قاعدة

الإسلام يعلو ولا يُعلى

دراسة تأصيلية وتطبيقية

 

 

د. عابد بن محمد السفياني

أستاذ مساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة أم القرى

 

 

ملخص البحث

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه ، وبعد : فإن القاعدة الفقهية (الإسلام يعلو ولا يُعلى) قد وردَ النصّ الشرعي بها ، واستدلّ بها الفقهاء - رحمهم الله - في أبواب متعددة ، ولم تذكر هذه القاعدة في كتب القواعد إلا نادراً مع أهميتها.

وقد اشتمل هذا البحث على بيان المصادر الفقهية لهذه القاعدة ، وتأصيل أدلتها الشرعية الدالة على وجوب العمل بها واعتبارها في الأحكام ، كما اشتمل على أبرز التطبيقات من الأبواب الفقهية ذات الصلة بهذه القاعدة ، واشتمل أيضاً على تطبيقات معاصرة .

وقد التزمت في هذا البحث بالمنهج الفقهي في دراسة القاعدة الفقهية من حيث شرح مفرداتها ، وعزوها ، وتوثيقها ، وجمع الأدلة من الكتاب والسنّة على ثبوتها ، وإبراز الفروع الفقهية ، وتخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها وبيان مرتبتها .

هذا وقد ذكرت التطبيقات من كتاب النكاح والطلاق والبيع والإجارة والاسترقاق وأحكام أهل الذمّة والسير والجهاد واللقيط والقصاص والقضاء والفتوى .

وذكرت بعض التطبيقات المعاصرة ، وبينت ارتباطها بهذه القاعدة وبيان أثرها على بعض المسائل المستجدة .

وقد توصلت في هذا البحث إلى نتائج ذكرتها في الخاتمة بعد دراسة هذه القاعدة تأصيلاً وتطبيقاً .

والله الموفق ، وهو نِعم المولى ونِعم الوكيل ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

المقدمة :

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى أصحابه والتابعين لهم بإحسان .. أما بعد :

فإنّ هذه القاعدة الفقهية (الإسلام يعلو ولا يُعـلَى) قاعدة جليلة القدر ، قد ورد النصّ الشرعي بها ، واستدلّ بها الفقهاء - رحمهم الله - في أبواب فقهية متعددة . ومن الأسباب التي تدلّ على أهمية هذا البحث ما يلي :

1- بيان المصادر التي ذكرت هذه القاعدة وتوثيقها ، خاصة أنّ كتب القواعد في الجملة لم تهتمّ بهذه القاعدة كما اهتمّت بالقواعد التي هي أقلّ رتبةً منها .

2- بيان الأدلة الشرعية الدالة على وجوب العمل بهذه القاعدة واعتبارها في الأحكـام .

3- جمع أبرز التطبيقات الفقهية من الأبواب الفقهية المشتهرة المبنية على هذه القاعدة .

4- ضمّ بعض المسائل المعاصرة لتطبيقات هذه القاعدة .

 

منهج البحث :

1- شرح مفردات القاعدة .

2- عزو القاعدة وتوثيقها .

3- جمع الأدلة على إثباتها .

4- ذكر أبرز الفروع الفقهية من الأبواب المشتهرة المبنية عليها .

5- التزام طريقة المؤلفين في القواعد من حيث ذِكر الفرع المبنى على القاعدة مع عدم التفصيل في مسائل الخلاف(1).

6- تخريج الأحاديث وعزوها إلى مصادرها المعتمدة ، مع بيان الصحيح منها والضعيف .

7- وضع فهرس للمراجع وآخر لمسائل البحث .

 

خطة البحث :

قمتُ بجمع أدلة القاعدة من النصوص الشرعية من الكتاب والسنّة ، واستقراء نصوص الفقهاء التي تدلّ على استدلالهم بهذه القاعدة من المذاهب المشهورة ، وتتبعتُ أبرز الفروع الفقهية من الأبواب ذات العلاقة المرتبطة بها ، وجعلت ذلك في مباحث :

المبحث الأول : شرح مفردات القاعدة وبيان معناها .

المبحث الثاني : عزو القاعدة وتوثيقها .

المبحث الثالث : الأدلة على إثباتها .

المبحث الرابع : التطبيقات الفقهية :

   المطلب الأول : في النكاح والفرقة .

   المطلب الثاني : في البيع والإجارة والاسترقاق .

   المطلب الثالث : في أحكام أهل الذمّة .

   المطلب الرابع : في أحكام اللقيط .

   المطلب الخامس : في القصاص .

   المطلب السادس : في القضاء والفتوى .

ثم خاتمة البحث أذكر فيها أهمّ نتائجه ..

هذا وأسأل الله U القبول والتوفيق والسداد في القول والعمل . وما كان فيه من صواب فَمِن الله سبحانه وتعالى ، وما كان فيه من خطأ وتقصير فأستغفر اللهَ U منه ، وأسأله المعونة على تداركه ، إنه سميعٌ مجيب .

وصـلى الله وسـلم علـى نبينـا محمـدوعلى آله وصحبه أجمعين ..

 

المبحث الأول : شرح مفردات القاعدة وبيان معناها

تشتمل قاعدة (الإسلامُ يعلو ولا يُعلَى) على هذه الألفاظ : (الإسلام) و(يعلو) (ولا يُعلَى) .

1- (الإسلام) والاستسلام : الانقياد ، والإسلام : إظهار الخضوع وإظهار الشريعة والتزام ما أَتى به النبي r .

ويقال : فلانٌ مُسْلم : أي : مستسلم لأمر الله ، وفلان مُسلم : أي : مُخلص لله العبادة ، مِن قولهم : سَـلَّمَ الشيءَ لفلان : أي : خلَّصه ، وَسَـلِمَ له الشيء :
أي : خلَصَ له .

وقوله تعالى : { ادْخُلُوا في السّـِـلْمِ كَافَّة } ، [البقرة 208] ، أي : ادخلوا في السّـِلم : أي : الإسلام وشرائعه كلها ، والسَّـلْمُ : الانقياد والاستسلام ، والتَّسْليم : بذل الرِّضا بالحـكم(2).

و(الشريعة في كلام العرب : مشرعة الماء ، وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويسقون)(3)، (والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماءُ عَداً لا انقطاع فيه ، ويكون ظاهراً معيناً لا يُسقى بالرشاء)(4).

ويشمل لفظ الشريعة :

أولاً : التوحيد ، وهو إفراد الله بالعبادة . قال تعالى : { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الـمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَـيْهِ اللهُ يَجْـتَبِي إِلَيْـهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيب } [الشورى 13] .

ثانياً : الأحكام الشرعية ، ومنه قوله تعالى : { لِكُلٍّ جَعَلْـنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } [المائدة 48] .

ثالثاً : ويُطلق لفظ الشريعة على التوحيد والأحكام ، ومنه قوله تعالى : { ثُمَّ جَعَلْـنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون } [الجاثية 18] .

والإسلامُ شامل لذلك كله ، فيدخل فيه قبول الدين كله .

ومنه : الاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد لله بالطاعة ، والخلوص من الشرك .

وهذه المعاني الشرعية تتناسب تناسباً ظاهراً مع المعاني اللغوية ، فقد وردَ في النصوص السابقة في لغة العرب : أنّ معنى (فلانٌ مسلم) : أي : مخلص ، والاستسلام: الانقياد ، والتسليم : الرّضا بالحكم ، والإسلام : إظهار الخضوع والالتزام بالشريعة ، والشريعة تشمل التوحيد وسائر الأحكام .

