قائمة الروابط

 
السباق إلى العقول

تأليف

الدكتور/عبدالله قادري الأهدل


بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)). [آل عمران: 102]

((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا)) [النساء: 1]

((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)). [الأحزاب: 70-71]

ما يراد السباق به إلى العقول.

أما بعد: فإن ما يراد السباق به إلى العقول هو الحق أو الباطل، فأهل الحق يسابقون بالحق إلى العقول، و أهل الباطل يسابقون بالباطل إلى العقول.

الله هو الحق.

والله سبحانه وتعالى هو الحق، كما قال سبحانه وتعالى: ((ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير..)) [الحج: [6]

وقال تعالى: ((ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير..)) [الحج: 62-لقمان: 30]

 وقال تعالى: ((فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم )) [المؤمنون: 116].

وجزاء الله لعباده يوم القيامة على مواقفهم من دين الإسلام في الدنيا، هو الحق، كما قال تعالى: ((يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق ويعملون أن الله هو الحق المبين..)) [النور: 25]

خلق الله الكون كله بالحق.

والحق جل وعلا خلق الكون كله: السماوات والأرض، وما بينهما وما فيهما وما فوق ذلك بالحق، وقوله تعالى هو الحق، كما قال تعالى: ((وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، ويوم يقول كن فيكون، قوله الحق وله الملك...)) [الأنعام: 73]

وقال تعالى: ((ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق..)) [إبراهيم: 19]

وقال تعالى: ((وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق..)) [الحجر: 85]

وقال تعالى: ((وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق..)) [الأحقاف: 3]

وقال تعالى: ((خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عمّا يشركون..)) [النحل: 3]

وقال تعالى: ((خلق السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين)) [العنكبوت: 44]

وقال تعالى: ((أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق..)) [الروم: 8]

وقال تعالى: ((خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير)) [التغابن: 3]

أرسل  الله رسله وأنزل كتبه بالحق.

وأرسل الحق جل وعلا رسله، وأنزل كتبه بالحق. كما قال تعالى: ((إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا)) [البقرة: 119]

وقال تعالى: ((نزّل عليك الكتاب بالحق، مصدقا لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان)) [آل عمران: 3]

وقال تعالى: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)) [النساء: 105]

وقال تعالى: ((يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرٌ لكم)).[النساء: 170]

وقال تعالى: ((وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)) [المائدة: 48]

وقال تعالى: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق))[الفتح: 28، والصف: 9]

 


سعادة أهل الحق بقبول الحق وشقاوة أهل الباطل برفضه.

وقد سعد قوم بهذه الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله بالحق لإيمانهم بها، كما سعدوا بأولئك الرسل الذين أرسلهم بالحق لطاعتهم لهم واتباع منهجهم، ففازوا بالفلاح في الدنيا والآخرة. كما قال تعالى: ((ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)) [البقرة: 1-5]

وشقي آخرون بإنزال تلك الكتب وإرسال أولئك الرسل، لعدم إيمانهم بالحق الذي نزلت به تلك الكتب، وعدم طاعتهم لأولئك لرسل الذين جاءوهم بالحق من ربهم. كما قال تعالى: ((وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين..)) [سبأ: 43]

وقال تعالى: ((وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين، ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا..))[الكهف: 56]

وقال تعالى: ((واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يُرجعون..))[القصص: 39

وقال تعالى: ((وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم..)) [إبراهيم: 22]

والحق ضد الباطل والضلال. جاء الرسل بالحق ودعوا إليه وجاء الشيطان وأتباعه بالباطل والضلال ودعوا إليه، والحق تعالى يريد أن يحق الحق ويبطل الباطل.

كما قال تعالى: ((فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون...)) [يونس: 32]

وقال تعالى: ((ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون...)) [الأنفال: 8]

وقال تعالى: ((بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق..)) [الأنبياء: 18]

 

ويعترف أهل الحق بالحق عندما ينالون رضا الله اعتراف شكر وغبطة وسرور في جنات عدن. كما قال تعالى: ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون...))[الأعراف: 43]

ويعترف أهل الباطل بالحق، عندما ينالون جزاء إنكارهم له في الدنيا، وهم في نار جهنم يتمنون أن يجدوا شفيعا ينفعهم أو إذنا لهم بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا عملا يكون أساسه الحق وليس الباطل. كما قال تعالى: ((يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون...)) [الأعراف: 53]

والذي كانوا يفتر ونه، هو الباطل الذي آمنوا به في الدنيا، والكفر بالحق الذي أقروا به بعد دخولهم النار كما قال تعالى: ((والذين أمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون..)) [العنكبوت: 52]

والباطل هو الضلال الذي يقابل الحق والهدى، وكل ما عدا الحق والهدى فهو باطل وضلال. كما قال تعالى: ((فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون..))[يونس: 32]

وقال تعالى: ((ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين...)) [القصص: 50]

وقال تعالى: ((أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم...))[البقرة: 16]

والحق يطلق على الثابت المستقر، والباطل يطلق على نقيض الحق، وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه [المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني. الطبعة الهندية ص50]

والضلال أيضا ضد الهداية، وهو العدول عن الصراط المستقيم والزائل المضمحل. [المرجع السابق، ص299، وكتب اللغة مادة (ض ل ل]

 

وحيث إن الباطل هو ضد الحق-وكذلك الضلال-فإن بيان الحق يوضح معنى الباطل-وكذلك الضلال-.

وقد فصل الإمام [العلامة الحسين بن محمد بن المفضل الملقب بالراغب الأصفهاني المفسر اللغوي، المتوفى سنة 502هـ-. ] رحمه الله معاني الحق في القرآن الكريم، فقال: (أصل الحق المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه على استقامة. والحق يقال على أوجه:

الأول: يقال لموجِد الشيء، بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق، قال الله تعالى: ((و ردوا إلى الله مولاهم الحق...)) وقيل بعيد ذلك: ((فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون..)) [يونس: 30-32]

والثاني: يقال: للموجَد، بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كله حق. وقال تعالى: ((هو الذي جعل الشمس ضياءً ا والقمر نورا...)) إلى قوله تعالى: ((ما خلق الله ذلك إلا بالحق...)) [يونس: 5]

وقال في القيامة: ((ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق..)) [يونس: 53]

وقوله عز وجل: ((الحق من ربك..)) [البقرة: 147، آل عمران: 60] ((وإنه للحق من ربك..)) [البقرة: 149]

والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق، قال الله تعالى: ((فهدى الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق...)) [البقرة: 213]

والرابع: للفعل والقول، بحسب ما يجب، وبقدر ما يجب وفي الوقت الذي يجب، كقولنا: فعلك حق، وقولك حق.

قال الله تعالى: ((كذلك حقت كلمة ربك..)) [غافر: 6] ((حق القول مني لأملأن جهنم..)) [السجدة: 13]

وقوله عز وجل: ((ولو اتبع الحق أهواءهم...)) [المؤمنون: 71] يصح أن يكون المراد به الله تعالى، ويصح أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة.

ويقال: أحققت كذا، أي أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا.

وقوله تعالى: ((ليحق الحق..)) [الأنفال: 8] فإحقاق الحق على ضربين: أحدهما بإظهار الأدلة والآيات، كما قال تعالى: ((وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا)) [النساء: 91] أي حجة قوية. والثاني: بإكمال الشريعة وبثها في الكافة، كقوله تعالى: ((والله متم نوره ولو كره الكافرون..)) [الصف: 8] ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله..)) [التوبة: 33 ، الفتح: 28 ، الصف: 9] انتهى كلام الأصفهاني

ومما ذكره الإمام الأصفهاني رحمه الله يتبين أن الله تعالى هو الحق، كما أطلق ذلك على نفسه في كتابه، وهو تعالى الموجد للكون كله بحسب ما تقتضيه الحكمة، أي جميع مخلوقاته تعالى قد أوجدها وفق الحكمة الكاملة التامة. وأن فعله تعالى حق لأن كل شيء أوجده إنما أوجده بالحق، وأن كل ما جاء به الرسل من عند الله تعالى حق، من عقيدة وشريعة وخلق....

وأن قوله تعالى وكلماته كلها حق.

 

 

المعنى الشرعي للحق والمعنى الشرعي للباطل.

فالمعنى الشرعي-وأقصد هنا: المعنى الشرعي العام للحق، كما يتضح مما مضى ومن الرسالة الربانية، منذ خلق الله تعالى الخلق وشرع لهم منهاجه الذي فرض عليهم السير عليه- هو الإيمان به وبكل ما أخبر به من الغيب، وطاعته المطلقة وعبادته واتباع رسله، وعدم معصيته، والكفر بكل من يخالف منهجه، وتطبيق شرعه، والاستسلام لذلك والرضا به.

أما الباطل، فمعناه الشرعي-وأقصد أيضا المعنى الشرعي العام الشامل لكل ما هو باطل عند الله- فهو الكفر بالله تعالى، أو بما أخبر به في وحيه المنزل المحفوظ، وما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم من عنده، والاستكبار عن طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وعدم اتباعه ومحاربة شرعه، وعدم الاستسلام لحكمه وعدم الرضا به، فكل ذلك باطل.

وقد أجمل الحق عز وجل المعنى الشرعي للحق وللباطل في هذه السورة القصيرة، وهي: ((بسم الله الرحمن الرحيم، والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)) [رقم السورة في المصحف: 103]

فالإيمان والعمل الصالح يدخل تحتهما كل مفردات الحق، وإنما أفرد التواصي بالحق والتواصي بالصبر لمزيد الاهتمام بهما، لأن الحق لا يثبت ويقوى إلا بهما، فهما من ذكر الخاص بعد العام-والعام هنا هو الإيمان الدال عليه الفعل "آمن" والعمل الصالح. والباطل هو ما كان نقيض ذلك، ولهذا أثبت سبحانه وتعالى لمن لم يكن عنده هذا الحق الخسران المؤكد، وبهذا يعلم عظم هذه السورة القصيرة التي قال عنها الإمام الشافعي رحمه الله: "لو لم ينزل الله على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم".

ومن الآيات التي أجمل فيها معنى الباطل قول الله تعالى: ((قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون..)) [الأعراف: 33

 

أيهما أسبق وجودا الحق أم الباطل؟

وما دام الله سبحانه وتعالى هو الحق- و ((هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم..)) [الحديد: 3] وهو الذي خلق الكون كله بالحق، ولم يعرف من يؤمن بالباطل ويصر عليه وعلى نشره إلا إبليس لعنه الله ثم من تبعه بعد ذلك- فإن الباطل أمر طارئ والحق هو الأصل الثابت، فالحق هو الكلمة الطيبة، والباطل هو الكلمة الخبيثة.

والكلمة الطيبة هي كلمة الله ومنهاج رسله، والكلمة الخبيثة هي كلمة الشيطان وسبل اتباعه، كما قال تعالى: ((ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء)) [إبراهيم: 25-27]

تأمل هذه الآيات من سورة إبراهيم الواضحة غاية الوضوح، في ثبات الحق وطيبته ورسوخه وسمو قه وعلوه وامتداده ودوام آثاره التي لا يخلو زمان من قطوفها الدانية ومنحها السابغة، ومع ثبات الحق ثبات أهله في الدنيا والآخرة.

أما الباطل، فهو خبيث مقطوع الجذور لا ثبات له ولا قرار، وهكذا أهله مضمحلون ((ويضل الله الظالمين..)).

وقبل هذه الآيات صور سبحانه وتعالى اضمحلال أهل الباطل وأعمالهم و باطلهم أبلغ تصوير، فقال تعالى: ((مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد)) [إبراهيم: 18-19] ثم اتبعها بقوله تعالى مبينا أن الباطل وأهله في شذوذ عن الكون كله: ((ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق..))

قلت: إنه لم يُعرَف من يؤمن بالباطل ويصر عليه وعلى نشره إلا إبليس لعنه الله، فالباطل إذًا طارئ طروء إبليس.

وقبل أن يغري إبليسُ آدمَ وزوجه حواء عليه السلام، بأكل الشجرة التي حرم الله عليهما الأكل منها، نهاهما الله تعالى عن الأكل منها وحذرهما منه، أي إن حفظ العقول من الباطل كان أسبق من إيصاله إليها، كما قال تعالى: ((وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تأكلا من هذه الشجرة فتكونا من الظالمين)). [البقرة:35]

وكان آدم عليه السلام عندما أهبطه الله هو وزوجه وإبليس إلى الأرض، على الفطرة والدين والتوحيد الخالص، وكان قائما بالخلافة التي ناطها الله به وأخبر بها ملائكته، وكان إبليس وحده على الشرك والمعصية، كما سيأتي، وهذا يدل على بطلان ما يزعم المتخرصون من المؤرخين الذين يفترون على الله بدون علم ولا برهان، أن الأصل كان عبادة غير الله وأن العقيدة قد تطورت من الشرك والوثنية حتى وصلت إلى التوحيد، فهذا افتراء وتقوُّل على التاريخ وجهل بالله وبكتبه ورسله ووحيه الذي لا مستند سواه لأحد في هذا الباب، الذي هو من الغيب، ولا سبيل إليه إلا بوحي من الخالق، وقد أخبرنا الخالق سبحانه وتعالى أنه جعل آدم خليفة في الأرض، والخليفة الذي يمنحه الحق تبارك وتعالى الخلافة، لا بد أن يزوده الحق عز وجل بالمنهاج الحق الذي يقوم بالخلافة على أساسه ((قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون..)).[البقرة: 38-39]

ومما يدل على أن آدم وذريته كانوا على هدى من عند الله، ما تضمنته قصة ابني آدم الذي قتل أحدهما أخاه، فقد دلت القصة على أنهم كانوا يتقربون إلى الله بقرابين، وأن الله يتقبل من المتقي ولا يتقبل من الظالم، وأن المتقين كانوا يخافون الله ويتورعون عن معصيته، وأنهم كانوا يؤمنون بالجنة والنار والجزاء، كما قال تعالى: ((واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)) إلى قوله تعالى: ((فأصبح من النادمين)). [المائدة: 27-31]

فآدم وذريته كانوا على التوحيد والطاعة، وكان لهم منهج من عند الله يسيرون عليه ويتقربون إليه، وكانوا يعرفون الحلال والحرام والجنة والنار والإثم والجزاء، وكان إبليس نفسه الذي أغوى آدم وزوجه في الجنة أولا وأقسم على ضلال ذرية آدم بعد طرده من رحمة الله ثانيا، كان يعلم الحق والباطل، وارتكب الباطل وعصى أمر الله متعمدا متكبرا.

ولسنا في حاجة إلى مناقشة شبهات جهلة التاريخ الغابر، فلا توجد وثيقة أصدق من كتاب الله ولا أصح منه حتى نحتاج إلى مناقشتهم على ضوئها ((إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)) [الإسراء: 9]

 

من هم أهل الحق؟

تنبيهات ثلاثة مهمة:
الأول: يجب أن يعلم أن مرادي بأهل الحق في هذا الكتاب أن صاحب الحق-بل هو الحق-: الله جل جلاله، ثم أنبياؤه ورسله وكل من تبعهم واهتدى بهديهم، والمسلمون الذين يقرون ويعترفون بأن الإسلام حق ويدخلون فيه بشهادة ألاّ إله إلا الله محمد رسول الله، وأنه يجب العمل به وتطبيقه في الأرض، وأنه لم يبق في الأرض بعد بعثة الرسول أي دين حق يقبله الله من أهله، ويدخل في زمرة أهل الحق من المسلمين الذين تلك صفتهم من حصل منهم نوع تقصير من ارتكاب بعض المعاصي أو ترك بعض الطاعات-ما عدا الشرك بالله-التي هي تحت مشيئة الله إن شاء غفرها لهم، وإن شاء عذبهم بها، ثم أدخلهم الجنة، وقد يكون عند بعض هؤلاء شيء من الباطل الذي يجب الرد عليه، ولكنهم لا يخرجون من صف أهل الحق-إلا عند الخوارج ومن تبعهم في مذهبهم عالما أو جاهلا.
وأن مرادي بأهل الباطل: كل من لم يدخل في الإسلام، أو انتسب إليه ولكنه ارتد عنه، أو زعم أنه مسلم وحارب تطبيق شريعة الله في حياة المسلمين وكلَّ من دعا إلى ذلك التطبيق.
ولا يدخل في أهل الباطل من اجتهد من العلماء فأخطأ في نظر غيره من المجتهدين، فإن للمجتهد أجرين إذا أصاب وأجرا إذا أخطأ، وقد يكون الخطأ عند من خطَّأه. 
التنبيه الثاني: أني لم أقصد بأهل الحق فئة معينة من المسلمين، ولا أهل بلد معين، كما لا أقصد من أهل الباطل فئة معينة ولا أهل بلد معين، وإنما قصدت أهل الحق  من حيث هم من أي فئة كانوا، وفي أي أرض من أرض الله حلوا، وقصدت أهل الباطل من حيث هم من أي فئة كانوا، وفي أي أرض حلوا.
التنبيه الثالث: أن قصدي بالحق هو الحق الرباني الذي كلف الله عباده التسليم له به، والهدى الإلهي الذي أنزل به وحيه وبعث به رسله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، والذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، وهو الإسلام.
وليس مرادي ما وصلت إليه الأمم من التجارب القانونية والإدارية والكونية التي قد يوجد فيها الحق والباطل، وهي أمور تشترك فيها كل الأمم في كل الأزمان، فلست أنفي وجود حقٍّ مَّا عن أهل الباطل، وإنما أنفي عنهم الحق الإلهي الذي جحدوه وكفروا به وحاربوه.

وبناء على هذا فصاحب الحق الأول هو الحق جل جلاله، فمن أسمائه الحق، كما سبق وخلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق وأنزل كتبه ووحيه بالحق، وبعث رسله بالحق، وكلماته كلها حق و أفعاله كلها حق.

ثم أنبياء الله ورسله الذين كلفهم تبليغ رسالاته إلى الناس، ومن استجاب لهم من أقوامهم فآمن بما جاءوا به وعمل به ودعا إليه، وبخاصة من ناصرهم وصار حواريا لهم، يظهر ذلك من قصص الأنبياء والرسل مع أقوامهم، وقد أمر الله تعالى نبيه ورسوله الخاتم أن يقتدي بمن سبقه من الرسل-بعد أن ذكر طائفة منهم بأسمائهم-فقال: ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده..)) [الأنعام: 90]

وهم أهل طاعته الذين أنعم عليهم، ذلك الموكب العظيم الذي قال الله تعالى فيهم: ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا..)) [النساء: 69]

وخير أمم الحق أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي شهد الله لها بالخيرية التي نالتها بما منحها الله تعالى من المؤهلات ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)).[آل عمران: 110]

وهم حزب الله وأولياؤه الذين يجاهدون في سبيله ويحبهم ويحبونه، ولا يخافون لومة لائم ويتولونه ويتولون أولياءه، كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين أمنوا فإن حزب الله هم الغالبون..)).[المائدة: 54-56] ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم..)).[التوبة: 71] ((أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون..)).[المجادلة: 22] هؤلاء هم أهل الحق.

 

فمن هم أهل الباطل؟

وأهل الباطل-على عكس أهل الحق-فقائد هم وقدوتهم في الباطل هو إبليس، أول من عصى الله واستكبر عن طاعته وكفر به، وأغوى من أطاع ربه، وحسده وكان سببا في إخراجه من الجنة، وأقسم على الاستمرار في إضلال ذريته إلى يوم البعث، وهكذا اتباعه الذين يتبعون خطواته ويسيرون في شعاب كفره لا ينفعهم إنذار، ولا تفيدهم الآيات يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.

قال تعالى: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين..)).[البقرة: 34]

وقال تعالى: ((ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، قال ما منعك ألاَّ تسجد قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)).[العراف: 11-12]

وقال تعالى: ((تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم)).[النحل: 63]

وقال تعالى: ((والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا)).[النساء: 38]

وقال تعالى: ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء)).[البقرة: 268]

وقال تعالى: ((يا أيها الذين أمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر)).[النور: 21]

وقال الله تعالى عن إبليس نفسه: ((قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)).[الأعراف: 16-17]

وقال تعالى عن اتباع إبليس: ((إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)).[البقرة: 6]

وقال تعالى: ((وما تأتيهم من أية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين، فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون)).[الأنعام: 4-5]

وقال تعالى: ((استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)).[المجادلة: 19]

 

هل يعد متبع الباطل عاقلا؟

خلق الله تعالى الإنسان مزودا بآلات حسية ظاهرة للعيان، أو خفية في داخل جسمه، لتقوم تلك الآلات بما هيأها الله سبحانه وتعالى من عمل: أسنان تطحن ولسان يخلط ويتذوق وينظف، وجلد يحس ويتألم، ويد تبطش وتأخذ، وجل تمشي وتسير، وأذن تسمع، وعين تبصر، وأنف تشم وتستنشق الهواء النافع للجسم من الخارج ويعبر منها الهواء الفاسد من الداخل، وحلق يدخل منه الطعام والماء والهواء، ومعدة تهضم الطعام، وقلب يضخ الدماء وينقيها، وهكذا: الرئة، والكلى، والجهاز الإخراجي والجهاز الدوري وغيرها، كل هذه الآلات وأجزائها تقوم بعمل قد هيأها الله له، فإذا فقد أي منها تعطل عملها الذي هيئت له.

فإذا فقد البصر قيل لصاحبه أعمى، وإذا فقد السمع، قيل لصاحبه أصم، وإذا فقد النطق قيل لصاحبه أبكم، والبصر قد يفقد والعينان في ظاهرهما سليمتان، والسمع قد يفقد والأذنان في ظاهرهما كذلك وهكذا....

وهناك آلة معنوية زود الله بها الإنسان، لا يستفيد من كثير من آلاته الحسية، إذا لم تكن هذه الآلة موجودةً، وهي العقل الذي جعله الله سبحانه وتعالى ميزانا لإدراك الحق من الباطل، في حدود مجاله الذي خلقه الله للعمل فيه.

وكل هذه الآلات إذا لم يستعملها الإنسان فيما خلقت له، أو لم يستعملها في أهم ما خلقت له، فإنها تعتبر بمنزلة الآلة المفقودة، ولذلك يصح نفيها مع وجودها فيقال: فلان لا يسمع، إذا سمع صوتا بدون أن يصغي لذلك الصوت ليفهم معناه، ويقال: فلان لا يبصر، إذا رأى شيئا دون أن تحصل فائدة من رؤيته، كما يقال: فلان لا يعقل، إذا لم يستعمل عقله فيما يعود عليه بالفائدة.

ولهذا امتن الله تعالى على الإنسان بتزويده بهذه الآلات النافعة التي تستوجب من الإنسان شكر ربه تعالى عليها، فإذا لم يشكره بها وعليها فقد أصبح كفاقدها، لأن شكر الله تعالى هو أهم ما خلقت من أجله.

قال تعالى: ((والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)).[النحل: 78]

ونفى سبحانه عمن لم يشكره بهذا الآلات منافعها، وهي: الإبصار والسمع والفقه-أو العقل-فقال تعالى: ((ولقد ذر أنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)).[الأنعام: [179]

وقال تعالى: ((وإن تدعهم إلى الهدى لا يسمعوا، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون)). [الأعراف: 198]

بل إن الذين لا ينتفعون بهذه الآلات في الدنيا ينفونها هم عن أنفسهم، عندما يعاينون جزاء الله لهم في الآخرة على غفلتهم وعدم استعمالهم لها فيما خلقت له، كما قال تعالى: ((كلما أُلقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ كلما أُلقيَ فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير، وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير))[الملك: 7-10]

ولهذا خص من يعقل الانتفاع بآياته الكونية والشرعية، مع أن تلك الآيات قابلة لينتفع بها كل الناس، ولكن الذي لا ينتفع بعقله من تلك الآيات ينزل منزلة من لم تكن تلك الآيات قابلة لانتفاعه منها.

قال تعالى: ((إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)).[البقرة: 164]

وليس المراد هنا مجرد وجود عقل لهؤلاء القوم، وهو الذي يقابله
الجنون، وإنما المراد عقل يهدي صاحبه إلى الانتفاع بتلك الآيات، بدليل نفي الله تعالى السمع والعقل عن المكلفين بتصديق الرسالة الذين أنكروها. كما قال تعالى: ((أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)).[الفرقان: 43-44]

ومثله قوله تعالى: ((أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)).[الحج: 46]

فكل من كُلِّفَ خطابَ الله تعالى، فلم يستجب لذلك الخطاب الحق بل اتبع الباطل، يصح أن ينفى عنه العقل باعتبار أنه لم ينتفع بعقله في أهم ما خلق من أجله.

ولهذا نَفَى عن الكافرين بالحق المؤمنين بالباطل العقلَ، فقال جل وعلا: ((ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون)).[البقرة: 71]

وقال عن أهل الكتاب الذين يستهزئون بدين الله: ((وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون)) [المائدة: 58]

وقال فيمن افترى على الله الكذب، فأحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله من المشركين-وغيرهم مثلهم-((ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون)).[المائدة: 103]

وقال تعالى: ((ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)). [الأنفال: 21-22]

وقال تعالى: ((ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون، ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون)).[يونس: 42-43]

وهكذا يصح نفي العلم عمن لم يعمل به.

وبهذا يعلم أن الذي يتبع الباطل ويترك الحق غير عاقل، وإن توقّد عقله في كثير من ظاهر الحياة الدنيا. ولكنه –مع ذلك- مكلف بأمر الله ونهيه، محاسب على ذنبه، لأنه لم يستعمل عقله الذي منحه الله فيما خلق له.

وبهذا أيضا تعلم منزلة العقل المهتدي إلى الحق التارك للباطل عند الله تعالى.

 


منزلة العقل عند الله وأثره في الحياة.

وظاهر من الآيات القرآنية-كما هو الواقع-أن الإنسان لو لم يمنحه الله العقل، لكان أضل من الحيوان، ولما كان خليفة وسيدا في الأرض.

ولو أن أهل العقول أعملوها وفكروا بها في المجالات التي وجدت من أجل إعمالها والتفكير بعقولهم فيها، وعملوا بمقتضى النتائج التي تتوصل إليها على أساس سليم، لسعد الناس بذلك في الدنيا والآخرة.

ومن تلك الميادين: الكون الذي أبدعه الله في السماوات والأرض وما بينهما، مما يمكن للعاقل أن يتناوله بالتفكير فيه بعقله، وهو كتاب الله المفتوح الذي فيه من الدقة والإحكام والإتقان، ما يذهل العقول ويجعلها تستسلم للخالق وتستفيد من مخلوقاته في تسخيرها لصالح الأمم، بقوانينها ونواميسها التي أودعها الله تعالى فيها.

ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قول الله تعالى: ((هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون، ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون  وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذّكرون  وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون.. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون.. وعلامات وبالنجم هم يهتدون... أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون.. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم)).[النحل: 10-181ولا تفكير، ولا تذكر، ولا شكر لمن لا عقل له] ؟؟؟

فترى القرآن الكريم يجول بالعقل في السماء-شمسها وقمرها ونجومها وكواكبها ومائها-وفي الأرض-بخيراتها، من زروعها و أشجارها وبحارها وأنهارها وجبالها وسهولها، ويجعل ذلك كله مجالا للعقل ليتفكر فيه ويتذكر ويهتدي ويشكر، ومن شُكْر ذلك استغلالُ هذا الكون في مصالح العباد على أساس هدي الله تعالى.

ومن تلك الميادين: فقه نصوص القرآن والسنة، والتعمق في فهمها واستنباط ما تحتاج إليه البشرية منها، لتتقي ربها وتسير في تصرفاتها على منهجه، مع فهم أسراره وحكمه حيث أمكن ذلك، وإلا فالتسليم المطلق لشرع الله تعالى، فإن التسليم لشرع الله هو عين الفقه والعقل، وعدم التسليم لذلك هو عين الجهل والخطل.

قال تعالى: ((قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلك وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفسا إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قرب،ى وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصاكم به لعلكم تذّكرون.. وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)).[التقوى تكليف بدون عقل]

فهذه الوصايا العشر الجامعة، لو تأملها الناس وفكروا في مصالحها التي لا سعادة لهم بدونها، وفهموا معانيها والآثار المترتبة على تطبيقها والعمل بها، لعاشوا عيشة هنيئة في ظلال شرع الله العظيم.

وقد ختم الله الخمس الأولى منها بقوله تعالى: ((لعلكم تعقلون..)) إشارة إلى أن هذه الأمور لا بد أن يسلم العقل بضرورة مراعاتها، و أن من لم يفقه الحكمة من هذه التكاليف ولا يستسلم لشرع الله ويطبقه، ليس من العقلاء الأسوياء بل هو أضل من الحيوان.

وختم الأربع الوصايا الأخرى بقوله تعالى: ((لعلكم تذكرون..)) والتذكر لا يكون إلا من عاقل يفهم خطاب الله ويعلم أنه لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر.

وختم الوصية العاشرة-وهي أشمل الوصايا وأعظمها-بقوله تعالى: ((لعلكم تتقون..)) والتقوى هي المقصودة، لأن صاحبها يتورع عن ترك الأمر وفعل النهي، تعظيما لله ورغبةً فيما عنده وخشية من عذابه.

وقال تعالى: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)).[التوبة: 122]

وقال تعالى: ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم..)).[النساء: 13]

والاستنباط: الاستخراج والبحث.

والبحث والاستنباط هنا يعنيان الاجتهاد من أهله للوصول إلى الحكم الواجب تطبيقه العائد بالخير على الأمة، الْمُرضي لله تعالى، وهذا لا يكون إلا من ذوي العقول النيرة التي صاغها شرع الله.

ولولا أن الله تعالى هيأ للأمة الإسلامية أمثال هؤلاء العقلاء الذين يستنبطون لها أحكام الله من شريعته، لكان الشيطان قائد هم إلى كل سوء، ولعل ذلك من حكمة هذا التعقيب الرباني في هذه الآية: ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)).

فالعقل السليم له أثره العظيم في حياة الناس، لأن أهل العقول السليمة يفكرون في مصالح الأمة ويدعونها إليها، كما يفكرون في المفاسد التي يجب اجتنابها وينهونهم عنها.

ويجب التنبيه هنا على عبارة شائعة متداولة بين عامة الناس، وأصبحت لكثرة تردادها وتكرارها كأنها قضية مسلمة، وأكثر من يرددها الرياضيون ومشجعوهم وهي: (العقل السليم في الجسم السليم). ولا شك أن في اجتماع سلامة الجسم وسلامة العقل نعمة عظيمة على صاحبهما، وإذا أريد بسلامة العقل السلامة من الآفات المعنوية والمادية فالنعمة بذلك أعظم. و لكن هذه العبارة غير مطردة، لوجود كثير من ذوي الآفات الجسمية-كالعمى، والصمم، والعرج، والشلل-ممن منحهم الله عقولا سليمة قوية مخترعة مبدعة في العلوم الإسلامية وما يخدمها كاللغة والأدب والبلاغة والتاريخ وغيرها من العلوم المسماة ب-(الإنسانية)، والعلوم الكونية المتعددة التي نفع الله بها العالم قديما وحديثا، ولوجود كثير من ذوي الأجسام السليمة القوية-كمصارعي الثيران والأقران من أبناء جنسهم، وبعض أفراد الفرق الرياضية الذين لم تتجاوز عقولهم التفكير في تقوية عضلاتهم وإشباع غرائزهم بما حل وحرم!

وكفى بالعقل منزلة عند الله معرفة الأمور الثلاثة الآتية:

الأمر الأول: أنه مناط التكليف وأن غير العاقل لا ينال شرف التكليف من الله تعالى، ذلك أن التكليف لا يكون إلا لمن أمكنه علم الحق والعمل به ومعرفة الباطل وتركه، وهذا لا يمكن إلا من أهل العقول.

ولهذا تجد علماء الإسلام يذكرون في كتبهم أصولا كانت أو فروعا أن من أهم شروط التكليف: العقل، فلا يكلف غير العاقل …

الأمر الثاني: أن العقل هو إحدى الضرورات الخمس التي لا تكون الحياة في الأرض مستقرة ولا قائمة بدون حفظها. وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال [راجع كتابنا: الإسلام وضرورات الحياة ص 105 الطبعة الثانية. نشر وتوزيع دار المجتمع. جدة.]

الأمر الثالث: أن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه لإبلاغ الناس دينه الحق، مبينا لهم بحججه وبراهينه أن ذلك الدين حق وأن ما خالفه باطل، ملجئا تلك العقول بتلك الجج والبراهين، إلى التسليم الاختياري بأن دين الله حق وأنه الهدى والرشاد، وأنه جالب لمصالحهم في الدارين، واق لهم من المفاسد فيهما.

ومن هنا لم يأذن الله تعالى بإكراه الناس على الإيمان به، مكتفيا ببيان أن ذلك الإيمان حق، بيانا قائما على الحجة والبينة التي يقر بها عقل المخاطب-وإن كابر وعاند-ويتبين بها الرشد من الغي، كما قال تعالى في كتابه الكريم:((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [البقرة: 256]

وقال تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)) [يونس: 99]

 

وقد امتلأ كتاب الله بالآيات الدالة على هذا المعنى العظيم الذي يبين عِظَمَ منزلة العقل عند الله تعالى، وحَفْزَه على التأمل والتفكر الموصلَينِ له إلى معرفة الحق والباطل.

 وإن أي إنسان عاقل يستغل طاقته العقلية في تأمل بعض تلك الآيات، لا بد أن يوقن بأن ما جاءت به رسل الله ونزلت به كتبه حق.

و لنذكر بعضا من تلك الآيات بدون تعليق، ليتأملها طالب الحق، ثم يسأل عقله بعد ذلك: هل تبين له أن الله تعالى حق وأن عبادته حق، وأن الكون كله دال على ذلك، وأن الله تعالى قد أنزل عقله منزلة عظيمة يجب عليه أن يشكرها ويصون ذلك العقل من عبث المتلاعبين به أو لا؟

من ذلك قوله تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفلك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ لأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَلأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [البقرة: 164]

وقوله تعالى: ((المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الحق وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) (4) [الرعد]

ومنها قوله تعالى: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(1)يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِي (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالحق تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (8)وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(9) هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)وَأَلْقَى فِي لأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفلا تَذَكَّرُونَ (17))) [النحل]

وقوله تعالى: ((وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ لأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُللا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70))) [النحل]

وقوله تعالى: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)[ الحج]

وقوله تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِ بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) [الروم]

وقوله تعالى: ((ضَرَبَ لَكُمْ مَثلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ إيمانكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) [الروم]

وقوله تعالى: ((إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3)وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4)وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) [الجاثية]

وقوله تعالى: ((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) [البقرة]

وقوله تعالى: ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) [يوسف]

وقوله تعالى: ((لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(10) [الأنبياء]

وقوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (80) [المؤمنون]

وقوله  تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) [غافر]

وقوله تعالى: ((اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) [الحديد]

وبهذا يعلم إجرام قادة الباطل وجنايتهم على أنفسهم وعلى غيرهم، وتمسكهم بتقليد الآباء والمتبوعين الذين عطلوا نعمة الله عليهم بتلك العقول، ليميزوا بها الحق ويتبعوه، ويعرفوا بها الباطل ويجتنبوه، فحرموا أنفسهم وأتباعهم من هدى الله الذي لا يُحْرمه إلا من لا عقل له، بل عطلوا بذلك كل المنافذ المحسوسة، كالسمع والبصر التي تعرض على عقولهم ما تسمع وما تبصر من آيات الله في أنفسهم وفي الكون الكبير، وأنزلوا أنفسهم منزلة أحط من منزلة الحيوان!

قال تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) [البقرة]

وقال تعالى: ((وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171) [البقرة]

وقال تعالى: ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ(22) [الأنفال]

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ(179) [الأعراف]

وقال تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) [يونس]

وقال تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ لأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ ل يَعْقِلُونَ (63) [العنكبوت]

وقال تعالى: ((ل يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ ل يَعْقِلُونَ(14) [الحشر]

ولما كانت العقول والفطر السليمة، ترفض الباطل لفساده ومجافاته للحجج والبراهين التي تسند الحق وتظاهره، لجأ أهل الباطل إلى إسناده وتأييده بالقوة والإكراه والتضليل والاستخفاف.

وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة، لا تخفى على من تأملها في جميع حقب التاريخ الممتدة منذ أوجد الله الخليقة إلى يومنا هذا، وستبقى كذلك إلى قيام الساعة. كما دلت على ذلك سير قادة الباطل وأساليبهم، منذ أن خلق الله آدم السلام وابتلاه بقائد قادة الباطل: إبليس لعنه الله.

وبهذا يظهر السبب الذي جعل أهل الحق وأهل الباطل يتسابقون إلى العقول: أهل الحق بحقهم، وأهل الباطل بباطلهم، لأن من سبق إلى العقول بما عنده ملك زمام أصحابها، وقادهم إلى غايته بوسائله المتاحة واستثمرها وحظي بنتائجها، ومن كان أكثر سبقا إلى العقول كان-في الغالب-أكثر أنصارا وأعوانا، فإن كثر أهل الحق وقويت شوكتهم، أقاموا الحق في الأرض ونشروه وحموه من اعتداء أهل الباطل عليه، وإن كثر أهل الباطل وقويت شوكتهم، أقاموا الباطل في الأرض ونشروه وحموه وحاربوا به وبأعوانه الحق، وأحاطوا باطلهم بِجُدُرٍ من الحواجز الحسية والمعنوية ضد هجمات الحق عليه ودحضه وكشف عواره للناس.

 

 

 

أسباب تأليف هذا الكتاب

   لتأليف هذا الكتاب ثلاثة أسباب:

   السبب الأول: ما حكاه القرآن الكريم، من الصراع الذي دار بين أهل الحق من الأنبياء والرسل وأتباعهم، وبين أهل الباطل من الأمم السابقة.

   إن المتأمل في ذلك الصراع يجد أن أهل الحق يسابقون أهل الباطل إلى عقول الناس بما عندهم من الحق، ويسابقونهم إلى تفريغ تلك العقول من الباطل الذي تمكن من الوصول إليها، ويسابقونهم إلى حمايتها من أن يصل إليها باطل جديد.

   وأن أهل الباطل-كذلك-يسابقون أهل الحق إلى عقول الناس بما عندهم من الباطل، ويسابقونهم إلى تثبيت ما استقر منه في تلك العقول، ويسابقونهم إلى حمايتها من الحق الذي لم يصل إليها بعد.

   وفي قصص الأنبياء مع أممهم بيان واضح لهذه المعاني، كما سيأتي في فصول الكتاب.

   و في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم  وما قام به من تبليغ رسالة الله، وموقف قادة الباطل من ذلك التبليغ أمثلة كثيرة على هذه المعاني لمن تأملها. وكذلك تاريخ أصحابه رضي الله عنهم وما قاموا به من دعوة إلى الله وجهاد في سبيله، وكل من تبعهم على ذلك من أهل الحق، ومواقف طغاة الباطل منهم في جميع العصور.

السبب الثاني: ما حصل في هذا العصر من الوسائل الكثيرة المؤثرة للسباق إلى العقول، ومن اهتمام أهل الباطل باختراع كثير منها واستغلالها في سبقهم بباطلهم إلى عقول الناس، وتفريغ تلك العقول من الحق الذي وصل إليها وحمايتها من أن يصل إليها الحق، وتفريط أهل الحق وتقصيرهم الشديدين في استغلال تلك الوسائل للسبق بحقهم إلى تلك العقول، وتفريغها من الباطل الذي وصل إليها وحمايتها مما لم يصل إليها منه.

السبب الثالث: خطاب وجهه إلي عميد شؤون الطلاب في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، طلب مني فيه إلقاء محاضرة في قاعة المحاضرات الكبرى في الموسم الثقافي المعتاد كل عام ، وطلب ذكر عنوان المحاضرة، فلبيت الطلب، وذكرت له هذا العنوان: (السباق إلى العقول-الغايات-الوسائل والنتائج). [-وقد بعث إلى بخطاب الموافقة على العنوان المذكور برقم:: (10/ 413/ 19) وتاريخ: (23/4/1413هـ-). وألقيت المحاضرة بتاريخ: 10/5/1413هـ-بعد صلاة المغرب حضرها كثير من أعضاء هيئة التدريس  والطلاب بالجامعة. وكانت المحاضرة لا تزيد عن أربعين صفحة بخط اليد. وهاهي اليوم كتاب بين يدي القارئ يزيد عن أربعمائة صفحة، وذلك من فضل الله وعونه.]

 

 

غايات أهل الحق

 

لأهل الحق غايات يسابقون بها أهل الباطل، لإبلاغ تلك الغايات إلى عقول الناس لتستقر فيها وتؤمن بها، وتصبح بذلك عقول حق.

ولأهل الباطل غايات يسابقون بها أهل الحق لإبلاغها إلى عقول الناس لتستقر فيها وتستسلم لها، وتصبح بذلك عقول باطل.

غاية أهل الحق العليا في السباق إلى العقول.

هنالك غاية عليا لأهل الحق تتفرع عنها كل الغايات التي يسابقون بها أهل الباطل إلى العقول، وهذه الغاية هي: رضا الله سبحانه وتعالى.

فهم-أي أهل الحق-يتحرون هذه الغاية العليا الشاملة لكل الغايات. أليس الله تعالى هو الحق؟ أليسوا يسابقون بالحق ومن أجل الحق؟ فماذا يريدون غير رضا الحق؟

فهذا نبي الله موسى عليه السلام يقول الله تعالى عنه: ((وما أعجلك عن قومك يا موسى، قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك ربي لترضى)). [طه: 83-84]

وقال تعالى عن سليمان بن داود عليهما السلام: ((وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين..)). [النمل: 19]

وختم تعالى حواره مع عيسى عليه السلام بقوله: ((هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم)). [المائدة: 119]

وقال تعالى: ((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد)).[البقرة: 207]

وقال تعالى: ((ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير)).[البقرة: 265]

وقال تعالى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم)).[التوبة: 100]

 وقال تعالى عنهم: ((محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا)) [الفتح: 29]

وقال عن أهل بيعة الشجرة منهم: ((لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)) [الفتح: 18]

وقال تعالى بعد أن ذكر ما زين للناس من متاع الحياة الدنيا: ((قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد)) [آل عمران: 15]

وقال تعالى: ((أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله)) [آل عمران: 162]

وقال تعالى: ((فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله)) [آل عمران: 174]

وقال تعالى عن حزبه: ((رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون...)) [المجادلة: 22]

وقال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم، أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي)) [الممتحنة: 1]

وقال تعالى: ((لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما)) [النساء: 114]

وقال تعالى: ((يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)) [المائدة: 16]

فأهل الحق يرجون من كل أعمالهم الصالحة رضا الله سبحانه وتعالى ويتبعون رضوانه، ورضاه تعالى هو غاية كل غاية، وهو تعالى لا يرضى إلا عن أهل الحق.

ومن أجل أن رضا الله تعالى هو غاية أهل الحق، يأتي خطاب الله تعالى لهم-بعد أن يسكنهم جنته ويعطيهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر-مخبرا لهم بإحلاله هذه الغاية العظيمة عليهم، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب فقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا.) [صحيح مسلم (4/1276)]

فهذا الحديث يفسر أن رضوان الله عن عباده هو غاية الغايات، لأنه أفضل ما يعطى أهل الجنة التي لا يدخلها إلا من رضي الله تعالى عنه.

 

حصول رضا النفس وطمأنينتها في الدنيا لمن رضي الله عنه.

ويجب أن يعلم أن هذه الغاية –رضا الله-التي جعلها أهل الحق نصب أعينهم-بل جعلوها أم الغايات-للسباق إلى العقول بالحق هي التي يتحقق بها الاطمئنان والسعادة والرضا لمن حققها، ويدل على ذلك أمران:

الأمر الأول: نصوص الكتاب والسنة، ما ذكر هنا منها وما لم يذكر، وبخاصةٍ قوله تعالى: ((رضي الله عنهم ورضوا عنه..)).[ المجادلة: 22 والبينة: 8]

وإن صاحب هذه الغاية ليجد الرضا في نفسه والطمأنينة والسعادة في أشد الظروف امتحانا وابتلاء، يتضح ذلك بتأمل قوله تعالى-مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيه من اقتدى به من أمته-: ((فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى)).[طه: 13] وفي معنى ذلك قوله تعالى: ((ألا بذكر تطمئن القلوب)). [الرعد: 28]

الأمر الثاني: شهادة الواقع فما من أحد سعى للوصول إلى هذه الغاية-سواء كان فردا أو أسرة أو أمة-إلا وجد في نفسه الرضا الطمأنينة والسعادة، وإن الذين ينأون بأنفسهم عن هذه الغاية ليحرمون أنفسهم من الرضا والطمأنينة والسعادة، مع كدهم واجتهادهم في الحصول على الرضا والطمأنينة والسعادة، عن غير هذه السبيل العظيم.

وبهذا يعلم أن أهل الحق عندما يسابقون بالحق إلى عقول الناس إنما يبتغون للناس الوصول إلى هذه الغاية ليتحقق لهم الرضا والاطمئنان والسعادة، إذ كلما كثر أهل هذه الغاية زادت في الأرض هذه المعاني التي ينشدها كل الناس.

وإذا كان رضا الله هو الغاية العليا الشاملة لكل غايات أهل الحق من سباقهم إلى العقول، فما الغايات التي تتفرع عن هذه الغاية وتعتبر وسائل لتحقيقها-وإن كانت كل واحدة منها غاية بذاتها-؟[ كون بعض الغايات تعتبر وسائل لغايات أخرى أمر معروف.]  


الغايات المتفرعة عن الغاية العليا:

من أهم الغايات المتفرعة عن تلك الغاية ما يأتي:

أولا: تبليغ رسالات الله إلى الناس.

ثانيا: إقامة الحجة على الخلق.

ثالثا: إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

رابعا: تحقيق توحيد الله في الأرض.

خامسا: غرس الإيمان بالغيب في النفوس.

سادسا: تحكيم شرع الله في حياة الناس.

سابعا: تثبيت الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين.

ثامنا: غرس الأخلاق الفاضلة ومطاردة الأخلاق الفاسدة.

تاسعا: طلب العزة من الله وحده..

عاشرا: القيام بالخلافة في الأرض على أساس هدى الله.

 

أولا: تبليغ رسالات الله إلى الناس.

والمراد إيصال تلك الرسالات ببراهينها وحججها، حتى تكون واضحة بينة تفهمها العقول فهما تقوم به الحجة على أصحابها، وهذا هو البلاغ المبين الذي هو وظيفة الرسل عليهم السلام ووظيفة أتباعهم.

قال تعالى: ((الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا)). [الأحزاب: 38]

وقال تعالى: ((ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم)).[الجن: 28 ]

وكان الرسل عليهم الصلاة والسلام يعلنون لأقوامهم أنهم جاءوهم لتبليغهم رسالات الله إليهم.

قال تعالى عن نوح عليه السلام: ((أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم)).[الأعراف: 62]

وقال تعالى عن هود عليه السلام: ((أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين)). [الأعراف: 68]

وقال تعالى عن صالح عليه السلام: ((يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين)).الأعراف: 79]

وقال تعالى عن شعيب عليه السلام: ((يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين)).[الأعراف: 93]

وقال تعالى: ((فهل على الرسل إلا البلاغ المبين)). [النحل: 35]

وقال تعالى: ((وما على الرسول إلا البلاغ المبين)) [النور: 54، والعنكبوت: 18]

وإذا كانت هذه الوظيفة هي-في الأصل-وظيفة الرسل، فإنها وظيفة أتباعهم بعدهم، وبخاصة أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين لم يبق دين حق في الأرض غير دينهم، قال تعالى: ((قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني..)). [يوسف: 108]

وإذا ما حصل تقصير أو توان في هذه الوظيفة ممن كلفهم الله القيام بها-وحاشا رسل الله أن يقصروا ويتوانوا في ذلك-فإن ذلك إخلال بالوظيفة، كما قال تعالى: ((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)).[ المائدة: 67]

 

ثانيا: إقامة الحجة على الناس.

حتى لا يكون لهم عذر يحتجون به على ربهم، وهذه الغاية ملازمة لما قبلها، لأن في تبليغ الرسالات إقامة للحجة، ولكن كلا منهما غاية من غايات أهل الحق في السباق إلى العقول.

قال تعالى: ((رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما)).[ النساء: 165]

وقال تعالى: ((وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين، أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون)).[ الأنعام: 155، 157]

 

ثالثا: إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

إن أهل الباطل عندهم بصر مادي-ينظرون به فيرون ما تمكن رؤيته من الكون العلوي والسفلي، بل وصلوا إلى رؤية ما لم يكن في الحسبان رؤيته من دقائق الأمور، وما بَعُدَ في هذا الكون، عن طريق ما صنعوا من آلات مكبرة ومقربة، وعن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية التي غزوا بها-كما يقولون-الفضاء، ولا زالوا يطورونها.

وأما الأرض وبعض طبقاتها فقد مسحوا كثيرا منها ولا زالوا يمسحون ويطلعون فيها على أسرار خطيرة-غير الأسرار الطبيعية-[ ومنها الأسرار العسكرية.] لا يعرفها كثير من مسئولي البلدان التي هي فيها.

ومع هذا كله فإن أهل الباطل عميٌ يتخبطون في دياجير ظلمات الكفر والجهل-وإن سموا علماء، وأصبح هذا المصطلح "علماء" يغلب عليهم عند عامة المثقفين في الأرض-.

وهم علماء فعلا في تخصصاتهم التي مكنتهم من علم بعض ظواهر الحياة الدنيا، كما قال تعالى نافيا عنهم حقيقة العلم الذي ينفعهم وينفع أممهم في الحياة الدنيا والآخرة، ومثبتا لهم ما حازوه من علم بعض من ظاهر الحياة الدنيا: ((وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)). [الروم: 6، 7]

فأهل الباطل هؤلاء-وغيرهم-يعيشون في ظلمات-وإن ملأ الغرور أدمغتهم والكبرُ قلوبَهم بما وصلوا إليه من العلم المادي-وهم في حاجة إلى من ينبههم من غفلتهم ويخرجهم من الظلمات: ظلمات الكفر والجهل بالخالق وبالغيب الذي يجب الإيمان به، وبشرع الله ووحيه ورسله، ومنهج الحياة الذي يسعدهم في دنياهم وأخراهم، إذا ما طبقوه في حياتهم.

قال تعالى: ((الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)). [البقرة: 257]

والله تعالى يخرج الناس من الظلمات إلى النور بوحيه، عن طريق رسله واتباعهم الذين يبينون للناس الحق والباطل ويدعونهم إلى الحق وينهونهم عن الباطل، كما قال تعالى: ((الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد)). [إبراهيم:1]

وقال تعالى: ((ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور..)).[ إبراهيم: 5]

وقال تعالى: ((رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور)). [الطلاق: 11]

وتخصيص المؤمنين بالإخراج من الظلمات إلى النور مبني على كونهم هم المنتفعين الذين يستجيبون لأمر الله ودعوة رسله، فيخرجون فعلا من الظلمات إلى النور، كتخصيص كون القرآن هدى للمتقين في مثل قوله تعالى في كتابه العزيز: ((ألم  ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين...)).[ البقرة: 2]

مع أن كتاب الله هدى لجميع الناس لو أرادوا الهداية، ولكنه خصّ المتقين لكونهم المنتفعين به، والرسالات جاءت لإخراج الناس كلهم من الظلمات إلى النور.

وقد يقول قائل مبهور بالاكتشافات العلمية المعاصرة، وما وصل إليه رواد الحضارة الغربية المادية: كيف يكون الناس في ظلمات، وبخاصة أهل الغرب الذين ذللوا بعلمهم واكتشافاتهم الصعاب فحولوا الظلام الدامس إلى أنوار تتلألأ في المدن والقرى والأرياف، وقربوا البعيد في الأسفار وحمل الأثقال، والتخاطب بالأصوات والرسائل المكتوبة (بالفاكس والتلكس وغيرها..) والصورة عن طريق التلفاز والأقمار الصناعية، وحولوا وجه القمر الجميل -الذي كان الشعراء والأدباء يتغزلون بوجهه الصبيح، مشبهين به الغانيات من النساء -إلى مطار يهبطون فيه ويصعدون، وأصبحت الكواكب البعيدة هدفا لاكتشافاتهم تتوالى صورها المنقولة بوساطة الآلات الفضائية التي تسير من الأرض، بحيث تُؤمَر وتُنهَى-على بعد المسافة بينها وبين من يأمرها وينهاها-فتستجيب للأمر والنهي، وامتلأت الأرض بآثار حضارتهم، من طائرات وسيارات وقطارات وسفن بحرية، أصبحت مدنا متنقلة فيها كل ما يبتغيه الإنسان في المدن الكبرى،  وأصبحت الأرض بالمواصلات الحديثة شبيهة بقرية صغير يتواصل الناس فيها في كل لحظة من لحظات الزمن-وبخاصة بتلك الوسيلة المدهشة: الشبكة العالمية "الإنترنت" وشيدت ناطحات السحاب ذات المرافق المريحة المدهشة، ووجد الإنسان الآلي الذي أصبح يجري العمليات الجراحية، والكمبيوتر الذي عجز العقل الإنساني الذي صنعه عن مجاراته، ووجدت صواريخ تعبر القارات وأسلحة حرب النجوم، وأصبحت طبقات الأرض عاجزة عن ستر ما في طبقاته عن أقمار التجسس، وأصبح الإنسان يُصنَع في أنابيب، وتمكن الأطباء من زرع الأعضاء في الأجسام لتحل محل أعضاء أخرى.. [وأخيرا وصلوا إلى الاستنساخ الحيواني وغيره...]الخ.؟؟!!

أهذا الإنسان العصري الذي وصل إلى هذه الدرجة من العلم، هو في ظلمات يحتاج إلى إخراج منها إلى نور؟!

ما الظلمات التي هو فيها الآن؟ وهو بهذه الحال؟

وما النور الذي سيخرج إليه؟

أهو الرجوع إلى سراج الزيت؟ والسفر على البغال والحمير والجمال؟ والسكنى في الكهوف، وبيوت القش وجلود الأنعام والخيام؟ وبصفة عامة إحياء الرجعية والتأخر والجمود وكبت الحريات ونسف الديمقراطيات التي نعم بها الغرب بعد جهد ونضال مريرين، وإعادة المرأة إلى مخدعها لا ترى أحدا ولا يراها أحد؟!

والإجابة عن هذا السؤال تطول، ولكن تعال معي أيها القارئ! لنتأمل قليلا في أحوال الناس في هذا العصر الذي وصف السؤال قدرا ضئيلا من تقدمه المادي، لنرى إن كان أولئك الناس الذين هذه صفتهم في ظلمات محتاجين إلى من يخرجهم منها إلى نور أو لا؟!

 


أمثلة لحياة القوم-المتحضرين-في بعض المجالات:

المجال الأول: الحياة الإيمانية:

قلت في آخر الحلقة السابقة، إجابة على تساؤلات قد تدور في ذهن القارئ: كيف يكون الإنسان المتحضر في هذا العصر في ظلمات، يحتاج إلى من يخرجه من الظلمات إلى النور؟: والإجابة عن هذا السؤال تطول، ولكن تعال معي أيها القارئ! لنتأمل قليلا في أحوال الناس في هذا العصر الذي وصف السؤال قدرا ضئيلا من تقدمه المادي، لنرى إن كان أولئك الناس الذين هذه صفتهم في ظلمات محتاجين إلى من يخرجهم منها إلى نور أو لا؟!

إن المتأمل في الحياة الإيمانية لأولئك المتحضرين يجدهم يؤمنون بكل شيء مادي يدخل في نطاق علمهم الدنيوي الظاهر، وكثير منهم لا يؤمنون الإيمان الحق، وهو الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان بالخالق الإله المعبود.

فالذين يسمون بأهل الكتاب، من يدعي منهم أنه يؤمن بالله لا يؤمن به في الحقيقة، وإنما يؤمن بآلهة متعددة: الله، الابن، روح القدس، ويسمون الثلاثة إلها واحدا، مما جعل بعض الأطفال في مدارس الغرب يتساءلون: كيف يكون الثلاثة، واحدا ونحن ندرس في الرياضيات أن ضرب الثلاثة في واحد يساوي ثلاثة؟! فلا يجدون من القسس والرهبان جوابا، فينصرفون عن الدين إلى الإلحاد، ولهذا تجد كثيرا ممن يسمون بالنصارى ملحدين لا يؤمنون بإله.

وتجد دولا كبيرة قامت في الأرض على الإلحاد الصريح الذي ينكر وجود الخالق-أصلا-مع أن كل ذرة في الكون تصرخ في وجوههم وتحتج وتثبت أن الله الخالق موجود، بل وتدل على أنه المعبود الحق سبحانه وتعالى.

وإن العقل الذي لا يقر صاحبه بذلك إنما يشهد عليه بأنه أحط من أحقر الحيوانات.

وتجد وثنيين قد ملئوا جوانب كثيرة من الأرض يقدسون كل مخلوق ويعبدونه من دون الله، كالبقر والنار والشجر والحيوان والنهر، بل حتى الفرج، وتجد كبار فلاسفتهم يعيشون مع الكلاب والقطط والدجاج، في الغابات يعبدون غير الله، ويُعبَدون هم من دون  الله.

وكنت أظن أن هؤلاء الوثنيين مثل وثنيي العرب الذين كانوا يعبدون الأوثان لتقربهم إلى الله، ولكني وجدتهم ينكرون إنكارا شديدا أن يكون هناك رب خلق هذا الكون، وهم في ذلك كالشيوعيين الملحدين ولا يختلفون عنهم إلا بأنهم يعبدون المخلوقات عبادة صريحة واضحة.

بل إنك لتجد جمهرة من المسلمين يعبدون القبور ويطوفون بها ويتمسحون بترابها ويدعون أهلها من دون الله!

وتجد كثيرا من أبناء المسلمين ملحدين لا يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، متبعين في ذلك ماركس ولينين وغيرهما.

نعم انهارت الدول الإلحادية ولكن الإلحاد ما زال موجودا.

والذي لا يؤمن بالله لا يؤمن بالغيب الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، فلا يؤمن بوحي ولا رسالة ولا كتب-وآخر تلك الكتب والمهيمن عليها القرآن الكريم-،ولا برزخ ولا بعث ولا حشر ولا حساب ولا صراط ولا ميزان ولا جنة ولا نار ولا ملائكة، لا شيء غير عالم الشهود.

فهل ترى أمثال هؤلاء الذي هذه حياتهم في مجال الإيمان يعيشون في نور أو ظلمات؟!

وفقد الإيمان بالغيب يكفي وحده للدلالة على أن صاحبه في ظلمات، وكل خير مفقود هو أثر لفقد هذا المجال.

 

المجال الثاني: الحياة الاجتماعية.

الحياة الأسرية هي نواة الحياة الاجتماعية في كل الأمم، فإذا ما قامت الحياة الأسرية على أساس متين في علاقات بعض أفرادها ببعض، ابتداء من الزوجين الذين يكون الزواج سكنا لهما وراحة وطمأنينة، بحيث  يختار كل منهما صاحبه على أساس الدين الذي لا تستقيم الحياة الزوجية، ولا يحصل السكن لكل من الزوجين وثقة كل منهما بصاحبه إلا به، وقد يكون في بعض الأديان الباطلة شيء من الوصايا والآداب الزوجية، ولكنها لا تقوم على تقوى الله والخوف منه والرغبة في ثوابه، ولا تكون بذلك مطبقة في الواقع، وبخاصة عندما يكون الهدف من الزواج لكل من الزوجين المتعة المادية فحسب أو الكسب المادي، كطمع كل منهما في مال الآخر ونحو ذلك-أي عندما تطغى الأنانية والأثرة.

وهذا ما هو حاصل اليوم في خضم الحضارة المادية.

لذلك تجد الصراع والشقاق بين الأزواج وكثرة الطلاق وتشرد الأولاد، وانتشار الأمراض النفسية، وتعاطي الكحول والمخدرات والإدمان عليها، وفقد كل من الزوجين ثقته في الآخر، وانبنى على ذلك ما لا يحصى من الآثار الخطيرة.

من ذلك العزوف عن الزواج للتخلص من الارتباطات القانونية وتحمل مشقات تربية الأولاد-ماديا-وأصبح الآدميون يعيشون كما تعيش البهائم.

بل إن الزوج يرى امرأته وهي ترافق غيره، والمرأة ترى زوجها وهو يرافق غيرها، وقد يتآمر أحد الزوجين وعشيقه على الآخر، فيقتلانه ليتخلصا منه ويعيشا عيشة الحيوان برهة من الزمن، ثم يستبدل كل منهما بقرينه قرينا آخر.

وقد تنجب هذه المرأة أولادا فينسبون إلى زوجها وهو يعلم أنهم ليسوا بأولاده، كما لا توجد ثقة عند الأبناء بأن هذا هو أبوهم.

ولهذا يحاول كل من الآباء والأبناء تخلص بعضهم من بعض إما بالقانون-إذا أمكن-أو بالاعتداء على الحياة فإذا ما بلغ الولد-ذكرا أو أنثى-السن القانونية وكان والده يكره حياته معه، طرده من بيته إلى غير رجعة وليصادف في حياته ما يصادف، وإذا كان الولد يكره الحياة مع والديه أو أحدهما غادر المنزل وقد لا يلتقيهم بعد ذلك في هذه الحياة، وقد يقتل أحدهما الآخر، وكم من شيخ فان مات في منزله فلم يعلم بموته أولاده، وهم في مدينته أو حارته أو عمارته أو في مكان آخر؟! فلا يُعرف موته إلا برائحة جثته عندما تتخلل شقوق الأبواب والنوافذ فتنبه الجيران ليستدعوا الشرطة لتريحهم من تلك الرائحة.

ولعدم ثقة كل من الزوجين في صاحبه وعدم ثقة الآباء في نسبة الأولاد إليهم، وعدم ثقة الأبناء في أن أولئك آباؤهم، ترى الغني الثري يقف ماله بعد موته على حيوانات أو غيرها، فرارا من أن يحوزها من لا يثق بنسبته إليه.

هذه بعض أحوال الأسرة التي هي نواة المجتمع، فكيف يا ترى يكون المجتمع المكون من هذه الأسر؟

كيف تكون الروابط بين أسرة الزوج وأسرة الزوجة؟ وكيف تكون الروابط بين الجيران؟ وكيف تكون الروابط بين الإخوان والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأقارب الآخرين، إذا كانت تلك هي الروابط بين الأزواج والأبناء؟

هذا في الأقارب فما شأن الأباعد؟

إنه الدمار الذي يحطم الروابط المادية التي لا أساس لها من دين أو خلق، فلا يرحم قوي ضعيفا ولا يحترم صغير كبيرا.

فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه حياتهم في المجال الاجتماعي يعيشون في نور أو ظلمات؟!

 

المجال الثالث: الحياة الاقتصادية.

والاقتصاد عند المتحضرين هو محور التنافس وميدان الصراع، يحطم القوي فيه الضعيف، وتقف وراءه حفنة قليلة من البشر تمتص به عرق العالم ودماءه: عصابة يقبع أفرادها في مكاتبهم ويقعدون على كراسيهم، ويديرون الاقتصاد العالمي كله بمكالمات هاتفية أو رسائل تلكس أو فاكس، أو بريد إلكتروني، يتلاعبون بأسعار النقد وأسعار السلع ويحطمون اقتصاد دول وشعوب، وتبتلع شركاتٌ كبرى شركاتٍ صغرى، سلاحهم الأساسي في كل ذلك الربا الذي دمر العالم وحطمه.

ينبني على هذا الجشع والاستغلال والتلاعب، أن يكدح البشر في العالم ويبذل غاية طاقته في العمل من أجل أن تقطف ثمار عمله تلك العصابة المرابية، فتكون الدول والشعوب أسيرة لتلك العصابة، تأخذ منها أقصى جهدها، وتعطيها ما لا يقيم ضرورتها من المعيشة.

وبتمكن تلك العصابة الشريرة من السيطرة الاقتصادية واحتوائها للمال ومرافقه، أصبحت تسيطر على مرافق العالم من الإعلام بكل وسائله من الصحيفة إلى القمر الصناعي وما يتصل به، تخدمها الوكالات الإعلامية الكبرى التي تنشئها أو تشتريها بالمال والجاه والمنصب وإشباع الغرائز.

وبذلك تحتكر المعلومات وتسرب منها ما تريد وتحتفظ بما تريد، وتأتي التحليلات والتحقيقات متمشية مع مقاصدها، و كثيرا ما تُقلب فيها الحقائق وتُضلل بذلك الأمم والشعوب، و تخدمها أجهزة الإعلام في الدول المستضعفة، لأنها تتلقى مادتها الإعلامية من و كالاتها، فتنتشر بين الناس معلومات مضللة في كل المجالات، ولا يتنبه لذلك إلا قلة من الناس لا حيلة عندهم في كشف ذلك وفضحه، بدون وسيلة إعلامية أمام تيار الوكالات المسيرة بذلك الاقتصاد، وسيأتي الكلام على مجالات أخرى للاقتصاد ودوره الفعال في التأثير عليها.

ومع الثراء الفاحش الذي تجمع في أيدي تلك العصابة، تجد الفقر المدقع قد أنهك مجموعات من البشر في جميع الدول بما فيها الدول المتحضرة (ماديا) يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يتسكعون في الشوارع، لا يجدون من يشفق عليهم أو يرحمهم من أولئك الأثرياء، لا بصدقة ولا بوظيفة ولا بقرض حسن، فكثرت بسبب ذلك البطالة، لتسريح أولئك الأثرياء أعدادا هائلة من العمال، وبخاصة بعد أن حلت الآلة محل البشر، والذي يبقى في عمله من الضعفاء، لا ينال من أجره إلا ما يجود عليه به الثري الذي يستغل أقصى جهده في العمل، ولا يعطيه من الأجر إلا أقل القليل مما يستحق.

وهنا يأتي دور نقابات العمال التي تقوم بالمظاهرات وتلجأ إلى الاعتصام، وتتوقف في بعض المؤسسات الأعمال، حتى يتم التفاهم مع رب العمل والعمال فيعود العمل لفترة زمنية، و يتكرر النزاع بعدها من جديد.

وحدِّثْ عن الجوع الذي يقتل شعوبا بأكملها، والكوارث التي تقضي على بلدان كثيرة، فلا تجد من عصابات الثراء عونا ولا إسعافا، وبخاصة إذا كانت تلك الشعوب غير مرضي عنها لأمر من الأمور.

واليوم ظهر خوف الشعوب ذات الحضارة المادية المتقدمة-وكيف بغيرها؟- مما سمي بالعو لمة، التي حقيقتها سيطرة الأقوياء على الضعفاء في كل المجالات: الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، والعسكرية، والإعلامية، وجعل الشعوب الضعيفة أشد ضعفا، تقضي فيها الدول القوية على كل مقوماتها، بل تقضي على سيادتها، وتصبح الدول القوية تتحكم في كل شأن من شؤون حياتها.  

فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه حياتهم في المجال الاقتصادي يعيشون في نور أو ظلمات؟!

وإنما أغفلت ذكر المعسكر الشيوعي والاشتراكي-وإن كان موجودا في الصين الشعبية بصفة خاصة، ومحافظا على فلسفته الشيوعية التي تجعل الشعب كله خادما بلقمة عيشه ومسكنه الجماعي لا يملك لنفسه شيئا-لأن هذا المعسكر قد قضي بنفسه على نفسه لمخالفة نهجه الفطرة والناموس مخالفة واضحة، وهو في طريقه إلى الزوال كما حصل لما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي. وهاهي الصين اليوم تعلن تخليها عن نهجها الاقتصادي الشيوعي، وتأخذ بالنهج الرأسمالي، وإن زعمت أنها لا تزال على شيوعيتها...

 

المجال الرابع: الحياة السياسية. 

الحياة السياسية في العالم الذي يقال عنه: إنه متحضر-تقوم كغيرها على أساس إبعاد منهج الله تعالى عن تسيير حياة البشر، وإحلال المناهج البشرية محله، وهو ما اشتهر بالعلمانية، والعالم الغربي منطقي مع نفسه في ذلك، بالنسبة للديانة النصرانية المحرفة.

فالإنجيل الذي بأيديهم ليس فيه ما يمكن أن يستند عليه في التشريع والسياسة والاقتصاد والاجتماع والقضاء وغيرها، حتى يقال للنصارى: احكموا بالإنجيل في سياستكم .

وأمر الله أهل الإنجيل أن يحكموا بما فيه، وكذا أمر أهل التوراة أن يحكموا بما فيها، المراد منه الاعتراف والإقرار برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم التي وردت في الكتابين، وأنكرها اليهود والنصارى وكتموها، وليس المراد الحكم بكل ما فيهما بعد نزول القرآن الذي هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، وقد بين ذلك المفسرون... 

وأهل الغرب ليس عندهم-وخاصة ساستهم-استعداد لقبول تحكيم الإسلام حتى يبنوا حياتهم السياسية على مبادئه-لا سيما أن المسلمين أنفسهم لا يحكمون الإسلام في أغلب بلدانهم، فكيف يرجى من غيرهم أن يحكم به وهم بعيدون منه؟!.

لذلك قامت الحياة السياسية في الغرب-أوربا وأمريكا الشمالية وما دار في فلكها من البلدان، كاستراليا واليابان-على مبدأ الديمقراطية التي يقال عنها: إن الشعب يحكم نفسه بنفسه إما بصفة مباشرة-وهذه حلم لم يتحقق إلى الآن-أو عن طريق نوابه الذين يختارهم، والأسلوب الذي  تدار به السياسة في الغرب أسلوب جذاب في ظاهره وبخاصة إذا قورن بالسياسة الاستبدادية " الدكتاتورية " التي اتبعها المعسكر الاشتراكي والدول المسماة بالعالم الثالث. فإن الشعب في الغرب يختار نوابه ويختار قادته بدون شراء الأصوات مباشرة وبدون تزوير واضح، وبدون مضايقة شرطية "بوليسية" يتنافس الزعماء الذين يرشحون أنفسهم لقيادة بلدانهم، فإذا اختير أحدهم سلم السابق الحكم للاحق بدون أي عناء أو مشقة، وهكذا تتداول الأحزاب الحكم بطريقة سلمية-بخلاف الزعماء الاستبداديين وأحزابهم، فإنهم لا يسلمون الحكم لخصومهم إلا بالسلاح.

ولكن هل هذه الصورة الظاهرة المفضلة على الاستبداد كما يراها الناس في ظاهرها حرة ليس فيها إكراه، ونزيهة ليس فيها خداع؟؟

والجواب: لا، فحريتها ظاهرية سطحية، ونزاهتها وهمية، فالأحزاب الغربية المسماة بالديمقراطية تضلل عقول الشعوب التي تنتخب الزعماء، عن طريق أجهزة الإعلام بتخطيط وتنظيم وتنفيذ معدة إعدادا محكما، من قبل مختصين في كل شأن من الشؤون التي تهم تلك الشعوب، وأجهزة الإعلام هي التي تُشتَرى بدلا من شراء الأصوات مباشرة، وهي تكذب وتجعل الكذب في صورة صدق، والزعماء يكذبون ويظهر كذبهم في صورة صدق، إضافة إلى القذارة الأخلاقية التي يتبعونها في اتهاماتهم لخصومهم بالحق والباطل، مع ما يعد به الزعيم الشعوب من الإنجازات التي يتبخر كثير منها بعد وصوله إلى كرسي الحكم.

وإذا علمنا أن أغلب جماهير الشعوب غوغائية، لا تفكر ولا تحلل ولا تشغل عقولها بمصالحها، وإنما تَسمع وتُستَخَف وتُقلِّد، وأن الذين يقودون تلك الشعوب هم أفراد قلائل، أدركنا أن تلك الجماهير شبه مكرهة على انتخاب أولئك الزعماء، بسبب التضليل الذي تفعله أجهزة الإعلام وشياطينها، وبسبب الأكاذيب والشتائم التي يكيلها كل مرشح لخصمه، والوعود التي يقطعها على نفسه.

ويترتب على ذلك أن الحزب الحاكم له مناهج وخطط وأهداف، كثير منها ليست هي التي يطمع فيها الشعب الذي انتخبه، فيمني الشعب بخسائر لم تكن بحسبانه، وبخاصة ما يتعلق بالاقتصاد الذي لا يكون الرفاه إلا بازدهاره.

كما أن أولئك الزعماء تكون لهم طموحات استعمارية وسياسية وعسكرية، فيجمعون بين أمرين:

الأمر الأول: التعالي على الشعوب الضعيفة وقهرها وأخذ خيراتها وجعلها مصدرا رخيصا للخامات التي يصنعها وسوقا يشعل فيه غلاء بضائعه وصناعاته، فيدمر بذلك اقتصادها، وقد يدمر جيشها وسلاحها.

الأمر الثاني: توريط شعوبهم-ليحققوا طموحاتهم-في حروب وعجز ميزانياتها بسبب إنفاق الأموال على وسائل تخفيف تلك الطموحات: من إنفاق مبالغ هائلة على السلاح وما يتبعه وعلى تنفيذ خطط إعلامية وسياسية وغيرها، وبذلك ترتفع الضرائب التي ترهق شعوبهم، بدلا من الرفاهية التي وعدوها بها.

والسبب في ذلك كله أن أولئك الزعماء يتصرفون بدون رقيب داخلي، والرقيب الداخلي لا يكون إلا بتقوى الله وهي معدومة عندهم.

نعم توجد رقابة من البرلمانات والأحزاب المعارضة، وتعلن فضائح ولكن بعد فوات الأوان، ثم إن الرقباء الذين يعارضون الحزب الحاكم، إذا تولوا الأمور فعلوا كما فعل من سبقهم وهكذا....

فهل ترى أمثال هؤلاء الذين هذه هي حياتهم في المجال السياسي يعيشون في نور أو في ظلام؟!

وهذا مع اعترافنا أن أساليب سياسة الدول الغربية الديمقراطية، أفضل بكثير من أساليب الحكم المستبدة في الدول المسماة بدول الشمال، أو دول العالم الثالث.

 

المجال الخامس: حياة تطبيق حقوق الإنسان.

عندما يتابع المرء ما يصدر عن زعماء الغرب ومفكر يهم وأجهزة إعلامهم، عما يتعلق بحقوق الإنسان ينقدح في ذهنه-إذا كان خالي الذهن-ثلاثة أمور رئيسة:

الأمر الأول: أن حقوق الإنسان هذه مصدرها الغرب، فهو الذي ابتكرها، وهو الذي صاغها ووضعها، وهو حامل لوائها وناشرها والداعي إليها.

