الرضا بالقضاء

 

د. سالم بن محمد القرني

الأستاذ المشارك بكلية الشريعة وأصول الدين - جامعة الملك خالد

 

ملخص البحث

تضمن البحث مقدمة ، ثُمَّ تعريفاً للرضا ، والقضاء والقدر في اللغة ، وفي الاصطلاح ، ثُمَّ حقيقة الرضا ، وأقوال الناس فيه ، وهل هو مقام أم حال ؟ ، وأن المقامات قد تحصل بفعل الأسباب ومن غير فعلها ، وفي كلا الحالتين فالموجد لها : الله ، وأمَّا الحال فشرعية هي : التصرف بما أمر الله ورسوله وترك ما نهيا عنه وغير شرعية ، وهي: السخط والاعتراض ، وعدم التسليم.

ثُمَّ الصلة بين الرضا والتوكل ، وأن التوكل والتفويض يكون قبل وقوع القضاء ، والرضا بعد وقوعه وهو الثمرة .

ثُمَّ الأمر بالرضا بالقضاء والحث عليه ، والرضا وفعل الأسباب ، وبعض الشبهة ومناقشتها ، ومنزلة الرضا وفضـــله ، وأنواع القضاء :

الديني ، والمراد به ، والأمر به ، وحكم الرضا به .

الكوني ، والمراد به ، وأقسامه :

الأول : الموافق لمحبة العبد ، وإرادته ، ورضاه ، وحكم الرضا به .

الثاني : ما جاء على خلاف مراد العبد ، ومحبته مِمَّا لايلائمه ولايدخل تحت اختياره ، وأنه قسمان :

أ - ما للعبد استطاعة ، واختياره ، وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن ، وحكم الرضا به .

ب - ما ليس للعبد فيه اختيار ، ولا طاقة ، ولا حيلة في منازعته ، ومدافعته ، وحكم الرضا به .

ثُمَّ حكم الرضا بالمصائب ، وقولي العلماء ، وأدلتهم ، والراجح .

الثالث : وهو الجاري باختيار العبد وقضاء الرب ، مِمَّا يكرهه الله ويسخطه (( الرضا بالمعاصي )) وحكم الرضا به .

ثُمَّ بعض ما ينافي الرضا ؛ كالاعتراض على قضاء الله الشرعي ، وترك التوكل على الله ، والسخط بما قسم ، والحزن على ما فات ، والنياحة ، وتمني الموت لضر أو بلاء ، وعدم الرضا بالمقسوم من الرزق ، والجزع والهلع عند المصيبة .

ثُمَّ مذهب الصوفية في الرضا بالقضاء ، وأسباب ضلالهم ودرجات الرضا عندهم ، ومناقشتهم .

ثُمَّ خاتمة بأهم النتائج ، وقائمة بالمراجع والمصادر .

         

المقدمة :

حمداً لله على نعمائه ، وجوده ، وكرمه ، ورضاه ، ونستعينه ، ونطلب الهداية والتوفيق والسداد منه ، ونستعيذ برضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته، وبه منه ، ونسأله الرضا بعد القضاء ، والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة ، والقناعة بما قسم لنا ، من خير وإبعادنا عن الشر ، والإعانة على الصبر على القضاء ، والابتداء ، والاقتداء بمحمد - r -

أمَّا بعد : فالرضا بالقضاء مأمور به في كتاب الله ، وفي سنة المصطفى - r - وفعل الأنبياء ، والصالحين ، والصديقين ، والشهداء ، ومن اقتفى أثرهم ، واهتدى بهداهم ، وقد تعبدنا الله به ، وهو من كمال تحقيق العبودية لله - تعالى - ، وسبب للخلاص من الشرك ، وإكمال للتوحيد ، وخضوع ، وتسليم لأمر الله ، ونهيه ، ويقين بأن الأمر كله لله ، بيده كل شيء ، فهو المعطي لمن يشاء ، المانع لمن يشاء ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .

تحقيقه هداية ، يحمل على الإخلاص ، فيكون الباعث له في جميع الأعمال : امتثال أمر الله ، واجتناب نهيه ، والعلم بأنه ماشاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن، يقود صاحبه إلى الرضا بالقليل ، والعفاف عما في أيدي الناس ، ويبعده عن التملق لغير الله ، أو الانشغال بغير عبادة الله ، ورضاه ، أو إرضاء الناس بسخط الله ، ويورث العزم في متانة ، ويربط القلب ، فيمضي صاحبه حتى يبلغ الغاية([1]) .

فالمؤمن بالقضاء ، الراضي به ، صبور متجلد ، يتحمل المشاق ، ويتضلع بالأعباء ، وخاصة في العصور المتأخرة ، فكيف بالوقت الذي يكون { القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر }([2]) .

أمَّا ضعيف الرضا بالقضاء ، الذي لايقوى على احتمال المصائب ، ولايصبر على أدنى شيء منها ، فهذا لضعف إيمانه ، ورخاوة نفسه ، وانزعاجها العظيم للشيء الحقير ، فما أن يصاب بالتافه من الأمر حتى تراه حرج الصدر ، فتقض مضجعه ، وتؤرق جفنه ، وهي - وأكبر منها - لو وقعت لمن هو أقوى منه إيماناً ورضاً بالقضاء لم يلق لها بالاً ، ولم تحرك منه نفساً ، ولنام ملء جفونه رضيَّ البال، قرير العين .

فالذي يجزع لأتفه الأسباب ، قد يصل إلى الجنون ، أو الوسوسة ، أو تعاطي المسكرات ، على اختلاف مستوياتها ، أو قتل النفس ، أو الانتحار .

وما أكثر هذه الأمور في المجتمعات التي لاترضى بقضاء الله - تعالى - .

فالذي لايرضى بما يصيبه من المصائب : يدب إلى روعه القنوط ، ويظن أنها قاصمة الظهر ، ونازلة النوازل ، ويرمي نفسه في وحل اليأس ، وسجن الظلم .

أمَّا المؤمن بالقضاء والقدر ، الصابر على المصيبة ، وعن المعصية ، فلاتراه إلاَّ متفائلاً في جميع أحواله ، منتظراً الفرج من الله ، مؤقناً بأن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسراً ، وأن العاقبة للتقوى ، وأن قضاء الله نافذ لا محالة ، فلايأس ، ولا قنوط ، ولا كسل ، ولا هوان ، ولا تهاون ، تسمو به الحال ، فيصل إلى منزل الرضا ، فيرضى عن الله ، ويرضى الله عنه .

 

سبب اختيار الموضوع :

ولقد كان السلف الصالح - من عهد النبوة وعبر القرون الفاضلة - على هذا الاعتقاد ، وهذا المستوى في الرضا بالقضاء ، بيد أنه ظهر بعد ذلك خلل في هذا ، من قبل غلاة المتصوفة ، الذين أهملوا الوحي ، وحكموا العاطفة ، وتسابقوا في ترك الأسباب ، والغلو في ذلك ، حتى قال بعضهم : { الرضا : ألا نسأل الله الجَنَّة ، ولانستعيذه من النَّار }([3]) ، وقال الآخر :

أصبحت منفعلاً لما يختاره مني ففعلي كله طاعات([4])

ثُمَّ في هذا الزمان فرط كثير من المسلمين في الرضا بحكم الله ، شرعاً ، وكوناً ، وقدراً ، فضعف الرضا ، واليقين ، واتبعت الشهوات والشبهات ، وتأثر المسلمون بالطرق الشيطانية ، الصارفة عن الرضا بقضاء الله .

ولو ضربنا أمثلة عن التقصير ، في الرضا بالقضاء الشرعي ، أو القضاء الكوني في كل ميدان من ميادين الحياة العملية ، والعلمية ، التجارية ، والسياسية ، الدينية ، والمالية ، الأسرية ، والاجتماعية ، لطال بنا المقام .

ولكن أترك الأمر للقارئ الكريم ؛ ليطبق ما ذكرته في هذا البحث المتواضع، على واقع الناس في هذا الزمان ، آملاً ألا يغفل جانباً من جوانب الحياة ، سائلاً المولى عزّوجل أن يكتب المغفرة للجميع .

فلهذا وذاك رأيت أن أكتب في الرضا بالقضاء ؛ للحاجة الملحة إلى ذلك ، ولأنني لم اطلع على كتابة في الموضوع ، مفردة ، مرتبة متناولة لكل مسائل الرضا بالقضاء ، على هذا الترتيب الذي جعلته في هذا البحث .

وقد اشتمل البحث على هذه المقدمة ، وعلى تعريف الرضا والقضاء والقدر في اللغة والاصطلاح وبيان حقيقة الرضا بالقضاء ، وأقوال الناس فيه ، وهل الرضا مقام أم حال ؟ ، والصلة بين الرضا والتوكل ، والأمر بالرضا والحث عليه ، في القرآن والسنة وأقوال السلف ، ثُمَّ الرضا بفعل الله ، وحكم الرضا به ، والقضاء الشرعي وأدلته ، وحكم الرضا به ، والقضاء الكوني القدري وأدلته ، والمراد به ، وأقسامه :

1 - الموافق لمحبة العبد ، وإرادته ، ورضاه ، وحكم الرضا به .

2 - ماجاء على خلاف مراد العبد ومحبته مِمَّا لايلائمه ولايدخل تحت اختياره ، وهو قسمان أيضاً :

أ ) - ما للعبد فيه استطاعة ، واختيار ، وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن ، وحكم الرضا به .

ب) - ما ليس للعبد فيه اختيار ، ولا طاقة ، ولا حيلة في منازعته ومدافعته، وحكم الرضا به .

ثُمَّ حكم الرضا بالمصائب ، وأقوال العلماء في ذلك ، وبيان الراجح منها .

3 - القسم الثالث من الكوني : وهو الجاري باختيار العبد ، وقضاء الرب، مِمَّا يكرهه الله ، ويسخطه ، وينهى عنه { المعاصي } ، وحكم الرضا به .

وتفصيل تلك المسائل باختصار غير مخل - إن شاء الله - .

ثُمَّ ذكر بعض ما ينافي الرضا بالقضاء ، على وجه الاختصار ، مثل :

1 - الاعتراض على قضاء الله الشرعي الديني .

2 - ترك التوكل على الله .

3 - السخط بما قسم الله .

4 - الحزن على ما فات .

5 - النياحة .

6 - تمني الموت لضر نزل أو بلاء .

7 - عدم الرضا بالمقسوم من الرزق .

8 - الجزع والهلع .

ثُمَّ مناقشة الصوفية في انحرافهم في الرضا بالقضاء ، على وجه الاختصار غير المخل - بإذن الله تعالى - .

هذا وقد آثرت الإيجاز ، مع الحرص على الوفاء بالموضوع ، ليسهل على القارئ والمطلع الإفادة ، وأسأل الله أن يسدد أعمالنا ، ويغفر زلاتنا وتقصيرنا ، وأن ينفع بهذا البحث ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

 

الرضا في اللغة

الرضا : مصدر ، مقصور : ضد السخط ، والسخط : الكراهية للشيء ، وعدم الرضا به([5]) ، وفي حديث الدعاء : { اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء }([6]) ، وقد رضي يرضى رضا ورُضا ورِضواناً ورُضواناً - الأخيرة عن سيبويه([7]) - فهو راض من قوم رُضاة([8]) .

ورضيت عنك ، وعليك ، رضى ، ومثله : رضيت الشيء ، وارتضيته ، فهو مرضي ، ومرضو أيضاً ، على الأصل ، مقصور : مصدر محض ، والاسم الرضا ممدود([9]) عن الأخفش([10]) .

قال القحيف العقيلي([11]) :

إذا رضيت عليّ بنـــو قشير    لعمر الله أعجبنــــــي رضاها

ولاتنبو سيــــوف بني قشير   ولاتمضي الأسنة في صفاها([12])

عدّاه بعلى ؛ لأنه إذا رضيت عنه أحبته ، وأقبلت عليه ، فلذلك استعمل على بمعنى عن([13]) .

وقال ابن جني([14]) : وكان أبو علي([15]) يستحسن قول الكسائي([16]) في هذا، لأنه لما كانت رضيت ضد سخطت عدى رضيت بعلى ، حملاً للشيء على نقيضه ، كما يحمل على نظيره .

قال : وسلك سيبويه هذه الطريق في المصادر كثيراً ، فقال : قالوا كذا ، كما قالوا كذا ، وأحدهما ضد الآخر([17]) ، وقوله - جلّ وعلا - : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }([18]) تأويله : أن الله - تعالى - رضي عنهم أفعالهم ، ورضوا عنه ما جازاهم به .

وأرضاه : أعطاه ما يرضى به([19]) .

وترضَّاه : طلب رضاه ؛ قال :

إذا العجوز غضبت فطلق          ولاترضَّاهـــــا ولاتَملق([20])

أثبت الألف من ترضاها في موضع الجزم تشبيهاً بالياء في قوله :

ألم يأتيــك والأنباء تنمي        بِمَا لاقت لبون بني زياد([21])

والرضي : المرضي ، وارتضاه : رآه أهلاً ، والرجل الرضا([22]) أي العدل .

وقالوا : رضيت عنه رضا ، وإن كان من الواوي : لمكان الكسر وحقه : رضو .

قال أبو منصور([23]) : إذا جعلت الرضا بمعنى المراضاة فهو ممدود ، وإذا جعلته مصدر رضي يرضى فهو مقصور .

قال سيبويه : وقالوا : عيشة راضية ، على النسب أي : ذات رضا .

ومن الألفاظ التي بمعنى الرضا :

1 - الركون : كما في قول الله - تعالى - : { وَلاَ  تَرْكَنُوا إِلَي الَّذِيـنَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ }([24]) ، أي لاترضوا أعمالهم([25]) .

2 - العُتبى بالضم : بمعنى الرضا([26]) ، ومنه قوله - r - في الدعاء : { لك العتبى حتى ترضى }([27]) ، واستعتب : طلب أن يرضى عنه ، كما تقول: استرضيته فأرضاني

المعتب : المرضي ، ومنه الحديث : { لايتمنين أحدكم الموت إمَّا محسناً فلعله يزداد ، وإمَّا مسيئاً فلعله يستعتب }([28]) أي : يرجع عن الإساءة ويطلب الرضا ومنه في الحديث : { ولا بعد الموت من مستعتب }([29]) أي ليس بعد الموت من استرضاء ، لأن الأعمال بطلت ، وانقضى زمانها ، وما بعد الموت دار جزاء ، لا دار عمل([30]) .

3 - الدّقع : - محركة - الرضا بالدون من العيشة ، وسوء احتمال الفقر([31]) .

4 - القانع : كما في قول الله - تعالى - : { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ }([32]) ، وهو من القنوع : الرضا باليسير من العطاء ، وقد قنع يقنع قنوعاً وقناعة بالكسر : إذا رضي ، وقنع بالفتح يقنع قنوعاً ، إذا سأله ، ومنه ما ورد في الحديث : { القناعة كنز لايفنى }([33]) لأن الإنفاق منها لاينقطع ، كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي([34]) .

والقناعة : الرضا بالقسم ، وبابه سلم ، وهو قنع وقنوع ، وأقنعه الشيء : أي أرضاه ، وقال بعض أهل العلم : إن القنوع أيضاً قد يكون بمعنى الرضا ، والقانع بمعنى الراضي ... ، ويجوز أن يكون السائل سمي قانعاً لأنه يرضى بما يعطى قلّ أو كثر ، ويقبله ، ولايرده ، فيكون معنى الكلمتين راجعاً إلى الرضا([35]) .

6 - القنى : بمعنى الرضا ، ومنه قول الله - تعالى - : { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى }([36]) ، وقني الرجل - بالكسر - قنى ، بوزن رضا ، أي صار غنياً ، وراضياً ، والقنى - كإلى - : الرضا ؛ قناه الله ، وأقناه : أرضاه ، وأقناه أيضاً : رضَّاه ، ويقال : أعطاه الله وأقناه : أي أعطاه ما يسكن إليه([37]) .

7 - ويأتي الحمد بمعنى الرضا ، فيقال : بلوته فحمدته ، أي : رضيته ، ويقال : أحمد إليكم كذا : أي أرضاه لكم([38]) .

والرضا نقيض الغضب([39]) ، والغضبة ضد الرضا([40]) .

والرضا والغبطة : ضد الندامة والحسرة([41]) .

والرضا والوفاء : ملزوم أحدهما بالآخر([42]) .

والتسليم : بذل الرضا بالحكم([43]) .

القضاء في اللغة :

القضاء - ممدود - مصدر معرف ، أصله : قَضَايٌ ، لأنه من قضيت ، إلاَّ أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت([44]) ، فعله : قضى يقضي ، ومصدره : قضاء وقضية ، والفاعل : قاضٍ ، والقاضي : القاطع للأمور المحكم لها([45]) .

واستقضي فلان : أي جُعل قاضياً .

والقضايا : جمع قضية وهي الأحكام .

والقضاء يأتي بعدة معان ، منها :

1 - الفصل في الحكم ، يقال : قضى يقضي قضاءً إذا حكم وفصل ، قال - تعالى - : { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ }([46]) أي : لفصل وحكم بينهم([47]) .

2 - ويأتي بمعنى الإتقان ، والفراغ منه : فيكون على هذا بمعنى الخلق ، قال الله - تعالى - : { فَقَضَــاهُنَّ سَبْعَ سَمَـاوَاتٍ }([48]) أي : ففرغ من خلقهن([49]) .

3 - بمعنى أداء الشيء وتمامه ، قال الله - تعالى - : { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَــاسِكَكُمْ }([50]) أديتم وفرغتم([51])، ويدخل في المعنى السابق .

4 - ويأتي بمعنى : إمضاء القدر ، كما في قوله - سبحانه - : { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ }([52]) أي : أمضينا قضاءنا على سليمان بالموت([53]) .

5 - التمام : كما في قول الله - تعالى - : { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ  ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ }([54]) فمعنى (( لقضي الأمر )) : لتم إهلاكهم([55]) .

6 - الإكمال والوفاء : ومنه قوله - تعالى - : { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ }([56]) أي : فلما وفى ، وأكمل صاحبه الأجل([57]) .

7 - الحتم : ومنه قوله - تعالى - : { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً  وَأَجَلٌ مُّسَمًّي عِندَهُ }([58]) ، فالمعنى حتم بذلك .

8 - الصنع والعمل : يدل على ذلك قول الله - تعالى - : { فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ }([59]) أي : اصنع وافعل واعمل ما أنت صانع أو فاعل أو عامل([60])، وتقول : قضى الشيء قضاء صنعه وقدره .

وهذا هو القضاء الكوني القدري .

9 - الإعلام : ومنه قول الله - عزّوجل - : { وَقَضَيْنَآ إِلَى  بَنِي إِسْرَاءِيلَ فِي الْـكِـــتَــابِ }([61]) أي : أعلمناهم إعلاماً مقطوعاً به([62]) .

10 - إنهاء العمر أو الحياة : من ذلك ما ورد في قصة موسى - عليه السلام - من قول الله - تعالى - : { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ }([63]) أي : قتله وأنهى حياته بالوكز([64])

11 - الأمر([65]) : من ذلك قول الله - تعالى - في الوصية والأمر بعبادته - سبحانه - : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ }([66]) أي : أمر وأوصى ، أمراً محتوماً ووصية مقطوعاً بها([67]) .

وهذا هو القضاء الشرعي الديني .

وأكثر المعاني السابقة تعود إلى الفراغ ، وإتمام الشيء وانقطاعه ، وهناك اشتقاقات أخرى غير هذه ، ذكرها أهل اللغة ، يُرجع إليها في مظانها ، في مادة { قضى } والله الموفق .

 

القدر في اللغة :

القدر : بفتح القاف والدال : اسم يطلق على الحكم والقضاء ، أو القضاء الموفق([68]) .

ومن ذلك حديث الاستخارة ، وفيه : { فاقدره لي ويسره لي }([69]) .

وقال الله - تعالى - : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَـاهُ بِقَدَرٍ }([70]) أي : إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه([71]) .

وقال - سبحانه وتعالى - : { فَالْتَقَي الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ  }([72]) أي : على أمر قد قدره الله ، وقضاه أي : قضاه في اللوح المحفوظ([73]) .

وقال - سبحانه - : { إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَـابِرِينَ }([74]) أي : قضى إليه فيها ؛ إنها لمن الباقين ثُمَّ هي مهلكة بعد([75]) .

وقال - سبحانه - : { إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ }([76]) وهي الليلة التي تقدر فيها الأرزاق ، وتقضى([77]) .

ويأتي بمعنى : التضيق([78]) { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ }([79]) أي: ويقتر على من يشاء منهم في رزقه وعيشه ، فيضيقه عليه ؛ لأنه لايصلحه إلاَّ الإقتار([80]) ، وقوله - تعالى - : { وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ }([81]).

ويأتي : بمعنى الخلق : { وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى  }([82]) أي : والذي قدر خلقه فهدى([83]) .

والقَدَر : بفتح القاف والدال أيضاً : الطاقة والوسع([84]) ، كما يدل على ذلك قول الله - عزّوجل - : { عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ }([85]) وقَدّر الشيء - بالتشديد - : قضاه ، ويجوز التخفيف .

والقَدْر : بفتح القاف وإسكان الدال : الوسع والطاقة ، أيضاً ، وبمعنى المقدار ، فقدر كل شيء مقداره أي : مقياسه ، يقال : قدره به قدراً إذا قاسه ، والقدر من الرحال والسروج : الوسط([86]) .

وقدرت الشيء أقدره من التقدير ، ومنه قوله - r - في الحديث : { فإن غم عليكم فاقدروا له }([87]) أي : قدروا له عدد الشهر ثلاثين يوماً ، وقيل : قدروا له منازل القمر ، فإنه يدلكم على أن الشهر تسعة وعشرون يوماً أم ثلاثون يوماً([88]) .

والقَدْر ، والتقدير : تبيين كمية الشيء ، يقال : قَدَرته وقدّرْته وقدره بالتشديد ، أعطاه القدرة ، يقال : قدَّرَني الله على كذا وقواني عليه .

فتقدير الله الأشياء على وجهين :

أحدهما : إعطاء القدرة .

والثاني : بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة .

فأحدهما بالحكم منه - سبحانه - ، أن يكون كذا أولا يكون كذا([89]) ، كما في قول الله - تعالى - : { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا }([90]) .

والمراد أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ، ثُمَّ أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد ، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته ، فهو قضاؤه .

القضاء والقدر في الاصطلاح :

مِمَّا سبق في تعريف القضاء والقدر في اللغة ، وما تدل عليه النصوص الشرعية ، يتبين لنا أن القضاء والقدر في الاصطلاح ، أو في الشرع : تقدير الله الأشياء في الأزل وقضاؤها وكتابتها في اللوح المحفوظ ، وعلمه - سبحانه - بوقوعها في أوقات معلومة عنده ، على صفات مخصوصة بمشيئته ، وقدرته ، وخلقه وأمره ، والأمر باليقين والعمل لذلك .

قال الله - تعالى - : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }([91]) .

وقال - سبحانه - : { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا }([92]) .

وقال - عزّوجل - : { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }([93]) .

وقد عرفه الإمام أحمد بقوله : { القدر : قدرة الله }([94]) .

وعرف بتعريفات أخرى ، كلها تدل على علم الله بكل ما أراد إيجاده ، أو إفناؤه ، من العوالم ، والخلائق ، والأحداث ، والأشياء ، وتقدير ذلك ، وكتابته في اللوح المحفوظ ، كما هو : كميته ، وصفته ، وكيفيته ، وزمانه ، وأسبابه ، ومقدماته ، ونتائجه ، بحيث لايتأخر شيء من ذلك عن وقته ، ولايتقدم ، ولايتبدل([95]) .

ومعنى قولهم : { القدر سر الله في خلقه } : أن الله قد أخفى علمه عن خلقه ، فلايطلع عليه أحد لا ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، فهو - سبحانه - أوجد وأفنى ، وأفقر وأغنى ، وهدى وأضل ، { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ }([96]) .

وقد روي عن ابن عمر مرفوعاً : (( لاتكلموا بشيء من القدر فإنه سر الله فلاتفشوا سر الله ))([97]) .

وسئل علي - رضي الله عنه - عن القدر ، فقال : { سر الله فلا تكشفه }([98]) .

{ والقضاء والقدر : أمران متلازمان لاينفك أحدهما عن الآخر ؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس ؛ وهو القدر ، والآخر بمنزلة البناء ؛ وهو القضاء}([99]).

فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ، ونقضه ، فالمقضي مقدر ، والمقدر مقضي ، ولا دليل على التفريق بينهما([100]) ، إلاَّ أن الذي أراه أنهما إذا اجتمعا فإن لكل لفظ من لفظيهما زيادة بيان عن الآخر من وجه ، كما هو الحال في ألفاظ اللغة العربيَّة ومترادفاتها ، ومن ذلك ألفاظ القرآن الكريم ثُمَّ إن لذكر اللفظ مع الآخر في موضع أو سياق له دلالته ، والله أعلم .

