المهر، لأنه طفل، كما أن الفلو والمهر كذلك، وإذا
قصد بالكلام قصد التشبيه لم يكن كذبا، ونحو قوله عليه [الصلاة و] السلام: (لا تقوم
الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع)([109]) واللكع في اللغة: وسخ
الغرلة([110])،
وهو أيضا الفلو الصغير"([111]). وهذه استعارة
تصريحية أطلق عليها مصطلح التشبيه.
ويصحح
السهيلي ماوقع في بعض الروايات من تصحيف، ربما غير معنى التشبيه، ويختار ما هو
مناسب للمعنى، يقول: "وذكر ابن إسحاق أيضا أنهم أفضوا إلى قواعد البيت، وإذا
هي خضر كالأسنمة، وليست هذه رواية السيرة، إنما الصحيح في الكتاب: كالأسنة، وهو
وهم من بعض النقلة عن ابن إسحاق، والله أعلم، فإنه لا يوجد في غير هذا الكتاب بهذا
اللفظ لا عند الواقدي ولا غيره، وقد ذكر البخاري في بنيان الكعبة هذا الخبر، فقال
فيه عن يزيد بن رومان: (فنظرت إليها، فإذا هي كأسنمة الإبل)([112])،
وتشبيهها بالأسنة لا يشبه إلا في الزرقة، وتشبيهها بأسنمة الإبل أولى، لعظمها،
ولما تقدم في حديث بنيان الملائكة لها قبل هذا"([113]).
ثانيا: المجاز
يساوي
السهيلي بين كلمة مجاز واتساع، ويشير إلى كثرة استعمال العرب للمجاز والاتساع فيقول:
في التفريق بين لفظ الروح والنفس: "اضطربت المذاهب…ومجازات العرف واتساعاتها
في الكلام كثيرة"([114])
والاستعارة
عنده من المجاز، ولذلك يطلق عليها مصطلح المجاز، يقول: "وقوله: * حذوناها
من الصوان سبتا *
أي
حذوناها نعالا من حديد، جعله سبتا لها مجازا".([115])
ويتعرض السهيلي
لحجية المجاز في اللغة عند قوله تعالى: )
وبلغت
القلوب الحناجر( (الأحزاب: 10)، يقول: "والقلب لا
ينتقل من موضعه، ولو انتقل إلى الحنجرة لمات صاحبه، والله سبحانه لا يقول إلا
الحق، ففي هذا دليل على أن التكلم بالمجاز على جهة المبالغة، فهو حق إذا فهم المخاطب
عنك"([116])
ويضيف
السهيلي مثالا آخر للمجاز، "وهذا كقوله تعالى:
(يريد أن ينقض فأقامه) (الكهف: 77) أي مثله كمثل من يريد أن يفعل الفعل ويهم به،
فهو من مجاز التشبيه، وكذلك هؤلاء مثلهم فيما بلغهم من الخوف والوهن وضيق الصدر
كمثل المنخلع قلبه من موضعه، وقيل هو على حذف المضاف، وتقديره: بلغ وجيف القلوب
الحناجر"([117])،
وهذا المثال من الاستعارة المكنية التبعية، وأطلق عليه مجاز التشبيه لأن التشبيه
أساس الاستعارة كما سبق، والتشبيه عند ابن الأثير نوع من المجاز([118])
وينكر
المجاز في آية أخرى مشابهة، لأنها وصف لأهوال القيامة، والقيامة لها أحوالها
الخاصة بها على كل حال، يقول: "وأما
قوله : ) إذ القلوب لدى الحناجر ( (غافر: 18) فلا معنى لحمله على المجاز، لأنه في صفة هول القيامة،
والأمر فيه أشد مما تقدم، وقد قال في أخرى: ) لا يرتد إليهم طرفهم
وأفئدتهم هواء( (إبراهيم: 43) أي قد فارق القلب الفؤاد، وبقي فارغا هواء"([119]).
وهذه إضافة تحتسب له هنا، صحيح أن القرآن جاء على لسان العرب، ولكن هنالك أمورا
تناولها في عالم الغيب لها سماتها الخاصة بها، فلا ينبغي أن تخضع لمنطق اللغة
دائما، لأن اللغة محكومة في دلالالتها الحسية والبيئية عند من نطقوا بها، وما وراء
الغيب يتجـاوز معطيات هذه الدلالات، ولذلك قال ابن عباس : "لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في
الأسماء"([120])
لم يشر السهيلي إلى المجاز العقلي
صراحة، ولكنه عرض تحليل بعض علاقاته، كالمفعولية حيث قال: "وقوله:
فراضية
المعيشة طلقتها
أي
المعيشة المرضية، وبناها على فاعلة، لأن أهلها راضون([121])،
لأنها في معنى صالحة"([122])
وعرض تحليل العلاقة المفعولية مرة
أخرى، والعلاقة الفاعلية، فقال: "وفيه
أن قريشا خرجت ومعها العوذ المطافيل، العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة التي معها ولدها،
يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان من الإبل، ليتزودوا ألبانها ولا يرجعوا، حتى
يناجزوا محمدا وأصحابه في زعمهم، وإنما قيل للناقة عائذ، وإن كان الولد هو الذي
يعوذ بها، لأنها عاطف عليه، كما قالوا تجارة رابحة وإن كانت مربوحا فيها، لأنها في
معنى نامية وزاكية، وكذلك ) عيشة راضية( (القارعة: 7) لأنها في
معنى صالحة، ومن نحو هذا قوله تعالى: )والهدي
معكوفا( (الفتح: 25) وإن كان عاكفا، لأنه محبوس في المعنى، فتحول وزنه في اللفظ إلى وزن ما هو في معناه، كما
قالوا في المرأة: تهراق الدماء، وقياسه تهريق الدماء، ولكنه في معنى تستحاض، فحول
إلى وزن ما لم يسم فاعله، وبقيت الدماء منصوبة على المفعول كما كانت"([123]).
وعرض
نموذجا آخر لعلاقة الفاعلية، نافيا أن يكون فيه مجاز كما ذكر المفسرون، فقال:
"وذكر قوله الله سبحانه خبرا عنهم: )جعلنا
بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا( (الإسراء: 45) قال بعضهم: مستور بمعنى ساتر[124]،
كما قال: )وكان وعده مأتيا( (مريم: 61) أي آتيا([125])،
والصحيح أن مستورا هما على بابه، لأنه حجاب على القلب، فهو لا يرى"([126]).
لم
يذكر السهيلي الاصطلاح البلاغي،
ولكنه عرض تحليل بعض علاقاته، مثل تسمية الشيء باسم حامله([127])،
قال: "وقوله: نهوض الروايا: هي الإبل تحمل الماء، واحدتها راوية، والأسقية
أيضا يقال لها روايا"([128]).
وعرض
ما يسمى بالعلاقة المحلية وهي أن يذكر المحل ويراد الحال([129])،
فقال: "والنادي والندى والمنتدى بمعنى واحد، وهو مجلس القوم الذي يتنادون
إليه، وقال أهل التفسير فيه أقوالا متقاربة، قال بعضهم: فليدع حيه، وقال بعضهم:
عشيرته، وقال بعضهم: مجلسه"([130]).
وأشار
إلى التعبير بالجزء عن الكل[131]،
وذلك عند قول مطرود بن كعب الخزاعي:([132])
ميت
بردمان وميت بسلـ ـمان وميت بين غزات
قال
السهيلي: "قوله: (وميت بين غزات) هي غزة، ولكنهم يجعلون لكل ناحية أو لكل ربض
من البلدة اسم البلدة، يقولون غزات في غزة، ويقولون في بغدان: بغادين، كما قال بعض
المحدثين:
شربنا
في بغادين على
تلك الميادين
ولهذا
نظائر ستمر في الكتاب إن شاء الله، ومن هذا الباب حكمهم للبعض بحكم الكل، كما سموه
باسمه، نحو قولهم: شرقت صدر القناة من الدم، وذهبت بعض أصابعه، وتواضعت سور
المدينة، وقد تركبت على هذا الأصل مسألة من الفقه: قال الفقهاء أو أكثرهم: من حلف
ألا يأكل هذا الرغيف، فأكل بعضه، فقد حنث، فقد حكموا للبعض بحكم الكل، وأطلقوا
عليه اسمه".([133])
تقوم
الاستعارة على التشبيه، وقد أشار السهيلي إلى ذلك عندما عرض لقول خالد بن حِق
الشيباني يذكر قتل كسرى على يد ابنه شيرويه:([134])
تمخضت
المنون له بيوم أنى
ولكل حاملة تمام[135]
حيث
علق عليه بقوله: "وإن كان أراد بالمنون المنية: فبعيد أن يقال: تمخضت المنون
له بهذا اليوم الذي مات فيه، فإن موته منيته، فكيف تتمخض المنية بالمنية، إلا أن
يريد أسبابها، وما مُني له، أي قُدر من وقتها، فتصح الاستعارة حينئذ، ويستقيم
التشبيه"([136]).
فهو
هنا يوضح أن الاستعارة قائمة على التشبيه، وهذه استعارة تبعية مكنية، حيث شبه
المنون بالمرأة التي يأتيها المخاض، والسهيلي لم يحلل الاستعارة كعادته، وإنما
يكتفي بذكر المصطلح غالبا.
وربما
اكتفى السهيلي بذكر مصطلح التشبيه دون الاستعارة أحيانا، كما في قوله: "قيل
لمن روى علما أو شعرا: راوية، تشبيها بالمزادة أو الدابة التي يحمل عليها الماء،
وليس من باب علامة ونسابة"([137]). وهذه استعارة
تصريحية كما هو معلوم، وقد اكتفى بذكر مصطلح التشبيه عندها.