الأمر الثاني: أن المقصود بالإنسان جنسه، بصرف النظر عن لونه أو دينه أو نوعه أو أرضه.

فكل إنسان في الأرض يجب أن يتمتع بهذه الحقوق المنصوص عليها "بصرف النظر عن موافقة بعضها للإسلام أو مخالفته.." فهذا أمر آخر له موضوعه.

الأمر الثالث: أن حقوق الإنسان التي يدعون إلى تطبيقها، بلغت من الكمال والسمو والدوام ما يجعلها جديرة وحدها بالاتباع، وكل ما عداها من التشريعات لا تدانيها!.

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقرته الأمم المتحدة، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي دمرت العالم في مشارق الأرض ومغاربها، بسبب الأطماع الاستعمارية الغربية "المتحضرة!" وقد سبقتها الحرب العالمية الأولى.

وهذا الإعلان يؤكد على احترام حريات الشعوب والجماعات والأفراد دون تمييز (بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أي تفرقة بين الرجال والنساء..).

وكان صدور هذا الإعلان سنة 1948م أي أن المدة التي مضت لصدور هذا القانون 53 سنة فقط، وقد مضى على نزول القرآن الكريم  أكثر من 1422هـ. والقرآن والسنة والفقه الإسلامي المستنبط منهما قد تضمنت من حقوق الإنسان ما لم يخطر ببال أحد من الناس، بالتفصيل الوارد في الإسلام، ليس في الكليات فقط وإنما في أدق الجزيئات، ابتداء من وجود الجنين في بطن أمه إلى أن يوافيه الأجل الفرد والأسرة والشعب والدولة، وليس المقام مقام استعراض لذلك، لا لكلياته ولا لجزيئاته، وقد كتب بعض علماء العصر في هذا الموضوع [أي في حقوق الإنسان، ومنهم الدكتور علي عبد الواحد وافي والشيخ محمد الغزالي وغيرهم.] وهو مفتوح للكتابة فيه والمقارنة التي تخجل تلك المواد غير الوافية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بتفاصيل حقوق الإنسان الواردة في الإسلام.

يضاف إلى ذلك أن حقوق الإنسان المفصلة الربانية التي لا يعتريها النقص قد طبقت فترة طويلة من الزمن، فأسعدت العالم الذي استظل بظلها: مسلمه وكافره، ولا تزال تنتظر من يطبقها بصدق لتنعم الأمم بها كذلك.

ولكن ما مدى تطبيق الدول المتحضرة لحقوق الإنسان التي أقرتها وتعاقدت عليها؟

إن نظرة خاطفة إلى تصرفات الدول المتحضرة! في هذا المجال تظهر للناظر الأمور الآتية:

الأمر الأول: أن الجنس الأبيض الغربي، لا يرى أي جنس آخر يقترب من مرتبته، وأنه هو وحده الذي يجب أن يسود، يتضح هذا عمليا، فصاحب اللون الأسود مكث فترة من الزمن بعد إعلان حقوق الإنسان، لا يحق له أن يختلط بالبيض في المدارس والجامعات والفنادق والمطاعم، ولم يَخِفْ هذا التمييز إلا بعد كفاح مرير من السود في أمريكا، وإذا ما وصل الأسود إلى وظيفة حاكم المدينة بسبب كثرة أنصاره من السود، أخذت أجهزة الإعلام تمن على السود بما وصلوا إليه، وقبل سنوات فازت امرأة سوداء في الانتخابات النيابية لتكون عضوا في الكونجرس الأمريكي، فأحدثت أجهزة الإعلام ضجة كبيرة لتمن على تلك المرأة السوداء التي هي أول امرأة سوداء تدخل البرلمان الأمريكي.

وقبل سنوات رشح القس الأسود "جاكسون" نفسه في أول الأمر، ليكون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه شعر من أول وهلة أنه لا يساوي صفرا على اليسار فانسحب مبكرا.

ولا زال حي "هارلم" في نيويورك سبة في جبين الغرب، وهو حي يسكنه السود الذين يراهم الزائر كأنهم في كوكب غير كوكب الأرض، من البؤس والشقاء والحرمان، ويجوز أن يكونوا هم غير طامحين إلى مستوى معيشي أفضل، ولكن الإهمال المتعمد من قبل الحاكم الأبيض، له دور كبير في ذلك الشقاء، وهم على بعد أمتار من مبنى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الراعي لحقوق الإنسان!

وفي الدول الأوربية "المتحضرة!" تفرقة واضحة بين الإنسان المسلم والإنسان اليهودي، فالمجموعة الصغيرة من اليهود معترف بدينها في البلدان وتنال كامل الحقوق التي ينالها أهل البلد نفسه، والعدد الهائل من المسلمين لا تعترف أكثر تلك الدول بدينهم الإسلامي ولذلك حرم المسلمون من الحقوق التي حصلت عليها الطوائف اليهودية!

بل إن الهجمة الشرسة على المسلمين الآن في بعض الدول الأوربية تنذر بالخطر، فالقتل والاغتيال اللذان يتعرض لهما المسلمون في بعض الدول الأوربية-كفرنسا وألمانيا-وكذلك الاعتداء على بعض المراكز الإسلامية والمساجد، على مرأى ومسمع من الحكومات الأوربية، يدل على أن حقوق الإنسان المسلم في أوربا غير مرغوب في حمايتها، والحملات العنصرية تتصاعد ضد المسلمين كل يوم.

هذا على مستوى كل دولة على حدة.

فإذا نظرنا بعد ذلك إلى حقوق الإنسان في خارج الدول المتحضرة، رأينا من التحيز والتفرقة بين إنسان وآخر وشعب وآخر وجماعة وأخرى، ما يكذب دعوى الغربيين بأنهم حماة حقوق الإنسان.

 

دعاة حقوق الإنسان يكرهون الإنسان على التخلي عن عقيدته!

من حقوق الإنسان لدى الدول الغربية-وبخاصة أمريكا التي تزعم أنها حاملة لواء هذه الحقوق وحاميتها-عدم إكراه الإنسان على عقيدة معينة. فهل وفَّى حماة حقوق الإنسان بهذا الحق؟!

هذه أمريكا اليوم تسعى-وهي زعيمة الغرب-لإكراه أي دولة أو أي جماعة أو أي حزب في أي مكان في العالم، لإقامة منهاجها و نظامها ونشاطها على أساس علماني-بمعنى وجوب إبعاد أي تشريع مبني على أساس ديني عن حياة الشعوب-ومعلوم أن حياة المسلمين كلها يجب أن تبنى على أساس دينهم الذي نزل به كتابهم وجاءت به سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

وهم-المسلمون-يعتقدون جازمين أن الله قد فرض تطبيق أحكام القرآن والسنة في حياتهم، وأنهم إن جحدوا هذا الفرض فقد خرجوا من ملة الإسلام، وأصبحوا أشد بعدا عن الله من جميع كفار الأرض، وإن خالفوا ذلك مع اعتقادهم بأنهم عاصون لربهم، فقد ارتكبوا كبائر الذنوب، ومع ذلك أصبح تطبيق الشريعة الإسلامية لدى أمريكا وحزبها (الغرب) جريمة وتطرفا وإرهابا، وانتهاكا لحقوق الإنسان، تُحارِب –أمريكا-أيَّ دولة تتجه لتطبيق شرع الله الذي تعتقد أنه مفروض عليها وعلى شعبها، تحاربها سياسيا واقتصاديا وتعليميا وإعلاميا ودبلوماسيا وعسكريا.

ومعنى هذا أن أمريكا وحزبها يفرضون على المسلمين فرضا ويكرهونهم إكراها، أن يعتقدوا أن حقوق الإنسان-المبنية على الكفر بشريعة الله وكتابه وسنة رسوله-هي الحق الذي يجب الإيمان به وتطبيقه، وأن يعتقدوا أن شريعة الله التي جاء بها القرآن والسنة باطل، لا يجوز أن تكون أساسا لأنظمتهم وحكمهم.

والدولة التي تطبق بعض أحكام الشريعة الإسلامية، يسلطون عليها وسائل إعلامهم ومنظماتهم الرسمية وغير الرسمية، فتوصف بأنها دولة وحشية وإرهابية ومنتهكة لحقوق الإنسان....! فأين تطبيقهم لمادة حقوق الإنسان التي تنص على حرية الاعتقاد؟ لما ذا لا يتركون المسلمين-وهم أهل الدين الحق الذي لم يبق دين في الأرض محتفظا بمرجعه الإلهي الصادق غيره-أحرارا في اعتقادهم وإيمانهم و تطبيق أحكام قرآنهم وسنتهم وشريعتهم ونظامهم الذي يختارونه؟ أليس هذا إكراها لدول وشعوب؟!! أليس إكراه الدول والشعوب أشد من إكراه الأفراد؟؟!!  

 

دعاة حقوق الإنسان  يحرمون الإنسان من المساواة التي منحه الله.

والتفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا استمرت عشرات السنين، والأوربيون يدوسون كرامة السود وهم أهل البلد: قتلوهم وعذبوهم وسجنوهم واعتقلوهم وشردوهم، ودعاة التحضر وحماة حقوق الإنسان ينكرون ذلك في أجهزة الإعلام، ويمدون أبناء جنسهم الأوربيين بكل ما يريدون من مال وسلاح وغيرهما، بطرق خبيثة ماكرة، وبخاصة عن طريق ربيبتهم المشابهة لدولة جنوب أفريقيا: دولة اليهود، ولا زالت الأغلبية السوداء صاحبة البلد تناضل من أجل حقوقها إلى الآن ولم تنلها.[ كانت كتابة هذه السطور قبل تحرر جنوب إفريقيا من حكم البيض.]

والتفرقة العنصرية اليهودية في فلسطين، لا زالت جاثمة على صدور أهل البلد، من الفلسطينيين الذين تداس كرامتهم، في منازلهم وشوارعهم ومساجدهم ومعتقلا تهم ومخيماتهم بكل وحشية، والدول الغربية المتحضرة تمد اليهود بالسلاح والمال والاقتصاد والدعم الكامل، سياسيا وعسكريا إذا اقتضى الأمر ذلك، أي إن حقوق الإنسان الفلسطيني مهدرة كحقوق الإنسان الأفريقي.

وتلك الهند تحتل أرض المسلمين في كشمير برغم قرارات "مجلس الأمن!" التي أعطت الحق للكشميريين في تقرير مصيرهم باستفتاء يجري بينهم، تقتلهم الهند وتسجنهم وتشردهم، والدول الغربية المتحضرة الحامية لحقوق الإنسان، تسمع وترى وتهز كتفيها غير عابئة بما يجري.

والمسلمون في بورما يقتلون ويشردون ويعذبون ويموتون جوعا، ودول الغرب المتحضرة حامية حقوق الإنسان تتفرج وكأن الأمر لا يعنيها.

والأغلبية المسلمة في الحبشة وإريتريا تحكمها أقلية تتصرف في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، والدول المتحضرة حامية حقوق الإنسان تتفرج ولا تحرك ساكنا.

والأغلبية المسلمة في جنوب الفلبين تطالب بحقوقها، والدولة الصليبية تدوس كرامتها وتقتل وتشرد المسلمين، أمام أعين حماة حقوق الإنسان فلا تتحرك ضمائرهم.

والأغلبية المسلمة في جنوب تايلاند تضطهد وتحرم من حقوقها، أمام أعين حماة حقوق الإنسان!

والأغلبية المسلمة في البوسنة والهرسك تستأصل في بلدها، من قبل الصليبيين الصرب والدول الغربية تنذر وتتوعد ولا تحرك ساكنا.

والمسلمون في ليبريا يذبحون وتقطع السنة أئمتهم وتهدم مساجدهم وتنتهك أعراضهم، وحماة حقوق الإنسان يشاهدون دون أن يفعلوا شيئا!

لماذا كل هذا السكوت ولماذا يغض حماة حقوق الإنسان الطرف عن هذه المآسي، ولماذا لا يتدخل مجلس الأمن الظالم لنصر حقوق الإنسان المسلم.

لا سبب أمامنا نراه إلا شىء واحد، وهو أن هذا الإنسان مسلم، لا قيمة له  لأن المسلمين أذلوا أنفسهم لغير الله فزادوهم ذلا.

لكن حماة حقوق الإنسان لا ينامون ولا يهدؤون إذا ما انتهكت حقوق إنسان آخر غير مسلم أو انتهكت حقوق مسلم ولهم في التدخل لحماية حقوقه-في الظاهر-مصلحة، ومصلحة حماة حقوق الإنسان هي المحور الأساس.

وإليك بعض الأمثلة:

عندما أعلنت كرواتيا في هذه الأيام -كان هذا وقت اشتداد الاعتداء على المسلمين في البوسنة والهرسك- استقلالها عن صربيا، وأعلن الصرب الحرب ضدها قامت دول التحضر الحامية لحقوق الإنسان بحملة سريعة ضد صربيا، وأعلن مجلس الأمن "اللعبة" بعث قوة تفصل بين الدولتين وتم ذلك، ولكنها لم تفعل ذلك مع البوسنة والهرسك، وكلاهما دولتان اعترف بهما، وهما من دول يوغوسلافيا السابقة ويجاور بعضهما بعضا، فلماذا!؟

أعلنت دول الغرب المتحضر الحامي لحقوق الإنسان حربا إعلامية ضد حكومة السودان، بسبب قتلها موظفَيْنِ سودانيين لدى الإدارة الأمريكية، لأنهما نصرانيان والغالب أنهما جاسوسان لأمريكا، لأن الحكومة السودانية سوغت قتلهما بالخيانة العظمى.

وأعلنت الحرب الإعلامية ضد ليبيا بتهمة أن اثنين من الرعايا الليبيين فجرا طائرة لوكوربي، وهددوا ليبيا بحرب عسكرية ولا زالوا.

أعلنوا حمايتهم لحقوق الإنسان الشيعي-الذي يظهرون كراهته-في جنوب العراق من أجل أغراض خاصة لهم في العراق.

أعلنوا حمايتهم لحقوق الإنسان الكردي في شمال العراق وأدخلوا قواتهم لأجله-في زعمهم-ولكنهم (يحمونه من العراق ويسمحون لتركيا أن تطارده وتقتله وتشرده وتتابعه حتى في الأرض العراقية).

عجب والله لحماة حقوق الإنسان الكردي من صدام حسين، وإهدار حقوقه للأتراك ما هذا المكيال الذي يكيل به حماة حقوق الإنسان؟!

دعاة الديمقراطية يحرمون الإنسان من الديمقراطية!

وحدث عن حقوق الإنسان المسلم السياسية والديمقراطية ولا حرج.

لو تتبعت أجهزة إعلام الغرب وأحصيت منها يوما واحدا كلمة الديمقراطية وحدها لملأتَ بها كراريس.

إن الديمقراطية أحد المحاور الرئيسة التي يدندن حولها الغرب المتحضر، ويلح على دول ما يسمى بالعالم الثالث على أن تطبق المنهج الديمقراطي الذي أساسه إعطاء الشعوب حرية اختيار حكامها.

ويحترم الغرب المتحضر فوز أي حزب يختار في الانتخابات-حتى ولو كانت مزورة مع انتقاده للتزوير-ولكن الغرب المتحضر يحظر حظرا باتا، بأساليبه الخاصة وصلاته بحكام الشعوب الإسلامية النابذين لشرع الله، قيامَ أي حزب على أساس الإسلام، وإذا ما سبق السيف العذل فقامت جماعة إسلامية واختارها الشعب، حاربوا تلك الديمقراطية التي أهلت الجماعة المسلمة إلى أن تكون هي الحاكمة، وفسروا الديمقراطية التي ينادون بها بأنها ليست الديمقراطية التي تكون وسيلة لوصول الأصوليين إلى الحكم، لأن وصول الأصوليين إلى الحكم يعود بالنقض على الديمقراطية، وأوعزوا إلى أذنابهم بحماية الديمقراطية الأصيلة، بالجيش وأجهزة الأمن وفتح المعتقلات والسجون لمن اختارهم الشعب[ولا يخفى ما قام به تلاميذ أتاتورك العسكريون والمدنيون الأتراك بضغط حماة الديمقراطية وحقوق الإنسان  من محاربة حزب الرفاه الإسلامي الذي وصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات الديمقراطية ‍.]

الشعب مسلم اختار من يحكمه بالإسلام، فأين وضعتم حق هذا الشعب في حرية اختياره لحكامه يا دعاة حقوق الإنسان؟!

لقد اتخذ الغرب المتحضر لافتة حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية وغيرها، سلاحا لحماية حقوق الإنسان الغربي أو من له مصلحة في حمايته.

وإذا كانت أمريكا هي الدولة التي تقود الغرب في هذه الفترة، وتدعي أنها دولة حقوق الإنسان، فإن بعض قادتها يصرحون بأن مصالحهم هي التي تحدد مواقفهم،  فبمقدار المصلحة يكون الموقف.

قال الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية ريتشارد نكسون: (وأول واجب علينا أن نفعله هو أن نفرق بين مصالحنا الحيوية، ومصالحنا الحساسة، ومصالحنا الهامشية، ولا توجد دولة في العالم تستطيع أن تدافع عن جميع هذه المصالح طوال الوقت....

وتكون المصلحة حيوية إذا كان فقدانها يهدد أمن الولايات المتحدة، فاستمرار استقلال أوربا الغربية واليابان وكندا والمكسيك ودول الخليج مسألة حيوية لأمن بلادنا.

وكذلك لدينا مصلحة حيوية في أن لا تحصل الدول المتخلفة على السلاح الذري، وليس للولايات المتحدة الخيار إلا القوة المسلحة لتمنع تهديد مصالحها.

والمصلحة الحساسة هي التي تشكل تهديدا مباشرا لإحدى النقاط الحيوية... ولذلك تعتبر أمريكا الوسطى وكوريا من المصالح الحساسة للولايات المتحدة، ومن الممكن أن تلجأ الولايات المتحدة أحيانا في معالجة المصالح الحساسة، وكأنها مصالح حيوية وكنوع من الاستراتيجية الدفاعية.

أما المصالح الهامشية فهي الأمور التي لو سيطرت عليها قوى معادية فإنها تشكل تهديدا غير قريب لمصلحة حيوية أو مصلحة حساسة.

وعلى سبيل المثال فإننا لا نحب أن تحتل إحدى الدول المعادية دولة مالي، ولكننا لا نعتقد أن احتلال مالي سوف يكون له تأثير على مصالح الولايات المتحدة المهمة، ومن هذا فلا نفكر في استعمال القوة العسكرية لرد هذا الاعتداء.

إن استراتيجيتنا الأمنية يجب أن تقيِّم كل ما يمكن عمله، طبقا لمستوى الأهمية لمصالحنا وإمكاناتنا وما نواجه من أخطار.

فعلى سبيل المثال لا نرسل الوحدة: 82 المحمولة جوا للدفاع عن إحدى مصالحنا الهامشية في موريتانيا، ولكننا نفعل ذلك بدون تردد للدفاع عن مصلحتنا في الخليج [1]...)[ كتاب الفرصة السانحة. ترجمة أحمد صدقي. دار الهلال.] وقد فعلوا!.

من هذا النص تعرف السبب في عدم التدخل في البوسنة والهرسك، لأن هذا التدخل ليس لأمريكا فيه مصلحة لا حيوية ولا حساسة ولا هامشية، لأن المظلوم مسلم والظالم نصراني. اللهم إلا أن يقال: إن لها مصلحة هامشية، وهي أن سكوتها عن هذا الظلم يشوه سمعتها أمام العالم الذي تعلن له أنها حامية حقوق الإنسان، ولهذا تستنكر في أجهزة إعلامها هذا الظلم وتهدد-كذبا وزورا-صربيا، وتحث على إغاثة المسلمين، فمصلحة الغرب هي الأساس. [-تدخلت أمريكا وأوربا عن بجيوشها في البوسنة والهرسك، بعد أن قتل مئات الآلاف من المسلمين وشردوا من ديارهم، واغتصبت غالبَ أراضيه الصرب، ولا زال الصرب يحظرون على المسلمين عودتهم إلى مدنهم وقراهم التي تم الاتفاق على عودتهم إليها بموجب اتفاقية "دايتون" أمام سمع وبصر أوربا وأمريكا.]

هذه هي يا أخي إشارة عابرة إلى صورة مجال تطبيق حقوق الإنسان، فهل ترى أمثال هؤلاء المتحضرين الذي هذه صفتهم يعيشون في نور أو في ظلام؟!

ولو أطلقت لليراع الزمام لأطال في هذا الباب، ليظهر للجاهل أن العالم المتحضر!-المتخلف في ميزان الله ومنهجه الرباني-يعيش في ظلمات، وأنه في أمس الضرورة إلى أهل الحق ليخرجوه من الظلمات إلى النور. وإخراج الناس من الظلمات إحدى غايات أهل الحق التي يسابقون بها أهل الباطل إلى العقول.

واكتفى بهذه المجالات الخمسة، للتدليل على أن العالم المتحضر محروم من النور الرباني تحيط به الظلمات الشيطانية من كل جانب، وأنه يجب على أهل الحق السعي الجاد لإخراجه من الظلمات إلى النور.

وكما أن الكفر كله ظلمات، فإن الإسلام كله نور، قال تعالى: ((أوَمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون))[الأنعام: 122]

وقد قارن القرآن الكريم بين ذوي العقول التي صاغها النور الرباني وأشرقت عليها أنوار وحيه، وبين ذوي العقول المظلمة التي أحاطت بها الظلمات من كل جانب، فقال الله تعالى في الفريقين: ((الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح،  المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري، يوقد من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم)) إلى أن قال جل وعلا: ((والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب.. أو كظلمات في بحر لجيُّ يغشاه موج من فوقه موج، من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور)).[ النور: 35، 40]

 

رابعا:تحقيق توحيد الله تعالى في الأرض وعدم الإشراك به.

وإذا كان رضا الله تعالى هو غاية الغايات، فإن توحيد الله هو قائد جميع الغايات والوسائل إلى رضا الله، ومهما عمل الإنسان من أعمال ظاهرها الخير والصلاح والنفع العام أو الخاص للبشر،  فإن ذلك كله لا يوصل إلى رضا الله بدون التوحيد، وهو ما تضمنته قاعدة القواعد الإسلامية:[لا إله إلا الله] التي يطلق عليها كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص.

وهذه الغاية هي التي أوجد الله من أجلها الكون الذي خلقه بالحق، وهي الحق، ومن أجلها خلق الملائكة والجن والإنس، ومن أجلها أنزل الكتب وأوحى الوحي وأرسل الرسل الذين قاعدة دعوتهم هي التوحيد، وما من رسول بعثه الله تعالى إلى الخلق، إلا كانت كلمة التوحيد هي أول ما يدعو إليه قومه.

قال تعالى: ((ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)).[النحل: 36]

وقال تعالى: ((فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم أن لا تعبدوا إلا الله)).[فصلت: 13-14)

فسباق أهل الحق-وعلى رأسهم رسل الله-إلى عقول الناس، أهم غاياته أن يصوغوا بسباقهم عقولا موحِّدة لا تشرك بالله شيئا، وتلك هي عبادة الله التي لم يخلق الله الجن والإنس والملائكة-كذلك-إلا من أجلها.

كما قال تعالى: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)).[الذاريات: 56]

وبتحقيق هذه الغاية تسعد البشرية كلها في الدنيا والآخرة، ويكون الناس كلهم عبيدَ الله، لا يستعبد بعضهم بعضا، فلا يكون هناك سادة يظلمون ويتكبرون ويستبدون بالأمر كما يشاؤون، ولا عبيد يُظلَمون ويُذَلّون لمخلوقين أمثالهم، وإنما يستوي الناس كلهم في أنهم مخلوقون مربوبون عبيدٌ لله، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى، كما قال تعالى: ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)).[الحجرات: 13]

 

لا حرية للإنسان إلا بتوحيد الله.

وبتوحيد الله تعالى يتحرر الناس من عبودية الشيطان والنفس والهوى، ومن كل  العبوديات (الْمُذِلَّة) لغير الله تعالى، سواء كانت تلك العبوديات لمال أو جاه أو منصب أو امرأة، أو لأشخاص-أحياءً  كانوا أو أمواتا-وتتمحض عبوديتهم لله تعالى وحده، وتلك هي الحرية الحقة التي يبحث عنها الأفراد والأسر والأمم في كل الأزمان، وبخاصة في هذا الزمن الذي أصبح غالب الناس فيه يدعون أنهم أحرار، وهم مستعبدون استعبادا مذلا لغير الله تعالى.

وهل يكون حرا من تستعبده شهوات نفسه فتجعله أسيرا لها، سابحا في مستنقع ملذاتها المادية العاجلة، التي تحطم السدود الحامية لحفظ الدين والعقل والنفس والنسل والعرض والمال؟!

هل يكون حرا من يفقد دينه بالإلحاد والكفر الصريح والردة عن الإسلام؟ وهل يكون حرا من ينسى الله عند الشدائد ويلجأ إلى الموتى في قبورهم يدعوهم ويستغيث بهم؟ وهل يكون حرا من يُذهب عقلَه بتناول المسكرات والمخدرات؟ وهل يكون حرا من يعتدي على الأنفس والدماء، ولا يأمن هو من أن يَعتدِي على نفسه ودمه غَيْرُه دون قصاص أو رَدْع؟ وهل يكون حرا من ينفق ماله فيما يعود عليه وعلى أمته بالضرر ومن لا يأمن من الاعتداء على ماله؟ وهل يكون حرا من يُهلَك نسلُه ويُعتدى على عرضه؟ وهل يكون حرا من يضع له غيُره من البشر مناهجَ متناقضة لحياته، في الاعتقاد والتشريع والحكم و الُخُلق و الاقتصاد والسياسة والإعلام والحرب والسلم ونظام الأسرة  والأدب والفن والرياضة... فيخضع لذلك كله، دون أن يكون له اختيار أو انتقاد أو تظلم؟؟!!

إن الحرية الحقيقية هي أن يكون قلب الإنسان عبدا لله وحده، لا يتلقى أمره ونهيه إلا من الله فيتجه بنشاطه وجهة واحدة، من غير تناقض ولا قلق أو اضطراب، متحررا من عبودية كل من سواه، فلا يكون عبدا للشيطان ولا للنفس ولا للهوى، ولا تتنازعه آلهة الشهوات المتشاكسة تنازعا يجعله في حيرة وريب.

ولقد ضرب الله مثلا لمن هو حر حقيقة بعبوديته لله تعالى وحده، ومن استعبده غيره من الآلهة المتعددة، فقال تعالى: ((ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا بل أكثرهم لا يعلمون)).[الزمر: 29]

إن الآية تصور لنا رجلين:

أحدهما عبد مشترك لمالكين متعددين بينهم خلاف ونزاع شديد، كل شريك منهم يأمر ذلك العبد بأمر يخالف أوامر شركائه الآخرين ويصر على أن يطيعه في أمره، وطاعته لأحدهم معصية لأمر كل واحد من شركائه الآخرين، فلا يستطيع أن يرضي كل واحد من هؤلاء الشركاء، بل سيكونون كلهم ساخطين عليه، وسيعيش في حيرة وضنك وشقاء. 

وثانيهما: عبد لرجل واحد لا يأمره ولا ينهاه إلا هو.

فأي العبدين أقرب إلى الحرية: الأول الذي فيه شركاء متشاكون، أم الثاني الذي هو عبد لرجل واحد؟!

المثل الأول لمن استعبده غير الله-أيا كان هذا الغير-والمثل الثاني لمن تمحضت عبوديته لله وحده، ولله المثل الأعلى.

   وإنك لترى الرجل الضعيف المغلوب على أمره، الذي اعْتُدِيَ على نفسه وماله وعرضه وحرم من التمتع بحقه في الحياة فسجن أو أسر، وقد تمحضت عبوديته لله وحده، ولكنه حر قلبه مطمئن باله، وهو واقف مثل الجبل الراسي أمام الطغاة المعتدين الأقوياء غير مبال،  وعنده إرادة قوية على تحرير جسمه من الأسر كما تحرر قلبه، لأنه يأوي إلى ركن شديد.

وترى الرجل الغني ذا السلطة والجند والجبروت، قد خضعت له الرقاب، ودانت له الأمراء ووقف بأبوابه الحجَّاب، فإذا سبرت أمره واختبرت سره، وجدته عبدا ذليلا لنفسه وشهوته وهواه، بل وجدته مستعبدا لبعض من هم في الظاهر عبيده، وهم أعوانه الذين يستند في طغيانه على عونهم، ويستنجد في ملماته بهم، فهو في ظاهره سيد، وفي حقيقته عبد كالعبيد.

وفي معنى الحرية الحقة والعبودية المذلة قال ابن تيمية رحمه الله:  (.. فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنه واستُرِق، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب-الذي هو الملك-رقيقا مستعبدا لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض.. فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب...-إلى أن قال-: وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض،  قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم... فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم..) [مجموع الفتاوى: (10 / 186-189).]

وبهذا يعلم أن الحرية التي يزعم ساسة الغرب ومفكروه-ومن انخدع بهم من ذراري المسلمين-أنهم أهلها وحماتها والداعون إلى تطبيقها، ليست هي الحرية الصحيحة التي ينشدها العالم اليوم، بل هي في حقيقتها عبودية مذلة لآلهة شتى يصعب حصرها. فهي من إطلاق الأسماء على غير مسمياتها، كإطلاق (المشروبات الروحية) على (الخمر) التي تذهب العقول وتسلب الأرواح والقلوب حياتها، وكإطلاق (النجوم) التي يُشَبَّه بها دعاةُ الخير وهداةُ العالمَ[كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم).] على من مسخوا الفطر ونشروا المنكر والخنا من المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات.. وكإطلاق لفظ (الملهمين) و (الرواد) على رجال السياسة الخرقاء الذين باعوا العباد والبلاد لأعداء الأمة الإسلامية....

تنبيه مهم:

ومع أن العبودية لله  هي الحرية الحقة، وعبودية ما سواه عبودية مذلة، فإن الكافر بالله المتصف بالعبودية المذلة لا يُكرَه على الدخول في الإسلام ليتحرر من تلك العبودية المذلة، وإنما يبين له الحق وتقام عليه الحجة، ثم يترك له الخيار بين الحريتين، لأن إكراهه على الدخول في الإسلام-بل في أي دين من الأديان-غير ممكن في الواقع لأن أصل الإيمان في القلب، و لا سلطان لغير الخالق على قلوب العباد، والذي يظهر دخوله في أي دين تحت الإكراه لا يكون مؤمنا في الحقيقة بذلك الدين، ولهذا قال تعالى: ((لا إكراه في الدين)) و (لا) هنا نافية للجنس أي لا إكراه مشروع ولا إكراه واقع، بمعنى أن الإكراه على اعتقاد الدين غير مشروع، ولو حصل إظهار الْمُكرَه دخوله في الدين المكره على الدخول فيه فدخوله  غير واقع في حقيقة الأمر، لأن الاعتقاد يكون بالقلب، ومن ذا الذي يقدر على إدخال أي دين إلى قلب أي إنسان لا يريده؟. ولهذا يطلق بعض الكتاب عبارة: (إن حرية الاعتقاد هي أول ,, حقوق الإنسان). ومرادهم بالحرية هنا أن الإنسان يدخل في الدين باختياره  ولا يمكن إكراهه على ذلك وليس مرادهم أنه حر القلب والعقيدة بالمعنى الذي شرحناه، ولهذا عذر تعالى من أظهر الكفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان، كما قال تعالى: ((من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)).

 

خامسا: غرس الإيمان بالغيب في النفوس.

إن الإنسان الذي لا يؤمن إلا بما تدركه حواسه، مباشرة أو بالآلات التي يصنعها، لا فرق بينه وبين الحيوان إلا بسعة أفقه، لما ركبه الله فيه من عقل وتصرف بأدوات تعينه على ذلك. وسعة أفقه هذه التي فرقت بينه وبين الحيوان، هي التي أهلته لمعرفة ما ظهر له من الكون القريب.

والذي لا يؤمن بالغيب لا يمكن أن يعبد الله، لأن الله تعالى من الغيب، ولا يعرف تعالى إلا بآثار خلقه المشهودة ووحيه.

والذي لا يؤمن بالغيب لا يمكن أن يؤمن بالوحي الإلهي والكتب المنزلة والرسالة، ولا باليوم الآخر، ولا بالملائكة المقربين، لأن ذلك كله من الغيب.

وعدم الإيمان بالغيب يفضي إلى تسيب الإنسان وعدم التزامه بمنهج الله، واتباعه لهواه، فيتصرف في حياته كما يشاء لا يرده عن هواه إلا القوة المادية القاهرة، فإذا ظن أن تلك القوة-كالشرطة والقضاء والعقوبات الرادعة-لا تناله، أتى على كل ما يقدر عليه دون مراعاة لحقوق غيره، لأنه لا يؤمن بالله حتى يطمع في ثوابه ويخاف من عقابه، وهكذا يدمر ويفسد ولا يبالي شيئا.

ولهذا كان من أهم غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول غرس الإيمان بالغيب في نفوس الناس لتكون عقولهم مؤمنة، فيستجيبون لمراد الله منهم، فيأتون ما يرضاه ويتركون ما يسخطه، سائرين على منهج الوحي والرسالة والشريعة الربانية.

ولهذا كانت أول صفات المتقين الذين يهتدون بهذا الكتاب "القرآن الكريم" الإيمان بالغيب، ولا يهتدي به من لم يؤمن بالغيب، كما قال تعالى: ((الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب)).[البقرة: 1-3]

وقال تعالى: ((ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)). [البقرة: 177]

وقال تعالى: ((ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا)).[النساء: 36]

 

سادسا: تحكيم شرع الله في حياة الناس.

ومن أهم غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول إقناعها أو إقامة الحجة عليها، بوجوب تحكيم شرع الله تعالى في حياتهم لحفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، ونسلهم، وعرضهم، ومالهم، لأنه لا تُحفظ هذه الضرورات التي لا حياة للأمم بدون حفظها، ولا يوقى الناس شر الاعتداء عليها، ولا ينفى عنهم الظلم ويقر العدل، إلا بتحكيم شرع الله.

وكلما ابتعد الناس عن شرع الله اقتربوا من الاعتداء على هذه الضرورات، فضلا عن غيرها من الحاجيات والتكميليات، وهذا أمر مشاهد في حياة الناس في كل زمان.

ولهذا كان أهل الحق في سباق شديد مع أهل الباطل إلى عقول الناس بهذه الغاية، ليستقر في تلك العقول ضرورة تحكيم شرع الله، ونبذ حكم الطاغوت، لأن حكم الله لا يحابي أحدا: الغني والفقير، والرجل المرأة، والفرد والجماعة، والحاكم والمحكوم، كلهم أمام شرع الله سواء، يُعطِي الحقَّ صاحبَه ويَقِف صاحبَ الباطل ويمنعه من باطله.

ولهذا كان تحكيم شرع الله والرضا به من الإيمان بالله وتوحيده، وهو من صميم دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن اعتقد غير ذلك لم يفقه معنى القرآن ولا السنة ولا دعوة الرسل.

والذي يزعم أنه يدعو إلى التوحيد ويهمل دعوة الناس إلى تحكيم شرع الله، أو يجعل ذلك من الموضوعات التي يمكن تأخيرها وتأخير بيان حكمها، لم يفهم معنى لا إله إلا الله، لأن تحكيم شرع الله من توحيد الألوهية، ومن جوهر لا إله إلا الله.

والأنبياء عندما يدعون الناس إلى التوحيد والإقرار بمعنى: "لا إله إلا الله" يعلمون ويعلم أقوامهم أن ذلك يعني تحكيم شرع الله والتسليم المطلق لحكمه، وأنه لا خيار لهم في ذلك أبدا، لأن معنى "لا إله إلا الله" لا يقر حاكما غير الله-إلا من حكم بحكم الله-فالحاكم المطلق الذي لا معقب لحكمه هو الله.

فهذه الكلمة: "لا إله إلا الله" تشمل الاستسلام لله في كل شيء: في الأنفس والعقول والأنسال والأعراض والأموال وغيرها، لا يحكم في ذلك كله إلا الله، وأي حكم صدر من غير الله يخالف حكم الله فهو حكم طاغوت لا بد من الكفر به، ومن أطاع حكم غير الله ورضي به بدلا من حكم الله، لم يؤمن بمعنى لا إله إلا الله.

فالإيمان حكم الله ولا بد من الرضا به، والعبادة حكم الله ولا بد من الرضا بها، والمعاملات الإسلامية الثابتة بنص من الله أو من رسوله صلى الله عليه وسلم حكم الله ولا بد من الرضا بها، والأخلاق حكم الله ولا بد من الرضا بها، والحدود حكم الله ولا بد من الرضا بها، لا بد من التسليم المطلق لله تعالى في كل حكم يحكم به.

ومخطئ من يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع إلى تحكيم شرع الله في العهد المكي، ويخلط هذه المخطئ بين معنى الدعوة إلى تحكيم شرع الله الذي هو من صميم توحيد الله، وبين معنى إقامة دولة تحكم بشرع الله.

فالدعوة إلى تحكيم شرع الله والاستسلام له دعوة إلى الإيمان بالله وإلى الإقرار بمعنى "لا إله إلا الله" وقد قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دعا الناس إلى الإقرار بلا إله إلا الله.

وأما إقامة الدولة التي تحكم بالإسلام وتنفذه على رعاياها، فقد أخرها الرسول صلى الله عليه وسلم-وما كان له إلا أن يؤخرها-إلى العهد المدني، حيث قويت شوكة المسلمين، وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم هو إمامهم في الصلاة، وقائدهم في الجهاد، وقاضيهم في الخصومات، والآمر الناهي في الدولة.

وإنما لم يسع لإقامة الدولة الإسلامية في مكة، لأن أهلها كانوا أهل القوة المادية والنفوذ، وكان المسلمون ضعافا-ماديا-مضطهدين، يفتنون ويعذبون، ولم يكونوا قادرين على رد العدوان بمثله-وإن كانوا يرغبون رغبة شديدة في ذلك-بل نهاهم الله عن قتال المشركين وأمرهم بالكف عن القتال.

وإذا كان كثير من العبادات والمعاملات والحدود وغيرها من الأحكام الشرعية، قد تأخر نزول الوحي بها إلى العهد المدني، وكان الاهتمام في العهد المكي بالنواحي الإيمانية والسلوكية وبعض العبادات كالصلاة ونحوها، فإن الدعوة في العهد المكي اهتمت بجانب الاستسلام لله في كل شيء وهو معنى الإسلام ومعنى كلمة التوحيد، وذلك أصل التشريع الإلهي.

ومع ذلك فإن بعض الآيات المكية قد نزلت تنعى على المشركين وتنكر عليهم، ما شرعوه لأنفسهم من تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله.

كما قال تعالى: ((فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، ومالكم ألاّ تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين، وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون..)).[الأنعام: 118-121]

يدور كلام المفسرين لهذا الآيات على أمرين:

الأمر الأول: أن ما ذكر اسم الله عليه، هو ما ذبحه المسلمون أو أهل الكتاب وما لم يذكر اسم الله عليه هو ما مات حتف نفسه.

وكان المشركون من قريش يحرمون ما ذبح بالسكين ويحلون الميتة، ويرون أن ما ذبح قتله الإنسان، وما مات قتله الله، وأكل ما قتله الله أولى مما قتله الإنسان، سيرا على قياسات الشيطان الذي عصا ربه بها.

الأمر الثاني: أن المراد بما ذكر اسم الله عليه ما سمى اللهَ عليه حين ذبحه، وما لم يذكر اسم الله عليه ما ذُكر عليه اسم الوثن ونحوه، وفي ذلك تفاصيل لا يتسع لها المقام.[ راجع كتب التفسير، ومنها: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/188) وما بعدها، طبع دار الخير، والجامع لأحكام القرآن (7/72) وما بعدها للقرطبي.]

والشاهد منها هو كونهم يحلون ما يريدون ويحرمون ما يريدون من عند أنفسهم، بدون هدي ولا بينة من الله، وهو تشريع يعارض تشريع الله، وتحكيم لهواهم  الذي يخالف تحكيم شرع الله.

وإذا عرفنا أن سورة الأنعام من السور المكية، ومنها هذه الآيات تبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُمر بالدعوة إلى تحكيم شرع الله في العهد المكي، وأن تحكيم شرع الله من الإيمان الذي لا تصح شهادة أن لا أله إلا الله إلا به.

ومثل ذلك قوله تعالى: ((وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرِّمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم وصفهم بما كانوا يفترون، وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذ كورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم...)).[ الأنعام: 138-139]

وقد بين الإمام الأصولي العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، المشهور بالشاطبي، في كتابه العظيم "الموافقات" أن الأصول الكلية للشريعة قد تضمنها القرآن الكريم في العهد المكي، وأن ما نزل بعد ذلك في العهد المدني من التشريع، إنما هو مكمل لتلك الأصول المكية، وأن ما قد يبدو من التشريع المدني كليا إذا ما تؤمل حق التأمل وجد جزئيا بالنسبة إلى ما هو أعم منه، أو تكميلا لأصل مكي.

قال رحمه الله: (المسألة الثامنة. فنقول: إذا رأيت في المدنيات أصلا كليا فتأمله تجده جزئيا [قال الأستاذ محمد عبد الله دراز في الحاشية: " كالجهاد فهو جزئي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما سيقرره قريبا...] بالنسبة إلى ما هو أعم منه، أو تكميلا  لأصل كلي.[ قال دراز: " كالنهي عن شرب الخمر تكميلا لاجتناب الإثم والعدوان كما سيقول....] وبيان ذلك أن الأصول الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة وهي: الدين والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

أما الدين فهو أصل ما دعا إليه القرآن والسنة وما نشأ عنهما، وهو أول ما نزل بمكة.

وأما النفس فظاهر إنزال حفظها بمكة، كقوله تعالى: ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق..)). [الأنعام: 151] ((وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت..)).[التكوير: 9] ((وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه.)).[الأنعام: 119] وأشباه ذلك.

وأما العقل فهو، وإن لم يرد تحريم ما يفسده وهو الخمر، فقد ورد في المكيات مجملا، إذ هو داخل في حفظ النفس، كسائر الأعضاء ومنافعها، من السمع والبصر وغيرهما، وكذلك منافعها.

فالعقل محفوظ شرعا في الأصول المكية عما يزيله كسائر الأعضاء ساعة أو لحظة [قال في الحاشية: " لعل الأصل: (لا ساعة أو لحظة) ومعناه أن ما يزيل العقل رأسا هو من الضروري الداخل في حفظ النفس إجمالا، وأما حفظه على أنه يزول ساعة ثم يعود فيكون من المكملات....] ثم يعود كأنه غطي ثم كشف عنه، وأيضا فإن حفظه على هذا الوجه من المكملات، لأن شرب الخمر قد بين الله مثالبها في القرآن، حيث قال: ((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر...)) [المائدة: 91] فظهر أنها من العون على الإثم والعدوان.

وأما النسل، فقد ورد المكي من القرآن بتحريم الزنا والأمر بحفظ الفروج إلا على الأزواج أو ملك اليمين.

وأما المال، فورد فيه تحريم الظلم وأكل مال اليتيم والإسراف والبغي ونقص المكيال أو الميزان، والفساد في الأرض وما دار بهذا المعنى.

وأما العرض الملحق بها فداخل تحت النهي عن إذايات النفوس.

ولم ترد هذه الأمور في الحفظ من جانب العدم إلا وحفظها من جانب الوجود حاصل، ففي الأربعة الأواخر ظاهر.

وأما الدين فراجع إلى التصديق بالقلب، والانقياد بالجوارح، والتصديق بالقلب آت بالمقصود في الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ليفرع على ذلك ما جاء مفصلا في المدني فالأصل وارد في المكي. والانقياد بالجوارح حاصل بوجه واحد [قال الأستاذ دراز: أي متى وجد تكليف واحد بدني فإنه يتحقق به معنى كلي الانقياد بالجوارح الذي هو أحد ركني الدين.] ويكون ما زاد على ذلك تكميلا، وقد جاء في المكي من ذلك النطق بالشهادتين والصلاة والزكاة، وذلك يحصل به معنى الانقياد.

وأما الصوم والحج فمدنيان من باب التكميل، على أن الحج كان من فعل العرب أولا، وراثة عن أبيهم إبراهيم، فجاء الإسلام فأصلح منه ما أفسدوا، وردهم فيه إلى مشارعهم، وكذلك الصيام أيضا فقد كانت الجاهلية تصوم يوم عاشوراء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه أيضا حين قدم المدينة صامه وأمر بصيامه حتى نسخه رمضان، وانظر حديث عائشة في صيام يوم عاشوراء [مسلم (2/792).] فأحكمهما التشريع المدني، وأقرهما على ما أقر الله تعالى من التمام الذي بينه في اليوم الذي هو أعظم أيامه حين قال تعالى: ((اليوم أكملت لكم دينكم..)) الآية، فلهما أصل في المكي على الجملة.

والجهاد الذي شرع بالمدينة فرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو مقرر في مكة، كقوله تعالى: ((يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر..)) وما أشبه ذلك).[ الموافقات (3/ 46-50) بتحقيق الأستاذ عبد الله دراز، والآية في سورة لقمان:]

وإذا علم أن أصول الشريعة الكلية قد نزلت في العهد المكي، وما نزل في العهد المدني فهو متمم أو مفصِّل لها، علم أن الدعوة إلى التشريع الإسلامي والدعوة إلى تحكيم شرع الله، من صميم الرسالة وأنها من الإيمان بالله تعالى وأن من اعتقد أن تحكيم شرع الله ليس من صميم التوحيد والإيمان فهو ضال جاهل لا يعلم دين الله حق العلم ولا يفقه حق الفقه، وفيما مضى كفاية لطالب الحق.

وهكذا كان أنبياء الله السابقون يدعون أقوامهم إلى تحكيم شرع الله تعالى، تطبيقا لمعنى لا إله إلا الله، فشعيب عليه السلام، دعا قومه إلى توحيد الله وإلى تحكيم شرعه الذي هو من التوحيد في الكيل والوزن وغير ذلك من الحقوق المالية، فأنكر عليه قومه تدخله في شؤون حياتهم وبخاصة المالية-وهو نهج العلمانيين في كل زمان، لا يستقر لهم قرار بوجود من يدعو إلى تحكيم شرع الله في حياة البشر، لأن ذلك يحرمهم من اتباع أهوائهم وتحقيق شهواتهم، عن طريق تشريعهم لأنفسهم ما يحقق لهم تلك الشهوات.

قال تعالى: ((وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ، قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد)).[هود: 84-89]]

تأمل ما أمرهم به شعيب: ((اعبدوا الله... ولا تنقصوا المكيال والميزان.. أوفوا الكيل والميزان)).

وتأمل رد قومه عليه: ((أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء..)).

أمرهم نبيهم بالاستسلام الكامل لله في الإيمان والتصرف في الأموال، وكانوا عند ذلك كفارا، ولو كان التشريع من عند أنفسهم في الأموال لا يدخل في الإيمان بلا إله إلا الله، لأخر الدعوة إليه حتى يؤمنوا بالله وحده، ولكن التشريع من الإيمان ولذلك جعله في دعوته قومه إلى الله من أولويات تلك الدعوة، وفهموا منها أن التسليم المطلق لله يقتضي ترك عبادة غير الله والتقيد بشرع الله في تصرفاتهم.

فالتسليم لشرع الله إيمان، ولا إيمان بدون تحكيم شرع الله.

وتأتي بعد ذلك الآيات المدنية، لتوضح توضيحا وافيا شافيا قضايا عملية تقرر فيها أن أعداء الإسلام من المنافقين-وهم الذين يمثلهم اليوم العلمانيون الذين يحاربون الإسلام-لما لم يرضوا بتحكيم شرع الله ورضوا بحكم الطاغوت، حكم الله عليهم بالضلال البعيد مع ادعائهم أنهم مؤمنون، ووصف الضلال بالبعيد يدل على أنه ليس ضلال مؤمن يغفره الله له، كما نص تعالى على أنهم منافقون، ونفى عنهم الإيمان نفيا مؤكدا حتى يستسلموا لشرعه ويرضوا به.

قال تعالى: ((الم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا، فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم-إلى قوله تعالى-فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما..)). [النساء: 60-65]

وهذه الآية الأخيرة ذكر بعض العلماء أنها نزلت في الزبير بن العوام وخصم له من الأنصار، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمر، ومعنى ذلك أنها نزلت في ملسمين، وبذلك يكون الإيمان المنفي هو كمال الإيمان الواجب، وليس أصل الإيمان.

وقال آخرون: إنها نزلت في المنافق واليهودي الذين نزلت فيهما الآية الأولى: ((ألم تر إلى الذين يزعمون...)) الآية، وأن اليهودي أراد الاحتكام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والمنافق أراد الاحتكام إلى غيره.

ويرى ابن جرير رحمه الله أن الآية الأخيرة ينسجم معناها مع الآية لأولى، ولا مانع من أن يكون فيها بيان لقصة الزبير والأنصاري.

قال رحمه الله: (وهذا القول-أعني قول من قال: عُنِي به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله: ((ألم تر الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)) أولى بالصواب لأن قوله تعالى: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)) في سياق قصة الذين أُسْدِيَ لله الخبر عنهم بقوله: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك..)) ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على انقطاعه أولى.

فإن ظن ظان أن في الذي روي عن الزبير وابن الزبير-من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرة وقول من قال في خبرهما، فنزلت: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)) ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية من قصة الآيات التي قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في قصة المحتكمين إلى الطاغوت، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاري، إذ كانت الآية دالة على ذلك، وإذ كان ذلك غير مستحيل كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعض أولى، ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض فيعدل به عن معنى قبله).[ جامع البيان عن تأويل آي القرآن (5/159-160).].

وعلى هذا القول الذي رجحه ابن جرير رحمه الله يكون التحاكم إلى الطاغوت والنفور عن التحاكم إلى شرع الله كفرا، وإن كانت دلالة الآية يدخل فيها ما حصل للزبير والأنصاري، فإن ذلك يكون بيانا لنفي الإيمان الواجب وليس لأصل الإيمان.[ لأن الأنصاري وإن حصل عنده شيء من الامتعاض من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم للزبير-لم يكن يريد التحاكم إلى الطاغوت، بخلاف المنافق. ].

وعلى هذين المعنيين يمكن تنزيل الآيات الآتية:

((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون..))

((ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الظالمون...))

((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون..)).[ المائدة: 44، 45، 47]

فالذي يحكم بغير ما أنزل الله معتقدا جواز ذلك، ولو حكم بما أنزل الله مع هذا الاعتقاد، فكفره كفر أكبر، وظلمه وظلم أكبر، وفسقه فسق أكبر، أي إنه ليس مسلما بل هو خارج عن ملة الإسلام.

والذين فسروا الكفر والظلم والفسق بالكفر الأصغر والظلم الأصغر والفسق الأصغر من السلف، لا بد أن يكون مرادهم بذلك من حكم بغير ما أنزل الله في بعض القضايا-لِهوى أو صداقة أو أخذ مال ونحو ذلك-وهو يعتقد أنه قد عصى ربه بما فعل، وليس من استحل الحكم بغير ما أنزل الله صراحة أو دلت القرائن الظاهرة أنه يفضل حكم الطاغوت على حكم الله، فهذا لا يمكن أن يقصده السلف يكفر دون كفر أو ظلم دون ظلم أو فسق دون فسق، لأنه مؤمن بالطاغوت كافر بالله. والله تعالى يقول: ((ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)).[ النحل: 36]

قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون...)) و ((الظالمون)) و ((الفاسقون)) نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم، وعلى هذا المعظم.

فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل فيه إضمار أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد. فالآية عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكبُ جرمٍ فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) [الجامع لأحكام القرآن (6/190)].

   وقال ابن القيم، رحمه الله: (والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله [كما يفعله من يسمون بالمشرعين في هذا العصر] فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه، فهذا مخطئ له حسكم المخطئين).[ مدا رج السالكين: (1 / 336).]

وإنما كان تحكيم شرع الله من غايات أهل الحق في السباق إلى العقول، لأن تحكيم شرع الله يعصم الأمم من الزلل والفساد والظلم والطغيان، ويقيم العدل ويعطي كل صاحب حق حقه ويساوي بين الناس، فلا يحابي أحدا على أحد، وبه تستقيم حياة البشر ويحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال، كما قال تعالى في فيمن حكَّم شرعه: ((ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور..)).[ الحج: 40، 41]

يضاف إلى ذلك أن حكم الله عبادة يكفر من جحدها وحاربها، ولا يكون الإنسان موحدا لله إلا بإيمانه بذلك.

وأما تحكيم غير شرع الله فهو تحكيم للبشر، والبشر تتحكم في تشريعهم الأهواء والجهل وعدم الإحاطة بالمصالح والغفلة والحسد والحب والكره وغير ذلك.

وبذلك ينتشر الظلم والفساد والفواحش والتناحر بين الناس، لأن قوانين البشر تتعارض بتعارض مصالحهم وأهوائهم وجهلهم وبتصارع الناس على كراسي الحكم، فإذا غلب فرد فردا أو حزب حزبا أو دولة دولةً، شرع الغالب ما يريد من القوانين التي يحكم بها المغلوب، فيظلمه ويسلبه حقوقه ويعيث في الأرض فسادا، لعدم وجود ما يضبطه من شرع الله، وذلك هو حكم الجاهلية.

((أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون..)).[المائدة: 50]

((ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم وبئس المهاد..)). [البقرة: 204، 206]

 

سابعا: تثبيت الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين.

ويسابق أهلُ الحقِ أهلَ الباطلِ إلى عقول الناس، بغرس الولاء وتثبيته لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من كل من حاد الله ورسوله والمؤمنين، عملا بقوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا-إلى قوله-: وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ والَّذينَ آمَنُوا فَإِن حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُون)).[المائدة: 55-56]

وبقوله تعالى: ((لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)).[المجادلة: 22]

 ولعلمهم بأن هذا الولاء يجعل صاحبه يدور مع الحق حيث دار ولو خالفه في ذلك أقرب المقربين إليه، كأبيه وابنه.. كما هو واضح من آية المجادلة السابقة.

ولأن المنهج الرباني الذي جاء به الرسول من عند ربه هو الحق وكل ما خالفه فهو الباطل، والأصل في المؤمنين بهذا المنهج أن يكونوا على الحق. فالولاء لله ولرسوله وللمؤمنين هو ولاء للحق.

ولأن الحق يقوى ويثبت في الأرض بكثرة الموالين له المتناصرين عليه. فإذا قوي الحق وثبت سعد به أهل الأرض واهتدوا وكثر فيهم الصلاح الذي أساسه اتباع الحق، كما قال تعالى: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق)). [التوبة: 32]

وقال تعالى: ((كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)).[البقرة: 213]

وبثبات الحق يضمحل الفساد الذي أساسه اتباع الهوى، كما قال تعالى: ((ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن..)).[المؤمنون: 71]

ومن أمثال القرآن لثبات الحق وما يترتب عليه من صلاح، واضمحلال الباطل وما يترتب على وجوده من فساد قوله تعالى: ((أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه من النار ابتغاء حلية، أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال)).[الرعد: 17]    

وغني عن البيان أن أهل الحق-رعاة ورعية-لا يخشون من الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، اعتداءً من قوي على ضعيف أو خروجا من رعية على راع، بل ولا يخشى أهل الباطل من ولاء المؤمنين لله ورسوله ظلما ولا هضما ولا عدوانا، لأن الله بعث رسوله بالحق الذي يعطي كل ذي حق حقه.[ وليس في جهاد قادة الباطل الذين يحاربون الدعاة إلى ال،له وتبليغ  الناس رسالة الله وصدهم عن سماع البلاغ المبين، ومنعهم عن الدخول في دين الله بعد أن يتبين لهم أنه الحق، ليس في ذلك اعتداء على أولئك القادة، بل فيه إخراج للبشر من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وإنقاذ لهم من النار إلى الدخول في جنات النعيم...   ]

فالمؤمنون يتعاونون على البر والتقوى وينصر قويهم ضعيفهم: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)).[الحجرات: 10] (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا).[ اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: (ص: 703 رقم: 1670).] ويقيمون العدل فيما بينهم وفيما بينهم وبين عدوهم، كما مضى في مثل قوله تعالى: ((ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)).[المائدة: 8]

 

ثامنا: غرس الأخلاق الفاضلة في النفوس.

الجانب الخلقي في الإنسان هو الذي يحدد موقع صاحبه أهو إنسان حقا أم أنه أحط من رتبة الحيوان؟!

ولهذا كان أئمة أهل الحق الذين يسابقون غيرهم من أهل الباطل بالحق إلى العقول، هم منبع الأخلاق الفاضلة وقدوة البشر فيها، ولهذا وصف الله تعالى خاتم رسله محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف العالي: ((وإنك لعلى خلق عظيم)).[القلم: 4]

وعندما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم لم تزد السائل على قولها له: "كان خلقه القرآن".[ صحيح مسلم (1/513) بلفظ: " فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن ".]

وهذا الجواب المختصر الجامع (والسنة وحي كالقرآن إلا أنها غير متلوة) يدل على أن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته سواء في علاقته مع ربه أو مع الناس قريبهم وبعيدهم كان محكومة بالقرآن، فإذا سمع الناس قوله صلى الله عليه وسلم أو رأوا فعله، علموا معاني القرآن الكريم، فكأن القرآن ينطق بلسانه ويتحرك بحركته، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة لأمته: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا )).[الأحزاب: 21]

والأخلاق الفاضلة في الإسلام شاملة لنشاط المؤمن كله باطنه وظاهره، وليست مقصورة على تصرفات محدودة، ويدل على هذا الشمول جواب عائشة السابق: "كان خلقه القرآن.."

ويمتاز اتصاف أهل الحق بالأخلاق الفاضلة عن سواهم من أهل الباطل بأمور:

الأمر الأول: إيمان أهل الحق بمشروعية تلك الأخلاق الفاضلة إيمانا صادرا عن شرع رباني، أي إنها أخلاق مشروعة من عند الله تعالى، فهو الذي شرعها ورضي الاتصاف بها وإن كانت العقول السليمة تقر بأن تلك الأخلاق حميدة والاتصاف بها خير.

الأمر الثاني: أن أهل الحق يتصفون بتلك الأخلاق طمعا في رضا الله وهربا من سخطه تعالى، ويرجون عليها ثوابه بدخول الجنة، والنجاة من النار.

الأمر الثالث: أن أهل الحق يثبتون على الالتزام بتلك الأخلاق على كل حال ويتخذون اتصافهم بها عبادة لربهم، فاتصافهم بالأخلاق الفاضلة ثابت ودائم، وليس تابعا للأهواء يتقلب بتقلبها ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )).[الأحزاب: 36]

الأمر الرابع: أن أهل الحق الذين يتصفون بتلك الأخلاق الفاضلة يحبون لجميع الناس أن يتصفوا بها مثلهم من أجل سعادتهم بها، ولذلك يسعى أهل الحق سعيا حثيثا لدعوة الناس إلى الاتصاف بها والتمتع بثمراتها، كما يسعون إلى إزالة كل خلق سيئ يفسد حياة البشر وينشر بينهم الضلال والفحش والمنكر.

 

نماذج من الأخلاق الفاضلة.

ولنذكر شيئا من الأخلاق الفاضلة التي يتصف بها أهل الحق، وقد يتصف ببعضها أهل الباطل، ولكن ليس كاتصاف أهل الحق بها، لأن أهل الحق يمتازون عن سواهم في الاتصاف بالأخلاق الفاضلة بميزات لا توجد في غيرهم، كما مضى. ومن تلك الأخلاق:

أولا: الإخلاص في الأعمال.

أي إنهم يريدون بأعمالهم وجه الله وحده، فلا يتصفون بخلق ولا يعملون عملا يريدون من ورائه مدحا ولا ثناء من غير الله، ولا جاها أو منصبا أو مالا أو غير ذلك من المخلوقين، كما قال تعالى: ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين..)).[البينة: 5]

والذي يعمل العمل مخلصا لله، لا يترك عمله من أجل هوى أو شهوة أو تقربٍ لأحدٍ من الخلق.[ وقد فصلت القول في أهمية الإخلاص وصعوبته والأسباب المعينة على الاتصاف به في كتاب: الإيمان هو الأساس، في مبحث: الإيمان باليوم الآخر، فليراجعه من شاء…]

 

ثانيا: التزام الصدق.

وخلق الصدق في الإنسان يجعله مستقيم السيرة مع ربه ومع الخلق: يصدق في إيمانه وفي عبادته، وفي معاملاته مع أسرته، ومع جيرانه ومع مجتمعه كله، وباستقامة الناس على هذه السيرة المبنية على الصدق تستقيم الحياة.

والصدق شرط أساسي في أهل الحق الذين يسابقون أهل الباطل إلى العقول بحقهم، فلا يقبل الحقَّ الإلهيَّ إلا الصادقون، ولا يحمله إلا الصادقون، ولا يدعو إليه ويثابر في الدعوة إليه إلا الصادقون، ولا يصبر على البلاء في السباق إلى العقول بالحق إلا الصادقون.

فالصادقون هم أهل الحق الذين يَحْيَونَ صادقين، مهما كلفهم الصدق من تبعات، ويموتون على الصدق، لأنهم يعلمون أنه لا ينفع عند الله إلا الصدق، ولا يبقى الحق في الأرض إلا بالصدق، ولا حق بدون صدق، كما أنه لا صدق بدون حق.

ولما كان الله تعالى هو الحق، وهو مصدر الحق أسند إلى نفسه الصدق، ونفى أن يكون أحد أصدق منه.

كما قال تعالى: ((قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)).[آل عمران: 95]

وقال تعالى: ((ومن أصدق من الله حديثا)).[النساء: 87]

وقال تعالى: ((وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا)).[النساء: 122]

والصدق من صفات أولي العزم من الرسل الذين يسألهم الله يوم القيامة عن صدقهم إقامة للحجة على من كذب بالصدق، ولا يكذب بالصدق إلا الكاذبون.

قال تعالى: ((وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا، ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما)).[الأحزاب: 8]

وقال تعالى: ((والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)).[الزمر: 33]

وأهل الحق الصادقون ينفعهم صدقهم عند الله يوم يلقونه في الدار الآخرة، كما قال تعالى: ((هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم)).[المائدة: 119]

وإنما كان للصدق هذه المنزلة العظيمة لما يترتب عليه من الآثار السامية، فإن صاحبه يَصْدُق ربَّه في إيمانه وفي عبادته، فلا يكون منافقا يظهر خلاف ما يبطن، ولا مرائيا يعمل العمل الذي ظاهره الصلاح من أجل أن يراه الناس فيحمدونه، فإذا خلا بنفسه بارز الله بخلاف ذلك، ويَصْدُق الناسَ الذين يتعامل معهم في أي موقع كان، حاكما كان أو محكوما، خادما كان أو مخدوما، أبا كان أو ولدا، يُصَدِّق فعلُه قولَه، فتسري الثقة بين الناس بالصدق، ولا يتوجس أحد من آخر خيفة بسبب الكذب. إيمانه صادق وجهاده بأعز ما يملك: (ماله ونفسه)، صادق كما قال تعالى: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون))[الحجرات: 15]

ويُظهر هذه المنزلةَ العظيمة للصدق: الكذبُ الذي هو من أبرز صفات أعداء الله من الكافرين والمنافقين، وإمام الكاذبين هو إبليس الذي يعدهم ويمنيهم ويكذب عليهم ويغريهم بالكذب، فيضلهم عن الحق حتى يكذبوا به ويصدقوا الباطل، فإذا جاء اليوم الذي لا ينفع فيه إلا الصدق وعاينوا جزاء التكذيب بالصدق، بث حقده وأظهر ازدراءه لهم وأنزل الحسرة في قلوبهم وتبرأ منهم فعرفوه على حقيقته، كما قال تعالى: ((وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص، وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي  إني كفرت بما أشركتمونِ من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم))[إبراهيم: 22 أصل الصراخ: الصوت الشديد، والصارخ: المستغيث. والمصرخ-على وزن المكرم-المغيث.] 

تأمل قول الله تعالى: ((إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم)) أي إن الله الحق أمركم بالحق ووعدكم على الإيمان به وفعله وعدا حقا، وهو رضاه عمن آمن بالحق وفَعَلَه، وصدَق الله في وعده فأثاب أولياءه رضاه وجنته، كما قال تعالى بعد الآية السابقة: ((وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام))

أما إبليس فقد صدهم عن الحق وأغراهم بالباطل، ووعدهم في الدنيا بالسعادة إذا هم اتبعوه، وذلك كله كذب وافتراء، فلم يُعْمِلوا عقولهم ويفكروا بها ليعرفوا صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وكذب الشيطان، فاتبعوا خطوات الشيطان، فكانت تلك عاقبتهم في الآخرة: عذاب الله الذي لا يغني عنهم منه أحد من قادة الكفر والاستكبار الذين كان خطاب إبليس خيبة أمل لهم جميعا في ذلك الموقف الرهيب.

وهذا هو جزاء كل من اتبع أهل الباطل من زعماء الضلال المحاربين لله ولرسوله، الذين دأبهم الكذب على أتباعهم في دينهم ودنياهم يكفرون بالله ويحاربون شريعته، ويحلفون الإيمان المغلظة بأنهم هم المؤمنون: ((إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون، اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كنوا يعملون)).[المنافقون: 1-2]

ويفسدون في الأرض بتأييد الكفر والكافرين وموالاتهم، ونشر الفسق والفجور وتيسير سبل ارتكاب الفواحش والمنكرات والمحرمات، ومناصرة الظلم والظالمين، وحجب العدل عن الضعفاء، والانغماس في الترف المهلك الذي يعينهم عليه السلطان والمال، ومحاربة أهل الحق والصلاح الذين يدعون الناس إلى الحق والصلاح، ويحذرونهم من المنكر والفساد، ويضلل أولئك المفسدون جماهير الناس المغفلين بقلب الحقائق، وبالكذب المتكرر منهم على تلك الجماهير مزينين لهم أعمالهم منفرين لهم من سماع ما يدعوهم إليه أهل الحق، ويدَّعون أن فسادهم صلاح وصلاح أهل الحق فساد، كما قال تعالى: ((ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد)).[ البقرة: 204، 206]

 ((وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)).[البقرة: 11-12]

وإذا كان يترتب على الكذب واتباع أهله ذلك الجزاء الأخروي، فإنه يترتب عليه في الدنيا أيضا الفوضى والاضطراب وسوء العاقبة والمحن التي تزلزل البشر زلزالا شديدا في كل شؤون حياتهم.

 

الأضرار الرئيسة المترتبة على الكذب.

ولو أردنا استعراض الأضرار المترتبة على الكذب لطال الكلام على ذلك ولذلك نكتفي بالأضرار الرئيسة الآتية:

الضرر الأول: القول على الله بالباطل بعلم أو بغير علم.

وهذه صفة علماء السوء من أهل الكتاب ومن اقتدى بهم من هذه الأمة، كما قال تعالى: ((فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)).[البقرة: 79]

وصفة الجهلة من المشركين أيضا، كما قال تعالى: ((قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)).[الأنعام: 144]

الضرر الثاني: تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل.

وهو مترتب على القول على الله بعلم أو بلا علم، مع نسبة ذلك إلى الله تعالى كذبا وبهتانا، فيجمعون بذلك بين الكذب والافتراء على الله-عن علم أو عن غير علم-وتحريم الحلال وتحليل الحرام، ويدخل في هذا كل حلال وحرام. أو محاربة دينه وشريعته بإنكارهما، وادعاء حق التشريع ادعاء صريحا، ويصدرون الأنظمة والقوانين التي تحرم ما أحل الله للناس وتضيق عليهم ما وسع الله لهم، أو تحلل ما حرم الله من المعاصي المتنوعة بحسب الأهواء في التحليل والتحريم معا.

الضرر الثالث: الكذب السياسي المدمر.

وهذا يحصل من الطغاة المحاربين للحق وأهله، عندما تعوزهم الحجة ويصرعهم برهان الحق، ومن الأمثلة الواضحة على هذا موقف فرعون من دعوة موسى وأخيه هارون عليهما السلام، فقد حاول محاورة موسى فغلبه موسى، وحاول الاستعانة عليه بالسحرة والحشود الجماهيرية فغلبه موسى، فلجأ إلى الكذب والافتراء مدعيا أن موسى إنما جاءهم بما جاء به، ليستولي على الحكم ويخرج أهل مصر من بلادهم ويتكبر عليهم-كما يقول المثل: "رمتني بدائها وانسلت".

قال تعالى عن فرعون-بعد ذكره حوارا طويلا معه: ((قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون، قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين، يأتوك بكل سحار عليم، فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، وقيل للناس هل أنتم مجتمعون، لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين، قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين، قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون، فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، فألقي السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين، قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون، إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين)) إلى قوله تعالى: ((فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم... وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين)).[طه: 34-36] ؟؟[2]

تلك هي عاقبة أهل الباطل الكاذبين من الطغاة الذين يدمرون أممهم بكذبهم عليهم، كما حصل لفرعون و قومه، وهذه هي عاقبة أهل الحق الصادقين الذين ينصحون لقومهم ويبلغونهم الحقائق، بدون زيف ولا افتراء كما حصل لموسى عليه السلام ومن معه.

وما أكثر صنف فرعون وقومه الذين يكذبون على أممهم في كل شئ ويستخفونهم فيطيعونهم، ويحاول أهل الحق إنقاذهم من سياسات ألئك الطغاة، فتوضع أمام محاولاتهم العقبات، ثم لا يتبين القوم كذب ساستهم إلا عندما ينزل بهم الدمار، فيندمون ولات ساعة مندم. وهذه الأمم اليوم تساق إلى دمارها وهلاكها بكذب طغاتها عليها وقلبهم الحقائق لها، وهذه الشعوب في الأرض تُدمر في دينها ونفسها وعقلها ونسلها وعرضها ومالها، ولا تعتبر بما جرى ويجري من المصائب النازلة بها، ولا زالت تسير وراء طغاتها كالشياه وراء الراعي الأحمق، لم تستبن رشدها الذي دعاها إليه الصادقون من رجالها، على حد قول دريد بن الصمة:

أمرتهمُ أمري بمنعرج اللوى          === فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

 

أمثلة لكذب الطغاة المدمر للشعوب.

ولا بد من ذكر بعض الأمثلة الواقعة لتتنبه العقول الغافلة بها، فقد عميت بصائر الأمم عن الاعتبار بمن سبقها في الأمم الماضية، ولعل في التذكير بالواقع ما ينبه تلك العقول الغافلة:

المثال الأول: الثورة الكمالية التي خطط لها اليهود والنصارى، للإجهاز على ما بقي من رمز الخلافة الإسلامية التي حملها بنو عثمان.

فقد ضعفت هذه الخلافة، حتى أصبحت تسمى بالرجل المريض، واحتل أعداء الإسلام من الصليبيين الأوربيين عاصمة الخلافة (الأستانة) وقد أخرجوا صنما أحاطوه بهالة من العظمة والانتصارات-وكان الخليفة سجينا في دار الخلافة-حتى انتعشت آمال المسلمين الذين ظنوا ذلك الصنم مجددا لمعركة بدر، وجهاد صلاح الدين، وتخيلوا الملائكة وهي تحفه بالنصر في السماء وكتائب الجهاد ترفع رايته الأرض،  فمدحه الشعراء وأثنوا عليه ثناء عطرا، كما قال فيه شوقي:

 الله أكبر كم في الفتح من عجب

"""""""""يا خالد الترك جدد خالد العرب

يـوم كبدر فخيل الحق راقصـة

"""""""""على الصعيد وخيل الله في السحب

وأخذت أجهزة الإعلام المتاحة في تلك الفترة تكيل المديحَ للقائد المنتصر، والقدحَ والذمَّ للخليفة المغلوب على أمره، الذي بقي يصارع المساومات اليهودية الصليبية إلى آخر لحظة من ولايته.

وبذلك سوغ الكذبُ والتضليل لفرعونِ التركِ الصغير أن يقضي على رمز الخلافة ويفصل الدين عن الدولة-كما أراد ذلك اليهود والصليبيون-ويطرد الخليفة وأسرته إلى خارج حدود تركيا، ويحارب الإسلام وأهله حربا بلا هوادة فيها. ولا زال أتباعه يحذون حذوه في محاربة الإسلام والمسلمين، ليضاعفوا له الوزر الذي سيتضاعف لهم كذلك.[3]

وعند ذلك استيقظ الغافلون عن المكر اليهودي الصليبي، وأخذوا ينوحون على الخلافة والخليفة والإسلام ويحاولون محاولة فاشلة، أن يجدوا لعودتهما سبيلا، وهيهات، و ذاق المسلمون بعدها أقسى عقاب وأعظم ذل. فناحوا وبكوا، وهل يعيد الموتى النواح والبكاء؟!

وهنا قال شوقي في الخلافة التي أطاح بها خالد الترك!:

عادت أغاني العرس رجع نُواحِي

"""""""""""ونُعِيتِ بين معالم الأرواح

كُفِّنتِ في ليل الزفاف بثوبه

""""""""""""ودُفِنتِ عند تبلج الإصباح

ضجت عليكِ مآذن ومنابر

"""""""""""وبكت عليك ممالك ونَواح

الهند والهة ومصر حزينة

"""""""""""تبكي عليك بمدمع سحاح

والشام تسأل والعراق وفارس

""""""""""""أمحا من الأرض الخلافةَ ماح؟‍

[راجع هذا المعاني في: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر.(225) طبع دار الإرشاد في بيروت، للدكتور محمد بن محمد حسين.]

وأما كيف خدع المسلمين مصطفى كمال أتاتورك، وكذب عليهم حتى صدقوه ودعموه، فيكفي نقل هذا المقطع من كتاب: تاريخ الدولة العثمانية [4]: (وكما أن الغربيين قد نجحوا في مخططهم وجعلوا العالم الإسلامي كله يسير فخورا بضع سنوات وراء الثورة الكمالية، فقد استغل مصطفى كمال عواطف المسلمين وأموالهم إلى أبعد حدود الاستغلال، وكسا ثورته لباسا إسلاميا، سواء بأحاديثه وتصريحاته وخطبه أو بمعاملته لزعماء المسلمين، فمن ذلك أنه استعان بالزعيم الليبي الشهير أحمد السنوسي وجعله مستشارا له، وكان يبرق إليه، كما قال لي صديقي الأمير شكيب أرسلان، إذا أراد شن هجوم على مكان ما قائلا: إننا ننوي الهجوم غدا أو بعد غدٍ على مكان ما، فاقرؤوا البخاري الشريف على نية النجاح والتوفيق.

