4 - السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث
المؤلف : علي محمد محمد الصلابي
عدد الأجزاء : 2
مصدر الكتاب : موقع المؤلف على الإنترنت
http://www.slaaby.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
اعتنى به أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - عضو في ملتقى أهل الحديث
 

سار الجيش إلى خيبر بروح إيمانية عالية على الرغم من علمهم بمنعة حصون خيبر وشدة بأس رجالها وعتادها الحربي، وكانوا يكبرون ويهللون بأصوات مرتفعة، فطلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفقوا بأنفسهم قائلا: «أيها الناس.. إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم»(1).
وكان سيره صلى الله عليه وسلم بالجنود ليلا، فقد قال سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه -: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فسرنا ليلاً(2)، وكان عامر بن الأكوع يحدو بالقوم ويقول:
ولا تصدقنا ولا صلينا ... اللهم لولا الله ما اهتدينا
وثبت الأقدام إن لاقينا ... فاغفر فداء لك(3) ما اتقينا
إنا إذا صيح بنا أتينا ... وألقين سكينة علينا
وبالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا السائق؟» قالوا: عامر بن الأكوع.
قال: «يرحمه الله».
قال رجل -وهو عمر بن الخطاب(4)- من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا متعتنا به(5).
وعندما وصل الجيش الإسلامي بالصهباء، وهي من أدنى خيبر، صلى العصر ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا السويق، فأمر به فثري، فأكل وأكل معه الصحابة، ثم قام إلى المغرب فمضمض ثم صلى بالصحابة ولم يتوضأ(6).
__________
(4) انظر: فتح الباري (7/466). (8) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4196.
(6) انظر: الصراع مع اليهود (2/30). (2) انظر: المغازي للواقدي (2/640: 641). 

(3/482)


وكان صلى الله عليه وسلم قد بعث عباد بن بشر - رضي الله عنه - في سرية استطلاعية يتلقط أخبار العدو، ويستطلع إن كان هناك كمائن، فلقي في الطريق عينًا لليهود من أشجع فقال: من أنت؟ قال: باغٍ ابتغى أبعرة ضلت لي، أنا على إثرها، قال عباد: ألك علم بخيبر؟ قال: عهدي بها حديث، فيم تسألني عنه؟ قال: عن اليهود؟ قال: نعم، كان كنانة بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس ساروا في حلفائهم من غطفان، فاستنفروهم وجعلوا لهم ثمر خيبر سنة، فجاءوا معدين مؤيدين بالكراع والسلاح يقودهم عتبة بن بدر، ودخلوا معهم في حصونهم، وفيهم عشرة آلاف مقاتل، وهم أهل الحصون التي لا ترام، وسلاح وطعام كثير لو حصروا لسنين لكفاهم، وماء وأنى يشربون في حصونهم، ما أرى لأحد بهم طاقة، فرفع عباد بن بشر السوط فضربه ضربات، وقال: ما أنت إلا عين لهم، اصدقني وإلا ضربت عنقك. فقال الأعرابي: القوم مرعوبون منكم خائفون، وجلون لما صنعتم بمن كان بيثرب من اليهود، وقال لي
كنانة: اذهب معترضًا للطريق فإنهم لا يستنكرون مكانك واحزرهم لنا، وادن منهم كالسائل لهم ما تقوى به، ثم ألق إليهم كثرة عددنا ومادتنا، فإنهم لن يدعوا سؤلك، وعجل الرجعة إلينا بخبرهم(1).
وعندما وصل جيش المسلمين إلى مشارف خيبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قفوا. ثم قال: «اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها، وشر ما فيها»، اقدموا باسم الله، وكان يقولها لكل قرية دخلها(2).
__________
(2) انظر: المستدرك (2/100) قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي.

(3/483)


ولما أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم الليل أمر الجيش بالنوم على مشارف خيبر، ثم استيقظوا مبكرين، وضربوا خيامهم ومعسكرهم بوادي الرجيع، وهو وادي يقع بين خيبر وغطفان، حتى يقطعوا المدد عن يهود خيبر من قبيلة غطفان(1).
ولما أصبح الصبح خرجت اليهود بمساحيهم(2) ومكاتلهم(3)، فلما رأوا جيش المسلمين قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»(4).
ثالثًا: وصف تساقط حصون خيبر:
هرب اليهود إلى حصونهم وحاصرهم المسلمون، وأخذوا في فتح حصونهم واحدًا تلو الآخر، وكان أول ما سقط من حصونهم ناعم والصعب بمنطقة النطاة، وأبى النزار بمنطقة الشق، وكانت هاتان المنطقتان في الشمال الشرقي من خيبر، ثم حصن القموص المنيع في منطقة الكتيبة، وهو حصن ابن أبي الحقيق، ثم أسقطوا حصني منطقة الوطيح والسلالم(5).
__________
(1) انظر: الصراع مع اليهود (2/45).
(2) المساحي: جمع ومفردها مسحاة، والمسحاة: المجرفة من الحديد.
(3) المكاتل: جمع مكتل، وهو المقطف الكبير.
(4) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4210.
(5) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص501.

(3/484)


وقد واجه المسلمون مقاومة شديدة وصعوبة كبيرة عند فتح بعض هذه الحصون، منها حصن ناعم الذي استُشهد تحته محمود بن مسلمة الأنصاري، حيث ألقى عليه مرحب رحى من أعلى الحصن(1)، والذي استغرق فتحه عشرة أيام(2)، فقد حمل راية المسلمين عند حصاره أبو بكر الصديق، ولم يفتح الله عليه، وعندما جهد الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيدفع اللواء غدًا إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له، فطابت نفوس المسلمين، فلما صلى فجر اليوم الثالث دعا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ودفع إليه اللواء فحمله فتم فتح الحصن على يديه(3)، وكان علي يشتكي من رمد في عينيه عندما دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ(4)، ولقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم عليًّا بأن يدعو اليهود إلى الإسلام قبل أن يداهمهم، وقال له: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن تكون لك حمر النعم»(5) وعندما سأله علي: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك منعوا منكم دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله»(6).
وعندما حاصر المسلمون هذا الحصن برز لهم سيده وبطلهم مرحب وكان سببًا في استشهاد عامر بن الأكوع، ثم بارزه علي فقتله(7)، مما أثر سلبيًّا في معنويات اليهود ومن ثم هزيمتهم(8).
__________
(1) نفس المصدر، ص501. (3) انظر: الواقدي (2/657).
(3) انظر: المستدرك (3/37) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(4) مسلم (4/1872) رقم 2406. (6) مسلم (2/1872) رقم 2406.
(6) مسلم (2/1872) رقم 2405.
(7) ،9) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، 502.
(8) 10، 11) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/324).

(3/485)


ووردت مجموعة من روايات تخبر بأن عليًّا - رضي الله عنه - تترس بباب عظيم كان عند حصن ناعم بعد أن أسقط يهودي ترسه من يده، وكلها روايات ضعيفة(1)، وعدم الاعتماد عليها لا ينفي قوة علي وشجاعته، فيكفيه ما ثبت في ذلك وهو كثير(2).
توجه المسلمون إلى حصن الصعب بن معاذ بعد فتح حصن ناعم، وأبلى حامل رايتهم الحباب بن المنذر بلاء حسنًا حتى افتتحوه بعد ثلاثة أيام، ووجدوا فيه الكثير من الطعام والمتاع، يوم كانوا في ضائقة من قلة الطعام، ثم توجهوا بعده إلى حصن قلعة الزبير الذي اجتمع فيه الفارون من حصن ناعم والصعب وبقية ما فتح من حصون يهود، فحاصروه وقطعوا عنه مجرى الماء الذي يغذيه، فاضطروهم إلى النزول للقتال، فهزموهم بعد ثلاثة أيام، وبذلك تمت السيطرة على آخر حصون منطقة النطاة التي كان فيها أشد اليهود، ثم توجهوا إلى حصون منطقة الشق وبدءوا بحصن أبي فاقتحموه، وأفلت بعض مقاتلته إلى حصن نزار، وتوجه إليهم المسلمون فحاصروهم ثم افتتحوا الحصن، وفر بقية أهل الشق من حصونهم وتجمعوا في حصن القموص المنيع وحصن الوطيح وحصن السلالم، فحاصرهم المسلمون لمدة أربعة عشر يومًا حتى طلبوا الصلح(3).
وهكذا فتحت خيبر عنوة(4) استنادًا إلى النظر في مجريات الأحداث التي سقناها، وما روى البخاري(5) ومسلم(6)، وأبو داود(7) من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر وافتتحها عنوة(8).
__________
(3) انظر: الواقدي (2/658- 671).
(4) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص504.
(5) نفس المصدر، ص504. (4) مسلم (3/1427) رقم 1365.
(7) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص504.
(8) نفس المصدر، ص504. (7) انظر: مغازي الواقدي (2/699).

(3/486)


وبذلك سقطت سائر خيبر بيد المسلمين، وسارع أهل فدك في شمالي خيبر إلى طلب الصلح، وأن يسيرهم ويحقن دماءهم، وبذلوا له الأموال فوافق على طلبهم(1)، فكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وحاصر المسلمون وادي القرى، وهي مجموعة قرى بين خيبر وتيماء ليالي(2)، ثم استسلمت، فغنم المسلمون أموالا كثيرة وتركوا الأرض والنخل بيد اليهود وعاملهم عليها مثل خيبر وصالحت تيماء على مثل صلح خيبر ووادي القرى(3). وبذلك تساقطت سائر الحصون اليهودية أمام قوات المسلمين وقد بلغ قتلى اليهود في معارك خيبر ثلاثة وتسعين رجلا(4)، وسبيت النساء والذراري منهن صفية بنت حيي بن أخطب فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها(5).
واستشهد من المسلمين عشرون رجلا فيما ذكر ابن إسحاق(6)، وخمسة عشر فيما ذكر الواقدي(7).
رابعًا: الأعرابي الشهيد، والراعي الأسود، وبطل إلى النار:
__________
(2) انظر: تاريخ خليفة 85 نقلا عن ابن إسحاق. (9) زاد المعاد (3/354، 355).
(4) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص504.
(5) مسلم،كتاب النكاح (2/1045). (12) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/327).
(7) انظر: المغازي (2/700).

(3/487)


1- الأعرابي الشهيد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فآمن به، واتبعه، فقال: أهاجر معك؟ فأوصى به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر، غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا فقسمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فجاء به للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «قسم قسمته لك» قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمي هاهنا، وأشار إلى حلقه، بسهم، فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، ثم نهض إلى قتال العدو، فأُتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مقتول، فقال: «أهو هو؟» قالوا: نعم. قال: «صدق الله فصدقه». فكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته، ثم قدمه، فصلى عليه، وكان من دعائه له: «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، قُتل شهيدًا، وأنا عليه شهيد»(1).
2- الراعي الأسود: وجاء عبد أسود حبشي من أهل خيبر، كان في غنم لسيده، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح، سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، فوقع في نفسه ذكر النبي، فأقبل بغنمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا تقول؟ وما تدعو إليه؟ قال: «أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وألا تعبد إلا الله» قال العبد: فما لي إن شهدت وآمنت بالله عز وجل، قال: «لك الجنة إن مت على ذلك».
__________
(1) أخرجه النسائي (4/60)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/291)، والحاكم (3/595)، والبيهقي (4/15، 16)، وإسناده صحيح نقلا عن زاد المعاد (3/324).

(3/488)


فأسلم ثم قال: يا نبي الله، إن هذه الغنم عندي أمانة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخرجها من عندك وارمها بـ (الحصباء) فإن الله سيؤدي عنك أمانتك» ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها، فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فوعظهم وحضهم على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهود قتل فيمن قتل العبد الأسود واحتمله المسلمون إلى معسكرهم فأدخل في الفسطاط فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع في الفسطاط، ثم أقبل على أصحابه، وقال: «لقد أكرم الله هذا العبد، وساقه إلى خيبر، ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين، ولم يصل لله سجدة قط»(1).
3- بطل لكنه إلى النار: كان في جيش المسلمين بخيبر رجل لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة(2) إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار» فقالوا: أينا من أهل الجنة إن كان من أهل النار؟ فقال رجل: والله لا يموت على هذه الحال أبدًا، فاتبعه حتى جرح، فاشتدت جراحته واستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فجاء رجل إلى رسول الله فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: «وما ذاك» فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وإنه لمن أهل الجنة»(3).
خامسًا: قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه من الحبشة:
__________
(1) انظر: زاد المعاد (3/323، 324)، السيرة الحلبية (3/39).
(2) الشاذ: الذي يفارق الجماعة، الفاذ: الذي لم يختلط بالجماعة.
(3) البخاري،كتاب المغازي، باب غزوة خيبر 4207.

(3/489)


قدم جعفر بن أبي طالب وصحبه من مهاجري الحبشة على رسول الله يوم فتح خيبر، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه وقال: «ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر»، وكان صلى الله عليه وسلم قد أرسل في طلبهم من النجاشي، عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين ووافق قدومهم عليه يوم فتح خيبر، وقد رافق جعفر في قدومه أبو موسى الأشعري ومن كان بصحبته من الأشعريين(1)، فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم أبو بردة، والآخر أبو رهم، إما قال: في بضع، وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا السفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا جميعًا، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر(2).
لقد مكث جعفر وإخوانه في الحبشة بضعة عشر عامًا، نزل خلالها قرآن كثير، ودارت معارك شتى مع الكفار، وتقلب المسلمون قبل الهجرة العامة وبعدها في أطوار متباينة، حتى ظن البعض أن مهاجري الحبشة -وقد فاتهم هذا كله- أقل قدرًا من غيرهم(3).
__________
(1) انظر: معين السيرة، ص253.
(2) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم 4230، 4231.
(3) انظر: فقه السيرة للغزالي، ص350.

(3/490)


فعن أبي موسى: كان أناس يقولون لنا سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي زائرة -وكانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر- فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء: ابنة عميس، قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت، وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله، وايم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاءت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كذا وكذا، قال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان»(1). فأخذت أسماء هذا الوسام ووزعته على جميع أعضاء الوفد حيث كانوا(2)، كما قالت: يأتون أرسالاً يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في نفوسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم (3). وقد أشركهم النبي صلى الله عليه وسلم في مغانم خيبر بعد أن استأذن من الصحابة رضي الله عنهم الذين شاركوا في فتحها(4).
سادسًا: تقسيم الغنائم:
1- كانت غزوة خيبر من أكثر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم غنيمة، من حيث الأراضي والنخيل والثياب والأطعمة وغير ذلك، ومن خلال وصف كتب السيرة نلاحظ أن الغنائم تتكون من:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم 4231.
(2) انظر: فقه السيرة للغضبان، ص535. (4) مسلم، فضل الصحابة، رقم 2502، 2503.
(4) انظر: الصراع مع اليهود لأبي فارس، (3/96).

(3/491)


أ- الطعام: فقد غنم المسلمون كثيرًا من الأطعمة من حصون خيبر، فقد وجدوا فيها الشحم والزيت والعسل والسمن، وغير ذلك، فأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكل من تلك الأطعمة، ولم يخمسها(1).
ب- الثياب والأثاث والإبل والبقر والغنم، لقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسها ووضعه فيما وضعه الله فيه، ووزع أربعة أخماسها على المحاربين.
ج- السبي: لقد سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا من نساء اليهود، ووزع السبي على المسلمين، فهو غنيمة ويأخذ حكم الغنيمة.
د- أما الأراضي والنخيل فقد قسمها النبي إلى ستة وثلاثين سهمًا، وجمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك، وهو ألف وثمانمائة سهم، ووزع النصف الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهم لنوائبه، وما ينزل به من أمور المسلمين(2).
هـ- وكان من بين ما غنم المسلمون من يهود خيبر عدة صحف من التوراة فطلب اليهود ردَّها، فأمر بتسليمها إليهم، ولم يصنع صلى الله عليه وسلم ما صنع الرومان حينما فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة، وداسوها بأرجلهم، ولا ما صنع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوراة(3).
وقد أبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر فيها على أن يعملوا في زراعتها وينفقوا عليها من أموالهم، ولهم نصف ثمارها، على أن للمسلمين حق إخراجهم منها متى أرادوا، وكان اليهود قد بادروا بعرض ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن أعلم بالأرض منكم فوافق على ذلك بعد أن هم بإخراجهم منها(4).
__________
(1) المصدر نفسه (3/140). (6) المصدر نفسه (3/141، 142).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/419).
(4) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/328).

(3/492)


وقد اشترط عليهم أن يجليهم عنها متى شاء، وهنا تظهر براعة سياسة جديدة في عقد الشروط، فإن بقاء اليهود في الأرض يفلحونها يوفر للمسلمين الجنود المجاهدين في سبيل الله، ومن جهة أخرى فإن اليهود هم أصحاب الأرض وهم أدرى بفلاحتها من غيرهم، فبقاؤهم فيها يعطي ثمرة أكثر وأجود وبخاصة أنهم لن يأخذوا أجرًا، ولكنهم سيأخذون نصف ما يخرج من الأرض قل أو كثر.
وقد ضمن الرسول -بشرط إجلائهم متى شاء المسلمون- إخضاعهم وكسر شوكتهم؛ لأنهم يعلمون إذا فعلوا شيئًا يضر بالمسلمين سيطردونهم منها، ولا يعودون إليها أبدًا.
وقد حدث ذلك فعلا في عهد سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث اعتدوا على عبد الله ابن عمر ففدعوا يديه من المرفقين، وكانوا قبل ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم اعتدوا على عبد الله بن سهل فقتلوه، فلما تحقق عمر من غدرهم وخيانتهم أمر بإجلائهم(1). وحاول يهود خيبر أن يخفوا الفضة والذهب وغيبوا مسكًا(2) لحيي بن أخطب، وكان قد قتل مع بني قريظة، وكان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعية عم حيي بن أخطب: أين مسك حيي بن أخطب؟ قال: أذهبته الحروب والنفقات(3).
__________
(1) انظر: تأملات في سيرة الرسول، لمحمد سيد الوكيل، ص228، 229.
(2) المسك: الجلد عامة أو جلد السلخة خاصة (السلخة ولد الشاة).
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/326).

(3/493)


فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير بن العوام، فمسه بعذاب، وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة، فقال عمه: قد رأيت حييًا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المسك في الخربة(1). وبعد الاتفاق الذي تم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهود خيبر على إصلاح الأرض جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة خرصه(2)، وأرادوا أن يرشوه فقال: يا أعداء الله تطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليَّ، ولأنتم أبغض الناس إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض(3).
لقد أصبحت خيبر ملكًا للمسلمين وصارت موردًا مهمًّا لهم، قال ابن عمر - رضي الله عنه -: ما شبعنا حتى فتحت خيبر(4)، وقد تحسن الوضع الاقتصادي بعد خيبر، ورد المهاجرون المنائح التي أعطاهم إياها الأنصار(5) من النخل.
سابعًا زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفية بنت حيي بن أخطب:
__________
(1) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ، ص424.
(2) الخرص: الحرز والحدس والتخمين، وخرص العدد: قدره تقديرًا بظن لا إحاطة.
(3) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، (المغازي)، ص424.
(4) البخاري، كتاب المغازي، غزوة خيبر رقم 4243.
(5) انظر: معين السيرة، ص352.

(3/494)


لما فتح المسلمون القموص -حصن بني أبي الحقيق- كانت صفية في السبي فأعطاها دحية الكلبي، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قومها، وهي ما تصلح إلا لك، فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم ما أشار به الرجل، وقال لدحية، خذ جارية من السبي غيرها(1)، ثم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها وجعل عتقها صداقها(2)، ثم تزوجها بعد أن طهرت من حيضتها(3)، وبعد أن أسلمت.
ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها، فحملها وراءه فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها، فأبت عليه، فوجد في نفسه، فلما كان بالصهباء نزل بها هناك فمشطتها أم سليم، وعطرتها، وزفتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبنى بها، فسألها: «ما حملك على الامتناع من النزول أولا» فقالت: خشيت عليك من قرب اليهود، فعظمت في نفسه، ومكث رسول الله بالصهباء ثلاثة أيام، وأولم عليها ودعا المسلمين،
وما كان فيها من لحم وإنما التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ له خلفه ومد عليها الحجاب، فأيقنوا أنها إحدى أمهات المؤمنين(4).
وقد كانت أم المؤمنين صفية بنت حيي قد رأت رؤية، فقد روى البيهقي -رحمه الله- بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما في حديث طويل قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعين صفية خضرة، فقال: «يا صفية ما هذه الخضرة؟» فقالت: كان رأسي في حجر ابن حقيق، وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرًا وقع في حجري، فأخبرته بذلك فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب(5).
__________
(1) ، 5) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/383).
(3) انظر: الصراع مع اليهود (3/101).
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/384).
(5) انظر: السنن الكبرى (9/138) نقلا عن الصراع مع اليهود (3/103).

(3/495)


وهكذا صدق الله رؤيا صفية رضي الله عنها، وأكرمها بالزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعتقها من النار، وجعلها أمًّا للمؤمنين، وزوجًا في الجنة لخاتم الأنبياء والمرسلين(1)، وقد أكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية الإكرام، وكان يجلس عند بعيره فيضع ركبته لتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب، وقد بلغ من أدبها أنها كانت تأبى أن تضع رجلها على ركبته، فكانت تضع ركبتها على ركبته وتركب(2).
وهذه صفية رضي الله عنها تحدثنا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول: ما رأيت أحدًا قط أحسن خلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد رأيته ركب بي في خيبر، وأنا على عجر ناقته ليلاً، فجعلت أنعس، فتضرب رأسي مؤخرة الرحل، فيمسني بيده، ويقول: «يا هذه مهلاً» (3). وعن صفية رضي الله عنها أنها بلغها عن عائشة وحفصة أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفية، نحن أزواجه وبنات عمه، فدخل عليها صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «ألا قلتِ: وكيف تكونان خير مني وزوجي محمد وأبي هارون، وعمي موسى»(4).
__________
(1) انظر: الصراع مع اليهود (3/122). (2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/384).
(3) انظر: السيرة الحلبية (3/45). (4، 5) انظر: شرح المواهب اللدنية (2/233).

(3/496)


لقد تأثرت صفية بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح صلى الله عليه وسلم أحب إليها من أبيها وزوجها والناس أجمعين، بل أصبح أحب إليها من نفسها، تفديه بكل ما تملك حتى نفسها، وإذا ألم به مرض تمنت أن يكون فيها، وأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمًا معافى، فقد أخرج ابن سعد -رحمه الله- بإسناد حسن عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - قال: اجتمع نساؤه صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية رضي الله عنها: إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمز بها أزواجه، فأبصرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مضمضن»، فقلن: من أي شيء فقال: «من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة»(1).
ومما له صلة بزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيي، حراسة أبي أيوب الأنصاري لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أن دخل بصفية، فعن ابن إسحاق أنه قال: ولما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بخيبر، أو ببعض الطريق.. فبات بها رسول الله في قبة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد أخو بني النجار متوشحًا سيفه، يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيف بالقبة، حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى مكانه قال: «ما لك يا أبا أيوب؟» قال: يا رسول الله، خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك(2)، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمله الذي ينبئ على غاية الحب، والإيمان، وقال: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحرسني»(3).
__________
(1) انظر: زاد المعاد (3/328).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/385).

(3/497)


وكان زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية فيه حكمة عظيمة، فهو لم يرد بزواجه منها قضاء شهوة، أو إشباعًا لغريزة، كما يزعم الأفاكون، وإنما أراد إعزازها وتكريمها، وصيانتها من أن تفترش لرجل لا يعرف لها شرفها ونسبها في قومها، وهذا إلى ما فيه من العزاء لها، قد قتل أبوها من قبل، وزوجها وكثير من قومها، ولم يكن هناك أجمل مما صنعه الرسول معها، كما أن فيه رباط المصاهرة بين النبي واليهود عسى أن يكون هذا ما يخفف من عدائهم للإسلام والانضواء تحت لوائه والحد من مكرهم وسعيهم بالفساد(1)، وكانت أم المؤمنين صفية عاقلة وحليمة، وصادقة، يروى أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث إليها فسألها عن ذلك، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحمًا فأنا أصلها، فقبل منها، ثم قالت للجارية: ما حملك على هذا؟ قالت: الشيطان، فقالت لها: اذهبي فأنت حرة.
وكانت وفاتها في رمضان سنة خمسين للهجرة في زمن معاوية، وقيل سنة اثنتين وخمسين رضي الله عنها وأرضاها(2).
ثامنًَا: محاولة أثيمة لليهود.. الشاة المسمومة:
__________
(2) 2، ) المصدر نفسه (2/385).

(3/498)


قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود» فجمعوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني سائلكم عن شيء فهل أنت صادقي عنه؟». فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أبوكم؟». قالوا: أبونا فلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبتم بل أبوكم فلان». فقالوا: صدقت وبررت. فقال: «هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أهل النار؟». فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوننا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اخسؤوا فيها والله لا نخلفكم فيها أبدًا». ثم قال لهم: «فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟». قالوا: نعم. فقال: «هل جعلتم في الشاة سمًّا». فقالوا: نعم. فقال: «ما حملكم على ذلك؟». فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك(1).
قال صاحب بلوغ الأماني عن الشاة المسمومة: أهدتها إليه زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم، وكانت سألت أي عضو من الشاة أحب إليه؟ فقيل: الذراع، فأكثرت فيها من السم، فلما تناول الذراع لاك منها مضغة، ولم يسغها، وأكل منها معه بشر بن البراء فأساغ لقمة ومات منها(2).
__________
(1) البخاري، كتاب الجهاد والسير (4/79) رقم 3169.
(2) انظر: بلوغ الأماني بحاشية الفتح الرباني (21/123).

(3/499)


وفي مغازي عروة: فتناول الذراع فانتهش منها، وتناول بشر عظمًا آخر، فانتهش منه، فلما أرغم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرغم بشر ما في فيه، فقال رسول الله: ارفعوا أيديكم، فإن كتف الشاة تخبرني أني قد بغيت فيها، فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، ولم يمنعني أن ألفظها إلا أني كرهت أن أنغص طعامك، فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا أكون رغمتها وفيها بغي(1).
وقال ابن القيم: وجيء بالمرأة إلى رسول الله فقالت: أردت قتلك، فقال: «ما كان الله ليسلطك علي» قالوا: ألا تقتلها؟ قال: «لا» ولم يتعرض لها، ولم يعاقبها، واحتجم على الكاهل، وأمر من أكل منها فاحتجم، فمات بعضهم(2).
وقد اختلف في قتل المرأة والصحيح أنه لما مات بشر قتلها(3)، ولقد كان السم الذي وضعته اليهودية قويًّا جدًّا إذ مات بشر بن البراء فورًا، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاوده ألم السم حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها(4). وقد روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرض موته الذي مات فيه: «يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري(5) من ذلك السم»(6).
تاسعًا: الحجاج بن علاط السلمي وإرجاع أمواله من مكة:
__________
(1) انظر: مغازي رسول الله، لعروة بن الزبير، ص198.
(2) ،4) زاد المعاد (3/336).
(4) انظر: الصراع مع اليهود (3/121).
(5) أبهري: عرق مستبطن بالظهر متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه.
(6) صحيح البخاري بشرح فتح الباري (9/159- 196) طبعة الحلبي.

(3/500)


عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله إن لي بمكة مالاً، وإن لي بها أهلاً، وإني أريد أن أكاتبهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك، وقلت شيئًا؟ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما يشاء فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا، أو أصيبت أموالهم، قال: ففشا ذلك في مكة فانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا، قال: وبلغ الخبر العباس - رضي الله عنه - فقعد، وجعل لا يستطيع أن يقوم.
قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري عن مقسم قال: فأخذ ابنًا له يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له، قثم، فاستلقى فوضعه على صدره وهو يقول:
شبيه ذي الأنف الأشم ... حبي قثم، حبي قثم
برغم أنف من رغم ... نبي رب ذي النعم
قال ثابت بن أنس: ثم أرسل غلامًا له إلى الحجاج فقال: ويلك ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به، قال: فقال الحجاج بن علاط لغلامه: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فيخل لي في بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره، فجاءه غلامه، فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، قال: فوثب العباس فرحًا، حتى قبل بين عينيه، فأخبره بما قال الحجاج، فأعتقه، قال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول

(4/1)


الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي، فأخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها، وتكون زوجته(1)، ولكني جئت لمالي، وإني استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لي، فأخف عليَّ يا أبا الفضل ثلاثًا، ثم اذكر ما شئت(2)، فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع فجمعه، فدفعته إليه، ثم انشمر به، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل، لا يخزيني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقًا، قال فإني صادق، الأمر على ما أخبرتك، فقال: ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون إذ مر بهم: لا يصيبك إلا خيرًا يا أبا الفضل، قال لهم: لم يصبني إلا خير بحمد الله، قد أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر قد فتحها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وجرت فيها سهام الله، واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عليه ثلاثًا، وإنما جاء ليأخذ ماله، وما كان له من شيء هاهنا، ثم يذهب، قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بيته مكتئبًا حتى أتوا العباس، فأخبرهم الخبر، وسر المسلمون ورد الله تبارك وتعالى ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين(3)
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص459. (2) انظر: تاريخ الذهبي (المغازي)، ص439.
(3) أخرجه أحمد في المسند (3/138، 139) عبد الرزاق في المصنف رقم 9771، وأبو يعلى برقم 3479، والبيهقي في السنن (9/151)، والدلائل (4/5266، 5267) وقال الهيثمي في المجمع (6/154، 155) رواه أحمد، وأبو يعلي، والبزار والطبراني، ورجاله رجال الصحيح، وقال ابن كثير في البداية (4/23) عن سند أحمد: وهذا الإسناد على شرط الشيخين، نقلا عن صحيح السيرة النبوية، ص460.

(4/2)


. وفي هذا الخبر فقه غزير منه: جواز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره، إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجاج بن علاط على المسلمين، حتى أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت المسلمين من ذلك الكذب، وأما ما نال من بمكة من المسلمين من الأذى والحزن، بمفسدة يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولاسيما تكميل الفرح والسرور، وزيادة الإيمان الذي حصل بالخبر الصادق بعد هذا الكذب، فكان الكذب سببًا في حصول هذه المصلحة الراجحة.
عاشرًا: بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالغزوة:
وردت في غزوة خيبر أحكام شرعية كثيرة منها:
1- تحريم أكل لحوم الحمر الأنسية: عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية(1).
2- حرمة وطء السبايا الحوامل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره» (2).
3- حرمة وطء السبايا غير الحوامل قبل استبراء الرحم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها» (3).
والاستبراء إنما يكون بأن تطهر من حيضة واحدة فقط، ولا تجب عليها العدة وإن كانت متزوجة من كافر سواء مات أو بقي حيًّا؛ لأن العدة وفاء الزوج الميت وحداد عليه، ولا يحد على الكافر كما علمت(4).
__________
(1) انظر: زاد المعاد (4/122، 123) البخاري، كتاب المغازي رقم 4215.
(2) انظر: الطبقات (2/113). (2) انظر: الروض الأنف (4/41).
(4) انظر: الصراع مع اليهود (3/134).

(4/3)


4- حرمة ربا الفضل: عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل تمر خيبر هكذا؟» فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة، فقال: «لا تفعل بِِعِ الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا»(1). فالتفاضل مع اتحاد الجنس هو ربا الفضل، إذ اشترى صاعًا بأكثر من صاع، فالزيادة هنا هي الربا، وهذا محرم، كما رأيت إذ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأرشد إلى الحل السليم بأن يبيع ما لديه من تمر ثم يشتري بما لديه من نقود ما يشتهي من تمر؛ لأن الحاجة قد تدفع صاحبها إلى قبول الربا(2).
5- حرمة بيع الذهب بالذهب العين، وتبر الفضة بالورق العين: روى عن عبادة بن الصامت أنه قال: نهانا رسول الله يوم خيبر أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين، وتبر الفضة بالورق العين، وقال «ابتاعوا تبر الذهب بالورق والعين، وتبر الفضة بالذهب والعين»(3). والمراد من الحديث: أن يباع الذهب بالذهب مثلاً بمثل والفضة بالفضة مثلاً بمثل، بلا زيادة ولا نقص، وعندما يقابل الذهب بالفضة لا تشترط المماثلة، كما هو معلوم وثابت في الصحاح(4).
6- مشروعية المساقاة والمزارعة: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر لليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها(5).
__________
(1) البخاري كتاب المغازي رقم 4244.
(2) انظر: الصراع مع اليهود (3/134).
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف (4/41).
(4) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص321.
(5) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4248.

(4/4)


وقد تساءل بعض الباحثين: لِمَ جاءت أحكام هذه البيوع في خيبر وما الحكمة من ذلك؟ وأجاب الشيخ محمد أبو زهرة على هذا فقال: إن فتح خيبر كان فتحًا جديدًا بالنسبة للعلاقات المالية التي يجري في ظلها التبادل المالي، فكانت فيها شرعية المزارعة والمساقاة ولم تكن تجري كثيرًا في يثرب(1).
7- حل أكل لحوم الخيل: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر، ورخص في الخيل(2).
8- تحريم المتعة: عن علي - رضي الله عنه - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأنسية(3).
__________
(1) انظر: خاتم النبيين (2/1104)، الصراع مع اليهود (3/136).
(2) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4219.
(3) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4216.

(4/5)


9- مشاركة المرأة في غزوة خيبر: روت أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار فقلن: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا -وهو السير إلى خيبر- فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: على بركة الله، قالت: فخرجنا معه، قالت: فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله، قالت: وإذا بها دم مني وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: «ما لك؟ لعلك نفست؟» قالت: قلت: نعم؟ قال: «فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك» قالت: فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدًا(1)، وكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها، قالت: وكانت لا تطهر من حيضها، إلا جعلت في طهرها ملحًا، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت(2). وهي صورة حية أمام كل فتاة مسلمة، تحرص على أن تشارك في أجر الجهاد مع المسلمين(3).
وهكذا كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تعليمًا وتربية للأمة في السلم والحرب على معاني العقيدة وحقيقة العبادة، وهذا غيض من فيض وجزء من كل.
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/205).
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/372، 373).
(3) انظر: فقه السيرة لمنير الغضبان، ص534.

(4/6)


هذا وقد أحدث فتح خيبر وفدك ووادي القرى وتيماء دويًّا هائلاً في الجزيرة العربية بين مختلف القبائل، وقد أصيبت قريش بالغيظ والكآبة إذ لم تكن تتوقع ذلك، وهي تعلم مدى حصانة قلاع يهود خيبر، وكثرة مقاتليهم ووفرة سلاحهم ومؤونتهم ومتاعهم(1)، أما القبائل العربية الأخرى المناصرة لقريش فقد أدهشها خبر هزيمة يهود خيبر وخذلها انتصار المسلمين الساحق؛ ولذلك فإنها جنحت إلى مسالمة المسلمين وموادعتهم بعد أن أدركت عدم جدوى استمرارها في عدائهم، مما فتح الباب واسعًا لنشر الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، بعد أن تعززت مكانة المسلمين في أعين أعدائهم إلى جانب ما تحقق له من خير وتعزيز لوضعهم الاقتصادي(2).
واستمرت حركة السرايا بعد خيبر، وكانت كثيرة، وأمر عليها صلى الله عليه وسلم كبار الصحابة، وكان في بعضها قتال، ولم يكن في بعضها قتال(3).
__________
(1) انظر: نضرة النعيم، (1/353).
(2) المصدر نفسه، (1/353).
(3) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص221.

(4/7)


المبحث الثاني : دعوة الملوك والأمراء
أولا: كان صلح الحديبية إيذانًا ببداية المد الإسلامي:
فقد انساح هذا المد إلى أطراف الجزيرة العربية بل تجاوزها إلى ما وراء حدود الجزيرة العربية فمنذ (أن عقد الرسول صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع قريش وما تلا ذلك من إخضاع يهود شمال الحجاز في خيبر ووادي القرى وتيماء وفدك إلى سيادة الإسلام، فإن الرسول لم يأل جهدا لنشر الإسلام خارج حدود الحجاز، وكذلك خارج حدود الجزيرة العربية، وقد عبر عليه الصلاة والسلام عن هذا المنهج قولاً وعملاً من خلال إرساله عددًا من الرسل والمبعوثين إلى أمراء الجزيرة العربية وإلى ملوك العالم المعاصر خارج الجزيرة العربية.
وتعد هذه الخطوة نقطة تحول هامة في تاريخ العرب والإسلام ليس لأن الرسول سوف يوحد عرب الجزيرة العربية تحت راية الإسلام فحسب، ولكن لأن هؤلاء العرب بعد أن اعتنقوا الإسلام وتمثلوا رسالة السماء أنيط بهم حمل الدعوة الإسلامية إلى البشرية كافة)(1).
ويشير المنهج النبوي في دعوة الزعماء والملوك إلى ما يجب أن تكون عليه وسائل الدعوة، فإلى جانب دعوة الأمراء والشعوب، اختار الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوبًا جديدًا من أساليب الدعوة وهو مراسلة الملوك ورؤساء القبائل، وكان لأسلوب إرسال الرسائل إلى الملوك والأمراء أثر بارز في دخول بعضهم الإسلام وإظهار الود من البعض الآخر، كما كشفت هذه الرسائل مواقف بعض الملوك والأمراء من الدعوة الإسلامية ودولتها في المدينة؛ وبذلك حققت هذه الرسائل نتائج كثيرة، واستطاعت الدولة الإسلامية من خلال ردود الفعل المختلفة تجاه الرسائل أن تنتهج نهجًا سياسيًّا وعسكريًّا واضحًا ومتميزًا(2)، وإليك أهم هذه الرسائل:
1- فقد وردت رواية صحيحة(3) تضمنت نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعثه مع دحية الكلبي إلى هرقل عظيم الروم(4)، وذلك في مدة هدنة الحديبية وهو كما يلي:
__________
(1) انظر: السفارات النبوية، د. محمد العقيلي، ص15.
(2) انظر: العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية، د. سعيد المهجر، ص112.
(3) مسلم (3/1393- 1397) رقم 1773.
(4) انظر: نضرة النعيم (1/344) اعتمدت عليه في توثيق مصادر الرسائل.

(4/8)


«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت عليك إثم الأريسيين، ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [آل عمران: 64](1)».
ولقد تسلم هرقل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ودقق في الأمر كما في الحديث الطويل المشهور بين أبي سفيان وهرقل المروي في الصحيحين حين سأله عن أحوال النبي، وقال بعد ذلك لأبي سفيان: (إن كان ما تقول فيه حقًّا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه) (2).
2- أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب إلى كسرى ملك الإمبراطورية الفارسية، مع عبد الله بن حذافة السهمي، (أمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين(3) فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمَّزقوا كل ممزق)(4)، ونص الرسالة كما أورده الطبري كالتالي:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلى الناس كافة، لينذر من كان حيًّا، أسلِمْ تسلَمْ، فإن أبيت عليك إثم المجوس» (5).
__________
(1) مسلم شرح النووي، كتاب الجهاد، كتب النبي (12/107).
(2) مسلم (3/1393) رقم 1773.
(3) شرح المواهب اللدنية (3/341).
(4) البخاري مع فتح الباري (8/26) رقم 4424، وكانت الرسالة في محرم سنة 7هـ، كما في زاد المعاد.
(5) انظر: تاريخ الطبري (2/654، 655).

(4/9)


3- أما كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة فقد أرسله مع عمرو بن أمية الضمري وقد جاء في الكتاب:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت به، فخلقه من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة عن طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى»(1).
4- أما كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس حاكم مصر(2)، وكذلك رد المقوقس إليه(3)، فلم تثبت من طرق صحيحة، ولا يعني ذلك نفي إرسال الكتاب إليه، كما أن ذلك لا يعني الطعن بصحة النصوص من الناحية التاريخية، فربما تكون صحيحة من حيث الشكل والمضمون غير أنها لا يمكن أن يحتج بها في السياسة الشرعية(4). فلقد أورد محمد بن سعد في طبقاته(5) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى المقوقس جريح بن مينا ملك الإسكندرية وعظيم القبط، كتابًا مع حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، وأنه قال خيرًا وقارب الأمر، غير أنه لم يسلم وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم عدة هدايا كان بينها مارية القبطية، وأنه لما ورد جواب المقوقس إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ضن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه»(6).
__________
(1) انظر: نصب الراية للزيلعي (4/421) نقلا عن نضرة النعيم (1/346).
(2) 7 ، 8) انظر: نضرة النعيم (1/346).
(4) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/459). (2) انظر: الطبقات الكبرى (1/260، 261).
(6) البداية والنهاية (5/340). (4، 5) انظر: تاريخ الطبري (2/652).

(4/10)


5- وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخا بني أسد بن خزيمة، برسالة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق(1)، حين عودته والمسلمين من الحديبية، وقد تضمن نص الرسالة قوله: سلام على من اتبع الهدى، وآمن به، إني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يُبقى لك ملكك(2).
6- وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سليط بن عمرو العامري بكتاب إلى هوذة بن علي الحنفي(3) عند مقدمه من الحديبية، وقد اشترط هوذة الحنفي على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قراءته رسالته إليه أن يجعل له بعض الأمر معه، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل ذلك(4).
7- وأرسل صلى الله عليه وسلم أبا العلاء الحضرمي(5) بكتابه إلى المنذر بن ساوي العبدي أمير البحرين بعد انصرافه من الحديبية، ونقلت المصادر التاريخية أن المنذر قد استجاب لكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وأسلم معه جميع العرب بالبحرين، فأما أهل البلاد من اليهود والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية من كل حالم دينار(6)، ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام نص كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوي برواية عروة بن الزبير، وجاء فيه:
«سلام أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة الرسول، فمن أحب ذلك من المجوس فإنه آمن ومن أبى فإن الجزية عليه»(7).
__________
(3) كان صاحب اليمامة، ومات بعد فتح مكة بقليل.
(4) انظر: نصب الراية (4/425)، إعلام السائلين، ابن طولون، ص105، 107.
(5) انظر: صبح الأعشي للقلقشندي (6/368).
(6) الزيلعي تخريج أحاديث الهداية (4/419، 420).
(7) الأموال لأبي عبيد، ص28. (2) انظر: صبح الأعشي (6/376).

(4/11)


وفي ذي القعدة سنة 8هـ بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص بكتابه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين بعمان(1)، وقد جاء فيه: «من محمد النبي رسول الله لعباد الله الأسبذيين ملوك عمان، وأسد عمان، ومن كان منهم بالبحرين إنهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا حق النبي صلى الله عليه وسلم، ونسكوا نسك المؤمنين، فإنهم آمنون وأن لهم ما أسلموا عليه، غير أن مال بيت النار ثنيا لله ورسوله، وأن عشور التمر صدقة، ونصف عشور الحب، وأن للمسلمين نصرهم ونصحهم، وأن لهم على المسلمين مثل ذلك، وأن لهم أرحاءهم يطحنون بها ما شاءوا»(2).
وأوردت المصادر بعد ذلك عددًا كبيرًا من المرويات عن رسائل أخرى لم تثبت من الناحية الحديثية(3).
ثانيًا: دروس وعبر وفوائد:
1- الأريسيون:
وردت كلمة (الأريسيين) أو (اليريسيين) -على اختلاف الروايات- في الكتاب الذي وجه إلى هرقل وحده، ولم ترد في كتاب من الكتب التي أرسلت إلى غيره، واختلف علماء الحديث واللغة من مدلول هذه الكلمة، فالقول المشهور أن (الأريسيين) جمع (أريسي) وهم الخول، والخدم والأكارون(4).
وذهب العلامة أبو الحسن الندوي إلى أن المراد بالأريسيين هم أتباع (أريوس) المصري وهو مؤسس فرقة مسيحية كان لها دور كبير في تاريخ العقائد المسيحية والإصلاح الديني، وقد شغلت الدولة البيزنطية والكنيسة المسيحية زمنًا طويلاً، و(أريوس) هو الذي نادى بالتوحيد، والتمييز بين الخالق والمخلوق والأب والابن على حد تعبير المسيحيين، لعدة قرون(5).
__________
(2) انظر: الأموال لأبي عبيد، ص28، 29. (4) انظر: نضرة النعيم (1/348).
(4) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص304. (6)المصدر نفسه، ص305.

(4/12)


ودامت عقيدة (أريوس) ودعوته تصارعان الدعوة المكشوفة إلى تأليه المسيح وتسويته بالإله الواحد الصمد، وكانت الحرب سجالاً، وقد دان بهذه العقيدة عدد كبير من النصارى في الولايات الشرقية من المملكة البيزنطية إلى أن عقد تيوسورس الكبير مجمعًا مسيحيًّا في القسطنطينية قضى بألوهية المسيح وابنيته، وقضى هذا الإعلان على العقيدة التي دعا إليها (أريوس) واختفت، ولكنها عاشت بعد ذلك، ودانت بها طائفة من النصارى، اشتهرت بالفرقة الأريسية أو الأريسيين، فمن المرجح المعقول أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنى هذه الفرقة بقوله: «فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين» فإنها هي القائمة بالتوحيد النسبي في العالم المسيحي الذي تتزعمه الدولة البيزنطية العظمى، التي كان على رأسها (هرقل)(1).
وقد تحدث الإمام أبو جعفر الطحاوي عن هذه الفرقة فقال: وقد ذكر بعض أهل المعرفة بهذه المعاني أن في رهط هرقل فرقة تعرف بالأروسية، توحد الله، وتعترف بعبودية المسيح له عز وجل، ولا تقول شيئًا مما يقول النصارى في ربوبيته وتؤمن بنبوته، فإنها تمسك بدين المسيح مؤمنة بما في إنجيله، جاحدة لما يقوله النصارى سوى ذلك، وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يقال لهذه الفرقة (الأريسيون) في الرفع، (الأريسيين) في النصب والجر، كما ذهب إليه أصحاب الحديث)(2).
2- اعتبارات حكيمة خاصة بالملوك:
__________
(1) وقد ذهب إلى ما ذهب إليه العلامة الندوي، الدكتور معروف الدواليبي في الأريسيين، ويؤيد ما قاله الندوي أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عني بقوله: فإن توليت عليك إثم (اليريسيين) أتباع أريوس الفرق المسيحية الوحيدة القائلة ببشرية المسيح النافية لألوهيته وقد جاء هذا البحث القيم في رسالة نظرات إسلامية، ص68- 83، انظر: السيرة النبوية، ص307.
(2) انظر: مشكل الآثار (3/399)

(4/13)


في رسائل رسول الله صلى الله عليه وسلم للملوك فوارق دقيقة مؤسسة على حكمة الدعوة، روعي فيها ما يمتاز به هؤلاء الملوك في العقائد التي يدينون بها، (والخلفيات) التي يمتازون بها، فلما كان هرقل والمقوقس يدينان بألوهية المسيح كليًّا أو جزئيًّا، وكونه ابن الله، جاءت في الكتابين اللذين وجها إليهما كلمة (عبد الله) مع اسم النبي صلى الله عليه وسلم صاحب هاتين الرسالتين، فيبتدئ الكتابان بعد التسمية بقوله: «من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم» وبقوله: «من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط» بخلاف ما جاء في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى كسرى أبرويز، فاكتفى بقوله: «من رسول الله إلى عظيم الفرس». وجاءت كذلك آية ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [آل عمران: 64] في هذين الكتابين، وما جاءت في كتابه إلى كسرى أبرويز لأن الآية تخاطب أهل الكتاب الذين دانوا بألوهية المسيح، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم، وقد كان هرقل إمبراطور الدولة البيزنطية والمقوقس حاكم مصر قائدين سياسين، وزعيمين دينيين كبيرين للعالم المسيحي، مع اختلاف يسير في الاعتقاد في المسيح هل له طبيعة أم طبيعتان(1).
__________
(1) انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي، ص38، 39.

(4/14)


ولما كان كسرى أبرويز وقومه يعبدون الشمس والنار، ويدينون بوجود إلهين، أحدهما يمثل الخير وهو يزدان، والثاني يمثل الشر وهو أهرمن، وكانوا بعيدين عن مفهوم النبوة والتصور الصحيح للرسالة السماوية، جاءت في الكتاب الذي وجه إلى الإمبراطور الإيراني عبارة: «وأني رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيًّا»(1).
وقد كان تلقي الملوك لهذه الرسائل يختلف، فأما هرقل والنجاشي والمقوقس، فتأدبوا، وتلطفوا في جوابهم وأكرم (النجاشي والمقوقس رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل المقوقس هدايا منها جاريتان كانت إحداهما مارية أم إبراهيم ابن رسول الله، وأما كسرى إبرويز فلما قرئ عليه الكتاب مزقه وقال: (يكتب إليَّ هذا وهو عبدي؟) فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مزق الله ملكه»(2).
وأمر كسرى باذان وهو حاكمه على اليمن بإحضاره، فأرسل بابويه يقول له: إن ملك الملوك قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله(3).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص290.
(2) انظر: تاريخ الطبري (3/90).
(3) انظر: تاريخ الطبري (3/90، 91).

(4/15)


وقد تحقق ما أنبأ به رسول الله بكل دقة، فقد استولى على عرشه ابنه (قباذ) الملقب بـ (شرويه) وقتل كسرى ذليلا مهانًا بإيعاز منه سنة 628م، وقد تمزق ملكه بعد وفاته، وأصبح لعبة في أيدي أبناء الأسرة الحاكمة، فلم يعش (شرويه) إلا ستة أشهر، وتوالى على عرشه مدة أربع سنوات عشرة ملوك، واضطرب حبل الدولة إلى أن اجتمع الناس على (يزدجرد) وهو آخر ملوك بني ساسان، وهو الذي واجه الزحف الإسلامي الذي أدى إلى انقراض الدولة الساسانية التي دامت وازدهرت أكثر من أربعة قرون انقراضًا كليًّا، وكان ذلك في سنة 637م، وهكذا تحققت هذه النبوءة في ظرف ثماني سنين(1).
3- الوصف العام لرسائل الرسول:
ويلاحظ الباحث أن الوصف العام لكتب الرسول إلى الملوك والأمراء يكاد يكون واحدًا، ويمكننا أن نستخرج منها الأمور التالية:
أ- نلاحظ أن جميع كتب الرسول صلى الله عليه وسلم التي أرسلها إلى الملوك والرؤساء يفتتحها صلى الله عليه وسلم بالبسملة، والبسملة آية من كتاب الله تبارك وتعالى، وفي تصدير الكتاب بها أمور مهمة، كاستحباب بدء الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم اقتداء برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد واظب عليها في كتبه صلى الله عليه وسلم، كما فيها جواز كتابة آية من القرآن الكريم في كتاب، وإن كان هذا الكتاب موجهًا إلى الكافرين، وفيها جواز قراءة الكافر لآية أو أكثر من القرآن الكريم؛ لأن كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم تضمنت البسملة وغيرها، وفيها جواز قراءة الجنب لآية أو أكثر من القرآن الكريم؛ لأن هذا الكافر الذي أرسلت إليه الرسالة تضمنت البسملة وغيرها لا يحترز من الجنابة والنجاسة، فيقرأ الرسالة التي اشتملت على آيات من القرآن الكريم وهو جنب.
ب- ونستنبط من رسائل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء الآتي:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص300.

(4/16)


* مشروعية إرسال السفراء المسلمين إلى زعماء الكفر؛ لأن كل كتاب كان يكتبه الرسول صلى الله عليه وسلم يكلف رجلاً من المسلمين يحمله إلى المرسَل إليه.
* مشروعية الكتابة إلى الكفار في أمر الدين والدنيا.
* ينبغي أن يكتب في الكتاب اسم المرسل والمرسل إليه وموضوع الكتاب وهو واحد في جميع الكتب ويتلخص في دعوتهم إلى الإسلام.
* عدم بدء الكافر بتحية الإسلام، وهي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطرح السلام في كتبه على ملك من ملوك الكفر بل كان يصدر كتبه بقوله: السلام على من اتبع الهدى، أي آمن بالإسلام، ويؤخذ من هذا عدم جواز مخاطبة الكافر بتحية الإسلام.
* اتخاذ الخاتم: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختم رسائله بعد كتابته بخاتمه، وقد كتب عليه ثلاث كلمات: الله
رسول
محمد (1)
فعن أنس - رضي الله عنه - قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، فكأني أنظر إلى بياضه في يده، ونقش فيه محمد رسول الله(2).
4- تقدير الرجال:
لما أسلم باذان بن ساسان وكان أميرًا على اليمن لم يعزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أبقاه أميرًا عليها بعد إسلامه، حين رأى فيه الإداري الناجح والحاكم المناسب، مما يدلل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقدر الكفاءات في الرجال ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ومن الجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ولى ولده شهرًا أميرًا على اليمن بعد موته(3).
5- جواز أخذ الجزية من المجوس:
__________
(1) انظر: غزوة الحديبية لأبي فارس، ص239، 240.
(2) البخاري، باب دعوة اليهود والنصارى، فتح الباري (6/108).
(3) غزوة الحديبية لأبي فارس، ص242.

(4/17)


وهذا الحكم استخرج من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسله إلى المنذر بن ساوي يحدد فيه الموقف من اليهود والمجوس، إذ ورد فيه: (ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية) (1).
وقد ذهب ابن القيم مع طائفة من العلماء إلى جواز أخذ الجزية من كل إنسان يبذلها سواء أكان كتابيًا أم غير كتابي كعبدة الأوثان من العرب وغيرهم، فقد جاء في زاد المعاد (وقد قالت طائفة في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية، قبلت منهم، أهل الكتابين بالقرآن، والمجوس بالسنة، ومن عداهم ملحق بهم؛ لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم، فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين، وإنما لم يأخذها صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان من العرب؛ لأنهم أسلموا قبل نزول آية الجزية، فإنها نزلت بعد تبوك(2).
6- جواز أخذ هدية الكافر:
فقد أرسل المقوقس عظيم القبط حاكم مصر -مع سفير رسول الله حاطب بن أبي بلتعة- وهو كافر هدية تشتمل على جاريتين وكسوة للرسول صلى الله عليه وسلم وبغلة يركبها، فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحدى هاتين الجاريتين مارية القبطية(3).
7- من نتائج إرسال الكتب إلى الملوك والأمراء:
أظهر الرسول صلى الله عليه وسلم في سياسته الخارجية دراية سياسية فاقت التصور، وأصبحت مثالا لمن جاء بعده من الخلفاء، كما أظهر صلى الله عليه وسلم قوة وشجاعة فائقتين، فلو كان غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لخشي عاقبة ذلك الأمر، لا سيما أن بعض هذه الكتب قد أرسلت إلى ملوك أقوياء على تخوم بلاده كهرقل وكسرى والمقوقس، ولكن حرص رسول الله وعزيمته على إبلاغ دعوة الله، وإيمانه المطلق بتأييد الله سبحانه وتعالى، كل ذلك دفعه لأن يقدم على ما أقدم عليه وقد حققت هذه السياسة النتائج الآتية:
__________
(1) نفس المصدر، ص242.
(2) انظر: زاد المعاد (5/91).
(3) انظر: غزوة الحديبية لأبي فارس، ص243.

(4/18)


أ- وطد الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه السياسة أسلوبًا جديدًا في التعامل الدولي لم تكن تعرفه البشرية من قبل.
ب- أصبحت الدولة الإسلامية لها مكانتها وقوتها وفرضت وجودها على الخريطة الدولية لذلك الزمان.
ج- كشف للرسول صلى الله عليه وسلم نوايا الملوك والأمراء وسياستهم نحوه وحكمهم على دعوته.
د- كانت مكاتبة الملوك خارج جزيرة العرب تعبيرًا عمليًّا على عالمية الدعوة الإسلامية، تلك العالمية التي أوضحتها آيات نزلت في العهد المكي مثل قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) [الأنبياء: 107].
وهكذا، فإن رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمراء العرب والملوك المجاورين لبلاده تعتبر نقطة تحول في سياسة دولة الرسول الخارجية، فعظم شأنها، وأصبحت لها مكانة دينية وسياسية بين الدول، وذلك قبل فتح مكة، كما أن هذه السياسة مهدت لتوحيد الرسول صلى الله عليه وسلم لسائر أنحاء بلاد العرب في عام الوفود(1).

المبحث الثالث : عمرة القضاء
وفي ذي القعدة في السنة السابعة من الهجرة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة قاصدًا العمرة، كما اتفق مع قريش في صلح الحديبية، وقد بلغ عدد من شهد عمرة القضاء ألفين سوى النساء والصبيان، ولم يتخلف من أهل الحديبية إلا من استُشهد في خيبر أو مات قبل عمرة القضاء(2).
__________
(1) انظر: التاريخ السياسي والعسكري لدولة المدينة، ص351.
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة، ص464.

(4/19)


وقد اتجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام من المدينة باتجاه مكة المكرمة في موكب مهيب يشق طريقه عبر القرى والبوادي، وكان كلما مر الموكب النبوي بمنازل قوم من الذين يسكنون على جانبي الطريق بين مكة والمدينة خرجوا وشاهدوا منظرًا لم يألفوه من قبل، حيث المسلمون بزي واحد من الإحرام، وهم يرفعون أصواتهم بالتلبية، ويسوقون هديهم في علاماته وقلائده، في مظهر بهي لم تشهد المنطقة له مثيلاً(1).
أولاً: الحيطة والحذر من غدر قريش:
اصطحب النبي صلى الله عليه وسلم معه السلاح الكامل، ولم يقتصر على السيوف تحسبًا لكل طارئ قد يقع، خاصة أن المشركين في الغالب لا يحافظون على عهد قطعوه، ولا عقد عقدوه(2).
وما إن وصل خبر مسير النبي صلى الله عليه وسلم ومعه هذا العدد الضخم، وهذه الأسلحة المتنوعة، وفي مقدمة القافلة مائتا فارس بقيادة محمد بن مسلمة حتى أرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكرز بن حفص في نفر من قريش، ليستوضحوا حقيقة الأمر، فقابلوه في بطن يأجج(3) بمر الظهران فقالوا له: يا محمد والله ما عرفناك صغيرًا ولا كبيرًا بالغدر، تدخل بالسلاح الحرم على قومك، وقد شرطت ألا تدخل إلا على العهد، وأنه لن يدخل الحرم غير السيوف في أغمادها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ندخلها إلا كذلك» ثم رجع مكرز مسرعًا بأصحابه إلى مكة فقال: إن محمدًا لا يدخل بسلاح وهو على الشرط الذي شرط لكم(4).
__________
(1) انظر: منهج الإعلام الإسلامي في صلح الحديبية، ص310.
(2) صلح الحديبية لأبي فارس، ص267.
(3) موضع قرب مكة على ثمانية أميال منها.
(4) انظر: مغازي الواقدي (3/734)، طبقات ابن سعد (2/121).

(4/20)


ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح خارج الحرم قريبًا منه تحسبًا لكل طارئ، وأبقى عنده مائتي فارس بقيادة محمد بن مسلمة يحرسونه، وينتظرون أمر الرسول ليتحركوا في أي جهة وينفذوا أي أمر، ويقاتلوا متى دعت الضرورة لذلك(1).
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمن غدر مشركي قريش وخيانتهم، فقد تسول لهم أنفسهم أن ينصبوا كمينًا أو أكثر للمسلمين ويشنوا عليهم هجومًا مباغتًا؛ ولذلك احتاط وأخذ الحذر ووفى بعهده ووعده لقريش، وعلم الأمة لكي تحذر من أعدائها(2)، وفي بقاء كوكبة من الصحابة في حراسة الأسلحة والعتاد لكي يراقبوا الموقف بدقة وتحفز معنى من معاني العبادة في هذا الدين(3).
ثانيًا: دخول مكة والطواف والسعي:
ومن بطن يأجج تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره نحو مكة على راحلته القصواء، فدخلها من الثنية التي تطلعه على الحجون، والمسلمون حوله متوشحون سيوفهم محدقون به كل جانب، يسترونه من المشركين مخافة أن يؤذوه بشيء، وأصواتهم تعج بالتلبية لله العلي الكبير(4).
هذه التلبية الجماعية التي تعج أصوات المسلمين بها، والتي لم تنقطع منذ أن أحرموا واستمرت حتى دخلوا مكة، فقد كان للتلبية مغزى ومعنى، فهي تعلن التوحيد وترفع شعاره، وتعني إبطال الشرك وإسقاط رايته، وتعلن الحمد والثناء على الله الذي مكنهم من أداء هذا النسك(5).. فهذه بعض معاني تلبية المسلم بقوله: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وكان عبد الله بن رواحة آخذًا بزمام راحلته وهو يرتجز بشعره:
خلوا فكل الخير في رسوله ... خلوا بني الكفار عن سبيله
أعرف حق الله في قبوله ... يا رب إني مؤمن بقيله
__________
(1) انظر: صلح الحديبية لأبي فارس، ص268. (2) المصدر نفسه، ص275.
(3) المصدر السابق، ص277. (4) انظر: التاريخ السياسي و العسكري، ص353.
(5) انظر: صلح الحديبية، ص277. (6) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص481.