وقد
أشار السهيلي إلى مصطلح الاستعارة مرات عديدة على الإجمال من دون ذكر تقسيمات
الاستعارة المعروفة في كتب البلاغة، من ذلك قوله عند ذكر شعر معبد الخزاعي وفيه:( [138])
*
إذا تغطمطت البطحاء بالخيل *
قال
معقبا عليه: "لفظ مستعار من الغطمة، وهو غليان القدر".([139])
وقال
في شرح قول كعب بن مالك: ([140])
*
إنا بنو الحرب نمريها وننتجها *
:"مستعار
من مريت الناقة، إذا استدررت لبنها، ونتجتها إذا استخرجت منها ولدا"([141])
وفي
تعليقه على ما أنشد ثعلب: ([142])
*قمنا
فآنسنا الحمول والحدج*
قال:
"وفي العين: الحدج: حسك القطب مادام رطبا([143])،
فيكون الحدج في البيت مستعارا من هذا، أي لها حسك"[144]
وفي
تعليقه على قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم) (الكهف: 11) قال: "أي أنمانهم، وإنما
قيل في النائم ضرب على أذنه، لأن النائم ينتبه من جهة السمع، والضرب هنا مستعار من
ضرب القفل على الباب"([145]).
وربما
علل السهيلي أسباب اللجوء إلى الاستعارة وفائدتها كما في تعقيبه على قول أبي الصلت
بن ربيعة الثقفي، وتروى أيضا لأمية بن أبي الصلت:([146])
يرمون
عن شُدف كأنها غبط بزمخر
يُعجل المرميَ إعجالا([147])
قال: "الشدَف: الشخص، ويجمع على شُدُف،
ولم يرد ههنا إلا القسي، وليس شدُف جمعا لشدَف، وإنما هو جمع شدوف، وهو النشيط
المرح، يقال: شدف فهو شدف ثم تقول شدوف، كما تقول: مروح، وقد يستعار المرح والنشاط
للقسي لحسن تأتيها وجودة رميها وإصابتها"([148]).
وقد
يستطرد السهيلي في موضع واحد إلى ذكر بعض الاستعارات المماثلة
في الكلمة الواحدة، فيذكر أكثر من
استعارة وقعت في كلام البلغاء، إذا دعت المناسبة إلى ذلك، ويضم النظير إلى نظيره،
وهذا ما صنعه عند ذكر قول زيد بن عمرو :([149])
دُعموص
أبواب الملو ك
وجائب للخرق بابه
حيث
قال عقبه: "وقوله: دعموص أبواب الملوك: يريد ولاجا في أبواب الملوك، وأصل
الدعموص: سمكة صغيرة كحية الماء، فاستعاره هنا، وكذلك جاء في حديث أبي هريرة
يرفعه: (صغاركم دعاميص الجنة)([150]) وكما استعارت
عائشة العصفور حين نظرت إلى طفل صغير قد مات، فقالت: طوبى له عصفور من عصافير
الجنة، لم يعمل سوءا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (وما
يدريك؟ إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا)[151] أخرجه مسلم"([152]).
وربما
استدرك السهيلي على ابن هشام إغفاله للتحليل البياني للقرآن الكريم،
كما ورد عند قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) (الحجر: 94) قال ابن هشام:
"فاصدع فرق بين الحق والباطل"([153]).
وعقب السهيلي بقوله: "وشرح ابن هشام معنى قوله: اصدع شرحا صحيحا، وتتمته أنه
صدع على جهة البيان، وتشبيه لظلمة الشك والجهل بظلمة الليل، والقرآن نور، فصدع به
تلك الظلمة، ومنه سمي الفجر صديعا، لأنه يصدع ظلمة الليل، وقال الشماخ:
ترى
السرحان مفترشا يديه كأن
بياض لبته صديع
على
هذا تأوله أكثر أهل المعاني"([154]).
والصدع
هنا استعارة من صدع الزجاجة([155])،
ولم يصرح بها السهيلي، واكتفى بقوله: "وتشبيه لظلمة الشك والجهل بظلمة الليل،
والقرآن نور" وهو ما يفيد معنى الاستعارة، لأن أصل الاستعارة هو التشبيه.
ويحقق
السهيلي في احتمالات الرواية للأشعار، مبينا الفروق
البيانية بينها، كما فعل عند قول أبي طالب في مدح قومه:([156])
ونحمي
حماها كل يوم كريهة ونضرب
عن أحجارها من يرومها
قال
السهيلي: "ونضرب عن أحجارها من يرومها: أي ندفع عن حصونها ومعاقلها، وإن كانت
الرواية أجحارها بتقديم الجيم فهو جمع جحر، والجحر هنا مستعار، وإنما يريد عن
بيوتها ومساكنها"([157])
ويصحح
السهيلي اشتقاق بعض الكلمات، ويرد بعضها إلى الاستعارة
كما في كلمة الملاحة، يقول: "وأما معنى الملاحة، فذهب قوم إلى أنها من
الملحة، وهي البياض، تقول العرب: عنب ملاحي، والصحيح في معنى المليح، أنه مستعار
من قولهم: طعام مليح: إذ كان فيه من الملح بقدر ما يصلحه"([158]).
الاستعارة التمثلية
لم يعرض لها السهيلي
باسمها، وإنما ذكر كثيرا من الأمثلة التي تندرج تحت الاستعارة التمثيلية([159])،
من ذلك ما ذكره عند قول حسان:([160])
ولا تك كالشـاة التي
كان حتفها بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا
قال: "تقوله
العرب في مثل قديم فيمن أثار على نفسه شرا كالباحث عن المدية، وأنشد أبو عثمان ابن
بحر:([161])
وكان يجير الناس من سيف مالك فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وكذلك سرد كثير من
الأمثال، مثل يسار الكواعب وقصته([163])،
حيث يقال: "لاقى الذي لاقى يسار الكواعب"، وكذلك ذكر التمثيل
بالنعامة، فقال: "والعرب تقول: أشرد من نعامة، وأنفر من نعامة"([164])،
ونحو ذلك من الأمثال الشائعة في اللغة.
أشار السهيلي إلى
الكناية عن الموصوف عند ذكر قول البراء بن معرور للنبي عليه الصلاة والسلام:
(نبايعك على أن نمنعك مما نمنع منه أزرنا، أراد نساءنا)، وقال: "والعرب تكني عن المرأة
بالإزار، وتكني أيضا بالإزار عن النفس، وتجعل الثوب عبارة عن لابسه كما قال:
رموها بأثواب خفاف
فلا ترى لها شبها إلا النعام المنفرا
أي بأبدان خفاف،
فقوله: مما نمنع أزرنا يحتمل الوجهين جميعا"([165]).
وفي السياق ذاته
ينقل السهيلي قولا آخر وقع فيه لفظ الإزار كناية عن الأهل عند أبي علي الفارسي،
بينما ذهب ابن قتيبة إلى أنه كناية عن النفس، ويرجح السهيلي ما ذهب إليه ابن
قتيبة، معتمدا على التحليل النحوي للسياق، وعلى البيت الذي يلي الشاهد المذكور،
يقول: "وقد قال الفارسي في قول الرجل الذي كتب إلى عمر من الغزو يذكره بأهله:
ألا
أبلغ أبا حفص رسولا فدى
لك من أخي ثقة إزاري
قال:
الإزار: كناية عن الأهل، وهو في موضع نصب بالإغراء، أي: احفظ إزاري، وقال ابن
قتيبة: الإزار في هذا البيت كناية عن نفسه، ومعناه: فدى لك نفسي، وهذا القول هو
المرضي في العربية، والذي قاله الفارسي بعيد عن الصواب، لأن أضمر المبتدأ، وأضمر
الفعل الناصب للإزار، ولا دليل عليه لبعده عنه، وبعد البيت ما يدل على صحة القول
المختار، وهو:
قلائصنا
هداك الله مهلا شغلنا
عنكم زمن الحصار
فنصب
قلائصنا بالإضمار الذي جعله الفارسي ناصبا للإزار"([166]).
وتحدث
عن التعريض وهو من أقسام الكناية عند علماء البلاغة([167])،
مبينا سبب استعماله في الكلام، وذلك في حديثه عن قول النبي عليه الصلاة والسلام
عند دفن ابنته رقية رضي الله عنها: (أيكم لم يقارف الليلة أهله؟)([168])، قال
السهيلي: "سكت
عثمان، ولم يقل أنا، لأنه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، ولم يشغله الهم
بالمصيبة، وانقطاع صهره من النبي صلى الله عليه وسلم عن المقارفة فحرم بذلك ما كان
حقا له، وكان أولى به من أبي طلحة وغيره، وهذا بين في معنى الحديث، ولعل النبي صلى
الله عليه وسلم قد كان علم ذلك بالوحي، فلم يقل له شيئا، لأنه فعل فعلا حلالا، غير
أن المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله حتى حرم ما حرم من ذلك بتعريض غير تصريح والله
أعلم"([169]).
عرض له السهيلي عند قوله تعالى: ) إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر،
إن شانئك هو الأبتر (
(الكوثر: 1-3)، فقال مبينا لفائدة الطباق: "قوبل تعييره للنبي صلى الله عليه وسلم بالبتر
بما هو ضده من الكوثر، فإن الكثرة تضاد معنى القلة، ولو قال في جواب اللعين: إنا
أعطيناك الحوض الذي من صفته كذا وكذا، لم يكن ردا عليه ولا مشاكلا لجوابه، ولكن
جاء باسم يتضمن الخير الكثير، والعدد الجم الغفير المضاد لمعنى البتر، وأن ذلك في
الدنيا والآخرة بسبب الحوض المورود الذي أعطاه، فلا يختص لفظ الكوثر بالحوض، بل
يجمع هذا المعنى كله، ويشتمل عليه، ولذلك كانت آنيته كعدد النجوم، ويقال هذه الصفة
في الدنيا: علماء الأمة من أصحابه ومن بعدهم"([170]).
ويلاحظ هنا استخدم تعبير قوبل الذي يدل على التضاد، دون أن يذكر مصطلح الطباق.
ثانيا:
الاستخدام
أشار
السهيلي إلى معنى الاشتراك عند قول حسان:([171])
ديار
من بني الحسحاس قفر تعفيها
الروامس والسماء
فقال
موضحا إن السماء لفظ مشترك: "وقوله الروامس والسماء يعني الرياح والمطر،
والسماء لفظ مشترك يقع على المطر، وعلى السماء التي هي السقف، ولم يعلم ذلك من هذا
البيت ونحوه، ولا من قوله:([172])
إذا
سقط السماء بأرض قوم رعيناه
وإن كانوا غضابا
لأنه
يحتمل أن يريد مطر السماء، فحذف المضاف، ولكن إنما عرفناه من قولهم في جمعه: سمى،
وهم يقولون في جمع السماء: سماوات وأسمية، فعلمنا أنه اسم مشترك"[173].