وقد جاء في تعريف الرضا بالقضاء أقوال كثيرة ، منها :

قيل : { الرضا : ارتفاع الجزع في أي حكم كان }([101]) .

وقيل : { سكون القلب تحت مجاري الأحكام }([102]) .

وقال بعضهم الرضا : { ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد }([103]) .

وقال آخر الرضا : { سرور القلب بمر القضاء }([104]) .

وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - : { الرضا : أن لاترضي الناس بسخط الله ، ولاتحمد أحداً على رزق الله ولاتلم أحداً على ما لم يؤتك الله ، فإن الرزق لايسوقه حرص حريص ، ولايرده كراهية كاره ، والله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط }([105]) .

وقيل : الرضا : ألاّ يتمنى خلاف حاله([106]) .

وقيل : الرضا : ترك الاختيار([107]) .

وقيل : الرضا : استقبال الأحكام بالفرح([108]) .

وقال بعضهم الرضا : نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد ؛ فإنه اختار له الأفضل([109]) .

وسئل أحدهم عن الرضا ، فقال : { من لم يندم على ما فات من الدنيا ، ولم يتأسف عليها }([110]) .

وقال الآخر : { معنى الرضا : فيه ثلاثة أقوال : ترك الاختيار ، وسرور القلب بمر القضاء ، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم لها عليها }([111]) .

ولما سئل أحدهم عن الرضا ، قال : { الرضا بالحق ، والرضا عن الحق ، والرضا له } .

فقال : الرضا به : مدبراً ومختاراً ، والرضا عنه : قاسماً ومعطياً ، والرضا له: إلهاً ورباً }([112]) .

وقال شقيق البلخي([113]) : { وتفسير الرضا على ثلاث([114]) خصال : أولها: أمن من الفقر ، والثاني : حب القلة والثالث : خوف الضمان ، وتفسير الضمان : ألا يخاف إذا وقع في يده شيء من أمر الدنيا ؛ أن يقيم حجته بيــن يدي الله ، في أخذه ، وإعطائه ، على أي الوجوه كان }([115]) .

وقال الراغب الأصفهاني([116]) : { ورضا العبد عن الله : أن لايكره ما يجري به قضاؤه ، ورضا الله عن العبد : هو أن يراه مؤتمراً لأمره ، ومنتهياً عن نهيه }([117]) .

والرضا عمل قلبي ، ليس بقول اللسان ، ولا عمل الجوارح ، ولا هو من باب العلوم والإرادات .

ولهذا يُمكن أن يكون تعريف الرضا تبعاً لمعناه في اللغة ، وما سبق من هذه الأقوال جميعاً ، وما يوافق نصوص كتاب الله ، وسنة رسوله - r - هو : التسليم بالقضاء ، والقناعة بما قسم ، قل أو كثر ، والسكون إلى الله ، وحمده على ما قضاه ، وترك الندم أو الحسرة أو الحزن على ما فات من رزق ، وعدم التسخط ، أو الاعتراض على ما وقع من قضاء الله الكوني ، وحب أمر الله ، والعمل به ، وترك معاصيه ، واجتنابها ، والبشر والإكرام ، والغنى عما في أيدي الناس ، واليقين بأن الله المعطي ، المانع وحده لا شريك له .

أو نقول : الإيمان بالقضاء والقدر هو : التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره ، واليقين بأنه - سبحانه - الفَعَّالُ لما يريد ، لايكون شيء إلاَّ بإرادته ، ولايخرج عن مشيئته ، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولايصدر إلاَّ عن تدبيره ، ولا محيد لأحد عن القدر ، ولايتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ ، وأنه خالق أفعال العباد ، من الطاعات ، والمعاصي ، ومع ذلك فقد أمر العباد ، ونهاهم ، وجعلهم مختارين لأفعالهم ، غير مجبورين عليها ، بل هي واقعة بحسب قدرتهم ، وإرادتهم . يهدي من يشاء برحمته ، ويضل من يشاء بحكمته : { لاَ يُسْـأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـأَلُونَ }([118]) .

ثُمَّ الرضا بعد وقوع كل ذلك ، وتحققه بما يجري عليه من هذا القضاء والقدر ، وعدم الجزع ، أو الاعتراض على ما قضي ، والتسليم للأمر والنهي ، وما وقع من خير أو شر ، وأن لله حكمة في ذلك ، لايعلمها إلاَّ هو ، قد تكون خيراً للعبد ، وهو يظن أنها ليست كذلك ، فيحسن الظن بالله - تعالى - ، ويقنع بما يحصل له من رزق ، وغيره ، ولاتتوق نفسه إلى غير ما قضي ، وقدر له، مع فعل الأسباب المأمور بها .

 

حقيقة الرضا

والرضا - وإن كان من أعمال القلوب - فله حقيقة تترجمه إلى واقع ملموس ، ومشاهد ، ويتفاوت الناس عند الله - تعالى - في هذه الأعمال ، فما هي حقيقة الرضا ؟ .

لقد تحدث الكثير عن حقيقة الرضا ، وأمسك البعض وظن أن حقيقة الرضا لاتعرف ، ولاتعلم([119]) ، وبالغ آخرون ، فجعلوا الرضا من جملة الأحوال التي ليست بمكتسبة بل هو موهبة محضة([120]) ، وبعضهم جعله الانطراح والتسليم لما يجريه الله دون العمل ، حتى يقول : { الرضا أن لاتسأل الله الجَنَّة ولاتستعيذ به من النَّار }([121]) .

وإليك أقوال الناس عن حقيقة الرضا :

قيل : حقيقة الرضا من رضي الله في كل شيء فقد بلغ حد الرضا([122]) .

وقيل : عدم الحرص على الازدياد ، فهذا غنى النفس ، الذي هو الناشيء عن الرضا بقضاء الله - تعالى - والتسليم لأمره ؛ وأنَّ ما عنده خير وأبقى ، فيعرض صاحبه عن الحرص والطلب ، كما قال القائل :

غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة     فإن زاد شيئاً عــاد ذاك الغنى فقراً([123])

وقال سفيان الثوري : { لايكون غنياً أبداً حتى يرضى بما قسم الله له ؛ فذلك الغنى }([124]) .

وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - : { ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال أراهم ، أبسراء أم بضراء ، وما أصبحت على حال فتمنيت أني على سواها }([125]) .

وقيل للفضيل بن عياض : من الراضي عن الله ؟ قال : الذي لايحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها([126]) .

وقيل عن الرضا : من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض([127]) .

وقيل : اشتكى عمران بن حصين - رضي الله عنه - فدخل عليه جار له ، فاستبطأه في العيادة ، فقال له : يا أبا نجيد ، إن بعض ما يمنعني من عيادتك ما أرى بكم من الجهد . قال : فلاتفعل ، فإن أحبه إليّ أحبه إلى الله ، فلاتبتئس لي بما ترى ، أرأيت إذا كان ما ترى مجازاة بذنوب قد مضت ، وأنا أرجو عفو الله على ما بقي ، فإنه قال : { وَمَآ أَصَـابَكُم مّـِن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }([128])([129]) .

وقيل : إن سفيان الثوري قال عند رابعة([130]) : { اللهم ارض عني } فقالت له : أما تستحي أن تطلب رضا من لست عنه براض([131]) ؟ .

قال سهل([132]) : إذا اتصل الرضا بالرضوان اتصلت الطمأنينة ، فطوبى لهم وحسن مآب .

يريد قوله - جلّ وعزّ - : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }([133]) . فمعناه: أن الرضا في الدنيا تحت مجاري الأحكام ، يورث الرضوان في الآخرة بما جرت به الأقلام .

قال الله - تعالى - : { وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيـنَ }([134])([135]) .

وقيل : { الرضا عن الله ينتظم الصبر انتظاماً }([136]) .

وقيل : { ثلاثة من أعلام التسليم : مقابلة القضاء بالرضا ، والصبر عند البلاء ، والشكر عند الرضا }([137]) .

وقيل لسفيان بن عيينة : ما حد الزهد ؟ قال : { أن تكون شاكراً في الرضا ، صابراً في البلاء }([138]) .

وقال نفطويه([139]) : { كان يقال : العاقل من كرم صبره عند البلاء ، ولم يظهر منه ترفع عند الرضا }([140]) .

وسئل بعضهم عن أصول الدين ، فقال : { اثنان : صدق الافتقار إلى الله - عزّوجل – وحسن الاقتداء برســول الله - r -  وفرعه أربعة : الوفاء بالعهود ، وحفظ الحدود ، والرضا بالموجود ، والصبر على المفقود }([141]) .

وقال الساجي([142]) : (( قال لي رجل لو جُعلت لي دعوة مستجابة ما سألت الفردوس ، ولكن أسأله الرضى : هو تعجيل الفردوس .

الرضى : إنَّما هو في الدنيا ، يقول : { رضي الله عنهم ، ورضوا عنه ، وأعد لهم هناك في الآخرة ، والرضى : ملك يفضي إلى ملك ، وهم أوجه الخلق عندهم ، ولم تكن لهم أعمال تقدمت شكرهم عليها ، ولا شغفا لهم عنده ، ولكنه كان ابتداء منه ، وقد فرغ الله مِمَّا أرادوا ، أسعد بالعلم من قد عرف ، وإنَّما العقوبات على قدر الملمات ، إذا لم يكن شيء جاءت عقوبات ذلك بقدره }([143]) .

وقال أحدهم : { وثلاثة من أعلام الرضا : ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب في حشو البلاء }([144]) .

وقيل : { الرضى سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى به }([145]) .

قال ابن القيم - رحمه الله - بعد ذكر هذا القول : { قلت : وهذا رضى بما منه ، وأمَّا الرضا به : فأعلــى من هذا ، وأفضل ، ففرق بين من هو راض بمحبوبه ، وبين من هو راض بما يناله من محبوبه ، من حظوظ نفسه ، والله أعلم }([146]) .

وقال أيضاً - رحمه الله - : { ومنها - أي من حكمته - أنه - سبحانه - يذيق ألم الحجاب عنه ، والبعد ، وزوال ذلك الأنس ، والقرب ، ليمتحن بده ، فإن أقام على الرضا بهذه الحال ، ولم يجد نفسه تطالبه حالها الأول مع الله ، بل اطمأنت ، وسكنت إلى غيره ، علم أنه لايصلح ، فوضعه في مرتبته التي تليق به ... }([147]) .

وقال ابن تيمية - رحمه الله - : { والرضا وإن كان من أعمال القلوب فكماله الحمد ، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا ، وذلك يتضمن الرضا بقضائه }([148]) .

وقال : { والله يستحق الرضا لذاته }([149]) .

وقد رأى بعضهم أن حقيقة الرضا هي : الزهد ، كما روي عن الفضيل بن عياض أنه قال : { الزهد : الرضا عن الله }([150]) .

وقد رأى بعض العلماء أن الرضا هو : غنى النفس .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : { ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس }([151]) ، وغنى النفس إنَّما ينشأ عن الرضا بقضاء الله ، والتسليم لأمره ، علماً بأن الذي عند الله خير وأبقى ، فهو معرض عن الحرص ، والطلب .

فالمتصف بغنى النفس يكون قانعاً بما رزقه الله ، لايحرص على الازدياد لغير حاجة ، ولايلح في الطلب ، ولايلحف في السؤال ، بل يرضى بما قسم الله له ، فكأنه واحد أبداً([152]) .

وهذا ما عناه النبي - r - عندما استعاذ من فتنة الغنى ، وفتنة الفقر ؛ لأنهما حالتان تخشى الفتنة فيهما ، بالتسخط ، وقلة الصبر ، والوقوع في حرام، أو شبهة للحاجة ، ويخاف من الأشر ، والبطر ، والبخل بحقوق المال ، أو إنفاقه في إسراف ، وفي باطل ، أو في مفاخر ...

قال الخطابي : { إنَّما استعاذ - r - من الفقر الذي هو فقر النفس ، لا قلة المال }([153]) .

وقال القاضي عياض : { وقد تكون استعاذته من فقر المال ، والمــراد الفتــنة فـي عدم احتماله ، وقلة الرضا به ... }([154]).

وبعضهم يرى أن حقيقة الرضا : القناعة ، أو أن القناعة أول الرضا([155]) .

وروي عن أبي سليمان الداراني قوله : { إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض }([156]) .

وعلى هذا إنَّما يمنع العبد من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل سخط ، فإذا سلا عن شهوات نفسه ، رضي بما قسم الله له من الرزق([157]) .

وقال أعرابي في الرضى ، والقناعة([158]) ، وذم السؤال :

وأنت صحيــــــح لم تخنك الأصابـــع

علام ســــؤال الناس والرزق واسع

عريض وباب الرزق في الأرض واسع

وللعيش أوكار وفــي الأرض مذهب

وخل ســؤال الناس فالله صانع([159])

فكن طالبــــاً للرزق من رازق الغنى

وقال مسلم بن الوليد([160]) :

مع الحرص لم يغنم ولم يتمول

أقول لمأفون البديهــة طائر

وصائن عرضي عن فلان وعن فل([161])

سل الناس إني سائل الله وحده

وقال بعض العلماء نظماً :

فإنك لاتدري أتصبح أم تمسي([162])

تقنع بِمَا يكفيــك واستعمل الرضا

قال أبو ذؤيب الهذلي([163]) :

وإذا تـرد إلى قليـــل تقنع([164])

والنفس راغبــــــة إذا رغبتها

وقال لبيد([165]) :

ومنهم شقي بالمعيشـة قانع([166])

فمنهم سعيد آخـــــــذ بنصيبه

قلتُ : ويُمكن أن تكون حقيقة الرضا ، هي : لزوم ما جعل الله رضاه فيه، من الأحكام الشرعية ، بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، لاسيما إذا قام بواجبها ، ومستحبها ، وعمل ما أبيح له من غير تعد إلى المحظور ، مع اليقين والصبر ، وعدم طلب فضول الشهوات ، والقناعة بما يقضيه الله له في عيشه ، وما يحتاج إليه في حياته ، وعدم حسد الخلق ، أو مخاصمتهم ، أو تمني ما في أيديهم ، أو سخط ما آتاه الله ، وإن كانت نفسه تكرهه طبعاً ، وتظنه ليس خيراً ، والتسليم بذلك ، مع فعل الأسباب المأمور بها ، وكراهة المعاصي ، والابتعاد عنها ، كما تدل عليه النصوص الكثيرة ، منها قوله - تعالى - : { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ أُولائِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَـارُ خَـالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ }([167]) .

وما في الصحيح عن أبي هريرة ، عن النبي - r - قال : { إن الله قال : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مِمَّا افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت ، وأنا أكره مساءته }([168]) .

وستتضح حقيقة الرضا بالحديث عن أنواع الرضا بالقضاء وأنواع القضاء - إن شاء الله تعالى - .

 

الرضا مقام أم حال ؟

واختلف أهل التصوف في حقيقة الرضا هل هو مقام مكتسب ، أم حال موهبي ؟ إلى ثلاث فرق أو طرق هي :

1 - طائفة - أو فرقة - قالت : الرضى مقام مكتسب ، هو نهاية التوكل، يُمكن أن يتوصل إليه العبد باكتسابه ، وهؤلاء متصوفة خراسان ، في القرن الثامن ، ومن تبعهم عليه([169]) .

واحتجت هذه الطائفة بأن الله مدح أهله ، وأثنى عليهم ، وندبهم إليه ، فدل ذلك على أنه مقدور لهم([170]) .

2 - طائفة - أو فرقة - قالت : الرضا حال من جملة الأحوال ، وليس كسبياً للعبد ، بل هو نازلة تحل بالقلب ، كسائر الأحوال ، أي أنه موهبة محضة([171]) .

3 - وطائفة ثالثة ؛ منهم القشيري - صاحب الرسالة القشيرية وغيره - قالوا : بداية الرضا مكتسبة للعبد ، وهي من جملة المقامات ، ونهايته من جملة الأحوال ، وليست مكتسبة ، فأوله مقام ونهايته حال([172]) .

واعتبروا هذا جمعاً - أو حكماً - يُمكن الجمع به بين مذهب الطائفتين السابقتين .

قال ابن القيم - رحمه الله - : { فمما اختلفوا فيه : الرضا ، هل هو حال أم مقام ، فيه خلاف بين الخراسانيين والعراقيين ، وحكم بينهم بعض الشيوخ فقال : إن حصلت بكسب فهو مقام ، وإلاَّ فهو حال .

والصحيح في هذا : أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها ، فتكون لوامع ، وبوارق ، ولوائح عند أول ظهورها وبدُوّها ، كما يلمع البارق، ويلوح عن بعد ، فإذا نازَلَتْه ، وباشرها فهي أحوال ، فإذا تمكنت منه ، وثبتت له من غير انتقال ، فهي مقامات ، وهي لوامع ، ولوائح في أولها ، وأحوال في أوسطها ، ومقامات في نهاياتها }([173]) .

فهو يرى - رحمه الله - أن الرضى كسبي باعتبار سببه ، موهبي باعتبار حقيقته ، فقال : { فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه ، فإذا تمكن في أسبابه ، وغرس شجرته : اجتنى منها ثمرة الرضى ، فإن الرضى آخر التوكل }([174]) .

قلتُ : والفرق بين المقامات ، والأحوال عند الصوفية : أن المقامات عندهم من المكاسب ، أمَّا الأحوال فهي مجرد المواهب .

والصحيح : أن المقامات قد تحصل بفعل الأسباب من العبد ، وقد تحصل من غير فعل العبد ، وفي كلا الحالتين فالموجد لها هو الله - سبحانه وتعالى - ، فمقام الرضا بالقضاء : مقام عظيم ، وأصل من أصول الإيمان ، ومن قواعد الدين ، التي يطلب بها حظوظ الدنيا ، وأمور الدين ، وهي في أمور الدين أعظم، كالتوكل ، والإنابة ، والاستعانة ، وغيرها([175]) .

وقد يحصل على الرضا بسبب ، وقد لايحصل عليه ، فالسبب والمسبب من الله - تعالى - ، ولذلك طلب الرسول - r - : الرضا بالقضاء : { وأسألك الرضا بعد القضاء } .

أمَّا الحال فهي التي يكون عليها العبد عند القضاء وهي قسمان :

1 - حال شرعية : وهي التصرف بما أمر الله ورسوله ، وترك ما نهى الله عنه ، ورسوله ، فهذه الأحوال مواهب من الله ، وكرامات للصالحين من هذه الأمة .

2 - حال غير شرعية : وهي السخط ، والاعتراض ، وعدم التسليم ، وهي حال فاسدة لايتمثل صاحبها ما أمر الله به ورسوله ، ولايتصرف بها في ذلك .

فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة ، ولايدل إعطاؤهم ، أو إمهالهم ، على محبة الله لهم .

 

الصلة بين الرضا والتوكل

التوكل من مقامات المؤمنين لا انفكاك للمؤمن منه .

والرضا أعلى درجات التوكل ، بل هو باب الله الأعظم ، كما قيل ، وجنة الدنيا ، ومستراح العابدين ونعيمهم ، وحياة المخبتين ، وقرة عيون المشتاقين }([176]) .

فالرضا ثمرة التوكل ، والتوكل نصف الإيمان ، وهما من أعلى مقامات الإحسان التي هي أعلى المندوبات([177]) .

وقد قيل : إن حقيقة التوكل : الرضا ؛ لأنه لما كان ثمرته ، وموجبه ، استدل له عليه استدلالاً بالأثر على المؤثر ، وبالمعلول على العلة ، لا أن التوكل هو الرضا ، أو الرضا التوكل([178]) .

وقد سئل أبو بكر الواسطي عن ماهية التوكل ، قال : { الصبر على طوارق المحن ، ثُمَّ التفويض ، ثُمَّ التسليم ، ثُمَّ الرضا ، ثُمَّ الثقة }([179]) .

قال الله - تعالى - : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآ ءَاتَـاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ }([180]) .

قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية : { فتضمنت هذه الآية الكريمة أدباً عظيماً ، وسراً شريفاً ، حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله ، والتوكل على الله وحده ، وهو قوله : { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ } ، وكذلك الرغبة إلى الله وحده ، في التوفيق لطاعة الرسول - r - وامتثال أوامره ، وترك زواجره ، وتصديق أخباره ، والاقتضاء بآثاره }([181]) .

فعلى هذا لابد من فعل ما أمر الله به ، وترك ما نهى الله عنه ، في التوكل والرضا ، ومن قال فيهما بترك الأسباب ، والركون إلى مسبب الأسباب ، فقد طعن في سنة الرسول - r - كما سيأتي - إن شاء الله - في فصل الرضا ، وفعل الأسباب.

وقال ابن تيمية - رحمه الله - : { والرضا والتوكل يكتنفان المقدور ، فالتوكل قبل وقوعه ، والرضا بعد وقوعه }([182]) .

فما يكون قبل القضاء إنَّما هو عزم على الرضا ، وهو التوكل لا حقيقة الرضا ، فهو بعد القضاء ، فالعبد لابد أن يتوكل على الله ، ويعزم على الرضا ، فيما لو وقع ما لايحب ، أو ما لايرى فيه فائدته في الظاهر ، وإذا وقع المقدر ، رضي به ، على ما سيأتي في حكم الرضا بالقضاء - إن شاء الله - .

ولهذا كان النبي - r - يقول في الصلاة ما روي عن الصحابي الجليل : عمار بن ياسر - رضي الله عنه - قال : كان النبي - r - يقول في الصلاة : { اللهم بعلمك الغيب ، وبقدرتك على الخلق ، أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي ، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ، وأسألك القصد في الفقر ، والغنى ، وأسألك نعيماً لاينفد ، وأسألك قرة عين لاتنقطع ، اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، وأسألك الشوق إلى لقائك ، من غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين }([183]) .

قال بعضهم في معنى قول النبي - r - : { أسألك الرضا بعد القضاء } قال : { لأن الرضى قبل القضاء عزم على الرضا ، والرضى بعد القضاء هو الرضا }([184]) .

وقال أبو سعيد الخراز([185]) : { الرضا قبل القضاء تفويض ، والرضا بعد القضاء تسليم }([186]) .

وقيل : { ثلاثة من أعلام الرضا : ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب في حشو البلاء }([187]) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : { ولهذا كان طائفة من المشائخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء ، فإذا وقع انفسخت عزائمهم ، كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره }([188]) .

واستشهد بعدة آيات منها قول الله - تعالى - : { وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  }([189])

وقال - تعالى - : {  يَاأَيُّـــهَا الَّذِيـنَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ،   كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ }([190]) .

وهذه الآية نزلت في أناس من المؤمنين ، تمنوا معرفة أحب الأعمال ، وأفضلها ، ليعملوا بها ، فلما أخبر الله نبيه بذلك قصروا في ذلك فعوتبوا([191]).

فالحاصل أن التوكل والتفويض يكون قبل وقوع المقدور ، والرضا بعده ، وهو الثمرة .

قال رسول الله - r - في دعاء الاستخارة : { اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر - ثُمَّ تسميه بعينه - خيراً لي في عاجل أمري وآجله ، قال : أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ، ويسره لي ثُمَّ بارك لي فيه ، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ، ومعاشي ، وعاقبة أمري ، أو قال : في عاجل أمري ، وآجله ، فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثُمَّ رضني به }([192]) .

فهذه حاجته التي سألها متوكلاً عليه - سبحانه - ، ولم يبق عليه إلاَّ الرضى بما يقضيه له ، فقال : { اقدر لي الخير حيث كان ، ثُمَّ رضني به }([193]) .

فالرضا إنَّما يأتي بعد الاستعانة ، والتوكل على الله ؛ لأن اليقين بالقضاء الذي لم يقع ليس برضا ، وإنَّما يكون بعد وقوع المقضي ، أمَّا قبل وقوعه فاستعانة وتوكل فقط ، فمن بلغ الرضا فلاشك أنه استعان بالله وتوكل عليه ، ومن استعان بالله وتوكل عليه فقد بلغ الرضا .

 

الأمر بالرضا بالقضاء والحث عليه

حث الإسلام على الرضا بالقضاء والقدر ، وأمر به في نصوص كثيرة ، منها :

1 - قول الله - تعالى - : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيــْـئــًـا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }([194]) .

فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله ، وإن شق على النفوس ، وعلى الرضا بقضائه ، وإن كرهته النفوس ، فهو - سبحانه - كما هو العليم في اختياره من يختاره من خلقه ، وإضلاله من يضله منهم : العليم الحكيم بما في أمره ، وشرعه من العواقب الحميدة ، والغايات العظيمة .

فبين - سبحانه - أن ما أمرهم به يعلم ما فيه من المصلحة ، والمنفعة لهم ، التي اقتضت أن يختاره ، ويأمرهم به ، وهم قد يكرهونه ، إمَّا لعدم العلم ، وإمَّا لنفور الطبع ، فهذا علمه بما في عواقب أمره مِمَّا لايعلمونه([195]) .