واستغل أيضا أعمال وأقوال جمعية الخلفاء الهندية التي قامت برعاية الأخوين شوكت علي ومحمد علي واستغل الشعراء فمدحوه، والأدباء فأثنوا عليه، ومشايخ الطرق فرفعوه إلى مقام الولاية [-ولا زال بعضهم يؤيد علمانيته إلى اليوم. وهكذا يستغل الطغاة المحاربون للإسلام بعضَ المنتسبين إلى العلم والأدب للإشادة بهم حتى يغتر بهم عوام الناس فيؤيد الطواغيت. ]

كان مصطفى كمال يبطن غير ما يظهر وينوي أن يفعل غير ما يقول، إذ أنه ما كاد ينتصر نهائيا ويطمئن إلى مصيره، حتى ألغى الخلافة وطرد الخليفة من البلاد وطرد السيد أحمد السنوسي، وتنكر لكل القيم الإسلامية وسار بسيرة ليس فيها أي مصلحة للإسلام ولا للمسلمين، لا بل ليس فيها أية مصلحة لتركيا نفسها، فها هي تركيا بعد مضي ستين سنة على هذه الثورة، ما زالت بلدا ناميا ضعيفا، لا حول له ولا طول، فالحركة العلمية فيها ضعيفة، والأمية سائدة، والحياة الاجتماعية متأخرة والحالة الاقتصادية في الحضيض، وكل ما فعلته هذه الثورة أنها شغلت الناس بأمور جانبية تافهة مثل إلغاء الطربوش، وسفور النساء، ولو كان هذان الأمران تركا للزمن لتكفل بتحقيقهما من غير ثورة كما حدث في كل البلاد الإسلامية...).[ ولا زال الكماليون مصرين على تطبيق العلمانية المعادية للإسلام والمحاربة لأهله في تركيا ويضايقون دعاة الحكم بالإسلام، بل بلغ بهم الأمر أن يغلقوا مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ويتخذون كل الوسائل للقضاء على تعليم الشباب المسلم العلوم الإسلامية، ومن ذلك إغلاقهم معاهد الأئمة والخطباء، وعدم اعترافهم بشهادات الجامعات الإسلامية في عواصم الإسلام، كالأزهر والجامعة الإسلامية وغيرهما، ولكن الصحوة الإسلامية تشق طريقها إلى إعادة مجد الإسلام ورفع رايته  وسينصرهم الله على أعدائهم.]

المثال الثاني: الثورة الناصرية في مصر التي اتخذ زعماؤها الإسلام واجهة لثورتهم، والقومية العربية شعارا لهم، وعلى رأسهم عبد الناصر الذي اختفى وراء كبار الضباط في أول الأمر، واغتر بهم دعاة الإسلام بسبب كذبهم ووعودهم التي قطعوها على أنفسهم، بل إن عبد الناصر بايع المرشد العام للإخوان المسلمين "حسن البنا"، ثم خدعهم وقلب لهم ظهر المجن، وكان من أهم أسباب نجاح ثورته مناصرتهم له، اعتمادا على أن ولاءه وولاء الضباط الأحرار كان في الأصل للإسلام ودعاته، وكانت التسمية نفسها "الضباط الأحرار" قد أطلقها الإخوان الذين كانوا مسؤولين عن الضباط، ولكن عبد الناصر الذي بايع المرشد العام وسار تابعا للمسؤول الذي عينه الإخوان للإشراف على الضباط الذين انضموا للحركة الإسلامية وارتبطوا بها، كان يخطط في الخفاء لسحب الولاء له شخصيا، بدلا من الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وكافأ الإخوان الذين خدعهم وأقام الثورة على أكتافهم، بما يعرفه القاصي والداني من الاعتقال والسجن والتعذيب والقتل والتشريد والحظر لنشاطهم.[ راجع كتاب: صفحات من التاريخ، لصلاح شادي (1120) وما بعدها، وراجع كتاب: الإخوان المسلمون لمحمود عبد الحليم (وهو ثلاثة أجزاء).]

كما أنه عندما تمكن من الحكم أسرف في وعوده وتبشيره للشعب المصري والعالم العربي والشعوب الإسلامية، بأنه سيحقق لهم العزة والكرامة ضد البغي والعدوان الأجنبي، ويرفع عنهم الذنب الذي نزل بهم وغلا في رفع شعار القومية العربية مخففا من ذكر الإسلام، ثم تطور حكمه إلى أن وصل إلى الاشتراكية، العربية ثم الاشتراكية العلمية، وأحدث شقاقا ونزاعا شديدا بين الدول العربية، بل بين أحزاب قامت معتمدة على دعمه وتحر يشه وبين الحكومات القائمة، وحكم مصر حكما عسكريا بغيضا، وسلب الأغنياء غناهم، وزاد الفقراء فقرا، حتى أصبحت مصر شبيهة بمقبرة يخيم عليها الصمت المطبق، لا ينطق من سكانها إلا من يسبح بحمد الطاغية.

وانقلبت العزة التي بشر بها الشعب والعرب والمسلمين إلى ذلة نالت كل عربي ومسلم، ولا زال المسلمون يسبحون في مستنقع تلك الذلة، فقد احتل اليهود مصر عمرو بن العاص ومرتفعات الجولان والقدس وما حولها وغزة، ولم تعد أرض مصر إلى المصريين إلا بعد أن سجد خَلَفُه أمام أقدام اليهود، ورفع العلم اليهودي على مصر، ولا زالت الأراضي الأخرى-إضافة إلى أرض فلسطين التي احتلها اليهود سنة 1948م-في قبضة اليهود يعيثون فيها فسادا يعلمه الناس كلهم.

وهذا وغيره من المصائب والمحن التي أنزلها بالأمة كانت عكس وعوده وتصريحاته، فقد كذب على الأمة كما كذب قبله مصطفى أتاتورك كذبا سياسيا مدمرا.

وليس من السهل الاستمرار في ضرب الأمثلة لطغاة الكذب السياسي المدمر للشعوب، فهو الأصل-وما عداه استثناء-في وعد طاغية العراق شعبه بإمبراطورية واسعة الأطراف، بالغزو المسلح الذي بدأه باحتلال الكويت وما آل إليه أمر العراق والشعوب الإسلامية، وبخاصة العربية منها ما فيه غناء عن الأمثلة للأكاذيب السياسية المدمرة.

ولم يعد يخفى على كثير من أبناء الشعوب كذب طغاتها المحاربين للإسلام، والذي تحتاجه تلك الشعوب الآن ليس كشف ذلك الكذب المدمر الذي لم يعد خافيا عليها، ولكنها تحتاج إلى معرفة السبيل التي تسلكها للتخلص من ذلك الدمار[5].

ولكني أذكر مثالا واضحا من أمثلة كذب الطغاة المدمر لشعوبهم نراه رأي العين اليوم ويراه العالم كله، وهو كذب طاغية الصومال الذي استولى على الحكم-كغيره من حكام الشعوب الإسلامية-بالقوة العسكرية [6] مدعيا أنه أراد بذلك تخليص الشعب الصومالي من محنته، واعدا إياه بالعيش في جنة من الحياة، وهو الآن يعيش تعيسا جائعا، عاريا، عطشانا، لم يبق من أفراده إلا الجلد والعظم تلهبه الشمس المحرقة، ويقتله البرد القارس، وتفتك به الأمراض المتنوعة، عدا المئات الذين يموتون كل يوم من الجوع والعطش والمرض.

وأمامي الآن جريدة الشرق الأوسط[عدد (5110) 30/5/1413هـ-24/11/1992م. ص: 8 بقلم اللواء عمر الحاج محمد مصلي. ] وبها عنوان: (الصومال.... أسوأ كارثة إنسانية) أقتطف من المقال الذي كتب تحته المقطع الآتي لأنه يناسب المقام:

"النظام الذي استولى على الحكم في عام 1969م تراجع عن المبادئ التي أعلنها بعد أعوام قليلة من استيلائه على الحكم [7] وبعد أن أعلن حربا على الفساد والمحسوبية واختلاس أموال، والقبلية، تعثرت خطاه من تلقاء نفسه، مما أدى إلى اختلال ترتيب الأمور والتقاعس في تحقيق الوعود. من تلك اللحظة بدأ كل شئ يخطو عكس ما خطط له سابقا [8] فظهرت القبيلة بقوة جبارة وفعالة، وسيطرت المحسوبية على الدوائر الحكومية، ونهبت الأموال العامة والخاصة، وعمّت الفوضى ربوع البلاد.

هذه الظواهر السلبية مهدت الطريق إلى ظهور ديكتاتور ينفرد بحكم البلاد لا يشاركه أحد في اتخاذ القرارات، كما أن السلطات كلها أصبحت في قبضته وتمكن من التخلص من المسؤولين الذين كانوا يتقاسمون معه الحكم، وعين بدلا منهم شخصيات انتهازية لا تعارضه في أبسط الأمور.

هذا الخلل الذي أصاب النظام وفّر مناخا ملائما لتنشيط القبلية، كما أعطى فرصة ثمينة لصيادي القبلية والمستفيدين منها، فزرعوا الفتن والشكوك بين القبائل، وكسبوا مراكز حكومية رفيعة في الدوائر الحكومية، وأداروا ظهورهم للمصلحة العامة.

ظهرت شخصيات كثيرة في قمة سلم الحكم، لا يهمها التاريخ وما يسجله من تصرفاتهم، فركزوا نفوذهم على الكسب غير المشروع..."

هذا النص من مقال اللواء عمر الحاج، وهو وزير الدفاع الصومالي السابق الذي كان مشاركا في الحكم، وقد جرت العادة أن التاريخ الذي يكتب في عهد الطغاة وينشر، يكون غالبا في صفهم مدحا وثناء بالكذب والبهتان، وأن التاريخ الذي يكتب بعد ذهابهم قد يكون صادقا وقد يكون مبالغا في ذمهم ونسبة السوء إليهم، ولكننا نعرف أن هذا الكاتب لم يذكر إلا قطرة من بحار تاريخ الزعيم الصومالي وكذبه السياسي المدمر.

كما أنه لم يذكر ما يتعلق بمحاربته الإسلام وعلماء الإسلام الذين أحرق مجموعة منهم[راجع مجلة المجتمع الكويتية. عدد (234) 15/11/1395هـ-. 28يناير سنة 1975م ص: 6 وما بعدها.] بسبب معارضتهم لقانون أصدره يساوي بين المرأة والرجل في الإرث الذي فرق الله فيه بينهما في نص كتابه.

والأمة التي تحارب عقيدتها ودينها وشريعتها ويحرق علماؤها، ثم لا تحرك ساكنا في ردع المعتدي الآثم، لا بد أن تصل في النهاية إلى هذه المأساة التي يقول الله فيها وفي أمثالها: ((واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)).[الأنفال: 25]

ومن هنا نعلم أن أهل الحق الصادقين يسعدون البشرية بحقهم وصدقهم، وأن أهل الباطل الكاذبين يشقون البشرية بباطلهم وكذبهم.

ولعل الأمة الإسلامية تتنبه لخطر كذب قادتها الذين يحاربون الإسلام، وكذبهم السياسي المدمر الذي تجند لترويجه كل طاقات الدولة، حتى ينطلي عليها ويستمر في تضليلها فترة طويلة، ولا تشعر بآثاره المدمرة إلا بعد أن يفوت الأوان وتتحطم الشعوب اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وخلقيا وعسكريا، حتى يصبح استعمارها من قبل أعداء الإسلام الذين يوفرون لها لقمة العيش وشيئا من الأمن النسبي، أحب إليها من بقائها تحت مطارق الخوف والجوع والسلب والنهب والقتل والتشريد [كما هو حاصل الآن في الصومال الذي سيطرت عليه القوات الأمريكية تحت مظلة مجلس الأمن والإغاثة الإنسانية مستترة بتأييد حلفائها الذين شاركوها بقوات رمزية شبيهة بالمحلل في فقه النكاح!]

 

الضرر الرابع للكذب: نشر الفاحشة بين المؤمنين.

ومن الأضرار المترتبة على الكذب: انتهاك أعراض الناس والولوغ فيها، ونشر الفاحشة بين المؤمنين، بقذف المحصنات المؤمنات الغافلات-والمحصنين كذلك-وذلك مما يفقد الثقة بين الأسر والمجتمعات ويفككها، ويؤذي شرفاءها ويجرئ فساقها على ارتكاب الرذائل، والطمع في نيل المعصية والإثم من أهل الطاعة والزلفى عند الله تعالى.

وهذا الاعتداء الآثم على أعراض الشرفاء لا يقدم عليه إلا من أصبحت الرذيلة صفة معتادة لهم، والكذب والافتراء ديدنهم، وحب انتشار الفاحشة متأصلا في نفوسهم، يؤذيهم وجود الطهر والطاهرين، ويرضيهم وجود القذر والقذرين، فلا يهدأ لهم بال حتى يلطخوا سمعة الأطهار، وذلك دأب المنافقين الذين تلازمهم الأخلاق السيئة وبخاصة الكذب.

ولقد نال أذاهم أطهر من وجد على الأرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، في زوجه أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، وكان الذي تولى كبر الإفك العظيم رئيس المنافقين آنذاك: عبد الله بن أبي بن سلول، وجر معه بعض المسلمين الذين لم يحسنوا الظن ببيت النبوة والرسالة، فأنزلوا بذلك من الأذى والفتنة والغم، ما يعجز عنه الوصف إلا أن يكون وصف المؤمنة المحصنة الغافلة المظلومة، عائشة رضي الله عنها-كما روى القصة بطولها مسلم عنها [رقم الحديث: رقم:4974]

وفي ذلك أنزل الله تعالى آيات محكمة توبخ من وقعوا في هذا البهتان العظيم الذي رميت به السيدة الطاهرة-التي يعد من اتهمها بعد نزول هذه الآيات المبرئة لها مكذبا للقرآن، ومن كذب بالقرآن-كغلاة الرافضة-فقد كفر. 

قال تعالى: ((والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا أولئك هم الفاسقون...)).؟؟

ثم قال تعالى بعد ذلك: ((إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين-إلى قوله تعالى-: ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم، إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين، ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم، إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)).[النور: 12-19]

فأهل الحق الصادقون لا يفترون ما يخدش الأعراض، بل لو عملوا منكرا ارتكبه مؤمن فالستر عندهم عليه أولى، إلا إذا جاهر صاحبه وعاند، وأهل الباطل الكاذبون يطلقون ألسنتهم في أعراض الناس افتراءً بدون علم.

الضرر الخامس: إهدار الحقوق بشهادة الزور.

ومن الآثار المترتبة على الكذب شهادة الزور، وشهادة الزور تزهق بها الأرواح، وتنتهك بها الأعراض، وتغتصب بها الأموال، وتستحل بها الفروج، ويزكى بها الفساق، ويفسق بها العدول، ويفقد بها الكفء مكانه الذي يستحقه لتنتفع به فيه الأمة، ويوضع الخائن بها في مكان تقتضي الضرورة أن يكون فيه الأمين.

وقد شرع الله الشهادة من أجل توثيق الحق، والذي يوثق الحق بشهادته هو العدل، أما شاهد الزور فإنه يضيع الحق بدلا من حفظه.

قال تعالى: ((وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله)).[الطلاق: 2]

ونفى عن أهل الحق-وهم المؤمنون به-صفة شهادة الزور، فقال تعالى: ((والذين لا يشهدون الزور )).[الفرقان: 72]

وأمرهم-أي أهل الحق-أن يشهدوا بالحق في كل حال، ولو كانت الشهادة تؤدي إلى أخذ صاحب الحق حقه منهم، كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين)).[النساء: 35]

الضرر السادس: اتهام الكاذب بعيوبه مَن هم منها براء.

كما قال تعالى في مثل هذا: ((ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا)). [النساء: 112]

وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق الذي سرق سلاحا، فشكاه صاحب السلاح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألقى السارق السلاح المسروق في بيت رجل برئ، ليبرئ نفسه ويحمل البريء إثمه، وعندما وجد السلاح في بيت الرجل البريء ثبتت-في الظاهر-براءة السارق، فأنزل الله هذه الآية وآيات قبلها منها قوله تعالى: ((إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)).[ النساء: 105، وراجع تفسير هذه الآيات في كتاب تفسير القرآن العظيم لابن كثير.]

وما أكثر ما يرتكب ناس مثل هذه الخطيئة! ويبرؤن أنفسهم مما ارتكبوه ويلطخون به البريئين.

وبنظرة  في وسائل الإعلام في هذا العصر، يرى المرء العجب العجاب من الاتهامات الكاذبة من فرد لآخر، ومن جماعة أو حزب لجماعة أو حزب آخر، ومن دولة لدولة أخرى، وكثيرا ما يكون المتَّهِم غارقا في العيوب والنقائص التي اتهم بها غيره.

والسبب في ذلك هو الاتصاف بصفة الكذب التي تلازم أهل الباطل غالبا، وفقد صفة الصدق التي تلازم أهل الحق.

 

ثالثا: العدل.

والعدل من أسس صفات أهل الحق، وهو مطلوب ضرورة في الحياة عند كل الأمم، ولا تستقيم الحياة بدونه، والأمم كلها مسلمها وكافرها تعلم أنه ضرورة لحياتها، لأن كل فرد وكل أسرة وكل أمة تحرص على أن لا يمسها غيرها بالظلم، بل تحب أن ينصفها المتعامل معها، لكن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وشريعة الله العادلة-وهم أهل الباطل-يحرصون على أن يعاملهم الناس بالعدل، والغالب أنهم إذا قدروا على ظلم غيرهم-من غير أن ينالهم ضرر-لا يتورعون عن الظلم، لأنهم لا يخشون جزاء ولا عقابا إلا إذا نالهم القانون والقضاء وما يسمى بأجهزة الأمن-في الدنيا-فإذا أمنوا من ذلك كله، فالأصل عندهم الأثرة وظلم الغير، لأنهم أهل باطل.

والذي لا يحب الظلم ويلازمه العدل مع القريب والبعيد والصديق والعدو، هو المؤمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر الذي يلتزم بشريعة الله وحكمه وينفذهما، وهؤلاء هم أهل الحق، لأن الحق تعالى أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وهم يطمعون في ثوابه على طاعته ويخافون من عقابه على معصيته، ويعلمون أن إيمانهم لا يكمل إلا إذا أحبوا لغيرهم ما يحبون لأنفسهم من الخير، وقد يصل بهم إيمانهم إلى التنازل عن بعض حقوقهم الخاصة، إذا كان التنازل عنها مشروعا، ولكنهم يحرصون على إيفاء الناس حقوقهم بدون نقصان.

وقد أكد الله تعالى لعباده أنه يأمر بالعدل والإحسان وينهي عما يناقضهما من الظلم والفساد والمنكر، فقال تعالى: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)).[النحل: 90]

وقد نهى الله رسوله عن اتباع أهواء أهل الكتاب الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم، وأمره أن يعلن للناس إيمانه بما أنزل الله، وأنه أمر بالعدل بينهم، كما قال تعالى: ((فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير)).[الشورى: 15]

وأمر الله تعالى عباده المؤمنين-كما أمر نبيه-بالعدل ولو كان على أنفسهم ونهاهم عن اتباع الهوى-كما نهى نبيه-كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا)).[النساء: 135]

فالهوى كثيرا ما يغري الإنسان بالظلم وترك العدل، إما لجر مصلحة لصاحبه أو لقريب أو صديق، وإما لإنزال ضرر بعدو بغيض. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يستأصل هذا الهوى الظالم في كلا الأمرين: محاباة القريب، بل والنفس، كما مضى، وبغض العدو أو الخصم، فقال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)).[المائدة: 8]

إنه قمة ما تحتاج إليه الأمم في كل زمان: أن ينصف القادر خصمه ولو على نفسه أو أقربائه وأن يعدل مع أشدّ أعدائه.

وقد يرى أعداء الحق أن هذا من المثاليات قد تدور بالخيال ولكن تطبيقها في الواقع بعيد المنال، وهذا الرأي صحيح بالنظر إلى الأوضاع التي يعيش الناس فيها بعيدا عن منهج الحق وتطبيقه: منهج الله الذي أنزله في كتابه ودعا إليه عباده، وقد استجاب لدعوته الرعيل الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فطبقوه تطبيقا تندب البشرية اليوم حظها التعيس لفقده، وتبعهم على ذلك أهل الحق ولا زال منهم من يتمسك به-وإن كانوا قلة في هذا الزمان-ولو عاد المسلمون إلى ذلك المنهج من جديد، لرأت الأمم في الأرض ما تتمناه من العدل الذي أمر الله به على وجه العموم، وأمر به في الحكم كما قال تعالى: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا)).[النساء: 58]

وأمر به في الشهادة كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم)).[المائدة: 106]

وأمر به في الصلح بين الناس، بحيث لا يكون في الصلح ظلم لأحد المتخاصمين، بسبب ضعفه وقوة خصمه أو لغير ذلك، كما قال تعالى: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)).[الحجرات: 9]

وأمر به في التعامل الأسري، فقال تعالى: ((فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا)).[النساء: ؟]

وكل الحقوق التي أمر الله بها، وكل المظالم التي نهى الله عنها، إنما تتحقق بالعدل الذي هو ملازم لأهل الحق بحسب نصيبهم منه.

وصح عن: رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور". [مسلم: (3/1458) رقم الحديث: 1827.]

وقد ربى رسوله الله صلى الله عليه وسلم أصحابه-وكل رسول سبقه كذلك-على العدل، حتى اعترف لهم بذلك أعداؤهم من أهل الكتاب كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، واشترط أن له الأرض وكل صفراء وبيضاء [يعني الذهب والفضة]. قال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين يصرم النخل [يقطع] بعث إليهم عبد الله بن رواحة، فحرز عليهم النخل، وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص، فقال: في ذِه كذا وكذا، قالوا أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا أَلي[أي أتولى] حزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلت. قالوا: هذا الحق (و) به تقوم السماء والأرض قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت" [أبو داود واللفظ له (3/698) وابن ماجة  (1 /582) وهو صحيح.].

وعن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليا من حلي نسائهم، فقالوا له: هذا لك [يعني رشوة] وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: (يا معشر اليهود! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم عليّ من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها). فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض [الموطأ (4/ 270) والحديث مرسل وهو يفيد شيئا مما جرى بين ابن رواحة واليهود.].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(وأمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم". فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شئ، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعد ل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة...)[ مجموع الفتاوى: (28146).]

وإن الذي يتأمل أحوال العالم اليوم، يدرك المآسي التي نزلت به بسبب فقد العدل أو قلته التي تقترب من العدم، فلا نجد ضعيفا ينصفه القوي-إلا ما شاء الله-من الأفراد والجماعات والدول، ولو أردنا أن نضرب أمثلة لذلك لطال بنا المقام.

ويكفي أن تقعد قليلا أمام شاشة التلفاز، لترى ماذا يفعل اليهود بأطفال فلسطين وشيوخها ونسائها من قهر وإذلال وقتل وتشريد وسجن واعتقال وهدم منازل بالصواريخ على من فيها.

وأن ترى نصارى الصرب وهم يفعلون بالمسلمين في البوسنة والهرسك، أعظم مما فعله اليهود، وذلك في وسط قارة الحرية والعدل والمساواة [وفي هذه الأيام-من سنة 1417ه--1996م-يكشف عن مقابر جماعية لآلاف المسلمين الذين قتلهم الصرب عندما احتلوا مدنهم وقراهم.]

والعالم كله يمور بالفتن والمصائب بسبب الظلم وفقد العدل، وهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها ومجلسها المسمى بمجلس الأمن، تتصرف فيها دولة واحدة استبدت بالأمر، تحرك تلك الهيئة ومنظماتها ودول العالم كله كما تريد، فإذا رأت أن لها مصلحة من التدخل في أي حدث يقع في العالم أجلبت بخيلها ورجلها وحشدت كل الدول لتحقيق مآربها ولو أهلكت بذلك الحرث والنسل مدعية أنها تنصف المظلوم من ظالمه، وإذا رأت أن عدم التدخل من مصلحتها أحجمت عن التدخل في الحدث وروضت غيرها على الإحجام بأسلوب ماكر مخادع، أو بتهديد شديد ظالم.

وكيف يرجى من هيئة الأمم المتحدة خير لضعيف وهي تصدر قراراتها بالإجماع أو الأغلبية، فَتُعَطِّل كُلَّ تلك القرارات دولةٌ واحدة عند التنفيذ؟!

بل أين العدل والإنصاف فيما يسمى مجلس الأمن وقد احتشدت بجواره جميع دول العالم، ومع ذلك تستطيع دولة من خمس دول تعطيل أي قرار يصدره [الدول التي لها مندوبون دائمون، ولها حق نقض أي قرار يتخذه المجلس مجتمعة أو كل دولة على حدة هي: أمريكا وفرنسا، وبريطانيا، والصين، وروسيا، ولكن أمريكا في الوقت الحاضر تقود المجلس وغيره من منظمات الهيئة لانفرادها بالهيمنة الدولية، ومع زعمها أنها دولة ديمقراطية، فإن استبدادها الدولي لا حدود له إلا مصالحها وعجزها.].

وبهذا يعلم أن العدل-وهو صفة ملازمة لأهل الحق-هو الذي يثبت الحق ويطرد الباطل، وأن الظلم-وهو ملازم لأهل الباطل-هو الذي تشقى به البشرية على مدار التاريخ.

وإذا شئت أن تعرف أنموذجا للظلم الغاشم، وبخاصة على المسلمين من أعلى مسؤول في هيئة الأمم المتحدة، فاقرأ عن مواقف أمينها العام العربي النصراني المصري بطرس غالي، [عندما كان أمينا عاما للأمم المتحدة]من قضية المسلمين في البوسنة والهرسك وإصراره على عدم تدخل الأمم المتحدة لحماية هؤلاء المسلمين الذين يتعرضون لأبشع اعتداء من قبل إخوانه الصرب النصارى [مجلة المجتمع الكويتية عدد 1002 ص22.].

 

رابعا: صفة الرحمة.

ومن صفات أهل الحق الرئيسة خُلق الرحمة، وهي تقتضي من المتصف بها الإشفاق على المخلوقين من الناس والحيوانات والرأفة بهم والإحسان إليهم.

ولما كان الله هو الحق ومصدر الحق ومُشَرِّعَه ومنزل الوحي به وباعث الرسل من أجله، فهو تعالى الرحمن الرحيم الرؤوف الودود [9] الذي وسعت رحمته كل شئ.

[يجب أن يعلم ابتداء أن الله تعالى ليس كمثله شئ في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته: ((قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد...)) واشتراك المخلوق مع الخالق في الاتصاف بالرحمة ونحوها إنما هو اشتراك لفظي مثل أن يقال: إن الله موجود والمخلوق موجود، والفرق بين الوجود ين: أن وجود الله ذاتي أزلي أبدي ووجود المخلوق استمده من الخالق وهو وجود محدود ببداية ونهاية وغير ذلك.]

وقد افتتح تعالى كتابه الذي أنزله على رسوله رحمة للعالمين بالبسملة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) وافتتحت بها كل سور القرآن الكريم[ما عدا سورة براءة، التي يرى بعض العلماء إنها مكملة لسورة الأنفال.] وتكرر لفظ الرحمة ومقتضياتها كثيرا في القرآن الكريم وكذلك في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد وعد الله تعالى أهل الحق من المؤمنين الذين يقومون بمقتضى إيمانهم برحمته، فقال تعالى: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)).[التوبة: 71]

وأهل الحق المتصفون بالرحمة يطلبون من ربهم أن يرحمهم، كما قال تعالى:((ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)).[البقرة: 286]

ووصف سبحانه كتابه الذي جاء بالحق بأنه رحمة، فقال تعالى: ((وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين، أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة)).[الأنعام: 157 ]

ويدعو ملائكة الله المقربون-وهم في السماوات-للمؤمنين-وهم في الأرض-الذين يشتركون معهم في الإيمان والعمل بالحق، بأن يدخلهم الله الجنة ويقيهم السيئات التي تكون سببا في دخول النار، ثم يختمون دعاءهم لهم بقولهم: ((ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم)).[غافر: 9]

بل إنهم استفتحوا دعاءهم للمؤمنين بالتوسل إليه برحمته، كما قال تعالى: ((الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم)).[غافر: 7]

ووصف إرساله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين، فقال: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)).[الأنبياء: 107]

وقال عن نبيه لوط عليه السلام: ((وأدخلناه في رحمتنا إنه كان من الصالحين)).[الأنبياء: 75]

وقال عن بعض أنبيائه بعد ذكرهم: ((وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين)).[الأنبياء: 86]

وقال عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)).[التوبة: 128]

ولشدة رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته، وحرصه على أن يأخذوا منه الحق الذي جاءهم به، وخشيته عليهم من البقاء  في الضلال الذي يؤدي بهم إلى سخط الله وأليم عقابه، كان صلى الله عليه وسلم يأسف أسفا شديدا يُخشى أن يقع بسببه في الهلاك، ولذلك خاطبه الله تعالى مسليا ومصبرا: ((فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)).[الكهف: 6]

ووصفه الله تعالى هو وأمته بأنهم رحماء بينهم، فقال: ((محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)).[ الفتح: 29، وشدتهم على الكفار إنما هي في الحقيقة من أجل رحمتهم إياهم وشفقتهم عليهم من أن يموتوا على كفرهم فينالوا عذاب الله.]

وبرحمة الحق جل جلاله التي وسعت كل شئ في هذه الدنيا-وإن خص بها أهل الحق في الهداية والرضا والثواب الجزيل يوم القيامة في الآخرة-بعث رسله وأنزل كتبه وشرع أحكامه لهداية البشر، وبها جعل الناس والدواب يتراحمون فيما بينهم في حياتهم.

ولكن الرحمة الحقيقية هي تلك الرحمة التي يتصف بها أهل الحق، فتستولي على نفوسهم ومشاعرهم، وتجعلهم في كل لحظة من لحظات حياتهم يشفقون على أهل الباطل الذين قست قلوبهم وخلت من الرحمة، حتى على أنفسهم فأصروا على رفض الحق ومحاربته ومحاربة أهله والصد عنه، واستكبروا استكبارا.

لذلك ترى أهل الحق الرحماء يحملون الحق إلى الناس، ويسابقون به أهل الباطل إلى عقول البشر، ويتحملون من المشاق والمحن والمؤامرات، ما لا تتحمله الجبال الرواسي.

والذي يرجع إلى قصص الأنبياء وحوارهم مع أممهم ومواقف تلك الأمم من دعوتهم، من التكذيب والاستهزاء والتحقير والتهديد، مع صبر أولئك الأنبياء وتلطفهم ولينهم وحسن أسلوبهم، تتبين له الرحمة التي حلت في قلوب ألئك الرسل لقومهم.

 


نماذج للرحمة التي يتصف بها أهل الحق.

ويكفي أن نذكر ثلاثة نماذج: اثنان منهما لنبيين وثالث لأحد المؤمنين.

النموذج الأول: نبي الله نوح عليه السلام.

وهو أول رسول بعثه الله تعالى للناس في عهده رحمة لهم، فمكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم يجادلونه بالباطل ويسخرون منه ويحاولون إدخال اليأس إلى قلبه، وهو يمضي في طريقه صابرا محتسبا رحيما بهم شفيقا عليهم، منوعا أساليبه في دعوتهم، يدعوهم في الليل والنهار، وفي السر والجهر، مرغبا لهم إذا اتبعوه، بالعيش الحسن في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، ومهددا إذا عصوه، بالهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، والقوم لا يزدادون إلا عنادا واستكبارا، حتى يأتي أمر الله، فيضطر إلى أن يتعلم النجارة لصنع سفينة ينجو فيها بنفسه ومن آمن معه بأمر من ربه، ويرى فلذة كبده وهو يغرق مع أعداء الله.

وقد صورت الآيات القرآنية قصته تصويرا مفصلا دقيقا فلنذكر بعض الآيات بدون تعليق فلا كلام يمكن أن يؤدي معانيها مثلها:

((ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون)).[العنكبوت: 14]

((بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم، قال يا قوم إني لكم نذير مبين، أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون، يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون، قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا، فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل جنات ويجعل لكم أنهارا، ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا، ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا، وجعل الشمس سراجا، والله أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا، والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلا فجاجا، قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، ومكروا مكرا كبارا، وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا، وقد أضلوا كثيرا، ولا تزد الظالمين إلا ضلالا، مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا، وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا، رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا)).[سورة نوح]

((كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر، وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر، وحملناه على ذات ألواح ودسر، تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر، ولقد تركناها آية فهل من مدكر)). [القمر: 9-15]

((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ(25)أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ(26)فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ(27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَءَاتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ(29)وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ(31)قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(32)قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ(33)وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(34)أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ(35)وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ(37)وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ(38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ(39)حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ(40)وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(41)وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ(42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ(43)وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44)وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(46)قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ(47)قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(48)تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(49)[سورة هود]

هذا هو النموذج الأول، وهو أول رسول بعثه الله إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وهو نوح عليه السلام ولولا ما رزقه الله من رحمة وشفقة وصبر، لما قدر أن يستمر في دعوة قومه الذين وقفوا منه هذه المواقف تلك المدة الطويلة المديدة: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ(14)[العنكبوت] وقصص الأنبياء عليهم السلام-غير نوح-شبيهة بقصته

 

النموذج الثاني: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو الذي ختم به جميع الرسل، وختم بكتابه ودينه المفصل الكامل جميع الكتب والأديان رحمة من الله للعالمين. 

فقد بعثه صلى الله عليه وسلم في وقت أظلمت فيه الآفاق بالشرك والوثنية والجهل، وانطمست معالم الرسالات، وكلف تبليغ هذا الدين إلى قومه الأقربين، ثم عشيرته المحيطين به، ثم العرب أجمعين، ثم أمم الأرض وعظماءها من الأمراء والسلاطين، ولقي صلى الله عليه  وسلم ما لقيه إخوانه المرسلون، من أقوامهم الضالين من الأذى والامتحان، والصد عن سبيل الله واتباع سبيل الشيطان، وأوذي معه صحبه الكرام الذين أقام الله بهم دين الإسلام.

دعا صلى الله عليه  وسلم سرا وعلنا، وعرض دعوته على الغني والفقير، والقوي والضعيف، وهجر بلاده مكة هو وصحبه عندما سد المشركون أمام دعوته الأبواب، وكانت أحب البلاد إلى الله.

واصل دعوته في المدينة، وهجم عليه المشركون من كل حدب وصوب، فجاهد في الله حق جهاده مدافعا عن دين الله، وقائما بدعوة الله، وسالت دماؤه الزكية وجرح جسمه الطاهر وكسرت أسنانه النظيفة، وقتل كثير من أصحابه، مستشهدين في ساح الجهاد التي اشترك معهم فيها الملائكة المقربون، حتى نصر الله دينه وأعلى كلمته وكان ذلك كله امتثالا لأمر ربه، ورحمة بعباد الله ليخرجهم من الظلمات إلى النور.

ولنقرأ كذلك بعض الآيات في معاناته صلى الله عليه  وسلم، وكيف وقف قومه المشركون واليهود والنصارى، من الحق الذي جاء به، وكيف صبر ومضى مشفقا عليهم رحيما بهم.

قال تعالى: (( وَهُوَ اللَّهُ فِي السماوات وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ(3)وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ(4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(5)أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ(6)وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ(8)وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ(9)وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(10)قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)قُلْ لِمَنْ مَا فِي السماوات وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِا الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(12)وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(13)قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السماوات وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(14)قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ(16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(18)قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(19) الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(20)وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(21)وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ(22)ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23)انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(25)))[الأنعام]

وقال تعالى: ((ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا، وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا)).[الإسراء: 89-93]

ومع هذه المواقف الجاسية العنيدة التي كان يقفها قومه المشركون منه، كان يحزن لحالهم ويتحسر ويهتم بأمرهم، رحمة بهم وإشفاقا على ما سيلقونه من مصير سيئ في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى له مسليا ومصبرا: ((واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون)).[النحل: 127]

وقال تعالى: ((ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون)).[النحل: 70]

وقال تعالى: ((فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)).[الكهف: 6]

هكذا كان صلى الله عليه  وسلم يحزن لحال أمته الذين لم يستجيبوا لدعوته، مشفقا عليهم راغبا في هدايتهم برغم عدائهم وحربهم له ولدينه.

وكان صلى الله عليه  وسلم أشد رحمة وشفقة على من آمن به من أصحابه، كما قال تعالى: ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)).[التوبة: 128والعنت المشقة]

وقال تعالى: ((واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم)).[الحجرات: 7]

وقال تعالى: ((محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)).[الفتح: 29]

وقد ضرب لرحمته وشفقته على أمته، مثلا برجلٍ استوقد نارا فلما أضاءت جعل الفراش والدواب تقع في النار والرجل يحاول منعها وحجزها عن النار، وهي تأبى إلا الوقوع فيها.

كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: (إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تقحمون فيه..) وفي لفظ: (مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها، قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا أخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني تقحمون فيها..) [مسلم (4/1789)، والتقحم الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت، والحجز جمع حجزة وهي معقد الإزار. ].

والذي يدرس سيرة الرسول صلى الله عليه  وسلم، وما قام به من الدعوة إلى الله بين المشركين وحرصه الشديد على هدايتهم، وسيرته صلى الله عليه  وسلم مع أهله وخَدَ مه وأصحابه، يرى رحمته شاخصة في تلك السيرة العطرة، تتحرك بحركة رسول الله صلى الله عليه  وسلم، وتتحدث بلسانه.

وعلى تلك الرحمة ربى أصحابه فكانوا يتسابقون إلى نفع المحتاجين ونصرة الضعفاء.

ويكفي لمعرفة رحمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه برعيته، بيانه السياسي بعد بيعته الذي أولى فيه من يستحق الرحمة اهتمامه، حيث خصه بنسبة كبيرة من معاني ذلك البيان نصا، فكان مما قاله في ذلك البيان:"والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله.." [تاريخ الخلفاء، للإمام السيوطي ص69]

وكان-وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم-ووزيره عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، يتسابقان دون أن يعلم أحدهما بالآخر لخدمة عجوز كبيرة السن، وكان الخليفة يسبق وزيره إليها [نفس المرجع: ص80].

 

النموذج الثالث: مؤمن آل فرعون.

وهو الذي انبرى محاميا عن موسى عليه السلام، ومرغبا فرعون وقومه في الاستجابة لدعوته، ومرهبا لهم من مخالفته والاعتداء عليه بالقتل، في بيان طويل وجدال قائم على الحجة والبرهان والعاطفة والرحمة.

فعندما سمع فرعون يستأذن ملأه-وليس استئذانه منهم إلا لخداعهم وإظهار أنه يرجع إليهم في الأمور المهمة-قائلا: ((وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)) وسمع موسى عليه السلام وهو يستعيذ بربه-الذي لا ملجأ له سواه-كما قال الله تعالى عنه:((وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب..)) خرج ذلك الرجل المؤمن رضي الله عنه من صمته وهو من آل فرعون-فدافع عن موسى ودعا فرعون وقومه إلى اتباعه والبعد عن إيذائه، كما قال تعالى: ((وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم به إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا)) [إلى هنا تظهر رحمة الرجل المؤمن بموسى عليه السلام، حيث يحذر قومه من قتله بسبب يقتضي مناصرته والاستجابة له، وهو أنه يقول ربي الله، ثم يفترض أنه إما أن يكون صادقا-وهذا هو الذي يعتقده هذا المحامي-وإما أن يكون كاذبا-حسب زعم فرعون وملؤه فإن صدق فسيكون قتلهم له ومحاربة دعوته وبالا عليهم، وإن كذب فتركهم له لا يضرهم ويتحمل هو كذبه، وفي نصحه هذه رحمة بهم، ثم يظهر رحمته بهم بأنهم يحرزون الملك وهذا الملك لا يبقى مع الظلم بل سينزل بهم بأس الله فإذا نزل بهم فلا ناصر لهم، وفي هذا غاية النصح لهم والرحمة بهم.]

((قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد)) [وفي هذا تخويف لهم من عقاب الله في الدنيا، وذلك رحمة بهم].

ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد)) [وفي هذا تحذير لهم من عقاب الله لهم في الآخرة، وهو من رحمته بهم]

.إلى قوله تعالى ((وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد))[وهذا يعارض قول فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.. كما سبق.].

(( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار، من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز  الغفار، لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار. فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)) [الآيات من سورة غافر: 28-48.] 

ما أصعب كلمة الحق أمام الطغاة الفراعنة، وكثيرا ما يكون أناس يؤمنون بالحق الذي يكفر به الطغاة الفراعنة، ويودون أن يؤمن به أولئك الطغاة الفراعنة من أهل الباطل وأتباعهم، ولكنهم لا يجرءون على الجهر بذلك، فيؤمنون بالحق في أنفسهم ويكتمون ذلك الإيمان، خوفا من جبروت الطغاة الفراعنة وليس عليهم شئ في ذلك الكتمان اضطرارا، ولكن الإيمان عندما يقوى والرحمة بالطغاة وأتباعهم عندما تشتد، وكذلك الرحمة بأهل الحق المهدَّدين بالقتل والأذى، يأبى ذلك الإيمان أن يبقى في الصدور فيظهر في الأفعال والأقوال، وتتضاءل قوة الطغاة الفراعنة في نفوس المؤمنين الذين كانوا يكتمون إيمانهم، فيصدعون بالحق رحمة بالداعي المغلوب وبالمدعو المعاند، وهذا ما حصل من مؤمن آل فرعون رضي الله عنه وأرضاه وأكثر في قصور الطغاة الفراعنة من أمثاله، وهكذا يكون أهل الحق رحماء فيما بينهم ورحماء بغيرهم، بخلاف أهل الباطل فالغالب فيهم أن تكون الرحمة منزوعة من قلوبهم، وبخاصة فيما يعارض مصالحهم-ولو كانت تلك المصالح ظلما صريحا-وبخاصة مع أهل الحق فإن الغلظة والقسوة تكون ملازمة لهم في معاملتهم.

أهل الحق يدعون أهل الباطل إلى الحق وينصحونهم بترك الباطل رحمة بهم، وأهل الباطل يحاربون أهل الحق وينابذونهم العداء، ويخرجونهم من ديارهم، ويفتنونهم في دينهم بالضرب والرجم والحبس والقتل، تجبرا عليهم وقهرا وإذلالا لهم وقسوة عليهم.

والتاريخ البشري والقرآن العظيم والواقع المعاصر كلها تدل على ذلك.

ولو أردنا تتبع ذلك الظلم والقسوة والقهر التي تباين الرحمة وتنافيها، من القرآن الكريم وكتب السنة، والتاريخ والواقع المعاصر، لاحتاج ذلك منا إلى كتاب مستقل، فلنذكر نماذج من القرآن الكريم ونشير إلى شئ من الواقع للربط بين أهل الباطل في القديم والحديث.

سبق أن أهل الحق تلازمهم صفة الرحمة في أغلب الأوقات-هذا إذا كانوا من غير الأنبياء، وغير الأنبياء ليسوا بمعصومين، أما الأنبياء فلا تفارقهم سجية الرحمة، وأما أهل الباطل فالأصل أنهم غير رحماء، فإذا ما وجدت عند بعضهم بعض معاني الرحمة، فالغالب أنها تتعلق بتحقيق مصالح لهم.

ومن مستلزمات القسوة عند أهل الباطل اعتداء القوي على الضعيف.

 

مظاهر الاعتداء.؟؟؟

وللاعتداء مظاهر:

 

المظهر الأول: إخراج القوي الضعيف من بلده وداره.

وقد يكون المعتدى عليه من أهل الحق الرحماء الذين يريدون الخير لذلك المعتدي، كالأنبياء والدعاة من أتباعهم.

فتأمل كيف يتلطف نبي الله شعيب عليه السلام مع قومه، ويطلب منهم الصبر والمهادنة-إذا لم يستجيبوا لدعوته-حتى يحكم الله بينه وبينهم، وكيف يردون عليه؟

قال تعالى عنه، وهو يخاطب قومه: ((وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)) فيردون عليه في قسوة وكبرياء: ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين أمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا  كارهين)).[الأعراف: 87-88].

بل حكى الله تعالى عن الكفار عموما، تهديدهم لأهل الحق من الأنبياء الرحماء الذين جاءوهم بالرحمة والخير، بإخراجهم من أرضهم، ما لم يتركوا دين الرحمة الذي جاءوهم به ويعودوا إلى ملة الكفر والعذاب، كما قال تعالى: ((وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين)).[إبراهيم: 13].

وقال تعالى عن قوم لوط-وقد دعاهم لوط عليه السلام إلى الطهر والعفة والبعد عن فعل الفاحشة المنكرة-الذين سخروا من دعوته لهم إلى التطهر من الفاحشة: ((وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)).[الأعراف: 82]

وقال تعالى-مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم وقد أخرجه قومه من أحب بلد إليه-المسجد الحرام-: ((وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم)).[محمد: 13]  

وقال تعالى-مبينا مكر قومه به وتآمرهم عليه بالسجن أو القتل أو الإخراج من بلده: ((وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)).[الأنفال: 30]

وقال تعالى عن رأس المنافقين-ومثله رؤوس العلمانيين المنتسبين إلى الإسلام المحاربين له اليوم-وهو يهدد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، وبخاصة المهاجرين: ((يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)).[المنافقون: 8]

وقال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرين الذين أخرجتهم قريش من ديارهم وأموالهم وأهليهم:((أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)).[الحج: 40] وما أشق خروج الإنسان-أي إنسان من منزله وبلاده بالقوة والإكراه-وبخاصة عندما يكون إخراجه بسبب دعوته إلى الحق، قوما ضلالا متمسكين بالباطل صادين عن الحق، فيخرجونه مقهورا مظلوما، هو يجاهد في وصول الخير إليهم في حال كونه مشفقا عليهم رحيما بهم، وهم يصرون على إخراجه من دياره، قاسية قلوبهم لا تعرف الرحمة والرأفة بمن يستحقها.

 

المظهر الثاني: سجن المعتدى عليه بدون حق.

وهذه العقوبة القاسية تعتبر عند الطغاة الفراعنة أهل الباطل تفضلا منهم على أعدائهم من أهل الحق، لأن أهل الحق لا يستحقون الحياة، والسجن قد يكون محطة يعبر منها السجين إلى مشنقة الموت، أو ينسى في السجن نسيان القساة الذين نزعت الرحمة من قلوبهم.

ففرعون يهدد موسى عليه السلام الرسول الموحد الذي يدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده، ويحذره من أن يعبد إلها غيره، ويتوعده بالسجن مع المجرمين من قطاع الطرق وسارقي الأموال وقاتلي النفوس بدون حق، كما قال تعالى عنه: ((لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)).[الشعراء: 39]

هذا التهديد بالسجن قصد منه إكراه الرسول الموحد الداعي إلى التوحيد الذي هو أصل كل حق، على الإشراك بالله وعبادة الطاغوت الذي هو أصل كل باطل.

ويوسف عليه السلام تعرض للسجن، بسبب تنزهه عن الفاحشة التي طلبتها منه امرأة العزيز في قصر السلطة، وقصور طغاة الملوك والزعماء تضيق بالطاهرين الذين ينزهون أنفسهم من الفواحش، ولا يلقي الترحيب فيها-غالبا- والتمكين إلا لفسقه والمجرمون الذين يحبون الفاحشة، لذلك حاولت عزيزة القصر إكراهه على المنكر واتخذت لذلك الإكراه كل وسيلة، فلما رفض صاحب الحق طلبها واعتصم بالله طلبت سجنه، فاستجاب لطلبها زوجها الديوثُ وسَجَنَه، وكان السجن أحب إلى صاحب الحق من أن يستجيب للباطل.

قال تعالى: ((ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين، واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب، قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم)).[يوسف: 25]

وبعد إقرارها بأنها هي العاصية وإقرارها بأنها هي التي راودته على الفاحشة، صدر منها التهديد الظالم الذي هو عادة أهل الباطل، للمظلوم البريء صاحب الحق، كما قال تعالى عنها: ((ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما أمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين)).[يوسف: 32]

ووقف صاحب الحق عالي الرأس، مفضلا السجن على الاستجابة للمنكر، كما قال تعالى عنه: ((قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه وإلاّ تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)).[يوسف: 32؟]

ويصدر الحكم الظالم من أهل الباطل على البريء المظلوم صاحب الحق، دون رحمة لضعفه ولا تقدير لبراءته كما قال تعالى: ((ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات  ليسجننه حتى حين)).[ يوسف: 35 والآيات: الأدلة والبراهين والقرائن الدالة على براءته واثم العاصية.]

 

المظهر الثالث: الرجم بالحجارة.

وقد هدد أهل الباطل بالرجم رسلَ الحق ودعاته وأهله، كما قال تعالى عن قوم نوح: ((قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين)).[الشعراء: 116]

وهدد آزر أبو إبراهيم ولدَه إبراهيم بالرجم، كما قال الله تعالى عنه: ((قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا)).[مريم: 46]

وحكى الله عن قوم شعيب أنهم لم يتركوا رجمه إلا خوفا من رهطه، كما قال تعالى عنهم: ((قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول، وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك، وما أنت علينا بعزيز)).[هود: 91]

ويظهر من بعض الآيات أن موسى عليه السلام هدده فرعون وملؤه بالرجم فاستعاذ بالله من ذلك، كما قال تعالى عنه: ((وإني عذت بربي ربكم أن ترجمون)).[الدخان: 20]

وذكر تعالى عن بعض الأمم أنها هددت رسلها بالرجم والعذاب المؤلم، كما قال تعالى: ((قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم)).[يس: 18]

رسل الله وأتباعهم من أهل الحق، يسعون جادين إلى إنقاذ أهل الباطل من ضلالهم الذي يشقيهم في الدنيا والآخرة، شفقة عليهم ورحمة بهم، وأهل الباطل تتصلب قلوبهم وتقسو نفوسهم، فيهددون من يريد رحمتهم، بالرجم والعذاب الأليم! لأن قلوب أهل الحق مليئة بالرحمة وقلوب أهل الباطل خالية من الرحمة مليئة بالقسوة.

المظهر الرابع: تقطيع الأطراف والصلب.

وهذا النوع من أنواع الاعتداء من قساة القلوب-على أهل الباطل والتهديد به أمر شائع في طواغيت الأرض وفراعنتهم، وقد هدد به فرعون السحرة الذين استنجد بهم للانتصار على آيات موسى وبراهينه بسحرهم، فبطل سحرهم وتسلل الإيمان برب موسى ودعوته إلى قلوبهم، فانقلبوا مؤمنين بالحق الذي جاء به موسى عليه السلام، ضد الباطل الذي كانوا قد نشئوا عليه وأعانوا عليه فرعون، وعندما ((قالوا آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون)) اشتدت قسوة فرعون فأخذ يعاتب وينكر ويهدد، كما قال تعالى عنه: ((قال فرعون آمنتم له قبل أن آذن لكم، إن هذا لمكر مكر تموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين)).[الأعراف: 121-124]

وقال تعالى: ((قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى)).[طه: 71]

وقال تعالى عنه: ((قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين)).[الشعراء: 49]

 

المظهر الخامس من مظاهر العنف والقسوة: الذبح، وهو أحد أنواع القتل.

وقد كان فرعون-لشدة قسوته-يذبح صغار بني إسرائيل أمام أعين آبائهم وأمهاتهم، ليستأصل ذريتهم الذكور، حرصا على ملكه وخوفا متوهما أن يسلبوه ذلك الملك.

قال تعالى: ((وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)).[البقرة: 49]

وقال تعالى: ((وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)).[إبراهيم: 6]

وقال تعالى: ((إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين)).[القصص: 4]

 

المظهر السادس: التحريق.

ومن أنواع القتل الشنيع التي يتخذها قساة القلوب من أهل الباطل، تحريق أهل الحق بالنار.

كما فعل قوم إبراهيم الخليل عليه السلام-لولا أن الله تعالى سلب النار قدرتها على إيذائه بقدرته تعالى.

قال تعالى فيهم-بعد أن أقام إبراهيم عليه السلام الحجة عليهم واعترفوا بأنه على حق وأنهم هم أهل باطل وظلم-((قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم)).[الأنبياء: 68-69]

ومن أعظم القصص الدالة على أن أهل الباطل قد نزعت الرحمة من قلوبهم قصة أصحاب الأخدود التي أشارت إليها هذه الآيات: ((قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)).[ البروج: 4، 10 ويمكن مراجعة هذه القصة في كتب التفسير ومنها تفسير القرآن العظيم لابن كثير.]

 

المظهر السابع: القتل بكل الوسائل المؤدية إليه.

وهو شامل لقتل أهل الباطل أهلَ الحق، نصرا للباطل على الحق، ومحاولة لاستئصال مصادر الحق التي تؤدي إلى إبلاغ الحق إلى عقول الناس من أجل أن تخلو الأرض للباطل وأهله.

وشامل كذلك لاعتداء أهل الباطل على الضعفاء من الصغار-من أولادهم بسبب خشية العار إن كان القتل للبنات، أو خشية الفقر-أو أولاد أعدائهم، كما يحصل في الحروب، أو من بعض الطغاة الفراعنة لأولاد بعض الطوائف المضطهدة تحت حكمهم وسيطرتهم، وذلك كله يدل على نزع الرحمة والشفقة من قلوبهم فمن النوع الأول-قتل أهل الحق من الأنبياء وأتباعهم-قوله تعالى في اليهود القساة: ((ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)).[ البقرة: 61]

وقوله تعالى: ((إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم)).[آل عمران: 21]

وقال تعالى: ((لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق، ونقول ذوقوا عذاب الحريق)).[آل عمران: 81]

وقال تعالى: ((كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم، فريقا كذبوا وفريقا يقتلون)).[ المائدة: 70.هذه الآيات وغيرها في أهل الكتاب.]

وقال تعالى في مشركي قريش وهم يتآمرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطرحون خيار اتهم في التخلص منه ومن دعوته-ومن ذلك القتل-: ((وإذ يمكر بك الذي كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)).[الأنفال: 30]

ومن النوع الثاني-أي قتل الصغار-ما كان يفعله فرعون مع أولاد بني إسرائيل الذكور، كما مضى قريبا.

ومن ذلك ما كان يفعله مشركو قريش حيث يذبح الأب ابنه خشية الفقر، أو ابنته خشية العار، وهما ينظران والأم تبصر قتل رضيعها، دون رحمة ولا شفقة، كما قال تعالى: ((وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)).[الأنعام: 137]

وقال تعالى: ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا)).[الإسراء: 31]

وقال تعالى: ((وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون)).[النحل: 59]

وقال تعالى: ((وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت)).[التكوير: 8-9]

ترى هل يوجد شيء من الرحمة في قلوب من يقتلون الأولاد الصغار، سواء كانوا أولادهم أو أولاد أعدائهم؟!

 

المظهر الثامن: الأذى، بكل أنواعه.

وهو يشمل مظاهر القسوة المذكورة سابقا وغيرها.

وأذى أهل الباطل يشمل المخلوقات كلها: الإنسان-وغيره-سواء كان من أهل الحق أو من أهل الباطل، فصاحب الباطل القوي يؤذي الضعيف سواء كان من أهل الحق أو من أهل الباطل، ولكن إيذاءه أهل الحق له الأولوية عنده، وسنقتصر عليه ههنا بذكر بعض الآيات القرآنية التي نصت على الأذى.

قال تعالى-مخاطبا عباده المؤمنين مصبرا لهم، مبينا لهم، أنهم لا بد أن يتعرض لهم أعداء الحق من أهل الباطل، من اليهود والنصارى والمشركين سواء، بالأذى الذي يحتاجون معه إلى الصبر والتقوى في ثباتهم على الحق:

((لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور))[آل عمران: 186]

وقال تعالى-مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم ومواسيا له على ما كان يلقاه من أذى قومه المشركين، بما لقيه قبله إخوانه المرسلون من أقوامهم-((ولقد كُذِّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصر الله ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين)) [الأنعام: 34]

وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ((وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا))[الأحزاب: 48]

كان يمكن الاكتفاء بذكر أن أهل الباطل أعداء الحق قد نزعت الرحمة من قلوبهم، لأنهم قد تكبروا وتجبروا وطغوا لبعدهم عن الله وعدم الاستجابة لرسله، ولذلك هم لا يدعون شيئا من أنواع الأذى إلا أنزلوه بالضعيف، وبخاصة إذا كان هذا الضعيف من أهل الحق، كان يكفي ذكر ذلك والاستدلال بآية أو آيتين بدون سوق المظاهر الثمانية المذكورة الدالة على قسوتهم وعدم رحمتهم.

ولكن أردت من سوق هذه المظاهر التنبيه إلى شيء-وليس كل شيء-من قاموس الشر والفتنة الذي يزاوله أعداء الحق، من أهل الباطل ضد أهل الحق من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، ليفتنوهم عن دينهم بكل صنوف الأذى، وليصدوا الناس عن الاستجابة لدعوتهم بغاية القسوة والشدة.

ولو أنا عدنا إلى التاريخ لضرب أمثلة تندرج تحت هذا القاموس وتزيد عليه لما اتسع المقام لذلك.

ولهذا نحاول أن ننبه على الواقع وما يجري فيه من وبال على العالم كله، من قبل الطغاة والفراعنة من أهل الباطل، وبخاصة على أهل الحق من الدعاة الذين امتلأت قلوبهم رحمة ورأفة، فأجهدوا أنفسهم واقتحموا العقبات لإبلاغ الخير إلى أهل الباطل، ليسعدوا بهذا الخير في الدنيا والآخرة، ولكن أهل الباطل وجهوا إليهم سهام العداء والحرب بقسوة بالغة فأنزلوا بهم كل أنواع الأذى والمحن.

 

نماذج من قساة القلوب في عصر حقوق الإنسان!

لا نريد-كما سبق-تتبع قسوة الطغاة ووحشيتهم التي يعاملون بها الضعيف من قديم الزمان، بسبب فقد قلوبهم الرحمة والرأفة، والاستشهاد على ذلك بحوادث التاريخ، سواء أكان ذلك صادرا من أهل الكتاب، من اليهود و النصارى، أو الوثنيين من مجوس وغيرهم من الهندوس والبوذيين، وسواء عاملوا بتلك القسوة والوحشية دعاة الحق من الأنبياء والرسل واتباعهم، أو عاملوا بها أبناء جنسهم من الكفار، فإن ذلك-لو أردنا تتبعه-من الصعوبة بمكان.

والذي يرغب في الاطلاع على نماذج من قسوة أي أمة من تلك الأمم فإنه واجد في كتب التاريخ القديمة والحديثة ما يغنيه، فهذه الرسالة ليست معنية بذلك، وحسبها أن تشير بسبابتها إلى المكتبات العامة والخاصة، والمكتبات التجارية لمن عنده تلك الرغبة.

ولكنها-أي هذه الرسالة-معنية بذكر نماذج تثبت بها دعواها، وهي أن صفات أهل الباطل الذين يسابقون بباطلهم أهل الحق إلى العقول، هي على نقيض صفات أهل الحق، فإذا كان أهل الحق يتصفون بالرحمة بالخلق، ورحمتهم بهم تحملهم على إبلاغ الحق إلى عقولهم، فإن أهل الباطل يتصفون بالقسوة والغلظة، ولعدم رحمتهم بالخلق يحاولون أن يسبقوا أهل الحق بإبلاغ باطلهم إلى عقول الناس، ويتخذون لذلك كل الوسائل القاسية الغليظة الخالية من الرحمة لذلك السباق.

ولما كانت النماذج المعاصرة، أقرب إلى ذهن القارئ لأنه يراها ويسمع عنها، ويعيش في زمن أحداثها، فإن الاستشهاد بها أقرب إلى إقامة الحجة بها.

وسنعرض هنا خمسة نماذج من قساة القلوب الذين نزعت الرحمة من قلوبهم:

النموذج الأول: قساة القلوب من اليهود.

النموذج الثاني: قساة النصارى.

النموذج الثالث: قساة الوثنيين.

النموذج الرابع: قساة الملحدين.

النموذج الخامس: قساة المنافقين.

النموذج الأول قساة اليهود.

إن الأمة التي تكذب قادة دعاة الحق-الأنبياء والرسل-وتقتلهم، وهم يتوجهون إليها بدعوتها إلى الدخول في رحمة الله بها في الدنيا والآخرة، هي أمة بلغت أقصى حد القسوة والغلظة، وإذا نزعت الرحمة من قلوبها في معاملتها لأنبيائها ورسلها، فما الذي يتوقع منها في معاملتها لغيرهم؟ وبخاصة إذا كانوا أعداءها، وبالأخص إذا كان أعداؤها هم المسلمين الذين حسدوا رسولهم ورسالته في أول مجيئها، وحاولوا القضاء عليها في مهدها بقتل نبيها غيلة، وتأليب قوى الشر في الجزيرة العربية على حملتها، بعد نقضهم العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم.

فهاهم اليوم يغتصبون بلاد المسلمين-بمعاونة النصارى-ويقتلون أبناءهم، ويسجنونهم، ويعذبونهم بأقسى أنواع التعذيب، ويخرجونهم من ديارهم، ويهدمون على رؤوسهم منازلهم، ويدنسون مقدسا تهم-ومنها قبلة المسلمين الأولى ومسرى رسولهم صلى الله عليه وسلم-.

وقد اغتصبوا أرض فلسطين سنة 1948م وأخذوا يعيثون فسادا في البلاد والعباد، ولست بمحاول تتبع معاملتهم القاسية لأهل البلاد من ذلك التاريخ، وإنما أذكر أمثلة قليلة من تلك المعاملة قريبة العهد، قرأها الناس في الصحف والمجلات، وشاهدوها في التلفاز وسمعوها في الإذاعة، وأكثر ما تذكر ذلك مفصلا وسائل الإعلام الأجنبية الموالية والمؤيدة لليهود: الأوربية والأمريكية [هذا كان قبل وجود بعض الفضائيات العربية التي أصبحت تنقل مجازر اليهود للفلسطينيين ساعة بساعة، وفي مواقع الإنترنت خير شاهد على ذلك] وشهادة الأهل على الأهل أقوى حجة من غيرها-ومع أن هذه الإشارة كافية لمن يعيش في هذه الأيام على الكوكب الأرضي، لأن مظاهر قسوة اليهود تعتبر بدهية عندهم، ويكفي أن يُذكَّرُوا بها للدلالة على فقد اليهود الرحمة في قلوبهم، أقول مع أن ذلك كاف فلا بد من ضرب أمثلة لتكون أكثر تذكير للحاضر ومرجعا للأجيال القادمة.

وسأقتصر على بعض الأمثلة بذكرها من مرجع واحد وهو: (الانتفاضة المباركة، وقائع وأبعاد)[للكاتب غسان حمدان].

فقد ذكر في الفصل الثالث من الكتاب-وعنوانه الإجراءات الإسرائيلية الإرهابية-: العناوين الآتية:

سياسة القبضة الحديدية.       الاعتقالات العشوائية.

مبدأ رابين [كان وزيرا للدفاع، ثم أصبح رئيسا للوزراء، وقد اغتاله بنو جلدته احتجاجا على ما ظهر لهم من تقارب مع الشرطة الفلسطينية] في تكسير العظام.      تعطيل الخدمات الصحية.

العقاب الجماعي.      انتهاك حرمة المقدسات الإسلامية.

الحرب الاقتصادية.     اشتراك المستوطنين في القمع.

محاولة كسر الإضراب التجاري.  دفن الأحياء.

الاعتداء على المؤسسات التعليمية. هدم ونسف المنازل.

قنابل الغاز السامة.       أجهزة عسكرية متطورة.

إبعاد المواطنين خارج فلسطين. الحرب النفسية.

التعتيم الإعلامي.

وسأقتطف بعض الجمل مما فصل المؤلف، بعد ذكره هذه البنود قال: (لم يترك جنود الجيش الإسرائيلي أسلوبا للتنكيل بالمواطنين إلا وتسابقوا على تنفيذه، حتى وإن أثار إرهابهم العالم-إلى أن قال-: وحول الأساليب القمعية والإجراءات التي اعترف المجرم شامير[كان رئيسا للوزراء] بأن الجنود كلفوا بتنفيذها، فإنها تحتاج إلى مجلدات كبيرة، ويكفي أن نورد أبرز هذه الأساليب مدعمة ببعض الشواهد، على سبيل المثال، لا الحصر:

1-اقتحام المنازل بعد فرض حظر التجول، وتحطيم الأثاث وزجاج النوافذ، والعبث بمحتويات المنزل... بالإضافة إلى الاعتداء على الموجودين فيها... رجالا ونساء... كبارا في السن أو صغارا...

2-قذف قنابل الغاز السامة والمسيلة للدموع داخل المنازل... كما عمدت قوات العدو إلى أسلوب جديد للتنكيل باستخدام هذه القنابل، حيث يقوم الجنود بإطلاق عدد من القنابل الغازية والدخانية في المنازل، ثم يجبرون المواطنين على دخول المنازل تحت الضرب الشديد.

3-إطلاق يد حرس الحدود... بأعمال تخريب وإهانة..

4-إخراج الرجال والأطفال من منازلهم وضربهم ضربا مبرحا بالهراوات وأعقاب البنادق، ثم ربطهم إلى أعمدة الكهرباء والهاتف والاستمرار في ضربهم إلى أن يفقد الشخص المربوط وعيه، وعندئذٍ يرش عليه الماء البارد ويعود الضرب من جديد، وقد يلجأ الجنود إلى ضرب رأس المعتقل بالحائط والعمود...

5-استغلال تأخر بعض المواطنين في الوصول إلى منازلهم ليلا، فيقوم الجنود باعتقالهم وتكسير أطرافهم... وإلقائهم في أماكن نائية في الطريق...

6-تجميع أعداد كبيرة من المواطنين ممن يتصادف مرورهم في الشوارع، وحشرهم في محلات تجارية، بعد فتحها بالقوة ثم يقوم الجنود بإلقاء قنابل غاز مسيل للدموع...

ويغلقون أبواب المحال والمواطنون بداخلها...

7-... إلقاء الحجارة أو إطلاق النار على اللواقط الزجاجية للسخانات الشمسية المنصوبة على أسطح المنازل.. وتحطيمها.. إطلاق النار على خزانات المياه لتفريغها من الماء، بهدف تعطيش المجاهدين الصامدين، ووصل الأمر إلى أن يقوم بعض الجنود الذين يحتلون أسطح المنازل والمدارس بالتبول داخل خزانات المياه.. وتحطيم أسقف المنازل المصنوعة من القراميد، ونتيجة لهذا العمل باتت كثير من الأسر الفلسطينية في مخيم جباليا تحت المطر وفي البرد والعراء.

8-ربط بعض الشباب إلى مقدمة سيارات الجيب العسكرية، التي تنطلق بسرعة ثم تتوقف فجأة، مما يؤدي إلى قذف الشخص الذي كان موثوقا إلى مقدمة السيارة مسافة بعيدة عنها، مما يؤدي إلى إصابتهم بجروح وكسور ورضوض في جميع أنحاء الجسم.

9-استخدام الجيش بعض المعتقلين أو المارة دروعا بشرية في مواجهة المظاهرات، وحجارة المجاهدين..

10-إدخال الإطارات المشتعلة إلى منازل المواطنين الذين يرفضون إطفاءها مما يؤدي إلى احتراق المنازل أو أجزاء منها...

11-تجميع المعتقلين في سيارة باص.. والاعتداء عليهم بالضرب، ثم إلقاؤهم واحدا بعد الآخر أثناء سير الباص في أماكن مختلفة...

12-إلقاء مواد تموينية فاسدة، وبخاصة البسكويت والشكلاتة في مداخل القرى والمخيمات-لتقع-تحت متناول الأطفال في محاولة لتسميمهم وقتل أكبر عدد ممكن من أبطال الانتفاضة...

13-قتل الأسرى والمعتقلين.

14-استخدام طائرات الهليكوبتر.. في إطلاق القنابل الغازية والمسيلة للدموع، على جموع المتظاهرين في داخل القرى والمخيمات عند عجز قوات المشاة والآليات في اقتحام مناطق المظاهرات، كما جرى تطوير عدد من هذه الطائرات، حتى تتمكن من إلقاء كمية كبيرة من الحجارة على المجاهدين، حيث زودت بمدفع قاذف للحجارة... كما تقوم الطائرات العسكرية المروحية بعمليات إنزال جوي للمظليين في القرى التي يغلق أهلها جميع مداخلها في وجه الجنود.. وتستخدم شبكة تلقيها من الطائرة لاعتقال الشباب المجاهد-كما يفعل صيادو الأسماك في البحر-.

بل إن الجنود يحملون المعتقل في الطائرة ويرمونه من الجو فيصاب بجروح وكسور خطيرة...

15-الانقضاض على من يتم القبض عليهم من الشباب المجاهد بالهراوات والعصي وأعقاب البنادق، وعلى جميع الأعضاء في الجسد وخاصة اليدين والقدمين.. وهذا هو مبدأ إسحاق رابين الذي نعت هذه العمل بقوله: (إن هذا الأسلوب أكثر فعالية من الاعتقالات، حيث إن المعتقل في سجن الفارعة مثلا يمكث.. (18يوما)يعود بعدها إلى الشوارع للتظاهر وقذف الحجارة، أما إذا قام الجنود بكسر يديه فإنه لن يتمكن من العودة إلى الشارع قبل شهر ونصف على الأقل...[ وقد شاهد العالم في كل مكان الجنود اليهود وهم يكسرون عظام الشباب الفلسطيني بالحجارة.]

وهكذا يضرب الجنود اليهود كثيرا من الشباب الفلسطيني حتى يموتوا...

16-يضاف إلى ذلك أنواع أخرى من التعذيب الوحشي الذي يصعب حصره، وقطع المواصلات والاتصالات الهاتفية، ومنع إبلاغ المواد الغذائية والتموينية إلى المخيمات، وقطع الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء وتخفيض السيولة النقدية في المناطق المحتلة إلى أدنى حد ممكن، ووقف صرف رواتب المعلمين والمعلمات، ورفع الضرائب المرهقة، ومنع تصدير المنتجات الزراعية لإحداث خسائر فادحة على الفلسطينيين، وإغلاق الأسواق وإتلاف المحاصيل الزراعية، وإغلاق الجامعات والمدارس، وتحويل بعض المدارس إلى ثكنات عسكرية وتعطيل الخدمات الصحية، ومداهمة المستشفيات والعيادات الصحية.

17-انتهاك حرمات المقدسات الإسلامية:

-تكثيف الوجود العسكري حول المساجد وإقامة الحواجز في الطرق المؤدية إليها ومضايقة.. الذاهبين لأداء الصلاة بتفتيشهم ومصادرة هويا تهم-مع السب والشتم المؤذي لمشاعرهم-.

-اقتحام المساجد والاعتداء على المصلين بالضرب بالهراوات وأعقاب البنادق والركل بالأرجل، ولا يستثنى من هذا الاعتداء أئمة المساجد.

-قطع الكهرباء عن المساجد قبيل موعد صلاة الجمعة لمنع الخطباء من التطرق إلى الانتفاضة الجهادية عن طريق مكبرات الصوت..

-اعتقال عدد من علماء الإسلام وخطباء المساجد.

-قذف قنابل الغاز داخل المساجد أثناء تجمع المصلين وإغلاق أبواب المساجد، وأحيانا إطلاق الرصاص على المصلين...

-إغلاق عدد من المساجد ومنع المواطنين من أداء الصلاة فيها...

-مصادرة مكبرات الصوت الخاصة بالآذان...

-الاعتداء على كبار العلماء مثل مفتي القدس ومحاولة إحراق المسجد الأقصى...

-الإذن للعصابات اليهودية بتدنيس المسجد الأقصى.

-تمزيق جنود اليهود أعدادا كبيرة من المصاحف وسب الدين الإسلامي...

18-دفن الأحياء من شباب الجهاد.

19-هدم ونسف المنازل.

20-إبعاد المواطنين خارج فلسطين (إخراجهم من أرضهم وديارهم..)[ راجع الكتاب المذكور من صفحة 327، 376 وقد حاولت أن أسجل للقارئ صور مختصرة جدا مع شيء من التصرف.]

وبمناسبة ذكر إبعاد المواطنين عن ديارهم وأرضهم، فإن المناسب ذكر حادثة حصلت هذه الأيام، وهي حادثة مؤلمة أمام سمع العالم وبصره، وأمام سمع العالم الإسلامي وبصره، وأمام من يسمى بالعالم العربي وبصره.

وخلاصتها:

أن شباب الجهاد (المنتمين إلى منظمة حماس)اختطفوا جنديا يهوديا في الأرض التي احتلها اليهود سنة 1948م وطالبوا بالإفراج عن زعيمهم المقعد المحكوم عليه بالسجن الأستاذ أحمد ياسين مقابل الإفراج عن الجندي اليهودي وحددوا وقتا معينا لدولة اليهود وإذا لم يفرجوا عن الزعيم المسلم فإنهم سيقتلون الجندي اليهودي، وبعد مضي المدة المحددة بفترة قتلوه ووجدت القوات اليهودية القتيل في الضفة الغربية مقتولا فطارت طائرتهم بعد أن حملوا حملة اعتقالات وداهموا المدن والقرى والمنازل وقتلوا عددا من شباب فلسطين وجرحوهم قبل العثور على جثة القتيل.

أما بعد ذلك فقد أضاف اليهود إلى قسوتهم قسوة أشد فأخذوا آلافا من منازلهم وزجوا بهم في السجون والمعتقلات واختاروا أربعمائة وخمسة عشر من خيرة رجال الدعوة والجهاد من ذوي المؤهلات العلمية من حملة الدكتوراه والماجستير والليسانس من معلمين وأطباء ومهندسين وكتاب وعلماء شريعة وحملوهم في شاحنات معصوبي الأعين وتعاونت الحكومة اليهودية والمحكمة العليا اليهودية فأصدرت هذه حكمها القاسي الظالم وطرد العدد المذكور ونفذت تلك المحكمة اليهودية الظالمة هذا الحكم الجائر!