فقد أشار السهيلي هنا إلى مضمون الاستخدام الذي يقوم على الاشتراك، دون أن يفصل في
ذلك، ودون استخدام المصطلح البلاغي، وشاهد الاستخدام في البيت الثاني الذي ساقه.
عرضها
السهيلي كثيرا، وهو مرة يطلق عليها مصطلح المجاز، يقول: "وفي التنزيل خبرا عن
نوح: ) إن تسخروا منا
فإنا نسخر منكم كما تسخرون( (هود: 38) ولم يقل نستهزئ بكم كما تستهزئون، لأن الاستهزاء ليس من
فعل الأنبياء، إنما هو من فعل الجاهلين، كما قدمنا من قول موسى عليه السلام،
فالنبي يسخر، أي: يعجب من كفر من يسخر به، ومن سخر عقولهم، فإن قلت: فقد قال الله
تعالى: ) الله يستهزئ بهم ( (البقرة: 15)، قلنا العرب تسمي الجزاء على الفعل باسم الفعل، كما
قال الله تعالى: ) نسوا الله فنسيهم( (التوبة: 67) فذلك مجاز حسن… ويحسن في حكم البلاغة وضع واحدة مكان
أخرى"([174]).
وفي موضع آخر
يطلق مصطلح المشاكلة كما فعل عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أبشر
خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)([175])،
حيث فسر هذا الحديث بناء على المشاكلة تفسيرا بديعا يطابق فيه بين الجزاء في
الآخرة المترتب على العمل الصالح في الدنيا، حيث يكون الجزاء من جنس العمل، يقول:
"لذكر البيت ههنا بهذا اللفظ ولقوله: ببيت، ولم يقل: بقصر، معنى لائق بصورة
الحال، وذلك أنها كانت ربة بيت إسلام، لم يكن على ظهر الأرض بيت إسلام إلا بيتها
حين آمنت، وأيضا: فإنها أول من بنى بيتا في الإسلام بتزويجها رسول الله صلى الله
عليه وسلم ورغبتها فيه، وجزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل، وإن كان أشرف منه([176])،
لما جاء: (من كسا مسلما على عُري كساه الله من حلل الجنة، ومن سقى مسلما على ظمأ
سقاه الله من الرحيق)([177])
ومن هذا الباب قوله عليه [الصلاة و] السلام: (من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله
في الجنة)([178])
لم يرد مثله في كونه مسجدا، ولا في صفته، ولكن قابل البنيان بالبنيان، كما بنى
يبنى له، كما قابل الكسوة بالكسوة، والسقيا بالسقيا، فهاهنا وقعت المماثلة لا في
ذات المبنيِّ أو المكسو، وإذا ثبت هذا، فمن هاهنا اقتضت الفصاحة أن يعبر عما بشرت
به بلفظ البيت، وإن كان فيه ما لا عين رأته، ولا أذن سمعته، ولا خطر على قلب بشر،
ومن تسمية الجزاء على الفعل بالفعل في عكس ما ذكرناه قوله تعالى: )
نسوا الله فنسيهم( (التوبة:167)، )ومكروا
ومكر الله( (آل عمران: 54)"([179]).
ويضيف
السهيلي موضحا للمشاكلة في بقية ألفاظ الحديث النبوي، فيقول: "أما قوله (لا
صخب فيه ولا نصب)،
فإنه أيضا من باب ما كنا بسبيله، لأنه عليه [الصلاة و] السلام دعاها إلى الإيمان
فأجابته عفوا، لم تحوجه إلى أن يصخب كما يصخب البعل إذا تعصت عليه حليلته، ولا أن
ينصب، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل مكروه، وأراحته
بمالها من كل كد ونصب، فوصف منزلها الذي بشرت به بالصفة المقابلة لفعالها وصورته" ([180]).
ويبين
السهيلي سبب استخدام كلمة قصب في وصف بيت خديجة بالجنة دون غيرها من الوصاف،
كاللؤلؤ مثلا، وذلك مراعاة للمشاكلة في نيلها قصب السبق إلى الإيمان، فيقول:
"وأما قوله (من قصب)، ولم يقل من لؤلؤ، وإن كان المعنى واحدا، ولكن في
اختصاصه هذا اللفظ من المشاكلة المذكورة والمقابلة بلفظ الجزاء للفظ العمل، أنها
رضي الله عنها كانت قد أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنسوان،
والعرب تسمي السابق محرزا للقصب، قال الشاعر:
مشى
ابن الزبير القهقرى وتقدمت
أمية حتى أحرزوا القصبات
فاقتضت
البلاغة أن يعبر بالعبارة المشاكلة لعملها في جميع ألفاظ الحديث، فتأمله"([181]).
ويلاحظ هنا أن السهيلي استخدم مصطلح المشاكلة، وبرع في
بيان تأثيرها في الكلام.
رابعا: المبالغة
عرض
لها السهيلي، وبين أنها ليست من قبيل الكذب، بل هي للتعظيم والتهويل، وذلك عند ذكر
قول كعب بن مالك يرثي جعفرا: ([182])
فتغير
القمر المنير لفقده والشمس
قد كسفت وكادت تأفل
فقال:
"قوله حق، لأنه كان عنى بالقمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعله قمرا ثم
جعله شمسا، فقد كان تغير بالحزن لفقد جعفر، وإن كان أراد القمر نفسه، فمعنى الكلام
ومغزاه حق أيضا، لأن المفهوم منه تعظيم الحزن والمصاب، وإذا فهم مغزى الشاعر في
كلامه، والمبالغ في الشيء فليس بكذب، ألا ترى إلى قوله عليه [الصلاة و] السلام:
(أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه)([183])، وكذلك قالوا في
مثل قول الشاعر:
إذا
ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا
حجاب الشمس أو قطرت دما
قال:
إنما أراد فعلنا فعلة شنيعة عظيمة، فضرب المثل بهتك حجاب الشمس، وفهم مقصده، فلم
يكن كذبا، وإنما الكذب أن يقول فعلنا، وهم لم يفعلوا، وقتلنا وهم لم يقتلوا"([184]).
أشار
إليه السهيلي وهو يذكر قول عبد الله بن الزبعرى في قصة الفيل:([185])
تـنكلوا
عن بطن مكـــة إنها كانت قديما لا ينال حريمها
لم
تخلق الشعرى غداة حرمت إذ لا عزيز من
الأنام يرومها
فقال:
"إن كان ابن الزبعرى قال هذا في الإسلام، فهو منتزع من قول النبي صلى الله
عليه وسلم (إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس)([186])، ومن قوله في حديث
آخر: (إن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض)([187])،
والتربة خلقت قبل خلق الكواكب([188])،
وإن كان ابن الزبعرى قال هذا في الجاهلية، فإنما أخذه والله أعلم من الكتاب الذي
وجدوه في الحجر بالخط المسند حين بنوا الكعبة، وفيه: (أنا الله رب مكة خلقتها يوم
خلقت السماوات والأرض)([189])
الحديث"([190]).
دار
ابن عمك بعتها تقضي
بها عنك الغرامــة
اذهب
بها اذهب بها طوقتها
طـــوق الحمامة
فقال
منوها بالاقتباس، ومشيدا بما في البيت من استعارة: "... وقوله لأبي سفيان: (طوقتها
طوق الحمامة) منتزع من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غصب شبرا من أرض طوقه
يوم القيامة من سبع أرضين)([192])
وقال: (طوق
الحمامة)
لأن طوقها لا يفارقها، ولا تلقيه عن نفسها أبدا، كما يفعل من لبس طوقا من
الآدميين، ففي هذا البيت من السماتة وحلاوة الإشارة وملاحة الاستعارة ما لا مزيد
عليه"([193]).
ومعلوم أن طوق الحمامة هنا تشبيه بليغ وليس استعارة، مما
يعني تسامح السهيلي في استعمال المصطلحات البلاغية، ولا يكون التشبيه البليغ مجازا
إلا على مذهب ابن الأثير كما سبق ذكر ذلك.
المبحث الرابع: البلاغة القرآنية وإعجاز القرآن الكريم
من
الطبيعي أن يعرض السهيلي لبعض القضايا الجمالية التي تتعلق بالنظم القرآني طالما
أنه يتناول السيرة النبوية وما نزل من القرآن في أحداثها، من ذلك ما ذكره في حديثه
عن سورة الكهف، وما في
مطلعها من براعة الاستهلال الذي يقتضي الابتداء بالحمد بهذه السورة، يقول:
"وذكر افتتاح الرب سبحانه بحمد نفسه، وذكر نبوة نبيه، حمده لنفسه تعالى خبر
باطنه الأمر والتعليم لعبده كيف يحمده، إذ لولا ذلك لاقتضت الحال الوقوف عن
تسميته، والعبارات عن جلاله، لقصور كل عبارة عما هنالك من الجلال، وأوصاف الكمال،
ولما كان الحمد واجبا على العبد، قدم في هذه الآية ليقترن في اللفظ بالحمد الذي هو
واجب عليه، وليستشعر العبد وجوب وجوب الحمد عليه"([194]).
وإذا
كان السياق هنا يقتضي البدء بالحمد، ففي سورة الفرقان يقتضي البدء بذكر الفرقان أن
يفتتح السورة بتبارك، وهنا يظهر إعجاز القرآن وبراعة أسلوبه، حيث يلتئم فيه اللفظ
مع المعنى في وحدة بديعة، ونظام باهر، يقول السهيلي: "وفي سورة الفرقان قال: )
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده( (الفرقان: 1) وبدأ بذكر الفرقان الذي هو الكتاب المبـارك، قال
الله سبحانه: )وهذا كتاب أنزلناه
مبارك( (الأنعام: 92) فلما افتتح السورة بتبارك الذي، بدأ بذكر الفرقان،
وهو الكتاب المبارك، ثم قال: )على
عبده(، فانظر إلى تقديم ذكر عبده على الكتاب، وتقديم ذكر الكتاب عليه في
سورة الفرقان، وما في ذلك من تشاكل اللفظ والتئام الكلام، تر الإعجاز باهرا،
والحكمة باهرة، والبرهان واضحا"([195]).