2 - وقوله - عزّوجل - : { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ  فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَـابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  لِكَـــيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ  تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَيُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }([196]) .

فما أصاب العبد من مصيبة في الأرض ، من قحط ، وجدب ، وذهاب زرع، وغير ذلك ، أو في الأنفس من الأمراض ، والأوجاع ، حتى خدش العود، ونكبة القدم ، إلاَّ مقدر مقضي في اللوح المحفوظ ، من قبل أن يخلقها الله، فلايحزن العبد على ما فاته ، أو يفرح فرح مختال متكبر ، ولكن لابد له من الرضا بما يصيبه من القضاء ، إن خيراً ، وإن غير ذلك([197]) .

3 - ومنها قوله - سبحانه - : { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ  شَيْءٍ عَلِيمٌ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِيـنُ ، اللَّهُ  لاَ إِلَـــهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }([198]) .

أي : لم يصب أحداً من الخلق مصيبة إلاَّ بإذن الله ، أي بقضائه ، وتقديره ، ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله ، وقدره ، يوفق الله قلبه بالاحتساب ، والتسليم لأمره ، والرضا بقضائه ، وعوضه الله عما فاته من الدنيا : هدى في قلبه ، ويقيناً صادقاً ، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه ، أو خيراً منه .

وروي عن ابن عباس : { يعني يهدي قلبه لليقين ، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه }([199]) .

وفي آخر هذه الآية الكريمة ، الأمر بالتوكل ، وأعلى درجات التوكل الرضا بالقضاء .

4 - ومنها ما في القرآن الكريم أنه - سبحانه - المعطي والذي يجعل المعطَى راضياً بما أعطاه ، قال - سبحانه - : { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى }([200]) أي: أعطى فأرضى([201]) .

 

ومن السنة والأثر :

1 - قوله - r - : { ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً }([202]) .

وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله - r - أنه قال: { من قال حين يسمع المؤذن أشهد ألا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، رضيت بالله رباً ، وبمحمد رسولاً ، وبالإسلام ديناً ، غفر له ذنبه }([203]) .

2 - ومنها : حديث الاستخارة السابق : { اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر - ثُمَّ تسميه بعينه - خيراً لي في عاجل أمري وآجله ، قال : أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ، ويسره لي ثُمَّ بارك لي فيه ، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ، ومعاشي ، وعاقبة أمري ، أو قال : في عاجل أمري ، وآجله ، فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثُمَّ رضني به }([204]) .

ففي هذا الحديث : بيان لحاجة العبد إلى فعل ما ينفعه في معاشه ، ومعاده ، وعلم ما فيه مصلحته ، وتيسير الله له ما قدره له من الخير ، فهو القادر - سبحانه وتعالى - على كل شيء ، والعبد عاجز إن لم ييسر الله له ما فيه مصلحته ، ولذلك أرشده النبي - r - إلى طلب فضله - سبحانه - وتيسيره، ثُمَّ إذا اختاره له بعلمه ، وأعانه عليه بقدرته ، ويسره له من فضله ، فهو يحتاج إلى البقاء عليه ، وثبوت هذا الفضل ، ونموه ، ثُمَّ إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه ، فإنه قد يهيء له ما يكرهه فيظل ساخطاً والخيرة فيه .

3 - ومنها : ما أخرج مسلم عن أنس أن رسول الله - r - قال : ( ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم )) ، ثُمَّ دفعه إلى أم سيف ، امرأة قين يقال له : أبو سيف ، فانطلق يأتيه واتبعته . فانتهينا إلى أبي سيف ، وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخاناً ، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله - r - فقلت : يا أبا سيف ، أمسك ، جاء رسول الله - r - فأمسك ، فدعا النبي - r - بالصبي فضمه إليه ، وقال : ماشاء الله أن يقول . قال أنس : لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله - r - فدمعت عينا رسول الله - r - فقال : { تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولانقول إلاَّ مايرضي ربنا ، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون }([205]) .

4 - ومنها : ما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : كنت خلف النبي - r - يوماً فقال : (( يا غلام ، إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك ، لم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام ، وجفت الصحف }([206]) .

وعن أبي سعيد قال : قال رسول الله - r - لابن عباس([207]) : { يا غلام ، أو يا غليم ، احفظ عني كلمات ، لعل الله أن ينفعك بهن : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، احفظ الله في الرخاء يحفظك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، فلو جهد الخلائق لم يعطوك شيئاً لم يقدره الله - عزّوجل - لك ما استطاعوا ، أو يمنعوك شيئاً قدره الله لك ، ما استطاعوا ذلك ، اعمل باليقين مع الرضا ، واعلم أن مع العسر يسراً ، واعلم أن مع العسر يسراً } .

وفي معنى هذا الحديث ما روي عن الوليد بن عبادة ، قال : دخلت على أبي ، وهو مريض أتخايل فيه الموت ، فقلت : يا أبتاه أوصني ، واجتهد لي ، فقال : أجلسوني ، فلما أجلسوه ، قال : يا بني ، إنك لن تجد طعم الإيمان ، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله - تبارك وتعالى - حتى تؤمن بالقدر خيره وشره ، قلت : يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره ؟ قال : تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك ، يا بني إني سمعت رسول الله - r - يقول : إن أول ما خلق الله القلم ، ثُمَّ قال له : اكتب ، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة ، يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النَّار }([208]) .

5 - ومنها : ما ورد في قصة إسماعيل وأمه وأبيه وزوجتيه : عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة ، ثُمَّ جاء بها إبراهيم ، وبابنها إسماعيل ، وهي ترضعه ، حتى وضعها عند البيت ، عند دوحة فوق زمزم ، في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذٍ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جراباً([209]) فيه تمر ، وسقاء ، فيه ماء ، ثُمَّ قفى([210]) إبراهيم منطلقاً ، فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ، فقالت له ذلك مراراً ، وجعل لايلتفت إليها ، فقالت له : آلله الذي أمرك بهذا ، قال : نعم . قالت : إذن لايضيعنا . وفي الرواية الأخرى : قالت : رضيت بالله .

ثُمَّ رجعت فانطلق إبراهيم ، حتى إذا كان عند الثنية ، حيث لايرونه ، استقبل بوجه البيت ، ثُمَّ دعا بهؤلاء الكلمات ، ورفع يديه ، فقال : { رَبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } حتى بلغ { يَشْكُرُونَ }([211]) ، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ، وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت ، وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، أو قال : يتلبط([212]) .

فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ، ثُمَّ استقبلت الوادي ، تنظر هل ترى أحداً ، فلم تر أحداً ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ، ثُمَّ سعت سعي الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي ، ثُمَّ أتت المروة ، فقامت عليها ، ونظرت هل ترى أحداً ، فلم تر أحداً ، ففعلت ذلك سبع مرات .

قال ابن عباس : قال النبي - r - : { فذلك سعي الناس بينهما ، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت : صه - تريد نفسها - ثُمَّ تسمعت فسمعت أيضاً فقالت ، قد أسمعت إن كان عندك غواث([213]) ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه ، أو قال : بجناحه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه([214]) ، وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها ، وهو يفور بعدما تغرف } .

قال ابن عباس : قال النبي - r - : { يرحم الله أم إسماعيل ، لو تركت زمزم - أو قال : لولم تغرف من الماء - لكانت زمزم عيناً معيناً . قال : فشربت، وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : لاتخافوا الضيعة ، فإن هاهنا بيت الله ، يبني هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لايضيع أهله ، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله ، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم([215]) ، أو أهل بيت من جرهم ، مقبلين من طريق كداء([216]) ، فنزلوا في أسفل مكة ، فرأوا طائراً عائفاً([217]) ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ؛ لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جرياً أو جريين([218]) ، فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم بالماء ، فأقبلوا ، قال : وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ ، فقالت : نعم ، ولكن لا حق لكم في الماء . قالوا : نعم } .

قال ابن عباس : قال النبي - r - : { فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس ، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم ، فنزلوا معهم ، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم ، وشب الغلام ، وتعلم العربيَّة منهم ، وأنفسهم ، وأعجبهم حين شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم ، وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل ، يطالع تركته ، فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثُمَّ سألها عن عيشهم ، وهيئتهم ، فقالت : نحن بشرّ ، نحن في ضيق ، وشدة ، فشكت إليه([219]) }

قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ، وقولي له : يغير عتبة([220]) بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس([221]) شيئاً ، فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم . جاءنا شيخ ، كذا وكذا ، فسألنا عنك ، فأخبرته ، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنّا في جهد وشدة ، قال : فهل أوصاك بشيء ، قالت : نعم ؛ أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : غير عتبة بابك . قال ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك ، الحقي بأهلك ، فطلقها ، وتزوج منهم أخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ماشاء الله .

ثُمَّ أتاهم بعد ، فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ، قال : كيف أنتم وسألها عن عيشهم ، وهيئتهم ، فقالت : نحن بخير ، وسعة، وأثنت على الله([222]) ، فقال : ما طعامكم ، قالت : اللحم ، قال : فما شرابكم ، قالت : الماء ، قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء ، قال النبي- r - : ولم يكن لهم يومئذٍ حب ، ولو كان لهم دعا لهم فيه ، قال : فهما لايخلو عليهما أحد بغير مكة إلاَّ لم يوافقاه ، قال : فإذا جاء زوجك ، فاقرئي عليه السلام ، ومريه يثبت عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل ، قال : هل أتاكم من أحد ، قالت : نعم ، أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه ، فسألني عنك ، فأخبرته ، فسألني : كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنّا بخير ، قال : فأوصاك بشيء ؟ ، قالت : نعم ، هو يقرأ عليك السلام ، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك ، قال : ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ، ثُمَّ لبث عنهم ماشاء الله .

ثُمَّ جاء بعد ذلك ، وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، والولد بالوالد ، ثُمَّ قال : يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر ، قال : فاصنع ما أمرك ربك . قال : وتعينني ؟ قال: وأعينك ، قال : فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً ، وأشار إلى أكمة([223]) مرتفعة على ما حولها ، قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء ، جاء بهذا الحجر ، فوضعه له ، فقام عليه ، وهو يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، وهما يقولان : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }([224]) قال : فجعلا يبنيان ، حتى يدروا حول البيت ، وهما يقولان : { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم }([225]) .

6 - قال أبو الدرداء - رضي الله عنه - : { إذا قضى الله قضاء أحب أن يرضى بقضائه }([226]) .

7 - وعن أبي العلاء مطرف بن عبد الله المشهور بابن الشخير - رضي الله عنه - ، يرفعه إلى النبي - r - قال : { إذا أراد الله بعبده خيراً أرضاه بما قسم له ، وبارك له فيه ، وإذا لم يرد به خيراً لم يُرضه بما قسم له ، ولم يبارك له فيه }([227]) .

8 - وقال الشعبي : سمعت المغيرة بن شعبة على المنبر ، يرفعه إلى رسول الله - r - يقول : { إن موسى - عليه السلام - سأل ربه ، فقال : أي رب، أي أهل الجَنَّة أدنى منزلة ؟ قال : رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجَنَّة ، فيقال له : ادخل . فيقول : كيف أدخل وقد نزلوا منازلهم ، وأخذوا أخذاتهم ؟ قال : فيقال له : أترضى أن يكون لك ما كان لملك من ملوك الدنيا ؟ ، فيقول: نعم ، أي رب ، قد رضيت ، فيقال له : فإن لك هذا وعشرة أمثاله ، فيقول : رضيت أي رب ، فيقال : فإنه لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك }([228]) .

9 - وعن طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - r - يقول : { إن من التواضع الرضا بالدون من شرف المجالس }([229]) .

10 - وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال : { إن من رأس التواضع أن ترضى بالدون من شرف المجلس ، وأن تبدأ بالسلام من لقيت، وأن تكره من المدحة والسمعة والرياء بالبر }([230]) .

11 - وروي أن عبدالعزيز بن أبي رواد([231]) قال : { كان يقال : من رأس التواضع الرضا بالدون من شرف المجالس }([232]) .

12 - وجاء في كتب أهل الكتاب ، في وصف أمة أحمد - r - : { علماء ، حكماء ، أبرار ، أتقياء ، كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون من الله باليسير من الرزق ، ويرضى الله منهم اليسير من العمل ، يدخلهم الجَنَّة بشهادة أن لا إله إلاَّ الله }([233]) .

والأدلة كثيرة :

منها : أدلة التوكل على الله من الكتاب والسنة ؛ لأن الرضا ثمرة التوكل ، وهو أعلى درجاته .

ومنها : أدلة الإيمان بالقضاء والقدر ، ومراتبه فإن الإيمان الصادق بقضاء الله وقدره يثمر الرضا به .

ومنها : أدلة الشكر ، التي منها قوله - تعالى - : { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }([234]) ، فالشكر مقام أعلى من الرضا بالقضاء ، فهو متضمن للرضا ، والشكر ينتظم الرضا انتظاماً .

ومنها : أدلة الفرح بفضل الله ، وبرحمته ، مثل قوله - سبحانه - : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }([235]) ؛ لأن الفرح أعلى من الرضا ، فالرضا داخل في الفرح .

ومنها : أدلة الزهد ، والقناعة ، وغيرها .

 

الرضا وفعل الأسباب

العبدُ دائرٌ بين مأمور بفعله ، ومحظور بتركه ، فوظيفته ، أو عمله ، أو ما يجب فعله : فعل المأمور ، واجتناب المنهي ، وهو بهذا يفعل الأسباب المأمور بها، ويترك المنهي عنها .

ومن الأسباب التي لابد له من فعلها - أي هو مأمور بها - : ما يحفظ حياته من الطعام ، والشراب ، واللباس ، والمسكن ، وكذلك الأسباب الموجبة لبقاء نوع الإنسان من النكاح والتسري ، وما يحافظ على عقله ، وماله ، وغير ذلك من ضرورات الحياة ، بل وكل الأمور التي تحافظ على عقله ودينه .

وتعطيل شيء مِمَّا أمر الله به ، أو الوقوع فيما نهى الله عنه ، يفسد حياته، وآخرته .

ولايكون فعل الأسباب مانعاً من الرضا ، بل هي من الرضا بقضاء الله وقدره ، ولايتحقق الرضا بالقضاء إلاَّ بفعل الأسباب المأمور بها .

{ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَاتِ أُولَــئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَــالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ }([236]) .

وقال - سبحانه - : { لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَــئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَـئِكَ  حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }([237]) .

وغيرهما من الآيات الكثيرة ، التي تدل على أن فعل الأسباب من الإيمان ، والعمل الصالح ، بكل أنواعه ، وأشكاله ، وكيفياته ، ومنه الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والحب في الله ، والبغض فيه وله ، والجهاد في سبيل الله ، وابتغاء الرزق الحلال من غير جشع ، أو طمع ، يوقع فيما يغضب الله ، أو يخالف أمره ، وشرعه ، والإنفاق في وجوه الخير ، وغير ذلك من العبادات : الواجبات والمسنونات والمستحبات .

وكما قيل : { من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه }([238]) .

ومن قال ، أو ظن ، أو فهم ، أن الرضا ترك التدبير ، أو ترك الأسباب ، فقد طعن في الشريعة التي جاء بها محمد - r - ، وأن الله - عزّوجل - يقول: { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا }([239]) والغنيمة : اكتساب .

وقال تعالى : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }([240]) فهذا عمل .

وكان أصحاب رسول الله - r - أحرص ما يكون على العمل ، ولما قال النبي - r - : { ما منكم من أحد ، وما من نفس منفوسة : إلاَّ كتب مكانها من الجَنَّة والنار ، وإلاَّ كتبت شقية ، أو سعيدة ، قال رجل : يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا ، وندع العمل ؟ قال : اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له ، وقرأ {  فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ  لِلْيُسْرَى ، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ  لِلْعُسْرَى([241]) }([242]) .

فالرضا والتسليم لله ، والإيقان بأن قضاء الله وقدره ماض ، واتباع سنة الرسول - r - في السعي فيما لابد منه من الأسباب ، من مطعم ومشرب ، وتحرز من عدو ، وإعداد الأسلحة ، واستعمال ما تقتضيه سنة الله - تعالى - المعتادة : هو الحق والصواب ، والخير والفلاح للعبد في ذلك ، والدعاء وطلب الدواء من فعل الأسباب ، التي يستحب عملها ، وذلك لاينافي الرضا ، أو الاتصاف بالصبر المحمود .

 

شبهة ورد :

الإلحاح في الدعاء ، أو المبالغة فيه : يقدح في الرضا .

والجواب : إذا كان يلح في الدعاء للحصول على أغراضه ، وحظوظه العاجلة الفانية الدنيوية ، مثل المال والجاه ، من غير سكون القلب بما قسم الله ، وغير ذلك ، فإن ذلك يقدح في الرضا([243]) .

وأمَّا إذا ألَحّ على الله في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه ، فإن ذلك لايقدح في مقام الرضا أصلاً ، بل هو من الرضا بالقضاء الشرعي الديني ؛ لأن الله قال : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }([244]) ، وقال - سبحانه - : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }([245]) ، وقال : { وَلِلَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا }([246]) ، وقال عزّ وجل : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً }([247]) ، والآيات في هذا كثيرة .

وفي الحديث : { لما كان يوم بدر قال : نظر النبي - r - إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ، ونظر إلى المشركين ، فإذا هم ألف وزيادة ، فاستقبل النبي - r - القبلة ، ثُمَّ مد يديه ، وعليه رداؤه وإزاره ، ثُمَّ قال : (( اللهم أين ما وعدتني ، اللهم أنجز ما وعدتني ، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلاتعبد في الأرض أبداً ، قال : فما زال يستغيث ربه - عزّوجل - ويدعوه حتى سقط رداؤه ، فأتاه أبو بكر - رضي الله عنه - فأخذ رداءه ، ثُمَّ التزمه من ورائه ، ثُمَّ قال : يا نبي الله : كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك . وأنزل الله - عزّوجل - : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مّـِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِيـنَ  }([248]) } الحديث([249]) .

وكذلك الحديث السابق : { ... فاقدر لي الخير كله ،  ثُمَّ رضني به } ، وعند الترمذي وغيره : { من لايسأل الله يغضب عليه }([250]) ، فإذا كان سؤال الله يرضيه ، لم يكن الإلحاح فيه منافياً لرضاه([251]) .

أمَّا سؤال العباد ، والغضب للنفس ، فإن ذلك يطفيء الرضا ، ويذهب بهجته ، وتبدل حلاوته مرارة ، ويتكدر صفوه([252])

ومن قال من الصوفية : إن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم .

فالجواب عليه : إن الطلب من الله ليس ممنوعاً ، بل هو عبادة من أجل العبادات أمر الله بها كما قال - سبحانه وتعالى - : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }([253]) .

وقال - سبحانه وتعالى - : { وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنـبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِيـنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }([254]) .

والاشتغال بالذكر والدعاء استغناء بما يقسمه الله للعبد ويقدره له ، ويفعله به ، وهو أفضل من السؤال ، ويعطى الذاكر أفضل مما يعطاه السائل ، كما في الحديث : { من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل مِمَّا أعطي السائلين }([255]) .

وذلك أن السائلين سألوه ، فأعطاهم الفضل الذي سألوه ، أمَّا الراضون فرضوا عنه ، فأعطاهم رضاه عنهم ، وهذا ليس معناه أن نمنع العبد سؤال أسباب الرضى ، بل إن أصحابه ملحون في سؤال الله ذلك([256]) .

 

منزلة الرضا وفضله

بلوغ مقام الرضا لايكون بالتحلي ولا بالتمني ، كما ورد في الأثر عن الإيمان : { ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل }([257]) .

وليس بالادعاء والكبرياء ، كما في قصة قارون لما وعظه قومه بشأن ماله ، فقال لهم : إنَّما أوتيت هذه الكنوز على فضل علم عندي ، علمه الله مني ، فرضي بذلك عني ، وفضلني بهذا المال عليكم ، لعلمه بفضلي عليكم ، فأنزل الله - تعالى - في ذلك : { إِنَّ قَـارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَـاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } إلى قوله : { قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ  يُسْـئلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ }([258]) .

وفي تفسير الطبري في قوله : { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } قال : { لولا رضا الله عني ، ومعرفته بفضلي ، ما أعطاني هذا }([259]) .

فليس المال وكثرته وحده هو الذي يبلغ به العبد درجة الرضا ، فكم مع قارون ؟ وكم ملك قارون ؟ وما أغنى عنه شيئاً ، وما رضي عن الله ، ولا بقضائه ، لقد تمنى من تمنى ممن رأى قارون في زينته ، وماله ، وجبروته ، أن يحصلوا على ما حصل عليه ، فقالوا : { يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَـارُونُ إِنَّهُ  لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }([260]) .

وظنوا أنه بلغ مقام الرضا ، ولكن الله أخبر أن المال ليس بدليل على رضا الله عن صاحبه ، فإن الله يعطي ويمنع ، ويضيق ويوسع ، ويخفض ويرفع ، وله الحكمة التامة - سبحانه - ، والحجة البالغة .

ولهذا لما أدرك المتمنون ما حصل لقارون ، وأنه بعيد كل البعد عن رضا الله أولاً ، والرضا بما أعطاه قالوا : { لَوْلاَ أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ }([261]) ، فلولا لطف الله بنا ، وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف به([262]) .

والرضا حال من أحوال أهل الجَنَّة ، لايفارق صاحبه المتحلي به في الدنيا ، مادام مع أمر الله راضياً بقضائه في الدنيا ، وفي الآخرة ، كما في الآيات والأحاديث السابقة([263]) .

فالرضا بالقضاء من تمام الإيمان بالقضاء والقدر([264]) .

والرضا غاية يسعى لها المؤمن الصادق ، كما في حديث الاستخارة السابق : { ... واقدر لي الخير حيث كان ثُمَّ رضني به}.

ولهذا كان النبي - r - يدعو في صلاته أن يعطيه الله الرضا بعد القضاء ، كما في حديث عمار ابن ياسر - رضي الله عنه - السابق : { وأسألك الرضا بعد القضاء } .

والرضا بالقضاء له منزلة عظيمة عند الله - تعالى - ، ولذلك فإن ثوابه عظيم أيضاً ، كما في الحديث ، الذي أخرجه الترمذي وغيره عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - : { وإن الله - تعالى - إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضى ، ومن سخط فله السخط }([265]) .

فهو من منازل الشهداء ، كما في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : جاء ناس إلى النبي - r - فقالوا : أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة ، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم : القراء، فيهم خالي حرام ، يقرؤون القرآن ، ويتدارسونه بالليل ، يتعلمون ، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء ، فيضعونه بالمسجد ، ويحتطبون ؛ فيبيعونه ، ويشترون به الطعام لأهل الصفة([266]) ، وللفقراء ، فبعثهم النبي - r - إليهم ، فعرضوا لهم ، فقتلوهم ؛ قبل أن يبلغوا المكان ، فقالوا : اللهم بلغ عنا نبينا ، أنا قد لقيناك فرضينا عنك ، ورضيت عنا ، قال : وأتى رجل حراماً ، خال أنس ، من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه ، فقال حرام : فزت ورب الكعبة ! فقال رسول الله - r - لأصحابه : { إن إخوانكم قد قتلوا ، وإنهم قالوا : اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ، ورضيت عنا }([267]) .

وهو من سعادة المؤمن في الدنيا والآخرة ، كما في حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - : { من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له ، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله ، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له }([268]) .

وقيل : إن الله جعل الروح والفرح في الرضا بقضاء الله - تعالى - كما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - r - قال : { لاترضين أحداً بسخط الله ، ولاتحمدن أحداً على فضل الله ، ولاتذمن أحداً على ما لم يرد الله ، فإن رزق الله لايسوقه إليك حرص حريص ، ولايرده عنك كراهة كاره ، وإن الله بقسطه وعدله جعل الروح والراحة والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الهم والحزن في السخط }([269]) .

و { الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات }([270]) .

ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين ، كما في حديث جبريل - عليه السلام - المشهور([271]) .

وروي أن أبا الدرداء قال : { ذروة الإيمان أربع خلال : الصبر للحكم ، والرضا بالقدر ، والإخلاص للتوكل ، والاستسلام للرب }([272]) .

ومقام الرضا أعلى من مقام الصبر .

قال ابن القيم - رحمه الله - : { فمقامات الإيمان لاتعدم بالتنقل فيها ، بل تندرج وينطوي الأدنى في الأعلى ، كما يندرج الإيمان في الإحسان ، وكما يندرج الصبر في مقامات الرضا ، لا أن الصبر يزول ، ويندرج الرضا في التفويض ، ويندرج الخوف والرجاء في الحب ، لا أنهما يزولان }([273]) .

ثُمَّ إن الرضا من المقامات التي توصل الطمأنينة ؛ لأنها مقام جامع للإنابة والتوكل والرضا والتسليم ، فهي معنى ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة ، وما نقص من هذه الأمور نقص من الطمأنينة([274]) .