(4/21)


ويذهل الخليل عن خليله(1) ... ضربًا يزيل الهم عن مقيله
وكان مظهرًا دعويًّا مؤثرًا عندما بدأ الموكب النبوي الكريم يقترب من بيوت مكة المكرمة، وأبنيتها شاقًّا طريقه باتجاه الكعبة المشرفة، وهم في مظهرهم المهيب، وأصواتهم تشق عنان السماء بالتلبية، فقد ذكرت معظم كتب السير والمغازي أن قسمًا من أهالي مكة خرج إلى رءوس الجبال لينظر إلى المسلمين من الأماكن العالية، والقسم الأكبر وقف عند دار الندوة المجاورة للكعبة الشريفة آنذاك، ليشاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أثناء دخولهم مكة المكرمة، وبيت الله الحرام(2).
وكان المشركون قد أطلقوا شائعة ضد المسلمين مفادها أنهم وهنتهم(3) حمى يثرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين(4)، لكي يرى المشركون قوتهم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت الحرام واضطبع(5) بردائه فأخرج عضده اليمنى وشرع في الطواف، وأصحابه يتابعونه ويقتدون به. ولما رأى المشركون ذلك قالوا: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا(6).
__________
(2) انظر: منهج الإعلام الإسلامي في صلح الحديبية، ص314.
(3) أضعفتهم.
(4) البخاري، كتاب المغازي، (5/6)، رقم 4256.
(5) الاضطباع: هو أن يدخل بعض رداءه تحت عضده اليمنى ويجعل طرفه على منكبه.
(6) صحيح السيرة النبوية، ص481.

(4/22)


وقد قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة التي فعلها عند دخوله المسجد الحرام وهي الاضطباع والهرولة، ورفع الأصوات بالتلبية، أن يرهب قريشًا، وأن يظهر لها قوة المسلمين وعزيمتهم وتمسكهم بدينهم، ومناعة جبهتهم، وقد أثر هذا الأسلوب في نفوس المشركين(1)، وبهذا الأسلوب النبوي الكريم أغاظ الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين وكايدهم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتقرب إلى الله بمكايدتهم وإغاظتهم، ففي غزوة أحد أذن صلى الله عليه وسلم لأبي دجانة أن يمشي متبخترًا أمام المشركين لإظهار عزة المؤمن؛ ولأن ذلك يغيظ المشركين، وزيادة في إغاظتهم كان يلبس العصابة الحمراء دون أن ينكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك. وفي غزوة الحديبية ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهدي جمل أبي جهل الذي غنمه في بدر، ليراه المشركون فيزدادوا غيظًا حين يذكرون مصارع قتلاهم وذل أسراهم، وها هو ذا صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين في عمرة القضاء بإظهار التجلد والهرولة لإغاظتهم ومكايدتهم ورد كيدهم في نحورهم(2)، وقد ذكر ابن القيم: (بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكيد المشركين بكل ما يستطيع)(3).
فهذه حرب نفسية شنها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين وقد أتت أكلها، ولقد أقام الرسول في مكة ثلاثة أيام، ومعه المسلمون يرفعون راية التوحيد، ويطوفون بالبيت العتيق، ويرفعون الأذان ويقيمون الصلاة ويصلي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس في جماعة، وكان بلال بن رباح بصوته الندي يرفع الأذان من على ظهر الكعبة، فكان وقعه على المشركين كالصاعقة(4).
__________
(1) انظر: منهج الإعلام، ص315.
(2) انظر: صلح الحديبية لأبي فارس، ص282.
(3) انظر: زاد المعاد (3/371).
(4) انظر: صلح الحديبية لأبي فارس، ص270.

(4/23)


ولم ينس صلى الله عليه وسلم مجموعة الحراسة التي كانت تحرس الأسلحة والعتاد بأن يرسل من يقوم بمهمتهم ممن طاف وسعى مكانهم، ويأتي هؤلاء ليؤدوا النسك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع نفوس يدرك حقيقة شوقها لبيت الله الحرام، وما جاءت للمرة الثانية وقطعت هذه المسافة الشاسعة إلا لتنال هذا الشرف، وتبل هذا الظمأ، فتطوف مع الطائفين وتسعى مع الساعين، فعمل صلى الله عليه وسلم على مراعاة النفوس، وساعدها ولبى مطالبها من أجل إصلاحها والرقي بها، إنه من منهج النبوة في التربية(1).
ثالثًا: زواجه من أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث:
كانت ميمونة، أخت أم الفضل، زوجة العباس بن عبد المطلب فتاة في السادسة والعشرين، قد جعلت أمر زواجها بعد وفاة زوجها أبو رهم بن عبد العزى إلى أختها أم الفضل، فجعلته أم الفضل إلى زوجها العباس، فزوجها العباس من ابن أخيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصدقها عنه أربعمائة درهم(2)، وهي خالة عبد الله بن عباس، وخالد بن الوليد، ولما انقضت الثلاثة أيام، التي نص عليها عهد الحديبية، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من زواجه من ميمونة وسيلة لزيادة التفاهم بينه وبين قريش، فجاءه سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، موفدين من نفر من قريش فقالوا: إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن إسحاق: «وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه؟».
قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا(3).
__________
(1) صلح الحديبية لأبي فارس، ص277.
(2) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص326.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام، (4/19).

(4/24)


فخرج، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها في بسرف (موضع قرب التنعيم) فبنى بها هناك(1)، وهي آخر من تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم من نسائه، وآخر من مات من نسائه بعده، وأنها ماتت ودفنت بسرف، فمكان عرسها هو مكان دفنها، فرضي الله عنها وأرضاها(2).
وفي زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بميمونة مسألة فقهية اختلف الفقهاء فيها وهي هل تزوج صلى الله عليه وسلم بميمونة وهو محرم (عقد نكاحها عليها فقط) أو عقد عليها بعد التحلل؟(3)، وقد أجاد الفقهاء في تفصيلها.
رابعًا: التحاق بنت حمزة بن عبد المطلب بركب المسلمين:
لقد تغيرت النفوس والعقول بتأثير الإسلام تغيرًا عظيمًا، فعادت البنت -التي كان يتعير بها أشراف العرب، وجرت عادة وأدها في بعض القبائل فرارًا من العار، وزهدًا في البنات- حبيبة يتنافس في تربيتها المسلمون، وكانوا سواسية، لا يرجع بعضهم على بعض إلا بفضل أو حق(4)، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الخروج من مكة، تبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة -رضي الله عنها-: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر.
قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: هي ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر: «أشبهت خَلْقِي وخُلُقِي» وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» وقال علي لزيد: ألا تتزوج بنت حمزة، قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة(5).
وفي هذه القصة دروس وعبر وأحكام وفوائد منها:
1- الخالة بمنزلة الأم.
__________
(1) نفس المصدر (4/19).
(2) انظر: هذا الحبيب محمد يا محب، للجزائري، ص375.
(3) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص258.
(4) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص321.
(5) البخاري، كتاب المغازي (5/100) رقم 4215.

(4/25)


2- الخالة تقدم على غيرها في الحضانة إذا لم يوجد الأبوان.
3- تزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - ووصفه له بقوله: أشبهت خَلْقي وخُلُقي.
4- منقبة علي: تأمل قوله صلى الله عليه وسلم: أنت مني وأنا منك، والمعنى أنت مني وأنا منك في النسب والصهر والسابقة والمحبة.
5- منقبة زيد بن حارثة: يقول له الرسول: أنت أخونا ومولانا؛ لأنه كان أخًا لحمزة بن عبد المطلب، فقد آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما، وهو باجتهاده يريد أن يكون عليه ما على الأخ الشقيق من واجبات، والواجب هنا يكون وليًّا على بنت حمزة - رضي الله عنه -.
6- الخالة تقدم على العمة في الحضانة: لقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجة جعفر بالحضانة وعمتها صفية بنت عبد المطلب حية موجودة.
7- زواج المرأة لا يسقط حقها في الحضانة: فقد حكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالحضانة لخالة بنت حمزة وهي متزوجة من جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
8- لا بد من موافقة الزوج على حضانة زوجته لابنة أختها؛ لأن الزوجة محتسبة لمصلحته ومنفعته، والحضانة قد تفوت هذه المصلحة جزئيًا، فلا بد من استئذانه، ونلاحظ هنا أن جعفر بن أبي طالب قد طالب بحضانة بنت عمه حمزة لخالتها وهي زوجة له، فدل على رضاه بذلك.
9- إن الطفل إذا رضع مع عمه يصبح أخًا له في الرضاعة، وتصبح بناته كلها بنات أخيه في الرضاعة، فيحرم عليه نكاحهن(1).
خامسًا: أثر عمرة القضاء على الجزيرة وإسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة:
لقد كان تأثير هذه العمرة على قريش وعلى عرب الجزيرة تأثيرًا بالغًا، فقد حملت في مضمونها مهمة دعوية عظيمة، ولقد تأثر أهل مكة من هذه العمرة السلمية.
__________
(1) انظر: زاد المعاد فيه تفصيل كثير (3/374، 375)، صلح الحديبية لأبي فارس، ص286، 287.

(4/26)


يقول اللواء محمود شيت خطاب: (أثرت عمرة القضاء في هذه الفترة على معنويات قريش تأثيرًا كبيرًا، فقد وقف الكثير من قريش عند دار الندوة بمكة، كما عسكر آخرون فوق الهضاب المحيطة بها ليشهدوا دخول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: «رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة»، ثم استلم الركن وأخذ يهرول وأصحابه معه، فلم يكد يترك الرسول صلى الله عليه وسلم مكة، حتى وقف خالد ابن الوليد يقول في جمع من قريش: لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدًا ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، فحق كل ذي لب أن يتبعه، وسمع أبو سفيان بما كان من قول خالد بن الوليد، فبعث في طلبه، وسأله عن صحة ما سمع، فأكد له خالد صحته، فاندفع أبو سفيان إلى خالد في غضبه، فحجز عنه عكرمة وكان حاضرًا، وقال: مهلاً يا أبا سفيان، فوالله خفت للذي خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه، أنتم تقتلون خالدًا على رأي رآه، وهذه قريش كلها تبايعت عليه، والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم. وأسلم من بعد خالد بن الوليد عمرو بن العاص، وحارس الكعبة نفسها عثمان بن طلحة، بل وظهر الإسلام في كل بيت من قريش سرًّا وعلانية؛ وبهذه النتيجة الطيبة يمكننا القول بأن عمرة القضاء هذه قد فتحت أبواب قلوب أهل مكة قبل أن يفتح المسلمون أبواب مكة نفسها)(1).
ويقول الأستاذ عباس العقاد: (... وحسبك أن عمرة القضاء هذه قد جمعت في آثارها من أسباب الإقناع بالدعوة المحمدية ما أقنع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وهما في رجاحة العقل والخلق مثلان متكافئان يحتذى بهما)(2).
1- إسلام عمرو بن العاص - رضي الله عنه -:
__________
(1) انظر: الرسول القائد، ص209، 210. (3) انظر: عبقرية محمد، ص69.

(4/27)


ونترك عمرو بن العاص يحدثنا عن إسلامه، حيث قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش، كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوًا منكرًا، وإني قد رأيت أمرًا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي، فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم(1)، فجمعنا له أدمًا كثيرًا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل عليه، ثم خرج من عنده، قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو دخلت على النجاشي، وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني أجزأت عنها(2)، حيث قتلت رسول محمد، قال: فدخلت عليه، فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا صديقي، أهديت إليَّ من بلادك شيئًا؟ قال: قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت إليك أدمًا كثيرًا، قال: ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لقتله قال: قلت: أيها الملك أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق،
__________
(1) الأدم: الجلد.
(2) أجزأت عنها: كفيتها. (3) استقام المنسم: تبين الطريق ووضح.

(4/28)


وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي، وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت على أصحابي إسلامي ثم خرجت عامدًا إلى رسول الله لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم(1)، وإن الرجل لنبي، أذهب والله فأسلم، فحتى متى؟ قال: قلت: والله ما جئت إلا لأسلم، قال: فقدمنا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم خالد بن الوليد، فأسلم، وبايع، ثم دنوت، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عمرو، بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها» قال: فبايعته ثم انصرفت(2). وفي رواية قال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «ما لك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يُغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟»(3).
2- إسلام خالد بن الوليد - رضي الله عنه -:
__________
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص494.
(3) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله، رقم 121.

(4/29)


وهذا خالد بن الوليد يحدثنا عن قصة إسلامه فيقول: (.. لما أراد الله بي من الخير ما أراد قذف في قلبي حب الإسلام وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد، فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني مُوضع في غير شيء وأن محمدًا سيظهر، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل المشركين فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر آمنًا منا، فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا -وكانت فيه خيرة- فاطلع على ما في أنفسنا من الهموم فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك مني موقعًا وقلت: الرجل ممنوع، وافترقنا وعدل عن سنن خيلنا وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشًا بالحديبية ودافعته قريش بالروح قلت في نفسي: أي شيء بقي؟ أين المذهب إلى النجاشي؟ فقد اتبع محمدًا، وأصحابه آمنون عنده، فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيم مع عجم تابعًا، أو أقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا على ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضية، فتغيبت فلم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابًا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعَقْلُك عَقْلُك، ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به؟ فقال: ما مثله جهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له، ولقدمناه على غيره، فاستدرك يا أخي ما فاتك، فقد فاتتك مواطن صالحة.

(4/30)


قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام وسرني مقالة رسول الله، قال خالد: وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة جديبة، فخرجت إلى بلد أخضر واسع، فقلت: إن هذه لرؤيا.. فلما قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر، قال: فذكرتها فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك، فلما أجمعت للخروج إلى رسول الله قلت: من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أكلة رأس(1)، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه فإن شرف محمد على العرب، فأبى أشد الإباء، وقال: لو لم يبق غيري من قريش ما اتبعته أبدًا، فافترقنا، وقلت: هذا رجل موتور يطلب وترًا، قد قتل أبوه وأخوه ببدر، فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل الذي قلت لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان، فلقيت عثمان بن طلحة، قلت: فاطوِ ما ذكرت من قُتل من آبائه فكرهت أذكِّره، ثم قلت: وما عليَّ وإني راحل من ساعتي، فذكرت له ما صار الأمر إليه فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر، لو صب عليه ذنوب(2) من ماء لخرج، قال: وقلت له نحو ما قلت لصاحبيه، فأسرع في الإجابة، وقال: لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتي بضح مناخة، قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج، إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه، قال: فأدلجنا سحرًا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة، فنجد عمرو بن العاص بها، فقال: مرحبا بالقوم، فقلنا: وبك، قال: مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك؟ قال: فما الذي أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم قال: وذلك الذي أقدمني.
__________
(1) أي هم قليل يشبعهم رأس واحد، وهو جمع آكل. (2) الذنوب: الدلو العظيمة.

(4/31)


قال: فاصطحبنا جميعًا حتى قدمنا المدينة فأنخنا بظاهر الحرة ركابنا، فأُخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيني أخي فقال: أسرع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعت المشي فطلعت عليه، فما زال يتبسم إلي حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير» قلت: يا رسول الله قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندًا عن الحق، فادع الله أن يغفرها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما كان قبله» قلت: يا رسول الله، على ذلك؟ فقال: «اللهم اغفر لخالد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك» قال خالد: وتقدم عمرو، وعثمان فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قدومنا في صفر سنة ثمان، فوالله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم أسلمت يعدل بى أحد من أصحابه فيما حزبه(1).
وفي إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد رضي الله عنهما دروس ولطائف وعبر منها:
أ- غضبة النجاشي تدل على صدق إيمانه وحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبه للمسلمين، وصدق النجاشي كان له أثر في إيمان عمرو بن العاص، ودخوله في الإسلام، وبذلك نال النجاشي أجرًا عظيمًا حيث جذب إلى الإسلام رجلاً من عظماء قريش(2).
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/239، 240)، التاريخ الإسلامي، (7/95).
(2) انظر: التاريخ الإسلامي (7/90).

(4/32)


ب- كان إسلام عمرو بن العاص نصرًا كبيرًا للإسلام، والمسلمين فلقد سخر عقله الكبير ودهاءه العظيم لصالح دعوة الإسلام، وخسر الكفار بإسلامه خسارة كبيرة؛ لأنهم كانوا يعدونه لعظائم الأمور التي تحتاج إلى دهاء ومقدرة على التأثير وخاصة فيما يتعلق بعدائهم مع المسلمين(1).
ج- أدرك خالد بن الوليد أن العاقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمل قوله: لقد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدًا سيظهر(2)، وفي هذا عبرة لكل الذين يحاربون الإسلام(3).
__________
(1) نفس المصدر (7/91). (3) انظر: صلح الحديبية لأبي فارس، ص263.
(3) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (7/95). (5) نفس المصدر، (7/95).

(4/33)


د- الاهتمام بالبشر طريق من طرق التأثير عليهم، وكسبهم إلى الصف المؤمن ولذلك قال رسول الله للوليد بن الوليد: ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له ولقدمناه على غيره(1)، فكانت لهذه الكلمات البليغة أعظم الأثر في تحول قلب خالد وتوجهه نحو الإسلام، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليمًا في مخاطبة النفوس والتأثير عليها، فلقد أدرك مواهب خالد في القيادة والزعامة فوعد بتمكينه من ذلك وتقديمه على غيره في هذا المضمار، ومدح صلى الله عليه وسلم سداد رأيه ورجاحة عقله، ونضج فكره، فانتزع صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات كل الجوانب التي تجعل خالدًا يظل على الشرك الذي لم يكن مقتنعًا به إلا بمقدار ما حصل له فيه من قيادة وتصدر، فلما كان ما هيأه له المشركون سيحصل له إذا دخل في الإسلام، واطمأن بأنه لو أسلم لن يكون في آخر القائمة، ولن يكون مهملا، شجعه ذلك على التغلب على وساوس إبليس، ورجح ما اطمأنت إليه نفسه من الميل إلى الإسلام فعزم على الدخول فيه. لقد كان إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد قوة للإسلام وضعفًا للشرك، وكتب الله على أيديهما صفحات مشرقة من تاريخ المسلمين الجهادي أصبحت باقية في ذاكرة الأمة وتاريخها المجيد على مر الدهور وكر العصور، توالي الأزمان(2).
__________
(2) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (7/96).

(4/34)


المبحث الرابع : سرية مؤتة (8هـ)
أولاً: أسبابها وتاريخها:
أشعل عرب الشام فتيل الصراع بين المسلمين والبيزنطيين، فقد دأبت قبيلة كلب من قضاعة التي كانت تنزل على دومة الجندل على مضايقة المسلمين، وحاولت أن تفرض عليهم نوعًا من الحصار الاقتصادي عن طريق إيذائها للتجار الذين كانوا يحملون السلع الضرورية من الشام إلى المدينة، ولذلك غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة كلب بدومة الجندل سنة (5هـ) لكنه وجدهم قد تفرقوا، كما أن رجالا من جذام ولخم قطعوا الطريق على دحية بن خليفة الكلبي عند مروره بحسمى بعد إنجازه لمهمة أناطها به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستلبوا كل ما معه، فكانت سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في سنة 6هـ، ويضاف إلى ذلك أيضا ما قامت به قبيلتا مذحج وقضاعة من اعتداء على زيد بن حارثة وصحبه في العام المذكور (6هـ)، وذلك عندما ذهبوا إلى وادي القرى في بعثة بغرض الدعوة إلى الله، وبعد صلح الحديبية أخذ هذا المسلك العدواني يأخذ منحنى أكثر خطورة(1)، بعد مقتل الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول الله إلى حاكم (بصرى) التابع لحاكم الروم، فقد قام شرحبيل بن عمرو الغساني بضرب عنق رسول رسول الله، ولم تجر العادة بقتل الرسل والسفراء، كما أن الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق أساء استقبال مبعوث رسول الله وهدد بإعلان الحرب على المدينة، ثم حدث بعد ذلك بما يزيد قليلا عن العام أن بعث رسول الله سرية بقيادة عمرو بن كعب الغفاري ليدعو إلى الإسلام في مكان يقال له (ذات أطلاح) فلم يستجب أهل المنطقة إلى الإسلام وأحاطوا بالدعاة من كل مكان وقاتلوهم حتى قتلوهم جميعًا إلا أميرهم، كان جريحًا فتحامل على جرحه حتى وصل إلى المدينة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم(2)، وقد قام نصارى الشام بزعامة الإمبراطورية الرومانية بالاعتداءات على من يعتنق الإسلام أو يفكر بذلك، فقد قتلوا
__________
(1) انظر: المسلمون والروم في عصر النبوة، عبد الرحمن أحمد سالم، ص87.
(2) انظر: تاريخ الطبري (3/103).

(4/35)


والي مَعَانَ حين أسلم، وقتل والي الشام من أسلم من عرب الشام(1).
كانت هذه الأحداث المؤلمة وبخاصة مقتل سفير رسول الله الحارث بن عمير الأزدي، محركة لنفوس المسلمين، وباعثًا ليضعوا حدًّا لهذه التصرفات النصرانية العدوانية، ويثأروا لإخوانهم في العقيدة الذين سُفكت دماؤهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ونبينا محمد رسول الله(2). كما أن تأديب عرب الشام التابعين للدولة الرومانية والذين دأبوا على استفزاز المسلمين وتحديهم وارتكاب الجرائم ضد دعاتهم أصبح هدفًا مهمًّا، لأن تحقيق هذا الهدف معناه فرض هيبة الدولة الإسلامية في تلك المناطق بحيث لا تتكرر مثل هذه الجرائم في المستقبل، وبحيث يأمن الدعاة المسلمون على أنفسهم ويأمن التجار المترددون بين الشام والمدينة من كل أذى يحول دون وصول السلع الضرورية إلى المدينة(3).
وفي سنة 8هـ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهز للقتال، فاستجابوا للأمر النبوي وحشدوا حشودًا لم يحشدوها من قبل، إذ بلغ عدد المقاتلين في هذه السرية ثلاثة آلاف مقاتل، واختار النبي صلى الله عليه وسلم للقيادة ثلاثة أمراء على التوالي: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة(4)، فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى عبد الله ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة (5).
__________
(1) انظر: خاتم النبيين (2/1139) نقلا عن الصراع مع الصليبيين لأبي فارس، ص20.
(2) انظر: الصراع مع الصليبيين لأبي فارس، ص20.
(3) انظر: المسلمون والروم في عصر النبوة، ص89. (3) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص20.
(5) البخاري، كتاب المغازي (5/102) رقم 4261. (5) انظر: السيرة الحلبية (2/787).

(4/36)


وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش الإسلامي أن يأتوا المكان الذي قتل فيه الحارث بن عمير الأزدي - رضي الله عنه - وأن يدعوا من كان هناك إلى الإسلام فإن أجابوا فبها ونعمت، وإن أبوا استعينوا بالله عليهم وقاتلوهم(1).
وقد زود الرسول صلى الله عليه وسلم الجيش في هذه السرية وغيرها من السرايا بوصايا تتضمن آداب القتال في الإسلام(2)، فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بقوله: «أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرًا، اغزوا باسم الله، في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا، ولا امرأة ولا كبيرًا فانيًا، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقربوا نخلا، ولا تقطعوا شجرًا، ولا تهدموا بناء، وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى إحدى ثلاث: فإما الإسلام، وإما الجزية، وإما الحرب...»(3).
ثانيًا: وداع الجيش الإسلامي:
لما تجهز الجيش الإسلامي وأتم استعداده، توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يودعون الجيش، ويرفعون أكف الضراعة لله عز وجل أن ينصر إخوانهم المجاهدين، لقد سلموا عليهم وودعوهم بهذا الدعاء: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين(4).
ولما ودع الناس عبد الله بن رواحة وسلموا عليه بكى وانهمرت الدموع من عينيه ساخنة غزيرة، فتعجب الناس من ذلك، وقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: والله ما بي حب الدنيا وصبابة، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ( وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ) [مريم: 71]، فلست أدري كيف بي بالصدر بعهد الورود، فقال لهم المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:
__________
(2) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص21. (7) انظر: المغازي (2/757،758).
(4) ، 2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/21).

(4/37)


وضربة ذات فراغ تقذف الزبدا ... لكني أسأل الرحمن مغفرة
بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا ... أو طعنة بيدي حران مجهزة
أرشده الله من غاز وقد رشدا(1) ... حتى يقولوا إذا مروا على جدثي
وودع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة، فقال ابن رواحة يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصروا ... يثبت الله ما آتاك من حسن
فراسة خالفتهم في الذي نظروا ... إني تفرست فيك الخير نافلة
والوجه منه فقد أزرى به القدر(2) ... أنت الرسول فمن يحرم نوافله
ثالثًا: الجيش يصل إلى معان واستشهاد الأمراء الثلاثة:
__________
(2) انظر: مغازي رسول الله لعروة بن الزبير، ص204، 205.

(4/38)


لما وصل الجيش الإسلامي إلى معان من أرض الشام -وهي الآن محافظة من محافظات الأردن- بلغه أن النصارى الصليبيين من عرب وعجم قد حشدوا حشودًا ضخمة لقتالهم، إذ حشدت القبائل العربية مائة ألف صليبي من لخم وجذام وبهراء وبلى، وعينت لهم قائدًا هو مالك بن رافلة، وحشد هرقل مائة ألف نصراني صليبي من الروم فبلغ الجيش مائتي ألف مقاتل، مزودين بالسلاح الكافي يرفلون في الديباج لينبهر المسلمون بهم وبقوتهم(1)، ولقد قام المسلمون في معان يومين يتشاورون في التصدي لهذا الحشد الضخم فقال بعضهم: نرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة نخبره بحشود العدو، فإن شاء أمدنا بالمدد، وإن شاء أمرنا بالقتال(2)، وقال بعضهم لزيد بن حارثة قائد الجيش: وقد وطئت البلاد وأخفت أهلها، فانصرف فإنه لا يعدل العافية شيء(3)، ولكن عبد الله بن رواحة حسم الموقف بقوله: (يا قوم، والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون؛ الشهادة! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة، فألهبت كلماته مشاعر المجاهدين، واندفع زيد بن حارثة بالناس إلى منطقة مؤتة جنوب الكرك يسير حيث آثر الاصطدام بالروم هناك، فكانت ملحمة سجل فيها القادة الثلاثة بطولة عظيمة انتهت باستشهادهم(4)، فقد استبسل زيد بن حارثة وتوغل في صفوف الأعداء وهو يحمل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم(5).
__________
(1) انظر: شرح المواهب اللدنية (2/271). (5) انظر: زاد المعاد (3/382).
(3) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (1/396).
(4) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/468).
(5) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/25). (3) المصدر نفسه (4/26).

(4/39)


ثم أخذ الراية جعفر وانبرى يتصدى لجموع المشركين الصليبيين، فكثفوا حملاتهم عليه، وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، فلم تلن له قناة، ولم تهن له عزيمة، بل استمر في القتال، وزيادة في الإقدام ونزل عن فرسه وعقرها، وأخذ ينشد:
طيبة وباردًا شرابها ... يا حبذا الجنة واقترابها
كافرة بعيدة أنسابها ... والروم روم قد دنا عذابها
عليَّ إذا لاقيتها ضرابها(1)
لقد أخذ - رضي الله عنه - اللواء بيده اليمنى فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه وانحنى عليه حتى استشهد وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ولقد أُثخن - رضي الله عنه - بالجراح إذ بلغ عدد جراحه تسعين بين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم، وليس من بينها جرح في ظهره بل كلها في صدره(2).
روى الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه بإسناده إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: كنت في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة أو رمية(3).
ولقد عوض الله -تبارك وتعالى- جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأكرمه على شجاعته وتضحيته بأن جعل له جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، فقد روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى عامر قال: كان ابن عمر إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين(4).
وبعد استشهاد جعفر بن أبي طالب استلم الراية عبد الله بن رواحة الأنصاري - رضي الله عنه - وامتطى جواده، وهو يقول:
لتنزلن أو لتكرهنه ... أقسمت يا نفس لتنزلنه
ما لي أراك تكرهين الجنة ... إن أجلب(5) الناس وشدوا الرنة(6)
هل أنت إلا نطفة في شنة ... قد طال ما قد كنت مطمئنة
__________
(2) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص58. (5) البخاري، كتاب المغازي (5/102) رقم 4261.
(4) البخاري، كتاب المغازي، (5/103) رقم 4264.
(5) إن أجلب الناس: صاحوا واجتمعوا. (2) الرنة: صوت ترجيع شبه البكاء.

(4/40)


هذا حمام الموت قد صليت ... يا نفس إلا تقتلي تموتي
إن تفعلي فعلهما هُديت(1) ... وما تمنيت فقد أعطيت
ويذكر أن ابن عم لعبد الله بن رواحة قد قدم له قطعة من لحم وقال له: شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذها من يده ثم انتهس منه نهسة، ثم سمع جلبة وزخامًا في جبهة القتال، فقال يخاطب نفسه: وأنت في الدنيا؟ ثم ألقى قطعة اللحم من يده وتقدم يقاتل العدو حتى استُشهد - رضي الله عنه -، وكان ذلك في آخر النهار(2).
رابعًا: المسلمون يختارون خالد بن الوليد قائدًا:
ولما استشهد عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه -، وسقطت الراية من يده فالتقطها ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان البلوي الأنصاري، وقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد(3). وجاء في إمتاع الأسماع أن ثابت بن أقرم نظر إلى خالد بن الوليد فقال: خذ اللواء يا أبا سليمان، فقال: لا آخذه، أنت أحق به، أنت رجل لك سن، فقد شهدت بدرًا، فقال ثابت: خذه أيها الرجل فوالله ما أخذته إلا لك، فأخذه خالد بن الوليد - رضي الله عنه -(4). وأصبحت الخطة الأساسية المنوطة بخالد في تلك الساعة العصيبة من القتال، أن ينقذ المسلمين من الهلاك الجماعي، فبعد أن قدر الموقف واحتمالاته المختلفة قدرًا دقيقًا، ودرس ظروف المعركة درسًا وافيًا وتوقع نتائجها، اقتنع بأن الانسحاب بأقل خسارة ممكنة هو الحل الأفضل، فقوة العدو تبلغ (66) ضعفًا لقوة المسلمين، فلم يبق أمام هؤلاء إلا الانسحاب المنظم وعلى هذا الأساس وضع خالد الخطة التالية:
أ- الحيلولة بين جيش الروم وجيش المسلمين، ليضمن لهذا الأخير سلامة الانسحاب.
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/26، 27). (4) انظر: الصرع مع الصليبيين، ص61.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام، (4/27). (6) انظر: إمتاع الأسماع (1/348، 349).

(4/41)


ب- لبلوغ هذا الهدف، لا بد من تضليل العدو بإيهامه أن مددًا ورد إلى جيش المسلمين فيخفف من ضغطه وهجماته، ويتمكن المسلمون من الانسحاب، وصمد خالد حتى المساء عملا بهذه الخطة، وغير في ظلام الليل مراكز المقاتلين في جيشه، فاستبدل الميمنة بالميسرة، ومقدمة القلب بالمؤخرة، وفي أثناء عملية الاستبدال اصطنع ضجة صاخبة وجلبة قوية، ثم حمل على العدو، عند الفجر، بهجمات سريعة متتالية وقوية ليدخل في روعه إن إمدادات كثيرة وصلت إلى المسلمين(1).
ونجحت الخطة؛ إذ بدا للعدو صباحًا أن الوجوه والرايات التي تواجهه جديدة لم يرها من قبل، وأن المسلمين يقومون بهجمات عنيفة، فأيقن أنهم تلقوا إمدادات، وأن جيشًا جديدًا نزل إلى الميدان، وكان البلاء الحسن الذي أبلاه المسلمون قد فت في عضد الروم وحلفائهم، فأدركوا أن إحراز نصر حاسم ونهائي على المسلمين أمر مستحيل، فتخاذلوا وتقاعسوا عن متابعة الهجوم، وضعف نشاطهم واندفاعهم، فخف الضغط عن جيش المسلمين، وانتهز خالد الفرصة فباشر الانسحاب، وكانت عملية التراجع التي قام بها خالد في أثناء معركة (مؤتة) من أكثر العمليات في التاريخ العسكري مهارة ونجاحًا، بل إنها تتفق وتتلائم مع التكتيك الحديث للانسحاب، فقد عمد خالد إلى سحب الجناحين بحماية القلب، ولما أصبح الجناحان بمنأى عن العدو، وفي مأمن منه، عمد إلى سحب القلب بحماية الجناحين، إلى أن تمكن وضمن سلامة الانسحاب كليًّا(2)، ويقول المؤرخون: إن خسارة المسلمين لم تتعد الاثني عشر قتيلا في هذه المعركة، وأن خالدًا قال: (لقد انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي إلا صفيحة يمانية)(3).
__________
(1) البداية والنهاية (4/247)، الواقدي (2/764).
(2) انظر: معارك خالد بن الوليد، د. ياسين سويد، ص173.
(3) البخاري، كتاب المغازي (5/103) رقم 4266. (4) انظر: معارك خالد بن الوليد، ص175.

(4/42)


ويمكن القول إن خالدًا بخطته تلك، قد أنقذ الله المسلمين به من هزيمة ماحقة وقتل محقق، وأن انسحابه كان قمة النصر بالنسبة إلى ظروف المعركة، حيث يكون الانسحاب في ظروف مماثلة أصعب حركات القتال، بل أجداها وأنفعها(1).
خامسًا: معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وموقف أهل المدينة من الجيش:
ظهرت معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم في أمر هذه السرية، فقد نعى المسلمين في المدينة زيدًا وجعفرًا وابن أبي رواحة قبل أن يصل إليه خبرهم، وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع للسرية وذرفت عيناه الدموع، ثم أخبرهم بتسلم خالد الراية، وبشرهم بالفتح على يديه وأسماه سيف الله(2)، وبعد ذلك قدم من أخبرهم بأخبار السرية، ولم يزد عما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم(3).
ولما دنا الجيش من حول المدينة، تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ولقيهم الصبيان ينشدون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة فقال: خذوا الصبيان واحملوهم، وأعطوني ابن جعفر، فأتي بعبد الله، فأخذه فحمله على يديه، وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، أفررتم في سبيل الله، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى (4).
__________
(2) انظر: نضرة النعيم (1/360). (6) انظر: البداية والنهاية (4/255).
(4) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص328، تاريخ الذهبي، ص491.

(4/43)


وإن الإنسان ليعجب من هذه التربية النبوية التي صنعت من الأطفال الصغار، رجالاً وأبطالاً، يرون العودة من المعركة دون شهادة في سبيل الله، فرارًا من سبيل الله، لا يكافأون عليه إلا بحثو التراب في وجوههم، فأين شبابنا المتسكعون في الشوارع، من هذه النماذج الرفيعة من الرجولة الفذة المبكرة؟ ولن تستطيع الأمة أن ترتفع إلى هذه الأهداف النبيلة والقمم الشوامخ إلا بالتربية الإسلامية الجادة القائمة على المنهاج النبوي الكريم(1).
سادسًا: دروس وعبر وفوائد:
ففي هذه الغزوة دروس وعبر كثيرة منها:
1- أهمية هذه المعركة: تعتبر هذه المعركة من أهم المعارك التي وقعت بين المسلمين وبين النصارى الصليبيين من عرب وعجم؛ لأنها أول صدام مسلح ذي بال بين الفريقين، وأثرت تلك المعركة على مستقبل الدولة الرومانية، فقد كانت مقدمة لفتح بلاد الشام وتحريرها من الرومان. ونستطيع أن نقول إن تلك الغزوة هي خطوة عملية قام بها النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء على دولة الروم المتجبرة في بلاد الشام، فقد هز هيبتها من قلوب العرب، وأعطت فكرة عن الروح المعنوية العالية عند المسلمين، كما أظهرت ضعف الروح المعنوية في القتال عند الجندي الصليبي النصراني(2)، وأعطت فرصة للمسلمين للتعرف على حقيقة قوات الروم، ومعرفة أساليبهم في القتال.
2- حب الشهادة باعث للتضحية: إن الصبر والثبات والتضحية التي تجلت في كل واحد من الأمراء الثلاثة وسائر الجند كان مبعثها الحرص على ثواب المجاهدين، والرغبة في نيل الشهادة لكي يكرمهم الله برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويدخلوا جنات الله الواسعة التي فيها ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
__________
(1) انظر: دروس وعبر من الجهاد النبوي، ص358.
(2) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص64.

(4/44)


3- تميز هذه المعركة عن سائر المعارك: فهي الوحيدة التي جاء خبرها من السماء، إذ نعى النبي صلى الله عليه وسلم استشهاد الأبطال الثلاثة قبل أن يصل الخبر من أرض المعركة، بل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أحداثها، وتمتاز أيضا عن غيرها بأنها الوقعة الوحيدة التي اختار النبي صلى الله عليه وسلم لها ثلاثة أمراء على الترتيب: زيد بن حارثة، جعفر بن أبي طالب، عبد الله بن رواحة(1).
4- إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لآل جعفر: لما أصيب جعفر دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسماء بنت عميس فقال: «ائتيني ببني جعفر» فأتت بهم فشمهم وقبلهم وذرفت عيناه، فقالت أسماء: أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: «نعم أصيبوا هذا اليوم»، فجعلت تصيح وتولول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم» (2).
وتلحظ في هذا الخبر عدة أمور منها:
أ- جواز بكاء المرأة على زوجها المتوفى: أُخذ هذا من فعل أسماء بنت عميس رضي الله عنها حينما نعى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها ومن معه، فبكت وصاحت، فلم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينهها عن ذلك، ولو كان ممنوعًا لنهاها عن ذلك، والبكاء الذي نهى عنه الإسلام هو ما كان سائدًا عند أهل الجاهلية من النواح واللطم وشق الجيوب، والتبرم بقضاء الله وقدره، وما إلى ذلك مما يكون سببًا في معصية الخالق سبحانه.
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص66. (2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/28).

(4/45)


ب- استحباب صنع الطعام لأهل الميت: وقد ندب الرسول صلى الله عليه وسلم الناس أن يصنعوا طعامًا لآل جعفر، وهذا فيه مواساة لأهل المتوفى وتخفيف مصابهم، وفي الوقت نفسه تكافل بينهم وهذه السنة خالفتها بعض الشعوب الإسلامية، وأصبح أهل الميت يصنعون الطعام للقادمين، وهذا أمر قبيح ينبغي أن يبتعد عنه المسلمون(1).
هذا وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البكاء بعد ثلاث، فقد دخل على أسماء وقال لها: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي» فجيء بهم كأنهم أفرخ، فدعا بالحلاق فحلق لهم رؤوسهم ثم قال: «أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي»، ثم أخذ بيمين عبد الله وقال: «اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» قالها ثلاثا(2). ولما ذكرت له أمهم يتمهم وضعفهم قال لها: «العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة»(3). وهذا منهج نبوي كريم خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاية وتكريم أبناء الشهداء لكي تسير الأمة على نهجه الميمون(4).
ج- زواج أبي بكر الصديق من أسماء بنت عميس: وبعد أن انقضت عدة أسماء بنت عميس خطبها أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فتزوجها، وولدت له محمد بن أبي بكر، وبعدما توفي الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب، وولدت له أولادًا - رضي الله عنه - وعنها وعنهم أجمعين(5). وقد ذكر ابن كثير أن أسماء بنت عميس رثت زوجها جعفر بن أبي طالب بقصيدة تقول فيها:
عليك ولا ينفك جلدي أغبرا ... فآليت لا تنفك نفسي حزينة
أكر وأحمر في الهياج وأصبرا(6) ... فلله عينا من رأى مثله فتى
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص68. (4،5) انظر: البداية والنهاية (4/252).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/430).
(5) انظر: البداية والنهاية (4/353). (2) المصدر نفسه (4/352).

(4/46)


5- من فقه القيادة: إنه درس عظيم يقدمه لنا الصحابي الجليل ثابت بن أقرم العجلاني، عندما أخذ اللواء بعد استشهاد عبد الله بن رواحة آخر الأمراء، وذلك أداء منه للواجب؛ لأن وقوع الراية معناه هزيمة الجيش، ثم نادى المسلمين أن يختاروا لهم قائدًا، وفي زحمة الأحداث قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل.. فاصطلح الناس على خالد. وفي رواية أن ثابتًا مشى باللواء إلى خالد، فقال خالد: لا آخذه منك، أنت أحق به فقال: والله ما أخذته إلا لك.
إن مضمون كلتا الروايتين واحدٌ، أن ثابتًا جمع المسلمين أولاً وأعطى القوس باريها، فأعطى الراية أبا سليمان خالد بن الوليد(1)، ولم يقبل قول المسلمين: أنت أميرنا، ذلك أنه يرى فيهم من هو أكفأ منه لهذا العمل، وحينما يتولى العمل من ليس له بأهل، فإن الفساد متوقع، والعمل حينما يكون لله تعالى، لا يكون فيه أثر لحب الشهرة، أو حظ النفس.
إن ثابتًا لم يكن عاجزًا عن قيادة المسلمين، وهو ممن حضر بدرًا، ولكنه رأى من الظلم أن يتولى عملاً وفي المسلمين من هو أجدر به منه، حتى ولو لم يمضِ على إسلامه أكثر من ثلاثة أشهر؛ لأن الغاية هي السعي لتنفيذ أوامر الله على الوجه الأحسن والطريقة الأمثل(2).
إن كثيرًا ممن يتزعمون قيادة الدعوة الإسلامية اليوم يضعون العراقيل أمام الطاقات الجديدة، والقدرات الفذة خوفًا على مكانتهم القيادية، وامتيازاتهم الشخصية، وأطماعهم الدنيوية، فعلى أولئك القادة أن يتعظوا من هذا الدرس البليغ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
__________
(1) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (7/124).
(2) انظر: من معين السيرة للشامي، ص376.

(4/47)


6- درس نبوي في احترام القيادة: قال عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه -: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مدديّ من اليمن(1)... ومضينا فلقينا جموع الروم، فيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وله سلاح مذهب، فجعل الرومي يضرب بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه بسيفه، وفر الرومي، فعلاه بسيفه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه بعض السلب، قال عوف: فأتيت خالدًا، وقلت له: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته قلت: لتردنها إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يرد عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا خالد ما حملك على ما صنعت؟» قال: استكثرته فقال: «رد عليه الذي أخذت منه». قال عوف: فقلت: دونكها يا خالد، ألم أوف لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما ذلك؟» فأخبرته قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يا خالد لا ترد عليه، هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره»(2).
__________
(1) مددي أي جاء مددا، وفي رواية: رجل من حمير
(2) مسلم، كتاب الجهاد، ص1373، رقم 1753.

(4/48)


هذا موقف عظيم من النبي صلى الله عليه وسلم في حماية القادة والأمراء من أن يتعرضوا للإهانة بسبب الأخطاء التي قد تقع منهم، فهم بشر معرضون للخطأ، فينبغي السعي في إصلاح خطئهم من غير تنقص ولا إهانة، فخالد حين يمنع ذلك المجاهد سلبه لم يقصد الإساءة إليه، وإنما اجتهد فغلَّب جانب المصلحة العامة، حيث استكثر ذلك السلب على فرد واحد، ورأى أنه إذا دخل في الغنيمة العامة نفع عددًا أكبر من المجاهدين، وعوف بن مالك أدى مهمته في الإنكار على خالد، ثم رفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما لم يقبل خالد قوله، وكان المفترض أن تكون مهمته قد انتهت بذلك؛ لأنه والحال هذه قد دخل في أمر من أوامر الإصلاح، وقد تم الإصلاح على يديه، ولكنه تجاوز هذه المهمة حيث حول القضية من قضية إصلاحية إلى قضية شخصية، فأظهر شيئًا من التشفي من خالد، ولم يقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، بل أنكر عليه إنكارًا شديدًا وبيَّن حق الولاة على جنودهم، وكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر خالدًا بعدم رد السلب على صاحبه لا يعني أن حق ذلك المجاهد قد ضاع؛ لأنه لا يمكن أن يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسانًا بجريرة غيره، فلا بد أن ذلك المجاهد قد حصل منه الرضا، إما بتعويض عن ذلك السلب أو بتنازل منه أو غير ذلك فيما لا يذكر تفصيله في الخبر(1).
__________
(1) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي، (7/130).

(4/49)


إن الأمة التي لا تقدر رجالها ولا تحترمهم لا يمكن أن يقوم فيها نظام، إن التربية النبوية استطاعت بناء هذه الأمة بناء سليمًا، وما أحرى المسلمين اليوم أن يكون كل إنسان في مكانه، وأن يحترم ويقدر بمقدار ما يقدم لهذا الدين، ويبقى الجميع بعد ذلك في الإطار العام الذي وصف الله به المؤمنين: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [المائدة: 54].
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «هل أنتم تاركون لي أمرائي» وسام آخر يضاف إلى خالد - رضي الله عنه - حيث عد من أمراء الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من المنهاج النبوي الكريم في تقدير الرجال(1).
7- مقاييس الإيمان وأثرها في المعارك:
توقف الجيش الإسلامي في معان يناقش كثرة جيش العدو، وكانت المقاييس المادية لا تشجعهم على خوض المعركة، ومع ذلك تابعوا طريقهم ودخلوا بمقاييس إيمانية، فهم خرجوا يطلبون الشهادة فلماذا إذن يفرون مما خرجوا لطلبه.
قال زيد بن أرقم: كنت يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته ينشد أبياتًا منها:
بأرض الشام مشتهى الثواء ... وجاء المسلمون وغادروني
فلما سمعتها منه بكيت، قال: فخفقني بالدرة، وقال: وما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل(2).
__________
(1) انظر: معين السيرة، ص378.
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/24، 25).

(4/50)


إن التأمل بعمق في غزوة مؤتة يساعدنا في معالجة الهزيمة النفسية والروحية التي تمر بها الأمة، وإقامة الحجة على القائلين بأن سبب هزيمتنا التفوق التكنولوجي لدى الأعداء. لقد سجل ابن كثير رأيه في هذه المعركة وقال: (... هذا عظيم جدا أن يقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلا، وقد قتل من المشركين خلق كثير، هذا خالد وحده يقول: لقد اندقَّت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقى في يدي إلا صفيحة يمانية، فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟ دع غيره من الأبطال والشجعان من حملة القرآن، وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن في ذلك الزمان وفي كل أوان...)(1).
8- من شعر كعب بن مالك في بكاء قتلى مؤتة: حيث قال:
طورًا أحن(2) وتارة أتململ(3) ... في ليلة وردت عليَّ همومها
ببنات نعشٍ والسماك موكَّل(4) ... واعتادني حزن فبت كأنني
مما تأوبني شهاب مدخل(5) ... وكأنما بين الجوانح والحشى
يومًا بمؤتة أسندوا لم ينقلوا ... وجدا على النفر الذين تتابعوا
وسقى عظامهم الغمام المسبل(6) ... صلى الإله عليهم من فتية
حذر الردى ومخافة أن ينكلوا(7) ... صبروا بمؤتة للإله نفوسهم
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/259).
(2) أحن: من الحنين، وفي رواية أخن: صوت يخرج من الأنف عند البكاء.
(3) أتململ: أتقلب متبرمًا بمضجعي.
(4) يريد أنه بات يرعى النجوم طول ليله من طول السهاد.
(5) المدخل: النافذ إلى الداخل.
(6) المسبل: الممطر.
(7) صبروا نفوسهم: حبسوها على ما يريدون، ينكلوا: يرجعوا هائبين.

(4/51)


فُنُق(1) عليهن الحديد المرفل(2) ... فمضوا أمام المسلمين كأنهم
قدام أولهم فنعم الأول ... إذ يهتدون بجعفر ولوائه
حيث التقى وعث الصفوف مجدل ... حتى تفرجت الصفوف وجعفر
والشمس قد كسفت وكادت تأفل(3) ... فتغير القمر المنير لفقده
هذه بعض الأبيات التي بكى بها كعب بن مالك شهداء مؤتة، ولم يتغيب حسان بن ثابت - رضي الله عنه - عن نظم القصائد في بكاء قتلى مؤتة، وبكاء جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، فقد كانت المؤسسة الإعلامية تقوم بدورها بتفوق وجدارة وتتعبد المولى عز وجل بما أخصها به من ملكات ومواهب شعرية فذة.
__________
(1) فنق: الفحول من الإبل.
(2) المرفل: الذي تنجر أطرافه على الأرض، يريد أن دروعهم سابغة.
(3) تأفل: تغيب، السيرة النبوية لابن هشام (4/33، 34).

(4/52)


المبحث الخامس : سرية ذات السلاسل
لم تمضِ سوى أيام على عودة الجيش من مؤتة إلى المدينة حتى جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا بقيادة عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وذلك لتأديب قضاعة التي غرها ما حدث في مؤتة التي اشتركت فيها إلى جانب الروم، فتجمعت تريد الدنو من المدينة، فتقدم عمرو بن العاص في ديارها ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، ولما وصل إلى مكان تجمع الأعداء بلغه أن لهم جموعًا كثيرة، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب المدد فجاءه مدد بقيادة أبي عبيدة ابن الجراح(1)، وقاتل المسلمون الكفار وتوغل عمرو في ديار قضاعة التي هربت وتفرقت وانهزمت، ونجح عمرو في إرجاع هيبة الإسلام لأطراف الشام، وإرجاع أحلاف المسلمين لصداقتهم الأولى، ودخول قبائل أخرى في حلف المسلمين، وإسلام الكثيرين من بني عبس، وبني مرة وبني ذبيان، وكذلك فزارة وسيدها عيينة بن حصن في حلف مع المسلمين، وتبعها بنو سليم، وعلى رأسهم العباس بن مرداس، وبنو أشجع، وأصبح المسلمون هم الأقوى في شمال بلاد العرب، وإن لم يكن في بلاد العرب جميعهًا(2).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/471). (2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/433).

(4/53)


وفي هذه السرية دروس وعبر وحكم منها:
1- إخلاص عمرو بن العاص - رضي الله عنه -:
قال عمرو بن العاص: بعث إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذ عليك ثيابك، وسلاحك ثم ائتني فأتيته، وهو يتوضأ، فصعد في النظر، ثم طأطأ، فقال: إني أريد أن أبعثك على جيش(1) فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك في المال رغبة صالحة، قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح»(2).
فهذا الموقف يدل على قوة إيمان وصدق وإخلاص عمرو بن العاص للإسلام وحرصه على ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بين له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المال الحلال نعمة إذا وقع بيد الرجل الصالح؛ لأنه يبتغي به وجه الله ويصرفه في وجوه الخير ويعف به نفسه وأسرته(3).
2- الاتحاد قوة والتنازع ضعف:
عندما وصل المدد الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيادة أبي عبيدة بن الجراح لجيش عمرو في ذات السلاسل، أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ويتقدم عمرو، فقال له عمرو: إنما قدمت علي مددًا لي، وليس لك أن تؤمني، وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي صلى الله عليه وسلم إلي مددًا، فقال المهاجرون كلا، بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه، فقال عمرو: لا، بل أنتم مدد لنا، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف، وكان حسن الخلق، لين الطبع، قال: لتطمئن يا عمرو، وتعلمن أن آخر ما عهد إلي رسول الله أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وأنك والله إن عصيتني لأطيعنك، فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس(4).
__________
(1) جيش سرية ذات السلاسل.
(2) رواه ابن حبان كما في الموارد 2277، صحيح السيرة، ص508، صححه الألباني رحمه الله في صحيح الأدب المفرد.
(3) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (7/133).
(4) انظر: مغازي رسول الله لعروة، ص207، وأسانيدها ضعيفة.

(4/54)


لقد أدرك أبو عبيدة - رضي الله عنه - أن أي اختلاف بين المسلمين في سرية ذات السلاسل يؤدي إلى الفشل، ومن ثم تغلب العدو عليهم، ولهذا سارع إلى قطع النزاع، وانضم جنديًا تحت إمرة عمرو بن العاص امتثالا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تختلفا» (1).
3- حرص عمرو بن العاص على سلامة قواته:
ظهرت عبقرية عمرو العسكرية في ذات السلاسل في حرصه على وحدة الصف، وفي حرصه على سلامة قوته ويتجلى ذلك في عدة صور منها:
أ- أنه كان يسير ليلاً ويختفي نهارًا: كان عمرو يدرك بثاقب بصره، وبعد نظره أن العدو يمكن أن يسعى إلى معرفة أخباره قبل اللقاء بينهما، فيستعد للقاء جيش المسلمين؛ ولهذا رأى عمرو - رضي الله عنه - أن السير ليلا والاختفاء نهارًا هو أفضل أسلوب للمحافظة على قواته وحقق بذلك أمرين مهمين:
* إخفاء تحركاته عن عدوه وبذلك يضمن سلامة قواته.
* حماية الجند من شدة الحر وحتى يبقى لهم نشاطهم فيصلون إلى مكان المواجهة، وهم أقوياء على مجابهة أعدائهم.
ب- عدم السماح للجند بإيقاد النار: عندما طلب الجنود من عمرو أن يسمح لهم بإيقاد النار لحاجتهم الماسة إلى التدفئة منعهم من ذلك معتمدًا في ذلك على خبرته الحربية وعمق فكره العسكري وخوفًا من وقوع مفسدة أعظم من تلك المصلحة وهي أن يمتد الضوء فيكشف المسلمين، وهم قلة لأعدائهم فيهجموا عليهم، ويتجلى هذا الفقه في حزمه الشديد مع أصحابه عندما كلمه أبو بكر في ذلك فقال: لا يوقد أحد منهم نارًا إلا قذفته فيها، فلما رجعوا إلى المدينة ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم(2)، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على فعله.
__________
(1) انظر: غزوة الحديبية لأبي فارس، ص209.
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص509. (2) نفس المصدر، 509.

(4/55)


ج- منع الجند من مطاردة أعدائهم: عندما هزم المسلمون أعداءهم طمعوا فيهم، فأرادوا مطاردتهم وتتبع فلولهم، ولكن قائد السرية منع جنده من ذلك لئلا يترتب على هذه المطاردة مفسدة أعظم منها، وهي أن يقع المسلمون في كمين. ويتجلى هذا الفقه في قول عمرو بن العاص - رضي الله عنه - للرسول صلى الله عليه وسلم: وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد(1)، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا التصرف الحكيم الذي حقق للجيش الأمن والحماية(2).
4- من فقه عمرو بن العاص - رضي الله عنه -:
قال عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء: 29]. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا(3)، ولقد استُنبط بعض الأحكام من هذه القصة:
أ- التيمم يقوم مقام الغسل بالنسبة للجنب مع وجود الماء إذا خشي أن يؤدي استخدام الماء إلى الضرر، فلقد تيمم عمرو بن العاص لما أصبح جنبًا مع وجود الماء عنده وصلى وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه.
ب- يجوز الاجتهاد في عهده صلى الله عليه وسلم: فقد اجتهد عمرو بن العاص فتيمم وصلى وقد احتلم في تلك الليلة الباردة اعتمادًا على قوله تعالى ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء: 29] فلم ينكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهاده بل أقره على أمرين: الأول: جواز الاجتهاد، والثاني تصحيح اجتهاده.
__________
(2) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول، ص540.
(3) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص509، قال إبراهيم العلي: الحديث إسناده صحيح.

(4/56)


ج- من الأسباب المبيحة للتيمم تعذر استخدام الماء وإن وجد كالبرد الشديد.
د- تجوز إمامة المتيمم بالمتوضئ: فقد صلى عمرو بن العاص وهو متيمم إمامًا بخمسمائة صحابي قد توضأوا، وأقره الرسول على ذلك ولم ينكر عليه.
هـ- اجتهاد عمرو بن العاص يدل على فقهه ووفور عقله، ودقة استنباطه الحكم
من دليله(1). ولئن وقف الفقهاء عند هذه الحادثة يفرعون عليها الأحكام فإن الذي يستوقفنا(2) في السيرة منها تلك السرعة في أخذ عمرو للقرآن وصلته به حتى بات قادرًا على فقه الأمور من خلال الآيات وهو لم يمض على إسلامه أربعة أشهر، إنه الحرص على الفقه في دين الله، وقد يكون عمرو -وهذا احتمال وارد- على صلة بالقرآن قبل إسلامه يتتبع ما يستطيع الوصول إليه، وحينئذ نكون أمام مثال آخر من عظمة هذا القرآن الذي لوى أعناق الكافرين وجعلهم وهم في أشد حالات العداوة لهذا الدين يحاولون استماع هذا القرآن، كما رأينا ذلك في العهد المكي، ويؤيد هذا ما رأيناه من معرفته بالقرآن حينما طلب من النجاشي أن يسأل مهاجري الحبشة عن رأيهم في عيسى عليه السلام(3).
5- من نتائج سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشمال:
اتجهت حملات المسلمين العسكرية بعد صلح الحديبية نحو الشمال، وأصبح غرب الجزيرة وجنوبها الغربي حيث تقبع مكة آمنة في ظلال الصلح(4)، وحققت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدافها ومقاصدها في شمال الجزيرة، فوصلت إلى حدود الروم، فأمنت حدود الدولة الإسلامية، وبسطت هيبتها وأفشلت محاولات الإغارة على المدينة، وبذلك حققت سياسية النبي صلى الله عليه وسلم في حركة السرايا هدفين عظيمين هما:
1- تأمين حماية الدين الإسلامي في الداخل.
__________
(1) انظر: غزوة الحديبية لأبي فارس، ص210.
(2) القائل هو صالح أحمد الشامي صاحب معين السيرة، ص381.
(3) انظر: معين السيرة، ص381. (4) انظر: المجتمع المدني للعمري، ص170.

(4/57)


2- حمايته في الخارج(1).
وما من شك أن المتتبع لأحداث السيرة النبوية الشريفة والمطلع على تفاصيلها ودقائقها بإمعان يجد بحق أن صلح الحديبية هو من أهم المكاسب السياسية، والعسكرية، والإعلامية، بل هو حصيلة كسب لأعظم معركة دارت بين الإسلام والوثنية في العهد النبوي، من حيث النتائج الإيجابية التي رسخت دعائم الإسلام، من جهة، وصدعت بفعلها قواعد الشرك والوثنية من جهة أخرى، وما حدث في خيبر من فتوح، وفي مؤتة من نصر، وفي ذات السلاسل من توسيع هيبة الدولة الإسلامية إلا نتائج تابعة لصلح الحديبية(2) وبسبب القدرة الفائقة في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع سنن الله في المجتمعات والشعوب، وبناء الدول.

الفصل الخامس عشر : غزوة فتح مكة (8هـ)
المبحث الأول : أسبابها، والاستعداد للخروج والشروع فيه
أولاً: أسبابها:
1- ارتكبت قريش خطأ فادحًا عندما أعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين بالخيل والسلاح والرجال، وهاجم بنو بكر وحلفاؤهم قبيلة خزاعة عند ماء يقال له الوتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها(3)، ولما لجأت خزاعة إلى الحرم الآمن
-ولم تكن متجهزة للقتال- لتمنع بني بكر منه، قالت لقائدهم: يا نوفل، إنا قد دخلنا حرم إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم(4)، عندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي، في أربعين من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكر، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريش بني بكر عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال:
حلف أبينا وأبيه الأتلدا ... يا رب إني ناشدٌ محمدًا
__________
(1) الإعلام في صدر الإسلام، د. عبد اللطيف حمزة، ص173.
(2) انظر: منهج الإعلام الإسلامي، ص337.
(3) انظر: الواقدي (2/781- 784).
(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/39).

(4/58)


ثُمت أسلمنا فلم ننزع يدا(1) ... قد كنتم وُلدًا، وكنا والدًا
وادع عباد الله يأتوا مددا ... فانصر -هداك الله- نصرًا أعتدا
إن سيم خسفا وجهه تربدا ... فيهم رسول الله قد تجردا
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدًا
وجعلوا لي في (كَدَاءِ) رُصَّدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وهم أذل وأقل عددا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وقتلونا ركَّعا وسُجَّدا ... هم بيتونا بالوتير هجّدا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نُصرت يا عمرو بن سالم! (2) لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب» ولما عرض السحاب من السماء قال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب(3).
وجاء في رواية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سمع وتأكد من الخبر أرسل إلى قريش فقال لهم: «أما بعد، فإنكم إن تبرؤوا من حلف بني بكر، أتُدوا خزاعة(4)، وإلا أوذنكم بحرب» فقال قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف صهر معاوية: إن بني بكر قوم مشائيم، فلا ندى ما قتلوا لنا سبد، ولا لبد(5)، ولا نبرأ من حلفهم فلم يبق على ديننا أحد غيرهم، ولكن نؤذنه بحرب(6).
وفي هذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفاجئ قريشًا بالحرب وإنما خيرَّهم بين هذه الخصال الثلاث فاختاروا الحرب(7).
2- أبو سفيان يحاول تلافي حماقة قريش:
__________
(1) يريد أن أم عبد مناف وأم قصير خزاعيتان.
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/44).
(3) المصدر نفسه (4/44)، البداية والنهاية (4/278).
(4) أي تدفعوا دية قتلاهم.
(5) السبد: الشعر واللبد: الصوف، يعني إن فعلنا ذلك لم يبق لنا شيء.
(6) انظر: المطالب العالية (4/243) رقم 4361، قال ابن حجر: مرسل صحيح الإسناد.
(7) انظر: التاريخ الإسلامي (7/164).