وفي الحدود بين ما يسمى بالشريط الأمني الذي اغتصبته الدولة اليهودية من لبنان وبين الحدود اللبنانية، أنزلوا المظلومين وأطلقوا فوق رؤوسهم النار ليدخلوا الأراضي اللبنانية، واستقبلهم الجنود اللبنانيون بالنار من الجهة اللبنانية، فإذا هم على قمة جبل تتساقط عليه الثلوج وهم في العراء في الشتاء القارص، لا طعام، ولا شراب ولا مأوى، ولا غطاء ولا دواء، وكان ذلك في يوم الخميس الموافق ل-23من شهر جمادى الآخرة سنة 1413هـ-17ديسمبر سنة 1992م، وتمكن الصليب الأحمر في الأيام الأولى من مساعدتهم بعدد من الخيام والأغطية والطعام والماء والدواء، ثم تآمر اليهود من الجنوب، والنصارى والعلمانيون من الشمال، على منع أي مساعدات لهم عن طريق أهليهم أو الصليب الأحمر، لا من فلسطين المغتصبة، ولا من لبنان، بحجة أن كل دولة منهما ليست مسؤولة عنهم، أما اليهود فلا يريدون الاعتراف بأن لهم أي حق في المساعدة التي تأتيهم من دولتهم، لأنهم قد أبعدوا إلى خارجها، وأما اللبنانيون فيريدون أن لا يتحملوا تصرفات حكومة اليهود، ويزعمون أن في ذلك ضغطا على اليهود لإعادتهم، فانقطع عنهم كل شيء في ذلك الجبل وفشت في بعضهم الأمراض وصورهم المحزنة تنقل للعالم كله عبر التلفاز، وأصدر مجلس الأمن الأمريكي الذي يُزْعَم له بأنه تابع لهيئة الأمم المتحدة، قرارا يدين الدولة اليهودية ويطلب منها إعادة النظر في قرارها، وبعث النصراني المتعصب الحاقد على الإسلام والمسلمين بطرس غالي أمين عام هيئة الأمم المتحدة، مندوبا عنه إلى دولة اليهود ودولة لبنان للإذن بإسعاف المظلومين، الذين يطلقون عليهم كلمة مبعدين، ولكن كلتا الدولتين ردته على عقبه خائبا وهو يوالي ضحكاته في اجتماعاته مع اليهود واللبنانيين وكأنه بعث لحضور عرس وليس لإنقاذ نفوس.

و هاأنا أكتب هذه الصفحات في يوم الثلاثاء الموافق 5 من شهر رجب سنة 1413هـ-وهم على حالهم من الجوع والعطش والبرد والمرض وقد مضت عليهم اثنتا عشرة ليلة على تلك الحال، والعالم يتفرج والمسلمون يتفرجون والعرب يتفرجون!.

فهل من قسوة فوق هذه القسوة اليهودية، وهل يمكن أن تكون في قلوب أعداء الله وأعداء رسله رحمة بعد هذه الأعمال[10]؟!

وقد اضطرت الدولة اليهودية المُغتَصِبَة إلى قبول عودتهم، لكثرة الاحتجاجات العالمية، وزجت بكثير منهم في السجون بعد أشهر من الإبعاد والحرمان من أي حق يستحقه أي حيوان في الأرض!

هؤلاء هم اليهود وهذا فعلهم بذرا ري من آووهم وحموهم، وفتحوا لهم أبواب الاقتصاد والعلم والسياسة والحرية العقدية والعبادية من المسلمين، عندما كان النصارى يتتبعونهم ويضطهدونهم، وينزلون بهم أنواع النكال فيجازون الآن أبناء المسلمين الذين أحسنوا إليهم كما يجزى سنمار[راجع كتاب: خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية لعبد الله التل لمعرفة ما واجهه اليهود من مطاردة وقتل وتشريد في الدول الأوربية، وبخاصة بريطانيا وفرنسا وأسبانيا وألمانيا وغيرها كبولندا وإيطاليا ورومانيا وبلغاريا وسويسرا وهنغاريا، وفي روسيا أيضا، كل ذلك بسبب ما عرفه العالم من مكر اليهود وخبثهم ومحاولتهم السيطرة على غيرهم واستعباد الشعوب. ولم يجد اليهود من يجمعهم ويرعاهم ويحسن إليهم إلا المسلمون في أسبانيا ثم في البلدان الإسلامية في الشرق راجع الكتاب المذكور من ص 106-120. دار القلم الطبعة الثانية.]

وكان ينبغي أن يعتبر اليهود بما نالهم من عذاب وقسوة من عهد فرعون إلى عصرنا هذا، ويقدروا صفة الرحمة التي كانوا في أمس الحاجة إلى من يعاملهم بها فيدربوا أنفسهم على اكتسابها-وإن كانت مفقودة في قلوبهم-ولكنهم لم يعتبروا، بل لا زالت قلوبهم تقسو وتزداد غلظة كلما زادت قوتهم وسيطرتهم.

كانت كتابة هذه السطور قبل تسع سنين. وقد اشتدت المحنة على إخواننا الفلسطينيين، بعد قيام الحرة الجهادية الثانية-حركة الأقصى-التي أشعل فتيلها المجرم شارون، عندما دنس بدخوله باحة الأقصى بحماية الجيش اليهودي، بتاريخ1/7/1421هـ ـ 28/9/2000م قبل أن يكون رئيسا للوزراء، وهو اليوم[بعد أن أصبح رئيسا للوزراء] يعيث في الأرض المباركة فسادا لا يخفى على أهل الأرض جميعا، بعون ومدد من الدولة الصليبية المعاصرة[أمريكا] وحلفائها الأوربيين، مع خذلان زعماء العالم الإسلامي، وبخاصة زعماء العرب للمظلومين من أبناء هذا الشعب المجاهد المسلم، وكأن الأمر لا يعني هؤلاء الزعماء، الذين سيتفرغ لهم اليهود بعد القضاء على الشعب الفلسطيني وتشريده من أرضه[نرجو الله ألاَّ يحصل ذلك]  وسيقول كب زعيم عندئذ: أكلت يوم أكل الثور الأبيض! 

هؤلاء هم اليهود، فما نصيب النصارى من الرحمة؟!

 

النموذج الثاني: قساة النصارى في العصور الماضية.

من الصعب جدا تتبع الأمثلة الدالة على أن الرحمة قد نزعت من قلوب زعماء النصارى وكثير من مفكريهم، وأن القسوة والغلظة والوحشية قد حلت محلها، ويكفي المرء دليلا على ذلك أن يتتبع ممارساتهم في هذا العصر، في مشارق الأرض ومغاربها، عن طريق أجهزة إعلام النصارى أنفسهم-وما يخفونه أكبر-وبخاصة ما يسومون به المسلمين من قتل وتشريد وظلم متعمد.

وسأكتفي بمثالين بارزين قديمين دالين على قسوة كثير من النصارى ووحشيتهم وغلظ قلوبهم وخلو قلوبهم تلك من الرحمة، قبل أن أنتقل إلى ذكر بعض الأمثلة المعاصرة الدالة على ذلك.

المثال الأول:

معاملة النصارى في الأندلس للمسلمين الذين أسسوا في بلادهم-عندما فتحوها-حضارة لم تعهدها أوروبا ولا غيرها من بلاد العالم، حتى أشرقت أنوار تلك الحضارة على أوروبا، وكانت هي منطلق التقدم المادي الذي نشاهده الآن في الغرب، ولو أن أهل الغرب أخذوا بتوجيه المنهج الإسلامي كله، لكانوا حملة راية الإسلام وقادة المسلمين في العالم كله.

وشهد شاهد من أهلها‍‍.

وسأنقل نصا فيه شيء من الطول لهذا المثال، من كتاب لمؤلف غربي حتى ينطبق عليه المثل القرآني السائر: ((وشهد شاهد من أهلها...))[يوسف: 36].

قال غوستاف لوبون: (وعاهد فرديناند[نصراني أسباني كاثوليكي استولى على أخر مملكة إسلامية وهي غرناطة سنة 1492م.] العرب على منحهم حرية التدين واللغة، ولكنه في سنة 1499م، لم تكد تحل حتى حل بالعرب دور الاضطهاد والتعذيب الذي دام قرونا، والذي لم ينته إلا بطرد العرب من أسبانية، وكان تعميد العرب كرها فاتحة ذلك الدور، ثم صارت محاكم التفتيش تأمر بإحراق كثير من المعمدين على أنهم من النصارى، ولم تتم عملية التطهر بالنار إلا بالتدريج، لتعذر إحراق الملايين من العرب دفعة واحدة، ونصح كردينال طليطلة التقي! الذي كان رئيسا لمحاكم التفتيش، بقطع رؤوس جميع من لم يتنصر من العرب رجالا ونساء وشيوخا وولدانا، ولم ير الراهب الدومينيكي "بليدا" الكفاية في ذلك، فأشار بضرب رقاب من تنصر من العرب، ومن بقي على دينه منهم، وحجته في ذلك أن من المستحيل معرفة صدق إيمان من تنصر من العرب، فمن المستحب إذن، قتل جميع العرب بحد السيف، لكي يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى ويُدخِل النار من لم يكن صادق  النصرانية منهم، ولم تر الحكومة الأسبانية أن تعمل بما أشار به هذا الدومينيكي الذي أيده الأكليروس في رأيه، لما قد يبديه الضحايا من مقاومة، وإنما أمرت في سنة 1610م بإجلاء العرب عن أسبانية، فقتل أكثر مهاجري العرب في الطريق، وأبدى ذلك الراهب البارع "بليدا" ارتياحه لقتل ثلاثة أرباع هؤلاء المهاجرين في أثناء هجرتهم، وهو الذي قتل مائة آلف مهاجر من قافلة واحدة، كانت مؤلفة من أربعين ألفا ومائة ألف مهاجر (140000)مسلم حينما كانت متجهة إلى إفريقية.

وخسرت أسبانية بذلك مليون مسلم من رعاياها في بضعة أشهر، ويقدر كثير من العلماء، ومنهم "سيديو" عدد المسلمين الذين خسرتهم أسبانية منذ أن فتح "فرديناند" غرناطة حتى إجلائهم الأخير بثلاثة ملايين، ولا تعد ملحمة سان باتلمي إزاء تلك المذابح سوى حادث تافه لا يؤبه له.

ولا يسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين من يؤاخذ على اقترافه مظالم قتل كتلك التي اقترفت ضد المسلمين.

ومما يرثى له أن حرمت أسبانية عمدا، هؤلاء الملايين الثلاثة الذين كانت لهم إمامة السكان الثقافية.. والصناعية..

وسيرى القارئ في الفصل الذي خصصناه للبحث في وارثي العرب، مقدار الانحطاط الذي أسفر عن إبادة العرب، وإذا كنت قد أشرت إلى هذا هنا فلأن شأن العرب المدني لم يبد في قطر ملكوه كما أبيد في أسبانية، التي لم تكن ذات حضارة تذكر قبل الفتح العربي، فصارت ذات حضارة ناضرة في زمن العرب، ثم هبطت إلى الدرك الأسفل من الانحطاط بعد جلاء العرب، وهذا مثال بارز على ما يمكن أن يتفق لعرق من التأثير...)[ كتاب حضارة العرب، للدكتور غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، الطبعة الرابعة ص 270، 272 وراجع الفصل الذي يليه لمعرفة أثر الحضارة الإسلامية في أوروبا.].

المثال الثاني:

ومما يدل على قسوة كثير من النصارى ووحشيتهم وخلو قلوبهم من الرحمة، ما عاملوا به المسلمين في بعض الحروب الصليبية.

وأنقل في ذلك نصا فيه شيء من الطول كذلك لنفس الكاتب: "غوستاف لوبون" الذي قال:

(ويدل سلوك الصليبيين في جميع المعارك على أنهم من أشد الوحوش حماقة، فقد كانوا لا يفرقون بين الحلفاء والأعداء، والأهلين الْعُزل والمحاربين، والنساء والشيوخ والأطفال، وقد كانوا يقتلون وينهبون على غير هدى.

ونرى في كل صفحة من الكتب التي ألفها النصارى في ذلك الزمن براهين على توحش الصليبيين، ويكفي لبيان ذلك أن ننقل الخبر الآتي الذي رواه الشاهد الراهب "روبرت" عن سلوك الصليبيين الحربية [الصواب أن يقال: (الحربي) لأنه نعت حقيقي لسلوك، وهو مفرد، ونعت المفرد يكون مفردا.] وذلك بالإضافة إلى ما حدث حين الاستيلاء على القدس.

قال المؤرخ الراهب التقي! روبرت:

" وكان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت، ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها، وكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إرْبا إرْبا، وكانوا لا يستبقون إنسانا، وكانوا يشنقون أناسا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، فيا للعجب ويا للغرابة أن تذبح تلك الجماعة الكبيرة المسلحة بأمضى سلاح من غير أن تقاوم![ يبدو أنه يستبعد أن يكون هؤلاء الضحايا مسلحين، لأنهم لو كانوا مسلحين لدافعوا عن أنفسهم. ]

وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه، فيبقرون بطون الموتى، ليخرجوا منها قطعا ذهبية، فيا للشره وحب الذهب! وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث فيا لتلك الشعوب العمي المعدة للقتل! ولم يكن بين تلك الجماعة الكبرى واحد ليرضى بالنصرانية دينا، ثم أحضر "بوهيموند" جميع الذين أعتقلهم في برج القصر، وأمر بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم وضعفائهم، وبسوق فتيانهم وكهولهم إلى إنطاكية لكي يباعوا فيها...". إلى أن قال:

"وكان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة عمر بن الخطاب نحو النصارى حين دخلها منذ بضعة قرون، قال كاهن مدينة "لوبوي" "ريموند داجي": حدث ما هو عجب بيد العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقد قطعت رؤوس بعضهم.فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم(!) وبقرت بطون بعضهم فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من على الأسوار، وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا...".

وروى ذلك الكاهن الحليم خبر ذبح عشرة آلاف مسلم في مسجد عمر، فعرض الوصف اللطيف الآتي:

" لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها، وكان الجنود الذي أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمشقة..."[ المرجع السابق: ص325، 327.]

 

قسوة النصارى ووحشيتهم في هذا العصر.

أما الأمثلة على قساوة قلوب النصارى وغلظتهم ووحشيتهم في هذا العصر وبخاصة على المسلمين، فالكرة الأرضية كلها تشهد بها وتئن من وطئتها، وساكنو هذا الكوكب يقرؤون ذلك ويسمعونه ويشاهدونه في كل مكان[لا نريد الحديث عن الفظائع التي أرتكبها النصارى في القارات التي احتلوها بالكامل وقضوا على سكانها بدون رحمة وجعلوا من بقى منهم ذليلا مهانا أقل عندهم من رتبة الحيوان، كما هو الحال في أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا، ولا الحديث عن تجارة الرقيق التي عمت أقطار إفريقية وأسهمت فيها كل دول النصارى فهذا أمر يطول (راجع كتاب إفريقيا الإسلامية للدكتورة عنايات الطحاوي ص 231).].

فقد عاثت الدول النصرانية فسادا، اعتدت فيه على ما اتفقت الأمم على وجوب حفظه، من الضرورات التي لا تحيى تلك الأمم إلا بحفظها، وهي: النفوس والعقول والنسل والمال-إضافة إلى الدين ومن أمثلة ذلك:

أولا: في القارة الإفريقية:

فقد تداعت دول أوروبا النصرانية على البلدان الإفريقية، في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها ووسطها، وتقاسموها فيما بينهم-على شدة الاختلافات السائدة بينهم-وأنزلوا بسكانها من الدمار والهلاك، ما تتورع عنه الوحوش في غاباتها، قضوا في كل بلد على زعمائه وقادته وسفكوا دماء الآلاف من أبنائه، بدون تفرقة بين الرجال والنساء، والشيوخ والكهول والشباب والأطفال، وشردوا الآلاف المؤلفة، وحرموا من بقي في البلاد من أقل حقوق الإنسان التي يتشدق النصارى بالدعوة إليها، فأذلوا بذلك سكان البلدان الإفريقية كلهم واستعبدوهم ونهبوا خيراتهم، كل ذلك باسم الاستعمار والتحرير.

في شمال إفريقيا:

فقد نقل الأمير شكيب أرسلان عن بعض المراسلين الأوروبيين الذين رافقوا الجيوش الإيطالية عندما اغتصبت ليبيا شيئا، يسيرا مما ذكره أولئك المراسلون وشاهدوه من أعمال غزاة النصارى الوحشية، فقال:

(وليس المسلمون وحدهم هم الذين شاهدوا أعمال الطليان وضجوا منها، بل ثمة كثير من الإفرنج شاهدوها وأنكروها، ومن ذلك المستر "فرانسس ماكولا" الإنجليزي الذي كان مرافقا للجيش الإيطالي في طرابلس عند الاحتلال وشاهد تلك الفظائع بعينه، فقد قال: "أبيت البقاء مع جيش لا هم له إلا ارتكاب جرائم القتل، وإن ما رأيته من المذابح، وترك النساء المريضات العربيات وأولادهن يعالجون سكرات الموت على قارعة الطريق جعلني أكتب للجنرال "كانيفا" كتابا شديد اللهجة، قلت له: إني أرفض البقاء مع جيش لا أعده جيشا، بل عصابة من قطاع الطرق والقتلة).

(ومن ذلك شهادة الكاتب الألماني "فون غوتبرغ" الذي قال: " إنه لم يفعل جيش بعدوه من أنواع الغدر ما فعله الطليان في طرابلس، فقد كان الجنرال كانيفا يستهين بكل قانون حربي، ويأمر بقتل جميع الأسرى، سواء أقبض عليهم في الحرب أو في بيوتهم، وفي سيراكوزه الآن كثير من الأسرى الذين لم يؤسر واحد منهم في الحرب، وأكثرهم من الجنود الذين تركوا في مستشفى طرابلس.

وقد قبض الطليان على ألوف من أهل طرابلس في بيوتهم ونفوهم، بدون أدنى مسوغ إلى جزر إيطاليا حيث مات أكثرهم من سوء المعاملة.

وأقر ما قاله "هرمان رنولوف" المراسل النمساوي الحربي فقد وجد في الباخرة التي نقلت جانبا من هؤلاء الأسرى فوصف تلك الحالة، فقال:

" في الساعة السادسة من مساء كل يوم يكبل هؤلاء المرضى بالحديد في اليد اليمنى والرجل اليسرى، حقا إن موسيقى هذه السلاسل تتفق مع المدنية التي نقلتها إيطاليا إلى إفريقيا، لا ريب أن الطليان قد أهانوا كثيرا، فلم يكف أنهم أسقطوا منزلة أوروبا العسكرية في نظر إفريقيا، حتى شوهوا اسم النصرانية أمام الإسلام "ثم قال:" وقد قتل الطليان في غير ميدان الحرب كل عربي زاد عمره على أربع عشرة سنة، ومنهم من اكتفوا بنفيه.

وأحرق الطليان في  26 أكتوبر سنة 1911م حيا خلف بنك روما، بعد أن ذبحوا أكثر سكانه بينهم النساء والشيوخ والأطفال "قال:" ورجوت طبيبين عسكريين من أطباء المستشفى، أن ينقلوا بعض المرضى والمصابين المطروحين على الأرض تحت حرارة الشمس فلم يفعلا، فلجأت إلى راهب من كبار جمعية الصليب الأحمر، هو الأب "يوسف بافيلاكو" وعرضت عليه الأمر، وأخبرت شابا فرنسيا أيضا، لكن الأب "بافيلاكو" حول نظره عني ونصح الشاب بأن لا يزعج نفسه بشأن عربي في سكرات الموت، وقال: "دعه يموت".

قلت (القائل هو الأمير أرسلان): "ليتأمل القارئ أن هذا الذي يقول هذا القول هو قسيس يزعم أنه ممثل المسيح على الأرض، وأنه من رجال الصليب الأحمر، أي الجمعية التي تزعم أنها تخدم الإنسانية بلا استثناء" ثم قال هذا المراسل النمساوي: "ورأيت على مسافة قريبة جنديا إيطاليا يرفس جثة عربي برجله، وصباح اليوم التالي وجدت الجرحى والمرضى الذين رجوت الراهب من أجلهم قد ماتوا..." ثم قال: "رأينا طائفة من الجنود تطوف الشوارع مفرغة رصاص مسدساتها في قلب كل عربي تجده في طريقها، قد نزع أكثرهم معاطفهم، ورفعوا أكمام قمصانهم كأنهم جزارون......"

وقال مراسل التايمز يومئذٍ-قلت [القائل هو شكيب أرسلان]: ولا يجوز أن ننسى أن غارة إيطاليا على طرابلس كانت بالاتفاق مع فرنسا وإنجلترا، استرضاء لإيطاليا على إثر تقاسم إنكلترا وفرنسا مصر والمغرب-: "إن قسوة الانتقام التي استعملها الطليان في وقعة يوم الاثنين يليق أن يقال عنها إنها أعمال قتل عام، فقد فتكوا بكثير من الأبرياء، وستبقى ذكرى هذا الانتقام زمنا طويلا".

وقال المسي كسيرا مراسل جريدة " إكسليسيور" الباريسية:" لا يخطر ببال أحد ما رأيناه بأعيننا من مشاهد القتل العام ومن أكوام جثث الشيوخ والنساء والأطفال، يتصاعد منها الدخان تحت ملابسهم الصوفية كالبخور يحرق أمام مذبح من مذابح النصر الباهر، ومررت بمائة جثة بجانب حائط قضي عليهم بأشكال مختلفة.

وما فررت من هذا المنظر حتى تمثلت أمام عيني عائلة عربية قتلت عن آخرها، وهي تستعد للطعام، ورأيت طفلة صغيرة أدخلت رأسها في صندوق حتى لا ترى ما يحل بها وبأهلها. إن الإيطاليين فقدوا عقولهم وإنسانيتهم من كل وجه"....)[حاضر العالم الإسلامي (264-128) ذكر فيها الأمير شكيب أرسلان من الفظائع الوحشية التي قام بها النصارى الإيطاليون ما لا يكاد يصدقه العقل فراجع ذلك إن شئت والتاريخ الإسلامي (14/24).].

هذه نصوص مختزلة لبعض المراسلين الأوروبيين عن وحشية النصارى وقساوة قلوبهم وخلوها من الرحمة، في بلد واحد وهو ليبيا ومن جيش بلد أوروبي نصراني واحد، هو الجيش الإيطالي برضا الدول النصرانية الأخرى في أوروبا، وهو مثال ينطبق على كل البلدان التي اغتصبها النصارى في إفريقيا-وغيرها-.

والعالم كله يعرف غلظة النصارى الفرنسيين وقسوتهم ووحشيتهم التي عاملوا بها الشعب الجزائري الذي قدم مليون شهيد، في سبيل إزاحة نير أولئك القساة من على كاهله، مع إهانة مقدساته والاعتداء على مساجده، التي حولوها إلى كنائس ودنسوها بالشرك بدلا من التوحيد الذي كان يعمرها[راجع كتاب: الاستعمار أحقاد وأطماع للأستاذ محمد الغزالي ص37. وراجع كذلك التاريخ الإسلامي 14/229 وما بعدها لمحمود شاكر. ].

وحدث عن قسوة النصارى واليهود مجتمعين على المسلمين اجتماعا مباشرا، كما حصل من بريطانيا وفرنسا ودولة اليهود على مصر المسلمة، ولا حرج.

واقرأ السطور القليلة الآتية التي سطرها الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) عن العدوان الثلاثي على مصر سنة:

قال: "وإني ساعة كتابة هذه السطور أستمع إلى رواية شاهد عيان يصف غزو الحلفاء الثلاثة: إنجلترا وفرنسا وإسرائيل لمدينة ,, بور سعيد،، قال: بذل الأهلون  قصارا هم في رد الجنود الهابطين بالمظلات، واستطاعوا مغالبة الأفواج الأولى منهم، بيد أنهم بوغتوا بمئات الطائرات ترجم المدينة بقذائفها الحارقة، وكان الأفق مليئا بهذه الأسراب المغيرة، تغدو وتروح، وهي تفرغ الهلاك في كل مكان!

خمسمائة غارة في هذا اليوم الأغبر-كما نطقت بذلك بلاغات العدو-وانضمت سفن الأسطول إلى هذا الهجوم، فأخذت تطلق مدافعها على المدينة اللاغبة، فرئيت القصور والنار تخرج من نوافذها، ثم ما هي إلا لحظات حتى تندك فوق رؤوس ساكنيها.

وسرى الرعب إلى الحيوانات التي تقطن المدينة، فانسابت تجري في شو راعها على غير هدى، غير أن الرصاص المنهمر لا يدعها تصل إلى مهرب، فأين المهرب للإنسان والحيوان في هذا البلاء المحيط؟ ولذلك تجاورت في الميادين والأزقة جثة كلب شارد وإنسان بائس… وكانت الجثث المتناثرة كأوراق الشجر الساقطة في فصل الخريف، تكسو الأرض المخضبة في منظر يثير اللوعة وأحيانا تجد كوما من الموتى وقع بعضهم على بعض فتتساءل: أُركِموا هكذا بفعل فاعل؟... لله كم هي رخيصة دماء أولئك المسلمين؟![الاستعمار أحقاد وأطماع ص 130، 131.]

أما ما فعله الاستعمار الفرنسي ثم الاستعمار الإنجليزي في مصر فله شأن آخر وكذلك في السودان.[ راجع شيئا من فظائع الفرنسيين في مصر في نفس الكتاب ص 152، 169.]

في شرق إفريقيا:

ولا يختلف ظلم النصارى الأحباش، وبخاصة في عهد الطاغية هيلاسلاسي، عن ظلم النصارى الأوروبيين للمسلمين وقسوتهم، إلا في أن ظلم نصارى الحبشة وقهرهم للمسلمين مستمر طويل لأنه صادر من قساة قلوب حاكمين من أهل البلاد أنفسهم، أما الأوروبيون فاغتصابهم للبلاد طارئ، ومقاومة الطارئ مهما عتي وتجبر أخف من مقاومة طاغ أصيل في البلاد، يمكنه أن ينال عون الظالم الأجنبي الطارئ، كما حصل لوحش الحبشة الذي أيدته جميع الدول النصرانية في الغرب، لإنزال الضربات القاسية على المسلمين قتلا وتشريدا وإذلالا واعتداء على كل ضرورات الحياة، هذا مع أن نسبة المسلمين في البلاد تفوق نسبة غيرهم، ولكن عدوهم ينكر ذلك ويدعي العكس، وتعدت قسوتهم حدود الحبشة إلى الأوغادين الصومالية.

فكم قتلوا من النفوس وكم هدموا من القرى وكم شردوا من البشر [اقرأ في ذلك المرجع السابق من ص71، 106.]

أما "إريتريا" المسلمة فقد دمروها وأحرقوها حرقا وأبادوا شعبها إبادة جماعية، برغم مقاومته الباسلة.

يقول هارون آدم علي: " تمكنت حركة الكفاح المسلح للشعب الإريتري في الفترة من 1381هـ-1386هـ من تصعيد عملياتها الجهادية بأسلوب حرب العصابات، حتى استطاعت استقطاب الجماهير في الريف الإريتري، وأصبحت عملياتها العسكرية تقض مضاجع الاستعمار الأثيوبي... (و) جن جنون الإمبراطور هيلاسلاسي، فأمر قواته بالزحف على الريف الإريتري معقل الثوار برا وجوا للقضاء على اليابس والأخضر، دون تمييز بين الثوار والشعب الأعزل من النساء والأطفال، بل أمر جنوده بإبادة ما يصادفونه من المواطنين بالرصاص وإضرام النار في المنازل، حيث عمت البلاد في عام 1387هـ سلسلة من المجازر البشرية ما تفوق في قسوتها مجازر دير ياسين بفلسطين وشارب بفيل في جنوب إفريقيا، إذ سقط خلال عدة شهور من القصف الجوي الأثيوبي أكثر من 60 ألف مواطن، جلهم من النساء والأطفال والكهول، ودمرت أكثر من 1500 قرية، وقتل ما يقارب المليون رأس من الثروة الحيوانية، بالإضافة لانتهاك الحرمات وعمليات النهب والسلب والتدمير التي مارستها قوات الاحتلال الأثيوبي ضد الشعب الإريتري..."[ واقرأ كذلك: الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ص 178، 184.]

ولا زال المسلمون في إريتريا يعانون عنتا من النصارى، وبخاصة بعد استيلاء الحزب النصراني على البلاد الآن، بقيادة أسياسي أفورقي الذي ارتمى في أحضان اليهود وأنزل من الأذى والتشريد بالمسلمين ما يندى له الجبين.

ولعل هذه النماذج لقسوة النصارى في شمال إفريقيا وشرقها كافية لليقين بأن هؤلاء الأجلاف العتاة الذين يزعمون التمدن وحماية حقوق الإنسان  و إعمار الأرض وتحضير الناس والارتقاء بهم، قد نزعت الرحمة من قلوبهم.

ولا داعي لزيادة ذكر نماذج في بقية بلدان إفريقيا في غربها ووسطها وجنوبها، فالنماذج متقاربة، ولكن يضاف إلى أعمال الغاصبين الأوروبيين في غرب إفريقيا ووسطها، أنهم اتخذوا الجنس البشري بضاعة مزجاة، إذ كانوا يصطادون أهل البلاد رجالا ونساء وصغارا وكبارا بأعداد هائلة ويملئون بهم السفن التي تبحر بهم إلى بلدان أوروبا وأمريكا، ليبيعوهم عبيدا بأبخس الإثمان، حيث يستعبدهم الجنس الأبيض ويرهقهم بالأعمال الشاقة، ليجود عليهم بلقمة العيش التي يبقون بها أحياء يكدون ويكدحون في المزارع والمصانع، ويعاملونهم معاملة أدنى من معاملة الحيوان، فلا يساكنونهم ولا يؤاكلونهم ولا يشار بونهم، ولا يسمحون لهم أن يلبسوا مثل لباسهم، ولا يركبوا مركوبا تهم، ولا يأذنون لهم بتلقي التعليم مثلهم، وعندما انفرج الأمر قليلا أذن لهم بالتعليم في مدارس خاصة بهم لا يختلطون بالبيض في مدارسهم.

وكان كثيرا من هؤلاء الأفارقة مسلمين.

ولم تلغ التفرقة العنصرية البغيضة قانونا إلا بعد كفاح مرير ومعاناة شديدة مروا بها.

ولا زال الاحتقار عمليا موجودا ضد الأفارقة في أمريكا، وكان أول حصن يحتمون به من تلك التفرقة العنصرية ويكافحون الجنس الأبيض انطلاقا منه، هو الإسلام الذي اعتنقه أليجا محمد من أجل تحرير قومه من ذلك الظلم الغاشم، وكان فهمه للإسلام فهما منحرفا، وبعد وفاته خلفه ابنه وارث الدين الذي بدأ يتفهم الإسلام شيئا فشيئا، بسبب زياراته للحرمين ولقائه العلماء في الحجاز واتصاله بالمسلمين العرب وغيرهم به في أمريكا حتى تخلص من مفاهيم والده الخطيرة للإسلام.

وأصبح هو وقومه الآن أقرب إلى فهم الإسلام، وبذلك أصبحت عندهم عزة وبدأ الأمريكيون يحترمونهم.

 

قسوة النصارى في آسيا:

قسوة الإنجليز على أهل فلسطين قبل أن تسلم أرضهم لليهود.

وقد ذكر نبذة مختصرة من ذلك الشيخ الغزالي، فقال:

(تفننت السلطة البريطانية في أساليب التعذيب ووسائله، واستخدمت العلم وأدواته لإنزال أشد ما يمكن من الألم بأهالي فلسطين، والتعذيب عندهم على نوعين: تعذيب فردي لإكراه الفرد على الاعتراف. وهو ما يجري عادة في سراديب تحت الأرض[وهو أسلوب متبع لدى كل من انتزعت الرحمة من قلبه حتى من المنتسبين إلى الإسلام، كما سيأتي. ] وتعذيب عام يرتكب في الجماعات لإرهاب الأهلين وإرهاقهم، وهو ما يجري على ملأ من الناس في البيوت والطرق وساحات القرى في الليل والنهار.

التعذيب الفردي

[وهو أيضا أسلوب متبع يمارسه الآن اليهود في فلسطين والعلمانيون في بلاد المسلمين.]

1-الزنزانة: وهي سجن ضيق لا يكاد يسع الإنسان، وطعام السجين كسرة صغيرة من الخبز الرديء مع قليل من الماء.

2-الضرب، وهم يضربون الشخص بالسياط والأيدي والأرجل، حتى يغمى عليه، وتتورم الرجلان من كثرة الضرب، ثم يضعونه تحت صنابير الماء البارد زيادة في إيلامه.

3-التهديد بالقتل، يخرجون المسدسات، ويصوبونها إلى وجهه، ويهددونه بإطلاقها عليه.

4-الزجاج والمسامير، يكرهونه على السير فوق قطع من الزجاج والمسامير، ويكرهونه على القفز فوقها، فإذا توقف ضربوه بالسياط، فلا يزال يقوم ويقع والدم ينزف من رجليه ويديه وسائر جسمه، حتى يرتمي آخر الأمر منهوكا أو مغمى عليه، وينزعون ثيابه، ويضربونه بألواح من خشب فيها مسامير فيسيل دمه.

5-أو يجلسونه على خشبة خازوق ويربطون في رجليه أثقالا من أكياس الرمل، حتى يغمى عليه.

6-أو يربطون إبهامي رجليه بسلك من الحديد، ثم يشدونه حتى تكاد إبهامه تنقطع.

7-أو يربطون أعضاءه التناسلية برباط متصل بِبَكْرة من السقف، ثم يجذبون الحبل شيئا فشيئا حتى يغمى عليه، وكثيرا ما قطعوا عضوه التناسلي.

8-تقطيع الأظافر والشعر بكلاليب خاصة، ويشدونه من شاربه ولحيته وينتفون شعره.

9-صب الماء في الجوف، ويصبون الماء في فمه بواسطة قمع خاص، حتى يملئوا جوفه، وينتفخ كالقربة ويتألم أشد الألم.

10-الكي بالنار، ويحمون أسياخ الحديد حتى تلتهب كالجمر، ثم ينخسونه بأطرافها، ويأتون بالمسامير المحماة بالنار ويغرسونها تحت أظافره.

11-التعذيب بالكهرباء: يضعون في يديه جهازا كهربائيا ويسلطون عليه تيارا كهربائيا أقل قوة مما يكفي للموت فيرتعد ويضطرب ويختلج، ولا يستطيع أن يلقى الجهاز من يديه.

12-الفعل الشنيع!.

13-سلخ قدمي المعذب، وصب الزيت المغلي عليها، ونسف الرجال بالديناميت، كما حدث في قرية الزيت.

14-ينقلونه إلى المستشفى، حتى إذا شفي أرجعوه إلى التعذيب ثانية.

15-يخفون الشخص الذي يظهر عليه أثر التعذيب، وأحيانا يقتلونه، ليخفوا أثر الجريمة.

16-التعذيب بالإغراق، يلقونه في البحر حتى يشرف على الغرق، لإكراهه على الاعتراف.

17-المسكرات والمخدرات، يجرعونها للقرويين كرها يصبونها بحلوقهم، ويحقنونهم بالمورفين، ويسممونهم بالكوكايين والهروين، كما جرى مع رفاق الشهيد المرحوم الشيخ فرحان السعدي.

18-يعدون سراديب خاصة للتعذيب في دائرة المباحث الجنائية بالقدس وغيرها، فلما يجيء دور الرجل المراد تعذيبه، يأخذونه إلى أقبية التعذيب، وهو معصوب العينين بعد منتصف الليل، وبعد إغمائه من الألم ينقلونه إلى مخفر البوليس، ثم إذا أفاق يعودون به إلى أقبية التعذيب.

19-يخفون المعذبين عن أهلهم وسائر الناس، لكي لا يمكنوا أحدا من زيارتهم أو معرفة مكانهم.

فإذا فرغوا من تعذيبهم وزال أثر التعذيب، نقلوهم إلى سجن القدس أو عكا أو معتقل الزرعة.

 

التعذيب العام.

عندما يعجز الجيش عن أن ينال من المجاهدين، ينقلب إلى الفلاحين المساكين الآمنين في بيوتهم ينتقم منهم، ويشفي صدره بتعذيبهم بالضرب الشديد بأعقاب البنادق والهراوات الغليظة بلا شفقة ولا رحمة، وبدون تفريق بين الصغار والكبار والرجال والنساء، يسمون هذا العمل عملية تفتيشية، ويرتكب خلالها من الفظائع أشكالا وألوانا، وكل القرى ذاقت فظاعة التفتيش، ويتخلله تخريب البيوت ونسفها بالديناميت، وإتلاف أمتعة الفلاحين ومؤنهم ونهب الحلي والأموال، وترويع النساء والأطفال، وقتل الآمنين على قارعة الطريق من رجال ونساء وأطفال [الاستعمار أحقاد وأطماع 280، 288.

وقد كانت هذه الأساليب من الإنجليز نواة لأساليب اليهود في فلسطين الآن، وهاهم اليوم قد نفوا أكثر من أربعمائة من خيرة المسلمين في فلسطين إلى جبل في مرج الزهور في فصل الشتاء القارص بدون طعام ولا شراب ولا دواء ومر عليهم في هذا التعذيب الجماعي أكثر من شهر. راجع ما مضى في هذه القصة.]

 

قسوة الإنجليز على المسلمين في الهند.

عندما استولى الإنجليز على الهند وجهوا حقدهم على المسلمين إلى محاربتهم، و تحريض الهندوس والسيخ على الفتك بهم، بعد أن فتكوا هم بمن استطاعوا الفتك به منهم، والاستيلاء على أملاكهم وأراضيهم، وبعد ان أعلن الحاكم البريطاني: "أن العنصر الإسلامي في الهند هو عدو بريطانيا اللدود، وأن السياسة البريطانية يجب أن تهدف إلى تقريب العناصر الهندوكية لتساعدهم في القضاء على الخطر الذي يتهدد بريطانيا في هذه البلاد...."

" فاشتد الإنجليز في هجمتهم على المسلمين بعد إنهاء الثورة واستولوا على أراضيهم، ففقد المسلمون أملاكهم الواسعة ولم يبق لهم سوى 5% من أراضيهم التي كانوا يملكونها من قبل وسدت في وجوههم أبواب الرزق في الدواوين، وصودرت أملاكهم، وأخذ الإنجليز جانب الهندوس والسيخ وأطلقوهم يهزءون بالمسلمين وبدينهم، ويسومونهم سوء العذاب فكانت المذابح التي راح ضحيتها الآلاف من المسلمين..." ل[حاضر العالم الإسلامي وقضاياه ة للدكتور جميل عبد الله المصري ص 397. دربت بريطانيا الهندوس على ارتكاب المذابح للمسلمين في الهند كما دربت اليهود-وهم في الأصل مُدَرِّبون-على ذلك بالنسبة للفلسطينيين.]

لقد اغتصب النصارى الأوروبيون عامة البلدان الآسيوية، وعاثوا فيها فسادا وقتلوا وشردوا ودمروا وأذلوا أهلها، وعاملوا المسلمين بالذات معاملات وحشية قاسية دلت على نزع الرحمة من قلوبهم من غرب آسيا إلى شرقها وجنوب شرقها، لا فرق بين إنجليزي وفرنسي وأسباني وبرتغالي وهولندي، وختموا أعمالهم في البلدان الإسلامية بإيجاد أحزاب متناحرة ودول متحاربة يكيد بعضها لبعض، وهم الآن يورون زناد المعارك بين الشعوب الإسلامية ويصنعون لهم السلاح الذي يقتل به بعضهم بعضا، ولكنهم يحجرون على الحكومات القائمة في الشعوب الإسلامية أن تقتني سلاحا متطورا يكون شبه هجومي، ويأذنون بذلك لأعداء المسلمين من اليهود في فلسطين والهند في جنوب القارة الهندية ليمكنوا الدولتين من السيطرة على الشعوب الإسلامية وضربها بشدة وبدون رحمة عند اللزوم.

 

قسوة نصارى الفلبين وغلظتهم على المسلمين.

تعرض المسلمون في الفلبين لحملة إبادة من نصارى أوروبا، ومن أمريكا-مؤخرا-ولا نحتاج للحديث عن ذلك، فقد عرفنا كيف نزعت الرحمة من قلوبهم في معاملتهم المسلمين في الأندلس، وفي الحروب الصليبية، وفي زمن اغتصابهم بلدان المسلمين في الشمال الإفريقي وشرقه، والقارة الإفريقية بصفة عامة والآن في البوسنة والهرسك.

والذي نريد الإشارة إليه هو ما قام به نصارى الفلبين أنفسهم، في العصر الحاضر ضد المسلمين.

فقد تآمر ماركوس والرهبان والقسس في الفلبين-بإمداد من اليهود في فلسطين، ومن النصارى في الدول الغربية-على المسلمين وقرروا إبادتهم وأنشئت منظمة نصرانية إرهابية أطلق عليها: (إيلاجا) أي جماعة الفئران-على اعتبار أنها منظمة شعبية، والواقع أن ماركوس هو الذي أمدها وأيدها بكل الوسائل، بل يقال: إنه هو الذي أنشأها، وقد ارتكبت هذه المنظمة من الفظائع ما يترفع عنه وحوش الغاب، فطردت المسلمين من ديارهم وأرضهم، وأحرقت بيوتهم ومساجدهم ومزارعهم ومصاحفهم، وقتلوا علماءهم وأئمتهم، وهتكوا أعراض نسائهم ومثلوا بشهدائهم، حيث يقطعون رؤوس الأطفال وآذان الرجال وأثداء النساء، وينالون جوائز على هذا التمثيل من المنظمات السرية مقابل كل أذن أو رأس أو ثدي يحضرونه[راجع مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، العدد الثالث من السنة الخامسة محرم سنة 1393ه-فبراير 1973م ص 105 وما بعدها.].

وعلم العالم كله بالمذابح والاعتداءات على المسلمين العُزْل، ولا زالت الاعتداء ت مستمرة من قبل حكام الفلبين على المسلمين حتى كتابة هذه السطور [1422هـ ـ2001م] ، وأمامي رسائل من لجنة الإعلام التابعة "لجبهة تحرير مورو الإسلامية" تبين الحملات التي يقوم بها الجيش الفلبيني بين حين وأخر على المسلمين، وحشد قواته في جنوب الفلبين، ومحاصرة معسكر أبي بكر الصديق الذي يحتمي فيه الشيخ سلامت هاشم قائد الجبهة.

والمسلمون يستنجدون في هذه الرسائل، يطلبون أن يمدوا بالمؤن الغذائية والملابس والأغطية والأموال التي يؤمنون بها لأنفسهم سلاحا، يدافعون به عن أنفسهم وأعراضهم[التقيت الشيخ سلامت هاشم في مقر قيادته وسجلت بعض المعلومات-كتابة-عن تاريخ جهادهم، كان ذلك في 2 صفر سنة 1410هـ.]

هؤلاء هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهذه نتف قليلة جدا من حوادث قسوتهم، تكفي وحدها للدلالة على غلظ قلوبهم وخلوها من الرحمة وبخاصة على المسلمين.

وإذا كانوا بهذه الصفة وهم يسابقون بمبادئهم وأفكارهم الباطلة إلى العقول، فهل يرجى منهم بكثرة أتباعهم واستيلائهم على العالم، إلا القسوة والغلظة والوحشية التي دمروا ولا زالوا يدمرون بها العالم.!

 

قسوة النصارى في أوروبا[المتحضرة!]

وفي قسوة النصارى الصرب على المسلمين في البوسنة والهرسك، ما يكفي دلالة على وحشية النصارى وقسوتهم ونزع الرحمة من قلوبهم، وقد أنزل الصربيون-فيما كان يسمى بيوغوسلافيا-بالمسلمين في البوسنة والهرسك ما تتنزه عنه الحيوانات المتوحشة، من قتل ما يزيد على مائة وخمسين ألفا من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، وذلك في أقل من سنة، وشردوا أكثر من مليونين من المسلمين، كثير منهم أطفال ونساء وشيوخ، يتلقف الأطفال منهم المؤسسات التنصيرية في أوروبا، لتحويلهم من الفطرة الإسلامية، إلى الشرك النصراني وينتزعون من قلوبهم أغلى ما وهبه الله للمسلم وهو إيمانه.

واشتدت القسوة على هؤلاء اللاجئين أكثر بتفريق الأسر المسلمة في دولة أوروبية واحدة أو عدة دول: الأب في مكان، وأبناؤه في مكان آخر، والزوج في مكان، وزوجه في مكان آخر، وهكذا الإخوان والأخوات.. يضاف إلى ذلك معسكرات الاعتقال والتعذيب التي فاقت في الاعتداء على حقوق الإنسان المعسكرات النازية التي يندد بها الغرب ويبدي ويعيد في التنديد بها. يعذب القريب فيها أمام قريبه، ويقتل الأب أمام الابن والزوج.

وأشد من ذلك وأنكى اغتصاب الوحوش المتمدنين في قارة حقوق الإنسان، أكثر من خمسين ألف امرأة وفتاة مسلمة، بعض تلك الاغتصابات تقع أمام أعين أسرة الفتاة المغتصبة.

وهذا غير الحصار المستمر الذي يفرضه النصارى منذ ما يقارب العام على مدن المسلمين، وقراهم وقصف مرافقهم وهدم منازلهم عليهم، والحول بينهم وبين الإمداد والإغاثة بلقمة العيش والدواء والملبس والغطاء، في أشد أوقات البرد القاسي الذي قطعت على المسلمين فيه الكهرباء وكل وسائل التدفئة، حتى أنك ترى العجائز والصبيان يحاولون التماس الأخشاب في الشوارع وحملها إلى منازلهم من أجل الطبخ عليها والتدفئة، فيطلق عليهم النصارى قساة القلوب الرصاص ويُرْدُونهم قتلى أو جرحى تنزف منهم الدماء وتسيل، حتى يموتوا في الشوارع دون إسعاف.

وقد كشف حدث البوسنة غلظة وقسوة جميع الدول النصرانية الغربية التي تزعم أنها حامية حقوق الإنسان، وأنها تقف ضد التطرف والتشدد والإرهاب والتطهير العرقي، واعتداء الدول القوية على الدول الضعيفة، فقد اعترفت الدول النصرانية الغربية بدولة البوسنة والهرسك وأصبحت عضوا في هيئة الأمم المتحدة، وبعد هذا الاعتراف اعتدى الصرب على  المسلمين بعون من حكومة صربيا والجبل الأسود، يشمل الأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية، وبمساعدات وتأييد من دولة روسيا، وأصدر مجلس الأمن (المزعوم) قرارا بحظر الأسلحة ووصولها إلى البوسنة والهرسك، فطبق الحظر على المسلمين وبقي الصرب يتلقون العون من إخوانهم النصارى بالسلاح وغيره.

وأصدر مجلس الأمن (المزعوم) قرارا بحظر التحليق الجوي على البوسنة والهرسك، ولكن الصرب تحدوا ذلك ولا زالت الطائرات تقصف المسلمين، ولم يحرك مجلس الأمن ساكنا وكذلك المجلس الأوروبي وحلف الناتو.

ولكن الدول الغربية إذا تحرك صاروخ في العراق أو طائرة عراقية قريبة من منطقة الحظر الجوي الذي فرضته أمريكا باسم هيئة الأمم المتحدة، يرسلون أسرابا من الطائرات الغربية لتصب نيرانها على الهدف وما جاوره ويطلقون مئات الصواريخ من الخليج للقضاء على أي حركة، زعما منهم أنهم ينفذون قرارات مجلس الأمن، وهكذا يعامل النصارى قساة القلوب المسلمين ويصدرون القرارات التي ظاهرها في مصلحة المسلمين وينفذون عكس ذلك، ولكنهم ينفذون قراراتهم فقط عندما تكون في مصلحة النصارى أنفسهم.

إنها وحشية دعاة حقوق الإنسان وقسوة دعاة الحرية والتمدن: نصارى الغرب كله.

وقد وجدت الدول النصرانية الغربية بغيتها في الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة النصراني  "بطرس غالي" العربي الذي يعطيها المسوغ تلو المسوغ لعدم تدخلها في إنقاذ المسلمين في البوسنة والهرسك، ولذلك تصدر هي الاستنكار لأفعال الصرب وتصرح بأنها تريد التدخل لمنع الصرب من العدوان، ولكن النصراني العربي يحذرها من مغبة التدخل العسكري، فتظهر للعالم وللمسلمين أنها إنما تأخرت عن هذا التدخل بسبب عدم الإذن به من قبل هيئة الأمم المتحدة!.[اقرأ عن تنفيذ هذا النصراني العربي لمخطط التجمعات الكنسية جريدة الشرق الأوسط ص 23 بعنوان:بطرس غالي بطل البوسنة. عدد (5167) 27رجب 1413هـ ـ20/1/1993م. وقد سماه الكاتب: بالجلاد، وأنا أسميه بما سماه الله: النصراني.]

والسبب الحقيقي هو أن المظلومين مسلمون، ولو كانوا يهودا أو نصارى أو وثنيين، بل لو كان المعتدى عليهم قرودا أو كلابا، لهبوا لنجدتهم.

وقد صرح زعيم المعتدين النصارى الصرب بأن الاعتداء على المسلمين سيستمر ما داموا مسلمين: " فقائد القوات الصربية في البوسنة والهرسك أكد في تصريح نشرته مؤخرا مجلة: "شبيجل" الألمانية، قال فيه: إن هدفنا هو القضاء على المسلمين في أوروبا، يجب أن يختفوا كأمة، وعلى المسلمين في البوسنة إعلان تحولهم عن الإسلام وأن يصبحوا صربيين أو كروات، أما الخيار الثالث لهم فلن يكون إلا الموت..." [مجلة المجتمع الكويتية: العدد (1027) الثلاثاء جمادى الآخرة سنة 1413ه-أول ديسمبر 1992 م.]

وصدق الله القائل: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم..} [؟؟][11].

ولا نحتاج إلى ذكر مراجع لهذه لحوادث في هذه القسوة النصرانية، فالتلفاز يعرض قسوة النصارى على المسلمين فيها مرات كل يوم، والصحف العالمية تنشر أخبارها المأساوية كل يوم، والإذاعات في العالم كله تذيع فظائعها كل ساعة: أخبار وتقارير وتعليقات ومقابلات...

[ ومع ذلك أحيل القارئ الى بعض الجرائد والمجلات منها: جريدة الشرق الأوسط عدد 5158ص 19بعنوان: مفكرة العار في البوسنة 18/7/1413هـ-. ومجلة المجتمع الأعداد: 966، 17شوال 1412هـ-ص22، العدد:999 في 21/1/1414هـ-ص 28، العدد:1005 في 29/12/1412هـ-ص 30، العدد: 1027 في 7/6/1413هـ-ص28، العدد: 1026 في 30/5/1413هـ-ص26 العدد: 1008 في 20/1/1413هـ-ص30 العدد:989 في 13/8/1412هـ-ص16. وجريدة المسلمون، كل أعداد عام 1412-1413هـ-وكذا العالم الإسلامي ومجلة الإصلاح وغيرها...]

 

النموذج الثالث: قساة الشيوعيين (الملحدين)

الشيوعيون الروس.

ولننتقل الآن إلى غير أهل الكتاب من أهل الباطل، لنأخذ نتفا أخرى من سلوكهم الدال على القسوة والغلظة وعدم الرحمة، لتكتمل الصورة، ويعلم القارئ أن أهل الحق هم الرحماء، وأن الرحمة هي من الأخلاق التي يريدون غرسها في نفوس الناس، وأن غرس الأخلاق الحميدة هو إحدى غاياتهم في السباق إلى العقول.

الحديث عن قسوة الشيوعيين وغلظتهم لا يأتي للناس بجديد، فقد عرف العالم كله في خلال ما يزيد عن سبعين سنة أن الشيوعيين أقسى الناس قلوبا وأغلظ أفئدة وأبعد عن الرحمة في كل مكان حلوا فيه.

وعداؤهم للإسلام أشد من عدائهم لجميع الأديان، ومعاملتهم للمسلمين، لصرفهم بالقوة عن دينهم بقضائهم على علمائهم وهدمهم مساجدهم ومدارسهم، وتحويل ما بقي من المساجد والمدارس إلى مسارح وحظائر ومخازن ودور للسينما، أمر معروف مشهور.

ويكفي أن نذكر لبالغ قسوتهم ما رواه أحد الناجين من الموت من تعذيبهم، وهو الأستاذ "عيسى يوسف آلب تكين"الذي فر من إدارتهم الجهنمية وكتب كتابه الذي فضحهم فيه وهو: (المسلمون وراء الستار الحديدي). فقد نقل عنه سيد قطب رحمه الله في كتابه دراسات إسلامية ما يلي من صور التعذيب الوحشي فقال: " فلندع كاتبا أخذ يحدثنا عن وسائل التعذيب الجهنمية التي سلطت على العنصر الإسلامي في التركستان الغربية الخاضعة لروسيا، والتركستان الشرقية التابعة للصين الشيوعية اسما، ولروسيا الشيوعية فعلا " إلى أن قال: سيد: "وسنضطر أن نغفل ذكر بعضها-أي صور التعذيب-هنا، لأنها من القذارة بحيث يخدش ذكرها كل أدب إنساني، مكتفين بما تطيق الآداب الإنسانية أن نذكره للناس... وهذه هي:

1-دق مسامير طويلة في الرأس حتى تصل إلى المخ.

2-إحراق المسجون بعد صب البترول عليه وإشعال النار فيه.

3-جعل المسجون هدفا لرصاص الجنود يتمرنون عليه.

4-حبس المسجونين في سجون لا ينفذ إليها هواء ولا نور، وتجويعهم إلى أن يموتوا.

5-وضع خوذات معدنية على الرأس وإمرار التيار الكهربائي فيها.

6-ربط الرأس في طرف آلة ميكانيكية وباقي الجسم في ماكينة أخرى، ثم تدار كل من الماكينتين في اتجاهات متضادة، فتعمل كل وحدة مقتربة من أختها حينا ومبتعدة آخر، حتى يتمدد الجسم الذي بين الآلتين، فإما أن يقر المعذب وإما أن يموت.

7-كي كل عضو من الجسم بقطعة من الحديد مسخنة إلى درجة الاحمرار.

8-صب زيت مغلي على جسم المعذب.

9-دق مسمار حديدي أو إبر الجراموفون في الجسم.

10-تسمير الأظافر بمسمار حديدي حتى يخرج من الجانب الآخر.

11-ربط المسجون على سرير ربطا محكما ثم تركه لأيام عديدة.

12-إجبار المسجون على أن ينام عاريا فوق قطعة من الثلج أيام الشتاء.

13-نتف كتل من شعر الرأس بعنف، مما يسبب اقتلاع جزء من جلد الرأس.

14-تمشيط جسم المسجون بأمشاط حديدية حادة.

15-صب المواد الحارقة والكاوية في فم المسجونين وأنوفهم وعيونهم، بعد ربطهم ربطا محكما.

16-وضع صخرة على ظهر المسجون، بعد أن توثق يداه إلى ظهره.

17-ربط يدي المسجون وتعليقه بهما إلى السقف، وتركه ليلة كاملة أو أكثر.

18-ضرب أجزاء الجسم بعصا فيها مسامير حادة.

19-ضرب الجسم بالكرباج حتى يدميه، ثم يقطع الجسم إلى قطع بالسيف أو بالسكين.

20-إحداث ثقب في الجسم وإدخال حبل ذي عقد واستعماله بعد يومين كمنشار، لتقطيع قطع من أطراف الجرح المتآكل.

21-ولكي يضمنوا أن يظل المسجون واقفا على قدميه طويلا، يلجئون إلى تسمير أذنيه في الجدار.

22-وضع المسجون في برميل مملوء بالماء في فصل الشتاء.

23-خياطة أصابع الرجلين واليدين والرجلين وشبك بعضهما إلى بعض.

24-والنساء حظهن مثل هذا العذاب، أنهن يعرين ويضربن ضربا مبرحا على ثديهن وصدورهن.

أما بقية تعذيب النساء فإننا نمسك عنه، لأن المواقع التي اختاروها من أجسامهن والطرق الدنيئة التي استعملوها تجعلنا نستحي من ذكرها وكتابتها[دراسات إسلامية الطبعة الرابعة ص200، 206.

وعندما كتب سيد هذه الصور لم تكن قد طبقت عليه هو في مصر ولكنه رحمه الله قد ذاق في زنزانات المجرمين هو وإخوانه وأخواته شيئا منها قبل أن يشنقه أعداء الإسلام.].

يكفي هذا النموذج لمعرفة ما إذا كانت توجد في قلوب الشيوعيين الروس رحمة!!!.

 

تدمير شعب أفغانستان.

ولكن مثالا آخر ظهر أكثر وضوحا في الدلالة على خلو قلوبهم من الرحمة، وهو أنهم غزوا أفغانستان بجيوش جرارة وأسلحة فتاكة، برا وجوا، وقتلوا من الشعب الأفغاني مليونا ونصف المليون، وطردوا ما يقارب ستة ملايين، وعاثوا في الأرض فسادا يندر أن يوجد له مثيل، ومكثوا يزاولون أعمالهم الوحشية في هذا الشعب أكثر من سبع سنوات، هدموا فيها المساجد وأهانوا المصاحف واغتصبوا النساء، وفرقوا كلمة المسلمين وجعلوا بعضهم يقتل بعضا، ولازال الأفغان يعانون الأمرين من آثار غزوهم.

ولكن الله تعالى نصر الفئة المؤمنة التي تصدت لهؤلاء القساة، ومع الصبر والمصابرة نصر الله المجاهدين-على قلة عُدَدِهِم-على أعظم قوة عسكرية ضاربة، فهزم الجيش الروسي الشيوعي وعاد إلى بلاده يجر أذيال الهزيمة، وكان الجهاد الأفغاني من أعظم الأسباب التي هيأها الله لانهيار الاتحاد السوفيتي الظالم.

ولعل المسلمين يقطفون آثار هذا الجهاد في تطبيق الإسلام في أفغانستان وفي الشعوب الإسلامية المجاورة التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي المنهار.[لقد خيب المجاهدون الأفغان آمال المسلمين الذين أعانوهم بالمال والرجال والعتاد، لرفع راية الإسلام في بلادهم، حيث أخذوا يقتتلون فيما بينهم بعد انسحاب العدو الشيوعي من بلادهم، ومازالت دماء المدنيين العزل تراق بأسلحة إخوانهم ممن كانوا قادة للجهاد، إلى يومنا هذا (كتبت هذا التعليق في 22/5/1418هـ).]

 

الشيوعيون في الصين.

ولا تقل قسوة الشيوعيين في الصين وغلظتهم على المسلمين-وعلى كل من يخالفهم-عن قسوة الشيوعيين في الاتحاد السوفيتي السابق، وبخاصة في إقليم "تركستان الشرقية" الذي غيروا اسمه إلى "سانكيانج" وبالغوا في الاعتداء على أهله، فقتلوا علماءهم، وأتلفوا مصاحفهم وكتبهم الدينية، ومنعوهم من أداء شعائرهم الدينية، وأغرقوهم بالمهجرين الشيوعيين من مناطق أخرى، لتصبح نسبة المسلمين في هذا البلد المسلم 10% بعد أن كانت نسبتهم من قبل أكثر من 90%.

وقد ذكر أن المسلمين الذين تم قتلهم من سنة 1950م إلى سنة 1972م بلغ 360 ألفا، وأن الذين سيقوا إلى المعسكرات التعذيبية والأشغال الشاقة بلغ عددهم (500) ألف، وأن الذين هربوا من ديارهم بسبب ذلك العدوان بلغ (100) ألف[[1]-راجع محلة الإصلاح عدد 219 ص35 ومجلة المجتمع الكويتية عدد 967 ص28.]

هذه الفظائع ذكرت في بلد واحد من بلدان الصين وهو تركستان الشرقية.

أما على مستوى الصين فالأمر أعظم من ذلك، وقد ذكر لي الشيخ عبد الرحمن بن إسحاق الصيني الذي زرته في مدرسة التقوى في مدينة تشانجماي في شمال تايلاند في 24/11/1409هـ. أن الشيوعيين في الصين قتلوا خلال ست عشرة سنة من سنة 1950م إلى 1976م عشرة ملايين (ولا بد أن يكون للمسلمين حظهم الوافر من هذا القتل) ومات بسبب الجوع سبعة ملايين.

أما المسلمون فقد كانت مساجدهم في الصين (45) ألف مسجد، فصادرها الشيوعيون وحولوها إلى مصانع ومسارح ودور سينما، وبنوا في محاريبها الطاهرة التي كان الأئمة يتلون فيها كتاب الله ويسجدون فيها لربهم، المراحيض إهانة لها وللمسلمين، وقتلوا كثيرا من الأئمة والعلماء، وقتلوا من المسلمين ما لا يقل عن مليون شخص.

وكانوا يأمرون العالم المسلم بحمل القاذورات ليسمد بها الأرض الزراعية، ويعلقون في عنقه الكومة من تلك القاذورات، ويقولون له من باب التهكم والإذلال والسخرية بربه وبدينه: إذا كنت تعبد الله فادعه ليساعدك...[المجلد الخاص بتايلاند من سلسلة (في المشارق والمغارب) مخطوط في مكتبة المؤلف.]

وهذه الفظائع هي التي علمت، وما لم يعلم أكثر من ذلك بكثير، وبخاصة إذا علمنا أن الشيوعيين يحيطون بلدانهم وتصرفاتهم بما يسترها من الكتمان والحجر الإعلامي، وعدم الإذن بتسرب تلك التصرفات، ولكن ذلك يكفي لمعرفة أن الرحمة قد نزعت من قلوبهم.

[راجع على سبيل المثال ما نشر على أحد مواقع الإنترنت على الوصلة الآتية: http://www.islam-online.net/Arabic/news/2001-06/17/Article36.shtml ]

وفي هذه الأيام يعيث الشيوعيون ذوو الأسماء الإسلامية في طاجكستان فسادا في هذا البلد المسلم، فقد قتلوا الآلاف من المسلمين الذين يطالبون بالتمتع بالإسلام، وشردوا مئات الآلاف، وأخافوا الآمنين من أبناء البلد متعاونين مع الشيوعيين من ذوي الأسماء الإسلامية في بلدان أخرى ومع الروس بمساعدات من الغرب وبخاصة أمريكا، والكفر ملة واحدة [راجع مجلة المجتمع عدد 1038-25شعبان 1413هـ-ص22.].

بل لقد غزت روسيا الجمهورية الشيشانية في 9/7/1415هـ-الموافق 11/12/1994م-ودمرت عاصمتها جر وزني تدميرا كاملا، وقتلت المسلمين المدنيين، ولا زالت تواصل القتل والتدمير على مرأى ومسمع من دول الصليب التي تدعي أنها ترعى حقوق الإنسان، بل على مرأى ومسمع من حكام الشعوب الإسلامية الذين ماتت الحمية في نفوسه على حفظ ضروراتهم التي لا حياة لهم بدونها.

وقد تكبد الروس خسائر فادحة في جمهورية الشيشان الإسلامية، وخرجوا منها يجرون أذيال الهزيمة، كما خرجوا من أفغانستان، وذلك بفضل الله ثم بفضل قوة إيمان أهلها... ثم غزت روسيا الشيشان مرة أخرى في سنة 1420هـ ـ1999م ودمرت البلد مرة أخرى وعاثت فيه فسادا، ولا زالت القوات الروسية تحتل هذا البلد المسلم، وتقتل أهله وتشردهم وتعتقلهم، وموقف دعاة حقوق الإنسان الغربيين هو موقفهم المعروف، عندما يكون الإنسان مسلما لا يحركون ساكنا، اللهم إلا إظهار شيء من الاستنكار البارد، ليقال عنهم: إنهم أنكروا! وليقارن المسلم موقف الغرب من الشيشان، وموقفهم من تيمور الشرقية التي أجبروا إندونيسيا على التخلي عنها خلال فترة وجيزة!

 

النموذج الرابع: قساة الوثنيين.

قسوة الوثنيين الهنود.

والوثنيون-ومنهم الهندوس والبوذيون وغيرهم-لا تقل وحشيتهم وغلظتهم عن اليهود والنصارى والشيوعيين.

فالهندوس في الهند بتواطؤ مع النصارى الإنجليز، أذاقوا المسلمين من العذاب والتشريد والقتل وسوء المعاملة ما يصعب وصفه، واعتدوا على أموالهم ومنازلهم ومساجدهم، ولا يخلو عام من الأعوام من الاعتداء عليهم، حتى اضْطَرُّوا المسلمين على الانقسام: قسم منهم سئم العيش تحت الذل والقهر الهندوسي، فقرروا الهجرة إلى ما سمي في حينه بباكستان الشرقية وباكستان الغربية، حيث تفصل بينهما مساحات شاسعة من الهند ثم تدخلت الهند وحليفتها روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقا) للتحريش بين الباكستانيين فحصل الانشقاق والقتال الذي راح ضحيته الآلاف من المسلمين، وعلى أثره انفصلت باكستان الشرقية وسميت باسم قومي انفصالي: "بنغلادش" فضعف بذلك المسلمون في الجناحين، وضعف المسلمون كذلك في الهند الذين يبلغ عددهم الآن أكثر من 150 مليونا في كل أنحاء الهند، وهم اليوم يواجهون حربا وثنية شرسة، حيث نظمت جمعيات هندوسية لمحاربتهم تحت سمع وبصر الحكومة الهندية التي تزعم أنها دولة ديمقراطية علمانية، وتشير الإحصاء ت إلى أن الاعتداء الهندوسي على المسلمين بلغ حدا خطرا لا يطاق، يتعاون عليهم في ذلك الاعتداء المنظمات المذكورة وقوات الشرطة، بل والجيش أحيانا.

وعلى سبيل المثال فإن الهندوس قتلوا خمسة عشرة ألف مسلم في مجزرة "أحمد أباد" باعتراف رئيسة الوزراء أنديرا غاندي سنة 1970م وأحرقوا ثلاثمائة امرأة مسلمة بالنار وهن أحياء، وفي مذبحة آسام قتل الهندوس 50 ألف مسلم[راجع حاضر العالم الإسلامي لجميل المصري ص420.]

وفي هذه الأيام تجمع جماهير الهندوس وهدموا مسجد "البابري" وقتلوا الآلاف من المسلمين، في أنحاء متفرقة من الهند وأحرقوا ممتلكاتهم وهدموا منازلهم وطردوهم من ديارهم[راجع على سبيل المثال مجلة المجتمع عدد1029 20جمادى الآخرة سنة 1413هـ-ص20.] واستولوا على كثير من مساجدهم وحولوها إلى معابد وثنية.

وكل الفظائع التي يرتكبها الهندوس في حق المسلمين لا يوجد أي مسوغ لها، فالمسلمون مسالمون، لا يريدون إلا العيش بطمأنينة في ديارهم، يقيمون شعائر دينهم ويعلمون أبناءهم دين الإسلام دون أن يحركوا ساكنا ضد الهندوس ابتداء، وإنما يضطرون أن يدافعوا عن أنفسهم عندما يعتدي عليهم هؤلاء، مع قلتهم وفقدهم آلة الدفاع على عكس الوثنيين الهندوس، والمتتبع لوحشية هؤلاء الهندوس وقسوتهم ضد المسلمين، يتضح له أنهم قوم قد نزعت الرحمة من قلوبهم وحلت محلها الغلظة والشراسة والوحشية.

قسوة الوثنيين في سيريلانكا.

وهكذا يلاقي المسلمون في سيريلانكا قسوة بالغة من الهندوس والسنهال والشيوعيين، ومن الحكومة البوذية من اغتيالات ومذابح جماعية ونهب أموال ومتاجر وإحراق منازل وأسواق[راجع مجلة المجتمع الكويتية. عدد 957 في 9شعبان 1410هـ ص40 ومجلة رابطة العالم الإسلامي عدد 319ص7.]

وفي " بورما" لا تنقطع مذابح المسلمين وتشريدهم ونهب أملاكهم والاعتداء على أعراضهم، يقوم بذلك الوثنيون البوذيون فقد قتلوا منهم عشرات الآلاف، وشردوا ملايين، وهدموا المساجد، وأغلقوا المدارس، واغتصبوا المسلمات وأجهضوا الحوامل منهن، وفي يوم عيد من أعياد الفطر قتلوا مائتي مسلم، وكثير من المسلمين يموتون جوعا في مخيمات الموت في "بنغلادش" أو في الطريق بين حدود بورما وبنغلادش وهم فارون بأنفسهم من القتل الجماعي[راجع: العالم الإسلامي (جريدة تصدرها رابطة العالم الإسلامي) 24ربيع الأول-1ربيع الثاني 1413ه- ص4، و6 محرم 1412ه-ومجلة المجتمع عدد 993 ص 10 وعدد 989ص16.].

 

قسوة الوثنيين في تايلاند.

وفي تايلاند أذاقت الحكومة الوثنية البوذية المسلمين، أهوالا من العذاب والقتل والتدمير والاغتيال والتشريد، وأذلت المسلمين في جنوب البلاد، وأصبحت فطاني المسلمة تحت سيطرة الجيش ووزارة الداخلية، وقد قسمتها تقسيمات إدارية جديدة، حيث أصبحت محافظات صغيرة، وحشدت أعدادا كبيرة من البوذيين من شمال تايلاند ووسطها للهجرة إلى بلاد المسلمين، وملكتهم أراضيهم ويسرت لهم إقامة الشركات والمشاريع المتنوعة، ليستولوا على البلاد المسلمة، ويكونوا أكثرية ينشرون الفساد الخلقي والاجتماعي، من أجل إذابة المسلمين وتحاول الحكومة تغيير مناهج المدارس الإسلامية وكتبها وحروف لغتها [وقد فصل المؤلف شيئا من ذلك في المجلد الخاص بتايلاند من سلسلة في المشارق، وهو مخطوط في مكتبته]

وقد خف التضييق على المسلمين نسبيا، وتمكن علماؤهم من إقامة مؤسسات تعليمية ودعوية، كان لها أثر جيد في تعليم أبنائهم وتفقيههم، وعلى رأس هؤلاء العلماء الدكتور إسماعيل لطفي المتخرج من الجامعة  الإسلامية في المدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.

 

قساة أهل الباطل من المنتسبين الإسلام!

مرت فترة على المسلمين ضعفت فيه دولتهم، بل اضمحلت وهوت، فتأخروا في كل شؤون الحياة الدينية والاقتصادية والعلمية-علم الشرع وعلم المادة-والسياسية والعسكرية والاجتماعية، وتقدم غير المسلمين في الحضارة المادية، فأصيب المسلمون بالهوان وكبر في صدورهم تقدم غيرهم، وانقسموا قسمين:

القسم الأول: رأى أن تقدم البلدان الإسلامية مرهون باتباع خطوات الغرب حذو القذة بالقذة، وذلك بتنحية الدين الإسلامي عن أن يكون منهج حياة للشعوب الإسلامية، والفصل التام بينه وبين تدبير شؤونها، بحيث يكون الدين أمرا يتعلق بالأفراد بأشخاصهم فيما بينهم وبين ربهم، يصلون ويصومون ويحجون ويقرؤون القرآن، دون أن يتدخل الإسلام في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من مناهج الإعلام والتعليم وهلم جرا... –ولا يستثنون من ذلك إلا بعض الأحوال الشخصية-وذلك على غرار ما فعله أهل الغرب بالدين النصراني المحرف، حيث نحوه عن شؤون الحياة التي وضعت لها الدساتير والقوانين البشرية، اتقاء التصرفات الكنسية ورجالها الذين كانوا يزاولون تدبير شؤون الشعوب تدبيرا ظالما، وينسبون تصرفاتهم تلك إلى الله، ويتلخص ذلك كله فيما يقال له: "العلمانية" التي تعني فصل الدين عن الدولة.

وقد أوهم أهل الغرب هذا القسم من أبناء المسلمين، أن الدين هو سبب التأخر عندما يتدخل في حياة البشر، بدليل أن الغرب عندما فصل الدين عن الدولة تقدم حضاريا وأصبح يقود العالم،وأنه لا يمكن للمسلمين أن يتقدموا إلا إذا فعلوا كما فعل الغرب، ففصلوا الدين الإسلامي عن الدولة.

وتتلمذ أبناء المسلمين هؤلاء على أساتذة الغرب في العلوم المتنوعة: الإنسانية والتطبيقية واقتنعوا بتلك الفكرة، بسبب جهلهم بالإسلام الذي جعلهم يساوون بينه وبين الدين النصراني، ويقفون من دينهم كما وقف أهل الغرب من الدين النصراني، وبسبب فقدهم العلماء الذين يجمعون بين فقه النصوص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة والمقاصد الشرعية من جهة وبين فقه العصر والواقع من جهة أخرى، فانطلق هذا القسم من أبناء المسلمين، وقد أحرز شيئا من الثقافة التي تؤهله لقيادة الشعوب الإسلامية وإدارتها مغرورا بنفسه وبثقافته، متجاهلا أولئك العلماء، بل مذلا لهم ضاربا بآرائهم وراء الحائط، وسبب هذا سبق غير المسلمين الى عقول أبناء المسلمين وكسبهم في صفهم.

والقسم الثاني: رأى في حضارة الغرب المادية وما رافقها أفكارا فاسدة وأخلاقا سيئة وعقائد ملحدة وهجوما على الإسلام وأهله، فانزوى عن علوم الغرب كلها، ودعا الشعوب إلى مقاطعتها والبعد عنها والاكتفاء بما تجود به كتاتيب المعلمين الذين يلقنون التلاميذ تلاوة القرآن الكريم، ويعلمونهم بعض مبادئ الفقه والتوحيد والكتابة وشيئا من الحساب، فكان نصيب هذا القسم البعد عن ممارسة إدارة شؤون الأمة والمشاركة فيها، فاستبد القسم الأول بالحكم والإدارة وغيرها، وأخذ يكبت كل صوت يخالف منهجه ومسيرته، يسنده في ذلك ما تحت يده من إمكانات الدولة في الداخل ومؤازرة الدول والمؤسسات الغربية في الخارج.

وبعد أن مضت فترة ليست بالقصيرة على هذه الحالة المزرية، هيأ الله للمسلمين من صحا منهم من نومه، وتنبه من غفلته، فرأى بنور من الله وبصيرة تلك الهاوية التي تردى فيها المسلمون والأسباب التي أدت إلى ذلك التردي، والواجب الذي لا بد من القيام به لانتشال الأمة الإسلامية من وهدتها، إلى قمة مجدها وعزها، فظهرت دعوات المفكرين الإسلاميين بصفة فردية هنا وهناك، ولم يمض وقت غير طويل نسبيا حتى أثمرت تلك الدعوات، ونتج عنها قيام حركات إسلامية تعتمد التعليم والتربية وبيان شمول الإسلام، وأنه منهج لحياة البشر يجب أن يعود ليحكم حياتهم، فأزعج ذلك تلاميذ الغرب الذين كان الجو قد خلا لهم، فتربعوا على كراسي الحكم وأمروا ونهوا دون منازع لهم إلا من أمثالهم، كما أزعج ذلك الغرب الذي طن أن الإسلام قد مات وقبر، فاتفق السيد في الغرب والعبد في الشرق، على القضاء على الإسلام دون هوادة ولا رحمة، فكان أن حصل من أعداء الإسلام المنتسبين إليه مثل ما حصل من أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والملحدين والوثنيين، من الهجوم على الإسلام وتشويهه، ومحاولة القضاء على دعاته بالسجون والمعتقلات والتعذيب الوحشي والتشريد، وانتهاك الأعراض ومصادرة الأموال والتضييق عليهم في لقمة العيش وإيذاء أسرهم وأقربائهم وأصدقائهم، وبالقتل والاغتيالات، حصل ذلك في أغلب بلدان الإسلام في شمال إفريقيا، وفي الصومال، واليمن، والعراق، وسوريا، وباكستان، وأفغانستان، وإندونيسيا، وتركيا، وبنغلادش، وألبانيا وغيرها.