2- (يعلو ولا يُعلَى) : العلوّ ضدّ السفل ، والعُـلوّ : الارتفاع ، والـمَعْلاةُ : كسب الشرف ، والجمع : (المعالي) ، والعَـلْياءُ : كلّ مكان مُشْرِفٍ ، ويقال : عَـلِيَ في المكارم يَعْـلَى عَلاءً ، وعلا في المكان يَعلو عُلوّاً(5).

وعلا الشيء عُلوّاً فهو عَليّ ، وتَعلَّى .

والأعلى : هو الله سبحانه ، وهي صفته ، والعَلياء : (السماء) اسم لها . والعلو: ارتفاع أصل البناء . و { إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي عِلّيّـِين } أي: في أعلى الأمكنة.

وعليّ : اسم ، فإما أن يكون مِن القوة ، وإما أن يكون مِن علا يَعلو(6).

ومنه قوله تعالى:{ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتـُمُ الأَعْـلَوْنَ إِنْ كُنْـتُمْ مُؤْمِنِين }[آل عمران 139] قـال القرطبي في هذه الآية : بيان لفضل هذه الأمّة ؛ لأنّه خاطبهم بما خاطب به أنبياءَه ؛ لأنّه قال لِموســى : { إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْـلَى } ، وقال لهذه الأمة : { وَأَنْتـُمُ الأَعْـلَوْن }(7).

فالمؤمن هو (الأعلى) ، ودينه الإسلام يعلو ولا يُعلى .

والمعاني اللغوية تتناسب مع المعنى الشرعي لهذه القاعدة ؛ لأنّ المؤمن قويٌّ بإيمانه ، فلا يهن ولا يحزن ؛ لأنّه هو الأعلى ، فدينه الإسلام ، وهو للناسِ كافة ، ختم الله به الرسالات ، ولا يقبل ديناً سواه ، وقد شرّف الله به المسلم ، إذْ أوجبَ عليه التحاكم إليه ؛ لشرف هذا المنهج ، ولأنه دين الفطرة . ومِن شرف المسلم أنّ اللهَ جعل العزة له ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين والكافرين والمشركين لا يعلمون ، وكل هذه المعاني المتضمنة في هذه القاعدة تنبني عليها فروع تطبيقية كما سيأتي معنا في المباحث التالية بإذن الله .


المبحث الثاني : عزو القاعدة وتوثيقها

نصَّ على هذه القاعدة جمال الدين بن عبد الهادي(8)، فقال :

( القاعدة الثلاثون : الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه )(9).

وذكرها من المعاصرين الشيخ محمد صدقي البورنو فقال :

( القاعدة الثالثة والثلاثون بعد المائتين : الإسلام يعلو ولا يُعلَى )(10).

وهذه القاعدة علّل بها بعض فقهاء الصحابة والتابعين ؛ فقد روى ابن حزمٍ بسنده عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في اليهودية أو النصرانية تُسلم تحت اليهودي أو النصراني قال : ( يُفرَّق بينهما ؛ الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه )(11).

قال ابن حزم : ( وبه يفتي حـمّاد بن زيد(12))(13).

فظاهر ما رواه ابن حزم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه علل بالمعنى الذي تضمنته هذه القاعدة ، وكذا ما نقله ابن حزم عن حماد بن زيد ظاهره أنه كذلك .

وقد اعتبر أصحاب المذاهب الفقهية هذه القاعدة في علل الأحكام الشرعية :

1- قال السرخسي(14) - معلّلاً بهذه القاعدة - : ( إذا أسلمَ أحد الزوجين فإنّ الإسلامَ يعلو ولا يُعلى عليه ، فلا يكون اعتقاد الآخر معارضاً لإسلام المسلم منهما )(15).

وقال ابن عابدين(16): ( إذا أسلمَ أحدُ الزوجين يفرّق بينهما ؛ لأنّه بإسلام أحدهما ظهرت حرمة الآخر ؛ لتغير اعتقاده ، واعتقاد المصرّ لا يعارض إسلام المسلم؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعـلَى )(17).

2- وقال القرافي(18): ( وكره مالك تعليم المسلم عند الكفار كتابهم ؛ لأنّ الإسلامَ يعلو ولا يُعلَى عليه )(19).

3- وقال الشيرازي(20): ( وإذا أسلمَ أحدهما - أي : أحد الأبوين - والولد حَمْلٌ تبعهُ في الإسلام ؛ لأنّه لا يصحّ إسلامه بنفسه ، فتبع المسلم منهما؛ لأنّ الإسلام أعلى ، فكان إلحاقه بالمسلم منهما أَولى )(21).

وقال ابن حجر الهيتمي(22): ( ويحكم بإسلام اللقيط(23) إذا كان من أبوين كافرَين ثم أسلم أحدهما ؛ لأنّ الإسلامَ يعلو ولا يُعـلَى )(24).

4- وقال ابن قدامة(25): ( الولد يتبع أبويه في الدين ، فإذا اختلفا وجبَ أن يتبع المسلم منهما ، كولد المسلم من الكتابية ، ولأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى .. )(26).

وقال الشيخ منصور بن يونسف البهوتي(27): ( واللقيط مسلم إذا وُجد في دار الإسلام ؛ لظاهر الدار ، وتغليب الإسلام ، فإنه يعلو ولا يُعلى عليه .. )(28).

5- ونقل ابن حزم تعليل ابن عباس بهذا المعنى الذي تضمنته هذه القاعدة، واستفاد من ذلك في فروعٍ كثيرةٍ سيأتي ذِكرها - إن شاء الله تعالى -(29).

 

المبحث الثالث : الأدلة على إثباتها

1- قال البخاري : حدّثنا علي بن عبد الله حدّثنا سفيان قال : قال عبد الله : سمعتُ ابن عباس رضي الله عنهما يقول : (( كنتُ أنا وأمي من المستضعفين ، أنا من الولد ، وأمي من النسـاء ))(30).

ورواه معلَّقاً فقال : كان ابن عباس رضي الله عنهما مع أمّه من المستضعفين ، ولم يكن مع أبيه على دينِ قومه ، وقال : (( الإسلام يعلو ولا يُعلَى ))(31).

2- حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : (( الإسلام يعلو ولا يُعلى )) رواه حماد ابن زيد عن أيوب عن عِكرمة عنه في اليهودية والنصرانية تكون تحت النصــراني أو اليهودي فتُسلِم هي ، قال : (( يُفرّق بينهما ؛ الإسلام يعلو ولا يُعلَى )) .

قال ابن حجر : ( وذكره ابن حزم في المحلى عن طريق حماد بن زيد بلفظه )(32)، حيث قال ابن عباس رضي الله عنهما في اليهودية أو النصرانية تُسْلِم تحت اليهودي أو النصراني ، قال : (( يُفرّق بينهما ؛ الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه ))(33).

3- روَى البيهقي عن حشرج بن عبد الله بن حشرج حدثني أبي عن جدي عنه أنه جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب ورسول الله r حوله أصحابه ، فقالوا : هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو ، فقال رسول الله r :
(( هذا عائذ ابن عمرو وأبو سفيان ؛ الإسلام أعزُّ مِن ذلك ، الإسلام يعلو ولا يُعلَى ))(34).

قال الحافظ ابن حجر في الفتح - تعليقاً على صنيع الإمام البخاري في الترجمة بعد أن ذكر أنّ عباس وأمّه مِن المستضعفين ، قال البخاري : وقال : (( الإسلام يعلو ولا يُعلى )) - :

( كذا في جميع نسخ البخاري لم يُعين القائل ، وكنتُ أظنّ أنه معطوفٌ على قول ابن عباس ، فيكون مِن كلامه ، ثمّ لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير(35)، ورأيته موصولاً مرفوعاً من حديث غيره ، أخرجه الدارقطني(36) ومحمد بن هارون الروياني في مسنده(37) من حديث عائذ ابن عمرو المزني بسـندٍ حسن ) . ثم ذكر الحديث بلفظه(38).