(4/59)


بعثت قريش أبا سفيان إلى المدينة لتمكين الصلح وإطالة أمده، وعندما وصل إلى المدينة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض حاجته، أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجبه، فاستعان بكبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حتى يتوسطوا بينه وبين رسول الله، فأبوا جميعًا، فعاد أبو سفيان إلى مكة من غير أن يحظى بأي اتفاق أو عهد(1)، ومما يذكر عند نزوله في المدينة أنه دخل على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين، وأراد أن يجلس على فراش رسول الله طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟! قالت: بل هذا فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس، قال: والله لقد أصابك بعدي شر(2).
وهذا الموقف لا يستغرب من أم حبيبة، فهي ممن هاجر الهجرتين وقد قطعت صِلاتها بالجاهلية منذ أمد بعيد، إنها لم تر أباها منذ ست عشرة سنة، فلما رأته لم تر فيه الوالد الذي ينبغي أن يقدر ويحترم، وإنما رأت فيه رأس الكفر الذي وقف في وجه الإسلام وحارب رسوله تلك السنوات الطويلة(3)، وهذا ما كان يتصف به الصحابة رضي الله عنهم من تطبيق أحكام الإسلام في الولاء والبراء وإعزاز الإسلام والمسلمين. وفي مخاطبة أم حبيبة لأبيها بهذا الأسلوب -مع كونه أباها ومع مكانته العالية في قومه وعند العرب- دليلٌ على قوة إيمانها ورسوخ يقينها، لقد كان في سلوك أم حبيبة مظهر من اجتهاد الصحابة البالغ في إظهار أمر له أهميته البالغة في المحافظة على شخصية المسلم ودفع معنوياته إلى النماء والحيوية(4).
وأمام نقض قريش للعهود والمواثيق مع المسلمين فقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة وتأديب كفارها، وقد ساعده على ذلك العزم -بعد توفيق الله- عدة أسباب منها:
__________
(1) انظر: التاريخ السياسي والعسكري، د. علي معطي، ص365.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/479).
(3) انظر: معين السيرة، ص395.
(4) انظر: التاريخ الإسلامي (7/170، 171).

(4/60)


أ- قوة جبهة المسلمين الداخلية في المدينة وتماسكها: فقد تخلصت الدولة الإسلامية من غدر اليهود، وتم القضاء على يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، ويهود خيبر.
ب- ضعف جبهة الأعداء في الداخل: وفي مقدمة هؤلاء المنافقون الذين فقدوا الركن الركين لهم -وهو يهود المدينة- فهم أساتذتهم الذين يوجهونهم ويشيرون عليهم.
ج- اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتطوير القوة العسكرية، وإرسال السرايا في فترة الصلح؛ وبذلك أصبحت متفوقة على قوة مشركي قريش حيث العدد والعدة والروح المعنوية.
د- كانت الغزوة بعد أن ضعفت قريش اقتصاديًّا وبعد أن قويت الدولة الإسلامية اقتصاديًّا، فقد فتح المسلمون خيبر وغنموا منها أموالاً كثيرة.
هـ- انتشار الإسلام في القبائل المجاورة للمدينة، وهذا يطمئن القيادة حين تتخذ قرارها العسكري بنقل قواتها ومهاجمة أعدائها.
و- قيام السبب الجوهري والقانوني لغزو مكة، وهو نقض قريش للعهد والعقد(1). ونلحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضيع قانون الفرصة وتعامل معه بحكمة بالغة، فكان فتح خيبر، وذلك بعد صلح الحديبية، والآن تتاح فرصة أخرى بعد أن نقضت قريش عهدها، وتغيرت موازين القوى في المنطقة، فكان لا بد من الاستفادة من المعطيات الجديدة، فأعد صلى الله عليه وسلم جيشًا لم تشهد له الحجاز مثيلاً من قبل، فقد وصلت عدته إلى عشرة آلاف رجل(2).
ثانيًا: الاستعداد للخروج:
__________
(1) انظر: السيرة لأبي فارس، ص401.
(2) انظر: الكامل في التاريخ (2/244)، التاريخ السياسي والعسكري ص366.

(4/61)


إن حركة النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الدولة وتربية المجتمع وإرسال السرايا، وخروجه في الغزوات، تعلمنا كيفية التعامل مع سنة الأخذ بالأسباب، سواء كانت تلك الأسباب مادية أو معنوية، ففي غزوة الفتح نلاحظ هذه السنة واضحة في هديه صلى الله عليه وسلم؛ فعندما قرر صلى الله عليه وسلم السير لفتح مكة، حرص على كتمان هذا الأمر؛ حتى لا يصل الخبر إلى قريش فتعد العدة لمجابهته، وتصده قبل أن يبدأ في تنفيذ هدفه، وشرع في الأخذ بالأسباب الآتية لتحقيق مبدأ المباغتة:
1- أنه كتم أمره حتى عن أقرب الناس إليه:
فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمبدأ السرِّية المطلقة والكتمان الشديد حتى عن أقرب الناس إليه وهو أبو بكر - رضي الله عنه - أقرب أصحابه إلى نفسه، وزوجته عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه، فلم يعرف أحد شيئًا عن أهدافه الحقيقية، ولا باتجاه حركته، ولا بالعدو الذي ينوي قتاله؛ بدليل أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما سأل ابنته عائشة رضي الله عنها عن مقصد الرسول صلى الله عليه وسلم قالت له: ما سمى لنا شيئًا. وكانت أحيانًا تصمت، وكلا الأمرين يدل على أنها لم تعلم شيئًا عن مقصده صلى الله عليه وسلم(1).
ويستنبط من هذا المنهج النبوي الحكيم أنه ينبغي للقادة العسكريين أن يخفوا خططهم عن زوجاتهم؛ لأنهن ربما يذعن شيئًا من هذه الأسرار -عن حسن نية- فتتنقلها الألسن حتى تصير سببًا في حدوث كارثة عظيمة(2).
2- أنه بعث سرية بقيادة أبي قتادة إلى بطن إضم:
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/282)، الرسول القائد، شيت خطاب، ص333، 334.
(2) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول، ص395، 396.

(4/62)


بعث النبي صلى الله عليه وسلم قبل مسيرة مكة سرية مكونة من ثمانية رجال؛ وذلك لإسدال الستار على نياته الحقيقية، وفي ذلك يقول ابن سعد: (لما همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضم(1) ليظن ظان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إلى تلك الناحية؛ ولأن تذهب بذلك الأخبار، فمضوا ولم يلقوا جمعًا، فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب(2) فبلغهم أن رسول الله قد توجه إلى مكة، فأخذوا على (بيبين) حتى لقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالسُّقيا(3)) (4).
وهذا منهج نبوي حكيم في توجيه القادة من بعده إلى وجوب أخذ الحذر وسلوك ما يمكن من أساليب التضليل على الأعداء والإيهام التي من شأنها صرف أنظار الناس عن معرفة مقاصد الجيوش الإسلامية التي تخرج من أجل الجهاد في سبيل الله حتى تحقق أهدافها وتسلم من كيد أعدائها(5).
3- أنه بعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء:
بث صلى الله عليه وسلم رجال استخبارات الدولة الإسلامية داخل المدينة وخارجها حتى لا تنتقل أخباره إلى قريش، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنقاب(6)، فكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يطوف على الأنقاب قيمًا بهم فيقول: لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه.. إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به ويسأل عنه أو ناحية مكة(7).
__________
(1) بطن إضم: وادي المدينة الذي يجتمع فيه الوديان الثلاثة، بطحان، وقناة، والعقيق.
(2) ذو خشب: هو موضع على مرحلة من المدينة إلى الشام يبعد عن المدينة 35ميلا.
(3) السقيا: موضع يقع في وادي القرى، معجم البلدان (3/288).
(4) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/132).
(5) انظر: القيادة العسكرية، ص498.
(6) الأنقاب: جمع نقب، وهو كالعريف على القوم.
(7) التحفظ: هو الاحتراز والتيقظ، مغازي الواقدي (2/796).

(4/63)


إن جمع المعلومات سلاح ذو حدين، وقد استفاد الرسول صلى الله عليه وسلم من حدِّه النافع لصالح المسلمين، وأبطل مفعول الحد الآخر باتباعه السرِّية واتخاذها أساسًا لتحركاته واستعداداته؛ ليحرم عدوه من الحصول على المعلومات التي تفيده في الاستعداد لمجابهة هذا الجيش بالقوة المناسبة(1).
4- دعاؤه صلى الله عليه وسلم بأخذ العيون والأخبار عن قريش:
وبعد أن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسباب البشرية التي في استطاعته توجه إلى الله عز وجل بالدعاء والتضرع قائلا: «اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة»(2).
وهذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم في أموره؛ يأخذ بجميع الأسباب البشرية، ولا ينسى التضرع والدعاء لرب البرية ليستمد منه التوفيق والسداد.
5- إحباط محاولة تجسس حاطب لصالح قريش:
__________
(1) انظر: القيادة العسكرية، ص365.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/282).

(4/64)


عندما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم استعداده للسير إلى فتح مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة يخبرهم فيه نبأ تحرك النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وأرسله مع امرأة مسافرة إلى مكة، ولكن الله -سبحانه وتعالى- أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي على هذه الرسالة، فقضى صلى الله عليه وسلم على هذه المحاولة وهي في مهدها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا والزبير والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخ على بعد اثني عشر ميلا من المدينة، وهددوها أن يفتشوها إن لم تخرج الكتاب فسلمته لهم، ثم استدعي حاطب - رضي الله عنه - للتحقيق، فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقًا في قريش -يقول: كنت حليفًا- ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقكم».

(4/65)


فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم(1)، فأنزل الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) [الممتحنة: 1].
ويقول الأستاذ سيد قطب: على الرغم من كل ما ذاق المهاجرون من العنت والأذى من قريش فقط ظلت بعض النفوس تود لو وقعت بينهم وبين أهل مكة المحاسنة والمودة، وأن لو انتهت هذه الخصومة القاسية التي تكلفهم قتال أهليهم وذوي قرابتهم، وتقطع ما بينهم وبينهم من صلات، وكأن الله يريد استقصاء هذه النفوس واستخلاصها من كل هذه الوشائج، وتجريدها لدينه وعقيدته ومنهجه... فكان يأخذهم يوما بعد يوم بعلاجه الناجع البالغ، بالأحداث والتعقيب على الأحداث ليكون العلاج على مسرح الأحداث، وليكون الطرق والحديد ساخن(2).
ثالثًا: الشروع في الخروج وأحداث في الطريق:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، (5/105) رقم 4274.
(2) في ظلال القرآن (6/358).

(4/66)


1- خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدًا مكة في العاشر من رمضان من العام الثامن للهجرة(1) واستخلف على المدينة أبا رهم، كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري(2) وكان عدد الجيش عشرة آلاف فيهم المهاجرون والأنصار الذين لم يتخلف منهم أحد، فسار هو ومن معه إلى مكة يصوم ويصومون، فلما وصل الجيش الكديد (الماء الذي بين قديد وعسفان) أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر الناس معه(3) وفي الجحفة لقيه العباس بن عبد المطلب عمه وقد خرج مهاجرًا بعياله، فسر صلى الله عليه وسلم(4). وفي خروج العباس بأهله وأولاده من مكة -وكان بها بمثابة المراسل العسكري أو مدير الاستخبارات هناك- إشارة إلى أن مهمته فيها قد انتهت، وخاصة إذا لاحظنا أن بقاءه في مكة كان بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم(5).
2- إسلام أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية:
خرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بن المغيرة من مكة، فلقيا رسول الله بثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصهرك، فقال: لا حاجة لي فيهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك -ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له- فقال: والله ليأذنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهب في الأرض حتى نموت عطشًا أو جوعًا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما، فدخلا عليه، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره عما كان مضى فيه فقال:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص560، 561.
(2) المصدر نفسه، ص561.
(3) البخاري، كتاب المغازي (5/106) رقم 4276.
(4) انظر: البداية والنهاية (4/286)، السيرة النبوية لأبي فارس، ص406.
(5) انظر: تأملات في السيرة النبوية، محمد السيد الوكيل، ص254.

(4/67)


لتغلب خيل اللات خيل محمد ... لعمرك إني يوم أحمل راية
فهذا أوان الحق أهدي وأهتدي ... لكالمدلج الحيران أظلم ليله
وقل لثقيف تلك عندي فأوعدي ... فقل لثقيف لا أريد قتالكم
إلى الله من طرَّدت كل مطرد ... هداني هاد غير نفسي ودلني
وأدعى وإن لم أنتسب لمحمد ... أفر سريعًا جاهدًا عن محمد
وإن كان ذا رأي يُلَمْ ويفند ... همُ عصبة من لم يقل بهواهم
مع القوم ما لم أهد في كل مقعد ... أريد لأرضيهم ولست بلاقط
وما كان عن غير لساني ولا يدي ... فما كنت في الجيش الذي نال عامرا
توابع جاءت من سهام وسردد ... قبائل جاءت من بلاد بعيدة
سيسعى لكم امرؤ غير مقدد(1) ... وإن الذي أخرجتم وشتمتم
قال: فلما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم (إلى الله من طردت كل مطرد)، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، فقال: «أنت طردتني كل مطرد»(2).
كان أبو سفيان بن الحارث يهجو بشعره رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا، وأما عبد الله بن أمية فقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فوالله لا أومن بك حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك كما تقول، ثم وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك)(3).
ومع فداحة جرمهما فإن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهما وقبل عذرهما، وهذا مثال عالٍ في الرحمة والعفو والتسامح، ولقد كفَّر أبو سفيان بن الحارث عن أشعاره السابقة بهذه القصيدة البليغة التي قالها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وبيان اهتدائه به، ولقد حسن إسلامه، وكان له موقف مشرف في الجهاد مع رسول الله في معركة حنين(4).
3- النزول بمر الظهران وإسلام أبي سفيان بن حرب سيد قريش:
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص517.
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/43- 45) ومجمع الزوائد (6/164- 167).
(3) انظر: ابن هشام (1/295- 300).
(4) انظر: التاريخ الإسلامي (7/182).

(4/68)


وتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره حتى أتى مر الظهران(1) فنزل فيه عشاء، فأمر الجيش فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله على الحرس عمر بن الخطاب(2).
قال العباس: فقلت: واصباح قريش! والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، وركب بغلة رسول الله وخرج يلتمس من يوصل الخبر إلى مكة ليخرجوا إلى رسول الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، وكان أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قد خرجوا يلتمسون الأخبار، فلما رأوا النيران قال أبو سفيان: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا، فقال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب(3)، فقال أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.. وسمع العباس أصواتهم فعرفهم فقال: يا أبا حنظلة، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك، فداك أبي وأمي؟! قال العباس: قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟! قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب
__________
(1) مر الظهران: واد من أودية الحجاز شمال مكة بـ 22كم.
(2) انظر: معين السيرة، ص387، الطبقات لابن سعد (2/135).
(3) حمشتها الحرب: أحرقتها.

(4/69)


عنقه، قال: قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته. فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر، فوالله أن لو كان من بني عدي ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به»، فلما أصبح غدوت به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟» قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني بعد، قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا، فقال له العباس: ويحك أسلم قبل أن نضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. قال العباس: قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» فلما ذهب لينصرف قال رسول الله: «يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها» قال: فخرجت حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة.. حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد

(4/70)


بهؤلاء قبل ولا طاقة، ثم قال: والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك
اليوم عظيمًا. قال: قلت: يا أبا سفيان: إنها النبوة، قال: فنعم إذن، قال: قلت: النجاء
إلى قومك(1).
إن في هذه القصة دروسا وعبرا وحكما في كيفية معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفوس البشرية ومن أهم هذه الدروس:
1- عندما أصبح أبو سفيان رهينة بيد المسلمين، وأصبح رهن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم، وهمَّ به عمر، وأجاره العباس، ثم جاء في صبيحة اليوم الثاني ليمثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت المفاجأة الصاعقة له بدل التوبيخ والتهديد والإذلال أن يدعى إلى الإسلام، فتأثر بهذا الموقف واهتز كيانه؛ فلم يملك إلا أن يقول: بأبي أنت وأمي يا محمد، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! إنه يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمه، ويثني عليه الخير كله: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك!(2) وعندما قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ففي تخصيص بيت أبي سفيان شيئًا يشبع ما تتطلع إليه نفس أبي سفيان، وفي هذا تثبيت له على الإسلام وتقوية لإيمانه(3) وكان هذا الأسلوب النبوي الكريم عاملا على امتصاص الحقد من قلب أبي سفيان، وبرهن له بأن المكانة التي كانت له عند قريش، لن تنتقص شيئا في الإسلام، إن هو أخلص له وبذل في سبيله(4) وهذا منهج نبوي كريم على العلماء والدعاة إلى الله أن يستوعبوه ويعملوا به في تعاملهم مع الناس.
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص518- 520.
(2) انظر: فقه السيرة النبوية للغضبان، ص564.
(3) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/403).
(4) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد رواس، ص245.

(4/71)


2- وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس عن أبي سفيان: «احبسه بمضيق الوادي، حتى تمر به جنود الله فيراها»(1) ففعل العباس، وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن يشن حربًا نفسية للتأثير على معنويات قريش حتى يتسنى له القضاء على روح المقاومة عند زعيم مكة، وحتى يرى أبو سفيان بعيني رأسه مدى قوة ما وصل إليه الجيش الإسلامي من تسليح وتنظيم وحسن طاعة وانضباط؛ وبذلك تتحطم أي فكرة في نفوس المكيين يمكن أن تحملهم على مقاومة هذا الجيش المبارك إذا دخل مكة لتحريرها من براثن الشرك والوثنية(2)، وبالفعل تم ما رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدرك أبو سفيان قوة المسلمين، وأنه لا قبل لقريش بهم، حتى إذا مرت به كتيبة المهاجرين والأنصار قال أبو سفيان: سبحان الله! يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال: قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: نعم إذاً....(3).
«إنها النبوة»؛ تلك هي الكلمة التي أدارتها الحكمة الإلهية على لسان العباس، حتى تصبح الرد الباقي إلى يوم القيامة على كل من يتوهم أو يوهم أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت ابتغاء ملك أو زعامة، أو إحياء قومية أو عصبية، وهي كلمة جاءت عنوانًا لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، فقد كانت ساعات عمره ومراحلها كلها دليلاً ناطقا على أنه بعث لتبليغ رسالة الله إلى الناس، لا لإشادة ملك لنفسه في الأرض(4).
__________
(1) انظر: سيرة ابن هشام (4/52).
(2) انظر: القيادة العسكرية في عهد الرسول، ص447.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/52).
(4) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص275.

(4/72)


لقد تعمد النبي صلى الله عليه وسلم شن الحرب النفسية على أعدائه أثناء سيره لفتح مكة، حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيقاد النيران فأوقدوا عشرة آلاف نار في ليلة واحدة حتى ملأت الأفق، فكان لمعسكرهم منظر مهيب كادت تنخلع قلوب القريشيين من شدة هوله(1)، وقد قصد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تحطيم نفسيات أعدائه والقضاء على معنوياتهم حتى لا يفكروا في أية مقاومة، وإجبارهم على الاستسلام لكي يتم له تحقيق هدفه دون إراقة دماء، وبتطبيق هذا الأسلوب تم له صلى الله عليه وسلم ما أراد، ولقد كان اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بمعنويات المقاتل ونفسيته سبقًا عسكريًّا؛ بدليل أن المدارس العسكرية التي جاءت فيما بعد جعلت هذا الأمر موضع العناية والاهتمام من الناحية العسكرية(2).

المبحث الثاني : خطة النبي صلى الله عليه وسلم لدخول مكة وفتحها
أولاً: توزيع المهام بين قادة الصحابة:
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي طوى(3) وزع المهام، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة(4) وبطن الوادي، فقال: «يا أبا هريرة ادع لي الأنصار» فدعاهم فجاءوا يهرولون، فقال: «يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟» قالوا: نعم، قال: «انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تحصدوهم حصدًا» وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله وقال: «موعدكم الصفا»(5).
__________
(1) انظر: الطبقات لابن سعد (2/135).
(2) انظر: العبقرية العسكرية وغزوات الرسول، اللواء محمد فرج، ص565.
(3) انظر: معين السيرة، ص389. (2) البياذقة: الرجالة.
(5) مسلم، باب فتح مكة. (4،5) انظر: معين السيرة، ص390.

(4/73)


وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم، وأمره أن يدخل من كداء من أعلى مكة وأمره أن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت، وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم(1). وبهذا كانت المسئوليات واضحة، وكل قد عرف ما أسند إليه من مهام والطريق الذي ينبغي أن يسير فيه(2).

(4/74)


ودخلت قوات المسلمين مكة من جهاتها الأربع في آنٍ واحدٍ، ولم تلق تلك القوات مقاومة، وكان في دخول جيش المسلمين من الجهات الأربع ضربة قاضية لفلول المشركين، حيث عجزت عن التجمع، وضاعت منها فرصة المقاومة، وهذا من التدابير الحربية الحكيمة التي لجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أصبح في مركز القوة في العدد والعتاد، ونجحت خطة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فلم يستطع المشركون المقاومة، ولا الصمود أمام الجيش الزاحف إلى أم القرى، فاحتل كل فيلق منطقته التي وجه إليها، في سلم واستسلام، إلا ما كان من المنطقة التي توجه إليها خالد(1)، فقد تجمع متطرفو قريش ومنهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو وغيرهم مع بعض حلفائهم في مكان اسمه (الخندمة) وتصدوا للقوات المتقدمة بالسهام، وصمموا على القتال، فأصدر خالد بن الوليد أوامره بالانقضاض عليهم، وما هي إلا لحظات حتى قضى على تلك القوة الضعيفة وشتت شمل أفرادها، وبذلك أكمل الجيش السيطرة على مكة المكرمة(2). وقد حدثتنا كتب السيرة والتاريخ عن قصة حماس بن خالد من قبيلة بني بكر، فقد أعد سلاحًا لمقاتلة المسلمين، وكانت امرأته إذا رأته يصلحه ويتعهده تسأله: لماذا تعدُّ ما أرى؟ فيقول: لمحمد وأصحابه، وقالت امرأته له يومًا: والله ما أرى أنه يقوم لمحمد وصحبه شيء، فقال: إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم.. ثم قال:
هذا سلاح كامل وألَّة(3) ... إن يقبلوا اليوم فما لي علة
وذو غرارين سريع السلة
فلما جاء يوم الفتح ناوش حماس هذا شيئًا من قتال مع رجال عكرمة، ثم أحس بالمشركين يتطايرون من حوله أمام جيش خالد، فخرج منهزمًا حتى بلغ بيته فقال لامرأته: أغلقي عليَّ الباب...
__________
(1) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص397.
(2) انظر: قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية، ص122، 123.
(3) ألة: حربة. (3) المؤتمة: الأسطوانة، وأبو يزيد: سهيل بن عمرو.

(4/75)


فقالت المرأة لفارسها المعلم: فأين ما كنت تقول؟
فقال يعتذر لها:
إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمة(1) ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضربًا فلا تسمع إلا غمغمة
لهم نهيتٌ(2) خلفنا وهمهمة ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة(3)
لقد أعلن في مكة قبيل دخول جيش المسلمين أسلوب منع التجول؛ لكي يتمكنوا من دخول مكة بأقل قدر من الاشتباكات والاستفزازات، وإراقة الدماء، وكان الشعار المرفوع: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن»، وجعل صلى الله عليه وسلم لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون أبو سفيان ساعده في إقناع المكيين بالسلم والهدوء، ويستخدمه كمفتاح أمان يفتح أمامه الطريق إلى مكة دون إراقة دماء، ويشبع في نفسه عاطفة الفخر التي يحبها أبو سفيان حتى يتمكن الإيمان من قلبه(4).
لقد دخل أبو سفيان إلى مكة مسرعًا ونادى بأعلى صوته:
يا معشر قريش، هذا محمد جاءكم فيما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميث الدسم الأحمس -تشبهه بالزق لسمنه-، قبح من طليعة قوم. قال: ويلكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم؛ فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله! وما تغني عنا دارك؟! قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. وتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد(5).
__________
(2) النهيت: صوت الصدر.
(3) انظر: البداية والنهاية (4/295).
(4) انظر: دراسة في السيرة، د. عماد الدين خليل، ص245.
(5) انظر: البداية والنهاية (4/290). (2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص524.

(4/76)


وحرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الكداء التي بأعلى مكة(1) تحقيقًا لقول صاحبه الشاعر المبدع حسان بن ثابت، حين هجا قريشا وأخبرهم بأن خيل الله تعالى ستدخل من كداء، وتعد هذه القصيدة من أروع ما قال حسان، حيث قال:
تثير النقع(2) موعدها كداء ... عدمنا خيلنا إن لم تروها
على أكتافها الأسل الظماء ... ينازعن الأعنة مصغيات
يلطمهن بالخُمُرِ النساء ... تظل جيادنا متمطرات
وكان الفتح وانكشف الغطاء ... فإما تعرضوا عنا اعتمرنا
يعز(3) الله فيه من يشاء ... وإلا فاصبروا لجلاد يوم
وروح القدس ليس له كفاء ... وجبريل رسول الله فينا
يقول الحق إن نفع البلاء ... وقال الله قد أرسلت عبدا
فقلتم لا نقوم ولا نشاء ... شهدت به فقوموا صدقوه
هم الأنصار عرصتها اللقاء ... وقال الله قد سيرت جندًا
سباب أو قتال أو هجاء ... لنا في كل يوم من معد
ونضرب حين تختلط الدماء ... فنحكم بالقوافي من هجانا
مغلغلة(4) فقد برح الخفاء ... ألا أبلغ أبا سفيان عني
وعبد الدار سادتها الإماء ... بأن سيوفنا تركتك عبدًا
وعند الله في ذاك الجزاء ... هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه
فشركما لخيركما الفداء ... أتهجوه ولست له بكفء؟!
أمين الله شيمته الوفاء ... هجوت مباركًا برًّا حنيفًا
ويحمده وينصره سواء ... أمن يهجو رسول الله منكم
لعرض محمد منكم وقاء ... فإن أبي ووالده وعرضي
وبحري لا تكدره الدلاء(5) ... لساني صارم لا عيب فيه
__________
(2) النقع: موضع قرب مكة، أو الغبار. (4) انظر: البداية والنهاية (4/309).
(4) مغلغلة: رسالة محمولة من بلد إلى بلد.
(5) انظر: البداية والنهاية (4/309).

(4/77)


ومما يؤيد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على دخوله من كداء ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر(1)؛ فتبسم إلى أبي بكر فقال: «يا أبا بكر، كيف قال حسان؟» فأنشده قوله:
تلطمهن بالخُمُر النساء(2) ... تظل جيادنا متمطرات
ثانيًا: دخول خاشع متواضع، لا دخول فاتح متعالٍ:
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام(3)، وهو واضع رأسه تواضعًا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح(4) مستشعرًا بنعمة الفتح وغفران الذنوب، وإفاضة النصر العزيز(5)، وعندما دخل مكة فاتحًا -وهي قلب جزيرة العرب ومركزها الروحي والسياسي- رفع كل شعار من شعائر العدل والمساواة، والتواضع والخضوع، فأردف أسامة بن زيد(6) -وهو ابن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- ولم يردف أحدا من أبناء بني هاشم وأبناء أشراف قريش وهم كثير، وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة ثمانٍ من الهجرة(7).
يقول محمد الغزالي في وصف دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة:
__________
(1) الخمر جمع خمار، مأخوذ من الخمر وهو الستر وهو ما تستر به النساء وجوههن.
(2) انظر: مغازي الواقدي (2/831). (4) مسلم رقم 1358.
(4) البخاري، كتاب المغازي (5/108) رقم 4281.
(5) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص396.
(6) البخاري، كتاب المغازي رقم 4289.
(7) انظر: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي، ص337.

(4/78)


على حين كان الجيش الزاحف يتقدم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشع لله، لقد انحنى على رحله وبدا عليه التواضع الجمّ.. إن الموكب الفخم المهيب الذي ينساب به حثيثا إلى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذي يحف به ينتظر إشارة منه فلا يبقى بمكة شيء آمن، إن هذا الفتح المبين ليذكره بماض طويل الفصول: كيف خرج مطاردًا؟ وكيف يعود اليوم منصورًا مؤيدًا؟ وأي كرامة عظمى حفه الله بها هذا الصباح الميمون؟ وكلما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعًا وانحناء...(1).
هذا وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تأمين الجبهة الداخلية في مكة عند دخوله يوم الفتح؛ ولذلك عندما بلغته مقولة سعد بن عبادة لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم نستحل الكعبة، قال صلى الله عليه وسلم: «هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة»(2)، وأخذ الراية من سعد بن عبادة وسلمها لابنه قيس بن سعد؛ وبهذا التصرف الحكيم حال دون أي احتمال لمعركة جانبية هم في غنى عنها، وفي نفس الوقت لم يثره، ولا أثار الأنصاري، فهو لم يأخذ الراية من أنصاري ويسلمها لمهاجر، بل أخذها من أنصاري وسلمها لابنه، ومن طبيعة البشر ألا يرضى الإنسان بأن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه(3).
__________
(1) انظر: فقه السيرة للغزالي، ص379، 380.
(2) البخاري، كتاب المغازي، باب أين ركز النبي الراية يوم الفتح (5/108) رقم 4280.
(3) انظر: قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية، ص196.

(4/79)


ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: ( جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) [الإسراء:81] ( جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ) [سبأ:49] والأصنام تتساقط على وجوهها(1) وإنه لمظهر رائع لنصر الله وعظيم تأييده لرسوله، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذًا(2)، ورأى في الكعبة الصور والتماثيل فأمر بالصور وبالتماثيل فكسرت(3) وأبى أن يدخل جوف الكعبة حتى أخرجت الصور، وكان فيها صورة يزعمون أنها صورة إبراهيم وإسماعيل وفي يديهما من الأزلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قاتلهم الله؛ لقد علموا ما استقسما بها قط...»(4).
ثم دخل البيت وكبَّر في نواحيه ثم صلى، فقد روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقها عليه ثم مكث فيها، قال ابن عمر: فسألت بلالا حين خرج: ما صنع رسول الله؟ قال: جعل عمودين عن يساره وعمودًا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه -وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة- ثم صلى(5).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص339. (5) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص282.
(3) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص339. (7) البخاري، كتاب المغازي، (5/110) رقم 4288.
(5) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/61، 62).

(4/80)


وكان مفتاح الكعبة مع عثمان بن طلحة، قبل أن يسلم، فأراد علي - رضي الله عنه - أن يكون المفتاح له مع السقاية، لكن النبي صلى الله عليه وسلم دفعه إلى عثمان بعد أن خرج من الكعبة ورده إليه قائلا: اليوم يوم بر ووفاء(1)، وكان صلى الله عليه وسلم قد طلب من عثمان بن طلحة المفتاح قبل أن يهاجر إلى المدينة، فأغلظ له القول ونال منه، فحلم عنه، وقال: «يا عثمان، لعلك ترى هذا المفتاح يومًا بيدي، أضعه حيث شئت» فقال: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال: «بل عمرت وعزت يومئذ»، ووقعت كلمته من عثمان بن طلحة موقعًا، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال(2)، ولقد أعطى له رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة قائلا له: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء(3)، خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم»(4) وهكذا لم يشأ النبي صلى الله عليه وسلم أن يستبد بمفتاح الكعبة، بل لم يشأ أن يضعه في أحد من بني هاشم، وقد تطاول لأخذه رجال منهم، لما في ذلك من الإثارة، ولما به من مظاهر السيطرة وبسط النفوذ، وليست هذه من مهام النبوة بإطلاق... هذا مفهوم الفتح الأعظم في شرعة رسول الله صلى الله عليه وسلم: البر والوفاء حتى للذين غدروا ومكروا، وتطاولوا(5).
هذا، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يصعد فوق ظهر الكعبة فيؤذن للصلاة، فصعد بلال وأذن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على آذانهم كأنهم في حلم، إن هذه الكلمات تقصف في الجو فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين؛ فلا يملكون أمام دويها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر(6).
__________
(1) المصدر نفسه (4/61). (3) انظر: المغازي، (2/838).
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/62).
(4) انظر: المغازي (2/838).
(5) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص401.
(6) انظر: فقه السيرة للغزالي، ص383. (8) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص269.

(4/81)


ذلك الصوت الذي كان يهمس يومًا ما تحت أسواط العذاب: أحد، أحد، أحد.. ها هو اليوم يجلجل فوق كعبة الله تعالى قائلا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والكل خاشع منصت خاضع(1).
ثالثًا: إعلان العفو العام:
1- نال أهل مكة عفوًا عامًّا رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم، فقال: «ما تظنون أني فاعل بكم؟» فقالوا: خيرًا أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ، فقال: ( لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ) [يوسف:92](2).
وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي، وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها، وعدم فرض الخراج عليها، فلم تعامل مكة كما عوملت المناطق الأخرى المفتوحة عنوة؛ لقدسيتها وحرمتها، فإنها دار النسك، ومتعبد الخلق، وحرم الرب تعالى، لذلك ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارة بيوتها؛ فهي مناخ لمن سبق، يسكن أهلها فيما يحتاجون إلى سكناه من دورها، وما فضل عن حاجتهم فهو لإقامة الحجاج والمعتمرين والعباد القاصدين، وذهب آخرون إلى جواز بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها، وأدلتهم قوية في حين أن أدلة المانعين مرسلة وموقوفة(3).
2- إهدار النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الدماء:
__________
(2) انظر: المجتمع المدني للعمري، ص179.
(3) المصدر نفسه، ص180.

(4/82)


إلى جانب ذلك الصفح الجميل كان هناك الحزم الأصيل، الذي لا بد أن تتصف به القيادة الحكيمة الرشيدة، ولذلك استثنى قرار العفو الشامل بضعة عشر رجلا أمر بقتلهم، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة؛ لأنهم عظمت جرائمهم في حق الله ورسوله، وحق الإسلام، ولما كان يخشاه منهم من إثارة الفتنة بين الناس بعد الفتح(1).
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد جمعت أسماءهم من متفرقات الأخبار، وهم: عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نقيد -مصغرًا- ومقيس بن حبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان كانتا لابن خطل: فرتني وقريبة، وسارة مولاة بني عبد المطلب، وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلال الخزاعي، وذكر الحاكم أن فيمن أهدر دمه كعب بن زهير، ووحشي بن حرب، وهند بنت عتبة(2).
ومن هؤلاء من قُتل، ومنهم من جاء مسلمًا تائبًا فعفا عنه الرسول، وحسُن إسلامه(3).
3- خطبة النبي صلى الله عليه وسلم غداة الفتح وإسلام أهل مكة:
وفي غداة الفتح بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن خزاعة حلفاءه عدت على رجل من هذيل فقتلوه - وهو مشرك- برجل قتل في الجاهلية، فغضب وقام بين الناس خطيبًا فقال: «يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد –يقطع- فيها شجرًا، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبًا على أهلها، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل فيها فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم.
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/451) تأملات في السيرة، ص262.
(2) فتح الباري (7/9).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/451).

(4/83)


يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر أن يقع، لقد قتلتم قتيلا لأدينَّه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله»(1).
كان من أثر عفو النبي صلى الله عليه وسلم الشامل عن أهل مكة، والعفو عن بعض من أهدر دماءهم، أن دخل أهل مكة -رجالاً ونساء وأحرارًا وموالي- في دين الله طواعية واختيارًا، وبدخول مكة تحت راية الإسلام دخل الناس في دين الله أفواجا، وتمت النعمة، ووجب الشكر(2) وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس جميعا الرجال والنساء، والكبار والصغار، وبدء بمبايعة الرجال، فقد جلس لهم على الصفا، فأخذ عليهم البيعة على الإسلام والسمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وجاء مجاشع بن مسعود بأخيه مجالد بعد يوم الفتح فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذهب أهل الهجرة بما فيها» فقال: على أي شيء تبايعه؟ قال: «أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد»(3).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/451)، وعقله: ديته.
(2) المصدر نفسه (2/456).
(3) البخاري،كتاب المغازي رقم 4305 (5/114).

(4/84)


وقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية(1) وإذا استنفرتم فانفروا» والمراد أن الهجرة التي كانت واجبة من مكة قد انتهت بفتح مكة، فقد عز الإسلام، وثبت أركانه ودعائمه، ودخل الناس فيه أفواجا، أما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو من بلد لا يقدر أن يقيم فيه دينه ويظهر شعائره، إلى بلد يتمكن فيه من ذلك، فهي باقية إلى يوم القيامة، ولكن هذه دون تلك، فقد تكون واجبة، وقد تكون غير واجبة، كما أن الجهاد والإنفاق في سبيل الله مشروع وباقٍ إلى يوم القيامة، ولكنه ليس كالإنفاق ولا الجهاد قبل فتح مكة، قال عز شأنه(2): ( وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) [الحديد: 10].
ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال بايع النساء، وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة، على ألا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين في معروف، ولما قال النبي: «ولا يسرقن» قالت هند: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني ويكفي بنيَّ فهل عليَّ من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم: «خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف»، ولما قال: «ولا يزنين» قالت هند: وهل تزني الحرة؟ ولما عرفها رسول الله قال لها: «وإنك لهند بنت عتبة؟» قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك.
__________
(1) البخاري، كتاب الجهاد والسير، رقم 2783.
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/257).

(4/85)


وقد بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير مصافحة، فقد كان لا يصافح النساء، ولا يمس يد امرأة إلا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لا والله، ما مست يد رسول الله يد امرأة قط) وفي رواية: ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول: «إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة»(1).
رابعًا: بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيًا إلى الإسلام، وكان ذلك في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة(2) قبل حنين، ومعه جنود من بني سليم ومدلج والأنصار والمهاجرين، كان تعدادهم حوالي ثلاثمائة وخمسين رجلاً، فلما رأى بنو جذيمة الجيش بقيادة خالد أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فقام رجل منهم يسمى جحدرا فقال: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدًا. فلم يزالوا به حتى وضع سلاحه، فلما وُضع السلاح أمر بهم خالد فكتفوا، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ فيهم أسرا وقتلا، فأنكر عليه بعض أصحابه ذلك، ثم دفع الأسرى إلى من كان معه، حتى إذا أصبح يومًا أمر خالد أن يقتل كل واحد أسيره، فامتثل البعض، وامتنع عبد الله بن عمر وامتنع معه آخرون من قتل أسراهم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه، فغضب ورفع يديه إلى السماء قائلا: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»(3).
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/319). (2) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص248.
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/464). (4) مسلم (4/1967- 1968) رقم 2541.

(4/86)


ودار كلام بين خالد وعبد الرحمن بن عوف حول هذا الموضوع حتى كان بينهما شر، فقد خشي ابن عوف أن يكون ما صدر عن خالد ثأرا لعمه الفاكه بن المغيرة الذي قتلته جذيمة في الجاهلية، ولعل هذا الذي وقع بينهما هو ما أشار إليه الحديث المروي عند مسلم(1) وغيره: كان بين ابن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء فسبَّه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»(2)، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فودى لهم قتلاهم وزادهم فيها تطييبًا لنفوسهم وبراءة من دمائهم(3)، وبهذا التصرف النبوي الحكيم واسى النبي صلى الله عليه وسلم بني جذيمة، وأزال ما في نفوسهم من أسى وحزن(4) وكان قتل خالد لبني جذيمة تأولا منه واجتهادًا خاطئًا، وذلك بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه على فعله(5).
خامسًا: هدم بيوت الأوثان:
بعد أن طهر البيت الحرام من الأوثان التي كانت فيه، كان لا بد من هدم البيوت التي أقيمت للأوثان، فكانت معالم للجاهلية ردحًا طويلاً من الزمن(6). فكانت سرايا رسول الله تترى لتطهير الجزيرة منها:
1- سرية خالد بن الوليد إلى العزى:
__________
(2) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص579.
(3) في إسناده ضعف.المصدر السابق، ص579.
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/465).
(5) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص579.
(6) انظر: معين السيرة، ص394. (6) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص282.

(4/87)


توجهت سرية قوتها ثلاثون فارسًا بقيادة خالد بن الوليد إلى الطاغوت الأعظم منزلة ومكانة عند قريش وسائر العرب (العزى) لإزالته من الوجود نهائيًا، وعندما وصلت السرية إلى العزى بمنطقة نخلة قام إليها خالد فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليه(1) وهو يردد: كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك(2)، ثم رجع خالد وأصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم تقريره بإنجاز المهمة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم استدرك على قائد السرية وقال له: «هل رأيت شيئًا؟» قال: لا(3) فقال: «ارجع فإنك لم تصنع شيئا»(4) فرجع خالد وهو مغيظ حنق على عدم إنهاء مهمته على الوجه المطلوب، فلما وصل إليها ونظرت السدنة إليه عرفوا أنه جاء هذه المرة ليكمل ما فاته في المرة السابقة، فهربوا إلى الجبل وهم يصيحون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه، فأتاه خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراث على رأسها، فتقدم إليها خالد - رضي الله عنه - بشجاعته المعروفة وضربها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال: «تلك هي العزى»(5).
2- سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة:
مناة اسم صنم وكانت على ساحل البحر الأحمر مما يلي قديدا(6) في منطقة تعرف بالمشلل(7)
__________
(2) المصدر نفسه، ص282. (8) انظر: المغازي (2/874).
(4) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص282. (10) المصدر نفسه، ص283.
(7) ما بين مكة والمدينة.
( ) المشلل من قديد وبالمشلل كانت مناة. (3) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص286.

(4/88)


، وكانت للأوس والخزرج وغسان ومن دان بدينهم يعبدونها ويعظمونها في الجاهلية ويهلون منها للحج، وقد بلغ من تعظيمهم إياها أنهم كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة تحرجا وتعظيما لها حيث كان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة(1). ولم تزل هذه عادتهم حتى أسلموا، فلما قدموا مع النبي صلى الله عليه وسلم للحج ذكروا ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية(2) قال تعالى: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) [البقرة: 158].
وقد كان أول من نصبها لهم مؤسس الشرك في الجزيرة العربية ومبتدع الأوثان محرف الحنفية دين إبراهيم عليه السلام، عمرو بن لحي الخزاعي(3)، فلما فتح الله على المسلمين مكة بعث رسول الله إلى مناة رجلا من أهلها سابقا الذين كانوا يعظمونها في الجاهلية وهو سعد بن زيد الأشهلي - رضي الله عنه - على رأس سرية قوتها عشرون فارسًا، وكان واجب السرية هو إزالة مناة من الوجود نهائيا(4).
__________
(2) شرح النووي على مسلم، (9/22). (5) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص287.
(4) المصدر نفسه، ص287. (7) انظر: الطبقات (2/146).

(4/89)


انطلق سعد بن زيد ومن معه في مسير اقترابي سريع لإنجاز المهمة المحددة حتى وصل إليها، فقابله سادنها متسائلا: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها(1). فصاح بها السادن صيحة الواثق: مناة دونك بعض عصاتك(2) ولكن صيحته ذهبت أدراج الرياح، فلم يأبه سعد - رضي الله عنه - بكل ذلك وضربها ضربة قاتلة قضت عليها، ثم أقبل مع أصحابه على الصنم فهدموه، ولم يجدوا في خزانتها شيئًا، وانصرف راجعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(3).
3- سرية عمرو بن العاص إلى سواع:
قال تعالى مخبرا عن قوم نوح: ( وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) [نوح: 23].
__________
(2) المصدر نفسه (2/146).
(3) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص288، قال مؤلف الكتاب الدكتور بريك العمري: الخبر ضعيف من الناحية الحديثية، ويمكن الاستئناس به تاريخيًا، حيث ذكر أهل المغازي أن رسول الله أرسل بعض السرايا لتحطيم الأصنام في الجزيرة العربية، ولا يمكن استثناء مناة من ذلك لكونها أحد أكبر الطواغيت في الجزيرة، ولقد اعتمدت في دراسة السرايا والبعوث على هذه الرسالة العلمية التي أشرف عليها الدكتور أكرم العمري.

(4/90)


وسواع المذكور ضمن هذه الأصنام: هو اسم صنم كان لقوم نوح عليه السلام، ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية(1) وظل هذا الوثن منصوبًا تعبده هذيل وتعظمه حتى إنهم كانوا يحجون إليه(2) حتى فتحت مكة ودخلت هذيل فيمن دخل في دين الله أفواجا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة عمرو بن العاص - رضي الله عنه - لتحطيم سواع، ويحدثنا قائد السرية عن مهمته، فيقول: فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل، ويحك! هل يسمع أو يبصر؟! قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئًا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمتُ لله(3).
ونستفيد من حركة السرايا التي أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم للقضاء على الأصنام والأوثان أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة ألبتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركا عندها وبها(4).
__________
(1) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص292. (2) انظر: سبل الرشاد للشامي (6/303).
(3) انظر: مغازي الواقدي (2/870). (4) انظر: السرايا والبعوث النبوية، ص302.

(4/91)


المبحث الثالث : دروس وعبر وفوائد
أولا: مواقف دعوية وقدرة رفيعة في التعامل مع النفوس:
1- إسلام سهيل بن عمرو:
قال سهيل بن عمرو: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وظهر، انقحمت(1) بيتي وأغلقت عليَّ بابي، وأرسلت إلى ابني عبد الله بن سهيل أن اطلب لي جوارًا من محمد، وإني لا آمن من أن أقتل، وجعلت أتذكر أثري عند محمد وأصحابه فليس أحد أسوأ أثرًا مني، وإني لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بما لم يلحقه أحد، وكنت الذي كاتبته، مع حضوري بدرًا وأحدًا، وكلما تحركت قريش كنت فيها، فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، تؤمنه؟ فقال: «نعم»، هو آمن بأمان الله، فليظهر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: «من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فليخرج، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل يجهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن له بنافع» فخرج عبد الله إلى أبيه، فقال سهيل: كان والله برًّا، صغيرًا وكبيرًا. فكان سهيل يقبل ويدبر، وخرج إلى حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على شركه حتى أسلم بالجعرانة(2).
لقد كان لهذه الكلمات التربوية الأثر الكبير على سهيل بن عمرو، حيث أثنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبر طوال عمره، ثم دخل في الإسلام بعد ذلك، وقد حسن إسلامه وكان مكثرًا من الأعمال الصالحة(3) يقول الزبير بن بكار: كان سهيل بعدُ كثير الصلاة والصوم والصدقة، خرج بجماعته إلى الشام مجاهدًا، ويقال: إنه صام وتهجد حتى شحب لونه وتغير، وكان كثير البكاء إذا سمع القرآن، وكان أميرًا على كردوس(4) يوم اليرموك(5).
2- إسلام صفوان بن أمية:
__________
(1) أي رميت بنفسي.
(2) انظر: مغازي الواقدي (2/846، 847)، المستدرك للحاكم (3/381) .
(3) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (7/216، 217).
(4) كردوس: فرقة كبيرة.
(5) انظر:سير أعلام النبلاء (2/195).

(4/92)


قال عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه -:... وأما صفوان بن أمية فهرب حتى أتى الشعيبة(1) وجعل يقول لغلامه يسار وليس معه غيره: ويحك، انظر من ترى، قال: هذا عمير بن وهب، قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلي، قد ظاهر محمدا عليَّ. فلحقه فقال: يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي؟ حملتني دينك وعيالك، ثم جئت تريد قتلي، قال: أبا وهب جعلت فداك، جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس. وقد كان عمير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، سيد قومي خرج هاربًا ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تؤمنه فداك أبي وأمي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أمنته»، فخرج في أثره فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنك، فقال صفوان: لا والله، لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، جئت صفوان هاربًا يريد أن يقتل نفسه فأخبرته بما أمنته فقال: لا أرجع حتى تأتي بعلامة أعرفها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذ عمامتي».
__________
(1) الشعيبة: مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز، وهو كان مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة. معجم البلدان (5/276).

(4/93)


قال: فرجع عمير إليه بها، وهو البرد الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ معتجرًا(1) به، بُرد حَبَرة(2) فخرج عمير في طلبه الثانية، حتى جاء بالبُرد فقال: أبا وهب جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس، وأبر الناس، وأحلم الناس، مجده مجدك، وعزه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك، اذكر الله في نفسك، قال له: أخاف أن أقتل، قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سيرك شهرين، فهو أوفى الناس وأبرهم، وقد بعث إليك ببرده الذي دخل فيه معتجرًا، تعرفه؟ قال: نعم، فأخرجه، فقال: نعم، هو هو، فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالمسلمين العصر بالمسجد، فوقفا، فقال صفوان: كم تصلون في اليوم والليلة؟ قال: خمس صلوات، قال: يصلي بهم محمد؟ قال: نعم، فلما سلم صاح صفوان: يا محمد، إن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرًا وإلا سيرتني شهرين، قال: «انزل أبا وهب» قال: لا والله حتى تبين لي، قال: «بل تُسيَّر أربعة أشهر» فنزل صفوان.
__________
(1) الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه. (النهاية 3/69).
(2) الحبرة: ضرب من ثياب اليمن.

(4/94)


وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هوازن وخرج معه صفوان وهو كافر، وأرسل إليه يستعيره سلاحه، فأعاره سلاحه مائة درع بأداتها، فقال: طوعًا أو كرهًا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عارية مؤداة» فأعاره، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فحملها إلى حنين، فشهد حنينًا، والطائف ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في الغنائم ينظر إليها ومعه صفوان بن أمية جعل صفوان ينظر إلى شعب مليء نعمًا وشاء ورعاء فأدام إليه النظر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقه، فقال: «أبا وهب، يعجبك هذا الشعب؟» قال: نعم، قال: «هو لك وما فيه»، فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. وأسلم مكانه(1).
ونلاحظ في هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم حاول أن يتألف صفوان بن أمية إلى الإسلام حتى أسلم، وذلك بإعطائه الأمان ثم بتخييره في الأمر أربعة أشهر، ثم بإعطائه من مال العطايا الكبيرة التي لا تصدر من إنسان عادي، فأعطاه أولا مائة من الإبل مع عدد من زعماء مكة، ثم أعطاه ما في أحد الشعاب من الإبل والغنم فقال: ما طابت نفس أحد بهذا إلا نفس نبي. ثم أسلم مكانه(2)، وقد وصف لنا صفوان بن أمية عطاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (والله لقد
أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ)(3).
3- إسلام عكرمة بن أبي جهل:
__________
(1) انظر: مغازي الواقدي (2/853- 855).
(2) انظر: التاريخ الإسلامي (7/220).
(3) مسلم، كتاب الفضائل، رقم 2313، ص1806.

(4/95)


قال عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه -: قالت أم حكيم امرأة عكرمة بن أبي جهل: يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فأمِّنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو آمن»، فخرجت أم حكيم في طلبه ومعها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت على حيٍّ من عكٍّ(1) فاستغاثتهم عليه فأوثقوه رباطًا، وأدركت عكرمة، وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة فركب البحر، فجعل نُوتيَّ السفينة يقول له: أخلص، فقال: أي شيء أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم على هذا الكلام، فجعلت تلح عليه وتقول: يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس، وأبرّ الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك. فوقف لها حتى أدركته فقالت: إني قد استأمنت لك محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك. فرجع معها وقال: ما لقيتِ من غلامك الرومي؟ فخبرته خبره فقتله عكرمة، وهو يومئذ لم يسلم، فلما دنا من مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت».
__________
(1) عك: مخلاف من مخاليف مكة التهامية، معجم ما استعجم، ص223.

(4/96)


قال: وجعل عكرمة يطلب امرأته يجامعها، فتأبى عليه، وتقول: إنك كافر وأنا مسلمة، فيقول: إن أمرًا منعك مني لأمر كبير، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب إليه -وما على النبي صلى الله عليه وسلم رداء- فرحا بعكرمة، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف بين يديه، وزوجته متنقبة، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت، فأنت آمن» فقال عكرمة: فإلامَ تدعو يا محمد؟ قال: «أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتفعل وتفعل» حتى عد خصال الإسلام، فقال عكرمة: والله ما دعوت إلا إلى الحق وأمر حسن جميل، قد كنت والله فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثا وأبرنا برا، ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا رسول الله علمني خير شيء أقوله، قال: «تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله» قال عكرمة: ثم ماذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقول: أشهد الله وأُشهد من حضر أني مسلم مهاجر ومجاهد» فقال عكرمة ذلك.

(4/97)


فقال رسول الله: «لا تسألني اليوم شيئا أعطيه أحدًا إلا أعطيتكه» فقال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسير وضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك أو وأنت غائب عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، فاغفر له ما نال مني من عرض، في وجهي أو وأنا غائب عنه» فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقها في صدّ عن سبيل الإسلام إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالاً كنت أقاتل في صدّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قُتل شهيدًا(1).
وبعد أن أسلم ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأته له بذلك النكاح الأول(2).
__________
(1) يعني يوم اليرموك. (2) انظر: مغازي الواقدي (2/851- 853).

(4/98)


كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع عكرمة لطيفًا حانيًا يكفي وحده لاجتذابه إلى الإسلام، فقد أعجل نفسه عن لبس ردائه، وابتسم له ورحب به، وفي رواية قال له: «مرحبا بالراكب المهاجر»(1) فتأثر عكرمة من ذلك الموقف فاهتزت مشاعره وتحركت أحاسيسه، فأسلم، كما كان لموقف أم حكيم بنت الحارث بن هشام أثر في إسلام زوجها، فقد أخذت له الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغامرت بنفسها تبحث عنه لعل الله يهديه إلى الإسلام كما هداها إليه، وعندما أرادها زوجها امتنعت عنه وعللت ذلك بأنه كافر وهي مسلمة، فعظم الإسلام في عينه وأدرك أنه أمام دين عظيم، وهكذا خطت أم حكيم في فكر عكرمة بداية التفكير في الإسلام ثم توج بإسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صادقًا في إسلامه، فلم يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم دنيا، وإنما سأله أن يغفر الله تعالى له كل ما وقع فيه من ذنوب ماضية، ثم أقسم أمام النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحمل نفسه على الإنفاق في سبيل الله تعالى بضعف ما كان ينفق في الجاهلية، وأن يبلي في الجهاد في سبيل الله بضعف ما كان يبذله في الجاهلية، ولقد بر بوعده فكان من أشجع المجاهدين والقادة في سبيل الله تعالى في حروب الردة ثم في فتوح الشام حتى وقع شهيدًا في معركة اليرموك بعد أن بذل نفسه وماله في سبيل الله(2).
4- مثل من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم: إسلام والد أبي بكر:
__________
(1) انظر: مجمع الزوائد (9/385) مرسل ورجاله رجال الصحيح في إحدى سنديه، وأما الإسناد الآخر من رواية الطبراني فرجاله رجال الصحيح إلا مصعب بن سعد لم يسمع من عكرمة.
(2) انظر: التاريخ الإسلامي (7/223- 225).

(4/99)


قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟» قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، قالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: «أسلم» فأسلم، قالت: فدخل به أبو بكر وكأن رأسه ثغامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا من شعره»(1) ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنأ أبا بكر بإسلام أبيه(2).
وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنه النبي صلى الله عليه وسلم في توقير كبار السن واحترامهم، ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا»(3) وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم»(4) كما أنه صلى الله عليه وسلم سن إكرام أقارب ذوي البلاء والبذل والعطاء والسبق في الإسلام؛ تقديرًا لهم على ما بذلوه من الخدمة للإسلام والمسلمين ونصر دعوة الله تعالى(5).
5- مثل من عفو النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه: إسلام فضالة بن عمير:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/54، 55).
(2) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص577.
(3) انظر: سنن الترمذي، كتاب البر، باب 15رقم 1986.
(4) انظر: سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب 20، رقم 4843.
(6) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (7/195).

(4/100)


أراد فضالة بن عمير بن الملوح الليثي قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضالة؟» قال: نعم، فضالة يا رسول الله، قال: «ماذا كنت تحدث به نفسك؟» قال: لا شيء، كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «استغفر الله»، ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليَّ منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول:
يأبى عليك اللهُ والإسلامُ ... قالت هلمَّ إلى الحديث فقلت لا
بالفتح يوم تكسر الأصنام ... لو ما رأيت محمدًا وقبيله
والشرك يغشى وجهَه الإظلام(1) ... لرأيت دين الله أضحى بينا
ثانيًا: أتكلمني في حد من حدود الله؟
قال عروة بن الزبير: إن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه، قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلوَّن وجه رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها.
فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت، قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(2).
__________
(1) التاريخ الإسلامي للحميدي (7/213). (2) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4304.

(4/101)


وهكذا يستمر البناء التربوي للأمة، ونرى العدل في إقامة شرع الله على القريب والبعيد على حد سواء، ووجدت قريش نفسها أمام تشريع رباني لا يفرق بين الناس، فهم كلهم أمام رب العالمين سواء، وأصبحت معايير الشرف هي الالتزام بأوامر الله تعالى، وفي هذا الموقف الذي أثار غضب رسول الله الشديد واهتمامه الكبير، عبرة للمسلمين حتى لا يتهاونوا في تنفيذ أحكام الله تعالى، أو يشفعوا لدى الحاكم، من أجل تعطيل الحدود الإسلامية(1).
ثالثًا: أجرْنا من أجرتِ يا أم هانئ:
قالت أم هانئ بنت أبي طالب: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إليَّ رجلان من أحمائي، من بني مخزوم، وكانت عند هُبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل علي بن أبي طالب أخي، فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إليَّ فقال: «مرحبًا وأهلا يا أم هانئ، ما جاء بك؟» فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي، فقال: «قد أجرْنا من أجرتِ وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما»(2).
رابعًا: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين:
__________
(1) انظر: معين السيرة، ص402، التاريخ الإسلامي، (7/233).
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/59، 60)، صحيح السيرة، ص527.

(4/102)


كان عبد الله بن سعد بن أبي السرح قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة -وقد أهدر دمه- فر إلى عثمان -وكان أخاه من الرضاعة- فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: «نعم»، فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمت فيقتله؟» فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا؟ فقال: «إن النبي لا يقتل بإشارة»(1)، وفي رواية: «إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين»(2).
قال ابن هشام: وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله ثم ولاه عثمان(3).
وقال ابن كثير: ومات وهو ساجد في صلاة الصبح أو بعد انقضاء صلاتها في بيته(4).
خامسًا: المحيا محياكم والممات مماتكم:
__________
(1) انظر: البداية والنهاية، (4/296). (2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص528.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/58). (4) انظر: البداية والنهاية (4/296).

(4/103)


قال أبو هريرة: ... أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا، فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره، ويدعوه، قال: والأنصار تحته، قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي، قال: فلما قضى الوحي رفع رأسه ثم قال: يا معشر الأنصار قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: فما اسمي إذن؟ كلا، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، قال: فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الظن بالله ورسوله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله ورسوله ليصدقانكم ويعذرانكم»(1).
سادسًا: إسلام عبد الله بن الزِّبَعْرَى شاعر قريش:
لما فتحت مكة فر عبد الله بن الزِّبَعْرَى السهمي إلى نجران فلحقته قوافي حسان، فقد كان خصمًا عنيدًا للإسلام، فراح يعيره بالجبن والفرار فقال له:
نجران من عيش أحذَّ لئيم(2) ... لا تعد منْ رجلاً أحلك بغضه
أي فليبق الله لنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هذا الرجل العظيم الذي أحللك بغضه ديار نجران، وليدم الله عليك ابن الزبعرى عيشا ذليلا مهينا أشأم.
ثم راح حسان يستنزل غضب الله ومقته على ابن الزبعرى، وعلى نجله ويسأله الله تعالى أن يخلده في سوء العذاب وأليمه(3):
وعذاب سوء في الحياة مقيم ... غضب الإله على الزبعرى وابنه
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص529، 530. (6) انظر: البداية والنهاية (4/307).
(3) الصحابي الشاعر عبد الله بن الزبعري، محمد كابتي، ص92.