وكم يتمنى العبد الحصول على الطمأنينة فالرضا من الأمور التي تسبب في وصول العبد إليها ، فهو باب الله الأعظم([275]) .

قال ابن القيم - رحمه الله - : { ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا ، ومستراح العارفين ، وحياة المحبين ، ونعيم العابدين ، وقرة عيون المشتاقين }([276]) .

وقال ابن تيمية - رحمه الله - : { وإن ارتقى إلى الرضا رأى أن الرضا جنة الدنيا ، ومستراح العابدين وباب الله الأعظم }([277]) .

وقال الفضيل بن عياض : { الرضا عن الله درجة المقربين ليس بينهم وبين الله - تعالى - إلاَّ روح وريحان }([278]) .

ومن الكلام الحسن في فضل الرضا ، وبيان منزلته ، ما روي عن الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - : { أمَّا بعد ، فإن الخير كله في الرضا ، فإن استطعت أن ترضى وإلاَّ فالصبر }([279]) .

وما روي عن الفضيل بن عياض - رحمه الله - : { الرضا أفضل من الزهد في الدنيا ؛ لأن الراضي لايتمنى فوق منزلته }([280]) .

وسئل أبو سهل محمد بن سليمان([281]) عن الشكر والصبر أيهما أفضل ، فقال : { هما في محل الاستواء فالشكر مطية السراء ، والصبر فريضة الضراء ، قال : وقيل : الصبر أسنى الأمرين ؛ لأن الشكر استجلاب واستدعاء ، والصبر استكفاء وارتضاء ، وموضع الرضا يفضل موضع الدعاء ... }([282]) .

وروي عن مجاهد عن ابن عباس : { أوحى الله إلى موسى - عليه السلام - إنك لم تتقرب إليّ بشيء أحب من الرضا بقضائي }([283]) .

وقال الذهبي - رحمه الله - في كتاب الكبائر : { أجمع سبعون رجلاً من التابعين ، وأئمة المسلمين ، والسلف ، وفقهاء الأمصار ، على أن السنة التي توفي عليها رسول الله - r - أولها : الرضا بقضاء الله وقدره ، والتسليم لأمره ، والصبر تحت حكمه ، والأخذ بما أمر الله به ، والنهي عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل لله ، والإيمان بالقدر ، خيره وشره ، وترك المراء ، والجدال ، والخصومات في الدين ... }([284]) ا هـ .

ومِمَّا قيل في فضل الرضا بالقضاء :

وإني لفي فضـل من الله واسع

وما لي من عبــد ولا من وليـــدة

سوى قصد حال من معيشـــة قانع

بنعمة ربي ما أريــــــــــد معيشة

يعش في غنى من طيّب العيش واسع

ومن يجعل الرحمن في قلبــه الرضا

ولم أشْرِه فـــــي بعض تلك المطامع

إذا كان ديني ليس فيــه غميــزة

وبائع دين الله من شـــــــــــر بائع

ولم أبتــع الدنيا بدين أبيعـــــــه

ولم أتخشع لامــــــــرئ ذي بضائع

ولم تشتملني مرديــات من الهوى

ضنين بقــول الحق للزور راتع([285])

جموع لشـر المال من غيـــر حله

 

ومن الشعر أيضاً :

بتقديــر خلاق إلـــه البرية

ولاتجزعي يا نفس من نازل جرى

لمن أخلاق أصحاب النفوس الرضية([286])

فإن الرضــا والصبر في كل محنة

 

أنواع القضاء وحكم الرضا به

القضاء ثلاثة أنواع :

1 - القضاء الديني .

2 - القضاء الكوني .

3 - القضاء الذي هو وصف الله تعالى .

وهذا النوع الثالث الذي هو وصف الله سبحانه ونفس فعله كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته وإرادته ، فالرضا به من تمام الرضا بالله رباً وإلهاً ومالكاً ومدبراً([287]) .

ولا سبيل إلى إدراك كيفية الربوبية - الصفات - بالعقول .

فلابد في ذلك من الرضا والتسليم ، والإيمان والتصديق ، من غير تكييف ، ولا تمثيل ، ولا تحريف ، ولا تعطيل ، {  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }([288]) ، وكما قال الإمام مالك بن أنس - رحمه الله تعالى - وشيخه ربيعة ، ومن قبلهما ، ومن بعدهما من السلف الصالح - رحمهم الله - : { الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عن الكيفية بدعة }([289]) .

فالعباد لايدركون ، ولايعرفون كيفية صفاته - سبحانه وتعالى - .

ومن صفاته أيضاً : الرضا ، والرضا صفة الرب - سبحانه وتعالى - على ما يليق به ، كما يدل عليها قوله - تعالى - : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ }([290]) ، وغيرها من الآيات ، والأحاديث التي أثبت فيها - سبحانه وتعالى - لنفسه هذه الصفة ، وأثبتها له رسوله r ، وقد أفردت هذه الصفة { صفة الرضا } في بحث مستقل سميته : { صفة الرضا بين الإثبات والتعطيل ، وأثر الإيمان بها في حياة المسلم } .

فالقضاء الذي هو الحكم ، أو القدر ، أو المقضي ، هو إمَّا ديني ، أو كوني، كما سبق ، وسيكون الحديث هــنا عن هذيــن النوعين :

أولاً : القضاء الديني :

وهو الشرعي ، أو ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .

فما شرعه الله لعباده ، وأمرهم به ، ونهاهم عنه في كتابه الكريم ، وعلى لسان رسوله محمد - r - هو ما قضاه الله ، وأمر به شرعاً ، وكذلك ما نهى عنه ، في كتابه الكريم ، وعلى لسان رسوله - r - .

وما أمر به - سبحانه - أو قضاه هو المذكور في حديث شعب الإيمان { فأفضلها قول : لا إله إلاَّ الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان }([291]) .

قال الله - تعالى - : { وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }([292]) ، وقال : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ }([293]) .

وهذا القضاء هو المذكور في قول الله - تعالى - : { وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَي اللَّهِ رَاغِبُونَ }([294]) .

قال ابن تيمية - رحمه الله - عن هذه الآية : { وذكر الرسول هنا يبين أن الإيتاء هو الإيتاء الديني الشرعي لا الكوني القدري }([295]) .

وفي الحديث الصحيح السابق عن العباس بن عبدالمطلب أنه سمع رسول الله - r - يقول : { ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً } .

وفي صحيح مسلم - أيضاً - عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - عن رسول الله - r - أنه قال : { من قال حين يسمع المؤذن : أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، رضيت بالله رباً ، وبمحمد رسولاً ، وبالإسلام ديناً ، غفر له ذنبه } .

ومدار رحى الإسلام على هذين الحديثين الذي معناهما : أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده ، وأن يسخط عبادة غيره ، والعبادة هي الحب مع الذل .

فكل من ذل الإنسان له - غير الله - ، وأطاعه ، مع حبه له ، وحبه لأمره فقد عبده ، وهذا شرك أكبر ، لايطهره إلاَّ الرضا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد - r - رسولاً .

وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في الحديثين هي أركان التوحيد : ألا يتخذ سواه رباً ، ولا إلهاً ، ولا غيره حكماً .

قال الله - تعالى - : {  أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا }([296]) .

وقال - سبحانه - : { أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا }([297]) يعني معبوداً ، وناصراً ، ومعيناً ، وملجأ ، وهو ما يتضمن الحب والطاعة .

وقال - عزّوجل - : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ }([298]).

ولو تأملت الآيات الثلاث لرأيتها نفس الرضا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً .

فحقيقة الرضا بالله رباً ... أن يترك ويسخط عبادة ما دون الله من الآلهة الباطلة ، ويعبد الله وحده حباً ، وخوفاً ، ورجاء ، وتعظيماً ، وإجلالاً .

فجميع أقوال اللسان وأعماله ، وأقوال القلب وأعماله ، تنبني على توحيد الله - عزّوجل - وعبادته ، وسخط عبادة ما سواه .

فهو المحبوب وأمره المحبوب ، وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان ، كما قال رسول الله - r - : { ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مِمَّا سواهما ، وأن يحب المرء لايحبه إلاَّ لله ، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه ، كما يكره أن يقذف في النار }([299]) .

لكن كثير من الناس يرضي بالله رباً ، ولايبغي رباً سواه ، لكنه لايرضى به وحده ولياً وناصراً ، بل يوالي من دونه أولياء طناً منه أنهم يقربونه إلى الله ، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك ، وهذا عين الشرك ، بل التوحيد : أن لايتخذ من دونه أولياء ، والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء .

وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله ، وعباده المؤمنين فيه ، فإن هذا من تمام الإيمان ومن تمام موالاته .

فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون ، ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه ؛ لأن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه .

وكثير من الناس يبتغي غيره حكماً ، يتحاكم إليه ، ويخاصم إليه ، ويرضى بحكمه .

وفي المنهيات وتركها الخير كل الخير للمؤمن ، فإذا نهى عن شيء ، ولو رأى أنه بحاجته ، أو يحبه ، أو غير ذلك ، فإنه إن تركه تنفيذاً لنهى الله عنه ، أو نهي رسوله ، عوضه الله خيراً ، كما في الحديث : { إنك لن تدع شيئاً اتقاء لله إلاَّ أعطاك الله خيراً منه }([300]) .

وقال سفيان - رحمه الله - : { إنه بلغني أنه ليس أحد يدع من الدنيا شيئاً لله إلاَّ عوضه الله خيراً من ذلك }([301]) .

فعلى المؤمن أن يرضى بطاعة الله عن معصيته ، وأن يترك المعصية لله - تعالى - يكتب له الأجر ، ويرضى الله عنه ، فيكون له الرضى .

وقد روي عن أبي سليمان الداراني المتصوف : { إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض }([302]) .

قال ابن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذا القول : { وذلك أن العبد إنَّما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها ، ... ، فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق }([303]) .

وهذا معناه الطمأنينة إلى أحكام الله ، وأوامره ، والانتهاء عما نهى الله عنه .

وقد ذم الله تارك الرضا بما أمر به ، وفاعل ما نهى عنه في نصوص كثيرة منها :

قوله - تعالى - : { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ }([304]) .

وقوله - سبحانه - : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ }([305]) .

وقوله - عزّوجل - : { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِيـنَ }([306]) .

ومن الناس من يبعد عن الأمر الشرعي ، ويسترسل حتى ينسلخ من الإسلام بالكلية ، ويبقى واقفاً مع هواه والقدر .

ومن هؤلاء من يموت كافراً ، ومنهم من يتوب فيتوب الله عليه ، ومنهم من يموت فاسقاً ، ومنهم من يتوب فيتوب الله عليه .

وهؤلاء ينظرون إلى الحقيقة القدرية ، معرضين عن الأمر الشرعي .

ولابد لهم مع ذلك من اتباع أمر ونهي غير الأمر الشرعي ، إمَّا من أنفسهم، وإمَّا من غير الله ورسوله ، إذ الاسترسال مع القدر مطلقاً ممتنع لذاته ؛ لأن العبد مفطور على محبة أشياء ، وبغض أشياء ، وإن من يتولى عن الرضا بما جاء به محمد - r - فإن العقوبة ووقوع المصائب على المتولي غير بعيدة في عاجل الدنيا ، فترك الرضا بأمر الله ، وأمر رسوله ، سبب وقوع المصائب ، والعقوبات العاجلة والآجلة ، كما قال الله في شأن اليهود : { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ  تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مّـِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ }([307]) .

قال ابن جرير في تأويل هذه الآية : { فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضا بحكمك ، وقد قضيت بالحق إلاَّ من أجل أن الله يريد أن يتعجل عقوبتهم في عاجل الدنيا ، ببعض ما قد سلف من ذنوبهم }([308]) .

حكم الرضا بالقضاء الشرعي الديني :

الرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب من لوازم الإسلام([309]) ، بل إنه أساس الإسلام ، وقاعدة الإيمان .

فيجب على العبد أن يكون راضياً به بلا حرج ، ولا منازعة ، ولا معارضة، ولا اعتراض ، يدل على ذلك قول الله - سبحانه وتعالى - : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنــــفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }([310]) .

فقد جاء القسم في هذه الآية مؤكداً أنهم لايؤمنون حتى يحكموا رسول الله في كل شيء ، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه - r - وحتى يسلموا لحكمه تسليماً ما بعده منازعة ، ولا معارضة ، ولا اعتراض ، وهذا حقيقة الرضى بحكمه - r([311]) - .

قال ابن القيم - رحمه الله - : { فالتحكيم في مقام الإسلام ، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان ، والتسليم في مقام الإحسان }([312]) .

فعلى الناس أن يرضوا بما أمر الله به ، فليس لأحد أن يسخط ما أمر الله به، كما في الآية الكريمة([313]) ، وكما في الحديث : { وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب }([314]) انقلبت النفوس الأمارة بالسوء إلى نفوس لوامة على المعاصي ، ثُمَّ إلى نفوس راضية ، وادعة ، تتلقى أحكام ربها بصدور واسعة منشرحة ، وهذا هو الرضا بالقضاء الديني المحبوب لله - عزّوجل - ولرسوله - r - .

ولما نزلت على رسول الله - r - {  لِلَّهِ مَا فِي السَّمَــوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنـــفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }([315]) قال : فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله - r - فأتوا رسول الله - r - ثُمَّ بركوا على الركب، فقالوا : أي رسول الله ، كلفنا من الأعمال ما نطيق ، الصلاة ، والصيام ، والجهاد ، والصدقة ، وقد أنزلت عليك هذه الآية ، ولانطيقها ، قال رسول الله - r - : { أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا ، وعصينا ، بل قولوا : سمعنا ، وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير } ، قالوا : سمعنا ، وأطعنا ، غفرانك ربنا ، وإليك المصير ، فلما اقترأها القوم ، ذلت بها ألسنتهم ، فأنزل الله في إثرها { ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُــفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّـِن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }([316]) ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله - تعالى - فأنزل الله - عزّوجل - { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا } قال : نعم . { رَبَّنَا وَلاَ  تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } قال : نعم . { رَبَّنَا وَلاَ  تُـحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال : نعم . { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنـتَ مَوْلانَا فَانــــصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }([317]) قال : نعم }([318]) .

قال ابن القيم - رحمه الله - في حكم الرضا بالقضاء الشرعي ، أو الديني : { ... حكم شرعي ديني ، فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم ، وترك المنازعة ، بل بالانقياد المحض ، وهذا تسليم العبودية المحضة ، فلايعارض بذوق ، ولا وجد ، ولا سياسة ، ولا قياس ، ولا تقليد ، ولا يرى إلى خلافه سبيلاً البتة، وإنَّما هو الانقياد المحض ، والتسليم ، والإذعان ، والقبول ، فإذا تلقى بهذا التسليم ، والمسالمة ، إقراراً ، وتصديقاً بقي هناك انقياد آخر ، وتسليم آخر ، له إرادة وتنفيذاً وعملاً ، فلاتكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه ، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره ، وهذا حقيقة القلب السليم ، الذي سلم من شبهة تعارض الحق ، وشهوة تعارض الأمر ، فلا استمتع بخلاقه ، كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات ، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات ، بل اندرج خلاقه تحت الأمر ، واضمحل خوضه في معرفته بالحق ، فاطمأن إلى الله ، معرفة به ، ومحبة له ، وعلماً بأمر ، وإرادة لمرضاته ، فهذا حق الحكم الديني }([319]) .

{ ولم ينازع العلماء أن الرضا بما أمر الله به ورسوله واجب ، محبب ، لايجوز كراهة ذلك وسخطه ، وأن محبة ذلك واجبة ، بحيث يبغض ما أبغضه الله ، ويسخط ما سخطه الله من المحظور ، ويحب ما أحبه ، ويرضى ما رضيه لله من المأمور } ، كما قال الله - تعالى - : { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَآ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ، وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَآ ءَاتَـاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَي اللَّهِ رَاغِبُونَ }([320]) .

ثانياً : القضاء الكوني القدري :

والمراد به ما لايتعلق بالأمر والنهي ، فهو القدر ، أو المراد كوناً وقدراً ، فما شاء الله قدراً من غير اشتراط محبته إياه ، أو الرضا به ، يدخل في الكوني ، فيدخل فيه الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، والمحبوب والمكروه ، فكل ما يقع بمشيئته الشاملة لجميع الحوادث يدخل في الكوني القدري ، وهذا ما يعبر عنه المسلمون بقولهم : { ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن }([321]) .

ومن ذلك قول ابن تيمية - رحمه الله - :

فما شـــاء مولانا الإلــــه فإنه     يكون ، وما لا لايكون بحيلة([322])

فما يكون بفعل الله قدراً ، أو من فعل المخلوق بخلق الله وإرادته الكونية القدرية ، فهو كوني قدري .

ولابد فيه من تحقق مراد الله - تعالى - ، فما أراد الله كوناً وقع ، فلا راد لهذا القضاء أبداً ، قال الله - تعالى - : { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيــْــئـــًـا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }([323]) ، فما يكون من غنى أو فقر ، أو راحة أو تعب ، أو عافية أو سقم ، أو حياة أو موت ، أو إيمان أو كفر ، فهو بقضاء الله وقدره الكوني .

وعلمُ ذلك قبل وقوعه وبعد وقوعه عند الله - تعالى - ومكتوب في اللوح المحفوظ ، ومقدر : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ  حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ  وَلاَ  رَطْبٍ وَلاَ  يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَـابٍ مُّبِيـنٍ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّــاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى  ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ }([324]) .

فإذا وقع المقدر المعلوم ، فهو بمشيئة الله وقدره ، وإرادته : { يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ }([325]) ، { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَـالَمِيـنَ }([326]) يخلق ما يخلقه بغير سبب معلوم لنا ، أو بسبب معلوم لنا ، فهو القادر - سبحانه - على أن يقول للشيء كن فيكون { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }([327]) .

والقضاء الكوني القدري على ثلاثة أقسام :

الأول : قسم موافق لمحبة العبد وإرادته ، ورضاه ، من صحة ، وغنى ، وعافية ، ولذة .

فهذا أمر لازم بمقتضى الطبيعة ، لأنه ملائم للعبد ، محبوب له ، فليس في الرضا به عبودية ، لكن العبودية فيه مقابلته بالشكر ، والاعتراف بالمنة ، ووضع النعمة في المواضع التي يحب الله - تعالى - أن توضع فيها ، وأن لايعصي العبد بها المنعم - سبحانه وتعالى([328]) - .

فيجب الرضا بذلك ، ويجب شكرها ؛ لأن الرضا بالنعم من تمام شكرها وبركتها ، كما قال الله - تعالى - : { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ }([329]) .

الثاني : ماجاء على خلاف مراد العبد ومحبته ، مِمَّا لايلائمه ، ولايدخل تحت اختياره .

وذلك مثل المرض ، والفقر ، وأذى الخلق ، والحر والبرد ، والآلام ، ونحو ذلك من المصائب التي تصيب العبد المؤمن .

فالمؤمن من أكثر الناس بلاء ، ولكنه أعظمهم قدراً ، والمصائب ابتلاء ، واختبار للعبد ، أيرضى أم يسخط ، ويبتلى المؤمن على قدر إيمانه .

وقد ورد في الحديث الصحيح : { من يرد الله به خيراً يصب منه }([330]).

فمن يثبت مع المصائب ، ويصبر ، ويحتسب ، ويرضى بقضاء الله - تعالى - وقدره ، يبلغ المنى ، وتكفر خطاياه ، كما في الصحيح : { ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلاَّ رفعه الله بها درجة ، وحط بها عنه خطيئة }([331]) .

وفي الحديث أيضاً : { ما ضرب من مؤمن عرق إلاَّ حط الله عنه به خطيئة، وكتب له به حسنة ، ورفع له به درجة }([332])

وفي صحيح مسلم : { ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلاَّ حط الله به سيئاته ، كما تحط الشجرة ورقها }([333])

وفي جامع الترمذي كما سبق : { إذا أحب الله قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط } .

وورد عن عمرو بن قيس في تفسير قول الله - تعالى - : { فَصَبْرٌ جَمِيْلٌ }([334]) قال : { الرضا بالمصيبة والتسليم }([335])

والرضا هو بحسب معرفة العبد بعدل الله ، وحكمته ، ورحمته ، وحسن اختياره ، فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضى .

فقضاء الله - سبحانه - في عبده دائر بين العدل والمصلحة ، والحكمة والرحمة ، لايخرج عن ذلك البتة ، كما قال رسول الهدى - r - في الدعاء المشهور عن ابن مسعود : { اللهم إني عبدك ، ابن عبدك ، ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل فيّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي وغمي ، ما قالها أحد قط إلاَّ أذهب الله همه وغمه ، وأبدله مكانه فرجاً } قالوا : أفلا نتعلمهن يا رسول الله ؟ قال : { بلى ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن }([336]) .

فقوله - r - : { عدل فيّ قضاؤك } يتناول كل قضاء يقضيه الله على عبده ، من عقوبة ، أو ألم ، وسبب ذلك فهو - سبحانه - الذي لايقضي للمؤمن قضاء إلاَّ كان خيراً له ، { وليس ذلك إلاَّ للمؤمن } ، كما في الحديث : { عجبت للمؤمن ، لايقضي الله له شيئاً إلاَّ كان خيراً له }([337]) .

وعن صهيب قال : قال رسول الله - r - : { عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلاَّ للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له }([338]) .

فيدخل في ذلك الذنب بشرطه ، وهو ما يترتب عليه من الآثار المحبوبة لله ، من التوبة ، والانكسار ، والندم ، والخضوع ، والذل ، والبكاء ، وغير ذلك .

وأجر المصائب إنَّما هو على الصبر والرضا بالقضاء ، لا على المصيبة : الصبر والرضا عظم التكفير والأجر ، أمَّا المصيبة فقد تكون تارة كفارة لذنب يوازيها ، أو دفعاً لمصيبة أعظم منها([339]) ، كما في الآحاديث الآنفة الذكر ، وغيرها .

وعلى هذا فالمصائب رحمة ، ونعمة في حق عموم الخلق ، إلاَّ أن يدخل صاحبها بسببها في معاص أعظم مِمَّا كان قبل ذلك ، فتكون شراً عليه من جهة ما أصابه في دينه ، فهذا تكون العافية من المصائب خير له من جهة ما أورثته المصيبة ، لا من جهة المصيبة ، كما أن من أوجبت له المصيبة صبراً وطاعة كانت في حقه نعمة دينية ، فهي بعينها فعل الرب - عزّوجل - ، رحمة للخلق ، والله - سبحانه - محمود عليها([340]) .

أمَّا الجزع من القضاء ، أو النياحة([341]) ، أو الحلق([342]) ، أو الشق([343]) ، أو الصلق([344]) ، فإن هذا يشعر بعدم الرضا بالقضاء ، ومناف له ، وترك للصبر على المصائب([345]) ، كما سيأتي - إن شاء الله - .

ويجوز التألم من الأمراض ، والأوجاع ، والإخبار بما يجده الإنسان من ذلك، كالإخبار بما يجده من الجوع والفقر ، من غير ضجر ، أو جزع ، أو سخط من ذلك كله ، بل للتسلية والتصبر([346]) ، قال الله - تعالى - في حال موسى - عليه السلام - : { فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَــذَا نَصَبًا }([347]) أي : تعباً([348]) .

وقد خرج النبي - r - ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر ، وعمر ، فقال : ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ قالا : الجوع يا رسول الله ، قال : وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ، قوموا فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار ، فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت : مرحباً وأهلاً ، فقال لها رسول الله - r - : أين فلان ؟ قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء ، إذ جاء الأنصاري ، فنظر إلى رسول الله - r - وصاحبيه ، ثُمَّ قال : الحمد لله ، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني ، قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال : كلوا من هذه ، وأخذ المدية فقال له : رسول الله - r - : إياك والحلوب ، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ، ومن ذلك العذق ، وشربوا ، فلما أن شبعوا ورووا ، قال رسول الله - r - لأبي بكر وعمر : { والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثُمَّ لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم }([349]) .

وقال الله عنه يعقوب - عليه السلام - : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }([350]) .

وقال الله - تعالى - عن أيوب - عليه السلام - : { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ  أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيـنَ ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ  ... }([351]) .

فالتألم والشكوى إلى الله ، لاينافيان الرضا بالقضاء ، فهما زيادة عبادة لله - تعالى - ، إذا لم يصاحبهما تسخط على المقدور ، ثُمَّ إن الألم لايقدر أحد على رفعه إلاَّ الله ، والنفوس مجبولة على وجدان ذلك ، فلايستطاع تغييرها عما جبلت عليه([352]) .

وفي صحيح البخاري([353]) أن عائشة قالت : وا رأساه ... فقال النبي - r - : (( بل أنا وا رأساه )) .