والحديث في سنده عبد الله بن حشرج وأبوه ، وهما مجهولان ، ويتقوّى - كما قال الألباني رحمه الله -(39) بالحديث الذي بعده .

4- حديث معاذ ، وذكره الزيلعي في نصب الراية قال : رواه نهشل في تاريخ واسط ، حدّثنا إسماعيل بن عيسى ثنا عمران بن أبان ثنا شعبة عن عمرو بن أبي حكيم عن عبد الله ابن بريدة عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عن معاذ بن جبلٍ قال : قال رسول الله r : (( الإيمان يعلو ولا يُعلى ))(40).

قال الألباني - رحمه الله - : ( ذكره الزيلعي وسكتَ عنه ، وتبعه الحافظ . وإسناده ضعيف ؛ من أجل عمران بن أبان ، وهو أبو موسى الطحان الواسطي . قال الحافظ في التقريب : ضعيف(41))(42).

قال الألباني : ( وبقية رجاله ثقات معروفون غير إسماعيل بن عيسى ، وهو بغدادي واسطي وثّقهُ الخطيب وغيره )(43).

والحديث حسن مرفوعاً بمجموع طرقه(44)، وكذلك صحّ موقوفاً عن ابن عباسٍ رضي الله عنهمـا(45).

5- وقوله تعالى : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتـُمُ الأَعْـلَوْنَ إِنْ كُنْـتُمْ مُؤْمِنِين } [آل عمران 139] .

قال القرطبي(46): ( في هذه الآية بيان لفضل هذه الأمّة ؛ لأنّه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه ؛ لأنّه قال لِموسى : { إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْـلَى } [طه 68] ، وقال لهذه الأمّة : { وَأَنْتـُمُ الأَعْـلَوْن } ، وهذه اللفظة مشتقّة من اسمه الأعلى ، فهو سبحانه العلي . وقال للمؤمنين : { وَأَنْتـُمُ الأَعْـلَوْن } )(47).

6- وقوله تعالى : { وَلاَ تَنْكِحُوا الـمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُوا الـمُشْرِكِينَ حَـتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلى الجَـنَّةِ وَالـمَغْـفِـرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُـبَيِّنُ آيـَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون } [البقرة 221] .

فالأَمـَة المؤمنة خير من المشركة ، والذي جعلها أفضل وأعلى هو الإسلام . وكذلك قوله تعالى : { وَلاَ تُنْكِحُوا الـمُشْرِكِين } أي : لا تزوّجوهم بالمؤمنات حتى يؤمنوا .

قال القرطبي : ( وأجمعت الأمة على أنّ المشرك لا يطأ المؤمنة بوجهٍ ؛ لِما في ذلك من الغضاضة على الإسلام )(48). أي : لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى ، وهي مُسلِمة ، فإذا نكحها المشرك كان عليها غضاضة وعلى دينها .

7- قال الله تعالى : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى الـمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } [النساء 141] .

قال الشوكاني - مستدلاًّ بهذه الآية على أنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى :

({ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى الـمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } ولو كان للكافر أن يقتصّ من المسلم لَكان في ذلك أعظم سبيل . وقد نفى اللهُ تعالى أن يكونَ له عليه السبيل نفياً مؤكّداً ... ومن ذلك حديث : (( الإسلام يعلو ولا يُعـلَى عليه )) )(49).

قال الشوكــاني مرجّحاً مذهب الجمهور في أنه لا يُقتل مســـلمٌ بكافر ، وأنه لا مساواة في القصاص ؛ لحديث : (( لا يُقتل مسلمٌ بكافر .. ))(50)، ولحديث :
(( الإسلام يعلو ولا يُعـلَى عليه )) ، ويجب على المسلم الدية(51).

 

المبحث الرابع : التطبيقات الفقهية

المطلب الأول : في النكاح والفرقة :

قال ابن عبد الهادي : ( القاعدة الثلاثون : الإسلام يعلو ولا يُعلى ) ، وفرّع عليها فقال : ( ولا يتزوّج الكافرُ مسلمةً ، ولا يوَلَّى على مسلم )(52).

قال القرطبي : ( وأجمعت الأمّة على أنّ المشرك لا يطأ المؤمنة بوجهٍ ؛ لِما في ذلك من الغضاضة على الإسلام )(53). أي : لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى .

وإذا أسلمت النصرانية أو اليهودية تحت النصراني أو اليهودي يُفرق بينهما، كما أفتى بذلك ابن عباس رضي الله عنهما ، واختاره ابن حزم(54)، وكذا إذا أسلمَ أحدُ الزوجين وأَصَرَّ الآخَر على الكفر ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى(55).

المطلب الثاني : في البيع والإجارة والاسترقاق :

ومن المسائل في هذا المطلب :

- أن لا يسترقّ كافرٌ مُسْـلِماً(56).

- وإذا أسلمَ عبدُ الكافر أُجبِر على بيعه ، ولا تصحّ مكاتبته ؛ لأنّ فيها استدامةً لملكه عليه(57).

- وكما أنه لا يستديم ملكه عليه لا يستخدمه قهراً بملك اليمين ، ذكرهُ السّرخسي في شرح السير الكبير ، وقال : ( وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : (( الإسلام يعلو ولا يُعلى )) )(58).

قال الشوكاني : ( والأحاديث .. تدلّ على أنّ عبد الحربي إذا أسلم صارَ حرّاً بإسـلامه )(59).

ومن مسائل هذا الباب : أنه يكره للمسلم أن يقبل العمل الذي فيه إهانة عند الكافر . ومِن الفقهاء مَن منعه . وكذا لا يجوز أن يؤجر المسلم نفسه عند كافر لخدمته ؛ لأنّ فيه إذلالاً للمسلم وعزّاً للكافر ، والمسلمُ أعلى(60).

المطلب الثالث : في أحكام أهل الذمّة والمعاهدة :

ومِن فروع هذا الباب التي تندرج تحت هذه القاعدة ما يلي :

- أنه لا تجوز الهدنة مع الكفار على ما يـبـذل لهم من غير ضرورة ؛ لأنّ في ذلك إلحاقاً للصَّغار بالإسلام .

- وكذا لا يجوز أن يقول لهم الإمام : هادنتُكم ما شئتم ، ولا يصحّ العقد ؛ لأنّه جعل الكفار محكَّمين على المسلمين . قال الشيرازي : ( لِحديث: الإسلام يعلو ولا يُعلى )(61)، وإذا جُعل الكفار مُحكَّمين على المسلمين فإنّ العلوّ يكون لهم ، وهذا مخالف للقاعدة .

- ومِن فروعها : منع أهل الذمّة مِن إحداث بناءٍ يعـلو بنـاءَ جيرانهـم من المسـلمين . قال ابن عابدين : ( مطلب في منعهم من التعلي في البناء على المسلمين ) ، ثمّ علل ذلك بأنّ استعلاءه في البناء خلاف الصغار(62). يعني الوارد في قوله تعالى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِـزْيـَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون } [التوبة 29] .

- ومنها : منع المساواة في البناء . قال في المهذب : ( لأنَّ القصد أن يعلو الإسـلام )(63).

- ومنها : منع أهل الذمّة من صدور المجالس ، وإلجاؤهم إلى أضيق الطرق(64).

- وكذا منعهم من مساواة المسلمين في لباسهم وشعورهم وركوبهم وبنائهم(65).

- ومنها : أن لا تبنى الكنيسة في الإسلام ، ولا يجدد ما خرب فيها(66).