(4/104)


فتطايرت تلك الأبيات ووصلت إلى ابن الزبعرى، فقام وقعد وقلب أموره، ثم أراد الله به الخير فعزم على الدخول في الإسلام، ثم توجه إلى مكة وقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلن إسلامه، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له كل عداوة له وللإسلام، فقال له رسول الله: «إن الإسلام يجب ما قبله»(1) ثم أدناه رسول الله منه وآنسه، ثم خلع عليه حلة(2) وقد أجمع الرواة أن ابن الزبعرى - رضي الله عنه - قال بعد إسلامه شعرًا كثيرًا حسنًا يعتذر فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(3). قال ابن عبد البر رحمه الله: وله –ابن الزبعرى– في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أشعار كثيرة، ينسخ بها ما قد مضى من شعره في كفره(4).
وكذا نص ابن حجر في الإصابة: ثم أسلم ومدح النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بحلة(5)، وقال القرطبي: (وكان شاعرًا مجيدًا، وله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، أشعارٌ كثيرة، ينسخ بها ما قد مضى في كفره(6)...) وقال ابن كثير: كان من أكبر أعداء الإسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين، ثم منَّ الله عليه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الإسلام والقيام بنصره والذب عنه(7).
سابعًا: من الأحكام الشرعية التي تؤخذ من الغزوة، ومكان نزول الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة:
1- اتضحت كثير من الأحكام الشرعية خلال فتح مكة منها:
__________
(1) المغازي (2/848).
(2) الزركلي: الأعلام (4/84)، الإصابة لابن حجر (2/308) نقلا عن المرجع الذي بعده.
(3) انظر: الصحابي الشاعر عبد الله بن الزبعري، ص97.
(4) انظر: الاستيعاب لابن عبد البر، (2/310). (6) انظر: الإصابة (2/308).
(6) انظر: تفسير القرطبي، (6/407). (8) البداية والنهاية (4/308).

(4/105)


أ- جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية؛ حيث صام الرسول في مسيرة الجيش من المدينة حتى بلغ كديدًا فأفطر(1).
ب- صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى ثماني ركعات خفيفة(2) واستدل قوم بهذا على أنها سنة مؤكدة(3).
ج- قصر الصلاة الرباعية للمسافر، فقد أقام النبي بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة(4).
د- تحريم نكاح المتعة إلى الأبد بعد إباحته لمدة ثلاث أيام(5). ويرى الإمام النووي(6) أنه وقع تحريمه وإباحته مرتين؛ إذ كان حلالاً قبل غزوة خيبر، فحرم يومها، ثم أبيح يوم الفتح، ثم حرم للمرة الثانية إلى الأبد. ويرى ابن القيم(7) أن المتعة لم تحرم يوم خيبر، وإنما كان تحريمها فقط يوم الفتح، وله في هذا مناقشة طويلة عند كلامه عن الأحكام الفقهية المستنبطة من أحداث غزوة خيبر وغزوة الفتح، والمتفق عليه أنها حرمت إلى الأبد بعد الفتح(8).
هـ- قرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الولد للفراش وللعاهر الحجر كما جاء ذلك في حديث ابن وليدة بن زمعة، فقد تنازع فيه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن زمعة، فقضى فيه رسول الله لعبد الله بن زمعة لأنه ولد على فراش أبيه(9).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية، في ضوء المصادر الأصلية، ص574.
(2) المصدر نفسه، 574.
(3) السيرة النبوية، في ضوء المصادر الأصلية، ص574. (2) انظر: المجتمع المدني، ص185.
(5) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص575.
(6) النووي على شرح مسلم (9/181)، اعتمدت على فقه الأحكام على ما استخرجه الدكتور العمري في المجتمع المدني، والدكتور مهدي رزق الله في السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية.
(7) انظر: زاد المعاد (3/343: 345، 459- 464).
(8) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص575.
(9) البخاري، كتاب المغازي رقم 4303.

(4/106)


و- عدم جواز الوصية بأكثر من ثلث المال، كما في قصة سعد بن أبي وقاص حين مرضه بمكة واستشارة الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يوصي بأكثر من الثلث(1).
هذه بعض الأحكام الفقهية المستنبطة من أحداث الغزوة والفتح العظيم.
2- مكان نزول الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة:
نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين، وقال عندما سأله أسامة بن زيد إن كان سينزل في بيته: «وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟» مبينا أنه لا يرث المسلمُ الكافرَ(2). وكان عقيل قد ورث أبا طالب هو وطالب أخوه وباع الدور كلها، وأما علي وجعفر فلم يرثاه؛ لأنهما مسلمان وأبو طالب مات كافرًا(3).
ثامنًا: من نتائج فتح مكة:
كان لفتح مكة نتائج كثيرة منها:
1- دخلت مكة تحت نفوذ المسلمين، وزالت دولة الكفر منها، وحانت الفرصة للقضاء على جيوب الشرك في حنين والطائف، ومن ثم إلى العالم أجمع.
2- أصبح المسلمون قوى عظمى في جزيرة العرب. وبعد فتح مكة، تحققت أمنية الرسول صلى الله عليه وسلم بدخول قريش في الإسلام، وبرزت قوة كبرى في الجزيرة العربية لا يستطيع أي تجمع قبلي الوقوف في وجهها، وهي مؤهلة لتوحيد العرب تحت راية الإسلام ثم الانطلاق إلى الأقطار المجاورة، لإزالة حكومات الظلم والطغيان، وتأمين الحرية لخلق الله لكي يدخلوا في دين الله، ويعبدوه وحده من دون سواه(4).
__________
(1) المجتمع المدني للعمري، ص186، سنن الترمذي (3/291).
(2) ، 10) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (2/482).
(4) انظر: قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية والعسكرية، أحمد عرموش، ص129.

(4/107)


3- كان لهذا الفتح آثار عظيمة دينية وسياسية واجتماعية، وقد بدأت هذه الآثار بصورة يلمسها كل من يمعن النظر في هذا الفتح المبارك، فأما الآثار الاجتماعية فتمثلت في رفقه صلى الله عليه وسلم بالناس وحرصه على الأخذ بأيديهم ليعيد إليهم ثقتهم بأنفسهم، وبالوضع الجديد الذي سيطر على بلدهم، وتعيين من يعلمهم، ويفقههم في دينهم، فقد أبقى معاذ بن جبل - رضي الله عنه - في مكة بعد انصرافه عنها ليصلي بالناس، ويفقههم في دينهم، وأما الآثار السياسية فقد عين عتاب بن أسيد أميرًا على مكة، يحكم في الناس بكتاب الله، فيأخذ لضعيفهم، وينتصر للمظلوم من الظالم(1)، وأما الآثار الدينية فإن فتح مكة وخضوعها لسلطان الإسلام، قد أقنع العرب جميعًا بأن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده فدخلوا فيه أفواجا(2).
4- تحقق وعد الله بالتمكين للمؤمنين الصادقين بعد ما ضحوا بالغالي والنفيس، وحققوا شروط التمكين وأخذوا بأسبابه، وقطعوا مراحله وتعاملوا مع سننه كسنة الابتلاء، والتدافع، والتدرج، وتغير النفوس، والأخذ بالأسباب، ولا ننسى تلك الصورة الرائعة وهي وقوف بلال فوق الكعبة مؤذنًا للصلاة بعد أن عذب في بطحاء مكة وهو يردد: «أحد أحد» في أغلاله وحديده، ها هو اليوم قد صعد فوق الكعبة، ويرفع صوته الجميل بالأذان وهو في نشوة الإيمان.
__________
(1) انظر: تأملات في سيرة الرسول، ص266.
(2) المصدر نفسه، ص267.

(4/108)


الفصل السادس عشر : غزوة حنين والطائف (8هـ)
المبحث الأول : أسبابها وأحداث المعركة
لما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، وخضعت له قريش، خافت هوازن وثقيف وقالوا: قد فرغ محمد لقتالنا، فلنغزه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولوا عليهم مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه هوازن، وثقيف وبنو هلال، ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، وكان معهم دريد بن الصمة، وكان معروفًا بشدة البأس في الحرب وأصالة الرأي، إلا أنه كان كبيرًا فلم يكن له إلا الرأي والمشورة.
وكان رأي مالك بن عوف أن يخرجوا وراءهم النساء والذراري والأموال حتى لا يفروا، فلما علم بذلك دريد سأله: لم ذلك؟ فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ولكنه لم يستمع لمشورته(1).
أولاً: أهم أحداث غزوة حنين:
تحرك المسلمون باتجاه حنين في اليوم الخامس من شوال ووصلوا حنين في مساء العاشر من شوال(2) وقد استخلف الرسول صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة عند خروجه، وكان عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفا من المسلمين، أما عدد هوازن وثقيف فكانوا ضعف عدد المسلمين أو أكثر، ولما رأى بعض الطلقاء جيش المسلمين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة، ودخل الإعجاب في النفوس(3).
أ- التعبئة التي اتخذها مالك بن عوف زعيم هوازن وثقيف:
اتخذ مالك بن عوف زعيم قبائل هوازن وثقيف تعبئة مرت بمراحل:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/467)، السيرة النبوية لابن هشام (4/88).
(2) انظر: طبقات ابن سعد (2/150). (3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/497).

(4/109)


1- رفع الروح المعنوية لدى جنوده: وقف مالك خطيبًا في جيشه وحثهم على الثبات والاستبسال، ومما قال في هذا الجمع الحاشد: إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قومًا أغمارًا(1) لا علم لهم بالحرب فيُنصر عليهم(2).
2- حشر ذراري المقاتلين وأموالهم خلف الجيش: أمر قائد هوازن بحشد نساء المقاتلين وأطفالهم وأموالهم خلفهم، وقد قصد من وراء هذا التصرف، دفع المقاتلين إلى الاستبسال والثبات أمام أعدائهم؛ لأن المقاتل -من وجهة نظره- إذا شعر أن أعز ما يملك وراءه في المعركة صعب عليه أن يلوذ بالفرار مخلفا ما وراءه في ميدان المعركة، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: افتتحنا مكة، ثم غزونا حنينًا، فجاء المشركون بحنين بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم صفت النعم(3).
3- تجريد السيوف وكسر أجفانها: جرت عادة العرب في حروبهم أن يكسروا أجفان سيوفهم قبل بدء القتال، وهذا التصرف يؤذن بإصرار المقاتل على الثبات أمام الخصم حتى النصر أو الموت، وقد أمر مالك جنده بذلك تحقيقًا لهذا، بدليل قولهم: إذا أنتم رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم وشدوا شدة رجل واحد عليهم(4).
4- وضع الكمائن لمباغتة جيش المسلمين والانقضاض عليهم: كانت عند مالك بن عوف النصري معلومات وافية عن الأرض التي ستدور عليها المعركة، ولهذا رأى أن يستغل هذه الظروف الطبيعية لصالح جيشه، فعمل -بمشورة الفارس المحنك دريد بن الصمة- في نصب الكمائن لجيوش المسلمين، وقد كادت هذه الخطة تقضي على قوات المسلمين لولا لطف الله سبحانه وتعالى وعنايته.
__________
(1) أغمار: جمع غُمر، بضم الغين وإسكان الميم، وهو الذي لا يجرب الأمور.
(2) انظر: مغازي الواقدي (3/893).
(3) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (2/736) رقم 1059.
(4) انظر: مجمع الزائد (6/179، 180)، المستدرك للحاكم (3/48، 49) صحيح الإسناد

(4/110)


5- الأخذ بزمام المبادرة في الهجوم على المسلمين: كان ضمن الخطة التي رسمها القائد الهوازني، الأخذ بزمام المبادرة ومهاجمة المسلمين؛ لأن النصر في الغالب يكون للمهاجم، أما المدافع فغالبا ما يكون في مركز الضعف، ولهذا آتت هذه الخطة ثمارها بعض الوقت، ثم انقلبت موازين القوى بفضل الله تعالى ثم بثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كسب المسلمون الجولة وانتصروا على أعدائهم(1).
6- شن الحرب النفسية ضد المسلمين: كان من ضمن بنود الخطة الحربية التي رسمها القائد مالك بن عوف الهوازني، استعمال سلاح معنوي له تأثير كبير في النفوس، فقد شن الحرب النفسية ضد المسلمين من أجل إلقاء الخوف في نفوسهم، وذلك بأن عمد إلى عشرات الآلاف من الجمال التي صحبها معه في الميدان فجعلها وراء جيشه ثم أركب عليها النساء، فكان لذلك المشهد منظر مهيب يحسب من يراه أن هذا الجيش مائة ألف مقاتل، وهو ليس كذلك(2).
ب- خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم لصد هذه الحشود:
لما بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عزم هوازن على حربه بعد أن تم له فتح مكة -شرفها الله- قام بالآتي:
1- أرسل عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي حتى يوافيه بخبر هوازن:
فذهب - رضي الله عنه - ومكث بينهم يومًا أو يومين ثم عاد وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى(3).
__________
(1) انظر: القيادة العسكرية على عهد رسول الله، ص252.
(2) انظر: غزوة حنين للشيخ محمد أحمد باشميل، ص128- 131.
(3) انظر: تاريخ الطبري (3/73).

(4/111)


ولقد ذهب عبد الله إلى حيث أمره الرسول صلى الله عليه وسلم وعاد على وجه السرعة بخبر هؤلاء الأعداء، إلا أنه قصر - رضي الله عنه - في أداء هذا الواجب حيث لم يختلط بهوازن اختلاطًا كاملاً بحيث يسمع ويرى ما يدبر ضد المسلمين هناك، وكان من أهم ما يجب أن يُعنى به معرفة مواقع المشركين التي احتلوها، وقد فوجئ المسلمون باختفاء تلك الكمائن التي نصبها الأعداء في منحنيات الوادي حتى استطاعوا أن يمطروا المسلمين بوابل من سهامهم فانهزموا في الجولة الأولى، فكان الجهل بهذه الكمائن أحد الأسباب الرئيسية وراء هزيمة المسلمين في أول المعركة، وما حدث نتيجة لهذا الخطأ لا يقدح في العصمة الثابتة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن هذا الأمر ليس وحيًا من الله سبحانه وتعالى، وإنما هو من باب الاجتهاد في الأمور العسكرية، وقد بذل النبي صلى الله عليه وسلم جهده في سبيل الحصول على أدق المعلومات وأوفاها لكي يضع على ضوئها الخطة العسكرية المناسبة لمجابهة العدو(1).
2- عدة الجيش واستعارة الدروع والرماح:
__________
(1) انظر: القيادة العسكرية على عهد رسول الله، ص369.

(4/112)


أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا قوامه عشرة آلاف -وهم من خرجوا معه من المدينة- وألفان من مسلمة الفتح؛ فكان عدد من خرج في تلك الغزوة اثني عشر ألفا، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان بذراريهم ونَعمهم ومع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء(1) وهم ألفان(2)، وسعى صلى الله عليه وسلم لتأمين عدة الجيش فطلب من ابن عمه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح إعارة، وطلب من صفوان بن أمية دروعًا، وتكفل صلى الله عليه وسلم بالضمان، وكان نوفل وصفوان لا يزالان على شركهما، عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتتك رسلي فأعطهم -أو قال فادفع إليهم- ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا، أو أقل من ذلك» فقال له: العارية مؤداة يا رسول الله، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم»(3) وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين دروعا فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: «لا، بل عارية مضمونة» قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضعها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب، قال أبو داود: وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم(4).
3- ثباته صلى الله عليه وسلم وأثره في كسب المعركة:
سبقت هوازن المسلمين إلى وادي حنين، واختاروا مواقعهم، وبثوا كتائبهم في شعابه ومنعطفاته وأشجاره، وكانت خطتهم تتمثل في مباغتة المسلمين بالسهام أثناء تقدمهم في وادي حنين المنحدر.
__________
(1) الطلقاء: هم الذين أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وخلى سبيلهم.
(2) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (2/735) رقم 1059.
(3) أبو داود، كتاب البيوع، باب تضمين العارية، (3/826) رقم 8566.
(4) أبو داود، كتاب البيوع والإجارات، باب تضمين العارية (3/823) رقم 8562.

(4/113)


لقد باغت المشركون المسلمين وأمطرهم الأعداء من جميع الجهات، فاضطربت صفوفهم، وماج بعضهم في بعض، ونتيجة لهول هذا الموقف انهزم معظم الجيش ولاذوا بالفرار، كل يطلب النجاة لنفسه، وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم ونفر قليل في الميدان يتصدون لهجمات المشركين، ونترك العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم يصف لنا ذلك المشهد المهيب حيث يقول: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قِبَل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي عباس، نادِ أصحاب السمرة» (1) فقال العباس -وكان رجلا صيتًا-: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك! قال: فاقتلوا الكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث من الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا حين حمي الوطيس»(2).
لقد أيد الله نبيه صلى الله عليه وسلم يوم حنين بأمور منها:
* نزول الملائكة من السماء.
* سلاح الرعب(3).
تأثير قبضتي الحصى والتراب في أعين الأعداء:
__________
(1) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين (3/1398) رقم 1775.
(2) المصدر نفسه (3/1399) رقم 1772.
(3) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص599.

(4/114)


من الأسلحة المادية التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين تأثير قبضتي الحصى والتراب اللتين رمى بهما وجوه المشركين، حيث دخل في أعينهم كلهم من ذلك الحصى والتراب فصار كل واحد يجد لها في عينيه أثرًا، فكان من أسباب هزيمتهم(1)، قال العباس - رضي الله عنه -: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا وربِّ محمد» قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبرا(2).
ثانيًا: مطاردة فلول الفارين إلى أوطاس والطائف:
أ- قال أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دُريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُمي أبو عامر في ركبته، رماه جُشمي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار إليَّ فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته، فلما رآني ولى فأتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء.
__________
(1) انظر: القيادة العسكرية في عهد رسول الله، ص259.
(2) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين (3/1399) رقم 1775.

(4/115)


قال: يا ابن أخي أقرئ النبي صلى الله عليه وسلم السلام وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مُرمل(1) وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقوله: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر» ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» فقلت: ولي فاستغفر، فقال: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريمًا».
قال أبو بردة(2): إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى(3).
ب- محاصرة الفارين إلى الطائف: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، واستخدم أساليب متنوعة في القتال والحصار، ومارس الشورى، واختار المكان المناسب عند الحصار، واستخدم الحرب النفسية والدعاية في صفوف الأعداء.. ومن هذه الأساليب:
1- استخدامه صلى الله عليه وسلم أسلوبا جديدا في القتال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم في حصاره للطائف أسلحة جديدة لم يسبق له أن استعملها من قبل، وهذه الأسلحة هي:
* المنجنيق: فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل هذا السلاح عند حصاره لحصن ثقيف بالطائف، فعن مكحول - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف(4).
__________
(1) أي معمول بالرمال وهي حبال الحصر.
(2) أبو بردة هو ابن أبي موسى الأشعري راوي الحديث عن أبيه.
(3) البخاري، المغازي، (5/120) رقم 4323.
(4) أبو داود، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد، ح(35) مراسيل أبي داود، ص183.

(4/116)


والمنجنيق من أسلحة الحصار الثقيلة ذات التأثير الفعال على من وجهت إليه، فبحجارته تهدم الحصون والأبراج، وبقنابله تحرق الدور والمعسكرات، وهذا النوع يحتاج إلى عدد من الجنود في إدارته واستخدامه عند القتال(1).
* الدبابة: ومن أسلحة الحصار الثقيلة التي استعملها الرسول صلى الله عليه وسلم لأول مرة في حصار الطائف: الدبابة؛ والدبابة على شكل بيت صغير تعمل من الخشب وتتخذ للوقاية من سهام الأعداء، عندما يراد نقض جدار الحصن، بحيث إذا دخلها الجنود كان سقفها حرزًا لهم من الرمي(2).
* الحسك الشائك: من الأسلحة الجديدة التي استعملها الرسول صلى الله عليه وسلم في حصاره لأهل الطائف: الحسك الشائك؛ وهو من وسائل الدفاع الثابتة، ويعمل من خشبتين تسمران على هيئة الصليب، حتى تتألف منهما أربع شعب مدببة، وإذا رمى في الأرض بقيت شعبة منه بارزة تتعثر بها أقدام الخيل والمشاة، فتتعطل حركة السير السريعة المطلوبة في ميدان القتال(3).
وقد ذكر أصحاب المغازي والسير أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل هذا السلاح في حصاره لأهل الطائف، حيث أمر جنده بنشر الحسك الشائك حول حصن ثقيف(4)، وفي هذا إشارة إلى قادة الأمة خصوصًا، والمسلمين عموما، ألا يعطلوا عقولهم وتفكيرهم من أجل الاستفادة من النافع والجديد الذي يحقق للأمة مصلحة الدارين، ويدفع عنها شرور أعدائها.
__________
(1) انظر: المدرسة العسكرية الإسلامية، اللواء محمد فرج، ص407.
(2) انظر: القيادة في عهد الرسول، ص405.
(3) انظر: الفن الحربي في صدر الإسلام، اللواء عبد الرءوف عون، ص 195.
(4) انظر: الطبقات الكبرى (2/214).

(4/117)


2- اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانًا مناسبًا عند القتال: نزل الجيش في مكان مكشوف قريب من الحصن، وما كاد الجند يضعون رحالهم حتى أمطرهم الأعداء بوابل من السهام؛ فأصيب من جراء ذلك ناس كثيرون، وحينئذ عرض الحباب بن المنذر على الرسول صلى الله عليه وسلم فكرة التحول من هذا الموقع إلى مكان آمن من سهام أهل الطائف، فقبل صلى الله عليه وسلم هذه المشورة وكلف الحباب -لكونه من ذوي الخبرات الحربية الواسعة في هذا المجال- بالبحث عن موقع ملائم لنزول الجند، فذهب - رضي الله عنه - ثم حدد المكان المناسب، وعاد فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم جيشه بالتحول إلى المكان الجديد، وهذا شاهد عيان يحدثنا عما رأى؛ قال عمرو بن أمية الضمري - رضي الله عنه -: لقد أطلع علينا من نبلهم ساعة نزلنا شيء الله به عليم كأنه رجل جراد، وترسنا لهم حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب فقال: «انظر مكانًا مرتفعًا مستأخرًا عن القوم» فخرج الحباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف(1) خارج من القرية، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحولوا(2).
__________
(1) مسجد الطائف: هو المسجد المعروف الآن بمسجد ابن عباس.
(2) انظر: مغازي الواقدي (1/416). (3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/510).

(4/118)


3- استخدام الحرب النفسية والدعاية: لما اشتدت مقاومة أهل الطائف وقتلوا مجموعة من المسلمين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بساتين العنب والنخل في ضواحي الطائف للضغط على ثقيف، ثم أوقف هذا العمل بعد أثره في معنوياتهم وإضعافه روح المقاومة، وبعد أن ناشدته ثقيف بالله والرحم أن يترك هذا العمل، ووجه النبي صلى الله عليه وسلم نداء لعبيد الطائف أن من ينزل من الحصن ويخرج إلى المسلمين فهو حر، فخرج ثلاثة وعشرون من العبيد منهم أبو بكرة الثقفي فأسلموا، فأعتقهم ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامهم(1).
4- الحكمة من رفع الحصار: كانت حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفع الحصار واضحة؛ فالمنطقة المحيطة بها لم تعد تابعة لها، بل صارت ضمن سيادة الدولة الإسلامية، ولم تعد تستمد قوتها إلا من امتناع حصونها، فحصارها ورفعه سواء أمام القائد المحنك، وقد استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم من حوله في عملية الحصار(2) فقال نوفل بن معاوية الديلي: ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل، ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاغدوا على القتال» فغدوا، فأصبت المسلمين جراحات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا قافلون غدا إن شاء الله»، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك(3)، فلما ارتحلوا واستقلوا، قال: «قولوا: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون»(4)، وقيل: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم» (5).
* * *
__________
(2) انظر: دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، للشجاع، ص206.
(3) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين (3/1403) رقم 1778.
(4) انظر: زاد المعاد (3/497). (7) المصدر نفسه، صحيح السيرة النبوية، ص566.

(4/119)


المبحث الثاني : فقه الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع النفوس
ويظهر هذا الفقه في عدة مواقف من هذه الغزوة منها:
أ- لا رجعة للوثنية:
خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين بعض حديثي العهد بالجاهلية، وكانت لبعض القبائل شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، وبينما هم يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وقع بصرهم على الشجرة، فتحلبت أفواههم على أعياد الجاهلية التي هجروها، ومشاهدها التي طال عهدهم بها، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا (ذات أنواط) كما لهم (ذات أنواط)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر! قلتم -والذي نفس محمد بيده- كما قال قوم موسى لموسى: ( اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قال إنكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) لتركبن سنن من كان قبلكم»(1).
وهذا يعبر عن عدم وضوح تصورهم للتوحيد الخالص رغم إسلامهم، ولكن
النبي صلى الله عليه وسلم أوضح لهم ما في طلبهم من معاني الشرك، وحذرهم من ذلك، ولم يعاقبهم أو يعنفهم؛ لعلمه بحداثة عهدهم بالإسلام(2)، وقد سمح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالمشاركة في الجهاد؛ لأنه لا يشترط فيمن يخرج للجهاد أن يكون قد صحح اعتقاده تماما من غبش الجاهلية، وإنما الجهاد عمل صالح يثاب عليه فاعله، وإن قصر في بعض أمور الدين الأخرى، بل الجهاد مدرسة تربوية تعليمية يتعلم فيه المجاهدون كثيرًا من العقائد والأحكام والأخلاق؛ وذلك لما يتضمنه من السفر وكثرة اللقاءات التي يحصل فيها تجاذب الأحاديث وتلاقح الأفكار(3).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي ص349، سنن الترمذي، الفتن (4/475) رقم 2180.
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/497). (3) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (8/62).

(4/120)


ب- الإعجاب بالكثرة يحجب نصر الله:
الإعجاب بالكثرة حجب عن المسلمين النصر في بداية المعركة، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) [التوبة: 25].
وقد نبه إلى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أوضح أنه لا حول ولا قوة إلا بالله فيقول: «اللهم بك أحول وبك أصول، وبك أقاتل»(1).
وهكذا أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يراقب المسلمين ويقوِّم ما يظهر من انحرافات في التصور والسلوك، حتى في أخطر ظروف المواجهة مع خصومه العتاة(2).
وعلى الرغم من الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في بداية غزوة حنين وفرار معظم المسلمين في ميدان المعركة؛ لأنهم فوجئوا بما لم يتوقعوه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف أحدا ممن فرَّ عنه، حتى حينما طالبه بعض المسلمين بأن يقتل الطلقاء لأنهم فروا، لم يوافق على هذا(3).
ج- الغنائم وسيلة لتأليف القلوب:
__________
(1) سنن الدارمي (2/135)، المسند للإمام أحمد (4/333).
(2) انظر: المجتمع المدني في عهد النبوة للعمري، ص199.
(3) المصدر نفسه، ص204، 205. (3) انظر: معين السيرة، ص421.

(4/121)


رأى صلى الله عليه وسلم أن يتألف الطلقاء والأعراب بالغنائم تأليفًا لقلوبهم لحداثة عهدهم بالإسلام، فأعطى لزعماء قريش وغطفان وتميم عطاء عظيمًا، إذ كانت عطية الواحد منهم مائة من الإبل، ومن هؤلاء: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، ومعاوية ويزيد ابنا أبي سفيان، وقيس ابن عدي(1). وكان الهدف من هذا العطاء المجزي هو تحويل قلوبهم من حب الدنيا إلى حب الإسلام، أو كما قال أنس بن مالك: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها(2). وعبر عن هذا صفوان بن أمية بقوله: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ(3).
__________
(2) مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله شيئًا قط (4/1806) رقم 2312.
(3) المصدر نفسه (4/1806) رقم 2313.

(4/122)


وقد تأثر حدثاء الأنصار من هذا العطاء بحكم طبيعتهم البشرية، وترددت بينهم مقالة، فراعى صلى الله عليه وسلم هذا الاعتراض وعمل على إزالة التوتر، وبين لهم الحكمة في تقسيم الغنائم، وخاطب الأنصار خطابًا إيمانيًّا عقليًّا عاطفيًّا وجدانيًّا، ما يملك القارئ المسلم على مر الدهور وكر العصور وتوالي الزمان إلا البكاء عندما يمر بهذا الحدث العظيم، فعندما دخل سعد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة؟» قال: فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردَّهم، فلما اجتمعوا أتى سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضُلاَّلا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: الله ورسوله أمنُّ وأفضل، ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المن والفضل. قال: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتم ولصُدِّقتُم: أتيتنا مكذَّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم عليَّ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء(1) والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون
__________
(1) بالشاء: أي الشياه وهي الأغنام. (2) دثار: هو الثوب الذي يكون فوق الشعار.

(4/123)


به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة، لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وواديًا، وسلكتْ الأنصار شعبًا وواديًا لسلكتُ شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار(1)، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله وتفرقوا(2)، وفي رواية: «إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»(3).
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن هذه المقالة لم تصدر من الأنصار كلهم، وإنما قالها حديثو السن منهم؛ بدليل ما ورد في الصحيحين، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين: أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس بن مالك: فحُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟» فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم»(4).
__________
(2) انظر: زاد المعاد (3/474).
(3) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (2/738) رقم 1061.
(4) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (2/734) رقم 1509.

(4/124)


ويرى الإمام ابن القيم -استدلالاً بهذه الحادثة-: أنه قد يتعين على الإمام أن يتألف أعداءه لاستجلابهم إليه، ودفع شرهم عن المسلمين فيقول: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين ذلك -أي التأليف- للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رءوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم، ساغ له ذلك، بل تعين عليه، فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين(1).
والتأليف لهذه الطائفة إنما هو من قبيل الإغراء والتشجيع في أول الأمر حتى يخالط الإيمان بشاشة القلب، ويتذوق حلاوته.
ويوضح الشيخ محمد الغزالي حقيقة هذا الأمر في مثال محسوس فيقول:... إن في الدنيا أقوامًا كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظل تمد إليه فمها، حتى تدخل حظيرتها آمنة، فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهش له(2).
إن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب للأنصار صورة مؤثرة: قوم يبشرون بالإيمان يقابلهم قوم يبشرون بالجِمال، وقوم يصحبهم رسول الله يقابلهم قوم يصحبهم الشاة والبعير، لقد أيقظتهم تلك الصور، وأدركوا أنهم وقعوا في خطأ ما كان لأمثالهم أن يقع فيه، فانطلقت حناجرهم بالبكاء ومآقيهم بالدموع، وألسنتهم بالرضا، وبذلك طابت نفوسهم واطمأنت قلوبهم بفضل سياسة النبي صلى الله عليه وسلم الحكيمة في مخاطبة الأنصار(3).
د- الصبر على جفاء الأعراب:
__________
(1) انظر: زاد المعاد (3/486). (2) انظر: فقه السيرة، ص427.
(3) ،4) انظر: المجتمع المدني في عهد النبوة، ص219.

(4/125)


لقد ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من الصبر على جفاء الأعراب، وطمعهم في الأموال، وحرصهم على المكاسب، فكان مثالا للمربي الذي يدرك أحوالهم، وما جبلتهم عليه بيئتهم وطبيعة حياتهم من القساوة والفظاظة والروح الفردية، فكان يبين لهم ويطمئنهم على مصالحهم ويعاملهم على قدر عقولهم، فكان بهم رحيمًا ولهم مربيًا ومصلحًا، فلم يسلك معهم مسلك ملوك عصره مع رعاياهم الذين كانوا ينحنون أمامهم أو يسجدون، وكانوا دونهم محجوبين، وإذا خاطبوهم التزموا بعبارات التعظيم والإجلال، كما يفعل العبد مع ربه، أما الرسول عليه الصلاة والسلام فكان كأحدهم؛ يخاطبونه ويعاتبونه، ولا يحتجب عنهم قط، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يراعون التأدب بحضرته ويخاطبونه بصوت خفيض، ويكنون له في أنفسهم المحبة العظيمة، وأما جفاة الأعراب فقد عنفهم القرآن على سوء أدبهم وجفائهم، وارتفاع أصواتهم وجرأتهم في طبيعة مخاطبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم(1)، وهذه مواقف تدل على حسن معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعراب:
1- الأعرابي الذي رفض البشرى:
قال أبو موسى الأشعري: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: «أبشر» فقال: قد أكثرت عليَّ من أبشر، فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: «رد البشرى، فاقبلا أنتما» قالا: قبلنا. ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه ثم قال: «اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا» فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة(2).
2- مقولة الأعرابي: ما أريدَ بهذه القسمة وجه الله:
__________
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4328.

(4/126)


قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:... فلما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله، قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: «فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟!» قال: ثم قال: «يرحم الله موسى؛ قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا(1).
تعامله مع هوازن لما أسلمت:
جاء وفد هوازن لرسول الله بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منَّ الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر(2) ثم أصابنا منها مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت رسول الله خير المكفولين، ثم أنشأ يقول:
فإنك المرء نرجوه وننتظر(3) ... امنن علينا رسولَ الله في كرم
إلى أن قال:
إذ فوك يملؤه من محضها درر ... امنن على نسوة قد كنت ترضعها
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر ... امنن على نسوة قد كنت ترضعها
فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم، فعادت فواضله عليه السلام عليهم قديما وحديثًا وخصوصًا وعمومًا(4).
__________
(1) مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم، حديث 1062.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/352). (4) المصدر نفسه (4/352).
(4) انظر: البداية والنهاية (4/363، 364).

(4/127)


فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفد قال لهم: «نساؤكم وأبناؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟» فقالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحسابنا وأموالنا؟ بل أبناؤنا ونساؤنا أحب إلينا، فقال رسول الله: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا
صليت بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا، فإني سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم» فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس ابن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستة فرائض من أول فيء نصيبه، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم»(1)، وفي رواية... فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمنين فقال: «إن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين، وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل» فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم: «إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا(2)
__________
(1) المصدر نفسه (4/352، 353).
(2) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4319.

(4/128)


وقد سر الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلام هوازن وسألهم عن زعيمهم مالك بن عوف النصري، فأخبروه أنه في الطائف مع ثقيف، فوعدهم برد أهله وأمواله عليه، وإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلمًا، فجاء مالك مسلمًا فأكرمه وأمّره على قومه وبعض القبائل المجاورة. لقد تأثر مالك بن عوف وجادت قريحته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
في الناس كلهم بمثل محمد ... ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
ومتى تشاء يخبر عما في غد ... أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى
بالسمهري وضرب كل مهند ... وإذا الكتيبة عردت(1) أنيابها
وسط الهباءة(2) خادر(3) في مرصد(4) ... فكأنه ليث على أشباله
__________
(1) عردت: اشتدت وضربت، القاموس المحيط (1/313).
(2) الهباءة: غبار الحرب، مختار الصحاح، ص689.
(3) الخادر: المقيم في عرينه، والخدر ستر يمد للجارية من ناحية البيت.
(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/144).

(4/129)


لقد كانت سياسته صلى الله عليه وسلم مع خصومه مرنة إلى أبعد الحدود؛ وبهذه السياسة الحكيمة استطاع صلى الله عليه وسلم أن يكسب هوازن وحلفاءها إلى صف الإسلام، واتخذ من هذه القبيلة القوية رأس حربة يضرب بها قوى الوثنية في المنطقة ويقودها زعيمهم مالك بن عوف الذي قاتل ثقيفًا في الطائف حتى ضيق عليهم، وقد فكر زعماء ثقيف في الخلاص من المأزق بعد أن أحاط الإسلام بالطائف من كل مكان فلا تستطيع تحركًا ولا تجارة، فمال بعض زعماء ثقيف إلى الإسلام مثل عروة بن مسعود الثقفي الذي سارع إلى اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدينة بعد أن قسم غنائم حنين واعتمر من الجعرانة، فالتقى به قبل أن يصل إلى المدينة، وأعلن إسلامه وعاد إلى الطائف، وكان من زعماء ثقيف محبوبًا عندهم، فدعاهم إلى الإسلام وأذن في أعلى منزله فرماه بعضهم بسهام فأصابوه، فطلب من قومه أن يدفنوه مع شهداء المسلمين في حصار الطائف(1).
إن الإنسان ليعجب من فقه النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة النفوس، ومن سعيه الحثيث لتمكين دين الله تعالى، لقد استطاع صلى الله عليه وسلم أن يزيل معالم الوثنية، وبيوتات العبادة الكفرية من مكة وما حولها، ورتب صلى الله عليه وسلم الأمور التنظيمية للأراضي التي أضيفت للدولة الإسلامية، فعين عتاب بن أسيد أميرا على مكة، وجعل معاذ بن جبل مرشدًا وموجهًا ومعلمًا ومربيًا(2)، وعين على هوازن مالك بن عوف قائدًا ومجاهدًا، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/192).
(2) المصدر نفسه (4/153).

(4/130)


المبحث الثالث : دروس وعبر وفوائد
أولاً: تفسير الآيات التي نزلت في غزوة حنين:
قال تعالى: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ - ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 25-27].
إن غزوة حنين سجلت في القرآن الكريم لكي تبقى درسا للأمة في كل زمان ومكان، ولقد عرضت في القرآن الكريم على منهجية ربانية كان من أهم معالمها الآتي(1):
أ- بين القرآن الكريم أن المسلمين أصابهم الإعجاب بكثرة عددهم، قال تعالى: ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) ثم بين القرآن أن هذه الكثرة لا تفيد ( فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا ).
ب- بين القرآن الكريم أن المسلمين انهزموا وهربوا ما عدا النبي صلى الله عليه وسلم ونفر يسير من أصحابه، قال تعالى: ( وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ).
ج- بين القرآن الكريم أن الله نصر رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة وأكرمه بإنزال السكينة عليه وعلى المؤمنين فقال تعالى: ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ).
د- بين القرآن الكريم أن الله أمد نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالملائكة في حنين قال تعالى: ( وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ).
__________
(1) انظر: حديث القرآن (2/602، 603).

(4/131)


وأكد –سبحانه- على أنه يقبل التوبة من عباده ويوفق من شاء إليها، قال تعالى: ( ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).
ثانيًا: أسباب الهزيمة وعوامل النصر في حنين:
أ- أسباب الهزيمة:
وقعت الهزيمة في الجولة الأولى لعدة أسباب منها:
1- أن شيئًا من العجب تسرب إلى قلوب المسلمين، لما رأوا عددهم، فقد قال رجل منهم: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الهزيمة.
2- خروج شبان ليس لديهم سلاح أو سلاح كافٍ، وإنما عندهم حماس وتسرع.
3- أن عدد المشركين كان كثيرًا بلغ أكثر من ضعفي عدد المسلمين.
4- أن مالك بن عوف سبق بجيشه إلى حنين فتهيأ هنالك ووضع الكمائن والرماة في مضايق الوادي وعلى جوانبه، وفاجأوا المسلمين، برميهم بالنبال وبالهجوم المباغت.
5- كان العدو مهيأ ومنظما ومستعدا للقتال حال مواجهته لجيش المسلمين، فقد جاء المشركون بأحسن صفوف رُئيت: صف الخيل ثم المقاتلة ثم النساء من وراء ذلك ثم الغنم ثم النعم.
6- وجود ضعاف الإيمان الذين أسلموا حديثًا في مكة، ففروا فانقلبت أولاهم على أخراهم، فكان ذلك سببا لوقوع الخلل وهزيمة غيرهم(1).
ب- عوامل النصر:
كانت عوامل النصر في حنين عدة أسباب منها:
1- ثبات الرسول في القتال وعدم تراجعه، مما جعل الجنود يثبتون ويستجيبون لنداء القائد الثابت.
2- شجاعة القائد، فالرسول القائد لم يثبت في مكانه فحسب، بل تقدم نحو عدوه راكبًا بغلته، فطفق يركض ببغلته قِبَل الكفار والعباس آخذ بلجام البغلة يكفها ألا تسرع.
3- ثبات قلة من المسلمين معه وحوله حتى جاء الذين تولوا وأكملوا المسيرة؛ مسيرة الثبات والبر والقتال حتى النصر.
4- سرعة استجابة الفارِّين والتحاقهم بالقتال.
__________
(1) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/409). (2) مسلم بشرح النووي (12/116، 117).

(4/132)


5- وقوع الجيش المعادي في خطأ عسكري قاتل، وهو عدم الاستمرار في مطاردة الجيش الإسلامي بعد فراره، مما أعطى فرصة ثمينة للجيش الإسلامي ليلتقط أنفاسه ويعود إلى ساحة القتال ويستأنف القتال من جديد بقيادة القائد الثابت الشجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
6- رمية الحصى، فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب محمد»(1).
7- الاستعانة والاستغاثة بالله عز وجل، فقد كان الرسول يلح على الله في الدعاء بالنصر على الأعداء.
8- إنزال الملائكة في الغزوة ومشاركتهم فيها، وقد سجل الله هذه المشاركة في كتابه الكريم في سورة التوبة(2): ( وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ).
ثالثًا: الأحكام المستنبطة من غزوة حنين والطائف:
1- نزول الآية الكريمة ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ) [النساء: 24] في يوم أوطاس لبيان حكم المسبيات المتزوجات، وقد فرق السبي بينهن وبين أزواجهن، فأوضحت الآية جواز وطئهن إذا انقضت عدتهن، لأن الفرقة تقع بينهن وبين أزواجهن الكفار بالسبي وتنقضي العدة بالوضع للحامل وبالحيض لغير الحامل(3).
2- منع المخنثين خلقة من الدخول على النساء الأجنبيات: وكان ذلك مباحًا إذ لا حاجة للمخنث بالنساء، وكان سبب المنع ما رواه البخاري عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة، دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث فسمعته يقول لعبد الله بن أمية: يا عبد الله، أرأيت إن فتح الله عليك الطائف غدًا، فعليك بابنة غيلان؛ فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخلن هؤلاء عليكم»(4).
__________
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس، ص423. (2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/520).
(4) البخاري،كتاب المغازي، (5/120) رقم 4324. (4) متقصفون: مجتمعون.

(4/133)


وفي هذا المنع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على سلامة أخلاق المجتمع الإسلامي.
3- النهي عن قصد قتل النساء والأطفال والشيوخ والأجراء ممن لا يشتركون في القتال ضد المسلمين: وقد ذكر ابن كثير أن رسول الله مر يوم حنين بامرأة قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون(1) عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كانت هذه لتقاتل» وقال لأحدهم: «الحق خالدًا فقل له لا يقتلن ذرية ولا عسيفًا»(2)، وفي رواية: «فقل له إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدًا أو امرأة أو عسيفًا»(3).
4- تشريع العمرة من الجعرانة: أحرم النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة من الجعرانة، وكان داخلا إلى مكة وهذه هي السنَّة لمن دخلها من طريق الطائف وما يليه، وأما ما يفعله كثير مما لا علم عندهم من الخروج من مكة إلى الجعرانة ليحرم منها بعمرة ثم يرجع إليها فهذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحبه أحد من أهل العلم، وإنما يفعله عوام الناس زعموا أنه اقتداء بالنبي وغلطوا، فإنه إنما أحرم منها داخلا إلى مكة ولم يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها(4).
5- إرشاده للأعرابي بأن يصنع في العمرة ما يصنع في الحج:
قال يعلى بن منبه: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة، وعليها خلوق(5) -أو قال: أثر صفرة- فقال: كيف تأمرني أصنع في عمرتي؟ قال: وأُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل الوحي عليه، قال: فرفع عمر طرف الثوب عنه فنظرت إليه، فإذا له غطيط (قال) فلما سري عنه قال: «أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك الصفرة -أو قال: أثر الخلوق- واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك» (6).
__________
(2) انظر: البداية والنهاية (4/336). (6) المصدر نفسه (4/335).
(4) انظر: زاد المعاد (3/504).
(5) خلوق: طيب.
(6) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص578.

(4/134)


6- من قتل قتيلاً فله سلبه: قال أبو قتادة: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله فرفع ليضربني وأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضمًّا شديدًا حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله، فقال رسول الله: «من أقام بينة على قتيل قتله، فله سلبه»، فقمت لألتمس بينة قتيلي فلم أر أحدًا يشهد لي فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: كلا لا يعطه(1) أصيبغ من قريش ويدع(2) أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إليَّ فاشتريت منه خرافًا(3)، فكان أول مال تأثلته في الإسلام(4).
ونلحظ في هذا الخبر أن أبا قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - حرص على سلامة أخيه المسلم، وقتل ذلك الكافر بعد جهد عظيم، كما أن موقف الصديق - رضي الله عنه - فيه دلالة على حرصه على إحقاق الحق، والدفاع عنه، ودليل على رسوخ إيمانه وعمق يقينه وتقديره لرابطة الأخوة الإسلامية وأنها بمنزلة رفيعة بالنسبة له(5).
__________
(1) لا يعطه: أي لا يعطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقوله أصيبغ: نوع من الطيور شبه له لعجزه وضعفه.
(2) يدع: يترك.
(3) خرافا: أي بستانا أقام الثمر مقام الأصل.
(4) البخاري، كتاب المغازي (5/119) رقم 4322.
(5) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي، (8/26).

(4/135)


7- النهي عن الغلول: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من سنام بعير من الغنائم، فجعلها بين إصبعيه ثم قال: «أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، وإياكم والغلول، فإن الغلول عار، ونار، وشنار على أهله في الدنيا والآخرة»(1).
ولما سمع الناس هذا الزجر بما فيه من وعيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أشفقوا على أنفسهم وخافوا خوفا شديدًا فجاء أنصاري بكبة خيط من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله، أخذت هذه الوبرة لأخيط بها برذعة بعير لي دبر، فقال له صلى الله عليه وسلم: «أما حقي منها، وما كان لبني عبد المطلب فهو لك»، فقال الأنصاري: أما إذا بلغ الأمر فيها ذلك فلا حاجة لي بها، فرمى بها من يده(2).
وأما عقيل بن أبي طالب فقد دخل على امرأته فاطمة بنت شيبة يوم حنين، وسيفه ملطخ دمًا، فقال لها: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع المنادي
يقول: من أخذ شيئًا فليرده، حتى الخياط والمخيط، فرجع عقيل فأخذ الإبرة من امرأته، فألقاها في الغنائم(3).
وهذا التشديد في النهي عن الغلول، وتبشيعه بهذه الصورة الشائهة المرعبة، ولو كان في شيء تافه لا يلتفت إليه، يمثل معلما من أهم معالم المنهج النبوي في تربية الأفراد على ما ينبغي أن يكون عليه الفرد المسلم في حياته العملية، إيمانًا وأمانة، وفي التزام الأفراد بهذا التوجيه يتطهر المجتمع المسلم من رذيلة الخيانة، لأن التساهل في صغيرها يقود إلى كبيرها، والخيانة من أرذل الأخلاق الإنسانية التي لا تليق بالمجتمع المسلم(4).
8- وفاء نذر كان في الجاهلية:
__________
(1) ، 2) انظر: البداية والنهاية (4/353).
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/145).
(4) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/387؛ 388).

(4/136)


قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكافًا فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بوفائه(1).
رابعًا: مواقف لبعض الصحابة والصحابيات:
1- أنس بن أبي مرثد الغنوي وحراسة المسلمين:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اندلاع معركة حنين: «من يحرسنا الليلة؟» فقال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: «فاركب» فركب ابن أبي مرثد فرسا له، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: «استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ونُغَرَنَّ من قبلك الليلة».
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي (5/118)، رقم 4320.

(4/137)


قال سهيل بن الحنظلية: فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: «هل أحسستم فارسكم؟» قالوا: ما أحسسناه، فثّوب بالصلاة، فجعل صلى الله عليه وسلم يصلي، وهو يلتفت إلى الشعِّب، حتى إذا قضى صلاته، قال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم»، فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف عليه فقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلى الشعب حيث أمرني صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا، فقال صلى الله عليه وسلم: «هل نزلت الليلة؟» فقال: لا، إلا مصليا أو قاضي حاجة، فقال له صلى الله عليه وسلم: «قد أوجبت، فلا عليك أن تعمل بعدها»(1) وفي هذا الخبر يظهر لنا المنهج النبوي الكريم في الاهتمام بالأفراد، فقد ظهر اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بطليعة القوم حتى جعل يلتفت في صلاته، وما كان ذلك ليحدث إلا لأمر مهم، ثم إنه صلى الله عليه وسلم قال: «أبشروا فقد جاء فارسكم»، إنها الكلمة التي يستعملها صلى الله عليه وسلم في إخبارهم بما يسرهم من الأمور العظيمة، تلك هي أهمية الفرد في المجتمع الإسلامي، إنه ليس كمَّا مهملاً، ولا رقمًا في سجل ولا بزالاً في آلة،
يستغنى عنه عند الضرورة ليؤتى بغيره، إنها بعض التفسير للمنهج الإلهي(2) في قوله: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء: 70].
__________
(1) أبو داود في الجهاد رقم 2501، صحيح السيرة النبوية، ص550.
(2) انظر: معين السيرة، ص429.

(4/138)


كما أن في هذه القصة معلمًا من معالم المنهج النبوي الكريم في وجوب اليقظة وتعرف أحوال العدو، ومراقبة حركاته، ومعرفة ما عنده من القوة عددًا وعدة، وما رسمه من خطط حربية، وهي سياسة مهمة بالنسبة للقادة الذين يسعون لإعلاء كلمة الله في الأرض(1).
وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «قد أوجبت فلا عليك أن تعمل بعدها» فهذا محمول على النوافل التي يكفر الله بها السيئات، ويرفع بها الدرجات، والمقصود أنه عمل عملا صالحًا كبيرًا يكفي لتكفير ما قد يقع منه من سيئات في المستقبل، ويرفع الله به درجاته في الجنة، وليس المقصود أن هذا العمل يكفيه عن أداء الواجبات(2).
2- شجاعة أم سليم يوم حنين:
قال أنس - رضي الله عنه -: إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا(3) فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا الخنجر» قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا(4) من الطلقاء(5) انهزموا بك(6)، فقال رسول الله: «يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن»(7).
3- الشيماء بنت الحارث أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة:
__________
(1) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون (4/366).
(2) انظر: التاريخ الإسلامي (8/14). (5) خنجرًا: سكين كبير ذو حدين.
(4) من بعدنا: من سوانا.
(5) الطلقاء: هم الذين أسلموا يوم الفتح وكانوا سبب الانهزام في المرة الأولى.
(6) انهزموا بك: انهزموا عنك.
(7) مسلم، رقم 1809، صحيح السيرة النبوية، 563.

(4/139)


كان المسلمون قد ساقوا فيمن ساقوه إلى رسول الله الشيماء بنت الحارث، وبنت حليمة السعدية، أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وعنفوا عليها في السوق، وهم لا يدرون، فقالت للمسلمين: تعلمون والله أني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله، ولما انتهت الشيماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله إني أختك من الرضاعة، قال: «ما علامة ذلك؟» قالت: عضة عضضتها في ظهري، وأنا متوركتك(1)، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، وخيَّرها، وقال: «إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت» فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي(2). ومتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، وأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أعبد وجارية ونعماء وشاء(3).
خامسًا: إسلام كعب بن زهير –الشاعر– والهيمنة الإعلامية على الجزيرة:
__________
(1) متوركتك: يعني حاملتك على وركي.
(2) انظر: البداية والنهاية (4/363) السيرة النبوية الصحيحة (2/506).
(3) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص358. (8) متبول: مغرم، مكبول: مقيد.

(4/140)


لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، جاءه كعب بن زهير -الشاعر ابن الشاعر- وكان قد هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضاقت به الأرض، وضاقت عليه نفسه، وحثه أخوه (بجير) على أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم تائبا مسلما، وحذره من سوء العاقبة إن لم يفعل ذلك، فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي اشتهرت بـ (قصيدة بانت سعاد)، فقدم المدينة، وغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح، ثم جلس إليه، ووضع يده في يده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كعب بن زهير جاء يستأمنك تائبًا مسلمًا، فهل أنت قابل منه؟ فوثب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله، أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه عنك فقد جاء تائبًا نازعًا»، وأنشد كعب قصيدته اللامية التي قال فيها:
متيم إثرها لم يفد مكبول ... بانت سعاد فقلبي اليوم متبول(1)
إلا أغنُّ قرير العين مكحول(2) ... وما سعاد غداة الطرف إذ رحلوا
ومنها:
مهند من سيوف الله مسلول ... إن الرسول لنور يستضاء به
ببطن مكة لما أسلموا: زولوا ... في عصبة من قريش قال قائلهم
من نسج داود في الهيجا سرابيل(3) ... شُمُّ العرانين أبطال لبوسُهم
ويقال إنه لما أنشد رسول الله قصيدته أعطاه بردته، وهي التي صارت إلى الخلفاء(4). قال ابن كثير: هذا من الأمور المشهورة جدًّا، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه، فالله أعلم(5).
ويقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له بعد ذلك: «لولا ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل!»(6)، فقال:
__________
(2) أغن: صفة للغزال الذي في صوته غنة.
(3) انظر: البداية والنهاية (4/369- 371). (2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/487).
(5) انظر: البداية والنهاية (374). (4) المصدر نفسه (4/373).

(4/141)


في مقنب من صالحي الأنصار(1) ... من سره كرم الحياة فلا يزل
إن الخيار هم بنو الأخيار ... ورثوا المكارم كابرًا عن كابر
كسوالف الهندي غير قصار(2) ... المكرهين السمهريَّ بأذرع
كالجمر غير كليلة الأبصار ... والناظرين بأعين محمرَّة
للموت يوم تعانق وكرار ... والبائعين نفوسَهم لنبيهم
بالمشرفي وبالقنا الخطار(3) ... والقائدين(4) الناس عن أديانهم
بدماء من علقوا من الكفار ... يتطهرون يرونه نسكًا لهم
إلى أن قال:
فيهم لصدقني الذين أماري(5) ... لو يعلم الأقوام علمي كله
للطارقين(6) النازلين مقاري(7) ... قوم إذا خوت النجوم فإنهم
وبإسلام كعب بن زهير نستطيع القول إن الشعراء المعارضين للدعوة الإسلامية قد انتهى دورهم، فقد أسلم ضرار بن الخطاب وعبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن هشام، والعباس بن مرداس، وتحولوا إلى الصف الإسلامي، واستظلوا بلوائه عن قناعة وإيمان، ولم يكتف بعضهم بأن تكون كلمته في الدفاع عن الإسلام، بل كان سيفه إلى جانب كلمته، وهذا من بركات فتح مكة(8).
سادسًا: من نتائج غزوة حنين والطائف:
1- انتصار المسلمين على قبيلتي هوازن وثقيف في هذه الغزوة.
2- كانت غزوة حنين والطائف آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم لمشركي العرب.
__________
(1) المقنب: الجماعة من الخيل، يريد به القوم على ظهور جيادهم.
(2) السمهري: الرمح، سوالف الهندي: حواشي السيف.
(3) المشرفي: السيف، والقنا، الرماح جمع قناة، والخطار: المهتز.
(4) القائدين: المانعين الناس.
(5) أماري: أجادل.
(6) خوت النجوم: أي سقطت، الطارقين: الذين يأتون بالليل.
(7) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/167، 168).
(8) انظر: معين السيرة، ص431- 433.

(4/142)


3- رجوع كثير من أهل مكة والأعراب بغنائم إلى مواطنهم تأليفا لهم لدخول الإسلام، وحصول الأنصار على وسام عظيم وهو شهادة رسول الله لهم بالإيمان، والدعاء لهم ولأبنائهم وأحفادهم، ورجوعهم برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
4- انضمام كوكبة مباركة من قيادة أهل مكة وهوازن إلى الإسلام وأصبحوا حربًا ضروسًا على الأوثان والأصنام والمعابد الجاهلية في الجزيرة العربية، كما كان لقبيلة هوازن، دور كبير في مجاهدات أهل الطائف والتضييق عليهم حتى أسلموا.
5- توسعت الدولة الإسلامية وامتد نفوذها وأصبح لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمراء بمكة وعلى قبيلة هوازن، وصارت تلك الأماكن جزءًا من الدولة الإسلامية التي عاصمتها المدينة النبوية، وأصبح بالإمكان أن يرسل رسول الله بعوثا دعوية بدون خوف أو وجل من أحد، وصارت المدينة بعد الفتح تستقبل وفود المستجيبين، وأخذت حركة السرايا تستهدف الأوثان والأصنام لتهديمها، فقد أصبح استئصال وجودها من الجزيرة سهلا، ونظم رسول الله فريضة الزكاة فكلف من يقوم على جمعها من القبائل التابعة للدولة(1).
__________
(1) انظر: الأساس في السنة وفقهها في السيرة النبوية (2/961).

(4/143)


المبحث الرابع : أهم الأحداث ما بين حنين وتبوك
أولاً: ترتيب استيفاء الصدقات
شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عودته إلى المدينة -في أواخر ذي القعدة- في تنظيم الإدارة والجباية، وكان صلى الله عليه وسلم قد استخلف عتاب بن أسيد على مكة حين انتهى من أداء العمرة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس ويعلمهم القرآن، وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم عندما تدخل القبائل في الإسلام أن يحرص على تعليمها وتربيتها ويعين من يشرف على ذلك؛ لأن النفوس تحتاج إلى العناية والاهتمام وغرس العقائد الصحيحة والتصورات السليمة فيها، وفي مطلع المحرم من العام التاسع وجه الرسول صلى الله عليه وسلم عماله إلى المناطق المختلفة، فبعث بريدة بن الحصيب إلى أسلم وغفار، وعباد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومزينة، ورافع بن مكيث إلى جهينة، وعمرو بن العاص إلى فزارة، والضحاك بن شعبان الكلابي إلى بني كلاب، وبسر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب، وابن اللُّتْبيَّة الأزدي إلى بني ذبيان، ورجلا من بني سعد بن هذيم إلى بني هذيم(1)، والمهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء، وزياد بن لبيد إلى حضرموت، والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم إلى بني سعد(2)، والعلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وعلي بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم(3).
__________
(1) ،2، 3) انظر: نضرة النعيم (1/384).

(4/144)


وكان صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العمال، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما فعل مع عامله ابن اللُّتبيَّة بن الأزد حيث حاسبه عندما قال الرجل(1): هذا لكم، وهذا أُهدي لي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر» ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ثم قال: «اللهم هل بلغت» مرتين(2) وكان يقول أيضا: «أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقًا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول»(3).
ثانيًا: أهم السرايا في هذه المرحلة:
أ- سرية الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين:
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث الطفيل بن عمرو من مقره في حنين وقبل أن يسير إلى الطائف، أمره بأن يهدم (ذي الكفين) صنم عمرو بن حُمَمَة الدوسي، ثم يستمد قومه ويوافيه مع المدد إلى الطائف، وقد نفذ الطفيل بن عمرو أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، فهدم ذي الكفين وحرقه، وقاد أربعمائة من قومه ومعهم دبابة ومنجنيق مددًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصلوا إليه بعد مقدمه الطائف بأربعة أيام(4).
ب- سرية عبد الله بن حذافة السهمي، ويقال إنها سرية الأنصار:
__________
(1) انظر: الدولة العربية الإسلامية، منصور الحرابي، ص43.
(2) مسلم، باب محاسبة الإمام عماله رقم 1832، صحيح السيرة،ص 579.
(3) انظر: التراتيب الإدارية للكتاني، (1/265).
(4) انظر: نضرة النعيم، (1/385) .

(4/145)


قال علي بن أبي طالب: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبًا، فجمعوا فقال: أوقدوا نارًا، فأوقدوها فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضًا ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف»(1).
ج- سرية علي بن أبي طالب لهدم صنم الفُلس في بلاد طيئ:
وفي ربيع الآخر خرجت سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس، صنم لطيئ ليهدمه، وكان تعدادها خمسين ومائة رجل من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم -حاتم الطائي الذي ضرب المثل بجوده- مع الفجر فهدموا الفلس وخربوه، وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام(2).
د- سرية جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الخلصة:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي (5/126) رقم 4340.
(2) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، المغازي، ص624.

(4/146)


قال جرير بن عبد الله: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري فقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا» قال: فما وقعت عن فرسي بعد، قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخشعم وبجيلة، فيه نصب يقال له: الكعبة، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها، قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها ولتشهدوا أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك. قال: فكسرها وشهد، ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبرَّك النبي صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات(1).
ثالثًا: إسلام عدي بن حاتم:
عندما وقعت أخت عدي بن حاتم في أسر المسلمين عاملها رسول الله معاملة كريمة، وبقيت معززة مكرمة، ثم كساها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها ما تتبلغ به في سفرها، وعندما وصلت إلى أخيها في الشام شجعته على الذهاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأثر بنصيحتها وقدم على المدينة(2)، ونترك أبا عبيدة بن حذيفة يحدثنا عن قصة إسلام عدي:
__________
(1) البخاري، المغازي، (5/132) رقم 4357.
(2) انظر: التاريخ الإسلامي، (8/81).