ويعرض
السهيلي إلى ما في أسلوب القرآن الكريم من الأدب والملاطفة مع النبي عليه الصلاة
والسلام، حيث لم يخاطبه باسمه الصريح في سورة المدثر، وإنما خاطبه باسم مشتق من
الحالة التي هو فيها تأنيسا له عليه الصلاة والسلام، واتباعا لسنن العرب في كلامها، يقول
السهيلي: "سبب تلقيبه بالمدثر: وذكر ابن إسحاق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
: (دثروني
دثروني)([196])،
فأنزل الله تعالى: ) يا أيها المدثر، قم
فأنذر ( (المدثر: 1-2) قال بعض أهل العلم: في تسميته المدثر في هذا المقام
ملاطفة وتأنيس، ومن عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم مشتق من
الحالة التي هو فيها، كقوله عليه [الصلاة و] السلام: (قم يا نومان)([197])،
وقوله لعلي بن أبي طالب وقد ترب جبينه: (قم أبا تراب)([198])، فلو ناداه سبحانه
وهو في تلك الحال من الكرب باسمه، أو بالأمر المجرد من هذه الملاطفة لهاله ذلك،
ولكن لما بدئ : بيا أيها المدثر أنس، وعلم أن ربه راض عنه، ألا تراه كيف قال عندما
لقي من أهل الطائف من شدة البلاء والكرب ما لقي: (رب إن لم يكن بك غضب
عليَّ فلا أبالي)([199])
إلى آخر الدعاء، فكان مطلوبه رضاء ربه، وبه كانت تهون عليه الشدائد"([200]).
ويعرض
السهيلي إلى فائدة الإطناب في مثل قوله تعالى: ) وكلبهم باسط ذراعيه
بالوصيد ( (الكهف: 18)، فيقول مجيبا على تساؤل مفترض: "فما في ذكر
الكلب وبسط ذراعيه من الفائدة؟ وما فيه من معنى اللطف بهم؟ فالجواب ما قدمناه من
أن الله سبحانه لم يترك من بيان حالهم شيئا، حتى ذكر حال كلبهم، مع أن تأملهم
متعذر على من اطلع عليهم من أجل الرعب، فكيف من لم يرهم ولا سمع بهم، لولا الوحي
الذي جاءه من الله سبحانه بالبيان الواضح الشافي، والبرهان الكافي"([201]).
ويدفع فكرة الترادف بين لفظ السنة والعام،
مبينا أن بينهما فرقا، يقول: "والسنة
والعام وإن اتسعت العرب فيهما، واستعملت كل واحد منهما مكان الآخر اتساعا، ولكن
بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنزيل الكلام فرقا"([202]).
وقد
دفعه إلى هذا التفريق قوله تعالى: ) ولبثوا في كهفهم
ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا (
(الكهف: 25)،
فأراد أن يبين الحكمة في قوله ) وازدادوا تسعا ( فقال: "وحساب العجم
إنما هو بالسنين الشمسية، بها يؤرخون، وأصحاب الكهف من أمة أعجمية، والنصارى
يعرفون حديثهم، ويؤرخون به، فجاء اللفظ في القرآن بذكر السنين الموافقة لحسابهم،
وتمم الفائدة بقوله: (وازدادوا تسعا) ليوافق حساب العرب، فإن حسابهم بالشهور
القمرية"([203]).
وفي
سبيل تأكيد الفرق بين لفظي السنة والعام ذهب السهيلي إلى أن السنة قد
يعبر بها عن الشدة والأزمة كما في قوله تعالى: ) ولقد أخذنا آل فرعون
بالسنين ( (الأعراف: 130) والعام أقل من السنة، ولذلك قال تعالى: )
وبلغ أربعين
سنة ( (الأحقاف: 15)، يقول: "فإنما ذكر السنين وهي أطول من الأعوام
لأنه مخبر عن اكتهال الإنسان، وتمام قوته واستوائه، فلفظ السنين أولى بهذا الموطن،
لأنها أكمل من الأعوام"([204]).
وهكذا
نجد أن السهيلي مغرى بإثبات النكات البيانية في كتاب الله، وإرشاد العقول إليها،
فلا لفظ في كتاب الله إلا وله فائدة لا يؤديها سواه، ولا إطناب إلا لفائدة، وهذا
هو سبيل معرفة إعجاز القرآن، يقول: "إن العلم بتنزيل الكلام، ووضع الألفاظ في
مواضعها اللائقة بها يفتح لك بابا من العلم بإعجاز القرآن، وابن هذا الأصل تعرف
المعنى في قوله تعالى: ) في يوم كان مقداره خمسين
ألف سنة ( (المعارج: 4) وقوله تعالى: ) وإن يوما عند ربك كألف
سنة مما تعدون ( (الحج: 47) وأنه كلام ورد في معرض التكثير والتفخيم، لطول ذلك
اليوم، والسنة أطول من العام كما تقدم، فلفظها أليق في هذا المقام"([205]).
ويشير
السهيلي إلى احتراز الآيات القرآنية عن نسبة ما لا يليق
بكمال الله عز وجل، يقول في تعقيبه على إحدى الآيات: "قال: )
ليذهب عنكم الرجس( (الأحزاب: 33) ولم يقل يذهب به، وكذلك قال : )
ويذهب عنكم رجز الشيطان ( (الأنفال: 11) تعليما لعباده حسن الأدب معه، حتى لا يضاف إلى
القدوس سبحانه لفظا ومعنى شيء من الأرجاس، وإن كانت خلقا له وملكا، فلا يقال هي بيده
على الخصوص، تحسـينا للعبارة وتنزيها له، وفي مثل النور والسمع والبصــر يحسن أن
يقال هي بيـده، فحسن على هذا أن يقال: ذهب به([206])"
([207]).
ويطابق
السهيلي بين ما ورد في الكتاب والسنة من ألفاظ، دافعا
لأي تعارض فيما بينهما، فمثلا ورد في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كره اسم
يثرب، وسماها طيبة والمدينة([208])،
بيد أن هذا الاسم ورد في القرآن، مما دفع السهيلي لافتراض التساؤل التالي:
"فإن قلت: كيف كره اسما ذكرها الله في القرآن به، وهو المقتدي بكتاب الله،
وأهل أن لا يعدل عن تسمية الله؟ قلنا إن الله سبحانه إنما ذكرها بهذا الاسم حاكيا
عن المنافقين إذ قالت طائفـة منهم : )يا
أهل يثرب لا مقام لكم( (الأحزاب: 13) فنبهه بما حكى عنهم أنهم قد رغبوا عن اسم سماها
الله به ورسوله، وأبوا إلا ما كانوا عليه في جاهليتهم، والله سبحانه قد سماها
المدينة، فقال غير حاك عن أحد: ) ما كان لأهل المدينة ومن
حولهم من الأعراب ( (التوبة: 120)" ([209]).
والخلاصة
في هذا الموضوع أنه يرى تلاؤم اللفظ والمعنى في الكتاب والسنة، وهذا هو سر البلاغة
وتمامها، يقول: "وقد تنزلت الألفاظ منازلها في الحديث والقرآن، وذلك معنى
الفصاحة وسر البلاغة"([210]).
وهو
بهذا الرأي يوافق منهج الشيخ عبد القاهر الجرجاني الذي يرى العلاقة التلازمية بين
اللفظ والمعنى، أو ما عبر عنه بنظرية النظم، وهي "أن تضع كلامك الوضع الذي
يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله"([211])،
ولا بد للنظم البليغ من أن ترتب الألفاظ في النص وفقا للمعاني التي في النفس،
المنتظمة فيها على قضية العقل([212])،
فإذا تم التلاؤم بين اللفظ والمعنى تبعا لترتيبها في النفس، ووفقا لقواعد النحو
العربي، فتلك هي مقاييس البلاغة الإنسانية، والقرآن جاء بأحسن ترتيب وأقوم معنى،
وأفضل لفظ، وتلك رتبة في البلاغة ليست بمقدور بشر، وذلك هو الإعجاز.
ويشير
السهيلي إلى ترابط النظم القرآني، معتمدا على نص من الحديث النبوي الذي يتكامل مع
الآيات القرآنية في تحديد إطار الصورة التي تحدد مهمته عليه الصلاة والسلام،
فيقول: "فإن
قيل كيف ينتظـم ) يا أيها المدثر( (المدثر: 1) مع قوله ) قم فأنذر ( (المدثر: 2)، وما الرابط
بين المعنيين حتى يلتئما في قانون البلاغة؟ ويتشاكلا في حكم الفصاحة؟ قلنا من صفته
عليه [الصلاة و] السلام ما وصف به نفسه حين قال: (أنا النذير العريان)([213])
وهو مثل معروف عند العرب، يقال لمن أنذر بقرب العدو وبالغ في الإنذار : هو النذير
العريان، وذلك أن النذير جاد يجرد ثوبه، ويشير به، إذا خاف أن يسبق العدو صوته،
وقد قيل إن أصل المثل لرجل من خثعم، سلبه العدو ثوبه، وقطعوا يده، فانطلق إلى قومه
نذيرا على تلك الحال، فقوله عليه [الصلاة و] السلام: (أنا النذير العريان) أي مثلي
مثل ذلك، والتدثر بالثياب مضاد للتعري، فكان في قوله: ) يا أيها المدثر ( مع قوله: )
قم فأنذر ( والنذير الجاد يسمى العريان، تشاكل بين، والتئام بديع، وسماقة في
المعنى، وجزالة في اللفظ"([214]).
وينوه أخيرا بالإعجاز الذي في كتاب الله، والذي مرده إلى
نظم القرآن الكريم، وما فيه من سمو الكلام وجمال الاستعارة، فيقول: "وعرفوا من سماقة
الكلام، وملاحة الاستعارة أنه معجز، فلم يتعاطوا له معارضة، ولا توهموا فيه
مناقضة"([215]).