 

قسوة أعداء الإسلام من المنتسبين إليه أشد من قسوة غيرهم !

ولعل قسوة أعداء الإسلام من المنتسبين إليه من أبناء المسلمين، أشد من قسوة غير المسلمين على المسلمين وذلك لأمور ثلاثة:

الأمر الأول: أن عدو الإسلام المنتسب إلى الإسلام، يعد من أبناء البلد وليس أجنبيا عنه، وتصرفاته الظالمة لا ينظر إليها عامة الناس-وبخاصة الجهلة-نظرتهم إلى تصرفات العدو الأجنبي الظالم، ولذلك تجد العدو الأجنبي غير المسلم يخفف من طغيانه وظلمه، إذا لم يتعرض العلماء والدعاة لمصالحه تعرضا مباشرا، بخلاف الطاغية من أبناء البلد، فإنه يوسع دائرة ظلمه وقسوته، لتشمل المعارض الصريح والساكت الذي لم يظهر تأييده لظلمه وقسوته.

الأمر الثاني: أن عدو الإسلام المنتسب إليه من أبناء المسلمين، يجد المؤيدين له ولظلمه وقسوته، من أبناء البلد من أقربائه وقبيلته والمنتفعين بحكمه، ما لا يجده غير المسلم الظالم، لأن تأييد غير المسلم يعد منقصة يعير بها المؤيد، بخلاف من يؤيد الظالم من أبناء البلد، وبخاصة عندما يدعي الوطنية والقومية والتقدمية والثورية-مع ادعائه الإسلام!-.

الأمر الثالث: أن عدو الإسلام المنتسب إليه، يستغل إمكانات البلد البشرية والمادية والإعلامية والتعليمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، في ضرب الإسلام والمسلمين، وهو ينعت بالوطني القومي والثوري والراعي والحامي، وليس بالمستعمر المغتصب والعدو والمحتل.

لذلك تجد قسوة هذا العدو على دعاة الإسلام من أبناء بلده تفوق قسوة اليهود والنصارى والملحدين والوثنيين أحيانا.

ولو أردنا أن نذكر نماذج لقسوة أعداء الإسلام من المنتسبين إليه على دعاة الإسلام وعلمائه في كل بلد ومن كل طاغية لاحتاج ذلك إلى كتاب مستقل.

 

نموذجان لقسوة أعداء الإسلام من المنتسبين إليه.

ولنكتف بالإشارة العاجلة إلى نموذجين نوضح بهما شدة قسوة من حارب الإسلام من المنتسبين إليه:

الأول:الأنموذج الثوري الناصري!.

وهو القدوة الحسنة الأولى للثوريين والقوميين العرب على تنوع مسمياتهم، وهو ما فعله عبد الناصر في مصر بالمسلمين الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله وإقامة حكمه في الأرض، ويكفي أن أنقل بعض النصوص للذين ذاقوا وبال تعذيبه للدلالة على قسوة الطاغية وأعوانه وخلو قلوبهم من الرحمة،  قال أحد المعذبين: (الأمكنة التي وضعنا فيها لا يمكن أن تكون إلا مقابر، إن كلمة زنازين التي تستعمل في السجون، لا يمكن أن تعطيك فكرة صحيحة عن الأمكنة التي رأيتها في ذلك الليمان [وهو سجن جهنمي يعد أحد الإنجازات الثورية الناصرية.] عندما دفع بي العسكري في العنبر لم أجد مكانا أضع فيه قدمي، لقد كان المكان مليئا بالأجساد البشرية المتكدسة، بحيث لا يجد المرء فيه مكانا للجلوس أو الوقوف.. فما بالك بالنوم؟!.

إن مساحة العنبر-كما تبين لي بعد قياسه بواسطة بلاط الأرض-خمسة وأربعون مترا.. كان به عندما دخلته ثمانية وثمانون معتقلا، أي كل مخلوق بشري له نصف متر فقط لجلوسه ونومه وطعامه وشرابه وملابسه وحذائه وكل شؤونه) [هذا وصف لبعض أماكن السجن، وهناك أماكن وصفها آخرون أسوأ من ذلك. نافذة على الجحيم ص56]

وتحت عنوان: الرياضة الجهنمية قال المعذب:

(ينادي جاويش السجن: كل الناس بره [أي اخرجوا جميعا] الزنازين. وهذا النداء يستعمل دائما إذا أرادوا أن يلقوا أمرا عاما على الجميع ويقول الجاويش: إحنا-نحن-حننزل-سننزل-دي الوأت-ذا الوقت-علشان-من أجل-تشموا هواء يا أولاد الكلب! ويقول: انزل بسرعة يا بن الكلب، وما هي إلا لحظات فتتدفق الجموع الغفيرة سريعا.. وبها ما بها من الآلام.. وهم مع ذلك صفوة أبناء الشعب ومن أنبل أبنائه، فيهم الوزير ووكيل الوزارة، والطبيب والمهندس، والمحامي، والتاجر والصانع، والمزارع، والطالب، والمدرس، والقاضي، والفراش، والضابط، ثم ينتظم الجميع عدة طوابير في مكان واسع كبير، ويبدأ سير الطابور سريعا.. ويسير  الطابور في شبه دائرة أو مستطيل.. والطابور يتكون من عدة صفوف ويقف على جانبي كل صف رجال الجيش[الذي الأصل فيه أن يعد للجهاد في سبيل الله وطرد العدو اليهودي من بلاد المسلمين في أرض الإسراء والمعراج!] وهم ممسكون بالسياط والكرابيج والمدافع الخفيفة في أكتافهم، ويسير الطابور تحت الضرب، فكل شرطي يكلف أن يضرب من يمر عليه بصفة مستمرة، وبمرور الوقت تهوي الضحايا على الجانبين، لطول الزمن الذي قد يمتد إلى ثلاث ساعات متواصلة من الجري الشديد المصحوب بالضرب العنيف، وكلما ازدادت سرعة الطابور تزايد عدد الضحايا، بين فاقد الوعي ومقعد تماما لا يقوى على الحركة، والشيء الملفت للنظر أن من يقع على الأرض، يتجمع الشرطة حوله وينهالون عليه ضربا بالكرابيج، فإما أن يقوم إذا استطاع وإما أن يمزق جسمه فوق ما به من تمزيق، وفي موكب الطابور تتساقط العروق مصحوبة بالدماء من أجساد البشر) [نافذة على الجحيم ص80.]

ولعل بعض المقاطع من قصيدة أحد المعذبين، وهو من العلماء الأفذاذ في هذا العصر تظهر بعض صور القسوة لزعيم الثورة العربية والقومية العربية وأعوانه:

قال في مطلع قصيدته:

ثار القريض بخاطري فدعوني

"""""""أفضي لكم بفجائعي وشجوني

فالشعر دمعي حين يعصرني الأسى

""""""""والشعر عودي يوم عزف لحوني

ألهمتها عصماء تنبع من دمي

""""""""""""""ويمدها قلبي وماء عيوني

نونية والنون تحلو في فمي

""""""""""أبدا فكدت يقال لي ذو النون

في ليلة ليلاء من نوفمبر

"""""""""""""فزِّعت من نومي لصوت رنين

فإذا كلاب الصيد تهجم بغتة

"""""""""""""""وتحوطني من شمأل ويمين

فتخطفوني من ذويّ وأقبلوا

"""""""""""""""فرحا بصيد للطغاة سمين

وعزلت عن بصر الحياة وسمعها

""""""""وقذفت في قفص العذاب الهون

أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه

"""""""""""""حتى يرى في هيئة البالون

أسمعت بالإنسان يضغط رأسه

""""""""""""بالطوق حتى ينتهي لجنون

أسمعت بالإنسان يشعل جسمه

"""""""""""""""نارا وقد صبغوه بالفازلين

أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي

"""""""""""""حتى يقول أنا المسيء خذوني

أسمعت بالآهات تخترق الدجى

"""""""""""""""""""رباه عدلك إنهم قتلوني

إن كنت لم تسمع فسل عما جرى

""""""""""""""""مثلي ولا ينبيك مثل سجين

وسل السياط السود كم شربت دما

""""""""""""""""حتى غدت حمرا بلا تلوين

وسل العروسة قبحت من عاهر

"""""""""""""كم من جريح عندها وطعين

كم فتيـة زفوا إليها عنوة

"""""""""""سقطوا من التعذيب والتوهين

[من القصيدة أو الملحمة التي أنشأها الدكتور يوسف القرضاوي في السجن وكادت تضيع لولا أن هيأ الله لها من حفظها من إخوانه في السجن، نافذة على الجحيم ص 135.

أما العروسة فهي خشبة تعذيب يصلب عليها المسجونون شرحها أحد السجناء كما في نافذة على الجحيم ص100 وراجع كتاب: أيام من حياتي لزينب الغزالي لترى أنواع التعذيب التي لا تخطر على البال لها ولإخوانها في السجن، ولماذا أعدم سيد قطب وإخوانه، ودفاع لم يسمع وغيرها من الكتب التي كتبت في هذا الموضوع]

 

الثاني:الأنموذج الشيوعي الصومال!

في الصومال عندما أظهر حاكم الصومال الانضمام إلى المعسكر الشيوعي، وأراد إثبات ولائه للشيوعيين الروس، فحارب الإسلام، وأنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وادعى في بعض خطبه أن نصف القرآن منسوخ، ومنع العلماء والخطباء من القيام بالدعوة في المساجد، وعندما أنكر عليه بعضهم زج بالكثير منهم في السجون، وقتل عشرة من خيارهم حرقا بالنار وعاث في الأرض فسادا، ولا زالت بلاد الصومال وشعبها يتجرعون غصص تصرفاته إلى اليوم [راجع مجلة المجتمع الكويتية: عدد 240 بتاريخ 28صفر سنة 1395هـ-ص17 وعدد 239 بتاريخ 21صفر من نفس السنة ص20. المجلد العاشر.]

هذه القسوة والوحشية التي انتهت إلى حرق علماء المسلمين والدعاة إلى الله تعالى بالنار في شعب مسلم، بسبب دفاعهم بالكلمة فقط عن كتاب الله وشريعة الإسلام، تدل دلالة واضحة أن كل من وقف ضد الإسلام وشريعته، سواء كان من المنتسبين إليه اسما دون مسمى، أو من أعداء الله الكافرين من يهود ونصارى وملحدين ووثنيين، قد نزعت الرحمة من قلوبهم.

والذي تنزع الرحمة من قلبه من أعداء الإسلام، لا ينتظر منه في سباقه إلى العقول بباطله، إلا إعنات الناس وإنزال الحرج والضيق بهم وجلب التعاسة والشقاء لهم، تحقيقا لغاياته الباطلة وأهدافه الخبيثة.

وبعد فقد أطلت كثيرا بذكر الأمثلة الدالة على قسوة غير المسلمين ووحشيتهم وفقدهم الرحمة من قلوبهم، سواء أكانوا من أهل الكتاب: اليهود والنصارى، أو الملحدين-الشيوعيين-أو الوثنيين من هندوس وبوذيين وغيرهم، أو من المنتسبين إلى الإسلام-بعد أن بينت اتصاف المسلمين بالرحمة حتى بأعدائهم، ليتبين للقارئ أن سباق المسلمين إلى العقول هو سباق رحمة ورحماء، مع أن الغايات التي يريدون تحقيقها بسباقهم إلى العقول كلها غايات تسعد البشرية كلها، وأن سباق غير المسلمين إلى العقول هو سباق قسوة وشدة وغلظة-وإن حاولوا أن يظهروا بعض أعمالهم بما قد يبدو فيه رحمة- مع أن الغايات التي يحاولون السباق من أجلها إلى العقول هي غايات فاسدة تشقى بتحقيقها البشرية في الأرض كما هو حاصل الآن.

وبهذا يتضح أن من أهم أهداف أهل الحق وغاياتهم في السباق إلى العقول: غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس الناس، وأن من أهم أهداف أهل الباطل في سباقهم إلى العقول محاربة الأخلاق الفاضلة وتمكين الأخلاق الفاسدة، وأن أهل الحق قدوة حسنة في تطبيق الأخلاق الفاضلة، وأن أهل الباطل قدوة سيئة في تطبيق الأخلاق الفاسدة.

وأكتفي بما ذكرت من الأخلاق الفاضلة التي يسعى أهل الحق إلى غرسها في نفوس الناس من باب التمثيل لا الحصر، ولو أُرِيدَ التوسع في ذكر كل خلق من الأخلاق الفاضلة وما يضادها،لاقتضى ذلك تأليف كتاب مستقل، وليس هذا هدفنا من هذا الكتاب وإنما الهدف بيان أن من غايات سباق أهل الحق إلى العقول غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس البشر.

 

تاسعا: من غايات أهل الحق: طلب العزة من الله تعالى وحده.

لقد سمى الله تعالى نفسه العزيز في آيات كثيرة من كتابه الكريم، ومعناه القوي الغالب الذي يَغلِب ولا يُغلب، ويَقهَر ولا يُقهر.

كما قال تعالى:((رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(165)))

وقال تعالى:((وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا)) [الأحزاب: 25]

وقال تعالى:((وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)) [الفتح: 7]

وقال تعالى:((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ))[فاطر: 10]

وقال تعالى:((الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)) [النساء: 139]

وقال تعالى:((ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [يس:65] 

وقال تعالى:((يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ))[المنافقون: 8]

وقال تعالى:((سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون))[الصافات: 180]

وفي حديث الْحَسَنُ بنِ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْهما: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ولا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) [سنن أبي داود، رقم: 1214]

فهو سبحانه العزيز ولا عزيز سواه، وله العزة وحده ولا يملكها غيره، ومن أراد العزة فليعبد رب العزة وليطلبها منه وحده، ومن عبده حق عبادته وطلب منه العزة أعزه، ومن أطاع غيره في معصيته تعالى طالبا العزة من ذلك الغير أذله الله.

لهذا كان من غايات سباق أهل الحق إلى العقول أن يطلب عباد الله العزة من الله، لا من سواه.

وإن هذه الغاية التي يسابق بها أهلُ الحق إلى العقول، لتبين لنا سبب الذلة التي أنزلها الله بالمسلمين في هذا العصر، حيث طلبوا العزة من أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين، ونسوا رب العزة العزيز الحكيم، فنسيهم العزيز الحكيم! 

 

عاشرا إقامة الخلافة في الأرض على أساس هدى الله.

لقد استخلف الله بني آدم في الأرض ابتلاء لهم، ليجزي من قام بحق هذا الاستخلاف ما يستحقه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، وينزل بمن عاد على هذا الاستخلاف بالنقض عقابه الشديد، كما قال تعالى:((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم)) [الأنعام: ٌ165]

والمراد بالخلافة هنا: استغلال خيرات السماوات والأرض التي سخرها الله تعالى لخلقه، في جلب المصالح لكل مخلوق من إنسان وغيره، ودفع المفاسد كذلك عن كل مخلوق من إنسان وغيره، وعمارة الأرض ماديا بما أودع الله فيها من النعم العظيمة، ومعنويا باتباع منهجه وهداه الذي أنزله على رسله لدعوة الناس إلى صراطه المستقيم.

فمن استغل تلك الخيرات وذلك التسخير وعمر بهما الأرض، وقام بطاعة واتبع هداه، فقد حقق هذه الغاية وقام بالخلافة على هدى من الله، وعاش في دنياه عيشة رضا وسعادة واطمئنان، ونال في آخرته ثواب ربه الجزيل في جنات عدن التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

قال تعالى:((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)) [الأعراف: 96]

وقال تعالى:((قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى))[طه: 123]

وقال تعالى: ((قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [البقرة: 38]

وبين تعالى أن من أهم واجبات استخلافه للإنسان في الأرض إقامة من مكنه الله فيها دينه تعالى في الأرض، وهو شامل للقيام بحق الله وحق عباده، فقال تعالى: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)) [الحج: 41]

  ومن واجبات الخلافة في الأرض: عدل الحكام بين الناس، بأن يحكموا بينهم بالحق، ولا يتبعوا أهواءهم التي تضلهم عن سبيل الله.

كما قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)) [النساء: 58]

و قال تعالى:((يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب))[ص: 26]

وقال تعالى:((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا))[النساء: 58]

ومن استغل تلك الخيرات معرضا عن هدى الله خارجا عن طاعته، نال من دنياه ما كتب الله له، وعاش في الأرض عيشة ضنك ونكد، ونال في الآخرة عقابه في نار جهنم على ما قدم جزاء وفاقا.

قال تعالى:((هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَارًا)) [فاطر: 39]

و قال تعالى:((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى(126)وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)) [طه: 127]

وقال تعالى:((أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ)) [الأنعام: 6]

فمن أحق بالسباق إلى العقول-إذًا-أهل الحق أم أهل الباطل؟ 

تلك هي غايات أهل الحق من سباقهم إلى العقول:

1-تبليغ رسالات الله إلى الناس.

2-إقامة الحجة على الخلق.

3-إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

4-تحقيق توحيد الله في الأرض.

5-غرس الإيمان بالغيب في النفوس.

6-تحكيم شرع الله في حياة الناس.

7-تثبيت الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين.

8-غرس الأخلاق الفاضلة ومطاردة الأخلاق الفاسدة.

9-الاعتزاز بالله واتخاذ وسائل العزة.

10-إقامة الخلافة في الأرض على أساس هدى الله.

وبتحقيق هذه الغايات يتحقق المقصد العام من التشريع الإسلامي كله، وهو "حفظ  نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه" [انظر كتاب: مقاصد الشريعة لفضيلة العلامة الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور ص 63]

 هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فيتحقق لمن استجاب للحق واتبع هدى الله الذي تتحقق به هذه الغايات، رضا الله تعالى وثوابه الجزيل: الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

 

 

وسائل أهل الحق في السباق إلى العقول .

تمهيد:

إن كل غاية يراد الوصول إلى تحقيقها، لا بد لها من وسائل يُتَوصَّل بها إلى ذلك التحقيق، وهذه الوسائل منها ما هو سلمي، ومنها ما هو عسكري حربي، وأقصد بالوسائل السلمية هنا، كل ما يمكن إبلاغ الحق به إلى العقول مما هو مشروع بدون قتال، من بيان الحق بالدعوة والتزكية والتعليم، ويشمل ذلك وسائل نذكر ما تيسر منها إجمالا، ثم نشرع في تفصيلها:

الوسيلة الأولى: التربية الأسرية

الوسيلة الثانية: تلاوة كتاب الله على الخلق

الوسيلة الثالثة: الموعظة الحسنة

الوسيلة الرابعة: الجدال بالتي هي أحسن

الوسيلة الخامسة: التعليم

الوسيلة السادسة: العناية باللغة العربية

الوسيلة السابعة: القدوة الحسنة

الوسيلة الثامنة: الفطرة

الوسيلة التاسعة: المساجد

الوسيلة العاشرة: الإعلام

الوسيلة الحادية عشرة: المؤتمرات والندوات

الوسيلة الثانية عشرة: النوادي

الوسيلة الثالثة عشرة: الرحلات والمخيمات

الوسيلة الربعة عشرة: العلاقات الدبلوماسية

الوسيلة الخامسة عشرة: المال

الوسيلة السادسة عشرة: المواقع

الوسيلة السابعة عشرة. الجهاد العسكري.

 

الوسيلة الأولى: التربية الأسرية:

إن أولى وسائل السباق إلى العقول بالحق أو بالباطل، هي الأسرة: الأبوان والأقارب الذين يحيطون بالأطفال ويتربى هؤلاء الأطفال في وسطهم، من إخوة لهم كبار، أو أعمام أو عمات، أو أخوال أو خالات، أو أجداد أو جدات…

وإن الأم لهي المفتاح الأول لهذا السباق، إذ هي التي تلازم الطفل في جميع أطوار حياته، منذ خروجه من رحمها صارخا، إلى أن يبلغ رشده متواضعا أو متكبرا شامخا. تلازمه ليلا ونهارا، صحيحا ذا فرح أو سقيما ذا ترح، ضاحكا ساعيا، أو مقعدا باكيا.

يفتح عينيه على حركاتها وسكناتها، وهي هادئة وقورة، أو طائشة مسعورة، ويصغي بأذنيه لصوتها، ناطقة بالقول النافع، أو صارخة بالسب اللاذع.

وطفلها يراقبها-كما يراقب غيرها-منذ الصغر، خازنا في جعبته كل ما تأتي وتذر، ينبت لحمه من حليب ذرعها، وتنبت أخلاقه من حميد أو ذميم خلقها.

فإن تحلت بالصدق نشأ صريحا صادقا، وإن أكثرت من الكذب، أصبح كاذبا منافقا.

ولهذا شرع الله للرجل الصالح الحرص على المرأة الصالحة، فقال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك.) [الحديث في الصحيحين؟؟]

 

الوسيلة الثانية. تلاوة كتاب الحق على الخلق.

من أهم الوسائل التي يجب على أهل الحق أن يسابقوا بها إلى العقول، تلاوة كتاب الحق على الخلق، وبيان معانيه لهم، حتى يفهم مراد الله تعالى منهم في أمره ونهيه، وبهذه الوسيلة يتحقق إدراك مراد الله من عباده وتقوم حجته عليهم.

وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث في هذه الأمة هذا الرسول الكريم ليتلو عليهم آيات كتابه العظيم، كما قال تعالى: ((ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة)) [البقرة: 129].

وقد استجاب الله تعالى دعوة إبراهيم، فحقق بعثه هذا الرسول في هذه الأمة يتلو عليهم آيات الله، كما قال تعالى: ((هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته)) [الجمعة: 2].

وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتلاوة كتابه-وأمره له أمر لعلماء أمته بعده-فقال تعالى: ((اتل ما أوحي إليك من الكتاب؟؟)) وقال تعالى: ((واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك)) [العنكبوت: 45].

وبين تعالى أن الأمم التي تكفر بالرسل في الدنيا، تعترف يوم القيامة بأن أولئك الرسل الذين بعثهم الله إليهم، قد أقاموا عليهم الحجة وبلغوهم رسالات الله بتلاوتهم آيات الله عليهم، كما قال تعالى: ((وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين))[الزمر: 71].

وليس المقصود من التلاوة مجرد قراءة القرآن على الناس دون أن يفهموا معانيه، فالتلاوة وحدها تكون كافية إذا كان المتلو عليه يفقه معاني المتلو، أما إذا كان لا يفهم ذلك، كأن يكون جاهلا من العرب، أو أعجميا لا يفهم اللغة العربية، فلا بد مع تلاوة القرآن عليه من بيان معنى ما يتلى عليه، كل بما يناسبه من اللغة العربية أو بالترجمة إلى لغته، وبدون ذلك لا تقوم الحجة، لأن التكليف مناطه العقول التي وصل إليها ما عقلته، وذلك لا يكون إلا بالبيان، كما قال تعالى: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون))[النحل: 44].

ويجب أن يشمل بيان العلماء للناس كل المصالح المعتبرة في شرع الله، وكل المفاسد التي اعتبرها الشرع مفاسد، بلا فرق بين ما تعلق منها بالجانب الإيماني أو الجانب العبادي أو الجانب الفكري، أو الجانب التشريعي، أو الجانب السياسي، أو الجانب الاقتصادي والمالي، أو الجانب الاجتماعي، أو الجانب التعليمي، أو الجانب الإعلامي، أو غير ذلك مما يمس حياتهم، لأن الإسلام شامل لكل ذلك، فلا بد أن يكون البيان شاملا لما يشمله الإسلام[سيأتي مزيد بيان لهذا في موضعه إن شاء الله.]

 

الوسيلة الثالثة. الموعظة.

وهي أمر زائد على التلاوة-وإن كان القرآن يشتمل عليها-والبيان، لأن كثيرا من الناس يعلم الحق ولا يتبعه، أو يعلمه ويتهاون به أو ببعضه، فيحتاج إلى تذكيره بالموعظة التي تلفت نظره وترقق قلبه، وتهز عقله للتفكير في مصلحته العاجلة والآجلة، وفيما يلحقه من ضرر عاجلا أو آجلا، إن هو لم يعمل بما علم، كما قال تعالى: ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)) [النحل: 125]

والموعظة تشمل الترغيب فيما عند الله من سعادة ونعيم وراحة قلب ورغد عيش في الدنيا، والترهيب مما عنده من عقاب ونكال وشقاء وقلق وتعاسة في الدنيا كذلك، كما تشمل بيان رضاه عن أهل طاعته وإثابتهم في جناته في اليوم الآخر، وبيان سخطه على أهل معصيته وجزائه لهم في نار جهنم في اليوم الآخر كذلك، والتذكير بالموت وبالقبر وما فيه من نعيم أو عذاب.

ولا بد أن تكون الموعظة ذات عاطفة قوية جياشة، وأن تكون بليغة تجعل من يراد إبلاغ الحق إلى عقله يتفاعل معها ويفكر بعقله في الحق الذي كانت وسيلة له، أما إذا كانت الموعظة باهتة غير محركة للعاطفة، أو كان الأسلوب الذي تؤدى به ركيكا غير بليغ ولا مؤثر، فإنها قد تحدث عكس المقصود منها، وقد تؤثر في قليل من الناس ولا تؤثر في كثير منهم، ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعظ المنافقين وعظا مؤثرا يبلغ مداه في نفوسهم، لأن الموعظة البليغة إذا لم تؤثر في المخاطب تأثير استجابة وقبول، تؤثر فيه تأثير خوف وانهزام نفسي، يجعله جبانا أمام الحق الذي طرقت الموعظة البليغة به سمعه وعقله، قال تعالى: ((أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا)) [النساء: 63]

 

الوسيلة الرابعة. الجدال بالتي هي أحسن.

وهو مناظرة أهلِ الحق أهلَ الباطل، ومخاصمتهم بالحجج والبراهين التي تقيم عليهم الحجة وتظهر الحق وتزيل الشبهة، وتجعل عقول أهل الباطل مضطرة للتسليم أو الانقطاع عن الجدال، لنصرة باطلهم الذي دحضه برهان الحق فجعله زاهقا.

وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجادل أهل الكتاب بالحسنى، فقال تعالى: ((وجادلهم بالتي هي أحسن)) [النحل: 125]

وكان الجدال الذي تقام به الحجة على الناس لإخضاع عقولهم للحق، من وسائل الأنبياء وأساليبهم في دعوتهم قومهم إلى الحق الذي بعثهم الله تعالى به إليهم.

وكان نبي الله نوح عليه السلام وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كلهم في زمانه، كثيرَ المحاجة والمجادلة لقومه طول مدة رسالته التي استغرقت ألف سنة إلا خمسين عاما، حتى إن قومه الذين أصروا على التمسك بالباطل ونبذ الحق الذي جاءهم به، برموا من جداله وحججه، وطلبوا منه أن يأتيهم بما كان يتوعدهم به من عذاب الله، بدلا من الجدال والمحاجة بالبراهين، كما قال تعالى عنهم: ((قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)) [هود: 32].

فلو كان قوم نوح عندهم مقدرة على الاستمرار في جداله عليه السلام بما يمكن أن يسمى حجة أو برهانا، لما اضطروا إلى مواجهته بهذا الأسلوب الدال على أن صدورهم قد ضاقت بجداله ومحاجته.

 

أنموذجان لجدال إبراهيم قومَه:

وكذلك جاء أبو الأنبياء الثاني إبراهيم عليه السلام ودعا قومه إلى الحق، وكانت وسيلة الجدال والمناظرة بالحجج والبراهين، من أهم الوسائل التي اتخذها لإبلاغ الحق إلى عقول قومه، فجادلهم حتى أفحمهم، واضطرهم إلى الاستسلام لبراهينه التي لم تقدر عقولهم على إنكارها، فلجئوا إلى القوة والتهديد بها، كما هي عادة الطغاة الذين لا سلاح لهم غير القوة أمام دوامغ الحق العظيمة.

ولا بأسس أن نذكر نموذجين من جدال إبراهيم لقومه، لما لهما من الدلالة الواضحة في هذا الأمر.

 

الأنموذج الأول : يتعلق بمعبودات قومه السماوية.

من الشمس والقمر والكواكب والنجوم، فقد جادلهم مجادلة أقام بها الحجة عليهم، وبين لهم بالبرهان أنها لا تستحق العبادة، وأن الذي يستحق العبادة وحده هو خالقها.

وقد أثنى الله تعالى على إبراهيم في تلك المناظرة، وامتن عليه  بأنه هو الذي وفقه لها حتى غلب الحقُّ الذي جاء به الباطلَ الذي عند قومه.

قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75)فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ(76)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يا قوم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(79)وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفلا تَتَذَكَّرُونَ(80)وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ولا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)) [الأنعام: 83 والصواب أن إبراهيم عليه السلام اتخذ هذا الأسلوب لإقامة الحجة على قومه، وليس كما يرى بعضهم أنه كان يبحث عن الحق قبل رسالته والآيات كلها تدل على هذا المعنى الذي هو الصواب، ففي أولها قوله تعالى: ((وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض)) وفي وسطها: ((وحاجه قومه..)) وفي آخرها: ((وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم..))].

 

الأنموذج الثاني. يتعلق بمعبود اتهم الأرضية.

وهي الأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم ويعبدونها من دون الله، وقد كانت حججه قولية وفعلية، وهي واضحة في سياق الآيات الآتية:(( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ(52)قَالُوا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ(53)قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(54)قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ(55)قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السماوات وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ(56)وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ(57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ(58)قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ(59)قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ(60)قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ(61)قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يا إبراهيم(62)قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ(63)فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ(64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ(65)قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ(66)أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفلا تَعْقِلُونَ(67)قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ(68)قُلْنَا يا نار كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69)وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ)) [الأنبياء: 51-70]

فعلى أهل الحق الذين يسابقون بحقهم إلى عقول الناس أن يستعدوا لجدال أهل الباطل المعاندين بالحجج والبراهين، ليحققوا بذلك الهدف من الجدال، وهو السيطرة البرهانية على عقول الناس حتى يقبلوا الحق أو يهزموا أمام الحجة والبرهان، فتضطر عقولهم إلى الخضوع والاستسلام، وإن كابروا وعاندوا، وبذلك يظهر لأتباع أهل الباطل بطلان ما هم عليه كما يظهر لهم الحق ببراهينه فتقوم بذلك الحجة وتتضح المحجة.

 

الوسيلة الخامسة. التعليم.

وهذه الوسيلة هي أكثر الوسائل تأثيرا وثباتا ورسوخا في السباق إلى العقول، لأنها تقوم على أسس مدروسة ومناهج هادفة، ومواد مختارة، وكتب معدة، ومعلمين مدربين، ولأن وقت التعليم طويل يبدأ في سن مبكرة ويستمر إلى الممات عند كثير من المتعلمين، والسبق بأي مبدأ إلى عقول الناشئين يملك عقولهم و يأسرها أسرا، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم-كما في حديث أبي هريرة-: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه ((فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)) الآيَةَ.[الحديث في صحيح البخاري برقم:  1270] وذلك إنما يكون بالتعليم الدراسي والأسري. فإذا راعى أهل الحق أسس التعليم وأحكموها، كان التعليم من أنجح وسائل السباق إلى العقول بالحق وتثبيته في تلك العقول: عقول الأفراد والأسر والحكام والمربين في كل الأجيال.

أسس التعليم الناجحة في السباق إلى العقول.

الأساس الأول: وضوح الغايات.

أي غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول، وهي:

1-تبليغ رسالات الله إلى الناس.

2-إقامة الحجة على الخلق.

3-إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

4-تحقيق توحيد الله في الأرض.

5-غرس الإيمان بالغيب في النفوس.

6-تحكيم شرع الله في حياة الناس.

7-غرس الأخلاق الفاضلة ومطاردة الأخلاق الفاسدة.

8-إقامة الخلافة في الأرض على أساس هدى الله.

9-الاعتزاز بالله واتخاذ وسائل العزة.

وقد سبق الكلام عنها، وهي-وإن كانت مطلوبة التحقيق من كل الوسائل-تتحقق بوسيلة التعليم وتثبت وترسخ أكثر من غيرها من الوسائل الأخرى.

 

الأساس الثاني: وضع مناهج للتعليم تتحقق بها تلك الغايات.

بحيث تشمل المناهج كل ما تحتاج إليه الأمة في حياتها، على أساس دينها الذي تضمنه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يحقق لها السيادة التي ترضي ربها في الأرض.

 

ما تجب مراعاته في وضع المناهج.

ويجب أن يراعى في وضع المناهج الأمور الآتية:

الأمر الأول: السبر الشامل لكل ما تحتاج إليه الأمة من العلوم.

وهي كل العلوم التي تمكنها من النهوض والتقدم واعتلاء مقعد القيادة الربانية للبشرية، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بالخليفة: ((إني جاعل في الأرض خليفة)) سواء كانت تلك العلوم من فروض العين، وهي التي تتعلق بجميع المكلفين ولا يكفي أن يقوم بها أحد عن آخر، كأركان الإسلام وأركان الإيمان، أو فروض الكفاية وهي التي تسقط عن بقية الأمة، إذا قامت بها طائفة كافية عددا وسدَّ حاجة، كالعلوم السياسية، والقضائية، والاقتصادية، والهندسية والطبية، والصناعية، والحِرفية، والفلكية، والعسكرية، وغيرها.

ثم يوضع لكل علم منهجه الخاص به من قبل ذوي الكفاءة فيه والاختصاص، ويخصص له من الزمن ما يكفيه.

الأمر الثاني: أن يراعى في وضع المناهج ما يتناسب مع العصر.

ويشمل ذلك جميع المواد والمفردات المطلوب دراستها، بحيث يكون الدارس على وعي وخبرة بما يتعلق بالعلم الذي يدرسه في واقع الحياة، مع المقارنة والموازنة والترجيح بالحجة والبرهان، ولا تكون دراسته دراسة نظرية تلقينية تقليدية جامدة، تجعله إذا خالط الناس واصطدم بما عندهم من أفكار ونظريات ومبادئ، كأنه بدوي دعي لحضور مؤتمر تتصارع فيه نظريات الفلاسفة والسياسيين والاقتصاديين، مع أن بعض تلك النظريات تتعلق بتخصصه.

وسأضرب بعض الأمثلة لتوضيح هذا المعنى:

المثال الأول: وجد في هذا العصر إلحادٌ مادي قوي ينكر وجود الخالق-فضلا عن استحقاقه العبادة واتباع رسله وتحكيم شرعه-قامت على أساس هذا الإلحاد دول ووضعت له فلسفات ومناهج تعليم وإعلام، واتخذت لنشره والدعوة إليه وسائل تبدأ بالإعلام وتنتهي بالسلاح، وخدعت به عقول واستجابت له حكومات.

والجديد في هذا الإلحاد هو انتشاره وقيام دول على أساسه، وقد كان في الأزمان الماضية مغمورا لا يوجد إلا لدى أفراد أو جماعات قليلة، لا وزن لها بين الناس.

وكان إقرار الأمم بالخالق دليلَ الرسل على قومهم المقرين به، بأن الخالق الذي أقرت به تلك الأمم هو وحده الإله المعبود الذي يستحق العبادة.

ولهذا لم تكن الرسل في حاجة إلى أن يَنْصَبُوا في دعوة أممهم إلى الإقرار بوجود خالق لهذا الكون، لأن ذلك من تحصيل حاصل ومن تبديد الجهد في غير مكانه.

كما قال تعالى: ((قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل فأنى تسحرون)) [المؤمنون: 84-89].

والله الخالق العليم عالم الغيب والشهادة، قد أودع في كتابه من الحجج والبراهين الدالة على وجوده وأنه رب كل شئ ومالكه، ما لا يدع لمنكره منفذا يفر من براهينه وحججه، سواء قل المنكرون أو كثروا، وحججه وبراهينه منتزعة من آياته الكونية ومخلوقاته، فالكتاب المقروء يَنْصِب للجاحدين الكتابَ المفتوح وهو الكون كله، كما قال تعالى: ((أم خُلقوا من غير شئ أم هم الخالقون، أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون))[الطور: 35-36]

وقال تعالى: ((أ مَّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون، أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون، أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون، أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين))[النمل: 60-64].

ومع هذا كله-أي مع كون وجود الخالق الذي كانت الأمم تعترف به، وكانت الرسل تستدل بهذا الاعتراف على وجوب عبادته وحده وعدم الإشراك به، ومع وجود كثرة الحجج والبراهين في الكتاب المقروء والكتاب المفتوح، على وجوده وأنه خالق هذا الكون، ومع بسط علماء المسلمين في القديم والحديث الكلام عن هذا المعنى، ومع وجود دول إلحادية في هذا العصر قامت على إنكار هذا الأصل الذي كان بالأمس مُقَرًّا به لدى عامة أمم الكفر، وأصبح الآن محل إنكار-مع هذا كله وجد من ينتسب إلى العلم ويزعم أنه لا داعي لإدخال هذا الأصل الذي سماه علماء الإسلام "توحيد الربوبية" في مباحث العقيدة لإبرازه والدعوة إليه، لأنه هو الدليل على توحيد الألوهية فهو بد هي، والرسل لم تكن تدعو أممها إليه!!!

أيعقل هذا الكلام؟! إذا أنكر مراض القلوب وضعاف النفوس ما كان في الأصل دليلا، أفلا ندعوهم إلى الإقرار بهذا الدليل الذي أقرت به الأمم وتظاهرت عليه آيات الكون ومخلوقاته كلها؟! وإذا أصبح الدليل مُنكَرًا ولم نقم الحجج على منكريه ونجعل عقولهم تقربه، فهل هذه مزية لنا؟ وهل نعد متبعين حقا للرسل الذين كانوا يستدلون بهذا الأصل على وحدانية الله وعبادته بلا شريك معه؟!

ألم يكن نبي الله موسى عليه السلام يعلم أن فرعون كان-في الواقع-مستيقنا بأن الله هو خالق السماوات والأرض، وأن الآيات التي جاء بها موسى كانت حقا، وأن إنكاره وجحده ما كان إلا مكابرة منه؟! كما قال تعالى: ((فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين)) [النمل: 13-14].

ومع ذلك فإن موسى عليه السلام أقام الحجة على فرعون عندما ادعى الربوبية وسخر من دعوة موسى إلى الإيمان بربه، فقال كما ذكر الله تعالى عنه: ((قال فرعون وما رب العالمين)) فأجابه موسى بقوله. ((رب السماوات والأرض إن كنتم موقنين))[الشعراء: 23-24].

لقد خلت مناهج بعض المعاهد والجامعات والمدارس الإسلامية، في هذا العصر الذي ظهر فيه هذا الإلحاد، واستفحل وانتشر عن طريق التعليم والإعلام والسياسة والاقتصاد وعلوم النفس وعلوم الاجتماع، وعن طريق الغزو المسلح والإكراه على إنكار وجود الله، خلت تلك المناهج من بحوث يتسلح بها الطلاب ودعاة الإسلام، في إقامة الحجج والبراهين، على تفاهة هذا الإلحاد وإزالة ما علق بعقول عدد كبير من الناس، ومنهم بعض ذرا ري المسلمين، ووقف كثير ممن تخرجوا في تلك المؤسسات الإسلامية عاجزين عن رد شبهات إلحادية كثيرة بثها الملحدون في مناهج التعليم وكتبه في بعض البلدان الإسلامية، إلا من اجتهد من أولئك المتخرجين اجتهادا ذاتيا فدرس بعض المؤلفات وقرأ بعض البحوث التي ألفها بعض الغيورين من دعاة الإسلام، أو لازم بعض هؤلاء الدعاة واستفاد منهم، فإنهم انطلقوا بحجج وبراهين مثل الصواريخ تدمر كل شئ أتت عليه من مبادئ وأفكار وشبهات أولئك الملاحدة.

ومع ذلك فقد اجتهد بعض دعاة الإسلام، فوضعوا في مناهج بعض المدارس بحوثا وكتبا مزودة بأدلة علمية وحجج وبراهين قوية في هذا المعنى، استأصلوا بها شجرة الإلحاد من بلادهم وقد كادت تمد جذورها فيها، وكان ذلك تحصينا لطلابها وسلاحا يهاجمون به أساطين الإلحاد في عقر دارهم [كان ذلك في اليمن، حيث ألف الشيخ عبد المجيد الزنداني كتب التوحيد الستة التي قررت على طلاب المتوسط والثانوي فقضى الله بها على الإلحاد في اليمن وأصبح الطلاب اليمنيون الذين ابتعثوا إلى البلدان الشيوعية يوجهون أسئلة إلى المشرفين عليهم من الملحدين تفحمهم كما ذكر ذلك الزنداني في بعض كتبه.].

المثال الثاني: أن أعداء الإسلام قد بلغوا شأوا عظيما في هذا العصر من القوة المادية والصناعية، وأصبح عندهم من السلاح ما أخافهم هم أنفسهم من أن يتفجر بينهم في صراعاتهم على زعامة العالم، وما يُطِيش عقولهم في أن يتقاتلوا بذلك السلاح ويدمروا به أنفسهم وبلدانهم وما بنوه من حضارة مادية في مدة طويلة من الزمن.

وهم متفقون جميعا على أن عدوهم الحقيقي هو الإسلام الذي يخشون أن يولد من أبنائه من يُعلِي الله به رايتَه في الأرض، فينطلق الإسلام انطلاقة لا قبل لهم بإعاقته، ولا قدرة لكل السدود التي وضعوها ولا زالوا يضعونها في طريقه، على صده ومنعه عن الانسياب في الأرض، سابقا بعقيدته وأخلاقه ومعاملاته الشاملة، إلى عقول الناس التي لو وصل إليها صحيحا غير مشوه، لأسرعت إلى قبوله ورفضت كل العقائد والمبادئ والأنظمة التي تخالفه والتي شقيت البشرية بها في الأرض، وبخاصة أنه مهيأ ليحل محل تلك المبادئ والأنظمة التي جربت كلها ففشلت، والعالم يترقب ما ينقذه مما حل به من دمار.

وأعداء الإسلام يعلمون أن هذا الدين دين عقيدة صحيحة وأخلاق فاضلة وأنظمة سامية، يدعو إلى العلم الشامل علم الدنيا وعلم الآخرة، وأنه دين المساواة والعدل والحرية والصدق، ويعلمون بأن حضارتهم المادية مبنية على عقائد فاسدة، وتحلل اجتماعي، وأنظمة اقتصادية مدمرة، وأنظمة سياسية لا قدرة لها على الوقوف طويلا أمام سياسة الإسلام، إذا طبقت في الأرض، ديدنهم العدوان على الضعيف وظلمه وهم يزعمون أنهم دعاة سلام وعدل، فإذا طبق الإسلام في الأرض ظهرت عيوب مدنيتهم وانكشف زيف ما يلصقونه بالإسلام من مثالب زورا وبهتانا، ولذلك فهم يخافون من الإسلام خوفا شديدا، ويحيكون للأمة الإسلامية كل المؤامرات، ويعدون العدة لاختلاق الذرائع لشن غاراتهم العسكرية المباشرة على أي دولة إسلامية يخشون من تطبيقها الشريعة الإسلامية تطبيقا صادقا، وليس مجرد دعوى، أو يخشون من امتلاكها قوة عسكرية واقتصادية-وإن كانت علمانية-خشية من أن ترث تلك القوة قيادة مسلمة تعلي بها كلمة الله!.

ولهذا دمر اليهود المفاعل النووي في العراق، وأغْرَتْ الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا نظام البعث العراقي بغزو الكويت، من أجل القضاء على ما يملك من قوة، وقد فعلوا ولا زالوا يفعلون، ويهددون جمهورية باكستان الإسلامية ويحيكون لها المؤامرات لتدمير ما تملك من قوة نووية، ولا يعترضون على قوة الهند الوثنية النووية، ويواصلون دعمهم لليهود ولامتلاكهم مزيدا من القوة النووية، ولا يطيقون أن تملك أي دولة من الدول الإسلامية قوة متميزة ولو كانت غير نووية، كل ذلك من أجل أن يضمنوا تفوقهم العسكري في كل لحظة، على جميع الدول في البلدان الإسلامية، ويريدون لجميع الدول في الشرق الإسلامي أن تكون ضعيفة في سلاحها وجيشها واقتصادها، ما عدا الدولة اليهودية التي احتلت أرض المسلمين في فلسطين، فإنهم يدعمونها بكل وسائل القوة، ليسطروا على بلاد المسلمين واقتصادهم سيطرة كاملة، وليضطروهم إلى عدم التفكير في إقامة دين الله في الأرض بتطبيق شريعته.

ومع وضوح هذا العداء السافر ضد الإسلام والمسلمين، من الدول النصرانية والدولة اليهودية وغيرهم من أعداء الإسلام، فإن مناهج المدارس والمعاهد والجامعات في أغلب البلدان الإسلامية، قد أهملت فقه الجهاد في سبيل الله الذي يوجب على الأمة الإسلامية أن تعد العدة اللازمة لإرهاب أعداء الله، حتى لا يعتدوا على هذه الأمة، وحتى تحطم الأمة الإسلامية كل الطواغيت الذين يصدون الناس عن الدخول في دين الله.

وكذلك أغفلت تلك المناهج في أغلب البلدان الإسلامية قاعدة الولاء والبراء التي أبدى فيها القرآن الكريم وأعاد، موضحا أعداء الأمة الإسلامية من اليهود والنصارى والوثنيين ومكايدهم التي لا يكفون عنها إلى يوم القيامة، بل إن بعض الحكومات في بعض البلدان الإسلامية أمرت بحذف ما كتب من آيات في بعض المقررات الدراسية مما يتعلق باليهود والنصارى حتى لا يتنبه التلاميذ لهذه القاعدة من فهمهم لتلك الآيات، وقد نبه على ذلك بعض كتاب المسلمين في بعض الصحف العلمانية، بعنوان. [فتنة في الأرض وفساد كبير. الأهرام، القاهرية14/10/1413هـ-6/4/1993م ص9، راجع الملف الصحفي الذي تصدره تهامة عدد 362 ص 39 بتاريخ 1/11/1413هـ.]

المثال الثالث. إذا تأمل المتابع لحركة التدبير العالمي وجدها تعتمد على ثلاثة أسس جوهرية، وهي: السياسة والاقتصاد والقوة العسكرية بكل فروعها.

وقد أنشئت لكل واحد من هذه الأسس معاهد وكليات ومؤسسات ومراكز بحث ومراكز تدريب، وخصصت لها ميزانيات هائلة في بلدان العالم الغربي بالذات، وكذلك في بلدان العالم الثالث-كما يطلق عليه هذه التسمية الغربيون احتقارا له وتثبيطا من التفكير في النهوض-ومنه دول العالم الإسلامي، وكلها تعتمد على المنهج العلماني إلا ما ندر في بعض البلدان الإسلامية، ولهذا سيطرت النظريات السياسية والاقتصادية العلمانية على العالم بدعم من القوة العسكرية، وترى المثقفين ورجال الإدارة والحكم في العالم الإسلامي قد فتنوا بتلك النظريات ورأوا فيها مثالا يحتذى وقدوة تتبع-سواء طبقوا ما فتنوا به أو خالفوه بحسب أهوائهم ومصالحهم، ولم يلتفتوا إلى ما في مصادر دينهم من قواعد السياسة والاقتصاد، بل وقر في أذهانهم أن الدين الإسلامي كغيره من الأديان المحرفة صلة بين العبد وربه، ولا دخل له في حياة البشر الإدارية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، ولم يخرج عن هذه القاعدة التي سار عليها المثقفون من أبناء الأمة الإسلامية إلا من هيأ الله له السبيل، فتربى تربية إسلامية على أيدي علماء الدعوة الإسلامية، ودرس كتبهم ورجع إلى مصادر العلوم الإسلامية فتفقه في دين الله وتيقن أن الإسلام منهج كامل لحياة البشر.

ومع ذلك لا تجد في العالم الإسلامي كله كلية واحدة للاقتصاد الإسلامي، ولا كلية واحدة للسياسة الشرعية، بل لا تجد في كليات الاقتصاد والعلوم السياسية والإدارية، مقارنة جادة بين النظريات الاقتصادية والنظريات السياسية، وبين السياسة الشرعية والاقتصاد الإسلامي، بل مما يؤسف له أن المعاهد والجامعات الإسلامية لم تعط هذين العلمين المهمين في الإسلام-السياسة والاقتصاد-ما يستحقانه من العناية والاهتمام، وإن كانت بعض الجامعات قد أنشأت ما يسمى بقسم السياسة الشرعية، فإن الدراسة فيها دراسة جامدة تعتمد على مذكرات ونصوص جزئية لا تمت إلى حياة البشرية المعاصرة بصلة قوية.

وكان الأجدى بالجامعات الإسلامية أن تنشئ كليات للسياسة الشرعية والاقتصاد الإسلامي، وأن توجد أساتذة مؤهلين يجمعون بين الفقه الإسلامي من مصادره في هذين المجالين، وبين النظريات السياسية والاقتصادية المشهورة في العالم اليوم، وأن تدرس موادها بتوسع ليتخرج فيها ذوو كفاءات مؤهلون لإدارة البلدان الإسلامية سياسيا واقتصاديا، وليظهر للعالم ما في هذا الدين من مزايا يُحَل بها كثير من المشكلات العويصة، ويقضى بها على أزمات مستعصية، وأن وسطية هذا الدين في السياسة والاقتصاد جديرة بالدراسة والمقارنة والتطبيق الذي سيقضي على مفاسد الديمقراطية مع اشتماله على ما قد يكون فيها من محاسن، كما سيقضي على الدكتاتورية والاستبداد مع اشتماله على ما قد يكون فيهما من ضبط وعدم تسيب، وسيقضي على مفاسد الرأسمالية الربوية مع اشتماله على ما قد يكون فيها من حرية فردية محكومة، وعلى مفاسد الاشتراكية مع اشتماله على ما قد يكون فيها من حفظ حق الجماعة بدون اعتداء على حقوق الأفراد.

فهل ننتظر من الجامعات الإسلامية اهتماما ما بذلك؟!

 

سبب التخصيص.

إن تخصيص الجامعات الإسلامية في هذا السياق، إنما هو من باب مسايرة الواقع الذي فُرِض على الأمة الإسلامية فرضا، بسبب العلمنة التي سيطرت على الحكومات في الشعوب الإسلامية، بعد الجهل الذي خيم على المسلمين والاستعمار الذي كرس جهوده في زيادة جهلهم بدينهم، وبعد التمزق الذي أصاب الأمة الإسلامية في أعقاب سقوط ما كان يربطهم، وهو آخر رمز للخلافة الإسلامية-في دولة بني عثمان-حيث تم الفصل بين الدين والدولة، وتم بناء على ذلك الفصل بين ما سمي بالجامعات المدنية والجامعات الدينية. وأصبح طلاب الجامعات المدنية التي خلت في الغالب من الدارسات الإسلامية هم قادة الشعوب الإسلامية [12] والمدبرين لشؤونها السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها، لأن مناهج جامعاتهم أعدت لتؤهلهم لذلك.

أما طلاب الجامعات الدينية، فقد وضعت لهم مناهج قصد منها حصر نشاطهم في المساجد-أئمة وخطباء ومؤذنين-مقيدا بما يأذن لهم من تربع على كراسي الحكم من طلاب الجامعات المدنية، وفي تدريس المواد الدينية حسب المنهج الذي تضعه الزمرة الحاكمة، ولا زال هذا الفصل مستمرا إلى الآن.

وكان الجفاء والنفرة على أشدهما بين أساتذة الجامعات المدنية وطلابها، وبين أساتذة الجامعات الإسلامية وطلابها، حتى أصبحوا-وهم إخوة في بلد إسلامي واحد-كأن بعضهم أجنبي عن الآخر.

ولكن بحمد الله وتوفيقه ثم بفضل جهود دعاة الإسلام في نشر المعاني الإسلامية والدعوة إلى الرجوع إلى هذا الدين والتفقه فيه وحمله، أن أقبل طلاب الجامعات المدنية إلى هذا الدين وتمسكوا به حتى فاق كثير منهم في الالتزام به بعضَ طلاب الجامعات الإسلامية، حتى ضاقت بذلك صدور العلمانيين في البلدان الإسلامية، وأساتذتهم في بلدان الغرب ذرعا بهذه الظاهرة، وأصبحوا يحاربون هذا الصنف من الملتزمين أكثر من حربهم للملتزمين بالإسلام من طلاب الجامعات الإسلامية، حتى الطلاب الذين درسوا في الجامعات الغربية معقل العلمانية، رجع كثير منهم وهم يحملون الدعوة إلى الإسلام مع تخصصاتهم المسماة بالمدنية والعسكرية، فكان فيهم شبه بتربية موسى في قصر فرعون، وعلى أهلها تدور الدوائر!

هذا هو سبب تخصيص الجامعات الإسلامية، وإلا فالأصل أن تكون الجامعات في البلدان الإسلامية كلها جامعات إسلامية، بدون حاجة أن توصف بأنها إسلامية، على أن تضم الجامعة الواحدة جميع الكليات والأقسام التخصصية، فتكون في الجامعة كليات الطب والهندسة والجغرافيا والسياسة والاقتصاد والشريعة واللغة وغيرها، وتكون الدارسات الإسلامية مقررة في كل الكليات بالقدر المناسب، مع ما فيها من تخصصات، حتى يكون المتخرجون منها كلهم ذوي كفاءات ومؤهلات متخصصة، مع معرفة القدر الكافي من العلوم الإسلامية، وبذلك يقضى على الازدواجية الموجودة الآن في البلدان الإسلامية.

 

أقسام العلم في الشريعة الإسلامية.

إن العلم في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما هو فرض عين على كل مسلم. 

وهو ما لا يسع أحدا من المسلمين جهلُه، لتعلقه بعينه وعدم سقوطه عنه-ما دام قادرا عليه-بفعل غيره، وذلك مثل العلم بالقدر الضروري من أصول الإيمان، والعلم الضروري بأصول الإسلام، وكل ما هو فرض على الأعيان، فإن الواجب على كل مسلم أن يعلم ما وجب عليه عينا بحسب ما هو مطلوب منه شرعا.

القسم الثاني. ما هو فرض كفاية من علوم الشريعة. 

وهو ما لا يجب على أحد بعينه من المسلمين، وإنما يجب على الأمة أن يوجد فيها من يقوم به قياما كافيا، فإذا قام به واحد منها وكان كافيا للأمة سقط عن باقي الأمة، وإن لم يكف الواحد وجب أن يوجد العدد الكافي للأمة بحسب حاجتها، وذلك مثل الفتوى والقضاء والسياسة الشرعية والمواريث والمعاملات والعقوبات-الحدود والقصاص والتعزير-وغير ذلك من علوم الشريعة الإسلامية، فيجب أن يوجد القضاة الذين تحتاج إليهم الأمة مهما كان عددهم، وهكذا المُفْتُون، وفقهاء السياسة الشرعية وخبراء الجهاد والاقتصاد الإسلامي وغيرهم.

هذان القسمان-كما هو واضح-من علوم الشريعة التي تستفاد من القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الوحي الذي جاء به، من عند الله يشملهما، ويدخل في ذلك ما أخذ منهما بطرق الاستنباط والاستدلال المعروفة عند العلماء، وما دلا عليه من مقاصد الشريعة الإسلامية.

 

القسم الثالث: ما يتعلق بمصالح الدنيا.[13]

مما يرشد إليه الوحي أو العقل أو التجربة أو اللغة، وهي العلوم التي يحتاج إليها المسلمون وغيرهم، وإذا خلا منها بلد تعرض أهله للهلاك أو الانحطاط والتأخر والضعف.

مثل علم الطب والرياضيات والهندسة بأنواعها، وكذلك المهن الأخرى كالصناعة والزراعة والخياطة والحياكة والخبازة وغيرها، فهذه العلوم والمهن من فروض الكفاية.

وفرض الكفاية بقسميه. الشرعي والعادي تأثم الأمة كلها إذا لم يوجد من يقوم به قياما كافيا.

وكلاهما-فرض العين وفرض الكفاية بقسميه-يثاب فاعله-إذا قصد به وجه الله-ويعاقب تاركه القادر عليه. وكلها تدخل تحت الأحكام التكليفية الخمسة، وهي: الواجب والمندوب والمباح والمحرم والمكروه.

وبهذا يعلم أن المسلم مكلف شرعا بجميع العلوم: الشرعي منها والعادي، إلا أن منها ما يكون فرض عين ومنها ما يكون فرض كفاية [14].

وهذا يدل على ارتباط شؤون الدنيا بشؤون الدين، وأن الفصل بينهما فصلا يعزل الدين عن توجيه الأمة في حياتها الدينية والدنيوية، منكر في الإسلام لا يجوز إقراره، وهو الذي دمر حياة المسلمين في هذا العصر، حيث صار لشؤون الدنيا سلطة زمنية مستقلة، ولشؤون الدين زعامات تقيدها سلطة الشؤون المدنية بما تهوى، ولو ألغي بذلك تطبيق الإسلام، اتباعا لما سار عليه العلمانيون في الغرب من إقصاء الدين النصراني الكنسي المحرف عن التدخل في الشؤون الدنيوية، مع أن  الفرق الكبير بين الدين الكنسي الذي تَحَكَّم في حياة الناس باسم الله، فأحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله بدون إذن من الله، وليس فيه منهج صالح لحياة البشر الشاملة، بخلاف الإسلام الذي لم يدع شاردة ولا واردة في حياة البشر إلا شرع لها فيه ما يحقق لهم مصالحهم ويدفع عنهم المفاسد، إما بالنصوص الصريحة والظاهرة، وإما بالاستنباط والقياس، وإما بما وضعه من مقاصد يندرج تحتها ما لا يحصى من المسائل.

فالأصل-إذا-أن يكون التعليم ومناهجه ومدارسه وجامعاته على أساس الإسلام، وأن يكون العلماء الذين يتخرجون من تلك المدارس والجامعات كلهم متعاونين-مع تنوع تخصصاتهم-على إقامة دين الله في الأرض، يحكمهم جميعا شرع الله ويسيرون جميعا على نهج الإسلام.

ويظهر من ذلك أن الأوضاع الموجودة الآن في مؤسسات التعليم ومناهجه ونتائجه، التي أوجدت فئة علماء دين هم المسؤولون عن الشؤون الدينية في حدود ما يأذن لهم به الحكام، وفئة يدعون بالمثقفين الذين مكنتهم تخصصاتهم من قيادة الأمة غير متقيدين بشرع الله-إن هذه الأوضاع تعتبر شاذة يجب السعي لإزالتها وإعادة الأمور إلى أصلها كما هو واضح فيما ذكرنا.

ولست بهذا أرى منع جامعات أو كليات أو معاهد متخصصة في بعض العلوم قائمة بنفسها مستقلة عن غيرها، ولا أوجب أن تكون كل الكليات الشرعية وما تسمى بالمدنية في جامعة واحدة، وإن كنت أحبذ ذلك للقضاء على الوضع الراهن الشاذ، وإنما أردت بهذا أن لا توجد جامعات يقال لها مدنية، وأخرى يقال لها دينية، وتكون تلك غير مقيد طلابها بالإسلام في وظائفهم، وهذه غير مأذون لطلابها بالاشتراك في قيادة الأمة وإدارة شؤونها على أساس منهج الله، بل يجب أن يكون الجميع سائرين على هذا النهج الواجب شرعا، بل إن العلماء الذين تخصصوا في علم الشريعة هم الذين يحكمون على التصرفات والنظم، ما هو مشروع وما هو غير مشروع على ضوء فقههم في الدين وتصورهم لما يحكمون عليه.

وقد نص على ذلك العلماء، حتى قال الرازي رحمه الله: [والعلماء في الحقيقة هم أمراء الأمراء، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى][15].

وقال ابن العربي رحمه الله: (والصحيح عندي أنهم-يعني أولي الأمر-الأمراء والعلماء جميعا، أما الأمراء فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم، وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق وجوابهم لازم وامتثال فتواهم واجب...) إلى أن قال. (والأمر كله يرجع إلى العلماء لأن الأمر قد أفضى إلى الجهال وتعين عليهم سؤال العلماء..) [16].

وقال ابن القيم رحمه الله: (والتحقيق أن الأمراء يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء...) [17].

ولو أن التعليم في البلدان الإسلامية سار على هذا النهج، لما سبق أهل الباطل بباطلهم إلى عقول أبناء المسلمين، ولكان السبق لعلماء المسلمين بالحق إلى عقول هؤلاء الأبناء.

 

الأمر الثالث: ما يناسب الدارسين في المراحل الدراسية المبكرة.

ويشمل ذلك طلاب الروضة وطلاب المرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة-من الجوانب الإيمانية والعبادية والأخلاقية والآداب والحقوق الأسرية والأخوة الإيمانية وحقوق الجيران، والسيرة النبوية التي تغرس في نفوس الطلاب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، وتعظيم شأن القرآن الكريم وتحبيب الطلاب في حفظه وقراءته، والتمسك به وحب السنة النبوية، وتوقير العلماء واحترامهم ومحبة المسلمين عموما، ومختصرات عن التاريخ الإسلامي وجغرافية البلدان الإسلامية، ونبذة مختصرة عن مقارنة الأديان، يبين فيها الأديان السماوية السابقة على الإسلام وما طرأ عليها من تحريف، والديانات الوثنية ليخلص من ذلك إلى أنه لم يبق دين حق في الأرض محفوظ وسيظل محفوظا إلى يوم القيامة، إلا الإسلام الذي جاء ليكون منهاجا لحياة الناس كلهم، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.

مع دراسة بعض أبواب الفقه، وقواعد اللغة العربية من نحو وصرف، وشئ من المفردات اللغوية، وحفظ بعض النصوص المفيدة من الشعر والنثر، واختيارات من كلام الصحابة رضوان الله عليهم.

كما يهتم بتعليم الكتابة وقواعد الخط ومبادئ الحساب والهندسة ونحوها، وكل مرحلة من المراحل الثلاث، يوضع لها ما يناسبها مراعاة لسن الطالب مع الاهتمام بوسائل الإيضاح وجعل الدارس-مع حفظ ما لا بد من حفظه-يفكر ويشغل عقله في فهم ما يمكنه فهمه ولا يعتمد على التلقي فحسب.

إن هذه المراحل-من الروضة إلى المتوسطة-هي مراحل تأسيس لصياغة المسلم الذي يؤمن بدينه إيمانا صادقا مبنيا على حجة وبرهان، وليس على مجرد تقليد، والذي يفقه دينه فقها يصحح به تقربه إلى الله بالعبادة، ويجعل علاقته بالناس علاقة شرعية، تجعله يؤدي إليهم حقوقهم دون نقص، ويأخذ منهم حقوقه دون إجحاف، و يكون لبنة صالحة في الأمة يبني معها الحياة ويتعاون معها على البر والتقوى ولا يكون عالة عليها.

لذلك يجب مراعاة هذه المعاني في هذه المرحلة المبكرة من عمر الإنسان في مناهج التعليم، لما في ذلك من الإعداد والتحصين لعقول ذرا رينا حتى لا يسبقنا إليها أهل الباطل بباطلهم.

فإذا تجاوزوا هذه المرحلة إلى المرحلة الثانوية، أمكن بعد ذلك التوسع في العلوم الأخرى لإعداد الطالب للتخصصات التي يميل إليها في المرحلة الجامعية، وما فوقها.

 

الأمر الرابع: مراعاة الفوارق بين الذكور والإناث.

بعد مراعاة فروض العين وفروض الكفاية، والإعداد لما قد يتهيأ له المسلم من تخصصات.

فالمرأة يجب أن تهيأ في الأصل لشؤون المنزل وتدبيره، وتربية الأولاد الأسرية، التي هي أساس لتربية المدرسة والمجتمع، والمجالات التي تنتظر قيام المرأة بالواجبات المناسبة لها، لا تحصى كثرة، وهي لو صرفت كل أوقاتها فيها لكانت جديرة بها، كتهيئة المنزل وترتيبه وإعداد الغذاء، والتنظيف، وإرضاع الأطفال، والعناية بتغذيتهم ونظافتهم وتوجيههم التوجيه الإسلامي المبكر المناسب لأعمارهم، والعناية بالمريض وإسعافاته الأولية التي تقتضي تدربها على وسائل التمريض والإسعاف، والعناية بالمسنين من أقربائها كالأب والأم والجدة ونحوهم، وتعليم بناتها ما يحتجن إلى تعلمه من شؤون المنزل وتربية الأولاد وغيرها مما ذكر.

إن المرأة المسلمة هي المحضن الأول لتربية الطفل تربية إسلامية، وهي أول السباقين بالحق إلى عقل أبنائها وبناتها، ولو أن النساء المسلمات كلهن عنين بتربية أبنائهن وبناتهن تربية إسلامية سليمة في كل منزل، لكان جيل الأمة الإسلامية في كل عصر على هدى من ربه، فقد يكون في المنزل الواحد عشرون ابنا وبنتا أو أكثر أو أقل، فإذا تربى الولد الأكبر تربية سليمة، كان قدوة لمن بعده وخف العبء وأصبحت الأسرة كلها مسلمة بإذن الله.

وإن ما يعانيه المسلمون اليوم من تفلت كثير من الشباب وبعدهم عن التمسك بالإسلام، من أهم أسبابه عدم قيام الأسرة في المنزل وبخاصة الأم بهذا الواجب العظيم، إما جهلا به، وإما تكاسلا، وإما اشتغالا بغيره مما ليس بأولى منه، ولذلك يسبق إلى عقل الطفل بالتدريج الباطلُ، إما عن طريق أهله بالقدوة السيئة والتربية الفاسدة، وإما عن طريق الخادمات الأجنبيات غير المسلمات، أو المسلمات الجاهلات اللاتي هن في حاجة إلى التربة الإسلامية والتوجيه.

هذا هو الأصل الذي ينبغي أن تعد له المرأة.

وهذه المعاني، مع منهاج الحياة الزوجية وحقوق كل من الزوجين وواجباته، وحقوق الأولاد والآباء والأقارب والجيران، وفقه أحكام النساء هي التي ينبغي العناية بها في تعليم الفتاة ومنهاج دراستها.

ثم ينظر بعد ذلك في العلوم التي تحتاج الأمة إليها للنساء خاصة، بحيث تنشأ لهن مدارس ومعاهد وكليات، وتوضع لها مناهج تشتمل على مواد تلك العلوم التي تتخصص فيها النساء للقيام بتدريسها لبنات جنسها، أو بالوظائف التي يحتاج إلى أن تقوم المرأة بها، ولا مانع من مشاركتها في العمل في خارج منزلها في تعليم وخدمة نساء الأمة، إذا استغني عنها بيتها بغيرها من نساء أهل المنزل، كأن تكون غير متزوجة أو لا أولاد لها، والحاجة تدعو إلى مشاركتها في خارج المنزل، في تدريس الفتيات وإدارة مدرستهن، من روضة أطفال إلى الكليات، أو طبيبة في أمراض النساء في عيادة خاصة بهن أو مستشفى خاص بالنساء، ولا يدخله الرجال أطباء أو عاملين إلا عند الضرورة في حدودها، وما أحوج المسلمين إلى أمثال هذا المستشفى في كل مدينة وبلد ليستقل النساء فيه عن مخالطة الرجال! ولاسيما المخالطة  مع الخلوة، ويمكن أن تتولى المرأة إدارته وجميع أعماله، كما هو الحال في مدارس البنات وكلياتهن في المملكة العربية السعودية، بل كما هو الحال في مستشفى....

وهكذا العمل في خدمات اجتماعية أخرى خاصة بالنساء وأعمال مالية خاصة بهن، كالمصارف التي يحتاج إليها النساء المسلمات في كثير من الأحيان، بسبب عدم وجود أولياء أمور لهن، فيضطررن إلى الذهاب إلى البنوك والانتظار هناك ومخالطة الرجال.

إنه لا يوجد مانع شرعي من خروج المرأة من منزلها للحاجة الخاصة بها أو حاجة المجتمع إليها، ولكن ينبغي الأخذ بالأسباب المانعة من الفتنة ما دامت ممكنة، أما عند الضرورة أو الحاجة القريبة منها، فإن المرأة تقوم بالأعمال لمساعدة الرجال كمداواة جرحاهم أو نقل موتاهم في وقت الحروب، وكذلك تختلط بالرجال في العبادات التي لا يمكنها الاستقلال فيها عنهم، كالطواف والسعي وغيرهما من أعمال الحج، إلا أنه يجب والحالة هذه الإكثار من تقوى الله ومراقبته-وإن كان ذلك مطلوبا في كل الأوقات-من الرجال والنساء معا، اتقاء لما قد يحصل من فتنة المخالطة، كل هذه المعاني ينبغي مراعاتها في مناهج التعليم.

وليس من الحكمة جعل المنهج للرجال والنساء سواء، مع وجود الفوارق بينهم في مجالات العمل، وفي قوة التحمل وضعفه، وفي الخروج من المنزل وعدمه أو قلته، وفي المشي في مناكب الأرض والأسفار وغيرها.

ويجب التنبيه هنا إلى ما يحصل من بعض الغيورين من منع النساء من حضور المساجد لسماع الخطب والمواعظ والاستفادة من العلماء في أمور دينهن، هو تشدد في غيره محله. وقد كان النساء يحضرن صلوات الجماعة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في أوقات معينة يعظهن فيها ويعلمهن، وغاية ما نصح به الرسول صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء هو الورع والبعد عن الفتنة فقال-كما روى عنه أبو هريرة-: [خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا.] [18]

ولا زال النساء يحضرن المساجد ويسمعن المواعظ في كل المساجد الكبيرة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي وغيرهما، وإذا احتاجت المرأة إلى السؤال عن أمر من أمور دينها فلها أن تسأل العالم، بل إذا احتاج الرجل أن يسأل المرأة التي عندها علم يحتاج إليه فله أن يسألها، كل ذلك في حدود الحاجة والأدب الإسلامي لا مانع منه، فلا تفريط ولا إفراط.

 

الأساس الثالث. وضع الكتب المناسبة للمراحل الدراسية.

ويجب أن يتحقق بتلك الكتب أهداف التعليم المذكورة آنفا، بدء بالكتب المعدة للأطفال، وانتهاء بالمراحل الجامعية-الكليات وما فوقها-وتشمل كل العلوم والتخصصات.

ويراعى في إعداد هذه الكتب الأمور الآتية.

الأمر الأول: أن يختار لتأليفها متخصصون في كل علم مؤهلون لذلك قادرون على صياغتها، بأساليب تناسب العصر.

وينبغي تجنب العبارات المعقدة والمصطلحات الصعبة، وبخاصة في المراحل الأولى، مع التقيد باللغة العربية الفصحى، وأن يكون المؤلفون من الصالحين الملتزمين بالإسلام قولا وعملا، ليجتمع في المادة التي يتولون الكتابة فيها العلم الموثق والعاطفة الإيمانية الجياشة المؤثرة.

الأمر الثاني: أن يجمع في المادة المكتوبة بين القواعد والنصوص التي يجب حفظها وفهمها بالشرح والإيضاح، وبين الحوار والأسئلة التي تدرب الطالب على التفكير والاستنباط والاستنتاج والتطبيق.

ولا ينبغي أن يكون الطالب نسخة مكررة للكتاب الذي يحفظه، وهذا الأسلوب يمكن اتباعه في كل المراحل مع مراعاة السن، فالمقصود من التعليم إيجاد عقول تفكر وتبدع وليس مجرد ببغاوات تتلقى وتقلد.

الأمر الثالث: استعمال وسائل الإيضاح المعاصرة التي تمكن الطالب في جميع المراحل-وبخاصة المراحل المبكرة-من فهم المواد الدراسية، لا فرق بين الدينية منها وغير الدينية.

ومن أمثلة وسائل الإيضاح في المواد الدينية ما يأتي:

المثال الأول: توضيح معنى توحيد الربوبية للطفل في المرحلة الابتدائية:

ينبغي أن يكون في الفصل الدراسي شريط(فيديو) يشتمل على صور للكواكب من شمس وقمر ونجوم، وللأرض من جبال وغابات وأنهار وبحار وسحب ورمال… تعرض كلها عندما يقال للطفل: والدليل على توحيد الربوبية: خلق السماوات والأرض والشمس والقمر… ليتصور الطفل هذه الأدلة تصورا واضحا، فإنه لا يتصور ذلك بمجرد الحفظ والتلقين كما هو معروف.

المثال الثاني: توضيح معنى صفة الوضوء، وصفة الصلاة.

ينبغي كذلك أن يوجد شريط(فيديو) في الفصل الدراسي مشتمل على تينك الصفتين، بحيث يتصور الطفل صفة الوضوء وصفة الصلاة تصورا واضحا، ويطلب من بعض الأطفال تطبيق ذلك عمليا أمام زملائهم. وهكذا بقية العلوم.

كما ينبغي أن تكون طريقة المدرس في الشرح والإيضاح طريقة الحوار والسؤال والجواب، وليست طريقة الإلقاء والإملاء باستمرار، لما في الطريقة الأولى من إشراك الطالب وتفاعله مع المدرس والمادة والكتاب، وما في الطريقة الثانية من غفلته وشروده وعدم استيعابه وتصوره للمعاني التي لا يدرك غالبها.

وهكذا ينبغي أن يراعى في تأليف الكتب وإخراجها، ليقضى بذلك على الشكوى المتكررة من عدم فهم الطلاب، بل من الملل الذي يصيبهم في أوقات التدريس، ومن الرغبة في الخروج من المدارس…

الأمر الرابع: أن تكون الصبغة الإسلامية شاملة للكتب الدراسية كلها.

يستوي في ذلك ما يتعلق بالعبادة أو بغيرها، كالمعاملات والحدود والقصاص، وما يتعلق بعلوم الإنسان الأخرى، كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الاقتصاد.

ولا يجوز أن تكون –العلوم الإنسانية-نقلا محضا لأفكار الغربيين ونظرياتهم، وهذا لا يمنع من المقارنة وإيضاح ما بها من أخطاء وإبراز تفوق الإسلام عليها، فإن الكتاب والسنة إنما جاءا لإصلاح النفس البشرية والجماعات والأسر والأفراد والدول، فلا بد أن يكون الكتاب والسنة وما استنبطه منهما علماء الإسلام ومقاصد الشريعة الإسلامية، هي مصدر هذه العلوم ومرجعها، ولا يوجد باب من الأبواب التي يحتاج إليها الإنسان لإصلاح نفسه وعمارة الأرض والقيام بالخلافة فيها، إلا وقد اشتمل عليه الكتاب والسنة وفصله علماء المسلمين قديما وحديثا، في كتب التفسير، وشروح الحديث، وكتب الإيمان "العقائد" والأخلاق، وأصول العلوم، مثل. أصول التفسير وأصول الحديث وأصول الفقه، و الفقه، وغيرها من العلوم... [19].