(4/147)


قال أبو عبيدة بن حذيفة: كنت أحدث عن عدي بن حاتم فقلت: هذا عدي في ناحية الكوفة، فلو أتيته فكنت أنا الذي أسمع منه، فأتيته فقلت: إني كنت أحدث عنك حديثا، فأردت أن أكون أنا الذي أسمعه منك، قال: لما بعث الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم فررت منه حتى كنت في أقصى أرض المسلمين مما يلي الروم. قال: فكرهت مكاني الذي أنا فيه حتى كنت أشد كراهية له مني من حيث جئت، قال: قلت: لآتين هذا الرجل، فوالله إن كان صادقًا فلأسمعن منه، وإن كان كاذبا ما هو بضائري. قال: فأتيته واستشرفني الناس وقالوا: عدي ابن حاتم، عدي بن حاتم، قال: أظنه قال ثلاث مرار، قال: فقال لي: يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم، قال: قلت: إني من أهل دين، قال: يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم، قال: قلت: إني من أهل دين، قالها ثلاثا، قال: «أنا أعلم بدينك منك»، قال: قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: «نعم» قال: «أليس ترأس قومك؟» قال: قلت: بلى، قال: فذكر محمد الركوسية(1) قال كلمة التمسها يقيمها فتركها قال: فإنه لا يحل في دينك المرباع(2).
__________
(1) قوم لهم دين بين النصارى والصابئة، النهاية (2/259).
(2) المرباع: هو ربع الغنيمة يأخذه سيد القوم قبل القسمة.

(4/148)


قال: فلما قالها، تواضعت لها. قال: «وإني قد أرى أن مما يمنعك خصاصة تراها ممن حولي، وأن الناس علينا إلبًا واحدًا، هل تعرف مكان الحيرة؟» قال: قلت: قد سمعت بها ولم آتها، قال: «لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز تفتح» قال: قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: «كسرى بن هرمز -ثلاث مرات- وليوشكن أن يبتغي من يقبل ماله منه صدقة فلا يجد»، قال: فلقد رأيت اثنتين، قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، وكنت في الخيل التي أغارت على المدائن، وايم الله لتكونن الثالثة؛ إنه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنيه(1)، وفي رواية جاء فيه.. فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه، وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال: «من الرجل؟» فقلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم(2) محشوة ليفًا فقذفها إليَّ، فقال: «اجلس على هذه»، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: «بل أنت» فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض، قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك(3).
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها:
1- كان عدي وهو مقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل في تصوره أنه أحد رجلين: إما نبي، وإما ملك، فلما رأى وقوف رسول الله مع المرأة الضعيفة الكبيرة مدة طويلة شعر بخلق التواضع وانسلخ من ذهنه عامل الملك، واستقر في تصوره عامل النبوة.
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص580.
(2) أدم: هو بفتحتين: الجلد.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/236).

(4/149)


2- كان النبي صلى الله عليه وسلم موفقا حينما انتقد عديا في مخالفته للدين الذي يعتنقه، حيث حصل لعدي اليقين بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يعلم من دينه ما لا يعلمه الناس من حوله.
3- لما ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن عديا قد أيقن بنبوته تحدث عن العوائق التي تحول بين بعض الناس واتباع الحق، حتى مع معرفتهم بأنه حق، ومنها ضعف المسلمين وعدم اتساع دولتهم، وما هم فيه من الفقر، فأبان له النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأمن سيشمل البلاد حتى تخرج المرأة من العراق إلى مكة من غير أن تحتاج إلى حماية أحد، وأن دولة الفرس ستقع تحت سلطان المسلمين، وأن المال سيفيض حتى لا يقبله أحد، فلما زالت عن عدي هذه المعوقات أسلم.
4- كان النبي صلى الله عليه وسلم موفقا في دعوته حيث كان خبيرا بأدواء النفوس ودوائها، ومواطن الضعف فيها، وأزمة قيادها، فكان يلائم كل إنسان بما يلائم علمه وفكره وما ينسجم مع مشاعره وأحاسيسه؛ ولذلك أثر في زعماء القبائل ودخل الناس في دين الله أفواجا(1).
5- وجد عدي سمات النبوة الصادقة في مظهر معيشته صلى الله عليه وسلم وحياته، ووجد هذه السمات أيضا في لون حديثه وكلامه، ووجد مصداق ذلك فيما بعد، في وقائع الزمن والتاريخ، فكان ذلك سببًا في إسلامه، وزيادة يقينه وانخلاعه عن زخارف الحياة الدنيا ومظاهر الأبهة والترف التي كان قد أسبغها عليه قومه(2).
رابعًا: أحداث متفرقة في سنة ثمان:
__________
(1) انظر: التاريخ الإسلامي (8/58، 86).
(2) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص321.

(4/150)


قال ابن كثير نقلا عن الواقدي:... وفي هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد، وأخذت الجزية من مجوس بلدها ومن حولها من الأعراب، وفيها تزوج رسول الله فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة، فاستعاذت منه عليه السلام ففارقها، وفي ذي الحجة منها ولد إبراهيم بن رسول الله من مارية القبطية فاشتدت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا(1).
وفي عام 8هـ توفيت السيدة زينب بنت رسول الله وزوج أبي العاص بن الربيع، ولدت قبل المبعث بعشر سنين، وكانت أكبر بناته صلى الله عليه وسلم تليها رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة رضي الله عنهن، كان رسول الله محبا لها، أسلمت قديما ثم هاجرت قبل إسلام زوجها بست سنين، وكانت قد أجهضت في هجرتها ثم نزفت وصار المرض يعاودها حتى توفيت، ولما ماتت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلنها وترًا: ثلاثًا، أو خمسًا، واجعلن في الآخر كافورًا»(2).
الفصل السابع عشر : غزوة تبوك (9هـ)، وهي غزوة العسرة
المبحث الأول : تاريخ الغزوة وأسماؤها وأسبابها
أولاً: تاريخها وأسماؤها
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الغزوة في رجب من العام التاسع الهجري(3) بعد العودة من حصار الطائف بنحو ستة أشهر(4).
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (4/374).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/490)، الكافور: نبت طيب الرائحة وهو -فضلا عن كونه يطيب الميت- يجفف جسمه ويجعله صلبًا متماسكا، ويمنع إسراع الفساد إليه.
(3) انظر: تفسير الطبري (14/540- 542)، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص614.
(4) انظر: فتح الباري (16/237).

(4/151)


واشتهرت هذه الغزوة باسم غزوة تبوك، نسبة إلى مكان هو عين تبوك، التي انتهى إليها الجيش الإسلامي، وأصل هذه التسمية جاء في صحيح مسلم، فقد روي بسنده إلى معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي»(1).
وللغزوة اسم آخر، وهو: غزوة العسرة، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم حينما تحدث عن هذه الغزوة في سورة التوبة، قال تعالى: ( لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 117]. وقد روى البخاري بسنده إلى أبي موسى الأشعري، قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك...، وعنون البخاري لهذه الغزوة بقوله: (باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة)(2).
__________
(1) صحيح مسلم (4/1784) رقم 706.
(2) البخاري (5/150) رقم 4415.

(4/152)


لقد سميت بهذا الاسم لشدة ما لاقى المسلمون فيها من الضنك، فقد كان الجو شديد الحرارة، والمسافة بعيدة، والسفر شاقًّا لقلة المؤونة وقلة الدواب التي تحمل المجاهدين إلى أرض المعركة، وقلة الماء في هذا السفر الطويل والحر الشديد، وكذلك قلة المال الذي يجهز به الجيش وينفق عليه(1)، ففي تفسير عبد الرزاق عن معمر بن عقيل قال: خرجوا في قلة من الظهر، وفي حر شديد حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، فكان ذلك عسرة من الماء(2)، وهذا الفاروق عمر بن الخطاب يحدثنا عن مدى ما بلغ العطش من المسلمين فيقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرشه فيشربه وبضعه على بطنه(3).
وللغزوة اسم ثالث هو: الفاضحة، ذكره الزرقاني –رحمه الله– في كتابه «شرح المواهب اللدنية»(4) وسميت بهذا الاسم لأن هذه الغزوة كشفت عن حقيقة المنافقين، وهتكت أستارهم، وفضحت أساليبهم العدائية الماكرة، وأحقادهم الدفينة، ونفوسهم الخبيثة، وجرائمهم البشعة بحق رسول الله والمسلمين(5).
وأما موقع تبوك فيقع شمال الحجاز، يبعد عن المدينة 778 ميلاً حسب الطريق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قضاعة الخاضعة لسلطان الروم آنذاك(6).
ثانيًا: أسبابها:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين لأبي فارس، ص83.
(2) فتح الباري (9/174). (2) انظر: مجمع الزوائد (6/194).
(4) انظر: شرح المواهب اللدنية (3/62). (4) انظر: الصرع مع الصليبيين، ص84.
(6) انظر: المجتمع الإسلامي للعمري، ص229.

(4/153)


ذكر المؤرخون أسباب هذه الغزوة فقالوا: وصلت الأنباء للنبي صلى الله عليه وسلم من الأنباط الذين يأتون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من مستنصرة العرب، وجاءت في مقدمتهم إلى البلقاء(1) فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزوهم قبل أن يغزوه(2).
ويرى ابن كثير أن سبب الغزوة هو استجابة طبيعية لفريضة الجهاد؛ ولذلك عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم؛ لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) [التوبة: 123].
والذي قاله ابن كثير هو الأقرب للصواب، إضافة إلى أن الأمر الذي استقر عليه حكم الجهاد هو قتال المشركين كافة بمن فيهم أهل الكتاب، الذين وقفوا في طريق الدعوة وظهر تحرشهم بالمسلمين كما روى أهل السير(3).
ولا يمنع ما ذكره المؤرخون بأن سبب الخروج هو عزم الروم على غزو المسلمين في عقر دارهم أن يكون هذا حافزًا للخروج إليهم، لأن أصل الخروج كان واردًا.
__________
(1) البلقاء: هي كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى عاصمتها عمان.
(2) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/165).
(3) انظر: البداية والنهاية (5/3).

(4/154)


لقد كان المسلمون على حذر من مجيء غسان إليهم من الشام، ويظهر ذلك جليا مما وقع لعمر بن الخطاب، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا فهجرهن، ففي صحيح البخاري: وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء فضرب بابي ضربًا شديدًا، وقال: أثمَّ هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث عظيم، فقلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطول، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه...(1).
ثالثًا: الإنفاق في هذه الغزوة وحرص المؤمنين على الجهاد:
__________
(1) البخاري، كتاب النكاح، باب موعظة الرجل ابنته (6/180) رقم 5191.

(4/155)


حث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة لبعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته، وكان عثمان - رضي الله عنه - صاحب القِدْح المُعَلَّى في الإنفاق في هذه الغزوة(1)، فهذا عبد الرحمن بن حباب يحدثنا عن نفقة عثمان حيث قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله، عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان، فقال: يا رسول الله، عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله، عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ينزل عن المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه (2) وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنهما قال: جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها بيده ويقول: «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم -يرددها مرارًا-»(3).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص615.
(2) سنن الترمذي، مناقب (5/625، 626) رقم 3700.
(3) مسند أحمد (5/63).

(4/156)


وأما عمر فقد تصدق بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر بذلك، وهذا الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر - رضي الله عنه - بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا(1).
وروى أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم وهي نصف أمواله لتجهيز
جيش العسرة(2).
وكانت لبعض الصحابة نفقات عظيمة، كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي رضي الله عنهم(3).
وهكذا يفهم المسلمون أن المال وسيلة، واستطاع أغنياء الصحابة أن يبرهنوا أن مالهم في خدمة هذا الدين، يدفعونه عن طواعية ورغبة، وإن تاريخ الأغنياء المسلمين تاريخ مشرف؛ لأن تاريخ المال في يد الرجال لا تاريخ الرجال تحت سيطرة المال، وكما كان الجهاد بالنفس، فكذلك هو بالمال، وإن الذين ربوا على أن يقدموا أنفسهم، تهون عليهم أموالهم في سبيل الله تعالى(4).
إن في مسارعة الموسرين من الصحابة إلى البذل والإنفاق دليلا على ما يفعله الإيمان في نفوس المؤمنين من مسارعة إلى فعل الخير، ومقاومة لأهواء النفس وغرائزها، مما تحتاج إليه كل أمة لضمان النصر على أعدائها، وخير ما يفعله المصلحون وزعماء النهضات هو غرس الدين في نفوس الناس غرسًا كريمًا(5).
__________
(1) سنن أبي داود، الزكاة (2/312، 313) رقم 1678.
(2) انظر: السيرة في ضوء المصادر الأصلية، ص616.
(3) انظر: مغازي الواقدي، (3/391). ( ) انظر: معين السيرة، ص449.
(5) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، للسباعي، ص161.

(4/157)


وقدم فقراء المسلمين جهدهم من النفقة على استحياء؛ ولذلك تعرضوا لسخرية وغمز ولمز المنافقين، فقد جاء أبو عقيل بنصف صاع تمر، وجاء آخر بأكثر منه، فلمزوها قائلين: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت الآية: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ )(1) [التوبة: 79].
وقالوا: ما أعطي ابن عوف هذا إلا رياء، فكانوا يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من صدقة الفقراء(2).
لقد حزن الفقراء من المؤمنين؛ لأنهم لا يملكون نفقة الخروج إلى الجهاد، فهذا عُلَبة بن زيد أحد البكائين صلى من الليل وبكى، وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في جسد أو عرض، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له(3).
وفي هذه القصة وما جرى فيها آيات من الإخلاص وحب الجهاد لنصرة دين الله
وبث دعوته في الآفاق، وفيها من لطف الله بضعفاء المؤمنين الذين يعيشون في حياتهم
عيشة عملية(4).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص616.
(2) المصدر نفسه، ص617.
(3) وردت من طرق ضعيفة ولها شاهد صحيح وهي بالجملة تصلح للشاهد التاريخي، انظر: المجتمع المدني للعمري، ص235.
(4) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون، (4/443).

(4/158)


وهذا واثلة بن الأسقع نتركه يحدثنا عن قصته:... عندما نادى رسول الله في غزوة تبوك، خرجت إلى أهلي فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلاً له سهمه؟ فإذا شيخ من الأنصار، فقال: لنا سهمه على أن نحمله(1) عقبة، وطعامه معنا؟ فقلت: نعم، قال فسر على بركة الله، فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا(2)، فأصابني قلائص(3)، فسقتهن حتى أتيته فخرج، فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات، ثم قال: سقهن مقبلات، فقال: ما أرى قلائصك إلا كرامًا، إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال: خذ قلائصك يا ابن أخي فغير سهمك أردنا (4).
وهكذا تنازل واثلة في بداية الأمر عن غنيمته ليكسب الغنيمة الأخروية، أجرًا وثوابًا يجده عند الله يوم لقائه، وتنازل الأنصاري عن قسم كبير من راحته ليتعاقب وواثلة على راحلته ويقدم له الطعام مقابل سهم آخر هو الأجر والثواب.
إنها مفاهيم تنبع من المجتمع الذي تربى على كتاب الله وسنة رسوله، لها نفس الخاصية في الإضاءة وتحمل نفس البريق، متمم بعضها لبعضها الآخر(5).
وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد، فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضى بعض الوقت فحصل لهم على ثلاثة من الإبل(6).
__________
(1) عقبة: أي بالتعاقب.
(2) كان واثلة بن الأسقع أحد أفراد سرية خالد بن الوليد في دومة الجندل.
(3) قلائص: إبل.
(4) انظر: جامع الأصول رقم 6188، معين السيرة، ص453.
(5) انظر: معين السيرة، ص453.
(6) انظر: المجتمع المدني، ص236.

(4/159)


وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقًا للجهاد وتحرجًا من القعود حتى نزل فيهم قرآن: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ - وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) [التوبة: 91-92].
إنها صورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد على عهد رسول الله، وما كان يحسه صادقو الإيمان من ألم إذا ما حالت ظروفهم المادية بينهم وبين القيام بواجباتهم، وكان هؤلاء المعوزون وغيرهم ممن عذر الله لمرض أو كبر سن أو غيرهما يسيرون بقلوبهم مع المجاهدين(1) وهم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم» قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر»(2).
رابعًا: موقف المنافقين من غزوة تبوك:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص618.
(2) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4423.

(4/160)


عندما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم النفير ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة، أخذ المنافقون في تثبيط همم الناس قائلين لهم: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ - فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [التوبة: 81-82].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في جهازه لتبوك، للجد بن قيس: «يا جد، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله أوتأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبًا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد أذنت لك» ففيه نزلت الآية: ( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) [التوبة: 49]. وذهب بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبدين أعذارًا كاذبة ليأذن لهم بالتخلف، فأذن لهم، فعاتبه الله بقوله: ( عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) [التوبة: 43].
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم(1).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص618.

(4/161)


وهذا يدل على مراقبة المسلمين الدقيقة ومعرفتهم بأحوال المنافقين واليهود، فقد كانت عيون المسلمين يقظة تراقب تحركات اليهود والمنافقين، واجتماعاتهم وأوكارهم، بل كانوا يطلعون فيها على أدقِّ أسرارهم واجتماعاتهم وما يدور فيها من حبك المؤامرات، وابتكار أساليب التثبيط، واختلاق الأسباب الكاذبة لإقناع الناس بعدم الخروج للقتال، وقد كان علاج رسول الله لدعاة الفتنة وأوكارها حازما حاسما، إذ أمر بحرق البيت على من فيه من المنافقين، وأرسل من أصحابه من ينفذه، ونفذ بحزم، وهذا منهج نبوي كريم يتعلم منه كل مسئول في كل زمان ومكان كيف يقف من دعاة الفتنة ومراكز الشائعات المضللة التي تلحق الضرر بالأفراد والمجتمعات والدول؛ لأن التردد في مثل هذه الأمور يعرض الأمن والأمان إلى الخطر وينذر بزوالها(1).
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص121.

(4/162)


لقد تحدث القرآن الكريم عن موقف المنافقين قبل الغزوة وأثناءها وبعدها، ومما جاء من حديث القرآن الكريم عن موقف المنافقين قبل غزوة تبوك ما يتضمن استئذانهم، وتخلفهم عن الخروج، وكان ممن تخلف عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وقد تحدث القرآن عنهم فقال تعالى: ( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) [التوبة: 42]. فقد بين -سبحانه وتعالى- موقف المنافقين وأنهم تخلفوا بسبب بعد المسافة وشدتها، وأنه لو كان الذي دعوتهم إليه يا محمد عرضًا من أعراض الدنيا ونعيمها وكان السفر سهلا لاتبعوك في الخروج، ولكنهم تخلفوا ولم يخرجوا، فالآية تشرح وتوضح ملابسات موقفهم قبل الخروج إلى الغزوة، وأسباب هذا الموقف، ثم حكى –سبحانه- ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد عودة المؤمنين من هذه الغزوة: ( وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ). كان نزول هذه الآية قبل رجوعه صلى الله عليه وسلم من تبوك. والمعنى: وسيحلف هؤلاء المنافقون بالله -كذبًا وزورًا- قائلين: لو استطعنا -أيها المؤمنون- أن نخرج معكم للجهاد في تبوك لخرجنا، فإننا لم نتخلف عن الخروج معكم إلا مضطرين فقد كانت لنا أعذارنا القاهرة التي حملتنا على التخلف(1).
__________
(1) انظر: حديث القرآن الكريم (2/647).

(4/163)


وقوله -سبحانه-: ( يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ). قال ابن عاشور: أي يحلفون مهلكين أنفسهم -أي موقعينها في الهلك، والهلك: الفناء والموت- ويطلق على الأضرار الجسمية وهو المناسب هنا أي يتسببون في ضر أنفسهم بالأيمان الكاذبة وهو ضر الدنيا وعذاب الآخرة، وفي هذه الآية دلالة على أن تعمد اليمين الفاجرة يفضي
إلى الهلاك(1).
ثم عاتب الله تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: ( عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ).
قال مجاهد(2): نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا، وهؤلاء هم فريق من المنافقين، منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، والجد بن قيس، ورفاعة بن التابوت، وكانوا تسعا وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة(3).
والآية الكريمة عتاب لطيف من اللطيف الخبير -سبحانه- لحبيبه صلى الله عليه وسلم على ترك الأولى، وهو التوقف عن الإذن إلى انجلاء الأمر وانكشاف الحال(4) ثم قال تعالى: ( لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ - إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) [التوبة: 44-45].
__________
(1) انظر: تفسير التحرير و التنوير (10/209).
(2) انظر: تفسير ابن كثير (2/360). (2) انظر: التحرير والتنوير (10/210).
(4) انظر: حديث القرآن الكريم (2/ 647).

(4/164)


هذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال(1)، فبين –سبحانه- أنه ليس من شأن المؤمنين بالله واليوم الآخر الاستئذان وترك الجهاد في سبيل الله، وإنما هذا من صفات المنافقين الذين يستأذنون من غير عذر، وصفهم –سبحانه- بقوله: ( وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ ) أي: شكت في صحة ما جئتهم به، وقوله ( فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) أي: يتحيرون يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى وليست لهم قدم ثابتة في شيء(2).
لقد كانت غزوة تبوك منذ بداية الإعداد لها مناسبة للتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وضحت فيها الحواجز بين الطرفين، ولم يعد هناك أي مجال للتستر على المنافقين أو مجاملتهم، بل أصبحت مجابهتهم أمرًا ملحًّا بعد أن عملوا كل ما في وسعهم لمجابهة الرسول والدعوة، وتثبيط المسلمين عن الاستجابة للنفير الذي أعلنه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والذي نزل به القرآن الكريم، بل وأصبح الكشف عن نفاق المنافقين، وإيقافهم عند حدهم واجبًا شرعيًّا(3).
خامسًا: إعلان النفير وتعبئة الجيش:
أعلن النفير العام للخروج لغزوة تبوك، حتى بلغ عدد من خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ثلاثين ألفا، وقد عاتب القرآن الكريم الذين تباطأوا بقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ) [التوبة: 38].
__________
(1) انظر: تفسير المراغي (4/127). (5) انظر: تفسير ابن كثير (2/361).
(3) انظر: نضرة النعيم (1/389).

(4/165)


وقد طالبهم القرآن الكريم بأن ينفروا شبابًا وشيوخًا وأغنياء وفقراء بقوله تعالى: ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
[التوبة: 41].
لقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل(1) من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى، ولقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم -على غير عادته في غزواته- هدفه ووجهته في القتال، إذ أعلن صراحة أنه يريد قتال بني الأصفر (الروم)، علما بأن هديه في معظم غزواته أن يوري فيها(2)، ولا يصرح بهدفه ووجهته وقصده، حفاظًا على سرية الحركة ومباغتة العدو(3).
وقد استدل بعض العلماء بهذا الفعل على جواز التصريح لجهة الغزو إذا لم تقتضِ المصلحة ستره، وقد صرح صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة -على غير العادة- بالجهة التي يريد غزوها وجلى هذا الأمر للمسلمين لأسباب، منها:
1- بعد المسافة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أن السير إلى بلاد الروم يعد أمرًا صعبًا؛ لأن التحرك سيتم في منطقة صحراوية ممتدة قليلة الماء والنبات، ولا بد - حينئذ- من إكمال المؤنة ووسائل النقل للمجاهدين قبل بدء الحركة؛ حتى لا يؤدي نقص هذه الأمور إلى الإخفاق في تحقيق الهدف المنشود.
2- كثرة عدد الروم، بالإضافة إلى أن مواجهتهم تتطلب إعدادًا خاصًّا، فهم عدو يختلف في طبيعته عن الأعداء الذين واجههم النبي صلى الله عليه وسلم من قبل، فأسلحتهم كثيرة، ودرايتهم بالحرب كبيرة، وقدرتهم القتالية فائقة(4).
3- شدة الزمان، وذلك لكي يقف كل امرئ على ظروفه، ويعد النفقة اللازمة له في هذا السفر الطويل لمن يعول وراءه(5).
__________
(1) 1، 2، 3) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص97.
(4) انظر: الرسول القائد، ص398. (5) انظر: البداية والنهاية (5/4).

(4/166)


4- أنه لم يعد مجال للكتمان في هذا الوقت، حيث لم يبق في جزيرة العرب قوة معادية لها خطرها تستدعي هذا الحشد الضخم سوى الرومان ونصارى العرب الموالين لهم في منطقة تبوك ودومة الجندل والعقبة(1).
لقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا الأخذ بمبدأ المرونة عند رسم الخطط الحربية، ومراعاة المصلحة العامة في حالتي الكتمان والتصريح، ويعرف ذلك من مقتضيات الأحوال(2).
ولما علم المسلمون بجهة الغزوة سارعوا إلى الخروج إليها، وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على النفقة قائلا: «من جهز جيش العسرة فله الجنة»(3).
واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وخلَّف علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا وتخففا منه، فأخذ علي - رضي الله عنه - سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف(4) فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: «كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي»(5) فرجع عليُّ إلى المدينة(6).
__________
(1) انظر: غزوة تبوك، محمد أحمد باشميل ص57.
(2) انظر: القيادة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ص510.
(3) البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب عثمان (4/243).
(4) انظر: زاد المعاد (3/529).
(5) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص589، البخاري، كتاب المغازي، رقم 4416.
(6) انظر: زاد المعاد، (3/530).

(4/167)


وكان استخلاف علي - رضي الله عنه - في أهله باعتبار قرابته ومصاهرته، فكان استخلافه في أمر خاص، وهو القيام بشأن أهله، وكان استخلاف محمد بن مسلمة الأنصاري في الغزوة نفسها استخلافًا عامًّا، فتعلق بعض الناس بأن استخلاف علي يشير إلى خلافته من بعده، ولا صحة لهذا القول؛ لأن خلافته كانت في أهله خاصة(1).
وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله، اختار الأمراءَ والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى اللواء الأعظم إلى أبي بكر الصديق، ورايته العظمى إلى الزبير بن العوام - رضي الله عنه - ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، وأمر كل بطن من الأنصار أن يتخذ لواء(2)، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراسة تبوك من يوم قدم إلى أن رحل منها عباد بن بشر، فكان - رضي الله عنه - يطوف في أصحابه على العسكر(3)، وكان دليل رسول الله في هذه الغزوة علقمة بن الفغواء الخزاعي، فقد كان من أصحاب الخبرة والكفاءة في معرفة طريق تبوك(4).
وقد انفرد الواقدي بالمعلومات عن طريق الجيش وتوزيع الرايات، وهو متروك، ولكنه غزير المعلومات في السيرة، وأخذ مثل هذه المعلومات منه لا يضر(5).
__________
(1) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص466، 467.
(2) انظر: المغازي (3/996)، الطبقات الكبرى لابن سعد، (2/166).
(3) انظر: سبل الهدى والرشاد (5/652)، الصراع مع الصليبيين، ص99.
(4) انظر: إمتاع الأسماع (1/451)، شرح المواهب اللدنية (3/72).
(5) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/532).

(4/168)


ويلاحظ الباحث التطور السريع لعدد المقاتلين بشكل عام، ولسلاح الفرسان بشكل خاص. إن الذي يدرس تاريخ الدعوة الإسلامية، ونشوء الدولة الإسلامية ومؤسساتها العامة -وفي مقدمة هذه المؤسسات الجيش الإسلامي القوة الضاربة للدولة- يلاحظ أن هناك تطورًا سريعًا جدًّا في مجال القوة العسكرية، إذ بلغ عدد المقاتلين في غزوة بدر الكبرى ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتلا، وفي غزوة أحد بلغ سبعمائة مقاتل تقريبا، وفي غزوة الأحزاب ثلاثة آلاف مقاتل، وفي غزوة فتح مكة عشرة آلاف مقاتل، وفي غزوة حنين بلغ العدد اثني عشر ألف مقاتل، وأخيرًا بلغ عدد المقاتلين في تبوك ثلاثين ألف مقاتل أو يزيد.
وإن الدارس يلاحظ هذا التطور السريع اللافت للنظر في مجال سلاح الفرسان، ففي غزوة بدر كان عدد الفرسان فارسين في بعض الروايات، وفي غزوة أحد لم يتجاوز عدد الفرسان ما كان في بدر، ويقفز العدد بعد ست سنوات فقط إلى عشرة آلاف فارس، وهذا يعود إلى انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، وبخاصة في البادية، ذلك لأن أهلها يهتمون باقتناء الخيول وتربيتها أكثر من أبناء المدن(1).

المبحث الثاني : أحداث في الطريق والوصول إلى تبوك
وبعد تعبئة الجيش وتوزيع المهام والألوية والرايات، توجه الجيش الإسلامي بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ولم ينتظر أحدًا قد تأخر، وقد تأخر نفر من المسلمين يظن فيهم خير، وكلما ذكر لرسول الله اسم رجل تأخر قال صلى الله عليه وسلم: «دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه»(2).
أولاً: قصة أبي ذر الغفاري:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص100.
(2) انظر: الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، للكلاعي (2/276).

(4/169)


قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرًا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه»، حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره. فقال: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» وتلوَّم(1) أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا ذر»(2) فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو –والله- أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده»(3)، ومضى الزمان، وجاء عصر عثمان، ثم حدثت بعض الأمور وسُيِّر أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه: إذا مت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلوا به كذلك فطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل
الكوفة، فقال: ما هذا؟ فقيل: جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال:
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده»، فنزل فوليه بنفسه حتى دفنه(4).
وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
__________
(1) تلوم على بعيره: تمهل.
(2) كن أبا ذر: لفظه الأمر ومعناه الدعاء؛ أي أرجو الله أن تكون أبا ذر.
(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/178).
(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/178).

(4/170)


1- ما تعرض له أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - من الصعوبات والمخاطر التي نجاه الله منها وقواه بالصبر عليها، لقد بذل أبو ذر جهدًا كبيرًا في المشي على قدميه وهو يحمل متاعه على ظهره حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ لكي ينال شرف الجهاد في سبيل الله(1).
2- وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده»، دلالة واضحة -وضوح الشمس في رابعة النهار- على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ الإخبار بأمور لا تقع ثم تقع بعد الإخبار يدل على معجزة وتكريم من الله لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الوسيلة من إثبات النبوة كثيرة في السيرة النبوية الشريفة(2).
3- كما أن في القصة دلالة على علم ابن مسعود - رضي الله عنه - وقوة ذاكرته وسرعة استحضاره لما حفظ، حيث تذكر بعد سنوات عديدة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سيئول إليه أمر أبي ذر في آخر حياته - رضي الله عنه -(3).
ثانيًا: قصة أبي خيثمة:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص129، التاريخ الإسلامي للحميدي (8/114).
(2) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص129.
(3) انظر: التاريخ الإسلامي (8/114).

(4/171)


قال ابن إسحاق:... ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامًا إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه(1) قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه، وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح(2) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زادًا، ففعلتا ثم قدم ناضحه(3) فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة»، فقالوا: يا رسول الله، هو –والله- أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك(4) يا أبا خيثمة»، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخير(5).
قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك شعرًا، واسمه مالك بن قيس:
لما رأيت الناس في الدين نافقوا ... أتيت التي كانت أعفَّ وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد ... فلم أكتسب إثما ولم أغش محرما
__________
(1) حائطه: أي بستانه. (6) الضح: أي في الشمس.
(3) ناضحه: أي جمله.
(4) أجدر بك. (2) انظر: البداية والنهاية (5/8).

(4/172)


تركت خضيبا(1) في العريش وصرمة(2) ... صفايا(3) كرامًا يسرها قد تحمما(4)
وكنت إذا شك المنافق أسمحت(5) ... إلى الدين نفسي شطره حيث يمما(6)
وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
1- المسلم صاحب ضمير حي:
فقد رأى أبو خيثمة - رضي الله عنه - ما أعدت له زوجتاه من الماء البارد والطعام مع الظل المبرد والإقامة، فتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو فيه من التعرض للشمس والريح والحر، فأبصر وتذكر وتيقظ ضميره وحاسب نفسه، ثم عزم على الخروج، وخرج وحده يقطع الفيافي والقفار حتى التقى بعمير بن وهب الجمحي، ولعله كان قادما من مكة، فهذه الصورة تبين لنا مثلا من سلوك المتقين الذين تمر عليهم لحظات ضعف يعودون بعدها أقوى إيمانا مما كانوا عليه إذا تذكروا وراجعوا أنفسهم، وفي بيان ذلك يقول الله تبارك وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) [الأعراف: 201].
وقد تذكر سريعا وخرج لعله يدرك ما فاته، وظل يشعر بالذنب حتى وصل إلى
النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك وحصل على رضاه وسروره(7).
2- معرفة الرسول بأصحابه وبمعادنهم:
__________
(1) خضيبا: مخضوبة وهي المرأة. (4) صرمة: جماعة النخل.
(3) صفايا: كثيرة الثمر. (6) تحمما: أخذ في الإرطاب فاسود.
(6) أسمحت: انقادت (8) انظر: البداية والنهاية (5/8).
(7) انظر: التاريخ الإسلامي، (8/111، 112).

(4/173)


إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال له أصحابه: هذا راكب على الطريق مقبل: «كن أبا خيثمة»، فلما اقترب وعرفوه قالوا: يا رسول الله، هو –والله- أبو خيثمة، يدل على معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه وأنه أعرفهم بمعادن رجاله، يعرف المستجيب من غيره، ويعرف التائب المنيب إلى ربه إذ زلت قدمه بسرعة رجوعه، ومعرفة خصال الرجال ومعادنهم تدل على معرفة واسعة، وخبرة مستوعبة فاحصة نتيجة التعامل والاحتكاك في ميادين
الحياة المختلفة، فقد كان يخالط الجميع، يسمع منهم ويسمعهم ويسيرون معه، ويجاهدون تحت رايته(1).
3- حزم أبي خيثمة وصبره ونفاذ عزيمته:
تأمل هذا القرار الذي اتخذه أبو خيثمة - رضي الله عنه - أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، في هذه الرحلة المضنية، في هذه الصحراء القليلة الماء ذات الحر اللافح، لقد اتخذ هذا القرار الحازم ونفذه بدقة، فدل على قوة عزيمته وعنفوان إرادته وعلى جلده وصبره(2).
4- عتاب القائد للجندي له أثره:
وصل أبو خيثمة معترفا بذنبه، يطرح السلاح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاتبه، صلى الله عليه وسلم معاتبة تحمل في طياتها اللوم والتأنيب والتهديد، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك يا أبا خيثمة» فهي كلمة فيها معنى التهديد، ومعناها: دنوت من الهلكة.
إنه مما لا شك فيه أن هذا الكلام كان له وقعه في نفس الجندي، إذ أوقفه على حقيقة ما ارتكب من الذنب.
وهذا منهج نبوي كريم في تعليم القادة عدم السكوت على أخطاء الجنود؛ لأن ذلك يضرهم ويلحق الضرر بغيرهم، بل عليهم أن يسعوا إلى تصويب الخطأ ومحاسبة مرتكبه وتقويمه، وبذلك يكونون معلمين ومرشدين ومربين(3).
ثالثًا: الوصول إلى تبوك:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص133.
(2) المصدر نفسه، ص133، 134.
(3) المصدر نفسه، ص134.

(4/174)


عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد أثرًا للحشود الرومانية ولا القبائل العربية، وبالرغم من أن الجيش مكث عشرين ليلة في تبوك لم تفكر القيادة الرومانية مطلقا في الدخول مع المسلمين في قتال، حتى القبائل العربية المنتصرة آثرت السكون، أما حكام المدن في أطراف الشام فقد آثروا الصلح ودفع الجزية، فقد أرسل ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم هدية -وهي بغلة بيضاء وبرد- فصالحه على الجزية.
وأرسل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - على رأس سرية من الفرسان بلغ عددها أربعمائة وعشرين فارسا إلى دومة الجندل، واستطاع خالد بن الوليد أن يأسر أكيدر بن عبد الملك الكندي –ملكها- وهو في الصيد خارجها(1)، فصالحه النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية(2)، وقد تعجب المسلمون من قباء كان أكيدر يلبسه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» (3) وقد ورد أن غنائم خالد من أكيدر كانت ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح(4)، وقد وصلت إلى تبوك هدية ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي بغلة بيضاء وبرد، فصالحه على الجزية(5)، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدات لكل من أهل جرباء وأذرح(6)، ولأهل مقنا(7) يؤدي بموجبها هؤلاء الناس من نصارى العرب الجزية كل عام، وتخضع لسلطان المسلمين، لقد انفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإمارات الواقعة
__________
(1) انظر: الإصابة (1/412- 415) من طريق ابن إسحاق بإسناد حسن.
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/180). (3) المصدر نفسه (4/180) بإسناد حسن.
(4) انظر: البداية والنهاية (5/17) وفي إسناده ابن لهيعة عن أبي الأسود، وابن لهيعة ضعيف فضلا عن إرسال عروة.
(5) انظر: المجتمع المدني للعمري، ص241.
(6) المغازي (3/1032).
(7) انظر: الوثائق السياسية في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ص119- 124.

(4/175)


في شمال الجزيرة وعقد معها معاهدات، وبذلك أمن حدود الدولة الإسلامية الشمالية(1)، وبهذه المعاهدات قص صلى الله عليه وسلم أجنحة الروم، فقد كانت هذه القبائل تابعة للروم ودخلوا في النصرانية، فإقدام من أقدم منها على مصالحة رسول الله والتزامها بالجزية يعد قصًا لهذه الأجنحة، وبترًا لحبال تبعيتهم للروم، وتحريرًا لهم من هذه التبعية التي كانت تذلهم وتخضعهم لسلطان الروم، لينالوا من تساقط فتاتهم شيئا يعيشون به، وخوفا من ظلمهم لقوتهم الباطشة، وقد وفوا بعهد الصلح والتزموا أداء الجزية، فأعطوها عن يد وهم صاغرون(2)، وهذه سياسة نبوية حكيمة اختطها رسول الله في بناء الدولة ودعوة الناس لدين الله، فقد استطاع أن يفصل بين المسلمين والروم بإمارات تدين للرسول بالطاعة وتخضع لحكم المسلمين، وأصبحت في زمن الخلفاء الراشدين نقاط ارتكاز سهلت مهمة الفتح الإسلامي في عهدهم، فمنها انطلقت قوات المسلمين إلى الشمال، وعليها ارتكزت لتحقيق هدفها العظيم(3).
رابعًا: وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيش عند مروره بحجر ثمود:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص217.
(2) محمد صادق عرجون (4/479). (10) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص221.

(4/176)


قال أبو كبشة الأنصاري :- رضي الله عنه - لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس: «الصلاة جامعة» قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره، وهو يقول: «ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم؟» فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله، قال: «أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله عز وجل لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا»(1). وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة(2) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم» ثم زجر(3) فأسرع حتى خلفها(4)، وهذا منهج نبوي كريم في توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكروا بها غضب الله على الذين كذبوا رسوله، وألا يغفلوا عن مواطن العظة برسومها الدارسة، وأطلالها القديمة، ونهاهم عن الانتفاع بشيء مما في ربوعها، حتى الماء لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة، بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقا للتأثر بعذاب الله، ولو أنهم مروا بها كما نمر نحن بآثار السابقين،
__________
(1) انظر: الفتح الرباني (21/195). (2) البخاري، كتاب الأنبياء، رقم 3379.
(3) زجر: أي زجر ناقته، ومعناه ساقها سوقا شديدا حتى خلفها أي جاوز المساكن.
(4) البخاري، كتاب الأنبياء، رقم 3381.

(4/177)


لتعرضوا لسخط الله، فإن الغابرين شهدوا المعجزات ودلائل النبوة، وعاينوا العجائب، لكن قست قلوبهم فاستهانوا بها، وحق عليهم العذاب، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون من نقمة الله وغضبه.
إن الله عز وجل ما قص علينا من أنباء الأمم الخالية، إلا لكي نأخذ منها العظة والاعتبار، فإذا شهدنا بأعيننا ديارهم التي نزل فيها سخط المولى عز وجل وعذابه الأليم، وجب أن تكون الموعظة أشد، والاعتبار أعمق، والخوف من سخط المولى –سبحانه- أبلغ، ولهذا تسجى النبي صلوات الله وسلامه عليه بثوبه لما مر بالديار الملعونة المسخوطة واستحث خطا راحلته(1) وقال لأصحابه: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، حذرًا أن يصيبكم ما أصابهم» (2).
خامسًا: وفاة الصحابي عبد الله ذي البجادين(3) - رضي الله عنه -:
قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها، أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حضرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: «أدنيا إليَّ أخاكما» فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه، قال: «اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه» قال (الراوي عن ابن مسعود): قال عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة(4).
__________
(1) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص480.
(2) البخاري، كتاب الأنبياء رقم 3381. (7) البجاد: الكساء الغليظ الجافي.
(4) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص598.

(4/178)


قال ابن هشام: وإنما سمي ذا البجادين؛ لأنه كان ينازع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك يضيقون عليه، حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان قريبا منه، شق بجاده باثنين، فاتزر بواحد واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: ذو البجادين، لذلك(1).
وفي هذه القصة دروس وحكم وفوائد منها:
1- تكريم النبي صلى الله عليه وسلم لجنوده أحياء وأمواتًا:
فهذا الفعل مع ذي البجادين يدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تكريم أصحابه حتى في حالة الوفاة؛ لأنهم قدموا أنفسهم للجهاد في سبيل الله تاركين وراءهم أعز ما يملكون، فكانت تلك الرعاية مظهرًا من مظاهر تكريمهم في الدنيا، حيث لم يترك جثثهم تتناوشها الذئاب وغيرها من دواب الأرض؛ لكي يكون هذا التكريم من الأسباب التي تدفع غيرهم إلى الاستبسال والإقدام في ميادين الجهاد، ومن الجدير بالذكر أن هذا المبدأ لم يجد من يدعو إلى تطبيقه إلا في العصر الحديث، وبهذا يمكن أن يقال: إن رعاية القائد المسلم لشئون جنده تعد سبقا عسكريًا لم تعرفه النظم والدساتير الوضعية إلا بعد قرون طويلة، من بزوغ الإسلام(2).
فهذه صورة من البر والتكريم فريدة يتيمة، لن تجد في تاريخ الملوك والحكام من يبر ويتواضع إلى هذا المستوى، إلى حيث يوسد الحاكم فردا من رعيته بيده في مثواه الأخير، ثم يلتمس له المرضاة من رب العالمين، أما هو فقد أعلن أنه أمسى راضيا عنه(3).
2- جواز الدفن في الليل، والغبطة مشروعة في الخير:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/182).
(2) انظر: المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية العسكرية الإسلامية ص299.
(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص472.

(4/179)


فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا البجادين ليلا، والسنة أن يعجل في دفن الميت، كما أن الغبطة وهي أن تتمنى حصول الخير لك كما حصل لغيرك من إخوانك، وهذا عكس الحسد، إذ الحسد تمنى زوال النعمة عن غيرك، والحسد كله شر كما ترى، أما الغبطة فلا تكون إلا في الخير(1)، تأمل قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حينما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حق ذي البجادين: «اللهم إني أمسيت عنه راضيًا فارض عنه» فقال ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب اللحد(2) إنها كلمة كل مؤمن آمن بالله واليوم الآخر، ووقف موقفه ذاك، فقد عرفوا أين تكون ميادين التنافس(3).
سادسًا: بعض المعجزات التي حدثت في الغزوة:
ظهرت في غزوة تبوك معجزات منها:
1- الله تعالى يرسل السحاب لدعاء نبيه بالسقيا:
__________
(1) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص163، 164. (2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص598.
(3) انظر: معين السيرة، ص452.

(4/180)


لما جاز النبي صلى الله عليه وسلم حجر ثمود، أصبح الناس ولا ماء لهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، واستسقى لمن معه من المسلمين، فأرسل الله -سبحانه وتعالى- سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء، فتحدث ابن إسحاق عمن قال لمحمود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أخيه، ومن أبيه، ومن عمه، وفي عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك، ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي، عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا، فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه ونقول: ويحك! هل بعد هذا الشيء؟ قال: سحابة مارة(1).
2- خبر ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرًا في طريقه إلى تبوك، ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، يقال له: عمارة بن حزم، وكان عقبيًّا بدريًّا، وهو عم بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي، وكان منافقًا.
قال زيد بن اللصيت وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس محمد يزعم أنه نبي؟ ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/176)، صور وعبر من الجهاد النبوي، ص473.

(4/181)


فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده: «إن رجلا قال: هذا محمد يزعم أنه يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها» فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، للذي قال زيد بن اللصيت، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فأقبل عمارة على زيد، يجأ في عنقه (يطعنه فيه) يقول: إليَّ عباد الله، إن في رحلي لداهية، وما أشعر، اخرج أي عدو الله(1) من رحلي فلا تصحبني، قال ابن إسحاق: فزعم بعض الناس أن زيدًا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهما بشر حتى هلك(2).
3- الإخبار بهبوب ريح شديدة والتحذير منها:
أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في تبوك بأن ريحًا شديدة ستهب، وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم فلا يخرجوا حتى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لا تؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهبت الريح الشديدة وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد(3) فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي حميد قال: وانطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيئ(4).
__________
(1) انظر: إعلام النبوة للماوردي، ص100، السيرة النبوية لابن هشام (4/177).
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/177). (3) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص141.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي (15/42)، مختصر مسلم رقم 1543.

(4/182)


قال النووي في شرحه على صحيح مسلم معقبا على هذا الحديث: هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظاهرة من إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيب وخوف الضرر من القيام وقت الريح(1).
4- تكثير ماء عين تبوك والإخبار بما ستكون عليه من خصب:
قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي» فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك(2)، تبض(3) بشيء من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل مسستما من مائها شيئا؟» قالا: نعم، فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء،
وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر حتى استقى الناس(4).
__________
(1) شرح النووي على صحيح مسلم (15/42).
(2) الشراك: هو سير النعل ومعناه ماء قليل جدا.
(3) تبض: بفتح التاء وكسر الموحدة وتشديد الضاد ومعناه تسيل.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي (15/41)، مختصر مسلم رقم 1530.

(4/183)


وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا» (1)، لقد كانت منطقة تبوك والوادي الذي كانت فيه العين منطقة جرداء لقلة الماء، ولكن الله -عز وجل- أجرى على يد رسوله صلى الله عليه وسلم بركة تكثير هذا الماء حتى أصبح يسيل بغزارة، ولم يكن هذا آتيا لسد حاجة الجيش، بل أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيستمر وستكون هناك جنان وبساتين مملوءة بالأشجار المثمرة، ولقد تحقق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فترة قليلة من الزمن، وما زالت تبوك حتى اليوم تمتاز بجنانها وبساتينها ونخيلها وتمورها، تنطق بصدق نبوة الرسول وتشهد بأن الرسول لا يتكلم إلا صدقًا، ولا يخبر إلا حقا، ولا ينبئ بشيء إلا ويتحقق(2).
5- تكثير الطعام:
__________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي، الفتح الرباني(21/196). (2) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص142.

(4/184)


قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا(1) فأكلنا وأدمنا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افعلوا»، فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إنهم إن فعلوا قل الظَّهْر(2) ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم بالبركة، لعل الله يجعل في ذلك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنطع(3) فبسطه، ثم دعاهم بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف الذرة، والآخر بكف التمر، والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع في ذلك شيء يسير، ثم دعا عليه بالبركة، ثم قال لهم: «خذوا في أوعيتكم» فأخذوا من أوعيتهم حتى ما تركوا من المعسكر وعاء إلا ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكٍّ فتحجب عنه الجنة»(4).
هذه بعض المعجزات والكرامات التي أظهرها الله على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك تدل على صدق نبوته ورسالته، وتدل على رفعة منزلته وتكريمه عند ربه(5).
سابعًا: حديث القرآن الكريم عن مواقف المنافقين أثناء الغزوة:
أ- قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-:
__________
(1) نواضحنا: جمع ناضح وهي الإبل التي يسقى عليها.
(2) الظهر: ما يحمل عليه من الإبل. (5) النطع: بساط من الجلد.
(4) الفتح الرباني (21/196- 198).
(5) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص141.

(4/185)


قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقا بحقب(1) ناقة رسول الله والحجارة تنكبه(2)، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟».
وفي رواية قتادة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين فقالوا: يرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات.. فأطلع الله نبيه على ذلك فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «احبسوا هؤلاء الركب»، فأتاهم فقال: قلتم كذا وقلتم كذا، قالوا: فأنزل الله فيهم ما تسمعون(3)، فأنزل الله تعالى: ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ - وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) [التوبة: 64-65].
والاستفهام في قوله: ( قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) استفهام إنكاري.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء موبخًا ومنكرًا: ألم تجدوا ما تستهزئون به في مزاحكم ولعبكم -كما تزعمون- سوى فرائض الله وأحكامه وآياته ورسوله الذي جاء لهدايتكم وإخراجكم من الظلمات إلى النور؟!
__________
(1) الحقب: حبل يشد به الرحل في بطن البعير.
(2) الحجارة تنكبه: تصيبه وتؤذيه.
(3) انظر: الدر المنثور للسيوطي، (4/230). (2) انظر: تفسير المراغي (4/153).

(4/186)


ثم بين -سبحانه- أن استهزاءهم هذا أدى بهم إلى الكفر فقال: ( لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) [التوبة: 66].
ومعنى الآية: أي لا تذكروا هذا العذر لدفع هذا الجرم، لأن الإقدام على الكفر لأجل اللعب لا ينبغي أن يكون، فاعتذاركم إقرار بذنبكم، فهو كما يقال: عذر أقبح من ذنب(1).
وقوله: ( إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) أي: إن نعف
عن بعضكم لتوبتهم وإنابتهم إلى ربهم -كمخشن بن حمير- نعذب بعضًا آخر لإجرامهم وإصرارهم عليه(2).
ب- إيذاء الرسول والمؤمنين ومحاولة اغتيال رسول الله:
وقد نزل في هؤلاء المنافقين قول الله تعالى: ( يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) [التوبة: 74].
__________
(2) المصدر نفسه (4/153).

(4/187)


وقد ذكر ابن كثير أن الضحاك قال: إن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك في بعض الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلا نزلت فيهم هذه الآية(1)، وفي رواية الواحدي عن الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله: «يا أهل النفاق، ما هذا الذي بلغني عنكم؟» فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك، فأنزل الله هذه الآية إكذابًا لهم(2).
والمعنى الإجمالي للآية: (يحلفون بالله أنهم ما قالوا تلك الكلمة التي نسبت إليهم، والله يكذبهم ويثبت أنهم قد قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم. ولم يذكر القرآن هذه الكلمة لأنه لا ينبغي ذكرها...) (3).

المبحث الثالث : العودة من تبوك إلى المدينة وحديث القرآن في المخلَّفين عن الغزوة وعن مسجد الضرار
عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن مكث في تبوك عشرين ليلة(4)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون وهو راجع إلى المدينة، ولما اقترب من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقونه، ودخل المدينة، فصلى في مسجده ركعتين ثم جلس للناس، وجاء المخلفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقدمون له الاعتذار، وكانوا أربعة أصناف: فمنهم من له أعذار شرعية وعذرهم الله -سبحانه وتعالى-، ومنهم من ليس له أعذار شرعية وتاب الله عليهم، ومنهم من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة، ومنهم من منافقي المدينة.
__________
(1) تفسير ابن كثير (2/372).
(2) انظر: أسباب النزول للواحدي، ص251.
(3) انظر: حديث القرآن الكريم (2/665).
(4) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص603. (2) انظر: زاد المسير (4/485).

(4/188)


أولاً: المخلفون الذين لهم أعذار شرعية وعذرهم الله سبحانه وتعالى:
قال تعالى: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ - وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا
أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) [التوبة: 91، 92].
بينت هذه الآيات الكريمة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وكان لهم عذر شرعي بأنه ليس عليهم حرج وليس عليهم إثم في هذا التخلف؛ ذلك لأن لهم عذرًا شرعيًّا منعهم من الخروج، وفي المراد بالضعفاء: أنهم الزمنى والمشايخ الكبار، وقيل: الصغار، وقيل: المجانين، سموا ضعافًا لضعف عقولهم، ذكر القولين الماوردي. والصحيح أنهم الذين يضعفون لزمانة أو عمى، أو سن، أو ضعف في الجسم، والمرضى: الذين بهم أعلال مانعة من الخروج للقتال(1).
وقوله: ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ).
أي: ليس على الذين لا يجدون نفقة تبلغهم إلى الغزو حرج أو إثم ( إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ ) أي إذا عرفوا الحق، وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه(2).
وقوله: ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ) قال الطبري: يقول تعالى: ليس على من أحسن فنصح لله ورسوله في تخلفه عن رسول الله عن الجهاد معه، لعذر يعذر به، طريق يتطرق عليه فيعاقب من قبله ( وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).
يقول تعالى: والله ساتر على ذنوب المحسنين، يتغمدها بعفوه لهم عنها، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها(3).
__________
(2) انظر: تفسير القرطبي (8/226).
(3) انظر: تفسير الطبري (10/211). (2) انظر: تفسير القرطبي (8/226).

(4/189)


وقال القرطبي: الآية أصل في سقوط التكاليف عن العاجز، من جهة القوة أو العجز من جهة المال(1).
وقوله: ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) معطوف على ما قبله من عطف الخاص على العام، اعتناء بشأنهم وجعلهم كأنهم –لتميزهم- جنس آخر، مع أنهم مندرجون مع الذين وصفهم الله قبل ذلك ( أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } .
أي: لا حرج ولا إثم على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون، إذا ما تخلفوا عن الجهاد، وكذلك لا حرج ولا إثم أيضا على فقراء المؤمنين { الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ) على الرواحل التي يركبونها لكي يخرجوا معك إلى هذا السفر الطويل، ( قُلْتَ ) لهم يا محمد(2): ( لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ )، وقوله: ( تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ) أي انصرفوا وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن لأنهم لا يجدون المال الذي ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا الرواحل التي يركبونها في حال سفرهم إلى تبوك(3).
ثانيًا: المخلفون الذين ليس لهم أعذار شرعية وتاب الله عليهم:
جاءت ثلاث آيات تتحدث عن هؤلاء المخلفين وهي:
1- قوله تعالى: ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 102].
__________
(2) انظر: حديث القرآن الكريم (2/672). (4) المصدر نفسه (2/673).

(4/190)


ومعنى الآية الكريمة: أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوغ للتخلف ثم ندموا على ذلك، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون، بل تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم، والمراد بالعمل الصالح: ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن، والمراد بالعمل السيئ: هو تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيئ عملا صالحا وهو الاعتراف به والتوبة عنه.
وأصل الاعتراف الإقرار بالشيء. ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا، ومعنى الخلط أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر، كقولك: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.
وفي قوله: ( عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) دليل على أنه قد وقع منهم -مع الاعتراف- ما يفيد التوبة، أو مقدمة التوبة -وهي الاعتراف- قامت مقام التوبة، وحرف الترجي وهو (عسى) هو في كلام الله –سبحانه- يفيد تحقيق الوقوع لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب؛ لكونه أكرم الأكرمين ( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) أي: يغفر الذنوب ويتفضل على عباده(1).
2- قوله تعالى: ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )
[التوبة: 106].
__________
(1) انظر: تفسير الشوكاني (2/399).

(4/191)


والمراد بهؤلاء المرجون -كما في الصحيحين- هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة ابن الربيع، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ما -مع الهمّ باللحاق به عليه الصلاة والسلام- فلم يتيسر لهم، ولم يكن تخلفهم عن نفاق –وحاشاهم- فقد كانوا من المخلصين، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان ما كان من المتخلفين قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم يعتذروا له صلى الله عليه وسلم ولم يفعلوا كما فعل أهل السواري(1)، وأمر رسول الله باجتنابهم، وشدد الأمر
عليهم كما سنعلمه إن شاء الله تعالى، وقد وقف أمرهم خمسين ليلة لا يدرون ما الله -تعالى- فاعل بهم(2).
3- قال تعالى: ( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [التوبة: 118].
والمراد بهؤلاء الثلاثة هم هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وفيهم نزلت هذه الآية(3)، وسوف نتحدث عن هذه القصة -بإذن الله- بنوع من التفصيل لما فيها من الدروس والعبر والحكم.
ثالثًا: المخلفون من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة:
هؤلاء المخلفون من منافقي الأعراب نزل فيهم قوله تعالى: ( وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [التوبة: 90].
رابعًا: المخلفون من منافقي المدينة:
__________
(1) أي الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد كأبي لبابة وأصحابه.
(2) انظر: تفسير الألوسي (11/17).
(3) انظر: حديث القرآن الكريم (2/677).

(4/192)


قال تعالى: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ - فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - فَإِن رَّجَعَكَ اللهُ إلى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ) [التوبة: 81: 83].

(4/193)


هذا وقد لاحظت اختلاف سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملته للمنافقين عندما اعتذروا له، عن المسلمين الصادقين، حيث إنه صلى الله عليه وسلم عامل المنافقين باللين والصفح، واختار للمسلمين الصادقين الشدة والعقوبة! ولا شك أن الشدة والقسوة في هذا المقام مع المسلمين مظهر للإكرام والتشريف، وهو ما لا يستحقه المنافقون، وكيف يستحق المنافقون أن تنزل آيات في توبتهم -على أي حال؟! إنهم كفرة، ولن ينشلهم شيء مما يتظاهرون به في الدنيا، من الدرك الأسفل في النار يوم القيامة، وقد أمر الشارع جل جلاله أن ندعهم لما تظاهروا به ونجري الأحكام الدنيوية حسب ظواهرهم، ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم وحقيقة أقوالهم، وفيم معاقبتهم في الدنيا على ما قد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط من المعاملة والأحكام؛ كما يبدون لنا هم أيضًا الظاهر فقط من أحوالهم وعقائدهم، قال ابن القيم: وهكذا يفعل الرب –سبحانه- بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده، بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظا حذرًا، وأما من سقط من عين الله وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة(1).
خامسًا: مسجد الضرار:
في أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة راجعا من تبوك نزلت عليه الآيات الآتية:
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ
وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ - لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا
لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) [التوبة: 107-108].
__________
(1) انظر: زاد المعاد (3/578).

(4/194)


وسبب نزول هذه الآيات الكريمات: أنه كان بالمدينة -قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها- رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا بمن وافقهم في أحياء العرب فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله عز وجل، وكانت العاقبة للمتقين، وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم فجرح وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى، وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم، واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه، فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدًا طريدًا فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم، فوعده ومناه، وأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء

(4/195)


مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» فلما قفل عليه السلام راجعًا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم، مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة(1). هذا ما ذكره ابن كثير في سبب النزول.
أما معنى الآيات الكريمات: أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء المسجد أربعة أمور:
1- الضرار لغيرهم، وهو المضارة.
2- الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام، لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق.
3- التفريق بين المؤمنين، لأنهم أرادوا ألا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين، وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى.
4- الإرصاد لمن حارب الله ورسوله، أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله(2).
وقد خيَّب الله –تعالى- مسعاهم، وأبطل كيدهم بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بهدمه وإزالته.
وقوله: ( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى ) ذم لهم على أيمانهم الفاجرة، وأقوالهم الكاذبة؛ لذلك قال تعالى: ( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ).
__________
(1) انظر: تفسير ابن كثير (2/338).
(2) المصدر نفسه (2/403).

(4/196)


ثم نهى الله تعالى رسوله والمؤمنين عن الصلاة في هذا المسجد نهيا مؤكدًا، فقال سبحانه: ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ).
قال ابن عاشور: وقوله سبحانه: ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ) المراد بالقيام الصلاة؛ لأن أولها قيام، ووجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه تكسبه يمنًا وبركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه؛ ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر، ومالك بن الدخشم مع بعض أصحابه وقال لهم: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه»، ففعلوا(1) وقوله: ( لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ) احتراس مما يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادة في الوقت الذي رغبوه للصلاة فيه، فأمره الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجد الضرار أن يصلي في مسجده أو في مسجد قباء، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه، وهذا أدب نفساني عظيم(2).
وفيه أيضا دفع مكيدة المنافقين أن يطعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع فقوله: ( أَحَقُّ ) وإن كان اسم تفضيل فهو مسلوب المفاضلة؛ لأن النهي عن صلاته في مسجد الضرار أزال كونه حقيقًا بصلاته فيه أصلاً.
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/184). (2) انظر: حديث القرآن الكريم (2/661).