المبحث الخامس: قضايا نقدية عامة
عرض السهيلي لموضوعات نقدية كثيرة في كتابه، من ذلك:
أولا: الموازنة بين الشعراء
الموازنة
بين الشعراء، ومعرفة مدى تقدم الواحد منهم على غيره، أو تقصيره دونه، أمر يعتبر من
صميم عمل الناقد الأدبي، وقد مارس السهيلي في كتابه هذا اللون من النقد، فقد وازن
بين قول حسان: ([216])
بهاليل
منهم جعفر وابن أمه علي
ومنهم أحمد المتخير
وبين
قول أبي نواس في نفس المعنى، فقال: "البهاليل: جمع بهلول، وهو الوضيء الوجه
مع الطول، وقوله: [منهم أحمد المتخير]: فدعا به بعض الناس لما أضاف أحمد المتخير
إليهم، وليس بعيب، لأنها ليست بإضافة تعريف، وإنما هو تشريف لهم حيث كان منهم،
وإنما ظهر العيب في قول أبي نواس:
كيف
لا يدنــيك من أمل من
رسول الله من نفره
لأنه
ذكر واحدا، وأضاف إليه، فصار بمنزلة ما عيب على الأعشى:
شتان
ما يومي على كورها ويوم
حيان أخي جابر
وكان
حيان أسن من جابر، وأشرف، فغضب على الأعشى، حيث عرفه بجابر، واعتذر إليه من أجل
الروي، فلم يقبل عذره، ووجدت في رسالة المهلهل بن يموت بن المزرع، قال: قال علي بن
الأصفر([217]):
وكان من رواة أبي نواس، قال: لما عمل أبو نواس:
*
أيها المنتاب عن عفره *
أنشدنيها،
فلما بلغ قوله:
كيف
لا يدنيك من أمل من
رسول الله من نفره
وقع
لي أنه كلام مستهجن في غير موضعه، إذ كان حق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضاف
إليه، ولا يضاف إلى أحد، فقلت له: أعرفت عيب هذا البيت؟ فقال: ما يعيبه إلا جاهل
بكلام العرب، وإنما أردت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من القبيل الذي هذا
الممدوح منه، أما سمعت قول حسان بن ثابت شاعر دين الإسلام:
ومازال في الإسلام
من آل هاشم دعائم
عز لا تنال ومفخر
بهالـيل منهم جعـفر
وابن أمه علي ومنهم
أحمد المتخير"([218])
فهنا
نجد السهيلي يقدم حسانا على أبي نواس، ويلتمس له العذر بإضافة أحمد المتخير إلى آل
هاشم، وذكر أنها إضافة تشريف، بخلاف أبي نواس الذي عيب بما عيب به الأعشى من قبله،
ولكنه مع هذا ينقل في الآخر وجهة نظر أبي نواس فيما عيب عليه من قبل راويته ذاته،
ورده على الراوية من خلال استشهاده بشعر حسان، وهذا يدل على منتهى الأمانة العلمية
عند السهيلي، وتقديره لآراء الشعراء ضمن عملية النقد الأدبي.
وفي
عرضه لسورة المسد، فرق السهيلي بين لفظ الجيد والعنق، لأن الأول للحلى، والثاني
للأغلال، قال: "وقوله (في جيدها) (المسد: 5) ولم يقل في عنقها، والمعروف أن
يذكر العنق إذا ذكر الغل، أو الصفع، كما قال تعالى: (إنا جعلنا
في أعناقهم أغلالا) (يس: 8)، ويذكر الجيد إذا ذكر إذا ذكر الحلى أو الحسن، فإنما
حسن هاهنا ذكر الجيد في حكم البلاغة، لأنها امرأة، والنساء تحلى أجيادهن، وأم جميل
لا حلى لها في الآخرة إلا الحبل المجعول في عنقها، فلما أقيم لها ذلك مقام الحلى
ذكر الجيد معه، فتأمله فإنه معنى لطيف، ألا ترى إلى قول الأعشى:
*
يوم تبدى لنا قتيلة عن جيد *
ولم
يقل عن عنق، وقول الآخر:
*
وأحسن من عقد المليحة جيدها *
ولم
يقل عنقها، ولو قاله لكان غثا من الكلام، فإنما يحسن ذكر الجيد حيث قلنا، وينظر
إلى هذا المعنى قوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) (آل عمران: 21) أي لا بشرى لهم
إلا ذلك، وقول الشاعر:
*
تحية بينهم ضرب وجيع *
أي:
لا تحية لهم، كذلك قوله: قوله (في جيدها حبل من مسد) (المسد: 5) أي ليس ثم جيد
يحلى، وإنما هو حبل المسد"([219]).
وهذا
الكلام كان بمثابة تمهيد لعقد موازنات بين الشعراء في هذه القضية، تبدأ من الأعشى
وتنتهي بالمولدين وما أضافوه في هذا المعنى، يقول السهيلي: "وأنشد
شاهدا على الجيد قول الأعشى:
يوم
تبدى لنا قتيلة عن جيد أسيل تزيينه الأطواق
وقوله:
تزيينه أي تزيده حسنا، وهذا من القصد في الكلام، وقد أبى المولدون إلا الغلو في
هذا المعنى، وأن يغلبوه، فقال في الحماسة حسين بن مطير:[220]
مبللة
الأطراف زانت عقودها بأحسن مما زينتها
عقودها
قال
خالد القسري لعمر بن عبد العزيز: من تكن الخلافة زينته، فأنت زينتها، ومن تكن
شرفته، فأنت شرفتها، وأنت كما قال مالك بن أسماء:
وتزيدين
أطيب الطيب طيبا إن
تمسيه أيــن مثلك أينا
وإذا
الدر زان حسن وجــوه كان
للدر حسن وجهك زينا
فقال
عمر: إن صاحبكم أعطى مقولا ولم يعط معقولا([221])" ([222]).
ويعلل
السهيلي سبب استهجان عمر بن عبد العزيز لكلام خالد القسري: فيقول: "وإنما لم
يحسن هذا من خالد، لما قصد به التملق، وإلا فقد صدر مثل هذا المعنى عن الصديق،
فحسن لما عضده من التحقيق والتحري للحق، والبعد عن الملق والخلابة، وذلك حين عهد
إلى عمر بالخلافة، ودفع إليه عهده مختوما، وهو لا يعرف ما فيه، فلما عرف ما فيه
رجع إليه حزينا كهيئة الثكلى، يقول: حملتني عبئا لا أضطلع به، وأوردتني موردا لا
أدري: كيف الصدر عنه، فقال له الصديق: ما آثرتك بها، ولكني آثرتها بك، وما قصدت
مساءتك، ولكن رجوت إدخال السرور على المؤمنين بك([223])" ([224]).
ويتابع
السهيلي مؤكدا أن الحطيئة سبك معنى كلام الصديق في نظمه، مستطردا إلى ذكر ما حصل
من نقل لهذا المعنى إلى النسيب، وإلى الغلو فيه عند المتاخرين، فيقول: "ومن
ههنا أخذ الحطيئة قوله:
ما
آثروك بها إذ قدمـــوك لها لكن لأنفسهم كانت بها الأثر
وقد
سبك هذا المعنى في النسيب عبد الله بن عباس الرومي، فقال:
وأحسن
من عقد المليحة جيدها وأحسن من سربالها المتجرد
ومما
هو دون الغلو وفوق التقصير، قول الرضي:
حليه
جيده لا ما يقلده وكحله
ما بعينيه من الكحل
ونحو
منه ما أنشده الثعالبي:
وما
الحلى إلا حيلة من نقيصة يتمم من حسن إذا
الحسن قصرا
فأمـا
إذا كان الجمال موفرا
فحسبك لم يحتج إلى أن يزورا
وسمعت
القاضي أبا بكر محمد بن العربي يقول: حج أبو الفضل الجوهري الزاهد ذات مرة، فلما
أشرف على الكعبة ورأى ما عليها من الديباج تمثل:
ما علق الحلى على صدرها
إلا لما يخشى من العين
تقـول والدر على نحرها
من علق الشين على الزين"([225])
وهذه
الأمثلة التي ساقها السهيلي والموازنات التي أقامها بين الشعراء في قضية الجيد والعنق
تدل على طول باعه في النقد، وعلى امتلاكه لذوق مرهف، بالإضافة إلى معرفة واسعة
بتراث العرب الشعري، بيد أن ذهابه إلى أن المولدين هم الذين غلوا في المعنى الذي
ساقه للأعشى من تزيين الأطواق للجيد، فعكسوا الأمر، وجعلوا الجيد يزين العقود،
فهذا حكم فيه نظر، وذلك أن أصل هذا المعنى كله كما ذكر المرزباني هو قول امرئ
القيس:([226])
ألم
ترياني كلما جئت زائرا وجدت
بها طيبا وإن لم تطيب
والمولدون
تبع لامرئ القيس في هذه المبالغة، بيد أنهم طوروا المعنى، ونقلوه من الطيب إلى
الحلى، والخلافة، والنسيب، والكعبة، وغير ذلك.
ثانيا:
الموقف من شعر المولدين:
ويعرض
السهيلي لقول مطرود بن كعب الخزاعي:([227])
يا
عين فابكي أبا الشعث الشجيات يبكينه حسرا مثل البليات
ويقول
فيه: "وفيه الشعث الشجيات، فشدد ياء الشجي، وإن كان أهل اللغة قد قالوا : ياء
الشجي مخففة، وياء الخلي مشددة([228])،
وقد اعترض ابن قتيبة على أبي تمام الطائي في قوله:
أيا
ويح الشجيِّ من الخليِّ وويح
الدمع من إحدى بَليّ
واحتج
بقول يعقوب في ذلك، فقال له الطائي: ومن أفصح عندك: ابن الجرمُقانية يعقوب، أم أبو
الأسود الدؤلي حيث يقول:
ويل
الشجيِّ من الخليِّ فإنه وَصِب
الفؤاد بشجوه مغموم
قال
المؤلف: وبيت مطرود أقوى في الحجة من بيت أبي الأسود الدؤلي، لأنه جاهلي محكَّك،
وأبو الأســود أو من صنع النحـــو، فشــعره قريب من التوليد"([229]).
هنا
يظهر أن أبا تمام متأثر بأبي الأسود الدؤلي، ولكن بقي السهيلي يرى في الشعر
الجاهلي المثل الأسمى للشعر العربي، واستشهد به بما يؤيد وجهة نظر أبي تمام الطائي
في تشديد ياء الشجي والخلي.