ولا يمنع ذلك اطلاع علماء المسلمين على الأفكار والنظريات ة في تلك العلوم، ووزنها بميزان الإسلام، وبيان ما فيها من زيف للطلاب، حتى لا تغزو عقولهم وهي خالية غير محصنة فتتمكن منها، لتقديمها في أساليب مزخرفة.

ولا يقتصر هذا الأمر-وهو صبغة الكتب بالصبغة الإسلامية-على ما يسمى بالعلوم الإنسانية فحسب، بل إن العلوم الكونية كالجغرافيا والجيولوجيا وعلم الفلك وعلم الطب ونحوها، ينبغي أن تربط بالإسلام من حيث إن الله تعالى هو خالق هذا الكون وهذا الإنسان، وهو الذي سخر للإنسان ما في السماوات والأرض، ومنحه العقل الذي يتفكر ويتدبر ويستنتج ويزن ويقارن، والأدوات التي بها يستغل خيرات الأرض وبركات السماء، وكلما زاد الإنسان علما بما في الكون زاد إيمانه بالله خالق الكون وشكره له، وكثر تواضعه وأدبه مع ربه وقدره حق قدره، ولا يكون كمن صال وجال في استغلال هذا الكون وما فيه من طاقات ناسيا ربه بل مغرورا بنفسه مدعيا أنه قهر الطبيعة قائلا: {إنما أوتيته على علم عندي}.

وكذلك يجب أن تتضمن الكتب الدراسية توجيه الأجيال إلى السبيل المشروع في استغلال ثمرات العلوم المدروسة، بأن تستعمل في إسعاد البشر وأمنهم واستقرارهم، وليس في ظلمهم وتخويفهم واغتصاب حقوقهم، كما يفعل أعداء الإسلام اليوم، فالمسلم قائد عادل رحيم كريم حازم، لا يستغل ثمرات العلوم إلا فيما هو طاعة لله وإحسان إلى خلقه، وإذا ما قاوم الطغاة الجبابرة وجا هدهم وطاردهم في الأرض، فإنما يفعل ذلك رحمة بالأمم التي يظلمها هؤلاء الطغاة، ويحولون بينها وبين التمتع بالسعادة التي منّ الله بها عليهم، من حفظ الضرورات التي لا حياة لهم بدونها وحفظ مكملاتها.

الأمر الرابع: أن يجتهد مؤلفو الكتب الدراسية في معرفة قواعد العلوم وأسرارها.

وأعني بذلك العلوم الكونية كالرياضيات ونحوها، ويجب أن يجتهدوا كذلك في إيصال تلك القواعد والأسرار إلى عقول الطلاب، حتى لا تكون حكرا على غير المسلمين من أهل الغرب، هم يصنعون ونحن الذين نستهلك فقط، فإن ذلك يجعل الأمة الإسلامية خاضعة لغيرها مستعبدة مقلدة غير مبدعة، كما هو الحال الآن، إذ يأخذ أعداؤهم خيراتهم من أنواع المعادن والمواد الخام بأرخص الإثمان ويصنعونها، ثم يبيعون الرديء من مصنوعاتها لهم بأعلى الأسعار، وبخاصة السلاح الذي تتعطل حركة أي شعب مسلم في وقت شدة الحاجة إليه في أوقات الأزمات العسكرية إذا منعت عنها الدول الغربية قطع الغيار.

الأمر الخامس: أن يهتم العلماء المسلمون بترجمة الكتب العلمية المفيدة التي يكتبها الغربيون في العلوم الكونية أو الإدارية.

إن الواجب على المسلمين أن يستفيدوا من التجارب البشرية التي يحتاجون إليها، ما دامت لا تخالف شيئا من دين الله.

والتجارب البشرية ليست ملكا لأحد، فما من جيل يَخلُف إلا بنى نشاطه على تجارب أجيال تُخلَف. وقد اجتهد سلفنا في ترجمة كثير من الكتب العلمية التي ألفها اليونانيون وغيرهم واستفادوا منها وزادوا عليها وطبقوا نظرياتها في تجارب واقعة، وهي التي كانت مصدرا لحضارة الغرب الحالية باعترافهم، فلم لا نقتدي بسلفنا-فيما نحن في حاجة إليه ولا يخالف ديننا-ونسترد بضاعتنا؟!

 

الأساس الرابع. إعداد المدرسين والأساتذة المتخصصين.

ويجب إعداد المدرسين والأساتذة المتخصصين وتدريبهم، تدريبا يجعلهم قادرين على القيام بوظائفهم، قياما يخرج أجيالا ذات كفاءات عالية في كل علم من العلوم التي تحتاج إليها الأمة الإسلامية، وإذا أمكن القيام بهذا التدريب في بلدانهم فبها، وإلا اختير منهم المتفوقون دينا وخلقا وعلما ورغبة وقدرة على الاستيعاب، لما يتدربون عليه ثم إفادة أوطانهم إذا رجعوا إليها، فيندبون إلى البلدان التي يتوافر فيها التدريب المطلوب.

ويدخل في هذا إعداد أجهزة إدارية وإشرافية قادرة على إدارة المؤسسات التعليمية، تعين المدرسين والطلاب بتوفير كل ما يحتاجون إليه في أعمال التعليم، ليتفرغ المدرس والطالب لوظيفة التعليم والتعلم، حتى تؤتي هذه الوظيفة ثمارها.

الأساس الخامس. ربط التعليم بالتربية الإسلامية.

يجب تزكية الدارسين بالإيمان والتقوى والعمل الصالح الذي يرضي الله، وغرس الأخلاق الفاضلة في نفوسهم وجعلهم يحققون معنى الاستخلاف الشرعي في الأرض.

وبهذين الركنين-التعليم والتزكية-جاء القرآن الكريم، كما قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [20].

فالمقصود من العلم: التربية والتزكية والحكمة، وليس العلم للعلم فقط كما يقال!

 

الوسيلة السادسة: العناية باللغة العربية ونشرها.

اللغة العربية هي لغة القرآن والسنة-أي لغة الإسلام، فالقرآن نزل بهذه اللغة، والسنة وردت بهذه اللغة، والآثار المفسرة للقرآن والسنة، ومصادر الفقه الإسلامي، وتاريخ الإسلام، وكتب الآلة من نحو وصرف وبلاغة ومصطلح وعلم تفسير وغيرها، أساسها اللغة العربية، فلا غرو أن تكون اللغة العربية هي مفتاح علوم الإسلام كلها، فلا يفقه هذا الدين حق الفقه، ولا يعلم مقاصده وأسراره وحكمه وعلله حق العلم، إلا من فقه هذه اللغة.

ولهذا كثر وصف كتاب الله-القرآن الكريم-بكونه عربيا، كما قال تعالى: {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} [21].

وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [22].

وقال تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [23].

وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} [24].

وقال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [25].

وقال تعالى: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا} [26].

وقال تعالى: {وكذلك أنزلناه حكما عربيا} [27].

وقال تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون} [28].

وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا} [29].

وقال تعالى: {وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا} [30].

 

حكمة وصف القرآن بأنه عربي.

إن هذا التنويه بكون القرآن عربيا، لجدير بالتأمل والنظر ولو وصف الله القرآن الكريم بأنه عربي مرة واحدة فقط لاستحق التأمل والنظر، فكيف وقد كرر تعالى وصفه بذلك في أساليب متعددة؟!.

ولو أن مخلوقا عاقلا وصف شيئا ما بوصف مرة واحدة، لكان لوصفه بذلك اعتبار عند القارئ والسامع فكيف إذا وصفه بذلك مرات؟!

وكيف إذا كان هذا الوصف صادرا عن الله في كتابه، فما حكمة وصف القرآن الكريم بأنه عربي؟

هل المقصود من ذلك بيان إعجاز القرآن الذي نزل بلغة العرب، وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا؟

نعم إن ذلك لمقصود، ولكن هذا التحدي يكون أكمل عندما يتعلم غير العربي اللغة العربية ويصبح لسانه عربيا، يفهم القرآن الكريم بلغته التي نزل بها ويتذوق أساليبها وبلاغتها ويتعمق في فهم معانيها، ويطلع على أسرار القرآن وحكمه بها، فيتبين له معنى كون هذا القرآن معجزا حقا.

وهل المقصود بذلك نفى أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم هذا القرآن من بعض من كان عندهم علم من الكتب السماوية السابقة، كما زعم ذلك بعض أعداء الإسلام؟

نعم، إن ذلك لمقصود وقد صرح الله بذلك في قوله. {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي  مبين} [31]. ولكن هذا المعنى المقصود جزء مما يحمله هذا الوصف وليس كل معناه.

وهل المقصود أن هذا القرآن الذي نزل باللغة العربية، مع أنه نزل لهداية جميع البشر، شرف لك أيها الرسول ولقومك العرب وبخاصة قريشا؟!

نعم إن ذلك أيضا لمقصود، كما قال تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون} [32].

ولكنه ليس ذلك كل المقصود.

بل هناك مقاصد أخرى من أهمها ما يأتي.

المقصد الأول: أن الدين الإسلامي إنما جاء باللغة العربية.

لقد جاء هذا الدين-أي دين الإسلام-عن طريق القرآن الكريم والسنة النبوية، وكلاهما باللغة العربية ويتوقف فهمه السليم الكامل على فهم اللغة التي حملته إلى الناس، وهي اللغة العربية، ولا يمكن أن يَنقُل للناس معاني دين الإسلام نقلا صحيحا ويبينها بيانا شافيا، إلا مَن كان عنده دراية تامة باللغة العربية، بقواعدها وبلاغتها واشتقاقها وغريبها وحقيقتها ومجا زها وأساليبها، لأنها لسان هذا الدين ولسان كتابه ولسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولسان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وهذا لسان عربيٌ مبين}. وقد كلف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بيانَ هذا الدين للناس، وقد فعل ذلك، وبيانه كان بلغته التي نزل بها القرآن قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [33].

وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [34].

وقد كلف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي آمنت به واتبعته، تبليغَ هذا الدين، وفي طليعة أمته أصحابه الكرام رضي الله عنهم، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [35].

وقد قاموا بنشر هذا الدين وبيانه للناس بلسان عربي مبين.

 وترجمة معاني القرآن الكريم لمن لا يفهم اللغة العربية، لا سبيل إليها إلا لمن يجيد اللغة العربية واللغة المترجم إليها، فاللغة العربية هي أساس البيان لهذا الدين الذي نزل بها.

المقصد الثاني: أن من أهم وسائل نشر الإسلام اللغة العربية.

إن علماء الإسلام مأمورون باتخاذ كل وسيلة مشروعة لنشر هذا الدين وإبلاغ معانيه إلى الناس، ومن أهم وسائل نشره تعليم الناس اللغة العربية التي يتمكن مَنْ تعلمها من فهم هذا الدين فهما صحيحا سريعا.

المقصد الثالث: أن كثيرا من العبادات يجب أداؤها باللغة العربية.

مثل قراءة الفاتحة في الصلاة، وأذكار الصلاة كتكبيرة الإحرام وأذكار الركوع والسجود والتشهد، ونحوها من فروض العين التي يجب على المسلم أداؤها باللغة العربية ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليتقرب بها إلى الله تعالى.

المقصد الرابع: لا بد من وجود علماء يفقهون الإسلام باللغة الغربية.

إنه لا بد من وجود علماء يجيدون اللغة العربية، إجادة تجعلهم قادرين على فهم معاني القرآن والسنة وكتب العلم التي يحتاج إليها المسلمون، ليكونوا مرجعا لأهل كل بلد يعلمون الناس معاني القرآن الكريم والسيرة النبوية وغيرها، فإن وجود علماء باللغة العربية تحصل بهم الكفاية في ذلك وغيره، هو فرض كفاية يأثم كل قادر من الأمة على عدم إيجادهم، ويأثم القادرون على تعلم اللغة العربية للقيام بهذا الفرض إذا لم يتعلموها.

المقصد الخامس لا بد من وجود قادرين على ترجمة معاني الإسلام.

وهذا المقصد لا يحصل إلا بوجود علماء يجيدون اللغة العربية ويجيدون لغة البلد الذي يريدون دعوة أهله إلى الإسلام، ليترجموا لأهله معاني القرآن الكريم والسنة النبوية، وما يجب إبلاغه إلى الناس من أحكام هذا الدين، لأن علماء الإسلام مأمورون بالبلاغ المبين الذي أصبح من واجبهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس من السهولة بمكان أن يتعلم كل الناس اللغة العربية.

 

ترجمة معاني الإسلام إلى اللغات الأخرى.

هذا وليعلم أن تبليغ الناس معاني الإسلام وأحكامه بالترجمة إلى لغات أخرى غير اللغة العربية، أمر تقتضيه الضرورة، إذ أنه مهما أوتي المترجم من إتقان للغة العربية واللغات الأخرى التي يترجم بها معاني الإسلام، لا يمكنه أن يستوعب ما تحويه اللغة العربية من معان إلى اللغات الأخرى، ولذلك يجب على المسلمين أن يهتموا بتعليم اللغة العربية ونشرها بكافة الوسائل المتاحة، كالمدارس والمعاهد والجامعات والكتب وإعداد المعلمين وتدريبهم، والمنح الدراسية في البلدان العربية لغير العرب، وكذلك استغلال أجهزة الإعلام كالمذياع والتلفاز والفيديو والكاسيت وغيرها، لتعليم الناس-وبخاصة المسلمين-لغة القرآن ليصلوا إلى فهم هذا الدين فهما مباشرا بلغته التي جاء بها.

وإني أشبه من يجيد اللغة العربية ويفهم دينه من القرآن والسنة وكتب العلم بها مباشرة، برجل اشتد عطشه فرأى عينا جارية تنبع من صخرة في قمة جبل وهو في أسفله، فشمر صاعدا حتى وصل إلى نبع الماء واستقى منه عذبا زلالا صافيا.

وأشبه من وصلت إليه معاني الإسلام بالترجمة، برجل آخر اشتد عطشه، وهو مصاب بالكسل، وقف في أسفل الجبل ينتظر وصول الماء إليه ليشرب منه وهو في مكانه، فوصل إليه الماء وقد مر بالتراب والقاذورات التي كدرته فأخذ يشرب منه وهو بتلك الحالة.

وإن الأمة الإسلامية لجديرة بالاهتمام بلغتها ونشرها بالوسائل المتاحة، لتصل إلى الناس في هذا الكوكب الأرضي، فهي لغة دين لم يعد في الأرض دين حق سواه، وهو الذي حفظ لها هذه اللغة من الضياع، لحفظ الله تعالى هذا الدين بحفظ كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [36].

 

انتشار لغة الأمة من علامات قوتها.

وإن انتشار لغة أي أمة لهو دليل عظمتها وتفوقها، وبلغتها تستطيع أن تسبق بدينها وفكرها وسياستها واقتصادها وسائر علومها، غيرَها من الأمم إلى عقول الناس.

وهذا ما تحقق للأمة الإسلامية أيام مجدها، حيث انتشرت لغة دينها انتشار مساجدها ومعاهدها ودعاتها، ونبغ في اللغة العربية أئمة من غير العرب فملئوا بعلمهم الآفاق من حدود الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا.

وكانت الأمم تتسابق إلى علوم المسلمين في كل مجال من مجالات الحياة، كما نقل المسلمون علوم الأمم الأخرى إلى لغتهم، واستفادوا منها وطبقوها عمليا وزادوا عليها، وعلى أيديهم تعلم الأوربيون أسس حضارتهم التي يفخرون بها اليوم. 

وإن مما يؤسف له أن تنحدر الأمة الإسلامية انحدارا مروعا، في دينها وخلقها وسياستها واقتصادها وأمنها ووحدتها وقوتها العسكرية، مما كان له أثره البالغ على لغتها التي لم تعد لها مكانتها في العالم، بل أصبحت في مؤخرة اللغات، وأصبحت لغات الأجانب من النصارى وغيرهم هي لغات العلم والثقافة والفكر في العالم وأصبح المسلمون-والعرب منهم بصفة خاصة-يفتخرون باللغات الأجنبية ويتكالبون على أفكار أهلها وآدابهم ويتأثرون بهم، فأصبح السبق للأجانب ولغاتهم وأفكارهم إلى عقول أبناء الأمة الإسلامية بدلا من أن تسبق الأمة الإسلامية بلغتها ودينها وفكرها إلى عقول أبناء الأمم الأخرى [37].

وها هي أمم الغرب تنشر لغتها في كل مكان، عن طريق مناهج التعليم والإعلام والبحث العلمي والأدوات المتنوعة والمواصلات والاتصالات، حتى ليكاد المسلم العربي يكون غريبا بلغته في بلاده، يقتني الجهاز الذي يحتاج إليه فلا يستطيع استخدامه لأن الكتب الإرشادية المتعلقة باستخدامه قد أعدت باللغات الأجنبية. وهكذا الدواء والغذاء وغيرها، وهكذا الفنادق والشركات والمستشفيات، بل إن بعض البلدان العربية ما زالت معاملاتها الرسمية باللغة الأجنبية!

وإنما هانت اللغة العربية عند أهلها، لهوان الدين في نفوسهم وضعف فقههم له، ولو كان الدين قويا في نفوسهم مطبقا في حياتهم، لعرفوا للغته حقها وقدروها حق قدرها، وسابقوا غيرهم بدينهم الحق بلغته إلى عقول الناس في الأرض كلها.

إن ترجمة معاني الإسلام من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى لإبلاغ أهل تلك اللغات هذا الدين، هي فريضة كفائية، ولكن أنى لأهل تلك اللغات أن يفهموا حقائق هذا الدين كاملة عن طريق ترجمته وليس عن طريق اللغة العربية مباشرة؟!

ولقد بذل علماء الإسلام من سلفنا الصالح، جهودا مضنية لإبلاغ حقائق الإسلام إلى عقول الناس عربا وعجما، بما وضعوه من قواعد اللغة العربية من نحو وصرف واشتقاق وغيرها، وبما وضعوه من قواعد شرعية تضبط بها مقاصد الشريعة وأحكامها، من أصول الفقه وقواعده، فبينوا النص والظاهر والمجمل والمبين والمقيد والمطلق والخاص والعام، وما وضعوه من مصطلحات في علوم الحديث وعلوم التفسير، فكانوا بذلك أعظم أمة اتخذت وسائل لغوية وشرعية لتسبق بالحق الذي آتاها الله باطلَ الأمم الأخرى إلى عقول الناس.هذا بالإضافة إلى بذل جهودهم في مجالات التعليم والدعوة والجهاد في سبيل الله.

 

الوسيلة السابعة: القدوة الحسنة.

إن من أهم وسائل السباق إلى العقول، القدوة الحسنة التي يراها الناس ويلمسونها في صاحب الحق، بحيث يرون صاحب المبدأ يطبق مبدأه في واقع حياته وتصرفاته، فإذا كان المقام يحتاج منه إلى الكرم أقدم إلى البذل والعطاء، وإذا كان المقام يحتاج منه إلى خلق الشجاعة رآه الناس مقداما غير هياب، وإن اختبروه في صفة الصدق لم يجربوا عليه كذبا، وإن التمسوا عدالته لم يجدوا منه ظلما، وإن أرادوا معرفة تقواه ألفَوه يدع ما لا بأس به خشية من الوقوع فيما به بأس، لشدة تحرجه من الوقوع في المأثم، فضلا عن إتيانه الأوامر الواجبة وتركه المحرمات.

 والخلاصة أنه يتحرك في نشاطه كله بالقرآن والسنة، فإذا رآه الناس مداوما على ذلك مالوا إلى الاقتداء به ولو لم يتكلم، لأن الحق بذاته يدعو الناس إلى ذاته، فكيف إذا رأوه مطبقا في حياة أهله ورأوا ثمار تطبيقه في الحياة؟ ويبدأ المعاند المناوئ للحق يفكر في سيرة صاحب الحق ويتدبر ويقارن بين الحق الذي يراه مطبقا في حياة صاحبه، وبين الباطل الذي يزاوله هو، ويترتب على ذلك أحد أمرين.

الأمر الأول: اتباع الحق والعمل به، ونبذ الباطل.

الأمر الثاني: الإصرار على الباطل، مع تيقنه أنه باطل، وترك الحق مع تيقنه أنه حق، وفائدة ذلك انكسار نفس صاحب الباطل أمام صولة الحق، وإقامة الحجة العملية عليه.

أما إذا كان الداعي إلى الحق لم يلتزم هو نفسه به ولم يطبقه في حياته، فإن الناس ينصرفون عنه ولا يشغلون عقولهم بالتفكير فيما يدعو إليه، لمعرفة كونه حقا فيُتَّبَع أو باطلا فيُجتَنَب.

وهذه هي القدوة السيئة التي تُنَفِّر من المبدأ وإن كان حقا، كما هي عادة غالب الناس، وقد يوجد من يفكر في المبدأ الذي لا يكون الداعي إليه قدوة حسنة في تطبيقه، فيعلم أنه حق ويتبعه، ولكن ذلك ليس من وسائل السباق الناجعة إلى العقول.

لهذا كان للقدوة الحسنة منزلتها في الإسلام. وكان رسل الله وأنبياؤه والداعون إلى هداه، كلهم قدوة حسنة، وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بمن سبقه من إخوانه المرسلين، فقال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [38].

وأرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إلى الاقتداء بنبيه إبراهيم عليه السلام ومن معه، فقال تعالى: {قد كانت لكم حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} [39].

وقال تعالى: {لقد لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [40].

وحث تعالى  هذه الأمة حثا مؤكدا على الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم الذي جمع كل قدوة حسنة سبقه الأنبياء وزاده الله من فضله، فقال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [41].

ولقد كانت الأمة الإسلامية في ماضي عهدها، قدوة حسنة في إيمانها وفي عبادتها ومعاملاتها وسلوكها، وفي عهودها ومواثيقها وفي الأخذ بأسباب القوة والعزة، فكان ذلك سببا في سرعة وصول الحق الذي يحملونه إلى عقول الأمم في مشارق الأرض ومغاربها، فسارع الناس إلى الاقتداء بهم واتباع دينهم، حتى ترك أهل الديانات الأخرى دياناتهم، ووقف رعايا الطغاة ضد طغاتهم إيثارا للحق على الباطل، ونصرةً لأهل الحق على أهل الباطل، فوصل الإسلام إلى لشبونة وفينا وبلغراد وموسكو وبلاد الصين والفلبين وإندونيسيا وإفريقيا، بدون قتال في غالب تلك البلدان، لأن القدوة الحسنة تجعل اتباع الحق سهلا ميسرا لرؤيته مطبقا في واقع الحياة، يطبقه البشر.

وذلك على عكس ما عليه الأمة الإسلامية اليوم، حيث يغلب عليها القدوة السيئة التي جعلت الأمم تنفر منها ومن دينها، وجعلت أعداء الإسلام يستغلون تلك القدوة السيئة، فيبرزونها في مؤتمراتهم وندواتهم ومناهج تعليمهم وإعلامهم وفي كل مناسبة تسنح لهم.

يسمع الناس أن الإسلام يدعو إلى الصدق، ولكنهم يرون في كثير من المسلمين الكذب.

ويسمعون أن الإسلام دين القوة والعزة، ولكنهم لا يرون في المسلمين الا الضعف والذلة.

ويسمعون أن الدين الإسلامي يدعو إلى الجماعة والوحدة وأن الأمة الإسلامية أمة واحدة، ولكنهم يرون المسلمين متفرقين مختلفين، يسب بعضهم بعضا، ويعتدي بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا. ويسمعون أن الإسلام دين الرحمة وأن المسلمين رحماء فيما بينهم، ولكنهم لا يجدون في كثير من المسلمين إلا القسوة والعنف يأكل القوي منهم الضعيف. ويسمعون أن الإسلام دين العدل، ولكنهم يرون الظلم بين المسلمين هو السائد.

ويسمعون أن الإسلام يدعو إلى الشجاعة، ولكنهم يرون المسلمين جبناء تضيع حقوقهم وتغتصب بلادهم من قبل عدوهم القليل فيستسلمون له ويخضعون وهم كثر.

فكان ذلك سببا في نفور الناس عن هذا الدين الذي صار أهله قدوة سيئة فيه.

وأقول-إنصافا للحق-: إنه يوجد في المسلمين من هو قدوة حسنة ولكن ليس على مستوى الأمة.

والقدوة الحسنة عندما تكون على مستوى الأمة، تبرز معاني الإسلام في السياسة والحكم والاقتصاد والسلوك والنواحي الاجتماعية والعسكرية والقوة الصناعية وغيرها.

أما ما يكون على مستوى الأفراد والأسر وبعض الجماعات الصغيرة، فإنه قدوة حسنة، ولكنه محدودة غير بارز للعالم الذي لا يطلع إلا على ما تبرزه وسائل الإعلام وإمكانات الدول.

والذي يراه الناس الآن في المسلمين هو الإسراف في المحرمات ومحاربة أغلب حكوماتهم للإسلام والدعاة إليه، والتأخر في الشؤون الإدارية والاقتصادية، مع كثرة الخيرات في بلدانهم وسعة أراضيهم، كما يرون تقتيل أعدائهم لهم وإخراجهم من ديارهم، وهدم مساجدهم وانتهاك أعراضهم، وهم سادرون في غيهم يرقصون ويغنون ويمثلون ويتعرون، يقضي في أمورهم غيْرُهم، وكأنهم غير موجودين على ظهر الأرض:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم   ولا يستأذنون وهم شهود

فأين هي القدوة الحسنة فيهم، حتى يكونوا من السباقين بالحق إلى العقول، وعقولهم مأوى للباطل؟!

 

الوسيلة الثامنة. الفطرة.

والمراد بالفطرة ما أودعه الله تعالى في الكون علويه وسفليه، وفي الإنسان من الآيات العظيمة التي تنادي العقل نداء برهانيا مستمرا إلى الحق الذي خلق الله به السماوات والأرض وما بينهما، وتدل دلالة واضحة أن ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب حق، كما أن الكون كله حق. فالذي يعترف بوجود المخلوقات وما اشتملت عليه من دقة وتناسق ونواميس، وما سخره الله للإنسان في هذا الكون من رزق، وما منحه الله لهذا الإنسان من عقل يفكر ويدبر ويوازن ويقيس ويغوص في أسرار هذا الكون، وما وهبه لهذا الإنسان من آلات وقدرات على استغلال ما في الكون من خيرات وطاقات واستمتاع بها، إن الذي يعترف بهذا كله-وهو من الفطرة-لا بد أن يعترف أن منهج الله الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، هو حق مثل ما أن ما في الكون حق، وكلاهما من الفطرة.

فوسيلة الفطرة من أعظم الوسائل التي تعين أهل الحق على السباق إلى عقول الناس بالحق، وليس لأهل الباطل وسيلة تقف أمام هذه الوسيلة، بل إن الفطرة صخرة صماء تتحطم عليها وسائل الباطل كلها.

ولهذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام يتخذون وسيلة الفطرة سلما إلى عقول الناس بالحق، فينبهون العقول بآيات الله في الكون والإنسان، كما يتضح ذلك من قصص الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، كما مضى في محاجة إبراهيم لقومه، واستدلاله بتغيير المخلوقات على أنها لا تصلح أن تكون آلهة، بل إنها مخلوقة عابدة للخالق المعبود.

ولنقرأ هذه الآيات التي تجول بالعقول في ملكوت السماوات والأرض، وفي الإنسان، وفي الحيوان، وفي الماء، وفي الشجر والزرع، وفي الليل والنهار، وفي الجبال والبحار والأنهار....

فقد نزه الله تعالى نفسه عن الشرك الذي أصر عليه أعداؤه وأعداء رسله، وهو يخالف  الفطرة، ثم أتبع ذلك بذكر وحيه الذي أنزله للدعوة إلى توحيده، وهو عين الفطرة، ثم أورد شواهد الفطرة وحقائقها الدالة على حقيقة التوحيد ونفي الشرك، وكأن القارئ أو السامع يرى الكون كله، في مظاهرة حاشدة، كلها يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الوحي حق وأن كل ما يخالف ذلك باطل.

قال تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(1)يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ(2)خَلَقَ السماوات وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(3)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ(6)وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(7)وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(9)هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(11)وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(12)وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ(13)وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(14)وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(15)وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(17)وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(18)} [42].

والآيات في هذا المعنى في هذه السورة وفي غيرها كثير.

وميزة هذه الوسيلة-وسيلة الفطرة-وضوحها لكل الناس بفئاتهم المتنوعة: العالم والجاهل، والقارئ والأمي، كل منهم يشعر بهذه الفطرة بحسب موقعه ووعيه وثقافته، وهي تكاد تكون قاهرة للعقول على التسليم للحق، وبخاصة الإيمان بالخالق وإن كابر بعض المكابرين في ذلك.

وتأمل التعقيبات التي تختتم بها الآيات. {لقوم يتفكرون}، {لقوم يعقلون}، {لقوم يذكرون}، {ولعلكم تشكرون}، {لعلكم تهتدون}، {لعلكم تذكرون}.

إنها تحرك العقول وتوقظ الفطر بذاتها وقوله تعالى. {أفمن يخلق كمن لا يخلق} واضح الدلالة على أن وسيلة الفطرة من أعظم الوسائل الدالة على الحق فهي بدهية، فكما أن الخالق حق وتدل كل مخلوقاته عليه، فإن هداه الذي أنزله على رسله حق كذلك .

 

الوسيلة التاسعة: المساجد.

المساجد بأئمتها وخطبائها منطلقات للسبق بالحق  إلى العقول.

إن المساجد من أعظم المنطلقات للسباق إلى العقول، وهي من أقوى الوسائل وأشملها في ذلك، إذا استغلت استغلالا شاملا في كل البلدان الإسلامية، فهي من حيث البناء توجد في كل مدينة وفي كل قرية، بل في كل حي، يتسابق صالحو المسلمين إلى بنائها وتشييدها، وللمساجد حرمتها في نفوس المسلمين، يلتقون فيها لأداء الصلوات الخمس في جماعة، ويصلي بعضهم فيها بعض النوافل كما يصلون فيها التراويح جماعة، وكذلك صلاة العيدين وصلاة الكسوف، وقد يصلون فيها صلاة الاستسقاء، فهي في الأصل محل لأداء العبادات الجماعية، فإذا وجد في كل مسجد إمام كفؤ، يحفظ القرآن الكريم أو كثيرا منه، عنده مقدرة على التأثير في الناس بالخطب والمواعظ، وعنده علم يفيد المتعلم والمستفتي، وعنده اطلاع على قضايا الناس الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أي إنه فقيه بقضايا العصر ومشكلاته، مخلص لله في عمله، محب لقضاء حاجات الناس متودد إليهم مخالط لهم، ساع في جمع كلمتهم وحل مشكلاتهم، فإن هذا الإمام سيكون قطب جماعة المسجد ومحور كافة شؤونهم، يلتفون حوله، ويتعلمون العلم على يديه، ويسارعون إلى سماع خطبه ومحاضراته، ويسألونه عما أشكل عليهم، ويستفتونه في الحلال والحرام، ويلجأ ون إليه للصلح بين المتخاصمين منهم، فهو لهم بمنزلة الأب للأبناء والراعي للرعية.

يقيم لهم حلقات العلم بحسب فئاتهم وحاجاتهم، يعلمهم فروض العين وفروض الكفاية، ويغرس في نفوسهم الإيمان والأخلاق الفاضلة، ويحبب إليهم العمل الصالح، ويتخرج على يديه طلبة العلم الذين يصبحون مثله ينشرون العلم والخير، يكون المسجد به وبهم وبجماعته مثل خلية النحل في تعلم وتعليم، وعبادة وذكر، وسماع أمر بمعروف ونهي عن منكر، وتفسير قرآن وشرح حديث، وفقه أحكام، ورد شبهات، وبالجملة بيان كل ما فيه مصلحة للأمة ودعوة إليه، وتوضيح كل ما فيه ضرر عليها وتنفير منه.

وهنا يكون السبق الحقيقي للحق إلى العقول، والحماية لها من الباطل والطرد له من أن يصل إلى عقول جماعة المسجد وأسرهم التي ستتأثر بعلمهم وسلوكهم.

ولا يلزم أن تكون هذه النشاطات كلها صادرة من إمام واحد وخطيب واحد ومعلم واحد، بل يمكن أن يختار للمسجد الواحد عدد من العلماء والخطباء والأئمة، ليتعاونوا على القيام بهذه المهمات، وقد يكون لكل نشاط واحدٌ أو أكثرُ، كالخطابة والتعليم والإمامة، بحسب كبر المسجد وصغره وكثرة جماعته وقلتهم وكثرة طلبه العلم فيه وقلتهم كذلك.

 

خطب الجمعة ودورها في السبق إلى العقول.

ومن أهم وظائف أئمة المساجد وخطبائها، خطبة الجمعة التي يحضرها المسلمون كلهم-في الغالب-المكلف منهم بالحضور، وهم الكبار، وغير المكلف وهم الصغار والنساء، والحاكم والمحكوم والخادم والمخدوم، وكلهم ينصت لخطبة الجمعة على سبيل العبادة، دون كلام ولا لغط ولا لهو في كل بلدان المسلمين في يوم واحد، ولا توجد خطبة يجب حضورها عينا على جميع المكلفين-إلا من عذر-غير خطبة الجمعة، ومع حضورها يجب الإنصات لها وعدم التشاغل عنها.

وبهذا تعتبر خطب الجمعة فرصة يجب أن يغتنمها الخطباء، فيقدموا للناس فيها ما يفيدهم في دنياهم وأخراهم، وينبغي أن يهتم الخطباء بما يكون الناس في حاجة إلى بيانه في هذه الخطبة، مما يمس حياتهم الحاضرة، سواء تعلق بأمور الإيمان-أصوله وفروعه-أو بالأخلاق-بأي جزئية منها-أو بالشؤون الأسرية والاجتماعية، أو السياسية أو العسكرية أو الإعلامية.

وهذا يقتضي أن يفتش الخطيب عن الأحداث التي تدور في الأسبوع في  الحي، أو في القرية، أو في المدينة، أو في القطر، أو في أي بلد من بلدان المسلمين، أو في العالم الرحب الذي يشمل المسلمين وغيرهم، ثم يختار الموضوع الذي يراه أولى وأكثر التصاقا بحياة الناس، ويعد خطبة الجمعة فيه إعدادا يجعلها مفيدة للمسلمين في مسجده أو في خارجه-إذا أذيعت في المذياع أو في التلفاز أو سجلت في شريط ووزعت.

وبهذا يستطيع خطباء المساجد أن يكونوا أكثر سبقا بالحق إلى عقول الناس-وبخاصة المسلمين-.

وينبغي أن يتم تنسيق بين أئمة مساجد الأحياء والمدن والقرى، في أخذ كل واحد منهم أو طائفة موضوعا من الموضوعات، وإعداد الخطبة أو الخطب فيه، وهكذا حتى تطرق في اليوم الواحد وفي المدينة الواحدة وفي القطر الواحد الموضوعات التي تدعو الحاجة إلى طرقها.

وإذا اقتضى الأمر أن يخصص خطباء المدينة كلهم أو القطر الواحد كله موضوعا واحدا لخطبهم في يوم واحد، لكونه أهم أحداث الساعة فعلوا كذلك، بل لو اقتضى الأمر أن يتفق خطباء المساجد الكبرى في العالم الإسلامي كله، على أن تكون خطب الجمعة كلها في يوم واحد في موضوع واحد، فعلوا ذلك لكون الموضوع يتعلق بقضية عامة يحتاج لبيانها جميع المسلمين.

وقد أصبح هذا الأمر اليوم ممكنا عن طريق وسائل الاتصال السريعة، وبخاصة الهاتف والفاكس، والإنترنت...

ومما يحقق هذا التنسيق تكوين رابطة لأئمة المساجد في المدن والقرى في القطر الواحد، ثم في أقطار المسلمين كلها، بحيث يتم عن طريق هذه الرابطة تدارس أحوال المسلمين وحاجاتهم وما ينبغي اتخاذه في كل شأن من شؤونهم.

إن أئمة المساجد لو فعلوا ذلك كان لهم دور كبير في سبقهم بالحق إلى العقول محليا وعالميا، وكان للمساجد دور عظيم في هذا الشأن.

وهذا كان شأن المساجد وأئمتها وخطبائها في عصور الإسلام المفضلة، ويجب على المسلمين أن يسعوا الإعادة ذلك الشأن لمساجدهم.

 

تفاوت المساجد وأثره في السبق إلى العقول.

وكلما كان المسجد أكثر فضلا واحتراما في نفوس الناس،كان أجدر بأئمة وخطباء وعلماء أكثر كفاءة وقدرة على القيام بواجبهم على مستوى ذلك المسجد، فلا يستوي بيت الله الحرام وغيره من المساجد، ولا المسجد النبوي وغيره من المساجد الأخرى، وهلم جرا... كبيت المقدس ثم الجامع الأزهر، والجامع الأموي، وجامع الزيتونة وجامع القيروان... كما لا تستوي مساجد الأحياء الصغيرة والجامع الكبير في أي مدينة من المدن. ولا يستوي مسجد غالب جماعته مثقفون، وآخر غالب جماعته أميون أو غير مثقفين، فكل مسجد ينبغي أن يوضع فيه الإمام والخطيب والعالم المناسب له.

إن الإمام الكفء قادر على أن يسبق إلى العقول بالحق سبقا يعجز أهل الباطل عن أن يسبقوا بباطلهم إلى عقول جماعة مسجده، مع تفوق وسائلهم وإمكاناتهم التي غالبا ما تكون إمكانات دولة بأكملها، كما هو حال الدول العلمانية.

ذلك أن الإمام الكفء تتفتح لصوته الآذان عبادةً، كما تتدبر ما يقرؤه أو يتكلم به العقول كذلك تعبدا، وتلين لمواعظه وزواجره القلوبُ التي يسرع أهلها إلى طاعة الله رغبا، وينزجرون عن عصيان أوامره وترك نواهيه رهبا، وبخاصة أن الإمام يتلو عليهم آيات القرآن  في الصلاة الجهرية، فيختار في قراءته  من الآيات ما يناسب القضايا النازلة التي تعرض للمسلمين في مدنهم وأحيائهم وبلدانهم، فإذا كان المقام مقام اعتداء من أعداء المسلمين على أحد أقطارهم، أكثر من آيات الجهاد والتعاون والتنا صر، وإن كان المقام مقام ظلم وقهر على شعب من الشعوب الإسلامية أكثر من قراءة آيات العدل والأمر به، والآيات الناهية عن الظلم والعدوان، والمبينة لمصائر الطغاة، كفرعون وهامان وجنودهما، وإذا كان الوقت وقت تفسخ وتحلل أخلاقي أكثر من قراءة الآيات التي تدعو إلى الأخلاق الحسنة وتنهي عن الأخلاق السيئة، وإذا كان المقام مقام محاربة لتحكيم الشريعة الإسلامية أكثر من قراءة الآيات الإيمانية والآيات الآمرة بتحكيم شرع الله والناهية عن تحكيم الطواغيت، وإذا كان المقام مقام خلاف وشقاق بين المسلمين اختار قراءة الآيات الداعية إلى الوحدة الناهية عن التفرق والتنازع، وإذا كان المقام مقام ضعف الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والميل إلى موالاة أعداء الله من أهل الكتاب أو المشركين أكثر من قراءة آيات الولاء والبراء، وإذا كان المقام مقام تفشي المنكرات والسكوت عنها أكثر من قراءة الآيات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وإذا كان المقام مقام كوارث وزلازل وحروب ومجاعات يحتاج المصابون بها إلى مد يد العون بالمال والطعام والكساء والإيواء أكثر من قراءة آيات التعاون والإنفاق والصدقة والزكاة، وهكذا لا يكاد يوجد باب من أبواب الخير إلا وجد الإمام الكفء من آي القرآن ما يذكر به الناس في صلاتهم للمسارعة إلى عمل الخير في ذلك الباب، ولا باب من أبواب الشر إلا وجد الإمام الكفء في آي القرآن ما يذكر الناس ويحضهم على مقاومته، ويحذرهم من الوقوع فيه.

والمسلمون في أمس الحاجة إلى من يربط أحوالهم وقضاياهم بالقرآن، وبخاصة في أوقات الصلاة التي يصغون فيها إلى كتاب الله وهو يتلى عليهم في بيوت الله.

هذا كله يحصل من مجرد قراءة القرآن في الصلاة.

فإذا ما قام الإمام بعد انتهاء الصلاة، فتلا آية أو آيات مناسبة للمقام، وفسرها تفسيرا موجزا، وبين مقصدها، وحرك مشاعر المصلين بموضوعها، وأيقظ عقولهم إلى تدبرها، فقد زادهم بذلك نورا على نور.

وإذا حصل هذا في أغلب مساجد المسلمين، فإنه سيحدث أثره الطيب في جماعة المسجد وأسرهم وجيرانهم ومشار كيهم في أعمالهم الوظيفية وغيرها، وستصبح المساجد مصادر قوة وفقه ووحدة وتعاون وطاعة، وستستعصي عقول الأمة الإسلامية على محاولات أهل الباطل السبق إليها بباطلهم، بل سيصبح المسلمون هم السباقين إلى عقول الناس بحقهم، وستقضي حركة المسجد على كثير من المشكلات التي يشكو منها المسلمون اليوم شعوبا وحكومات، كتعاطي المسكرات والمخدرات، والاعتداء على النفوس والأموال والأعراض وغيرها، وستقطع الطريق على أجهزة الإعلام الموجهة عن طريق الأقمار الصناعية لإفساد عقول المسلمين وقلوبهم، لأن التربية الناشئة من المسجد ستكون سدا منيعا في وجه كل فساد.

 

تدريب حفظة القرآن على السبق بالحق إلى العقول. 

إن هذه المعاني يجب أن يُفَقَّهَ بها الناشئون من حفظة كتاب الله وهم كثيرون في العالم الإسلامي، لأن كثيرا منهم يصبحون أئمة وخطباء في مساجد المسلمين الكبيرة والصغير.

ويجب أن يوضع لهم منهج متدرج يفسر لهم فيه القرآن الكريم تفسيرا موضوعيا مرتبطا بواقع المسلمين وحاجاتهم وقضاياهم، حتى يكونوا قراء يقتدون بابن عباس، وبالشبيبة الذين كان عمر بن الخطاب يجعلهم في مجلس شوراه تكريما لهم واستفادة من علمهم.

ولا ينبغي أن يقتصر حفظة القرآن الكريم على حفظ ألفاظه وتجويدها-وإن كان ذلك عبادة في ذاته-بدون فهم لمعانيه ومقاصده التي لا بد من توعية الناس بها.

وعلى القائمين على مدارس تحفيظ القرآن الكريم أن يولوا هذا الأمر عنايتهم، ليكون طلابهم أهل القرآن حقا كما كان السلف الصالح، وليسوا كما عليه كثير من القراء اليوم الذين يقرؤون القرآن من أجل أخذ أجر عليه في المآتم وأجهزة الإعلام...

 

الوسيلة العاشرة: الإعلام.

وهذه الوسيلة هي من أسرع الوسائل وصولا إلى عقول الناس بالحق أو بالباطل، وأكثر انتشارا، وأشمل تلقيا، وبخاصة في هذا العصر الذي توافرت فيه من وسائل الإعلام ما لم يتوافر في أي عصر من العصور الغابرة، لأن الإعلام يستوعب الأفراد والأسر والأقطار ويصل إلى العالم والجاهل والمتعلم والأمي، في الحضر وفي البادية، وفي البر والبحر والجو، وعلى قمم الجبال وفي أغوار الشعاب والوديان، عن طريق القراءة والسماع والمشاهدة.

ولوسائل الإعلام من الإمكانات ما يجعلها تشمل كل موضوع يخطر بالبال. عقديا أو اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا، كما أنه يُسَخَّرْ لها كل الإمكانات والطاقات: البشرية في كل مجال من مجالاتها وتخصصاتها، والمالية، والآلات والأدوات.

وإن الإمكانات التي هيأها الله في هذا العصر في مجال الإعلام لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، فما كانت المعلومات والرسائل تصل من بلد إلى بلد مجاور إلا بعد حين، وبعد تحمل أسفار ومشاق سيرا على الأقدام أو ركوبا على الحيوانات التي عرف من أسرعها الخيل، كما حاول الإنسان ابتكار ما هو أسرع من ذلك، وهو تعليم بعض الطيور كالحمام الذي كان ينقل الرسائل من بلد إلى آخر، وهو مع سرعته النسبية معرض لعدم الوصول إلى غايته، بسبب المخاطر التي قد تواجهه في طريقه.

وقد مكن الله تعالى لنبيه سليمان عليه السلام استغلال بعض مخلوقاته، كالطير والجن لإبلاغ رسائله وإخباره بالرد عليها، كما حصل له ذلك في قصة ملكة سبأ وقومها، ولكن ذلك كان معجزة خاصة منحه الله تعالى إياها لا طاقة له ولا لغيره في إيجادها.

أما العصر الحاضر الذي امتدت إليه دعوة الرسول العامة الشاملة للبشر جميعا وللأمكنة والأزمنة، وستمتد كذلك إلى يوم القيامة، فقد سخّرَ الله تعالى فيه من الإمكانات ما يناسب هذه الدعوة الخاتمة العالمية فاخترعت العقول-عقول المسلمين وغير المسلمين-ما يدهشها ويحيرها من الوسائل التي يمكن للأمة الإسلامية أن تتخذها لإبلاغ الحق الإلهي-الذي كلفها الله قبوله وحمله والدعوة إليه-إلى عقول المسلمين وغيرهم في كل صقع من أصقاع الأرض، كما هيأ لها من الإمكانات المادية ما يجعلها قادرة على استغلال وسيلة الإعلام في سباقها بالحق إلى عقول الناس، فأراضيها الشاسعة الغنية بكل خيرات الدنيا من نواكشوط إلى جاكرتا، ومن عدن إلى بلدان المسلمين التي استقلت حديثا-عن الاحتلال الشيوعي-والتي تشتمل على كل عناصر القوة والغنى من المحاصيل الزراعية والمعادن، وأعدادها البشرية الهائلة التي جاوزت المليار، وتوجد فيهم كفاءات في كل علم من علوم الدنيا والآخرة، وكذلك المياه الوفيرة من الأنهار والمياه الجوفية، والممرات المائية والثروات البحرية، والغابات وأنواع الطاقة من البترول ومصادر الكهرباء وغيرها.

إن هذه الإمكانات التي سخرها الله لهذه الأمة، لو وجدت من يقوم عليها ويحفظها ويدبر بها شؤونها ومصالحها، ومن ذلك اتخاذ وسيلة الإعلام لنقل الحق الذي جاء به دينها إلى العالم كله، لأمكنها استقطاب كثير من البشر وقيادتهم إلى الدخول في هذا الدين، ومناصرته لسبق أهل الحق بحقهم إلى عقول أولئك البشر.

تأمل أولا في سعة أراضي المسلمين وافترض أن كل بلد من بلدانهم استغل وسائل الإعلام في السباق بالحق إلى عقول الناس: المذياع، والتلفاز، والصحف والمجلات، والنشرات والإعلانات، والكتب والمسجلات، والملصقات…

كم بلدا إسلاميا في إفريقيا، وكم بلدا إسلاميا في آسيا؟ إن بلدان المسلمين قادرة بسبب سعة مساحتها أن تغطي بأجهزة إعلامها غالب الكوكب الأرضي، وبغالب لغات العالم ولهجاته.

أما إذا تعاونت حكومات الشعوب الإسلامية على إيجاد وسائل إعلام مركزية قوية عن طريق الأقمار الصناعية، فإن الحق الذي تحمله تلك الوسائل سيصل إلى كل شبر في الأرض وبكل لغات العالم.

ولو تعاونت حكومات الشعوب الإسلامية مع المسلمين المقيمين في البلدان غير الإسلامية، كأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وأوروبا الغربية والشرقية، وروسيا، والصين، وبعض بلدان شرق آسيا الأخرى، كاليابان وكوريا، وتايوان، والفلبين، وكذا قارة استراليا، ونيوزلندا، والهند، وسيريلانكا ودول الهند الصينية، لاستغلال ما أمكن من وسائل الإعلام في كل بلد لإبلاغ الحق إلى عقول الجاليات الإسلامية وغيرها، لكان الإسلام قد تمكن من الوصول إلى تلك العقول واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار، ولقضى ذلك على التشويه-عمدا أو جهلا-لهذا الدين في نفوس الناس.

إن بعض البلدان الغربية بها من الأنظمة والقوانين ما يتيح الفرصة للمسلمين أن يستغلوا وسائل الإعلام، لنشر دينهم إذا أحسنوا اقتناص تلك الفرصة بحكمة وروية وعدم إثارة.

إن أفرادا من المسلمين يمكنهم أن يملكوا إذاعات يبثون بها مواد إسلامية بطرق نظامية على مستوى المدن-كمحطات (F M) وعلى مستوى أكثر من ذلك.

كما أن الأغنياء من المسلمين يقدرون على استئجار إذاعة عالمية لعدة ساعات [43]،  وكذلك التلفاز في المدن بالاشتراك عن طريق الكيبل، وإقامة مراكز تلفازية على مستوى العالم، وقد تبدأ الدول الغربية في حرب تلك الوسائل إذا رأت في مناهجها خطرا على الباطل الذي تحمله، ولكن المسلمين إذا وضعوا خططا مرحلية غير مثيرة من أول الأمر ولم يضيقوا ما وسع الله من المباحات في مناهج تلك المراكز، وتركوا التشدد في منع ما لم يرد الشرع بتحريمه، ولو كان مكروها في سبيل إبلاغ الحق الواجب إلى عقول الناس، فإن تلك المراكز ستجد المجال مفتوحا أمامها للسباق إلى تلك العقول.

أما الصحف والمجلات، وأشرطة الفيديو والكاسيت، والنشرات، والإعلانات، وخطابات صناديق البريد، والفاكس والهاتف، وأجهزة اللاسلكي-في كثير من تلك البلدان-والمسارح والسينما، والنوادي الثقافية والنوادي الرياضية، والندوات والمؤتمرات، فإن المجال لاستغلالها في إبلاغ الحق إلى عقول الناس مفتوح والفرصة سانحة في أغلب البلدان الغربية.

 

رضا الله وتمكينه أو مقته واستبداله.  

لقد ابتلى الله هذه الأمة التي لم توجد أمة غيرها في الأرض تملك الحق الذي تملكه، وهو دين الإسلام الذي لاحق سواه اليوم من جميع الأديان، ابتلاها الله تعالى في هذا العصر بهذه الإمكانات الهائلة من وسائل الإعلام التي لم توجد لأي أمة من أمم الأنبياء السابقين عندما كانت تملك الحق الإلهي، كما ابتلى هذه الأمة بجعل دينها دينا عالميا يجب إبلاغه إلى جميع البشر، ويجب على كل من بلغه هذا الدين أن يؤمن به، ومن لم يؤمن به بعد بلوغه فهو من أهل النار.

فإذا لم تستغل هذه الأمة هذه الإمكانات التي ابتلاها الله بها لتسابق بالحق الإلهي الباطلَ الشيطاني إلى عقول الناس، فإنها تستحق مقت الله تعالى وغضبه واستبداله بها غيرها، لعدم قيامها بوظيفتها التي هيأ الله لها أسباب قيامها بها: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [44]. {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [45].

وبدهي أن المسؤولية الأولى في اتخاذ هذه الوسيلة سُلَّما للحق إلى عقول الناس، تقع على من تولوا أمور المسلمين من الملوك والرؤساء وأعوانهم، لأن إمكانات الشعوب الإسلامية كلها بأيديهم وتحت تصرفهم، فالوسائل المادية من إذاعة وتلفاز وصحف ومجلات، كلها تحت سيطرتهم، لا يذاع شئ ولا يعرض ولا يكتب إلا ما أقروه وأذنوا به.

وتهيئة الكفاءات البشرية بتأهيلها وتدريبها وتوظيفها، كلها لا توجد على الوجه المطلوب، إلا إذا قاموا هم بدعمها، وإذا وجدت فلا يختارون منها إلا من هم عنه راضون، لعلمهم أنه لا يخرج عن دائرة ما يرسمون له.

والمناهج الإعلامية والمواد التي تذاع وتعرض وتنشر وتطبع كلها مرهونة بموافقة رقبائهم عليها.

وإذا كانت بعض البلدان الإسلامية تعطي مساحة جيدة للمواد الإسلامية-مع مواد أخرى لا تنسجم معها-فإن أغلب أجهزة الإعلام في أغلب البلدان الإسلامية الأخرى، تقدم بها مواد قليلة جدا عن الإسلام، لا تخلو من تشويه ظاهر أو خفي، وما يعلق منه من الخير في أذهان الناس تمحوه المواد الأخرى المضادة للإسلام، في الجوانب الإيمانية والأخلاقية والأحكام المتعلقة بالحلال والحرام، حيث إن هذه المواد تنال من الدعم والتمكين،  ما لا يتاح لجزء قليل جدا من الإسلام.

ومما يزيد الطين بلة أن أجهزة الإعلام محتكرة بيد الحكومات في كل الشعوب الإسلامية، وإن وجدت في بعضها مؤسسات صورية، فإنها في الواقع فروع لأجهزة الإعلام الحكومية، وهذا بخلاف كثير من البلدان الغربية التي يجد فيها الإعلام من الحرية، ما يجعله يسقط زعماء وحكومات وأحزابا.

لهذا كانت المسؤولية في الشعوب الإسلامية تقع على حكوماتها، لاستغلال وسائل الإعلام واتخاذها سُلَّما للحق، ليصل إلى عقول الناس في العالم الإسلامي وغيره.

وهذا لا يعفي العلماء وأهل الرأي، من القيام بواجب النصح للحكام ومطالبتهم بوضع مناهج ذات أهداف ووسائل لأجهزة الإعلام، يتحقق بها-مع تطبيقها فعلا-سبقُ الحق الذي تضمنه الإسلام إلى عقول المسلمين وغير المسلمين، ولا يكفي وضع أنظمة ولوائح لأجهزة الإعلام يُنَص فيها على مواد دينية لا يتحقق بها ذلك السبق، أو تكون أنظمتها نظرية دون تطبيق في واقع الأمر.

الأساليب الإعلامية المطلوبة لسبق الحق إلى العقول.

ولا يشترط في نقل الحق بأجهزة  الإعلام أن يكون دائما بالأسلوب المباشر، كالمحاضرات والمواعظ وسرد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو أحكام فقهية وما شابه ذلك، بل يكون بذلك وبغيره من الأساليب المستحدثة المؤثرة، كأفلام الكرتون للأطفال، والقصص والتمثيليات والمسلسلات والمسرح، والأناشيد وغيرها، فإن أثر هذه الأساليب في عقول الناس صغارا وكبارا مما يسمع ويشاهد ويقرأ ويرسم، أثرٌ فعال مشاهد استغله أعداء الإسلام في سبقهم بباطلهم إلى عقول الناس وأصبح ذريعة في بلدان المسلمين أنفسهم لذلك الباطل.

وإذا كان علماء المسلمين يخافون-ولهم الحق أن يخافوا-من اختلاط المشروع بغير المشروع في بعض هذه الأساليب، فإن عليهم أن يدرسوا كل أسلوب وما يمكن أن يشتمل عليه، من مخالفات شرعية واضحة، ويقرروا ما هو مشروع وما هو غير مشروع من المواد المعروضة، على أن لا يراعى في الإذن والترخيص المبالغة والتشدد في منع ما لا نص في منعه من الشارع، وينبغي مراعاة باب المصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة الإسلامية في ذلك.

وبهذا يتمكن المسلمون من منافسة أعداء الإسلام في وسيلة هي من أهم الوسائل للسباق إلى العقول.

ومما يجب التنبيه عليه، أن المواد التي تتخذ وسيلة الإعلام لنقلها وإبلاغها إلى العقول، ليست قاصرة على موضوعات دينية معينة، كما قد يتبادر إلى الأذهان عند عامة الناس، ومنهم العلمانيون الذين يظنون أن هذه الأجهزة إذا سيطر عليها دعاة الإسلام وأتباعهم سيكون مجالها ضيقا، لا يخرج عن الوعظ والإرشاد والدعوة إلى بعض شعائر الإسلام، وتفسير آي من القرآن الكريم أو أحاديث من السنة الشريفة ونحو ذلك، بحسب فهمهم الضيق للدين الإسلامي، وكذلك ظن بعض المتدينين الذين ضاقت آفاقهم عن الفقه الشامل للإسلام ومقاصده وعن المساحة الواسعة للمباحات التي ترك الإسلام للناس أن يرتعوا فيها دون حرج ولا إثم، فلا ينبغي أن يضيقوا دائرة ما أباحه الله ويبالغوا في منعه، لأن تحريم المباح منهي عنه شرعا كتحليل الحرام...

إن هذا التبادر الحاصل من الطرفين غير صحيح، وإن الإسلام أشمل
مما يظنون، كما أن الأصل في الأشياء الإباحة، إلا ما ورد به نص من الكتاب والسنة، أو ما يصادم مقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية.

وإن بعض النصوص قابلة للاجتهاد الصادر من أهله، فالفتوى كما هو معروف تقدر زمانا ومكانا وشخصا...

لذلك فإن مواد أجهزة الإعلام، ستكون شاملة للكون والحياة والإنسان، وسيجد  فئات الناس صغارا وكبارا ورجالا ونساء، وأدباء وفقهاء ومفسرين ومحدثين وقصاصا وكتابا، وأطباء ومهندسين ورجال فضاء، وعلماء طبقات الأرض، وسياسيين واقتصاديين، واجتماعيين وعلماء نفس، وعسكريين، مجالا رحبا في هذه الوسيلة وسيكون ذلك كله سلالم وجسورا لسبق الحقِّ الباطلَ إلى عقول الناس.

 

قلة القيود الإعلامية في الإسلام وثمرات الالتزام بها.

ولا تقييد على نشاط هؤلاء كلهم وغيرهم في استغلال وسيلة الإعلام إلا بالأمور الآتية:

الأمر الأول: التزام الصدق وتجنب الكذب والتضليل.

الأمر الثاني: التزام العدل واجتناب الظلم للصديق والعدو.

الأمر الثالث: حفظ مقاصد الشريعة الإسلامية وعدم التفريط في شئ منها.

وهي مقاصد تنشدها البشرية كلها، وتتلخص في الضروريات: حفظ الدين، وحفظ النسل، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال. وما يكمل تلك الضروريات من الحاجيات والتكميليات.

الأمر الرابع: عدم مخالفة النصوص الصحيحة الصريحة.

وهي قيود –كما ترى-قليلة جدا، وثمراتها النافعة عائدة على الناس كلهم. وإنه لأجدر بالمسلمين أن يكونوا سباقين إلى استغلال وسائل الإعلام المتنوعة، لإبلاغ حقهم إلى عقول العالم، قبل أن يُسبَقوا من قِبَل أهل الباطل بإبلاغ باطلهم إلى أبنائهم، ولكن الواقع المشاهد هو عكس هذا، فقد استغل أهل الباطل هذه الوسائل استغلالا لا نظير له، ولذلك عم الباطل وانزوى الحق.

 

لقد أسمعت لو ناديت حيا!

وهؤلاء مفكرو المسلمين ودعاته يتنادون اليوم، منبهين المسلمين على الخطر القادم من البث المباشر الذي لم يبق جزء من الأرض خال منه عن طريق أدوات استقبال أطلق عليها في البلدان العربية "الدش" ويخطط أهل الباطل لصنع أجهزة تلفازية لا تحتاج إلى "الدش" وإنما هي مزودة بآلات استقبال ذاتية فتكون مثل التلفاز العادي لجميع الناس-وإن غلا ثمنها قليلا في أول الأمر.

ومما يؤسف له أن المسلمين-الغيورين منهم-لا يفكرون إلا في كيفية اتقاء خطر هذا البث، وكل فئة تفكر في الخطر من زاوية مصلحة خاصة بها-وقد لاتكون مصلحة على الحقيقة-والفئة القادرة على حشد الطاقات لدرء الخطر عن الأمة كلها، وهي فئة الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية لا تفكر-غالبا-إلا في درء الخطر عن سلطتها التي قد تزعزعها برامج ومواد البث المباشر، بما تتضمنه من هجوم على أساليب الحكم الاستبدادي وما تنتهكه من حقوق الإنسان في بلدانها، ومع ذلك فإن تفكيرها في الدفاع عن مصالحها السياسية غير جاد، لأن غاية ما يمكن أن تعده في برامجها هو الإكثار من مواد المدح والثناء على أنظمتها، والردود الوقتية على ما يرشقها به البث المباشر من انتقادات، وقد تعد المزيد من المواد التافهة التي تظن أنها ستلهي بها الشعوب عن التأثر بالهجوم المرتقب عليها، مثل المسلسلات الغرامية والتمثيليات والأغاني والرقص، والإكثار من اللعب الرياضي ونحوها، وهذه الثلاثة العناصر كلها-المدح المبالغ فيه، والردود الوقتية الباردة، ومواد الإلهاء المزعومة-سوف لا تغني عنهم فتيلا، لأن مواد البث المباشر سيوجد فيها من المواد الجادة الموثقة، والمضللة ما يقضي على العنصر الأول والثاني، كما سيوجد فيها مواد الإغراء والإلهاء ما يشد المشاهد إليها، ويجعل الناس يهملون البث المحلي والقطري، وستكون لها نتائج خطيرة على الحكومات والشعوب في البلدان الإسلامية.

وكان الأولى والأجدر بالمسلمين: مفكريهم وعلمائهم ودعاتهم وقادة السياسة فيهم، أن يفكروا بجد في استغلال البث المباشر بصورة هجومية وليست دفاعية: هجوم على عقائد فاسدة في الغرب، وهجوم على أخلاق سيئة، وهجوم على اقتصاد مدمر، وهجوم على كبرياء وعنصرية تخالف دعوة حقوق الإنسان التي يزعم الغرب رعايتها والدعوة إليها، وهجوم على معاملات أسرية واجتماعية مفككة.

وهجوم بما هو أهم وأوجب، وهو إبلاغ معاني الإسلام السامية إلى عقول أهل أوروبا وأمريكا وغيرهما، من إيمان قائم على الحجة والبرهان، ومن عبودية لله تتحقق بها الحرية الصحيحة التي يزعم الغرب العناية بها والدعوة إليها، وهو في الحقيقة إنما يدعو إلى جعل الإنسان عبدا  ذليلا لشهواته وملذاته، من جاه ومال ومنصب وامرأة وخمر ومخدر وغيرها، منطلقا في تصرفاته كلها من أثرته وجشعه.

إن هجوم البث المباشر من قبلنا بمبادئ الإسلام الإيمانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها، سيغير الصورة السيئة المشوهة عن الإسلام في عقول الشعوب الغربية، وسيكون الإسلام مع مبادئ الكفر مثل عصى موسى مع حبال وعصي سحرة فرعون: 

إذا جاء موسى وألقى العصا   فقد بطل السحر والساحر

ولا أقصد بالهجوم الكلام الغليظ العنيف ضد مبادئ الغرب، وإنما أقصد أن تكون هممنا أعلى وأسمى من أن نقعد مفكرين في الدفاع عن أنفسنا ضد هجوم عدونا، بما لا يجدي شيئا أمام ذلك الهجوم الماكر القوي المنظم، بل نبدأ نحن بإبلاغ حقنا إلى عقولهم، بدلا من أن يبد أوهم بإبلاغ باطلهم إلى عقولنا.

وإذا كان وضعنا الحالي لا يمكننا من البدء بهذا الهجوم، فليكن دفاعنا إيجابيا غير مهزوم، مع بدئنا بالتخطيط للهجوم، بدلا من الاستمرار في الدفاع.

وقبل الهجوم والدفاع لا بد من تحصين المسلمين في بلدانهم بالتربية الإسلامية الصحيحة، حتى يكونوا قادرين ذاتيا على تجنب أخطار البث المباشر وغيره، وبدون ذلك لا أمل في توقي خطر داخلي أو خارجي.

 

استغلال إمكانات المسلمين في تحقيق رغبات أعدائهم.

ومما يؤسف المؤمنَ ويحزنه أن يرى بعض أغنياء الأمة الإسلامية، يؤسسون قنوات فضائية متخصصة تستغرق أزمانا طويلة من البث المباشر وغير المباشر، في جوانب معينة من اللهو العابث واللعب التافه، يشغلون بها أوقات الشعوب الإسلامية ويفسدون بها أخلاقهم، مع علمهم بجهل أغلب تلك الشعوب بحقيقة دينها، وبعد كثير منهم عن تطبيق هذا الدين.

وكان الأجدر بهم أن ينافسوا بتلك القنوات غيرها من القنوات التي أعدت إعدادا محكما ووجهت توجيها مقصودا للسباق إلى عقول المسلمين، لزعزعة الإيمان في قلوبهم وتشكيكهم في ثوابته، وإفساد أخلاقهم وبث الفرقة والعداوة بينهم، كان الأجدر بهم أن ينافسوا تلك القنوات بتقوية إيمانهم بالحجج والبراهين التي تثبته في نفوسهم، وبغرس الأخلاق الإسلامية في نفوسهم، وبنشر العلم الشامل والثقافة المفيدة اللذين يقضيان على الأمية المنتشرة بين المسلمين أو يخففان منها، سواء كانت الأمية أمية القراءة والكتابة، أو أمية الفقه في الدين، أو أمية الانزواء عن عناصر المعرفة: سياسية أو اقتصادية أو إدارية أو طبية... وباتخاذ الوسائل والأساليب التي تجمع كلمتهم على الحق وتحقق بينهم الأخوة الإيمانية التي تنشأ عنها المحبة والتعاون على البر والتقوى، كل ذلك يمكن أن يحصل بأساليب وطرق متعددة كما مضى، وليست عن طريق الوعظ والتعليم المباشرين فقط، وإن كان لابد منهما.

وكان بإمكانهم أن يستقطبوا الكفاءات الإسلامية في جميع التخصصات الإعلامية، ويدربوا شبابا مسلما على بعض الوسائل والتخصصات التي تدعو الحاجة إليها.

كان الأجدر بهم أن يسخروا قنواتهم لمصلحة الإسلام والمسلمين، بدلا من تسخيرها فيما سخر له كثير من القنوات الرسمية في الشعوب الإسلامية والدول الأجنبية، مما يحقق رغبات أعداء الإسلام في إيصال الباطل والسبق به إلى عقول أبناء المسلمين!

فهل من آذان تصغي، ونداء يُسمع، وعقول تفكر، وحق يُدعَم!.

مشروع مقارنات إعلامية ميدانية!

إن الذي يتتبع وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومات في غالب الشعوب الإسلامية، ليجد غالب موادها (برامجها) تقود الأمة الإسلامية إلى المزيد من الانحطاط والتأخر والبعد عن عزتها وكرامتها، وإلى إلهائها عن أسمى الغايات ومعالي الأمور التي حققها لها أسلافها الأماجد، والتي يجب عليها أن تسعى إلى تحقيقها واستعادتها.

 

تناقضات مدمرة يجب أن تدركها الأمة!

ولبيان هذا المشروع أضرب بعض الأمثال، وفي الأمثال عبر لأولي الألباب:

المثال الأول: إلهاء الشعوب عن الإعداد للجهاد في سبيل الله.

وهو من فروض العين الواجبة على جميع المسلمين في كل أقطارهم في هذا العصر، الذي احتل فيه أعداؤهم ديارهم، وانتهكوا أعراضهم، ودنسوا مقدساتهم، واعتدوا على حقوقهم، وأصبحوا قادة لهم، يأمرونهم وينهونهم، فيسمعون لهم ويطيعون، وحالوا بينهم وبين إعداد القوة الرادعة التي يدفعون به العدوان عن دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم...

فترى العدو اليهودي وغيره-كالصرب في البوسنة وكوسوفا-يحشد جيشه ويعد عدته، ويدرب شعبه، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، على حمل السلاح بكل أنواعه، لإرهاب المسلمين وإخضاعهم للسيطرة عليهم.

ويرى المرء كيف يعامل اليهود نساء المسلمين ضربا وركلا وسحبا، واعتقالا وسجنا، كما يرى كيف يكسر اليهود أيدي وأرجل الأطفال، وكيف يصوبون رصاصهم إلى صدورهم فيردونهم قتلى، وكيف يطلقون صواريخهم على بيوتهم فيدمرونها على رءوسهم...!

ويرى في مقابل ذلك قادة الشعوب الإسلامية يشيدون ملاعب الرياضة، ويزينون لشبابهم تضييع غالب أوقاتهم في مزاولتها وتشجيعها، ويجعلونها غاية حياتهم!

تراهم يفرحون ويحتفلون برفسة كرة داخل شبك الأهداف، حتى يظن من يرى فرحهم واحتفالهم أنهم قد فتحوا بكلمة التوحيد بلدا إثر بلد، وحرروا القدس وأديس أبابا ومانلا وموسكو، رافعين راية الإسلام، مقتدين بعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، ومحمد بن القاسم وصلاح الدين...!

وتراهم يبكون ويحزنون إذا هزموا في معركة الكرة، حتى يظن من رأى حزنهم أنهم هزموا في معركة جهادية، أو طردوا من "قصر الحمراء" آخر معقل للمسلمين في الأندلس، وأنهم سيعدون العدة للانقضاض على عدوهم مرة أخرى، حتى لا تتكرر المأساة...!

المثال الثاني: اليهود والسلاح النووي والمسلمون وآلات الطرب!    

المسلمون كلهم يعلمون أن اليهود قد صنعوا من السلاح الهجومي مالا طاقة لهم به في وضعهم المأساوي الحالي، إضافة إلى ما يمنحه أنصار اليهود لليهود من أسلحة هجومية فتاكة مجانا، مع التدريب العالي لجند العدو على كل تلك الأسلحة، وأن أسلحة المسلمين الدفاعية المستوردة التي يجود عليهم بها أنصار اليهود بأغلى الأثمان، وبشروط تفرض سيطرتهم على استعمالها، غير مجدية في الدفاع عن بلدانهم ورعاياهم وقت الحاجة.

والأشد من ذلك أن العدو اليهودي قد ملأ ترسانته بالسلاح النووي الذي صنعه بنفسه، وأعانه على صنعه أنصاره في الغرب...!

ومع هذا إذا نظرت إلى قنوات التلفاز في بلدان المسلمين، المحلية منها والفضائية، ترى جيوشا من الشعوب الإسلامية-نساء ورجالا، شبابا وكهولا، يحيون لياليهم-بل قل: يميتونها-بالرقص الفاجر، والغناء الماجن، واتخاذ كل وسيلة من وسائل الفحش والمنكر، وترى عامة الأسر والأفراد في الشعوب الإسلامية، قد اتجهوا إلى شاشات التلفاز واتخذوه قبلة لهم، يحطمون بمناهجه أخلاقهم، ويغفلون عن مصالحهم المهدرة، والمفاسد النازلة بهم المدمرة لحياتهم، بدلا من اتجاههم إلى القبلة ليقتدوا بمن {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا...}[46]

تخال بيوتهم في الليل أسواقا، وفي النهار قبورا، العدو يعد العدة لإهانتهم صباحا ومساء! يصنع السلاح النووي، وقادتهم هم يشجعونهم على الطرب بآلاته وميوعته!

المثال الثالث: الإسهام في إضعاف القريب وتقوية البعيد!

المتأمل في أحوال المسلمين اليوم يرثي لها، حيث يرى كثيرا منهم يقطعون إخوانهم المسلمين، ويصلون غير المسلمين!

يتعاونون تعاونا قويا، مباشرا وغير مباشر، مع غير المسلمين سياسيا، واقتصاديا، وتجاريا، وثقافيا، وإعلاميا، وعسكريا، ورياضيا.

وفي غالب تعاونهم هذا خسارتهم وربح عدوهم.

وكثيرا ما يكون تعاون المسلمين مع غيرهم ضد بعض إخوانهم المسلمين، والأمثلة على ذلك لا تحصى.

ويقاطع بعضهم بعضا مقاطعة كاملة، أو شبيهة بها، وإذا حصل بينهم شيء من التعاون الذي يضطرون إليه اضطرارا، فهو بالنسبة إلى تعاونهم مع غير المسلمين كقطرة ماء عذب سقطت في محيط مالح!

لهذا تجد كثيرا من المسلمين يسهمون بتلك المواقف الشاذة، في تقوية البعيد، وإضعاف القريب!

المثال الرابع: هذا يموت من التخمة، وذلك يموت من الجوع!

لقد أحضرت القنوات الفضائية للناظر والسامع من المتناقضات، ما يقتضي العجب.

ومن ذلك ما يشاهده العالم كله من الإسراف والبذخ في حفلات الأفراح والمناسبات والنوادي والقصور.

إنك لو أحصيت أثمان ملابس الأفراح، وأثمان أدوات الزينة، والمبالغ التي تنفق لإحضار الأطعمة التي يرمى كثير منها في المناسبات، وغير ذلك مما قد ينفق في المحرمات، لا في المباحات والمكروهات، لو أحصيت ذلك في مدينة واحدة من المدن الإسلامية التي من الله على بعض أهلها بالمال والغنى، ثم جلت  في تلك المدينة نفسها لتتعرف على الفقراء والمحتاجين، لرأيت هنالك التخمة والترف والإسراف، ورأيت هنا الفقر والعوز والحرمان والموت...!

فكيف لو قارنت بين بلد غني وآخر فقير؟!

كيف لو رأيت الأبدان السمينة التي لا يستطيع أهلها السير إلا على وسائل المواصلات، ولا يعيشون إلا بالأدوية والعقاقير، ورأيت الأطفال والنساء والشيوخ في ذلك البلد أو في بلد آخر قد يبست جلودهم على عظامهم، وأنهكتهم الأمراض لقلة الغذاء والدواء، وامتلأت الغبراء بجثثهم بسبب الجوع والعطش…!!

 

المشروع الإعلامي الميداني؟

إن الأمثلة على المتناقضات التي يعيشها العالم اليوم، والمسلمون جزء من هذا العالم –وهم المقصود ون هنا-الأمثلة كثيرة جدا…

والمشروع الإعلامي الميداني الذي أقصده هنا: أن توجد قناة فضائية أو أكثر، تقوم بتوعية المسلمين بهذه الأعمال المتناقضة مع مصالحهم، لعلهم يتنبهون للمصير الخاسر الذي ينتظرهم، إن هم استمروا على هذا الوضع المتردي...!

وعلى سبيل المثال: تعرض نماذج لما سبق: الشباب الرياضي في ملاعبه وأفراحه بالانتصارات الرياضية وأحزانه بهزائمها، وما يلقاه من دعم وتشجيع على كل المستويات، وأطفال الحجارة الواقفين بصمود أمام العدو اليهودي الذي يتفنن في قتلهم وتعذيبهم، والمسلمين الذين يدمر الصرب بيوتهم وقراهم، ويشردهم من ديارهم، وينتهك أعراضهم، ويهدم مساجدهم، في كوسوفا، ليقارن شباب الرياضة بين أهدافه ونشاطه وبين أهداف أطفال الحجارة والمسلمين في كوسوفا، لعله يخجل ويستحي ويعرف الأهداف العليا للمسلم، والأولويات التي يجب أن يبلي فيها شبابه الذي سيسأله الله عنه.