- ومنها : منعهم من الدعوة إلى الكفر والفساد ، فلا يجوز لهم أن يجهروا بكتابهم أو يُظْهِروه(67)؛ لأنّ الإسلام هو الأعلى ، وأنّ دينهم منسوخ ، فكيف إذا كانوا يدعون إلى المذاهب الأرضية المنحرفة والقوانين البشرية التي تطلق الحريات وتدعو إلى الفساد في الأرض ، فلا ريب في وجوب المنع من انتشار الأفكار البشرية المنحرفة . قال شيخ الإسلام : ( ومَن بدّل شرع الأنبياء وابتدع شرعاً فشرعُه باطل لا يجوز اتّباعه ، كما قال تعالى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِـهِ الله } ، ولهذا كفر اليهود والنصارى ؛ لأنّهم تمسكوا بشرعٍ مبدلٍ منسوخ )(68).

ولا نكره أهل الذمّة على تغيير معتقدهم إذا خضعوا لسلطان الإسلام ؛ لقوله تعالى : { حَتَّى يُعْطُوا الجِـزْيـَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون } ، ولكن نُلزمهم بالأحكام الشرعية العامّة في المعاملات والجنايات وما يلحق بها ، وتكون هذه الأحكام ضوابط لتصرّفاتهم كما هي ضوابط لتصرفات المسلمين في دار الإسلام(69).

- ومن المسائل المعاصرة التي تتبع المسألة السابقة في تحريمها والمنع منها :

تحريم ما سُمّي بِـ (زمالة الأديان) ؛ لأنّ الأديان منسوخة بدين الإسلام ، كما أنّ اليهودية والنصرانية وغيرها مبدلة ، والزمالة تقتضي النديّة والمساواة ، والإسلام أعلى .

- ومثلها تحريم وحدة الأديان ، وهو الخلط بينها ، ولا يجوز خلط الإسلام وشرائعه بغيره من الشرائع والأديان ، فالإسلام أعلى .

- ومنها : تحريم بناء مسجدٍ وكنيسة في موضع واحد .

- وكذا : تحريم طبع المصحف والتوراة أو الإنجيل في كتاب واحد(70).

ويجب دعوة أهل الكتاب والمشركين من سواهم إلى ترك الشرك وإلى كلمة سواء ، وهي : شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله ، وأنّ رسالة الإسلام خاتمة الرسالات ، وأنّ أديانهم منسوخة به ، وأنّ أهل الكتاب وغيرهم من المشركين على عبادة غير الله ، وأنّ ما عندهم هو الباطل ، وما عندنا هو الحقّ ، ولا يجتمع الحقّ والباطل ، لا في زمالةٍ ولا وحدة ولا كتاب ، بل يُدعى أهل الكتاب وغيرهم من المشركين إلى ترك الشرك والدخول في الإسلام ، والدليل قوله تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُـنَا بَعْضـاً أَرْبـَاباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنـَّا مُسْـلِمُون } [آل عمران 64] .

- ومن فروعها : إذا أسلمَ من أولاد الكافر الكتابي وبقي آخرون على كفرهم واختصموا ، حَكَمْنا بينهم بالإسلام ؛ لأنّه أعلى ؛ ولشرف المسلم .

قال الدَّردير(71) في الشرح الكبير : ( وحُكِم بين الكفار بحكم المسلم ، إن لم يأْبَ بعضٌ ، إلا أن يسلمَ بعضٌ فكذلك ، أي : يحكم بينهم بِحكم المسلم من غير اعتبار الآبي ؛ لشرف المسـلم )(72)، أي : لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى .

ومنهم مَن قال : يُورّث المسلم من أبيه الذمي ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى(73).

ومن المسائل المعاصرة : توريث المسلم من قريبه الكافر . قال بعض المعاصرين بأنّ : المسلم يرث من قريبه الكافر غير الحربي(74)، فإذا أسلمَ النصراني أو اليهودي ورثَ من قريبه الكافر ، ولا نمنعه من الإرث ؛ لأنّا لو منعناه لتضرر بسبب إسلامه ، ولأنّ الإسلامَ أعلى ، وجعلوا الكفار المعاهدين - الذين بيننا وبينهم مسالمة وهم ليسوا تحت أحكامنا - مثل الكفار من أهلِ الذمة الذين تحت أحكامنا . والفقهاء إنما تكلموا في أهل الذمّة ، ولم يتكلموا في المعاهدين من غيرهم .

المطلب الرابع : أحكام اللقيط :

ومِن فروع هذه القاعدة في هذا الباب : أنّ اللقيط - في الدار التي اختطها المسلمون - محكومٌ بإسلامه ، وإن كان فيها أهل ذمّة ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى(75).

ويفرّق بين دار الإسلام ودار الكفر بأنّ شرف الأولى اقتضى الاكتفاء بالإمكان وإن بَعُـدَ(76).

- وكذا دار الإسلام إذا غلب عليها الكفار وفيها مسلمون حُكم بإسلام لقيطها ؛ تغليـباً للإسـلام(77).

- ومنها : إذا التقطَ مسلمٌ وكافـرٌ طفلاً محكوماً بكفره - أي : مِن أبوين كافرَين - فالمسلم أحقّ به ؛ لأنّه يصير مسلماً ، والترجيح بالإسلام ولو كان المسلم فقيراً والكافر غنيـاً(78).

- ومنها : أنه ليس للكافر التقاط طفل مسلم ؛ لأنّه لا ولاية لكافرٍ على مسلم(79).

- ومن فروعها : أنّ الولد يتبع المسلم من أبويه إذا اختلفا في الدين .

قال ابن قدامة : ( الولد يتبع أبويه في الدين ، فإذا اختلفا وجبَ أن يتبع المسلمَ منهما ، كولد المسلم من الكتابية ، ولأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى . ويترجح بأشياء ، منها : أنه دين الله الذي رضيه لعباده ، وبعث به رسله دعاةً لخلقه إليها . ومنها : أنه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة ، ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق ، وأداء الجزية ، وفي الآخرة من سخط الله وعذابه ... )(80).

وقال الشيرازي : ( إنّ الولد يتبع المسلم من أبويه ؛ لأنّ الإسلام أعلى )(81).

المطلب الخامس : في القصاص :

ومِن فروعها : أنّ المسلم لا يُقتل بالكافر ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى ، والكفر نقص ، والإسلامُ كمال ، ولا مساواة بين مسلم وكافر في القصاص .

قال ابن عبد الهادي : ( القاعدة الحادية والثلاثون : الكفر ناقص ) ، وفرّع عليها أنّ الكافر يُقتل بالمسلم ، ولا يُقتل مُسلمٌ بكافر(82).

قال الشوكاني - مرجحاً مذهب الجمهور في أنه لا يُقتل مسلمٌ بكافر ، وأنه لا مساواة في القصاص - : ( ومِن ذلك : حديث (( الإسلام يعلو ولا يُعلى )) ) ، ويجب على المسلم الديـة(83).

المطلب السادس : في القضاء والفتوى :

ومِن مسائل هذا الباب : أنّ الإسلام شرط في القاضي ، ولا يصحّ قضاء غير المسلم ؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى(84).

- منع مشاركة القاضي القانوني للقاضي الشرعي في الحكم ؛ لأنّ الشريعة لا تقبل المشاركة ؛ ولأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى .

- إبطال الردّ إلى غير الشريعة الإسلامية ، وإبطال الحكم والتحاكم إلى القوانين الوضعية وتقديمها على الشريعة(85)؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى .

- وجوب توحيد المصدر في التشريع ، فلا يجوز أن يكونَ مع الشريعة مصدر مشارك في التشريع(86)؛ لأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى .

- يجب على المفتي الالتزام بشروط الفتوى لبيان حكم الشريعة في الوقائع والمسائل المستجدة(87)، وأن لا يُطوّع أحكام الشرع الحنيف للواقع المنحرف عن الحق ؛ لأنّ الشرع حاكم ، وهو أعلى ، وواقع الناس مَحْكُومٌ به ، وإذا حَكَّمَ المفتي الأعراف الفاسدة في النصوص الشرعية فقد عكس ، ومَن عَكَس انعَكسَ .

- منع تقديم العقل على الوحي المنزّل من عند الله ؛ لأنّ الشرع حاكم والعقل تابع ، ولو قُدِّمت أفكار العقول البشرية على الشريعة لَكانت الشريعة محكومة والعقل البشري حاكماً ، وهذا باطلٌ(88)، والإسلامُ يعلو ولا يُعلى .


نتائج البحث :

هذه أبرز النتائج التي توصلتُ إليها بعد دراسة هذه القاعدة ، وهي :

1- أن هذه القاعدة قد وردَ النصّ الشرعي بها .

2- أن هذه القاعدة لها أهمية كبرى في الدراسات الفقهية المتعلقة بتحديد العلاقة بين المسلمين والكفار ، سواء الحربيين ، أو الـمُعاهدين ، ويشملهم ما يُسمّى حديثاً بِـ (القانون الدولي) ، أو ما يسميه الفقهاء: (أحكام الجهاد والسير) . وكذلك فإنّ (أحكام أهل الذمّة) يدخلُ كثير منها تحت هذه القاعدة .

3- أن هذه القاعدة لها أثر في المسائل الفقهية التي تختلف بين دار الإسلام ودار الكفر فيما يخصّ أحكام اللقيط ، واختلاف الدين بين الزوجَين ، وأثر ذلك على الطفل ، وخاصة بعد التوسع في علاقة المسلمين بالأمم الأخرى ، وانتشار المسلمين في العالَم ، فلا تكاد تجد موضعاً في العالَم يخلو منهم .

4- أن هذه القاعدة من أعظم ما يميز المسلم ويبعده عن التأثر بالكفار ، والانهزام أمام أفكارهم وقوانينهم ومذاهبهم وهديهم ، فهي تُميز المسلم في مصدر التشريع ، وصحّة الاعتقاد ، وتكشف عن بطلان الدعوات المعاصرة ، ومنها : وحدة الأديان ، أو زمالة الأديان ، أو التشريعات الباطلة التي ما أنزل الله بها مِن سلطان ، وتحول بين المسلم وبين التحاكم إلى شرائع الكفار متى ما عَلِم أنه هو الأعلى ، وأنّ الإسلام يعلو ولا يُعلَى .

5- أن هذه القاعدة لا يظهر لها أثر كبير فيما يخص علاقة المسلمين بعضهم ببعض ، وإنما يظهر أثرها بجلاء فيما يخص علاقة المسلمين بالكفار ، كما تبيّن ذلك من الفروع الفقهية السابقة ، وكذلك فيما يتعلق بِحُكم نكاح المشرك للمسلمة ، وولاية الكافر على المسلم أو المسلمة ، وحُكم استرقاق الكافر للمسلم ، وحُكم عمل المسلم عند الكافر في الأعمال التي فيها إهانة .

6- أنّ الفقهاء أكثروا من استعمال هذه القاعدة ، واعتمدوا عليها في كثير من الأبواب الفقهية ، وفرعوا عليها المسائل . وهذا يدلّ على أهمّيتها عندهم .

7- أنّ كتب القواعد الفقهية لم تكن لها عناية بهذه القاعدة كما يجب ، بخلاف كتب الفقهاء المتقدمة والمتأخرة التي ظهر فيها عناية الفقهاء بهذه القاعدة من حيث بناء الفروع عليها .

8- أنه يجب العناية بدراسة القواعد وتتـبّع كتب الفقه الإسلامي ، واستخراج القواعد التي لم تجد العناية الكافية في كتب القواعد المشهورة ، ثم بيان أهمية تلك القواعد والكشف عن فروعها ، وخاصة ذات الصلة الكبيرة بالمستجدّات
المعاصرة .

وفي الختام نسأل الله U أن ينصرَ دينه ، ويُعلي كلمته ، وأن يجمع المسلمين على الحقّ ، وأن يرزقنا العزّة في الدنيا والآخرة . { وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الـمُنَافِقِينَ لاَ يَعْـلَمُون } [المنافقون 8] .

 

 

الهوامش والتعليقات

 

  ([1]) وما ظهرت الحاجة إلى التنبيه إليه أُشير إلى ذلك في الهامش . وأما التفصيل في الفروع المختلف فيها واستيعاب الأدلة وإجراء المناقشات بين الأدلة ؛ فهذا يختص به (فقه الخلاف) أو ما سُمّي بِـ (الفقه المقارن) .

  (2) اللسان ، لأبي الفضل جمال الدين بن منظور ، ط : دار صادر ، مادة : سَـلِمَ 2/293-295 ؛ الصحاح 5/1951 ، مادة : سَـلِم ؛ تاج اللغة وصِحاح العربية ، إسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق : أحمد عبد الغفور عطار ، ط : 1402هـ .

  (3) اللسان ، مادة : شرع .

  (4) اللسان ، مادة شرع ؛ والصحاح 6/2357 .

  (5) مجمل اللغة ، لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت : 395هـ) ، مادة : علو 3/625 ، ط1 ، 1404هـ .

  (6) اللسان ، مادة : علا .

  (7) تفسير القرطبي 4/217 .

  (8) هو يوسف بن عبد الهادي الصالحي الحنبلي المعروف بِـ (ابن المِبـْرَد) ، له مؤلفات كثيرة ، منها : مغني ذوي الأفهام ، وتحفة الوصول إلى علم الأصول ، وبحر الدم فيمن تكلّم فيه الإمام أحمد بمدحٍ أو ذمّ ، وتوفي سنة (909هـ) .

      انظر : شذرات الذهب ، لابن العماد (8/43) ، ط : دار إحياء التراث العربي ؛ الأعلام ، للزركلي (8/226) ، ط : الثامنة ، دار العلم للملايين ، 1989م .

  (9) مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة الأحكام (ص : 180) ، صححه وعلق عليه : الشيخ / عبد الله عمر بن دهيش ، ط : الثالثة ، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع .

(0[1]) موسوعة القواعد الفقهية (1/397) ، ط : الثانية ، مكتبة التوبة .

(1[1]) المحلى (4/314) ، ط : دار الفكر ؛ وفتح الباري (3/220) ، ط : المكتبة السلفية .

(2[1]) هو : حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي مولاهم البصري ، شيخ العراق في عصره ، وأحد الحفاظ المجـوّدين ، توفّي سنة (179هـ) .

       انظر : الأعلام (2/271) .

(3[1]) المحلى (4/314) .

(4[1]) هو : محمد بن أحمد بن أبي سهل ، فقيه حنفي ، من كبار علماء الأصول ، ومِن مؤلفاته : المبسوط في الفقه ، وأصول السرخسي ، وشرح السير الكبير ، وتوفّي سنة (483هـ) .

       انظر : الجواهر المضية في طبقات الحنفية ، لابن أبي الوفاء القرشي (3/78) ، تحقيق : عبد الفتاح الحلو ، ط : الأولى ، مطبعة عيسى البابي الحلبي ، 1398هـ .

(5[1]) المبسوط (5/40) ، ط : دار المعرفة .

(6[1]) هو : محمد أمين بن عمر الدمشقي ، إمام الحنفية في عصره ، له : نسمات الأسحار على شرح المنار ، ومجموعة رسائل ، وتوفي سنة (1252هـ) .

       انظر : الأعلام (6/42) ؛ معجم المؤلفين ، لعمر رضا كحالة (9/77) ، ط : مكتب المثنى ودار إحياء التراث العربي ، (بيروت - لبنان) .