ثالثا: السرقات الشعرية
شغلت
السرقات الشعرية النقاد القدامى والمحدثين، وهي من أهم موضوعات النقد الأدبي،
وتبرز قدرة الشاعر وأصالته[230]،
وقد عرض لها السهيلي، من ذلك ما ذكره عند قول أنس بن زنيم الديلي يعتذر إلى الرسول
صلى الله عليه وسلم:([231])
تعلم
رسول الله أنك مدركي وأن
وعيدا منك كالأخذ باليد
قال:
"ومعناه من أحسن المعاني، ينظر إلى قول النابغة:
فإنك
كالليل الذي هو مدركـــي وإن
خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف
حجن في جبال متينة تمــد بهـا أيد إليك
نوازع
فالقسيم
الأول كالبيت الأول من قول النابغة، والقسيم الثاني كالبيت الثاني، لكنه أطبع منه
وأوجز، وقول النابغة: كالليل، فيه من حسن التشبيه ما ليس في قول الديلي([232])،
إلا أنه يسمج مثل هذا التشبيه في النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه نور وهدى، فلا
يشبه بالليل، وإنما حسن في قول النابغة أن يقول كالليل، ولم يقل كالصبح، لأن الليل
ترهب غوائله، ويحذر من إدراكه ما لا يحذر من النهار" ([233])،
هنا يظهر تفريق السهيلي بين ما يجوز في حق الملوك من الوصف، ولا يجوز بحق
الأنبياء، وكأنه يشير هنا إلى ضرورة مراعاة مقتضى الحال، فما يصلح ويحسن بممدوح
ما، قد لا يحسن بغيره، وهذا من القواعد المنهجية للبلاغة العربية، وهو ما ينبغي
للشاعر أن يتنبه إليه في الأخذ من غيره.
ويضيف
السهيلي موضحا أخذ بعض شعراء الأندلس لمعنى أنس بن زنيم، فيقول: "وقد أخذ بعض
الأندلسيين في هذا المعنى، فقال في هربه من ابن عباد:
كأن
بلاد الله وهي عريضة تشد بأقصاهـــا عليّ الأناملا
فأين
مفر المرء عنك بنفسه إذا كان يطوي في يديك المراحلا"([234])
ويبين
السهيلي مصدر التشبيه في قول النابغة: فإنك كالليل الذي هو مدركي… فيقول:
"وهذا كله معنى منتزع من القدماء، روى الطبري: أن منو شهر بن إيرج ...قال حين
عقد التاج على رأسه في خطبة له طويلة: أيها الناس: إن الخلق للخالق، وإن الشكر
للمنعم، وإن التسليم للقادر، وإنه لا أضعف من مخلوق طالبا أو مطلوبا، ولا أقوى من
طالب طلبته في يده، ولا أعجز من مطلوب هو في يد طالبه"([235]).
وذكر
السهيلي قول الطائي: ([236])
ظبي
تقنصته لما نصبت له من
آخر الليل أشراكا من الحلم
ثم
انثنى وبنا من ذكره سقم باق
وإن كان معسولا من السقم
وعلق
عليه ممتدحا له ومبينا أنه قد يكون مسترقا، يقول: "وقد أحسن في قوله:
من آخر الليل، تنبيها على أنه سهر ليله كله، إلا ساعة جاء الخيال من آخره، فكأنه
مسترق من قول حسان:
*
وخيال إذا تقوم النجوم * "([237])
يلاحظ أن السهيلي لا يجزم بالسرقة، وإنما استخدم لفظ
كأن، وهذا منتهى الدقة العلمية في إصدار الأحكام النقدية، والتي هي قائمة على
الاستقراء والاستنباط، فهي مجرد اجتهاد لا أكثر، وهو أمر كان القاضي الجرجاني قد
نبه إليه من قبل، حيث بين أن ما ذكره من سرقات المتنبي إنما كان استنادا إلى الظن
لا اليقين([238]).
رابعا:
الموقف من الشعر
يرى السهيلي أن الشعر كالنثر في الإباحة، وأن المذموم
منه هو ما هجي به رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد تحدث عن كراهة رواية أشعار
الكفرة، فقال: "لكني لا أعرض لشيء من أشعار الكفرة التي نالوا فيها من رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا شعر من أسلم وتاب، كضرار وابن الزبعرى، وقد كره كثير
من أهل العلم فعل ابن إسحاق في إدخاله الشعر الذي نيل فيه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ومن الناس من اعتذر عنه، قال: حكاية الكفر ليس بكفر، والشعر كلام، فلا فرق
بين أن يروى كلام الكفرة ومحاجتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وردهم عليه منثورا،
وبين أن يروى منظوما، وقد حكى ربنا سبحانه في كتابه العزيز مقالات الأمم
لأنبيائها، وما طعنوا به عليهم، فما ذكر من هذا على جهة الحكاية نظما أو نثرا،
فإنما يقصد به الاعتبار بما مضى، وتذكر نعمة الله على الهدى، والإنقاذ من العمى،
وقد قال عليه [الصلاة و] السلام: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خيرا له من أن يمتلئ
شعرا)([239])،
وتأولته عائشة رضي الله عنها في الأشعار التي هجي بها رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وأنكرت قول من حمله على العموم في جميع الشعر، وإذا قلنا بما روي عن عائشة
في ذلك، فليس في الحديث إلا عيب امتلاء الجوف منه، وأما رواية اليسير منه على جهة
الحكاية، أو الاستشهاد على اللغة، فلم يدخل في النهي، وقد رد أبو عبيد على من تأول
الحديث في الشعر الذي هجي به الإسلام، وقال: رواية نصف بيت من ذلك الشعر حرام،
فكيف يخص امتلاء الجوف منه بالذم؟ وعائشة أعلم، فإن البيت والبيتين والأبيات من
تلك الأشعار على جهة الحكاية بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله صلى
الله عليه وسلم، لا فرق، وقول عائشة الذي قدمناه ذكره ابن وهب في جامعه، وعلى
القول بالإباحة، فإن النفس تقذر تلك الأشعار، وتبغضها وقائليها في الله، فالإعراض
عنها خير من الخوض فيهـا
والتتبع لمعانيها"([240])
وهذا الموقف من السهيلي يدل على رؤية نقدية واعية لدور
الشعر والنثر في حياة الناس الأدبية، فلا يكره الشعر مطلقا، ولا النثر كذلك، وإنما
يكره إذا كان ترويجا للحملة الجاهلية ضد الدعوة الإسلامية، ومع هذا فهو لم يقل
بحرمته، لأن ناقل الكفر ليس بكافر.
وعرض السهيلي بعد ذلك إلى الموقف من الرجز، وذكر قول النبي صلى
الله عليه وسلم:([241])
أنا
النبي لا كذب أنا
ابن عبد المطلب
وقال
في التعقيب عليه: "وهو
كلام موزون، وقد تقدم الكلام في مثل هذا، وأنه ليس بشعر حتى يقصد به الشعر"([242]).
وفي
موضع آخر عرض للرجز مرة أخرى، وبين استجازة قوله من النبي عليه الصلاة والسلام بلا
قصد، لأن الرجز ليس بشعر كما سبق إذا لم يقصد به الشعر، يقول: "وقول النبي
صلى الله عليه وسلم حين رآهم: (الله أكبر، خربت خيبر)([243])
فيه إباحة التفاؤل، وقوة لمن استجاز الرجز"([244]).
يقف
السهيلي مع الصدق في الشعر، وكان قد عرض لقضية الصدق في الشعر في قضية تتصل
بالقوافي، ثم عرج من خلالها إلى قضية تتصل بالفواصل القرآنية، وذلك عند ذكر قول
لبيد بين يدي النعمان بن المنذر:([245])
*
نحن بني أم البنين الأربعة *
وقال
في التعقيب عليه: "... إنما قال : الأربعة، وهم خمسة، لأن أباه ربيعة قد كان
مات قبل ذلك، لا كما قال بعض الناس: وهو قول يعزى إلى الفراء أنه قال إنما قال
أربعة، ولم يقل خمسة من أجل القوافي، فيقال له: لا يجوز للشاعر أن يلحن لإقامة وزن
الشعر، فكيف بأن يكذب لإقامة الوزن، وأعجب من هذا أنه استشهد به على تأويل فاسد،
تأوله في قوله سبحانه: ) ولمن خاف مقام ربه جنتان
( (الرحمن: 46)، وقال: أراد جنة واحدة، وجاء بلفظ التثنية لتتفق
رءوس الآي، أو كلاما هذا معناه([246])،
فصمي صمام!، ما أشنع هذا الكلام!، وأبعده عن العلم!، وفهم القرآن!، وأقل هيبة
قائله أن يتبوأ مقعده من النار، فحذار منه حذار، ومما يدلك أنهم كانوا أربعة، حين
قال لبيد هذه المقالة، أن في الخبر ذكر يتم لبيد وصغر سنه، وأن أعمامه الأربعة
استصغروه أن يدخلوه معهم على النعمان حين همهم ما قاولهم به الربيع بن زياد،
فسمعهم لبيد يتحدثون بذلك، ويهتمون له، فسألهم أن يدخلوه معهم على النعمان، وزعم
أنه سيفحمه، فتهاونوا بقوله، حتى أخبروه بأشياء مذكورة في الخبر، فبان بهذا كله
أنهم كانوا أربعة، ولو سكت الجاهل لقل الخلاف والحمد له"([247]).وهو
بهذا الموقف يتفق مع الشيخ عبد القاهر الجرجاني([248])،
الذي أكد أنه يقف مع قضية الصدق الذي ينصره العقل، حيث قال: "وما كان العقل
ناصره، والتحقيق شاهده، فهو العزيز جانبه، والمنيع مناكبه"([249]).