وتعرض كذلك: الفتيات اليهوديات، وهن يقدن الدبابات، في أرض المعركة أمام ضباط المسلمين-كما في سيناء-وبعض صور أطفال اليهود الصغار الذين يدربهم آباؤهم على حمل السلاح والرمي، وفي مقابل ذلك تعرض بنات المسلمين في القنوات الفضائية، وهن يغنين ويرقصن مع الفتيان عاريات، وأطفال المسلمين الذين يدربون على آلات الموسيقى والطرب، أو يقضون أوقاتهم-في أيام دراستهم-في الملاعب الرياضية في الحارات، وتكون نتيجة هذه التربية السيئة السقوط في مستنقعات الشر، ومنه تعاطي المخدرات والخمور التي تعود على ضرورات الأمة بالنقض.  

لعل في عرض هذه المتناقضات ما يدعو الأسر الإسلامية، وأبناء المسلمين وفتياتهم إلى تأمل وضعهم المزري الذي يعيشون فيه، فيستيقظوا من سباتهم، بل من نومهم العميق، بل من موتهم الطويل، فيلوموا أنفسهم على ما فوتوه من أوقات في الباطل الذي يعود عليهم وعلى أمتهم بالخسران، وعلى عدوهم بالفائدة والقوة والنصر، وهكذا...!

 

الوسيلة الحادية: المؤتمرات والندوات.

إن المؤتمرات والندوات من أهم الوسائل التي يمكن اتخاذها للسباق إلى العقول بالحق الإلهي.

جوانب يبرز فيها خطر المؤتمرات والندوات.

ويبرز خطر المؤتمرات والندوات في الجوانب الآتية:

الجانب الأول:

أن المؤتمرات والندوات تعقد-غالبا-في أوقات تشتد الحاجة إلى عقدها لتحقيق أهداف ومصالح عامة تعود على الأمة بالخير، إما لجلب مصالح وإما لدفع مفاسد واقعة أو متوقعة، فهي-في الأصل-وسيلة بحث ودراسة لخطوات التعاون على البر والتقوى، تعاونا مبنيا على تخطيط ومشاورة، وليست مجرد مواعظ وخطب حماسية، وإن كانت الخطب والمواعظ من وسائل حفز همم المؤتمرين ودفعها إلى الجد والعمل، للوصول إلى النتائج المرجوة من اجتماعهم.

الجانب الثاني:

أن المشاركين في المؤتمرات والندوات، يكونون في الغالب من وجوه الأمة وأعيانها وخبرائها ومثقفيها، وذوي التأثير فيها، بحسب الهدف الذي عقد له المؤتمر أو الندوة، ومن ذوي الاختصاص في مجالات المؤتمر وموضوعاته.

الجانب الثالث:

أن المؤتمرات والندوات، يعد لعقدها إعدادا مبكرا توضح به الأهداف والموضوعات، ويختار لها المشاركون، ويستكتب المتخصصون، وتُكَوَّن لذلك الإعداد اللجان الْمُنَظِّمَة والْمُمَوِّلة، والمشرفة، واللجان العلمية المتخصصة، وتختار لها عناوين البحوث التي تكتب وتقرأ وتمحص من قبل لجان تحكيم متخصصة.

الجانب الرابع:

أن المؤتمرين يعطون الوقت الكافي، لطرح أفكارهم وتوصياتهم ومناقشتها مناقشات مستفيضة، تدون وتسجل ثم تلخص، فتكون منها خلاصة لقرائح عقول صفوة المتخصصين والمهتمين، في موضوع المؤتمر أو الندوة.

الجانب الخامس:

أنه يختار في النهاية لجنة من ذوي التخصصات المتنوعة، للاطلاع على ما دار في المؤتمر من أفكار وتوصيات واقتراحات من أفراد ولجان فرعية لتصوغ التوصيات صياغة رصينة شاملة قابلة-في الأصل-للتنفيذ.

ولهذه الجوانب كلها أثرها الفعال في نجاح المؤتمرات والندوات من الناحية النظرية، وكذلك من الناحية الإعلامية.

الجانب السادس:

أن المؤتمرين يكلفون-غالبا-لجنة لمتابعة قرارات المؤتمر وتوصياته حتى تؤتي ثمارها.

ومن هنا تظهر أهمية المؤتمرات والندوات، في التأثير على العقول وسبق الحق إليها.

 

سنة متبعة.

وعقد المؤتمرات للتشاور وإبداء الآراء ومناقشتها، للوصول إلى نتيجة ترضي الله تعالى سنة متبعة.

فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو أصحابه ويجمعهم، ليستشيرهم ويعرف رأيهم ويحاورهم بصفته ولي أمرهم، ثم يمضي ما اتفق عليه معهم، أو ما أراه الله أنه خير، كما حصل ذلك في غزوة بدر،[47] وغزوة أحد[48]، وغزوة حنين، في شأن غنائم أهل الطائف وسبيهم [49].

وقد عقد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مؤتمر لهم بعد وفاته وقبل دفنه، في شأن اختيار خليفة له في سقيفة بني ساعدة، وأتبعوا ذلك بمؤتمر أعم في  المسجد النبوي في اليوم الثاني، تمت في كليهما البيعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه [50].

ولما مرض أبو بكر رضي الله عنه، شاور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في استخلاف عمر، وكتب كتابا بذلك وقرئ على الناس في المسجد، وأشرف على الناس وقال: (أترضون بمن استخلفت عليكم...) [51].

ولما طعن عمر رضي الله عنه، كلف ستة نفر بأن يشاوروا الناس في اختيار خليفة له.. انتدبوا منهم عبد الرحمن بن عوف يشاور الناس ويشاورونه حتى تمت بيعة عثمان رضي الله عنه[52].

وعقد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مؤتمرا، في شأن الوباء الذي انتشر في الشام، توافد عليه في هذا المؤتمر كبار الصحابة وشاورهم في القدوم بمن معه إلى الشام وعرض كل فريق رأيه، ثم أخذ عمر بما اتضح له صوابه الذي أيده-بعد ذلك-حديث رواه عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم [53].

وكذلك جمع أصحابه رضي الله عنه في شأن أرض العراق التي رأى عدم قسمتها في الغانمين للمصلحة العامة، وخالفه بعضهم، فأخذ يستشير ويسمع الآراء ويدلي بحججه، حتى انتهى إلى ما رآه أولا، مع شدة الخلاف في ذلك [54].

وكل تلك المؤتمرات كان الهدف منها إيصال الحق إلى العقول وإقناعها به بالحجة والبرهان.

 

المؤتمرات الإسلامية في هذا العصر.

وقد كثرت المؤتمرات الإسلامية (المنسوبة إلى الإسلام) في هذا العصر، وهي-على الإجمال-قسمان:

القسم الأول: مؤتمرات رسمية.

وهي ما تدعو إليها حكومة واحدة أو عدة حكومات، للبحث في موضوع معين يهم تلك الحكومة أو الحكومات، تحتاج فيه إلى دعم إسلامي في موقفها نحوه، سواء كان هذا الدعم المطلوب من بعض الحكومات لبعض، أو من علماء المسلمين ودعاتهم، لتظهر أنها على حق في موقفها من ذلك الموضوع.

وهذه المؤتمرات تحشد لها الطاقات المالية والبشرية والوسائل الإعلامية والاتصالات والمواصلات، وكل ما تحتاج إليه لنجاحها، وتحاول الجهة الداعية إلى المؤتمر أن توجه نشاطه وبحوثه ونقاشه وقراراته وتوصياته، لخدمة الغرض الذي دعت المؤتمرين من أجله، وهذا التوجيه قد يكون مباشرا أحيانا وقد يكون غير مباشر، والغالب أن قرارات المؤتمر ونتائجه تكون في مصلحة الجهة الداعية إليه، لعوامل كثيرة معروفة، وإن كان قد يحصل فيه ما لا يعلن من الاتجاهات المضادة لبعض الأعضاء الحاضرين.

ومن المؤتمرات الحكومية البارزة الاجتماعات التي تعقدها منظمة المؤتمر الإسلامي الذي تنضوي تحته حكومات الشعوب الإسلامية، وإن كان بعضها قد علق عضويته في هذه المنظمة.

وهذا المؤتمر يضم الدول  التي تصرح في دساتيرها بأنها علمانية وهي أغلب دول المنظمة، ويضم بعض الدول القليلة التي تعلن أنها تحكم بالإسلام، ولذلك تتحكم في قرارات هذا المؤتمر ونتائجه الاتجاهات المتباينة لدى تلك الدول-وقد تتحقق فيه بعض المصالح، وإن كانت ضعيفة في مقابل ما يلاقيه المسلمون من مشكلات.

وقد تدخل في ذلك المؤتمرات المتخصصة التي تدعو إليها الجامعات ومراكز البحوث العلمية الحكومية، كالمؤتمرات الطبية، والفلكية، والجغرافية، والهندسية، والصناعية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والبيئية وغيرها.

وينبغي أن يغتنم الملتزمون بالإسلام والدعاة إليه من ذوي الاختصاص الذين يُدعَون لحضور هذه المؤتمرات، الفرص المتاحة لهم فيها لطرح ما أمكنهم طرحه، من الموضوعات الإسلامية المناسبة لموضوعات المؤتمرات ولتخصصاتهم، كالكلام عن أضرار الخمر والمسكرات والمخدرات، وأضرار الفواحش كالزنا واللواط، والنظافة الحسية والمعنوية في المؤتمرات الطبية، والحلول التي جاء بها الإسلام للوقاية من هذه الأضرار وعلاجها. وكذا إبراز الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

وفي المؤتمرات الاقتصادية يبين المتخصصون الإسلاميون الجوانب الاقتصادية في الإسلام، وما فيها من حلول للمشكلات في الاقتصاد الرأسمالي الربوي أو الاقتصاد الاشتراكي.

 وفي المؤتمرات السياسية يبين المتخصصون أسس السياسة الإسلامية ومزاياها، وكيف طبقت في الماضي وآتت ثمارها، وحاجة الناس إليها اليوم.

وفي المؤتمرات القانونية يبين المتخصصون الإسلاميون مزايا الفقه الإسلامي وشموله وثباته وسموه، وما فيه من ثروة يمكن أن تسعد بها البشرية لو طبقت.

 وفي المؤتمرات الأمنية يبين المتخصصون أسس الأمن في الإسلام: المعنوية منها والمادية وهكذا... في جميع المؤتمرات التي تعقد في أي موضوع من الموضوعات يجب أن يشارك فيها العلماء والمفكرون والمتخصصون الملتزمون بالإسلام، لإظهار محاسن الإسلام ومزاياه في كل مجال لتنبيه العقول المشاركة إلى تلك المحاسن والمزايا.

 

القسم الثاني: مؤتمرات شعبية.

وهي المؤتمرات التي تقوم بها جماعات إسلامية منظمة-في الجملة-أو جمعيات خيرية، أو فئة معينة تجمعها رابطة خاصة، مثل فئة علماء الشريعة الإسلامية المتنوعة، كالفقهاء والمحدثين، ومثل علماء التاريخ الإسلامي، أو علماء الاجتماع الإسلاميين أو الأطباء الإسلاميين، أو النقابات المتلزم أعضاؤها بالإسلام، كالمحامين والصحفيين والمهندسين، والإعلاميين، وغيرهم كالطلاب.

وقد تكون المؤتمرات المنعقدة على مستوى مدينة أو محافظة أو قطر، أو على مستوى إقليمي يجمع عدة أقطار متقاربة جغرافيا أو متشابهة نظاما، أو على مستوى قومي محدد كالدول العربية، أو على مستوى قارة كآسيا وإفريقيا.. أو على مستوى عالمي.

وقد يكون المؤتمر المعقود محدد الوقت والهدف، كالدعوة إلى عقده مرة واحدة لمناسبة خاصة، وقد يراد له الاستمرار بأن يعقد دوريا: في كل عام أو خمسة أعوام أو أكثر أو أقل.

والفرص المتاحة للمؤتمرات الإسلامية الشعبية تختلف من قطر إلى آخر، ففي بعض الأقطار تحظر حكوماتها التجمعات الصغيرة فضلا عن الكبيرة بإذن وبدون إذن، وفي بعض الأقطار قد تأذن دولها بعقد بعض المؤتمرات بقيود تجعل ثمارها محدودة جدا-أعني بذلك دول الأقطار الإسلامية-ومن النادر أن توجد دولة في الأقطار الإسلامية تتيح فرصة للمؤتمرات الشعبية تكون لها حرية كاملة.

ولكن الفرص قد تتاح في بعض البلدان غير الإسلامية في الغرب وتتوافر فيها الحرية أكثر من الأقطار الإسلامية.

والواجب أن يغتنم الإسلاميون الفرص المتاحة لهم في كل مكان، قلت أو كثرت.

غايات المؤتمرات الإسلامية.

والغايات العامة للمؤتمرات الإسلامية، يجب أن تكون غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول، وقد سبق الحديث عنها.

ويضاف إلى تلك الغايات غايات أخرى عامة وخاصة، وغالبها يدخل ضمنا في الغايات المذكورة سابقا.

 

غايات للمؤتمرات العامة.

هناك غايات عامة ينبغي أن يجعلها المشاركون في أي مؤتمر نصب أعينهم، مهما تنوعت موضوعات تلك المؤتمرات، ومن أهمها ما يأتي:

أولا: السعي الجاد في جمع كلمة الأمة الإسلامية على الحق.

ويبدأ ذلك بمحاولة تخفيف حدة الصراع والخلاف الشديدين المستمر ين بين المسلمين، على المستويين: الرسمي، وهو الخلاف بين الدول الحاكمة في الأقطار الإسلامية، على أسس الإصلاح الإسلامية التي أمر بها الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم.

وتتلخص هذه الأسس في ركنين أساسين:

الركن الأول: أن يكون الإصلاح بالعدل.

ولا يجوز أن يتعمد القائمون بالصلح الوقوف بجانب القوي، ضد الضعيف المظلوم، كما جرت عادة كثير من الناس.

الركن الثاني: مناصرة المظلوم المعتدى عليه على ظالمه إذا لم يقلع عن ظلمه له.

وقد جمعت هذين الركنين آية الحجرات، كما قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [55].

وكذلك الاختلاف الحاصل على المستوى الشعبي، كالاختلاف بين الجماعات والأحزاب الإسلامية أو القبائل، يجب أن يكون من أهداف المؤتمرين العناية بالصلح بين هذه الفئات-وإن كان المؤتمر في الأصل عقد لغرض آخر، فإن التمزق الذي أصاب الأمة الإسلامية في هذا العصر سبب لها كوارث وأضعف كيانها، ولم يبق شعب أو دولة أو دول متجاورة أو متباعدة، إلا أصابها هذا الداء العضال، ولهذا كان جديرا بالعناية والاهتمام.

وهذه الغاية تحتاج-مع طرقها في كل المؤتمرات-إلى عقد مؤتمرات خاصة بها، لوضع مشروع كامل وعمل متواصل ولجان متنوعة من رجال أكفاء يكونون محل ثقة يسعون لجمع كلمة المسلمين بحكمة وتجرد وصبر، لوجود عقبات كأداء في طريقهم، منها الذاتي الداخلي ومنها الخارجي.

ثانيا: التذكير المستمر بتحقيق الإخوة بين المسلمين.

بحيث يحب بعضهم بعضا، ويحب بعضهم لبعض ما يحب لنفسه من الخير، وذلك يقتضي التعاون فيما بينهم والتنا صر والتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثالثا: التنبيه على الأخطار التي تحيط بالمسلمين. 

ويجب إقناع المسلمين بوجوب الوقاية من تلك الأخطار، أو دفعها بالوسائل الممكنة التي يجب أن تتخذ لها.

رابعا: الدعوة إلى تطبيق الإسلام في حياة المسلمين.

الأفراد منهم والأسر والشعوب والدول وعدم التفريط في شئ منه.

وتكرار العناية بهذه الغايات، ينبه الحاضرين وغيرهم ممن تبلغهم مناقشات المؤتمر وبحوثه وتوصياته وقراراته على أهميتها، وعلى أن الواجب عليهم جعلها من الأوليات التي يجب البدء بها، فيكون في ذلك وسيلة من وسائل السبق بالحق إلى العقول، وسوف لا يعدم المؤتمرون مناسبات في مؤتمراتهم تسوغ لهم طرق هذه الغايات ولو إجمالا.

 

غايات المؤتمرات الخاصة.

أما غايات المؤتمرات الخاصة، فإنها تتحدد بطبيعة كل مؤتمر على حدة.

فقد يكون المؤتمر دعويا، وقد يكون تعليميا تربويا، وقد يكون اقتصاديا، وقد يكون سياسيا، وقد يكون اجتماعيا، وقد يكون صناعيا، وقد يكون إصلاحيا،-يعني للإصلاح بين الناس-وقد يكون علميا شرعيا-يجتهد فيه علماء الشريعة في بعض القضايا الطارئة التي تحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي فيها... وهكذا...

فطبيعة كل مؤتمر تحدد غايته التي عقد من أجلها، وموضوعاته التي تكتب فيها البحوث ويناقشها المؤتمرون، والأشخاص الذين يدعون لحضوره أصلا أو تبعا، وينبغي أن يكون لعلماء الإسلام وجود في كل المؤتمرات، حتى ولو كانت متخصصة كالمؤتمرات الطبية والهندسية، فالغالب أن تشتمل موضوعات المؤتمرات على ما قد يحتاج إلى فتوى فيه وبيان موقف الإسلام منه، وحضور العلماء الشرعيين يحقق غرضين:

الغرض الأول: صحة تصورهم وإدراكهم للقضايا التي يبحث فيها المتخصصون، وصحة الإدراك والتصور أساس في الحكم الشرعي على المدركات والمتصورات.

الغرض الثاني: بيانهم للحكم الشرعي في القضية المطروحة، ليستفيد منهم المتخصصون الذين لا يدرون الحكم الشرعي في القضية.

ثم إن وجود علماء الإسلام الشرعيين مع المتخصصين في العلوم الأخرى، يتيح لهؤلاء الاستفادة من أولئك في مجالات متنوعة من الموضوعات الإسلامية، يسألونهم عما يشكل عليهم في الحلال والحرام، وفي قضايا معاصرة سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها، وفي اجتماعهم بهم في المؤتمرات فرصة قد لا يجدونها في غيرها لكثرة أشغالهم وتفرقهم.

وينبغي في المؤتمرات الخاصة إبراز ما يتصل بها من الموضوعات الإسلامية، في إعداد بحوث يتعاون على إعدادها ذوو الاختصاص في العلوم الكونية والطبية وعلماء الشريعة الإسلامية، ويبرز ذوو الاختصاص الحقائق العلمية، ويشرح علماء الشريعة الإسلامية ما وردت به النصوص من الكتاب والسنة الصحيحة، ويبينون مدى موافقة الحقائق العلمية لما تضمنته النصوص، ليظهر بذلك معنى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، كما هو الحال في علم الأجنة وأطوار الجنين في القرآن الكريم.

وعندما يكون المؤتمر يتعلق بالقوانين والأحكام تبين الأحكام الشرعية، ومدى صلاحيتها في الماضي والحاضر والمستقبل، مع سموها وشمولها والنتائج التي تتحقق بتطبيقها.

وعندما يتعلق المؤتمر بحقوق الإنسان تبرز الحقوق الإنسانية في الإسلام، المنصوص عليها في الكتاب والسنة والمراجع الإسلامية، وكونها قد طبقت في واقع الحياة، ونالت البشرية من تطبيقها السعادة والرخاء، وحاجة البشرية اليوم إليها، مع التنبيه على أنها قد جربت كل النظم والمبادئ البشرية فلم تنل من غالبها إلا الشقاء تلو الشقاء.

وعندما يتعلق المؤتمر بالمحافظة على البيئة تبرز النصوص الواردة في عمارة الأرض واستغلال خيراتها، وغرس الأشجار فيها والمحافظة على نظافة الظلال بل طهارتها وعدم تنجيسها، وكذلك الطرق والشوارع وأجر من أزال الأذى عن الطريق، وأن ذلك من شعب الإيمان، وكون الإسلام أمر بالاقتصاد في الأكل والشرب، ونهى عن الإسراف والتبذير، حتى إنه أمر بمتابعة ما في الإناء من الطعام وأكله، حتى لا يبقى فيه شيء، ونهى عن البول في المياه. ونهى عن تعاطي كل ضار بالإنسان وتناول كل خبيث، ويدخل في ذلك شرب الدخان ونحوه، مما يلوث باطن الإنسان وظاهره، ويلوث الأجواء المحيطة به، وأمر بنظافة الجسم والثوب والأرض وطهارتها، حتى إن الصلاة لا تصح مع ملامسة نجاسة في ذلك كله.

وهكذا لا يوجد موضوع من الموضوعات التي تعقد لها المؤتمرات، إلا وللإسلام فيه قول، من ذلك الصناعات بأنواعها، فالسهم الواحد يؤجر عليه صانعه والرامي به ومنبله، والرفق بالحيوان الذي يغفر الله بسببه لساقي الكلب العطشان ذنوبه.

وهكذا الشؤون الاجتماعية كالعناية بالأسرة والحياة الزوجية والأولاد والآباء، والجيران، وصغار السن وكبار السن والمعوقين والفقراء واللاجئين…

وكذلك قضايا الأمن بمعناه العام الواسع الذي يشمل الأمة في كل شؤونها، كما أشار إلى ذلك سيد قطب رحمه الله في كتابه: السلام العالمي والإسلام [56].

فيجب أن ينبه على أن المحافظة على البيئة المعنوية، وهي الحرص على الطاعات والبعد عن الفواحش والمنكرات، من أهم ما جاءت به الشريعة...

وهو يتلخص في قوة الإيمان والعبادة والعمل الصالح، والتربية الإسلامية السليمة، والعمل بالأحكام الشرعية، وغرس الأخلاق الإسلامية، ثم تطبيق العقوبات الشرعية على من لم تُجدِ فيه التربية الإيمانية والعبادية والأخلاقية...

نخلص من هذا كله إلى أنه لا ينبغي أن نفوت أي فرصة تسنح في أي مؤتمر، دون أن تكون الدعوة إلى الإسلام متسللة فيه إلى عقول الناس في فقرات موضوعاته وبحوثه، ولكن ليس بمجرد الوعظ والحماس وإنما بالأساليب العلمية المناسبة للمؤتمر، حتى تكون المؤتمرات من وسائل السبق إلى العقول بالحق.

 

مؤتمرات لها لأولوية.

ومن أهم المؤتمرات التي يجب الاهتمام بها في هذا العصر: ما تعلق منها بالدعوة والتعليم والتربية.

وهذه الأبواب الثلاثة مترابطة، ويجب أن تكون هي محور نشاط الجماعات الإسلامية التي نصبت نفسها لحمل عبء هداية الناس وجمع كلمتهم على الحق ضد الباطل.

فالدعوة إلى الله، الأصل فيها أن تكون علنية يقصد بها كل الناس، كما أن الأصل فيها أن تكون شاملة في موضوعاتها فتشمل الجانب الإيماني، والجانب العبادي، والجانب الأخلاقي، والجانب التشريعي، والجانب الاقتصادي، والجانب الاجتماعي، والجانب الجهادي، والجانب السياسي، والجانب الإعلامي، غيرها.

والغرض أن دعاة الإسلام يجب أن يبينوا للأمة كل ما هو مطلوب منها، من الإيمان والعلم والعمل الصالح الذي يرضي ربها، ويمكنها في الأرض لنصر دينه وهداية خلقه، ويدعونها-مع البيان-إلى التطبيق.

وإذا كانت الفرصة متاحة للدعوة علنا لإبلاغها إلى كل الناس، بهذا الشمول في الموضوعات، فإن واجب الدعاة إلى الله أن يجتهدوا في إبلاغ الناس كافة بكل الموضوعات الإسلامية، ولا يجوز لهم أن يقصروا في شئ من ذلك ما داموا قادرين عليه.

ويدخل في ذلك المؤتمرات، فكل ما رأوا الحاجة داعية إلى العناية بموضوع من الموضوعات الإسلامية وحاجته إلى الدراسة والبحث والمشاورة، أعدوا له مؤتمرا يحيط بجوانبه، واختاروا له الأعضاء المناسبين في الاختصاصات وفي الدعم، وهيئوا له المكان والزمان المناسبين، وحشدوا له وسائل الإعلام لإبلاغ رسالته إلى الناس.

ولا يقيد الدعاة إلى الله في موضوعات المؤتمرات، إلا تقديم الأولى منها على غير الأولى.

ولكن هذين الأصلين-العلنية والشمول-غير متاحين الآن على إطلاقهما، فكثير من الدول الحاكمة للشعوب الإسلامية-وبخاصة العلمانية منها-لا تتاح فيها الفرص للدعاة الصادقين المؤثرين أن ينشروا دعوتهم ويبلغوها إلى كل الناس، وإذا أتيحت لهم فرص التبليغ لكل الناس بالوسائل الممكنة، لم تتح لهم فرص بيان كل الموضوعات الإسلامية، وإنما يؤذن لهم ببيان بعض الجوانب الإيمانية والعبادية، التي لا يصل أثرها إلى تحريك عقول الأمة، لتعي ما يجب عليها من طاعة الله وطاعة رسوله طاعة شاملة لكل حياتها على نهج كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحكيم شرع الله ورفض حكم الطاغوت الذي يحكمها.

وفي هذه الحالة يجب على علماء الدعوة ومؤسساتها، أن يضعوا لنشاطهم الدعوي-في الدول التي تحارب الدعوة الإسلامية الشاملة-بوسيلة المؤتمرات منهجين:

المنهج الأول: مؤتمرات مصغرة.

وتكون على مستوى المدن، وعلى مستوى المناطق، وعلى مستوى القطر، وعلى المستوى الإقليمي-عدد من الدول المتناسبة-وعلى المستوى الدولي.

فعلى مستوى المدينة يحضر المؤتمرَ مندوبون عن أحيائها، لتدارس سير الدعوة فيها، وملاءمة المنهج الذي تسير عليه الدعوة، ومدى تأثير الدعوة في الناس في كل حي، وما يعترض الدعوة من معوقات، وما تحتاج إليه الدعوة من الدعم بالمال والرجال، وتقديم اقتراحات لتطوير أساليب الدعوة ووسائلها، ولحل المشكلات التي تواجهها، وإزالة المعوقات أو تخفيفها، ومناقشة كل ما يمكن عمله من أجل انتشار الدعوة وحمايتها، ثم الانتهاء إلى وضع خطط مستقبلية وأهداف ووسائل لتحقيق تلك الأهداف، والتزام الجميع بذلك.

وكذلك يكون مؤتمر المنطقة، ثم مؤتمر القطر، على أن تكون تلك المؤتمرات كلها محكومة بقواعد شاملة تنسقها وتنظمها، بحيث لا يحصل بينها تداخل أو تضارب.

وعلى المستوى الإقليمي يحضر المؤتمرَ مندوبون عن الأقطار لتدارس شؤون الدعوة في كل قطر على حدة،  ثم تدارس شؤونها على المستوى الإقليمي، بحيث تقدم تقارير مفصلة على المستويين، وتوضع خطط وأهداف ووسائل على المستويين-أي على كل مستوى وحده-مفصلة، متفقه وموصلة إلى أهداف وخطط ووسائل الدعوة العامة في الإقليم كله.

وهكذا تكون المستويات الإقليمية مع المستوى الدولي-مثل مستوى الأقطار مع المستوى الإقليمي-.

وتكون أولوية المستوى الدولي في المؤتمرات للموضوعات المناسبة لهذا المستوى، بحيث تكون له الصدارة في الأقاليم والأقطار، كما تكون الأولية على مستوى الإقليم للموضوع الأهم على مستواه، وهكذا الأقطار، ثم المناطق ثم المدن، وقد يكون موضوع قطر واحد ذا مستوى دولي.

وبالمثال يتضح المقصود.

قضية فلسطين-أرض القدس الشريف-هي قضية المسلمين جميعا، وموضوعاتها تهم المسلمين جميعا، وذلك لعدة أسباب:

السبب الأول: أنها جزء من بلاد الإسلام، بل من أهم أراضي المسلمين المقدسة، وأي جزء من بلاد الإسلام يجب على المسلمين كلهم حمايته والدفاع عنه، إلا إذا استطاع أهله أو البلدان المجاورة له حمايته حماية كافية، سقط بهم الواجب عن بقية المسلمين، وهذه الحماية لم تحصل، فبقي الوجوب على الجميع، وكل السلمين اليوم آثمون إن لم يجتهدوا في طرد الدولة اليهودية من أرض فلسطين دامت مغتصبة.

السبب الثاني: أن هذا الجزء المقدس تواطأت-تواطؤا مباشرا أو غير مباشر-على اغتصابه وغزوه وتقتيل أهله وتشريدهم وتهد يم منازلهم، الدولُ الغربية كلها سياسيا واقتصاديا وإعلاميا وعسكريا ودينيا.

يضاف إلى ذلك أن الدولة اليهودية، حشدت لتأييدها كثيرا من دول العالم، حتى بعض حكومات الشعوب الإسلامية، التي عقدت معها علاقات دبلوماسية واقتصادية، وأمنية، ومنها بعض الدول العربية، كمصر والأردن، بل عقدت مع بعض حكام الشعوب الإسلامية تحالفات عسكرية، كما هو الحال مع الحكومة التركية العلمانية.

ولا تزال الدولة اليهودية تحشد في صفها الدول المؤيدة لها في الأمريكتين وفي أوروبا الغربية والشرقية، وفي إفريقيا، وفي آسيا، وهذه الدول تحيط بالشعوب الإسلامية.[57]

هذا مع تمزق الدول العربية وتنازعها وفشلها، وتفريطها في حشد شقيقاتها في الشعوب الإسلامية...! 

وكلما عظمت القوة المعتدية عظمت المسؤولية على الأمة، وأهل فلسطين غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم و مقدسا تهم، فكان الواجب على جميع المسلمين أن يقفوا بجانبهم بالمال والرجال والاقتصاد والسياسة والجهاد بكل أنواعه.

السبب الثالث: أن أجهزة الإعلام العربية-متواطئة مع أجهزة الإعلام الغربية-وتدور في فلكها القيادات الفلسطينية العلمانية، قد رسخت في عقول عامة المسلمين، ومنهم كثير من الشعوب العربية، أن قضية فلسطين قضية عربية، فكان في ذلك تضليل لعامة المسلمين الذين يجب أن يعلموا بأن قضية فلسطين هي قضية المسلمين جميعا، ويجب عليهم السعي بقدر الطاقة في تحريرها من اليهود.

هذه الأسباب وغيرها تجعل من قضية قطر واحد، وهو فلسطين ذات مستوى إسلامي دولي، وليست قضية على مستوى قطر واحد، ولها الأولوية-في الجملة-على ما سواها حتى تتجه الأمة بقدر كاف من طاقتها لدعم هذه القضية، ليقوى التأثير على حكومات الشعوب الإسلامية، حتى لا تعترف بالدولة اليهودية المغتصبة التي تدعمها الدول النصرانية، وحتى تقاطع تلك الدول الدولة اليهودية اقتصاديا وسياسيا ومواصلات واتصالات، وتقاطع كل المؤسسات التي تتعامل معها.

إن هذا المعنى يجب أن يعيه المسلمون في كل العالم حتى تبقى الروح الجهادية ومعنى الولاء والبراء حية في نفوسهم.

 ولهذا فإن من أهم الأولويات في المؤتمرات العالمية، قضية فلسطين وتحريرها من أيدي اليهود.

ومثل قضية فلسطين في هذه الفترة قضية المسلمين في البوسنة والهرسك التي تعاونت دول الغرب كلها على المسلمين فيها، وكادت تكون الأندلس الثانية، ولها الآن[58] أكثر من سنة، والمؤتمرات الرسمية [59]  تعقد وتنفض بعد مناقشات وتصريحات وقرارات، يظن سامعها أن علم الجهاد سيرتفع ضد أعداء الله المعتدين، ثم يكون الأمر كما في المثل العربي: أسمع جعجعة ولا أرى طحينا.

والمؤتمرات الشعبية لا تستطيع في هذه الظروف أن تحرر فلسطين، ولا تستطيع أن تعمل عملا سريعا لردع الصرب والكروات عن المسلمين[60]، ولكنها تستطيع أن تنبه الشعوب الإسلامية على الخطر الذي يهددها كلها إذا هي بقيت غافلة مستكينة يتربص بها أعداؤها شعبا شعبا، وتضللها أجهزة الإعلام في دولها، وفي هذا التنبيه والتوعية تهيئة وإعداد للشعوب قد يؤتيان ثمارهما في مستقبل قريب أو بعيد. أما إذا بقيت في غفلة فإنه لا يرجى منها أن تفكر في مصيرها المحتوم.[61]

وقد تعمدت أن أضرب هذين المثالين-وهما جهاديان سياسيان-في سياق الدعوة إلى الله والسباق إلى العقول بالحق، لبيان أن الدعوة إلى الله شاملة لكل ما يحقق للمسلمين مصالحهم ويدفع عنها المفاسد، وليست مقصورة على دعوتهم إلى الجوانب الإيمانية والعبادية فقط، كما يفهم ذلك من قصر علمهم بالكتاب والسنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ونهج علماء الدعوة الذين فقهوا الكتاب والسنة والسيرة النبوية.

المنهج الثاني: مؤتمرات عامة.

يدعى لها القادرون على حضورها من عامة الناس، ولا تقتصر على مندوبين من صفوة العلماء والمفكرين والمتخصصين-وإن كانوا هم المسئولين عن دراسة أهدافها ووسائل العمل من أجل تحقيقها والإعداد السابق للدعوة إليها-سواء كانت تلك المؤتمرات على مستوى المدن، أو على مستوى المناطق، أو على مستوى الأقطار، أو على مستوى الأقاليم، أو على المستوى الدولي.

ويكون الهدف من هذه المؤتمرات العامة، توعية الأمة كلها بموضوعات يرى علماء المسلمين وقادتهم أن الحاجة تدعو إلى تعريف المسلمين بها وحثهم على الاهتمام بها، وإقناعهم بوجوب بالمصالح المترتبة على العمل من أجلها، والأضرار الناتجة عن التقصير في شأنها والتهاون في أمرها، ووجوب السعي الكامل في اتخاذ الأسباب المتاحة المحققة لأهدافها، وإصدار القرارات التي يمكن للمؤتمرين تنفيذ مضمونها، والتوصيات التي ينبغي تبليغها إلى غيرهم من القادرين القيام بمحتوياتها، وتكوين اللجان اللازمة لمتابعة تلك القرارات والتوصيات معا… 

مؤتمرات تعليمية.

ومن أمثلة المؤتمرات العالمية التي يحتاج إلى عقدها المسلمون في كل العالم-الشعوب الإسلامية و الأقليات الإسلامية-مؤتمرات التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية الأهلية، لرفع مستوى التعليم فيها بمراجعة المناهج والخطط والكتب ووسائل التدريس والإيضاح وكفاءة المدرسين بها، لتكون كلها صالحة لتخريج طلاب أكفاء قادرين على استيعاب العلوم الإسلامية المتنوعة، وعلى أخذ حظ وافر من العلوم الكونية وغيرها، كما مضى في فقرة: وسيلة التعليم.

إن الذين يتولون شؤون التعليم الخاص في الشعوب الإسلامية، توجد بينهم فروق كبيرة جدا في مناهج التعليم التي وضعوها وخططه وكتبه ووسائله، فتجد بعض المدارس تهتم بالعلوم الرياضية والطبية والمهنية وغيرها من علوم الحياة، ولا تهتم بالعلوم الإسلامية، بحيث تجد طلابها لا يفقهون فروض العين التي لا يسع المسلم جهلها، وتجد في الجانب الآخر مدارس تهتم بتدريس بعض العلوم الإسلامية، بمناهج قديمة وكتب معينة وبوسائل تدريس عقيمة، وترى مدرسيها لا يدري كثير منهم شيئا يذكر عن الثقافات المعاصرة، فيتخرج من هذه المدارس طلاب يحفظون بعض المتون وبعض الأحكام لا يفقهون معناها حق الفقه، أما ما يتعلق بثقافة العصر ومشكلات المسلمين وما يجب أن يتخذ لها من حلول، فإن عقول كثير منهم قد حجزت عن معرفتها والتفكير فيها، على عكس الصنف الأول الذين عندهم ثقافة معاصرة وعلوم من الحياة الدنيوية، ولكن كثيرا من المشكلات التي يتعرض لها الإسلام تكمن فيهم، إذ الأفكار التي زرعت في عقولهم أفكار علمانية أو غير سليمة عن الإسلام.

ومن النادر أن تجد مدارس جمعت بين الحسنيين: حسنى الدراسات الإسلامية الشاملة التي يتمكن طلابها من التفقه في الدين، تفقها يعتقدون به أن الإسلام منهج شامل لحياة الإنسان كلها ويطبقونه في حياتهم على هذا الأساس، وحسنى معرفة ما ينفع المسلمين في حياتهم الدنيا من العلوم والثقافة لاتخاذه وسيلة لقوتهم وتقدمهم، ومعرفة ما يضرهم فيجتنبونه ويتخذون من الوسائل ما يقيهم شره.

لهذا تظهر الحاجة إلى عقد مؤتمرات تعليمية، يجتمع فيها علماء مسلمون من ذوي التخصصات المتنوعة وخبراء تعليم إسلاميون، مع زعماء المؤسسات التعليمية الإسلامية في العالم الإسلامي، لتدارس شؤون التعليم ومحاولة توحيد المناهج-ولو في إطارها العام في أول الأمر-ووضع المواد اللازمة في العلوم الدينية والعلوم الكونية الأخرى.

ولا بد أن يسبق المؤتمرات العامة مؤتمرات قطرية-أي مؤتمر أو أكثر لكل قطر إسلامي-ومؤتمرات إقليمية-لعدة أقطار متجاورة أو متشابهة-يشترك فيها-المؤتمرات القطرية أو الإقليمية-زعماء المؤسسات التعليمية في الأقطار أو الأقاليم، وعلماء مسلمون وخبراء تعليم، يستعرضون المناهج والكتب والأساليب التعليمية الموجودة، ويضيفون ما يرون إضافته من المواد الأخرى، ويقترحون ما يرون من تعديل بزيادة أو نقص، وما يناسب من وسائل التعليم وأساليبه، ويحصرون التخصصات التي ينبغي أن تتوافر في المدرسين على ضوء منهج جديد مقترح ووسائل تحقيق تلك التخصصات، ثم تجمع تلك الدراسات في تقارير وتعرض على العلماء والخبراء الذين سيحضرون المؤتمرات العالمية، وتعد لهم عناوين الموضوعات المناسبة ليكتبوا فيها بحوثا وملخصات لعرضها في المؤتمرات.

فإذا نوقشت التقارير والبحوث واتفق على قرارات أو توصيات، كونت لها لجان متابعة قطرية تقودها لجنة عالمية لمحاولة تنفيذ تلك القرارات والتوصيات.

وقد يكون تنفيذها في كل الأقطار صعبا، لأسباب مختلفة، ويمكن أن يجتهد في تنفيذها في بعض الأقطار، لتكون نموذجا ومثالا يحتذى في بقية الأقطار حسب الإمكان، ويحسن أن تنفذ نماذج منها في جهات مختلفة، فيكون أحد النماذج في شرق إفريقيا، وآخر في غربها، وآخر في جنوبها، وهكذا ينفذ نموذج في شرق آسيا وآخر في جنوب شرق آسيا، وينفذ آخر في بعض دول المسلمين التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق، وآخر في شرق أوربا، وآخر في غربها، وآخر في أمريكا الشمالية ونموذج في أمريكا الجنوبية، ليظهر أثر كل نموذج في الدول المجاورة، فتتأثر به المؤسسات التعليمية فيها، لأن الناس يتأثرون بالواقع المشاهد أكثر من المقترح النظري.

 

مؤتمرات دعوية.

ومن الأمثلة للمؤتمرات العالمية التي يحتاج إليها المسلمون مؤتمرات الدعوة، وهي حاجة عامة شاملة للمسلمين وغير المسلمين في كل أنحاء العالم، وفي كل الأوقات.

ومؤتمرات الدعوة العالمية تحتاج قبل عقدها إلى دراسة جادة وعميقة، من قبل مختصين يحددون أهدافها القريبة والبعيدة، ومناهجها وأساليبها ووسائلها، ويكتبون في ذلك بحوثا محددة، وهذه الدراسة وحدها تحتاج إلى مؤتمر عالمي مصغر يجتمع فيه أفذاذ العلماء والدعاة وزعماء الجماعات الإسلامية، وعلى ضوئه يحدد المكان والزمان ويحضر الأشخاص الذين ينبغي أن يُدْعَوا لحضوره وتمويله والموضوعات التي توزع على القادرين للكتابة فيها، واللجان الإدارية والتنظيمية والإعلامية وغيرها، حتى إذا ما اجتمع المؤتمرون وجدوا أمامهم موضوعات عملية محددة، تدرس لتنفذ قرارتها وتوصياتها، لا لتحفظ في ملفات يأكل عليها الدهر ويشرب كما هو واقع كثير من المؤتمرات التي تعقد الآن.

ويجدر بالمؤتمرين أن يبدؤوا في مؤتمراتهم بالأوليات من الموضوعات التي يترتب عليها تقدم الدعوة وانتشارها وكفاءة الدعاة، ودعوة الناس إلى ما يجهلونه من الإيمان والعبادات العينية والمعاملات اليومية، مثل فقه الأسرة وبعض أحكام الحلال والحرام.

وكذلك تحذيرهم مما يحيط بهم من المخاطر الحاضرة من أعدائهم ووجوب اجتماعهم على الحق والتعاون على البر والتقوى.

ويتلخص ذلك في الأمور الآتية:

الأمر الأول: إعداد برامج لتدريب قادة الدعاة تؤهلهم لتخريج دعاة أكفاء.

وهذه البرامج تشمل التفقه في العلوم الإسلامية المتنوعة، من مصادرها وفي طليعتها الكتاب والسنة والسيرة، وكتب العقيدة السلفية السليمة من التعقيدات الكلامية والفلسفية، وعلوم التفسير وكتبه وعلوم الحديث وكتبه، وأصول الفقه وكتبه وكتب الأخلاق، والثقافة، ومعرفة شبهات الأعداء كالمستشرقين والمنصرين وغيرهم والرد عليها بالبرهان والحجة، وإجادة بعض اللغات العالمية أو بعض اللغات المحلية حسب الحاجة، ومعرفة البيئات والعادات للبلدان التي تسند إليهم شؤون الدعوة فيها، وكذلك معرفة أديان أهلها مع مقارنتها والاستعداد لكشف معايبها وإظهار محاسن الإسلام، وكونه هو الدين الحق الذي لا يوجد دين حق سواه.

هذا التدريب يكون-في الأصل-لذوي المؤهلات في الدراسات الإسلامية، ولكن ينبغي أن يختار عدد من ذوي المؤهلات الأخرى كالمهندسين والأطباء والكهربائيين والبيطريين وغيرهم، من ذوي المهن ممن عندهم ثقافة إسلامية محدودة وثقافة معاصرة، وتعقد لهم دورات تدريبية في العلوم الإسلامية السابقة، ليأخذوا حظا كافيا منها، ليؤهلهم لتعليم الناس فروض العين وتوعيتهم بما يجب أن يعلموه في حياتهم، ويساعدوا المحتاجين إلى علومهم من فقراء المسلمين وغيرهم بالدواء والتعمير والزراعة وتربية الدواجن والماشية وبعض المهن العملية، كالنجارة والخياطة ونحوها، ليجمع الدعاة إلى الإسلام بين بيان الإسلام والدعوة إليه وبين ترقية الناس المعاشية، ولا يتركوا هذه الأخيرة لغيرهم من المنصرين.

وهؤلاء الدعاة بنوعيهم يُدَرِّبون-مع دعوتهم عامة الناس-من يرونهم ذوي قدرة على الاستيعاب في كل بلد من بلدان المسلمين أو غيرهم، لمناهج الدعوة ونقلها إلى بني قومهم بلسانهم، لما في ذلك من الانتشار السريع للدعوة بكثرة القائمين بها.

ومن الوسائل التي تسهل تدريب الدعاة على تنوع مستوياتهم، إنشاء معاهد عليا لذوي المؤهلات في الدراسات الإسلامية-خاصة بمناهج الدعوة وأساليبها ووسائلها، لا تزيد مدتها عن سنتين ولا تنقص عن سنة، يستقدم لها علماء كبار متخصصون وذوو خبرة في هذا المجال، بحيث تكون الدراسة قوية والمواد مختارة مناسبة-مع التدريب العملي الميداني على ما يدرسون، وتقوى عندهم الجوانب العبادية ليكونوا قدوة لغيرهم فيما يدعونهم إليه.

وكذلك تنشأ معاهد متوسطة لذوي الثقافة الإسلامية المحدودة من ذوي الاختصاصات الأخرى، يأخذون فيها ما يؤهلهم لمهمتهم الدعوية كما مضى، وتحدد لهم المواد التي يحتاجون إليها والمراجع والمدة المناسبة مع تدريبهم العملي.

الأمر الثاني: أن يبدأ الدعاة في كل بلد بالموضوعات الأهم في ذلك البلد، فإذا كان أهل البلد يجهلون فروض العين، كأصول الإيمان وقواعد الإسلام التي تضمنها حديث جبريل المشهور، والأحكام المتعلقة بها كصفة الصلاة وأركانها وشروطها، وأموال الزكاة ومقاديرها ومصارفها، وصيام رمضان وما يتعلق به من واجبات ومفطرات، ومناسك الحج، فإن على الدعاة أن يبدءوا بهذه الفروض بالترتيب الذي لقنه الرسول صلى الله عليه وسلم لداعية اليمن معاذ بن جبل رضي الله عنه: [فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن عليهم خمس صلوات، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنياءهم فترد على فقرائهم...]

فإن وجدهم على علم بذلك ويجهلون غيره، فليعلمهم ما يجهلون الأهم فالأهم. مع مراعاة نفور النفوس عما تألف والتدرج مع أهلها في ذلك، كما هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبخاصة مع غير المسلمين أو المسلمين بالاسم الذين يجهلون كل شئ في الإسلام، فإن مطالبتهم دفعة واحدة بأداء كل الفرائض واجتناب كل النواهي بدون تدرج حكيم، قد ينفرهم من الإسلام كله.

الأمر الثالث: أن يتدارس المؤتمرون الموضوعات المهمة التي يحتاج إليها المسلمون لتوعيتهم بها في أمور دينهم ودنياهم وتحصر عناوينها، ويحصر العلماء القادرون على التأليف والكتابة فيها أو إلقاء محاضرات تسجل في أشرطة كاسيت أو فيديو، أو تعقد ندوات وتسجل كذلك ويستنسخ منها أعداد كافية لنشرها وتوزيعها على العالم الإسلامي، عن طريق إدارة خاصة بنشر الدعوة، وكذلك تطبع في رسائل وكتيبات صغيرة بكميات كثيرة بلغات عالمية ومحلية وتوزع على المسلمين.

وليس من الصعب أن تكتب أو تقرأ تلك الموضوعات في الأشرطة بلغات المسلمين المتنوعة، فالبلدان الإسلامية ممتدة في القارتين: الآسيوية والإفريقية من مشارق الأرض إلى مغاربها، وقلما يوجد بلد لا يوجد فيه طلبة علم قادرون على الترجمة أو التأليف أو القراءة، كما أن المسلمين منتشرون في القارات الأربع الأخرى: أوربا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا، بل وفي أطراف العالم كله.

إن أي موضوع من الموضوعات التي تهم المسلمين يمكن أن يصل إلى المسلمين كلهم في العالم خلال فترة قصيرة جدا بتلك الوسائل، لسرعة المواصلات الجوية والبحرية والبرية، ولوجود الاتصالات التي تحطم حواجز الرقابة والمنع، كالقنوات الفضائية والفاكسات والإنترنت، وغيرها…

وما أحوج المسلمين اليوم إلى اتخاذ هذه الوسائل، لإبلاغ ما يهمهم إلى كل مسلم في العالم سواء كان متعلقا بالشعائر التعبدية أو الاجتماعية أو السياسية أو  الاقتصادية أو العسكرية، حتى ينتشر الوعي ويشعروا كلهم أنهم معنيون بتلك الموضوعات والتعاون على البر والتقوى فيها.


مؤتمرات عملية.

وينبغي أن يكون الهدف من عقد مؤتمرات العمل الإسلامي المقدور عليه، تنفيذ قرارات المؤتمر المعقود وتوصياته، وليس مجرد الاجتماعات وإلقاء البحوث والمحاضرات والمناقشات الكثيرة التي تتمخض عن قرارات وتوصيات كثيرة، قد تكرر في مؤتمرات أخرى بدون تنفيذ ومتابعة، والأولى أن تنفق الأموال التي ترصد لأمثال هذه المؤتمرات التي لا تنفذ قراراتها، في نشاطات إسلامية عملية تحتاج إلى تلك الأموال، كقوافل الدعوة، ومدارس المسلمين القائمة المحتاجة إلى المساعدة، وإنشاء مدارس جديدة، وإنشاء مساجد في أماكن يحتاج إليها المسلمون، وطبع كتيبات ورسائل ومنشورات تصل إلى الناس لتعرفهم بالإسلام وفرائضه، بدلا من إنفاق تلك الأموال الطائلة على مؤتمرات غير مجدية وإن كان الهدف منها صحيحا عند من يدعو إليها من المخلصين.

ولو نفذت قراراتها وتوصياتها لكان في ذلك نفع عظيم، ولكن تنفيذها يتوقف غالبا على دعم الحكومات في الشعوب الإسلامية، وأكثر حكوماتهم تقف ضد تحكيم شرع الله وضد الدعوة إلى تطبيقه، ولا تأذن بتطبيق جوهر الإسلام وحقائقه التي تنظم بها حياة المسلمين، بل تحاربها وتحل محلها قوانين تخالفها مخالفة صريحة، فكيف يرجى من أمثال تلك الحكومات دعم قرارات المؤتمرات الإسلامية وتوصياتها وذلك هو شأنها؟!

ولو أراد باحث أن يحصي المؤتمرات الإسلامية التي عقدت في أواخر القرن الرابع عشر الهجري، وأول القرن الخامس عشر الهجري، وبحوثها وتوصياتها وقراراتها ويجمع ذلك كله، لكون منها مكتبة كبيرة.

ولو أحصى الأموال التي أنفقت على تلك المؤتمرات، لألفاها كافية لإنشاء مؤسسات دعوية وتعليمية وخيرية، المسلمون في أمس الحاجة إليها، ولو قوّم نتائجها وثمراتها الإيجابية لوجدها هزيلة بجانب ما بذل فيها من جهد ووقت ومال.

لذلك يجب على قادة العمل الإسلامي والمؤسسات الإسلامية، أن لا يضيعوا جهودهم وأموال المسلمين، إلا في مؤتمرات لها غايات عملية يمكن تحقيقها أو تحقيق غالبها، وأن تكون موضوعاتها ذات أولوية، وأن يسبق عقدها تخطيط وتنظيم يجعلها ذات جدوى.

وإن اجتماعات مصغرة لقادة العمل الإسلامي وعلمائه، لبحث موضوعات الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي، ودراسة ما يجب اتخاذه من خطوات في ذلك دراسة هادئة متأنية يترتب عليها عمل مفيد-ولو قل-خير من كثير من المؤتمرات الجماهيرية غير المجدية عمليا.

وإذا كان المقصود من تلك المؤتمرات الكثيرة، هو الوصول إلى معرفة سبل العمل للإسلام، في مجال الدعوة والتعليم والتشريع والأخلاق ومكافحة الدعوات المضللة والشبهات التي يتخذها أعداء الإسلام للطعن فيه، كالمستشرقين والمنصرين وغيرهم، فإن عشرات المؤتمرات قد عقدت في أغلب بلدان المسلمين من بلاد المغرب إلى إندونيسيا في موضوعات إسلامية شتى، وحضرها كبار العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي، وأدلي كل منهم بدلوه بحثا ونقاشا ونصحا وسجلت كلها في مجلدات وملفات وأشرطة فيديو وكاسيت، ويمكن الرجوع إليها وأخذ ما يراد العمل به منها.

وقد اعتدنا من بعض حكومات الشعوب الإسلامية الصبر على المؤتمرات الجماهيرية وبحوثها ومؤتمراتها وتوصياتها، ولو كانت لا ترضى عنها تلك الحكومات، لأنها تعلم أن حماس المؤتمر المعقود ينتهي بقراءة قراراته وتوصياته التي لا ترى أثرها في الواقع إلا ما ندر.

فليتجه العاملون للإسلام إلى الاجتماعات والمؤتمرات المصغرة، العملية التي يمكنهم متابعة تنفيذ نتائجها، وليدلوا بدلوهم في بقية المؤتمرات من باب النصح وتبليغ الحق دون أن تستنفد أوقاتهم وأموالهم فيها.

وإذا ما أحسن دعاة  الإسلام وقادة العمل الإسلامي والمنظمات الإسلامية استغلال المؤتمرات بموضوعاتها المتنوعة استغلالا عمليا، فإنها ستكون من أهم وسائلهم إلى السباق إلى العقول بالحق.

أما ما تسير عليه المؤتمرات الآن-مع فائدتها المحدودة في الدعوة-من إنفاق هائل للأموال على عقدها، ومن أوقات طويلة تبذل لها من المضيفين والمضافين، ثم تنتهي بتوصيات وقرارات، لا تخرج من ملفاتها بعد صياغتها وتلاوتها إلى عالم الواقع، فينبغي أن يفكر المسؤولون عنها والدعاة إليها وباذلو المال لعقدها، في أسلوب آخر للعمل الإسلامي من تعليم ودعوة وغيرها، فإن الأموال التي تصرف في تلك المؤتمرات التي تتضمن قراراتها وتوصياتها، الحث على إنشاء المدارس والمعاهد والمساجد وطبع الكتب وتوزيعها وإيجاد منح دراسية لأبناء المسلمين وإعداد دعاة وضمان نفقاتهم، إن تلك الأموال التي تصرف في تلك المؤتمرات لو جمعت لكفت أو قاربت الكفاية لإبراز ما تضمنته قراراتها وتوصياتها في عالم الواقع.

ولهذا تجد كثيرا من المفكرين يتساءلون عن الإصرار على عقد تلك
المؤتمرات، دون تنفيذ غالب قراراتها وتوصياتها: هل أهداف تلك المؤتمرات المعلنة هي الأهداف الحقيقية وراء عقدها، أو لها أهداف أخرى؟! والجواب: أهل مكة أدرى بشعابها!.

 

الوسيلة الثانية عشرة: النوادي.

إن النوادي بأقسامها المتنوعة، من أهم الوسائل التي يمكن لأهل الحق أن يسبقوا بحقهم أهلَ الباطل، إلى عقول الناس فيها سواء أكانت تلك النوادي ثقافية أو اجتماعية أو رياضية أو أدبية، رسمية-كانت-أو شعبية، ولذلك ينبغي أن يسعى أهل الدعوة إلى الله إلى اغتنام أي فرصة تتاح لهم، للدخول في تلك النوادي والاختلاط بأعضائها عن طريق الوظائف أو الاشتراك العضوي، من أجل إبلاغ الحق إلى عقول أهل تلك النوادي بالأساليب المشروعة المناسبة، ولا يجوز لأهل الحق ترك تلك النوادي لأهل الباطل الذين يجعلونها بؤرة لباطلهم.

خطوات استفادة أهل الحق من النوادي:

والخطوات التي يجب اتخاذها لمحاولة استفادة أهل الحق من تلك النوادي كثيرة، ومنها ما يأتي:

الخطوة الأولى: توجيه بعض الشباب المسلم المثقف ثقافة إسلامية جيدة والمربّى تربية إسلامية عالية، إلى الدراسة التي تؤهلهم لقيادة نشاطات تلك النوادي الرياضية والثقافية والأدبية والاجتماعية، حتى يكون تأثيرهم في أعضاء النوادي تأثيرا إيجابيا، لكونهم في مراكز توجيه فيها.

الخطوة الثانية: السعي لتوظيف أولئك الشباب المتخصص في النوادي المناسبة لتخصصاتهم، حتى يكون نشاطهم مشروعا بمقتضى نظمها، وتكون غايتهم غرس الإيمان بهذا الدين في نفوس أعضاء النوادي، وتثقيفهم ثقافة إسلامية تجعلهم واعين بما يحيط بهم، وبكيفية التعامل مع الواقع تعاملا هادئا مؤثرا بدون ضجيج، وبتربيتهم تربية إسلامية تحقق فيهم معنى العبودية لله تعالى والتحلي بالأخلاق الإسلامية العالية، وتحبب إليهم التطبيق العملي للإسلام في أنفسهم وأسرهم ومجتمعهم.

الخطوة الثالثة: ينبغي أن يفرز عدد مناسب من الشباب الإسلامي المتربي على الإسلام، ليكونوا أعضاء في تلك النوادي من أجل التأثير في أعضائها بمعاني الإسلام.

الخطوة الرابعة: ينبغي أن يخطط أهل الحق لإبلاغ الحق إلى أعضاء النوادي، بكل الطرق والوسائل المشروعة المتاحة، من كتيبات ونشرات وصحف ومجلات إسلامية، وشُرُطْ كاسيت أو فيديو لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية في الأعضاء.

الخطوة الخامسة: يجب أن يعد أعضاء النوادي لحمل الدعوة الإسلامية إلى زملائهم في النوادي الأخرى، سواء كان في نفس بلدانهم أو في البلدان الأخرى إسلامية كانت تلك البلدان أو غير إسلامية.

وقد أصبحت الفرق الرياضية وغيرها في هذا العصر تجوب العالم كله للاشتراك في المسابقات الدولية، ولو أن هذه الفرق التي تنفق على تدريبها الأموال الكثيرة اعتني بها في الثقافة الإسلامية  والتربية الإسلامية الشاملة، وحببت إليها الدعوة الإسلامية، والتزمت بالإسلام فكانت قدوة حسنة لغيرها، لكان لها أثر عظيم في نشر الإسلام وإظهار محاسنه، ولكانت من أهم وسائل إبلاغ الحق والسبق به إلى عقول الناس، وهكذا الفرق الثقافية والاجتماعية وغيرها.

الخطوة السادسة: ينبغي أن تهتم الجماعات أو الجمعيات الإسلامية بإنشاء نواد شعبية متنوعة، كتلك النوادي الرسمية أو شبه الرسمية، وتضع لها الأهداف والخطط والوسائل الممكنة، لتؤدي الدور المطلوب الذي قد يصعب تحقيقه في النوادي الرسمية، وإذا تعذّر إنشاء مثل هذه النوادي الشعبية في مَقَارَّ-جمع مقر-معينة لأسباب مادية وعسر في النفقات أو أمنية، كعدم إذن الجهات الرسمية-المحاربة للدعوة الإسلامية-بذلك، فينبغي إنشاء نواد مفتوحة متنقلة في الحدائق العامة أو الملاعب الشعبية، وهي الساحات التي توجد في الحارات أو في أطراف القرى والمدن تقام عليها المسابقات الرياضية المتنوعة بما أمكن من الأدوات والتخطيط.

وكثير من الشباب يفعلون ذلك بأنفسهم، ويمكن للشباب الإسلامي أن يختلط بهم ويشاركهم في نشاطهم، ويتخذ الأساليب والوسائل المناسبة لهدايتهم وتربيتهم وحفظهم من الضياع، بترتيب أوقاتهم في هذه النشاطات، وفي المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وفي استذكار دروسهم وتحسين العلاقات معهم حتى تحصل الثقة بهم وقبول التوجيه منهم.

فالشباب المشتركون في هذه النشاطات يؤثر بعضهم في بعض أشد من تأثير غيرهم ممن لا يشاركهم في النشاطات، وبخاصة إذا أُحْسِنَتْ مداخل خطابهم في كل نشاط بما يناسبه من الموضوعات الإسلامية، كالفروسية وارتباطها في الإسلام بأهدافها العليا، كإعداد القوة للجهاد في سبيل الله ورفع راية الإسلام...

الخطوة السابعة: ينبغي أن يبتعد من يريد هداية الشباب في تلك النوادي، عن الدعوة إلى الحزبيات الضيقة التي تصدع صف المسلمين وتحدث التنازع بينهم، وأن يغرسوا في نفوسهم-فقط-الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، حرصا على جمع كلمة المسلمين تحت راية [لا إله إلا الله محمد رسول الله] وعملا بقول الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا...}. [62] وقوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}. [63] وفي تطبيق هذا الأمر فائدتان

الفائدة الأولى: ما سبق من اجتماع الكلمة واتقاء التنازع.

الفائدة الثانية: سد الباب على دعاوى من يضيقون ذرعا، بالتمسك بالإسلام، حيث يحاربون من يتمسك به، بحجة الدعوة إلى الحزبية.

الوسيلة الثالثة عشرة: الرحلات والمخيمات.

أولا: الرحلات.

كثير من الناس يرغبون في ترك منازلهم أو بلدانهم والرحيل عنها لأهداف متنوعة، منها تغيير نمط حياتهم الذي ألفوه في غالب أوقاتهم وحصل لهم منه ملل وسآمة، فيحبون أن يمتعوا أنفسهم بالانطلاق من ذلك النمط، كالتدريس والدراسة للمدرس والدارس، والأعمال الإدارية للموظفين في مكاتبهم على تنوعها واختصاصاتها، والأعمال الهندسية كذلك، كالمهندس المعماري والمهندس الزراعي، والمهندس الكهربائي، وغيرها من الأعمال الكبيرة والصغيرة.

وهذه الرحلات قد تكون قصيرة كالإجازة الأسبوعية، وقد تكون متوسطة كإجازة نصف السنة، وقد تكون طويلة كالإجازة الصيفية، وقد لا يكون بعض الناس مقيدا بعمل معين في مكان معين ولكنه يحب أن يضرب في أرض الله الواسعة...

وأكثر الناس لا هدف لهم إلا التمتع العادي والاستجمام.

ومنها-أي أهداف الرحيل-الاطلاع على بعض المناطق أو البلدان والتعرف عليها جغرافيا، أو اجتماعيا ومعرفة عادات أهلها، وسلوكهم وحضارتهم، ونظمهم الإدارية، وحالتهم الاقتصادية وسلعهم المتوافرة، وغير ذلك من المعارف المتعلقة بأهل البلد، والناس يختلفون في الاهتمام بشيء مما ذكر أو أشياء.

ومنها التجارة ومعاملاتها، بيعا أو شراء أو ما يتعلق بهما.

ومنها طلب العلم-أي علم كان مما يرغب فيه الدارس-ومنها أداء وظيفة كُلِّفَها من قبل دولته، كالوظائف الدبلوماسية وما يتعلق بها، أو التدرب على أعمال خاصة في دورات محددة.

ومنها قضاء أوطار هابطة ومزاولة أعمال فاسدة، لا يستطيع المرء الحصول عليها بحرية كاملة في بلاده، كتناول المسكرات والمخدرات والولوغ في مستنقع الشهوات والفواحش، وغير ذلك من الأهداف المباحة أو المحرمة.

ولكن هناك أهدافا أخرى عليا يحرص عليها المؤمن التقي وبخاصة الراغب في هداية الناس بمنهج الله، ومن تلك الأهداف:

1-تقوية المسافر إيمانه بسياحته في الأرض ونظره في الكون وتأمله فيه وأخذ العبرة منه، سواء مشى على قدميه أم استقل دابة، أم صعد إلى السماء في طائرة، أم ركب سيارة أو قطارا، أم مخر عباب البحر في سفينة.

فهو عندما يسيح في الأرض يرى كل شئ في الكون كأنه جديد: البحار والأنهار، والغابات، والحيوانات، والسحاب والمطر والجبال، والكواكب، والبشر الذين تختلف ألوانهم ولغاتهم وعاداتهم وغير ذلك، كما أن في الاطلاع على آثار الماضين-صالحين أو طالحين-عبرة لمن اعتبر، فيزداد المعتبر باعتباره صلاحا، ويهرب من الاتصاف بفساد الفاسدين، قال تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ..}. [64]

وقال تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض..}.[65]

وقال تعالى: {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شئ قدير...}. [66]

وقال تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون..}. [67]

وقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}. [68]

وقال تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}. [69]

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذه المعاني.

2-ومن الأهداف العليا للراحل والمسافر، الدعوة إلى الله وبيان الحق للناس والحث على قبوله، وبيان الباطل والحض على تركه والبعد عنه، فقد سن الله تعالى لملائكته الانتقال من مواطنهم في السماء، والهبوط منها إلى الأرض لتبليغ وحيه إلى رسله، وكذلك شرع لرسله عليهم السلام أن يرحلوا من أجل إبلاغ الحق إلى الناس في بلدان نائية وتوطين الحق وأهله فيها، كما سافر إبراهيم عليه السلام بزوجه هاجر إلى مكان البيت الحرام، وتركها هنالك وولدت ابنه إسماعيل عليه، ثم بني بعد ذلك معه البيت، فكان ذلك نواة لانبثاق الرسالة الخاتمة بعد ذلك التي انطلقت من هناك، وهكذا كان للرسول صلى الله عليه وسلم نصيب وافر في ذلك، حيث كان يؤم أسواق الناس ومخيماتهم بل وقراهم، مبلغا دعوة الله كما حصل له ذلك مع أهل الطائف، وهكذا هاجر هو وأصحابه إلى المدينة، حيث قامت دولة الإسلام، وقبل ذلك هاجر أصحابه إلى الحبشة، فرارا بدينهم ودعوة إليه، وقد بذروا الإسلام في الحبشة التي استوطنها قبل غيرها من مدن الجزيرة العربية بما فيها المدينة المنورة، ولا زال راسخا فيها إلى اليوم برغم كيد أعدائه له ولأهله، وهكذا انطلق الصحابة والتابعون فيما بعد بالحق إلى كل أنحاء الأرض المعروفة آنذاك، فارتفعت راية الإسلام ودولته في مشارق الأرض ومغاربها.

3-ومن الأهداف العليا للراحل: رفع راية الجهاد في سبيل الله، لتحطيم الحواجز التي توضع للصد عن سبيل الله والدعوة إليه، ولدفع عدوان أعداء الإسلام وتحصين الثغور منهم.

وقد بسطت القول في هذا في مجلدين كبيرين بعنوان: الجهاد في سبيل الله، حقيقته وغايته، وسيأتي توضيح كون الجهاد وسيلة من وسائل السباق إلى العقول، ليس لإكراه الناس على الدخول في الإسلام وإنما لفتح المجال لإبلاغ الحق وسماعه.

4-ومن الأهداف العليا للراحل، تفقد أحوال المسلمين، ومد يد العون لهم من ذوي اليسار والغنى، بإنشاء المساجد والمدارس والمراكز الإسلامية وغير ذلك مما المسلمون في أمس الحاجة إليه في كل مكان، ولا سيما الأقليات منهم في البلدان غير الإسلامية.

5-ومن أهم الرحلات المؤثرة في السباق إلى العقول بالحق، الرحلات العبادية، كرحلات الحج والعمرة من بلدان المسلمين القريبة والبعيدة، فإن أجواء هذه الرحلات مهيأة للأخذ والعطاء، صاحب الحق القادر على إبلاغه يعطي، ومرافقه المحتاج إلى سماع ذلك الحق يسمع ويأخذ.

6-هذا عدا الرحلات التي ينبغي أن ينظمها أهل الحق للشباب، لتحقيق إبلاغ الحق إلى عقولهم وإقناعهم به بالطرق والأساليب الممكنة المناسبة، سواء كانت رحلات استجمام أو رحلات صيد أو رحلات رياضية، أو غيرها.

إن هذه الأهداف وغيرها من الأهداف الحميدة النافعة، ينبغي أن تبين للمسلمين وأن يضعوها نصب أعينهم وهم يرحلون من بلادهم، وإذا تمكن القادرون على السباق بالحق إلى العقول من مرافقة الراحلين من إخوانهم وأبنائهم في أسفارهم، فعليهم أن يغتنموا الفرصة بتطبيق هذه الأهداف فيهم عملا.

ولما كان الراحل معرضا للمغريات والشهوات والتعامل مع غير أهل بلده ممن لا يعرفونه، و قد يدفعه ذلك إلى عدم الاحتراز عن مقارفة بعض الخلال السيئة في غربته، بخلاف بلده الذي يعرفه فيه أهله وجيرانه ومجتمعه، ولهم أخلاق وعادات يلتزمون بها ويعدون الخروج عنها شاذا عن ضوابط حياتهم، ولما كان الشارع يريد منه الالتزام بضوابط الشريعة في سفره كحضره، ويزيد على ذلك الإكثار من فعل الخير بما في ذلك الدعوة إلى الله وهداية الضال بإبلاغ الحق إلى العقول، فقد شرع الله له دعاء يلجأ به إليه عند سفره، ليحقق له به كل تلك الأهداف وغيرها من أعمال الخير، وهو يبدأ بهذه العبارة العظيمة التي تعتبر-مع كونها دعاء-توجيها للمسافر ليبني تصرفاته عليها: [اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى...] وتأتي في أثنائه هذه العبارة الدالة على حرص المسافر على حفظ الله إياه حفظا يجعله هو وأهله ممن يلازمون البر والتقوى والعمل بما يرضي الله: [اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل...]

 

ثانيا: المخيمات.

والمخيمات من الوسائل المهمة للسباق إلى العقول، من الناحتين النظرية والعملية.

لذلك ينبغي العناية بها وإقامتها في الأوقات والأماكن المناسبة، في المصيفات والصحارى والشواطئ، والإعداد لها وتنظيمها تنظيما يحقق الهدف من إقامتها، ويُكَلَّف الإعدادَ لها وتنظيمها والإشراف عليها ووضع برامجها، ذوو الكفاءة والخبرة فيها، ويُختار لها ذوو اختصاصات متنوعة من الاجتماعيين والثقافيين والرياضيين والعلماء الشرعيين، وتملأ أوقاتها كلها بالمواد المنظمة المفيدة غير المملة، بحيث تكون متنوعة ومشوقة، من مسابقات ثقافية وأدبية ورياضية، وتمثيليات، وأناشيد، ودروس علمية خفيفة ومحاضرات وحوارات، ونكات ذات مغزى وهدف، وفروسية، وتدريب على أعمال المخيمات، كنصب الخيام وتنظيفها وحراستها وفرشها، ونشاط الجوالة، وطبخ الطعام وإعداد السُّفر، وشراء ما يحتاج إليه المخيم من البلد المجاور وغير ذلك، مع الحرص على إقامة حلقات قرآنية يتحلق فيها أعضاء المخيم، لقراءة القرآن مجودا، وإشارة من عنده علم في الحلقة إلى بعض الفوائد والآداب القرآنية باختصار، وكذلك مدارسة شئ من السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين، وإبراز بعض المعاني التي تدعم هدف المخيم المقام.

ويتوقف الإيجاز والإسهاب في هذه المواد على ضيق الوقت وسعته، فقد يقام المخيم لمدة شهر أو شهرين، وقد يقام لمدة أسبوع أو أسبوعين أو يوم أو يومين، ولكل زمان ما يناسبه.

ثم إنه يختلف نشاط المخيم باختلاف الهدف منه، وباختلاف الأعضاء المشاركين فيه، فقد يكون الهدف منه مدارسة حدث معين من أحداث المسلمين الكثيرة والخطيرة، كقضية فلسطين، أو قضية البوسنة والهرسك، أو الصومال، أو إريتريا، أو بعض دول آسيا الوسطى، أو قضية أفغانستان، أو الفلبين أو غيرها من القضايا النازلة بالبلدان الإسلامية أو بلد واحد منها، يراد دراسة القضية من حيث الأهداف-أهداف المسلمين أو أهداف أعدائهم-والأسباب التي نشأت عنها القضية والمؤامرات التي تحاك لها،  وما يجب على المسلمين فعله، وموقف المنظمات الإسلامية الرسمية والهيئات الشعبية، والشبهات التي قد ترد على بعض المسلمين فيها ومحاولة دحضها وإزالتها على ضوء موقف الشريعة الإسلامية منها.

وقد يكون الهدف من المخيم تربية أعضائه أو بعضهم على معاني إسلامية معينة، كقيام الليل، والمحافظة على الأذكار المطلقة والمقيدة، والصبر والإيثار، والأخوة الإسلامية، وقد يكون الهدف منه التدريب على الدعوة وأساليبها وكيفية مخاطبة الناس بالخطبة أو المحاضرة.

وقد يكون الهدف تدريب بعض الأعضاء على إجادة العمل في بعض الوسائل الإعلامية، كالصحافة والتصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، وصحافة الحائط والملصقات ونحو ذلك، من فنون الإعلام ومواده، كالتمثيلية والمسرحية وإدارة ندوة أو حوار أو مقابلة.

وقد يكون الهدف منه التدريب على الأعمال الإغاثية، من جمع الأموال والمواد المحتاج إليها للإغاثة، كالأدوية والملابس والأغطية وغيرها، ثم التخطيط لإبلاغها إلى مستحقيها بالطرق الظاهرة والخفية، وكذلك التدرب على الإسعافات الأولية التي تمكن من يشترك في أعمال الإغاثة من مساعدة المرضى والعجزة والمصابين.

وقد يكون الهدف التدريب على أساليب مكافحة نشاطات التنصير في العالم الإسلامي، بالتعرف على المؤسسات النصرانية النشطة، ومصادر دعمها، والبلدان المستهدفة للتنصير، والوسائل المتخذة في ذلك، وما يجب على المسلمين القيام به، وكيف يُقْنَع القادرون على مكافحة التنصير بأداء واجبهم فيه، من أغنياء الأمة بالتمويل، ومن العلماء الشرعيين بالأسفار إلى تلك البلدان لتبصير الناس بالخطر التنصيري وأساليبه الماكرة، وتعليمهم عقيدة الإسلام وفرائضه، والرد على شبهات المنصرين في تزيين دينهم أو الطعن في دين الإسلام، وكذلك إقناع بعض ذوي الاختصاصات التي يحتاج إليها المسلمون المتسهدفون بالتنصير، كالطب والبيطرة والهندسة الزراعية والكهربية ونحوها، لمشاركة العلماء الشرعيين في مساعدة المسلمين المستهدفين الذي يغريهم النصارى بالمساعدة في تلك المجالات، وهكذا يحدد لكل مخيم هدفه ويخطط في إقامته لتحقيق ذلك الهدف.

إن المخيمات تعتبر مجالا خصبا لأهل الحق لإبلاغ حقهم إلى عقول الناس وبخاصة الشباب، كما أنها مجال كذلك لإزالة الباطل من العقول وصيانتها منه، إذا ما وجد المشرفون الأكفاء الذين يقومون عليها.