(7[1]) ردّ المحتار على الدرّ المختار ، لابن عابدين (3/187) ، ط : الثانية ، دار الفكر ، 1399هـ - 1979م ، بتصرف يسير .

(8[1]) هو : أحمد بن إدريس الصنهاجي المالكي ، إمام في الفقه والأصول ، له : الفروق ، والذخيرة ، ونفائس الأصول .. وغيرها ، وتوفّي سنة (684هـ) .

       انظر : الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب ، لابن فرحون (ص : 62) ، ط : دار الكتب العلمية ؛ شجـرة النور الزكية في طبقات المالكية ، لمحمد مخلوف ، (ص : 188) ، ط : دار الفكر للطباعة والنشـر .

(9[1]) الذخيرة (5/403) ، تحقيق : محمد بوخبزة ، ط : الأولى ، دار الغرب الإسلامي .

(20) هو : إبراهيم بن علي الفيروزآبادي ، من كبار فقهاء الشافعية ، له مؤلفات كثيرة ، منها : المهذب ، والتنبيه في الفقه ، واللمع ، والتبصرة في الأصول ، وتوفّي سنة (476هـ) .

       انظر : وفيات الأعيان ، لابن خلكان (1/29) ، تحقيق : إحسان عباس ، ط : دار صادر ؛ طبقات الشافعية الكبرى ، لابن السبكي (4/215) ، تحقيق : محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو ، ط : إحياء الكتب العربية .

(21) المهذب (5/273) ، ط : مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر .

(22) هو : أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي الأنصاري الشافعي ، أخذ عن الشيخ زكريا الأنصاري وغيره ، وأفتى ودرس وعمره دون العشرين ، ومن مؤلفاته : الزواجر عن اقتراف الكبائر ، وشرح الأربعين النووية ، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج .. وغيرها ، وتوفّي سنة (973هـ) .

       انظر : شذرات الذهب (8/371) ؛ الأعلام (1/234) .

(23) اللقيط في اللغة : فعيل بمعنى مفعول كالملقوط ، والأنثى منه لقيطة ، واللقط : أخذ الشيء من الأرض . ومنه قوله تعالى : { فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ } [القصص 8] .

       انظر : لسان العرب (7/392) .

       وفي اصطلاح الفقهاء : طفل لا يعرف نسبه ولا رقّه نُبذ أو ضلّ .

       انظر : ردّ المحتار على الدرّ المختار (4/269) ، ط : الثانية ؛ الخرشي على مختصر خليل (7/130) ، ط : دار صادر ؛ مغني المحتاج (2/418) ، ط : دار إحياء التراث العربي ؛ التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع (ص : 184) ، ط : المطبعة السلفية ؛ أحكام اللقيط في الفقه الإسلامي ، لعمر بن محمد السبيل ، (ص : 10-17) .

(24) تحفة المحتاج بشرح المنهاج (6/351) ، بهامش حواشي الشرواني والعبادي ، ط : دار صادر ، (بيروت) .

(25) هو : عبد الله بن أحمد المقدسي الحنبلي ، شيخ الحنابلة ، وصاحب العمدة ، والمقنع ، والكافي ، والمغني ، وروضة الناظر .. وغيرها ، وتوفّي سنة (620هـ) .

       انظر : ذيل طبقات الحنابلة ، لابن رجب (2/133) ، ط : دار المعرفة ؛ شذرات الذهب (5/88) .

(26) المغني (9/18) ؛ (6/112) .

(27) هو : شيخ الحنابلة في مصر ومحرر مذهبهم ، له : كشاف القناع ، وشرح منتهى الإرادات ، والروض المربع .. وغيرها ، وتوفّي سنة (1051هـ) .

       انظر : السحب الوابلة ، لابن حميد (3/1131) ، تحقيق : عبد الرحمن العثيمين وبكر أبو زيد ،
ط :
الأولى ، مؤسسة الرسالة ، 1416هـ - 1996م ؛ الأعلام (7/307) .

(28) كشاف القناع عن متن الإقناع (5/226) ، ط : عالم الكتب ، بيروت .

(29) انظر : المحلى (9/18) ؛ (6/112) .

(30) صحيح البخاري مع الفتح (3/219) ، باب : إذا أسلمَ الصبي فماتَ هل يُصلَّى عليه ؟. ط : المكتبة السلفية .

(31) المصدر السابق (3/218) .

(32) فتح الباري (3/220) ، ط : المكتبة السلفية .

(33) المحلى (4/314) .

(34) أخرجه البيهقي (6/205) ، ط : دار الفكر .

(35) ثم قال : ( ثم وجدته من قول ابن عباس كما كنت أظنّ ، ذكره ابن حزم في المحلى ) .

       انظر ما سبق (ص : 7) .

(36) سنن الدارقطني (2/176-177) ، ط : الأولى ، دار الكتب العلمية ، 1417هـ - 1996م .

(37) مسند الروياني (2/37) ، ط : الأولى ، مؤسسة قرطبة ، 1416هـ - 1995م .

(38) الفتح (3/220) .

(39) عارضَ الألباني - رحمه الله - في تحسين الحديث ، وقال : في سنده عبد الله بن حشرج ، وهو وأبوه مجهولان . ونقل قول ابن أبي حاتم ، والحافظ في لسان الميزان (4/278) ، للحافظ ابن حجر ، تحقيق : خليل محمد العربي ، ط : الأولى ، 1416هـ - 1996م ، دار المؤيد للنشر والتوزيع ؛ والزيلعي في نصب الراية (3/213) ؛ والدارقطني في سننه (2/176-177) ؛ والذهبي . ثم قال الألباني : ويمكن أن يحسن لغيره ؛ لحديث معاذ . ثم ذكره .

       انظر : الإرواء (5/106-107-108) .

(40) نصب الراية (3/213) ، ط : الثانية ، مكتبة الرياض الحديثة .

(41) تقريب التهذيب (2/87) ، تحقيق : الشيخ / خليل مأمون شيحا ، ط : الثانية ، دار
المعرفة ، 1417هـ - 1997م .

(42) إرواء الغليل (5/108) ، ط : المكتب الإسلامي .

(43) إرواء الغليل (5/108) .

(44) إرواء الغليل (5/108) .

(45) صحيح البخاري مع الفتح (3/218) .

(46) هو : أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المالكي ، من مؤلفاته : الجامع لأحكام القرآن ، والتذكرة في أمور الآخرة ، وتوفّي سنة (671هـ) .

        انظر : الديباج المذهب (2/308) ؛ شذرات الذهب (5/325) .

(47) تفسير القرطبي (4/217) .

(48) تفسير القرطبي (3/72) .

(49) نيل الأوطار (7/12) ، ط : دار الجيل ، (بيروت) .

(50) صحيح البخاري مع فتح الباري (12/260) .

(51) نيل الأوطار (7/12) .

(52) مغني ذوي الأفهام (ص : 180) ؛ وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/231) ؛ المحلى (6/473) .

(53) تفسير القرطبي (3/72) ؛ وانظر ما سبق (ص : 13) .

(54) انظر ما سبق (ص : 10 ) .

(55) انظر ما سبق (ص : 8 ) .

(56) شرح كتاب السير الكبير ، أملاه : محمد بن أحمد السرخسي (1/129) ، تحقيق : صلاح
المنجد ، ط : مؤسسة قرطبة ؛ مغني ذوي الأفهام (ص : 180) .

(57) المصدر السابق (1/129) .

(58) المصدر السابق (1/129) .

(59) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار (8/13) . وقال في منتقى الأخبار (8/11) : ( باب : أنّ عبد الكافر إذا خرجَ إلينا مسلماً فهو حرّ ) ، وذكر أحاديث الباب . وقال الزهري :
( مضت السنة أنه لا يسترقّ كافرٌ مسلماً ) . انظر : السير الكبير (1/129) ؛ المحلى (4/321) .