قال ابن القيم - رحمه الله - : { وقد أشكل على بعض الناس اجتماع الرضا مع التألم ، وظن أنهما متباينان ، وليس كما ظنه ، فالمريض الشارب للدواء الكريه متألم به ، راض به ، والصائم في شهر رمضان في شدة الحر متألم بصومه ، راض به ... فالتألم كما لاينافي الصبر لاينافي الرضا به . وهذا الخلاف بينهم إنَّما هو في الرضا بقضائه الكوني ، وأمَّا الرضا به رباً ، وإلهاً ، والرضا بأمره الديني ؛ فمتفق على فرضيته ، بل لايصير العبد مسلماً إلاَّ بهذا الرضا ، أن يرضى بالله ربا ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد - r - رسولاً }([354]) .

فإخبار المريض بشدة مرضه ، وقوة ألمه جائز ، إذا لم يقترن بذلك شيء مِمَّا يمنع ، أو يكره ، من التبرم ، وعدم الرضا ، وهذا أثناء المرض .

فعن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه - رضي الله عنهما - قال : دخلت على أبي بكر - رضي الله عنه - في مرضه الذي توفي فيه ، فسلمت عليه وسألته ؛ كيف أصحبت ؟ فاستوى جالساً ، فقلت أصبحت بحمد الله بارئاً ؟ قال : أمَّا إني على ما ترى وجع }([355]) .

وقال عروة : دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء - يعني بنت أبي بكر وهي أمهما - وأسماء وجعة ، فقال لها عبد الله : كيف تجدينك ؟ قالت : وجعة([356]) .

وإذا كان ذلك أثناء المرض فمن باب أولى جواز الإخبار بذلك بعد البرء([357]) .

 

شبهة وجوابها :

بعض الناس يظن أن من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره ، وطعنوا فيه وقالوا : هذا ممتنع على الطبيعة ، وإنَّما هو الصبر ، وإلاَّ فكيف يجتمع الرضى والكراهة ؟ وهما ضدان .

والجواب من وجوه :

1 - أنه لاتناقض بينهما ، فوجود التألم ، وكراهة النفس له لاينافي الرضى، كرضى المريض بشرب الدواء الكريه ، ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ ، ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح ، وغيرها .

2 - أن طريق الرضى طريق مختصرة ، قريبة جداً ، موصلة إلى غاية ، ولكن فيها مشقة ، ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة ، ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها ، وإنَّما عقبتها همة عالية ، ونفس زكية ، وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله .

ويسهل ذلك إذا وطن نفسه على الرضا بما قدره الله عليه ، ولايتكلف من الأسباب ما لا طاقة به له([358]) .

وهذا القسم من الكوني أيضاً على نوعين :

النوع الأول : ما للعبد فيه استطاعة واختيار وإرادة في منازعته ومدافعته بكل ممكن :

ومثاله الجوع ، والعطش ، أو البرد ونحو ذلك ، فإن العبد يترك الانقياد له، ومسالمته ، ويدفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس ونحوه .

فإذا وقع حريق - مثلاً - في دار ، أو متجر ، أو مركب ، فهذا بقدر الله - تعالى - والعبد لايستسلم له ، ويسالمه ، ويتلقاه بالإذعان ، بل عليه أن ينازعه ، ويدافعه بالماء والتراب ، وغير ذلك مِمَّا يطفيء الحريق ، وما خرج في ذلك عن قدر الله .

بل يجب أن يفعل الأسباب في عدم حصول ذلك أصلاً ، كما في الحديث : احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل ، فحدث بشأنهم النبي - r - ، قال : { إن هذه النَّار إنَّما هي عدو لكم ، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم }([359]) .

ومن ذلك تغطية الإناء ، وإيكاء السقاء ، وإغلاق الأبواب ، وذكر اسم الله عليها ، وإطفاء السرج عند النوم ، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب([360]) .

وهكذا إذا أصاب المؤمن مرض ، فهذا بقدر الله - تعالى - وقضائه الكوني، فإن له أن يدافعه ، وينازعه بقدر الله أيضاً ، فيستعمل الأدوية الدافعة للمرض ، فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك ، فيكون قد دفع القدر بالقدر ، كما في قصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وقوله عندما عوتب على فراره من الطاعون ، وعدم دخوله أرض الشام بمن معه من الصحابة ، والتابعين - رضي الله عنهم جميعاً - فقالوا له : { أفراراً من قدر الله ؟ } ، فقال عمر - رضي الله عنه - : { نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما : خصيبة ، والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ قال : فجاء عبدالرحمن بن عوف - وكان متغيباً في بعض حاجته - فقال : إن عندي في هذا علماً ، سمعت رسول الله r يقول : (( إذا سمعتم به بأرض فلاتقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلاتخرجوا فراراً منه } قال: { فحمد الله عمر، ثُمَّ انصرف }([361]).

قال ابن القيم - رحمه الله - : { ومن لم يستبصر من هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى ، فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه ، وأسباب معاشه ، ومصالحه الدنيوية ، ولاينازع أقداره في حق مولاه ، وأوامره ودينه ، وهل هذا إلاَّ خروج عن العبودية ، ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه }([362]) .

وعلى هذا ، فإنه لابد أن يرضى بهذا المقضي ، ولايجزع ، ولايعترض على قدر الله وقضائه ، وإن كره ، أو تألم ، أو أبغض المقدر ، أو طلب تغييره إلى ما هو أحسن ، مع علمه بأنه قد يكون ما أصابه من ذلك خير مِمَّا هو يحب أن يصيبه ، مِمَّا ظاهره الخير ، فهو غير مأمور بمدافعة القضاء الكوني { وَعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيــْئــًـا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيــْــئــًـا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنـــتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }([363]) .

النوع الثاني : ما ليس للعبد فيه اختيار ، ولا طاقة ، ولا حيلة في منازعته ومدافعته .

وهذا ما أشار إليه حديث عبادة - رضي الله عنه - السابق : { واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك } الحديث .

فهذا لاتنفع فيه المنازعة ، ولا المدافعة ، فهذا يقابل بالرضا ، والاستسلام ، وترك المخاصمة والسخط ، والعلم والإيمان بأن الأمر والحكم والقضاء لله من قبل ومن بعد ، وأنه - سبحانه - له حكمة في ذلك هو يعلمها - سبحانه - ، وهو عدل في قضائه ، والقدر المقضي ينزل مواقعه ، ويحل محله لا راد له ، وذلك أوجب للرب - سبحانه - عدله ، وحكمته ، وعزته ، وملكه ، وموجب أسمائه وصفاته ، فله عليه أكمل الحمد ، وأتمه ، والرضا ، والتسليم([364]) .

وهذا ما دل عليه قوله - تعالى - : { أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مّـِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنـــفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }([365]) أي : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا معقب لحكمه([366]) .

وقال - سبحانه - : { مَآ أَصَابَكَ مِنْ  حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّـئـَةٍ فَمِن نَّـــفْسِكَ }([367]) .

وقوله - تعالى - : { وَمَآ أَصَابَكُم مّـِن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }([368]) .

وقوله - عزّوجل - : { وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّـئـَةُ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَـانَ كَفُورٌ }([369]) .

قال ابن القيم - رحمه الله - بعد ذكر هذه الآيات في هذا المقام : { فمن نزل هذه الآيات على هذا الحكم علماً ، ومعرفة ، وقام بموجبها إرادة ، وعزماً، وتوبة ، واستغفاراً ، فقد أدى عبودية الله في هذا الحكم ، وهذا قدر زائد على مجرد التسليم والمسالمة ... }([370]) .

 

حكم الرضا بالمصائب

تنازع العلماء ، والمشائخ من أصحاب الإمام أحمد ، وغيرهم في الرضا بالقضاء في المصائب ، هل هو واجب ، أم مستحب ، على قولين :

القول الأول : أنه واجب ، وعلى هذا فهو من أعمال المقتصدين ، ومعنى ذلك أنه فرض وعبادة كالصبر وغيره .

القول الثاني : أنه مستحب ، وعلى هذا فهو من أعمال المقربين ، أي أن الرضا به قربة لله - تعالى - يتقربها العبد لربه([371]) .

وهذا بيان أدلة كل قول ومناقشتها وبيان القول الراجح :

القول بالوجوب : هو قول في مذهب الإمام أحمد([372]) - رحمه الله - وممن ذهب إلى ذلك الإمام القرطبي المفسر - رحمه الله - قال : { فالواجب على كل امرئ الرضا بقضاء الله ، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب }([373]) .

وقال ابن حجر - رحمه الله - : { في قصة موسى والخضر من الفوائد : أن الله يفعل في ملكه ما يريد ، ويحكم في خلقه بما يشاء ، مِمَّا ينفع ، أو يضر ، فلا مدخل للعقل في أفعاله ، ولا معارضة لأحكامه ، بل يجب على الخلق الرضا والتسليم ، فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر ، فلايتوجه على حكمه }([374]) .

ومعنى ذلك أنه يجب الرضا بالقضاء في المصائب والأوامر معاً .

أدلة أصحاب هذا القول :

1 - قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - : { ومن أوجبه قال : السخط حرام ، ولا خلاص عنه إلاَّ بالرضا ، وما لا خلاص عن الحرام إلاَّ به فهو واجب }([375]) .

قلتُ : فجعلوه من باب : ما لايتم الواجب إلاَّ به فهو واجب .

2 - قالوا : إن ذلك من تمام الرضا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد - r - رسولاً([376]) .

3 - أنه إذا لم يكن راضياً بقضاء الله وقدره فهو ساخط ، إذ لا واسطة بين الرضا والسخط، وسخط العبد على قضاء الله - تعالى - مناف لرضاه به([377]).

4 - أن عدم الرضا بالقضاء والقدر يستلزم سوء الظن بالله ، ومنازعة في اختياره لعبده ، وأن الرب - سبحانه - يختار شيئاً ويرضاه ، فلايختاره العبد ولايرضاه ، وهذا مناف للعبودية([378]) .

5 - ما روي في الأثر : { من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلواي فليتخذ رباً سواي }([379]) .

ويجاب عن هذه الأدلة بما يلي :

1 - أن الرضا بكل ما يخلقه الله ويقضيه ليس عليه دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله - r - ولا قال به أحد من السلف ، أمَّا الرضا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، فهو واجب ، دل على وجوبه الكتاب والسنة([380]) .

2 - أن الرضا يشرع بما يرضى الله به ، والله قد أخبر أنه {  لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ }([381]) و { وَلاَ  يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُــفْرَ }([382]) ، وقال - تعالى - : { إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ }([383]) .

وهذا أمر موجود من أقوال العباد ، وقد أخبر الله أنه لايرضاه ، فإذا لم يرضه كيف يأمر العبد بأن يرضاه ، بل الواجب أن العبد يسخط ما يسخطه الله، ويبغض ما يبغضه ، ويرضى بما يرضاه الله .

قال الله - تعالى - : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ  فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ }([384]) ، فذم من اتبع مساخطه وكره مراضيه ، ولم يذم من كره مساخطه .

3 - أمَّا قوله : { إنه لايتخلص من السخط على ربه إلاَّ بالرضى عنه ، إذ لا واسطة بين الرضا والسخط } .

فكلام مدخول ؛ لأن السخط بالمقضي لايستلزم السخط على من قضاه ، كما أن كراهة المقضي وبغضه ، والنفرة عنه ، لاتستلزم تعلق ذلك بالذي قضاه وقدره ، فالمقضي قد يسخطه وهو راض عمن قضاه وقدره ، بل قد يجتمع تسخطه والرضا بنفس القضاء([385]) ، فالسخط شيء ، والشكاية شيء آخر .

4 - قولهم : { إنه يستلزم سوء ظن العبد بربه، ومنازعته له في اختياره }.

فليس كذلك ، بل هو حسن الظن بربه في الحالتين ، فإنه إنَّما يسخط المقدور وينازعه بمقدور آخر ، كما ينازع القدر الذي يكرهه ربه بالقدر الذي يحبه ويرضاه ، فينازع قدر الله بقدر الله بالله لله ، كما يستعيذ برضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته ، ويستعيذ به منه .

فأمَّا { كونه يختار لنفسه خلاف ما يختاره الرب } فهذا موضع تفصيل لايسحب عليه ذيل النفي والإثبات ، فاختيار الرب - تعالى - لعبده نوعان :

أحدهما : اختيار ديني شرعي ، فالواجب على العبد أن لايختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده ، قال - تعالى - : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ  مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ }([386]) ، فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه وتسليمه ، ورضاه بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً .

النوع الثاني : اختيار كوني قدري ، لايسخطه الرب ، كالمصائب التي يبتلي الله بها عبده ، فهذه لايضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه ، ويرفعها ويكشفها ، وليس في ذلك منازعة للربوبية ، وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر ، وكما تقدم عن عمر وأبي عبيدة - رضي الله عنهما - .

فهذا يكون تارة واجباً ، وتارة يكون مستحباً ، وتارة يكون مباحاً مستوي الطرفين ، وتارة يكون مكروهاً ، وتارة يكون حراماً .

وأمَّا القدر الذي لايحبه ولايرضاه - مثل قدر المعائب والذنوب - فالعبد مأمور بسخطها ، ومنهي عن الرضا بها ، وهذا هو التفصيل الواجب في الرضا بالقضاء([387]) .

5 - أن الأثر المستدل به من الآثار الإسرائيلية ، فلاتقوم الحجة به ؛ لأنه لايعرف ثبوته عن الله ، وليس يصح عن النبي - r([388]) - .

القول بالاستحباب : قال أصحابه : الرضا بالمصائب مستحب ، وليس بواجب ، وهذا قول أكثر العلماء([389]) ، وهو قول في مذهب الإمام أحمد([390]) .

أدلة أصحاب هذا القول :

1 - قالوا : الإيجاب يستلزم دليلاً شرعياً على الوجوب ولا دليل على ذلك([391]) .

2 - أن الرضا من القرب التي يتقرب بها ، وليس من الفرائض ، أو الواجبات ، كما قال الخليفة عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - : { الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن }([392]) .

3 - قالوا : لم يجئ الأمر بالرضا في القرآن الكريم ، ولا في السنة المطهرة ، مثل الصبر ، فالصبر أمر الله به في مواضع كثيرة من كتابه - سبحانه - ، وأمَّا الرضا فلم يأمر به في آية واحدة([393]) .

4 - أن القول بوجوبه يلزم منه الرضا بما حرم الله ، مثل الرضا بمصيبة الكفر والفسوق وغيرهما([394]) من القضاء الكوني القدري .

 

5 - أنه قد روي عن ابن عباس يرفعه : { إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً }([395]) .

وهذا فيه الحث على الرضا لا الأمر به([396]) .

6 - أن المأمور به هو الرضا المشروع الديني ، ولم يأمرنا بالرضا بالمقدور الكوني([397]) .

7 - قالوا : أجمع العلماء على أنه مستحب ، مؤكداً استحبابه([398]) ، قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : { وأكثر العلماء على أن الرضا بذلك مستحب وليس بواجب }([399]) .

والصحيح أن المصائب هي قضاء الله ومنسوبة إليه على وجهين :

الأول : كونها فعل الله القائم بذاته - تعالى - ، فهذا يجب الرضا به ، والتصديق والتسليم له ، ومن ذلك عدل الله ، وحكمته ، وقدرته ، وعلمه - سبحانه - وخلقه ، فالرضا بالمصائب من هذا الوجه واجب لاشك في ذلك .

الثاني : المقضي المنفصل عن الله ، المفعول له ، فهذا قسمان : مصائب ومعائب ، فالمعايب لاشك أنه يحرم الرضا بها ، كما سيأتي .

وأمَّا ما يصيب الإنسان فقسمان - أيضاً - : ما كان من صحة وغنى ولذة وغيرها من النعم ، وهذا القسم يجب الرضا به ، وأنه فضل وإحسان من الله يحمد عليه ويشكر .

وأمَّا ما يصيب العبد المؤمن من فقر ، ومرض ، وجوع ، وأذى ، وحر وبرد، وغير ذلك مِمَّا يكرهه ويبغضه العبد ، فيستحب الرضا به ، ولو عمل الأسباب لتغييره إلى ما هو أحسن .

والأدلة على استحباب ذلك كثيرة هي ما ذكره أصحاب القول الثاني وغيرها كثير :

منها : أن الله - سبحانه وتعالى - أثنى على أهل الرضا بقوله : { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }([400]) فأثنى عليهم ولم يوجب ذلك عليهم([401]) ، قال ابن القيم - رحمه الله - : { وأمَّا الرضا فإنَّما جاء في القرآن مدح أهله ، والثناء عليهم لا الأمر به }([402]) .

ومن ذلك : ما ورد في القرآن الكريم من مدح الراضين بما يفعله الله بعبده من المصائب ، كقوله - تعالى - : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَـةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّيـنَ وَءَاتَي الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِيـنَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِيـنَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلا ةَ وَءَاتَى الزَّكَـاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـاهَدُوا وَالصَّـابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِيـنَ الْبَأْسِ  أُولائِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولائِكَ هُمُ الْمُتَّـــقُونَ }([403]) والبأساء : الفقر ، والضراء : المرض ، وحين البأس : حين القتال([404]) .

وقوله - تعالى - : {  أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ }([405]) .

قال ابن تيمية - رحمه الله - : { البأساء في الأموال ، والضراء في الأبدان، والزلزال في القلوب }([406]) .

 

الرضا بالمعاصي

القسم الثالث : وهو الجاري باختيار العبد ، وقضاء الرب ، مِمَّا يكرهه الله ويسخطه ، وينهى عنه ، وهو ما يسمى : الرضا بالمعصية :

لقد فتح إبليس لكثير من الناس باب الأهواء ، فلايتوبون ، ولايستغفرون ، ولايرون إلاَّ أنهم على الحق ، وهو يرضى بذلك منهم دائماً([407]) { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مّـِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ }([408]) أي : هيأنا لهم شياطين، أو سلّطنا عليهم قرناء ، يزينون لهم المعاصي ، وهم من الجن ومن الإنس أيضاً ، فآثروا المعاصي على أمر الله ، وركنوا إلى أعمالهم في الدنيا ، ونسوا الآخرة ، فوجب عليهم العذاب ، فكانوا من الخاسرين لأعمالهم في الدنيا، وأنفسهم وأهليهم في الآخرة([409]) { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ  بَنُونَ ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }([410]) .

بل إن الشيطان يحب أن يرى العبد يفعل ما يرضيه ، ويفرحه ، كما ورد في معنى حديث : { إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب }([411]) ، فالشيطان يحب التثاؤب ويرضى به ، لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه([412]) ، { والتثاؤب من الشيطان }([413]) .

والمعاصي والمنكرات أمور مضرة للعاصي ولغيره ، ومع ذلك يبقى بعض الناس معها ومع طبعه وذوقه ، وينسلخ عن دين الله ، ورُبَّما دخل في الشرك الأكبر كالقول بوحدة الوجود ، أو الاتحاد والحلول المطلق ، أو يقول بالحلول والاتحاد في بعض المخلوقات ، كالمسيح - عليه السلام - في زعم النصارى أو علي - رضي الله عنه - في زعم الإسماعيلية النصيرية - أو غيرهما - كالدروز عبدة الحاكم بأمر الله - ، أو المشايخ ، أو بعضهم ، أو الملوك ، أو المردان - عياذاً بالله - .

فيقول بحلول الإله في الصور الجميلة ، ويعبدها ، ومنهم من يتدين فقط بحب الصور الجميلة من النساء الأجانب والمردان ، وغير ذلك ، ويزعم أن هذا من الجمال الذي يحبه الله ، فهو يحبه فيلبس المحبة الطبيعية له المحرمة بالمحبة الدينية الشرعية ، ويجعل ما حرمه الله - تعالى - مِمَّا يقرب إليه ، كما قال الله عنهم ، وعن أمثالهم : { وَإِذَا فَعَلُوا فَـاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }([414]) .

وبعض الناس يبرر ما هو عليه من معاصٍ بادعاء أن الإيمان في القلب ، ويستدل بما ثبت في الصحيح : { إن الله لاينظر إلى صوركم وأموالكم ؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم }([415]) .

وما أكثر من يتعبد الله بما حرمه الله عليه ، ويعتقد أنه طاعة وقربة ، وحاله في ذلك شرٌّ من حال مَنْ يعتقد ذلك معصية وإثْماً ، ويبغض مع ذلك مخالفه في هذه المحرمات والبدع المنكرة ، بل ويشتد غضبه عليه كما قيل :

نظروا بعيـن عـداوة لو أنها        عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا([416])

وقيل :

وعين الرضا عن كل عيب كليلة    كما أن عين السخط تبدي المساويا([417])

وهذا استقباح للحق ، ورضى بالباطل ، والبدعة ، والمعصية .

وفيه شبه بالنصارى الضالين ، الذين يتعبدون بما لايصدقه عقل عاقل ، وينكرون على أهل الحق ما نص عليه المشرع ، وتجوزه العقول([418]) .

قال سفيان الثوري - رحمه الله - : { إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ؛ لأن البدعة لايتاب منها ، والمعصية يتاب منها }([419]) .

وقد تتمكن المعصية من القلب فيرضى بها صاحبها ، بل ويغلو في ذلك ، وذلك على حساب دينه ، وصحته ، وعقله ، فيصير مثله مثل من قال في جاريته :

ولكن لا سبيــــــــــل إلى الورود

أرى مـاء وبــي عطش شــــديد

وأن الناس كلهــــــــــــم عبيدي

أما يكفيـــــــــــك أنك تملكيني

لقلت من الرضا أحسنت زيدي([420])

وأنك لو قطعت يـــدي ورجلي

وإيواء أهل المعاصي رضى بالمعصية ، وتعاوناً عليها ، والله - سبحانه وتعالى - يقول : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ  تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }([421]) .

وعن أبي الطفيل ؛ عامر بن واثلة قال : كنت عند علي بن أبي طالب فأتاه رجل فقال : ما كان النبي - r - يسر إليك ؟ قال : فغضب وقال : ما كان النبي - r - يسر إليّ شيئاً يكتمه الناس ، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع ، قال : فقال ما هن يا أمير المؤمنين ؟ قال : { لعن الله من لعن والده ، ولعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من آوى محدثاً ، ولعن الله من غير منارالأرض }([422]) .

فمن نصر جانياً وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه فقد رضي بفعله .

فالإيواء فيه الرضا به والصبر عليه .

وإذا رضي أحد بالبدعة ، وأقر فاعلها ، ولم ينكرها ، فقد آواه([423]) ، وخالف بذلك أمر الله - تعالى - وأمر رسوله - r - فهو مأمور بالإنكار ، ويستلزم عدم الإيواء ، أو الرضا بالمنكر ، أو البدعة ، وإذا لم ينكر ، فإنه يتحمل تبعة تقصيره ، ويكون قد رضي بالمعصية .

عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن رسول الله - r - قال : { ستكون أمراء ، فتعرفون وتنكرون ، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ، ولكن من رضي وتابع } قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : { لا ، ما صلوا }([424]) .

فقوله : { ولكن من رضي وتابع } دليل على وجوب ترك الإيواء أو الرضا بالمعصية .

وقريب من هذا معاشرة أهل البدع ، وأهل الفسق والعصيان ، ومنادمتهم ، وتقريبهم ، وإقصاء أهل الإيمان ، وأهل الطاعة ، وهذه تسمى مداهنة .

والأولى بالمسلم أن لايداهن أهل العصيان ، ويرضى بما هم عليه من الفسوق ، ويسكت سكوت راض بما هم فيه من غير إنكار .

صحيح أن مداراة الناس ، وخفض الجناح لهم ، ولين الكلمة ، وترك الإغلاظ لهم في القول ، من أقوى أسباب الألفة ، وقبول الحق ، وهي مندوبة ، كما في النصوص الشرعية الموضحة لذلك ، مثل :

1 - قوله - تعالى - في خطاب الرسول - r - : { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِيـنَ }([425]) .

2 - وقوله - سبحانه - : { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانــــفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }([426]) .

3 - وقوله : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }([427]) .

فالرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله ، وترك الإغلاظ عليه حيث لايظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك أمر مطلوب مستحب .

أمَّا الرضا بوقوع المعصية من العبد ، والسكوت على ذلك ، وتأييده ولو بغير تصريح ، فإن هذا من الرضا بمعصية الله ، وهذا مخالف لأمر الله ، وأمر رسوله - r([428]) - .

قال رسول الله - r - : { إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها ، وقال مرة : فأنكرها ، كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها }([429]) .

وهذه مسألة عظمى ؛ لأن الرضا بالمعصية معصية([430]) ، فقد جاء رجل إلى الشعبي فحسن عنده مقتل عثمان - رضي الله عنه - فقال الشعبي : { شركت في دمه }([431]) .

فجعل الرضا بالقتل قتلاً - رضي الله عنه - .

قال الله - تعالى - : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْـكِـــتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مّـِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِيـنَ وَالْكَـافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا  }([432]) .