كثيرا
ما يسوي النحويون بين الصيغ الصحيحة في الكلام، ولكن تبقى بعض الصيغ مقبولة أكثر
من بعضها الآخر من الناحية البلاغية، وهو أمر لم يلق إليه النحويون بالا، مما حدا
بالسهيلي أن ينبه إلى ذلك، وأن يلتفت إلى الفروق الدقيقة في التعبير بين صيغتي
المصدرين: مفعل وفعل من حيث هما مفردتان، ومن حيث استخدامهما في التركيب بالجملة،
ويبين أن معرفة دقائق استخدام الصيغ النحوية في التعبير الأدبي هو المدخل إلى
إعجاز القرآن، وذلك حين قال تعقيبا على قول حسان: ([250])
*
تبلت فؤادك في المنام خريدة *
"يجوز أن يكون المراد
بالمنام النوم، وموضع النوم ووقت النوم…ولا فرق عند النحويين بين مفعل في هذا
الباب وفعل، نحو: مضرب وضرب، ومنام ونوم، وكذلك هما في التعدية سواء، نحو: ضرب زيد
عمرا، ومضرب زيد عمرا، وأما في حكم البلاغة والعلم بجوهر الكلام، فلا سواء، فإن
المصدر إذا حددته قلت: ضربة ونومة، ولا يقال: مضربة ولا منامة، فهذا فرق، وفرق
آخر: تقول: ما أنت إلا نوم، وإلا سير، إذا قصدت التوكيد، ولا يجوز ما أنت إلا منام
وإلا مسير، ومن جهة النظر أن الميم لم تزد إلا لمعنى زائد، كالزوائد الأربع في
المضارع، وعلى ما قالوه تكون زائدة لغير معنى. فإن قلت: فما ذاك المعنى الذي تعطيه
الميم؟ قلنا: الحدث يتضمن زمانا ومكانا وحالا، فالمذهب عبارة عن الزمان الذي فيه
الذهاب، وعن المكان أيضا، فهو يعطي معنى الحدث وشيئا زائدا عليه، وكذلك إذا أردت
الحدث مقرونا بالحالة والهيئة التي يقع عليها، قال الله سبحانه: )
ومن آياته منامكم بالليل والنهار ( (الروم: 23) فأحال على التفكر في هذه الحالة المستمرة على البشر،
ثم قال في آية أخرى: ) لا تأخذه سنة ولا نوم ( (البقرة: 255)، ولم يقل
منام لخلو هذا الموطن من تلك الحالة، وتعريه من ذلك المعنى الزائد في الآية الأخرى،
ومن لم يعرف جوهر الكلام لم يعرف إعجاز القرآن"([251]).
وفي
استدراك آخر على النحاة يرى السهيلي أن كلمة الحجيج اسم للجمع وليست جمعا لحاج،
لأنها على صيغة فعيل، ولو كان مفردها حاج لجاز تصغيره بالقياس على غيره مثل كلمة
عبد التي هي مفرد عبيد، ويبين من خلال الكتاب العزيز صدق دعواه، ذكر ذلك تعقيبا
على قول علي بن أبي طالب: "سمعت
من يحدث عن عبد المطلب أن قيل له حين أمر بحفر زمزم([252]):
ثم
ادع بالماء الروي غير الكدر يسقي حجيج الله
في كل مَبَر
ليس يخاف منه شيء ما
عمر".
حيث
قال: "الحجيج جمع حاج، وفي الجموع على وزن فعيل كثير كالعبيد، والبقير،
والمعيز، والأبيل، وأحسبه اسما للجمع، لأنه لو كان جمعا له واحد من لفظه، لجرى على
قياس واحد كسائر الجموع، وهذا يختلف واحده، فحجيج واحده حاج، وعبيد واحده عبد،
وبقير واحده بقرة، ومعيز واحده ماعز، إلى غير ذلك، فجائز أن يقال إنه اسم للجمع،
غير أنه موضوع للكثرة، ولذلك لا يصغر على لفظه، كما تصغر أسماء الجموع، فلا يقال
في العبيد: عُبيد، ولا في النخيل: نخيل، بل يرد إلى واحده، كما ترد الجموع في
التصغير، فيقال: نُخيلات وعُبيدون، وإذا قلت: نخيل أو عبيد، فهو اسم يتناول الصغير
والكبير من ذلك الجنس، قال الله سبــحانه: ) وزرع ونخيل ( (الرعد: 4)، وقال : )
وما ربك بظلام للعبيد( (فصلت: 46)، وحين ذكر المخاطبين منهم قال : العباد، وكذلك حين ذكر
المثمر من النخيل: )والنخل
باسقات( (ق: 10)، وقال: )أعجاز
نخل منقعر( (القمر: 20)، فتأمل الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة واختيار
الكلام، وأما في مذهب أهل اللغة، فلم يفرقوا هذا التفريق، ولا نبهوا على هذا الغرض
الدقيق"([253]).
سابعا: اللفتات الجمالية:
يشير السهيلي خلال شرحه للسيرة إلى كثيرة من اللفتات الجمالية
في البيان العربي، ويستطرد إلى ذكر النظائر الأسلوبية للتعابير الجمالية، ويدعو
إلى تأملها، والاستمتاع بها، مما يسهم في تربية الحاسة الفنية عند الباحث والدارس
على حد سواء، من ذلك ما ذكره عند قول عباس بن مرداس:([254])
ما بـال عينك فيها عائر سهر مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
قال السهيلي في التعقيب عليه: "الحماطة من ورق
الشجر: ما فيه خشونة وحروشة… والعائر: كالشيء يتنخس في العين كأنه يعورها، وجعله
سهرا وإنما السهر الرجل، لأنه لم يفتر عنه، فكأنه قد سهر، ولم ينم، كما قال الآخر
في وصف برق:
حتى
شئاها كليل موهنا عمل باتت طرابا وبات الليل
لم ينم
شئاها: شاقها، يقال: شاء وشاءة بمعنى واحد، أي : شاقه،
وأنشد:
* ولقد عهدت تشاء بالأظعان *
فتأمله فإنه من بديع المعاني"([255]).
ولا ريب أن في البيت الأول استعارة، حيث استعار لفظ
العائر للألم الذي يؤذي العين على سبيل المبالغة، وأسند إليه السهر على طريقة
المجاز العقلي، وإنما السهر صاحب العين، ثم أتبع الشاعر الشطر الأول من البيت بذكر
تشبيه في الشطر الثاني يؤكد المعنى الذي ساقه في الشطر الأول، والبيت كله بما فيه
من الصور الحسية تجسيد لمعاناة الشاعر قالها على سبيل التجريد، ونحو هذه المعاناة
ما ورد في معاناة شاعر آخر نسب السهر والشوق إلى البرق، وإذا كان البرق مشتاقا
فكيف بالإنسان الذي يرقبه؟، إنها جماليات البيان العربي، وعبقرية اللغة العربية
التي يجيد فيها الشعراء التعبير عما في نفوسهم بمختلف الأساليب البليغة، والإشارة
إلى ما في أساليبهم من مكنون الجمال هو لمح من العبقرية أيضا عند الناقد العربي،
لذلك اكتفى السهيلي بدعوة قارئه إلى التأمل بالجمال الخالد في البديع من المعاني،
بعد أن ملكه مفتاح الجمال، بدون تفصيل وتطويل، معتمدا على فطنة القارئ ولمح
العبقرية في قراءة الجمال عند من يملك حسا أدبيا مرهفا من أبناء العرب.
ثامنا: التضمين
وهو من عيوب القوافي عند علماء العروض والنقاد([256])، حيث تتعلق قافية البيت بالذي يليه، فلا يمكن الفصل بينهما، وقد ذكر
السهيلي مصطلح التضمين، عقب قول حسان
يبكي جعغر بن أبي طالب رضي الله عنه:([257])
بعد
ابن فاطمة المبارك جعفر خير
البرية كلها وأجلـهـا
رزءا
وأكرمها جميعا محتـدا وأعزها
متظلما وأذلـهــا
للحق
حين ينوب غير تنحل كذبا
وأنداها يدا وأقلهــا
فقال:
"وذكر
أبيات حسان وفي بعضها تضمين، نحو قوله: وأذلها، ثم قال في أول بيت آخر: للحق،
وكذلك قال في بيت آخر: وأقلها، وقال في الذي بعده: فحشا، وهذا يسمى التضمين، وذكر
قدامة في كتاب نقد الشعر أنه عيب عند الشعراء([258])،
ولعمري إن فيه مقالا، لأن آخر البيت يوقف عليه، فيوهم الذم، في مثل قوله: وأذلها،
وكذلك: وأقلها، وقد غلب الزبرقان على المخبل السعدي، واسمه كعب بكلمة قالها المخبل
أشعر منه، ولكنه لما قال يهجوه:
وأبوك
بدر كان ينتهز الخصى وأبي الجواد
ربيعة بن قتال
وصل
الكلام بقوله: وأبي، وأدركه بهرأ وسعلة، فقال له الزبرقان: فلا بأس إذا، فضحك من
المخبل وغلب عليه الزبرقان، وإذا كان هذا معيبا في وسط البيت، فأحرى أن يعاب في
آخره، إذا كان يوهم الذم ولا يندفع ذلك الوهم إلا بالبيت الثاني، فليس هذا من
التحصين على المعاني، والتوقي للاعتراض"([259]).
كما
عرض السهيلي إلى بحور الشعر كثيرا في شرحه، وأبدى رأيه في
صنيع الشعراء وهفواتهم العروضية أحيانا.
الخاتمـــة:
استعرضت في هذا البحث حياة السهيلي ومنهجه في كتابه الروض
الأنف، وعرضت للقضايا البلاغية المتعلقة بعلم المعاني والبيان والبديع، ثم تناولت
طرفا من حديثه عن البلاغة القرآنية وإعجاز القرآن، وكذلك من حديثه عن البيان
النبوي، وختمت البحث بذكر بعض القضايا النقدية التي عرض لها السهيلي، وأخلص من هذا
البحث إلى تقرير الآتي:
أولا: إن السهيلي بذلا جهدا لا بأس به في الجانب البلاغي
في شرحه لسيرة ابن هشام. ولكنه ابتعد إلى حد كبير عن المصطلحات البلاغية المتشعبة،
فهو يكتفي مثلا بذكر مصطلح التشبيه أو الاستعارة دون ذكر التشعيبات الكثيرة لهذه
المصطلحات.
ثانيا: يمتلك السهيلي حس الناقد ومقوماته، وله اعتداد
بشخصيته، فهو يرد أحيانا على النحاة بمنهجية علمية، وأسلوب ينم عن معرفة واسعة
فيما يخوض فيه، ويتخذ لنفسه الرأي الصحيح.