(60) المغني (5/410) ، ط : 1389هـ ، الناشر : مكتبة القاهرة .

       وانظر : مختصر الفتاوى المصرية ، لشيخ الإسلام ابن تيمية ، (ص : 519) .

(61) المهذب (2/260) .

(62) حاشية ابن عابدين (4/211) .

(63) المهذب (2/254-255) ؛ المغني (6/356) ؛ مغني ذوي الأفهام (ص : 180) .

(64) المغني (6/356) .

(65) المصدر السابق (6/356) .

(66) المغني (6/356) ؛ مجموع الفتاوى ، لابن تيمية (28/635-639) ، نشر وزارة الشؤون الإسلامية ، المملكة العربية السعودية .

(67) مختصر الفتاوى المصرية ، لابن تيمية (ص : 517) ، ط2 ، 1406هـ ، دار ابن القيم ، صححه : محمد حامد الفقي .

(68) مجموع الفتاوى الكبرى (35/365) .

(69) شرعت في بحث عنوانه : (ضوابط حرية المعتقد في الشريعة لأهل الذمة) ، نسأل الله إتمامه .

(70) انظر في هذا كتاباً بعنوان : (إبطال نظرية الخلط بين الأديان) ، لفضيلة الشيخ الدكتور / بكر أبو زيد .

(71) هو : أحمد بن محمد العدوي المالــكي ، له : شرح على مختــصر خليل ، ومتن في الفقه أيضاً ، وتوفّي سنة (1201هـ) .

        انظر : فهرس الفهارس (1/293-294) ، لعبد الحي الكتاني ، ط : الثانية ، دار الغرب الإسلامي ، (بيروت - لبنان) ، 1402هـ - 1982م .

(72) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/486) .

(73) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ، لابن دقيق العيد (4/17-18) ، ط : دار الكتب العلمية .

        هذا وقد نقل الفقهاء الإجماع على عدم توريث المسلم من الذمي - كما هو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - وعلى هذا لو تحاكموا إلينا في ميراثهم أو في غيره حكمنا بينهم بالإسلام ؛ لشرف المسلم . وليس المقصود هنا تحقيق النفع المادي للمسلم ، إذِ المعلوم على مذهب المالكية وبقية المذاهب المذكورة منع المسلم من إرث أبيه الذمي ، وإنما الحكم بينهم بالإسلام ؛ لصحة منهج المسلم وشرف دينه . والدليل على منعه حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما الذي رواه الجمـــاعة إلا مسلماً : (( لا يرث المســلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلم )) ، صحيح البخاري مع فتح الباري (12/50) .

       وذهب معاذ ومعاوية رضي الله عنهما إلى توريثه ؛ لحديث : (( الإسلام يزيد ولا ينقص )) ، وعلله بعضهم بقاعدة (الإسلام يعلو) . وهذا القول مخالف لمذاهب أهل العِلْم ، وعلوُّ الإسلام لا يدلّ على لزوم توريثه ؛ لانتفاء الولاية بين المسلم والكافر . وحديثهم في إسناده مقال ، وهو مجمل ، ومعناه - إن صحّ - زيادة الإسلام واستمراره . ودليل الجمهور نصّ في منع التوارث بين المسلم والكافر .

       انظر : تفصيل المسألة في : المغني (6/367) ؛ حاشية العدوي على الخرشي (2/355)؛ بداية المجتهد (2/322) ؛ أحكام القرآن ، للجصاص (2/101) ؛ إحكام الأحكام ، لابن دقيق العيد (4/17-18) ؛ فتح الباري (12/50) ؛ نيل الأوطار (6/83-84) ؛ أحكام أهل الذمة ، لابن القيم (2/462-464) ، ط : دار العلم .

       وانظر تخريج حديث : (( الإسلام يزيد ولا ينقص )) في : تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج ، لابن الملقن (20/311-312) ، تحقيق : د / عبد الله سعاف اللحياني ، ط : الأولى ، دار حراء .

(74) قلت : الكفار أصناف : منهم المحاربون ، ومنهم أهل الذمة ، وهم الذين دخلوا تحت أحكامنا ووجبت علينا حمايتهم ودفع الضرر عنهم ونصرتهم على مَن اعتدى عليهم ، ومنهم مَن بيننا وبينهم معاهدات ومسالمة بوضع الحرب بين الطرفين ، كما صالَحَ النبي عليه الصلاة والسلام كفارَ مكة في صلح الحديبية ، ومنهم المستأمن ، وهو مَن دخل دار الإسلام بأمان ثم يعود إلى بلاده .  المغـني (9/332) .

       وانظر رسالة : دار الإسلام ودار الكفر والعلاقة بينهما ، لعابد السفياني (ص : 78) .

       فأما الكفار المحاربون فالعلماء متفقون على منع التوارث بينهم وبين المسلمين ؛ لعموم حديث : (( لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلم )) ، وقد سبق ، ولأنّ الإرث فيه معنى المناصرة ، ولا مناصرة بينهم .

       وأما الكفار من أهل الذمة فلا توارث بينهم وبين أقاربهم من المسلمين عند الجمهور .

       وأما توريث المسلم من قريبه الكافر غير الذمي وغير الحربي ، وهو الصنف الثالث ، أي : المعاهد الذي بيننا وبينهم مُسالمة ومُعاهدة ، فهذا لم يقل به أحد من أهل العِلْم - فيما أعلم - ، ودليل ذلك أن الخلاف المنقول في كتب الفقه إنما هو في مسألة إرث المسلم من قريبه الذمي ؛ لأنّ أهل الذمّة تحت أحكامنا قد أَعطوا الجزية وهم صاغرون، وتجب علينا نُصرتهم على مَن اعتدى عليهم ، فاختلف الفقهاء في جواز توريث المسلم مِن قريبه الذمي ، فالجمهور على المنع ، وهو الراجح ؛ لعموم الحديث ، والباقون على الجواز ؛ لوجود تلك المعاني في العلاقة بين المسلمين وأهل الذمة ، وهذا بخلاف العلاقة بين المسلمين والمعاهدين من غير أهل الذمّة .

(75) المغني (6/112) ، تحقيق : محمد الزيني ، ط : مكتبة القاهرة ، 1389هـ .

(76) تحفة المحتاج بشرح المنهاج ، لابن حجر الهيتمي (6/351) .

(77) المغني (6/113) ؛ حواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج (6/351) ؛ التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع (ص : 184) ، ط : الثانية ، المكتبة السلفية ، 1406هـ .

(78) المغني (6/121) .

(79) المغني (6/120) .

(80)المغني (9/18) . وانظر : منتقى الأخبار مع نيل الأوطار (7/227-228) ، قال : (باب: تبع الطفل لأبويه في الكفر ولِمن أسلم منهما في الإسلام ، وصحة إسلام المميز) . واستدلّ على ذلك بأحاديث ..

(81) المهذب (2/239) ؛ (2/260) ؛ وانظر : المحلى (4/322-323) ؛ فتح الباري ، للحافظ ابن حجر (3/218-220) ؛ تحفة المحتاج مع حواشيه (6/353) .

(82) مغني ذوي الأفهام (ص : 180) .

       والظاهر أنّ هذه القاعدة التي ذكرها ابن عبد الهادي تُبنى على قاعدة : (الإسلام يعلو ولا يُعلى) ؛ لأنّه كمال ، والكفر نقص .

(83) نيل الأوطار (7/12) .

       وانظر : المغني (8/273) ؛ المحلى (10/352) ؛ التشريع الجنائي في الإسلام ، لعبد القـادر عـودة (2/122) ، ط : دار التراث العربي .