فهذا دليل على وجوب اجتناب أهل المعاصي إذا ظهر منهم منكر ، وهذا عدم الرضا بالمعصية ؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم ، والرضا بالكفر كفر، كما دل عليه قوله : { إِنَّكُمْ إِذًا مّـِثْلُهُمْ } فكل من جلس في معصية ولم ينكرها يكون مع أهلها في وزرهم ، فينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية، أو عملوها ، فإن لم يستطع الإنكار ، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لايكون من أهل هذه الآية .

يروى أن عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه - أخذ قوماً يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين : إنه صائم ، فحمل عليه الأدب([433]) ، وقرأ هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذًا مّـِثْلُهُمْ }([434]) أي : إن الرضا بالمعصية معصية ، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم .

ولاشك أن هذه المماثلة ليست في جميع الصفات ، لكن إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة ، وقد قال الشاعر :

عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه   فكل قرين بالمقـــــــارن يقتدي([435])

فتجنب أهل الأهواء والبدع واجب لغير الناصح والمعلم لهم ، وليس مثلهم في الأهواء والبدع ، لقوله - تعالى - : { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّـِن شَيْءٍ }([436]) .

ليس في كتاب الله ، ولا في سنة رسول الله - r - آية ولا حديث يأمر العباد أن يرضوا بكل مقضي مقدر من أفعال العباد حسنها وسيئها ، { فهذا أصل يجب أن يعتنى به }([437]) .

فالرضا بالمعاصي محرم يعاقب صاحبه عليه ، وهو مخالفة لأمر الله - تعالى - وأمر رسوله - r - .

{ وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقاً ، وتسخط من جهة كونها إلى العبد فعلاً ، وكسباً ، وهذا القول لاينافي الذي قبله }([438]) .

فالأصل واحد ، وهو إنَّما قدر - سبحانه - الأشياء لحكمة ، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية ، وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة([439]) .

فالذي عليه أئمة الدين أنه لايجوز الرضا بالكفر والفسوق والعصيان ، فعلى المسلم أن لايرضى بذلك ؛ لأن الله لايرضاه ، كما قال - سبحانه - : { وَلاَ  يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ }([440]) .

وقال - سبحانه - : { وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ }([441]) .

وقال - عزّوجل - : { فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَـاسِقِيـنَ }([442]) .

وقال - سبحانه - : { فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا }([443]) .

وقال - تعالى - : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ }([444]) .

وقال - تعالى - : { وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِيـنَ وَالْمُنَافِقَـاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَـالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ }([445]) .

وقال - سبحانه - : { لَبِئـْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ }([446]) .

وقال - تعالى - : { فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ }([447]) .

فإذا كان الله - سبحانه - لايرضى لهم ما عملوه ، بل يسخط ذلك ، وهو يسخط عليهم ، ويغضب عليهم ، فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك ، وأن لايسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه .

ومن المعلوم أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله ، والبغض في الله ، وقد أمرنا الله أن نأمر بالمعروف ، ونحبه ، ونرضاه ، ونحب أهله ، ونهى عن المنكر ، وأمرنا أن ننهى عنه ، ونبغضه ، ونسخطه ، ونبغض أهله ، ونجاهدهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا ، فكيف نتوهم أنه ليس في المخلوقات ما نبغضه ونكرهه ،  وقد قال الله - تعالى - لما ذكر من المنهيات : { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا }([448]) ، فإذا كان الله يكرهها وهو المقدر لها فكيف لايكرهها ويبغضها العبد المأمور بذلك([449]) ؟ .

قال الله - تعالى - : { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ }([450]) .

وقال - سبحانه - : {  وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ }([451]) .

وقال - سبحانه - : { وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ }([452]) .

فبين أنه يرضى الدين الذي أمر به ، فلو كان يرضى كل شيء لما كان له خصيصة .

وفي الصحيحين عن النبي - r - أنه قال : { ... إن من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته }([453]) ، وقال - r - : { إن الله يغار ، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله }([454]) ، ولابد في الغيرة من كراهة ما يغار منه وبغضه .

وبهذا التفصيل يتبين الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس .

 

بعض ما ينافي الرضا بالقضاء

1 - الاعتراض على قضاء الله الشرعي :

والاعتراض قد يكون على قضاء الله الديني الشرعي ، وقد يكون على قضاء الله الكوني القدري ، وخاصة ما يخالف ما يحب العبد ويهوى .

فمن الأول : ما ورد عن المنافقين الذين قالوا في غنائم حنين : { إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله } ، ونحو ذلك .

فهذا الاعتراض معصية لله ولرسوله - r - يخاف على صاحبه النفاق وإن لم يكن منافقاً ، وهو ينافي الرضا بقضاء الله الشرعي الديني([455]) .

وأعظم من ذلك سب النبي - r - وهذا من أعظم الاعتراض على الله وعلى قضائه الشرعي ، والتكذيب بالقدر ، ومن أظهر الاعتراض على النبي - r([456]) -

وقريب من ذلك الاعتراض على سنة من سنن الرسول - r - ، فهذا الاعتراض مناف للرضا بالقضاء ، ومعارض لقول المسلم : { رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً } ، قال الله - تعالى - محذراً من ترك الرضا بحكم الرسول - r - : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ }([457]) .

وهذا تعريف من الله - تعالى - ذكره للمنافقين ، بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله - r - والرضا بحكمه إنَّما هو للسابق لهم من خذلانه ، وغلبة الشقاء عليهم ، ولولا ذلك لكانوا ممن أُذن له في الرضا بحكمه والمسارعة إلى طاعته([458]) .

وقال - سبحانه - : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنــــفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }([459]) ، فأقسم بنفسه - سبحانه - على نفى إيمان من لم يجمع ثلاثة أمور هي : تحكيمه فيما شجر بينهم ، ثُمَّ أن لايجد في نفسه حرجاً ، والتسليم .

وهذا يوجب أنه ليس في أمره ونهيه ما يوجب الحرج عن امتثال ذلك ، فإن حكمه لابد فيه من أمر ونهي وإن كان فيه إباحة أيضاً ، فلو كان المأمور به والمنهي عنه مضرة للعبد ، ومفسدة ، وألماً بلا لذة راجحة ، لم يكن العبد ملوماً على وجود الحرج فيما هو مضرة له ومفسدة .

فعلى المؤمن أن يحب ما أحب الله ، ويبغض ما أبغضه الله ، ويرضى بما قدره الله([460]) ، ويسلم لحكم رسول الله - r - ، وكل مقدور قدر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسوله ، وإنَّما يكون شراً لمن عمل بمعصية الله ورسوله .

2 - ترك التوكل ترك لأمر الله في آيات كثيرة :

منها قوله - تعالى - : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِيـنَ }([461]) .

ومن لم يفوض أمره إلى الله ، ويعمل الأسباب متوكلاً على الله فليس براض عن الله ، أو عن قضاء الله وقدره ، وفي الأثر : { من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ... ، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده }([462]) .

3 - السخط :

والسخط ضد الرضا ، وفيه شقاوة الساخط ، كما في الحديث الذي مرّ { ومن شقاوة العبد تركه الاستخارة ، وسخطه بما قسم الله له } .

وقد جعل الله فيه الهم والغم والحزن ، وشتات القلب ، وكف البال ، وسوء الحال ، والظن بالله خلاف ما هو أهله ، وقلة اليقين ، كما في حديث أبي سعيد الخدري السابق ، قال : قال رسول الله - r - : { إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ... } .

وأمَّا الرضا فيفرغ القلب ، ويقلل همه وغمه ، فيتفرغ لعبادة الله بقلب خفيف من أثقال الدنيا ، وهمومها ، وغمومها([463]) .

والسخط من سوء الخلق([464]) ؛ لأن الساخط مخاصم لله - تعالى - فيما لم يرض به ، من أمره ونهيه ، أو قضائه ورزقه ، وما يصيبه من نوائب ومصائب .

وهذه المخاصمة هي أصل منهج إبليس مع ربه ، فقد كان منهجه : عدم الرضا بأقضيته وأحكامه الدينية والكونية القدرية ، فلو رضي لم يمسخ من الحقيقة الملكية إلى الحقيقة الشيطانية الإبليسية([465]) .

والسخط يفتح باب الشك في الله ، وقضائه وقدره ، وحكمته وعلمه ، فقل أن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه ، ويتغلغل فيه ، وإن كان لايشعر به، لكن لو فتش نفسه غاية التفتيش ، واختبرها ، لوجد إيمانه معلولاً ، وتصديقه مدخولاً ورضاه منقوضاً ، فإن الرضا واليقين صاحبان لايكادان يفترقان ، كما أن السخط والشك قرينان ؛ أحدهما قرين الآخر([466]) .

وهذا ما دل عليه الحديث السابق إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل .

وكذلك حديث { من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله ، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله }([467]) .

فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة ، والسخط على القضاء من أسباب الشقاوة .

والسخط يوجب اضطراب قلب العبد وريبته وانزعاجه وعدم قراره ، كما أنه يوجب تلون العبد وعدم ثباته مع الله ، فإنه لايرضى إلاَّ بما يلائم طبعه ونفسه ، والمقادير تجري دائماً بما يلائمه ، وبما لايلائمه ، وكلما جرى عليه منها ما لايلائمه أسخطه ، فلاتتحقق عبوديته لله - تعالى - .

فإذا ابتلى الله - سبحانه وتعالى - عبده في رزقه ، أو غير ذلك من أمور حياته ، فإنَّما ذلك امتحان له أيرضى أم يسخط ، يدل على ذلك آيات منها : { فَأَمَّا الإِنسَـانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ، وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ }([468]) .

لأن الإكرام والإهانة لايدوران على المال وسعة الرزق ، ونحو ذلك ، فقد يوسع على الكافر لا لإكرامه ، ويقتر على المؤمن لا لإهانته ، لكن لحكمة هو يعلمها - سبحانه - ، وقد يكون إكراماً له ومنعاً من شر الغنى كما تقدم .

4 - الحزن على مافات :

قال الله - تعالى - : {  لِكَـــيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ  تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ }([469]) ، فهذه دعوة للعباد إلى ترك الحزن على الدنيا ، بل نهى الله عنه، وإن تعلق بالدين ، كقوله - تعالى - : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ }([470]) ؛ لأنه لايجلب منفعة ، ولايدفع مضرة ، فلا فائدة فيه([471]) .

أمَّا الحزن على موت قريب ، أو فوات عبادة ، أو نحو ذلك مِمَّا ليس فيه طمع أو سخط أو اعتراض على المقدر ، فهو رحمة من الله ، وهو حزن القلب ، وحزن القلب لايؤاخذ به العبد إذا لم يصحبه اعتراض على قدر الله - تعالى - ، فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - حزنوا ، ولم يكن ذلك دليلاً على عدم يقينهم بالله ، ورضاهم بقضائه .

والنبي - r - لما كان ابنه إبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا النبي - r - تذرفان ، فقال له عبدالرحمن ابن عوف وأنت يا رسول الله ؟ فقال : يا ابن عوف إنها رحمة الله ، ثُمَّ أتبعها بأخرى ، فقال : { إن العين تدمع والقلب يحزن ولانقول إلاَّ ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنونون }([472]) .

ولما اشتكى سعد بن عبادة - رضي الله عنه - فأتاه النبي - r - يعوده مع عبدالرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - ، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله ، فقال : قد قضى ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، فبكى النبي - r - ، فلما رأى القوم بكاء النبي - r - بكوا ، فقال - r - : { ألا تسمعون إن الله لايعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم ، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ... }([473]) .

وأمَّا ما نهى عنه من الحزن في مثل قول الله - تعالى - : { ... وَلاَ  تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ  تَكُ  فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ }([474]) ، وقوله سبحانه : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا }([475]) وغيرهما من الآيات إنَّما هو نهي عن الحزن مقرون بما يوجب زواله ، ثُمَّ إنه لم يوجد هذا الحزن المنهي عنه ، بل النهي لئلا يوجد هذا النوع من الحزن الذي رُبَّمَا يكون معصية ، أو ينهى عن الافراط فيه ، أو قد يكون تسلية أو أمراً باكتساب قوة تدفعه عنه ؛ ليثاب على ذلك([476]) .

فالحزن الذي لايخرج الإنسان من كونه صابراً راضياً ، أي كان قلبه مطمئناً فإنه لايؤاخذ عليه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : { ولهذا لم يؤمر بالحزن المنافي للرضا قط ، مع أنه لا فائدة فيه ، بل قد يكون فيه مضرة ، لكنه عفي عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله }([477]) .

5 - النياحة :

ومِمَّا يضاد الرضا وينافيه النوح من النساء ، أو الرجال ، وهو عادة يكون من النساء عند القبور ، وعند نزول المصائب ، وهذا من الجزع والاعتراض على القضاء ، لما يصحبه من صك الوجه ، أو لطم الخد ، أو الدعاء بالويل والثبور ، أو سب الدهر عند المصيبة ، أو رفع الصوت بالبكاء والويل ، اعتراضاً على القضاء والقدر ، عند موت محبوب ، أو قريب ، أو فوات أمر دنيوي ، وغير ذلك مِمَّا نهى عنه النبي - r - في مثل قوله : { ليس منا من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية }([478]) .

وما في الصحيح أن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - وجع وجعاً شديداً ، فغشي عليه ، ورأسه في حجر امرأة من أهله ، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً ، فلما أفاق قال : { أنا برئ ممن برئ منه رسول الله - r - فإن رسول الله - r - برئ من الصالقة ، والحالقة ، والشاقة }([479]) .

والنياحة ضلال عظيم ، تتضمن فعل ما نهى الله عنه ، وترك ما أمر به ، ففيها ترك الصبر ، وفيها الجزع ، وقول الهجر ، ودعاء غير الله ، وترك إخلاص الدين لله([480]) .

والنائحة تعاقب على النياحة ، كما في الحديث الصحيح عن أبي مالك الأشعري أن النبي - r - قال : { أربع في أمتي من أمر الجاهليَّة لايتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة ، وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ، ودرع من جرب }([481]) .

والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها ، مثل الأصوات الهائلة ، والأرواح الخبيثة ، والصور القبيحة .

ولذلك فإن الميت المناح عليه ، إذا رضي بذلك وهو في حياته ، أو أوصى به ، أو دعا إليه ، ولم ينه عنه ، فإن له نصيبه من عذاب النياحة ، لما ورد في الحديث : { إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه }([482]) .

بل قد عد أهل العلم : صناعة الطعام من أهل الميت ، ودعوة الناس إليه من النياحة .

والاجتماع لهذا في حد ذاته من النياحة([483]) .

فالنياحة وما يحفها ويقترن بها من المخالفات الشرعية تنافي الرضا بالقضاء ، وهي أيضاً من التسخط الذي هو ضد الرضا .

ومِمَّا يحدث الشيطان لفئة من الناس - وهم الرافضة - بدعتي الحزن والنوح يوم عاشوراء ، من اللطم ، والصراخ ، والبكاء ، والعطش ، وإنشاد المراثي ، وما يفضي إليه ذلك من سب السلف الصالح ، ولعنهم ... إلخ .

وهذا من الجزع والنياحة للمصائب القديمة ، وهو من أعظم ما حرم الله ورسوله ، ويخالف الرضا بالقضاء ، وينافيه([484])

أمَّا البكاء على الميت حين وفاته ، على وجه الرحمة ، فقد أخبرنا النبي - r - أنها { رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنَّما يرحم الله من عباده الرحماء }([485]) .

6 - مِمَّا ينافي الرضا بالقضاء : تمني الموت لضر نزل أو مصيبة :

ففي الحديث : { لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، فإن كان لابد متمنياً فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي } متفق عليه([486]) .

فالحديث دليل على النهي عن تمني الموت ، للوقوع في بلاء ، أو محنة ، أو خشية ذلك من عدو ، أو مرض ، أو فاقة ، أو نحوها من المصائب التي تصيب الإنسان في حياته ، لما في ذلك من الجزع ، وعدم الصبر على المقدر ، وعدم الرضا بالقضاء.

وهذا بخلاف تمني الشهادة في سبيل الله ، فإن هذا حسن مطلوب ؛ لأنه ذروة الإيمان ، يدل على الصبر والثبات والرضا بما يصيبه في ذلك مِمَّا يقدره الله عليه .

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، أن رسول الله - r - قال : (( والذي نفسي بيده ، وددت أني أقاتل في سبيل فأقتل ، ثُمَّ أحيا ، ثُمَّ أقتل ، ثُمَّ أحيا ، ثُمَّ أقتل ))([487]) .

وكذلك طلب الموت على الإسلام عند الاحتضار ، كما في قول الله - تعالى - عن يوسف - عليه السلام - : {  تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِيـنَ }([488]) ، وقول النبي - r - عند موته : (( اللهم في الرفيق الأعلى ))([489]) ثلاثاً ، وحتى في غير الاحتضار ، فيطلب أن يموت على الإسلام عند انتهاء أجله ، أو خوفاً من فتنة في الدين عامة ، كما في إخبار الله عن السحرة ، لما أرادهم فرعون عن دينهم ، وتهددهم بالقتل ، {  رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِيـنَ }([490]) .

وقال عن مريم - عليها السلام - لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة ؛ لأنها لم تكن ذات زوج ... ، وجاءها المخاض - أي الطلق - إلى جذع النخلة : {  يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنسِيًّا }([491]) .

فكل هذا جائز ، ليس فيه جزع أو اعتراض على المقدر ، فلاينافي الرضا بالقضاء([492]) .

7 - عدم الرضا بالمقسوم من الرزق :

ما قدره الله للعبد من الرزق سيصله ؛ وإن كان لابد من الاكتساب ، وفعل الأسباب .

ومن الكسب ما يكون واجباً ، وهذا عند احتياج العبد إلى النفقة على نفسه ، أو عياله ، أو قضاء دينه ، وهو قادر على الكسب ، ولايشغله ذلك عن ما هو أفضل عند الله ، وهذا من الرضا بالقضاء الشرعي ، وهو واجب عند العلماء ، وتركه فيه معصية لله - تعالى - .

ومنه ما هو مستحب ، وهو ما اكتسبه العبد ، لنفع نفسه ، والإنفاق في وجوه الخير([493]) ، كما في الحديث : (( على كل مسلم صدقة )) قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : (( فيعمل بيده فينفع نفسه ، ويتصدق )) قالوا : فإن لم يستطع ؟ أو لم يفعل ؟ قال : (( فيعين ذا الحاجة الملهوف )) ، قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : (( فليأمر بالخير )) أو قال : (( بالمعروف )) ، قالوا : فإن لم يفعل ؟ قال : (( فليمسك عن الشر ؛ فإنه له صدقة ))([494]) .

ومنه ما هو مذموم ، وهو ما اكتسب لغير الحاجة ، أو الإنفاق في وجوه الخير ، أو أشغل عن ذكر الله - تعالى - وعبادته .

يدل على ذلك مثل قول الله - تعالى - : {  وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ  خَيْرُ الرَّازِقِيـنَ }([495]) ، وقول النبي - r - : (( تعس عبد الدينار ، والدرهم، والقطيفة ، والخميصة ، إن أعطي رضي ، وإن لم يعط لم يرض ))([496]) وغيره([497]) .

وقد تعوذ منه النبي - r - في قوله : { ... اللهم إني أعوذ بك من علم لاينفع ، ومن قلب لايخشع ، ومن نفس لاتشبع ، ومن دعوة لايستجاب لها ... }([498]) .

فالحرص والطمع والشرك وتعلق النفس بالآمال البعيدة([499]) : ترك للرضا ينافي الرضا بالقضاء ، ويورث صاحبه في الدنيا حسد الأغنياء ، والطمع في أموالهم ، والتذلل بما يدنس العرض ، ويثلم الدين .

أمَّا ما اكتسب من طريق محرم ؛ كالربا ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وبغير حق ، ونحو ذلك ، فصاحبه لاتحمد عاقبته في الآخرة ، فلصاحبه العذاب المهين يوم القيامة([500]) .

8 - الجزع والهلع :

المصيبة تورث نوعاً من الجزع ، يقتضي لوم من كان سببها ، فإذا تبين العبد أن هذه المصيبة وسببها مقدوراً ، مكتوباً ، فعليه الصبر على قدر الله ، ويسلم لأمر الله ؛ فإن هذا من جملة ما أمره الله به ؛ كما في قوله تعالى : {  مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ }([501]) .

قال ابن مسعود : { هو الرجل تصيبه المصيبة ، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم }([502]) ، والجزع ضعف النفس ، وخوف القلب ، يمده شدة الطمع والحرص ، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر ، وصاحبه معاقب به ، فيحرمه الراحة التي يرتاحها العابدون الراضون ، ويخرب القلب ، ويحرم رضوان الله في الآخرة ، { وَرِضْوَانٌ مّـِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ }([503]) والهلع أفحش الجزع([504]) ، وفي الحديث : { شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع }([505]) .

فالهلع له معان منها : الحرص ، والشح ، والضجر ، والبخل ، والشره ، والإمساك ، والذي لايشبع ، وضيق القلب ، والعجلة ، وهذه المعاني كلها تنافي الرضا بالقضاء .

والجزع ضد الصبر الآيل إلى الرضا ، فلا خير في العجز ولا في الجزع ، كما نجده في حال كثير من الناس ، حتى بعض المتدينين إذا ظلموا أو رأوا منكراً فلاينتصرون ولايصبرون بل يعجزون ويجزعون .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - r - أنه قال : { المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير : احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ، ولاتعجز ، وإن غلبك أمر فلاتقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وماشاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان }([506]) .

{ فلايعجز المؤمن عن مأمور ، ويجزع من قضاء مقدور }([507]) .

فمن أراد بلوغ مقام الرضا فليحبس نفسه عن الجزع ، والهلع ، والتشكي، والتسخط باللسان عن الشكوى ، وبالجوارح عما لاينبغي فعله ، وهذا هو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية .

وليس هذا معناه أن يقسو قلبه ويمنعه من الانفعال والتأثر بالنوازل ، فمن لم يتأثر بها لغلظة قلبه وقساوته لا لصبره واحتماله فليس من الراضين بالقضاء والقدر([508]) .

 

مذهب الصوفية في الرضا بالقضاء

وممن ضل في هذا الباب أكثر أصحاب الطرق الصوفية ، وكان سبب ضلالهم في الرضا بالقضاء أمور ، أشهرها باختصار :

1 - أنهم رأوا أن الراضي بأمر لايطلب غيره ، ثُمَّ إنهم رأوا أقصى المطالب وأعظمها الجَنَّة ، وأدناها وأكرهها النَّار ، فقالوا ينبغي ألا يطلب شيئاً غير ما هو فيه .

2 - أنهم ظنوا أن الرضا بكل قضاء يحبه الله ويرضاه ، من خير أو شر ، إيمان أو كفر ، معصية أو طاعة ، وهذا ضلال بُيِّنَ خطأه وخطره في هذا البحث بما يكفي إن شاء الله .

3 - أنهم لايفرقون بين الدعاء الذي أمروا به إيجاباً ، أو استحباباً ، وهو من أسباب الرضا بالله ، وعن الله ، والذي نهوا عنه ، أو لم يؤمروا به ، ولم ينهوا عنه ؛ لأن الدعاء ثلاثة أنواع :

نوع مأمور به إيجاباً ، أو استحباباً ، كما في قوله - سبحانه - : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }([509]) .

ونوع منهي عنه ، وهو الاعتداء في الدعاء ، مثل أن يسأل العبد ما هو من خصائص الرب ، أو الأنبياء ، مثل أن يسأل الله أن يجعله بكل شيء عليماً ، أو يرفع عنه كل حجاب حتى يطلع على الغيب ونحو ذلك .

ويتبعه دعاء { اللهم اغفر لي إن شئت }([510]) ونحوه .

ونوع منه ما هو مباح ، كطلب المباحات التي لا معصية فيها .

والرضا عند الصوفية ثلاث درجات :

الأولى : رضى العامة ، وهو الرضا بالله رباً ، وتسخط عبادة ما سواه .

قالوا : وهذا قطب رحى الإسلام ، وهو يطهر من الشرك الأكبر([511]) .

ومنه رضاهم - أي العوام - بما قسمه الله ، وأعطاهم([512]) .

الدرجة الثانية : الرضا عن الله ، وهو الرضا عنه في كل ما قضى وقدر .

ويقولون : إن هذا من أوائل مسالك أهل الخصوص([513]) .

وقد ظن بعضهم أن هذا من توابع المحبة لله([514]) .

ويقولون : إن هذه الدرجة لاتصح إلاَّ بثلاثة شرائط :

1 - استواء الحالات عند العبد .

2 - وسقوط الخصومة مع الخلق .

3 - والخلاص من المسألة والإلحاح([515]) .

ويدخل في ذلك الرضا بالمعاصي ، والكفر ، والفسوق([516]) .