(4/197)


ولعل نكتة الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين لمجازاتهم، ظاهرا في دعوتهم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقًا بصلاته بمسجد أسس على التقوى أحق منه، فيعرف من وصفه بأنه ( أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ) أن هذا أسس على ضدها(1).
وقد رأى ابن عاشور أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى أنه مسجد هذه
صفته لا مسجدا واحدا معينا، فيكون هذا الوصف كليا انحصر في فردين: المسجد النبوي، ومسجد قباء(2).
قوله تعالى: ( فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ) روى ابن ماجه أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم؟» قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء، قال: فهو ذاك فعليكموه(3). وفي قصة مسجد الضرار دروس وعبر وفوائد منها:
1- الكفر ملة واحدة:
وقد تبين هذا في موقف أبي عامر الراهب من الإسلام ومن المسلمين؛ إذ غضب غضبا شديدا، وتألم لهزيمة المشركين في بدر، فأعلن عداءه للرسول، وتوجه إلى عاصمة الشرك مكة يحث أهلها على قتال المسلمين، وخرج مقاتلا معهم في أحد، وحاول تفتيت الصف الإسلامي(4) وصدق الله تعالى عندما قال: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ) [الأنفال: 73].
2- محاولة التدليس على المسلمين:
__________
(1) انظر: التحرير والتنوير (11/31). (4) المصدر نفسه (11/32).
(3) سنن ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء (1/127).
(4) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص179.

(4/198)


حاول المنافقون أن يضفوا الشرعية على هذا البناء وأنه مسجد بنوه لأسباب مقنعة في الظاهر، ولكن لا حقيقة لها في نفوس أصحابها، فقد جاءوا يطلبون من الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة في هذا البناء ليكون مسجدا قد باركه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فيه، فإذا حدث هذا فقد استقر قرارهم في تحقيق أهدافهم، وهذا أسلوب ماكر خبيث قد ينطلي على كثير من الناس(1).
3- فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين:
إن الباحث ليلاحظ مدى العناية الإلهية بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أطلعه الله -عز وجل- على أسرار هؤلاء المنافقين وما أرادوه من تأسيس هذا المسجد، فلولا إعلام الله لرسوله لما أدرك رسول الله حقيقة نواياهم، ولصلى في البناء فأضفى عليه الشرعية وأقبل الناس يصلون فيه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه، وبذلك يحدث الاختلاط بين المنافقين وضعاف المسلمين فينفردون بهم وقد يؤثرون عليهم بالشائعات(2).
4- العلاج النبوي الحاسم:
__________
(1) ، 4) المصدر نفسه، ص181.

(4/199)


إن ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمر بهدم مسجد الضرار هو التصرف الأمثل، وهذا منهج نبوي كريم سنه لقادة الأمة في القضاء على أي عمل يراد منه الإضرار بالمسلمين وتفريق كلمتهم، فالداء العضال لا يعالج بتسكينه والتخفيف منه، وإنما يعالج بحسمه وإزالة آثاره، حتى لا يتجدد ظهوره بصورة أخرى، وإن الثمار العملية، التي لمسها المسلمون على إثر تطبيق الأمر النبوي الحازم لتدلنا على أن هذه المنهجية التي نهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا المكر الخبيث، هي الطريقة المثلى لقمع حركة النفاق في المجتمع المسلم، فقد أصبح أمرهم بعد ذلك يتلاشى شيئا فشيئا حتى لم يبق منهم بعد لحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى إلا عدد قليل، ولم يعرف عنهم بعد تدمير مسجد الضرار أن قاموا بأعمال تخدم الهدف نفسه لعلمهم بنتائج العمل بعد انكشافهم(1).
5- ما يلحق بحكم مسجد الضرار:
ذكر المفسرون ما يلحق بمسجد الضرار في الحكم، فهذه بعض أقوالهم:
أ- قال الزمخشري:... وقيل كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لاحق بمسجد الضرار(2).
علق الدكتور عبد الكريم زيدان على قول الزمخشري فقال: ولكن هل يلحق بمسجد الضرار فيهدم، كما هدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في المدينة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمه؟ لا أرى ذلك، وإنما يمكن أن يقال إن المسجد الذي بنى لهذه الأغراض يلحق بمسجد الضرار من جهة عدم ابتنائه على التقوى، والإخلاص الكامل لله تعالى(3).
ب- قال القرطبي في تفسيره: قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه(4).
__________
(1) انظر: التاريخ الإسلامي (8/130). (2) انظر: تفسير الزمخشري (2/310).
(3) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/504). (4) انظر: تفسير القرطبي (8/254).

(4/200)


ج- وقال سيد قطب في تفسيره: هذا المسجد مسجد الضرار الذي اتخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيدة للإسلام والمسلمين، هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى؛ يتخذ في صورة نشاط ظاهره الإسلام وباطنه لسحق الإسلام أو تشويهه... ويتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتتترس وراءها، وهي ترمي هذا الدين، ويتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام، لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يُذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب بما توحيه لهم من أن الإسلام بخير، وأنه لا داعي للخوف أو القلق عليه(1).
6- قاعدة لمعرفة ما يلحق بالمسجد الضرار:
قال الدكتور عبد الكريم زيدان: كل ما يتخذ مما هو في ظاهره مشروع، ويريد متخذوه تحقيق غرض غير مشروع، فهو ملحق بالمسجد الضرار، لأنه يحمل روحه وعناصره(2)، وإذا أردنا الإيجاز قلنا في هذه القاعدة: كل ما كان ظاهره مشروعا ويريد متخذوه الإضرار بالمؤمنين فهو ملحق بالمسجد الضرار(3).
وبناء على هذه القاعدة يخرج من نطاق مسجد الضرار وما يلحق به، ما ذكره الإمام ابن القيم من مشاهد الشرك، ومن أماكن المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمر والمنكرات ونحو ذلك؛ لأن هذه المنكرات ظاهرها غير مشروع فلا تلحق به وإن استحقت الإزالة كمسجد الضرار باعتبارها منكرات ظاهرًا وباطنًا(4).
7- مساجد الضرار في بلاد المسلمين:
__________
(1) في ظلال القرآن (3/1710، 1711).
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/506). (2، 3) المصدر نفسه(2/507).
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/508).

(4/201)


لا يزال أعداء الإسلام من المنافقين والملحدين، والمبشرين (المنصِّرين) والمستعمرين، يقيمون أماكن باسم العبادة وما هي لها، وإنما المراد بها الطعن في الإسلام وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وآدابهم، وكذلك يقيمون مدارس باسم الدرس والتعليم ليتوصلوا بها إلى بث سمومهم بين أبناء المسلمين، وصرفهم عن دينهم، وكذلك يقيمون المنتديات باسم الثقافة والغرض منها خلخلة العقيدة السليمة في القلوب، والقيم الخلقية في النفوس، ومستشفيات باسم المحافظة على الصحة والخدمة الإنسانية والغرض منها التأثير على المرضى والضعفاء وصرفهم عن دينهم، وقد اتخذوا من البيئات الجاهلة والفقيرة -لاسيما في بلاد إفريقيا- ذريعة للتوصل إلى أغراضهم الدنيئة التي لا يقرها عقل ولا شرع ولا قانون(1).
إن مسجد الضرار ليس حادثة في المجتمع الإسلامي الأول وانقضت، بل هي فكرة باقية، يخطط لها باختيار الأهداف العميقة، وتختار الوسائل الدقيقة لتنفيذها، وخططها تصب في التآمر على الإسلام وأهله بالتشويه وقلب الحقائق، والتشكيك، وزرع بذور الفتن لإبعاد الناس عن دينهم وإشغالهم بما يضرهم ويدمر مصيرهم الأخروي(2).

المبحث الرابع : قصة الثلاثة الذين خلفوا
وردت قصة الثلاثة الذين خلفوا على لسان كعب بن مالك - رضي الله عنه - في كتب السيرة والحديث والتفسير بروايات متقاربة في ألفاظها، ولقيت عناية فائقة في الشرح والتدريس، وكان صحيح البخاري من أكثر الكتب دقة وتفصيلا لهذه القصة(3).
__________
(2) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص182.
(3) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص187.

(4/202)


ونترك كعب بن مالك - رضي الله عنه - يحدثنا بنفسه حيث قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة(1) حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن –قط- أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان –قط- حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، وعدوًّا كثيرًا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريدون الديوان، قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله.
__________
(1) ليلة العقبة: الليلة التي بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصار على الإسلام.

(4/203)


وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حيث طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضِ شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو(1) وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصًا عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، ونظره في عطفيه(2) فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا(3) يزول به السراب(4) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه(5) المنافقون، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً(6) من تبوك حضرني بثي(7)، فطفقت أتذكر الكذب
__________
(1) تفارط الغزو: تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا.
(2) والنظر في عطفيه: أي جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه.
(3) مبيضا: لابس البياض.
(4) يزول به السراب: يتحرك وينهض، والسراب ما يظهر للإنسان.
(5) لمزه المنافقون: عابوه واحتقروه. (5) توجه قافلا: راجعًا.
(7) حضرني بثي: حزني. (7) أظل قادمًا: أقبل ودنا قدومه كأنه أبقى على ظله.

(4/204)


وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا(1) زاح(2) عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه(3) وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب، ثم قال: «تعال»، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قال: قلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً(4) ولكني –والله- لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن(5) الله أن يُسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه(6) إني لأرجو فيه عقبى الله(7)، لا –والله- ما كان لي عذر، والله ما كنت -قط- أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك»، فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: فوالله مازالوا يؤنبونني(8) حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذِّب
__________
(2) زاح: أزال. (9) أجمعت صدقه: عزمت على صدقه.
(4) أعطيت جدلا: فصاحة وقوة في الكلام وبراعة.
(5) ليوشكن: ليسرعن.
(6) تجد عليَّ فيه: تغضب.
(7) إني لأرجو عقبى الله: يعقبني خيرا ويثيبني عليه.
(8) يؤنبونني: يلومونني أشد اللوم.

(4/205)


نفسي.
قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة- من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا(1) وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدَهم(2) فكنت أخرج، فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى طال ذلك عليَّ من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، -وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي- فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك بالله(3) هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام(4) ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة(5)
__________
(1) استكانا: خضعا. (2) أشب القوم وأجلدهم: أي أصغرهم سنا وأقواهم.
(3) أنشدك بالله: أسألك بالله. (4) نبط أهل الشام: فلاحو العجم.
(5) مضيعة: يعني أنك لست بأرض يضيع فيها حقك. (6) تيممت: قصدت.

(4/206)


فالحقْ بنا نو فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتيممت(1) بها التنور، فسجرتها(2) به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين
واستلبث الوحي(3) إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل هذا.
قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله، فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك، فقالت: إنه -والله- ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال ابن أمية أن تخدمه، قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، قال فلبثت بذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علىَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع(4) يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن(5) رسول الله صلى الله عليه وسلم توبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إليَّ فرسًا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته
__________
(2) فسجرتها: أحرقتها. (8) استلبث الوحي: أبطأ
(4) أوفى على سلع: صعده وارتفع عليه، وسلع: جبل بالمدينة معروف.
(5) فآذن الناس: أي أعلمهم. (3) أتأمم: أي قصد

(4/207)


إياهما ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم(1) رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوجا فوجا(2) يهنئونني بالتوبة ويقولون: لتهنأك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: «لا، بل من عند الله» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر قال: وكنا نعرف ذلك قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع(3) من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال: وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه(4) الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، قال: فأنزل الله عز وجل: ( لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ - وَعَلَى
__________
(2) فوجا فوجا: الفوج الجماعة. (5) أنخلع من مالي: أتصدق به.
(4) أبلاه الله: أنعم عليه.

(4/208)


الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [التوبة: 117-118] حتى بلغ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) [التوبة: 119].
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة -قط- بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا الله حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله: ( سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) [التوبة: 95-96].

(4/209)


قال كعب: وكنا تخلفنا -أيها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عز وجل: ( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) [التوبة: 118] وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا(1)، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه(2). وفي هذه القصة دروس وعبر وفوائد كثيرة نذكر منها:
1- الأسلوب الجميل والبيان الرائع والأدب الرفيع:
لقد تمت صياغة هذا الحديث بأسلوب جميل، وبيان رائع، وأدب رفيع، وإنه ليعتبر
-مع أمثاله كحديث صلح الحديبية وحديث الإفك- نماذج عالية للأدب العربي الرفيع، وليت القائمين على وضع المناهج الدراسية يختارون هذه الأحاديث وأمثالها لتنمية مدارك الطلاب، وتكوين الملكة الأدبية والثروة اللغوية العالية، انظر مثلا إلى قول كعب في هذا الحديث: فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب؛ فأجمعت صدقه(3).
2- الصدق سفينة النجاة:
__________
(1) إرجاؤه أمرنا: تأخيره أمرنا.
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4418، صحيح السيرة النبوية، ص614.
(3) انظر: التاريخ الإسلامي (8/137).

(4/210)


لقد أدرك كعب، وهلال، ومرارة -رضي الله عنهم- خطورة الكذب فعزموا على سلوك طريق الصراحة والصدق وإن عرضهم ذلك للتعب والمضايقات، ولكن كان أملهم بالله -تعالى- كبيرًا في أن يقبل توبتهم ثم يعودون إلى الصف الإسلامي أقوى مما كانوا عليه(1)، وما أجمل ختم رب العالمين توبته على كعب ومن معه بقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) [التوبة: 119].
3- الهجر التربوي وأثره في المجتمع:
إن الهجر التربوي له منافعه العظيمة في تربية المجتمع المسلم على الاستقامة ومنع أفراده من التورط في المخالفات التي تكون إما بترك شيء من الواجبات أو فعل شيء من المحرمات؛ لأن من توقع أنه إذا وقع في شيء من ذلك سيكون مهجورا من جميع أفراد المجتمع، فإنه لن يفكر في الإقدام على ذلك.
ولا يغيب عن البال أن تطبيق هذا الحكم يجب أن يتم في الظروف المشابهة لحياة المسلمين في العهد النبوي المدني، حيث توجد الدولة المهيمنة والمجتمع القوي، مع أمن الوقوع في الفتنة لمن طبق عليه هذا الحكم.
وهذا الهجر التربوي يختلف عن الهجر الذي يكون بين المسلمين على أمور الدنيا، فهذا دنيوي وذاك ديني، فالهجر الديني مطلب شرعي يثاب عليه فاعله، أما الهجر الدنيوي فإنه مكروه إلا إذا زاد عن ثلاثة أيام فإنه يكون محرما(2) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (3) ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»(4).
4- تنفيذ أوامر القيادة في المجتمع المسلم:
استجاب المجتمع المسلم كله لتنفيذ أمر المقاطعة والهجر الذي صدر من القائد
__________
(1) انظر: التاريخ الإسلامي (8/138).
(2) المصدر نفسه (8/139). (3) مسلم، كتاب البر، رقم 2560، ص1984.
(4) مسند أحمد (4/220). (5) انظر: الصراع مع الصليبيين، ص195.

(4/211)


الأعلى صلى الله عليه وسلم وامتنعوا جميعا عن الحديث مع هؤلاء الثلاثة، ووصف كعب لنا ذلك فقال:... فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد(1)... وقد أطلق كعب السلام على ابن عمه أبي قتادة فلم يرد عليه السلام، وناشده بالله مرارًا: هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، مع أنه من أحب الناس إليه، لقد كان أبو قتادة في هذا الموقف موزع الفكر بين إجابة رجل حبيب إليه عزيز عليه، وبين تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيق الهجر التربوي، ولكن ليس هناك تردد بين الأمرين، فالذي أوحى به إيمان أبي قتادة هو تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم فظهر ذلك على سلوكه(2).
وقد بلغ الالتزام بالأمر النبوي في الهجر التربوي ذروته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا باعتزال زوجاتهم حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، فالتزم الجميع بذلك، واستأذنت زوجة هلال بن أمية -وكان شيخا طاعنا في السن لا يجد من يخدمه- فطلبت من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن لها أن تخدمه فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك شريطة ألا يقربها؛ فالتزمت رضي الله عنها(3).
5- الولاء التام لله ورسوله:
__________
(2) انظر: التاريخ الإسلامي (8/140). (2) انظر: الصراع مع الصليبين، ص196.

(4/212)


كان العدو الصليبي يراقب ويرصد ويستغل الفرصة السانحة لكي يمزق الجبهة الداخلية ويشعل نار الفتنة بين المسلمين ليوهن البنيان ويقوض الأركان، ولذلك استغل ملك غسان فرصة هجران المسلمين لكعب بن مالك - رضي الله عنه - وعقوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، بأن يرسل سفيره لكعب برسالة خاصة منه إليه يغريه فيها، تأمل قوله: قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك(1). فكان تعليق كعب على هذه الرسالة: وهذا من البلاء أيضا، قد بلغ مني ما وقعت فيه أن طمع فيَّ رجال من أهل الشرك، ثم أحرق الرسالة(2) وهذا الموقف يدل على شدة ولاء كعب لله ورسوله وقوة إيمانه وعظمة نفسه، فقد أدرك أنها محنة جديدة أقسى من الأولى، فلا يرضيه أن يجيب ملك غسان بالسلب، أو يرمي بالكتاب ويمزقه، ولكنه رمى به في التنور ليصير رمادا، ويصير كل ما به دخانا يتبدد في الهواء، وخرج الرجل من محنته وهو أقوى ما يكون إيمانا، وأصفى ما يكون روحا، وأكرم ما يكون أخلاقا، فيالعظمة هذه النفوس المؤمنة الكبيرة(3)! لقد مر كعب من فوق هذا الاختبار والابتلاء عزيزًا قويًا بإسلامه، لم يتأثر به ولا انزلق فيه(4).
6- توبة الله على العبد قيمة دينية يتطلع إليها الصادقون:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4418. (4) المغازي (3/1051، 1052).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/517). (6) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص307.

(4/213)


عندما نزلت الآيات الكريمة التي بينت توبة الله على هؤلاء الثلاثة كان ذلك اليوم من الأيام العظيمة عند المسلمين، ظهرت فيه الفرحة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استنار كأنه قطعة قمر، وظهرت الفرحة على وجوه الصحابة -رضي الله عنهم- حتى صاروا يتلقون كعبًا وصاحبيه أفواجًا يهنئونهم بما تفضل الله به عليهم من التوبة، وجاء كعب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووجهه يبرق من السرور فقال له: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، وهذا يعني مقام التوبة وأنها أعظم من الدخول في الإسلام.
إن التوبة تعني عودة العبد إلى الدخول تحت رضوان الله تعالى الذي هو أعلى هدف ينشده المسلم، وبالتالي فإنه يحظى بحفظه -جل وعلا- في الدنيا وتكريمه في الآخرة، لقد كانت توبة كعب عظيمة عبر عنها بنزع ثوبيه -اللذين لا يملك يومئذ غيرهما- وإهدائهما لمن بشره(1) وعدم نسيان كعب لطلحة بن عبيد الله مصافحته وتهنئته له(2) وكذلك كانت فرحة صاحبيه عظيمة غير أن كعبا لم يذكر في هذا الخبر إلا ما جرى له(3) وقد جاء في رواية الواقدي: وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد قال: وخرجت إلى بني واقف فبشرته فسجد، قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه(4).
7- تشرع أنواع من العبادات شكرًا لله عند النعمة:
كانت فرحة كعب بن مالك بتوبة الله -سبحانه وتعالى- عليه لا تحدها حدود، ولا يتصورها مثل، وقد تفنن هو - رضي الله عنه - في التعبير عنها بجملة من العبادات منها:
أ- سجود الشكر: حينما سمع كعب البشارة بتوبة الله عليه خر ساجدًا من فوره شكرًا لله
__________
(1) انظر: التاريخ الإسلامي (8/141).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/581). (3) انظر: التاريخ الإسلامي (8/142).
(4) المغازي للواقدي (3/1054). (5) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي، ص493.

(4/214)


-تبارك وتعالى- فقد كان من عادة الصحابة -رضي الله عنهم- أن يسجدوا شكرًا لله -تعالى- كلما تجددت لهم نعمة أو انصرفت عنهم نقمة، وقد تعلموا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم(1)
ب- مكافأة الذي يحمل البشرى: فقد نزع كعب ثوبيه اللذين كان يلبسهما، فكساهما الذي سمع صوته بالبشرى، وما كان يملك وقتئذ غيرهما، ثم استعار ثوبين فلبسهما، ولا شك أن هذا ضرب من الهبة المشروعة، فإن كان المبشر غنيا كان له هدية، وإن كان فقيرا كان له صدقة، وكلاهما إخراج المال شكرا لله -تعالى- على إنزاله الفرج(2).
ج- التصدق بالمال: فقد جعل كعب من توبته أن ينخلع من ماله صدقة لله تعالى، لكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يتقبل منه التصدق بجميع ماله، وقال له: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك»، وكأنه يستشيره بذلك، فكانت المشورة بإمساك بعض ماله(3) وقد ثار الخلاف الفقهي فيمن نذر التصدق بجميع ماله، والصدقة مستحبة، والنذر واجب الوفاء، ولم يذهب كعب إلى النذر، وإنما استشار في الصدقة بكل المال، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بإمساك بعض ماله.
__________
(2) نفس المصدر، ص493، الصراع مع الصليبيين، ص202.
(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي، ص493.

(4/215)


المبحث الخامس : دروس وعبر وفوائد
أولاً: معالم من المنهج القرآني في الحديث عن غزوة تبوك:
إن الآيات التي أنزلها الله في كتابه المتعلقة بغزوة العسرة هي أطول ما نزل في قتال المسلمين وخصومهم، وقد بدأت باستنهاض الهمم لرد هجوم المسيحية، وإشعارهم بأن الله لا يقبل ذرة تفريط في حماية دينه ونصرة نبيه، وإن التراجع أمام الصعوبات الحائلة دون قتال الروم، يعد مزلقة إلى الردة والنفاق(1) قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ - إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [التوبة: 38، 39].
وعند التأمل في سورة التوبة يلاحظ القارئ أن لها معالم في عرضها لغزوة تبوك منها:
1- عاتب القرآن الكريم من تخلف عتابًا شديدًا، وتميزت غزوة تبوك عن سائر الغزوات بأن الله حث على الخروج فيها -وعاتب من تخلف عنها- والآيات الكريمة جاءت بذلك، كقوله تعالى: ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [التوبة: 41].
وقد ختمت الغزوات النبوية بهذه الغزوة، وقد كان تطبيقا عمليا لوضع النص القرآني في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ ) [التوبة: 123] موضع التنفيذ(2).
__________
(1) انظر: فقه السيرة للغزالي، ص404.
(2) انظر: حديث القرآن الكريم (2/702).

(4/216)


2- ميز القرآن الكريم هذه الغزوة عن غيرها، فسماها الله تعالى ساعة العسرة، قال تعالى: ( لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ) [التوبة: 117] فقد كانت غزوة عسرة بمعنى الكلمة.
3- من معالم منهج القرآن في عرضه لهذه الغزوة العظيمة أن الله رد على المنافقين لمزهم فقراء الصحابة عندما جاء أحدهم بنصف صاع وتصدق به، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا إلا رياء، فنزلت الآية: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [التوبة: 79].
4- بين القرآن الكريم أن المؤمنين الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعددهم يزيد عن الثلاثين ألفا- قد كتب الله لهم الأجر العظيم(1) قال تعالى: ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) [التوبة: 92].
ثانيًا: ممارسة الشورى في هذه الغزوة:
مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة الشورى وقبِل مشورة الصدِّيق والفاروق في بعض النوازل التي حدثت في الغزوة ومن هذه النوازل:
أ- قبول مشورة أبي بكر الصديق في الدعاء حين تعرض الجيش لعطش شديد:
__________
(1) انظر: حديث القرآن الكريم (2/703).

(4/217)


قال عمر بن الخطاب: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقى على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله، قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع يديه فلم يردهما حتى حالت السماء فأظلت ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر(1).
ب- قبول مشورة عمر بن الخطاب في ترك نحر الإبل حين أصابت الجيش مجاعة:
أصابت جيش العسرة مجاعة أثناء سيرهم إلى تبوك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم حتى يسدوا جوعتهم، فلما أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك جاءه عمر - رضي الله عنه - فأبدى مشورته في هذه المسألة، وهي أن الجند إن فعلوا ذلك نفدت رواحلهم وهم أحوج ما يكونون إليها في هذا الطريق الطويل، ثم ذكر - رضي الله عنه - حلا لهذه المعضلة وهو: جمع أزواد القوم ثم الدعاء لهم بالبركة فيها، فعمل صلى الله عليه وسلم بهذه المشورة حتى صدر القوم عن بقية من هذا الطعام بعد أن ملأوا أوعيتهم منه وأكلوا حتى شبعوا.
ج- قبول مشورة عمر - رضي الله عنه - في ترك اجتياز حدود الشام والعودة إلى المدينة:
__________
(1) أخرجه ابن حبان، كتاب الجهاد، باب غزوة تبوك، رقم 1707.

(4/218)


عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منطقة تبوك وجد أن الروم فروا خوفًا من جيش المسلمين، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشام، فأشار عليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأن يرجع بالجيش إلى المدينة وعلل رأيه بقوله: إن للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الإسلام، ولقد كانت مشورة مباركة؛ فإن القتال داخل بلاد الرومان يعد أمرًا صعبًا، إذ إنه يتطلب تكتيكًا خاصًا لأن الحرب في الصحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في المدن، بالإضافة إلى أن عدد الرومان في الشام يقرب من مائتين وخمسين ألفًا، ولا شك في أن تجمع هذا العدد الكبير في تحصنه داخل المدن يعرض جيش المسلمين للخطر(1).
إن ممارسة الشورى في حياة الأمة في كل شئونها السياسية والعسكرية والاجتماعية... إلخ منهج تربوي كريم سار عليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياته.
ثالثا: التدريب العملي العنيف:
كان في خروج الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى تبوك فوائد كثيرة، منها:
تدريبهم تدريبا عنيفا، فقطع بهم صلى الله عليه وسلم مسافة طويلة في ظروف جوية صعبة حيث كانت حرارة الصيف اللاهب، بالإضافة إلى الظروف المعيشية التي كانوا يعانون منها، فقد كانت هناك قلة في الماء حتى كادوا يهلكون من شدة العطش، وأيضا كانت هناك قلة في الزاد والظهر ولا شك في أن هذه الأمور تعد تدريبا عنيفا لا يتحمله إلا الأقوياء من الرجال.
__________
(1) انظر: غزوة تبوك، باشميل، ص176، 177.

(4/219)


وفي هذا الدرس يقول الأستاذ محمود شيت خطاب: تعمل الجيوش الحديثة على تدريب جنودها تدريبا عنيفا، كاجتياز مواقع وعراقيل صعبة جدا، وقطع مسافات طويلة في ظروف جوية مختلفة، وحرمان من الطعام والماء بعض الوقت، وذلك لإعداد هؤلاء الجنود لتحمل أصعب المواقف المحتمل مصادفتها في الحرب، لقد تحمل جيش العسرة مشقات لا تقل صعوبة عن مشقات هذا التدريب العنيف -إن لم تكن أصعب منها بكثير- لقد تركوا المدينة في موسم نضج ثمارها، وقطعوا مسافات طويلة شاقة في صحراء الجزيرة العربية صيفًا، وتحملوا الجوع والعطش مدة طويلة.
إن غزوة تبوك تدريب عنيف للمسلمين، كان غرض الرسول صلى الله عليه وسلم منه إعدادهم لتحمل رسالة حماية حرية نشر الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية... فقد كانت هذه الغزوة آخر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، فلابد من الاطمئنان إلى كفاءة جنوده قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى(1) وقد ساعد هذا التدريب العملي الصحابة في عصر الخلفاء فقاموا بفتح بلاد الشام وبلاد الفرس بقوة إيمانهم، وثقتهم بخالقهم، وساعدهم على ذلك لياقتهم البدنية العالية، ومعرفتهم العملية لاستخدام السيوف والرماح وأنواع الأسلحة في زمانهم.
رابعًا: أهم نتائج الغزوة:
أ- يمكن للباحث أن يلاحظ أهم نتائج هذه الغزوة وهي:
1- إسقاط هيبة الروم من نفوس العرب جميعًا -مسلمهم وكافرهم على السواء- لأن قوة الروم كانت في حس العرب لا تقاوم، ولا تغلب، ومن ثم فقد فزعوا من ذكر الروم وغزوهم، ولعل الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في غزوة (مؤتة) كانت مؤكدة على ما ترسخ في ذهن العربي في جاهليته من أن الروم قوة لا تقهر، فكان لا بد من هذا النفير العام لإزاحة هذه الهزيمة النفسية من نفوس العرب.
__________
(1) انظر: الرسول القائد، ص281، 282.

(4/220)


2- إظهار قوة الدولة الإسلامية كقوة وحيدة في المنطقة قادرة على تحدي القوى العظمى عالميا –حينذاك- ليس بدافع عصبي أو عرقي، أو تحقيق أطماع زعامات معاصرة، وإنما بدافع تحريري؛ حيث تدعو الإنسانية إلى تحرير نفسها من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، ولقد حققت هذه الغزوة الغرض المرجو منها بالرغم من عدم الاشتباك الحربي مع الروم الذين آثروا الفرار شمالا فحققوا انتصارا للمسلمين دون قتال، حيث أخلوا مواقعهم للدولة الإسلامية، وترتب على ذلك خضوع النصرانية التي كانت تمت بصلة الولاء لدولة الروم مثل إمارة دومة الجندل، وإمارة إيلة (مدينة العقبة حاليا على خليج العقبة)، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم كتابا يحدد ما لهم وما عليهم(1) وأصبحت القبائل العربية الشامية الأخرى التي لم تخضع للسيطرة الإسلامية في تبوك تتعرض بشدة للتأثير الإسلامي، وبدأ الكثير من هذه القبائل يراجع موقفه ويقارن بين جدوى الاستمرار في الولاء للدولة البيزنطية أو تحويل هذا الولاء إلى الدولة الإسلامية الناشئة، ويعد ما حدث في تبوك نقطة البداية العملية للفتح الإسلامي لبلاد الشام(2) وإن كانت هناك محاولات قبلها ولكنها لم تكن في قوة التأثير كغزوة تبوك، فقد كانت هذه الغزوة بمثابة المؤشر لبداية عمليات متواصلة لفتح البلدان، والتي واصلها خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، ومما يؤكد هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل موته جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة ليكون رأس حربة موجهة صوب الروم، وطليعة لجيش الفتح، ضم هذا الجيش جُلَّ صحابة رسول الله، ولكنه لم يقم بمهمته إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فقد حقق الهدف المطلوب منه كما سيأتي(3)
__________
(1) انظر: دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، للشجاع، ص209.
(2) انظر: المسلمون والروم في عصر النبوة، عبد الرحمن أحمد، ص102.
(3) انظر: دراسات في عهد النبوة، للشجاع، ص209.

(4/221)


بإذن الله عند الحديث في سيرة الصديق - رضي الله عنه -.
لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسس الأولى والخطوات المثلى لفتح بلاد الشام والفتوحات الإسلامية.
3- توحيد الجزيرة العربية تحت حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث تأثر موقف القبائل العربية من الرسول صلى الله عليه وسلم والدعوة الإسلامية بمؤثرات متداخلة كفتح مكة، وخيبر، وغزوة تبوك، فبادر كل قوم بإسلامهم بعد أن امتد سلطان المسلمين إلى خطوط التماس مع الروم ثم مصالحة نجران في الأطراف الجنوبية على أن يدفعوا الجزية، فلم يعد أمام القبائل العربية إلا المبادرة الشاملة إلى اعتناق الإسلام والالتحاق بركب النبوة بالسمع والطاعة؛ ونظرا لكثرة وفود القبائل العربية التي قدمت إلى المدينة من أنحاء الجزيرة العربية بعد عودة
النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك لتعلن إسلامها هي ومن وراءها، فقد سمي العام التاسع للهجرة في المصادر الإسلامية بعام الوفود(1).
وبهذه الغزوة المباركة ينتهي الحديث عن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم التي قادها بنفسه، فقد كانت حياته المباركة غنية بالدروس والعبر التي تتربى عليها أمته في أجيالها المقبلة(2)، ومليئة بالدروس والعبر في تربية الأمة وإقامة الدولة التي تحكم بشرع الله.
__________
(1) انظر: نضرة النعيم (1/395، 396).
(2) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون، (4/460).

(4/222)


المبحث السادس : أهم الأحداث ما بين غزوة تبوك وحجة الوداع
أولاً: وفد ثقيف وإسلامهم
لما انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، ورجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فرموه بالنبل، فأصابه سهم فقتله، ثم إنهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب الذين أسلموا، فأجمعوا على أن يرسلوا رجالا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه ستة منهم في رمضان بعد رجوعه من تبوك سنة تسع(1).
وكان الوفد يتكون من ستة من كبار بني مالك والأحلاف، ثلاثة لكل منهما وعلى رأسهم جميعا عبد ياليل بن عمرو(2)، وتكوين هذا الوفد على هذا النحو يدل على فكر سياسي عميق؛ ذلك لأن ثقيف تأمل في أن يتدخل المهاجرون من بني أمية للتوسط في إقرار الصلح مع الرسول بسبب علاقة بني أمية التاريخية بالأحلاف(3).
كان الصحابة يعرفون اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بإسلام ثقيف؛ ولذلك ما إن ظهر وفد ثقيف قرب المدينة، حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول، وتنازل المغيرة لأبي بكر(4).
واستقبل الرسول الوفد راضيًا وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، وكانت ضيافتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يفدون عليه كل يوم، ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم، فكان عثمان كلما رجعوا وقالوا بالهاجرة، عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائما عمد إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعجب منه وأحبه(5).
__________
(1) انظر: رسالة الأنبياء، عمر أحمد عمر، ص199.
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/193).
(3) انظر: رجال الإدارة في الدولة الإسلامية، د. حسين محمد، ص76.
(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/193).
(5) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، المغازي، ص670.

(4/223)


فمكث الوفد أياما يختلفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يدعوهم إلى الإسلام، فقال له عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى أهلنا وقومنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم».
قال عبد ياليل: أرأيت الزنى؟ فإنا قوم عزاب بغرب(1) لا بد لنا منه، ولا يصبر أحدنا على العزبة، قال: «هو مما حرم الله على المسلمين، يقول الله تعالى ( وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً )» [الإسراء: 32].
قال: أرأيت الربا؟ قال: «الربا حرام» قال: فإن أموالنا كلها ربا، قال: «لكم رءوس أموالكم، يقول تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ )»
[البقرة: 278].
قال أفرأيت الخمر؟ فإنها عصير أعنابنا، لا بد لنا منها.
قال: «فإن الله قد حرمها» ثم تلا رسول الله هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [المائدة: 90].
فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض، فقال عبد ياليل: ويحكم! نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث! والله والله لا تصبر ثقيف عن الخمر أبدا، ولا عن الزنا أبدا.
قال سفيان بن عبد الله: أيها الرجل، إن يرد الله بها خيرا تصبر عنها، قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا، فصبروا وتركوا ما كانوا عليه، مع أنا نخاف هذا الرجل، قد أوطأ الأرض غلبة ونحن في حصن في ناحية من الأرض، والإسلام حولنا فاش، والله لو قام على حصننا شهرا لمتنا جوعا، وما أرى إلا الإسلام وأنا أخاف يوما مثل يوم مكة.
__________
(1) أي: نذهب إلى بلاد بعيدة. ( ) أي: أسرعنا السير في السفر.

(4/224)


وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتبوا الكتاب، كان خالد هو الذي كتبه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل إليهم الطعام فلا يأكلون منه شيئًا حتى يأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا.
قالوا: أرأيت الرَّبَّة، ما ترى فيها؟ قال: «هدمها».
قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنا أوضعنا هدمها(1) قتلت أهلنا، قال عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه -: ويحك يا عبد ياليل، إن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده، قال
عبد ياليل: إنا لم نأتك يا عمر، فأسلموا وكمل الصلح، وكتب ذلك الكتاب خالد بن سعيد، فلما كمل الصلح كلموا النبي صلى الله عليه وسلم يدع الربة ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى، قالوا: سنتين، فأبى، قالوا: سنة، فأبى، قالوا: شهرًا واحدًا، فأبى أن يوقت لهم وقتًا وإنما يريدون بترك الربة لما يخافون من سفهائهم والنساء والصبيان، وكرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفيهم من هدمها(2) فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلبهم ذلك، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفيهم من الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير في دين لا صلاة فيه» (3).
لقد طلب وفد ثقيف أن يعفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض الفرائض وأن يحلل لهم بعض المحرمات إلا أنهم فشلوا في طلباتهم وخضعوا للأمر الواقع(4).
__________
(2) انظر: المغازي للواقدي (3/968).
(3) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (8/50)، المغازي للواقدي (3/968).
(4) انظر: المجتمع المدني في عهد النبوة، ص221- 223.

(4/225)


وقد أكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفادتهم وأحسن ضيافتهم في قدومهم وإقامتهم وعند سفرهم، وأمرَّ صلى الله عليه وسلم عثمان بن أبي العاص على الطائف، فقد كان أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين، وكان أصغرهم سنًا(1)، ولقد تأثر الوفد من معاملة النبي صلى الله عليه وسلم ومن اختلاطهم بالمسلمين حتى إنهم صاموا ما بقي عليهم من شهر ومكثوا في المدينة خمسة عشر يوما ثم رجعوا إلى الطائف(2) وبعد رجوعهم جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ومشاركة المغيرة بن شعبة(3) - رضي الله عنه - وأبي سفيان بن حرب - رضي الله عنه -(4) وبعثهم في أثر الوفد(5).
وبينما نجحت مساعي الوفد في إقناع ثقيف بالدخول في الإسلام وأخبروهم بمصير اللات، وإذا بالسرية قد وصلت إلى الطائف ودخل المغيرة بن شعبة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة(6) وكان ذلك تحت حراسة مشددة من قومه بني معتب الذين قاموا دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود(7)، وخرجت ثقيف عن بكرة أبيها رجالها ونساؤها وصبيانها حتى الأبكار من خدورهن، وكانوا -لقرب عهدهم بالشرك- لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة(8).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/519). (5) المصدر نفسه (2/519، 520).
(3) ، 7) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/195).
(5) انظر: دلائل النبوة للبيهقي (5/303، 304). (9) المغازي (3/671).
(7) انظر: دلائل النبوة (5/304).
(8) ، 12) انظر: السرايا والبعوث، ص300.

(4/226)


وكان المغيرة رجلاً فيه دعابة وظرف فقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالفأس ثم سقط يركض، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أبعد الله المغيرة فقد قتلته الربة، وفرحوا حين رأوه ساقطًا (1) وقالوا مخاطبين أفراد السرية: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها، فوالله لا تستطيع أبدًا، فوثب المغيرة بن شعبة، وقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف! إنما هي لكاع(2) حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه(3).
أكمل المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - ومن معه هدم الطاغية حتى سووها بالأرض، وكان سادنها واقفا على أحر من الجمر ينتظر نقمة الربة وغضبها على هؤلاء العصاة(4)، فما إن وصلوا إلى أساسها حتى صاح قائلا: سترون إذا انتهى أساسها يغضب الأساس غضبًا يخسف بهم(5)، فلما سمع المغيرة - رضي الله عنه - بذلك السخف قال لقائد السرية: دعني أحفر أساسها، فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها، فبهتت ثقيف(6) وأدركت الواقع الذي كانت تحجبه غشاوة على أعينهم(7).
وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليتها وكسوتها، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، وحمدوا الله على نصرة نبيه وإعزازه دينه(8).
__________
(2) لكاع عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم.
(3) انظر: دلائل النبوة (5/303). (3) انظر: السرايا والبعوث، ص300.
(5) انظر: المغازي (3/972). (5) انظر: دلائل النبوة (5/303).
(7) انظر: السرايا والبعوث، ص301.
(8) انظر: تاريخ ابن شيبة (2/507) نقلا عن السرايا والبعوث، ص301.

(4/227)


وتم القضاء على ثاني أكبر طواغيت الشرك في الجزيرة العربية، وحل محلها بيت من بيوت الله عز وجل يوحد فيه الرب الذي لا إله إلا هو، وذلك بتوجيه كريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن أبي العاص(1) - رضي الله عنه - عامله على الطائف حيث أمره (بأن يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم)(2).
ثانيًا: وفاة زعيم المنافقين (عبد الله بن أبيّ ابن سلول):
مرض عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، في ليالٍ بقين من شوال، ومات في ذي القعدة من السنة التاسعة(3).
قال أسامة بن زيد: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبيّ في مرضه نعوده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد كنت أنهاك عن حب يهود»، فقال عبد الله: فقد أبغضهم سعد بن زرارة فمات(4).
__________
(1) انظر: السرايا والبعوث، ص301.
(2) انظر: دلائل النبوة (5/299-303)، المغازي (3/970-972).
(3) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، المغازي، ص659.
(4) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في العيادة رقم 3094.

(4/228)


ولما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما خيرني الله فقال: ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَّغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) [التوبة: 80]. وسأزيده على سبعين» قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل آية: ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) [التوبة: 84] (1).
وإنما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجراء له على حكم الظاهر وهو الإسلام، ولما فيه من إكرام ولده عبد الله -وكان من خيار الصحابة وفضلائهم- وهو الذي عرض على النبي أن يقتل أباه لما قال مقالته يوم غزوة بني المصطلق كما بينَّا، ولما فيه من مصلحة شرعية، وهي تأليف قلوب قومه وتابعيه، فقد كان يدين له بالولاء فئة كبيرة من المنافقين، فعسى أن يتأثروا ويرجعوا عن نفاقهم ويعتبروا ويخلصوا لله ولرسوله، ولو لم يجب ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سبة وعارا على ابنه وقومه، فالرسول الكريم اتبع أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي فانتهى(2).
__________
(1) البخاري، كتاب تفسير القرآن رقم 4670.
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/533، 534).

(4/229)


وأما إعطاؤه صلى الله عليه وسلم القميص فلأن الغنى به بخل بالكرم، وقد كان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يرد طالب حاجة قط، على أنه كان مكافأة له على إعطائه العباس عم الرسول قميصه لما جيء به أسيرًا يوم بدر، وكان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته رد الجميل بخير منه(1).
وبموت عبد الله بن سلول تراجعت حركة النفاق في المدينة، حتى إننا لم نجد لهم حضورًا بارزًا في العام العاشر للهجرة، ولم يبق إلا العدد غير المعروف إلا لصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان(2)، وكان عمر -فيما بعد- لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليه حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، وقد أخبره رسول الله بهم(3).
كان العام التاسع حاسمًا لحركة النفاق في المجتمع الإسلامي، فقد وصل النظام الإسلامي إلى قوته؛ ومن ثم لا بد من تحديد إطار التعامل مع كل القوى بوضوح(4)، ولهذا عبر الإمام ابن القيم عن خطة الإسلام أمام المنافقين، فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمر أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهى أن يصلى عليهم وأن يقوم على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم(5).
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص621، 622، السيرة لأبي شهبة (28534).
(2) انظر: دراسات في عهد النبوة، للشجاع، ص221.
(3) انظر: معين السيرة النبوية، ص464. (6) انظر: دراسات في عهد النبوة، ص219.
(5) زاد المعاد (2/91).

(4/230)


وجاءت هذه الخطة وفق النصوص القرآنية التي احتوتها سورة التوبة (براءة)، (الفاضحة) حيث يستغرق الحديث عن المنافقين أكثر من نصف السورة فيفضح نواياهم وأعمالهم ووصف أحوالهم النفسية والقلبية، وموقفهم في غزوة تبوك وقبلها وفي أثنائها وما تلاها، وكشف حقيقة حيلهم ومعاذيرهم في التخلف عن الجهاد، وبث الضعف والفتنة والفرقة في الصفوف، وإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والعمل(1).
ومن أهم الأحكام التي برزت في هذه المرحلة ضد المنافقين:
1- عدم الصلاة على من مات منهم، ودمغهم بالكفر:
( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ - وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُّعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) [التوبة: 84، 85].
2- تهديم مسجدهم الذي بنوه للإضرار بالمسلمين، وهو مسجد الضرار وقد تحدثت عنه فيما مضى بنوع من التفصيل.
3- إصدار الأمر بمجاهدة المنافقين كمجاهدة الكافرين:
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) [التحريم: 9]، وسواء أكان الجهاد بالقتال أم في المعاملة والمواجهة والكشف والفضح فإن طريقة التعامل مع المنافقين بعد سورة براءة، غير المعاملة قبلها.
__________
(1) انظر: المنافقون، محمد جميل غازي، ص92، 93.

(4/231)


4- الكشف عن صفاتهم وأعمالهم بوضوح: كما جاء في سورة التوبة أيضا؛ فهم الذين قالوا تثبيطا للمسلمين: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) [التوبة: 81] وهم الذين يلمزون المطوعين في الصدقات ويؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول والفعل(1)... إلخ. هذه معالم المنهج النبوي في التعامل مع حركة النفاق في المجتمع الإسلامي في العام التاسع الهجري.
ثالثًا: تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته (دروس في بيوتات الرسول صلى الله عليه وسلم):
قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً - وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) [الأحزاب: 28-29].
وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن نزول هاتين الآيتين كان بعد اعتزال
النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه بعد أن أقسم ألا يدخل عليهن شهرًا، فاعتزلهن في مشربة له، وهي القصة المعروفة بقصة إيلائه(2) من نسائه، وكان تاريخ نزول هذه الآيات في العام التاسع للهجرة(3).
__________
(1) انظر: دراسات في عهد النبوة، الشجاع، ص220.
(2) الإيلاء: الحلف، قضايا نساء النبي والمؤمنات، ص51.
(3) المصدر نفسه، ص68.

(4/232)


وأما سبب نزولها فهو طلب زوجاته صلى الله عليه وسلم التوسعة عليهن في النفقة، فقد أخرج مسلم عن جابر - رضي الله عنه - قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجمًا(1) ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة(2) سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها(3)، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: أتسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟! فقلن: والله لا نسأل رسول الله شيئا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية(4).
__________
(1) واجما: هو الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام.
(2) بنت زيد امرأة عمر جميلة بنت ثابت نسبها عمر إلى أحد أجدادها.
(3) فوجأت عنقها: بمعنى طعنت عنقها.
(4) مسلم في الطلاق (2/1104). (7) انظر: معين السيرة، ص465.

(4/233)


كانت الحياة المعيشية في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم تجري على وتيرة واحدة بالرغم من إمكانية التوسع في بعض الأحيان، ونساء الرسول صلى الله عليه وسلم هن من البشر، يرغبن بما يرغب به الناس، ويشتهين ما يشتهيه الناس(1)، فقد كان مساكنهن متواضعة بسيطة غاية البساطة، فقد وصفها الدكتور أبو شهبة فقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بنى حُجرا حول مسجده الشريف لتكون مساكن له ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك والأكاسرة والقياصرة، بل كانت بيوت من ترفع عن الدنيا وزخرفها، وابتغى الدار الآخرة، فقد كانت –كمسجده- مبنية من اللبن والطين وبعض الحجارة، وسقوفها من جذوع النخل والجريد قريبة الفناء، قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده، قال الحسن البصري -وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة-: قد كنت أنال أطول سقف في حُجر النبي صلى الله عليه وسلم بيدي. وكان لكل حجرة بابان، خارجي وداخلي من المسجد ليسهل دخول النبي صلى الله عليه وسلم إليه(2).
وأما الإضاءة، فلم يكن هناك مصباح يستضاء به، يدل على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح(3).
__________
(2) انظر: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة،(2/35، 36).
(3) البخاري، كتاب الصلاة رقم 513. (3) البخاري، كتاب المظالم والغصب، رقم 2468.

(4/234)


أما الفراش الذي يأوي إليه النبي -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- فهو عبارة عن رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، ووسادته من أدم حشوها ليف(1)، فقد كانت معيشته صلى الله عليه وسلم تدل على الشدة، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: ما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا(2) حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطًا(3) بعينه قط(4)، وعن عائشة قالت: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقال لها عروة بن الزبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء(5). هذا، وقد فتح الله على المسلمين بعد خيبر وفتح مكة، وغزوة تبوك، وقد قرأت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم آيات في كتاب الله تبيح التمتع بنعم الله دون إسراف، فرغبن أن ينالهن حظ من ذلك، كما في قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) [الأعراف: 31].
وحض على أكل الطيبات من الرزق، قال سبحانه: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [الأعراف: 32].
__________
(2) مرققًا: رقيقًا ضد الغليظ. (5) سميط: الذي أزيل شعره بالماء المسخن وشوي.
(4) البخاري في الرقائق، رقم 6457. (7) البخاري في الرقائق رقم 6459.

(4/235)


ودعا إلى التوسط في الإنفاق والاعتدال فيه فقال تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ) [الإسراء: 29]. إلا أن هناك جانبا آخر يتعلق به صلى الله عليه وسلم ونمط من المعيشة اختاره بتوجيه من ربه عز وجل، فلم يلتفت لشيء من هذا كما أدبه ربه -سبحانه وتعالى- بقوله: ( لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) [الحجر: 88]، وقوله سبحانه: ( وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [طه: 131]. ولذلك جاءت آيات التخيير فوقف زوجاته صلى الله عليه وسلم من قضية التخيير موقفا حاسمًا لا تردد فيه، فإنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فقد كن يطلبن منه صلى الله عليه وسلم التوسعة في النفقة، وكن يدافعن عن ذلك ما استطعن، فلما وصل الأمر إلى وضعهن أمام خيارين: الحياة الدنيا وزينتها، أو الله ورسوله والدار الآخرة، لم يترددن لحظة واحدة في سلوك الخيار الثاني، بل قلن جميعهن بصوت واحد: نريد الله ورسوله والدار الآخرة(1).
__________
(1) انظر: قضايا نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنات في سورة الأحزاب، ص77.

(4/236)


فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: «إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك»، قالت: وقد علم أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: «إن الله -جل ثناؤه- قال: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً - وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا )» [الأحزاب: 28-29]، قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت(1).
وهكذا تتجلى في موقفهن -رضي الله عنهن- صورة ناصعة لقوة الإيمان، واختبار حقيقي للإخلاص والصدق مع الله تعالى، فإن الله تعالى في الآية الأولى من آيتي التخيير يقول: { إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ ) كالوعد بحصولهن على مبتغاهن في الحياة الدنيا وزينتها إن اخترن ذلك، ولكنهن رفضن هذا، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وفي قوله تعالى في الآية الثانية: ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) إشارة إلى أن ما ينلنه من الأجر سببه كونهن محسنات، ومن ذلك اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، إذ لا يكفي لحصولهن على هذا الأجر كونهن زوجات للرسول صلى الله عليه وسلم(2).
__________
(1) البخاري، كتاب التفسير رقم 4786.
(2) انظر: قضايا نساء النبي والمؤمنات في سورة الأحزاب، ص79.

(4/237)


وتنكير الأجر، ثم وصفه بأنه عظيم، فيه ترغيب لهن بالكف عن التطلع إلى الحياة الدنيا وزينتها، فهذا الأجر لا يقدر قدره إلا الله، وهو شامل لخيري الدنيا والآخرة(1).
ولقد اعتبر الخلفاء الراشدون قصة التخيير تلك معلمًا من معالم الإسلام، ومنهجًا نبويًا كريمًا ينبغي أن يسلكه بيت القيادة في الأمة، وإن النظرة الفاحصة في التاريخ لتبين أن هذا الجانب يعد معيارًا دقيقا به يعرف القرب من الاستقامة أو البعد عنها، وقد فهم قادة الأمة المؤمنون حينما وجدوا على امتداد تاريخ الإسلام، أهمية هذا الجانب فرعوه حق رعايته، وإن الأمثلة العملية من تاريخ الخلافة الراشدة هي من الوفرة والكثرة بمكان بحيث لا تتعب الباحث في التفتيش عنها(2).
إن قيادة الأمة تكليف ومغرم وليس مغنمًا، ولا بد للذين يتولونها أن يحسبوا أهمية التعالي على حطام الدنيا، والشوق إلى الله والدار الآخرة(3).
رابعًا: حج أبي بكر - رضي الله عنه - بالناس:
__________
(1) انظر: تفسير السعدي (4/148).
(2) انظر: البداية والنهاية (7/136).
(3) انظر: معين السيرة، ص475.

(4/238)


كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة على كل الأصعدة والمجالات العقائدية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والتعبدية، وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، فحجة عام 8هـ بعد الفتح كُلِّف بها عتَّاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين(1)، فلما حل موسم الحج أراد صلى الله عليه وسلم الحج، ولكنه قال: «إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» فأرسل صلى الله عليه وسلم الصدِّيق أميرًا على الحج سنة تسع، فخرج أبو بكر ومعه عدد كبير من الصحابة(2)، وساقوا معهم الهدي(3) فلما خرج الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا - رضي الله عنه - وأمره أن يلحق بأبي بكر الصديق، فخرج على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي الحليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سارا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة لا في شهر ذي القعدة كما قيل، وقد خطب الصديق قبل التروية ويوم عرفة ويوم النحر، ويوم النفر الأول، فكان يعرف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات... إلخ، وعلي يخلفه في كل موقف من هذه المواقف، فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك(4)
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/536)، دراسات في عهد النبوة، ص222.
(2) انظر: نضرة النعيم (1/398)، الطبقات الكبرى (2/168).
(3) انظر: فتح الباري (8/82).(6) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص625.
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/537).

(4/239)


. وقد أمر الصديق أبا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته(1).
إن نزول صدر سورة براءة يمثل مفاصلة نهائية مع الوثنية وأتباعها، حيث منعت حجهم وأعلنت الحرب عليهم(2).
قال تعالى: ( بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ.فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ - وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [التوبة: 1-3].
وقد أُمهل المعاهدون لأجل معلوم منهم إلى انتهاء مدتهم، فقال تعالى: ( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) [التوبة: 4].
كما أمهل من لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم، حيث يصبحون بعدها في حالة حرب مع المسلمين، قال تعالى: ( فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 5].
__________
(2) انظر: نضرة النعيم (1/399).

(4/240)


وقد كلف النبي صلى الله عليه وسلم عليًا بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج، مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم في عقد العهود ونقضها، ألا يتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للإسلام؛ فلذلك تدارك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر وأرسل عليًا بذلك، فهذا هو السبب في تكليف علي بتبليغ صدر صورة براءة، لا ما زعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة إلى أن عليًا أحق بالخلافة من أبي بكر، وقد علق على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور؟(1) وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير؟!(2).
وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع(3). لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلا، فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخولها في التوحيد(4).
خامسًا: عام الوفود (9هـ):
__________
(1) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص624.
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة، (2/540).
(3) المصدر نفسه (2/540).
(4) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، ص283

(4/241)


لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمد أربعة أشهر لقبائل العرب المشركين لكي يقرروا مصيرهم بأنفسهم قبل أن تتخذ الدولة الإسلامية منهم موقفا معينا، ضربت إليه وفود العرب آباط الإبل من كل وجه معلنة إيمانها وولاءها(1)، وقد اختلف العلماء في تاريخ مقدم الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عددها، حيث أشارت المصادر الحديثة والتاريخية إلى قدوم بعض الوفود إلى المدينة في تاريخ مبكر عن السنة التاسعة؛ ولعل مما أدى إلى الاختلاف في تحديد عدد الوفود بين ما يزيد على ستين وفدا عند البعض، وليرتفع فيبلغ أكثر من مائة وفد عند آخرين، ولعل البعض قد اقتصر على ذكر المشهور منهم(2) فقد أورد محمد بن إسحاق أنه: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه(3).
__________
(1) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، ص284.
(2) انظر: نضرة النعيم (1/396).

(4/242)


وقد استقصى ابن سعد في جمع المعلومات عن الوفود، كما فصل كثيرًا وقدم ترجمات وافية عن رجال الوفود، ومن كانت له صحبة منهم، وما ورد عن طريقهم من آثار، ولا تخلو أسانيد ابن سعد -أحيانا- من المطاعن، كما أن فيها أسانيد من الثقات أيضا(1) ولا شك في أن الأخبار التي أوردها المؤرخون ليست ثابتة بالنقل الصحيح المعتمد وفق أساليب المحدثين، رغم أن عددا كبيرا من المرويات عن تلك الوفود ثابتة وصحيحة(2) فقد أورد البخاري معلومات عن وفد قبيلة تميم وقدومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووفود أخرى مثل: عبد القيس، وبني حنيفة، ووفد نجران، ووفد الأشعريين، وأهل اليمن، ووفد دوس(3) وتعززت أخبار هذه الوفود بمعلومات إضافية وردت في مصادر تاريخية إلى جانب ما ورد عنها في كتب السير والمغازي(4) وقد أورد مسلم أخبارا عن أغلب الوفود المذكورة آنفا(5) كما أوردت بقية الكتب الستة معلومات أوسع شملت عددًا كبيرًا من الوفود(6).
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (5/46، 47).(4) انظر: نضرة النعيم (1/397).
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/542).
(4) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4365، 4368، 4372، 4392.
(5) انظر: البداية والنهاية (5/40-98) مثلا.
(6) انظر: نضرة النعيم (1/398).

(4/243)


إن قصص الوفود وأخبارها وكيفية تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم معها من الأهمية بالمكان الكبير(1) وتبقى مسألة الحاجة الماسة إلى نقد تاريخي لمتون الأخبار المفصلة التي وصلتنا عن الوفود(2). لقد تركت لنا تلك الأخبار والقصص منهجًا نبويًا كريمًا في تعامله صلى الله عليه وسلم مع الوفود يمكننا الاستفادة من هديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع النفسية البشرية وتربيته ودقته وتنظيمه، ففيها ثروة هائلة من الفقه الذي يدخل في دوائر التعليم والتربية والتثقيف وبعد النظر وجمع القلوب على الغاية، وربط أفراد بأعينهم بالمركز بحيث تبقى في كل الظروف والأحوال مرتكزات قوية إلى الإسلام، إلى غير ذلك من مظاهر العظمة للعاملين في كل الحقول نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وإداريًا وسياسيًا وعسكريًا تعطي لكل عامل في جانب من هذه الجوانب دروسا تكفيه وتغنيه(3) هذا وقد تميز العام التاسع بتوافد العرب إلى المدينة، وقد استعدت الدولة الإسلامية لاستقبالهم وتهيئة المناخ التربوي لهم، وقد تمثل هذا الاستقبال، بتهيئة مكان إقامة لهم وكانت هناك دار للضيافة(4) ينزل فيها الوافدون، وهناك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان ساحة للاستقبال، ثم كان هناك تطوع أو تكليف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة باستضافة بعض القادمين(5) واهتم صلى الله عليه وسلم بتلك الوفود وحرص على تعليمها وتربيتها، وقد كانت تلك الوفود حريصة على فهم الإسلام وتعلم شرائعه وأحكامه، وآدابه، ونظمه في الحياة، وتطبيق ما علموه تطبيقا عمليا، جعلهم نماذج حياة لفضائله، وقد كان
__________
(1) المصدر نفسه (1/398).(10) انظر: السيرة النبوية الأساس في السنة
(2) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/544).
(3) انظر:الأساس في السنة (2/1014).
(4) انظر: المدينة النبوية في فجر الإسلام والعصر الراشدي، محمد شراب (2/400).
(5) انظر: دراسات في عهد النبوة للشجاع، ص221.

(4/244)


لكثير منهم تساؤلات عن أشياء كانت شائعة بينهم ابتغاء معرفة حلالها وحرامها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا أشد الحرص على تفقيههم في الدين، وبيان ما سألوه عنه، وكان صلى الله عليه وسلم يدني منهم من يعلم منه زيادة حرص على القرآن العظيم وحفظ آياته تفقهًا فيه ويقول لأصحابه: فقهوا إخوانكم(1) وكان صلى الله عليه وسلم يسأل عمن يعرف من شرفائهم، فإذا رغبوا في الرحيل إلى بلادهم أوصاهم بلزوم الحق، وحثهم على الاعتصام بالصبر، ثم يجزيهم بالجوائز الحسان، ويسوي بينهم، فإذا رجعوا إلى أقوامهم رجعوا هداة دعاة مشرقة قلوبهم بنور الإيمان، يعلمونهم مما علموا، ويحدثونهم بما سمعوا، ويذكرون لهم مكارم النبي وبره وبشره واستنارة وجهه سرورا بمقدمهم عليه، ويذكرون لهم ما شاهدوه من حال أصحابه في تآخيهم وتحاببهم، ومواساة بعضهم بعضًا ليثيروا في أنفسهم الشوق إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقاء أصحابه، ويحببوا إليهم التأسي بهم في سلوكهم ومكارم أخلاقهم(2) واختارت بعض الوفود البقاء على نصرانيتها كوفود نصارى نجران ووافقت على دفع الجزية، ونحاول أن نتحدث عن بعض الوفود لما في ذلك من الفقه والدروس والعبر، كوفد عبد القيس، وبني سعد بن بكر ووفد نصارى نجران:
أ- وفد عبد القيس:
وقد تحدث ابن عباس رضي الله عنهما عن قدومهم فقال:
__________
(1) انظر: محمد رسول الله، صادق عرجون، (4/520)
(2) المصدر نفسه، (4/521).