(84) لم أطّلع على مَن علل بالقاعدة في هذا الموضع .

       وانظر اشتراط الإسلام في القاضي في : البحر الرائق شرح كنز الدقائق (6/437) ، ط : دار الكتب العلمية ، 1418هـ ؛ شرح الخرشي على مختصر خليل (7/138) ، ط : دار الكتاب الإسلامي ؛ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (8/238) ، ط : دار الكتب العلمية ، 1414هـ ؛ شرح منتهى الإرادات (3/464) ، ط : دار الفكر .

(85) تحكيم القوانين ، للعلامة : محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، (ص : 1-6) .

(86) تحكيم القوانين (ص : 1-6) .

(87) انظر : إعلام الموقعين ، لابن القيم (1/47) ، ط : دار الجيل .

(88) انظر أصل المسألة في : الموافقات ، للإمام الشاطبي (1/78-79) ، (1/87) ؛ وشرح العقيدة الطحاوية ، (ص : 181-183) ، للقاضي علي بن علي ابن أبي العزّ ، ط1 ، بيروت ، 1405هـ .

 

 

المصادر والمراجع

  1- أحكام أهل الذمّة ، لابن قيم الجوزية ، تحقيق : د. صبحي الصالح ، ط2 ، دار العلم ، 1401هـ .

  2- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ، لابن دقيق العيد ، ط : دار الكتب العلمية .

  3- إرواء الغليل ، لمحمد بن ناصر الدين الألباني ، ط : المكتب الإسلامي ، 1399هـ - 1979م .

  4- الأعلام ، للزركلي ، ط8 ، دار العلم للملايين ، 1989م .

  5- إعلام الموقعين ، لابن قيم الجوزية ، ط : دار الجيل ، 1973م ، قدّم له : طه عبد الرؤوف سعد .

  6- البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، لزين الدين بن إبراهيم المصري المعروف بابن نجيم ، ط : دار الكتـب العلمية ، 1418هـ .

  7- تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج ، لابن الملقن ، تحقيق : د / عبد الله سعاف اللحياني ، ط1 ، دار حراء .

  8- تحفة المحتاج بشرح المنهاج ، لأحمد بن محمد بن حجر الهيتمي ، ط : دار صادر ، (بيروت) .

  9- التشريع الجنائي في الإسلام ، لعبد القادر عودة ، ط3 ، دار التراث العربي ، 1977م .

  10- تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، دار الفكر ، لبنان ، 1401هـ .

  11- تقريب التهذيب ، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، تحقيق : الشيخ / خليل مأمون شيحا ، ط2 ، 1417هـ - 1997م ، دار المعرفة .

  12- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ، لأبي الحسن المرداوي ، ط2 ، المكتبة السلفية ، 1406هـ .

  13- الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب ، لابن فرحون ، ط : دار الكتب العلمية .

  14- الذخيرة ، لأحمد بن إدريس القرافي ، تحقيق : محمد بو خبزة ، ط1 ، دار الغرب الإسلامي .

  15- ذيل طبقات الحنابلة ، لابن رجب ، ط : دار المعرفة .

  16- ردّ المحتار على الدرّ المختار ، لابن عابدين ، ط2 ، دار الفكر ، 1399هـ - 1979م .

  17- السحب الوابلة ، لابن حميد ، تحقيق : د / عبد الرحمن العثيمين وبكر أبو زيد ، ط1 ، مؤسسة الرسالة ، 1416هـ - 1996م .

  18- سنن الدارقطني ، للدارقطني ، ط1 ، دار الكتب العِلْمية ، 1417هـ - 1996م .

  19- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ، لمحمد مخلوف ، ط : دار الفكر للطباعة والنشر .

  20- شذرات الذهب ، لابن العماد ، ط : دار إحياء التراث العربي .

  21- شرح الخرشي على مختصر خليل ، ط : دار الكتاب الإسلامي و ط : دار صادر .

  22- شرح العقيدة الطحاوية ، للقاضي علي بن علي بن أبي العزّ ، ط1 ، بيروت ، 1405هـ ، تحقيق : بشير محمد عيون ، الناشر : مكتبة دار البيان ، دمشق .

  23- شرح كتاب السير الكبير ، أملاه : محمد بن أحمد السرخسي ، تحقيق : صلاح المنجد ، ط : مؤسسة قرطبة .

  24- شرح منتهى الإرادات ، لمنصور بن يونس البهوتي ، ط : دار الفكر .

  25- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ، تأليف : إسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق : أحمد عبد الغفور عطار ، ط3 ، 1402هـ .

  26- صحيح البخاري مع فتح الباري ، لابن حجر العسقلاني ، ط : المكتبة السلفية .

  27- طبقات الشافعية الكبرى ، لابن السبكي ، تحقيق : محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو ، ط : إحياء الكتب العربية .

  28- فتح الباري شرح صحيح البخاري ، لابن حجر العسقلاني ، ط : المكتبة السلفية .

  29- فهرس الفهارس ، لعبد الحي الكتاني ، ط2 ، دار الغرب الإسلامي ، (بيروت - لبنان) ، 1402هـ - 1982م .

  30- كشاف القناع عن متن الإقناع ، لمنصور بن يونس البهوتي ، ط : عالم الكتب ، بيروت .

  31- لسان العرب ، للعلاّمة : أبي الفضل جمال الدين ابن منظور ، الناشر : دار صادر ، بيروت .

  32- لسان الميزان ، للحافظ ابن حجر ، تحقيق : خليل محمد العربي ، ط1 ، 1416هـ - 1996م ، دار المؤيد للنشر والتوزيع .

  33- المبسوط ، لمحمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي ، ط : دار المعرفة .

  34- مجمل اللغة ، لأبي الحسين أحمد بن فارس ، تحقيق : زهير عبد المحسن سلطان ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، 1404هـ .

  35- مجموع الفتاوى ، لابن تيمية ، نشر وزارة الشؤون الإسلامية ، المملكة العربية السعودية .

  36- المحلى ، لابن حزم ، ط : دار الفكر .

  37- مختصر الفتاوى المصرية ، لشيخ الإسلام ابن تيمية ، تصحيح : محمد حامد الفقي ، ط2 ، 1406هـ ، دار ابن القيم .

  38- مسند الروياني ، لمحمد بن هارون الروياني ، ط1 ، مؤسسة قرطبة ، 1416هـ - 1995م .

  39- معجم المؤلفين ، لعمر رضا كحالة ، ط : مكتب المثنى ودار إحياء التراث العربي ، (بيروت ، لبنان) .

  40- المغني ، تأليف : أحمد بن محمد بن قدامة ، تحقيق : د. طه محمد الزيني ، الناشر : مكتبة القاهرة ، 1389هـ .

  41- مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة الأحكام ، صححه وعلق عليه : الشيخ / عبد الله عمر بن دهيش ، ط3 ، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع .

  42- المهذب ، لإبراهيم بن علي الشيرازي ، ط : مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر .

  43- الموافقات في أصول الشريعة ، لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي ، تعليق : عبد الله دراز ، دار المعرفة ، بيروت ، لبنان .

  44- موسوعة القواعد الفقهية ، لمحمد صدقي البورنو ، ط2 ، مكتبة التوبة .

  45- نصب الراية ، لعبد الله بن يوسف الزيلعي ، ط : الثانية ، مكتبة الرياض الحديثة .

  46- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ، لمحمد بن أحمد الرملي ، ط : دار الكتب العلمية ، 1414هـ .

  47- نيل الأوطار ، لمحمد بن علي الشوكاني ، ط : دار الجيل (بيروت - لبنان) ، الأولى ، 1412هـ - 1992م .

  48- وفيات الأعيان ، لابن خلكان ، تحقيق : إحسان عباس ، ط : دار صادر .