وهم بذلك لم يفرقوا بين القضاء الشرعي والكوني ، ولا بين الإرادة والمحبة والرضا ، ولا بين المأمور والمحظور ، ولا بين أولياء الله وأعدائه .

ويسمون هذه الدرجة رضى الخواص([517]) .

{ الدرجة الثالثة : الرضا برضى الله ، فلايرضى العبد لنفسه سخطاً ، ولا رضى ، فيبعثه على ترك التحكم ، وحسم الاختيار ، وإسقاط التمييز ، ولو أدخل النَّار }([518]) .

وهذه الدرجة هي التي عبر عنها الداراني فيما روي عنه في تعريف الرضا { الرضا أن لايسأل الله الجَنَّة ولايستعيذ به من النار }([519]) .

وقال بعضهم : { لقد أوتيت من الرضا نصيباً لو ألقاني في النَّار لكنت بذلك راضياً }([520]) .

وقال الآخر :

وليس لي في ســواك حظ               فكيما شئت فاختبرني([521])

ويسمون هذه الدرجة : رضى خواص الخواص به بدلاً من كل ما سواه([522]) .

وإليك بعض الردود عليهم باختصار :

1 - أن الدرجة الأولى أعلى شأناً وأرفع قدراً ، فإنها مختصة بعباد الله الصالحين ، الذين يرضون بربوبية الله ، ولايعبدون إلاَّ إياه ، ويرضون بذلك ، وبأسمائه وصفاته وأفعاله ، كما في الحديث : { ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً } .

ومن أقوال بعض الصوفية الحسنة في هذا : { من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه }([523]) ، فالتزام ما جعل الله رضاه فيه من امتثال أمره واجتناب نهيه - ويتناول المباح من غير تعد إلى المحظور - هذا هو الرضا بالله رباً ، كما سبق ، وهذه هي درجة الصديقين .

أمَّا الثانية فهي مشتركة بين المؤمنين وغيرهم ؛ لأنها الرضا بالقضاء ، والرضا بالقضاء يصح من المؤمن وغيره ؛ لأن غايته التسليم لقضاء الله وقدره ، وقد يحصل من الكافر لا لله ، ولكن مجرد رضى بالقضاء ، وتسليماً بالقدر ، { فأين هذا من الرضى به رباً ، وإلهاً ، ومعبوداً ؟ }([524]) .

2 - الرضا بالله رباً فرض ، بل من آكد الفروض بالاتفاق ، فمن لم يرض بالله رباً ، لم يحصل له إسلام ، ولا عمل ، ولا حال .

وأمَّا الرضا بقضائه ( المصائب ) فهو مستحب ، كما سبق عند أكثر العلماء، فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والندب ، فالفرض وهو الرضى بالله رباً ... فعله الأولى والآكد ، ومقدم على فعل المستحب ، وهو الرضا بالقضاء ، كما في الحديث الإلهي السابق : { يقول الله - عزّوجل - : ما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه } .

3 - أن الرضا بالله رباً هو الإيمان بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله - ربوبيته العامة والخاصة - وأنه الخالق المدبر ، الآمر الناهي ، الملك القدوس ، المعطي المانع ، الوكيل الولي ، الحكم والحاكم ، والناصر والمعين ، والكافي ، والحسيب والرقيب ، والمبتلي والمعافي ، والقابض والباسط ، فهو المتصف بجميع صفات الربوبية .

أمَّا الرضا بالقضاء ، أو الرضا عنه : فهو رضى العبد بفعل الله ، وبما يعطيه عبده ، ولهذا كان الترغيب فيه فيما يخص الثواب والجزاء ، كما في قوله - تعالى - : { يَـاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً }([525])، فهي ترضى بما يحصل لها من كرامة وثواب عملها الصالح .

وكذلك قوله - سبحانه وتعالى - : {  خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَالِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ }([526]) .

4 - أن الرضا بالله رباً متضمن للرضا بالقضاء والقدر ، ومستلزم له ؛ لأنه إذا رضي بالله رباً : رضي بأمره ونهيه ، ويستلزم ذلك أن يرضى بما يقسمه له ويقدره عليه ، ويعطيه إياه ، ويمنعه عنه ، فمن لم يرض بذلك كله لم يرض بالله رباً من جميع الوجوه .

إذاً فالرضى بالله رباً يستلزم الرضا بالقضاء ويتضمنه بلا شك([527]) .

5 - أن الرضا بالله رباً أصل ، والرضا بالقضاء أو الرضا عنه كما يقولون فرع ، أو ثمرة للرضا بالله رباً ، ولعل مِمَّا يدل على هذا ما صح عن رسول الله - r - أنه قال : { ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد - r - رسولاً } ، فإنه علق ذوق طعم الإيمان بالرضا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد - r - رسولاً ، التي هي أصول الإسلام التي لايقوم إلاَّ بها وعليها ، ولم يعلق ذلك على الرضا بالقضاء أو ما يسمونه الرضى عنه .

فالرضا بالقضاء والقدر تابع لهذا الرضا ، فمن رضي بالله رباً ، رضيه الله له عبداً ، ومن رضي بما أعطاه الله ، أو منعه ، وما أصابه من بلاء وعافية دون أن يرضى بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ، لم يحقق الإسلام والإيمان ولايحصل له رضى الله - سبحانه - يوم القيامة ، كما يدل على ذلك قول النبي - r - : { من قال كل يوم : رضيتُ بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً ، إلاَّ كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة }([528]) .

6 - أن الرضا بالله رباً ... يتضمن أنواع التوحيد ، ومن ذلك عبادته وحده والإنابة إليه ، والتوكل عليه ، وخوفه ورجاؤه ومحبته ، والصبر على طاعته وعن معصيته ، وعلى قضائه وقدره ، والشكر على نعمه ظاهرة وباطنة ، وهذه هي حقيقة شهادة ألا إله إلاَّ الله ، وطاعة رسوله محمد - r - فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما عنه نهى وزجر ، وألا يعبد الله إلاَّ بما شرع ، وهذا هو حقيقة شهادة أن محمداً رسول الله ، وهو الرضا بمحمد رسولاً ، والتزام عبودية الله ، وطاعته ، وطاعة رسوله - r - هو الرضا بالإسلام ديناً، فهذا هو الدين كله ، ومنه الرضا بالقضاء الذي يلزم كل مسلم ، ويستحب منه، أو يجب عليه ؛ كما سبق .

7 - طلب الجَنَّة والاستعاذة من النَّار طريق أنبياء الله ورسله ، وجميع أوليائه المقربين وأصحاب اليمين .

وقد سأل النبي - r - رجلاً : ما تقول في الصلاة ؟ قال : أتشهد ثُمَّ أقول : اللهم إني أسألك الجَنَّة ، وأعوذ بك من النَّار ، أما والله ما أحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ ، فقال النبي - r - : { حولها ندندن }([529]) .

وحديث : { إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثُمَّ صلوا عليَّ ... ثُمَّ سلوا الله الوسيلة ، فإنها منزلة في الجَنَّة ، لاتنبغي إلاَّ لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ... }([530]) ، فلا مطلوب أعلى من الجَنَّة ، ولها يعمل العاملون، ويدعو الداعون ، ويرضى الراضون ، ويشكر الشاكرون .

8 - قد علم بالاضطرار من دين الإسلام ؛ أن طلب الجَنَّة من الله ، والاستعاذة به من النَّار هو أعظم الأدعية المشروعة لجميع المرسلين ، والنبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وأن ذلك لايخرج عن كونه واجباً أو مستحباً .

وأولياء الله لايخرجون عن هذا الطريق([531]) .

9 - أن ما قاله هؤلاء أصحاب الدرجة الثالثة : متناقض في نفسه ، فاسد في صريح المعقول .

وذلك أن الرضا عن الله محبته ومحبة أمره ، وذلك بامتثال الأمر واجتناب النهي ، ومن ذلك السؤال والطلب ، ومن لايسأل الله الجَنَّة ، ويستعيذه من النَّار ليس محباً لله ، ولا عاملاً بأوامره ، إذن فليس راضياً عن الله على ما ادعاه ولا بالله ، فكيف يكون راضياً عن الله ، غير عامل بما يرضى الله ، ويكون سبباً في رضا العبد([532]) .

وأمَّا ما يشاركون فيه القدرية أو الجهمية وغيرهم فالجواب عنه فيما مضى ، والله الموفق .

 

         

 

 

الخاتمة :

هذا ما تيسرت كتابته وبحثه في هذا الموضوع المهم في حياة المسلمين جميعاً .

وإن من أهم النتائج التي توصلت إليها فيه ما يأتي :

1 - أن الرضا بالقضاء من أعمال القلوب .

2 - أن الرضا بالقضاء هو اليقين القلبـي المؤثر في السلوك ، الداعي إلى عدم الركون إلى الظلم وأهله ، والدافع إلى استرضاء الرب - سبحانه - بالأعمال الصالحة ، واحتمال الفقر ، والدون من المعيشة ، والقناعة باليسير، وسكون القلب إلى فعل الله ، وحمده على ما قضاه .

3 - أن الرضا بالقضاء من تمام الإيمان بالقضاء والقدر ، وأنه غاية شريفة ، ومنزلة عظيمة عند الله ، وثوابه عظيم ، فهو من منازل الشهداء ، وأنه من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات .

4 - أن حقيقة الرضا بالقضاء هي : لزوم ما قضاه الله وقدره ، وذلك بعد فعل الأسباب المأمور بها ، فلايتحقق الرضا إلاَّ بذلك .

5 - أن الرضا بالقضاء يكون بعد وقوع المقضي والمقدر ، وما قبله هو التوكل بفعل الأسباب المأمور بها ، فالرضا ثمرة التوكل ، وأعلى درجاته .

6 - أن الرضا بالقضاء حال شرعية ، حقيقتها التصرف بما أمر الله به ، وترك ما نهى عنه بعد وقوع المقدور ، وهذه من خصائص العابدين وكرامات الصالحين من عباد الله .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : (( والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعاً ، وكذلك لما يقدره من المصائب ، فإنه يفعل عندها ما أمر به من الصبر وغيره طوعاً ، فهو مسلم لله طوعاً ، خاضع له طوعاً ، والسجود مقصــــوده الخضــوع ... ))([533]) .

7 - أن القضاء المأمور بالرضا به قسمان : ديني شرعي يجب الرضا به ، وكوني قدري يستحب الرضا به ، ما لم يكن معصية لله - تعالى - ، فإن المعصية لايرضى بها إلاَّ من جهة أنها مصيبة ، أمَّا من جهة أنها عمل يغضب الله - تعالى - فلايرضى بها من هذا الوجه ، أي من وجه أنها معصية ، فترضى المصائب لا المعاصي والمعايب .

8 - مِمَّا يجب الابتعاد عنه ؛ لأنه ينافي الرضا بالقضاء : الاعتراض على قضاء الله الديني الشرعي ، وترك التوكل على الله ، والسخط من المقدور، والحزن على ما فات ، والنياحة ، وتمني الموت لضر نزل أو مصيبة ، وعدم الرضا بالمقسوم من الرزق ، والجزع من المصائب ، والهلع ، والشح ، والضجر ، ونحو ذلك .

9 - تبين ضلال بعض الصوفية في باب الرضا بالقضاء ؛ حيث زعموا أن الرضا ثلاث درجات : رضى العامة ؛ الذي يصفونه بأنه الرضا بالرب ، وتسخط عبادة ما سواه ، والرضا عن الله في كل ما قضى وقدر ، وأن هذا من مسالك الخاصة ، وما علموا أن ذلك يدخل فيه الرضا بالمعاصي ، والكفر ، والفسوق .

والرضا الباعث على ترك الأسباب ، وإسقاط التمييز حتى لايسأل الراضي - في زعمهم - الجَنَّة ولايستعيذه من النَّار .

وقد كانت مناقشتهم في هذا البحث في ضوء نصوص كتاب الله وسنة رسوله - r - .

وإني لأرى أن تكون الأبحاث في كل فن مبنية على النصوص الشرعية وبعيدة عما يعن ويخطر من المجادلات العقليَّة الظنية ، فإن الطريق الأول : الاستضاءة بوحي الله من الكتاب والسنة هو الأسلم والأحكم وفي نفس الوقت هو الذي يوصل إلى الحقائق العقليَّة الصحيحة السليمة إن وجدت .

وأمَّا الطريق الثاني : المبني على البراهين والحجج والجدل العقلي فحسب ، بعيداً عن نور النصوص الشرعية أو لوي أعناقها وصرفها عن معانيها الحقيقية فإنه لايوصل إلى حقيقة ولايفيد الإنسان في حياته ولا في دنياه ، ولايؤهله إلى العلم الصحيح النافع.

لذا فإنني عمدت إلى هذا الأسلوب في هذا البحث راجياً الله تعالى أن ينفع به من كتبه وقرأه .

غير مدّع العصمة أو الكمال فإنه لايكمل في هذا الميدان أحد ، فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلاَّ محمد - r - وإخوانه الأنبياء ، فإن لهم العصمة من الله فيما بلغوه للناس ، ولم يُحفظ مِمَّا بلغوه الناس إلاَّ ما جاء به محمد - r - :
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـافِظُونَ }
([534]) فيجب على كل باحث مسلم أن يبني دراساته وبحوثه على هذا الذكر الذي حفظه الله للعالمين ، ليستقي النور والهداية والسداد والعلم والفهم منه ، فما من علم من علوم الدنيا والآخرة إلاَّ قد أعطاه الله ما يستحق في هذا الذكر علم ذلك من علمه وجهله من جهله ، والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

 .[i]

 

* * *

 



([1])  انظر : عدة الصابرين لابن القيم ص 124 .

([2])  من حديث أخرجه : الترمذي ، في كتاب الفتن ، باب 73 ، 4/526 ، وقال : هذا حديث غريب من هذا الوجه ، والإمام أحمد ، في المسند 2/390 ، وعبدالرحيم العرافي ، في الأربعين العشارية ص 205 ، 216 - 217 ، وذكره الهيثمي ، في مجمع الزوائد 7/281 ، وقال : { رواه أحمد ، وفيه بن لهيعة ، وفيه ضعف ، وبقية رجاله رجال الصحيح } ا هـ .

([3])  عزاه القشيري إلى أبي سليمان الداراني . انظر : الاستقامة لابن تيمية 2/65 .

([4])  نسبه ابن تيمية في الفتاوى 8/257 لابن إسرائيل الشاعر المشهور محمد بن سوار الشيباني المتوفى سنة (677 هـ) ، وترجمته في العبر 5/316 .

([5])  انظر : لسان العرب 14/323 ، 7/312 - 313 ، والمصباح المنير 1/272 .

([6])  أخرجه الحاكم في المستدرك 1/697 وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، والطبراني في المعجم الكبير 5/119 ، والنسائي في الكبرى 1/387 ، وفي المجتبى 3/55 ، وقال الألباني : صحيح .

([7])  هو : إمام النحاة ، وأول من بسط علم النحو ، لم يصنع قبله ولا بعده مثله في النحو ، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء ، ولد في إحدى قرى شيراز ، وقدم البصرة فلزم الخليل بن أحمد الفراهيدي في العربيَّة ففاقه ، ورحل إلى بغداد ، فناظر الكسائي ، وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم ، وعاد إلى الأهواز فتوفي بها عام 180 هـ ، وقيل : وفاته وقبره في شيراز ، سمي سيبويه لأن أمه كانت ترقصه وهو صغير وتقول له ذلك ، وسيبويه بالفارسية : رائحة التفاح . انظر : تأريخ بغداد 12/195 ، والبداية والنهاية 10/176 ، والأعلام 5/81 .

([8])  انظر : مختار الصحاح ص 246 .

([9])  انظر : مختار الصحاح ص 246 ، والمصباح المنير 1/272 ، ولسان العرب 14/323 .

([10])  هو : سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء ، البلخي ، ثُمَّ البصري ، النحوي ، الأخفش الأوسط ، أخذ العربيَّة عن سيبويه ، توفي سنة 215 هـ . أمَّا الأكبر فهو عبدالحميد بن عبدالمجيد ، مولى قيس بن ثعلبة ، أبو الخطاب ، من كبار العلماء بالعربيَّة ، لقي الأعراب ، وأخذ عنهم ، وأمَّا الأصغر ، فهو علي بن سليمان بن الفضل ، أبو المحاسن ، نحوي ، من أهل بغداد ، له شرح كتاب سيبويه ، وغيره ، توفي 315 هـ . انظر : سير أعلام النبلاء 10/206 ، والأعلام 3/102 ، 288 ، 4/291 .

([11])  هو : القحيف بن خمير بن سليم العقيلي ، شاعر ، عده بعض الكتاب من الطبقة العاشرة من الإسلاميين ، وكان معاصراً لذي الرمة ، توفي نحو 130 هـ . انظر : الأعلام 5/191 .

([12])  لسان العرب 14/323 - 324 .

([13])  انظر : لسان العرب 14/323 - 324 .

([14])  هو : من أئمة الأدب ، والنحو ، وله شعر ، كان المتنبي يقول : ابن جني أعرف بشعري مني ، وهو عثمان بن جني الموصلي ، المولود في الموصل بأرض العراق الآن ، أبوه كان مملوكاً رومياً لسليمان الأزدي الموصلي ، له تصانيف كثيرة في الأدب واللغة ، توفي ببغداد سنة 392 هـ . انظر : تأريخ بغداد 11/311 ، وشذرات الذهب 3/140 ، والأعلام 4/204 .

([15])  هو : أحد الأئمة في علم العربيَّة ، له فيها تصانيف متعددة ، منها المقصور والممدود ، كان متهماً بالاعتزال ، اسمه الحسن بن أحمد بن عبدالغفار ، الفارسي الأصل ، ولد في فسا من أعمال فارس ، وتجول في كثير من البلدان ، ودخل بغداد سنة 307 هـ ، وقدم حلب سنة 341 هـ ، فأقام مدة عند سيف الدولة ، وعاد إلى فارس ، فصحب عضد الدولة ابن بويه ، وتقدم عنده ، وعلمه النحو ، وصنف له الإيضاح في قواعد اللغة العربيَّة ، توفي ببغداد ، سنة 377 هـ . انظر : سير أعلام النبلاء 16/379 - 380 ، والأعلام 2/179 - 180 .

([16])  هو : إمام في اللغة ، والنحو ، والقراءة ، قرأ النحو بعد الكبر ، مؤدب الرشيد العباسي وابنه الأمين ، ثُمَّ أصبح من جلسائه ومؤانسيه ، اسمه علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء ، أصله من أولاد فارس ، ولد في إحدى قرى الكوفة ، وتعلم بها ، وتنقل في البادية ، وسكن بغداد ، وتوفي بالري سنة 189 هـ عن سبعين عاماً . انظر : تاريخ بغداد 11/403 ، والأعلام 4/283 .

([17])  انظر : لسان العرب 14/324 .

([18])  سورة المائدة : من الآية 119 ، والتوبة 100 ، والمجادلة 22 ، والبينة 8 .

([19])  انظر : لسان العرب 14/324 .

([20])  شرح السيوطي 5/187 ، ولسان العرب 14/324 .

([21])  لسان العرب 14/324 ، وشرح السيوطي 5/187 .

([22])  انظر : الزهد لابن المبارك ص 439 .

([23])  هو : العالم المتفنن ، والإمام الكبير ، الفقيه ، الأصولي ، الشافعي ، المتكلم ، الحبر ، عبدالقاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي التميمي ، الإسفراييني ، ولد ونشأ في بغداد ، ورحل إلى خراسان ، فاستقر في نيسابور ، ثُمَّ فارقها على إثر فتنة التركمان ، كان يدرس في سبعة عشر فناً ، له صولة وجولة مع القدرية والنفاة ، توفي في أسفرائين سنة 429 هـ . انظر : طبقات الشافعية الكبرى 3/238 ، والأعلام 4/48 ، وتبيين كذب المفترى ص 253 .

([24])  سورة هود : من الآية 113 .

([25])  انظر : تفسير الطبري 12/127 .

([26])  انظر : القاموس المحيط : مادة ( عتب ) .

([27])  أخرجه الطبراني في الدعاء ص 315 ، والضياء المقدسي في المختارة 9/181 .

([28])  أخرجه البخاري في كتاب التمني ، باب ما يكره من التمني ، وابن حبان في صحيحه 7/268 .

([29])  أخرجه القضاعي في مسند الشهاب مرفوعاً 2/204 ، والبيهقي في شعب الإيمان 7/360 ، والأصبهاني في دلائل النبوة 2/139 .

([30])  انظر : النهاية لابن الجزري ، باب العين مع التاء ، وشرح السيوطي 4/3 ، ولسان العرب 1/578 .

([31])  انظر : القاموس المحيط مادة ( د ق ع ) ، ولسان العرب 8/89 .

([32])  سورة الحج : من الآية 36 .

([33])  ذكره المنذري في الترغيب والترهيب برقم 233 ، وقال : { رواه البيهقي في كتاب الزهد ، ورفعه غريب } .

([34])  انظر : النهاية ( باب القاف مع النون ) ، ولسان العرب 8/297 - 298 .

([35])  انظر : مختار الصحاح ص 552 - 553 .

([36])  سورة النجم : الآية 48 .

([37])  انظر : مختار الصحاح ص 553 - 554 ، ولسان العرب 15/202 - 203 .

([38])  انظر : تفسير القرطبي 1/134 ، ولسان العرب 3/156 .

([39])  لسان العرب 1/648 .

([40])  القاموس المحيط مادة ( غ ض ب ) .

([41])  انظر : شعب الإيمان للبيهقي 7/366 .

([42])  انظر : فتح الباري 11/255 .

([43])  انظر : مختار الصحاح ص 311 ، ولسان العرب 12/295 .

([44])  انظر : لسان العرب 15/186 ، والصحاح للجوهري 6/2463 ، وتاج العروس 10/296 .

([45])  انظر : لسان العرب 15/186 .

([46])  سورة فصلت : من الآية 45 .

([47])  انظر : تفسير الطبري 24/129 .

([48])  سورة فصلت : من الآية 12 .

([49])  انظر : تفسير الطبري 24/99 .

([50])  سورة البقرة : من الآية 200 .

([51])  انظر : تفسير القرطبي 2/431 .

([52])  سورة سبأ : من الآية 14 .

([53])  تفسير الطبري 22/73 .

([54])  سورة الأنعام : من الآية 8 .

([55])  انظر : تفسير القرطبي 6/393 .

([56])  سورة القصص : من الآية 29 .

([57])  انظر : تفسير القرطبي 20/67 ، وتفسير ابن كثير 3/387 .

([58])  سورة الأنعام : من الآية 2 .

([59])  سورة طه : من الآية 72 .

([60])  انظر : تفسير الطبري 16/189 ، وتفسير ابن كثير 3/159 .

([61])  سورة الإسراء : من الآية 4 .

([62])  انظر : تفسير الطبري 15/20 ، وتفسير ابن كثير 3/25 .

([63])  سورة القصص : من الآية 15 .

([64])  انظر : الصحاح 6/2463 ، ولسان العرب 15/187 .

([65])  انظر : لسان العرب 15/186 ، وتاج العروس 10/296 .

([66])  سورة الإسراء : من الآية 23 .

([67])  انظر : تفسير الطبري 15/62 - 63 ، وابن كثير 3/34 .

([68])  انظر : لسان العرب 5/74 .

([69])  أخرجه البخاري في مواضع منها : كتاب التهجد ، باب ماجاء في التطوع مثنى مثنى حديث 1162 ، وفي التوحيد ، باب قول الله - تعالى - : {  قُلْ هُوَ ا؟لْقَاهِرُ } ، وأبو داود في أول الوتر .

([70])  سورة القمر : الآية 49 .

([71])  انظر : تفسير الطبري 27/110 .

([72])  سورة القمر : من الآية 12 .

([73])  انظر : تفسير الطبري 27/92 ، 93 .

([74])  سورة الحجر : الآية 60 .

([75])  انظر : تفسير الطبري 14/41 .

([76])  سورة القدر : الآية 1 .

([77])  انظر : لسان العرب 5/74 .

([78])  انظر : تفسير الطبري 30/182 ، ولسان العرب 5/78 .

([79])  سورة الرعد : من الآية 26 .

([80])  انظر : تفسير الطبري 13/144 .

([81])  سورة الفجر : من الآية 16 .

([82])  سورة الأعلى : الآية 3 .

([83])  انظر : تفسير الطبري 30/152 .

([84])  انظر : لسان العرب 5/77 .

([85])  سورة البقرة : من الآية 236 .

([86])  انظر : ترتيب القاموس المحيط 3/570 ، وتاج العروس 3/482 ، ولسان العرب 5/76 .

([87])  أخرجه البخاري في مواضع منها : كتاب الصيام ، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ... حديث 1899 ، ومسلم في كتاب الصيام ، باب : وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال 2/759 - 760 ، حديث 1080 .

([88])  النهاية في غريب الحديث 4/23 ، وانظر : لسان العرب 5/78 .