(4/245)


إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من الوفد؟» أو «من القوم؟» قالوا: ربيعة قال: «مرحبا بالقوم(1) -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى» (2). قال: فقالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة(3) وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل(4) نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خُمسا من المغنم» ونهاهم عن الدباء(5) والحنتم(6) والمزفت(7) وربما قال النقير(8) أو المقير، وقال: «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم» (9) وفي رواية: أن الأشج بن عبد القيس تخلف في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله» فقال: جبل جبلت عليه أم تخلقا مني؟ قال: «بل جبل» قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله(10).
__________
(1) مرحبا بالقوم: صادفت رحبا وسعة. .
(2) غير خزايا ولا ندامى: معناه لم يكن منكم تأخر عن الإسلام ولا عناد.
(3) شقة بعيدة: السفر البعيد، وقيل المسافة البعيدة.
(4) الأمر الفصل: البين الواضح الذي ينفصل به المراد.
(5) الدباء: القرع اليابس، أي الوعاء فيه.
(6) الحنتم: أصح الأقوال فيها: الجرار الخضر وهي جرار كان يحمل فيها الخمر.
(7) المزفت: الأوعية التي فيها الزفت.
(8) النقير: جذع ينقر وسطه ثم ينبذ فيها الرطب والبسر.
(9) البخاري، كتاب الإيمان رقم 53.
(10) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص 631.

(4/246)


وقد انشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدمهم وأخر صلاة السنة البعدية بعد الظهر وصلاها بعد العصر(1).
ب- وفد ضمامة بن ثعلبة عن قومه بني سعد بن بكر:
قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم علقه، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أسألك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد(2) عليَّ في نفسك، فقال: «سل عما بدا لك» فقال: أسألك بربك وربِّ من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: «اللهم نعم» قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها في فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم نعم». فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر(3).
وفي رواية ابن عباس... حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص.
__________
(1) المصدر نفسه، ص 635.
(2) تجد: تحقد وتحمل البغضاء
(3) البخاري، كتاب العلم، رقم 63. (3) لأنه فرق شعره فرقتين.

(4/247)


قال: ثم انصرف راجعا إلى بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولَّى: «إن يصدق ذو العقيصتين(1) يدخل الجنة» قال: فأتى إلى بعيره، فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: صه يا ضمام اتق البرص والجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم! إنهما –والله- لا يضران ولا ينفعان، إن الله عز وجل قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا، قال: يقول ابن عباس رضي الله عنهما: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة(2).
وتدل قصة إسلامه على مدى انتشار تعاليم الإسلام في وسط القبائل العربية، حتى جاء ضمام لا ليسأل عنها، ولكن جاء ليستوثق منها، معددا لها الواحدة تلو الأخرى، مما يدل على استيعابه لها قبل مجيئه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم(3).
ج- وفد نصارى نجران:
كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران(4) كتابا قال فيه: أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب، والسلام(5).
__________
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص630، مسند أحمد (1/264). .
(3) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص650
(4) نجران بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن. .
(5) انظر: البداية والنهاية (5/48).

(4/248)


فلما أتى الأسقف الكتاب، جمع الناس وقرأه عليهم، وسألهم عن الرأي فيه، فقرروا أن يرسلوا إليه وفدًا يتكون من أربعة عشر من أشرافهم، وقيل ستين راكبًا، منهم ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه، والسيد وهو صاحب رحلتهم، وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم. فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير، وفي أيديهم خواتيم الذهب، فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم».
ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم، ولم يكلمهم، فقال لهم عثمان: من أجل زيكم هذا، فانصرفوا يومهم هذا، ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا عليه، فرد عليهم ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا وقالوا: كنا مسلمين قبلكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدًا»(1) وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم، والنبي يتلو عليهم القرآن ويقرع باطلهم بالحجة، وكان مما قالوه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك تشتم صاحبنا وتقول إنه عبد الله، فقال: «أجل إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول»، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله؟ فأنزل الله في الرد عليهم قوله سبحانه: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ ) [آل عمران: 59-60].
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/547)

(4/249)


فكانت حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه(1)، فلما لم تُجْدِ معهم المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة(2) امتثالا لقوله تعالى: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) [آل عمران: 61].
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه علي، والحسن والحسين، وفاطمة وقال: «وإذا أنا دعوت فأمنوا»(3) فائتمروا فيما بينهم فخافوا الهلاك لعلمهم أنه نبي حقًّا، وأنه ما باهل قوم نبيًا إلا هلكوا، فأبوا أن يلاعنوه وقالوا: احكم علينا بما أحببت، فصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر(4) ولما عزموا على الرجوع إلى بلادهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ابعث معنا رجلاً أمينًا ليقبض منهم مال الصلح، فقال لهم: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة»(5).
سادسًا: بعوث رسول الله لتعليم مبادئ الإسلام وترتيب أمور الإدارة والمال:
__________
(1) انظر: زاد المعاد (3/633)، السيرة النبوية لأبي شهبة (2/547). .
(2) ، 5) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/547).
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/547). (2) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، رقم 3745.

(4/250)


كانت الوفود تسعى إلى المدينة لتعلن إسلامها وتنضوي تحت سيادة الدولة الإسلامية ويتعلموا ما شاء الله أن يتعلموه في المدينة قبل رجوعهم إلى موطنهم، وكان صلى الله عليه وسلم يرسل معهم من يعلمهم دينهم، وشرع صلى الله عليه وسلم يبعث دعاته في شتى الجهات، واهتم بجنوب الجزيرة حيث قبائل اليمن لتعليمهم مبادئ الإسلام وأحكامه، فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة ومختلف أطرافها، وأصبحت الحاجة داعية إلى معلمين ودعاة ومرشدين يشرحون للناس حقائق الإسلام(1) لكي تتطهر قلوبهم وتشفى صدورهم من أمراض الجاهلية وأدرانها الخبيثة، وامتنعت قبيلة بني الحارث بن كعب عن الدخول في الإسلام، فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدًا في سرية دعوية جهادية.
أ- بعث خالد إلى بني الحارث بن كعب (10هـ):
__________
(1) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص322.

(4/251)


كان بنو الحارث بن كعب يسكنون بنجران، ولم يقبل منهم أحد الإسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى سنة عشر، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا قبل منهم، وإن لم يفعلوا قاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كتب خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه بإسلامهم وأنه مقيم فيهم حتى يكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بأن يقبل إلى المدينة ومعه وفد منهم ففعل، فلما قدموا أمَّر عليهم قيس بن الحصين، وبعث إليهم بعد ذلك عمرو بن حزام ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة، ومعالم الإسلام(1) وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم أرسل عليًا بدلاً من خالد، وعندما وصل إلى قبائل همدان قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على الجبهة الجنوبية للدولة وأن تدخل قبائل اليمن في الإسلام، وظهر هذا الاهتمام في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة؛ مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متصلا وبعيد المدى، وكانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم تساند هذا النشاط الدعوي السلمي حيث بعث خالد بن الوليد ثم علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- في هذا السياق(2)
__________
(1) انظر: السيرة لابن هشام (4/250).
(2) انظر: الفقه السياسي للوثائق النبوية، ص231.

(4/252)


.
إن الوثائق التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع قبائل اليمن وحضرموت قد بلغت عددا كبيرا ضمنها محمد حميد الله -رحمه الله- في كتابه (مجموعة الوثائق السياسية)(1).
إن التركيز على مفاصل القوى، ومراكز التأثير في المجتمعات وبناء الدول، منهج نبوي كريم حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ممارسته في حياته.
ب- بعث معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- إلى اليمن:
1- بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل الأنصاري أعلم الصحابة في علم الحلال والحرام إلى اليمن قاضيا ومفقها، وأميرًا، ومصدقًا(2)، وجعله على أحد مخلافيها(3) وهو الأعلى، ولما خرج معاذ قاصدا اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعه ويوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فأوصاه بوصايا كثيرة ورسم له منهجا دعويًا عظيمًا حيث قال له: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم طاعوا بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم طاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»(4).
__________
(1) انظر: الوثائق السياسية، حميد الله، (111 ص 230).
(2) المصدق: آخذ الزكاة.
(3) المخلاف: الإقليم والكورة والرستاق.
(4) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4347.

(4/253)


وفي هذا الحديث إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم للدعاة إلى الله بالتدرج والبدء بالأهم فالمهم، فالدعوة تكون بترسيخ الإيمان بالله تعالى ورسوله إيمانا يثبت في القلوب ويهيمن على الأفكار والسلوك، ثم تكون الدعوة بعد ذلك إلى تطبيق أركان الإسلام العملية التي ترسخ هذا الإيمان وتنميه، ثم يأتي بعد ذلك الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات، فيتقبل الناس تكاليف الإسلام التي قد تكون مخالفة لهوى النفس؛ لأن قلوبهم قد عمرت بالإيمان واليقين قبل ذلك(1).
وهذا منهج نبوي كريم رسمه صلى الله عليه وسلم لمعاذ ولمن يريد أن يسير على هدى الصحابة الكرام، وما أحوج الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله إلى الوقوف أمام هذا الهدي النبوي يترسمون خطاه، ويستوعبونه فهمًا ووعيًا، وتطبيقًا، وحينئذ تكون خطاهم في الطريق الصحيح(2). ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصاياه لمعاذ قال له: «يا معاذ، إنك عسى لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري»(3)، فبكى معاذ خشعًا لفراق الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك وقع الأمر كما أشار الرسول، فقد أقام معاذ باليمن ولم يقدم إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم(4).
2- وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري إلى مخلاف اليمن الآخر وهو الأسفل، قاضيًا ومفقهًا وأميرًا ومصدقًا، وأوصاه ومعاذ فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا»(5).
وهذا منهج نبوي كريم أرشد إليه رسول الله معاذا وأبا موسى بأن يأخذا بالتيسير على الناس ونهاهما عن التعسير عليهم، وأمرهما بالتبشير ونهاهما عن التنفير(6).
ج- ترتيب أمور الإدارة والمال:
__________
(2) انظر: التاريخ الإسلامي (8/187).
(3) انظر: معين السيرة، ص486.
(4) انظر: صحيح السيرة، ص654.
(5) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/559).
(6) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4342.

(4/254)


إن النظام جزء من هذا الدين، وداخل في كل أموره، لأن النظام يجمع الأشتات، وتحقق به الأهداف والغايات، فالنظام سمة يتميز بها الإسلام منذ اللحظة الأولى، حيث يدخل في جميع جوانب الإسلام التصورية والشعائرية والتعبدية وفي الشرائع الحياتية كلها، فكان صلى الله عليه وسلم يضع من يدير المدينة في حالة غيبته عنها، وكلما فتح منطقة وضع عليها أميرا، وكانت الوفود تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعين عليها أميرًا من قبله، ثم يترك لهم من يعلمهم دينهم، ويرسل إليهم من يجمع صدقاتهم(1)، وكان يختار عماله من الصالحين وأولي العلم والدين، ومن المنظور إليهم من العرب وذوي الشخصيات المؤثرة في قبائلهم، فقد كان عامله على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن العاص، وبعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، وأقر الرسول في بعض الحالات أمراء وملوك القبائل التي أسلمت أو قبلت الجزية، ومنهم باذان ابن سامان ولد بهرام الذي أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على اليمن بعد إسلامه، ولما بلغه موته قسم عمله على جماعة من الصحابة، فولى على صنعاء شمر بن باذان، وعلى مأرب أبا موسى الأشعري، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى همذان عامر ابن شمر الهمذاني، وعلى ما بين نجران وزمع وزبيد خالد بن سعيد بن العاص، وعلى نجران عمرو بن حزام، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي، وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور(2).
__________
(1) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي (8/186).
(7) انظر: دراسات في عهد النبوة للشجاع، ص221.
(2) ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر (2/59).

(4/255)


وكان صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العمال؛ يحاسبهم على المستخرج والمصروف، وحدد صلى الله عليه وسلم لبعض عماله رواتب، منهم عتاب بن أسيد والي مكة درهمًا كل يوم(1)، ولما استعمل -عليه الصلاة والسلام- قيس بن مالك على قومه همذان خصص له قطعة من الأرض يأخذ خراجها، وكانت رواتب عماله تتغير بتغير أحوال المعيشة فهي ليست ثابتة(2). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي لنا ولاية ولم يكن له بيت فليتخذ بيتا، أو لم تكن له زوجة فليتخذ زوجة، أو لم تكن له دابة فليتخذ دابة» (3)، وهذه هي الحاجات الرئيسية لولي الأمر في ذلك الوقت منعا لأخذ الرشوة، وهذه قاعدة قانونية جاء بها الإسلام قبل أن تثبتها القوانين الوضعية الحديثة في بنودها، وهي أن الهدية للحاكم رشوة صريحة(4).

المبحث السابع : حجة الوداع (10هـ)
الحج أحد الأركان الخمسة، وقد فرض في العام العاشر، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم(5) واستدل بأدلة قوية وهو اللائق بهديه صلى الله عليه وسلم في عدم تأخير ما هو فرض؛ لأن الله تعالى يقول: ( وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) [آل عمران: 97] وقد نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع(6).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/153).
(2) انظر: الدولة العربية الإسلامية، منصور الحرابي، ص44.
(3) انظر: الدولة العربية الإسلامية، ص44، التراتيب الإدارية للكتاني (1/227).
(4) انظر: الدولة العربية الإسلامية، ص 44.
(5) انظر: زاد المعاد (3/595).
(6) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص680، زاد المعاد (3/595).

(4/256)


لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة غير حجته التي كانت في العام العاشر، وعرفت هذه الحجة بحجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وحجة البلاغ لأنه صلى الله عليه وسلم بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وعملا، ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه، فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل
الله عليه بعرفة: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) [المائدة: 3] (1) ولما نزلت هذه الآية بكى بعض الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكأنهم فهموا منها الإشارة إلى قرب أجل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما قيل لسيدنا عمر: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان(2)، وكان عدد الذين مع رسول الله أكثر من مائة ألف(3).
أولا: كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم؟:
عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج وأعلم الناس أنه حاج، فتجهزوا -وذلك في شهر ذي القعدة سنة عشر- للخروج معه، وسمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج مع الرسول، صلى الله عليه وسلم ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، فكانوا من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، مد البصر، وخرج من المدينة نهارًا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، بعد أن صلى الظهر بها أربعًا(4).
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4407.
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/575).
(3) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص386.
(4) انظر: صحيح السيرة النبوية، 664، السيرة النبوية للندوي، 386.

(4/257)


وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه، ثم سار وهو يلبي ويقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»(1). والناس معه يزيدون وينقصون، وهو يقرهم، ولا ينكر عليهم، ولزم تلبيته ثم مضى حتى نزل بـ (العرج) ثم سار حتى أتى (الأبواء) فوادي (عسفان) في (سرف) ثم نهض إلى أن نزل بـ (ذي طوى) فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكة فدخلها نهارا من أعلاها، ثم سار، حتى دخل المسجد، وذلك ضحى(2)، فاستلم الركن(3) فرمل ثلاثا(4) ومشى أربعًا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم(5) عليه السلام. فقرأ ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) [البقرة: 125] فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) و ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) [البقرة: 158] وبدأ بما بدأ الله به؛ فبدأ بالصفا، فرقى عليه، حتى إذا رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا
__________
(1) البخاري، كتاب الحج، باب التلبية رقم 1549.
(2) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص387.
(3) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم 1227.
(4) الرمل: إسراع المشي مع تقارب الخطا.
(5) نفذ إلى مقام إبراهيم: أي بلغه ماضيا في زحام.

(4/258)


شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا بين ذلك قال مثل هذه ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت(1) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا(2) مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة»(3).
__________
(1) انصبت قدماه: انحدرت. (7) صعدتا: ارتفعت قدماه عن بطن الوادي.
(3) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي رقم 1218.

(4/259)


فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: «دخلت العمرة في الحج» مرتين «لا، بل لأبد أبد» (1) وأقام بمكة أربعة أيام: يوم الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فلما كان يوم الخميس ضُحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى ونزل بها وصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ومكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة(2) فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام(3) كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز(4) رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي(5) فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه(6)
__________
(1) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي، رقم 1218، صحيح السيرة النبوية، ص659.
(2) نمرة: موضع بجنب عرفات وليست من عرفات.
(3) المشعر الحرام: جبل بمزدلفة كانت قريش تقف عليه، ولا تقف مع العرب في عرفات ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف في عرفات.
(4) فأجاز: جاوز المزدلفة ولم يقف بها، وإنما توجه إلى عرفات.
(5) بطن الوادي: وادي عرنة، وليست عرنة من أرض عرفات عند العلماء إلا مالكًا قال هي من عرفات.
(6) أي لا يجوز للمرأة أن تدخل أحدا إلى بيت زوجها من قريب أو بعيد أو امرأة إلا من يرضى عنه زوجها.

(4/260)


فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح(1)، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها(2) إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات(3) ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات(4) وجعل جبل المشاة بين يديه(5) واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص(6)، وذكر أبو الحسن الندوي: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس، وكان في دعائه رافعا يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، يقول فيه: «اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رءوفا رحيما، يا خير المسئولين ويا خير المعطين» (7).
__________
(1) الضرب المبرح: الشديد الشاق.
(2) ينكثها: يقابلها ويرددها إلى الناس مشيرا إليهم.
(3) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص661، مسلم كتاب الحج، رقم 1218.
(4) الصخرات: صخرات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات.
(5) جبل المشاة: مجتمعهم، وقيل جبل المشاة: معناه طريقهم حيث تسلك الرجالة.
(6) حتى غاب قرص الشمس، حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة.
(7) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص389. (2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص662.

(4/261)


وهنالك أنزلت عليه: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) [المائدة: 3] فلما غربت الشمس أفاض من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسكينة، ثم ضم إليه زمام ناقته، حتى إن رأسها ليصيب طرف رحله، وهو يقول: «أيها الناس عليكم السكينة»(1) وكان يلبي في مسيره ذلك، لا يقطع التلبية حتى أتى المزدلفة وأمر المؤذن بالأذان فأذن، ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم، أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء، ثم نام، حتى أصبح، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع، والتكبير والتهليل والذكر، حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس، ثم سار من مزدلفة، مردفًا للفضل بن عباس، وهو يلبي في مسيره، وأمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات، فلما أتى بطن محسر، حرك ناقته، وأسرع السير(2) فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل العذاب، حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، وقطع التلبية(3) ثم رجع إلى منى فخطب الناس خطبة بليغة، أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وأمر الناس ألا يرجعوا بعده كفارا، يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه(4) وقد جاء في هذه الخطبة: «أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: «أليس ذي الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليست بالبلدة الحرام؟»
__________
(2) المصدر نفسه، ص662، السيرة النبوية، للندوي ص389.
(3) انظر: صحيح السيرة النبوية للندوي، ص389
(4) انظر: صحيح السيرة النبوية للندوي، ص389

(4/262)


قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم -وفي رواية أعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»(1).
ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره، ثم أمسك وأمر عليًّا أن ينحر ما بقي من المائة، فلما أكمل صلى الله عليه وسلم نحره استدعى الحلاق، فحلق رأسه، وقسم شعره بين من يليه، ثم أفاض إلى مكة راكبا، وطاف طواف الإفاضة(2) فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم»، فناولوه دلوًا فشرب منه(3) ثم رجع إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح انتظر زوال الشمس، فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار، فبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، وخطب الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النحر، وخطبة ثانية في ثاني يوم النحر(4) وهو يوم النفر الأول، وهي تأكيد لبعض ما جاء في خطبتي عرفة، ويوم النحر بمنى، والواقع أن تكرار الخطب في حجة الوداع كان أمرا لا بد منه لحاجة المسلمين، فهي الحجة الوحيدة التي حجها الرسول صلى الله عليه وسلم وقد عز فيها الإسلام والمسلمون، وأصبحت كلمتهم هي النافذة في الجزيرة كلها، كما كانت الوداع الأخير، فما أشد حاجة المسلمين في هذا المشهد العظيم إلى التذكير والنصح والتوصية وإلى تكرار القول والتأكيد عليه حتى يعوه ويحفظوه ولا ينسوه، وإلى تقريرهم بإبلاغ
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/550)، السيرة النبوية لأبي شهبة (2/578).
(2) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص390.
(3) مسلم، كتاب الحج، رقم 1218، صحيح السيرة النبوية، ص663.
(4) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص390.

(4/263)


الرسالة وأداء الأمانة(1).
هذا، وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة، ثم نهض إلى مكة فطاف للوداع ليلاً سحرًا، وأمر الناس بالرحيل وتوجه إلى المدينة(2) وفي طريق العودة من حجة الوداع خطب الرسول صلى الله عليه وسلم الناس في غدير خم قريبًا من الجحفة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وقد جاء في هذه الخطبة: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله؛ فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»(3) وفي رواية... أخذ
بيد علي - رضي الله عنه - وقال: «من كنت وليه، فهذا وليه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه»(4)
وفي رواية: «من كنت مولاه فعلي مولاه»(5) وكان علي قد أقبل من اليمن وشهد
حجة الوداع(6) وقد اشتكى بعض الجند عليًّا وأنه اشتد في معاملتهم، وكان قد استرجع منهم حللا وزعها عليهم نائبه، فأوضح لهم النبي صلى الله عليه وسلم في غدير خم مكانة علي، ونبه على فضله لينتهوا عن الشكوى،(7) فقد كان الحق مع علي في إرجاع ما أعطاهم نائبه في غيبته لأنها أموال صدقات وخمس(8).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/579)، المستفاد من قصص القرآن (2/515).
(2) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص390.
(3) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل علي بن أبي طالب، رقم 2048.
(4) النسائي في خصائص علي، ص21، صحيح السيرة النبوية، ص688.
(5) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/550).
(6) انظر: البداية والنهاية (5/209).
(7) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/551).
(8) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/581).

(4/264)


ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبَّر ثلاث مرات، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم دخلها نهارًا(1).
ثانيا: الدروس والعبر والفوائد:
1- مرحلة النضج التي وصلت إليها الأمة:
وصلت الأمة الإسلامية في السنة العاشرة مرحلة من النضج متقدمة، وكان ذلك يقتضي لمسات أخيرة، فوسع صلى الله عليه وسلم في العامين التاسع والعاشر من الهجرة دائرة التلقي المباشر من خلال استقباله الوفود، ومن خلال رحلة الحج، فأوجد قاعدة عريضة تحمل دعوته وقد تلقت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رحى الإسلام دائرة وإلى الأبد(2) ففي حجة الوداع كانت اللمسات الأخيرة في تربية الأفراد والمجتمع على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
2- تربية الأفراد على قطع الصلة بالجاهلية والابتعاد عن الذنوب:
أ- فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أهمية قطع المسلم علاقته بالجاهلية، أوثانها، وثاراتها، ورباها، وغير ذلك، ولم يكن حديثه صلى الله عليه وسلم مجرد توصية بل كان قرارًا أعلن عنه للملأ كله لأولئك الذين كانوا من حوله والأمم التي ستأتي من بعده، وهذه هي صيغة القرار: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدمي موضوع، دماء الجاهلية موضوعة... وربا الجاهلية موضوع»(3) لأن الحياة الجديدة التي يحياها المسلم بعد إسلامه حياة لا صلة لها برجس الماضي وأدرانه(4).
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص391، نقلا عن زاد المعاد (1/249).
(2) انظر: الأساس في السنة (2/1054).
(3) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص331. (7) قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، ص303.

(4/265)


ب- وقد حذر صلى الله عليه وسلم من الذنوب والخطايا والآثام، ما ظهر منها وما بطن؛ لأن الذنوب والخطايا تفعل بالفرد ما لا يفعله العدو بعدوه، فهي سبب مصائبه في الدنيا ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) [الشورى: 30] فترديه في نار جنهم في الآخرة، وتفعل في المجتمعات ما لا يفعله السيف، وأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يقصد بالخطايا العودة إلى عبادة الأصنام؛ لأن العقول التي تفتحت على التوحيد، ترفض أن تعود إلى الشرك الظاهر، ولكن الشيطان لا ييأس من أن يجد طريقه إليها من ثغرات الخطايا والذنوب، حتى تردي صاحبها في المهاوي(1).
3- تربية المجتمع على مبادئ أساسية:
أ- الأخوة في الله هي العروة الوثقى التي تربط بين جميع المسلمين ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [الحجرات: 10] فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم» وقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض»(2).
__________
(1) المصدر نفسه. (2) مسلم، كتاب الحج رقم 1218.

(4/266)


ب- الوقوف بجانب الضعيف حتى لا يكون هذا الضعف ثغرة في البناء الاجتماعي، فأوصى صلى الله عليه وسلم في خطبته بالمرأة والرقيق على أنهما نموذجان عن الضعفاء(1)، فقد شدد صلى الله عليه وسلم في وصيته على الإحسان إلى الضعفاء(2) وأوصى خيرا بالنساء، وأكد في كلمة مختصرة جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية، وتثبيت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية(3).
ج- التعاون مع الدولة الإسلامية على تطبيق أحكام الإسلام، والالتزام بشرع الله، ولو كان الحاكم عبدًا حبشيًّا، فإن في ذلك الصلاح والفلاح، والنجاة في الدنيا والآخرة(4) فقد بين صلى الله عليه وسلم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها تعتمد على السمع والطاعة ما دام الرئيس يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا مال عنهما فلا سمع ولا طاعة، فالحاكم أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى(5).
د- المساواة بين البشر: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض، إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب»(6) حيث حدد أن أساس التفاضل لا عبرة فيه لجنس، ولا لون، ولا وطن، ولا قومية، وإنما أساس التفاضل قيمة خلقية راقية ترفع مكانة الإنسان إلى مقامات رفيعة جدا(7).
__________
(1) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، ص304. (4) انظر: دولة الرسول من التكوين إلى التمكين، ص575.
(3) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص332.
(4) انظر: دولة الرسول من التكوين إلى التمكين، ص576.
(5) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص333.
(6) مسند أحمد (3/411) إسناده صحيح.
(7) انظر: الموسوعة في سماحة الإسلام، عرجون (2/876).

(4/267)


هـ- تحديد مصدر التلقي: وقد حدد صلى الله عليه وسلم مصدر التلقي والطريقة المثلى لحل مشاكل المسلمين التي قد تعترض طريقهم في الرجوع إلى مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهم بعد الاعتصام بهما الأمان من كل شقاء وضلال، وهما: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده، ليبين للناس أن صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليست وقفًا على عصر دون آخر، وأنه لا ينبغي أن يكون لأي تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما(1).
لقد وصف صلى الله عليه وسلم الداء والدواء، ووضع العلاج لكل المشكلات بالالتزام التام بما جاء من أحكام من في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي» هذا هو العلاج الدائم، وقد كرر صلى الله عليه وسلم نداءه للبشرية عامة، عبر الأزمنة والأمكنة، بوجوب الاهتداء بالكتاب والسنة في حل جميع المشكلات التي تواجه البشرية، فإن الاعتصام بهما يجنب الناس الضلال ويهديهم إلى التي هي أقوم في الحاضر والمستقبل، لقد اجتازت تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه حدود الجزيرة، واخترقت حواجز الزمن، وأسوار القرون، وظل يتردد صداها حتى يوم الناس هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلم يكن يخاطب سامعيه فيقول لهم: أيها المؤمنون، أو أيها المسلمون، أو أيها الحجاج.. بل كان يقول لهم: يا أيها الناس، وقد كرر نداءه إلى الناس كافة مرات متعددة دون أن يخصصه بجنس أو بزمان أو مكان أو لون، فقد بعثه الله للناس كافة وأرسله رحمة للعالمين(2).
4- الأساليب التعليمية من خطب حجة الوداع:
أ- التعليم بمباشرة ما يراد تعليمه:
__________
(1) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص333.
(2) انظر: الجانب السياسي في حياة الرسول، ص131، أحمد محمد باشميل.

(4/268)


علَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام مناسك الحج بصورة عملية، بأن قام بها وباشرها فعلا، ولم يكتف بأن يعلمها لهم قولاً، ولذلك قال لهم: «خذوا عني مناسككم»(1) وعلى هذا فيستحسن من الدعاة وهم يعلمون الناس معاني الإسلام، أن يعلموهم هذه المعاني، والمطلوبات الشرعية، أو بعضها -في الأقل- بصورة عملية، كالوضوء، والصلاة، وتعليم قراءة القرآن بصورة سليمة(2).
ب- تكرار الخطب:
لاحظنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر خطبه، فقد خطب في عرفة، وفي منى مرتين، كما كرر معاني بعض هذه الخطب، فعلى الدعاة أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكرروا خطبهم ويكرروا بعض معانيها التي يرون حاجة لتكرارها، حتى يستوعبها السامعون ويحفظوها؛ لأن القصد من خطب الخطيب إفادة السامعين بما يقول، فإذا كانت الفائدة لا تحصل -أو لا تتم- إلا بتكرار الخطب من حيث عددها، أو بتكرارها من حيث تكرار معانيها، فليكررها الداعية،ولا يكون حرصه على أن يأتي بجديد في خطبه ما دام يرى الحاجة في ترسيخ معان معينة في أذهان السامعين، إن الداعية همه أن يفيد السامعين، وليس همه أن يظهر براعته في الخطب، وفي تنوع معانيها، دون نظر ولا اعتبار إلى ما يحتاجه السامعون، ودون اعتبار لفهمهم هذه المعاني واستيعابهم لها(3).
ج- فليبلغ الشاهدُ الغائبَ:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/549) مسلم (2/942) رقم 1297.
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/518).
(3) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/517، 518).

(4/269)


وفي هذا توجيه نبوي كريم لكي تعم الفائدة أكبر عدد ممكن من الناس؛ فهذا من باب التعاون على الخير، ولأن الغائب قد يكون أوعى للعلم وأكثر فهمًا له من الحاضر الذي سمع، وعلى الدعاة والعلماء عندما يلقون درسا أو محاضرة لإخوانهم أو لعامة الناس فمن المستحسن أن يقولوا للحاضرين: فليبلغ الحاضر منكم الغائب بما سمعه(1).
د- جلب انتباه الحاضر لما يقوله الخطيب:
ويستفاد من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين عن اسم اليوم الذي هم فيه، وكذا عن الشهر والبلد وهم يعرفونها؛ مما يجلب انتباههم إلى ما قد عسى أن يريده بطرح هذه الأسئلة فيصغون إليها إصغاء تامًّا، قال القرطبي: سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة -أي عن اليوم والشهر والبلد- وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم، وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه.. فعلى العلماء والدعاة أن يقدموا بين يدي ما يقولونه ما يدعو إلى جلب انتباه السامعين ويشدهم إلى كلامهم(2).
5- بعض الأحكام الفقهية المستنبطة من حجة الوداع:
جاءت حجة الوداع حافلة بالأحكام الشرعية خاصة ما يتعلق بالحج وبالوصايا والأحكام التي وردت في خطبة عرفات؛ لذلك اهتم العلماء بحجة الوداع اهتماما كبيرا واستنبطوا منها الكثير من أحكام المناسك وغيرها مما تحفل به كتب الفقه وكتب شروح الحديث، وخصص بعضهم مؤلفات مستقلة في حجة الوداع(3).
ونشير إلى بعض هذه الأحكام باختصار شديد فمن هذه الأحكام:
__________
(1) البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي رب مبلغ، رقم 105.
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة (2/518).
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/549)، ما ألفه الألباني «حجة النبي» وغيره.

(4/270)


أ- إفطار الحاج يوم عرفة: قالت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: إن الناس شكوا في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه ميمونة بحلاب(1) اللبن، وهو واقف في الموقف، فشرب منه، والناس ينظرون إليه(2).
ب- كيف يفعل بمن توفي محرما؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته، فوقصته -أو قال فأوقصته-(3) فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه(4) ولا تخمروا رأسه(5) فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا»(6).
ج- هل يجوز الحج عن الغير؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع(7).
__________
(1) الإناء الذي يحلب فيه.
(2) البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة، حديث رقم 1989.
(3) فوقصته: قتلته في الحال.
(4) لا تحنطوه: لا تضعوا عليه من الطيب شيئا.
(5) لا تخمروا رأسه: لا تغطوا رأسه.
(6) البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، رقم 1265، ملبيًا: يحشر يوم القيامة على الهيئة التي مات عليها.
(7) البخاري في الحج، باب وجوب الحج وفضله، رقم 1513.

(4/271)


د- منهج التيسير: لا حرج، لا حرج: قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، فطفق ناس يسألونه فيقول القائل: يا رسول الله، إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل الرمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فارم ولا حرج» قال: وطفق آخر يقول: إني لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر، فيقول: «انحر ولا حرج»، قال: فما سمعته يُسأل يومئذ عن أمر، مما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها، إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج»(1).
هذه بعض الأحكام المختصرة، ومن أراد المزيد فليراجع ما كتبه الألباني عن حجة الوداع، فقد لخص الحجة في اثنتين وسبعين مسألة(2)، وكتاب (الوصية النبوية للأمة الإسلامية) للدكتور فاروق حمادة، فقد جمع من المصادر الأدبية والحديثية وكتب أهل
السير ثمانية وثلاثين بندا، ثم قام بتحليلها وتخريجها وتوثيق نصوصها بميزان الجرح
والتعديل الذي اعتمده أئمة المسلمين منذ الصدر الأول، لأن الأمر دين وشرع -كما قال- وقد أجاد وأفاد(3).
6- فوائد في تسمية أيام الحج:
__________
(1) البخاري في العلم باب الفتيا على الدابة رقم 83.
(2) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص683.
(3) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص681.

(4/272)


كان يقال لليوم السابع من ذي الحجة يوم الزينة؛ لأنه يزين فيه البُدن التي تهدى بالجلال وغيرها، واليوم الثامن يقال له: يوم التروية؛ لأنهم كانوا يروون فيه إبلهم من الماء ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده، لأن هذه الأماكن لم يكن فيها يومئذ آبار ولا عيون، أما الآن ففيها الماء الكثير والحمد لله، واليوم التاسع: يوم عرفة للوقوف فيه بها، واليوم العاشر: يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر، واليوم الحادي عشر: يوم القر لأنهم يقرون فيه، ويقال له: يوم الرءوس لأنهم يأكلون فيه رءوس الأضاحي، وهو أول أيام التشريق، وثاني أيام التشريق، يقال له: يوم النفر الأول لجواز الخروج فيه إلى مكة لمن يريد التعجيل، وثالث أيام التشريق يقال له يوم النفر الثاني(1) قال عز شأنه: [البقرة: 203].

المبحث الثامن : مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته
إن الأرواح الشفافة الصافية القوية لتدرك بعض ما يكون مخبوءا وراء حجب الغيب بقدرة الله تعالى، والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات، ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الصفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحل الأرفع الذي لا يسامى ولا يطاول(2).
ولقد جاءت بعض الآيات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء، ولقد فهم صلى الله عليه وسلم من بعض الآيات اقتراب أجله، وقد أشار صلى الله عليه وسلم في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ما هو صريح الدلالة على الوفاة، ومنها ما ليس كذلك، حيث لم
__________
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة، (2/579).
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة، (2/587).

(4/273)


يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء كأبي بكر والعباس ومعاذ رضي
الله عنهم(1).
أولاً: الآيات والأحاديث التي أشارت إلى وفاته صلى الله عليه وسلم:
1- الآيات:
أ- قال تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ )[آل عمران: 144].
قال القرطبي: فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسل بموت أو قتل(2).
ب- قال تعالى: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) [الزمر: 30].
قال ابن كثير: هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق - رضي الله عنه - عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تحقق الناس موته(3).
ج- قال تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) [الأنبياء: 34] ثم أعقب ذلك ببيان أن الموت حتم لازم وقدر سابق، فقال عز وجل: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) [الأنبياء: 35] فهذه الآيات صريحة ونصت على وفاته صلى الله عليه وسلم، وهناك بعض الآيات أشارت إلى ذلك وإن لم تصرح، منها:
د- قال تعالى: ( وَلَلآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى - وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) [الضحى: 4- 5].
هـ- قال تعالى: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ) [الرحمن: 26-27].
__________
(1) انظر: مرض النبي ووفاته، خالد أبو صالح، ص33.
(2) انظر: تفسير القرطبي، (4/222).
(3) انظر: تفسير ابن كثير (4/53)

(4/274)


و- قال تعالى: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [القصص: 88].
فهذه الآيات تبين أن جميع أهل الأرض ستمضي فيهم سنة الله في موت خلقه لن يتخلف منهم أحدًا أبدًا.
ز- قال تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) [المائدة: 3].
وقد بكى عمر بن الخطاب حين نزلت الآية، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان. وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم(1).
قال تعالى: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) [النصر: 1: 3].
فقد سأل عمر - رضي الله عنه - ابن عباس عن هذه الآية: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ).
فقال: أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم(2)، وفي رواية الطبراني قال ابن عباس: نعيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين نزلت فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة(3).
2- أما الأحاديث التي أشارت إلى ذلك فهي:
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (5/189).
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4430.
(3) مجمع الزوائد (9/26) رواه الطبراني في الكبير والأوسط وأحد أسانيده رجاله ثقات.

(4/275)


أ- قالت -عائشة رضي الله عنها-: اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده، لم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ مشيتها مشية أبيها، فقال: «مرحبا يا بنيتي» فأقعدها يمينه أو شماله، ثم سارَّها فبكت، ثم سارَّها فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله بالسرار وأنت تبكين؟ فلما أن قامت قلت لها أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي قلت لها: أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتني، قالت: أما الآن فنعم، قالت: سارني في الأول قال لي: «إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة، وقد عارضني في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك»، فبكيت، ثم سارني فقال: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟» فضحكت(1).
وفي هذا الحديث دليل قاطع وإشارة واضحة إلى اقتراب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ساعة الفراق قد باتت قريبة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختص ابنته فاطمة -رضي الله عنها- بعلم ذلك، ولم يعلم به المسلمون إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم(2).
ب- قال جابر - رضي الله عنه -: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»(3).
قال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع(4).
__________
(1) البخاري، كتاب الاستئذان رقم 6285، 6286.
(2) انظر: مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ووفاته، ص35.
(3) مسلم، كتاب الحج، رقم 1297.

(4/276)


وقال ابن رجب: وما زال صلى الله عليه وسلم يعرض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس: «خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» فطفق يودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع(1).
ج- قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: «إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ذلك العبد ما عند الله» قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا(2).
قال الحافظ ابن حجر: وكأن أبا بكر - رضي الله عنه - فهم الرمز الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه؛ فلذلك بكى(3).
د- قال العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -: رأيت في المنام كأن الأرض تنزع إلى السماء(4) بأشطان(5) شداد، فقصصت ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ذاك وفاة ابن أخيك»(6)، وفي هذا الحديث إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقرب وفاته، وفيه صدق رؤيا المؤمن، واستشعار بعض الصحابة وفاته عليه الصلاة والسلام(7).
__________
(1) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (9/45).
(2) انظر: لطائف المعارف، ص105. (6) البخاري، كتاب فضائل الصحابة، رقم 3654.
(3) فتح الباري (7/16).
(4) تنزع إلى السماء: أي تجذب، وأصل النزع: الجذب والقلع.
(5) بأشطان شداد: الأشطان جمع شطن وهو الحبل.
(6) البزار (1/397)، كشف الأستار رقم 844، مجمع الزوائد (9/24) رجاله ثقات.
(7) انظر: مرض النبي ووفاته، ص37.

(4/277)


هـ- وعن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن خرج راكبا والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فقال: «يا معاذ، عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، فتمر بقبري ومسجدي» فبكى معاذ لفراقه صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا تبك يا معاذ؛ فإن البكاء من الشيطان»(1) وفي الحديث إخبار النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل باقتراب أجله، وأنه يمكن ألا يلقاه بعد عامه هذا، وفيه شدة محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وبكاؤهم إذا ذكروا فراقه(2).
ثانيًا: مرض الرسول صلى الله عليه وسلم:
1- بدء الشكوى:
رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرًا، من العام العاشر، فبدأ بتجهيز جيش أسامة، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه نحو البلقان وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان منهم أبو بكر وعمر، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار، فلم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم طعنهم في إمارة أسامة(3)، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليَّ وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده»(4) وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم شكواه الذي قبضه الله فيه، وقد حدثت حوادث ما بين مرضه ووفاته منها:
أ- النبي في البقيع وزيارته قتلى أحد وصلاته عليهم:
__________
(1) مجمع الزوائد (9/22) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 2497.
(2) انظر: مرض النبي ووفاته، ص38.
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/552).
(4) البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي (4/213).

(4/278)


عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع، فانطلق معي»، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى»(1) ثم أقبل عليَّ فقال: «يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة» قال: فقلت: بأبي أنت وأمي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: «لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة»، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي قبضه الله فيه(2).
ومن حديث عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه - قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها» فقال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(3).
ب- استئذانه صلى الله عليه وسلم أن يمرَّض في بيت عائشة وشدة المرض الذي نزل به:
__________
(1) أي الفتن الآخرة.
(2) الحاكم في المستدرك (3/55، 56)، صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي.
(3) البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، رقم 1344.

(4/279)


قالت عائشة رضي الله عنها: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد وجعه، استأذن أزواجه في أن يمرَّض في بيتي، فأذن له، فخرج وهو بين رجلين، تخط رجلاه في الأرض، بين عباس ورجل آخر(1)، ولما دخل بيتي اشتد وجعه، قال: «أهريقوا عليَّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن(2)، لعلي أعهد إلى الناس» فأجلسناه في مخضب(3) لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم(4) وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم(5)، وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها»(6).
ثالثًا: من وصايا رسول الله في أيامه الأخيرة:
1- وصيته صلى الله عليه وسلم بالأنصار:
__________
(1) قال ابن عباس: الرجل الآخر هو علي بن أبي طالب.
(2) جمع الوكاء، وهو ما يشد به رأس القربة.
(3) مخضب: بكسر الميم وهي الإجانة التي تغسل فيها الثياب.
(4) البخاري، كتاب الوضوء، رقم 198.
(5) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص695.
(6) البخاري، كتاب المرض، باب شدة المرض، رقم 5647.

(4/280)


مر العباس - رضي الله عنه - بقوم من الأنصار يبكون حين اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فقال لهم: (ما يبكيكم؟) قالوا: ذكرنا مجلسنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل العباس عليه صلى الله عليه وسلم فأخبره فعُصِّب بعصابة دسماء(1) أو قال: بحاشية برد، وخرج وصعد المنبر -ولم يصعد بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي(2) وعيبتي(3)، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم»(4)، وفي الحديث شدة محبة الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكاؤهم لمرضه وحرمانهم من مجلسه(5).
2- إخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد:
لقد ازدادت شدة المرض على رسول الله، بحيث كان يغمى عليه في اليوم الواحد مرات عديدة، ومع ذلك كله أحب صلى الله عليه وسلم أن يفارق الدنيا وهو مطمئن على أمته أن تضل من بعده، فأراد أن يكتب لهم كتابا مفصلا ليجتمعوا عليه ولا يتنازعوا، فلما اختلفوا عنده صلى الله عليه وسلم عدل عن كتابة ذلك الكتاب وأوصاهم بأمور ثلاثة، ذكر الراوي منها اثنين:
* «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».
* «وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به» (6).
3- النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا:
كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب»(7).
4- إحسان الظن بالله:
__________
(1) بعصابة دسماء: أي سوداء.
(2) كرشي وعيبتي: أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته، والذين يعتمد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك.
(3) العيبة: ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده.
(4) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم 3799.
(5) انظر: مرض النبي ووفاته، ص65.
(6) البخاري، كتاب الجهاد والسير رقم 3035.
(7) انظر: صحيح السيرة النبوية ص 712، البخاري، كتاب الصلاة رقم 435.

(4/281)


قال جابر - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: «أحسنوا الظن بالله عز وجل»(1).
5- الوصية بالصلاة وما ملكت أيمانكم:
قال أنس - رضي الله عنه -: كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل يغرغر بها في صدره، ولا يفيض بها لسانه(2).
6- لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا:
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: «اللهم بلغت» ثلاث مرات، «أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، يراها العبد الصالح أو ترى له، ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا الله، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن(3) أن يستجاب لكم»(4).
رابعًا: أبو بكر يصلي بالمسلمين:
__________
(1) مسلم، كتاب الوصية، رقم 1637.
(2) سنن ابن ماجه، كتاب الوصايا (2/900، 901) رقم 2697.
(3) قمن: أي جدير وحقيق.
(4) مسلم (1/348) كتاب الصلاة رقم 207.

(4/282)


ولما اشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم وحضرت الصلاة فأذن بلال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل» فقيل: إن أبا بكر رجل أسيف(1) إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: «إنكن صواحب يوسف(2)، مروا أبا بكر فليصل بالناس» فخرج أبو بكر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة، فخرج يهادى بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم -أن مكانك- ثم أتى به حتى جلس إلى جنبه، قيل للأعمش: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم(3).
خامسًا: الساعات الأخيرة من حياة المصطفى:
__________
(1) أسيف: من الأسف وهو شدة الحزن والمراد أنه رقيق القلب.
(2) والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن.
(3) البخاري، كتاب الأذان رقم 712.

(4/283)


1- كان أبو بكر يصلي بالمسلمين حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة، ينظر إلى المسلمين، وهم وقوف أمام ربهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داعٍ قبله، واطمأن أن صلة هذه الأمة بهذا الدين وعبادة الله تعالى صلة دائمة، لا تقطعها وفاة نبيها، فملئ من السرور ما الله به عليم، واستنار وجهه وهو منير(1) يقول الصحابة رضي الله عنهم: كشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر حجرة عائشة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننا أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، ودخل الحجرة، وأرخى الستر(2) وانصرف بعض الصحابة إلى أعمالهم، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا
يوم بنت خارجة، إحدى زوجتيه، وكانت تسكن بالسنح(3) فركب على فرسه وذهب
إلى منزله(4).
2- في الرفيق الأعلى:
__________
(1) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص401.
(2) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4448.
(3) السنح: موضع خارج المدينة كان للصديق مال فيه وبيت.
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/593).

(4/284)


واشتدت سكرات الموت بالنبي صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه أسامة بن زيد وقد صمت فلا يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، فعرف أنه يدعو له، وأخذت السيدة عائشة رسول الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها ونحرها(1)، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فقالت عائشة: آخذه لك؟ فأشار برأسه: نعم، فأخذته من أخيها ثم مضغته ولينته وناولته إياه فاستاك به كأحسن ما يكون الاستياك، وكل ذلك وهو لا ينفك عن قوله: «في الرفيق الأعلى»(2) وكان صلى الله عليه وسلم يدخل يده في ركوة ماء أو علبة فيها ماء، فيمسح بها وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى».. حتى قبض ومالت يده(3)، وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت»(4).
وفي رواية: أن عائشة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند ظهره يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى»(5).
وقد ورد أن فاطمة رضي الله عنها قالت: واكرب أباه! فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»، فلما مات قالت: يا أبتاه.. أجاب ربا دعاه، يا أبتاه.. جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه.. إلى جبريل ننعاه، فلما دفن صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة لأنس: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب؟!(6).
3- كيف فارق رسول الله الدنيا؟
__________
(1) السحر: الرئة. النحر: الثغرة التي في أسفل العنق.
(2) البخاري، كتاب المغازي رقم 4437. (7) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4449.
(3) الترمذي، كتاب الجنائز رقم 978.
(5) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4440.(2) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4462.

(4/285)


فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، وما ترك عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة(1).
وتوفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير(2).
وكان ذلك يوم الإثنين 12من ربيع الأول سنة 11 للهجرة بعد الزوال(3) وله صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة(4)، وكان أشد الأيام سوادًا ووحشة ومصابًا على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولادته أسعد يوم طلعت فيه الشمس(5).
يقول أنس - رضي الله عنه -: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء(6) وبكت أم أيمن فقيل لها: ما يبكيك على النبي؟ قالت: إني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيموت، ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا(7).
4- هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:
قال ابن رجب: ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب المسلمون، فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية(8).
قال القرطبي مبينا عظم هذه المصيبة وما ترتب عليها من أمور:
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي، رقم 4461. (4) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص403.
(3) انظر: البداية والنهاية (4/223). (6) مسلم، كتاب الفضائل (4/1825).
(5) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص404. (8) الترمذي (5/549) رقم 3618.
(7) مسلم (4/1907). (10) انظر: لطائف المعارف، ص114.

(4/286)


من أعظم المصائب المصيبة في الدين.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي، فإنها أعظم المصائب»(1) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه(2).
لقد أذهل نبأ الوفاة عمر - رضي الله عنه - فصار يتوعد وينذر من يزعم أن النبي مات، ويقول: ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم، والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات(3).
ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشي بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي! والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متَّها(4)، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم، فقال: اجلس يا عمر، وهو ماضٍ في كلامه، وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه فقال:
أما بعد: فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) [آل عمران: 144].
__________
(1) انظر: السلسلة الصحيحة للألباني، رقم 1106.
(2) انظر: تفسير القرطبي (2/176).
(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (2/594).
(4) البخاري،كتاب المغازي، رقم 4452.

(4/287)


قال عمر: فوالله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات(1).
قال القرطبي: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجراءة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم، فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر، فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح(2).
فرحم الله الصديق الأكبر، كم من مصيبة درأها عن الأمة! وكم من فتنة كان المخرج على يديه! وكم من مشكلة ومعضلة كشفها بشهب الأدلة من القرآن والسنة، التي خفيت على مثل عمر - رضي الله عنه -! فاعرفوا للصديق حقه، واقدروا له قدره، وأحبوا حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحبه إيمان وبغضه نفاق(3).
5- بيعة أبي بكر بالخلافة:
وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة، في سقيفة بني ساعدة، حتى لا يجد الشيطان سبيلاً إلى تفريق كلمتهم، وتمزيق شملهم، ولا تلعب الأهواء بقلوبهم، وليفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا وكلمة المسلمين واحدة، وشملهم منتظم، وعليهم أمير يتولى أمورهم، ومنها تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه(4) والحديث عن بيعة أبي بكر سنتكلم عنه بالتفصيل عند الدخول في عصر الخلفاء الراشدين، إن شاء الله تعالى.
6- غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفنه والصلاة عليه:
__________
(1) البخاري،كتاب المغازي، رقم 4454.
(2) انظر: تفسير القرطبي (4/222).
(3) انظر: مرض النبي ووفاته، ص24.
(4) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص406.

(4/288)


قالت عائشة رضي الله عنها: لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، فكلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، أن اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم، قالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه(1).
وكفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سحولية، من ثياب سحول -بلدة باليمن- ليس فيها قميص ولا عمامة(2) وقد صلى عليه المسلمون. قال ابن عباس: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالا، حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه، ثم أدخل العبيد فصلوا عليه أرسالا، لم يؤمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد(3).
قال ابن كثير: وهذا الصنيع -وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد- أمر مجمع عليه لا خلاف فيه(4).
7- موقع دفنه وصفة قبره ومن باشر دفنه؟ ومتى دفن؟
__________
(1) المستدرك للحاكم (3/59، 60) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان.
(2) انظر: مختصر سيرة الرسول، ص37، تهذيب الأسماء للنووي، ص23، مسلم (2/650) كتاب الجنائز
رقم 45
(3) انظر: دلائل النبوة، (7/250) وسنن ابن ماجة رقم 1628، والحديث فيه ضعف.
(4) انظر: البداية والنهاية (5/232).

(4/289)


اختلف المسلمون في موقع دفنه فقال بعضهم: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، وقال قائل: في مصلاه(1)، فجاء أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فحسم مادة هذا الخلاف أيضا بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة وابن عباس: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وغسل اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: ما نسيت ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه»، ادفنوه في موضع فراشه(2). وهذا الحديث وإن كان مختلفًا في صحته إلا أن دفن النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه الذي توفي فيه أمر مجمع عليه(3).
وقال ابن كثير: قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها، شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن فيها أبو بكر، ثم عمر، رضي الله عنهما(4).
وقد لحد(5) قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع العلماء على أن اللحد والشق(6) جائزان، لكن إذا كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل(7).
__________
(1) الموطأ رقم 545، ابن سعد (2/293).
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص727.
(3) انظر: مرض النبي ووفاته، ص160. (5) انظر: البداية والنهاية (5/238).
(4) اللحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لموضع الميت.
(6) والشق: أي يحفر في وسط الأرض. (8) انظر: المجموع للنووي (5/287).
(7) انظر: أحكام الجنائز، ص144.

(4/290)


وقد قال الألباني -رحمه الله-: ويجوز في القبر اللحد والشق لجريان العمل عليهما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الأول أفضل(1) لأن الله تعالى لا يختار لنبيه إلا الأفضل(2)، وأما صفة قبره فقد كان مسنمًا(3) أي مرتفعًا، وذهب جمهور العلماء إلى أن المستحب في بناء القبور هو التسنيم وأنه أفضل من التسطيح(4)، وفي المسألة خلاف طويل ليس هذا محله، وقد قرب ابن القيم رحمه الله بين المذهبين فقال: وكانت قبور أصحابه لا مشرفة، ولا لائطة، وهكذا كان قبره الكريم، وقبرا صاحبيه، فقبره صلى الله عليه وسلم مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، لا مبني ولا مطين، وهكذا قبرا صاحبيه(5) وقد كان قبره صلى الله عليه وسلم مرتفعا قليلا عن سطح الأرض(6).
وأما الذين باشروا دفنه صلى الله عليه وسلم فقال ابن إسحاق: وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم(7)، وزاد النووي(8) والمقدسي(9): العباس، قال النووي: ويقال كان أسامة بن زيد وأوس بن خولي(10) معهم. ودفن في اللحد، وبنى عليه صلى الله عليه وسلم في لحده اللبن، يقال إنها تسع لبنات، ثم أهالوا التراب(11).
__________
(2) انظر: مرض النبي ووفاته، ص160 وقد استفدت من هذا الكتاب فائدة كبرى في مبحث مرض ووفاة الرسول
(3) البخاري، كتاب الجنائز رقم 1390. (12) انظر: مرض النبي ووفاته، ص164.
(5) انظر: زاد المعاد (1/524). (2) انظر: تهذيب السنن لابن القيم (4/338).
(6) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/321).
(8) انظر: تهذيب الأسماء، ص23.
(9) انظر: مختصر السيرة، ص35.
(10) انظر: مرض النبي ووفاته، ص173.
(11) انظر: تهذيب الأسماء للنووي، ص23.

(4/291)


وأما وقت دفنه فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه دفن ليلة الأربعاء، قال ابن كثير: والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه عليه السلام توفي يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء(1).
لقد كان لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر على الصحابة الكرام، فقد قال أنس - رضي الله عنه -: وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي -إنا لفي دفنه- حتى أنكرنا قلوبنا(2).
سادسًا: بعض ما قيل من المراثي في وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم:
1- ما قاله حسان - رضي الله عنه - في موت رسول الله:
لقد نافح حسان بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، ودافع عن الإسلام والمسلمين بقصائده الرائعة التي هزت عرب الجزيرة وفعلت فيهم الأفاعيل، ولقد تأثر بموت حبيبنا صلى الله عليه وسلم فرثاه بقصائد مبكية حزينة، حفظها لنا التاريخ، ولم تهملها الليالي، ولم تفصلها عنا حواجز الزمن، ولا أسوار القرون، فمما قاله يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كحلت مآقيها(3) بكحل الأرمد(4) ... ما بال عينك لا تنام كأنها
يا خير من وطئ الحصى لا تبعد ... جزعا على المهدي أصبح ثاويًا
غيبت قبلك في بقيع الغرقد(5) ... وجهي يقيك الترب لهفي ليتني
في يوم الاثنين النبي المهتدى ... بأبي وأمي من شهدت وفاته
متلددا(6) يا ليتني لم أولد ... فظللت بعد وفاته متبلدا
يا ليتني صبحت(7) سم الأسود(8) ... أأقيم بعدك بالمدينة بينهم؟!
في روحة من يومنا أو في غد ... أو حلَّ أمر الله فينا عاجلاً
__________
(1) انظر: البداية والنهاية (5/237) صحيح السيرة النبوية، ص728.
(2) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص729.
(3) المآقي: جمع مأق ومؤق وهي مجاري الدمع من العين
(4) الأرمد: الذي يشتكي وجع العين
(5) بقيع الغرقد: المكان الذي يدفن فيه أهل المدينة موتاهم.
(6) متلدد: متحير. (3) صبحت: سقيت صبحا.
(8) الأسود: ضرب من الحيات. (5) الضرائب: الطبائع.

(4/292)


محضا ضرائبه(1) كريم المحتد(2) ... فتقوم ساعتنا فنلقى طيبا
ولدته محصنة بسعد الأسعد ... يا بكر آمنة المبارك بكرها
من يهد للنور المبارك يهتدي ... نورًا أضاء على البرية كلها
في جنة تثنى عيون الحسد(3) ... يا رب فاجمعنا معا ونبينا
يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد ... في جنة الفردوس فاكتبها لنا
إلا بكيت على النبي محمد ... والله أسمع ما بقيت بهالك
بعد المغيَّب في سواء الملحد(4) ... يا ويح أنصار النبي ورهطه!
سودًا وجوههم كلون الإثمد(5) ... ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا
وفضول نعمته بنا لم تجحد ... ولقد ولدناه(6) وفينا قبره
أنصاره في كل ساعة مشهد ... والله أكرمنا به وهدى به
والطيبون على المبارك أحمدِ(7) ... صلى الإله ومن يحف بعرشه
وقال أيضا:
مثل الرسول نبي الأمة الهادي ... تالله ما حملت أنثى ولا وضعت
أوفى بذمة جار أو بميعاد ... ولا يرى الله خلقا من بريته
مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد ... من الذي كان فينا يستضاء به
إلى أن قال:
أصبحت منه كمثل المفرد الصادي(8) ... يا أفضل الناس إني كنت في نهر
2- ومما قاله أبو بكر الصديق يبكي النبي صلى الله عليه وسلم:
ضاقت عليَّ بعرضهن الدور ... لما رأيت نبينا متجندلاً
والعظم مني -ما حييت- كسير ... فارتاع قلبي عند ذاك لموته
والصبر عندك -ما بقيت- يسير ... أعتيق ويحك!! إن خلك قد ثوى
غُيبت في لحد عليه صخور ... يا ليتني من قبل مهلك صاحبي
تعيا لهن جوانح وصدور(9)
__________
(1) المحتد: الأصل. (7) تثني عيون الحسد: تصرفها وتدفعها.
(3) سواء الملحد: وسطهم.(9) الإثمد: كحل أسود.
(5) 10) أي بني النجار أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل آبائه.
(6) 11) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/328).
(8) الصادي: العاطش، السيرة النبوية لابن هشام (4/329).
(9) انظر: المستطرف للأبشيهي، ص366، ديوان أبي بكر الصديق، طبع حديثا حققه وشرحه راجي الأسمر، ص32، 33.

(4/293)


... فلتحدثن بدائع من بعده
3- وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وليل أخي المصيبة فيه طول ... أرقت فبات ليلي لا يزول
أصيب المسلمون به قليل ... وأسعدني البكاء وذاك فيما
عشية قيل: قد قبض الرسول ... لقد عظمت مصيبتنا وجلَّت
تكاد بنا جوانبها تميل ... وأضحت أرضنا مما عراها
يروح به ويغدو جبرائيل ... فقدنا الوحي والتنزيل فينا
نفوس الناس أو كادت تسيل ... وذاك أحق ما سالت عليه
بما يوحى إليه وما يقول ... نبي كان يجلو الشك عنا
علينا والرسول لنا دليل ... ويهدينا فلا نخشى ملاما
وإن لم تجزعي فهو السبيل ... أفاطم، إن جزعت فذاك عذر
وفيه سيد الناس الرسول(1) ... فقبر أبيك سيد كل قبر
4- وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وكنت بنا برًا ولم تك جافيا ... ألا يا رسول الله كنت رجاءنا
ليبك عليك اليوم من كان باكيا ... وكنت رحيمًا هاديًا ومعلمًا
ولكن لما أخشى من الهرج(2) آتيا ... لعمرك ما أبكي النبيَّ لفقده
وما خفت من بعد النبي المكاويا ... كأن على قلبي لذكر محمد
على جدث أمسى بيثرب ثاويا ... أفاطم، صلى الله رب محمد
وعمي وآبائي ونفسي وماليا ... فدى لرسول الله أمي وخالتي
ومت صليب العود أبلجَ صافيا ... صدقتَ وبلغت الرسالة صادقا
سعدنا، ولكن أمره كان صافيا ... فلو أن رب الناس أبقى نبينا
وأدخلت جنات من العدن راضيا(3) ... عليك من الله السلام تحية
__________
(1) انظر: الاكتفاء للكلاعي (2/456).
(2) الهرج والفتن.
(3) انظر: تفسير القرطبي (4/220،219).