والمناسبات المسوغة لإقامتها كثيرة، والمهم اهتبال الفرص والتحلي بالحكمة والعمل الهادئ، والبعد عن الشعارات المثيرة التي تسبب قطع الطريق على الحق قبل وصوله إلى العقول.

 

الوسيلة الرابعة عشرة: العلا قات الدبلوماسية.

إن العلاقات التي تربط بين الدول-سواء أكانت دول البلدان الإسلامية فيما بينها، أو هي مع الدول غير الإسلامية-من أهم الوسائل التي يمكن استغلالها لإبلاغ الحق إلى عقول الناس وسبقه الباطل، لما للدول من إمكانات لا تتوافر للأفراد ولا الجماعات ولا الجمعيات.

والأصل في كل دولة أن تخدم عقيدتها ونظامها بالأساليب المتاحة لها.

ومجالات علاقات الدولة بالدولة مجالات واسعة، تشمل كل النشاطات المهمة تقريبا: السياسية والاقتصادية والثقافية-وهي من أهم العلاقات بل أهمها-والأمنية والعسكرية والتجارية، وكثيرا ما تتعدى إلى الشؤون الاجتماعية، ولذلك تجد لكل سفارة ملحقاتها المتخصصة في مجالها من العلاقات.

والواجب أن يكون ممثلو الدولة التي تقر بمنهج الإسلام، من الملتزمين بذلك المنهج في حياتهم نظريا وعمليا، حتى يكونوا صورة تحكي لرائيها ما عليه تلك الدولة من الالتزام بمنهج الإسلام.

إن السفير المسلم يجب أن يكون داعية إلى الإسلام، وأن يكون مثقفا ثقافة إسلامية متحليا بأخلاق الإسلام محققا العبودية لله في نفسه، وأن يكون شجاعا في قوله: {إنني من المسلمين...}.

وكذلك الملحقون بالسفارات ينبغي أن يكونوا ممثلين لدينهم، إيمانا وفكرا وسلوكا.

واقع محزن لبعض سفراء المسلمين.

وما قيمة سفير علماني أو ملحق علماني يمثل دولة إسلامية، وهل يؤتمن من يكره الإسلام أن ينصر قضايا الإسلام؟!

إن كثيرا من سفراء حكومات الشعوب الإسلامية، يسيرون في سلوكهم في خط معاكس لمنهج الإسلام، وأمثال هؤلاء إنما يمثلون في حقيقة الأمر منهجا غير منهج الإسلام، وانتسابهم إلى الإسلام يشوه صورته لدى غير المسلمين.

كيف يمثل الإسلام من لا يصلي جمعة ولا جماعة ولا صلاة العيد مع المسلمين، وبخاصة في البلدان غير الإسلامية، وكيف يمثل الإسلام من يحتسي في الحفلات المختلطة الصاخبة كأس الخمر أمام الملأ، وكيف يمثل الإسلام من يراقص النساء الأجنبيات، وتراقص امرأته أو ابنته الرجال الأجانب؟!

كيف يمثل الإسلام من يستدعي من بلاده فرقَ الرقص والغناء لإظهار وجه بلده المسلم بالراقصين والمغنين الذين قد امتلأت بهم كل بلدان العالم؟!

كيف يمثل الإسلام من يحارب الدعاة إلى الله، من الأئمة والخطباء الذين يبينون للناس حقائق الإسلام، ويقف في صف دعاة يحرفون معاني الإسلام ويطوعونها لأهوائه العلمانية؟!

هذه الصورة السوداء هي الغالبة على سفارات كثير من حكومات الأقطار الإسلامية التي لم ترض الإسلام منهجا لحياتها وحياة شعوبها، يعرف ذلك من تجول في عواصم بعض الدول، وبخاصة الدول غير الإسلامية التي تشكو الأقليات الإسلامية فيها شكوى مرة من تصرفات تلك السفارات العابثة.

ولكن-والحق يقال-يوجد أفراد في بعض السفارات-وإن كانوا قليلين-يمثلون الإسلام خير تمثيل هم وأهلوهم. كثر الله من أمثالهم.

 

سبل سباق السفارات الإسلامية إلى العقول.

وإذا وجد السفير الذي يمثل الإسلام [70] ويصطبغ بمعانيه فإنه-هو وملحقو سفارته يستطيعون أن يوجدوا سبلا كثيرة لسبق الحق إلى عقول الناس، ومن ذلك ما يأتي:

أولا: ينبغي أن يكون الملحق الثقافي في سفارته، جامعا بين الشريعة الإسلامية والثقافة العامة، ومضيفا إلى اللغة العربية أو لغة بلاده الإسلامية لغة البلد الذي يعمل فيه، ويكون عنده قدرة على الإجابة عن أسئلة الناس واستفساراتهم الإسلامية التي ليست شديدة الصعوبة، وإذا وجدت أسئلة صعبة يسرع في الاتصال بالعلماء الكبار في بلده للاستفادة منهم، ليفيد الناس بالإجابات الصادرة منهم، وأن يكون قادرا على رد كثير من الشبهات التي يوردها أعداء الإسلام بقصد تشويه صورته، كالمستشرقين والمنصرين والملحدين والإباحيين وغيرهم، وليس من اللائق بملحق ثقافي  مسلم يحضر اجتماعا يُتَّهَم فيه الإسلامُ بالباطل فلا يقدر على تفنيد ذلك الباطل.

ثانيا: نبغي أن تزود كل سفارات بلدان المسلمين، بمكتبة تضم أهم مصادر الإسلام ومراجعه، في التفسير والعقيدة والحديث والفقه والأصول والتاريخ والحضارة الإسلامية وغيرها من كتب اللغة العربية، وما أمكن من الكتب الإسلامية التي كتبت بلغة البلد الذي فيه السفارة أو يترجم إليها ليتمكن أعضاء السفارة أو أهل البلد من الاستفادة من تلك المكتبة.

ثالثا: ينبغي أن تزود تلك السفارة بكتيبات صغيرة، كل كتيب يتضمن شرح أحد الموضوعات الإسلامية، كالعقيدة المبسطة، لا المعقدة، وبدون ذكر مذاهب الفرق واختلافها، بل تذكر منها العقيدة الإسلامية على بساطتها كما جاءت في القرآن والسنة بعيدة عن الفلسفات الكلامية، وكصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والطهارة والوضوء، والغسل، وأحكام الصيام، والحج، والزكاة، وغيرها من فروض العين وفروض الكفاية، والمعاملات المشروعة والمحرمة، والأخلاق، وبيان شمول الإسلام، وبعض الكتيبات تكون في الرد على الشبهات التي يتهم بها الإسلام، كشبهات المستشرقين والمنصرين وغيرهم، تكتب كلها بلغة البلد الذي به السفارة أو تترجم إلى تلك اللغة، وتوزع على أفراد المسلمين الذين يترددون على السفارة أو على المراكز والمؤسسات الإسلامية  والمساجد.

رابعا: ينبغي أن يكون عند كل سفارة إسلامية إمكانات لكتابة نشرات صغيرة وطبعها وتوزيعها، لبيان ما يطرأ في المناسبات والنوازل مما يتعلق بالإسلام، وكذلك إعلانات وملصقات لنشر الوعي بالمعاني الإسلامية.

خامسا: ينبغي أن تتولى السفارة الإسلامية إقامة محاضرات وندوات، تستضيف لها رجال العلم من بلدها أو من البلد الذي هي فيه، وتدعو لحضورها أعيان البلد ومفكريها، لتوضيح بعض المفاهيم الإسلامية، وبخاصة تلك التي يتعمد أعداء الإسلام تشويه الإسلام بها، كموضوع المرأة، وموضوع الرق، وموضوع انتشار الإسلام بالسيف، والإكراه على الدخول في الإسلام، وموقف الإسلام من الديمقراطية والتعددية والحزبية ونحوها.

سادسا: ينبغي أن تزود السفارة الإسلامية ببعض أشرطة الكاسيت وأشرطة الفيديو، المشتملة على شرح بعض الموضوعات الإسلامية، إما عن طريق المحاضرات والندوات أو المؤتمرات، أو غيرها من مظاهر الإسلام، كمسيرة الحج والتجمعات الإسلامية كصلاة الجمعة وصلاة العيد، لما في ذلك من تشويق المسلمين وتحريك عواطفهم نحو الإسلام، وتعريف غير المسلمين بذلك، وإهداء تلك الأشرطة للمراكز الإسلامية والمراكز الثقافية غير الإسلامية، وحبذا لو كانت ترجمت بلغة أهل البلد.[71]

سابعا: أن يغتنم المؤهلون من أعضاء السفارة الفرص والمناسبات والاحتفالات التي يدعون إليها، لشرح قضايا المسلمين وعدالتها ومناصرتها، والبعد عن الحيف فيها، ويفعلون ذلك كذلك بالتصريحات في أجهزة الإعلام، وبخاصة الغربية منها، ليوصلوا إلى عقول الناس والرأي العام حقائق الأمور المتعلقة بالمسلمين والتي قلبها أعداء الإسلام بطرق شتى منها أجهزة الإعلام، بحيث أصبح المظلوم بسبب ذلك ظالما، والمعتدي الظالم مظلوما، كما هو الشأن في قضية فلسطين وغيرها.

 

الوسيلة الخامسة عشرة: المال.

وهذه الوسيلة هي الوسيلة المادية الأساسية التي تحرك معظم الوسائل، وبدونها تنحصر الوسائل الأخرى في زوايا ضيقة وقد يفقد كثير منها لفقد هذه الوسيلة، ولهذا كان شأن المال عظيما في الجهاد في سبيل الله، الجهاد الشرعي الشامل لكل نشاط يقوم به الإنسان في مرضاة الله، ومنه قتال أعداء الإسلام المشروع.

فالجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس ومقدم عليه في الذكر في القرآن الكريم، إلا في موضع واحد، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}.[72]

وقال تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وألئك هم الفائزون} [73]. وغيرها كثير.

 وقال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}. [74]

والسباق إلى العقول بالحق، نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله بمعناه الشامل [75] وتدخل فيه جميع الوسائل السابقة، والمال من أهم وسائل القيام بها.

فالتعليم يحتاج إلى معلم مكفِّيٍّ في رزقه، وكفايته في المال، والتعليم يحتاج إلى مشرف ومدير مؤمَّن الرزق، وتأمينه في المال.

والتعليم يحتاج إلى مناهج وكتب، وهذه تقوم بها لجان واللجان تحتاج إلى المال، والكتب تحتاج إلى طباعة والطباعة لا تتيسر إلا بالمال، وهكذا جميع وسائل التعليم لا تحصل بدون مال.

والمساجد تحتاج إلى أرض وبناء وأئمة ومؤذنين ومدرسين ولوازم أخرى كثيرة، وبخاصة إذا كان المسجد مجمّعا شاملا لنشاطات كثيرة، تعليمية ودعوية واجتماعية وثقافية وصحية وغيرها، وكلها لا تقوم إلا بالمال.

والإعلام، وقد عظم خطره في هذا العصر وتشعبت أنواعه، وهيمن على الكرة الأرضية، وأصبح يكوِّن عقول الناس بالقراءة والسماع والمشاهدة، بمواد يصعب إحصاؤها، ودعامته المادية الأساسية هي المال، وبه يستطيع المسلمون أن يوجدوا الرجال الإعلاميين والفنيين والعلماء الشرعيين والمؤلفين، والأدوات من راديو وتلفاز وجرائد ومجلات وأقمار صناعية ومسجلات وشرائط كاسيت وفيديو، ويغطون كل العالم بإبلاغ الحق إلى عقول الناس، وكيف يمكن ذلك بدون مال؟!.

والمؤتمرات والندوات تحتاج إلى رجال متخصصين وكتاب وعلماء ومفكرين يدعون لحضورها، وهم يحتاجون إلى نفقات تنقل وسكن وإعاشة، وكلها لا بد لها من المال، وتحتاج إلى لجان إدارية وفنية وإعلامية، وكلها لا بد لها من المال.

والنوادي بأنواعها قوامها-بعد الرجال-المال، وهكذا الرحلات والمخيمات والاتصالات كلها لا بد لها من المال.

وهكذا قوافل الدعاة التي يجب أن تنتشر في الأرض لإبلاغ الحق إلى عقول الناس، لا قدرة لها إلا بالمال.

ومن هنا نعلم عظم وسيلة المال في السباق إلى العقول.

 

مسؤولية الموسرين في السباق إلى العقول.

ومن هنا يجب أن يعلم الأغنياء والموسرون عظم مسئوليتهم أمام الله في السباق إلى العقول بالحق، فأكثر الأغنياء لا قدرة عندهم على أن يباشروا بأنفسهم العمل في هذا الميدان، إما لعدم العلم الذي به يسابقون إلى العقول، وإما لضيق أوقاتهم ومشاغلهم الكثيرة في جمع المال وحفظه وتصريفه، ولكنهم قادرون على تحريك كل قادر على الإسهام في هذا الميدان بكل الوسائل السابقة.

وإذا كان الواجب على العالم أن يبين بعلمه الحق للناس ويسبق به أهل الباطل إلى العقول، وإذا كان الواجب على المعلم أن يجتهد في تعليم النشء العلوم الإسلامية وما يخدمها، وإذا كان الواجب على الإعلامي أن يوصل الحق إلى عقول الناس في تخصصه، وإذا كان الواجب على القادر على التأليف أن يعكف على الكتابة ويخرج للناس الحق في كتب ونشرات، وإذا كان الواجب على المهندس أن يصنع الميكرفون واللاقط والراديو والمسجل والكاسيت، لنقل الحق إلى عقول الناس، فإن الواجب على الغني أن يمول كل أولئك وتخصصاتهم مما رزقه الله.

وكل وسيلة للسباق بالحق إلى العقول، يتوقف استغلالها على المال، فإن إثم العجز عن استغلالها يقع على أغنياء الأمة الإسلامية، وبخاصة ولاة الأمر فيها.

فكم من داعية يحترق قلبه يرغب في التنقل وإبلاغ الحق والسبق به إلى العقول أقعده عدم المال عن بغيته؟

وكم معلم كفء قادر على تعليم أبناء الأمة الإسلامية ما ينفعهم ويوصل الحق إلى عقولهم، عجز عن وظيفته بسبب حاجته وكده لجمع رزقه ورزق أهله، ولم يجد من ينفق عليه ليتفرغ للتعليم؟.

وكم كاتب عنده من الأفكار ما يحمي به عقول أبناء المسلمين من الباطل ويوصل به الحق إلى تلك العقول، لم يجد صحيفة تنشر له أفكاره؟

وكم مؤلف تكدست عنده الكراريس النافعة المفيدة لم يجد من ينشر له كتبه؟

وكم قرية أو مدينة أو حارة احتاج أهلها إلى إقامة مسجد أو وجود إمام كفء متفرغ، لم يتح لهم ذلك بسبب عدم وجود المال؟

وكم بلد يمكن أن تتخذ فيها وسائل إعلام لنشر الحق والرد على الباطل، لم يحظ أهله بذلك للعجز المالي؟

وكم من الناس يتيه في ضلال الكفر وسيئ الأخلاق، لم يجد من يهديه إلى الإسلام ومكارم الأخلاق، ولو وجد المال لوجد الهادي؟

إن غنيا واحدا من أغنياء المسلمين، قادر على إنشاء جامعات وتمويلها، وإن غنيا آخر، قادر على إنشاء إذاعة أو إذاعات وتمويلها، وإن غنيا واحدا قادر على إنشاء محطة فضائية أو محطات للبث التلفزيوني.

وإن غنيا واحدا قادر على إنشاء عدد من الجوامع والمساجد والإنفاق عليها.

وإن غنيا واحدا قادر على إيجاد مطبعة أو مطابع لنشر الكتب والعلم والفكر.

وإن غنيا واحدا قادر على إنشاء دار أو دور للترجمة وتولي الإنفاق عليها.

وإن غنيا واحدا قادر على كفالة عدد من الدعاة في أقطار العالم، وعلى الإنفاق على قوافل منهم تجوب الأرض لإبلاغ الحق إلى عقول الناس.

وإن غنيا واحدا قادر على كفالة عدد من الطلبة المسلمين لإكمال دراساتهم في مجالات متنوعة من التخصصات.

وإن غنيا واحدا قادر على إيجاد وسائل مواصلات، في البر أو البحر أو الجو للدعوة إلى الله ومنافسة أعداء الله من المنصرين.

وإن غنيا واحدا قادر على إيجاد ملاجئ لأيتام المسلمين، الذين نزلت بهم نوازل العدوان والحروب والمجاعات والكوارث، فتسابق إلى إيوائهم وملء عقولهم بالباطل أهل الباطل من اليهود والنصارى والملحدين، ولو بذل الغني المسلم من ماله ما يوفر لهم الملجأ والطعام والشراب، والدواء والمدرس، لصان بذلك عقولهم من الباطل وملأها بالحق.

فكيف لو اجتمع أغنياء المسلمين ونسقوا فيما بينهم، وأسندوا وضع أهداف السباق إلى العقول وخططها ووسائلها إلى أهل العلم والدعوة والفكر والخبرة، ثم شرعوا في بذل الأموال واستثمارها وتحبيسها على مصالح المسلمين التي تحقق تلك الأهداف والخطط والوسائل.

 

أولويات ينبغي لذوي اليسار معرفتها للعمل الإسلامي.

وينبغي أن يعرف أغنياء الأمة الإسلامية وحكامها أولويات الأعمال الإسلامية، حتى يهتموا بالأولى فالأولى منها، لما في فواتها من فوات مصالح عظيمة، وحصول مفاسد مهلكة، ونلخص ذلك في الأمور الآتية:

الأمر الأول: أنه يوجد كثير من أهل اليسار يحبون الخير ويحاولون بذل شئ من أموالهم في الأعمال الخيرية، ولكن ينقصهم معرفة الأولويات، ولذلك قد يقدمون الحاجي على الضروري والتحسيني على الحاجي. والواجب أن يدرسوا الميادين الخيرية ويقدموا الأهم على ما سواه.

الأمر الثاني: أن كثيرا من الأغنياء تخدعهم المشروعات الجماهيرية، والدعايات والصور وإحسان عرض المشروعات، بأهداف وخطط ووسائل ووساطات، وقد يكون كثير ممن يتقنون ذلك العرض مبالغين في مشروعاتهم، وقد يكون بعضهم مرتزقة ومتكسبين بأعمال خيرية وهمية، والواجب التريث والتبين بالطرق الممكنة من صدق أولئك، وحبذا لو أوفد المحسنُ مَن يتعرف له على المشروعات المدعاة بطريقة خاصة.

الأمر الثالث: أن بعض الأغنياء يربطون مساعداتهم بفئة معينة، وقد توجد فئات غيرها أكثر نشاطا منها وأشمل نفعا وأصفى منهجا وأعظم تأثيرا في الناس، كما أن بعض الأغنياء يتجهون إلى أعمال خيرية نافعة، ولكنها يوجد منها ما فيه غنية، والحاجة داعية إلى أعمال خيرية غير موجودة أو يوجد منها ما لا يكفي، فقد تجد من يكثر من بناء المساجد في أماكن تكثر فيها المساجد، ولا يوجد من يصلي في بعضها، ويهملون بناء المدارس في تلك الأماكن التي لا توجد بها مدارس، بل قد توجد مدارس غير إسلامية نصرانية أو غيرها تفسد أبناء المسلمين في عقائدهم وأخلاقهم.

الأمر الرابع: أن عدم وجود تنسيق بين المحسنين من الأغنياء، قد يجعل نشاطهم يتراكم في ميدان واحد وفي بلد واحد أو في فئة معينة، وقد يكون ذلك الميدان أو البلد أو الفئة جديرة بالاهتمام، ولكن ميادين أخرى وبلدانا أخرى وفئات أخرى محرومة من العون والمساعدة، وهي لا تقل أهمية عن غيرها، ولو وجد تنسيق واتفاق لوصل الخير إلى الجميع.

الأمر الخامس: أن في الشريعة الإسلامية بابا من أبواب الخير جرب نفعه فترات طويلة من الزمن، وقد كاد يندثر الآن بسبب وجود حكومات علمانية تحارب الإسلام وكل الوسائل التي تدعم بقاءه وانتشاره، وقد قضت على ذلك الباب في كثير من بلدان المسلمين، ألا وهو الوقف الذي يستمر نفعه ويعم في ميادين كثيرة، فلو اتجه الأغنياء إلى إحياء هذا الباب وحبس كل غني أو عدد من الأغنياء بعض المرافق، كالبساتين والعمارات والدكاكين على مشروع من المشروعات الخيرية، كمدرسة، أو مركز إسلامي، أو جهاز إعلام إسلامي، أو مطبعة إسلامية، أو دار ترجمة أو دار نشر، أو غيرها من الوسائل التي يتم بها السباق بالحق إلى العقول، لكان لذلك ثماره العظيمة في هذا المجال، وقد يترك الواقف واستثماراته لهيئة يوثق بها علما وأمانة ووعيا ومعرفة بمقاصد الشريعة الإسلامية لتنفق منه بحسب ما ترى من المصلحة بعد دراسة وتثبيت.

وإذا رؤي أن مؤسسة ما من المؤسسات تستحق أن يوقف شئ على نشاطها المفيد نفذ ذلك.

وهذا خير من ترك الأمور بدون تنظيم وترتيب، وإيجاد شئ ثابت ينفق منه عند الحاجة، أولى من الإنفاق العشوائي الذي يكثر بسبب كثرة الطالبين للمساعدة في مواسم معينة، قد يوجد من يستحق منهم وقد يوجد من لا يستحق.

ويمكن التغلب على محاربة أعداء الإسلام للأوقاف النافعة، باختيار بعض البلدان الإسلامية التي يرجى أن تسلم الأوقاف فيها من اعتداء حكوماتها عليها لتستثمر فيها، أو بعض البلدان غير الإسلامية التي فيها نوع ضمان [76] لمثل ذلك، وللحيل الشرعية نفعها في هذا الباب.

الأمر السادس: ينبغي لأغنياء المسلمين عندما يسافرون إلى خارج بلدانهم سواء أكانت بلدانا إسلامية أو غير إسلامية، أن يزوروا المراكز والمؤسسات والمدارس الإسلامية، ويتفقدوها ويعرفوا مدى نشاطها وصلاح منهجها-إن كانوا قادرين على ذلك، وإلا أخذوا معلومات عنها وعرضوها بعد رجوعهم على أهل العلم والخبرة بالمناهج، ليرشدوهم إلى صلاح تلك المناهج أو عدم صلاحها-فإذا كانت صالحة قدموا لها المساعدة المستطاعة ليستمر نفعها، وزيارة هذه المؤسسات أولى من الزيارات السياحية المباحة-بله المكروهة أو المحرمة-ويمكنهم الجمع بين السياحتين المباحة والمندوبة.

ولو أن التجار والأغنياء الذين يزورون كثيرا من البلدان في الخارج-أي في خارج بلدانهم-تفقدوا المراكز والمدارس والمؤسسات الإسلامية ورأوا نشاطها وحاجتها إلى المساعدة، لربما رقت قلوبهم وشعروا بأن من واجبهم مساعدة تلك المؤسسات والأخذ بيدها، وخاصة المؤسسات الموجودة في البلدان غير الإسلامية التي تستفيد منها الأقليات الإسلامية.

الأمر السابع: أن كثيرا من أغنياء المسلمين لا يبذلون المال إلا في إغاثة المنكوبين من المسلمين، إما بكوارث طبيعية كالفيضانات والزلازل والحروب، وما شابه ذلك، حيث يرون المنكوبين وقد أخذ الجوع أو العطش أو المرض أو الجراح أو غيرها تحصدهم حصدا، فيسرعون إلى إغاثتهم، وذلك أمر مطلوب بل فرض كفاية تأثم الأمة الإسلامية إذا لم يوجد فيها من يقوم به قياما كافيا، ولكن أولئك الأغنياء يغفلون عن مجالات الوقاية من الكوارث والنكبات قبل نزولها.

ومن أمثلة ذلك: أن بعض الشعوب الإسلامية معرضة للاعتداء عليها من قبل بعض الدول الكافرة، ويعرف الأغنياء المسلمون بما فيهم بعض الحكام أن تلك الشعوب الإسلامية تحتاج إلى المال الذي يمكنها من الدفاع عن نفسها إذا هجم عليها ذلك العدو، فلا تجد من يمدها بالمال المطلوب، حتى ينفذ العدو عدوانه عليها، ويقضي على كل مؤسساتها الدينية والتعليمية والاقتصادية وغيرها، فيهدم بيوتها ويقتل رجالها ويرمل نساءها وييتم أطفالها الذين يشردون في العراء جوعى عطشى جرحى مرضى، وعند ذلك يبذل الأغنياء بعضا من أموالهم، لإنقاذ حياة بعض من نزلت بهم النكبة، واحتل العدو ديارهم ونهب أموالهم وسبى ذراريهم.

ولو أنهم-الأغنياء-جادوا ببعض أموالهم تلك قبل الاعتداء لكان في ذلك وقاية من الاعتداء قبل وقوعه، فهل يعي الأغنياء هذا الأمر؟!

 

الوسيلة السادسة عشرة: سباق المواقع.

أي أن يقوم كل شخص من المسلمين القادرين على السباق بالحق إلى العقول من موقعه الذي هو فيه بهذا السباق.

وليس لقادر عذر في ترك القيام بهذه الوسيلة، لأنه لا يكلف الانتقال بالسباق إلى موقع آخر، حتى يعتذر بالوقت أو بالمال أو غير ذلك، فالمطلوب منه أن يتخذ الوسائل الممكنة للسباق بالحق إلى العقول في محيطه الذي هو فيه.

فرب الأسرة أو أي عضو من أعضائها، عليه أن يحصن عقول أفراد أسرته من الباطل، ويوصل إليها الحق في محيط أسرته وأقاربه، والجار عليه أن يفعل ذلك مع جيرانه-من أمكن منهم-والمدرس مع زملائه المدرسين وطلابه، والطالب مع زملائه، ويمكن أن يفعل ذلك مع أساتذته بالحكمة والأدب والأسلوب المناسب.

والمدير يفعل ذلك مع موظفيه الصغار والكبار.

والموظف يفعل ذلك مع زملائه وخدمه.

والطبيب يفعل ذلك مع مرضاه ومراجعيه وزملائه، والمهندس يفعل ذلك مع زملائه وعماله، ورئيس المصنع يفعل ذلك مع موظفيه وعماله، وهكذا كل موظف مع زملائه ومن هم تحت إدارته.

والوزير في وزارته من أعلاها إلى أسفلها، ورئيس الدولة مع من هم تحت يده، والقادرون على فعل ذلك مع رئيس الدولة يفعلون ذلك معه.

وفرق الرياضة فيما بينهم ومع الفرق الأخرى المشاركة لهم في رياضتهم، ومسؤولو النوادي مع من هم تحت يدهم، وكل عضو يفعل ذلك مع العضو الآخر. وهكذا الخبراء في مجال خبراتهم.

فخبراء المناهج يراعون في وضع المناهج هدف السباق إلى العقول بالحق وصيانتها من الباطل.

ومؤلفو الكتب الدراسية يضعون ذلك الهدف في تأليف كتبهم.

وهكذا لا يبقى أحد قادر على السباق إلى العقول بالحق إلا أمكنه القيام بذلك في موقعه.

وقد تتعدد المواقع للشخص الواحد، كأن يكون رب أسرة وإمام مسجد، أو مدير مدرسة، أو رئيس شركة، أو قائد كتيبة، أو ضابط عادي أو جندي أو غير ذلك.

وقد يكون موقع الشخص واسعا، كرئيس الدولة المسؤول عن رعيته كلها، فهو قادر بما مكنه الله من المسؤولية الأولى، أن يأمر وأن يعين المأمور بما يحتاج إليه، وأن يعين من يتابع الأمر حتى ينفذ، وأن يكوِّن اللجان التي تبلغه بما يوجد من باطل قد غرس في العقول أو يراد غرسه، فيتخذ التدابير اللازمة في أي مرفق لصيانة العقول وتصفيتها مما علق بها، وبالحق المفقود الذي يجب أن يصل إلى العقول فيتخذ التدابير اللازمة لإبلاغ ذلك الحق إلى العقول.

وهو كذلك مسؤول عن إبلاغ الحق إلى من أمكنه إبلاغه إليه من غير رعيته، للعلاقات الواسعة  مع البلدان الأخرى، وبما عنده من إمكانات الاتصال برؤساء الدول الأخرى اتصالا شخصيا، أو عن طريق أي وسيلة من وسائل الاتصال، وبما عنده من وسائل الإعلام التي يمكن أن تصل إلى شعوب كثيرة مجاورة وغير مجاورة، عن طريق الإذاعة والتلفاز والأقمار الصناعية وغيرها.

إن وسيلة المواقع وسيلة واسعة إذا نظرنا إليها هذه النظرة الشاملة، بحيث يقوم كل فرد وكل شركة أو مؤسسة، بالسباق بالحق إلى العقول من مواقعهم، فما من صاحب حق قادر على السباق به إلى العقول إلا كان في موقع أو مواقع [77].

وليعلم صاحب كل موقع قادر على صيانة عقول من هم في موقعه من الباطل أو إبلاغ الحق إليها، ثم لم يفعل ولم يقم بذلك غيره قياما كافيا، أنه آثم سيسأله الله عن ذلك يوم لقائه.

وهذه الوسيلة جديرة بأن تسمى دعوة المواقع أو سباق المواقع.

وبهذا ينتهي الكلام على القسم الأول من وسائل السباق إلى العقول بالحق وهو الوسائل السلمية [78].

 

الوسيلة السابعة عشرة: الجهاد العسكري.

كل الوسائل الماضية وغيرها تشملها كلمة الجهاد في سبيل الله لأن الجهاد قسمان: قسم معنوي، وقسم مادي، فالوسائل الماضية من قسم الجهاد المعنوي، والجهاد المادي هو الجهاد القتالي الشامل لإعداد الرجال والعتاد، ومقارعة طغاة الباطل الذين يصدون عن سبيل الله بالسيف والصاروخ.[79]

والجهاد العسكري ليس وسيلة للسباق إلى العقول بالحق بالإكراه، فلا إكراه في الدين، ولو أن أحدا أكره أحدا على أن يصرح بأنه مؤمن بدينٍ مَّا من الأديان، وقلبه غير مؤمن به في الواقع، لما كان للإكراه معنى إلا العدوان.

وإنما الجهاد وسيلة لتحطيم السدود وإزالة العقبات التي تقف في طريق إبلاغ الحق إلى عقول الناس.

فإذا ما تمكن أهل الحق من إبلاغ الحق إلى عقول الناس، وتمكن الناس من سماع الحق دون عقبات، فلا سبيل بعد ذلك إلى إكراه أحد ممن بلغه الحق على اعتقاده، بل إن شاء قبله وإن شاء رفضه وحسابه على الله.

لكن لما كان أعداء الحق من الطغاة يضيقون بالحق، ولا يأذنون لأهله بأن يبلغوه للناس، بل يحاربونه ويحاربونهم، ويمنعون الناس من سماع الحق، ليختاروا الإيمان به أو رفضه، وفي نفس الوقت يتخذون كل وسيلة للسباق بالباطل إلى عقول الناس. فإن الله تعالى شرع لأهل الحق أن يجاهدوا أولئك الطغاة بالحديد، ليتمكن أهل الحق من تبليغ الحق، ويتمكن الناس من سماعه.

وقد دل التاريخ والقرآن والواقع، أنه لا غنى لأهل الحق عن اتخاذ وسيلة الجهاد العسكري، لصيانة عقول الناس من الإكراه على اعتقاد الباطل، وليتمكن أهل الحق من إبلاغ الحق إلى عقول الناس دون إكراه على اعتقاده.[80]

وما نشاهده في هذا العصر من محاربة الإسلام والدعاة إليه، بل من الاعتداء على المسلمين، لإجبارهم على التخلي عن دينهم والدخول في الأديان الوثنية والنصرانية، كما هو الحال في الهند والبوسنة والهرسك، وما يحصل في بعض البلدان الإسلامية، من حكوماتها العلمانية التي تُظهِر-ولا تخفي-حربَها لدعاة تطبيق الشريعة الإسلامية، كل ذلك يدل دلالة واضحة أن هذه الوسيلة هي أنجع الوسائل-بعد أن أخفقت وسائل كثيرة من الوسائل المعنوية في رد أعداء الإسلام إلى صوابهم-في إتاحة الفرصة للحق، ليصل إلى عقول الناس، ولصيانة تلك العقول من الباطل.

قيض الله للمسلمين من يقودهم بالجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، والله غالب على أمره.

وتحطيم الحواجز التي يضعها الطغاة في طريق أهل الحق، لإبلاغه إلى عقول الناس أمر مشروع، لأن إبلاغ الحق إلى تلك العقول مشروع ولا يمكن أن يصل إليها إلا بتحطيم تلك الحواجز، وتلك الحواجز هي الطغاة الذين يقفون ضد الحق بالقوة.

وهاهم أهل الباطل اليوم يتذرعون بما يدعونه من حقوق الإنسان، ليسقطوا دولا يزعمون أنها تقف ضد حقوق الإنسان في شعوبها، ووصل الأمر بهم أن يعتبروا من حقوق الإنسان عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في أي بلد إسلامي، ولو كان غالب أهل البلد ينادون بتطبيق الشريعة في بلدهم، بل ولو أجريت انتخابات حزبية تعددية باسم الديمقراطية التي هم يزعمون تقديسها وعدها من حقوق الإنسان في الشعوب، وفاز دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية فوزا ساحقا، فإن أعداء الإسلام ودعاة حقوق الإنسان ومقدسي الديمقراطية، يقفون بدون حياء بجانب فئة قليلة من عبيدهم وأذنابهم العلمانيين، لسحق الأغلبية المسلمة من الشعب، لئلا يستقر الحق ويعلو ويزهق الباطل ويزول.

وإذا كان هذا هو موقف أهل الباطل من أجل حمايته وحماية العقول من نفاذ الحق إليها، فإن أهل الحق أولى بتحطيم سدود أهل الباطل-لا لإكراه الطغاة المردة أنفسهم على اعتقاد الحق ولكن-لإيصال الحق الذي يحملونه إلى الناس، وليسمع الناس دعوتهم إلى الحق وبيانه، ثم يقرروا-دون إكراه-اعتقادهم الحق أو عدم اعتقاده.

ولنضرب مثالا يقرب هذا المعنى:

حارة شب فيها حريق، فجاءت نجدة الإطفاء لإطفاء الحريق، وجاءت نجدة الإسعاف الطبي لنقل المصابين إلى المستشفيات لمعالجتهم، فوجدت النجدتان رجالا مسلحين يحيطون بتلك الحارة التي أصابها الحريق، يمنعون نجدة الإطفاء من إطفاء الحريق، ويمنعون نجدة الإسعاف الطبي من إسعاف المصابين، ويمنعون أهل الحارة من الهرب منها لينجوا بأنفسهم من الموت.

ألا يجب في هذه الحالة على الدولة أن تبعث فرقا من الشرطة أو الجيش، لطرد المسلحين الظالمين الذي يحيطون بالحارة المحروقة، لإجبار أهلها على البقاء في لهب النار ليحترقوا، ومنع من يريد إسعافهم من الوصول إليهم لإنقاذهم؟!

لا بد أن يكون جواب كل عاقل بالإيجاب.

وهكذا يجب أن يزال طغاة الباطل من طريق الحق، ليصل إلى عقول الناس، ومن طريق الناس ليصل إليهم الحق.

فالباطل أشد خطرا من النار، والحق أكثر ضرورة من الإطفاء والإسعاف، والناس الذين يحجر عليهم الطغاة ولا يأذنون لهم بسماع الحق وفهمه، أعظم حاجة إلى إطلاق حريتهم من الذين شب الحريق في منازلهم، وأهل الحق أجدر بالوصول إلى الناس من فرق الإغاثة المادية لإغاثتهم بالحق، وطغاة الباطل الذين يمنعون وصول الحق إلى الناس أولى بالاستئصال من مانعي نجدة الإطفاء من الحرائق، ونجدة إسعاف المصابين. فغاية ما يسببه الحريق هو تلف الأموال والنفوس في الدنيا، والأموال تعوض والنفوس لها آجال لا بد منها، والنفس التي تموت وهي مؤمنة ستنال الثواب الجزيل والفوز الدائم برضا الله وجنة الخلد.

أما البقاء في ضلال الكفر وظلما ته واتباع الباطل والبقاء في ظلماته، فإن نهايته الشقاء والنكد في الدنيا، والوقوع في سخط الله والعذاب الدائم في نار جهنم والعياذ بالله.

 

 

غايات أهل الباطل في السباق إلى العقول .

 

كما أن لأهل الحق غايات في سباقهم بالحق إلى العقول، فإن لأهل الباطل-كذلك-غايات في سباقهم بباطلهم إلى العقول، وقد لا يصرحون بتلك الغايات، ولكن أعمالهم وتصرفاتهم تدل على غاياتهم.

ولنذكر أهم غاياتهم تلك إجمالا، ثم نشرع في تفصيلها: 

الغاية الأولى: التمتع المطلق بكل ما في الحياة الدنيا.

الغاية الثانية: الصد عن سبيل الله.

الغاية الثالثة: تكذيب الرسل.

الغاية الرابعة: الحْوَْل بين الناس وبين إقامة الحجة عليهم.

الغاية الخامسة: إخراج الناس من النور إلى الظلمات.

الغاية السادسة: إحلال الشرك محل التوحيد.

الغاية السابعة: إنكار الإيمان بالغيب.

الغاية الثامنة: محاربة الحكم بما أنزل الله.

الغاية التاسعة: محاربة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين.

الغاية العاشرة: غرس الأخلاق الفاسدة في نفوس الناس.

الغاية الحادية عشرة: الإفساد في الأرض.

 

الغاية الأولى: التمتع المطلق بكل ما في الحياة الدنيا.

وكلمة: [المطلق] هنا مقصودة، لأن أهل الحق يتمتعون بكثير مما يتمتع به أهل الباطل، من مأكل ومشرب ومنكح ومسكن ومركب ومنصب وجاه، وغير ذلك، ولكن تمتع أهل الحق بذلك ليس تمتعا مطلقا، وإنما هو مقيد بما أذن الله فيه وشرعه.

بخلاف أهل الباطل، فإنهم يتمتعون بكل ما في الأرض تمتعا مطلقا، أي خاليا من كل قيد، من دين أو خلق، ودون معارض من رسل أو أنبياء ودعاة خير، ولا يقيدهم إلا قيد واحد فقط، وهو عدم القدرة على تناول ما يشتهون.

وهذه الغاية لا تتحقق لهم إلا إذا كثر أهل الباطل كثرة، لا تدع مجالا لأهل الحق في صدهم عن الوصول إلى غاياتهم تلك، ولذلك فهم يسعون جادين في سباقهم إلى عقول الناس، ليكسبوا أكبر عدد منهم، ليقفوا في صفهم للوصول إلى غاياتهم تلك وصد من يحاول منعهم منها.

وقد أبرز الله تعالى هذه الغاية في كتابه، والواقع يشهد بها، قال تعالى: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}[81].

وقال تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}[82].

وقال تعالى: {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون} [83].

وقال تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}[84].

وفي هذه الآيات يهدد الله تعالى الكافرين الذين جعلوا غايتهم التمتع بالحياة الدنيا، وحرصوا على تحقيق هذا التمتع الذي ألهاهم عن عبادة الله وطاعته وطاعة رسله بما ينتظرهم من جزاء يوم القيامة.

وقال تعالى:-مبينا نوعا من أنواع هذا التمتع وهو العلو في الأرض-{إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين}[85].

وبين تعالى شيئا من علو فرعون، في قوله تعالى: {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين، فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} [86].

فغاية فرعون-وكذلك كل الفراعنة-العلو في الأرض بالملك والمال وكثرة الأتباع، ولذلك يحاولون خداع الجماهير والشعوب بمظاهر ملكهم وضعف أهل الحق والوقوف ضدهم.

وقال تعالى عن فرعون، أيضا-وقد أرسل إليه موسى يدعوه إلى طاعة الله، مع ما لدى موسى من آيات دالة على صدق رسالته-:{فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى، فقال أنا ربكم الأعلى} [87].

وقال تعالى-عن نموذج من نماذج التمتع بالمال والغنى والترف-في قصة  قارون: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عندي أولم يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ(78)فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يا ليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)} [88].

وهذا الاحتفاء بمن عندهم متاع الحياة الدنيا، هو من غاياتهم التي يريدون تحقيقها، وهم يعلمون أنهم لا يُحتَفِي بهم وهم على باطل إلا أتباعُهم من أهل الباطل، وأما أهل الحق فلا يعبأ ون بما عندهم من متاع الحياة الدنيا، ولهذا فإن أهل الباطل يضيقون ذرعا بأهل الحق، لعدم اغترارهم بما عندهم، كما قال تعالى في هذه القصة: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ(80}.[89]

فالميزان يختلف عند هؤلاء وأولئك: أهل الحق يزنون الناس وما يملكون بالإيمان والعمل الصالح والصبر، وهي الصفات التي يترتب عليها رضوان الله وثوابه، وأهل الباطل يزنون الناس بما عندهم من ملك وغنى وشتان شتان.

ومما يدل على أن أهل الباطل يضيقون ذرعا بأهل الحق ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ليقيدوا تمتعهم في الحياة الدنيا بقيود شرع الله: موقف قوم شعيب من نصحه لهم بالتزام عبادة الله وحده والعدل وترك الظلم والفساد، كما قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يا قوم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ(84)وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(85)بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(86) قَالُوا يا شعيب أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ(87)}[90].

 

الغاية الثانية: الصد عن سبيل الله.

هذه هي الغاية الرئيسة الثانية التي يريد أهل الباطل تحقيقها في السباق إلى العقول، وهي الصد عن سبيل الله ومحاربة الحق وأهله، ونصر الباطل وتثبيته في الأرض، أي تحقيق كل ما يضاد غايات أهل الحق ويخالفها من غايات.

وقد أوضح القرآن الكريم في آيات كثيرة منه أن أهل الباطل كلهم يصدون عن سبيل الله، سواء في ذلك أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو المشركون الوثنيون أو المنافقون.

وفعل: "صَدَّ"  يأتي لازما، ومعناه انصراف الصاد عن الشيء والامتناع من قبوله، ويأتي متعديا، ومعناه صرف غيره عن الشيء وعن قبوله، ولا يصرف الإنسان غيره عن الحق إلا إذا كان هو نفسه قد انصرف عنه، لأن صاحب الحق لا ينصرف عنه ولا يصرف غيره.

قال تعالى عن أهل الكتاب: {قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون} [91].

وقال تعالى عن علمائهم وعبادهم: {يا أيها الذين أمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} [92].

وقال عن اليهود منهم: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} [93].

وقال تعالى عن المشركين: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط}[94].

وقال تعال: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [95].

وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم-إلى قوله:-ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ} [96].

وقال تعالى عن المنافقين-النفاق الاعتقاد-: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [97].

وقال تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين} [98].

وقال تعالى: {اتخذوا إيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون}[99].

هاتان هما الغايتان الرئيستان اللتان يضعهما أهل الباطل نصب أعينهم في سباقهم إلى العقول بباطلهم: التمتع بكل ما في الحياة الدنيا بدون التقيد بشرع الله، والصد عن سبيل الله من أجل إبطال الحق وتثبيت الباطل.

 

الغاية الثالثة: تكذيب الرسل والكفر بالوحي.

إن أقوى وسيلة يتمكن بها أهل الباطل، من الخلاص من التقيد بدين الله، ومن الاستجابة لرسله، عليهم الصلاة والسلام، هي: تكذيب أولئك الرسل في دعواهم أن الله تعالى بعثهم إلى الخلق لهدايتهم بوحيه، ووصف أولئك الرسل بضد ما يتصفون به من الصفات الحميدة التي أهلتهم لاختيار الله لهم رسلا إلى الناس، فيصفونهم بالضلال بدل الهدى، وبالسفه بدل الرشد، وبالجنون بدل كمال العقول، ويجعلونهم محلا للسخرية والاستهزاء بدلا من الاحترام والتوقير.

وينعتون الوحي الذي أنزله الله عليهم وجميع الكتب السماوية التي نزل بها جبريل من عند الله-وآخرها القرآن الكريم-بأنها أساطير الأولين وبأنها كذب وافتراء.

قال تعالى عن فرعون وقومه في موسى عليه السلام: {وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين، فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون}[100].

وأخبر تعالى أن دأب الأمم المكذبة لرسله عليهم الصلاة والسلام في كل الأزمان، هو الاستهزاء والسخرية بهم، كما قال تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [101].

وقال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون، أتواصوا به بل هم قوم طاغون} [102].

وهكذا وصفوا بينات الرسل أنها سحر، كما قال تعالى عن فرعون وقومه: {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}[103]

وقال عمن كفر بعيسى من بني إسرائيل: {فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} [104].

وقال تعالى عن المشركين الذين كفروا بالوحي المنزل على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} [105].

وقال تعالى عنهم: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين...}[106].

وقال تعالى عنهم: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}[107]

 

الغاية الرابعة: الْحَوْل بين الناس وإقامة الحجة عليهم.

ويحصل ذلك بإعراض قادة الباطل عن سماع الحق الذي يأتي به أهله، وبحض غيرهم على الإعراض عن حجج الحق وتدبرها والإصغاء إليها، بل وأمرهم بإحداث اللغط والضوضاء عندما يدعو أهل الحق إليه، كما قال تعالى عنهم: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [108]. وقال تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُون} [109].

وليس من شرط هذا الحوْل وتحققه أن يصرح أهل الباطل بمثل ما دلت عليه الآيتان المذكورتان، فيقولوا: لا تسمعوا كلام الدعاة إلى الله، أو أن على قلوبنا أغطية لا يصل إليها ما يدعون إليه، بل يتحقق بكل سبيل يؤدي إلى ذلك الحول، كوضع مناهج تعليمية، أو برامج إعلامية، أو نواد ثقافية، أو رياضة، أو دور سينما، أو غيرها مما يلهي الناس ويشغلهم عن سماع الحق وحججه ودلائله، وهذا الأسلوب أشد تأثيرا في الناس من الأمر الصريح بالإعراض عن الحق [110].

 

الغاية الخامسة:  إخراج الناس من النور إلى الظلمات.

كما قال تعالى: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [111].

 

الغاية السادسة: إحلال الشرك محل التوحيد.

ويكون ذلك بتقديس الطواغيت التي تنصب نفسها أو ينصبها غيرها آلهة للبشر، سواء أكانت قبورا أو حجارة أو أشجارا أو حيوانات، أو هي من علماء السوء الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، كما فعل علماء اليهود من قبل وغيرهم، من أمثال المجالس النيابية أو البرلمانية التي تعطي نفسها حق التشريع الذي يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، تحقيقا لمصالح الطواغيت المحاربين للإسلام وشريعته.

ويدخل في ذلك طواغيت الحكام المستبدون الذين يشرعون للناس تشريعا يخالف شريعة الله، ويحاربون تلك الشريعة عن طريق إصدار مراسيم وقوانين وأنظمة لا يقرها الإسلام، حربا منهم لله ورسوله وكتابه المبين.

ولهذا كان طواغيت المشركين العرب يستنكرون التوحيد ويتعجبون من الدعوة إليه، ويظهرون أن الأصل هو الشرك الذي يقوم على تعدد الآلهة، مصادمة للفطرة الربانية التي فطر الله الناس عليها، كما قال تعالى عنهم: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [112].

وقال تعالى عن علماء السوء الذين اشتروا الدنيا بالدين: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [113].

وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [114].

وإنما كان اتخاذهم إياهم أربابا من دون الله، لاتباعهم في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، كما وردت بذلك السنة في تفسير الآية.[115]

 

الغاية السابعة: إنكار الإيمان بالغيب والصد عنه.

ومعلوم أن الإيمان بالغيب هو أساس التسليم المطلق لله تعالى في أمره ونهيه والدينونة له، لهذا يحرص أهل الباطل على إنكاره، لما في ذلك الإنكار من إبطال الوحي والرسالة من أساسها، وما يتبع ذلك من محاربة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من قبله من إخوانه المرسلين وتقليل أتباعهم، وتكثير سواد أهل الباطل الذين يقفون ضد دعوة الرسل.

ولهذا يتذرع أهل الباطل إلى إنكار هذا الأساس بطلبهم آيات مادية يأتي بها الرسل، للدلالة على صدقهم في دعوى الرسالة، مع أنهم مهما جاءتهم من آيات مادية لم تزدهم إلا جحودا واستكبارا.

قال تعالى عن فرعون الذي أوهم قومه أن موسى عليه السلام يدعوهم إلى رب غير موجود، وأنه كاذب-حاشاه-في دعواه الرسالة، مع ما أنزل الله من الآيات العظيمة المؤيدة لموسى على فرعون وقومه، وكلها آيات مادية، فجحدها مع يقينه أنها من عند الله. قال تعالى: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين}[116].

وقال تعالى عن بني إسرائيل-وقد شرفهم الله ببعث موسى رسولا منهم إليهم،  وأنزل عليهم التوراة، وفضلهم على كثير من العالمين-في زمانهم-وأخرجهم من استعباد فرعون وظلمه لهم: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} [117].

وقال تعالى عن مشركي قريش: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} إلى قوله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} [118].

وقال تعالى: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا، وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا}[119].

 

الغاية الثامنة: نبذ الحكم بما أنزل الله ومحا ربته.

والمقصد من نبذ الحكم بما أنزل الله ومحاربة شرعه، أن تَحْكُمَ الناسَ أهواءُ أهل الباطل ورغباتُهم التي يصوغونها في صورة قوانين وأعراف وأنظمة تصادم شريعة الله، لأن نبذ الحكم بشرع الله وتحكيم ما يلبي رغباتهم وأهواءهم، يسهل عليهم استعباد الناس بتشريعهم، فيتصرفون في أنفسهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم، كما يشاءون بعيدا عن شريعة الله التي تحفظ للناس كل ذلك، إضافة إلى التلاعب بالدين وإضاعته.

قال تعالى عن قوم شعيب-وهو يأمرهم بأمر الله وينهاهم بنهيه-: {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} [120].

وقال تعالى عن قوم لوط-وقد نهاهم عن ارتكاب الفاحشة التي لم يسبقهم  إليها من أحد من العالمين، مع نهيهم عن الشرك بالله-: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} [121].

وقال تعالى عن مشركي العرب-وكانوا يشرعون لأنفسهم من دون الله، فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله-: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(137)وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(139)قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(140)وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ متشابه كلوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(141)وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(142)ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(143)وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثنين قل ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(144)قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(145)}[122].

وقال تعالى عن المنافقين-وهم الذين يمثلهم العلمانيون اليوم ممن يحاربون الحكم بشرع الله، ويحاربون الدعاة إلى تحكيمه [123]: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا(60)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(61)فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا(62)}[124]

 

الغاية التاسعة: محاربة الولاء لله ولرسوله والمؤمنين.

ويسابق أهل الباطل إلى عقول الناس بمحاربة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وتثبيته للشيطان وأتباعه، وللأهواء التي يتبعونها، لعلمهم بأن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ولاء للحق، والولاء للحق يسلبهم ولاء الناس للباطل الذي لا يملكون سواه، ولا حياة لهم بدون أنصار يؤمنون بباطلهم ويؤيدونهم عليه.

ولهذا ترى أهل الباطل يحاربون من يوالي الله ورسوله والمؤمنين، ولا يُظْهِرُ ولاءه لهم و لباطلهم، حربا شعواء، كما يحاربون كل دعوة إلى هذا الولاء، خوفا من أن يكثر أنصار الحق وأولياؤه، ويقل أنصار الباطل وأولياؤه، فيخسرون بذلك الجاه والمال والمنصب، وينتهي  تسلطهم على رقاب الناس وطغيانهم، ويقربون من يواليهم على باطلهم ويرفعون منزلته بالجاه والمال والمنصب، مع العلم أن الذي يكون ولاؤه لغير الحق لا يثبت ولاؤه ولا يدوم، لأنه إنما يوالي من رأى أن في موالاته مصلحة مادية، فإذا ظن أن تلك المصلحة ستنقطع، أو أنه سينال مصلحة أعظم منها من صاحب باطل آخر، نقل ولاءه لهذا وأصبح عدوا لمن سبق أن كان مواليا له.!

الغاية العاشرة: تثبيت الأخلاق الفاسدة في الأرض.

ومن أهم غايات أهل الباطل، تمكين الأخلاق الفاسدة وإشاعتها بين الناس في الأرض، ومطاردة الأخلاق الفاضلة وأهلها والتضييق عليهم، لتأسن الأرض وتفسد الحياة، تحقيقا لإشباع شهواتهم ونزواتهم التي لا تتحقق مع وجود الأخلاق الفاضلة وغلبتها، كما قال تعالى: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}[125].

وقال تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين أمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة} [126].

وقال تعالى: {ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} [127]

وقال تعالى: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون}[128]

وقال تعالى: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}[129].

وفي الحديث الصحيح عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ][130].

وبنظرة عجلى إلى أحوال الأمم اليوم-بما فيها أغلب الشعوب الإسلامية-يتضح للناظر ما تعانيه البشرية من الأخلاق الفاسدة، وما جنى به عليها دعاة الباطل الذين يحاربون الأخلاق الفاضلة بكل الوسائل والإمكانات، ويثبتون الأخلاق الفاسدة وينشرونها كذلك.

ويتضح للناظر كذلك حاجة العالم اليوم إلى سباق أهل الحق بأخلاقهم الفاضلة، إلى عقول الناس، لينقذوا البشرية من الأخلاق الفاسدة التي اتخذ أهل الباطل كل الوسائل ليسبقوا بها إلى عقول الناس الذين ذاقوا من جراء ذلك شتى أنواع العذاب في الدنيا، مع ما ينتظرهم من مقت الله وغضبه في الآخرة

 

الغاية الحادية عشرة: الإفساد في الأرض.

أراد الله تعالى من عباده أن يصلحوا في الأرض، ولا يفسدوا، لأن الإفساد في الأرض يعود على استخلاف الله للإنسان والغرض منه بالنقض، ولكن أهل الباطل –كعادتهم-لا ترضى نفوسهم بالصلاح والإصلاح، فيجتهدون في الإكثار من الإفساد فيها، ويسمون إفسادهم إصلاحا.

ويشمل ذلك الإفساد: النسل والنفس والعقل والمال، إضافة إلى إفساد الدين، يستغلون خيرات الأرض وبركات السماء، لنشر فسادهم وظلمهم، وإنزال الرعب على الآمنين واستعباد الناس وإذلالهم والتكبر عليهم، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [131].

وقال تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}[132].

وبالمقارنة بين غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول بحقهم، وبين غايات أهل الباطل في سباقهم إلى العقول بباطلهم، يُعلم ما يثمره كل من السباقين في حياة الناس أفرادا وأسرا وأمما ودولا.

فعندما يسبق أهل الحق بحقهم إلى عقول الناس، تتحقق في الأرض غاياتهم من سعادة وأمن على الدين والنسل والعرض والعقل والنفس والمال، وهي الضرورات التي لا حياة على الحقيقة إلا بحفظها، وما يكملها من حاجيات وتكميليات.

وعندما يسبق أهل الباطل بباطلهم إلى عقول الناس تتحقق في الأرض غاياتهم، من شقاء وخوف ونكد بضياع تلك الضرورات وما يكملها، كما هو حال العالم اليوم الذي تقدم فيه أهل الباطل بباطلهم، وتأخر أهل الحق بحقهم.

 

 

 

وسائل أهل الباطل في السباق إلى العقول .

 

ولا بد لأهل الباطل من اتخاذ وسائل للسباق بباطلهم إلى العقول، وهي كثيرة، نذكر أهمها إجمالا، ثم نأتي إلى تفصيلها:

الوسيلة الأولى: تزيين الباطل وزخرفته

الوسيلة الثانية: الثناء على أهل الباطل وقادته

الوسيلة الثالثة: حشد قادة الباطل من يؤيد باطلهم

الوسيلة الرابعة: تخويف الناس من أهل الحق

الوسيلة الخامسة: إغراء أهل الباطل مؤيديهم بالمناصب والأموال

الوسيلة السادسة: وضع قوانين لنصر الباطل ومحاربة الحق

الوسيلة السابعة: جعل التعليم منطلقا لتضليل العقول به

الوسيلة الثامنة: الإعلام.

الوسيلة التاسعة: إقامة محاكم ظالمة لحماية الباطل وأهله

الوسيلة العاشرة: جعل وسائل الحق منطلقات للباطل

الوسيلة الحادية عشرة: استغلال اختلافات أهل الحق.

 

تمهيد:

اقتضت سنة الله الكونية أن يتصارع أهل الحق وأهل الباطل في هذه الحياة منذ وجد أبو البشرية آدم عليه السلام، وعدوه إبليس لعنه الله، وأن يمتد هذا الصراع في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ابتلاء منه تعالى لأهل الحق بأهل الباطل، ولأهل الباطل بأهل الحق، ليزداد الأولون إيمانا بحقهم ويحملوه عملا وسلوكا ودعوة وجهادا، فينالوا نصر الله وتمكينه لهم في الدنيا، ورضاه ودار كرامته في الآخرة، وليزداد الآخرون الذين تكبروا على أمر الله ودعوة أنبيائه تمردا وعتوا، فينالوا الضنك و الشقاء والنكد في الدنيا-وإن تمتعوا بنعم الله فيها كالحيوانات السائمة-والعذاب الأليم السرمدي وسخط الله في الآخرة.

قال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [133]

قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [134]

وقال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب-إلى قوله تعالى:-ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} [135]

وقال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}[136]

وقال تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم} [137]

وقال تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [138]

وقال تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا} [139]

وإن الحق ليحمل عناصر قوته وبقائه في ذاته، وإن الباطل ليحمل عناصر ضعفه واضمحلاله في ذاته.

أليس الحق نورا... والباطل ظلمات؟ أليس الحق هدى والباطل ضلالا..؟ أليس الحق عدلا والباطل ظلما..؟ أليس الحق صلاحا والباطل فسادا؟ أليس الحق طهارة وتقى والباطل رجسا وفسقا؟ أليس الحق إيمانا وتوحيدا والباطل شركا وكفرا وجحودا؟ أليس الحق رحمة والباطل غلظة وقسوة ووحشية؟ أليس الحق برا والباطل إثما وعدوانا؟

إنه لو ترك الناس على فطرهم التي فطرهم الله عليها، لا يُكرهون على اعتقاد الحق ولا على اعتقاد الباطل، وإنما يعرض عليهم هذا وذاك، لاختاروا الحق ونبذوا الباطل، فالفطر السليمة التي لم تجتلها الشياطين لا تفضل الظلمات على النور، ولا الضلال على الهدى، ولا العدل على الظلم، ولا الفساد على الصلاح، ولا الرجس والفسق على الطهارة والتقوى، ولا الشرك والكفر على الإيمان والتوحيد، ولا القسوة والعنف على الرحمة واللين.

ولكن كل مولود يولد على الفطرة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه: [قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [140] لهذا كله اقتضت حكمة الله أن يكون لكل مبدأ من يحمله من البشر يعتقدونه ويعملون به، ويدعون إليه ويدافعون عنه وينصرونه، ولو كان ذلك المبدأ هو الحق الذي أنزل به كتبه وبعث به رسله وشرعه منهجا لكل البشر: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض}.[141]

ومن هنا وجد في الأرض معسكران: معسكر الحق، وهم حزب الله، ومعسكر الباطل، وهم حزب الشيطان، وقد سبق الكلام على حزب الله وغاياتهم في السباق بالحق إلى العقول ووسائلهم إلى ذلك، وكذلك سبق الكلام على حزب الشيطان وغاياتهم في السباق بالباطل، وبقي الكلام على وسائل حزب الشيطان التي يتخذ ها لذلك السباق.

وإذا كانت غايات أهل الباطل في سباقهم إلى العقول-تتلخص في الصد عن سبيل الله، والتمتع المطلق-الذي لا يقيده شرع الله-بمتع الحياة الدنيا، وتكذيب الرسل وما جاءوا به من وحي الله، والْحَوْل بين أهل الحق وإقامة الحجة على الناس-لئلا يكثر سواد أهل الحق فتضعف سلطة أهل الباطل-وإخراج الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، والسعي في إحلال الشرك محل التوحيد، وإنكار الإيمان بأصوله وفروعه، لما يلزم من غرسه في نفوس الناس من التسليم المطلق لله تعالى ولما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، ونبذ الحكم بما أنزل الله، والتحاكم إلى الطاغوت، لما في الحكم بما أنزل الله من القضاء على فسادهم وشرورهم، ولما في تحكيم الطاغوت من تحقيق مآربهم من الاعتداء على ضرورات الناس التي لا حياة لهم مستقرة بدونها، وهي الدين والنسل والنفس والعقل والمال-إذا كانت تلك هي غايات أهل الباطل في سباقهم إلى العقول بباطلهم، فإنهم قد اتخذوا لتحقيقها كل وسيلة متاحة لهم دون تقيد بشرع أو قانون، والغاية عندهم تسوغ الوسيلة.

الوسيلة الأولى: تزيين الباطل وزخرفته.

وقد تكون هذه الوسيلة أقدم الوسائل التي اتخذها أهل الباطل للسبق إلى العقول، بل هي أول وسيلة أضل بها عدو الله إبليس أَبَوَيْ البشر: آدم وحواء عليهما السلام، كما قال تعالى عنه: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور} [142].

فقد هون-الشيطان-أمرَ الله في نفوسهما، وجعل الالتزام به مؤديا إلى حرمانهما من العلو والرفعة والتمتع الطويل بالحياة، وأكد لهما بالأيمان بأنه ناصح لهما لا يريد لهما إلا الخير، فكان هو قدوة أهل الباطل في تزيين الباطل وزخرفته والتنفير من الحق والتهوين من شأنه.

وقال تعالى حاكيا عزم إبليس على هذا التزيين الماكر، واستمراره عليه وبذل جهده في إغواء كل من لم يتحصن بعبودية الله من بني البشر: {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}[143].

وقال تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم}.[144]

وبيّن سبحانه وتعالى أن أهل الباطل يقارنون الناس ويزينون لهم الباطل، كما قال تعالى: {وقيّضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [145]

وهكذا استمر أهل الباطل في كل زمان يزينون الباطل ويزخرفونه ويشوهون الحق وينفرون منه.

وهانحن في هذا الزمان نشاهد ونسمع ونقرأ من تزيين الباطل والدعوة إليه وتشويه الحق والتنفير منه، ما لم يشاهد ويسمع ويقرأ مثله في الأزمان الماضية بسبب الوسائل الكثيرة التي أتيحت في هذا العصر.

فاليهود زينوا كثيرا من أفكارهم التي يصطادون بها عقول الناس، ومن ذلك الماسونية التي أصبح كثير من أغنياء العالم ومثقفيهم، بل وبعض حكامهم أعضاء بها، يدير بهم اليهود مصالحهم في كل البلدان.

والنصارى زينوا نصرانيتهم-مع مخالفتها للفطرة كذلك، لجعلها الثلاثة واحدا والعبد معبودا من دون الله، وما فيها من الضلالات التي لا تقبلها العقول السليمة-فأضلوا كثيرا من البشر في الأرض وبخاصة الجهال والأيتام والمرضى والمحتاجين الذين يمدونهم بالمال، ويشترطون عليهم الدخول في دينهم المحرف المزيف!

والوثنيون الذين يعبدون ما لا يحصى من المخلوقات، من شمس وقمر وكواكب وأشجار وأحجار وحيوانات ونار وغيرها، زينوا وثنيتهم فاتبعها ملايين البشر في الأرض.

والملحدون زينوا إلحادهم مع مخالفته للفطرة واتبعه كثير من الناس حتى قامت عليه دولة كبرى عاثت في الأرض فسادا أكثر من نصف قرن، ثم تهاوت وتمزقت وأصبحت دولها تتناحر فيما بينها، بل أصبح في كل دولة منها أحزاب يتناحرون فيما بينهم.[146]

والقوميون زينوا قومياتهم حتى وجدوا من الأتباع ما أسقطوا به الدين والخلق، كما حصل في عهد اليهودي أتاتورك الذي حارب الإسلام حربا شعواء، بلغت إلى منع رفع شعيرة الإسلام (الآذان) باللغة العربية لغة الإسلام، وقلده في ذلك زعماء في البلدان العربية وغيرها حطموا بالقوميات المنتنة كل مقومات الأمة الإسلامية.

والعلمانيون الذين قرروا فصل الدين عن الحياة زينوا ذلك للناس حتى أصبحت غالب دول العالم علمانية تقصي الدين عن الحياة، بما في ذلك حكام الشعوب الإسلامية-إلا ما ندر-وليتها أقصت الدين عن الحياة في أنظمتها فقط وتركت للناس حريتهم في تطبيق ما يقدرون عليه من الإسلام، لو فعلت لكان الأمر أخف، ولكنها حاربته وحاربت دعاته وعلماءه الصادقين.

والمرابون زينوا للناس التعامل بالربا، حتى أصبح هو الأصل في كل أنحاء الأرض، برغم ما حصل منه ومن ويلات وكوارث على العالم وحوربت المشاريع الاقتصادية غير الربوية، فلم تأذن غالب حكومات الشعوب الإسلامية بالبنوك والمصارف الإسلامية.

وعباد الشهوات زينوا للناس فعل الفواحش والمنكرات، بأساليب شتى وبثوا وسائل نشرها حتى أصبح عالم الأرض من البشر-إلا من شاء الله-لا يفكر إلا في إشباع غرائزه بالشهوات من غير تفريق بين حلال وحرام...

وهكذا لم يبق باطل في الأرض إلا زينه أهله، بكل وسيلة من الوسائل المتاحة لهم، ودعوا إليه، وأوجدوا له أنصارا يكثرون سواده ضد الحق وأهله.

والخلاصة أنهم زينوا للناس الشرك بالله والخروج عن طاعته وشرعه والتعلق بغيره، كما زينوا اتباع الهوى والشهوات، واتخذوا لذلك كافة الوسائل المتاحة للسباق إلى عقول الناس بالباطل الذي زينوه وزخرفوه، قلبا للحقائق وإضلالا للعقول وزخرفة للباطل وتنفيرا من الحق. ألا ترى كيف وصف فرعون شركه وظلمه وعلوه وتكبره واستعباده للناس، والوقوف ضد رسول الله موسى عليه السلام وما جاء به من الوحي والدعوة إلى التوحيد والعدل والتواضع وغير ذلك من طاعة الله، وصف كل ذلك بأنه ما رآه من مصلحة قومه وهدايتهم إلى الطريق الراشد القويم؟! كما قال تعالى عنه-وهو يقف أمام حجج الرجل المؤمن موقف المهزوم-: {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}[147].وتزيين الباطل شبيه بالسحر في قلب الحقائق، كما في حديث بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا." فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ-وهو أحد رواة الحديث_: صَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ.[148]

 

الوسيلة الثانية: الثناء على أهل الباطل وقادته.

إن المبادئ لا تنتشر ولا تثبت ولا يكون لها أتباع وجماهير، إلا إذا حملها قادة يطبقونها في حياتهم ويخلصون لها ويتحمسون للدعوة إليها، ويتخذون كل الوسائل المتاحة لنشرها وتثبيتها، وكل صاحب مبدأ يريد نشره والدعوة إليه وتزيينه والثناء عليه، لا بد أن يَبْرُز هو للناس قائدا داعيا الناس إلى مبدئه، ولا بد أن ينال من الثناء عليه وعلى سيرته ما يجعل الناس يلتفون حوله ويتبعونه ويؤمنون بمبدئه.

وإذا كان صاحب الحق يكفيه ثناءً عليه الحقُّ الذي يحمله ويدعو إليه عند ذوي العقول السليمة والفطر المستقيمة، فإن صاحب الباطل يحتاج من الثناء الكاذب والإطراء المبالغ فيه من أجل تضليل عقول الناس واستخفافهم ليتبعوه ويقدسوه هو ويطيعوه، ما يستغرق الزمان الذي يعيش فيه ويطبق آفاق المكان الذي يريد أن يكون له فيه نفوذ.

لذلك ترى قادة الباطل ينفقون أموالا طائلة، ويعدون أدوات يصعب حصرها وجيوشا من البشر متخصصين في كل مجال، من أجل الثناء عليهم وإطرائهم، حتى تظهر مفاسدهم مصالح، وسوآتهم مفاخر.

فيوصف الجبان الرعديد بأنه الشجاع الصنديد، والبخيل الشحيح بأنه الكريم السميح، والظالم الغشوم بأنه العدل الرحيم، والغبي البليد بأنه الذكي الوحيد، والعاصي الفاسق بأنه ذو التقوى السابق.

ولما كان قادة الباطل بيدهم مقاليد الأمور، فإنهم يستغلون في الثناء عليهم مرافق دولهم كلها: التعليم والإعلام والمؤتمرات والندوات وكل المناسبات، فلا تسمع الأذن كلاما خاليا من مدحهم، ولا تقرأ العين مكتوبا مجردا من إطرائهم. ما يفعله غيرهم من المحا مد ينسب إليهم، وما يفعلونه هم من المساوي ينسب إلى سواهم، يكاد عبيدهم يقولون فيهم: (ليس كمثلهم شئ وهم...!)

بل إنهم يمدحون أنفسهم بأنفسهم، لينطلق خدمهم في الثناء عليهم وقد لا يبلغ ثناء غيرهم عليهم مهما بالغوا في الثناء ما أثنوا به على أنفسهم.

وقد كان فرعون نموذجا لزعماء الباطل في هذا الباب وغيره من أبواب الشر والفساد، فقد أثنى على نفسه-بعد أن جمع قومه-بأنه ربهم الأعلى، مسوغا بذلك عصيانه لله ولرسوله موسى عليه السلام عندما دعاه إلى الهدى، كما قال تعالى عنه: {هل أتاك حديث موسى، إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى، اذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى، فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، فحشر فنادى، فقال أنا ربكم الأعلى}[149].

وقال تعالى عنه: {وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين، فاستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق}[150].

إن أهل الباطل مفسدون، وفسادهم ظاهر غير خفي في الغالب، ولكنهم يقلبون الحقائق فيحصرون الصلاح في أنفسهم، كما قال تعالى عن المنافقين: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} [151].

وهكذا يثني زعماء الباطل على أنفسهم بحيازة الملك والمال والغنى، معَرِّضين بفقر أهل الحق وضعفهم، مسوغين بذلك أنهم أحق بالاتباع والطاعة في باطلهم من أهل الحق، كما قال تعالى عن فرعون أيضا: {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين، فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين}[152].

إن زعماء الباطل عندما يبالغون في الثناء على أنفسهم-وذم أهل الحق كما سيأتي-إنما يريدون بذلك صرف عامة الناس عن سماع الحق والإصغاء إلى أهله والتفكير فيه، لأنهم يعلمون أن الحق إذا ترك له السبيل ليصل إلى عقول الناس، فإنه يدمغ الباطل ويزهقه، ويجعل أهله حثالات لا قيمة لهم، ويظهر دعاة الحق وحامليه أئمة هداة وأبطالا، يقودون الناس إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.

ولهذا تجد أهل الباطل يحاولون إبراز أنفسهم مهما تنوع باطلهم-أنهم منقذو الشعوب وحماتها، ومفكروها ونجوم فنها وأساطين آدابها، وقادة جيوشها وأعلام اقتصادها، وهم ساسة فاشلون حطموا الشعوب بسياستهم الخرقاء وأذلوها لأعدائها الذين ينهبون خيراتها ويتخذونها أسواقا مربحة لتجارا تهم وصناعاتهم، ويجد أهل الباطل جماهير في شعوبهم يستخفونها فتخف لتأييدهم والتسبيح بحمدهم وتنفيذ أو أمرهم التي تصدر لتثبيت الباطل وتأييده ونشره، ومحاربة الحق ومحاصرته وطرده، وهذه الجماهير قسمان:

قسم مضلَّل العقول، يظن الباطل حقا والحق باطلا بسبب الزخم الداعم لهذا الباطل بالوسائل المتنوعة، وعدم وجود وسائل داعمة لتوصيل الحق إلى عقولهم، ولو أتيح للحق وسائل توصله إلى عقول هذا القسم لأصبح كثير منهم من أهل الحق ومناصريه ضد الباطل وأهله.

وقسم يعرف الحق والباطل، ويعلم أنه قد سلك طريق الباطل ومناصرته ضد الحق وأهله، لضعف همته واتباع هواه وإشباع شهواته المادية والمعنوية التي يمنحه إياها زعماء الباطل، من مال وجاه وسلطان.

أما الذين يفرقون بين الحق والباطل ويقفون بجانب الحق ضد الباطل فهم فئة قليلة من البشر في كل الشعوب، وهذه الفئة هي التي يخافها زعماء الباطل، لاطلاعها على أسرار الباطل، ومقدرتها على تبصير الناس بالحق ودحض الباطل وفضح أهله، بدلا من الثناء عليهم وعلى باطلهم، ولهذا تجد زعماء الباطل يحاربون هذه الفئة حربا شعواء، إلا إذا وجد بعض أفرادها وسيلة يتقوون بها على تلك الحرب، كأن يكونوا من أسر زعماء الباطل يكتمون إيمانهم بالحق، كحال مؤمن آل فرعون في دفاعه عن موسى عليه السلام، كما فصل دفاعه سورة غافر في مناظرة طويلة مع فرعون وقومه[153].

 

الوسيلة الثالثة: حشد قادة الباطل من يؤيد باطلهم.

وهم يحاولون أن يكثروا سواد مؤيديهم، من كل فئات الشعوب، ممن جهلوا الحق وخدعوا بالباطل أو استمرءوه.

إن أهل الباطل وقادته لا يقوى شأنهم ولا يستقر قرارهم ولا يبقى باطلهم، إلا إذا أيدتهم قوة تفوق قوة أهل الحق أضعافا مضاعفة، بحيث تكاد قوة أهل الحق المادية تنعدم بجانب قوة أهل الباطل، وإنما يستمد أهل الباطل قوتهم من الجماهير المؤيدة لهم، لذلك تراهم يجتهدون في حشد الجماهير التي تؤيدهم في الحق وفي الباطل.

أصناف الفئات التي يحشدها أهل الباطل لتأييد باطلهم.

أولا: فئة الأغنياء المترفين.

و المترفون من الأغنياء هم من أكثر الفئات استجابة للباطل وتأييده، وأكثر نفورا من الحق ومناصرته، والسبب في ذلك شعورهم بأن الحق يقيد الشهوات الجامحة والنزوات الطائشة، ويضع للناس منهجا يطهر القلوب ويهذب النفوس، ويدعو إلى التسامي عن عفن المع