([89])  انظر : المفردات في غريب القرآن ص 395 .

([90])  سورة الطلاق : من الآية 3 .

([91])  سورة القمر : الآية 49 .

([92])  سورة الأحزاب : من الآية 38 .

([93])  سورة البقرة : من الآية 117 .

([94])  شفاء العليل ص 28 ، وأخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى 2/262 ، برقم 1879 ، ط دار الراية - الرياض وجدة ، تحقيق : عثمان آدم الأثيوبي .

([95])  انظر : شرح العقيدة الطحاوية ص 253 ، ولوامع الأنوار البهية ، للسفاريني 1/348 ، واالقضاء والقدر للدكتور عبدالرحمن المحمود ص 39 ، وغيرها .

([96])  سورة فاطر : من الآية 8 . وانظر : شرح العقيدة الطحاوية ص 320 .

([97])  أخرجه اللالكائي في شرح أصول أهل السنة ... وقال محقق الكتاب - د . أحمد بن سعد حمدان - : (( سنده ثقات ، ما عدا شيخ المؤلف وشيخه ، فإني لم أجدهما )) ا هـ .

([98])  أخرجه الآجري في الشريعة ص 202 ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ، وابن بطة في الإبانة (2/207) ، والطبراني من قول ابن عباس - رضي الله عنهما - في الكبير 10/260 .

([99])  لسان العرب 15/186 ، والنهاية في غريب الحديث 4/78 .

([100])  ذكر أقوال من فرق بين القضاء والقدر ، وأدلته : جمع من العلماء ، والباحثين ، أمثال الشيخ عبدالرحمن بن حسن في مجموعة التوحيد (ص 235) ، ود . عبدالرحمن المحمود في القضاء والقدر ص 39 ، ود . عمر الأشقر في القضاء والقدر ص 27 - 28 ، وغيرهم ، ولم أرَ مناسبة لذكرها هنا .

([101])  مدارج السالكين 2/177 .

([102])  مدارج السالكين 2/177 .

([103])  شعب الإيمان للبيهقي 1/227 .

([104])  التعريفات للجرجاني 2/148 ، وانظر : التعاريف للمناوي 2/366 .

([105])  أخرجه البيهقي في شعب الإيمان للبيهقي 1/222 ، هكذا من قول ابن مسعود ، وفي الأربعين الصغرى عنه مرفوعاً (2/99) ، وانظر : ص 45 هامش (3) من هذا البحث .

([106])  الرضا لابن أبي الدنيا ص 34 .

([107])  التعريف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ص 102 .

([108])  التعريف للكلاباذي ص 102 .

([109])  التعريف لمذهب أهل التصوف ص 102 .

([110])  شعب الإيمان للبيهقي 1/228 .

([111])  ‎شعب الإيمان للبيهقي 1/228 .

([112])  المرجع السابق نفسه .

([113])  هو : الزاهد الصوفي ، المجاهد ، أبو علي ، شقيق بن إبراهيم بن علي الأزدي ، البلخي ، من مشاهير مشائخ خراسان ، وهو أول من تكلم في علوم الأحوال الصوفية ، استشهد في غزوة كولان بما وراء النهر سنة 194 هـ . انظر : سير أعلام النبلاء 9/313 ، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 2/21 ، والأعلام 3/171 .

([114])  في الأصل : أربع .

([115])  حلية الأولياء 8/61 .

([116])  هو : العالم ، الأديب ، الحكيم ، اللغوي ، المفسر ، صاحب التصانيف الكثيرة ، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصفهاني ، سكن بغداد ، واشتهر حتى يقال : كان يقرن بالإمام الغزالي ، توفي سنة 502 هـ . انظر : تأريخ حكماء الإسلام للبيهقي ص 112 - 113 ،  معجم المؤلفين 4/59 ، والأعلام 2/255 .

([117])  المفردات في غريب القرآن ص 197 .

([118])  سورة الأنبياء : 23 .

([119])  انظر : إحياء علوم الدين للغزالي 4/315 .

([120])  انظر : مدارج السالكين 2/171 .

([121])  الاستقامة 2/65 .

([122])  انظر : الزهد وصفة الزاهدين لابن الأعرابي ص 34 ، والرضا عن الله لابن أبي الدنيا ص 88 .

([123])  فتح الباري 11/272 .

([124])  الرضا لابن أبي الدنيا ص 84 .

([125])  المرجع السابق نفس الصفحة .

([126])  أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 10/131 .

([127])  الرضا لابن أبي الدنيا ص 34 .

([128])  سورة الشورى : الآية 30 .

([129])  الرضا لابن أبي الدنيا ص 64 .

([130])  هي : الصالحة المشهورة ، من أهل البصرة ، أم الخير ، رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية ، لها أخبار في العبادة ، والنسك ، ولها شعر ، توفيت بالقدس سنة 135 هـ ، وقيل : بالبصرة سنة 185 هـ . انظر : وفيات الأعيان 2/285 - 288 ، والأعلام 3/10 .

([131])  التعرف لمذهب أهل التصوف ص 102 .

([132])  هو : أحد أئمة الصوفية ، وعلمائهم ، والمتكلمين فيما يسمونه علوم الإخلاص ، والرياضات وعيوب الأفعال ، أبو محمد سهيل بن عبد الله بن يونس التستري ، توفي سنة 283 هـ . انظر : حلية الأولياء 10/189 ، والأعلام 3/143 .

([133])  سورة المائدة : من الآية 119 ، والتوبة 100 ، والمجادلة 22 ، والبينة 8 .

([134])  سورة الزمر : من الآية 75 .

([135])  التعرف لمذهب أهل التصوف ص 102 .

([136])  شعب الإيمان للبيهقي 7/231 .

([137])  شعب الإيمان للبيهقي 1/228 ، 7/228 .

([138])  شعب الإيمان للبيهقي 7/228 .

([139])  هو : الإمام الحافظ ، النحوي ، الفقيه ، العلامة ، الأخباري ، أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان ، العتكي ، الأزدي ، الواسطي ، صاحب التصانيف المشهور بنفطويه ؛ سمي بذلك لتأييده مذهب سيبويه في النحو ، وهو على مذهب داود الظاهري ، توفي سنة 323 . انظر : سير أعلام النبلاء 15/75 - 77 ، وتاريخ بغداد 6/159 .

([140])  شعب الإيمان للبيهقي 7/228 .

([141])  شعب الإيمان للبيهقي 7/229 .

([142])  هو : المتصوف ، العجاج ، أبو عبد الله الساجي ، سعيد بن يزيد ، أقواله في التصوف كثيرة ، ذكر كثيراً منها أبو نعيم في الحلية 9/310 - 317 .

([143])  حلية الأولياء 9/315 .

([144])  حلية الأولياء 9/342 .

([145])  مدارج السالكين 2/175 .

([146])  مدارج السالكين 2/175 .

([147])  مفتاح دار السعادة 1/296 .

([148])  التحفة العراقية ضمن فتاوى ابن تيمية 10/43 .

([149])  الكلام على أن الحسنة من الله والسيئة من النفس ، ضمن فتاوى ابن تيمية 8/207 ، والحسنة والسيئة له أيضاً 14/301 .

([150])  الزهد وصفة الزاهدين ص 21 .

([151])  أخرجه البخاري في كتاب الرقاق ، باب الغنى غنى النفس ، ومسلم في كتاب الزكاة ، باب : ليس الغنى عن كثرة العرض 2/726 .

([152])  انظر : تحفة الأحوذي 7/36 .

([153])  شرح صحيح مسلم 17/28 .

([154])  شرح صحيح مسلم 17/28 .

([155])  انظر : الزهد وصفة الزاهدين لابن الأعرابي ص 26 .

([156])  سؤال عما ذكر عن أبي سليمان الداراني في تعريف الرضا ضمن فتاوى ابن تيمية 10/686 .

([157])  الزهد وصفة الزاهدين لابن الأعرابي ص 21 .

([158])  القناعة : الرضى بالقسمة ، وعرفاً : الاقتصار على الكفاف ، ويقال : الاجتزاء باليسير من الأعراض المحتاج إليها .

                                                                                                                                                                                               وفي اصطلاح الصوفية : السكون عند عدم المألوفات . انظر : التعاريف للمناوي 2/590 ، والقناعة للدينوي ص 40 ، والتعريفات للجرجاني 2/229 .

([159])  التمهيد لابن عبدالبر 4/111 .

([160])  هو : شاعر الغزل ، صريع الغواني ، وأول من أكثر من البديع ، أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري بالولاء ، الكوفي ، ثُمَّ البغدادي ، اتصل بالفضل بن سهل ، فولاه بريد جرجان إلى أن مات سنة 208 هـ . انظر : النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة 2/186 ، وتاريخ بغداد 13/96 .

([161])  التمهيد لابن عبدالبر 4/111 .

([162])  تفسير القرطبي 5/340 .

([163])  هو : الشاعر الفحل ، المخضرم ، أشعر هذيل من غير مدافعة ، خويلد بن خالد بن محرّث ، أدرك الجاهليَّة والإسلام ، وفد على النبي - e - ليلة وفاته ، فأدركه وهو مسجّى وشهد دفنه ، وسكن المدينة ، وعاش إلى أيام عثمان - رضي الله عنه - ، واشترك في الغزو والفتوح ، إلى أن مات بمصر أو بإفريقية نحو سنة 27 هـ . انظر : الإصابة في تمييز الصحابة 2/364 ، والاستيعاب 8/1648 ، والأعلام للزركلي 2/325 .

([164])  القناعة للدينوري ص 40 .

([165])  هو : أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهليَّة ، أبو عقيل لبيد بن ربيعة بن مالك العامري من عالية نجد ، أدرك الإسلام ، ووفد على النبي - e - ، ويعد من الصحابة ، ومن المؤلفة قلوبهم ، سكن الكوفة ، وكان كريماً ، توفي سنة 41 هـ . انظر : جمهرة أشعار العرب طبعة جامعة الإمام 1/347 ، وطبقات ابن سعد 6/20 .

([166])  القناعة للدينوري ص 40 .

([167])  سورة البينة : الآيتان 7 ، 8 .

([168])  أخرجه البخاري في كتاب الرقاق ، باب التواضع ، وابن حبان في صحيحه 2/85 ، والبيهقي في السنن الكبرى 10/219 ، وبنحوه الإمام أحمد في المسند 6/256 ، وغيرهم .

([169])  انظر : مدارج السالكين 2/171 .

([170])  انظر : مدارج السالكين 2/172 .

([171])  انظر : مدارج السالكين 2/171 .

([172])  انظر : مدارج السالكين 2/171 .

([173])  مدارج السالكين 1/135 .

([174])  مدارج السالكين 1/173 .

([175])  انظر : التحفة العراقية ضمن فتاوى ابن تيمية 10/5 ، 6 .

([176])  انظر : فتاوى ابن تيمية 17/27 ، والفوائد لابن القيم 1/93 .

([177])  انظر : التوكل على الله للباحث ص 42 ، 86 .

([178])  انظر : طريق الهجرتين 1/500 ، ومدارج السالكين 2/174 ، وشفاء العليل ص 278 ، وجواب أهل العلم ضمن فتاوى ابن تيمية 17/27 .

([179])  شعب الإيمان للبيهقي 2/110 .

([180])  سورة التوبة : الآية 59 .

([181])  تفسير ابن كثير 2/364 .

([182])  التحفة العراقية .. ضمن فتاوى ابن تيمية 10/37 .

([183])  أخرجه الحاكم في المستدرك 1/697 وقال : حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وابن حبان في صحيحه 5/305 ، والنسائي في المجتبى 3/55 ، وصححه الألباني ، وفي الكبرى 1/387 برقم 1230 ، وأبو يعلى في مسنده 3/195 ، وأحمد في المسند 5/191 ، والطبراني في مسند الشاميين 2/351 ، والدارقطني في رؤية الله 1/133 ، 134 ، 158 ، والسنة لابن أبي عاصم 1/186 ، وقال الألباني : إسناده صحيح ، رجاله كلهم ثقات .

([184])  مدارج السالكين 2/177 .

([185])  هو : شيخ الصوفية ، أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز ، البغدادي ، قيل : أول من تكلم في علم الفناء ، والبقاء ، له تصانيف في علوم القوم ، توفي سنة 286 هـ . انظر : شذرات الذهب 2/192 ، وسير أعلام النبلاء 13/421 ، وتذكرة الحفاظ 2/637 .

([186])  شعب الإيمان للبيهقي 1/217 .

([187])  مدارج السالكين 2/177 .

([188])  التحفة العراقية ضمن فتاوى ابن تيمية 10/37 .

([189])  سورة آل عمران : الآية 143 .

([190])  سورة الصف : الآيات 2 - 4 .

([191])  انظر : تفسير الطبري 28/83 ، 84 ، وتفسير ابن كثير 4/358 .

([192])  سبق تخريجه في ص 11 .

([193])  انظر : التوكل على الله للمؤلف ص 87 .

([194])  سورة البقرة : الآية 216 .

([195])  انظر : شفاء العليل لابن القيم ص 33 .

([196])  سورة الحديد : الآيتان 22 ، 23 .

([197])  انظر : تفسير الطبري 27/233 - 235 ، وتفسير ابن كثير 4/313 - 314 .

([198])  سورة التغابن : الآيات 11 - 13 .

([199])  انظر : تفسير الطبري 28/123 ، وتفسير ابن كثير 4/375 .

([200])  سورة النجم : الآية 48 .

([201])  انظر : فتح الباري 8/606 .

([202])  أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب الدليل على أن من رضي بالله رباً ... فهو مؤمن ... 1/62 ، والترمذي في كتاب الإيمان ، باب 10 ، 5/14 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وابن حبان في صحيحه في ذكر طعم الإيمان 4/592 .

([203])  أخرجه مسلم في الصلاة ، باب استحباب القول مثل قول المؤذن ... 1/288 ، والنسائي في الكبرى 1/511 ، 6/23 ، وأبو داود في كتاب الصلاة ، باب ماجاء في الدعاء بين الأذان والإقامة 1/145 ، وصححه الألباني ، وأخرجه الترمذي في باب الدعاء عند الأذان 2/27 وقال الألباني : صحيح .

([204])  سبق تخريجه ص 11 .

([205])  أخرجه البخاري - بغير هذا اللفظ - في كتاب الجنائز ، باب قول النبي e : { إنا بك لمحزونون } ، ومسلم في كتاب الفضائل ، باب رحمته بالصبيان والعيال ... 4/1807 .

([206])  أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة ، والرقائق ، والورع ، باب 59 ، 4/667 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح . قال الألباني : وهو كما قال . وأخرجه النقاش في فوائد العراقيين ، وقال محققه : { صحيح وإسناده حسن } ، وأحمد في المسند 2/293 ، ومواضع أخرى بألفاظ أخرى ، وله ألفاظ أخرى ، وأسانيد بعضها صحيح ، وبعضها حسن ، وبعضها ضعيف .

([207])  في باب التوكل ، وفي سنده يحيى بن ميمون بن عطاء ، أبو أيوب متروك ، عن علي بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف . انظر : هامش السنة لابن أبي عاصم 1/138 - 139 ، وأخرجه من نفس الطريق عن أبي سعيد أبو يعلى الموصلي في معجمه ص 101 ، وقد حكم الألباني على جميع طرقه وألفاظه في تخريجه الحديث عند تحقيق كتاب السنة لابن أبي عاصم ، وفي سلسلة الأحاديث الضعيفة ، فليرجع إلى ذلك من رغب الاستزادة .

([208])  أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/317 ، والترمذي بنحوه في كتاب القدر ، باب 17 ، وقال : هذا حديث غريب من هذا الوجه . وذكر الضياء المقدسي في مختاراته في 8/351 ، وقال : إسناده حسن بالمتابعة ، وفي 8/353 .

([209])  الجراب : الوعاء ، وقيل : المزود ، يصنع من الإهاب ، أي الجلد . انظر : لسان العرب 1/261 .

([210])  قفى : رجع . انظر : صحيح البخاري موضع هذا الحديث الرواية الأخرى .

([211])  سورة إبراهيم : من الآية 37 .

([212])  يتلبط : أي يتمرغ مضطجعاً . انظر : لسان العرب 7/388 .

([213])  في الرواية الأخرى : { أغث إن كان عندك خير } .

([214])  تحوضه : تعمل له أحواضاً حتى لايجري ظانة أنه بجريانه ينتهي .

([215])  جرهم : قبيلة من تهائم اليمن ، لحقوا بمكة ، ونزلوا على إسماعيل عليه السلام ، ولو أمر الكعبة بعد ولد نابت بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، وآخر ملوكهم الحارث مضاض بن عمرو ، أجلتهم خزاعة من مكة . انظر : معجم البلدان 5/2004 ، 442 ، وتفسير ابن كثير 4/496 ، وفتح الباري 6/548 .

([216])  كداء : بفتح أوله ، ممدود ، لايصرف لأنه مؤنث : جبل بمكة ، يقال : هو عرفة ، وقيل : هو ثنية كدي ، ولعله الصحيح . انظر : عون المعبود 5/226 ، ومعجم ما استعجم للبكري 4/1117 .

([217])  عائفاً : العائف : الكاره للشيء . انظر : منال الطالب في شرح طوال الغرائب لابن الأثير ص 530 ، ومختار الصحاح ص 466 .

([218])  الجري : الوكيل الواحد ، أو الرسول ، أو الغلام . انظر : لسان العرب 14/142 ، ومختار الصحاح ص 101 .

([219])  وهذا تسخط وعدم رضا .

([220])  العتبة : أسكفة الباب التي يوطأ عليها . انظر : مختار الصحاح ص 410 ، والمصباح المنير 1/464 .

([221])  آنس : الأنس ضد الوحشة ، والأنيس الذي يستأنس به . انظر : إكمال الإعلام بتثليث الكلام 1/54 ، المشوف المعلم 1/82 ، والمصباح المنير 1/34 .

([222])  وهذا رضا بالقدر المقضي من الرزق لهم .

([223])  الأكمة : الرابية . انظر : منال الطالب لابن الأثير ص 111 ، والمصباح المنير للفيومي 1/25 .

([224])  سورة البقرة : من الآية 127 .

([225])  أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ، باب : يزفون النسلان في المشي ، والبيهقي في الكبرى 5/98 ، والنسائي في الكبرى 5/101 وغيرهم .

([226])  أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 32 .

([227])  أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 32 .

([228])  أخرجه الترمذي في كتاب التفسير ، باب ومن سورة السجدة 5/347 ،  وقال الترمذي : { هذا حديث حسن صحيح ، وروى بعضهم هذا الحديث عن الشعبي عن المغيرة ، ولم يرفعه ، والمرفوع أصح } ، وأخرجه الطبري في تفسيره 21/304 .

([229])  أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 1/114 ، والبيهقي في شعب الإيمان 6/299 ، وذكر الضياء المقدسي في المختارة وقال : إسناده حسن . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/59 : { رواه الطبراني وفيه أيوب بن سليمان بن عبد الله بن حدلم ، ولم أعرفه ولا والده ، وبقية رجاله ثقات } .

([230])  انظر : الزهد لابن أبي عاصم 2/210 ، والزهد لابن السري 2/414 ، وأورده ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول ، عن يحيى بن كثير ص 155 .

([231])  هو : شيخ الحرم ، أحد الأئمة العباد ، عبدالعزيز بن ميمون - وقيل ابن أيمن - بن بدر ، مولى الأمير المهلب بن أبي صفرة ، الأزدي المكي ، كان على مذهب المرجئة ، مات على بدعته سنة 159 هـ . انظر : سير أعلام النبلاء 7/184 - 187 ، وطبقات ابن سعد 5/493 .

([232])  سير أعلام النبلاء 7/185 ، والجامع لأخلاق الراوي 1/177 ، وحلية الأولياء 8/192 .

([233])  هداية الحيارى لابن القيم 1/128 .

([234])  سورة إبراهيم : من الآية 7 .

([235])  سورة يونس : الآية 58 .

([236])  سورة البينة : الآيتان 7 ، 8 .

([237])  سورة المجادلة : الآية 22 .

([238])  الاستقامة 2/80 .

([239])  الأنفال : 69 .

([240])  سورة الأنفال : من الآية 12 .

([241])  سورة الليل : الآيات 5 - 10 .

([242])  أخرجه البخاري في عدة مواضع في صحيحه ، منها في تفسير سورة الليل ، ومسلم في أول كتاب القدر 4/2040 ، وابن حبان في مواضع منها 2/46 ، وغيرهم .

([243])  انظر : مدارج السالكين 2/238 ، التوكل على الله للباحث ص 88 .

([244])  سورة غافر : من الآية 60 .

([245])  سورة البقرة : من الآية 186 .

([246])  سورة الأعراف : من الآية 180 .

([247])  سورة الأعراف : من الآية 55 .

([248])  سورة الأنفال : الآية 9 .

([249])  أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/30 ، 32 بإسناد حسن في الموضعين ، انظر : المسند بتحقيق : الأرناؤوط وزملائه (1/336 ، 346) ، وابن حبان في صحيحه 11/114 ، والترمذي في كتاب التفسير ، باب : ومن سورة الأنفال ، وقال : { هذا حديث حسن غريب لانعرفه من حديث عمر إلاَّ من حديث عكرمة ... } ، ومسلم - بغير هذا اللفظ - في كتاب الجهاد والسير ، باب : الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ... 3/1383 ، 1383 .

([250])  أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب 2 ، وأحمد في المسند 2/442 ، وقال محققو المسند : { إسناده ضعيف } 15/438 ، وأبو يعلى في مسنده ، وقال المحقق الشيخ حسين أسد : { إسناده حسن } 12/10 ، والحاكم في المستدرك 1/667 ، 668 ، وصححه .

([251])  انظر : مدارج السالكين 2/238 .

([252])  انظر : مدارج السالكين 2/231 .

([253])  سورة البقرة : الآية 186 .

([254])  سورة يونس : الآية 12 .

([255])  أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 6/34 ، والقضاعي في مسند الشهاب 1/340 ، والبخاري في خلق أفعال العباد ، والبيهقي في شعب الإيمان 1/413 ، 414 ، 3/467 ، والبزار في مسنده (1/247) ، والترمذي في سننه بلفظ : (( من شغله القرآن ... )) في كتاب فضائل القرآن ، باب [25] .

([256])  انظر : مدارج السالكين 2/217 .

([257])  أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 1/80 من قول الحسن البصري ، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة 4/8391 عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي e ، والصحيح أنه من كلام الحسن ، والله أعلم .

([258])  سورة القصص : من الآية 76 - 78 .

([259])  انظر : تفسير الطبري 20/113 .

([260])  سورة القصص : من الآية 79 .

([261])  سورة القصص : من الآية 82 .

([262])  انظر : تفسير ابن كثير 3/402 .

([263])  انظر : مدارج السالكين 2/174 .

([264])  انظر : شفاء العليل ص 278 .

([265])  أخرجه الترمذي في كتاب الزهد ... ، باب ماجاء في الصبر على البلاء ، وقال : { وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه } ، وأخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن ، باب الصبر على البلاء ، وقال الألباني : { حسن } ، والشهابي في مسنده ، عن أنس عن رسول الله - e - أنه قال : { إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله - عزّوجل - إذا أحب ... } إلخ 2/170 .

([266])  هم : الفقراء الغرباء ، الذين كانوا يأوون إلى مسجد النبي - e - ، وكانت لهم في آخره صفة - مكان منقطع من المسجد مظلل يبيتون فيه - . انظر : تفسير الطبري 26/21 ، وتفسير القرطبي 8/108 ، وهامش صحيح مسلم الموضع الآتي .

([267])  أخرجه مسلم في كتاب الإمارة ، باب ثبوت الجَنَّة للشهيد 3/1511 ، وأحمد في المسند 3/270 .

([268])  أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 1/219 ، والشاشي في مسنده 2/224 ، وأبو يعلى في مسنده 2/6 ، وقال الشيخ حسين أسد : { إسناده ضعيف } ، والبزار في مسنده 3/305 ، والترمذي بنحوه في كتاب القدر ، باب ماجاء في الرضا بالقضاء 4/455 ، وقال : { هذا حديث غريب لانعرفه إلاَّ من حديث محمد بن أبي حميد ... وليس بالقوي عند أهل الحديث } . وانظر : مجمع الزوائد 2/279 .

([269])  أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 10/215 ، وقال الهيثمي : { فيه خالد بن يزيد العمري واتهم بالوضع } . مجمع الزوائد 4/74 ، وأخرجه البيهقي في الأربعين الصغرى 2/99 مرسلاً عن سفيان الثوري عن منصور عن خيثمة عن ابن مسعود ، لكن ذلك يدل أن له طريقاً آخر موصولاً غير طريق خالد بن يزيد العمري ، ولعله من قول ابن مسعود ، كما سبق ص 15 .

([270])  شفاء العليل ص 278 .

([271])  انظر : صحيح مسلم في أول كتاب الإيمان 1/37 .