(4/294)


الخاتمة
وبعد، فهذا ما يسره الله لي من جمع وترتيب وتحليل تضمنتها فصول هذا الكتاب،
فيما يتعلق «بالسيرة النبوية .. عرض وقائع وتحليل أحداث» فما كان فيه من صواب
فهو محض فضل الله علي فله الحمد والمنة، وما كان فيه من خطأ فاستغفر الله تعالى وأتوب إليه، والله ورسوله بريء منه، وحسبي أني كنت حريصًا أن لا أقع في الخطأ وعسى أن لا أحرم من الأجر.
وأدعو الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المسلمين، وأن يذكرني من يقرؤه في دعائه، فإن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة إن شاء الله تعالى، وأختم هذا الكتاب بقول الله تعالى: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [الحشر: 10].
ويقول الشاعر:
ومنك الجود والفضل الجزيل ... إلهي أنت للإحسان أهل
وحالي لا يسرُّ به خليل ... إلهي بات قلبي في هموم
من الأوزار مدمعه يسيل ... إلهي تب وجد وارحم عُبيدًا
ذنوب حملها أبدًا ثقيل ... إلهي ثوب جسمي دنستْه
على الأبواب منكسر ذليل ... إلهي جد بعفوك لي فإني
وجاء الشيب واقترب الرحيل ... إلهي خانني جلدي وصبري
به يُشفي فؤادي والغليل ... إلهي داوني بدواء عفو
ومن فعل القبيح أنا القتيل ... إلهي ذاب قلبي من ذنوبي
فهاك العبد يدعو يا وكيل ... إلهي قلت ادعوني أجبكم
بأعمار لنا وبها تزول ... إلهي هذه الأوقات تمضي
ويقول الشاعر:
أبعد الخير على أهل الكسل ... اطلب العلم ولا تكسل فما
تشتغل عنه بمال وحَوَل ... احتفل للفقه في الدين ولا
يعرف المطلوب يحقر ما بذل ... واهجر النوم وحصله فمن
كل من سار على الدرب وصل ... لا تقل قد ذهبت أربابه
سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

(4/295)


المصادر والمراجع
(أ)
آثار الحرب في الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دراسة مقارنة، دار الفكر، 1981م.
آثار تطبيق الشريعة، د. محمد عبد الله الزاحم، دار المنار، الطبعة الأولى، 1412هـ - 1991م.
آفات على الطريق، محمد سيد نوح، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1990م.
أسد الغابة في معرفة الصحابة، علي بن أبي الكرم ابن الأثير.
الأم، محمد إدريس الشافعي، طبعة الفكر، بيروت، لبنان ، سنة 1410هـ - 1990م.
الإتقان في علوم القرآن، عبد الرحمن السيوطي، المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان.
الإدارة الإسلامية في عصر عمر بن الخطاب، د. فاروق مجدلاوي، دار مجدلاوي، عمان.
الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن حجر العسقلاني، تحقيق علي محمد البجاوي، دار النهضة مصر.
الاعتصام للإمام الشاطبي، دار الفكر، الناشر مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
الإعلام في صدر الإسلام، د. عبد اللطيف حمزة، دار الفكر.
إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع، للشيخ أحمد المقريزي، صححه وشرحه محمود محمد شاكر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة بالقاهرة 1941م.
الأحاديث الواردة في فضائل المدينة، صالح الرفاعي، دار الخضيري، المدينة، 1418هـ.
أحكام الجنائز وبدعها للألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.
أحكام السوق في الإسلام، أحمد الدريويش، دار عالم الكتب، 1409هـ- 1989م.
أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي تحقيق: محمد عبد القادر عطاء، دار الكتب العلمية بيروت ، ط1/1408هـ.
الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن الميداني، دار القلم، دمشق.
الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، محمود محمد الجوهري.
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني -إشراف زهير الشاويش.
الأساس في السنة وفقهها، السيرة النبوية، سعيد حوى، دار السلام بمصر، 1989م.
الأساس في السنة، سعيد حوى، دار السلام، مصر.
أساليب التشويق والتعزيز في القرآن الكريم، د. الحسين جرنو محمود جلو، مؤسسة الرسالة، دار العلوم الإنسانية، الطبعة الأولى 1414هـ- 1994م.
أسباب النزول، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 1402هـ- 1982م.

(4/296)


أسباب هلاك الأمم السالفة، سعيد محمد بابا سيلا، سلسلة الحكمة البريطانية، 2000م.
الاستخبارات العسكرية في الإسلام، عبد الله علي السلامة مناصرة، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1412هـ - 1991م.
الإسلام في خندق، مصطفى محمود، دار أخبار اليوم القاهرة، مصر،1994م.
أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، التجاني عبد القادر حامد، الطبعة الأولى، عمان، الأردن، دار البشير 1416هـ - 1995م.
أضواء على الهجرة، توفيق محمد سبع، مطبعة الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 1973م.
أعلام النبوة للماوردي، الكليات الأزهرية.
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية بيروت.
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول والثلاثة الخلفاء، تأليف أبي الربيع سليمان ابن موسى الكلاعي الأندلسي، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1417هـ - 1997م.
الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلام، مؤسسة ناصر الثقافية، بيروت.
الانحرافات العقدية والعلمية، علي بن نجيب الزهراني، دار طيبة، 1418هـ
أنساب الأشراف للبلاذري، تحقيق محمد حميد الله، دار المعارف - مصر.
الأنساب، أبو سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني، تحقيق عبد الرحمن المعلمي اليماني، نشر مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند 1382هـ-1962م.
أهمية الجهاد في نشر الدعوة، د. علي العلياني، دار طيبة، الطبعة الأولى، 1405هـ
الإيمان والحياة، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة العاشرة، 1984م.
(ب)
البحر الرائق في الزهد والرقائق، أحمد فريد، دار البخاري، القصيم بالسعودية.
بدائع السالك في طبائع الملك، أبو عبد الله بن الأزرق، تحقيق وتعليق علي سامي النشار، منشورات وزارة الإعلام، الجمهورية العراقية.
البداية والنهاية، أبو الفداء ابن كثير الدمشقي. دار الريان للتراث.

(4/297)


بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، محمود شكري الآلوسي، تحقيق محمد بهجة الأثري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية.
بناء المجتمع الإسلامي في عصر النبوة، محمد توفيق رمضان، دار ابن كثير، دمشق.
بهجة المحافل وبغية الأماثل في تلخيص المعجزات والسير والشمائل، شرح جمال الدين محمد الأشخر اليمني، دار صادر – بيروت.
(ت)
تأملات في سورة الكهف للشيخ أبي الحسن الندوي، دار القلم.
تأملات في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، د. محمد السيد الوكيل، دار المجتمع، 1408هـ.
تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي)، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي.
التاريخ الإسلامي مواقف وعبر، د. عبد العزيز الحميدي، دار الدعوة، الإسكندرية.
التاريخ السياسي والحضاري، د. السيد عبد العزيز سالم.
التاريخ السياسي والعسكري لدولة المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، استراتيجية الرسول السياسية والعسكرية، د. علي معطي، مؤسسة المعارف بيروت.
تاريخ الطبري، لأبي جعفر بن جرير، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار سويدان، بيروت.
تاريخ اليهود في بلاد العرب، ولفنسون، طبعة القاهرة 1927م.
تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق أكرم ضياء العمري، مطبعة الآداب، النجف، 1967م.
تاريخ دولة الإسلام الأولى، فايد حماد عاشور، سليمان أبو عزب، دار قطري بن الفجاءة، الدوحة، الطبعة الأولى، 1409هـ- 1989م.
تاريخ صدر الإسلام، عبد الرحمن عبد الولي شجاع، دار الفكر المعاصر، صنعاء.
التحالف السياسي في الإسلام، منير محمد الغضبان، دار السلام، الطبعة الثانية 1988م.
التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، دار الكتب الشرقية تونس.
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبد الرحمن المباركفوري، مطبعة الاعتماد، نشر محمد عبد المحسن الكتبي، تصحيح عبد الرحمن محمد عثمان.
تحفة الأشراف، أبو الحجاج يوسف المزي، الدار القيمة 1384هـ.

(4/298)


التربية القيادية، منير الغضبان، دار الوفاء المنصورة، الطبعة الأولى، 1418هـ - 1998م.
تفسير ابن أبي حاتم (تفسير القرآن العظيم)، ابن أبي حاتم –تحقيق أسعد الطيب- مكتبة نزار مصطفى الباز- السعودية – ط2/ 1419هـ- 1999م.
تفسير أبي السعود، المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لقاضي القضاة أبي السعود محمد العمادي الحنفي، تحقيق عبد القادر أحمد عطا، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، مطبعة السعادة، القاهرة.
تفسير ابن كثير، ابن كثير القرشي، دار الفكر ودار القلم، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية.
تفسير الآلوسي، المسمى روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي (محمود الآلوسي البغدادي) إدارة الطباعة المصطفائية بالهند.
تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل، الإمام الفراء البغوي الشافعي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
تفسير البيضاوي المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تأليف الإمام ناصر الدين أبو الخير عبد الله الشيرازي البيضاوي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1402هـ - 1982م.
تفسير الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة.
تفسير الزمخشري المسمى بالكشاف، دار المعرفة 1967م.
تفسير السعدي المسمى تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن ناصر السعدي، المؤسسة السعدية بالرياض، 1977م.
تفسير القرطبي، لأبي عبد الله القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1965م.
تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي، طبع دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1394هـ.
تفسير المنار، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
التفسير المنير، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى 1411هـ- 1991م.
تفسير النسفي المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل، تأليف الإمام عبد الله أحمد بن محمد النسفي، المتوفى سنة 710هـ، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت.

(4/299)


تفسير ابن عطية المسمى المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق ابن عطية الأندلسي، من مطبوعات رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، الطبعة الأولى، 1412هـ - 1991م.
تفسير سورة فصلت، د. محمد صالح علي مصطفى، دار النفائس، الطبعة الأولى، 1409هـ -1989م.
تلقيح فهوم أهل الأثر، لابن الجوزي، مكتبة الآداب، القاهرة، دون ذكر الطبعة.
التمكين للأمة الإسلامية في ضوء القرآن الكريم، محمد السيد حمد يوسف، دار السلام، مصر، الطبعة الأولى 1418هـ - 1997م.
تنظيمات الرسول الإدارية في المدينة، صالح أحمد العلي، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد السابع عشر، بغداد 1969م.
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، جلال الدين السيوطي، دار إحياء الكتب.
تهذيب مدارج السالكين لابن القيم، هذبه عبد المنعم صالح العلي العزي مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1409هـ - 1989م.
(ج)
جامع الأصول، لابن الأثير المتوفى سنة 606هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، طبع مكتبة الحلواني سوريا، عام 1392هـ.
جامع العلوم والحكم، للإمام ابن رجب الحنبلي، دار الفكر، بيروت.
الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع للخطيب البغدادي، مكتبة المعارف بالرياض، 1403هـ- 1983م.
الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، محمد خير هيكل، دار البيارق، عمان، بيروت الطبعة الأولى 1414هـ- 1993م.
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، مطابع المجد.
جوامع السيرة لابن حزم، المتوفى 456هـ، تحقيق الدكتور إحسان عباس والدكتور ناصر الدين الأسد، طبع دار إحياء السنة باكستان 1368هـ.
جيل النصر المنشود، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر، الطبعة السادسة، 1405هـ - 1985م.
(ح)
حاشية ابن عابدين، مطابع مصطفى البابي وأولاده.
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار، لابن الدَّيْبَع الشيباني، تحقيق عبد الله إبراهيم الأنصاري.

(4/300)


حديث القرآن عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، د. محمد بكر آل عابد، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى.
الحرب النفسية ضد الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، د. عبد الوهاب كحيل، عالم الكتب بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.
الحركة السنوسية في ليبيا، علي محمد الصلابي، دار البيارق، عمان طبعة أولى 1999م.
حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، د. محمد بن خليفة التميمي، دار أضواء السلف، الطبعة الأولى، 1418هـ - 1997م.
الحكم والتحاكم في خطاب الوحي، عبد العزيز مصطفى كامل، دار طيبة، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1995م.
الحكومة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي، ترجمة أحمد إدريس، المختار الإسلامي للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1397هـ - 1977م.
حلية الأولياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، مطبعة السعادة، مصر، 1351هـ.
حوار الرسول مع اليهود، د. محسن الناظر، الطبعة الثانية، 1412هـ- 1992م، دار الوفاء.
(خ)
خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، للشيخ محمد أبي زهرة، دار الفكر بيروت الطبعة الأولى 1972م.
الخصائص العامة للإسلام، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر، الطبعة الرابعة 1409هـ - 1989م.
الخصائص الكبرى، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية بيروت.
(د)
دائرة المعارف الكاثوليكية، مقال التثليث.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، الإمام السيوطي، الناشر محمد أمين دمج، بيروت، لبنان.
دراسات في السيرة النبوية، د. عماد الدين خليل، دار النفائس، بيروت الطبعة الحادية عشرة 1409هـ - 1989م.
دراسات في عهد النبوة، د. عبد الرحمن الشجاع، دار الفكر المعاصر، صنعاء، اليمن، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1999م.
دراسات قرآنية، محمد قطب، دار الشروق، الطبعة الخامسة 1408هـ- 1988م.
دراسة تحليلية لشخصية الرسول، د. محمد قلعجي، دار النفائس الطبعة الأولى، سنة 1408هـ -1988م.

(4/301)


الدرر في اختصار المغازي والسير، يوسف بن عبد البر، وزارة الأوقاف بمصر، لجنة إحياء التراث، القاهرة 1412هـ- 1994م.
دروس في الكتمان، محمود شيت خطاب، مكتبة النهضة، بغداد، الطبعة العاشرة، 1988م.
دستور للأمة من القرآن والسنة، د. عبد الناصر العطار، مؤسسة علوم القرآن، الشارقة، الإمارات، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، 1414هـ - 1993م.
الدعوة الإسلامية، عبد الغفار عزيز.
دعوة الله بين التكوين والتمكين، د. علي جريشة، مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.
دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، للحافظ أبي بكر أحمد البيهقي، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى، 1405هـ.
دور المرأة في خدمة الحديث، آمال قرداش، كتاب الأمة، الطبعة الأولى، 1420هـ.
دولة الرسول صلى الله عليه وسلم من التكوين إلى التمكين، كامل سلامة الدقس، دار عمار، عمان، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1994م.
الدولة العربية الإسلامية، منصور الحرابي، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية بليبيا الطبعة الثانية 1983م.
ديوان أبي بكر الصديق، حققه وشرحه راجي الأسمر، دار صادر بيروت، الطبعة الأولى، 1997م.
ديوان شوقي، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة، بيروت، طبعة 1986م.
ديوان عنترة، فاروق الطباع، دار القلم بيروت، لبنان.
(ر)
الرؤى والأحلام في النصوص الشرعية، أسامة عبد القادر.
الرؤيا ضوابطها وتفسيرها، هشام الحمصي، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت، الطبعة الثانية، 1417هـ - 1996م.
رجال الإدارة في الدولة الإسلامية، د. حسين محمد سليمان، دار الإصلاح، الدمام بالسعودية.
الرحيق المختوم، لصفي الدين عبد الرحمن المباركفوري، الطبعة الأولى، 1417هـ - 1996م، مؤسسة الرسالة، لبنان.
رسالة الأنبياء، عمر أحمد عمر، دار الحكمة دمشق، الطبعة الأولى، 1418هـ - 1997م.

(4/302)


الرسول القائد، محمود شيت خطاب، دار مكتبة الحياة ومكتبة النهضة بغداد الطبعة الثانية، 1960م.
الرسول المبلغ، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1418هـ- 1997م.
الرسول المعلم وأساليبه في التعليم للشيخ عبد الفتاح أبي غدة، دار مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الأولى 1417هـ - 1996م.
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، لأبي القاسم السهيلي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب الحديثة، طبعة 1387هـ.
(ز)
زاد المسير في علم التفسير، أبو الفرج الجوزي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1384هـ- 1965م.
زاد المعاد في هدي خير العباد، أبو عبد الله ابن القيم حققه: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر، الطبعة الأولى، 1399هـ، دار الرسالة.
زاد اليقين لأبي شنب، لاشين أبو شنب، دار البشير، طنطا، مصر، الطبعة الأولى، 1413هـ- 1993م.
الزهد، أحمد بن حنبل، دار الريان للتراث، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1412هـ- 1992م.
زيد بن ثابت، كاتب الوحي، وجامع القرآن، صفوان داوودي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1411هـ- 1990م.
(س)
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1394هـ- 1974م.
السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة، د. بريكك محمد بريكك، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 1417هـ- 1996م.
السفارات النبوية، د. محمد العقيلي، دار إحياء العلوم، بيروت، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.
سفراء الرسول، محمود شيت خطاب، مؤسسة الريان، دار الأندلس الخضراء، الطبعة الأولى، 1417هـ- 1996م.
سنن الدارقطني: على بن عمر الدارقطني وبذيله التعليق المغني لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي- عالم الكتب- لبنان – دون تاريخ.
سنن أبي داود: الإمام أبو داود السجستاني، تحقيق وتعليق عزت الدعاس، 1391هـ، سوريا.

(4/303)


سنن ابن ماجة: الحافظ أبو عبد الله بن زيد القزويني، دار الفكر.
سنن الترمذي: الإمام أبو عيسى الترمذي، دار الفكر، 1398هـ.
سنن النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، مطبعة مصطفى الحلبي القاهرة، 1964م.
سير أعلام النبلاء: شمس الدين الذهبي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1403هـ.
السير والمغازي لابن إسحاق، تحقق سهيل زكار، دار الفكر، طبعة أولى 1978م.
السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون، علي بن برهان الدين الحلبي، دار المعرفة.
سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم صور مقتبسة من القرآن الكريم، تأليف الأستاذ محمد عزة دروزة، عني بها الأستاذ عبد الله إبراهيم الأنصاري، المؤتمر العالمي للسيرة النبوية الدوحة 1400هـ،.
السيرة النبوية، أبو الحسن الندوي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة ط7/1408.
السيرة النبوية، دراسة تحليلية، محمد أبو فارس، دار الفرقان، عمان الطبعة الأولى 1418هـ- 1997م.
السيرة النبوية، للذهبي، تحقيق حسام الدين القدسي، مكتبة هلال بيروت.
السيرة النبوية الصحيحة، د. أكرم العمري، الطبعة الأولى 1412هـ/ 1992م، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة.
السيرة النبوية تربية أمة وبناء دولة، صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1412هـ - 1992م.
السيرة النبوية دروس وعبر، د. مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة التاسعة، 1406هـ - 1986م.
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، محمد أبو شهبة، دار القلم، دمشق، الطبعة الثالثة، 1417هـ - 1996م.
السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي رزق الله أحمد، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض الطبعة الأولى، 1412هـ - 1992م.
السيرة النبوية لأبي حاتم البستي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت الطبعة الأولى 1407هـ - 1987م.
السيرة النبوية، لأبي محمد بن عبد الملك بن هشام، دار الفكر، بدون تاريخ.

(4/304)


السيرة النبوية، لابن كثير، للإمام أبي الفداء إسماعيل، تحقيق مصطفى عبد الواحد، الطبعة الثانية، 1398هـ، دار الفكر بيروت، لبنان.
السيرة النبوية، لمحمد الصوياني، مؤسسة الريان، الطبعة الأولى، 1420هـ - 1999م.
(ش)
شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
شرح ديوان حسان بن ثابت، ضبطه وصححه عبد الرحمن البرقوقي –دار الأندلس بيروت، بدون تاريخ
شرح السنة، لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: علي محمد معوض وعادل أحمد، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1965م، القاهرة.
شرح الشفا: نور الدين مُلا علي قاري- تحقيق حسنين مخلوف، مطبعة المدني – القاهرة- مصر – 1398هـ
شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، تحقيق وتعليق وتخريج أحاديث وتقديم د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط، ط4، 1412هـ – 1992م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
شرح المعلقات للحسين الزوزني، تحقيق يوسف علي بدوي، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى، 1410هـ- 1989م.
شرح المواهب اللدنية للقسطلاني، لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني، دار المعرفة، بيروت.
شرح النووي على صحيح مسلم للإمام النووي المتوفى 676هـ - طبع المطبعة المصرية ومكتبتها – القاهرة عام 1347هـ.
الشفاء في التعريف بحقوق المصطفى، الإمام القاضي عياض، استانبول، عثمانية.
(ص)
صبح الأعشي في صناعة الإنشا، أحمد بن علي القلقشندي، تحقيق محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ - 1987م.
الصحابي الشاعر عبد الله بن الزبعرى، تأليف محمد علي كابتي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1999م.
صحيح البخاري، محمد إسماعيل البخاري، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1991م.
صحيح الجامع الصغير وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1408هـ- 1988م.

(4/305)


صحيح السيرة النبوية للطرهوني، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى 1414هـ.
صحيح السيرة النبوية، إبراهيم العلي، دار النفائس، الطبعة الثالثة، 1408هـ -1998م.
صحيح سنن ابن ماجة: ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربية لدول الخليج الرياض، الطبعة الثالثة، 1408هـ- 1988م.
صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى، 1347هـ- 1929م.
صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان الطبعة الثانية، 1972م.
الصراع مع الصليبين، محمد عبد القادر أبو فارس، دار البشير، طنطا، طبعة عام 1419هـ- 1999م.
الصراع مع اليهود، محمد أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الأولى، 1411هـ- 1990م.
صفة الصفوة لابن الجوزي، تحقيق: محمود خوري، ومحمد قلعجي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية 1399هـ.
صفة الغرباء، سلمان العودة، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، 1412هـ- 1991م.
صفوة التفاسير للصابوني، دار القرآن الكريم، بيروت، الطبعة الأولى، عام 1401هـ.
صلاح الدين الأيوبي، عبد الله علوان.
صلح الحديبية، محمد أحمد باشميل، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1973م – 1393هـ.
صور من حياة الرسول، أمين دويدار، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ.
صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، تأليف: د. محمد فوزي فيض الله، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1996م.
(ض)
ضوابط المصلحة، محمد رمضان سعيد البوطي، مؤسسة الرسالة ط4، سنة 1402هـ.
(ط)
الطاعة والمعصية وأثرهما في المجتمع، محمد بن العثيمين، غزوة أحد.
طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين، أبو عبد الله محمد بن سلام بن عبد الله الجمحي بدون معلومات نشر.
طبقات ابن سعد الكبرى، محمد بن سعد الزهري، دار صادر، ودار بيروت للطباعة والنشر، 1376هـ- 1957م.

(4/306)


طريق النبوة والرسالة، د. حسين مؤنس، دار الرشاد، الطبعة الثانية، 1418هـ - 1997م.
الطريق إلى المدائن، عادل كمال، دار النفائس، بيروت، لبنان الطبعة الخامسة، 1407هـ- 1987م.
الطريق إلى المدينة، محمد العبده، دار الجوهرة، عمان، الطبعة الثانية، 1999م.
الطريق إلى جماعة المسلمين، حسين بن محسن بن علي جابر، دار الوفاء بالمنصورة في مصر الطبعة الخامسة، 1413هـ-1992م.
(ظ)
ظاهرة الإرجاء، سفر الحوالي، مكتبة الطيب، الطبعة الأولى، 1417هـ، القاهرة، مصر.
(ع)
العبادة في الإسلام، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية عشرة، 1405هـ- 1985م.
عبد الله بن مسعود، عبد الستار الشيخ، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية 1410هـ- 1990م.
العبقرية العسكرية في غزوات الرسول، محمد فرج، دار الفكر العربي، القاهرة الطبعة الثالثة، سنة 1977م.
عقيدة أهل السنة في الصحابة، د. ناصر حسن الشيخ، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، 1413هـ- 1993م.
علاج القرآن الكريم للجريمة، د. عبد الله الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1413هـ.
العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية، د. سعيد عبد الله حارب المهيري، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1416هـ- 1995م.
علاقة الآباء بالأبناء في الشريعة الإسلامية، د. سعاد الصالح، الناشر: تهامة جدة، الطبعة الأولى، 1401هـ.
عمدة التفسير (مختصر ابن كثير) الشيخ أحمد شاكر، مكتبة التراث الإسلامي، 1991م
عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني.
العهد والميثاق في القرآن الكريم، د. ناصر العمري، دار العاصمة، الطبعة الأولى، 1413هـ.
عون المعبود، شرح سنن أبي داود، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر بيروت.
عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ابن سيد الناس، دار المعرفة، بيروت.
(غ)
الغرباء الأولون، سلمان العودة، الطبعة الثالثة، دار ابن الجوزي، الدمام السعودية عام 1412هـ- 1991م.

(4/307)


غزوة أحد، أحمد عز الدين.
غزوة أحد دراسة دعوية، محمد عيظة بن سعيد بن مذجح، دار إشبيليا، الطبعة الأولى، 1420هـ- 1999م.
غزوة أحد لأبي فارس، محمد عبد القادر أبو فارس، ط1، 1402هـ- 1982م، دار الفرقان، عمان – الأردن.
غزوة الأحزاب، محمد عبد القادر أبو فارس، دار الفرقان، عمان، الطبعة الأولى، 1403هـ- 1983م.
غزوة الأحزاب، محمد أحمد باشميل، دار الفكر، الطبعة الخامسة، 1397هـ- 1977م.
غزوة بدر الكبرى الحاسمة، محمود خطاب.
غزوة بدر الكبرى، محمد أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الأولى، 1402هـ- 1982م.
غزوة بدر الكبرى، محمد أحمد باشميل، طبعة دار الفكر، الطبعة السادسة، سنة 1394هـ.
غزوة تبوك، محمد أحمد باشميل، دار الفكر، بيروت.
(ف)
فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
الفتح الرباني، للساعاتي، أحمد عبد الرحمن الساعاتي، في ترتيب مسند الإمام أحمد، أحمد عبد الرحمن الساعاتي، مطبعة الفتح الرباني بالقاهرة، الطبعة الأولى.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، من علم التفسير، محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر.
الفصل في الملل والنحل، لابن حزم، مكتبة السلام العالمية.
فصول في السيرة النبوية، عبد المنعم السيد.
فقه الإسلام، شرح بلوغ المرام، لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، عام 1403هـ.
فقه الابتلاء محمد أبو صعيليك، دار البيارق، عمان – بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ- 1999م.
فقه التمكين في القرآن الكريم، علي محمد الصلابي، دار البيارق، عمان، الطبعة الأولى، 1999م.
فقه الدعوة إلى الله، عبد الحليم محمود، دار الوفاء، الطبعة الأولى، 1410هـ - 1990م.
فقه الدعوة الفردية، د. سيد محمد نوح، دار اقرأ، صنعاء.
فقه الزكاة للقرضاوي، مكتبة وهبة، الطبعة الحادية والعشرون، 1414هـ- 1994م.

(4/308)


الفقه السياسي للوثائق النبوية، خالد الفهداوي، دار عمار، الطبعة الأولى 1419هـ- 1998م.
فقه السيرة النبوية، منير الغضبان، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث مكة المكرمة.
فقه السيرة، محمد سعيد رمضان البوطي، الطبعة الحادية عشرة، دار الفكر، دمشق– سوريا، 1991م.
فقه السيرة للغزالي، دار القلم، دمشق، سوريا الطبعة الرابعة، 1409هـ- 1989م.
فلسفة التربية الإسلامية، ماجد عرسان الكيلاني، مكتبة هادي، مكة المكرمة، طبعة عام 1409هـ.
الفوائد لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الريان للتراث، القاهرة مصر، الطبعة الأولى 1407هـ- 1987م.
في السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحماية، الدكتور إبراهيم علي محمد أحمد، وزارة الأوقاف بدولة قطر الطبعة الأولى، رجب 1417هـ.
في ظلال السيرة النبوية، الهجرة النبوية، الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس، دار الفرقان، عمان، الأردن، الطبعة الثانية، 1408هـ- 1988م.
في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة التاسعة، 1400هـ- 1980م.
(ق)
القاموس المحيط، مجد الدين محمد الفيروزآبادي، مطبعة مصطفى البابي وأولاده، بمصر، الطبعة الثانية 1371هـ- 1952م.
قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، دار النفائس بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1416هـ- 1996م.
قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير وأثرها في التراث العربي، تأليف د. السيد إبراهيم محمد، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1406هـ- 1986م.
قضايا في المنهج، سلمان العودة، دار مكتبة القدس، الطبعة الثالثة، 1420هـ- 1999م.
قضايا نساء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنات، حفصة بنت عثمان الخليفي، دار المسلم، الطبعة الأولى، 1418هـ- 1997م.
قواعد الأحكام في مصالح الأنام، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (660هـ) المكتبة الحسينية المصرية، بجوار الأزهر، الطبعة الأولى، 1353هـ - 1934م.

(4/309)


القول المبين في سيرة سيد المرسلين، د. محمد الطيب النجار، دار اللواء، الرياض، 1401هـ- 1981م.
قيادة الرسول السياسية والعسكرية، أحمد راتب عرموش، دار النفائس، الطبعة الأولى 1419هـ- 1989م.
القيادة العسكرية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، دار القلم، الطبعة الأولى، 1410هـ- 1990م.
(ك)
الكامل في التاريخ، لابن الأثير، دار صادر، بيروت.
(ل)
لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت.
لقاء المؤمنين، عدنان النحوي، مطابع الفرزدق التجارية، الرياض – السعودية،الطبعة الثالثة، 1405هـ- 1985م.
(م)
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، لأبي الحسن الندوي، دار المعارف الطبعة السابعة، 1408هـ- 1988م.
المال في القرآن الكريم، سليمان الحصين، دار المعراج الدولية، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1995م.
مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم، دار المسلم، الرياض، الطبعة الثانية، 1416هـ- 1996م.
مباحثات في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم، دار القلم، دمشق، سوريا.
مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثامنة، 1401هـ- 1981م.
مبادئ علم الإدارة، محمد نور الدين عبد الرزاق، مكتبة الخدمات الحديثة، جدة السعودية، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
مبادئ نظام الحكم في الإسلام، عبد الحميد متولي، دار المعارف، الطبعة الأولى.
المبسوط، شمس الدين السرخسي، مطبعة السعادة، مصر، الطبعة الأولى.
المجتمع المدني في عهد النبوة، د. أكرم العمري، الطبعة الأولى 1404هـ- 1984م.
مجلة المجتمع الكويتية، عدد رقم 248، 17 صفر 1399هـ.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الثالثة، سنة 1402هـ- 1982م.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن محمد قاسم العاصمي النجدي، المكتب التعليمي السعودي بالمغرب.

(4/310)


مجموعة الوثائق السياسية، لمحمد حميد الله، دار النفائس، الطبعة الخامسة، 1405هـ- 1985م.
محاسن التأويل، محمد جمال الدين القاسمي، دار الفكر، بيروت.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية، أبي محمد بن عبد الحق بن غالب الأندلسي، تحقيق المجلس العلمي بفاس، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب طبعة 1395هـ.
محمد رسول الله، محمد الصادق عرجون، دار القلم، الطبعة الثانية، 1415هـ- 1995م.
محمد رسول الله، محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1975م.
محنة المسلمين في العهد المكي، د. سليمان السويكت، مكتبة التوبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1412هـ- 1992م.
المختار من كنوز السنة، محمد عبد الله دراز، دار الأنصار القاهرة، الطبعة الثانية 1978م.
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة، لابن قيم الجوزية، اختصره محمد الموصلي، مكتبة الرياض الحديثة.
مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، لمحمد بن عبد الوهاب، جامعة الإمام محمد بن سعود.
مختصر صحيح مسلم للحافظ زكي المنذري، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، دمشق الطبعة الثالثة، سنة 1397هـ- 1977م.
المدخل إلى العقيدة والإستراتيجية العسكرية، محمد جمال الدين علي محفوظ، مطابع الهيئة المصرية للكتاب بالقاهرة.
مدخل لفهم السيرة، د. يحيى اليحيى، أخذها المؤلف من صاحب الكتاب قبل أن يطبعها.
المدرسة النبوية العسكرية لأبي فارس، دار الفرقان، عمان.
المدينة المنورة فجر الإسلام والعصر الراشدي، محمد حسين شراب، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى 1415هـ- 1994م.
المرأة في العهد النبوي، د. عصمة الدين كركر، دار الغرب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى 1993م.
مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته وأثره على الأمة، خالد أبو صالح، دار الوطن، الطبعة الأولى، 1414هـ.

(4/311)


مرويات غزوة أحد، حسين أحمد الباكري، رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية، إشراف، د. أكرم العمري، عام 1399هـ.
مرويات غزوة الحديبية، د. حافظ الحكمي، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1991م.
مرويات غزوة بدر، أحمد باوزير، مكتبة طيبة، الطبعة الأولى 1400هـ- 1980م.
مرويات غزوة بني المصطلق، إبراهيم القريبي، طبع المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، عام 1402هـ.
مساجد القاهرة ومدارسها، أحمد فكري، طبعة الإسكندرية، 1961م.
المستدرك على الصحيحين، للإمام أبي عبد الله النيسابوري بذيله التلخيص للذهبي، دار النشر مكتب المطبوعات الإسلامية، طبعة سنة 1390هـ - 1970م.
المستشفيات الإسلامية، د. عبد الله عبد الرزاق، مسعود العيد، دار الضياء للنشر والتوزيع، عمان، الأردن الطبعة الأولى، 1408هـ- 1987م.
المستطرف في كل فن مستطرف، شهاب الدين الأبشيهي، مكتبة الحياة، بيروت.
المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1418هـ- 1997م.
المسلمون والروم في عصر النبوة، عبد الرحمن أحمد سالم، دار الفكر العربي، طبعة 1418هـ- 1997م.
مسند أبي يعلي الموصلي، الحافظ أحمد بن علي التميمي – دار المأمون للتراث- دمشق، بيروت، ط1.
المسند، أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت.
المشروع الإسلامي لنهضة الأمة قراءة في فكر حسن البنا، لمجموعة من الباحثين.
مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الأولى، 1381هـ- 1961م.
مصعب بن عمير، الداعية المجاهد، محمد حسن بريغش، دار القلم، دمشق، الطبعة الرابعة، 1407هـ- 1987م.
مصنف عبد الرزاق، لأبي بكر عبد الزراق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى.
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: أحمد حجر العسقلاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.

(4/312)


معارك خالد بن الوليد، د. ياسين سويد، المؤسسة العربية للدارسة والنشر الطبعة الرابعة، 1989م.
معالم قرآنية في الصراع مع اليهود، د. مصطفى مسلم محمد، دار المسلم، الرياض، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1994م.
المعاهدات في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، د. محمد الديك، ، دار الفرقان للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1418هـ- 1997م.
معجم البلدان، الياقوت الحموي، دار صادر، ودار بيروت، 1404هـ-1984م.
معجم الطبراني، سليمان بن أحمد الطبراني، دار العربية، بغداد، 1398هـ.
المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، م:260هـ- ت360هـ، دار مكتبة العلوم والحكم، طبعة 2، 1406هـ- 1985م.
معركة الوجود بين القرآن والتلمود، عبد الستار فتح الله سعيد، مكتبة المنار.
المعوقون للدعوة الإسلامية في عهد النبوة وموقف الإسلام منها، د. سميرة محمد جمجوم، دار المجتمع جدة، الطبعة الأولى، 1407هـ- 1987م.
المغازي النبوية، تحقيق سهيل زكار، للزهري، دار الفكر، دمشق، 1401 – 1981م.
مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، عروة بن الزبير، تحقيق: د. محمد الأعظمي، نشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، الطبعة الأولى، 1401هـ- 1981م.
المغازي للواقدي، محمد عمر بن واقد المتوفي 207هـ، تحقيق د. مارسدن جونس، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1404هـ- 1984م.
مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1413هـ- 1993م.
المفصل في أحكام النساء، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1413هـ - 1993م.
مقاصد الشريعة الإسلامية، د. محمد سعد اليوبي، دار الهجرة، الرياض، الطبعة الأولى، 1418هـ- 1998م.
المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم، الدار العلمية للكتاب الإسلامي، ط2، سنة 1415هـ - 1993م، الرياض.
مقدمة ابن الصلاح وشرحها، للحافظ العراقي، طبع دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.

(4/313)


مقدمة ابن خلدون، للعلامة عبد الرحمن بن خلدون، ط، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة بدون تاريخ.
مقومات الداعية الناجح، د. علي بادحدح، دار الأندلس الخضراء، جدة، الطبعة الأولى، 1417هـ- 1996م.
مقومات السفراء في الإسلام، حسن فتح الباب، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة 1970م.
مقومات النصر، د. أحمد أبو الشباب، المكتبة العصرية، لبنان 1420هـ- 1999م.
مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول للأستاذ أحمد الشريف.
ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية، عدنان النحوي، الطبعة الثانية.
من معين السيرة، صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1413هـ- 1992م.
من هدي سورة الأنفال، محمد أمين المصري، طبع مكتبة دار الأرقم، الكويت.
المنافقون، محمد جميل غازي، مكتبة المدني ومطبعتها، جدة، السعودية 1972م.
منامات الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد القادر الشيخ إبراهيم، دار القلم العربي، بحلب، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1999م.
مناهج وآداب الصحابة في التعلم والتعليم، د. عبد الرحمن البر، دار اليقين المنصورة، الطبعة الأولى، 1420هـ- 1999م.
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لأبي الفرج بن الجوزي، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.
منهاج السنة النبوية، لابن تيمية مؤسسة قرطبة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1416هـ- 1986م.
المنهاج القرآني في التشريع، عبد الستار فتح الله سعيد، مطابع دار الطباعة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1413هـ، 1992م.
منهج الإعلام الإسلامي في صلح الحديبية، سليم حجازي، دار المنارة، الطبعة الأولى، 1406هـ- 1986م.
منهج الإسلام في تزكية النفس، د. أنس أحمد كرزون، دار نور المكتبات، دار ابن حزم، الطبعة الثانية، 1418هـ- 1997م.
المنهج التربوي للسيرة النبوية- التربية الجهادية، منير الغضبان، مكتبة المنار، الطبعة الأولى، 1411هـ- 1991م.

(4/314)


منهج التربية الإسلامية، محمد قطب، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 1403هـ- 1983م.
المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير الغضبان، مكتبة المنار، الأردن الطبعة الثالثة 1411هـ - 1990م.
منهج الرسول في غرس الروح الجهادية في نفوس الصحابة، السيد محمد نوح، نشرته جامعة الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1990م.
الموازنة بين ذوق السماع وذوق الصلاة والقرآن، للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق: مجدي فتحي السيد.
الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق إبراهيم موسى اللخمي الشهير بالشاطبي، دار الفكر، 1341هـ.
الموسوعة في سماحة الإسلام، محمد الصادق عرجون، الدار السعودية للنشر والتوزيع جدة ط الثانية 1404هـ.- 1984م
(ن)
نشأة الدولة الإسلامية، د. عون الشريف قاسم، دار الكتب اللبناني، بيروت، ط2، 1400هـ - 1980م.
نصب الراية في أحاديث الهداية، بحاشية بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، عبد الله ابن يوسف بن محمد الزيلعي، المكتب الإسلامي، دمشق، 1393هـ.
نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، إعداد مجموعة من المختصين بإشراف صالح بن حميد، دار الوسيلة، الطبعة الأولى 1418هـ.
نظام الحكم، في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي، دار النفائس، الطبعة السادسة، 1411هـ- 1990م.
نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية، محمد عبد الحي الكتاني، دار الأرقم، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية.
النظام السياسي في الإسلام، محمد عبد القادر أبو فارس، دار الفرقان، الطبعة الثانية 1407هـ- 1986م.
نظرات في رسالة التعاليم، محمد عبد الله الخطيب، محمد عبد الحليم حامد، دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر 1995.
نظرات في السيرة للإمام حسن البنا، سجلها وأعدها للنشر أحمد عيسى عاشور، مكتبة الاعتصام، القاهرة، الطبعة الأولى، 1399هـ- 1979م.

(4/315)


نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني، توفيق محمد سبع، مجمع البحوث الإسلامية القاهرة، مصر الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
النكت والعيون (تفسير الماوردي)، لأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي، تحقيق خضر محمد خضر – نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية والتراث الإسلامي، بالكويت.
النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي ط/ المكتبة الإسلامية 1385هـ.
نور اليقين، محمد الخضري، دار القلم، دمشق، سوريا.
نيل الأوطار، شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، محمد بن علي الشوكاني، دار الحديث، القاهرة.
(هـ)
الهجرة الأولى في الإسلام، د. سليمان العودة، دار طيبة للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، 1419هـ.
هجرة الرسول وصحابته في القرآن والسنة، أحمد عبد الغني النجولي الجمل، دار الوفاء، الطبعة الأولى، 1409هـ- 1989م.
الهجرة النبوية المباركة، د. عبد الرحمن البر، دار الكلمة، المنصورة، مصر، الطبعة الأولى، 1418هـ - 1997م.
الهجرة في القرآن الكريم، أحزمي سامعون جزولي، مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الأولى، 1417هـ- 1996م.
هذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يا محب، لأبي بكر الجزائري، مكتبة لينة.
هذا الدين، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، مصر، الطبعة الرابعة، 1412هـ-1992م.
(و)
واقعنا المعاصر، لمحمد قطب، مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر، جدة الطبعة الثانية، 1408هـ- 1987م.
الوحي والرسالة، د. يحيى اليحيى، أخذت من المؤلف صورة قبل الطبع.
الوسطية في القرآن الكريم، علي محمد الصلابي، دار النفائس، دار البيارق، الطبعة الأولى، 1419هـ- 1999م.
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، أبو الحسن بن عبد الله السمهوري، دار المصطفى، طبعة القاهرة، 1326هـ.
الوفود في العهد المكي وأثره الإعلامي، لعلي رضوان أحمد الأسطل، دار المنار، الأردن عمان الطبعة الأولى 1404هـ - 1984م.

(4/316)


وقفات تربوية مع السيرة النبوية، أحمد فريد، دار طيبة، الرياض، الطبعة الثالثة، 1417هـ- 1997م.
وقفات تربوية من السيرة النبوية، عبد الحميد البلالي، المنار، الكويت، الطبعة الثالثة، 1411هـ - 1991م.
الولاء والبراء في الإسلام، محمد سعيد القحطان، دار طيبة الرياض، الطبعة السادسة، 1413هـ.
ولاية الشرطة في الإسلام، نمر محمد الحميداني، دار عالم الكتب، الطبعة الثانية، 1414هـ- 1994م.
(ي)
يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر الجنة والنار، لصديق حسن.
اليهود في السنة المطهرة، د. عبد الله الشقاري، دار طيبة، الرياض، طبعة أولى، 1417هـ- 1996م.
اليوم الآخر في الجنة والنار، د. عمر الأشقر، مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الثانية، 1408هـ- 1988م.

(4/317)


فهرس الجزء 2
الموضوع الصفحة
الفصل الثامن
غزوة بدر الكبرى
المبحث الأول: مرحلة ما قبل المعركة
أولاً: بعض الحوادث في أثناء المسير إلى بدر
ثانيًا: العزم على ملاقاة المسلمين ببدر
ثالثًا: مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
رابعًا: المسير إلى لقاء العدو وجمع المعلومات عنه
خامسًا: مشورة الحباب بن المنذر في بدر
سادسًا: الوصف القرآني لخروج المشركين
سابعًا: موقف المشركين لما قدموا إلى بدر
المبحث الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ساحة المعركة
أولاً: بناء عريش القيادة
ثانيًا: من نعم الله على المسلمين قبل القتال
ثالثًا: خطة الرسول صلى الله عليه وسلم في المعركة
المبحث الثالث: نشوب القتال وهزيمة المشركين
أولاً: إمداد الله للمسلمين بالملائكة
ثانيًا: انتصار المسلمين على المشركين وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل القليب
المبحث الرابع : مشاهد وأحداث من المعركة
أولاً: مصارع الطغاة
ثانيًا: من مشاهد العظمة
المبحث الخامس: الخلاف في الأنفال والأسرى
أولاً: الخلاف في الأنفال
ثانيًا: الأسرى

(4/317)


المبحث السادس: نتائج غزوة بدر ومحاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم
أولاً: نتائج غزوة بدر
ثانيًا: محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وإسلام عمير بن وهب
المبحث السابع: بعض الدروس والعبر والفوائد من غزوة بدر
أولاً: حقيقة النصر من الله تعالى
ثانيًا: يوم الفرقان
ثالثًا: الولاء والبراء من فقه الإيمان
رابعًا: المعجزات التي ظهرت في بدر وما حولها
خامسًا: حكم الاستعانة بالمشرك
سادسًا: حذيفة بن اليمان وأسيد بن الحضير رضي الله عنهما
سابعًا: الحرب الإعلامية في بدر
المبحث الثامن: أهم الأحداث التي وقعت بين غزوتي بدر وأحد
أولاً: الغزوات التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر وقبل أحد
ثانيًا: غزوة بني قينقاع
ثالثًا: تصفية المحرضين على الدولة الإسلامية، مقتل كعب بن الأشرف
رابعًا: بعض المناسبات الاجتماعية
الفصل التاسع
غزوة أحد
المبحث الأول: أحداث ما قبل المعركة
أولاً: أسباب الغزوة
ثانيًا: خروج قريش من مكة إلى المدينة
ثالثًا: الاستخبارات النبوية تتابع حركة العدو
رابعًا: مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه
خامسًا: خروج جيش المسلمين إلى أحد
سادسًا: خطة الرسول صلى الله عليه وسلم لمواجهة كفار مكة
المبحث الثاني: في قلب المعركة
أولاً: بدء القتال واشتداده وبوادر الانتصار للمسلمين
ثانيًا: مخالفة الرماة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم
ثالثًا: خطة الرسول في إعادة شتات الجيش
رابعًا: من شهداء أحد
خامسًا: من دلائل النبوة
المبحث الثالث: أحداث ما بعد المعركة
أولاً: حوار أبي سفيان مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه
ثانيًا: تفقد الرسول صلى الله عليه وسلم الشهداء
ثالثًا: دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد
رابعًا: معرفة وجهة العدو
خامسًا: غزوة حمراء الأسد
سادسًا: مشاركة نساء المسلمين في معركة أحد

(4/318)


سابعًا: دروس في الصبر تقدمها صحابيات للأمة
المبحث الرابع: بعض الدروس والعبر والفوائد
أولاً: تذكير المؤمنين بالسنن ودعوتهم للعلو الإيماني
ثانيًا: تسلية المؤمنين وبيان حكمة الله فيما وقع يوم أحد
ثالثًا: كيفية معالجة الأخطاء
رابعًا: ضرب المثل بالمجاهدين السابقين
خامسًا: مخالفة ولي الأمر تسبب الفشل لجنوده
سادسًا: خطورة إيثار الدنيا على الآخرة
سابعًا: التعلق والارتباط بالدين
ثامنًا: معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للرماة الذين أخطأوا والمنافقين الذين انخذلوا
تاسعًا: أحد جبل نحبه ويحبنا
عاشرًا: الملائكة في أحد
الحادي عشر: قوانين النصر والهزيمة من سورة الأنفال وآل عمران
الثاني عشر: فضل الشهداء وما أعده الله لهم من نعيم مقيم
الثالث عشر: الهجوم الإعلامي على المشركين
الفصل العاشر
أهم الأحداث ما بين أحد والخندق
المبحث الأول: محاولات المشركين لزعزعة الدولة الإسلامية
أولاً: طمع بني أسد في الدولة الإسلامية
ثانيًا: خالد بن سفيان الهذلي وتصدي عبد الله بن أنيس له
ثالثًا: غدر قبيلتي عضل والقارة، وفاجعة الرجيع
رابعًا: طمع عامر بن الطفيل في المسلمين وفاجعة بئر معونة (4هـ)
المبحث الثاني: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم المساكين، وأم سلمة وأحداث متفرقة
أولاً: زينب بنت خزيمة أم المساكين رضي الله عنها
ثانيًا: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة رضي الله عنها
ثالثًا: مولد الحسن بن علي - رضي الله عنه -
رابعًا: زيد بن ثابت - رضي الله عنه - يتعلم لغة اليهود سنة 4هـ.
المبحث الثالث: إجلاء يهود بني النضير
أولاً: تاريخ الغزوة وأسبابها
ثانيًا: إنذار بني النضير بالجلاء وحصارهم
ثالثًا: الدروس والعبر في هذه الغزوة
المبحث الرابع: غزوة ذات الرقاع
أولاً: تاريخها وأسبابها ولماذا سميت بذات الرقاع؟
ثانيًا: صلاة الخوف، وحراسة الثغور

(4/319)


ثالثًا: شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاملته لجابر بن عبد الله.
المبحث الخامس: غزوة بدر الموعد ودومة الجندل
أولاً: غزوة بدر الموعد
ثانيًا: دومة الجندل
المبحث السادس: غزوة بني المصطلق
أولاً: من هم بنو المصطلق ومتى وقعت الغزوة وأسبابها؟
ثانيًا: زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جويرية بنت الحارث رضي الله عنها
ثالثًا: محاولة المنافقين في هذه الغزوة الفتنة بين المهاجرين والأنصار
رابعًا: توجيه القرآن الكريم للمجتمع الإسلامي في أعقاب غزوة بني المصطلق
خامسًا: محاولة المنافقين الطعن في عرض النبي صلى الله عليه وسلم بالافتراء على عائشة رضي
الله عنها بما يعرف بحديث الإفك.
سادسًا: أهم الآداب والأحكام التي تؤخذ من آيات الإفك.
سابعًا: فوائد وأحكام ودروس من حادثة الإفك وغزوة بني المصطلق.
الفصل الحادي عشر
غزوة الأحزاب
المبحث الأول: تاريخ الغزوة، وأسبابها، وأحداثها
أولاً: تاريخ الغزوة وأسبابها
ثانيًا: متابعة المسلمين للأحزاب
ثالثًا: اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالجبهة الداخلية.
المبحث الثاني: اشتداد المحنة بالمسلمين
أولاً: نقض يهود بني قريظة العهد ومحاولة ضرب المسلمين من الخلف
ثانيًا: تشديد الحصار على المسلمين وانسحاب المنافقين ونشرهم الأراجيف
ثالثًا: محاولة النبي صلى الله عليه وسلم تخفيف حدة الحصار بعقد صلح مع غطفان وبث
الإشاعات في صفوف الأعداء
المبحث الثالث: مجيء نصر الله والوصف القرآني لغزوة الأحزاب
أولاً: شدة تضرع الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول النصر
ثانيًا: تحري انصراف الأحزاب
ثالثًا: الوصف القرآني لغزوة الأحزاب ونتائجها
رابعًا: التخلص من بني قريظة
المبحث الرابع: فوائد ودروس وعبر
أولاً: المعجزات الحسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ثانيًا: بين التصور والواقع
ثالثًا: سلمان منا أهل البيت
رابعًا: الصلاة الوسطى

(4/320)


خامسًا: الحلال والحرام
سادسًا: شجاعة صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم
سابعًا: عدم صحة ما يروى عن جبن حسان - رضي الله عنه -
ثامنًا: أول مستشفى إسلامي حربي
تاسعًا: المسلم يقع في الإثم ولكنه يسارع في التوبة
عاشرًا: من فضائل سعد بن معاذ - رضي الله عنه -
حادي عشر: مقتل حيي بن أخطب، وكعب بن أسد
ثاني عشر: شفاعة ثابت بن قيس في الزبير بن باطا اليهودي وسلمى
بنت قيس في رفاعة بن شموال
ثالث عشر: من أدب الخلاف
رابع عشر: توزيع غنائم بني قريظة وإسلام ريحانة بنت عمرو
خامس عشر: الإعلام الإسلامي في غزوة الأحزاب
الفصل الثاني عشر
ما بين غزوة الأحزاب والحديبية وأحداث مهمة
المبحث الأول: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها
أولاً: اسمها ونسبها
ثانيًا: زواجها من زيد بن حارثة رضي الله عنها
ثالثًا: طلاق زيد لزينب رضي الله عنها
رابعًا: الحكمة من زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب
خامسًا: قصة زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب وما فيها من دروس وعبر
المبحث الثاني: الآن نغزوهم ولا يغزوننا
أولاً: سرية محمد بن مسلمة إلى بني القرطاء
ثانيًا: سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
ثالثًا: سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل
رابعًا: تأديب الغادرين: غزوة بني لحيان، وغزوة الغابة وغيرهما
خامسًا: سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين
المبحث الثالث: تصفية المحرضين على الدولة
أولاً: سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلام بن أبي الحقيق
ثانيًا: سرية عبد الله بن رواحة إلى اليسر بن رزام اليهودي
الفصل الثالث عشر
الفتح المبين (صلح الحديبية)
المبحث الأول: تاريخه وأسبابه ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة
أولاً: تاريخه وأسبابه
ثانيًا: وصول النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان
ثالثًا: الرسول يغير الطريق وينزل الحديبية

(4/321)


رابعًا: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل
خامسًا: السفارة بين الرسول وقريش
سادسًا: الوفود النبوية إلى قريش ووقوع بعض الأسرى في يد المسلمين
سابعًا: بيعة الرضوان
المبحث الثاني: صلح الحديبية وما ترتب عليه من أحداث
أولاً: مفاوضة سهيل بن عمرو لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ثانيًا: موقف أبي جندل والوفاء بالعهد
ثالثًا: احترام المعارضة النزيهة
رابعًا: التحلل من العمرة ومشورة أم سلمة رضي الله عنها
خامسًا: العودة إلى المدينة ونزول سورة الفتح
سادسًا: أبو بصير في المدينة وقيادته لحرب العصابات
سابعًا: امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن رد المهاجرات
المبحث الثالث: دروس وعبر وفوائد
أولاً: أحكام تتعلق بالعقيدة
ثانيًا: أحكام فقهية وأصولية
ثالثًا: أنموذج من التربية النبوية
الفصل الرابع عشر
أهم الأحداث ما بين الحديبية وفتح مكة
المبحث الأول: غزوة خيبر
أولاً: تاريخها وأسبابها
ثانيًا: مسيرة الجيش الإسلامي إلى خيبر
ثالثًا: وصف تساقط حصون خيبر
رابعًا: الأعرابي الشهيد، والراعي الأسود، وبطل إلى النار
خامسًا: قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه من الحبشة
سادسًا: تقسم الغنائم
سابعًا: زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفية بنت حيي بن أخطب
ثامنًا: محاولة أثيمة لليهود، الشاة المسمومة
تاسعًا: الحجاج بن علاط السلمي وإرجاع أمواله من مكة
عاشرًا: بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالغزوة
المبحث الثاني: دعوة الملوك والأمراء
أولاً: كان صلح الحديبية إيذانًا ببداية المد الإسلامي
ثانيًا: دروس وعبر وفوائد
المبحث الثالث: عمرة القضاء
أولاً: الحيطة والحذر من غدر قريش
ثانيًا: دخول مكة والطواف والسعي
ثالثًا: زواجه من أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث
رابعًا: التحاق بنت حمزة بن عبد المطلب بركب المسلمين

(4/322)


خامسًا: أثر عمرة القضاء على الجزيرة وإسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة
المبحث الرابع: سرية مؤتة 8هـ
أولاً: أسبابها وتاريخها
ثانيًا: وداع الجيش الإسلامي
ثالثًا: الجيش يصل إلى معان واستشهاد الأمراء الثلاثة
رابعًا: المسلمون يختارون خالد بن الوليد قائدا
خامسًا: معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف أهل المدينة من الجيش
سادسًا: دروس وعبر وفوائد
المبحث الخامس: سرية ذات السلاسل
الفصل الخامس عشر
غزوة فتح مكة(8 هـ)
المبحث الأول: أسبابها والاستعداد للخروج والشروع فيه
أولاً: أسبابها
ثانيًا: الاستعداد للخروج
ثالثًا: الشروع في الخروج وأحداث في الطريق
المبحث الثاني: خطة النبي صلى الله عليه وسلم لدخول مكة وفتحها
أولاً: توزيع المهام بين قادة الصحابة
ثانيًا: دخول خاشع متواضع، لا دخول فاتح متعال
ثالثًا: إعلان العفو العام
رابعًا: بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة
خامسًا: هدم بيوت الأوثان
المبحث الثالث: دروس وعبر وفوائد
أولاً: مواقف دعوية وقدرة رفيعة في التعامل مع النفوس
ثانيًا: أتكلمني في حد من حدود الله؟
ثالثًا: أجرنا من أجرت يا أم هانئ
رابعًا: إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين
خامسًا: المحيا محياكم والممات مماتكم
سادسًا: إسلام عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش
سابعًا: من الأحكام الشرعية التي تؤخذ من الغزوة ومكان نزول الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة
ثامنًا: من نتائج فتح مكة
الفصل السادس عشر
غزوة حنين والطائف 8هـ
المبحث الأول: أسبابها وأحداث المعركة
أولاً: أهم أحداث غزوة حنين
ثانيًا: مطاردة فلول الفارين إلى أوطاس والطائف
المبحث الثاني: فقه الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع النفوس
المبحث الثالث: دروس وعبر وفوائد
أولاً: تفسير الآيات التي نزلت في غزوة حنين
ثانيًا: أسباب الهزيمة وعوامل النصر في حنين

(4/323)


ثالثا: الأحكام المستنبطة من غزوة حنين والطائف
رابعًا: مواقف لبعض الصحابة والصحابيات
خامسًا: إسلام كعب بن زهير - الشاعر - والهيمنة الإعلامية على الجزيرة
سادسًا: من نتائج غزوة حنين والطائف
المبحث الرابع: أهم الأحداث ما بين حنين وتبوك
أولاً: ترتيب استيفاء الصدقات
ثانيًا: أهم السرايا في هذه المرحلة
ثالثًا: إسلام عدي بن حاتم
رابعًا: أحداث متفرقة في سنة ثمان
الفصل السابع عشر
غزوة تبوك 9هـ وهي غزوة العسرة
المبحث الأول: تاريخ الغزوة، وأسماؤها وأسبابها
أولاً: تاريخها وأسماؤها
ثانيًا: أسبابها
ثالثًا: الإنفاق في هذه الغزوة وحرص المؤمنين على الجهاد
رابعًا: موقف المنافقين من غزوة تبوك
خامسًا: إعلان النفير وتعبئة الجيش
المبحث الثاني: أحداث في الطريق والوصول إلى تبوك
أولاً: قصة أبي ذر الغفاري
ثانيًا: قصة أبي خيثمة
ثالثًا: الوصول إلى تبوك
رابعًا: وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش عند مروره بحجر ثمود
خامسًا: وفاة الصحابي عبد الله ذو البجادين - رضي الله عنه -
سادسًا: بعض المعجزات التي حدثت في الغزوة
سابعًا: حديث القرآن الكريم عن مواقف المنافقين أثناء الغزوة
المبحث الثالث: العودة من تبوك إلى المدينة وحديث القرآن الكريم
في المخلفين عن الغزوة وعن مسجد الضرار
أولاً: المخلفون الذين لهم أعذار شرعية وعذرهم الله سبحانه وتعالى
ثانيًا: المخلفون الذين ليس لهم أعذار شرعية وتاب الله عليهم
ثالثًا: المخلفون من منافقي الأعراب الذين يسكنون حول المدينة
رابعًا: المخلفون من منافقي المدينة
خامسًا: مسجد الضرار
المبحث الرابع: قصة الثلاثة الذين خلفوا
المبحث الخامس: دروس وعبر وفوائد
أولاً: معالم من المنهج القرآني في الحديث عن غزوة تبوك
ثانيًا: ممارسة الشورى في هذه الغزوة
ثالثًا: التدريب العملي العنيف
رابعًا: أهم نتائج الغزوة

(4/324)


المبحث السادس: أهم الأحداث ما بين غزوة تبوك وحجة الوداع
أولاً: وفد ثقيف وإسلامهم
ثانيًا: وفاة زعيم المنافقين عبد الله ابن سلول
ثالثًا: تخير النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته
رابعًا: حج أبي بكر رضي الله عنه بالناس
خامسًا: عام الوفود 9هـ
سادسًا: بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعليم مبادئ الإسلام وترتيب أمور الإدارة والمال
المبحث السابع: حجة الوداع 10هـ
أولاً: كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم؟
ثانيًا: الدروس والعبر والفوائد
المبحث الثامن: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفاته
أولاً: الآيات والأحاديث التي أشارت إلى وفاته صلى الله عليه وسلم
ثانيًا: مرض الرسول صلى الله عليه وسلم
ثالثًا: من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة
رابعًا: أبو بكر يصلي بالمسلمين
خامسًا: الساعات الأخيرة من حياة المصطفى
سادسًا: بعض ما قيل من المراثي في وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
الخاتمة
المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات
* * *

(4/325)