ثالثا: في كتاب السهيلي ذخر علمي وأدبي وبلاغي للراغبين
بهذه العلوم، لذلك أرى أنه بحاجة إلى التحقيق العلمي وإخراجه من جديد بما يليق مع
صاحب السيرة عليه الصلاة والسلام، ولا سيما أن مراكز التحقيق والنشر للتراث العربي
والإسلامي منتشرة بحمد لله في عالمنا العربي، والطبعة القديمة للروض الأنف كانت
ملائمة لعصرها، وينبغي إعادة إصدار هذا الكتاب وفق منهجية تحقيق التراث العلمي،
لينتفع منه الباحثون والطلاب على حد سواء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
(1)
نسبة إلى خَثْعم بن أنمار، وهو أبو قبيلة من
معد. انظر: القاموس المحيط، مادة (خثعم).
(4)
انظر في ترجمته: وفيات الأعـــيان، لابن خلكان،
تحقيق: الدكتور إحسان عباس، (3/371). و البداية والنهاية لابن كثير، (12/318).
والأعلام للزركلي، (3/313).
(22)
في تفسير الكشاف للزمخشري (2/721): (فإن قلت لم
أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه دخل ما هو جنته ماله جنة غيرها، يعني أنه لا
نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد
الجنتين ولا واحدة منهما).
(24)
انظر: تفسير الكشاف للزمخشري، (1/531). وأدب
الكاتب لابن قتيبة، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ص (502-504)، دار المطبوعات
العربية،بيروت.
(26)
في تفسير الكشاف للزمخشري، (3/177): (طفلا:
والمعنى كل واحد منكم، أو اقتصر على الواحد لأن الغرض بيان الجنس).
(34)
لم أجده بهذا اللفظ، ولكن ورد أحاديث قريبــة
من معـناه، انظر: مشـكاة المصابيح، (3/1389، 1393) الحديث رقم: (4979)، و (5002).
(35)
رواه مسلم ولفظه: (من عال جاريتين حتى تبلغا
جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا) وضم أصابعه، انظر: مشكاة المصابيح، (3/1384).
(41)
انظر: شرح ابن عقيل بتحقيق محمد محيي الدين عبد
الحميد، (1/496). ولفظه: (ولو أن مجدا
أخلد الدهر واحدا..)
(83)
رواه البيهقي عن عبد الله بن عتيك، انظر: سبل
الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، للشامي، تحقيق د. مصطفى عبد الواحــد، ص (133).
ومجمـع الأمـثال، للميداني، (2/266) وهو فيه بلا نسبة.
(85)
الحديث بلا عزو في: سبل الهدى والرشاد في سيرة
خير العباد، ص (134). وهو أيضا في مجمع الأمثال للميداني، (2/225) بلا عزو.
(86)
رواه أبو داود، انظر: باب النداء عند النفير :
يا خيل الله اركبي، والحديث فيه عن سمرة بن جندب، وفيه: (أما بعد، فإن النبي صلى
الله عليه وسلم سمى خيلنا خيل الله إذا فزعنا…) . انظر: سنن أبي داود(3/55).
(112)
صحيح البخاري، تحقيق د. مصطفى ديب البغا،
(2/574) الحديث رقم (1509). ولفظه: (وقد رأيت
أساس إبراهيم، حجارة كأسنمة الإبل).
(151)
لفظ الحديث: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق
للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في
أصلاب آبائهم). انظر: مشكاة المصابيح، (1/31).
(176)
هذه الصورة الثانية من صور المشاكلة، حيث لا
يشترط تقدم لفظ المشاكلة دائما وتكراره مرتين إذا وجدت قرينة حالية تدل عليه.
انظر: الإيضاح في علوم البلاغــة، ص (495).
(178)
صحيح، وورد بألفاظ مختلفة، وقد رواه أحمد
والبيهقي والترمذي وابن ماجة، انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي،
(6/96). ونحوه في شرح السنة، انظر: مشكاة المصابيح، (2/1011).
(188)
يشير إلى حديث رواه مسلم عن أبي هريرة، وفيه:
(خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحـــد…) انظر نص الحديث في
مشكاة المصـابيح، (3/1597).
(192)
الحديث في مسند أحمد ولفظه:(أيما رجل ظلم شبرا
من الأرض كلفه الله عز وجل أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه إلى يوم
القيامة حتى يقضي الناس). انظر: مشكاة المصابيح، (2/892).
(197)
رواه مسلم عن حذيفة،
انظر: صحيح مسلم بشرح النووي، تحقيق خليل مأمون شيحا، باب غزوة الأحزاب، (12/357).
(198)
انظر: المعجم الكبير، للطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، (6/202-203)
الحديث رقم (6001). وقد رواه سهل بن سعد، وفي خاتمته: (قال سهل: فوالله إن كان
لأحب أسمائه إليه)، وانظر أيضا: تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص(155).
(217)
الخبر في الموشح في مآخذ العلــماء على الشعراء
للمرزباني، تحقيق علي محمد البجاوي، ص (345)، وفيه: (أبو علي بن الأصفر).
(220)
انظر: شرح ديوان الحماسة المنسوب للمعري، تحقيق
د. حســـين محمد نقشة، (2/676) وورد في الشطر الأول من البيت الأول: [مخصرة
الأطراف]. والبيتان في الموشح للمرزباني أيضا، ص (281-282).
(228)
من أمثال العرب: (ما يلقى الشجي من الخلي) بالتشديد على
الياءين كما ورد في مجمع الأمثال للميداني، (2/273).
(246)
نص كلام الفراء كما ورد في معاني القرآن
(3/118) كالتالي: "ذكر المفسرون أنهما بستانان من بساتين الجنة، وقد يكون في
العربية جنة تثنيها العرب في أشعارها… وذلك أن الشعر له قواف يقيمها الزيادة
والنقصان، فيحتمل ما لا يحتمله الكلام".
(258)
أطلق قدامة على التضمين، مصطلح المبتور، وهو عنده: (أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية
ويتمه في البيت الثاني). وقد تحدث عنه في الحديث عن عيوب ائتلاف المعنى والوزن
معا، انظر: نقد الشعر، بتحقيق الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، ص (209).
المصادر والمراجع
1-
أدب الكاتب لابن قتيبة، تحقيق محمد محيي الدين
عبد الحميد، دار المطبوعات العربية،بيروت.
2-
أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق هـ.
ريتر، دار المسيرة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ/1983م.
3-
الأعلام، للزركلي، دار العلم للملايين، بيروت،
الطبعة السادسة، 1984م.
4-
الإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني، تحقيق د.
محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الخامسة، 1403هـ/1985م.
5-
البدايـة والنهايـة لابن كثير، مكتبة المعارف،
بيروت، الطبعة الثانية، 1411هـ/1990م.
6-
البيان والتبيين، بتحقيق عبد السلام هارون،
مكتبة الخانجي بمصر، الطبعة الرابعة، 1395هـ/1975م.
7-
تاريخ الخلفاء، للسيوطي، دار الفكر، بيروت.
8-
تلخيص البيان في مـجازات القرآن، للشـريف
الرضي، تحقيق د. علي محمود مقلد، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1986م.
9-
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن
هشام، لأبي القاسم عبد الحمن بن أبي الحسن الخثعمي، السهيلي، قدم له وعلق عليه: طه عبد الرءوف سعد، دار الفكر، بيروت، 1409هـ/1989م.
10- سبل الهدى
والرشاد في سيرة خير العباد، للشامي، تحقيق د. مصطفى عبد الواحد، المجلس الأعلى
للشئون الإسلامية، القاهرة، 1394هـ/1974م.
11-
سر الفصاحة، لابن سنان الخفاجي، دار الكـتب
العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1402هـ/1982م.
12-
سنن أبي داود، إعداد عزت عبيد الدعاس، وعادل
السيد، دار الحديث، حمص، الطبعة الأولى، 1389هـ/1969م.
13-
السيرة النبوية لابن هشام، قدم له وعلق عليه:
طه عبد الرءوف سعد، دار الفكر، بيروت، 1409هـ/1989م.
14-
صحيح البخاري، تحقيق د. مصطفى ديب البغا، مؤسسة
علوم القرآن، عجمان، الطبعة الثالثة، 1407هـ/1987م.
15-
صحيح مسلم بشرح
النووي، تحقيق خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثثة،
1417هـ/1996م.
16- شرح ابن
عقيل بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي.
17-
شرح ديوان الحماسة المنسوب للمعري، تحقيق د.
حسين محمد نقشة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1411هـ/1991م.
18- شرح
المفصل، لابن يعيش، عالم الكتب، بيروت.
19-
شروح التلخيص (عروس الأفراح) للسبكي، مكتبة
السرور، بيروت، (مصورة عن طبعة الحلبي).
20-
فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، دار
الفكر.
21- القاموس
المحيط، للفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1407هـ/1987م.
22-
الكتاب، لسبويه، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1977م.
23-
كتاب التبيان في المعاني والبديع والبيان، للطيـبي، بتحقيق د. هادي عطية الهلالي،
عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى،
1407هـ/1987م.
24- كتاب دلائل
الإعجاز، للجرجاني، بتحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة.
25-
كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم
حقائق الإعجاز، للعلوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1402هـ/
1982م.
26-
الكشاف للزمخشري، رتبه مصطفى حسين أحمد، دار
الكتاب العربي، بيروت، 1406هـ/1986م.
27- مجمع
الأمثال للميداني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
28-
مختصر تفسير ابن كثير، للصابـــوني، دار القرآن
الكريم، بيروت، الطبعة السابعة، 1402هـ/1981م.
29-
معاني القرآن، للفراء،
عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ/1983م.
30-
المعجم الكبير، للطبراني،
تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، 1405هـ/1985م.
31-
الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء للمرزباني،
تحقيق علي محمد البجاوي، دار الفكر العربي، القاهرة.
32-
نقد الشعر، قدامة بن
جعفر، تحقيق الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة،
الطبعة الأولى،
1399هـ/1979م.
33- النقد
المنهجي عند العرب، د. محمد مندور، دار نهضة مصر، القاهرة.
34- الوساطة،
تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي.
35- وفيات
الأعيان، لابن خلكان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت.