قائمة الروابط

 

02 - سورة القصص دراسة تحليلية

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : سورة القصص دراسة تحليلية
تأليف الكتور محمد مطني
 

قال تعالى قبل هذه الآيات : { فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } ( (1) ) " ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سبباً لدعاء شعيب ( - عليه السلام - ) قال بانياً على ما تقديره : فذهبت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه بخبرهما وبإحسانه إليهما ، فأمر بدعائه ليكافئه ، قال تعالى : { فَجَاءَتْهُ } ، أي : بسبب قول الأب ، وعلى الفور "( (2) ) . فجاءت فاء التعقيب في قوله تعالى :
{ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } مشعرةً باستجابة الله له بأن ألهم شعيباً أن يرسل وراءه لينزله عنده ويزوجه ابنته( (3) ) .
فنلاحظ مرة أخرى الإعجاز القرآني في استخدام الحروف في مواضعها بحيث تغني عن جمل كثيرة ، ونلاحظ كذلك التناسب في موارد مجيء الحروف في الجمل القرآنية ، ونرى كيف أن هذه الآية جاءت متناسقة متناسبة مع الآية التي سبقتها في كمال المعنى واكتماله .
تحليل الألفاظ
1. { اسْتِحْيَاءٍ } :
الحياء التوبة والحِشْمَة ، وقد حَيَي منه حَيَاء واسْتحيا واسْتَحَى، حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء الياءين ، والأخيرتان تتعديان بحرف وبغير حرف يقولون : اسْتَحياء منك واسْتَحْياك ، واسْتَحَى منك واسْتَحَاك قال ابن بري : شاهد الحياء بمعنى الاسْتحياء( (4) ) . وقال الراغب الأصفهاني : الحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها
( (5) ) .
2. { لِيَجْزِيَكَ } :
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 24 .
(2) نظم الدر : 5/ 475 .
(3) ينظر التحرير والتنوير : 20/ 103 .
(4) ينظر لسان العرب : مادة ( حيي ) 14/ 217 .
(5) معجم مفردات ألفاظ القران : 140 . 

(1/350)


الجزاء المكافأة على الشيء جَزَاء به وعليه جَزَاء جَازَاه مُجَازَاة وجَزَاء . قال أبو الهيثم : الجزاء يكون ثواباً ويكون عقاباً( (1) ) .
3. { حِجَجٍ } :
الحجّ : القصد حجّ إلينا فلان ، أي : قَدِم . وحَجَّه يُحِجَّه حَجّاً قصده يقرا بفتح الحاء وكسرها والفتح الأصل . والحَجُّ اسم العمل والحَجّ والحِجّ ليس عند الكسائي بينها فرقان وغيره يقول : الحَجّ حَجّ البيت . والحِجّ عمل السُّنَّة . والحِجّة السَّنَة والجمع حِجَج( (2) ) .
وقال ابن عاشور : الحِجَج جمع حِجَة بكسر الحاء ، وهي السُّنَّة مشتقة من اسم الحَجّ ، لأن الحَجّ يقع كل سنة وموسم الحَجّ يقع في آخر شهر من السنة العربية
( (3) ) .
القراءات الَقُرْآنيّة
1. { فَسَقَى } :
قرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف ، وورش بالإمالة .
2. { تَوَلَّى } :
قرأ حمزة ، والكسائي ، وورش بالإمالة( (4) ) .
3. { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا } :
قرأ ابن محيصن : ( فجاءتهُ احْداهما ) بحذف الهمزة على غير قياس كقولهم يا أبا فلان( (5) ) .
4. { يَا أَبَتِ } :
قرأ ابن عامر ( يا أبتَ ) .
وقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، ويعقوب، وأبو جعفر ( يا أَبَهْ ) وقفاً( (6) )
5. { أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى } :
__________
(1) ينظر لسان العرب : مادة ( جزى ) 14/ 143 .
(2) لسان العرب : مادة ( حجج ) 2/ 277 .
(3) التحرير والتنوير : 20/ 107 .
(4) غيث النفع : ص 316 . معجم القراءات القرآنية : 5/ 14 .
(5) المحتسب : 2/150. البَحْر المُحِيْط : 7/114. الدُّرُّ المَصُون : 5/ 338 .
(6) النشر في القراءات العشر : 2/ 131 . التيسير في القراءات السبع . أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني . ت 444 هـ . تحقيق : أوتو برترزل . طبع دار الكتب العلمية . بيروت . 1996 . : ص 127. إتحاف فضلاء البشر : ص 342 .

(1/351)


روى عن أبي عمرو ( أنكحك حْدى ) بحذف همزة إحدى( (1) ) .
6. { هَاتَيْنِ } :
قرأ ابن كثير ( هَاتَّيْنِ ) بتشديد النون( (2) ) .
7. { سَتَجِدُنِي } :
قرأ نافع ، وأبو جعفر : ( سَتَجِدْنيَ )( (3) ) .
8. { أَيَّمَا } :
قرأ أبو عمرو ، والعباس ، والحسن بسكون الباء ( أَيْمَا ) . وقرأ ابن مسعود ( أيَّ الأجلين ما قضيت ) بإقحام ما بين الأجلين وقضيت ، فإن قلت : ما الفرق بين موقعي ( ما ) المزيدة في القراءتين ؟ قلت : وقعت في المستفيضة مؤكدة الإبهام ، أي : زائدة في شياعها ، وفي الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال ، أيّ : القضاء صممت على قضاءه وجردت عزيمتي له( (4) ) .
9. { عُدْوَانَ } :
قرأ أبو حيوة ، وابن قطيب : ( عِدْوَان )( (5) ) .
القضايا البلاغية
1 . قوله تعالى : { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } :
__________
(1) البحر المحيط : 7/ 115 . مختصر في شواذ القُرْآن ( كتاب القراءات الشاذة ) من كتاب البديع . لابن خالويه . ت 370 هـ . تحقيق : برجستراسر . الطبعة الثانية . بيروت ، لبنان 1986 م . : 112 .
(2) النشر في القراءات العشر 1/ 312-313 . التيسير في القراءات السبع : ص 95. الدر المصون : 5/ 339 .
(3) التيسير في القراءات السبع : ص 172. إتحاف فضلاء البشر : ص 342 . معجم القراءات القرآنية 5/ 16
(4) الكشاف : 3/ 174 . البحر المحيط : 7/ 115 .
(5) البحر المحيط 7/ 115 .

(1/352)


هي من الآيات الصورية التي تصور لنا امرأة كلها حياء وعفة وحشمة استدللنا عليه بقوله تعالى : { تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } ، فذكر الفعل المضارع
( تمشي ) ليبني عليه قوله : { عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } ، وإلا فان فعل ( جاءته ) مغن عن ذكر ( تمشي ) ، واستخدم ( على ) للاستعلاء المجازي مستعارة للتمكن من الوصف ، والمعنى أنها مستحية في مشيها ، أي : تمشي غير متبخترة ولا متثنية ، ولا مظهرة زينة ، ولكنها مبالغة في الحياء و ( الاستحياء ) مبالغة في الحياء( (1) ) .
" فان المتبع لقوله تعالى: { تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } لا يجد له نظيراً في كافة التعبيرات الإنشائية البلاغية ، وما ذلك إلا لأن استعارة المشي الحقيقي لمجازية الاستحياء مشعرة بالتصوير البياني الخاص بالصورة الفنية بكل أوجهها من حقائق السير إلى مجازات الحياء بأنواعه فالآية قمة من قمم الإعجاز التصويري القرآني "
( (2) ) .
2 .الكلام الجامع المانع :
__________
(1) التحرير والتنوير : 20/ 103
(2) الإعجاز التمثيلي في آيات الوصف : 424

(1/353)


في قوله تعالى : { إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ } في هذه الآية فنون عديدة ، فلهذا جعلها علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع المانع الحكيم الذي لا يزاد عليه ، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان في القائم بأمرك والمتعهد لشؤونك وهما الكفاية والأمانة ، فقد فرغ بالك وتم مرادك وأصبح هذا القول مثلاً يتداوله الناس على مر العصور ، وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته . وفي التعميم الذي هو أجمل وأليق في مدح النساء للرجال من المدح الخاص ، وأبقى للتحشم والتصون ولا سيما بعد أن فهمت غرض أبيها وهو تزويجها منه ، وهذا الإبهام من ابنة شعيب ( - عليه السلام - ) قد سلكته زليخا مع يوسف ( - عليه السلام - ) ، ولكن شتان ما بين الحياء المجبول والمستعمل حيث قالت لسيدها : { مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ( (1) ) ، وهي تعني ما جزاء يوسف بما أرادني من السوء إلا أن تسجنه ، أو تعذبه عذاباً أليماً ، ولكنها أوهمت زوجها الحياء أن تنطق بالعصمة منسوباً إليها الخنا إيذاناً بان هذا الحياء منها الذي يمنعها أن تنطق بهذا الأمر يمنعها من مراودة يوسف بطريقة الأحرى والأولى . إذاً هذه الآية قد حوت الإيجاز والمثل والتعميم والإبهام( (2) ) .
__________
(1) سُوْرَة يُوْسُف : الآية 25 .
(2) ينظر الكشاف : 3/ 172، والانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال . نَاصِر الدِّيْن أحمد بن مُحَمَّد بن المنير الإسكندري المالكي . ت 683 هـ . دار الكِتَاب العربي . بيروت . لبنان . ( د . ت . ) . : 3/ 172 .

(1/354)


3 .الإيجاز( (1) ) في قوله تعالى : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } إيجاز بليغ :
فان معنى شق عليه الأمر مترجح بين اليأس والرجاء ، وفيه إيماء إلى أولئك المعاسرين الذين يكلفون عمالهم أعمالاً تربو على طوقهم وتتجاوز حدود قدرتهم المعهودة ، وعلى هذا درجت الشرائع في حسن المعاملة والأخذ بالأسهل( (2) ) .
المعنى العام
{ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا }
ذكر الطبري أنه جاءت إحدى المرأتين اللتين سقى لهما تمشي على استحياء من موسى وقد سترت وجهها بثوبها ، وعن سيدنا عمر بن الخطاب ( - رضي الله عنه - ) قال :
(( مستترة بكم درعها ، أو بكم قميصها ))( (3) ) .
{ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } قال الآلوسي : " وأسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة ، وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا يخفى . فقام معها موسى ( - عليه السلام - ) ، فقال لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك "( (4) ) .
{ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }
قال ابن عطية : " فوصل موسى ( - عليه السلام - ) إلى داعيه ، فقص إليه أمره من أوله إلى أخره ، فآنسه بقوله : لا تخف من القوم الظالمين ، وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون "( (5) ) .
شبه وردها
__________
(1) الإيجاز : أن يكون اللفظ أقل من المعنى مع الوفاء به ، وإلا كان إخلالاً يفسد الكلام . معجم المصطلحات البلاغية : 1 /344 .
(2) إعراب القران وبيانه وصرفه : 5/ 310 .
(3) جامع البيان : 10/ 58 .
(4) روح المعاني : 20 /59 .
(5) المحرر الوجيز : 12/ 160 .

(1/355)


ذكر الزمخشري ، والرازي ( (1) ) مجموعة افتراضات لشبه أجابا عنها مدارهما على قول ابنة الشيخ الكبير: { إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } .
الشبهة الأولى :
فان قيل : كيف ساغ لموسى ( - عليه السلام - ) أن يعمل بقول امرأة ، وأن يمشي معها وهي أجنبية ؟
الجواب عنها : أما العمل بقول امرأة ، فكما يعمل بقول الواحد حراً كان أو عبداً ، ذكراً كان أو أنثى في الأخبار ، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه . وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا باس بها في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع .
الشبهة الثانية :
إنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى ، فكيف يلق به أخذ الأجرة عليه ، فان ذلك غير جائز في المروءة ولا في الشريعة ؟
الجواب : إن المرأة وإن قالت ذلك ، فَلعَلَّ موسى ( - عليه السلام - ) ما ذهب إليهم طلباً للأجرة ، بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ . وروي أنها لما قالت : ليجزيك كره ذلك . ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال : ( إنا أهل البيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمناً ) . حتَّى قال شعيب هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا . وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله ، فقبل ذلك على سبيل الاضطرار.
الشبه الثالثة :
كيف يليق بشعيب النبي ( - عليه السلام - ) أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ذلك الرجل عفيفاً أو فاسقاً ؟
الجواب : لعله ( - عليه السلام - ) كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها .
__________
(1) الكشاف : 3/171 . مفاتيح الغيب : 12 /241 .

(1/356)


والذي يظهرا من خلال قراءة متفحصة للآية أن المسافة كانت قصيرة جداً بدليل سرعة رجوعها إلى سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) ، فالذي يبدو أنهم كانوا ساكنين بقرب بئر الماء على عادة أهل البادية بالتجمع قرب مصادر المياه بحيث يرى ابنته حينما ذهبت لدعوة موسى ، فهي قريبة منه ، فلا خوف عليها ، وإنه حسن الظن به بسبب مدح بناته له لأنه سقى لهما ، فهو يحمل صفة المروءة والمساعدة .
{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ }
قال أبو حيان : إن القائلة هي التي ذهبت إلى موسى والتي تزوجها فيما بعد
( (1) ) . وجاء لفظ استأجرت بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف .
وعن ابن مسعود ( - رضي الله عنه - ) قال : " أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله : { عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا } ( (2) ) ، وأبو بكر في عمر .
فقد عرفت قوته من رفعه الصخرة ولا يطيقه إلا عشر رجال . وقيل : أكثر ، وأمانته من قوله لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق( (3) ).

{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ }
يفهم من قوله : ( هاتين ) على أنه كان له غيرهما ، وأراد بهاتين الحاضرتين اللتين سقيت لهما ليتأملها ، فينظر من يقع اختياره عليها منها ليعقد له عليها( (4) ) . وجعل لموسى اختيار إحداهما لأنه قد عرفها ، وكانت التي اختارها موسى ( صفّورة )وهي الصغرى وإنما اختارها دون أختها لأنها التي عرف أخلاقها باستحيائها وكلامها ، فكان ذلك ترجيحاً لها عنده( (5) ) .
__________
(1) الكشاف : 3/172 .
(2) سُوْرَة يُوْسُف : الآية 21 .
(3) ينظر المحرر الوجيز : 12/16 . الدَّرُّ المَنْثُوْرُ : 6/405 .
(4) ينظر المحرر الوجيز : 12/160 . روح المعاني : 20/67 .
(5) التحرير والتنوير : 20/106 .

(1/357)


{ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ }
أي : " قال أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى : إني أريد أن أزوجك إحدى ابنتيّ على أن تكون أجيراً لي ثماني سنوات ترعى لنا فيها غنمي ، فإن أتممت الثماني السنين التي شرطتها عليك فجعلتها عشراً فإحسان من عندك ، وما احب أن أشاقك بمناقشة ، أو مراعاة أوقات ، أو أكلفك ما فيه مشقة ، وإنك ستجدني إن شاء الله ممن تحسن صحبتهم ويوفون بما تريد من خير لك ولنا "( (1) ).
{ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ
وَكِيلٌ }
أي : " ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا لا نخرج عنه ، أيما الأجلين أطولهما أو أقصرهما وفيتك إياه ، فلا يتعدى عليّ بطلب الزيادة ، فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على ثماني ، أو فلا أكون معتدياً بترك الزيادة عليه كقولك : لا إثم علي ، وهو أبلغ في إثبات الخيرة وتساوي الأجلين في القضاء من أن يقال إن قضيت الأقصر فلا عدوان علي( (2) ). والله على ما نقول وكيل حافظ يراقبنا ويعلم ما تعاقدنا عليه "( (3) ).
ما يستفاد من النصّ
يمكن أن نستنتج المعاني الآتية من الآيات القرآنية الخاصة بزواج سيدنا موسى :
فقد رأينا الحياء والعفة المتمثلتين في ابنة سيدنا شعيب ( - عليه السلام - ) وهو ما ينبغي لكل امرأة أن لا ترفع عنها هذه النعمة العظيمة التي يريد أعداء الله أن ينتزعوه عنها بدعوى الثقافة والانفتاح.
__________
(1) تفسير المراغي : 20/52 .
(2) أنوار التنزيل : 2/214 .
(3) تفسير الكريم الرحمن : 4/ 14 .

(1/358)


ودلت كذلك على جانب عظيم من المروءة المتمثل بمساعدة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) في السقي لبنات شعيب ، وعدم أخذ الأجرة على ما قدمه من مساعدة وابتغاء بهذا العمل وجه الله جل وعلا.
ودلت الآيات كذلك على ضرورة أن يجتمع في العمل شرطان أساسيان وهما : القوة ، والأمانة . فلا تصلح القوة بلا أمانة ، ولا تنفع الأمانة بلا قوة .
ودلت كذلك على جملة من المسائل الفقهية وهذا ما سنناقشه في مبحث خاص.
المطلب الأول
المسائل المتعلقة بزواج سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) من ابنة شعيب ( - عليه السلام - )
أولاً ـ تعريفه وألفاظه ومسائله :
1 ـ تعريف النكاح في اللغة :
" نكح فلان امرأة ينكحها نكاحاً إذا تزوجها ونَكَحها ينكِحُها إذا تزوجها . أصل النكاح في كلام العرب الوطء . وقيل : للتزويج وطأً ، لأنه سبب النكاح وعقد التزويج يسمى النكاح "( (1) ) .
وذكر الراغب الأصفهاني " أصل النّكاح للعقد ، ثُمَّ أُستعير للجماع ومحال أن يكون في الأصل للجماع ، ثُمَّ أُستعير للعقد لان أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره "( (2) ) . وذكر الشافعي " أن اسم النكاح يتناول العقد فقط "( (3) ) .
وفي الحقيقة أن لفظة النكاح جاءت في القران الكريم للعقد وللوطء
أما التي للعقد فقوله تعالى : { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوف } ( (4) ) ، فالمقصود اعقدوا عليهنَّ بإذن أهلهن آتوهنَّ مهورهنّ . فلا يمكن أن يقصد بالنكاح في هذه الآية الوطء ، لأنه من غير المعقول أن يقول لوالد المرأة ائذن لي أن أطأ ابنتك أو موكلتك .
__________
(1) لسان العرب : مادة (نكح ) 2/625 ـ 626 .
(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 526 .
(3) المبسوط . شمس الأئمة مُحَمَّد بن أحمد بن أَبِي سَهْل السَّرَخْسي الحنفي أبو بَكْر . ت 483 هـ . ط2 . دار المعرفة . بيروت . 1406 هـ . : 4/192 .
(4) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 25 .

(1/359)


وقد وردت في القران الكريم لفظة النكاح بمعنى الوطء قال تعالى { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ } ( (1) ) ، فقد أخرج البخاري في جامعه الصحيح : أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ، ثُمَّ طلقها فتزوجت أخر ، فأتت النبي (- صلى الله عليه وسلم - ) فذكرت له أنه لا يأتيها ، وأنه ليس معه إلا مثلُ هدبةٍ ، فقال النبي
(- صلى الله عليه وسلم - ) : (( لا حتى تتذوقي عويسلته ويذوق عويسلتك ))( (2) ) ، إن المقصود بذوق
( العويسلة ) كناية عن المجامعة أي الوطء( (3) ) .
2 ـ النكاح في الاصطلاح الشرعي :
( عقد يفيد ملك المتعة قصداً ) ، أي : حلّ استمتاع الرجل من المرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي( (4) ).
عقد يتضمن إباحة وطء( (5) ) .
__________
(1) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 230 .
(2) صحيح البخاري بشرح العسقلاني : 8/180 .
(3) المصدر نفسه : 8 /180 .
(4) حَاشِيَة الطَّحْطَاوي أحمد بن مُحَمَّد بن إسماعيل الحَنَفي . ت 1231 هـ . على الدُّرُّ المختار لمحمد بن عَلِيّ الملَقَّب علاء الدِّيْن الحَصْكَفي الدمشقي . ت 1088 هـ . والدُّرُّ المختار هو شرح تنوير الأبصار لمحمد بن عَبْد الله بن أحمد الخَطيب التُّمُرْتَاشي الحَنَفي الغَزِّي . ت 1400 هـ . دار المعرفة للطباعة والنشر ببيروت سنة 1975 . وهي طبعة مصورة على المطبوعة بدار الطباعة العامرة ببولاق مصر سنة 1254 هـ . : 2/3 .
(5) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج . شمس الدِّيْن مُحَمَّد بن أَبِي العباس شهاب الدِّيْن أحمد بن حمزة الرَّمْلي المُتَوَّفَىَ المَصِري الأنصاري . الشهير بالشافعي الصغير . ت 1004 هـ . مَكْتَبَة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر سنة 1938 م . : 6/179 .

(1/360)


وعرفه بعض الفقهاء بأنه : عقد يفيد حلّ استمتاع كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع( (1) ) .
عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته( (2) ) .
ثانياً ـ ألفاظ عقد النكاح ( الإيجاب ـ القبول )
لا خلاف بين الفقهاء في أن الإيجاب والقبول في عقد النكاح يصحّ أن يكونا بلفظ التزويج ، أو بلفظ الانكاح ، وينعقد بهما لورود هذين اللفظيين في القران الكريم :
أولاً ـ بلفظ الزواج ، قال تعالى : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا } ( (3) ) .
ثانياً ـ بلفظ النكاح ، قال تعالى : { وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } ( (4) ) .
__________
(1) عقد الزواج وآثاره . مُحَمَّد أبو زهرة . مطبعة مخيمر بالقاهرة . 1958 م . : 37 . المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية . د . عبد الكريم زيدان . الطبعة الأولى . مؤسسة الرسالة . بيروت . 1993 م . : 6/10 .
(2) مُغْني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج . شمس الدِّيْن مُحَمَّد بن أحمد الشَّرْبِيْني القاهري الشافعي الخَطِيب . ت 977 هـ . دار الفكر للطباعة والنشر . بيروت . ( د . ت ) . : 3/123 .
(3) سُوْرَة الأَحْزَابِ : الآية 37 .
(4) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 22 .

(1/361)


وسواء اتفق العاقدان في استعمال واحد من هذين اللفظين ، أو اختلفا مثل أن يقول ولي الأمر للخاطب : زوجتك ابنتي هذه ، فيقول الخاطب : قبلت النكاح ، أو قبلت هذا التزويج( (1) ) . وقد اختلف الفقهاء في ألفاظ عقد النكاح في غير لفظي التزويج والانكاح ، وقد استدل من قال بأن النكاح موقوف على لفظ التزويج والانكاح بقوله : { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ } ، وسنعرض موجزاً لأقوال الفقهاء في ذلك مع أدلتهم :
القول الأول :
لا يصح الإيجاب والقبول بغير هذين اللفظين ( التزويج والانكاح ) وبهذا قال سعيد بن المسيب ، وعطاء ، والزهري ، وربيعة، والشافعي وهو مذهب الحنابلة(2) ).
الدليل :
قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( اتقوا الله في النساء ، فأنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ))( (3) ) ، وكلمة الله هي التزويج ، أو الانكاح فإنه لم يذكر في القرآن سواهما ، فوجب الوقوف معهما تعبداً واحتياطاً .
__________
(1) المُغْني . مُوَفَّق الدِّيْن أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن أحمد بم مُحَمَّد بن قُدَامة المَقْدِسي . ت 620 هـ . الناشر : دار الكِتَاب العربي ببيروت سنة 1972 . : 7/3 . مغني المحتاج 3/139 .
(2) المغني ( ابن قدامة ) : 7/78 . نهاية المحتاج : 6/207 . مغني المحتاج : 3/140 .
(3) صحيح مسلم : باب حجة النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) 2 /889 رقم ( 1218 ) من حديث جابر ( - رضي الله عنه - ) .

(1/362)


أما احتجاجهم بقوله تعالى : { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } ( (1) ) ، فذكر الهبة في الزواج هو خاص بالرسول (- صلى الله عليه وسلم - ) ، والهبة تجمع أن ينعقد له عليها عقد النكاح بأن تهب نفسها له بلا مهر وفي هذا دلالة على أن لا يجوز نكاح إلا باسم النكاح ، أو التزويج ولا يقع بكلام غيرهما وإن كانت معه نية التزويج( (2) ) .
القول الثاني :
ذهبت الظاهرية إلى جواز الإيجاب والقبول في عقد النكاح بلفظ التمليك إضافة إلى لفظي التزويج والانكاح ، لورود لفظ التمليك في قوله : ( - صلى الله عليه وسلم - ) إنه زوج امرأة فقال : (( ملكتكها بما معك من القرآن ))( (3) ).
القول الثالث :
__________
(1) سُوْرَة الأَحْزَابِ : الآية 50 .
(2) الأم . مُحَمَّد بن إِدْرِيْس الشافعي أبو عَبْد الله . ( 150 ـ 204 ) . برواية الربيع بن سليمان المرادي . الطبعة الأولى . شركة الطباعة الفنية المتحدة . القاهرة . 1381 هـ . : 5/37 .
(3) المحلى . عَلِيّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو مُحَمَّد . ( 383 ـ 456 ) . تحقيق : لجنة إحياء التراث العربي . دار الآفاق الجديدة . بيروت .( د . ت ) . : 9/464 . وينظر المفصل في أحكام المرأة : 6/83 .

(1/363)


ينعقد عقد النكاح بلفظ النكاح والزواج وبكل ما يفيد التملك من الألفاظ مثل لفظة ( البيع . الهبة . الصدقة . والتمليك ) إذا شهد عليه ، قال به أبو حنيفة ، وأصحابه ، والنوري ، والحسن بن حىّ( (1) ). وقد استدلوا بقوله تعالى: { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } ( (2) ) ، فقد انعقد نكاح الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) بلفظ الهبة ، فينعقد به نكاح أُمته . ولأن الطلاق يقع بالصريح والكناية قالوا ، فكذلك النكاح .
القول الرابع :
عند المالكية الألفاظ من جهة انعقاد النكاح بها هي كالآتي :
الألفاظ تصلح للإيجاب والقبول وينعقد بها النكاح إن ذكر المهر ، وهذه الألفاظ هي الانكاح والتزويج.
يصح بها الإيجاب والقبول ، وينعقد بها النكاح إن ذكر المهر وهذه الألفاظ لفظ ( وهبت ) .
ما في صحة الإيجاب والقبول به خلاف ، وهو كلفظ يقضي البقاء مدى الحياة كبعت ، أو ملكت ، فبعض المالكية جعلها مثل وهبت وبعضهم لم يجعلها بمنزلة وهبت ، فلا ينعقد بها النكاح .
__________
(1) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع . الكاساني . علاء الدِّيْن أبو بكر مسعود . ت 587 هـ . تقديم أحمد مختار عثمان . الناشر : زكريا عَلِيّ يوسف . مطبعة العاصمة . القاهرة . 1928 م . : 2/229 . الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/4988 .
(2) سُوْرَة الأَحْزَابِ : الآية 50 .

(1/364)


ما لا ينعقد بها النكاح مطلقاً ولا يصحّ أن يعبر به عن الإيجاب ، أو القبول،وهو كلفظ لا يقضي البقاء مدى الحياة كلفظ الإجارة والعارية( (1) ).
القول الراجح لاشك إن الأولى الالتزام بألفاظ النكاح الصريحة كلفظ التزويج والانكاح وذلك لخطورة عقد الزواج ومنعاً للمتلاعبين . ولكن إذا كان العرف في مدينة من المدن يستعمل لفظة معينة لديهم ، وتدل هذه على إنشاء عقد الزواج على التأييد ووجَود القرائن كالشهود والمهر فلا مانع من ذلك .
ثالثاً ـ مسائله :
المسألة الأولى
الإشهاد على عقد الزواج
قال تعالى حكاية عن أحد المتعاقدين : { وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } ، قيل : هو قول موسى . وقيل : هو قول والد المرأة ( (2) ) . والمهم أنه قد اكتفى النبيان الصالحان ـ صلوات الله عليهماـ في الإشهاد عليها بالله ولم يشهدا أحد من الخلق .
وقد اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح
القول الأول :
وهو قول جمهور الفقهاء من الشافعية ، والحنفية ، والحنابلة قالوا باشتراط الإشهاد لصحة النكاح ، وإلا كان فاسداً . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعلي ابن أبي طالب ، وقول ابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والحسن، والنخعي ، وقتادة ، والنووي ، والأوزاعي( (3) ) .

القول الثاني :
__________
(1) بُلْغَة السالك لأقرب المسالك . لأحمد بن مُحَمَّد الصَّاوِي المالكي الخَلْوَتي . ت 1241 هـ . خرج أحاديثه وفهرسه وقرر عليه بالمقارنة بالقانون الحديث : الدكتور مصطفى كمال وصفي. مطبعة دار المعارف . مصر . ط1 . 1972 ـ 1974 م . : 1/380 . المفصل في أحكام المرأة : 6/84 .
(2) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/4996 .
(3) الأم : للشافعي . المبسوط ( السرخسي ) : 5/30 . بدائع الصنائع : 5/252 .

(1/365)


ونقل الكاساني عن مالك قوله : " وقال مالك : الشهادة ليست بشرط وإنما الشرط هو الإعلان حتى لو عقد النكاح وشرط الإعلان جاز ، وإن لم يحضر شهود ، ولو حضر شهود وشرط عليهم الكتمان لم يجز "( (1) ) .
أدلة القول الأول :
أخرج الإمام الترمذي في جامعه عن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) إنه قال : (( البغايا : اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة ))( (2) ) ، والتسمية بالبغايا تشديد والمراد بالبينة الوليّ والشهود .
أخرج الإمام البيهقي عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ))( (3) ) .
__________
(1) بدائع الصنائع : 2/252 . وينظر المفصل في أحكام المرأة : 6/110 .
(2) تُحْفًةُ الأَحْوَذِيّ بشرح جامع التُّرْمِذيّ . مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَن بن عَبْد الرحيم المباركفوري أبو العلا . ( 1283 ـ 1353 ) . دار الكتب العلمية . بيروت . ( د . ت ) . : 4/234 .
(3) سُنَن البَيْهَقي الكُبرى . أحمد بن الحسين بن عَلِيّ بن موسى البَيْهَقي أبو بكْر. (384 ـ 458 ) . تحقيق : مُحَمَّد عَبْد القادر عطا . مَكْتَبَة دار الباز . مكة المكرمة . 1414 هـ ـ 1994 م : 7/125 .

(1/366)


أخرج الإمام مالك : أن عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة ، فقال: ((هذا نكاح السرّ ولا أجيزه))( (1) ) .
أدلة المالكية :
إنه عقد معاوضة ، فلا يشترط فيه الإشهاد ، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح ، وفرق ما بين النكاح والسفاح : الدُّفُّ .
فقد روي عن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) أنه قال : (( أعلنوا النكاح ولو بالدّف )) ( (2) ) ، وإن اشترط الإعلان لنفي التهم ، لأن الزنا لا يكون إلا بالسر فالحلال لا يكون إلا ضده ، وذلك بالإعلان عنه( (3) ).
المسألة الثانية
الولاية في عقد الزواج
الولاية في الاصطلاح الفقهي
تعريف الولاية في اللغة :
__________
(1) الموطأ . الإمام مالك بن أنس أبو عَبْد الله الأصبحي . ( 93 ـ 179 ) . تحقيق : مُحَمَّد فُؤَاد عَبْد البَاقِي . دار إحياء التراث العربي . مصر . ( د . ت ) . : 2 /535 . مجمع الزوائد : 4 /285 وقال : رواه الطبراني في الروض الداني (المعجم الصغير) . سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني أبو القَاسِم . ( 260 ـ 360 ) . تحقيق : مُحَمَّد شكور محمود الحاج أمرير . المكتب الإسلامي , دار عمار . بيروت , عمان . ط2 . 1405 هـ ـ 1985 م . عن مُحَمَّد بن عبد الصمد بن أبي الجراح لم يتكلم فيه أحد وبقية رجاله ثقات .
(2) صحيح ابن حبان : 9 / 374 . المستدرك على الصحيحين : 2 /200 قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . كلاهما دون لفظ ( بالدف ) . وهو بهذه الزيادة في البحر الزخار المعروف بمسند البزار . أحمد بن عمرو بن عَبْد الخالق البزار أبو بكر . ( 215 ـ 292 ) . تحقيق : د . محفوظ الرَّحْمَن زين الله . مؤسسة عُلُوْم القُرْآن ـ مَكْتَبَة العُلُوْم والحكم . بيروت ـ المدينة . ط1 . 1409 هـ . : 6 /171 وقال : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن الزبير إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد .
(3) المبسوط ( السرخسي ) : 5/31 .

(1/367)


في أسماء الله تعالى : الولي الناصر . قيل : الوِلاية بالكسر السلطان والوَلاية الوِلاية النَصرة . قيل : هم عليّ وَِلاية ، أي : مجتمعون في النّصرة ، قال سيبويه : الوَلاية بالفتح المصدر ، والوِلاية بالكسر الاسم مثل الأمارة لأنه اسم لما توليه وقمت به ، فإذا أرادوا المصدر فتحوا . الوَليّ : ولي اليتيم الذي يلي أمره ويقوم بكفايته ، وولي المرأة الذي يلي عقد النكاح دونه( (1) ) .
تعريف الولاية في الاصطلاح الشرعي :
" تنفيذ القول على الغير "( (2) ) .
وقبل الخوض في أحكام الولاية علينا أن نبين :
أسباب الولاية وهي القرابة . الملك . الولاء . الإمامة . الوصية( (3) ) مع اختلاف في بعضها وليس هنا مقام تفصيله .
أنواع الولاية "ولاية الإجبار. ولاية الندب والاستحباب. ولاية الشركة"(4).
شروط الولي " العقل . البلوغ . الحرية. اتحاد الدين. العدالة. الذكورة . الرشد )( (5) ) .
الولاية على تزويج البالغة العاقلة
تعريف البلوغُ :
البلوغُ والبلاغُ الانتهاء إلى أقصى المقْصِد والمنُتهى مكاناً كان ، أو زَماناً ، أو أمراً من الأمور المقدرة( (6) ) .
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( ولي ) 5 /407 .
(2) حاشية الطحاوي : 2/6 .
(3) بدائع الصنائع : 2/237 . المفصل في أحكام المرأة : 6/341 – 342 .
(4) بدائع الصنائع : 2/241 - 247 . شرح فتح القدير . كمال الدِّيْن مُحَمَّد بن عَبْد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام . ت 681 هـ . دار الفكر للطباعة والنشر . بيروت . ( د . ت ) . : 2/393 .
(5) المغني ( ابن قدامة ) : 7/21 . بدائع الصنائع : 2/239 . مغني المحتاج : 3/154.
(6) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 58 .

(1/368)


وعلامات البلوغ في الأنثى هي الحيض . الاحتلام( (1) ). وأدنى سن لظهور علامات بلوغ الأنثى من العمر تسع سنوات . وقال الشافعية : استكمال تسع سنين قمرية . بالنسبة للذكر أدنى سن لاحتلام الذكر أثنتا عشرة سنة( (2) ) .
فسنستعرض أقوال الفقهاء في مسألة تزويج الأب ابنته البالغة ، وهل يستأمرها ؟ مع أدلتهم باختصار وبما يفي بغرض التفسير التحليلي فقط ، فقد استدل قسم من العلماء بقوله تعالى : { أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيّ } على أن النكاح للولي ولاحظ للمرأة فيه ، لأن صالح مدين تولاه وبه قال فقهاء الأمصار وخالف في ذلك الحنفية . واستدل الأمام مالك على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير إستئمار ، وبقول مالك قال الشافعي وكثير من العلماء ، وخالف بذلك أبو حنيفة( (3) ) .
سنتعرف على آراء العلماء في هذه المسالة مع الأدلة وبشكل مختصر :
أولاً ـ مذهب الحنفية :
__________
(1) المبسوط ( السرخسي ) : 9/184 . بدائع الصنائع : 7/171 .
(2) المبسوط ( السرخسي ) : 9/184 . مغني المحتاج : 2/167 .
(3) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/4987 .

(1/369)


قالوا : لا يجوز للولي أياً كان ، أو غيره إجبار البالغة العاقلة البكر على النكاح ، لأن علة ولاية الإجبار في النكاح هي الصغر ، وقد زالت ببلوغها( (1) ) ، ومن حقها أن تزِّوج نفسها بنفسها دون الحاجة إلى إذن الوليّ ، ولا إلى أن يتولى عقد نكاحها نيابة عنها . ولكن للولي حق الاعتراض على زواجها بغير كفء ، أو بأقل من مهر المثل إذا كان هذا الولي من عصباتها( (2) ).
أدلة الحنفية :
1. من القرآن :
قوله تعالى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا } ( (3) ) .
وجوه الدلالة
أ ـ إضافة عقد النكاح إليها من غير ذكر الوليّ في قوله تعالى: { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا } .
ب ـ إضافة المراجعة إليها من غير ذكر الوليّ في قوله تعالى : { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا } ( (4) ) .
2. من السنة :
__________
(1) الهِداية شرح بداية المُبتدي . برهان الدِّيْن عَلِيّ بن أَبِي بكر بن عَبْد الجليل المَرْغِيْنَاني الفَرْغَاني أبو الحسين . ( 511 ـ 593 ) . المكتبة الإسلامية . بيروت ( د . ت ) . : 1/196 . حاشية الطحاوي على الدر المختار : 2/26 .
(2) حاشية الطحاوي على الدر المختار : 2/26 . المبسوط ( السرخسي ) : 5/10 ـ 11 .
(3) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 230 .
(4) أحكام القُرْآن . أحمد بن عَلِيّ الرَّازِي الجَصَّاص أبو بكر . ( 305 ـ 370 ) . تحقيق : مُحَمَّد الصادق قمحاوي . دار إحياء التراث العربي . بيروت . 1405 هـ . : 1 /400 .

(1/370)


روت خنساء بنت خذام الأنصارية : (( أنها أتت رسول الله فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخيّرها النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) بين فسخ النكاح وبين بقائه وعدم
فسخه )) ( (1) ) ( (2) ) .
من المعقول أن البالغة العاقلة البكر في تزويج نفسها بنفسها إنما تتصرف في خالص حقها ، وهي من أهل التصرف لكونها بالغة عاقلة ، ولهذا كان لها التصرف في مالها فكذا التصرف بزواجها( (3) ).
3. الإجماع :
اتفق الفقهاء جميعاً على جواز قيام الرجل بعقد النكاح لنفسه إذا كان جائز التصرف بماله ، والمرأة البالغة العاقلة لما كانت جائزة التصرف بمالها وجب جواز عقد نكاحها بنفسها( (4) ).
ثانياً ـ مذهب الشافعية والمالكية :
قال الشافعي : لا تزوج المرأة نفسها ، أي لا تملك مباشرة عقد النكاح بحال لا بأذن من وليّها ولا من غيره . سواء كانت هي الموجبة في عقد النكاح ، أو القابلة له . وإن الذي يباشر عقد النكاح لها هو وليها وليست هي( (5) ) .
وللأب ولاية الإجبار على ابنته البالغة العاقلة البكر فله أن يزوجها بدون حاجة إلى إذنها ولا توقف على هذا الإذن( (6) ) .
الأدلة :
1. من القرآن :
__________
(1) صَحِيْح البُخَارِي : باب إذا زوج ابنته وهي كارهة 5 /1974 رقم ( 4845 ) .
(2) الهداية : 1/196 .
(3) أحكام القرآن ( الجَصَّاص ) : 1/402 .
(4) أحكام القرآن ( الجَصَّاص ) : 1 /402 .
(5) الأم : 5/12 ـ 13 . نهاية المحتاج : 6/ 224 . مغني المحتاج : 3/174 . بدية المُجتهِد ونهاية المقتصد . مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد بن رشد القرطبي بن الإِمَام مُحَمَّد بن أحمد بن رُشْد القُرْطُبي . الملقب بابن رُشْد الحَفيد أَبِي الوليد . ت 595 هـ . دار الفكر للطباعة والنشر . بيروت . ( د . ت ) . : 2/5 .
(6) الأم : 5/19 . مغني المحتاج : 3/149 . نهاية المحتاج : 6/224 .

(1/371)


قال تعالى : { فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } ( (1) ) دليل على اعتبار الوليّ في عقد النكاح ، وأنه هو الذي يتولى عقد لموليّته . ولو كان الحقُّ لها في عقد النكاح لنفسها لما كان لعضله معنى .
2. من السنة النبوية :
قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( لا نكاح إلا بولي ))( (2) ) .
وقوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها
باطلْ )) ( (3) ) .
قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( الثيب أحق بنفسها من وليِّها ، والبكر يزوجها
أبوها ))( (4) ) .
3. المعقول :
لا يليق بمحاسن العادات دخول المرأة في أمر النكاح ولا اشتراكها مع الرجل في إنشاء عقد النكاح.
وقال الشافعي : يستحب للولي المجبر ( الأب ) أن يستأذن ابنته البالغة العاقلة البكر في تزويجها قبل أن يعقد لها عقد النكاح تطييباً لخاطرها( (5) ) .
ثالثاً . الحنابلة :
فهم مع الشافعية والأحناف في مسألة أن المرأة البالغة البكر لا تملك تزويج نفسها ، أما في مسالة هل للأب ولاية الإجبار على ابنته البالغة العاقلة البكر فيزوجها جبراً دون توقف على إذنها.
قال أبن قدامة الحنبلي عن أحمد روايتان :
الرواية الأولى : له إجبارها على النكاح وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة .
__________
(1) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 232 .
(2) صَحِيْح البُخَارِي : باب من قال لا نكاح إلا بولي 5/1970 . صحيح ابن حبان : 9 /386 من حديث عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ .
(3) صحيح ابن حبان : 9/ 384 . المستدرك على الصحيحين : 2 /182 من حديث عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
(4) صحيح مسلم : باب استئذان الثيب في النكاح 2/ 1037 رقم ( 1421 ) من حديث ابْن عَبَّاس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ .
(5) ينظر المفصل في أحكام المرأة : 6/ 344 .

(1/372)


الرواية الثانية : ليس له ذلك واختارها أبو بكر وهو مذهب الأوزاعي ، والنوري( (1) ).
والدليل على الرواية الأخيرة ما روي عن ابن عباس : (( أن جارية بكراً أتت النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة فخَّيرها النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) )) ( (2) ) ، ولأنها جائزة التصرف في مالها فلم يجز إجبارها على الزواج كالثيب والرجل .
المسألة الثالثة
تعين الزوجة
ذكر القرطبي ـ رحمه الله ـ في قوله : { إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } ما يدل على أنه عرض لا عقد ، لأنه لو كان عقداً لعين المعقود عليها له لأن العلماء وإن كانوا قد اختلفوا في جواز البيع إذا قال : بعتك أحد عبدي هذين بثمن كذا ، فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا يجوز في النكاح ، لأنه خيار وشيء من الخيار لا يلصق بالنكاح .
__________
(1) المغني ( ابن قدامة ) : 7/40 .
(2) . سُليمان بن الأشعث السِّجِسْتَاني الأزدي أبو داود . ت 275 هـ . تحقيق : مُحَمَّد محيي الدِّيْن عَبْد الحميد . دار الفكر للطباعة والنشر . ( د . ت ) . : 2 /232 رقم ( 2096 ) . السنن الكبرى ( البيهقي ) : 7 /117 رقم ( 13447 ) وقال البيهقي : فهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني والمحفوظ عن أيوب عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً .

(1/373)


وذكر القرطبي أنه إنما عرض الأمر مجملاً ( أي والد البنتين ) ، ثُمَّ عين بعد ذلك وقد قيل : إنه زوّجه صفوريا وهي الصغرى ، وهي التي جاءت خلفه القائلة : { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ } . وقيل : إن الحكمة في تزويجه الصغرى من قبل الكبرى إنه توقع أن يميل إليها لأنه رآها عند البئر وما شاهده في إقباله إلى أبيها معها فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار وهو يضمر غيره( (1) ).
قال الشافعي بهذا الخصوص : " لا يكون التزويج إلا لامرأة بعينها "( (2) ).
المسألة الرابعة
المهر
تعريف المهر لغة واصطلاحاً :
1. المهر في اللغة :
المهر : الصداق ، وقد مهر المرأة بمهَرها ويمهُرها مهراً وأمهرتها زوجتها غيري على مهر( (3) ).
2. المهر في الاصطلاح :
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/4988 . منتهى المرام في شرح آيات الأحكام . عبد السلام مُحَمَّد بن الحسين بن الإمام القاسم بن مُحَمَّد . الدار اليمنية للنشر والتوزيع . الطبعة الثانية . 1986 م . : 426 .
(2) الأم : 5/38 .
(3) لِسَان العَرَب : مَادة ( مهر ) 5/184 .

(1/374)


وهو الصداق ، وهو اسم لما يجب على الرجل للنساء في النكاح والوطء( (1) ) . وللمهر أسماء : الصداق . الصدقة . النِحلة . الفريضة . والأجر . الطول . العلائق . العقر . وزاد بعضهم اسم النكاح لقوله : { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً } ( (2) ) ( (3) ) .
أما الدليل على مشروعيته فقوله تعالى: { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } ( (4) ).
وهناك عدة تساؤلات فيما يخص المهر وبخصوص زواج سيدنا موسى مع صالح مدين ، وهي :
أولا ـ هل تكون المنفعة مهراً ؟
قال الجمهور : تصح تسمية المنفعة مهراً في عقد النكاح كسكن الدار ، أو منفعة عمل يقوم به حرّاً ، أو عبد( (5) ) ، فالقاعدة عندهم كلّ ما جاز ثمناً في البيع ، أو أجرة في الإجارة من العين والدين والمال المؤجل والقليل والكثير ومنافع الحر والعبد وغيرها جاز أن تكون صداقاً ( أي مهراً )( (6) ) .
__________
(1) ينظر حَاشِيَة الدسوقي على الشرح الكبير . مُحَمَّد بن أحمد بن عَرَفة الدُّسُوقي المالكي . ت 1230 هـ . تحقيق : مُحَمَّد عليش . دار الفكر . بيروت . ( د . ت ) . : 2 /293. كشاف القناع : 5 /128. حَاشِيَة رَدّ المحتار على الدُّرُّ المُختار شرح تَنْوير الأبصار . رد المحتار . السيد مُحَمَّد أمين عابِدِيْن بن السيد عُمَر عابِدِيْن بن عَبْد العزيز الدَّمَشْقي الحنفي . ت 1252 هـ . دار الفكر للطباعة والنشر . بيروت .ط2 . 1386 هـ . : 2 /329
(2) سُوْرَة النُّوْرِ : الآية 33 .
(3) المغني ( ابن قدامة ) : 7/209 . مغني المحتاج : 3/220 .
(4) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 4 .
(5) المحلى : 9 /603 .المغني ( ابن قدامة ) : 7/212 . مغني المحتاج : 3/220 .
(6) المغني ( ابن قدامة ) : 7/212 . ينظر المفصل في أحكام المرأة : 7/54 ـ 55 .

(1/375)


ويترتب على ذلك أنه يجوز أن يكون المهر عملاً يقوم به الزوج حراً كان أو عبداً فيه منفعة لزوجته سواء كان خدمة معينة لها كخدمة سنة كذلك لو جعل مهرها أن يبني دارها ، أو يخيط ثوباً لها ، أو يرعى غنمها مدة معينة ( (1) ). وفيما يأتي تفصيل آراء العلماء في ذلك :
الشافعية :
قال الشافعي : " الصداق ثمن من الأثمان ، فكل ما يصلح أن يكون ثمناً صلح أن يكون صداقاً ، وذلك مثل أن تنكح المرأة الرجل على أن يخيط لها الثوب ، ويبني لها البيت ، ويذهب بها البلد ، ويعمل لها العمل ، فإن قال قائل : ما دلّ على هذا ؟ قيل : إذا كان المهر ثمناً كان في معنى هذا ، وقد أجازه الله عز وجل في الإجارة في كتابه ، وأجازه المسلمون ، فذكر قصة شعيب وموسى في النكاح فقالت : { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ } وقال : " لا أحفظ من أحدٍ في أن ما جازت عليه الإجارة جاز أن يكون مهراً "( (2) ) .
المالكية :
المشهور عن مالك الكراهة ، ولذلك رأى نسخه قبل الدخول وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون( (3) ) .
الحنفية :
لقد فصل الأحناف القول في هذه المسألة :
فعندهم منافع الأعيان من المنقولات والعقارات تقع تسميتها مهراً في عقد النكاح ، لأن هذه المنافع تعتبر أموالاً ، أو إنها ألحقت بالأموال في سائر العقود ولمكان الحاجة إليها .
منافع الحر .
جعل مهرها خدمتها :
قالوا : لو تزوج رجل حرّ امرأة على أن يخدمها سنة ، فالتسمية فاسدة ولها مهر المثل في قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف . وعند محمد التسمية صحيحة ولها قيمة الخدمة .
تزوجها على فعل لها غير خدمتها :
__________
(1) المغني ( ابن قدامة ) : 7/212 .
(2) الأم : 5/161 . منتهى المرام : 426 .
(3) بداية المجتهد : 2/20 .

(1/376)


أما لو تزوجها على مهره وأن يقوم لها بفعل ، وليس في الفعل استهانة له ولا مذلة كزراعة أرضها ونحو ذلك من الأعمال خارج البيت التي لا مهانة فيها ولا مذلة صحت تسمية هذه الأفعال مهراً في عقد النكاح .
وقال الكاساني : لفظ رواية الأصل يدل على أن التسمية لا تصحّ في رعي غنمها كما لا تصح في خدمتها لأن رعي غنمها كخدمتها( (1) ) .
وجاء في الفتاوى الهندية في فقه الحنفية : " ولو تزوجها على أن يرعى غنمها ، أو يزرع أرضها في رواية لا يجوز ، وفي رواية جاز ، والأولى رواية الأصل والجامع . والصواب أن يسلم لها إجماعاً استدلالاً بقصة موسى وشعيب
( - عليه السلام - ) وشريعة من قبلنا تلزمنا إذا قص الله تعالى أو رسوله بلا إنكار( (2) ) .
المسألة الخامسة
مسألة الدخول قبل النقد
قال تعالى عن شعيب (- عليه السلام - ) في قوله : { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ } هنا يتبادر سؤالاً مهماً هل دخل سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) حين عقد أم حين سافر ؟ فإن كان دخل حين سافر فطول الانتظار في النكاح جائز ، وإن كان مدى العمر بغير شرط( (3) ) .
__________
(1) ينظر بدائع الصنائع : 2 /278 .
(2) الفتاوى الهِندية ( العالَمْكَيْرية ) . جمعت بأمر سلطان الهند محيي الدِّيْن مُحَمَّد اورُنْك زِيْب عالَم كَير ت 1118 هـ . المكتبة الإسلامية بديار بَكْر بتُرْكيا . ط3 1393 هـ . وهي مصورة على ط2 المطبوعة بالمطبعة الأميرية ببولاق مصر 1310 هـ . : 1/283 . وينظر المفصل في أحكام المرأة : 7/56 ـ 57 .
(3) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/4990 .

(1/377)


وإن كان دخل حين عقد ؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال نود أن نبين " أن المهر يجبُ بنفس عقد الزواج ، لأنه من آثار هذا العقد ، فإن اتفق عليه الطرفان فهو المهر المسمى وهو الواجب بعقد الزواج ، ولكن هذا الوجوب يبقى قلقاً لا يستقر ولا يتأكد وجوبه ويلزم الزوج به إلا إذا حصل ما يؤكده ومؤكداته هي : الدخول ، أو موت أحد الزوجين ، أو الخلوة الصحيحة "( (1) ) .
وقد ذكر القرطبي " قد منع علماؤنا من الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار ، قاله ابن القاسم والمتأخرين من أصحابنا قالوا : تعجيل ، أو شئ منه مستحب ، فإن كان الصداق رعيةُ الغنم فقد نقد الشرع في الخدمة "( (2) ) .
وقال ابن قدامة : " لا يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئاً سواء كانت مفوضة ، أو مسمى لها ، قاله سعيد بن المسيب ، والحسن ، والنخعي ، والنووي الشافعي ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وابن عمر ، والزهري ، وقتادة ، ومالك لا يدخل حتى يعطيها شيئاً "( (3) ) .
المسألة السادسة
اشتراط الولي شيئاً من المهر لنفسه
لقد استدل قسم من العلماء باشتراط سيدنا شعيب ( - عليه السلام - ) الإجارة من سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) مقابل تزويجه ابنته ، قال الله تعَاَلىَ على لسان شعيب : { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } . وقسم أخر من العلماء لم ير أن له الحق في ذلك ، وفيما يأتي أقوال العلماء في ذلك :
قال الحنابلة : " يجوز لأبي المرأة أن يشترط شيئاً من صداق ابنته لنفسه ، وبهذا قال إسحاق ، وروي نحو ذلك عن علي بن الحسين "( (4) ).
__________
(1) المفصل في أحكام المرأة : 7/88
(2) الجامع لأحكام القرآن : 6/4990
(3) المغني ( ابن قدامة ) : 7/245
(4) المغني ( ابن قدامة ) : 7/224 ـ 225 . المفصل في أحكام المرأة : 7/80

(1/378)


وقال الشافعي : " إذا فعل ذلك فلها مهر المثل وتفسد التسمية لأنه تعطي من صداقها لأجل هذا الشرط الفاسد ، ولأن المهر لا يجب إلا للزوجة لأنه عوض بعضها "( (1) ) .
واحتج الحنابلة :
بقوله تعالى في قصة شعيب وتزويجه إحدى ابنتيه موسى ( - عليه السلام - ) { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج } فجعل المهر الإجارة على رعاية غنمه وهو شرط لنفسه .
وذكر القرطبي أن قسم من العلماء قالوا : " هذا الذي جرى من شعيب لم يكن ذكراً لصداق المرأة ، وإنما كان اشتراطاً لنفسه على ما يفعله الأعراب ، فإنها تشترط صداق بناتها وتقول : لي كذا في خاصة نفسي . وترك المهر مفوضاً ونكاح التفويض جائز "( (2) ).
__________
(1) المغني ( ابن قدامة ) : 7/224 ـ 225 . المفصل في أحكام المرأة : 7/80 .
(2) الجامع لأحكام القرآن :6/4994 .

(1/379)


قال ابن العربي : " هذا الذي تفعَلُه الأعراب هو حلوان وزيادةُ على مهر . وهو حرام لا يليق بالأنبياء ، فأما إذا شرط الوليُّ شيئاً لنفسه فقد اختلف علماؤنا فيما يخرجه الزوج من يده ولا يدخل في يد المرأة على قولين : أحدهما أنه جائز ، والآخر لا يجوز. والذي يصح عندي التقسيم . فان المرأة لا تخلو إما أن تكون بكراً ، أو ثيباً ، فان كانت ثيّباً جاز لأن نكاحهَا بيدها ، وإنما يكون للوليّ مباشرة العقد ، ولا يمتنع العِوَض عنه كما يأخذُه الوكيلُ على عقد البيع ، وإن كانت بكراً كان العَقْدُ بيده ، فكأنه عِوَضٌ في النكاح لغير الزوجة ، وذلك باطل ، فإن وقع فُسِخ قبل البناء وثبت بعده على مشهور الرواية "( (1) ) .
المطلب لثاني
الإجارة
تعريفها ، وأركانها ، ودليل مشروعيتها ، والمسائل المتعلقة بها
تعريف الإجارة في اللغة :
الإجارة من أجرَ يَأجِرُ ، وهو ما أعطيت من أجر في عمل ، والأجر الثواب . والأجر الجزاء على العمل والجمع أجور ، أجر الإنسان واستأجره . والأجير المستأجَرُ وجمعه أجَراءُ والاسم منه الإجارة ، والأجرة : الكراء( (2) ) .
تعريف الإجارة في الاصطلاح :
" تمليك نفع بعوض "( (3) ) .
وقيل : " عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعرض
معلوم "( (4) ) .
أركانها أربعة : عاقدان ، وصيغة ، وأجرة ، ومنفعة ( (5) ) .
مشروعية الإجارة :
__________
(1) أحكام القُرْآن . مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الله بن أحمد أبو بكر . المعروف بابن العَرَبي . المَعَافري الاِشْبِيْلي . ت 543 هـ . تحقيق : عَلِيّ مُحَمَّد البجاوي . مطبعة عيسى البِابي الحَلَبي بمصر . سنة 1974 م . : 3/ 1473 .
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( أجر ) 4/10 .
(3) حاشية الطحاوي على الدر المختار : 4/2 .
(4) مغني المحتاج : 2/332 .
(5) المصدر نفسه : 2 /332 .

(1/380)


قال تعالى : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْه } دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة ، وكذلك كانت في كل ملة . وهي من ضرورة الخليقة ومصلحة الخلطة بين الناس( (1) ) .
وقد اتفق الفقهاء على مشروعية عقد الإجارة ما عدا أبا بكر الأصم وإسماعيل بن غُلبة ، فأنهم لم يجيزوه . ودليلهم في ذلك أن الإجارة بيع المنفعة والمنافع حال انعقاد العقد معدومة القبض ، ثُمَّ تستوفى شيئاً فشيئاً مع الزمن ، والمعدوم لا يحتمل البيع ، ولا يجوز إضافة البيع إلى شئ في المستقبل .
وقد رد عليهم ابن رشد " إنها وإن كانت معدومة في حال العقد فهي مستوفاة في الغالب ، والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفى في الغالب ، أو يكون استفتاؤه وعدم استيفائه على السواء "( (2) ) .
وقد استدل الجمهور على جواز عقد الإجارة بالقرآن ، والسنة :
أولاً ـ القرآن :
قوله تعالى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ( (3) ) .
قوله تعالى حاكياً قول إحدى ابنتي شعيب ( - عليه السلام - ) : { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ } ( (4) ) . والاستدلال بهذه الآية صحيح عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ( (5) ) .
ثانياً ـ السنة النبوية :
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن : 6 /4987 .
(2) بداية المجتهد : 2/218 .
(3) سُوْرَة الطلاق : الآية 6 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 26 ـ 28 .
(5) الفقه الإسلامي وأدلته . ( د . نش ) . وهبة الزحيلي . ط4 . دار الفكر . دمشق . سوريا . 1997 م . : 5/3801 .

(1/381)


قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ))( (1) ) .
__________
(1) مُسْنَد أَبِي يَعْلَى : 12 /35. سُنَن ابن مَاجَه . مُحَمَّد بن يَزِيد القَزْويني أبو عَبْد الله . ( 207 ـ 275 ) . تحقيق : مُحَمَّد فُؤَاد عَبْد البَاقِي . دار الفكر للطباعة والنشر . بيروت . ( د . ت ) . : 2/ 817. الروض الداني (المعجم الصغير) . سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني أبو القَاسِم . ( 260 ـ 360 ) . تحقيق : مُحَمَّد شكور محمود الحاج أمرير . = = المكتب الإسلامي , دار عمار . بيروت , عمان . ط2 . 1405 هـ ـ 1985 م . : 1 /43 . السنن الكبرى ( البيهقي ) : 6 /120. روي من حديث أبي هريرة ، ومن حديث ابن عمر ، ومن حديث جابر ، ومن حديث أنس ، فحديث أبي هريرة رواة أبي يعلى في مسنده ، وحديث ابن عمر أخرجه ابن ماجة في سننه ، وحديث جابر رواه الطبراني في معجمه الصغير ، وحديث أنس رواه الترمذي في نوادر الأصول . قال ابن حجر : كلها ضعاف . ينظر نَصْب الرَّايَة لأحاديث الهِداية . جَمَال الدِّيْن بن عَبْد الله بن يوسُف الحَنَفي الزَّيْلَعِي أبو مُحَمَّد . ت 762 هـ . تحقيق : مُحَمَّد يوسف البنوري .. دار الحديث . مصر . ط1 . 1357 هـ . : 4/129 وما بعدها . مجمع الزوائد : 4/97 . سُبُل السَّلام شرح بلوغ المَرَام من جمع أَدلَّة الأحكام . مُحَمَّد بن إسماعيل الصَّنْعَانِي الأمير . ت 1182هـ . تحقيق : مُحَمَّد عَبْد العزيز الخولي . ط4 . دار إحياء التراث العربي . بيروت . 1379 هـ ـ 1960 م . : 3/81 .

(1/382)


روي عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) : (( إن النبي (- صلى الله عليه وسلم - ) احتجم وأعطي الحجام أجره ))( (1) ) .
ثالثاً ـ الإجماع :
فقد أجمعت الأمة على جواز الإيجار لحاجة الناس إليه من ضرورة الخليقة ، ومصلحة الخلطة بين الناس والحاجة إليها إذ ليس لكل أحد مركوب ومسكن وخادم ، فجوزت لذلك كما جوزت بيع الأعيان ( (2) ) .
المسألة الأولى
ذكر المدة دون ذكر الخدمة
قاله تعالى حكاية عن قول الشيخ الكبير : { عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } نلاحظ في هذه الآية الكريمة كان ذكر للمدة دون ذكر الخدمة ، فهنا يتبادر سؤالاً هو : هل يصح في عقد الإجارة ذكر المدة دون ذكر الخدمة ؟
قال أبو حنيفة ، والشافعي : لا يجوز حتَّى يسمي ، لأنه مجهول . وقال مالك : إنه جائز ويحمل على العرف فلا يحتاج في التسمية إلى الخدمة ( (3) ).
وذكر ابن العربي " دليلاً معلوم لأنه استحقاق لمنافعه فيما يصرف فيه مثله ، والعُرْفُ يشهد لذلك ويقضي به ، فيحمل عليه ، ويعضد هذا بظاهر قصة موسى ، فإنه ذكر إجارة مطلقة على أن أهل التفسير ذكروا أنه عيّنَ له رَِعْيةَ الغنم ، ولم يرووا ذلك من طريق صحيحة ، ولكن قالوا : إن صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية الغنم ، فكان ما عُلِم من حاله قائماً مقام تعيين الخدمة فيه( (4) ) .
المسألة الثانية
__________
(1) صَحِيْح البُخَارِي : باب السعوط . 5 /2154 رقم ( 5367 ) صحيح مسلم : باب حل أجرة الحجامة 3 /1205 رقم ( 1202 ) . وينظر نصب الراية : 4/134 . نيْل الأوطار شرح مُنتقَى الأَخْبَار من أحاديث سيّد الأخيار . الشيخ مُحَمَّد بن عَلِيّ بن مُحَمَّد الشَّوْكَاني . ت 1250 هـ . مَكْتَبَة دار الجيل . بيروت . ط1 . 1973 م . : 5/285 . سبل السلام : 3/80 .
(2) مغني المحتاج : 2/232 . بداية المجتهد : 2/218 .
(3) الجامع لأحكام القرآن : 6/4991 .
(4) أحكام القرآن ( ابن العربي ) : 3 /1472 .

(1/383)


الإجارة على رعاية الغنم
أجمع العلماء على أنه جائز أن يستأجر الراعي شهوراً معلومة بأجرة معلومة لرعاية غنم معدودة . فإن كانت معدودة معينة ، ففيها تفصيل :
قال ابن القاسم : لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت ، وهي رواية ضعيفة جداً .
الرد عليه :
فقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه ، وقد رآها ولم يشترط خلفا( (1) ) . وإن كانت مطلقة غير مسماة ولا معينة جازت عند علمائنا قاله ابن العربي . وقال: " إنما عوّل علماؤنا على العرف ، وأنه يعطي على قدر ما تحتمل قوَّتهُ . وزاد بعضهم أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجر قدْرَ قوته ، فإن صالح مدين قد علم قَدْرَ قوة موسى برفع الحجر .
وقال أبو حنيفة ، والشافعي : لا يجوز لجهالتها( (2) ).
المسالة الثالثة
اجتماع إجارة ونكاح
وفي حكم اجتماع الإجارة مع النكاح ثلاثة أقوال :
القول الأول : قال في ثمانية أبي زيد يكره ابتداء ، فإن وقع مضى .
القول الثاني : قال مالك ، وابن القاسم في المشهور : لا يجوز ويُفسخ قبل الدخول وبعده لاختلاف مقاصدها كسائر العقود المتباينة .
القول الثالث : أجازه أشهب ، وأصبغ . وقال ابن العربي : والصحيح جوازُه ، وعليه تدل الآية . وقد قال مالك : النكاح أشبه شيء بالبيوع ، فأي فرق بين إجارة وبيع ، أو بين بيع ونكاح( (3) ).
المسالة الرابعة
شبهات وردها
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن :6/4990
(2) أحكام القران ( ابن العربي ) : 3/1460
(3) ينظر الجامع لأحكام القرآن : 6/4990 . أحكام القران ( ابن العربي ) : 3/1464 .

(1/384)


أثارت الهجمة الفكرية التي يشنها أعداء الإسلام في كل مكان عدة شبهات ، وتأثر بها ومع الأسف بعض ممن يدعون الإسلام وبدئوا يروجون لها وهي فيما يخص اختلاط المرأة بالرجل وعملها . متهمين الإسلام بأنه قد ظلم المرأة وجعل منها حبيسة الجدران ، وقبل بيان موقف الإسلام من اختلاط وعمل المرأة ، نود أن نبين جملة حقائق مهمة لابد منها لغرض رفع الحيف الكبير عن الإسلام .
إن الإسلام العظيم كرّم المرأة أيّما تكريم ، وانصفها أعظم إنصاف وأنقذها من الظلم ، منذ أن خلق الخليقة لا يوجد هناك نظام ، أو دين أنصف المرأة وأكرمها مثل الإسلام ، فقد كرّم الإسلام المرأة كإنسانة ، فأكد أهليتها للتكليف والمسؤولية والجزاء ودخول الجنة ، فلها ما للرجل من حقوق إنسانية وعليها ما عليه . قال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( (1) ) . وقال تعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً } ( (2) )
وكرم الإسلام المرأة كأم ، قال تعالى : { وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ } ( (3) ) .
وكرم المرأة بنتاً ، فقد انتقد الإسلام وحرم وأد البنات التي كانت عادة منتشرة في الجاهلية ، قال تعالى : { وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } ( (4) ) .
__________
(1) سُوْرَة النَّحْلِ : الآية 97 .
(2) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 124 .
(3) سُوْرَة لُقْمَان : الآية 14 .
(4) سُوْرَة التَّكْوِيْرِ : الآيتان 8 ـ 9 .

(1/385)


وكرمها كزوجة ، قال تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ( (1) ) .
وكذلك القرآن يجعل الرجل والمرأة شريكين في تحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه } ( (2) ) ، فإن دعاة التغريب يريدون من المرأة أن تكون ألعوبة يلعبون بها كيف يشاءون ، فمرة ينزعون عنها ثوب حياءها من خلال نزع الحجاب عنها وإلباسها ملابس الرجال حتى لا نكاد نفرق بين المرأة والرجل . ودعوتها للاختلاط بالرجال ومزاحمتهم بحجة المساواة بين الرجل والمرأة ، فحملوها اكثر مما تطيق . وسنبين موقف الإسلام من هذه الشبهات فيما يأتي .
موقف الإسلام من اختلاط المرأة وعملها
قد يستدل البعض بقوله تعالى : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا } على إباحة الاختلاط بين الرجال والنساء ، وعلى حِليّة عمل المرأة ، فلغرض توضيح هذه المسألة سنتكلم عنها ضمن محورين وبصورة مختصرة :
المحور الأول
موقف الإسلام من الاختلاط
تعريف الاختلاط في اللغة :
__________
(1) سُوْرَة الرُّوْمِ : الآية 21 .
(2) سُوْرَة التَّوْبَةِ : الآية 71 .

(1/386)


قال ابن منظور : " خلط الشيء بالشيء يخلطه خلطاً وخلطه فاختلط : مزجه وخالط الشيء مخالطة وخِلاطاً : مازَجَه والخِلاط اختلاط الإبل والناس والمواشي "( (1) ) .
حكم الاختلاط من جهة الحظر ، أو الإباحة :
إن الأصل في اختلاط المرأة بالرجل هو الخطر ويتبين ذلك من خلال الأدلة الآتية :
1. القران الكريم :
في الحقيقة لا توجد أية صريحة تحرّم عمل المرأة واختلاطها ، ولكن من خلال الإشارات في بعض الآيات القرآنية يمكن الاستدلال بها على حرمة الاختلاط إلا للضرورة :
أ ـ قوله تعالى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى } ( (2) ) ، قد يعترض معترض بالاستدلال بهذه الآية لكونها تخص أزواج النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ويمكن الإجابة عليه بان الله جل وعلا قد ارتضى لأمهات المؤمنين في هذه الآية لزوم البيت وترك التبرج الجاهلي ، فعلى النساء أن ترضى بما رضي الله به لأمهاتهنّ أزواج الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
ب ـ قال تعالى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ*وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } ( (3) ) .
هذه الآية تحث المؤمنين والمؤمنات على غض البصر ، وفي قولنا بتحليل الاختلاط تعطيل لعمل هذه الآية ، لأن في الاختلاط صعوبة التحرر عن النظر إذا قلنا استحالة ذلك .
2. السنة النبوية :
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( خلط ) 7/291 .
(2) سُوْرَة الأَحْزَابِ : الآية 33 .
(3) سُوْرَة النُّوْرِ : الآيتان 30 - 31 .

(1/387)


روى الإمام البخاري ـ رَحِمَه الله ـ في صحيحة أن النبي (- صلى الله عليه وسلم - ) قال :
(( لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم )) . وفي رواية الإمام مسلم أن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) قال : (( لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذم محرم )) . وقد قال العلماء في معنى الحديث : " وفيه منع الخلوة بالأجنبية وهو إجماع لا خلاف فيه "( (1) ) . وقال الإمام النووي : " وقال أصحابنا ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها في صلاة ، أو غيرها "( (2) ) .
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) قالت : (( استأذنت النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الجهاد فقال : جهادكن الحج )) . وقد نقل العسقلاني عن ابن بطال في شرحه لهذا الحديث يقوله : " دلّ الحديث على أن الجهاد غير واجب على النساء ، وإنما لم يكن عليهن واجباً لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال "( (3) ).
__________
(1) صحيح البخاري بشرح العسقلاني : 3/324 . نيل الأوطار : 4/324 . سبل السلام : 2/183 .
(2) صحيح مسلم بشرح النووي . النووي . يحيى بن شرف . ت 676 هـ . دار الفكر . بيروت . لبنان . 1410 هـ – 1981 م .: 9/109 .
(3) صحيح البخاري بشرح العسقلاني : 5/82 .

(1/388)


أخرج أبو داود عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه : إنه سمع رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) للنساء : (( إستاخرن ، فإنه ليس لكنَّ أن تحققن الطريق ، عليكن بحافات الطريق )) ، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليعلق بالجدار من لصوقها به ( (1) ) .
معنى الحديث الشريف إبعدْنَ عن الطريق ، أي : لا تسيروا في وسطه ، وإنما سيروا في حافاته حتى لا تختلطوا بالرجال ، فأطَعْنَ كلام رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) وسْرنَ في جوانب الطريق ، حتى إن إحداهن من شدة تنَّحيها عن وسط الطريق وابتعادها عنه ، أَن ثوبها ليعلق بالجدار على جانب الطريق من شدة التصاقها به مبالغة في الابتعاد عن وسط الطريق( (2) ) . وفي هذا الحديث دلالة واضحة وصريحة في النهي عن اختلاط النساء بالرجال ، وأن الأصل فيه هو الحظر( (3) ) .
المحور الثاني
موقف الإسلام من عمل المرأة
الجواب على ذلك يكون في التفصيل الآتي فإن المرأة لا تخلو إما أن تكون في عصمة الزوج ، أي : متزوجة ، أو غير متزوجة .
__________
(1) سُنَن أَبِي داود : 14/190 . والحديث حسن الإسناد كما ذكر الحافظ المزي في تَهْذيب الكَمَال في أسماء الرجال . جَمَال الدِّيْن يوسف بن المَزِّي عَبْد الرَّحْمَن المزي أبو الحَجاج . ( 654 ـ 742 ) . تحقيق : د . بشار عواد معروف . مؤسسة الرسالة . بيروت . ط1 ج 1 سنة 1400 هـ ـ 1980 م و ج 2 سنة 1982 م . : 12 / 402 .
(2) عَوْن المعبود على سُنَن أَبِي داود سُليمان بن الأَشْعَث السِّجِسْتَاني ت 275 هـ . شَمس الحقّ أبو عَبْد الرَّحْمَن الشهير بمحمد أَشرف بن أَمير بن عَلِيّ ابن حيدر الصِّدِّيقي العَظِيْم آبادي . دار الكتب العلمية . بيروت . ط2 . 1415 هـ . : 14/190 ـ 191 .
(3) المفصل في أحكام المرأة : 3/426 .

(1/389)


فان كانت في عصمة الزوج :
" فنفقتها على زوجها سواء كانت غنية ، أو فقيرة فهي مكفية المؤونة فالعمل إذن في حقها مباح ، وإذا كان العمل للاكتساب والرزق وتحصيل أسباب العيش مباحاً في حق المرأة ، فإن هذا المباح يجب أن لا يزاحم ما هو واجب عليها . فواجب المرأة هو القيام بأعمال البيت وما تتطلبه الحياة الزوجية والوفاء بحق الزوج عليه وقيامها بشؤون أولادها وتربيتهم وخدمتهم ، وهذه الواجبات كثيرة ومتعبة تحتاج إلى تفرغ المرأة لها ، وبالتالي لا يمكنها عادة وغالباً القيام بالعمل المباح لها خارج البيت إلا على حساب التفريط بهذه الواجبات والتقصير في أدائها ، وحيث أن من أصول الحقوق والواجبات عدم جواز مزاحمة ما هو حق للإنسان لما هو واجب عليه "( (1) ).
فان لم تكن في عصمة زوج :
فنفقتها على أبيها إن لم تكن ذات مال ، فإن لم يكن لها أب فنفقتها على أخيها ، أو من يلزمه نفقتها ، فلا حاجة لها إلى العمل ، لأن بقاءها في البيت أسترها ، وهي مكفية المؤونة والشرع يندب إليها القرار في البيت ويرغبها في البقاء فيه ما دام لا يوجد مبرر شرعي لخروجها ، وهي ملزمة برعاية أبويها ، أما إذا كانت هناك ضرورة لعملها خارج البيت كأن لا يوجد هناك مورد مالي لها ، ولا من يعيلها ، أو كان من يعيلها شيخ كبير كما هو حال المرأتين التي سقى لهما سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) وحالات أخرى تعتبر ضرورة ، والضرورة تقدر بقدرتها( (2) ).
وقد يسال سائل ويقول هل يباحُ الاختلاط والعمل للضرورة ؟
__________
(1) المفصل في أحكام المرأة : 4/265 .
(2) ينظر المفصل في أحكام المرأة : 4/265 ـ 267 .

(1/390)


وللجواب على ذلك نعود إلى نفس الآية التي استدل بها على إباحة الاختلاط والعمل أخذاً من سقى البنات لغنمهن : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا } ، نستدل بها على إباحة العمل والاختلاط للضرورة ، فإن الآية الكريمة قد أجابت عن من يتسأل في السبب الذي دعا الشيخ لدفع بناته للعمل ولاحتمالية الاختلاط ، فقالت إحدى البنتين حينما سألها موسى ( - عليه السلام - ) عن سبب امتناعها عن السقي : { قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } ، فقد كان الجواب عن سؤال موسى المعلن وهو سبب عدم السقي { قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ } . وأجابت عن سؤال مضمر في نفس موسى كأنها أحست أخفاه من الحياء ، وهو لماذا لم يأتي رَجل مكانهن ، فقالت : { وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } ، أي : إنا مضطرات ، لأن والدنا كان في حالة عجز عن القيام بمهمة السقي ، ولا يوجد رجل يقوم مقامهن ، لأن والدهن لم يكن لديه من يخلفه غيرهما .
وقد قال الإمام الرازي بهذا الخصوص " فإن قيل : كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنته بسقي الماشية ؟ فالجواب : إنا وإن سلمنا أنه كان شعيباً النبي ( - عليه السلام - ) ، لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه وأما المروءة ، فالناس فيها مختلفون ، وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل الحضر لاسيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة "( (1) ) .
__________
(1) مفاتيح الغيب : 12/240 .

(1/391)


ومما يدلل على أنهن مارسن عمل السقي للضرورة طلب إحدى البنات من أبيها أن يستأجر سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ } تبين هذه الآية أنها كانت متحرجة جداً من العمل ، ولكنها مضطرة للعمل لعدم وجود البديل ، فحال توفر البديل طلبت من أبيها استئجاره ليقوم بمهمة السقي بدل عنهما . وقد جاء في السنة النبوية روايات في عمل المرأة خارج البيت للحاجة ، سنذكر قسماً منها ، ونذكر كذلك بعض الحالات التي يجوز الاختلاط فيها للحاجة .
الشروط العامة بعمل المرأة واختلاطها للضرورة :
وإذ كان عمل المرأة واختلاطها قد يباح للضرورة لكن بشروط وهي كآلاتي:
عدم مزاحمة الرجال ويتبين ذلك من قول إحدى البنات { لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ } فقد امتنعن عن السقي لعدم مزاحمة الرجال .
أن تلتزم بالآداب الشرعية ويتبين ذلك من خلال قوله تعالى : { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } ، وأن تتوقر في مشيتها لقوله تعالى : { وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } ( (1) ).
أن تبتعد عن التميع في الكلام مع الرجال إذا كان في كلامها مع الرجال ضرورة ، قال تعالى : { فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً } ( (2) ) .
__________
(1) سُوْرَة النُّوْرِ : الآية 31 .
(2) سُوْرَة الأَحْزَابِ : الآية 32 .

(1/392)


ونلاحظ من خلال المحادثة التي دارت بين المرأة وسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) أنها كانت قصيرة ، ودخلت في الموضوع الذي جاءت به بدون إطالة في الكلام مبينة السبب في طلب والدها مباشرة : { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } ( (1) ) ، فقد كان تحدثها معه للضرورة .
ارتداء الحجاب ، قال تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } ( (2) ).
غض البصر ، قال تعالى : { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } ( (3) ) .
الأمر بعدم الخلوة ، قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ))( (4) ) .
أن تتجنب كل ما يجذب انتباه الرجل إليها ويغريه بها ، قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( أيما امرأة استعطرت ، ثُمَّ خرجت من بيتها ليشم الناس فهي زانية ))( (5) ) .
ما جاء في السنة النبوية من عمل المرأة خارج البيت للحاجة :
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 25 .
(2) سُوْرَة النُّوْرِ : الآية 31 .
(3) سُوْرَة النُّوْرِ : الآية 31 .
(4) متفق عليه من حديث ابْن عَبَّاس . صحيح البخاري : باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة وكان له عذر هل يؤذن له 3 / 1094 رقم ( 2844 ) . صحيح مسلم باب 2سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره / 978 رقم ( 1341 )
(5) رواه أبو داود عن أبي موسى 4 /79 رقم ( 4173) . سنن الترمذي : 5 /106 رقم ( 2786 ) وقال الترمذي : وهذا حديث حسن صحيح . سنن النسائي: 8 /53 كتاب الشريعة . وينظر مركز المرأة في الحياة الإسلامية . تأليف مجموعة من العلماء . دار الفكر الإسلامي . الكويت . 1975 م . : ص 40 .

(1/393)


1- أخرج الإمام البخاري ( رحمه الله تعالى ) في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر ( رضي الله عنها ) قالت : (( تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شئ غير ناضح وغير فرسه ، فكنت اعلفُ فرسه ، واستقي الماء ، وأحرزُ غربه ، وأعجن ، ولم أكن أعجنُ ، ولم أكن أحسن أخبز ، فكان يخبزه جاراتٌ من الأنصار ، وكن نسوة صدق ، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم - ) على رأسي ، فلقيت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم - ) ، ومعه نفر من الأنصار فدعاني ، ثُمَّ قال : أخ أخ ، ليحملني خلفه ، فاستحيت أن أسير مع الرجال ، وذكرت الزبير وغيرته ، وكان أغيرَ الناس ، فعرف رسول الله (- صلى الله عليه وسلم - ) إني قد استحيت فمضى رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فجئتُ الزبير فقلت : لقيني رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) وعلى رأسي النوى ، ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأ ركب فاستحيت منه عرفتُ غيرتك ، فقال : والله لحملك النوى كان أشدُّ علي من ركوبك معه ، قالت : حتَّى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم ، تكفينني سياسة الفرس ، فكأنما أعتقني ))( (1) ).
__________
(1) صَحِيْح البُخَارِي : باب الغيرة 5/ 2002 رقم ( 4962 ) .
الناضح الجمل الذي يستقى عليه الماء .
الأرض التي أقطعه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم - ) تدخل في الإقطاع ، وهو تمليك قطعة الأرض دون رقبتها . ينظر فتح الباري : 9/319 ـ 320 .

(1/394)


" قصة أسماء وحملها النوى من أرض بعيدة عن بيتها لحاجة زوجها لهذا العمل ، واطلاع النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) على حالها وفعلها وسكوته ، دليل واضح على جواز عمل المرأة خارج البيت إذا كان هناك ضرورة لعملها ، ووجه الضرورة في عمل أسماء ، أن زوجها الزبير كان في حال انشغال بالإسلام والجهاد في سبيله ، وعجزه عن استئجار من يقوم له بما كانت تقوم به زوجته أسماء "( (1) ) .
2- وكذلك يجوز للمرأة أن تعمل خارج بيتها جهاداً في سبيل الله ، فقد روى الإمام البخاري ـ رَحِمَه الله ـ في صحيحه عن الرُّبِّيع بنت موذ قالت : (( كنا مع النبي ( ( ) نستقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة ))( (2) ) ، وكذلك كلّ الأعمال التي لا يمكن إلا أن تقوم بها المرأة كتوليد النساء .
وأمثلة اختلاط المرأة للضرورة :
ذكر النووي " وقال أصحابنا : ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها بين الخلوة في صلاة ، أو غيرها ، ويستثنى من هذا كله مواضيع الضرورة بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق ، أو نحو ذلك فيباح له استصحابها بل ويلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها ، وهذا لا خلاف فيه "( (3) ) .
وذكر الدكتور عبد الكريم زيدان حالات لجواز الاختلاط للحاجة منها:
الاختلاط لإجراء المعاملات المالية
الاختلاط لحاجة مباشرة أعمال القضاء ، فعلى رأي الأحناف يجوز للمرأة أن تتولى القضاء في غير الحدود ، أو في جميع القضايا بما فيها الحدود عند الظاهرية والإمام الطبري.
الاختلاط لغرض تحمل الشهادة ( (4) ).

المطلب الأول
سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) يرى ناراً في جانب الطور
__________
(1) المفصل في أحكام المرأة : 4/270 ـ 271 .
(2) ينظر صحيح البخاري بشرح العسقلاني : 5/85 .
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 9/109
(4) المحلى : 9 /429 –430. بدائع الصنائع : 7 /3. بداية المجتهد : 2/449. المفصل في أحكام المرأة : 4 /271 .

(1/395)


{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } (1) .
المناسبة
بينت الآيات التي سبقت هذه الآيات الاتفاق الذي حصل بين سيدنا موسى
( - عليه السلام - ) ، وشعيب على الإجارة والنكاح ، وحدد سيدنا شعيب المدة بثماني سنوات ، فإن أتم العشرة فهو فضل من عند موسى { قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } ( (2) ) ، فلما كان من المعلوم أن التقدير فلما التزم موسى ( - عليه السلام - ) بما اتفقا عليه ، زوجه ابنته كما شرط ، واستمر عنده حتى قضى ما عليه بنى عليها { فَلَمَّا قَضَى } ، أي : وفى وأتم موسى الإجارة ، أي : الأوفى وهو العشر ، فقد ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما ، وتزوج من المرأتين صفارهما( (3) ) . والظاهر أنه مكث عنده بعد الإجارة أيضاً مدة لأنه عطف بالواو لقوله { وَسَارَ } ولم يجعله جواباً للما( (4) ) ، فنلاحظ الترابط الواضح بين هذه الآيات والتي قبلها ، وكذلك نلاحظ الاختصار الشديد غير المخل بالعبارات ، إذ أغنت كلمات عن جمل ، فأغنت { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ } عن كلمات كثيرة ، أبهم بعضها القرآن كما هو الحال في كثير من المبهمات التي جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ ، كاسم التي تزوجها موسى ، واسم أخته ، وأمه ، وعن نوع المواشي التي سقاها موسى
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 29 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 28 .
(3) أخرجه البزار : 2244 . والطبراني في الصغير : 815 ، والأوسط كما في مجمع الزوائد : 7/ 88 من حديث أبي ذر ، وضعف الهيثمي إسناد البزار وحسن إسناد الصغير والأوسط
(4) ينظر نظم الدرر : 5/ 482- 483 .

(1/396)


لبنات شعيب ، وكذلك أبهم الأجل الذي قضاه موسى أولاً لعدم أهمية المبهم في المعنى بشيء ، وليبتعد القرآن عن السرد القصصي الممل الذي يقصه القصاصون ، وكذلك ليحفز العقل البشري على التفكير في هذا المبهم بواسطة القرائن الواردة في النصّ القرآني ، وليجعل النصّ متحركاً غير جامد ، قابلاً للتطبيق في كلّ زمان ومكان .
تحليل الألفاظ
1. { آنَسَ } :
" آنس الشيء أحَسَّه وآنَسَ الشَّخص واستأنسه وأبْصَرَه ونَظَر إليه . وقال ابن الأعرابي : آنِسْتُ بفلان ، أي : فَرِحْت به وآنَسْت فَزَعاً وآنَسْته إذا أحْسَسْتُه ووجدته في نفسك . وفي التنزيل : { آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا } يعني : موسى أبصر ناراً ، وهو الإيناس"( (1) ) .
وقال الزمخشري : " الإيناس : الإبصار البين الذي لا شبهة فيه ، ومنه إنسان العين ، لأنه يتبين به الشيء ، والإنس لظهورهم . وقيل : هو أبصار ما يؤنس به "( (2) ) .
2. { الطُّورِ } :
ذكر أبو السعود أن " الطور بالسريانية الجبل ، والمراد به طور سينين ، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى كلام الله تعالى "( (3) ) .
3. { امْكُثُوا } :
" المُكْث الأناة واللَّبْثُ والانتظار ، مَكَثَ يَمْكُث ومَكَث مَكْثاً ومُكْثاً مُكُوثاً ومَكُوثاُ ومَكَاثة . والمُكْث : الإقامة مع الانتظار ، والتلبث في المكان "( (4) ) .
4. { جَذْوَةٍ } :
" الجَذْوَة والجِذْوَة والجُذْوة : القبة من النار . وقيل : هي الجمرة والجمع جِذاً وجُذاً . وحكى الفارسي جِذاء ممدودة . وقال أبو عبيدة : الجِذْوَة مثل الجِذْمة وهي القطعة الغليظة من الخشب ليس فيها لهب "( (5) ) .
5. { تَصْطَلُونَ } :
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( أنس ) 6/15 .
(2) الكشاف : 2/ 531 .
(3) إرْشَاد العَقل السَّلِيم : 8/ 146 .
(4) لِسَان العَرَب : مَادة ( مكث ) 2/ 191 .
(5) لِسَان العَرَب : مَادة ( جذذ ) 14/ 138 .

(1/397)


صَلِيَ بالنار وصَلِيْها صَلْياً وصُلِياً وصِلِياً وصَلَى وصِلاءً واصْطَلَى بها وتَصَّلاها : قاس حرّها ، والاصْطِلاء افتعال من صَلا النار والتسخين بها. واصْطَلى بالنار استدفأ( (1) ) .
القراءات القرآنية
1. { إِنِّي آنَسْتُ } :
قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر بفتح الياء : ( إِنَّيَ )( (2) ) .
2. { جَذْوَةٍ } :
واختلفوا في ضم الجيم وكسرها وفتحها ، فقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عامر ، والكسائي : ( جِذْوَة ) بكسر الجيم . وقرأ حمزة ، وخلف ، والأعشى ، وطلحة ، وأبو حيوة ، ويحيى : ( جُذْوَة ) . وقرأ عاصم : ( جَذْوَة )( (3) ) .
القضايا البلاغية
1ـ الترجي( (4) ) في قوله تعالى : { لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } .
__________
(1) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( صلي ) 14/ 467- 468 .
(2) التيسير في القراءات السبع : ص 172. إتحاف فضلاء البشر : ص 342 .غيث النفع : ص 316 .
(3) ينظر النشر في القراءات العشر : 2/ 341 : الحجة لقراء السبعة . أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي . ( 288 ـ 377 هـ ) . الطبعة الأولى . دار المأمون للتراث . 1992 م . : 5/ 413 . الكَشَّاف : 3 / 174. البحر المحيط : 7/116 .
(4) الترجي : من أساليب الإنشاء ، ويكون في القريب والممكن والمتوقع ، وهو بحرفين : لعل ، وعسى . معترك الأقران في إعجاز القُرْآن . الإِمَام جلال الدِّيْن عَبْد الرَّحْمَن أبو بكر السيوطي الشافعي . ت 911 هـ . ط1 . ضبطه وصححه وكتب فهارسه : أحمد شمس الدِّيْن . دار الكتب العلمية . بيروت . لبنان . 1408 هـ – 1988 م . : 1 /446 .

(1/398)


2 ـ التقسيم( (1) ) في قوله تعالى : { بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ } .
المعنى العام
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا }
__________
(1) التقسيم : هو أن يؤتى بالأقسام مستوفية لم يخل بشيء منها ، ومخلصة لم يدخل بعضها في بعض . جواهر الألفاظ . قدامة بن جعفر . تحقيق : رشيد كمال . الطبعة الأولى . المطبعة العلمية . بيروت ، لبنان 1411 هـ . : ص 5 .

(1/399)


أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة عن ابن عباس : أن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) سأل جبريل : أي الأجلين قضى موسى ؟ قال : أتمهما وأكملهما . وأخرجه عن أبي ذر قال : قال لي رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( يا أبا ذر إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل : خيرهما وأوفاهما ))( (1) ) . وأخرجه الحاكم في المستدرك مرفوعاً( (2) ) . وفي الدر المنثور ، وعزاه إلى البيهقي عن ابن عباس( (3) ) . وأخرجه ابن عطية عن سعيد بن جبير قال : سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى ؟ فقلت : لا أدري حتَّى أقدم على حبر العرب ـ أعني ابن عباس ـ فقدمت عليه فسألته فقال : قضى أكملهما وأوفاهما ، إن رسول الله إذا قال وفى ، فعدت فأعلمت النصراني ، فقال : صدق هذا . وروى عن ابن عباس أن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - )سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين . وحكى الطبري عن مجاهد أنه قضى عشراً ، أو عشراً وبعدها . وقال ابن عطية : هذا ضعيف( (4) ) . والمراد بالأهل هنا الزوجة( (5) ) .
{ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا }
__________
(1) تفسير ابن أبي حاتم : 9/ 29 . المعجم الصغير ( الطبراني ) : 2 /79. المعجم الكبير ( الطبراني ) : 9 /176. قال الحافظ الهيتمي : " رواه الطبراني في الصغير والأوسط والبزار باختصار ، وفي إسناد الطبراني عويد بن أبي عمران الجوني ضعفه ابن معين وغيره ، ووثقه ابن حبان ، وبقية رجال الطبراني ثقات " مجمع الزوائد : 8 /203 .
(2) المستدرك على الصحيحين : 2/ 407 من حديث عبدُ الله بْن عَبَّاس بلفظ ( أبعدهما وأطيبهما ) قال الحاكم : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه .
(3) السنن الكبرى ( البيهقي ) : 6 /117 من حديث سعيد بن جبير . الدر المنثور: 6/ 410 .
(4) المحرر الوجيز : 12/ 162 .
(5) التحرير والتنوير : 20/ 111 .

(1/400)


" أي أبصر من الجهة التي تلي الطور لا من بعضه كما هو المتبادر "( (1) ) . فبعد أن ضلوا الطريق واشتد عليهم البرد ، فبينما هو كذلك إذ رأى ناراً ، وكان ذلك نوراً من الله تعالى قد التبس بشجرة .
قال وهب : كانت عليقاً( (2) ) . وقال قتادة : عوسجاً(3). وقيل : زعروراً( (4) ) .
وقيل : سمرة( (5) ) قاله ابن مسعود ، وأنس .
معناه أحس ، والإحساس بالصبر ، وكان هذا الأمر كله في جانب الطور وهو جبل في الشام( (6) ) .
وقال بعض العارفين : " كان المبصر في صورة النار الحقيقية ، أما حقيقته فوراء طور العقل ، إلا أن موسى ( - عليه السلام - ) ظنه النار المعروفة "( (7) ) .
{ قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ }
بعد أن أظلم عليهم الليل في الصحراء ، وضلوا طريقهم ، فوجدوا برداً شديداً ، فأبصر النار ، فسار إليها يطلب من يدله على الطريق ، وهو قوله : { آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } دلالة على أنه ضل . وفي قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } دلالة على البرد( (8) ) .
ما يستفاد من النصّ
__________
(1) روح المعاني : 20/ 72 .
(2) العليق : نبات شانك معرش من فصيلة الورديات ، زهوره صغيرة بيضاء أو وردية اللون ، وله ثمار كثمار التوت ، ينظر المحرر الوجيز : 12/ 163 .
(3) العوسج : جنس شجيرات من فصيلة الباذنجانيات أغصانه شائكة وأزهاره مختلفة الألوان ينظر : المحرر والوجيز : 12/ 163.
(4) الزعرور : شجرة مثمر من فصيلة الورديات يكثر في مناطق المتوسط ، ثمره أحمر وأصفر ينظر : المحرر الوجيز : 12/ 163.
(5) السمرة : وهو شجر من العضاة ، وليس في العضاة أجود خشباً منه . ينظر : المحرر الوجيز : 12/ 163 .
(6) ينظر : المحرر الوجيز : 12/ 163 .
(7) روح المعاني : 20/ 72 .
(8) ينظر مفاتيح الغيب : 12/ 244 .

(1/401)


يمكن أن نستفيد من هذه الآية المعاني الآتية :
1.دلت الآيات على الوفاء بالعهد ، وأنها من شيم المؤمنين وأخلاق الأنبياء ، فقد وفى سيدنا موسى بما قبل على نفسه من شرط ، ونفذ سيدنا شعيب ما جعله جزاء لهذا الشرط .
2.وفي هذه الآية دليل على أن للرجل أن يذهب بأهله حيث يشاء مما يرضي الله لما له عليها من فضل القوّامية وزيادة الدرجة ، إلا أن يلتزم لها أمراً ، فالمؤمنين عند شروطهم ، وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج( (1) ).
3.ونستدل من قول سيدنا موسى { امْكُثُوا } على غيرته الشديدة على زوجته ، وهو ما ينبغي أن يكون علية كل إنسان ، فسيدنا موسى لما رأى النار لم يعرف مصدرها ، فما أراد أن يأخذ أهله إليها لاحتمال وجود خطر ، فأراد أن يجازف بنفسه ويعرف مصدرها ثم يرجع إليهم .
4.يتبين من سياق الآيات أن مسيرهم كان ليلاً ، لقوله تعالى : { آنَسْتُ نَارًا } ، فالنار في الليل تُرى من مسافة بعيدة ، وهذا ما جعله يرى النار من مسافة بعيدة ، ولأن السفر في الليل أستر للعائلة وأسهل في المنفعة .
المطلب الثاني
تكليم الله لسيدنا موسى ( - عليه السلام - )
__________
(1) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 4997.

(1/402)


{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي } ( (1) ).
المناسبة
بعد أن بينت الآيات السابقات مرحلة مهمة من حياة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) وهي تأهله وزواجه من ابنة شعيب لتكون له عوناً على تحمل مشاق الدعوة ، وفي طريق عودته إلى مصر يرى ناراً ، وتحرك ليعرف مصدر هذه النار ، أو ليأتي بشيء منها { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } ( (2) ) جاءت هذه الآيات لتبين مصدر النار ومصدر النداء قال { فَلَمَّا أَتَاهَا } ، أي : النار ، ولما كان آخر الكلام دالاً دلالة واضحة على أن المنادي هو الله سبحانه وتعالى بنى للمفعول قوله دالاً على ما في أول الأمر من الخفاء { نُودِي } (3).
تحليل الألفاظ
1. { تَهْتَزُّ } :
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 30 – 33 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 39 .
(3) نظم الدر : 5/ 482 .

(1/403)


الهزّ تحريك الشيء كما تَهْتَزّ القناة فتضطرب وتَهْتَز وهَزَّه يَهِزَّه هَزّاً وهَزَّ به وهَزَزَّه ، والعرب تقول : هزّه وهزّ به إذا حركه( (1) ) .
2. { جَانٌّ } :
" جَنَّ الشيء يَجِنَّه جَنّاً ستره ، وكل شئ ستر عنك فقد جُنَّ عنك وجَنَّه الليل يَجِنَّه جَنَّاً وجُنُوناً وجَنَّ عليه يَجُنُّ بالضم . وسمي الجِنّ لاستتارهم واختفائهم عن الإبصار . والجَان أبو الجِنّ خُلق من نار ، ثم خُلق من نسله . والجان : الجن ، وهو اسم جمع ضرب من الحيات أكحل العينين يضرب إلى الصفرة ، لا يؤذي ، وهو كثير في بيوت الناس والجمع جِنَان . والجَانّ الشيطان أيضا( (2) ).
3. { وَلَّى } :
يقول الراغب الأصفهاني : " التولي يكون بالجسم وقد يكون بترك الإصغاء والإئتمار يقال : ولاه دبره إذا انهزم . قال تعالى { وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ } (3).
4. { مُدْبِرًا } :
الدُّبر : نقيض القُبُل ، ودُبُر كل شئ عَقِبُه ومُؤَخَّره وجمعها أَدْبَار ودُبُر كل شئ خلاف قبله في كل شئ( (4) ) .
5. { يُعَقِّبْ } :
العَقِبُ مؤخر الرجل . وقيل : عُقْب وجمعه أَعْقَاب وعَقبُ الشهر آخره ، ورجع على عَقِبِه إذا انثنى راجعاً ، وانقلب على عَقِبِه نحو رجع على حافرته ، وعَقَبُه إذا تلاه عَقباً نحو دَبَره وقَفَاه . وقوله تعالى : { وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } ( (5) ) ، أي : لم يلتفت وراءه "( (6) ).
6. { اسْلُكْ } :
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( هزز ) 5/ 423
(2) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( جنن ) 13/ 92 وما بعدها .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 352 ، سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 111 .
(4) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( دبر ) 4/ 268
(5) سُوْرَة النَّمْلِ : الآية 10. سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 31 .
(6) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 352 .

(1/404)


" السُّلوك مصدر سَلَك طريقاً وسَلَك المكان يَسْلُكه سَلْكاً وسُلُوكاً وسَلَكَه غيره ، والسَّلْك بالفتح مصدر سَلَكَت الشيء في الشيء فانْسَلَكَ ، أي : أدخلته فيه فدخل ، وسَلَكَ يده في الجيب يَسْلُكها وأَسْلَكَها: أدخلها فيه "( (1) ).
7. { الرَّهْبِ } :
" بالكسر يَرْهَب رَهْبَة ورُهْباً بالضم ورَهَبَاً بالتحريك ، أي : خاف ورَهَبَ الشيء رَهْباً ورَهْبَة خافه "( (2) ).
القراءات القرآنية
1. { الْبُقْعَةِ } :
وقرأ مسلمة ، والأشهب ، والعقيلي بفتحها ( البَقْعَة ) . وقال أبو زيد : سمعت من العرب من يقول : هذه بَقْعَة طيبة( (3) ) .
2. { إِنِّي أَنَا } :
قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر بالفتح على الياء ( إنيَ )( (4) ) . وقرأ الجمهور على الكسر على إضمار القول ، أو على تضمين النداء معناه . وقريء بالفتح ( إنيَّ ) وفيه إشكال لأنه إن جعلت أن تفسيرية وجب كسر ( إني ) للاستئناف والمفسر للنداء بما كان ، وإن جعلتها مخففة لزم تقدير( إني ) بمصدر ، والمصدر مفرد وضمير الشأن لا يفسر بمفرد ، والذي ينبغي أن يخرج عليه هذه القراءة أن تكون ( أن ) تفسيرية وإني معمولة لفعل مضمر تقديره : أن يا موسى أعلم إني أنا الله( (5) ).
3. { رَآهَا } :
قرأ الأصبهاني ، وورش بتسهيل الهمزة ، وقرأ حمزة ، والكسائي وابن ذكوان بإمالة الراء والهمزة ، وهنالك قراءة لأبي عمرو بإمالة الهمزة فقط ، وهناك قراءة للسوسي بإمالة الراء( (6) ) .
4. { وَلَّى } :
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( سلك ) 10/ 442- 443 .
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( رهب ) 1/ 436 .
(3) ينظر الكَشَّاف : 3 /175. البحر المحيط : 7/ 116 .
(4) النشر في القراءات العشر : 2 /342 . الكشف عن وجوه القراءات : 2/176 .
(5) الدُّرُّ المَصُون : 5/ 341 .
(6) النشر في القراءات العشر: 1/ 45 ـ 46 . وينظر معجم القراءات القرآنية : 5/ 19.

(1/405)


قرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف ، وورش بالإمالة( (1) ) .
5. { الرَّهْبِ } :
وقرأ بفتح الراء والهاء ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر: ( الرَّهَب ) . وقرأ حفص بفتح الراء وسكون الهاء ، وباقي السبعة بضم الراء وإسكان الهاء : ( الرَّهْب ) . وقرأ قتادة ، والحسن ، وعيسى ، والجحدري بضمها : ( الرُّهُب )( (2) ) .
6. { فَذَانِكَ } :
قرأ " ابن كثير ، وأبو عمرو : ( فَذَانّك ) بتشديد النون ، وباقي السبعة بتخفيفها . وقرأ ابن مسعود ، وعيسى ، وأبو نوفل : ( فذانِيكَ ) وهي لغة هذيل . وقرأ ابن كثير : ( فذانَيْك ) على لغة من فتح نون التثنية وقرأ ابن مسعود بتشديد النون مكسورة : ( فذانِّيكَ )( (3) ).
7. { يَقْتُلُونِي } :
قرأ يعقوب : ( يَقْتُلُونِي ) وصلاً ووقفاً( (4) ).
القضايا البلاغية
1.التشبيه المرسل المجمل( (5) ) في قوله تعالى : { تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } حذف وجه الشبه فاصبح مجملاً.
__________
(1) النشر في القراءات العشر : 2 /45 –46. إتحاف فضلاء البشر : ص 342 .
(2) ينظر البحر المحيط : 7/ 118 .
(3) ينظر كتاب السبعة في القراءات . أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي أبو بكر . ( 245 ـ 324 ) . تحقيق : د . شوقي ضيف . دار المعارف . القاهرة . ط2 . 1400 هـ : ص 493 . التبيان في إعراب القرآن : 2/ 1020 . الدر المصون : 5/ 342 .
(4) ينظر النشر في القراءات العشر : 2/ 342 .
(5) التشبيه المرسل : ما ذكرت أداته . والتشبيه المجمل : هو الذي لم يذكر فيه وجه الشبه ، وهذه الآية جمعت التشبيهين . ينظر : التلخيص في عُلُوْم البلاغة . للإمام جلال الدِّيْن بن عَبْد الرَّحْمَن القزويني . ت 739 هـ . الطبعة الرابعة . مكتبة الكليات الأزهرية . 1384 هـ . : ص274 و 288 .

(1/406)


2. { وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } ، فقد أورد الزمخشري ما في هذه الآية من فنون الإعجاز البلاغي " قلت : فيه معنيان : أحدهما أن موسى ( - عليه السلام - ) لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له : إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك ، وإظهار معجزة أخرى ، والمراد بالجناح اليد ، لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى ، فقد ضم جناحه إليه . والثاني أن يراه بضم جناحه إليه تجلده وضبط نفسه ، وتشدده عند انقلاب العصا حية ، حتى لا يضطرب ولا يرهب ، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خوف نشر جناحيه وأرخاهما ، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران ، ومعنى
{ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } ، وقوله : { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ } على أحد التفسيرين واحد ، ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ، فالغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء ، وفي الثاني إخفاء الرهب . فإن قلت : قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً ، وفي الآخر مضموماً إليه ، وذلك قوله : { وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } . وقوله : { واضمم يدك إلى جناحك فالتوفيق ؟ قلت : المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى ، والمضموم إليه اليد اليسرى ، وكل واحد من يمنى اليد ويسراهما جناح "( (1) ).
فيمكن أن نستنتج أن في هذه الآية تكرير حيث كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء ، وفي الثاني إخفاء الرهب .
وقال ابن عاشور : " وادعاء أن يكون التكرير لاختلاف الغرض من الأول والثاني كما في الكشاف بعيد "( (2) ) .
__________
(1) ينظر الكشاف : 3/ 175 .
(2) التحرير والتنوير : 20/ 114 .

(1/407)


وفيها كناية ، فضم الجناح كناية عن التجلد والضبط ، وهو مأخوذ من فعل الطائر عند الأمن بعد الخوف ، وهو في الأصل مستعار
( استعارة تمثيلية ) من فعل الطائر عند هذه الحالة ، ثم كثر استعماله في التجلد وضبط النفس حتى صار مثلاً فيه وكناية عنه( (1) ).
3.وهناك التفاته بلاغية أشار إليها الزمخشري في قوله تعالى : { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ } ، " فإن قلت : لم سميت الحجة برهاناً ؟ قلت : لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء : برهرهة بتكرير العين واللام معاً ، والدليل على زيادة النون قولهم : أبره الرجل إذا جاء بالبرهان "( (2) ).
المعنى العام
{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }
{ فَلَمَّا أَتَاهَا } يعني : الشجرة حيث قدم ضميرها عليها( (3) ) . { نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ } . قال ابن عطية : " روي أنه كان يمشي إلى ذلك النور فكان يبعد منه تمشي به الشجرة وهي خضراء غضة حتى نودي ، والشاطئ والشط ضفة الوادي . وقوله : { الأَيْمَنِ } يحتمل أن يكون من اليمن صفة للوادي أو للشاطئ . ويحتمل أن يكون المعادل لليسار ، فذلك لا يوصف به الشاطئ إلا بإضافة إلى موسى في استقباله مهبط الوادي أو يعكس ذلك "( (4) ) .
__________
(1) ينظر حاشية الشهاب : 7/ 297 . الجدول في إعراب القرآن : 10/ 254 .
(2) الكشاف : 3/ 176 .
(3) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 4996 .
(4) المحرر الوجيز : 12/ 164 .

(1/408)


{ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } " وصفت البقعة بالمباركة لما خصت به من آيات الله ، وأنواره وتكليمه لسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) ، أو لما حوت من الأرزاق والثمار الطيبة "( (1) ) .
والذي ببدو لي أنها وصفت بالمباركة بسبب ما جرى عندها من تكليم الله لسيدنا موسى ، وامتلاءها بالأنوار الإلهية . وقيل : الشجرة العناب ، أو هي شجرة العليق ، أو سمرة ، أو العوسج( (2) ) ، ولا يوجد ثمة دليل قطعي يبين نوع الشجرة لا من كتاب ولا من سنه صحيحة ، ولا يتوقف على معرفة نوع الشجرة في المعنى شئ من الأشياء .
وقد اختلف العلماء قديماً في مسالة كلام الله هل هو مخلوق أم لا ؟ فأدى ذلك إلى نشوء عدة فرق ، وكان سبباً لتسمية علم العقائد ، أو علم التوحيد بعلم الكلام ، لأن أهم مسألة وقع الخلاف فيها هي كلام الله ، كما اختلفوا في تفسير آيات الصفات ، فنشأت مدرستين مدرسة الإثبات ، وتسمى في المشهور مدرسة السلف . " ومذهب السلف فإنهم يثبتون جميع الصفات التي وصف الله جل وعلا نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، وهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شئ "( (3) ) .
__________
(1) البحر المحيط : 7/ 116 .
(2) روح المعاني : 20/ 73 .
(3) ينظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه . ( 661 ـ 728 ) . جمع وترتيب : عَبْد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن قَاسِم العاصمي النَّجْدِي الحَنْبَلِي وساعده ابنه مُحَمَّد . مطابع الرياض 1381 مطبعة الحكومة بمَكّة المُكَّرمة 1386 هـ . : 5/ 26 . تفسير آيات الصفات بين المثبتة والمؤولة . د . محسن عبد الحميد . بغداد . ( د . ت ) . : ص 13 .

(1/409)


ومدرسة التأويل المنضبط الأصولي التي ظهرت نتيجة لاستجابة علماء الإسلام للتحديات العقيدية والفكرية التي واجهتهم ، فهؤلاء التزموا في تفسيراتهم بالقران والسنة ، وقواعد اللغة ، وقواطع العقل السليم( (1) ) . ولكن ظهرت بعض الفرق التي لم تلتزم بمنهج مدرسة التأويل المنضبط منها المؤولة من الفلاسفة وفرق الباطنية ، فظهرت آراء غريبة من غير ضابط من النص من القران أو السنة الصحيحة ، أو اللغة ولا قواطع الأدلة ، في تفاسير غريبة يتقاطع بعضها مع الَقُرْآن الكَرِيم والسنة النبوية لأنها نتاج عقول بشرية ، وفي الحديث : (( من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد اخطأ )) ( (2) ) .
آراء العلماء في مسالة كلام الله
أولاً ـ ذكر البزدوي ـ رَحِمَه الله ـ أن أهل السنة والجماعة قالوا : إن الله تعالى متكلم بالكلام وهو قديم بكلامه كما هو قديم بجميع صفاته وكلامه غير مخلوق ولا مختلف ولا حادث ولا محدث( (3) )
ثانياً ـ قالت المعتزلة ، والخوارج ، والمرجئة ، والروافض ، والمجبرة أن كلام الله تعالى محدث( (4) ) ، وحقيقة الكلام عند المعتزلة أنه حروف منظومة وأصوات مقطعة شاهداً وغياباً ، والكلام ليس جنساً أو نوعاً ذا حقيقة عقلية كسائر المعاني ، بل هو مجرد اصطلاح لا يكون إلا باللسان ، فمن قدر عليه فهو المتكلم ، ومن لم يقدر فهو الأعجم الأبكم( (5) ).
__________
(1) تفسير آيات الصفات : ص 13 .
(2) سنن الترمذي : 5 /199 رقم ( 2951 ) وقال الترمذي : وهذا حديث حسن .
(3) أصول الدين : ص 53 .
(4) الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أُصُوْل الاعتقاد . إمام الحرمين الجويني . ت 478 هـ . تحقيق : د. مُحَمَّد يوسف موسى . وعلي عَبْد المنعم عَبْد الحسين . مطبعة السعادة .1369 هـ - 1950 م . أوفست مَكْتَبَة المثنى . بغداد . ( د . ت . ) . : ص 100 .
(5) المعتزلة . زهدي حسن جار الله . مطبعة مصر . القاهرة . 1947 . : ص 77 .

(1/410)


ثالثاً ـ الكرامية " إن كلام الله تعالى حادث ، فإن القادر على الكلام لا يكون متكلماً ، والقدرة على الكلام يكون كلاماً كالقدرة على الحركة ليست بحركة "( (1) ).
رابعاً ـ وذهب الإمام الجويني إلى القول أنه " ذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس ، وهو الفكر الذي لا يبدو في الخلد ، وتدل عليه العبارات تارة ، وما يصطلح عليه من الإشارات ونحوها "( (2) ).
خامساً ـ قال هشام بن الحكم " إن لله تعالى كلاماً ، ولا أقول إنه مخلوق أو غير مخلوق وروي عن أبي عبد الله البلخي ، وعبد الله بن المبارك أنهما قالا بذلك ، وهو مذهب أهل الحديث ، وقالوا لا حاجة إلى القول إنه مخلوق أو غير مخلوق "( (3) ).
أما كيف كلم الله موسى ( - عليه السلام - ) ؟
فقد نقل الرازي آراء العلماء في ذلك :
الأول ـ قول المعتزلة إن الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في جسم . احتجوا بقوله تعالى : { مِنْ الشَّجَرَةِ } ، فهذا صريح في أن موسى ( - عليه السلام - ) سمع النداء من الشجرة ، والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وتعالى ، متنزه أن يكون في جسم ، فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم( (4) ).
وقد أجاب القائلون بقدم الكلام فقالوا : لنا مذهبان : الأول قول أبو منصور الماتريدي وأئمته ما وراء النهر ، هو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير مسموع ، إنما المسموع هو الصوت والحرف ، وذلك كان مخلوقاً في الشجرة منها ، وعلى هذا التقدير زال السؤال( (5) ) .
__________
(1) أصول الدين : ص 54 .
(2) الإرشاد إلى قواطع الأدلة : ص 105 .
(3) أصول الدين : ص 54 .
(4) أصول الدين : ص 59 . مفاتيح الغيب : 12/ 244 .
(5) مفاتيح الغيب : 12/ 244 .

(1/411)


الثاني: قول أبي الحسن الأشعري ، وهو أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعاً ، كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية ، فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع الحرف والصوت من الشجرة ، وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا منافاة بين الأمرين .
واحتج أهل السنة بان محل قوله : { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله .
والمعتزلة أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله ، وهذا هو أصل المسألة .
أجاب أهل السنة : بأن الذراع المسموم قال : لا تأكل مني فإني مسموم( (1) ) ، ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى ، فإن كان المتكلم بالكلام هو فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال : لا تأكل مني فإني مسموم ، وهذا باطل ، وإن كان المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت : إني أنا الله ، وكل ذلك باطل ( (2) ).
ونقل القرطبي كلاماً لأهل العلم في كيفية تكليم الله لسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) :
قال المهدوي : " وكلم الله موسى ( - عليه السلام - ) من فوق عرشه وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء ، أو لا يجوز أن يوصف بالانتقال والزوال وشبه ذلك من صفات المخلوقين .
__________
(1) إشارة إلى تسميم الذراع الذي قدم لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) . سنن أبي داود : 3 /350 رقم ( 3781 ) بلفظ ( وسم في الذراع وكان يرى أن اليهود هم الذين سموه ) . والحديث حسن .
(2) مفاتيح الغيب : 12/ 245 أصول الدين : ص 65 .

(1/412)


وقال أبو المعالي : وأهل المعاني وأهل الحق يقولون : من كلّمه الله تعالى وخصّه بالرتبة العليا والغاية القصوى ، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات ، كما أن من خصّه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته ، ورزقه رؤيته ، يرى الله سبحانه وتعالى منزهاً عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث ، ولا مثيل له سبحانه في ذاته وصفاته .
وقال الأستاذ أبو إسحاق : واتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى ( - عليه السلام - ) معنى من المعاني أدرك به كلامه ، وكان اختصاصه في سماعه وانه قادر على مثله في جميع خلقه .
وقال عبد الله بن سعد بن كلاب : " أن موسى ( - عليه السلام - ) فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام "( (1) ).
ونقل الآلوسي رحمه الله عن الشيخ الأشعري ، والإمام الغزالي أنه " سمع كلامه تعالى النفسي القديم بلا صوت ولا حرف ، وهذا كما ترى ذاته عز وجل بلا كيف ولا كم . وذكر بعض العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت ، وكان ذلك بعد ظهوره عز وجل بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمة ، وهو سبحانه مع ظهوره تعالى كذلك باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق "( (2) ) .
قال تعالى : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي } . هل هو نداء الوحي أم نداء الكلام ؟
نقل الرازي اختلاف أهل العلم في ذلك " قال الحسن أن موسى ( - عليه السلام - ) نودي نداء الوحي لا نداء الكلام ، والدليل عليه قول تعالى : { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } ( (3) ) .
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 4998 .
(2) روح المعاني : 20/74 .
(3) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 13 .

(1/413)


وقال الجمهور : " إن الله تعالى كلّمه من غير واسطة بدليل قوله تعالى :
{ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } ( (1) ) ، وسائر الآيات ، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف ، لأن قوله تعالى : { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } ( (2) ) لم يكن بالوحي ، لأنه لو كان ذلك أيضا بالوحي لانتهى أخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي والإلزام المتسلسل ، بل المراد من قوله تعالى : { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل إليه في مستقبل الزمان بالوحي "( (3) ).
{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ }
قال ابن عطية : " أمره الله تعالى بإلقاء العصا فألقاها ، فانقلبت حية عظيمة ولها اضطراب الجان ـ وهو صغير الحيات ـ فجمعت هول الثعبان ، ونشاط الجان . وهذا قول بعضهم . قالت فرقة : بل الجان يعمّ الكبير والصغير ، وإنما شبه بالجان جملة العصا لاضطرابها فقط ، وولى موسى ( - عليه السلام - ) فزعاً منها ولم يعقب معناه : لم يرجع على عقبه من توليه فقال الله تعالى : يا موسى اقبل ، فأقبل وقد آمن بتأمين الله إياه "( (4) ).
فانقلاب العصا حية أحد المعجزات التي أيد الله بها نبيه موسى ( - عليه السلام - ).
وذكر الرازي عدة روايات في تبيان العصا سنذكر أهمها :
__________
(1) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 164 .
(2) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 13 .
(3) مفاتيح الغيب : 12/ 245 .
(4) المحرر الوجيز : 12/ 165 .

(1/414)


قالوا : إن شعيباً كانت عنده عصى الأنبياء ـ عَلَيْهم السَّلام ـ فقال لموسى بالليل : إذا دخلت البيت فخذ عصا من تلك العصي ، فأخذ عصا هبط بها آدم ( - عليه السلام - ) من الجنة ، ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقفت إلى شعيب ( - عليه السلام - ) ، فقال : أرني العصا ، فلمسها وكان مكفوفاً فضن بها فقال : خذ غيرها ، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات ، فعلم أن له معها شأناً .
وقال بعضهم : تلك العصا هي عصا آدم ( - عليه السلام - ) ، وأن جبريل ( - عليه السلام - ) أخذ تلك العصا بعد موت آدم ( - عليه السلام - ) ، فكانت معه حتى لقى بها موسى ( - عليه السلام - ) ربه ليلاً( (1) ).
وقال الحسن : ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً ، أي : أخذها من عرض الشجر ، يقال : اعتراض ، أي : لم يتخير . وعن الكلبي الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ، ومنها كانت عصاه( (2) ).
والذي أراه أنه لا يمكن ترجيح إحدى هذه الراويات على الأخرى ، لأنه لم يرد نص صحيح صريح في بيان ذلك ، إلا ما ورد في سورة طه قال تعالى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } ( (3) ) ، فقد نقل الرازي عدة روايات في معنى سؤال الله عن العصا التي مع سيدنا موسى منها " إنه تعالى لما عرف موسى كمال الألوهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية ، فسأله عن منافع العصا ، فذكره بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها منافع أعظم مما ذكر "( (4) )
__________
(1) مفاتيح الغيب : 12/ 246- 247 .
(2) ينظر تفسير القُرْآن . عَبْد الرَّزَّاق بن هَمَّام الصَّنْعَانِي . ( 126 ـ 211 ) . تحقيق : د . مصطفى مسلم مُحَمَّد . مَكْتَبَة الرشد . الرياض . ط2 . 1410 هـ . : 2/ 493 . مفاتيح الغيب : 12/ 247 .
(3) سُوْرَة ( طَه ) : الآيتان 17 – 18.
(4) مفاتيح الغيب : 12 /25 .

(1/415)


يرى الباحث أن سؤال الله سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) عنها فيه دلالة على أن هذه العصا لم تكن عصا عادية ، وأن الله قد أودع فيها مكنونات أسراره .
وقد كانت المعجزة في العصا من عدة وجوه :
أولا ـ تحولها إلى حية تسعى قال تعالى : { فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } ( (1) ) . وقال تعالى : { فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } ( (2) ). وقول تعالى :
{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } ( (3) ).
ثانياً ـ في تلقفها لحيات السحرة . قال تعالى : { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا } ( (4) ) . وقال تعالى : { أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } ( (5) ).

ثالثاً ـ ضرب بها البحر فشق طريقاً له ولقومه . قال تعالى : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى } ( (6) ).
رابعاً ـ استخدم العصا في ضرب الحجر . قال تعالى : { فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ } ( (7) ).
ونقل الرازي عن الشيخ أبي القاسم الأنصاري ـ رَحِمَه الله ـ " وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة ، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة "( (8) ).
والمعجزة الثانية بياض اليد من غير سوء :
__________
(1) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 20 .
(2) سُوْرَة الأَعْرَافِ : الآية 107 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 31 .
(4) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 69 .
(5) سُوْرَة الأَعْرَافِ : الآية 117 .
(6) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 117 .
(7) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 77 .
(8) مفاتيح الغيب : 11/ 29 .

(1/416)


قال تعالى : { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } وقد جاء هذا الأمر في القرآن الكريم بثلاث عبارات :
أولها ـ في سورة طه : { وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } (1).
ثانيهما ـ في سورة النمل: { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } ( (2) ).
ثالثهما ـ الذي في سورة القصص ، والذي نحن بصدد تفسيره : { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } .
" قال قتادة : في جيب قميصك ، كانت له مدرعة من صوف لا كمين لها .
وقال ابن عباس ، ومجاهد : كان كمها إلى بعض يده . وقال السدي : في جيبك ، أي : تحت إبطك "( (3) ).
{ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } من غير برص . ونقل الطبري رواية عن الحسن قال : " خرجت كأنها المصباح فأيقن موسى أنه لقى ربه "( (4) ).
قال سيد قطب : " أطاع موسى الأمر وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره ، ثم أخرجها ، فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة إنها إشارة إلى إشراق الحق ، ووضوح الآية ، ونصاعة الدليل ، وأدركت موسى طبيعة ، فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة ، ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة ، ذلك أن يضم يده في على قلبه فتخفض من دقاته وتطامن من خفقاته"(5).
{ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }
__________
(1) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 22 .
(2) سُوْرَة النَّمْلِ : الآية 12 .
(3) البحر المحيط : 7/ 58 .
(4) جامع البيان : 10/70 .
(5) في ضلال القرآن : 6/ 346 .

(1/417)


" والمعنى إذا هالك أمر يدك وشعاعها ، فأدخلها في جيبك وأرددها إليك تعد كما كانت . وقيل : أمره الله أن يضم يده إلى صدره فيذهب عنه خوف الحية . قال ابن عباس : ليس من أحد يدخله رعب بعد موسى ( - عليه السلام - ) ثم يدخل يده فيضعها على صدره إلا ذهب عنه الرعب . وعن عمر بن عبد العزيز ـ رَحِمَه الله ـ أن كاتباً كان يكتب بين يديه فانفلتت منه فلتة ريح فخجل وانكسر ، فقام وضرب بقلمه الأرض ، فقال له عمر : خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرغ روعك ، فإني ما سمعتها من أحد اكثر مما سمعتها من نفسي . وقيل : المعنى اضمم يدك إلى صدرك ليذهب الله ما في صدرك من الخوف "( (1) ).
ما يستفاد من النصّ
دلت الآيات السابقات على جملة من المعاني التي يمكن تلخيصها بما يأتي :
دلت الآيات على أن سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) تلقى نداءً من الله عَزَّ وجَلَّ بقوله تعالى : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ، وهذه الآية من الآيات المتشابهات التي اختلف العلماء في المراد منها مما فتحت الباب واسعاً للعلماء لجملة من التساؤلات التي أثارتها الآية ، هل الكلام قديم أم حادث ؟ وكيفية تكليم الله لسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) مما بينا آنفاً ؟
دلت الآية كذلك على تأييد الله لرسله وأنبياءه بالمعجزات الدالة على صدقهم ، وأن الله كذلك يعين الدعاة بالوسائل والأسباب التي تساعدهم على تنفيذ مهمتهم .
كذلك دلت على صفات فرعون وجنوده وهي ( الفسق ) ، والتي كانت سبب من أسباب إرسال سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) إلى فرعون .
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5000 .

(1/418)


ودلت الآية على أنه لا بأس للداعية أن يحذر ما يعتقد أنه يمنعه من تنفيذ مهمته { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي } . والمعنى أخاف أن يذكروا قتلي القبطي فيقتلوني ، فأراد ان يكون في أمن إلهي من أعدائه ، فهذا تعريض بالدعاء ومقدمة لطلب تأييده لهارون أخيه( (1) ) .
المطلب الثالث
تأييد الله لسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) بنبوة أخيه هارون ( - عليه السلام - )
{ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } ( (2) ) .
المناسبة
لما أمر الله جل وعلا سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) في الآيات السابقات بالتوجه إلى فرعون وملأه ودعوتهم إلى عبادة الله وحده وزوده بالمعجزات المناسبة لزمن فرعون وما اشتهروا به من السحر ، وذلك بقلب العصا حية ، وخروج اليد بيضاء من غير سوء ، عرض سيدنا موسى بالدعاء من الله بأن يحميه من أعدائه ، ويكون بمأمن منهم ، ومقدمة لطلب تأييده بهارون أخيه { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي } ( (3) ) ، ولما تسبب عن ذلك طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة ، وكان أخوه هارون أحق الناس بهذا الوصف ، كان التقدير فأرسل معي أخي هارون ، الخ .
__________
(1) التحرير والتنوير : 20 /115 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 34 – 35 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 33 .

(1/419)


غير أنه قدم ذكره اهتماماً بشأنه فقال : { وَأَخِي هَارُونُ } ، أي : إنه يخاف أن يفوت مقصود الرسالة ، إما بقتله ، أو لعدم بيانه ، فاكتفى بالتلويح في الكفاية من الأول لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها ، وصرح بما يكفي من الثانية ، فكان التقدير : إني أخاف أن يقتلوني فيفوت المقصود ولا يحمني من ذلك إلا أنت ، وأن لساني فيه عقده وأخي هارون … الخ . وزاده في تعظيمه بضمير الفصل فقال : { هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا } ، فنلاحظ هنا وجه أخر من وجوه الإعجاز في الآيات القرآنية هو التناسق والتناسب ، فكل حرف وضع بعناية ليؤدي غرضاً بعينة بحيث لو وضعنا غيره لما أعطى المعنى المراد . وشاهدنا ترابط الآيات فيما بينها ، وترابط الحروف مع بعضها .
تحليل الألفاظ
1. { أَفْصَحُ } :
الفصاحة : البيان فَصَحَ الرجل فَصَاحَةً فهو فَصِيْح من قوم فُصَحَاء وفِصاح وفُصَح وامرأة فَصِيحة من نسوة فِصاح وفَصَائِح . وتقول : رجل فَصِيح ، وكلام فَصِيح ، أي : بليغ ، ولسان فَصِيح ، أي : طلق( (1) ).
2. { رِدْءاً } :
رِدْأ رَدْأ الشي بالشيء ، جعله له رِدْءاً .
وأَرَدَأَهُ : أعانه وترادأ القوم : تعاونوا ، وأرْدَأتُه بنفسي إذا كنت له رِدْءاً ، وهو العون ، وفلان رِدْءٌ لفلان ، أي : ينصره ويشد ظهره( (2) ).
3. { عَضُدَكَ } :
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( فصح ) 2/ 544 .
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( ردء ) 1/ 84 .

(1/420)


العُضُدُ والعَضِدُ والعَضُدُ من الإنسان وغيره الساعد ، وهو ما بين المرفق إلى الكتف ، والكلام الأكثر العَضُدُ والعَضُدُ : القوة ، لأن الإنسان إنما يَقْوي بعَضُدِهِ فسميت القوة به . وقال الزجاج في معنى قوله تعالى : { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } ، أي : سنعينك بأخيك. وكل معين فهو عَضُد ( (1) ).
القراءات القرآنية
1. { رِدْءاً } :
هذه قراءة الجمهور . وقرأ نافع ، والمدنيان بحذف الهمزة ، ونقل حركتها إلى الدال ( رِدًاً ) والمشهور عن أبى جعفر بالنقل ولا همز ولا تنوين ، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف( (2) ).
2. { يُصَدِّقُنِي } :
قرأ عاصم ، وحمزة بضم القاف فاحتمل الصفة لـ( ردأ ) ، والحال احتمل الاستئناف . وقرأ الكسائي ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وابن كثير ، ونافع ، وأبو جعفر ، وخلف ، ويعقوب بالإسكان : ( يُصَدِّقْنِي ) . وقرأ أبي ، وزيد بن علي :
( يُصَدِّقُوْنِي ) والضمير لفرعون وقومه . وقال ابن خالويه : هذا شاهد لمن جزم لأنه لو كان رفعاً لقال : يصدقونني( (3) ) .
3. { إِنِّي أَخَافُ } :
قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر : ( إنِّيَّ )( (4) ).
4. { يُكَذِّبُونِي } :
قرأ يعقوب وصلاً ( يكذبوني )( (5) ) .
5. { عَضُدَكَ } :
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( عضد ) 3/ 292- 293 .
(2) ينظر الكشاف : 3/ 176 . البحر المحيط : 7/ 118 . إتحاف فضلاء البشر : ص 342. غيث النفع : ص 316 .
(3) ينظر السبعة في القراءات : ص 494. التيسير في القراءات السبع : ص 171. الكشاف : 3/ 176 . البحر المحيط : 7/ 118 .
(4) النشر في القراءات العشر : 2/ 242 . الكشف عن وجوه القراءات : 2 /176 . غيث النفع : ص 316 .
(5) النشر في القراءات العشر : 2/ 342 . إتحاف فضلاء البشر : ص 343.

(1/421)


قرأ الحسن ، وعيسى بالفتح : ( عَضَدَكَ ) . وقرأ زيد بن علي ، وقرأ الحسن أيضاً بالضم ( عُضُدَك ) . وعن الحسن أيضاً بضم العين وإسكان الضاد
(عُضْدُكَ). وعن بعضهم بفتح العين وكسر الضاد وإسكانها (عَضِدُك، عَضْدُك )( (1).
القضايا البلاغية
1.الإسناد المجازي في قوله تعالى : { رِدْءاً يُصَدِّقُنِي } قال الزمخشري : " ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق موسى ، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق ، ويبسط القول فيه ، ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة ، فذلك جار مجرى التصديق المفيد كما يصدق القول بالبرهان ، ألا ترى إلى قوله : { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي } ، وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك ، لا لقوله صدقت ، فإن سَحْبَان وبَاقِلاّ يستويان فيه ، أو يصل جناح كلامه بالبيان حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه ، فأسند التصديق إلى هارون ، لأنه السبب فيه إسناداً مجازياً ، ومعنى الإسناد المجازي : أن التصديق حقيقة في المصدق ، فإسناده إليه حقيقية ، وليس في السبب تصديق ، ولكن استعير له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة ، والدليل على ذلك قوله : { إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي } "( (2) ) .
2.الاستعارة التمثيلية في قوله تعالى : { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } " شبّه حال موسى ( - عليه السلام - ) في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بعضد شديد ، ويجوز أن يكون هناك مجاز مرسل من باب إطلاق السبب على المسبب بمرتبتين بأن يكون الأصل سنقويك به ، ثم نؤيدك ، ثم سنشد عضدك به "( (3) ).
المعنى العام
__________
(1) ينظر المحتسب : 2 /152 . البحر المحيط : 7/ 118 .إتحاف فضلاء البشر : ص 343 غيث النفع : ص 316 .
(2) الكَشَّاف : 3 /176 .
(3) محاسن التأويل : 13/ 4706 وينظر الجدول في إعراب القران : 20/ 256- 258 .

(1/422)


{ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي }
قال : رب إني قتلت من قوم فرعون نفساً فأخاف إن أتيتهم ولم أُبِنْ عن نفسي بحجة أن يقتلوني ، لأن ما في لساني من عقدة يحول بيني وبين ما أريد من الكلام ، وأخي هارون هو أَفْصَحُ مني لساناً واحسن بياناً فأرسله معي عوناً يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجنب الشبهات ويجادل هؤلاء الجاحدين المعاندين ، وإني أخاف أن يكذبوني ولساني لا يطاوعني حين المحاجة ، فأجابه سبحانه وتعالى : سنقويك ونعينك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً عظيماً وغلبة على عدوكما ، فلا يصلون إليكما بوسيلة من وسائل الغلبة( (1) ).
هل كان سيدنا هارون نبياً :
لقد وردت آيات كثيرة في القران الكريم تؤكد على نبوة هارون ( - عليه السلام - ) منها:
قال تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا } ( (2) ).
قال تعالى : { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي } ( (3) ) ، فإرشاده لهم باتباعه يدل على أنه نبي .
__________
(1) تفسير المراغي : 20/ 57 .
(2) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 163 .
(3) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 90 .

(1/423)


قال تعالى : { قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ } ، فهذه الدعوة من سيدنا موسى بأن يرسل إلى أخيه هارون كما أرسله فاستجاب الله لدعائه وأعطاه ما أراد بقوله : { قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } ( (1) ).
قال تعالى : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ( (2) ) ، ففي هذه الآية دلالة واضحة على إرسال سيدنا هارون ( - عليه السلام - ) .
قال تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } ( (3) ).
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ } ( (4) ).
قوله تعالى: { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي(33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي(34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } ( (5) ).
فقد نقل الرازي أقوال العلماء فيها :
" قال مقاتل : المعنى كي يصدقني فرعون ، والمعنى أرسل معي أخي هارون حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان ، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون .
قال السدي : إن نبيين وآيتين أقوى من نبي واحد وآية واحدة .
__________
(1) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ : الآية 13-15 .
(2) سُوْرَة المُؤْمِنُوْنَ : الآية 45 .
(3) سُوْرَة مَرْيَمْ : الآية 53 .
(4) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ : الآية 48 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 33- 35 .

(1/424)


وقال القاضي : والذي قاله من جهة العادة أقوى ، فأما من حيث الدلالة فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين لأن المبعوث إليه إن نظر في أيهما كان علم وإن لم ينظر فالحالة واحدة ، هذا إذا كانت طريقة الدلالة في المعجزتين واحدة ، فأما إذا اختلفت وأمكن في أحدهما إزالة الشبه ، ما لا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن يختلفا ، ويصلح عند ذلك أن يقال : إنها بمجموعها أقوى من إحداهما على ما قاله السدي ، لكن ذلك لا يتأتى في موسى وهارون ـ عَلَيْهما السَّلام ـ لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة )( (1) ).
والذي أراه :
إنه بعد استعراضنا الآيات القرآنية تبين لنا بما لا يقبل الشك أن سيدنا هارون ( - عليه السلام - ) قد كان رسولاً إلى فرعون وملائه وبني إسرائيل ، ومن ذلك يتبين لنا حجم المهمة التي اضطلع بها سيدنا موسى وأخيه ، فقد أرسله الله إلى ملك متجبر طاغية ضرب به المثل في الظلم والتكبر حتى أداه تكبره إلى ادعاء الربوبية. قال تعالى : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلاَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } ( (2) ) .
فإن رسالتها رسالة واحدة ، قال تعالى في سورة طه : { فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ } ( (3) ) . وفي الشعراء: { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ( (4) ) . وقال في سورة طه : { قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ } ( (5) ) ، ففي هذه الآيات وآيات آخر دلالة على أن مهمتهما كانت مهمة واحدة .
ما يستفاد من النصّ
نستطيع أن نستنبط المعاني الآتية مما مرّ من الآيات القرآنية.
__________
(1) مفاتيح الغيب : 12/ 249- 250 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 38 .
(3) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 47 .
(4) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ : الآية 16 .
(5) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 47 .

(1/425)


أولا ـ إذا كلف والي أمر المسلمين أحداً بمهمة ما ، أو أسند إليه مسؤولية ما ، لا ضير عليه أن يطلب إشراك غيره معه في المهمة إذا كانت نيته خالصة لله ، ويريد الإخلاص والنجاح في مهمته ، حتَّى ولو كان ذلك المستعان به أخوه ، أو ابنه ، إذا كان ينطبق عليه الشرط السابق للعمل { إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ } ( (1) )، وشرط أن يكون العمل المكلف به مما يرضي الله أولاً .
ثانياً ـ وكذلك على المكلف بواجب أو مهمة أن يبين لمن كلّفه ويصارحه بكل شيء يمكن أن يفسد عليه مهمته ويقترح ما يعتقده كافٍ في إزالة هذه العوائق { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي } وقد أجابه الله تعالى بإرسال هارون معه إلى فرعون وملائه( (2) ).

المطلب الرابع
المقارنة بين سورة النمل وسورة القصص
من خلال الآيات الخاصة ببعثة
سيدنا موسى ( - عليه السلام - )

سورة النمل
سورة القصص

إِنِّي آنَسْتُ نَارًا
------
سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ
أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ
فَلَمَّا جَاءَهَا
نُودِيَ أَنْ بُورِكَ
وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
يَامُوسَى
إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَأَلْقِ عَصَاكَ
يَا مُوسَى لا تَخَفْ
إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
فِي تِسْعِ آيَاتٍ
-------
إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ
آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا
امْكُثُوا
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ
أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ
فَلَمَّا أَتَاهَا
نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 26.
(2) ينظر المستفاد من قصص القران : 1/ 373 .

(1/426)


------
أَنْ يَامُوسَى
إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ
يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ
إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ
------
اسْلُكْ يَدَكَ
فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ

من خلال استعرضنا لقصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) في القران الكريم نلاحظ أنها ذكرت مرات عديدة وبصيغ مختلفة ، وقد تكلمنا في الفصل التمهيدي عن فوائد وأغراض التكرار في القصة القرآنية ، وسنتكلم الآن عن الأوجه المناسبة والاختلاف في بعض الألفاظ بين سورتي النمل والقصص فيما يخص بعثة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) ، فقد لا حظنا هناك اختلاف في الزيادة والنقصان في بعض الكلمات ، وسنبين أسباب هذا الاختلاف وماذا يعني ذلك .
فكما نعرف أن سورة القصص قد استوعبت تقريباً كل مراحل حياة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) تقريباً ابتداء من اللحظات التي سبقت ولادته إلى بعثته وما بعدها من أحداث ، أما ما ورد في سورة النمل فلم يكن بهذا التوسع ، وورد بصورة مجملة .
وقد درسها الدكتور فاضل صالح السامرائي بالتفصيل في كتابه لمسات بيانية في نصوص من التنزيل( (1) ) . وفيما يأتي بعض من هذه المقومات :
قال تعالى في سورة النمل { إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } وقال في سورة القصص : { آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ } . في سورة القصص زاد { مِنْ جَانِبِ الطُّورِ } ، وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص .
قال في سورة النمل : { إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } وقال في سورة القصص : { قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } بزيادة { امْكُثُوا } وذلك لمقام التفصيل في سورة القصص أيضاً.
__________
(1) لسمات بيانية في نصوص من التنزيل : ص 69- 86

(1/427)


قال في سورة النمل : { سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } ، وقال في القصص :
{ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } ، فبنى الكلام في سورة النمل على القطع
{ سَآتِيكُمْ } وفي القصص { لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } إن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر ، فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الأمن ، ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.
إن الترجي من سمات سورة القصص ، والقطع من سمات سورة النمل واليك الشواهد .
قال تعالى : { عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } ( (1) ) وهو ترجي
{ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } ( (2) ) وهو ترج أيضاً .
{ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } ( (3) ) .
{ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } ( (4) ) .
{ لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } ( (5) ) .
{ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( (6) ) .
{ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ } ( (7) ) .
وقال : { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ( (8) ) .
أما سورة النمل لم يرد ترجي إلا في موطنين وهما :
قوله : { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } ( (9) ) .
وقوله : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ( (10) ) .
فناسب الترجي ما ورد في القصص ، وناسب القطع واليقين ما ورد في سورة النمل .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 9 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 22 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 29 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 29 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 38 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 43 ، 46 ، 51 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 67 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 73 .
(9) سُوْرَة النَّمْلِ : الآية 7 .
(10) سُوْرَة النَّمْلِ : الآية 46 .

(1/428)


وكذلك كرر فعل الإتيان في سورة النمل فقال : { سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ } ، ولم يكرر في القصص بل قال : { لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ } ، فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف .
قال في سورة النمل : { أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } وقال في القصص : { لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } . فذكر في سورة النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس والشهاب هو شعلة من النار ساطعة ومعنى ( القبس ) : شعلة نار تقتبس من معظم النار . ( والجذوة ) العود الغليظ في رأسه نار(1)، والشهاب الشعلة والقبس : النار المقبوسة( (2) ) .
أولا: المجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة ، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيها من اللهب الساطع ، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضاً ، فهو أحسن من الجذوة في الاستضاءة والدفء .
وثانياً: إنه سيأتي بالشهاب مقبوساً من النار ، وليس مختلساً أو محمولاً منها ، لأن الشهاب يكون مقبوساً وغير مقبوس( (3) ) ، وهذا أدل على القوة والثبات ، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار ويقبس منها شعلة ساطعة ، أما في القصص فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار ولم يقل إنه سيقتبسها منها ، ولا شك أن الحالة الأولى أكمل لما فيها من زيادة دفع كل تعبير في موطنه اللائق به ، ففي موطن الخوف ذكر الجمرة ، وفي غير موطن الخوف ذكر الشهاب القبس .
__________
(1) الكشاف 3/ 244
(2) الكشاف 3/ 137
(3) ينظر : الكَشَّاف : 3 /137. البحر المحيط : 7/55 .

(1/429)


قال في سورة النمل : { فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ } ، وقال في القصص : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي } ، وقد فرق الراغب بين المجيء والإتيان فقال : " المجيء كالإتيان ، لكن المجيء أعم لأن الإتيان مجيء بسهولة ، والإتيان قد يقال باعتبار القصد وأن لم يكن منه الحصول ، والمجيء يقال اعتباراً بالحصول "( (1) ) ، فإن ما قطعه موسى على نفسه في سورة النمل أصعب مما في سورة القصص ، فقد قطع على نفسه أن يأتيهم بخبر أو بشهاب قبس ، في حين ترجى ذلك في القصص ، والقطع أشق وأصعب من الترجي ، وغالباً ما يستعمل القران الكريم المجيء لما فيه صعوبة ومشقة( (2) ).
ذكر في القصص جهة النداء { نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ } ، ولم يذكر الجهة في سورة النمل ، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل وموطن النمل موطن إيجاز .
قال في سورة النمل : { نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } . وقال في القصص : { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } . قال الرازي : " ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ذكر الكل ، إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء "( (3) ) ، ولأن الموقف في سورة النمل موقف تعظيم.
__________
(1) معجم مفردات ألفاظ القران: ص 120 .
(2) ينظر : لمسات بيانية في نصوص من التنزيل . د . فاضل صالح السامرائي . الطبعة الأولى . دار الشؤون الثقافية العامة . بغداد . 1999 م : ص 74 - 80 .
(3) مفاتيح الغيب : 12/ 425 . البحر المحيط : 7/ 117 .

(1/430)


قال في سورة النمل : { يَا مُوسَى } ، وقال في القصص : { أَنْ يَا مُوسَى } ، فجيء بـ( أن ) المفسرة ، وذلك لأن المقام في سورة النمل مقام تعظيم لله سبحانه وتعالى وتكريم لموسى فشرفه بالنداء المباشر ، في حين ليس المقام كذلك في القصص ، فجاء بما يفسر الكلام ، أي : ناديناه بنحو هذا ، أو بما هذا معناه( (1) ).
قال في سورة النمل : { إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، وقال في القصص : { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ، فجيء بضمير الشان الدال على التعظيم في آية النمل (إِنَّهُ أَنَا ) ، ولم يأت به في القصص ، ثم جاء باسميه الكريمين ( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) في سورة النمل زيادة في التعظيم .
قال في سورة النمل : { وَأَلْقِ عَصَاكَ } ، وقال في القصص : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } ، فجيء بـ( أن ) المفسرة أو المصدرية ، ويقال فيها مثل ما قيل في الفقرة العاشرة من النمل { يَا مُوسَى } ، وفي القصص { أَنْ يَا مُوسَى } .
قال في سورة النمل : { يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ } . وقال في القصص : { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ } بزيادة { أَقْبِلْ } ، وذلك أن مقام الإيجاز في سورة النمل يستدعي عدم الإطالة ، ولأن شيوع جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب ، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف( (2) ).
قال في سورة النمل : { إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } ، وقال في القصص : { إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ } ، وذلك أن المقام في سورة القصص مقام الخوف ، والخوف يحتاج إلى الأمن ، فأمنه قائلاً : { إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ } ، وأما في سورة النمل فالمقام مقام تكريم وتشريف. فقال : { إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } ( (3) ).
__________
(1) لمسات بيانية : ص 80 .
(2) المصدر نفسه : ص 80 .
(3) لمسات بيانية : ص 83 .

(1/431)


قال في القصص : { وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ } ، ولم يذكر مثل ذلك في سورة النمل ، والرهب هو الخوف ، وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في القصة ، ومناسب لجو التفصيل فيها( (1) ).
يقول الباحث : بعد هذا العرض لأوجه الاختلاف بين هذين النصين يمكن أن نقول أن ذلك يعود إلى ثلاثة أسباب :
السبب الأول ـ هو أن سورة القصص جاءت مفصلة استوعبت كلّ جوانب حياة سيدنا موسى تقريباً ، بينما وردت هذه القصة بصورة مجملة في سورة النمل ، فكان ذلك سبباً من أسباب الاختلاف .
السبب الثاني ـ طابع الخوف الذي كان سمة من سمات سوره القصص فكان سبباً أخراً من أسباب الاختلاف .
السبب الثالث ـ إن المقام في سورة النمل مقام تكريم لسيدنا موسى ( - عليه السلام - ) أوضح مما هو في القصص( (2) ) .
ففي سورة القصص كان جو القصة مطبوعاً بطابع الخوف ، وفيما يأتي جرد لعبارات الخوف التي جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ :
فقد خافت أم موسى ( - عليه السلام - ) على ولدها من فرعون وملائه قال تعالى :
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي } ( (3) ) .
ومن شدة الخوف اصبح فؤادها فارغاً من الحزن قال تعالى : { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } ( (4) ) .
خوفه بعد قتل القبطي : { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } ( (5) ) .
وبعد خروجه من مصر قال تعالى : { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } ( (6) ).
__________
(1) المصدر نفسه : ص 83 .
(2) المصدر نفسه : ص 70 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 7 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 10 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 18 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 21 .

(1/432)


بعد أن ذهب إلى مدين واتصل بالشيخ الكبير والد البنات وقص عليه قصته فطمأنه : { لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ( (1) ).
وبعد البعثة طلب المعونة من الله أن يرسل معه أخوه هارون { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي } ( (2) ).
ونلاحظ في سورة النمل أنه لم يرد ذكر للخوف إلا في مقام العصا : { يا يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } ( (3) ) . وانما اخترنا سُوْرَة النَّمْلِ نموذجاً للمقارنة بين القصتين، وقد وضعنا الجدول في أول المطلب لتسهيل المقارنة.

المطلب الأول
اتهام سيدنا موسى بالسحر
{ فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ( (4) ) .
المناسبة
لقد بينت الآيات السابقات أن الله جل وعلا قد وعد سيدنا موسى بأن يجيب طلبه ودعائه بأن يحميه من فرعون وملائه ، وأن يرسل معه أخوه هارون معيناً :
{ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } ، وليبين جل وعلا سرعة امتثال موسى وهارون لأمر الله قال : { فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى } .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 25 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 34 .
(3) سُوْرَة النَّمْلِ : الآية 10 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 36 – 37 .

(1/433)


وقال البقاعي : " ولما كان التقدير فأتاهم كما أمر الله وعاضده أخوه كما أخبر الله ودعواهم إلى الله تعالى ، وأظهر ما أمر به من الآيات بنى عليه قوله مبيناً بالفاء سرعة امتثاله { فَلَمَّا جَاءهُمْ } ، أي : فرعون وقومه ، ولما كانت رسالة هارون ( - عليه السلام - ) إنما هي تأييد لموسى ( - عليه السلام - ) أشار إلى ذلك بالتصريح باسم الجائي فقال { مُوسَى بِآيَاتِنَا } ( (1) ) .
فنلاحظ مرة أخرى إلى روعة التناسق والتناسب في الآيات القرآنية كذلك الروعة في استخدام الحروف للدلالة على معانٍ لا يمكن أن تعبر عنها الجمل الطويلة .
تحليل الألفاظ
1. { سِحْرٌ } :
قال ابن منظور : هو كل ما لطف مأخذه ودقّ فهو سِحْر والجمع أسْحَار وسَحُور وسَحَرَة يَسْحَرَه سَحْراً وسِحْراً وسحَّرَه. ورجل ساحِر من قوم سَحَرَة وسُحَّار من قوم سَحَّارِين . وأصل السِحْر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ، فكأن الساحر لمّا أُري من الباطل في الحق ، وخيل الشيء على غير حقيقته ـ وقد سَحَر الشيء عن وجهه ، أي : صرفه( (2) ) وعرف الشافعي السِحْر بأنه : " عقد ورقى وكلام يتكلم به ، أو يكتبه ، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور وقلبه ، أو عقله من غير مباشرة وله حقيقته "( (3) ).
2. { مُفْتَرًى } :
الفِرْية الكذب فَرَى كَذِباً فَرْيَاً وافْتَرَاه اختلقه ، ورجل فَرِىُّ ومِفْرىً وأنه لقبيح الفِرْيَة ، قال الليث : يقال فَرَى فلان الكذب يَفْرِيه إذا اختلقه( (4) ).
القراءات القرآنية
1. { وَقَالَ مُوسَى } :
__________
(1) نظم الدرر : 5/ 488 .
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( سحر ) 4/ 348 .
(3) المغني ( ابن قدامة ) : 8/ 28 .
(4) لِسَان العَرَب : مَادة ( فري ) 15/ 154 .

(1/434)


قرأ ابن كثير : ( قال ) بغير واو لأنها كذلك في مصحف أهل مكة كأنه استئناف كلام . وقرأه الباقون : ( وقال ) بالواو ، كأنه عطف على ما قبله عطف جملة على جملة( (1) ) .
2. { رَبِّي أَعْلَمُ } :
وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر بالفتح ( رَبِّيَ ) بالفتح( (2) ).
المعنى العام
{ فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ }
{ فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا } وهي العصا واليد ( بينات ) ، أي واضحات الدلالة على صدقه وأنه أمر خارق معجز ، كفوا عن مقاومته ومعارضته ، فرجعوا إلى البهت والكذب ، ونسبوه إلى السحر ، لأنهم يرون الشيء على حالة ، ثم يرونه على حالة أخرى ، ثم يعود إلى الحالة الأولى ، فزعموا أنه سحر يفتعله موسى ويفتريه على الله ، فليس بمعجز ثم مع دعواهم إنه سحر مفترى وكذبهم في ذلك ، زادوا في الكذب أنهم ما سمعوا بهذا في آباءهم ، أي : في زمان آبائهم وأيامهم( (3) ) .
{ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }
لما اخبره تعالى بقولهم عطف عليه الأخبار بقول موسى ( - عليه السلام - )
{ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ، ليوازن السامع بين الكلامين ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما فبضدهما تتبين الأشياء( (4) ) .
__________
(1) الكشف عن وجوه القراءات : 2/ 174 الإقناع في القراءات السبع : 2/ 723 .
(2) الكشف عن وجوه القراءات : 2/ 176 .
(3) ينظر البحر المحيط : 7/ 119 .
(4) ينظر نظم الدرر : 5/ 489 .

(1/435)


وقال الرازي في تفسيره لقوله تعالى : { وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } :
" من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب ، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة ، والدليل عليه قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ } ( (1) ) . وقوله : { وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } ( (2) ) ، والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقابها أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان ، وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت ، فإن قيل : العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار ، لأن الدنيا قد تكون خاتمتها خير في حق البعض ، وشر في حق البعض الآخر ، فلم اختصت خاتمتها بالخير في هذه التسمية دون خاتمتها بالشر ؟ قلنا : إنه قد وضع الله سبحانه وتعالى الدنيا مجازاً إلى الآخرة ، وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الخير ، وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار ، ثُمَّ إنه ( - عليه السلام - ) أكد ذلك بقوله : { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ، أي : لا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع ، بل يحصلون على ضد ذلك ، وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ظهر منهم "( (3) ).
ما يستفاد من النص
__________
(1) سُوْرَة الرَّعْدِ: الآيتان 22 –23 .
(2) سُوْرَة الرَّعْدِ: الآية 42 .
(3) مفاتيح الغيب : 12 / 351 .

(1/436)


أولاً ـ في هذه الآية بشرى من البشارات القرآنية لانتصار المسلمين على أعدائهم ، وذلك قوله تعالى : { وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ، وهذه الآية نظير ما جاء في سورة الأعراف من قول موسى لقومه : { اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ( (1) ) .
فمن السنن الإلهية التي لا تنتهي أبداً هي أن العاقبة الحسنة للمتقين في الدنيا والآخرة ، وليست مقصورة على الآخرة بدخول الجنان ، وإنما تشمل عاقبتهم الحسنة المرضية في الدنيا ، وتشمل انتصارهم على أعدائهم وإزالة الظلم عنهم ، واسترداد حقوقهم ، وعزتهم وكرامتهم ، وعلو مكانتهم . وهذه العاقبة الحسنة هي للمتقين من عباده ، وهم القائمون بكل مقتضيات ولوازم العبودية لله ، والتي هي عبادة الله وحده لا شريك له ، وتنفيذ ما أمر الله به ، والابتعاد عمّا نهى عنه ، وتحكيم شرع الله ، وإقامة المجتمع الصالح القائم على الأخلاق الفاضلة التي ربى عليها الإسلام الجيل الأول( (2) ) .
ودلت كذلك على الاستعانة بالله في جميع الأحوال وجمع الكلمة ، ولا ينبغي للمسلم أن ييأس أبداً .
__________
(1) سُوْرَة الأَعْرَافِ : الآية 128 .
(2) ينظر المستفاد من قصص القران : 1/ 375 .

(1/437)


ثانياً ـ نلاحظ التشابه الواضح في رد فعل قوم فرعون من دعوة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) واتهامهم له بالسحر في قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى } ، ورد فعل كفار قريش من دعوة المصطفى
( - صلى الله عليه وسلم - ) وعجزهم عن معارضته لما رأوا فصاحة القران وبلاغته ، نسبوه إلى السحر قال تعالى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ } ( (1) ) ، فعلى الدعاة أن لا يضجروا من عدم استجابة من يدعونهم إلى الله ، فالناس بطبيعتهم يختلفون في مدى استعدادهم للاستجابة لصوت الحق وفي سرعة هذه الاستجابة ، فمن الناس من يقبل الحق بدون تردد ، ومن الناس من لا يقبل الدعوة إلى الله ويظل يقاومها ثُمَّ يقبلها بعد ذلك ، فعلى الداعي أن يفقه ذلك ، ولا يتعجب ولا ييأس من الاستجابة له حتَّى من أعتى الناس وأشدهم مقاومة للدين( (2) ) .
وكذلك ما ورد أيضا من تشابه بين ما جاء في خطاب سيدنا موسى
( - عليه السلام - ) لقومه : { وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } .
وما ورد من خطاب الرسول محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) للمشركين بقوله : { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ } ( (3) ).
وهو يرجح ما ذهبت إليه .

المطلب الثاني
ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض
__________
(1) سُوْرَة الزُّخْرُفِ : الآية 30 .
(2) ينظر المستفاد من قصص القران : 1/ 376 .
(3) سُوْرَة سَبَأ : الآيات 24-26 .

(1/438)


{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } ( (1) ) .
المناسبة
بعد أن بينت الآيات السابقات سرعة امتثال سيدنا موسى لأمر الله بدعوته لفرعون وقومه ، وجاءهم بالمعجزات الدالات على صدقه ، فاتهموه بالسحر ، فقال لهم موسى بكل أدب : { رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } فتضمن رده عليهم ترغيب وترهيب بعد أن قدم لهم المعجزات ، وجاء رده عليهم بأسلوب غاية في الروعة ، وبأسلوب عالٍ من أدب الخطاب والمناظرة " فهو لم يؤكد أن خصمه في ضلال ، كما لم ينسبه إلى نفسه ، بل ردده بينهما وهو يعلم انه لأيهما "( (2) ) ، ثم علل هذا بأن من سنن الله أن المخذول هو الكاذب فقال : { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 38 – 39 .
(2) تفسير المراغي : 20/ 58 .

(1/439)


ثم يأتي النص القرآني والذي نحن بصدد تحليله ليبين في الجانب الآخر رد فرعون على مقالة موسى بمقالة تدل على الجهل ونقصان العقل ليؤكد النص القرآني على أنه بلغ غاية لا حد لها في الإنكار ، وأنه لا مطمع في إيمانه لعتوه وطغيانه واستكباره في الأرض ، وما جرى له من العذاب في الدنيا والآخرة . قال تعالى : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ } ( (1) ) . فأراد النص القرآني في هذا المقطع أن يبين الفرق بين رد أهل الحق المتمثل في قول موسى المتفائل بنصر الله والمتوكل على الله ، ورد فرعون المتكبر الظالم وليبين لنا بوضوح الفرق بين أخلاق الأنبياء ، وبين أخلاق أعداء الله .
تحليل الألفاظ
{ صَرْحًا } :
الصَّرْح بيت واحد يبنى منفرداً ضخماً طويلاً في السماء . وقيل : هو القصر . وقيل : هو كل بناء مرتفع . وقال الزجاج : الصَّرح في اللغة القصر والصحن( (2) ) . وقال الراغب الأصفهاني : " وهو بيت عالي مزوق سمي بذلك اعتباراً بكونه صرحاً عن الشوب ، أي : خالصاً "( (3) ) .
وقال الآلوسي هو: " بناء مكشوف عالياً ، من صرح الشيء إذا ظهر "( (4) ) .
وقال ابن عاشور هو : " القصر المرتفع "( (5) ) .
القراءات القرآنية
1. { لَعَلِّي } :
قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو جعفر بالفتح :
( لَعَلَى ) ( (6) )
2. { لاَ يُرْجَعُونَ } :
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 38- 39 .
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( صرح ) 2/ 511 .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 287 .
(4) روح المعاني : 20/ 80 .
(5) التحرير والتنوير : 20/ 123 .
(6) ينظر الإقناع في القراءات السبع : 2/ 721 .

(1/440)


قرأ حمزة ، والكسائي ، ونافع : ( لاَ يَرْجِعُون ) مبيناً للفاعل والجهور مبيناً للمفعول( (1) ) .
القضايا البلاغية
في قوله تعالى : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ } فيها إطناب( (2) ) بديع ، وذلك أنه لم يقل : اطبخ لي الآجر ، وذلك ليتفادى ذكر كلمة الآجر لأن تركيبها على سهولة لفظه ليس فصيحاً ، وذلك امر يقرره الذوق وحده ، فعبر عن الآجر بالوقود على الطين لأن هذه العبارة أحسن مطابقة لفصاحة القرآن ، وعلو طبقته ، وأشبه بكلام الجبابرة ، وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين ، منادى باسمه بـ( يا ) في وسط الكلام دليل التعظيم والتجبر ، وقد اشتملت هذه العبارة على الكثير من ألفاظ الجبابرة العتاة ، وذلك على الوجه الآتي :
نادى وزيره بحرف النداء .
توسيط ندائه خلال الأمر وبناء الصرح .
رجاؤه الإطلاع إلى الله .
الغباء الذي يلازم الجبابرة العتاة ، إذ يقعون في التناقض من حيث لا يشعرون ، فقد صرح قبل قليل بقوله : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } ، فعرب عن نفي المعلوم بنفي العلم ، وأعلن تصميمه على الجحود ، ثُمَّ ما عتم أن أعلن رجاءه الإطلاع ، فهل كان مصمماً على الجحود أم لم يكن( (3) ) ؟
المعنى العام
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي }
__________
(1) ينظر الكَشَّاف : 3 /180. البحر المحيط : 7/ 120 .
(2) الإطناب : هو البلاغة في المنطق والوصف مدحاً كان أو ذماً ، وأطنب في الكلام بالغ فيه . ينظر معجم المصطلحات البلاغية : 1 /224 .
(3) ينظر الكَشَّاف : 3 /179 –180. إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5 /231 .

(1/441)


أي : وقال فرعون منكراً لما أتى به موسى ( - عليه السلام - ) من توحيد الله وحده وعبادته ، فقد اخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : " لما قال فرعون : { يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } قال جبريل ( - عليه السلام - ): يا رب طغى عبدك ، فأذن لي في هلاكه ، قال : يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني له أجل قد أجلته حتى يجيء ذلك الأجل ، فلما قال : { أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى } ( (1) ) قال جبريل : قد سكنت روعتك بقى عبدي وقد جاء أوان هلاكه "( (2) )
{ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ }
" أي أطبخ لي يا هامان الآجر ، فعن ابن عباس ( رضي الله عنه ) وقتادة : هو أول من صنع الآجر وبنى به "( (3) ) .
وقد اختلف العلماء في فرعون هل بنى الصرح أم لا ؟
1.فقال قوم : إنه بناه ، " فقالوا إنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتَّى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الاتباع والأجراء ، وأمر بطبخ الآجر والجص ، ونجر الخشب وضرب المسامير ، فشيدوه حتَّى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق فبعث الله تعالى جبريل ( - عليه السلام - ) عند غروب الشمس فضربه بجناحيه فقطعه ثلاث قطع "( (4) ) .
ونقل الآلوسي رواية عن السدي " بأنه لما بنى له الصرح ارتقى فوقه ، وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي متلطخة دماً فقال : قتلت إله موسى "( (5) ) .
__________
(1) سُوْرَة النَّازِعَاتِ : الآية 24 .
(2) ينظر تفسير ابن أبي حاتم : 9/ 2979 . والأثر لم أقف عليه في كتب الأحاديث والآثار .
(3) ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5004 وما بعدها .
(4) مفاتيح الغيب : 12 /253 .
(5) روح المعاني : 20 /80 .

(1/442)


2.ومن الناس من قال : إنه لم يبن ذلك الصرح ، لأنه يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى السماء كما يراها حين كان على قرار الأرض ، ومن شك في ذلك خرج عن حد العقل ، وهكذا القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء ، وأن من حاول ذلك كان من المجانين ، فلا يليق بالعقل والدين حمل القصة التي حكاها الله تعالى في القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل ، فيصير ذلك مشرعاً قوياً لمن أحب الطعن في القران( (1) ).
والذي أراه أن أمر فرعون لهامان ببناء الصرح لم يكن يقصد البناء حقيقة ، ولكنه أراد الاستهزاء بموسى وتكذيبه بدلالة قوله تعالى حكاية عن فرعون : { وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ } بعد الأمر ببناء الصرح ، فهو إنما أراد أن يبين لهم بطريقة الاستدلال العقلي أنه لا دليل حيّ على وجود إله موسى ، فأوهمهم بأن الإله لا بد أن يكون محسوساً ، وهذا ما أراده من قوله لقومه : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي }
أي : ما دمت أنا محسوساً فأنا أحق بالعبادة من إله موسى غير المحسوس وهذا من قلة عقله واستخفافه بعقول قومه .
{ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ }
__________
(1) المصدر نفسه : 20/ 80 .

(1/443)


أي : رأوا كل من سواهم حقيراً بالإضافة إليهم ، ولم يروا العظمة والكبرياء إلا لأنفسهم ، فنظروا إلى غيرهم نظر الملوك للعبيد في الأرض وقوله : { بِغَيْرِ الْحَقِّ } ، لأن الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر ، أي : المتبالغ في كبرياء الشأن ، فكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق( (1) ) . قال ( - صلى الله عليه وسلم - ) فيما يحكيه عن ربه : (( الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني في واحدة منهما قذفته في النار ))( (2) ).
{ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ }
الظن ، قيل : إما على ظاهره، أو عبر عن اعتقادهم به تحقيراً وتمهيلاً( (3) ) .
ويقول الرازي في معنى قوله تعالى : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } ، فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى ، إلا أنهم كانوا ينكرون البعث ، فلأجل ذلك تمردوا "( (4) ) .
وقال ابن عاشور : " فذكر ( إلينا ) لحكاية الواقع وليس بقيد ، فلا يتوهم أنهم أنكروا البعث ولم ينكروا وجود الله مثل المشركين ، وبتقديم ( إلينا ) على عامله لأجل الفاصلة ، ويمكن أن يكون المعنى : وظنوا أنهم في منعة من أن يقعوا في قبضة قدرتنا "( (5) ) . أو أنهم كانوا يعتقدون بالبعث ، ولكن الذي يحاسبهم هو فرعون وليس الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما هو الواقع بدليل قوله تعالى : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُون } .
ما يستفاد من النصّ
__________
(1) ينظر الكشاف : 3/ 181 . روح المعاني : 20/ 82 .
(2) صحيح ابن حبان : 2 /35. المستدرك على الصحيحين : 1 /129 . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . وأخرجه مسلم بغير هذا اللفظ .
(3) روح المعاني : 20/ 83 .
(4) مفاتيح الغيب : 12/ 254 .
(5) التحرير والتنوير : 20/ 124 .

(1/444)


لقد ذم القرآن الكريم في آيات كثيرة الكبر بصورة مباشرة أو من خلال ذكره لقصص المتكبرين في الأرض وذمه لهم ، وتبيان عاقبتهم في الدنيا والآخرة ، وفي هذه الآية يقص علينا القرآن قصة من قصص المتكبرين في الأرض ، وكيف أوصله تكبره إلى ادعاه الألوهية ، فكان عاقبته أنه وقومه في النار .
ودلت كذلك على التشابه بين ردّ فرعون وقومه من دعوة موسى ( - عليه السلام - ) ورد فراعنة قريش من دعوة المصطفى ( - صلى الله عليه وسلم - ) كأبي جهل ، وأمية بن خلف ، وغيرهم . وفي هذه الآية تحذير واضح لكل من يقف في طريق الدعوة إلى الله من الحكومات والأفراد ، فمهما بلغ من القوة والمنعة فإنه ليس بمأمن من قوة الله وعقابه في الدنيا والآخرة .
المطلب الثالث
عاقبة فرعون وجنوده
{ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( (1) ) .
المناسبة
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 40 – 43 .

(1/445)


بعد أن بينت الآيات السابقات الدواعي لاستحقاق فرعون وجنوده العقوبة لادعائه الألوهية وتكبره في الأرض وتهكمه واستهزاءه بموسى أمام قومه ليشكك في صدق مقالته ، جاءت هذه الآيات لتخبر بما نالهم من عقاب الدنيا ، فقال تعالى : { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } ، ثم أمر رسوله محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وقومه بالنظر والاعتبار والتأمل بالعواقب ليعلموا أن هذه سنة الله في كل مكذب برسله( (1) ) . فقال : { فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } ، ثم بينت الآيات مصيرهم في النار ، فقال : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ } .
" فإن السياق هنا يعجل بالضربة القاضية ، ويختصر حلقة السحرة التي تذكر في سور أخرى بتفصيل أو إجمال ، يختصرها ليصل من التكذيب مباشرة إلى الإهلاك ، ثم لا يقتصر عند الأخذ في الدنيا بل يتابع الرحلة إلى الآخرة ، وهذا الإسراع في هذه الحلقة مقصود متناسق مع اتجاه القصة في السورة ، وهو تدخل القدرة بلا ستار من البشر ، فما أن يواجه موسى فرعون ، حتى يعجل الله بالعاقبة وتضرب يد القدرة ضربتها الحاسمة بلا تفصيل في المواجهة أو تطويل "( (2) ).
تحليل الألفاظ
1. { فَنَبَذْنَاهُمْ } :
" النَّبْذُ طرحك الشيء من يدك أمامك أو وراءك ، نَبَذْتُ الشيء أَنْبِذَه نَبْذاً إذا ألقيته من يدك ، ونَبَّذتُه شدد للكثرة ، ونَبَذَت الشيء أيضاً إذا رميته وأبعدته "( (3) ) .
2. { الْمَقْبُوحِينَ } :
__________
(1) ينظر تفسير المراغي : 20 / 58 .
(2) في ضلال القران : 6/ 348 .
(3) لِسَان العَرَب : مَادة ( نبذ ) 3/ 511 .

(1/446)


" القُبْح ضد الحسن يكون في الصورة ، والفعل قَبَحَ يَقْبَح قُبْحاً وقُبُوحاً وقُبَاحة وقُبوحة وهو قَبِيح والجمع قَبَائح وقَباحى ، والأنثى قَبِيحة ، وقال الأزهري : هو نقيض الحسن عام في كل شيء "( (1) ) .
3. { بَصَائِرَ } :
قال ابن الأثير في أسماء الله تعالى البصير ، وهو الذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وخافيها بغير جارحة . وقيل : البصر العين إلا أنه مذكر . وقيل : البصر حاسة الرؤية ، وقال ابن الأعرابي : أبصر الرجل إذا خرج من الكفر إلى الإيمان( (2) ) .
القراءات القرآنية
1. { الدُّنْيَا } :
قرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف ، وورش بالإمالة.
2. { الأُولَى } :
قرأ حمزة ، والكسائي ، وورش ، وخلف بالإمالة .
3. { لِلنَّاسِ } :
قرأ الدوري بالإمالة .
4. { وَهُدًى } :
قرأ كل من حمزة ، والكسائي ، وورش بالإمالة( (3) ) .
القضايا البلاغية
تشبيه بليغ في قوله تعالى : { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } ، أي : أعطيناه التوراة كأنها أنوار لقلوب الناس ، حذف أداة التشبيه ووجه الشبه ، فأصبح بليغاً ، قال الشيخ زاده : " أي مشبهاً بأنوار القلوب من حيث أن القلوب لو كانت خالية عن أنوار التوراة وعلومها لكانت عمياء لا تبصر ولا تعرف حقاً من باطل "( (4) ) .
المعنى العام
{ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ }
أي : طرحناهم في البحر المالح . قال قتادة : بحر من وراء مصر يقال له : أساف ، أغرقهم الله فيه . وقال وهب ، والسدي : المكان الذي أغرقهم الله فيه بناحية القلزم يقال له : بطن مريرة . وقال مقاتل : يعني نهر النيل( (5) ) .
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( قبح ) 2/ 552 .
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( بصر ) 4/ 64 .
(3) ينظر معجم القراءات القرآنية : 5/ 25-26 .
(4) حاشية الشيخ زاده : 3 /515 . وينظر الكَشَّاف : 3 /181 .
(5) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5005 .

(1/447)


{ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ }
جعلهم الله عبرةً لمن سلك وراءهم وأخذ طريقهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع ، فأجمع الله عليهم خزي الدنيا موصولاً بذل الآخرة( (1) )
{ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ }
أي أهلكهم الله فلا ناصر لهم من دون الله ، وأتبعهم زيادة في عقوبتهم وخزيهم في الدنيا ، لعنة يلعنون ، ولهم عند الخلق الثناء القبيح والمقت والذم وهذا أمر شاهد فهم أئمة الملعونين في الدنيا ومقدمتهم( (2) ) .
ما يستفاد من النصّ
بينت الآيات سنة من سنن الله في الطغاة والظلمة بأن مصيرهم الهلاك مهما تحصنوا ، ومهما بلغت قوتهم ، ولتنبهنا الآية على هذه الحقيقة الساطعة جاءت بكلمة ( فانظر ) لتحفز القارئ على الاتعاظ بتأكيدها على عاقبة الظالمين بقوله تعالى : { فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } وهي كلمة عامة تشمل كلّ ظالم من دول وأفراد .
ودلت كذلك الآيات على أن الجزاء من جنس العمل ، ففرعون كما كان في الدنيا إماماً من أئمة الظلم والطغيان سيكون يوم القيامة هو وجنوده من أئمة النار.
ودلت الآيات على أن التاريخ لا يذكر الظالمين إلا بسوء لقوله تعالى :
{ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ } .
ودلت الآيات كذلك على سنة من سنن الله في إرسال الرسل والأنبياء ، فكلما تنقضي فترة من الزمن ويصبح الناس بحاجة إلى رسول يبعث ليعيد الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد .

المطلب الرابع
__________
(1) ينظر تفسير القران العظيم : 3/ 390 .
(2) ينظر تفسير الكريم الرحمن : 4/ 20 .

(1/448)


الفرق بين الرواية التوراتية وسفر الخروج وبين الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ لقصة موسى ( - عليه السلام - )

لقد كان الَقُرْآن الكَرِيم ولا زال كتاباً مهيمناً على كلّ الكتب التي سبقته باعتباره أخر الكتب الإلهية المنزلة بعد صحف إِبْرَاهِيمُ وموسى والتوراة وزبور داود وإنجيل عيسى ـ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فكيف إذا ما حرفت تلك الكتب من بعد أنبيائها على يد اليهود والنصارى ، ونحن في تحليلنا العام لسورة القصص الشريفة استطعنا أن نجد أن الرواية القرآنية ـ إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير في وصف كلام الله تعَاَلىَ ـ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، كانت ولا زالت مهيمنة وشاملة وعالية فوق النصوص التوراتية لقصة موسى ( - صلى الله عليه وسلم - ) منذ طفولته حتَّى غرق فرعون على يديه بنصر الله سبحانه وتعالى .
وإن ما ذكره الَقُرْآن الكَرِيم كان منزهاً لموسى ( - عليه السلام - ) ، بل وزائداً على ما في العهد القديم المسمى بالتوراة زيادات فيها فائدة وتوجب حقائق تاريخية ألهمها الله تعَاَلىَ وأوحاها إلى رسوله مُحَمَّد بن عَبْد الله النبي الأمي ( - صلى الله عليه وسلم - ) مما لم يكن هو
( - صلى الله عليه وسلم - ) ولا قومه يعرفونه من قبل ، وهو ما جعل اليهود يتميزون من الغيظ حسداً وحقداً على ما آتاهم الله من كتابه ، فنسوه وحرفوه واشتروا بآياته ثمناً قليلاً ثُمَّ نبذوه وراء ظهورهم ، فأنزل الله تعَاَلىَ كتاباً أخر على الرَّسُول ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
ولا ننسى هاهنا أن سُوْرَة الْقَصَصِ مكية أنزلت قبل أن يقدم رَسُول الله
( - صلى الله عليه وسلم - ) المدينة المنورة حتَّى لا يقول قائل أن أحداً علم رَسُول الله (- صلى الله عليه وسلم - ) تلك القصة .

(1/449)


وسوف نحاول فيما يلي استعراض الروايتين وفق جداول علمية للمقارنة ، ثُمَّ بعد ذلك ـ إِنْ شاء الله العلي العظيم ـ نجري مقارنة نقدية بين الروايتين ، لنرجح أي الروايتين هما الأصح والأدق تاريخياً :
ت
الخروج
سُوْرَة الْقَصَصِ
( وقام ملك جديد على مصر … فأقاموا عليهم وكلاء تسخير … فاستخدم المصريون بني إسرائيل ) ( 1 : 14 ) .
{ إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءهُمْ } ( 4 )
( ولما لم تستطع أن تخفيه بعد أخذت له سفطاً من بردى … وجعلت الولد فيه ) ( 2 : 4 )
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ } ( 7 )
( ووقفت أخته من بعيد لتنظر ما يقع له ) ( 5 : 2 )
{ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ } ( 11 )
( فقالت أخته لابنة فرعون هل أذهب وأدعو لك مرضعاً ) ( 2 : 8 )
{ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } ( 12 )
( فأخذت المرأة الصبي وأرضعته ) ( 2 : 10 )
{ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } ( 13 )
( إذا برجل مصري يضرب رجلاً عبرانياً من اخوته … فقتل العبري ) ( 2:13 )
{ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } ( 15 )

( ثُمَّ خرج في اليوم الثاني فإذا برجلين عبرانيين يتضاربان ) ( 2 : 14 )
{ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } ( 18 )
( أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري ) ( 2 : 15 )
{ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ } ( 19 )

(1/450)


( وسمع فرعون بهذا الخبر فطلب أن يقتل موسى ) ( 2 : 16 )
{ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } ( 20 )

( فهرب موسى من وجه فرعون ) ( 2 : 26 )
{ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } ( 21 )
( وصار إلى أرض مدين وقعد عند البئر )
{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } ( 22)

( وكان لكاهن مدين سبع بنات ) ( 2 : 17 )
{ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ } ( 23 )

( فجئن واستقين وملأن المساقي ليسقين غنم أبيهن فجاء الرعاء وطردوهن فقام موسى ونجدهن وسقى غنمهن ) ( 2 : 118 –19 )
{ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } ( 24 )

( فقال لبناته وأين هو لم تتركن الرجل ادعونه ليأكل طعاماً ) ( 2 : 21 )
{ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } ( 25 )
( فارتضى موسى أن يقيم عند الرجل فزوجه صفورة أبنته ) ( 2 : 22 )
{ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } ( 27 )

( وكان موسى يرعى غنم بيثرو حميه كاهن مدين فساق الغنم إلى ما وراء البرية حتَّى أفضى إلى جبل الله حوريب ) ( 3 : 2 )
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ } ( 29)

( فتجلى له ملاك الرب في لهيب نار من وسط العليقة ) ( 3 :3 )

{ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا } ( 29 )

(1/451)


( ورأى الرب أنه قد مال لينظر فناداه الله من وسط العليقة وقال : موسى موسى . قال ها أنذا ) ( 3 : 5 )
{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ } ( 30 )

( قال لا تدن إلى هاهنا أخلع نعليك من رجلك فإن الموضع الذي انت فيه أرض مقدسة ) ( 3 : 6 )
{ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ } ( 31 )

( فالآن تعال أبعثك إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر ) ( 3 : 11 )
{ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } ( 32 )
( قال موسى لله من أنا حتَّى أمضي إلى فرعون ) ( 3 : 12 )
{ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي } ( 33 )
( قال أنا أكون معك ) ( 3 : 12 )
( وقال إنهم لا يصدقوني ) ( 4 : 2 )
{ فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا } ( 35 )
{ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي } ( 34 )

( فقال الرب ما تلك التي بيدك قال عصا قال ألقها على الأرض فألقاها على الأرض فصارت حية تسعى فهرب موسى من وجهها فقال الرب لموسى خذ يدك وأمسك بذنبها فمد يده فأمسكها فعادت منا في يده ) ( 4 : 1 – 5 )
{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ } (31)

( أدخل يدك في جيبك فأدخل يده في جيبه ثُمَّ أخرجها فإذا يده برصاء كالثلج قال أردد يدك في جيبك فرد يده في جيبه ثُمَّ أخرجها من جيبه فعادت كسائر بدنه ) ( 4 : 6-8 )
{ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ } (32)

(1/452)


( فإن لم يصدقوك ولم يسمعوا لصوت الآية الأولى يصدقون صوت الآية الأخرى ) ( 4 : 9 )
{ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } (32)

( فقال موسى للرب رحماك يا رب إني لست أحسن الكلام ) ( 4 : 11 )
{ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا } ( 34 )
( يا رب أبعث من أنت باعثه ) ( 4 : 14 )
{ فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي } ( 34 )

( فاتقد غضب الرب على موسى وقال ألست أعلم أن أخاك هارون اللاوي هو فصيح اللسان وهاهو أيضاً خارج للقائك ) ( 4 : 15 )
{ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } ( 35 )

( فإني أكون مع فيك وأعلمكما ما تصنعان ) ( 4 : 16 )
{ فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } (35)

( فقال فرعون من هو الرب فاسمع لقوله وأطلق إسرائيل لا أعرف الرب ولا أطلق إسرائيل ) ( 5 : 3 )
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } ( 38 )

( وأمر فرعون في ذلك مسخري الشعب ومدبريهم قائلاً لا تعطوا الشعب ) ( 5 : 6 –7 )
{ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } (39)

( فغرق الرب المصريين في وسط البحر ) ( 14 : 28 )
{ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } (40)

(1/453)


فحيث نجد في الفقرة الأولى أن الرواية التوراتية تنسب التسخير للمصريين في عهد الملك الجديد ، أما الرواية القرآنية فتجعل إسناد الفعل إلى فرعون وهو الأليق والأًصوب لأنه ليس كلّ المصريين كانوا يضطهدون بني إسرائيل ، وهذا من الحقد اليهودي العام على كلّ الأمم ، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الإلقاء عاماً في اليم ، وتوضحها آية أخرى إذ تجعل الإلقاء في التابوت ، فالنص القرآني أوضح تاريخياً .
ونجد تقارباً بين الفقرة الثالثة في الروايتين التوراتية والقرآنية في المعنى فقط دون اللفظ ، فالقرآن استخدم كلمة ( قصيه ) أي تتبع الأثر فهي تتبع أثر التابوت إلى أنَّ وصل إلى قصر فرعون ، فهي أبلغ وأدل على الواقع من العبارة العامية لرواية التوراة ، فقد استفاد حاخامات بني إسرائيل من الترجمة العربية للتوراة من النصوص القرآنية التي أعادوا صياغتها .
وتجعل الفقرة الرابعة الخطاب مباشراً بين أخت موسى وابنة فرعون ، وهو ما تبهمه الرواية القرآنية لحكمة إلهية لتجعل النصّ القرآني أبلغ في التعبير بإبهام المقصود بخطاب الأخت .
أما الفقرة الخامسة فتتشابه الروايتان إلاَ أَن صياغة النصّ القرآني أجمل وابلغ وأدق في الدلالة ، وهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآني في مبناه ومعناه .

(1/454)


وتصرح الفقرة السادسة بالنسب الخاص بالمتشاجرين ، أما النصّ القرآني فجعل النصّ مبهماً ( من شيعته ) ( من عدوه ) ( يستصرخه ) دون تعيين . والفقرة الثامنة تصرح بأن المقتول مصري ، أما النصّ القرآني فيستمر في الإبهام ، وذلك لأن آفاق إعجاز الإبهام في الَقُرْآن الكَرِيم تتمثل في أن الإبهام لما يأتي بيانه من بعده كون ما قبله أهم منه في الذكر ، فقوله تعالى : { مِنْ شِيعَتِهِ } إلهام لهذه الشيعة التي تقدم ذكرها في قوله تعالى : { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } وهذا ترابط في النصّ الَقُرْآنيّ ، ولم يقل الله عَزَّ وجَلَّ : ( وهذا من بني إسرائيل ) ولو قيل ذلك لكان غير بليغ ، وغير دال بل أبهم الله عَزَّ وجَلَّ الضمير في الخطاب حتَّى يفسر ما تقدم من تقسيم فرعون لأبناء مصر على شيع ( أي : جماعات ) وفيهم بنو إسرائيل ، فهذا من شيعته أي من بني إسرائيل ، وهذا وجه مهم إدراكه .
ويأتي الإبهام إما تعظيماً ، وإما تفخيماً ، فجاء النصّ مبهماً في سُوْرَة الْقَصَصِ كذلك وفق الأسلوب القرآني ، ولأن الإبهام القرآني قد يراد به في بعض الآراء أن يبحث المسلم في ما أبهم ولا يتكل على الصراحة القرآنية .
وتجعل الفقرة التاسعة فرعون هو الذي يأتمر بقتل موسى ، أما النصّ القرآني فيجعل الملأ هم الذين يأتمرون بقتل موسى دون تصريح بمن هم أولئك الملأ وهو ما يتعلق بالفقرة العاشرة ، إذ تجعل الرواية التوراتية الهرب من فرعون ، أما الرواية القرآنية فتجعل الهرب بترقب من المدينة .
وفي الفقرة الحادية عشر تتشابه الروايتان إلاَ أَن الفقرة الثانية عشر تجعل نبي الله شعيب ( - عليه السلام - ) كاهن مدين ، وهذا انتقاص منه ( - عليه السلام - ) خلافاً للنصّ القرآنيّ ، أما عدد البنات فتجعله الرواية التوراتية سبعاً على عادة اليهود في تقديس الرقم سبعة ، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل عدد بناته اثنين .

(1/455)


وتطيل الرواية التوراتية في الفقرة الثالثة عشر في قصة الاستسقاء بينما توجز ذلك الرواية القرآنية وتجعل موسى ( - عليه السلام - ) في صورة الحيي الكريم ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ .
وفي الفقرة الرابعة عشر يجري الحوار بين شعيب ( - عليه السلام - ) وبين بناته ، أما الرواية القرآنية فهي من الإعجاز الوصفي بمكان عالٍ جداً إذ تقول هذه الرواية الإلهية ـ ومن أصدق من الله قيلاً ـ { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } ولا وصف أبلغ من هذا الوصف الإلهي لحياء هذه الفتاة المؤمنة وهو ما أتى بصيغة الحال .
وتظهر الفقرة الخامسة عشر رضا موسى ( - عليه السلام - ) بالمقام عند شعيب
( - عليه السلام - ) ، وتعلن أن نتيجة هذا المقام الزواج . أما الرواية القرآنية فتظهر أن الخاطب هو والد الفتاتين ، أي : شعيب ( - عليه السلام - ) مقابل تأجير موسى ( - عليه السلام - ) لنفسه لديه ثماني أو عشر سنين ، و النصّ القرآني أبلغ وأفصح وأبين .
أما الفقرة السادسة عشر فهي تتناقض في الرواية التوراتية التي تجعل يوم إنزال الوحي هو يوم سوق الغنم إلى جبل الله حوريب مع الرواية القرآنية التي تجعل ذلك بعد قضاء موسى ( - عليه السلام - ) الأجل وسيره نحو جبل الطور في سيناء ، ولا ريب أن تغيير الحقيقة الواحدة من قبل حاخامات بني إسرائيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه إنما كان لمآرب إسرائيلية . وبذلك يتبين لنا أن التحديد القرآني للطور بأنه يوم بدء الوحي لموسى ( - عليه السلام - ) هو الحقيقة التاريخية المطلقة والمهيمنة على النصّ والرواية التوراتية في سفر الخروج الذي تعرض لتحريف شديد .
أما الفقرة الثامنة عشر في الرواية التوراتية فتجعل نداء الرب من وسط شجرة العليق ، والرواية القرآنية تجعل النداء الإلهي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ، وهو تحديد فيه البلاغة كلّ البلاغة والفصاحة كلّ الفصاحة .

(1/456)


وهناك تناقض في الفقرة التاسعة عشر إذ تجعل النداء نهياً لموسى ( - عليه السلام - ) عن القدوم ، أما الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ فتجعل الخطاب الإلهي لموسى ( - عليه السلام - ) أشرف خطاب بطمأنته ودعوته للإقبال في قوله تعالى : { أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ } وهو نص تكرر في عدة مواضع من الَقُرْآن الكَرِيم .
وفي الفقرة العشرين كان سبب الدعوة إخراج بني إسرائيل من مصر ، أما الرواية القرآنية فتبين أن السبب هو دعوة فرعون وملأه للهداية إذ كانوا قوماً فاسدين وهذا أسلوب الهداية العالمية القرآنية خلافاً لأسلوب الشعب المختار توراتياً .
أما الفقرة الحادية والعشرون فتنسب لموسى ( - عليه السلام - ) خوفه من البعثة واستهانته بنفسه على العموم ، إلاَ أَن الرواية القرآنية تكرم موسى ( - عليه السلام - ) وتجعل سبب خوفه قتله نفساً من عندهم ، وفي هذا قمة التكريم الإلهي لموسى ( - عليه السلام - ) .
وتجعل الفقرة الثانية والعشرون من الله مخاطباً في التوراة لموسى ( - عليه السلام - ) وهو ما يستقيم به النصّ ، أما التكملة فتجعل الخوف من أن لا يُصدق المصريون موسى ، أما الرواية القرآنية فتجعل الخوف من التكذيب ، وكأن الحاخامات اليهود من بني إسرائيل اقتبسوا هذه الفقرة القرآنية هاهنا في رواية سفر الخروج .
ونجد في الفقرة الثالثة والعشرين تشابه بين الرواية التوراتية المأخوذة من الرواية القرآنية في زمن ترجمة التوراة إلى العربية في العصر العباسي على ما حققه التاريخ ، لذلك جاءت الروايتان متشابهتان .
أما الفقرة الرابعة والعشرون فتجعل اليد برصاء بعد خروجها من الجيب بينما تجعلها الرواية القرآنية { بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } أي منيرة وتزيد على الرواية التوراتية بضم الجناح من الرهب ، وهذ معجزة قرآنية في الزيادة على اليهود في توراتهم ما لم يكونوا يعرفونه حتَّى في مروياتهم .

(1/457)


ونجد الفقرة الخامسة والعشرين تتشابه في معناها العام مع الرواية القرآنية في وجود البرهانين الذين تسميهما الرواية التوراتية آيتين ، وهو من اختلاف الترجمة في النقل من الآرامية والعبرانية إلى العربية ، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه في هذا البحث من أن حاخامات اليهود اعتمدوا بخفاء على الرواية القرآنية في تنقيح ترجمتهم للتوراة ، وهذا ما استندنا في اكتشافه إلى تحليلنا العام لسورة القصص .
والفقرة السادسة والعشرون تجعل موسى لا يحسن الكلام ، أما الرواية القرآنية فتنسب لموسى ( - عليه السلام - ) من تواضعه أنه جعل أخاه هارون ( - عليه السلام - ) أفصح منه لساناً ، ونلاحظ هاهنا أن الرواية التوراتية في سفر الخروج تتعمد الانتقاص بصورة غير مباشرة من موسى ( - عليه السلام - ) ، وهذه عادة اليهود وديدنهم في الانتقاص من الأنبياء ، فهم قتلتهم ومن رموهم بالكبائر والصغائر ، ومصداق ذلك في الفقرة السابعة والعشرين التي تجعل موسى يخاطب الله تعَاَلىَ ـ حاشاه ـ خطاباً جافاً ( أبعث من أنت باعثه ) . أما الرواية القرآنية فتجعل الخطاب ألطف خطاب { فَأَرْسِلْهُ مَعِي } وهذا دليل على كمال النصّ القرآني وهيمنته على النصّ التوراتي .

(1/458)


وكذلك نجد أن الفقرة الثامنة والعشرين من هذه الفقرات تنتقص انتقاصاً جد عظيم من نبي الله موسى ( - عليه السلام - ) بسبب حقد بني إسرائيل على أنبياء الله ـ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ فهي تجعل غضب الرب متعمداً على موسى
( - عليه السلام - ) ـ وحاشاه ـ ويمن عليه بهارون ( - عليه السلام - ) ، وهذا خلاف الحقيقة ، فإن الرواية القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ تجعل الخطاب الإلهي مؤازراً لموسى ( - عليه السلام - )
{ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } وهو ما يتناسب مع واقع الحال كلّ التناسب وليس فيه انتقاص من سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) ، بل على العكس ، فإن فيه تكريم له بشد عضده بأخيه .
ونجد في الفقرة التاسعة والعشرين تشابهاً بين الرواية التوراتية و النصّ القرآني وإن كان الخطاب القرآني أعمق في الدلالة والأمر . كذلك في الفقرة الثلاثين وإن اختلف الخطاب في الأمر بإطلاق إسرائيل ، ولكن صيغة الخطاب القرآني تجعل إسناد الألوهية لفرعون ، وهو ما أغفل عنه النصّ التوراتي المحرف المنحول في أساسه كله على ما قدمناه .
أما الفقرة الحادية والثلاثون فتجعل إسناد الأمر من فرعون لأعوانه من مسخري الشعب ، بينما يجعل النصّ القرآني إسناد الاستكبار لفرعون وجنوده وينسب إليهم الاعتقاد الذي أثبته علم الحفريات من أن فرعون وقومه يومذاك في مصر كانوا يظنون أنهم لا يرجعون إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، بل يرجعون إلى دنيا أخرى يحكم فيها فرعون الإله ، فسبق النصّ القرآني علم الحفريات الحديث في إثباته اعتقاد الفراعنة بعالم آخر ولكنهم لا يرجعون فيه إلى الله ليحاسبهم ، بل إلى فرعون ، وهو ما غفل عنه كُتّاب التوراة ، وهذا مما يقتضي التنبيه عليه .

(1/459)


أما الفقرة الثانية والثلاثون فتختصر الرواية التوراتية القصة إلى الإغراق ، أما النصّ القرآني فهو يزيد بلاغة على بلاغة ، إذ يجعل الإغراق بأخذ فرعون وجنوده والتذكير بعاقبة الظالمين ، وهذا أحد أوجه الإعجاز القرآني .
فإذا استبان لنا من خلال الجدول السابق وتحليلنا له الفرق الشاسع بين الروايتين ، فنستطيع أن نؤكد أن العقل السليم يدلّ على أن الرواية القرآنية أصدق دلالة وأكثر تاريخية من تلك الرواية التوراتية لكل الحقائق التاريخية .

المطلب الأول
دلالة قصة سيدنا موسى (- عليه السلام -) على صدق دعوة الرسول مُحَمَّد (- صلى الله عليه وسلم -)

(1/460)


{ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ * قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( (1) ) .
المناسبة
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 44 – 51 .

(1/461)


بعد أن بين الله عز وجل وعلا قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) وما جرى فيها من أحداث عظام ، ينتقل السياق القرآني ليوظف هذه القصة كأحد الأدلة على صدق الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) في دعوته ، فرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) يتلو هذه الأحداث بتفاصيلها كما يقصها شاهد عيان ، وما كان حاضراً زمانها ، ولم يكن يقرأ ويكتب ، ولكن تنزيل العزيز الرحيم ، فبعد أن بين في قوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( (1) ) أنه تعالى أرسل سيدنا موسى بعد أن أهلك القرون الأولى ، ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى ما فيه صلاحهم أردف بقوله تعالى :
{ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ } لبيان الحاجة إلى إرسال رسوله محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) لمثل تلك الدواعي ، التي دعت إلى إرسال موسى ( - عليه السلام - ) ، لئلا يكون للناس حجة( (2) ) بعد الرسل ، قال تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } ( (3) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 43 .
(2) ينظر تفسير المراغي : 20 /65 .
(3) سُوْرَة الإِسْرَاءِ : الآية 15 .

(1/462)


وإن ذكر قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) وما جرى للمكذبين له من عقاب بشارة للرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن النصر هو حليف المؤمنين مهما عظمت قوة الكافرين . ومن هذا يتبين لنا الإعجاز القرآني في اختيار الآيات والكلمات والمعاني في مواقفها الخاصة بها ، وجاء ذكر سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) كدليل على صدق رَسُول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ولوجود توافق كبير بين حياة النبيين الكريمين ـ عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام ـ وللتشابه في الظروف التي مرت بهم ، وهذا ما سنبينه لاحقاً إن شاء الله تعالى .
فمع وجود قصتين في السورة بينهما زمن طويل ، إلاَ أَن السورة جاءت بأحداث القصتين فيها ترابط ، وبين آياتها تناسب في دلالتها بحيث وظفت قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) توظيفاً رائعاً للاستدلال بها على صدق الرَّسُول ( - صلى الله عليه وسلم - ) وصدق دعوته .
أسباب النزول
ذكر الطبري في سبب نزول قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } عن مجاهد ، قال : اليهود تأمر قريشاً أن تسأل مُحَمَّداً مثل ما أوتي موسى ، يقول الله لمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) : قل لقريش يقولوا لهم : أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل( (1) ) ؟
__________
(1) جامع البيان : 10 /79.

(1/463)


ونقل القرطبي عن الكلبي : " بعثت قريش إلى اليهود وسألوهم عن بعث مُحَمَّد وشأنه فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما رجع الجواب إليهم
{ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } ، وقال قوم : إن اليهود علموا المشركين ، وقالوا : قولوا لمحمد لولا أوتيت مثل ما أوتي موسى ، فإنه أوتي التوراة دفعة واحدة ، فهذا الاحتجاج وارد على اليهود ، أي : أو لم يكفر هؤلاء اليهود بما أوتي موسى حين قالوا في موسى وهارون هما ساحران "( (1) ) .
وفي قوله تعالى : { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } نقل الطبري عن رفاعة القرظي ، قال : " نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم "( (2) ) .
وقال الواحدي : " إن الآية مما اختلف العلماء في سبب نزولها "( (3) ) .
تحليل الألفاظ
1. { قَضَيْنَا } :
القضاء ، قال ابن منظور : " الحكم وأصله قضايّ ، لأنه من قَضَيْت إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت والجمع الأقضية ، القضيّة مثله والجمع القضايا على فَعالى ، وأصله فضائل . وقال أبو بكر : قال أهل الحجاز : القاضي معناه في اللغة القاطع للأمور المحكِم لها… والقضايا الأحكام واحدتها قضية .
قال ابن السيرافي : قضاهما فرغ من عملها ، والقضاء الحكم والأمر ، وقضى أي حكم ، ومنه القضاء والقدر "( (4) ) .
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5010 .
(2) جامع البيان : 10 /79.
(3) أسباب النزول . أبو الحَسَن عَلِيّ بن أحمد الواحدي النيسابوري . ت 468 هـ . ط2 . بإشراف لجنة تحقيق التراث . دار مَكْتَبَة الهلال . بيروت . لبنان . 1985 م . : ص 211 وما بعدها .
(4) لِسَان العَرَب : مَادة ( قضى ) 15 /186 .

(1/464)


وقال الراغب : " القضاء فصل الآمر قولاً كان ذلك أو فعلاً ، وكل واحد منهما على وجهين إلهي وبشري ، فمن القول الإلهي قوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } ( (1) ) ، أي : أمر بذلك ، ومن القول البشري نحو : قضى الحاكم بكذا ، فإن حكم الحاكم يكون بالقول ، ومن الفعل البشري : { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ } ( (2) ) ، فالقضاء هو الحكم من أعلى إلى أدنى على ما قاله أهل اللغة( (3) ) .
2. { قُرُونًا } :
قال الراغب : " القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون ومنه قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ } ( (4) ) "( (5) ) .
وقال ابن منظور : " الأُمَّة تأتى بعد الأَمَةِ . قيل : مدته عشر سنين وقيل : عشرون سنة . وقيل : ثلاثون . وقيل : ستون . وقيل : سبعون . وقيل : ثمانون . وقيل : القرن مائة سنة ، والذي يقع عندي إن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي ، أو كان فيها طبقة من أهل العلم . قلت السنون أو كثرت " ( (6) ) .
3. { فَتَطَاوَلَ } :
يقال : طويل وطوّال ، وعريض وعراض للجمع طِوالُ . وقيل : طيال باعتبار الطول . قيل : للحبل المرخي على الدابة : طَول وطوّل فرسك أي أرخ طِوَلهُ . وقيل : طوال الدهر لمدته الطويلة ، وتطاول فلان " إذا اظهر الطوّل أو الطْوّل قال تعالى : { فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ } ( (7) ) "( (8) ) .
4. { ثَاوِيًا } :
__________
(1) سُوْرَة الإِسْرَاءِ : الآية 23 .
(2) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 200 .
(3) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 42 .
(4) سُوْرَة يُوْنِسَ : الآية 13 .
(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 417 .
(6) لِسَان العَرَب : مَادة ( قرن ) 13/ 333 –334 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 45 .
(8) لِسَان العَرَب : مَادة ( طول ) 11 / 412 –413 .

(1/465)


الثوّاء " طولُ المقام ثَوَى يَثْوي ثَواءً ، وَثوَيْتُ بالمكان وثَويَتهُ ثواءً وثوِايّاً مثل مضى يمضي مَضَاء وُمضاءً وُمضّياً ، والأخيرة عند سيبويه ، وثويت له أطلت الإقامة به وأثْوَيتْه أنا وَثّويْته ألزمته الثّواء فيه ، وثَوَى بالمكان نزل فيه ، وبه سمي المنزل مثوَى ، والمثوَى الموضع الذي يقام به وجمعه المثاوي "( (1) ) .
وقال الراغب : " الثواء الإقامة مع الاستقرار "( (2) ) .
5. { تَظَاهَرَا } :
" الظّهر الجارِحَةُ وجمعهُ ظهورُ رجل ُمظَهّرُ شديد الظهر . ويعبّر عن المركوب بالظهر ويستعار لمن يتقوى به ظهر عليه غلبه وظاهرته عاونته قال تعالى : { وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ } ( (3) ) "( (4) ) .

قال الآلوسي : أي تعاوناً بتصديق كل واحد منهما الآخر تأييده إياه( (5) ) .
6. { وَصَّلْنَا } :
قال ابن منظور : " وصلت الشيء وصلاً وصلة ، والوصل ضد الهجران . وقال ابن سيده : الوصل خلاف الفصل وفي التنزيل : { وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ } ، أي : وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص بعضها ببعض لعلهم يعتبرون "( (6) ) .
وقال الراغب : " أي أكثرنا لهم القول موصولاً بعضه البعض "( (7) ) .
7. { وَيَدْرَءُونَ } :
" الدّرْءُ الدفع درأهُ يَدْرؤهُ دَرْءاً دَرْأ هُو درْأهُ دَفَعَهُ تداَرأ القوم تدافعوا في الخصومة "( (8) ) .
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( ثوى ) 14 /125 .
(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 81 .
(3) سُوْرَة المّمْتَحَنَةِ : الآية 9 .
(4) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 328 .
(5) روح المعاني : 20/91 .
(6) لسان العرب : مادة ( وصل ) 11/726 .
(7) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 562 .
(8) لسان العرب : مادة ( درء ) 1/71 .

(1/466)


وقال الراغب : " الَدْرءُ الميل إلى أحد الجانبين يقال : قوّمتُ دَرْأه وَدَرَأتُ عنه َدفعتُ عن جانبه ودارَأتهُ دافعته "( (1) ) .
8. { نُتَخَطَّفْ } :
الخَطْفُ : الاستلابُ . وقيل : الخَطْفُ الأخذ في سرعِة استلاب خطفِه بالكسر يْخطفهُ خَطفاً بالفتح "( (2) ) . وقال الراغب : " الخطف والاختطاف الاختلاس بالسرعة يقال خَطَفَ يَخْطَفَ وخَطفَ يْخِطفْ وقرئ بهما جميعاً "( (3) ) .
القراءات القرآنية
1. { رَحْمَةً } :
قرأت رحمة في قوله تعالى : { وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } بالنصب والرفع ، فقد قرأ الجمهور : ( رَحْمَةً ) بالنصب بمعنى جعلناك رحمة وقدر : أعلمناك ونبأناك رحمة . وقرأ عيسى ، وأبو حيوة بالرفع : ( رَحْمَةٌ ) ، وقدر : ولكن هو رحمة ، أو أنت رحمة( (4) ) .
2. { سِحْرَانِ } :
واختلف القراء في قراءة (سِحْرَانِ ) ، فقرأ الجمهور : ( سَاحِرَان ) وقرأ عبد الله ، وزيد بن علي ، والكوفيين : ( سِحْرَان )( (5) ) .
3. { تَظَاهَرَا } :
أصلها تتظاهران ثم أدغمت التاء في الظاء وحذفت النون وروعي ضمير الخطاب ، ولو قريء يظاهرا بالياء حملاً على مراعاة ساحران لكان له أوجه ، أو على تقديرهما ساحران تظاهرا( (6) ) .
4. { أَتَّبِعْهُ } :
قرأ زيد بن علي، والفرّاء بالرفع ( اتَّبِعُهُ) لأنه صفة لكتاب وكتاب نكرة( (7) ) .
5. { وَصَّلْنَا } :
__________
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 168.
(2) لسان العرب : مادة ( خطف ) 9/75 .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 152 .
(4) الكَشَّاف : 3 /182. البَحْر المُحِيْط : 7/123 .
(5) البَحْر المُحِيْط : 7 /124 .
(6) البحر المحيط 7/124 . معجم القراءات القرآنية : 5/27 .
(7) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5011 .

(1/467)


قرأ الحسن ( وَصَلْنا ) بالتخفيف( (1) ) .
القضايا البلاغية
المجاز العقلي : { أَنشَأْنَا قُرُونًا } المراد به الأمم ، لأنهم يخلقون في تلك الأزمنة ، فنسب إلى القرون بطريق المجاز العقلي( (2) ) .
{ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ } جناس الاشتقاق ، ويسمّى أيضاً جناساً ناقصاً( (3) ) ( (4) ) .
{ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } مجاز مرسل( (5) ) . قال الزَّمَخْشَرِيّ : " لما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كلّ عمل معبراً عنه باجتراح الأيدي وتقديم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب ، وهذا من الاتساع في الكلام وتصير الأقل تابعاً للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل "( (6) ) ، أي : من باب إطلاق الجزء على الكل ، فالمجاز المرسل بذلك تعلق بما قدمته أيديهم ، والأيدي لا تقدم العمل لأن العمل لا يمسك باليد ، فكان التعبير القرآني { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } دالاً على عظم الصيغة القرآنية في تصوير القضايا البلاغية .
__________
(1) الكَشَّاف : 3 /184. الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5011. معجم القراءات القرآنية : 5 /28 .
(2) صفوة التفاسير : 2 /443 .
(3) الجناس الناقص ، هو التجنيس الناقص ، أي غير التام والكامل ، وذلك أن يكون نقص في إحدى الكلمتين ، وذلك بأن يكون الاختلاف واقعاً في هيئة الحروف . معجم المصطلحات البلاغية : 2/108.
(4) البلاغة الَقُرْآنية . د. عَبْد الله أدهم . الطبعة الثانية . القاهرة . 1990م . : ص 115 .
(5) المجاز المرسل : هو الكلام المستعمل في غير المعنى الذي وضع له لعلاقة غير المتشابه مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي . ينظر تنبيه الوسنان إلى علم البَيَان . د . عَبْد الرَّزَّاق عَبْد الرَّحْمَن السَّعْدِي . دار الأنبار للطابعة والنشر . بغداد . 1997 م : ص 29 .
(6) الكَشَّاف : 3/ 184 .

(1/468)


قوله تعالى : { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ } فالأمر خرج عن حقيقته إلى معنى التعجيز( (1) ) ، وهذا من أساليب الَقُرْآن الكَرِيم البليغة أن يأمر الله تعَاَلىَ بشيء هو سبحانه وتعالى يعلم أنهم لا يقدرون عليه كقوله تعالى : { قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا } ( (2) ) ، وهو تعالى يعلم أنهم لا يستطيعون ذلك .
المعنى العام للآيات
{ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ }
وما كنت يا محمد بجانب غربي الجبل( (3) ) . وقال البقاعي " أي : الوادي من الطور الذي رأى موسى (- عليه السلام - ) فيه النار ، وهو مما يلي البحر منه من جهة الغرب على يمين المتوجه إلى ناحية مكة المشرفة ، ومن ناحية مصر ، فناداه منه العزيز الجبار وهو ذو طوى " ( (4) ) .
والمعنى أنك على ما أخبرتك لم تكن موجوداً وقت ذاك { إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ } .
قال أبو حيان : " والأمر . قيل : النبوة والحكم الذي أتاه الله موسى وقيل : الأمر أمر مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن يكون من أمته ، وهذا التأويل يستقيم معه مما بعده من قوله تعالى : { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا } . وقيل : الأمر هلاك فرعون بالماء ، ويحمل الغربي على اليم ، وبدأ أولا بنفي شئ خاص ، وهو أنه لم يحضر ومعه وقت قضاء الله لموسى الأمر ، ثم ثنى بكونه لم يكن من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به ، ونفي لشهادة جميع ما جرى لموسى ، فكان عموماً بعد خصوص "( (5) ) .
__________
(1) ينظر روح المعاني : 20 /90 .
(2) سُوْرَة الإِسْرَاءِ : الآية 50 .
(3) جامع البيان : 10/ 76 .
(4) نظم الدرر : 5/494 .
(5) البَحْر المُحِيْط : 7/120-121 .

(1/469)


ويجيب الرازي ـ رَحِمَه الله ـ عن سؤال مهم ربما يخطر في البال وهو : أنه تعالى لما قال : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } ثبت أنه لم يكن شاهداً ، لأن الشاهد لا بد أن يكون معه حاضراً ، فما الفائدة إذاً من إعادة قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ } بقوله : " قال ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهمَا ـ التقدير : لم تحضر الموضع ، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع ، فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ويرى "( (1) ) .
وأرى أن ذلك قمة البلاغة في الوصف القرآني ، فيزول بذلك سؤال فخر الدين الرازي ، والإشكال الذي افترضه في تفسيره { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ } " أي : ولكنا أنشأنا من عهد موسى إلى عهدك قروناً كثيرة ، فتطاول عليهم العمر إلى أن وجد القرن الذي أنت فيه ، فدرست العلوم ، فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء وأحوال موسى ، وأرسلناك بما فيه سعادة البشر "( (2) ) .
ونحن نوافق ما أورده القرطبي في الذي ذهب إليه من أن ذكر رسول الله
( - صلى الله عليه وسلم - ) جاء على لسان كل الأنبياء " ظاهراً هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا ( - عليه السلام - ) ذكر في ذلك الوقت وان الله سيبعثه ، ولكن طالت المدة وغلبت القسوة فنسى القوم ذلك "( (3) ) .
__________
(1) مفاتيح الغيب : 12/ 257 .
(2) تفسير المراغي : 20/ 65 .
(3) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5007 .

(1/470)


ويشير الزملكاني في البرهان عن إشارة لطيفة في تفسير قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ … } ، فيقول : " فإن مثل هذا يقال لمن جرى له ذكر . وقوله تعالى : { وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ } ، وهو من الشهادة على الشيء ، لا أنه بمعنى الحضور ، إذ قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } قد أفاده . وقوله تعالى :
{ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ } ، من باب { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ } ( (1) ) ، وطول العهد منسيٍ ومؤدٍ إلى الإهمال ، أي : فأهملوا وصيتنا بالإيمان بك ، وهو إشارة إلى ما أوحي إليهم في التوراة من أمر نبينا ( - صلى الله عليه وسلم - ) "( (2) ) .
وفي الآية نكتة بلاغية جديرة بالالتفات إليها هي أن الصيغة القرآنية للخطاب ذكرت رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بأنه رسول صادق كصدق موسى الرسول ( - عليه السلام - ) باقتضاء الدلالة المفهومة بمقابلة( بجانب الغربي ) برسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في مكة المكرمة .
__________
(1) سُوْرَة ( طَه ) : الآية 86 .
(2) البرهان الكاشف عن وجوه إعجاز القرآن : ص 76 .

(1/471)


وقال أبو حيان في البَحْر المُحِيْط ، والرازي في مفاتيح الغيب : " فإن قلت كيف يتصل قوله : { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا } بهذا الكلام ، ومن أي جهة يكون استدراكاً ؟ قلت : اتصاله به وكونه استدراكاً من حيث أن معناه : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قروناً كثيرة ، فتطاول على أخرهم ، وهو القرن الذي أنت فيهم . واندرست العلوم ، فوجب إرسالك ، فأرسلناك وكسبنّاك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى ، كأنه قال : وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه ، ولكنا أوحيناه إليك ، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة النظرة ، ودلّ به على المسبب على عادة الله في اختصاره "( (1) ) .
{ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ }
" أي : وما كنت مقيماً في أهل مدين إقامة موسى وشعيب حال كونك { تَتْلُوا عَلَيْهِمْ } ، أي : تقرأ على أهل مدين بطريق التعليم منهم { آيَاتِنَا } الناطقة بالقصة
{ وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } إياك وموحين إليك تلك الآيات "( (2) ) .
ونقل الرازي وجهين في قوله تعالى : { تَتْلُوا عَلَيْهِمْ } " الوجه الأول ـ قال مقاتل : يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ولكنا كنا مرسلين أرسلناك وأنزلنا عليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها . الوجه الثاني ـ قال الضحاك : يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب ، وإنما كان غيرك ، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولاً "( (3) ) .
ونحن نرجح الوجه الأول .
__________
(1) البَحْر المُحِيْط : 7 /122. وينظر مفاتيح الغيب : 12 /257 .
(2) تنوير الأذهان : 3 /149 .
(3) مفاتيح الغيب : 12 /257.

(1/472)


{ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }
" أي : كما لم تحضر جانب المكان الغربي إذ أرسل الله موسى إلى فرعون ، فكذلك لم تحضر جانب الطور إذ نادينا موسى لما أتى الميقات " ( (1) ) .
{ وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } " أي : لكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر رحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس " ( (2) ) .
وذكر الرازي لطيفة من لطائف القرآن الكريم الكثيرة ، وهي " إنه تعالى لما بين قصة موسى ( - عليه السلام - ) قال لرسوله : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } ، و { وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا } ، و { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ } ، فجمع تعالى بين كل ذلك ، لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى ( - عليه السلام - ) ، إذ المراد بقوله : { وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا } أول أمره ، والمراد ناديناه وسط أمره ، وهو ليلة المناجاة لما بين تعالى أنه ( - عليه السلام - ) لم يكن في هذه الأحوال حاضراً ، بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ، ثم فسر تلك الرحمة بأن قال : { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ } "( (3) ) .
{ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }
" أي : لم يأتيهم نذير لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى ، وهي خمسمائة وخمسون سنة "( (4) ) .
وفي الآية اقتضاء لرسالة محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) بتذكيره ( - عليه السلام - ) بإنذاره كفار قريش الذين لم يأتهم نذير ليتذكروا ذلك ، وهذا من بديع الأسلوب القرآني .
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5008 .
(2) تنوير الأذهان : 3 /149 .
(3) مفاتيح الغيب : 12 / 258 .
(4) تنوير الأذهان : 3 /149 .

(1/473)


{ وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ }
قال الطبري في تأويل هذه الآية : " لولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك يا محمد إليهم ، لو حلّ بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم واكتسابهم الآثام واجتراحهم المعاصي ، ربنا هلا أرسلت إلينا رسولاً من قبل أن يحل بنا سخطك والمصيبة في هذا الموضع العذاب والنقمة "( (1) ) .
وذكر القرطبي أنه تعالى " خص الأيدي بالذكر في قوله تعالى : { وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ، لأن الغالب من الكسب إنما يقع بها "( (2) ) .
وأرى أن الآية دالة في عمومها على معنى المنة على الكفار من أهل مكة بإرسال رسول الله مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، إذ لو لم يرسل لهم لاحتجوا بأنهم لم يعرفوا رسلاً ، وهذه بعض مواطن رحمة الله تعالى بعباده ، وإقامة الحجة عليهم .
{ فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُون َ }
__________
(1) جامع البيان : 10 /79 .
(2) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5009 .

(1/474)


قال أبو حيان " والحق هو الرسول محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) جاء بالكتاب المعجز الذي قطع معاذيرهم . وقيل : القرآن . { مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } أي : من قبل الكتاب المنزل جملة واحدة ، وانقلاب العصا حية ، وفلق البحر وغيرها من الآيات ، اقترحوا ذلك على سبيل التعنت والعناد ، كما قالوا : لولا أنزل عليه كنز ، وما أشبه ذلك من المقترحات لهم ، وهذه المقالة التي قالوها هي من تعليم اليهود لقريش قالوا لهم ألاَ يأتي بآية باهرة كآيات موسى ، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى ، وقد وقع منهم في آيات موسى ما وقع من هؤلاء في آيات الرسول "( (1) ) .
{ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } نقل الطبري عن قتادة في قوله تعالى : { قَالُوا سِحْرَانِ } : قالت ذلك أعداء الله اليهود للإنجيل والفرقان فمن قال : ( ساحران ) فيقول ( محمد وعيسى ) ( (2) ) .
وقيل : المراد به " أن موسى ومحمد ـ عَلَيْهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ تعاونا على السحر " ( (3) ) .
وقيل : المراد به " موسى وهارون قاله مجاهد ، فعلى هذا هو من قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة " ( (4) ) .
والذي يبدو لي أن المراد به سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) ، وسيدنا مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وذلك بدلالة قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا } وهو القرآن ، ومن جاء به هو سيدنا مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) . وقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } هذا على قراءة ( ساحران ) أو على قراءة ( سحران ) يكون المقصود القرآن والتوراة .
__________
(1) البَحْر المُحِيْط : 7 /123 .
(2) جامع البيان : 10 /81 .
(3) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5010 .
(4) زَاد المَسِيْر : 6 /227 .

(1/475)


{ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ }
أي " قل يا محمد للقائلين للتوراة والإنجيل هما سحران تظاهرا أتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما لطريق الحق ولسبيل الرشاد { أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ
صَادِقِينَ } في زعمكم أن هذين الكتابين سحران ، وأن الحق في غيرهما "( (1) ) .
وذكر أبو حيان " أن تعليق إتيانهم بشرط الصدق أمر متحقق متيقن أنه لا يكون ولا يمكن صدقهم ، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب من عند الله يكون أهدى من الكتابين " ( (2) ) . وهذا من آرائه البليغة .
{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }
قال الآلوسي رحمه الله : " فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب أهدى منهما ، وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذاناً بأنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) على كمال أمن من أمره ، كان أمره ( - صلى الله عليه وسلم - ) لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه . وقيل : المراد فإن لم يستجيبوا دعاءك إياهم إلى الإيمان بعد ما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي جاءهم ، فالاستجابة على ظاهرها لأن الإيمان أمر يريد ( - صلى الله عليه وسلم - ) حقيقة وقوعه منهم بمعنى الإجابة ونتصدى إلى الداعي باللام " ( (3) ) .
والذي يتوجه عندي في ذلك أنهم خوطبوا بذلك لعجزهم الكلي عن الآتيان بكتاب أهدى من الكتب التي أنزلها الله تعالى، وهذا وجه من أوجه الإعجاز القرآني.
{ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }
__________
(1) جامع البيان : 10 / 82 .
(2) البَحْر المُحِيْط : 7 /124 .
(3) روح المعاني : 20 /93 .وينظر البَحْر المُحِيْط : 7 /124 .

(1/476)


قال الفراء : " أنزلنا عليهم الَقُرْآن يتبع بعضه بعضاً "( (1) ) .
وقال ابن عاشور : " للتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه ووصلِّ بعضه ببعض ، ولم ينزل جملة واحدة ، وباعتبار معانيه ، ووصلّ أصنافاً من الكلام وعداً ووعيداً ، وترغيباً وترهيباً ، وقصصاً ومواعظ ، وعبراً ونصائح ، يعقب بعضه بعضاً "( (2) ) .
ما يستفاد من النصّ
بعد تحلينا للنص والوقوف على معانيه يمكن لنا أن نستخلص المعاني والعبر الآتية :
أولا . استدل القرآن الكريم بقصص الأنبياء والأمم السابقة التي جاء ذكرها في القرآن بتفاصيل أحداثها على صدق الرسول( - صلى الله عليه وسلم - ) فيما جاء به فالقرآن الكريم تحدث عن قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) مع فرعون وقومه بتفاصيل دقيقة ربما لا يعرفها حتى أهل الكتاب أنفسهم ، وتحدث كذلك عن قصص للأنبياء مع أممهم مما لا علم للنبي (- صلى الله عليه وسلم - ) ولا لأهل جزيرة العرب بها ، مما يؤكد كون القرآن وحياً من عند الله بصدقه في الخطاب التاريخي خلافاً لمن زعم أن قصصه للعظة وليست للأخبار التاريخية .
ثانياً . دلت هذه الآيات على حاجة البشرية إلى هدي النبوة في عهد سيدنا موسى
( - عليه السلام - ) بعد أن أهلك القرون الأولى ودرست الشرائع واحتيج إلى نبي يرشد الناس إلى صلاحهم في الدنيا والآخرة بقوله تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( (3) ) .
ثالثاً . نستدل من قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } على تاريخ اليهود المريب تكذيبهم ومحاربتهم لرسل الله ـ عَلَيْهِمْ السَّلاَم ـ على مرّ العصور وقتلهم الأنبياء بغير حق .
__________
(1) معاني القرآن ( الفراء ) : 2 /307 .
(2) التحرير والتنوير : 20 /142 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 34 .

(1/477)


رابعاً . نستدل من سياق الآيات على الحاجة الماسة في حياتنا المعاصرة للأخذ بالوعي الإلهي المنزل على رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الدين والدنيا والنفس والمجتمع ، لأن ذلك مما يعين على إدراك الاستقرار الروحي الذي نحن جميعاً بأمس الحاجة إليه اليوم .
خامساً . إن تلك المعاني القديمة تدل فيما تدل عليه أن التواصل الحضاري لا زال قائماً بين الأمم ، وأن الأمم تنسى بمرور الزمن أحداثاً ما كان لها أن تنساها بدلالة قوله تعالى : { فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ } وأن للأمم كلها على اختلافها لهم سنن ثابتة في حياتها الحضارية .
المطلب الثاني
إيمان طوائف من أهل الكتاب بدعوته ( - صلى الله عليه وسلم - )
{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ(52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } ( (1) ) .
المناسبة
نلاحظ أن النص القرآني يعرض في هذه الآيات والتي قبلها صوراً مختلفة للإيمان وللسلوك الخلقي .
الصورة الأولى متمثلة في كفر كفار قريش وتكذيبهم للرسول (- صلى الله عليه وسلم - ) مستعينين باليهود على اختلاق الحجج الواهية وزرع الشكوك في نفوس المؤمنين كما مرّ في الآيات السابقة .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 52 – 55 .

(1/478)


والصورة الثانية تقدم نموذجاً أخراً ، وصوراً أخرى وهي استقامة الطبع وخلوص النية متمثلة في فريق من الذين أوتوا الكتاب الذين كانوا مثلاً للعباد الصالحين ، فآمنوا بالنبي محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وصدقوا بالقرآن وكانوا مثالاً في الأخلاق الحميدة ، كما عبر عنه المفسرون من قدماء ومحدثين
فأراد الَقُرْآن الكَرِيم بامتداحه الذين آمنوا من أهل الكتاب أن يعيب على كفار قريش عدم إيمانهم بالرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فكان الأولى بهم أن يصدقوه لأنهم يعرفون صدقه وسيرته الحسنة بينهم ، ونلاحظ الترابط والتناسق بين هذه الآيات والتي قبلها في مدح الَقُرْآن الكَرِيم للذين آمنوا من قريش ، بالمقارنة التي استخدمها الَقُرْآن .
أسباب النزول
ذكر في سبب نزول قوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } عدة روايات منها ما رواه الطبري عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة ، عن علي بن رفاعة ، قال : خرج عشرة رهط من أهل الكتاب ، منهم أبو رفاعة ـ يعني أباه ـ إلى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فآمنوا ، فأوذوا ، فنزلت :
{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } قبل القرآن( (1) ) .
ونقل الماوردي قولين في سبب نزول هذه الآية :
أحدهما ـ نزلت في عَبْد الله بن سلام ، وتميم الداري ، والجارود العنبري وسلمان الفارسي ، أسلموا ، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها ، قاله قتادة .
__________
(1) جامع البيان : 10 /85 .

(1/479)


الآخر ـ إنها نزلت في أربعين رجلاً من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) قبل مبعثه اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه ، وثمانية قدموا من الشام منهم بحيرة ، وغبرهة ، والأرشف ، وعامر ، وايمن ، و إدريس ، ونافع ، فأنزل الله فيهم هذه الآية ، والتي بعدها إثر قوله : { أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } ( (1) ) .
ونقل القرطبي رواية عن عروة بن الزبير أنها نزلت في النجاشي وأصحابه ، ووجه باثني عشر رجلاً ، فجلسوا مع النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وكان أبو جهل وأصحابه قريباً منهم ، فآمنوا بالنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه ، فقال لهم : خيبكم الله من ركب ، وقبحكم من وفد ، ولم تلبثوا أن صدقتموه ، وما رأينا ركباً أحمق منكم ولا أجهل ، فقالوا: { سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ } ، لم نأل أنفسنا رشداً .
{ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } ( (2) ) .
ولا يمكن ترجيح رواية على أخرى ، ولكن الذي أراه مناسباً أنها نزلت عامة فيمن كان قبل رسالة النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) على دين سماوي ولما جاء المصطفى ( - صلى الله عليه وسلم - ) آمنوا به وأوذوا في سبيل الإسلام أشد الأذى فصبروا .

تحليل الألفاظ
1. { يُؤْمِنُونَ } :
الإيمان ضد الكفر والإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب يقال : آمن به قوم وكذب به قوم .
__________
(1) ينظر النُّكَت والعُيون : 3 /232 .
(2) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5012 .

(1/480)


وقال الزجاج : الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي
( - صلى الله عليه وسلم - ) واعتقاده وتصديقه بالقلب ، فمن كان على هذه الصفة فهو مؤمن مسلم غير مرتاب ولا شاك،وهو الذي يرى أداء الفرائض واجب عليه لا يدخله في ذلك ريب(1).
وقال الراغب الأصفهاني : " الإيمان يستعمل تارة اسماً للشريعة التي جاء بها محمد( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ويوصف بها كل من دخل في شريعته مقراً بالله وبنبوته قال تعالى : { الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ } ( (2) ) .
وتارة يستعمل على سبيل المدح ويراد به إذعان النفس للحق على السبيل التصديق( (3) ) .
2. { مُسْلِمِينَ } :
الإسلام والاستلام الانقياد والإسلام من الشريعة إظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) وبذلك يحقن الدم . قال ثعلب : الإسلام باللسان ، والإيمان بالقلب . قال الأزهري : الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به الرسول( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وبه يحقن الدم فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان( (4) ) .

3. { وَيَدْرَءُونَ } :
الدَرّءُ الدَفّعْ دَرَأهُ يَدْرؤهُ دَرْءاً وَدْرأهً دَفَعهُ و تدارَأ القومُ تدافعوا في الخصومة ونحوها ودرأت بالهمز دافَعْت ، وكل من دَفْعتهُ عنك فقد دَرَأْتهُ
والمدارَأَةُ المخالفةُ المدافعة( (5) ) .
قال الراغب الأصفهاني : " الدرْءُ المَيلُ إلى أحَدِ الجانبين يقال : قوّمتُ َدرْأهُ وَدَرأتُ عنه دَفعْتُ عن جانبه "( (6) ) .
4. { اللَّغْوَ } :
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( أمن ) 13/21 .
(2) سُوْرَة المَائِدَة : الآية 69 .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 22 .
(4) لِسَان العَرَب : مَادة ( سلم ) 12/ 293-294 .
(5) لِسَان العَرَب : مَادة ( درأ ) 11/ 71 .
(6) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 168 .

(1/481)


الّلغا الّسقط وما لا ُيعتّد به من كلام وغيره ، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع . اللّغو والّلغا والَلغوْي ما كان من الكلام غير معقود عليه . اللغو في الإيمان ما لا يعقد عليه القلب مثل قولك ( لا والله ) . قال الشافعي : اللغو في لسان العرب الكلام غير المعقود عليه( (1) ) .
القضايا البلاغية
في قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ } عبر الَقُرْآن الكَرِيم عنهم باسم الإشارة لتنبيه على أنهم جديرون بما سيذكر بعد اسم الإشارة من الأوصاف .
{ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } أي أعمالنا مستحقة لنا كناية عن ملازمتهم إياها . وأما قوله : { وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } فهو تتميم على حد { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } ( (2) ) .
{ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } المقصود من السلام أنه سلام المباركة المكنى بها عن الموادعة أن لا نعود لمخاطبتكم . قال الحسن : كلمة ( السلام عليكم ) تحية بين المؤمنين ، وعلامة الاحتمال من الجاهلين ، ولعل الَقُرْآن غير مقالتهم بالتقديم والتأخير لتكون مشتملة على الخصوصية المناسبة للإعجاز ، لأن تأخير الكلام الذي فيه المباركة إلى أخر الخطاب أولى ان يكون فيه براعة المقطع "( (3) ) .
المقابلة في قوله تعالى : { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } فإن الحسنة مقابلة للسيئة ، وقد زادت بها الجملة جمالاً .
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( لغو ) 15/250 .
(2) سُوْرَة الكَافِرُوْن : الآية 6.
(3) ينظر التحرير والتنوير : 20 /146 .

(1/482)


ونحن نرى أن القضايا البلاغية في هذه الآيات هو ما يتمثل في قوله تعالى : { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } آفاق في الكلام تقديماً وتأخيراً إذ الأصل يدرءون السيئة بالحسنة ، ولكن لما كان ذكر الحسنة مقدماً بلاغياً على ذكر السيئة قدمت الحسنة وأضيف لهما باء الجر .
المعنى العام للآيات
{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ }
قال الماوردي : " في معناها وجهان :
أحدهما ـ يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل الَقُرْآن وهم بالقرآن يؤمنون قاله يحيى بن سلام .
الثاني ـ الذين آتيناهم التوراة والإنجيل هم بمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) يؤمنون ، قاله ابن شجرة "( (1) ) .
وهاهنا يثور سؤال مهم : هل المقصود بالذين آتيناهم الكتاب اليهود وحدهم أم اليهود والنصارى ؟
والذي أراه أن سياق الآيات يدلّ على أن المقصود جميع أهل الكتاب من يهود ونصارى على اختلاف مشاربهم ، فكلهم يعرفون رَسُول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) كما يعرفون أبنائهم ، ولكن كفر من كفر منهما حسداً وحقداً وغلاً "( (2) ) .
{ مِنْ قَبْلِهِ } ، أي : من قبل الَقُرْآن . وقيل : من قبل مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) { هُمْ بِهِ } ، أي : بالقرآن أو بمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) { يُؤْمِنُونَ } ( (3) ) .
__________
(1) النُّكَت والعُيون : 3 /232 .
(2) ينظر مُحَمَّد في الكتاب المقدس . عبد الأحد داود . الطبعة الثالثة . قطر . الدار الإسلامية . 1404 هـ . : ص 115 .
(3) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5013 .

(1/483)


{ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا } ، أي : إذا قريء عليهم الَقُرْآن قالوا صدقنا بما فيه { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } . وقال الرازي : " قوله إنه الحق من ربنا يدلّ على التعليل يعني أن كونه حقاً من عند الله يوجب الإيمان به . وقوله : { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } بيان لقوله : { آمَنَّا بِهِ } لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيد ، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم ، وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء ـ عَلَيْهم السَّلام ـ المتقدمين من البشارة بمقدمه( (1) ) . وهو ما تدلّ عليه المعاني الكامنة في الآية الكريمة : { أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } ، وذكروا في معناها عدة وجوه ، وهي :
الأول ـ إنهم صبروا على الإيمان بمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) قبل أن يبعث ثُمَّ على إتباعه حين بعث ، قاله الضحاك .
الثاني ـ يؤتون أجورهم مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذين كانوا قبل مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ومرة أخرى بإيمانهم بمُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
الثالث ـ قال مقاتل : هؤلاء لما آمنوا بمُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران ، أجر على الصفح ، وأجر على الإيمان ، فيروى أَنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه .
ويرجح الرازي القول الأول ، ويستدل على ذلك بأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة ، وبيّن أيضاً أنهم كانوا به مؤمنين قبل البعثة ، ثُمَّ أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك "( (2) ) .
__________
(1) ينظر مفاتيح الغيب : 12 /262 . البَحْر المُحِيْط : 7 /125 .
(2) ينظر زَاد المَسِيْر : 6 /230. مفاتيح الغيب : 12/ 162 .

(1/484)


والذي أرجحه هو القول الثاني بأنهم يؤتون أجرهم مرتين لإيمانهم بأنبيائهم الذين كانوا قبل النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ومرة لإيمانهم بمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فعن أبي موسى الأشعري ( - رضي الله عنه - ) : (( أن رَسُول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) قال : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران ، وعبد مملوك أدّى حق الله تعَاَلىَ وحق سيده فله أجران ، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثُمَّ أدبها فأحسن أدبها ، ثُمَّ أعتقها وتزوجها فلها أجران "( (1) ) .
{ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } " فيه عدة وجوه :
أحدهما ـ ( يدفعون ) بالعمل الصالح ما تقدم من ذنب ، قاله ابن شجرة .
الثاني ـ يدفعون بالحلم جهل الجاهل .
الثالث ـ يدفعون بالسلام قبح اللقاء ، وهذا معنى قول النقاش .
الرابع ـ يدفعون بالمعروف المنكر ، قاله ابن جبير .
الخامس ـ يدفعون بالخير الشر ، قاله ابن زيد .
السادس ـ يدفعون بالتوبة ما تقدم من المعصية "( (2) ) .
وأغلب هذه الأقوال يدلّ على مكارم الأخلاق وذات معنى متقارب ولا نجد فيها خلافاً كبيراً .
يقول القرطبي : " فهذه آية مهادنة ، وهي من صدر الإسلام ، وهي مما نسختها آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاه أمة محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) إلى يوم القيامة( (3) ) .
__________
(1) متفق عليه . صحيح البخاري : كتاب العلم ، باب العلم 1 /229. . صحيح مسلم كتاب الإيمان باب الإيمان 241 –245 .
(2) النُّكَت والعُيون : 3 /232 .
(3) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5014 .

(1/485)


ومنه قوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) لأبي ذر : (( اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن )) ( (1) ) .
{ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } في سبيل الخير { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ } فيه ثلاثة أقوال :
قال مجاهد : السبّ والأذى .
وقال الضحاك : الشرك .
وقال ابن زيد : ما غيرته اليهود من وصف الرَّسُول ( - صلى الله عليه وسلم - )
{ أَعْرَضُوا عَنْهُ } وتركوه تكرماً( (2) ) .
والراجح أنهم إذا سمعوا ما قال المشركون من الأذى والشتم ، أعرضوا عنه ولم ينشغلوا به كقوله تعالى : { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } ( (3) ) .
أما قوله تعالى : { وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } فقال الطبرسي : " أي : لا نسأل نحن عن أعمالكم ولا تسألوا عن أعمالنا ، بل كلّ منا يجازى على عمله "( (4) ) .
وهذه الآية نظير قوله تعالى: { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا } ( (5) ) .
{ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ } قال صاحب الخازن : " ليس المراد من ( سلام ) تحية ، ولكن سلام المشاركة ، والمعنى : سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم "( (6) ) .
{ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } " لا نطلب صحبتهم ولا نريد مخالطتهم "( (7) ) .
ما يستفاد من النصّ
__________
(1) سنن الترمذي : 4 /335 وقال الترمذي : وهذا حديث حسن صحيح . المستدرك على الصحيحين : 1 /121 من حديث أبي ذر قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .
(2) ينظر روح المعاني : 20 /95 .
(3) سُوْرَة الْفُرْقَانَ : الآية 72 .
(4) مجمع البيان : 7 /258 .
(5) سُوْرَة الْفُرْقَانَ : الآية 63 .
(6) لُبَاب التَأَوْيِل : 3 /436 .
(7) إرْشَاد العَقل السَّلِيم : 7 /19 .

(1/486)


نستدل من إيمان هؤلاء النفر من أهل الكتاب بنبوة المصطفى ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن جميع رسالات الله ذات أصل واحد فيما يتعلق بالعقائد ومكارم الأخلاق ، فهي قاطبة تدعو إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتدعو إلى فعل الخير ، وتنهى عن فعل الشر ، وتأمر بطاعة الله . والَقُرْآن الكَرِيم قد احتوى على تلك الأسس جميعاً من حلال وحرام ، وترغيب وترهيب ، ومواعظ وقصص ، فجاء مصدقاً للأنبياء من قبله ، قال تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ( (1) ) وكذلك تضمن الَقُرْآن فضلاً عن ذلك أحكام وتشريعات جديدة تتناسب ورسالة الله الخاتمة .
لما كان الَقُرْآن الكَرِيم مشتملاً على أصول كتبهم ومصدقاً لنبوة أنبيائهم ودعا الناس للإيمان بهم ، فصار كفر أهل الكتاب بالنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) أو بكتابه كفراً بكتبهم ورسلهم ، فإن التوراة قد بشرت بنبوته ( - صلى الله عليه وسلم - ) في عدة أسفار( (2) ) ، وكذلك الإنجيل ، قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } ( (3) ) .
{ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ودلت هذه الآية كذلك على صفة أخرى من صفات الأتقياء ، وهي بذل المال في سبيل الله .
__________
(1) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 101 .
(2) إظهار الحق . رحمة الله الهندي . الطبعة الرابعة . دار جدة . السعودية . 1388 هـ : 12/ 145 .
(3) سُوْرَة الصَّفِ : الآية 6 .

(1/487)


ودل قوله تعالى : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } الآية ، على الدعوة بالابتعاد عن اللغو ، والابتعاد عن الدخول في المنافسات والجدال العقيم في مسائل أخلاقية غير مهمة والابتعاد عن مجادلة الجهلة لأن الجدل مع أهل اللغو لغو ، والتركيز على كلّ ما يربط الإنسان بخالقه .
نستدل من الآيات على أن الكفر برسالة بمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) يدخل اليهود والنصارى في الكفر { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } ( (1) ) ما دامت الدعوة قد بلغتهم على اختلاف مشاربهم المذهبية .
المطلب الثالث
الهداية البيانية والهداية التوفيقية
{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ( (2) ) .
المناسبة
فيما مرّ من الآيات السابقات تم استعراض نموذجاً من الذين نزل عليهم الوحي ، وبلغتهم دعوة المصطفى ( - صلى الله عليه وسلم - ) النموذج الأول المتمثل في كفار قريش الذين كانوا يمارون بغير حقّ ، ويأتون بالحجج لا ليؤمنوا كقولهم : { لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } ، فبين الَقُرْآن الكَرِيم أنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم بقوله تعالى : { أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } ، والنموذج الآخر هو فريق من الذين أوتوا الكتاب ممن استقام طبعهم ، وخلصت نيتهم ، فبين الَقُرْآن الكَرِيم طريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم ، فقال تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } .
__________
(1) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 19 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 56 .

(1/488)


ثُمَّ أراد الَقُرْآن الكَرِيم في هذه الآيات أن يبين أن هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم الَقُرْآن ووراءه من قومه من جهده ليؤمن ، ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام فلم يقدِّر الله له ذلك لأمر يعلمه من نفسه ، وما كان النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ليهدي من يحب ، إنما يهدي الله من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان( (1) ) . فناسبت هذه الآية مكانها في سُوْرَة الْقَصَصِ ، وناسبت أيضاً ما قبلها ليكتمل المعنى بأن الهداية التوفيقية هي بيد الله وحده ، العالم بمن يستحقها ، والهداية البيانية هي مهمة الرسل والأنبياء والدعاة أن يقوموا بها .
أسباب النزول
أخرج مسلم ، عن أبي هريرة ( - رضي الله عنه - ) قال : قال رَسُول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) لعمه :
(( قل لا إله إلا الله أشهد لك يوم القيامة . قال : لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقرت بها عينك ، فأنزل الله : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ } )) ( (2) ) .
وأخرج النسائي بسند جيد عن أبي سعيد بن رافع قال : سألت ابن عمر عن هذه الآية : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } أفي أبي جهل ، وأبي طالب ؟ قال : نعم "( (3) ) .
تحليل الألفاظ
1. { تَهْدِي } :
__________
(1) ينظر في ظلال القرآن : 6 /360 .
(2) صحيح مسلم : باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت 1/55 رقم ( 25 ) .
(3) السنن الكبرى ( النسائي ) : 6 /245 . وينظر أسباب النزول ( الواحدي ) : ص 243. لباب النقول في أسباب النزول . عَبْد الرَّحْمَن بن أَبِي بكر بن مُحَمَّد السيوطي أبو الفضل . ( 849 ـ 911 ) . الطبعة الأولى . مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه . مصر . 1964 م . : ص 598 –599 .

(1/489)


الهُدى ضدّ الضلال وهو الرَّشادُ ، والهادي من أَسماء الله سبحانه وتعالى . وقد هَداه هُدىً و هَدْياً و هِدايةً و هِديةً و هَداه للدِّين هُدىً و هَداه يَهْدِيه في الدِّين هُدىً . وقال الليث : ومعنى هَدَيْتُ لك في معنى بَيَّنْتُ لك وهُدَى الله ، أَي : الصِّراط الذي دَعا إِليه هو طَرِيقُ الحقّ. وقال ابن بري : يقال هديته الطريق بمعنى عرفته .
وقال ابن الأَثير : والهادي هو الذي بَصَّرَ عِبادَه وعرَّفَهم طَريقَ معرفته حتى أَقرُّوا برُبُوبِيَّته، و هَدى كل مخلوق إِلى ما لا بُدَّ له منه في بَقائه ودَوام وجُوده( (1) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : " الهداية دلالة بلطف … وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه :
الأول : الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية .
الثاني : الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء ، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } (2).
الثالث : الهداية التوفيقية التي يختص بها من اهتدى ، وهو المعني بقوله تعالى :
{ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } ( (3) ) . وقوله تعالى : { وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } ( (4) ) .
__________
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر . مجد الدِّيْن بن أَبِي الكرم مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَرِيْم الشيباني الجزري . المعروف بابن الأثير أبو السعادات . ( 544 ـ 606 ) . تحقيق : طاهر أحمد الزاوي – محمود مُحَمَّد الطناحي . المكتبة العلمية . بيروت . ط1 . 1399هـ – 1979م . : 5 /525. لِسَان العَرَب : مَادة ( هدى ) 15 /535 .
(2) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ : الآية 73 . سُوْرَة السَّجْدَةِ : الآية 24 .
(3) سُوْرَة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) : الآية 17 .
(4) سُوْرَة التَّغَابُن : الآية 11 .

(1/490)


الرابع : الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله: { سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } ( (1) ) .
وهذه الهدايات الأربع مرتبة ؛ فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية بل لا يصح تكليفه ، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة ، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله .
أما بقية أنواع الهداية فهي لله وحده ، قال تعالى : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } ، وكل هداية ذكر الله عز وجل أنه منع الظالمين والكافرين منها ، فهي الهداية التوفيقية ، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنة.
قال تعالى : { وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ( (2) ) وقوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } ( (3) ) … إذ طالب الهدى ومتحريه هو الذي يوفقه ويهديه إلى طريق الجنة لا من يتحرى طريق الظلال والكفر( (4) ) .
فالهداية بذلك التي هي نقيض الضلال دالة في سياق تعريفها الاصطلاحي على كونها بنوعيها هي من هبات الله عَزَّ وجَلَّ .
القضايا البلاغية
1. في الآية طباق سلب بين { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } وبين { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } .
المعنى العام للآيات
{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ }
__________
(1) سُوْرَة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) : الآية 5 .
(2) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 258 وغيرها .
(3) سُوْرَة النَّحْلِ : الآية 107 .
(4) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 536 .

(1/491)


" هداية متواصلة إلى البغية لا محالة "( (1) ) . وقال الزَّمَخْشَرِيّ : " لا تقدر أن تدخل في الإسلام كلّ من أحببت أن يدخل فيه من قومك ومن غيرهم لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره "( (2) ) .
وقال النسفي : " يخلف فعل الاهتداء فيمن يشاء "( (3) ) .
وقال الشيخ أحمد الصاوي : " أي فسلّم أمرك لله ، فإنه أعلم بأهل السعادة والشقاء ولا يبالي بأحد "( (4) ) .
{ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }
" بالمستعدين لذلك "( (5) ) .
وقال البقاعي : " أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم ، فيكونوا عرقيين فيه سواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب ، أقارب كانوا أو أباعد "( (6) ) .
وقال الشيخ زاده : " وهذه الآية حجة لنا على المعتزلة في قولهم إن الهدى هو البيان ، وقد هدى الناس جميعاً ، ولكن لم يهتد البعض منهم بسوء اختيارهم ، فهذه الآية دلت على أن وراء البيان ما يسمى هداية ، وهو خلق الاهتداء ، وإعطاء التوفيق والقدرة التي هي داعية اكتساب الخير والاجتناب عن الشر إذ يفعل ما يشاء بحكمته لا يسئل عما يفعل "( (7) ) .
ما يستفاد من النصّ
1ـ كثيراً ما يعتذر المخلّ بواجب الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه الآية ، ويتشبث بظاهرها ليرفع اللوم عنه بسبب تكاسله بحجة أن الهداية بيد الله ، ونفاها عن حبيبه ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وكذلك يعتذر بهذه الآية المنهمكون في الشهوات والمعاصي بحجة أن الله لم يهده ، والجواب عن ذلك في شقين :
__________
(1) روح المعاني : 20 /96 .
(2) الكَشَّاف : 3 /185 .
(3) مَدَارِك التَّنْزِيل : 3 /240 .
(4) حاشية الصاوي : 3 /221 .
(5) إرْشَاد العَقل السَّلِيم : 7 /19 .
(6) نظم الدرر : 5 /501 .
(7) حاشية الشيخ زاده : 2 /518 .

(1/492)


إِنْ الله جَلَّ وَعَلا قد أرسل رسله وأنبياءه ليهدون الناس إلى طريق مستقيم ، طريق الهداية ، وهو ما يسمى بالهداية الإرشادية ، لكي لا يكون للناس حجة بعد الرسل ، فمن واجب الأنبياء والرسل والدعاة أن يقوموا ما باستطاعتهم ويؤدوا واجبهم في التبليغ ، وتبيين شرع الله ، وهذا الواجب الذي عليهم ، وليس بمقدورهم ولا من واجبهم أن يجعلوا كلّ الناس مهتدين ، فهذا بيد الله وحده .
إِنْ هداية الله جَلَّ وَعَلا لبعض عباده دون آخرين بما يسمى ( الهداية التوفيقية ) تسبقها مقدمات مستندة إلى الهدايات الأخرى وهذه المقدمات هي عبارة عن صلاحيات اكتسبها أصحابها بالهداية الأولى العامة ، وأتبعها أعمال صالحة ، بمعنى أن المعنيين بالهداية الخاصة أصبحوا مستحقين لنزول تلك الرحمة ، إما بإنابتهم إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } ( (1) ) ، أو بجهادهم في سبيل الله { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } ( (2) ) ، أو بأعمالهم الصالحة { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } ( (3) ) ، فإن الله لا يهدي الوقم الكافرين ، ولا الظالمين ، قال تعالى : { وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } ( (4) ) ، وقوله : { وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (5) . فالظلم والفسوق تكون حجباً تمنع نفوذ الهداية الإلهية (التوفيقية).
__________
(1) سُوْرَة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) : الآية 7 .
(2) سُوْرَة العَنْكَبُوتِ : الآية 69 .
(3) سُوْرَة يُوْنِسَ : الآية 9 .
(4) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 264 وغيرها .
(5) سُوْرَة التَّوْبَةِ : الآية 37 وغيرها .

(1/493)


2 ـ اختلف المفسرون في إسلام ( أبي طالب ) استناداً إلى مدلولات هذه الآية
{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } ، ومن الأحاديث الواردة في سبب نزول هذه الآية .قال قسم من المفسرين : إنه لم يسلم . وقال آخرون إنه الأسلم . قال الرازي : " وهذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب " . وذكر الطباطبائي أن الروايات المستفيضة عن أهل البيت دلت على إيمانه " والمنقول من أشعاره بالإقرار على صدق النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) وحقية دينه ، وهو الذي آوى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) صغيراً وحماه بعد البعثة وقبل الهجرة فقد كان آثر مجاهدته وحده في حفظ نفسه الشريف "( (1) ) .
الذي أراه أن الثابت في الروايات الصحيحة الواردة في سبب نزول هذه الآية أنه مات على غير الإسلام ، أما ما استدل به الطباطبائي من أشعار أبي طالب على إسلامه فليس بحجة ، فليس فيها دلائل على إسلامه وإنما فيها دلالة على نصرته ، ولم ينكره أحد ، كقوله :
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما نطاعن عن حوله ونقاتل
ونسلمه حتَّى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل( (2) )

المطلب الأول
أعذار المشركين والرد عليها
__________
(1) ينظر تفسير الميزان : 16/ 57 .
(2) ينظر حاشية الشيخ زاده : 2 /518 .

(1/494)


{ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ* وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ * وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ* أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ } ( (1) ) .
المناسبة
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 57 –61 .

(1/495)


قال البقاعي : " ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى ( - عليه السلام - ) ، ثُمَّ كفرهم به ، وبما هو أعظم منه ، وختم بِأَنَّهُ أعلم بأهل الخير وأهل الشرّ إلى الإعراض عن الأسف على أحد ، والإقبال على عموم الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء ، قال دليلاً لأنهم إنما يتبعون أهوائهم عاطفاً على قولهم : { لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } ( (1) ) ، { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } ( (2) ) ، كان الرد بقوله تعالى : { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } "( (3) ) . ومناسبة هذه الآيات على موقعها أنها جاءت لبيان حال قريش في كفرهم برسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وكيف أن الله بين تفاهة حججهم بعد تعداد نعمه عليهم .
ثُمَّ دعتهم الآيات إلى الاعتبار بإهلاك الله للأمم السابقة لأنهم تنكروا لنعم الله ، وبطروا بها ، فنلاحظ كيف أن الآيات جاءت متناسقة متناسبة فيما بينها ، ولتعطي القارئ صورة لعناد قريش ، ثُمَّ تربطه بما جرى للأمم السابقة لغرض العبرة والعظة ، ولكي يستمر الاتعاض بها في كلّ زمان ومكان من خلال نبذها للدنيا ، وتذكير الإنسان بأن ما عند الله خير وأبقى( (4) ) .
أسباب النزول
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 48 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 57 .
(3) نظم الدرر : 5 /502 .
(4) ينظر مُحَمَّد والقوى المضادة . مُحَمَّد أحمد خلف الله . الطبعة الثالثة . القاهرة . 1982 م : ص 42 –143 .

(1/496)


نقل الطبري عن ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ أن الحارث بن نوفل الذي قال { إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } . وقال أيضاً : قد علمنا أنك رسول الله ، ولكن نخاف أن نتخطف من أرضنا ، فقال تعالى : { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } ( (1) ) .
ونقل الزمخشري " عن الزجاج إجماع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب ، وذلك أن أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني هاشم أطيعوا محمد أو صدقوه ، تفلحوا وترشدوا ، فقال النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك ؟ قال : فما تريد يا ابن أخي ؟ قال : أريد منك كلمة واحدة ، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول : لا اله ألا الله أشهد لك بها عند الله ، قال : يا ابن أخي قد علمت أنك لصادق ، ولكن أكره أن يقال : خرع عند الموت ، ولولا أن تكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ، ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك ، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب ، وهاشم ، وعبد مناف .
قالت قريش ـ وقيل : إن القائل الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ـ نحن نعلم أنك على الحق ، ولكن نخاف أن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة راس ـ أي : قليلون ـ يتخطفونا من أرضنا "( (2) ) .
وجاء في بيان نزول قول تعالى : { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ }
والتي اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية ؟
قال مجاهد : نزلت في النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) وفي أبي جهل بن هشام .
__________
(1) جامع البيان : 10 /89 . لُبَاب التَأَوْيِل : 3 /437 . أسباب النزول ( السيوطي ) : ص 306.
(2) جامع البيان : 21 /139. الكَشَّاف : 3 /185.

(1/497)


وعن مجاهد أنها نزلت في حمزة ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي جهل( (1) ) .
وقيل : نزلت في عمار ، وفي الوليد بن المغيرة( (2) ) .
والذي أرجحه جمعاً بين الروايات أنها نزلت في رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ومن معه ـ رضوان الله عليهم ـ وفي قريش ومن معهم من الكافرين أخذاً لظاهر المعنى وتوجيههاً للقراءات المختلفة فيه .
تحليل الألفاظ
1. { نُتَخَطَّفْ } :
" الخَطْفُ : الإِسْتِلابُ ، وقيل : الخَطْفُ الأَخْذُ في سُرْعةٍ واسْتِلابٍ . خَطِفَه ، بالكسر ، يَخْطَفُه خَطْفاً ، بالفتح ، وهي اللغة الجيّدة ، وفيه لغة أُخرى حكاها الأَخفش : خَطَفَ ، بالفتح ، يَخْطِفُ بالكسر ، وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف : اجّتَذَبه بسُرْعة "( (3) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : " الخطف والاختطاف : الاختلاس بالسرعة ، يقال : خَطِفَ يَخْطِف ، وخَطَف يَخْطَف ، وقرئ بهما جميعاً "( (4) ) .
2. { نُمَكِّنْ } :
المَكْنُ و المَكِنُ : بيضُ الضَّبَّةِ والجَرَادة ونحوهما واحدته مَكْنةٌ . و مَكِنة ، بكسر الكاف . وقد مَكِنَتِ الضَّبَّةُ وهي مَكُونٌ و أَمْكَنتْ وهي مُمْكِنٌ إِذا جمعت البيض في جوفها ، والمكنة التمكن ، تقول العرب : إِن بني فلان لذوو مَكِنةٍ من السلطان أَي تَمكُّنٍ . قال ابن بري : لا يصح أَن يقال في المَكِنة إِنه المكان إلا على التَّوَسُّع لأن المكنّة إنما هي بمعنى التمكن .
__________
(1) جامع البيان : 10 /91 –92.
(2) مجمع البيان : 7 /261.
(3) لِسَان العَرَب : مَادة ( خطف ) 9 /57 .
(4) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 152 .

(1/498)


والطَّلِبَة بمعنى التَّطَلُّبِ والتَّبِعَةِ بمعنى التَّتُّبع. يقال: إِنَّ فلاناً لذو مَكِنةٍ من السلطان، فسمي موضع الطير مَكِنةً لتَمكُّنه ، والمَكانةُ المَنْزلة عند الملك . وقال أبو منصور : المكان والمكانة واحد . قال ابن سيده : تَمَكَّنَ من الشيء واستمكن : ظفر( (1) ) .
3. { يُجْبَى } :
جَبَى الخراجَ والماء والحوضَ يَجْبَاهُ ويَجْبِيه : جَمَعَه . جَبَيْتُ الماء في الحوض و جَبَوْته والجابي : الذي يجمع الماء للإبل . والجِباوةً اسم الماء المجموع ، والجبا بالفتح الحوض الذي يجبى فيه الماء( (2) ) .
قال الراغب الأصفهاني : جبيت الماء في الحوض: جمعته، والحوض الجامع له: جابية، وجمعها جواب . ومنه استعير: جبيت الخراج جباية على طريق الاصطفاء( (3) ) .
4. { بَطِرَتْ } :
البَطَرُ : النشاط ، وقيل : التبختر ، وقيل : قلة احتمال النِّعمة ، وقيل : الدَّهَشُ والحَيْرَةُ . وقيل : البَطَرُ الطُّغيان في النِّعْمَة . وقيل : هو كراهة الشيء من غير أَن يستحق الكراهية . بَطِرَ بَطَراً ، فهو بَطِرٌ . و البَطَرُ : الأَشَر ، وهو شدّة المَرَح . و بَطِرَ النِّعْمَةَ بَطَراً، فهو بَطِرٌ: لم يشكرها( (4) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : " البطر: دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها، وصرفها إلى غير وجهها "( (5) ) .
5. { مُهْلِكَ } :
الهَلْكُ : الهلاك . هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً وهَلْكاً وهَلاكاً : مات . واستعمل أبو حنيفة الهلكة في جفوف النبات( (6) ) .
__________
(1) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( مكن ) 13 /412 –413 .
(2) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( جبي ) 14 /129 –131.
(3) ينظر معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 85 .
(4) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( بطر ) 4 /68 –69 .
(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 48 .
(6) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( هلك ) 10 /503 .

(1/499)


وقال الراغب الأصفهاني : " الهلاك على أربعة أوجه :
افتقاد الشيء عنك، وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى : { هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ } ( (1) ) .
وهلاك الشيء باستحالة وفساد ، كقوله : { وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ } ( (2) ) .
والثالث : الموت ، كقوله : { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ } ( (3) ) .
بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسا، وذلك المسمى فناء المشار إليه بقوله : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ } ( (4) ) ، ويقال للعذاب والخوف والفقر : الهلاك( (5) ) .
6. { الْمُحْضَرِينَ } :
الحُضُورُ : نقيض المَغيب والغَيْبةِ ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُوراً وحِضارَةً ؛ وقال الجوهري : حَضْرَةُ الرجل قُرْبهُ وفِناؤه . وقال الأَزهري: الحَضْرَةُ قُرْبُ الشيء، تقول: كنتُ بِحَضْرَةِ الدار ، أي : بقربه( (6) ) .
القراءات القرآنية
1. { الْهُدَى } :
قرأها بالإمالة حمزة ، والكسائي ، وورش( (7) ) .
2. { نُتَخَطَّفْ } :
قرأ المنقري : ( نُتَخَطَّفُ ) برفع الفاء( (8) ) .
3. { يُجْبَى } :
قرأ نافع ، وعاصم ، وأبو جعفر : ( تُجْبَى ) بتاء التأنيث ، وقرأ الباقون بالياء ، وحجة من قرأ بتاء التأنيث ( الثمرات ) ، وحجة من قرأ بالياء أنه فرق بين المؤنث وفعله بـ( إليه ) لأنه تأنيث غير حقيقي ، ولأن معنى الثمرات الرزق ، فحمل على المعنى فَذُكِّر( (9) ) .
4. { ثَمَرَاتُ } :
__________
(1) سُوْرَة الحَاقَّة : الآية 29 .
(2) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 205 .
(3) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 176 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .
(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 542- 543 .
(6) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( حضر ) 4 /196 –197 .
(7) غيث النفع : ص 317 .
(8) البَحْر المُحِيْط : 7 /129 .
(9) الحجة في علل القراءات : 5 /424. الكشف عن وجوه القراءات : 2 /175.

(1/500)


قرأ الجمهور ( ثَمَرَاتُ ) بفتحتين ، وقرأ أبان بن تغلب بضمتين : ( ثُمُرات ) ، وهي قراءة شاذة( (1) ) .
5. { فِي أُمِّهَا } :
قرأ حمزة ، والكسائي : ( امِّها ) وصلاً للإتباع( (2) ) .
6. { تَعْقِلُونَ } :
قرأ أبو عمرو ( يعقلون ) بالياء إعراضاً عن خطابهم ، وخطاب لغيرهم كأنه قال : انظروا إلى هؤلاء وسخافة عقولهم أفلا يعقلون يا مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
وقرأ الجمهور بالتاء على خطابهم وتوبيخهم في كونهم أهملوا العقل في العاقبة ، ونسب هذه القراءة أبو علي في الحجة إلى أبي عمرو وحده( (3) ) .
7. { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ } :
قرأ طلحة : ( أمَن وَعَدْنَاه ) بحذف الفاء( (4) ) .

8. { مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } :
وقريء : ( مَتَاعًا الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) انتصب الحياة الدنيا على الظرف( (5) ) .
9. { ثُمَّ هُوَ } :
بسكون الهاء ( هْوَ ) كما قرأها الكسائي ، وأبو جعفر وصلاً( (6) ) .
القضايا البلاغية
__________
(1) الكَشَّاف : 3 /185. البَحْر المُحِيْط : 7/126 .
(2) النشر في القراءات العشر : 2 /248. إتحاف فضلاء البشر : ص 343 . غيث النفع : ص 317 .
(3) التيسير في القراءات السبع : ص 172. السبعة في القراءات : ص 495. إتحاف فضلاء البشر : ص 343 .
(4) البَحْر المُحِيْط : 7/127 .
(5) البَحْر المُحِيْط : 7 /127 .
(6) التيسير في القراءات السبع : ص 317. السبعة في القراءات : ص 548. إتحاف فضلاء البشر : ص 343.

(2/1)


1. الإسناد المجازي( (1) ) ( مجاز عقلي ) في قوله : { حَرَمًا آمِنًا } ، لأن المراد أهل الحرم . { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ } المراد أهلها بدليل قوله تعالى بعد :
{ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً } ، أي : لقد زهوا بها حيناً من الدهر وغرتهم الأماني وأبطرتهم النعمة وكان ديدنهم ديدن المترفين الرافلين في حلل السعادة ، فما عتموا أن فنوا وطوتهم الأيام وبقيت آثارهم شواخص( (2) ) .
المعنى العام الآيات
{ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا }
" أي : نستلب من أرضنا يعني أرض مكة والحرم ، وقيل : إنما قاله الحارث بن نوفل بن عبد مناف فإنه قال للنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) : إنا لنعلم أن قولك الحق ، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك أن يتخطفنا العرب من أرضنا ، ولا طاقة لنا بالعرب( (3) ) ، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } .
قال الماوردي : " فيه وجهان :
أحدهما ـ إنه جعله آمناً بما طبع النفوس عليه من السكون إليه حتَّى لا ينفر منه الغزال والذئب والحمام والحدأة .
الثاني ـ إنه جعله آمناً بالأمر الوارد من جهته بأمان من دخله ولاذ به ، قاله يحيى بن سلام ، يقول : كنتم آمنين في حرمي تأكلون رزقي وتعبدون غيري أفتخافون إذا عبدتموني وأمنتم بي "( (4) ) .
{ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }
__________
(1) الإسناد المجازي : هو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأويل ، ينظر الإيضاح للقزويني : 16 .
(2) إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5 /256 –257 .
(3) مجمع البيان : 7 /260.
(4) النُّكَت والعُيون : 3 /234 .

(2/2)


{ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ } " هو استفهام إنكار ، وهذا الإنكار يقتضي توبيخاً على هذا الحال التي نزلوا لأجلها منزلة من ينفي أن الله مكن لهم حرماً "( (1) ) .
{ يُجْبَى } أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه
{ إِلَيْهِ } ، أي : خاصة دون غيره من جزيرة العرب( (2) ) .
{ كُلِّ شَيْءٍ } " أي يجمع إليه ثمرات كلّ أرض وبلد "( (3) ) ، وقال ابن عاشور : " عام في كلّ ذي ثمرة ، وهو عموم عرفي ، أي : ثمر كلّ شيء من الأشياء المثمرة المعروفة "( (4) ) .
{ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا } من عندنا ، والعندية مجاز في التكريم والبركة أي : رزقاً قدرناه لهم إكراماً ، فكأنه رزق خاص من مكان شديد الاختصاص( (5) ) .
{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } قال النسفي :" متعلق بـ( من لدنا ) ، أي : قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله . و ( أكثرهم ) جهلة لا يعلمون ذلك ، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عنده ولما خافوا التخطف إذ أمنوا به "( (6) ) .
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا }
قال القرطبي : " بين لمن توهم أنه لو آمن لقاتلته العرب أن الخوف في ترك الإيمان أكثر ، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم البوار"( (7) ) .
{ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ }
قال الرازي : " في هذا الاستثناء وجوه :
__________
(1) التحرير والتنوير : 20 /149 .
(2) ينظر نظم الدرر : 5 /504 .
(3) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5016 .
(4) التحرير والتنوير : 20 /149 .
(5) ينظر التحرير والتنوير : 20 /149 .
(6) مَدَارِك التَّنْزِيل : 3 /241 .
(7) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5016 .

(2/3)


أحدهما ـ قال ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ : لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوماً أو ساعة .
ثانياً ـ يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقى أثرها في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً فتهلكه كما أهلكت من قبله "( (1) ) . { وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } " لهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم ، وسائر ما يتصرف فيه ، والشيء إذا لم يبق له مالك معين . قيل : إنه ميراث الله هو الباقي بعد خلقه "( (2) ) .

{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }
{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى } قال أبو السعود : " بيان للعناية الربانية إثر بيان إهلاك القرى المذكورة ، أي : وما صحّ ، وما استقام ، بل يستحال في سنته المبنية على الحكم البالغة ، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار ، بل كانت عادته أن لا يهلكها { حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً } "( (3) ) .
{ فِي أُمِّهَا } قال الماوردي فيه ثلاثة أوجه :
أحدهما ـ أوائلها ، قاله الحسن .
الثاني ـ في معظم القرى من سائر الدنيا ، حكاه ابن عيسى .
الثالث ـ إن أم القرى مكة ، قاله قتادة " ( (4) ) .
وقال الخازن : " في أكبرها وأعظمها رسولاً ينذرهم ، وخصّ الأم ببعثه الرسول لأنه يبعث إلى الأشراف وهم سكان المدن . وقيل : حتَّى يبعث في أم القرى وهي مكة رسولاً يعني مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) لأنه خاتم الأنبياء "( (5) ) .
والذي أرجحه أن المقصود هو أم القرى بدلاله السياق .
__________
(1) مفاتيح الغيب : 13 /6 .
(2) تفسير المراغي : 20 /76 .
(3) إرْشَاد العَقل السَّلِيم : 7 /20.
(4) النُّكَت والعُيون : 3 /235 .
(5) لُبَاب التَأَوْيِل : 3 / 347.

(2/4)


{ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } ، أي : بتكذيب الرسل والعتو في الكفر "( (1) ) .
وقال عطاء : " يريد بظلمهم أهلكتهم وظلمهم شركهم "( (2) ) .
وجاء في المحرر الوجيز " إن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا بعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان ، والظلم هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد . وبالجملة وضع الباطل موضع الحق "( (3) ) .
والذي أراه أن المعنى الخاص بالظلم يشمل كفرهم بالله تعالى على ما يتضح من سياق النص .
ويثور هنا سؤالان أوردها الرازي رحمه الله :
السؤال الأول : لماذا ما أهلك الله الكفار قبل بعثة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى ، والتكذيب بمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ؟
السؤال الثاني : لماذا ما أهلكهم بعد مبعث مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ؟
فأجاب عن السؤال الأول بقوله : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } .
وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم ، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة .
وأجاب عن السؤال الثاني بقوله : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } أنفسهم بالشرك ، وأهل مكة ليسوا كذلك ، فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون ، وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمناً( (4) ) .
__________
(1) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل : 2 /221 .
(2) الوسيط : 3 /404 .
(3) المحرر الوجيز : 12 /178 .
(4) ينظر مفاتيح الغيب : 13 /6 .

(2/5)


{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
أجاب الله جل وعلا عن شبهتهم التي قالوا فيها تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا ، فبين الله تعالى خطأهم في ذلك ، لأن ما عند الله خير وأبقى وذلك لوجهين كما ذكر الرازي :
أحدهما ـ إن المنافع هناك أعظم .
وثانيها ـ إنها خالصة عن الشوائب ، ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار بل الضار فيها أكثر .
وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة ، ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدماً ، فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر ، فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستيفاء منافع الدنيا ، ونبه عن ذلك بقوله تعالى : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني : من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجاً عن حد العقل( (1) ) .
{ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ }
قال المراغي في تفسير هذه الآية "أي : أفمن وعدناه من خلقنا على طاعته إيانا بالجنة وجزيل نعيمها مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر فآمن بما وعدناه وأطاعنا ، فاستحق أن نجزله وعدنا فهو لاقيه حتماً وصائر إليه ، كمن متعناه الحياة الدنيا ونسي العمل بما واعدنا به أهل الطاعة ، وآثر لذة عاجلة على لذة آجلة لا تنفذ ، ثم هو يوم القيامة إذا ورد على الله من المحضرين لعذابه واليم عقابه "( (2) ) .
وأرى أن المقصود بذاك الوعد بمغفرة الله تعالى ورضوانه بإقراره في دار القرار والمستقر الجنة يوم القيامة ، وهو ما يوضحه المعنى العام للآيات .
ما يستفاد من النصّ
__________
(1) ينظر مفاتيح الغيب : 13 /7 .
(2) تفسير المراغي : 20 /79.

(2/6)


1. دل قوله تعالى : { إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } على أنهم لا ينكرون أنه الهدى ، فإن أهل الجزيرة العربية بما اشتهروا به من فصاحة اللغة وحسن البيان أدركوا بفطرتهم أن الذي جاء به مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ليس من كلام البشر ، ولا هو من سجع الكهان ، ولا هو من السحر ، ولكن ما منعهم من الإيمان به هو العصبية القبلية ، والخشية من ذهاب السلطة الدينية والسياسية والإدارية عن مكة المكرمة .
فقد جاء فيما يرويه ابن هشام عن ابن إسحاق أن عتبة بن ربيعه قرا عليه الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) سورة فصلت إلى أن وصل إلى قوله تعالى : { فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } ( (1) ) ، فأمسك عتبة بفيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة ، وذلك خوفاً مما تتضمنه الآية من تهديد . ثم عاد عتبة إلى أصحابه فقالوا : ما ورائك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي إني سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فو الله ليكون لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم( (2) ) .
__________
(1) سُوْرَة فُصِّلَتِ : الآية 13.
(2) الطبقات الكبرى . مُحَمَّد بن سَعَد بن مَنِيْع الزُّهْرِي البصري ( كاتب الواقدي ) أبو عَبْد الله . ( 168 ـ 230 ) . قَدَّمَ لَهُ : د . إحسان عباس . دار صار بيروت 1968 م . : 5 /431. سيرة ابن هشام : 2 /131. الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث . أحمد بن الحسين البيهقي . ( 384 ـ 458 ) . تحقيق : أحمد عصام الكاتب . دار الآفاق الجديدة . بيروت . ط1 . 1401 هـ . : 1 /267 . تفسير القرآن العظيم : 4/ 92. فقه السيرة : ص 88 .

(2/7)


2. دلت الآيات على أن الأمن والخوف من الله ، فالله جل وعلا وحده الحافظ ، والنافع والضار ، والمحي والمميت ، والمعز والمذل ، وأنه لو اجتمعت كل قوى الأرض على أن تضر إنساناً أو مجتمعاً دخل في حمى الله لا تستطيع ، ولا أن تنصر من خذله الله ، فالخوف الحقيقي هو في البعد عن هوى الله ، والأمن لا يكون إلا في حمى الله .
قال تعالى : { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ( (1) ) .
فلو عادت الدول العربية والإسلامية إلى كتابها وتمعنت به لأنقذها من حيرتها أمام القوة الغاشمة ( أمريكا ) وتفردها بمصائر الشعوب ، فقد انهار من انهار من المسلمين أمام قوة أمريكا ، وقدم التنازلات تلو الأخرى لإرضائها ، ولم يجرأ على مخالفتها ، فعلى المسلمين أن يعلموا أن الأمن من الله لا من أمريكا والخوف من الله لا من أمريكا .
3. ودلت كذلك هذه الآيات على أن البطر والظلم من أسباب هلاك الأمم والشعوب قال تعالى : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } .
4. ودلت هذه الآيات كذلك على أن الأمم لا تستمر حضارياً إن عتت باقتصادها ببطران المعيشة ، وتغيير نعم الله سبحانه وتعالى ، لأن ذلك مشعر ببوار هذه الأمم إلى يوم القيامة .
المطلب الثاني
مشاهد من يوم القيامة وتوبيخ المشركين على مزاعمهم
__________
(1) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 38 .

(2/8)


{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ } ( (1) ) .
المناسبة
بعد أن ردّ القرآن الكريم على حجج المشركين ، وبيَّن تهافتها بتأكيده على أن الأمن يكون بالقرب من الله ، وأن الخوف في البعد عنه ، يجول النص بهم جولة أخرى بعرض مشهد من مشاهد يوم القيامة وما يحصل فيه من الإهانة والتقريع والعذاب للمشركين حين يسألهم عدة أسئلة للتوبيخ والتأنيب :
السؤال الأول : { أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ؟
السؤال الثاني : { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } ؟
السؤال الثالث : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ } ؟
فأراد القرآن الكريم من خلال هذه الآيات أن يجسد حقيقية مهمة لعباده ، مفادها أن الخوف ينبغي أن يكون من الله ، فهو القاهر فوق عبادة ويبطل الخوف من غيره ، فما قدره الله كائن لا محالة ، وما لم يقدر لم يقع أبداً . إذن علام الخوف من المرض ، وعلام الخوف من الفقر، وعلامة الخوف من الموت إذا كان كلّ شي مقدر ومكتوب ؟
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 62 – 67 .

(2/9)


قال تعالى { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ( (1) ) .
تحليل الألفاظ
1. { تَزْعُمُونَ } :
الزَّعْم والزِّعم والزُّعْم ثلاث لغات القول زَعَمَ زَعْماً وزُعْماً و زِعْماً ، أي : قال . وقيل : هو القول يكون حقاً ويكون باطلاً .
وقال الليث : سمعت أهل العربية يقولون : إذا قيل : ذكر فلان كذا أو كذا ، فإنما يقال ذلك للأمر يستيقن أنه حق ، وإذا شك فيه فلم يدر لعله كذب أو باطل . قيل : زعم فلان . وقيل : الزعم الظن . وقيل : الكذب( (2) ) .
قال الراغب الأصفهاني : الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلين به( (3) ) .
2. { أَغْوَيْنَا } :
غَوَى الغَيَّ الظَّلال والخيبة . غَوَى بالفتح غَيَّاً وغَوِى غِوَايَة ، فعن أبي عبيد : ضلَّ ورجل غاوٍ وغَوٍ وغَوَى وغَيَّان ضَالّ وإِغْواء . قال ابن الإعرابي : الغَيّ الفساد( (4) ) .
قال الراغب الأصفهاني : " الغَيُّ جهل من اعتقاد فاسد "( (5) ) .
3. { تَبَرَّأْنَا } :
قال الراغب : برأ أصل البُرْء والبَراء والتَّبِّري مما يكره مجاوزته ولذلك . قيل : بَرَأْتُ من المرض ، وبَرَأتُ من فلان ، وتَبَرَّأتُ وأبْرَأتُه وأَبْرَأتُه من كذا ، وبَرَأتُه ، ورجل بَرِئ وقوم بُرَاء وبَرِيئُون ( (6) ) .
4. { فَعَمِيَتْ } :
__________
(1) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 175 .
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( زعم ) 12/ 264 .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 217 .
(4) لِسَان العَرَب : مَادة ( غوي ) 15 /140.
(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 380 .
(6) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 38 .

(2/10)


العمى : ذهاب البصر كله عَمِي يَعْمَى عَمَىً فهو أَعْمَى وأعْمَاي يعَامِي أعْمِياء ، وتعمَى في معنى عَمِيَ . قال الليث : رجل أعْمَى وامرأة عَمْياء ولا يقع هذا النعت على العين الواحدة لأن المعنى يقع عليها جميعاً ويقال : امرأتان عُمياً ونسوة عُمياً وقوم عُمي ، وتَعَامى الرجل أي أري من نفسه ذلك( (1) ) .
وقال الراغب : العَمَى في اقتضاء البصر والبصيرة ، ويقال في الأول : أعمى ، وفي الثاني أعمى وعمٍّ . وعَمِي عليه ، أي : أشتبه حتى صار بالإضافة إليه كالأعمى( (2) ) .
5. { الْمُفْلِحِينَ } :
الفَلح والفَلاح : الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير . قال الأزهري : إنما قيل لأهل الجنة مفلحون لفوزهم ببقاء الأبد( (3) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : الفلاح الظفر وإدراك بغية ، وذلك ضربان دنيوي وأخروي ، فالدنيوي الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا ، وهو البقاء والغنى والعز ، وفلاح أخروي وذلك أربعة اشياء بقاء بلا فناء ، وغنى بلا فقر ، وعز بلا ذل ، وعلم بلا جهل "( (4) ) .
القراءات القرآنية
1. { غَوَيْنَا } :
قرأ أبان عن عاصم وبعض الشاميين : ( غَوِينا ) بكسر الواو( (5) ) .
2. { يُنَادِيهِمْ } :
قرأ يعقوب : ( يناديهم ) بضم الهاء( (6) ) .
3. { فَعَمِيَتْ } :
وقرأ الأعمش ، وجناح بن حبيش ، وأبو زرعة ، وابن عمرو بن جرير بضم العين وتشديد الميم ( فَعُمَّيَتْ ) والمعنى أظلمت عليهم الأمور فلا يستطيعوا أن يخبروا بما فيه نجاة لهم( (7) ) .
4. { يَتَسَاءَلُونَ } :
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( عمي ) 150 /95 – 99 .
(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 361 .
(3) لِسَان العَرَب : مَادة ( فلح ) 2 /547 .
(4) معجم مفردات ألفاظ القرآن : 399.
(5) البَحْر المُحِيْط : 7 /128 .
(6) غيث النفع : ص 343 .
(7) المحرر الوجيز : 12 /180 . البَحْر المُحِيْط : 7/129 .

(2/11)


قرأ طلحة ( يسَّاءلون ) بإدغام التاء في السين ، أي : لا يسأل بعضهم بعضاً فيما يتحاجون به( (1) ) .
القضايا البلاغية
أولاً . أسلوب السخرية والتهكم في قول تعالى : { أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ( (2) ) .
ثانياً . تشيبه مرسل في قوله تعالى : { أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } ووجه الشبة في أنهم تلقوا الغواية من غيرهم فأفاد التشبيه أن المجيبين أغواهم مغوون قبلهم وهم يحسبون هذا الجواب يدفع التبعية عنهم( (3) ) .
ثالثاً . استعارة تصريحية( (4) ) تبعية في قوله تعالى : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ } أستعير العمى لعدم الاهتداء ، فهم لا يهتدون للأنباء ، ثم قلب للمبالغة فجعل الأنباء لا تهتدي إليهم وضمن معنى الخفاء فعدي بـ‍( على ) ففيه أنواع من البلاغة الاستعارة والقلب والتضمين ( (5) ) .
المعنى العام للآيات
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }
__________
(1) البَحْر المُحِيْط : 7 /129 .
(2) الكَشَّاف : 3 /187 .
(3) التحرير والتنوير : 2 /158 .
(4) الاستعارة التصريحية : ما صرّح فيها بلفظ المشبه به ، وذكر فيها شيء من لوازم المشبه . كقول الشاعر :
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
المشبه به : المستعار منه : الدقات القائمة والقول بمعنى الدلالة . والمشبه : المستعار : الشيء الدال . والجامع بينهما : إيضاح المراد من الحياة . والقرينة : نسبة القول إلى الدقات . و التبعية منها : هي ما يكون فيها اللفظ المستعار فعلا أو اسما مشتقا أو اسما مبهما أو حرفا . ينظر شرح التلخيص : 122 ، 144 . تنبيه الوسنان : ص 32 –33 .
(5) ينظر محاسن التأويل : 13/ 4719 . إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5 /366 .

(2/12)


قال أبو حيان : " يوم يناديهم الله ونداؤه إياهم يحتمل أن يكون بواسطة وبغير واسطة "( (1) ) .
وقال الثعالبي : " الضمير المتصل بـ‍( ينادي ) لعبدة الأوثان والإشارة إلى قريش وكفار العرب "( (2) ) .
{ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } . قال الرازي : " أين الذين ادعيتم ألهيتهم لتخلصكم ؟ أو أين قولكم تقربنا إلى الله زلفى ، وقد علموا أن لا اله إلا الله ، فيكون ذلك زائداً في غمهم إذا خوطبوا بهذا القول "( (3) ) .
وقال البقاعي : " ثم بين أنهم لا يستحقون هذا الاسم بقوله { الَّذِينَ كُنتُمْ } ، أي : كوناً أنتم عريقون فيه ( تزعمون ) ليدفعوا عنكم أو عن أنفسهم "( (4) ) .
{ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ }
" الشياطين وأئمة الكفر ورؤوسه و ( حق ) ، أي : وجب عليهم القول ، أي : مقتضاه( (5) ) ، وهو قوله تعالى: { لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ( (6) ) .
نلاحظ تكرار ( الذين ) :
أولاً : { الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } .
وثانياً : { قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ } .
ما الغرض من ذلك ؟
يجيبنا الآلوسي ـ رحمه الله ـ بقوله : " المراد بالموصول الشركاء والذين كانوا يزعمونهم شركاء من الشياطين ورؤساء الكفر وتخصيصهم بما في حيز الصلة مع شمول مضمونها الاتباع أيضاً لأصالتهم في الكفر واستحقاق العذاب ، والتعبير عنهم بذلك دون زعمهم شركاء لإخراج مثل عيسى وعزير والملائكة ـ عليهم السلام ـ لشمول الشركاء على ما سمعت له "( (7) ) .
__________
(1) البَحْر المُحِيْط : 7 /128 .
(2) الجواهر الحسان : 4 /278 .
(3) مفاتيح الغيب : 13/ 13 .
(4) نظم الدرر : 5/ 509 .
(5) ينظر الوسيط : 3 /405. البَحْر المُحِيْط : 7 /128.
(6) سُوْرَة هُوْد : الآية 119 .
(7) ?????????????????????????????

(2/13)


{ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا }
أي : ربنا أن هؤلاء الاتباع الذين أضللناهم أغويناهم باختيارهم كما غوينا نحن كذلك ، ولم يكن منا لهم إلا الوسوسة والتسويل لا القسر والإلحاد فهم كانوا مختارين حين اقدموا على تلك العقائد وهذه الأعمال وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر ، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل ، وما بعث إليهم من الرسل ، وأنزل عليهم من الكتب المشحونة والزواجر بالوعد والوعيد والمواعظ( (1) ) .
{ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } قال القرطبي : " أي : تبرأ بعضنا من بعض والشياطين يتبرؤون ممن أطاعهم والرؤساء يتبرؤون ممن قبل منهم "( (2) )
كقوله تعالى : { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ } ( (3) ) .
{ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } قال الزمخشري معناها : " إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم "( (4) ) .
وقال ابن عاشور : " ابتدءوا جوابهم بتوجيه النداء إلى الله بعنوان أنه ربهم ، نداء أريد منه الاستعطاف بأنه الذي خلقهم اعترافاً منهم بالعبودية وتمهيداً للتنصل من أن يكونوا هم المخترعين لدين الشرك "( (5) )
{ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } قال البقاعي : " وقيل : أي ثانياً للاتباع تهكماً بهم وإظهاراً للاستهانة لعجزهم الملزوم لتحسرهم وعظم تأسفهم ، وعبر بصيغة المجهول إظهاراً للاستهانة بهم "( (6) ) .
__________
(1) ?????????????????????????????????????????????????????????????
(2) ?????????????????????????????????????????????
(3) ??????????????????????????????????????
(4) ??????????????????????????
(5) ??????????????????????????????????
(6) ??????????الدرر : 5 /510.

(2/14)


{ فَدَعَوْهُمْ } قال أبو حيان :"هذا لسخافة عقولهم في ذلك الموطن لا يجيبهم".
وقال ابن عاشور : " والدعاء دعاء الاستغاثة حسب زعمهم أنهم شفعاؤهم عند الله في الدنيا "( (1) ) .
وقال الآلوسي : " لفرط الحيرة والإفلاس هناك طلب حقيقة الدعاء وقيل : دعوهم لضرورة الامتثال على أن هناك طلباً والغرض من طلب ذلك منهم تفضيحهم على رؤوس الأشهاد بدعاء من لا نفع له لنفسه "( (2) ) .
{ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } قال أبو السعود : " ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة "( (3) ) .
{ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } ، فكثير من المفسرين زعموا أن جواب ( لو ) محذوف وذكروا فيه وجوهاً :
أحدهما ـ قال الضحاك ، ومقاتل : يعني المتبوع والتابع يرون العذاب لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة .
ثانياً . لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق .
ثالثاً . ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون .
رابعاً . لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب .
خامساً . قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذ رأوا العذاب( (4) ) ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : { لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ } ( (5) ) .
فإن المراد به ـ والله اعلم ـ أن المشركين حينما يرون العذاب في الآخرة ، وأنه واقع بهم لا محالة ، وحاصل كما ذكره الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) لهم وحذرهم منه يتمنون لو أنهم كانوا مهتدين ، ولات حين مناص ، ولا يمكن أن يراد بالعذاب عذاب الدنيا كما قال ابن عاشور( (6) ) .
__________
(1) التحرير والتنوير : 20/160.
(2) روح المعاني : 2 /101 .
(3) إرْشَاد العَقل السَّلِيم : 7 /22 .
(4) مفاتيح الغيب : 13/9.
(5) سُوْرَة الشُّعَرَاءِ : الآية 201 .
(6) التحرير والتنوير : 20 /160- 161 .

(2/15)


وذلك لأننا إذا رجعنا قليلاً إلى الآيات التي قبل هذه ، فكلها تتحدث عن يوم القيامة قال تعالى : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ، أي : يوم القيامة يناديهم ثم ما يحصل من تبرأ بين الذين أتَبَعوا والذين أَتُبِعوا { رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } ، ثم يسألهم الله ليوبخهم ، ويبين لهم عدم قدرة من اتخذوهم آلهةً على نصرهم . فبعد أن سقطت كل حججهم ، وتبين لهم كم كانوا على ضلال ورأوا العذاب ، فتمنوا لو أنهم كانوا مهتدين مع من اهتدى .
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ } . قال القرطبي : " أي : يقول الله لهم ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين لما بلغوكم رسالاتي "( (1) ) .
{ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ } . قال الماوردي : فيها وجهان :
" الوجه الأول ـ الحجج ، قاله مجاهد .
الوجه الثاني ـ الأخبار ، قاله السدي "( (2) ) .
وقال ابن الجوزي : " سميت أنباء لأنها أخبار يخبرها "( (3) ) .
{ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ } نقل القرطبي عدة آراء للعلماء في معناها :
قال الضحاك : لا يسأل بعضهم بعضاً عن الحجج ، لأن الله أدحض حججهم .
وقال ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ : { لاَ يَتَسَاءَلُونَ } لا ينطقون بحجة .
وقيل : { لاَ يَتَسَاءَلُونَ } في تلك الساعة ولا يدرون ما يجيبون من هول تلك الساعة .
وقال مجاهد لا يتساءلون بالأنساب .
وحكى عيسى أنه لا يسأل بعضهم بعضاً أن يحمل من ذنوبه شيئاً(4) .
والذي أراه في ذلك هو رأي ابْن عَبَّاس لصوابه ودلالته على الحجة .
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5020.
(2) النُّكَت والعُيون : 3/ 235.
(3) زَاد المَسِيْر : 6/ 236 .
(4) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5020 .

(2/16)


{ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } { فَأَمَّا مَنْ تَابَ } ، أي : من الشرك { وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } جمع بين الإيمان والعمل الصالح { فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ } قال الآلوسي : " أي : الفائزين بالمطلوب عنده تعالى الناجين عن المهروب " ( (1) ) .
وقد ذكر العلماء في ( عسى ) وجوه ذكرها الرازي :
إنه من الكرام تحقيق والله اكرم الأكرمين .
أن يراد ترجي التائب وطمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح .
عسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة والإيمان لجواز أن لا يدوموا ( (2) ) .
وقال الطبري : " وعسى من الله واجب " ( (3) ) .
وابن كثير:" عسى من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضله ومنته لا محالة "(4) .
وقال ابن عطية : " وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه فضله وكرمه واللازم من ( عسى ) أنها ترجيه لا واجبة ، وفي كتاب الله تعالى : { عَسَى رَبُّهُ إِن
طَلَّقَكُنَّ } ( (5) ) "( (6) ) .
وقال الثعالبي : " معنى الوجوب الوقوع "( (7) ) .
وذكر ابن عاشور : " { فَعَسَى } ترج لتمثيل حالهم بحال من يرجى منه الفلاح . و { أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ } أشد في إثبات الفلاح ثم أن يفلح "( (8) ) .
وقال البقاعي : " وإنما يقطع له بالغلام وإن كان مثل ذلك في مجاري عادات الملوك قطعاً إعلاماً بأنه لا يجب عليه سبحانه شيء ليدوم حذره ويتقي قضاؤه وقدرة ، فإن الكل منه "( (9) ) .
ما يستفاد من النصّ
دلت الآيات السابقات على ما يأتي :
__________
(1) روح المعاني : 20 /103 .
(2) مفاتيح الغيب : 13 /10.
(3) جامع البيان : 10 /94 .
(4) تفسير القرآن العظيم : 3/ 397 .
(5) سُوْرَة التَّحْرِيمِ : الآية 5 .
(6) المحرر الوجيز : 12 /181 .
(7) الجواهر الحسان : 4/ 279 .
(8) التحرير والتنوير : 20 /164 .
(9) نظم الدرر : 5 /512 .

(2/17)


أولاً . هناك في الآيات نداءان ؛ النداء الأول لإثبات الألوهية لله وحده لا شريك له من خلال إخباره عز وجل عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم { أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ، وقوله تعالى : { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } .
ثانياً . النداء الثاني لإثبات النبوات من خلال قوله تعالى : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ } ، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم وكيف كان حالكم معهم ، وهذا كما يسئل العبد في قبره : من ربك ؟ ومن نبيك ؟ وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا اله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله . وأما الكافر فيقول : هاه ، هاه لا أدري . ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت ، لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً ، ولذا قال تعالى : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ } ( (1) ) .
ثالثاً . أجابت الآيات عن ما يتبادر من سؤال في الذهن وهو : ما حكم من تاب من المشركين( (2) ) ؟ بقوله تعالى : { فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ } .
وعطف الإيمان عليها لأن المقصود حصول إقلاع عن عقائد الشرك وإحلال عقائد الإسلام محلها ، ولذلك عطف عليه بقوله { وَعَمِلَ صَالِحًا } ، لأن بعض أهل الشرك كانوا شاعرين بفساد دينهم ، وكان يصدهم عن تقلد شعائر الإسلام أسباب مغرية من الأعراض الزائلة التي افتتنوا بها "( (3) ) .
فباب التوبة إذا مفتوح للمشركين ولغيرهم بهذه الشروط :
الندم بالقلب .
ترك المعصية في الحال .
العزم على ألا يعود إلى المعصية .
__________
(1) ينظر تفسير القرآن العظيم : 3 /397 .
(2) ينظر التحرير والتنوير : 20/ 163 .
(3) التحرير والتنوير : 20 /163 .

(2/18)


أن تكون التوبة خوفاً وحياءً من الله .
أن يكثر الاستغفار .
إعادة حقوق الناس إذا كان الأمر يتعلق بهم ، لأن الله تعالى لا يتخلى عن حقوق الآخرين( (1) ) .
قال تعالى : { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } ( (2) ) . وقال تعالى: { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } ( (3) ).

المطلب الثالث
الله وحده الخالق المتصرف العالم بمكنونات الأنفس
{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( (4) ) .
المناسبة
بعد أن بين جل وعلا فيما مضى من الآيات كيف تسقط في يوم القيامة من بين أيدي المشركين الكفرة أعذارهم ، ويتخلى عنهم من اعتقدوا في الدنيا أنهم ينصرونهم من دون الله ، فأظلمت في وجوههم الأمور وعميت عليهم الأنباء ، ثم ينتزع الله تعالى من الكفرة من تاب من كفره وآمن بالله ورسله وعمل بالتقوى ، فيرتجي رحمه الله وتوبته له ونعيمه المقيم في جناته ، ثم يأتي قوله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ليخبر بها أنه يختار من بين عباده رسلاً وأنبياء ، وليس لأحد من خلقه مثل ذلك( (5) ) .
__________
(1) ينظر التوابين . ابن قدامة المقدسي . الطبعة الأولى . بيروت ، لبنان . 1988 م : ص 320 .
(2) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 160 .
(3) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 222 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 68 –70.
(5) ينظر المحرر الوجيز : 12 / 181 .

(2/19)


وقال ابن عاشور : " وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله تعالى في خلق قلوب متفتحة للاهتداء ولو بمراحل وقلوب غير متفتحة له ، فهي قاسية صماء وأنه الذي اختار فريقاً على فريق "( (1) ) .
أسباب النزول
قوله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } :
اختلف المفسرون في سبب نزولها على قولين :
أولاً . أنه عني بذلك قوماً من المشركين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا : هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ، فنزل ذلك فيهم قاله ابن شجرة( (2) ) .
ثانياً . وقال جماعة من المفسرين : إنها نزلت جواباً للمشركين حين قالوا : { لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } ( (3) ) يعني الوليد بن المغيرة من أهل مكة ، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف( (4) ) .
تحليل الألفاظ
1. { يَخْلُقُ } :
الخالق هو الله تعالى ، والخلق في كلام العرب : ابتداع الشيء على مثال لم تسبق إليه ، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه . وقال أبو بكر الأنباري : الخلق في كلام العرب على وجهين أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه والآخر التقدير .
وقال ابن سيده : خلق الله الشيء يخلقه خلقاً أحدثه بعد أن لم يكن( (5) ) .
وقال الراغب : " الخلق أصله التقدير المستقيم ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا اقتداء "( (6) ) .
2. { الْخِيَرَةُ } :
__________
(1) التحرير والتنوير : 20 /164 .
(2) النُّكَت والعُيون : 3 /236 .
(3) سُوْرَة الزُّخْرُفِ : الآية 31 .
(4) ينظر المحرر الوجيز : 12 /181. لُبَاب التَأَوْيِل : 3 /439 .
(5) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( خلق ) 10 /75 .
(6) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 158 .

(2/20)


قال الراغب : " الخبر الفاصل المختص بالخير يقال : ناقة خِيَار وجمل خِيَار و اسْتَخَار الله العبد فَخَارَ له ، أي : طلب منه الخير فأولاه ، وخَابَرت فلاناً كذا فَخِرتَه . والخِيَرَة الحالة التي تحصل للمتَخَيّر والمُخْتَار نحو القِعْدة والجِلْسَة لحال القاعد والجالس "( (1) ) .
3. { تُكِنُّ } :
" كنت الكِنّ والكِنَّة والكِنَان : وقاء كل شيء وستره . والكِنّ البيت أيضاً والجمع أَكْنَان ، وأَكِنَّه وكَنَّ الشيء يَكُنَّه كَنَّا وكُنُوناً وأَكَنَّه وكَنَّنَه ستره "( (2) ) .
قال الراغب : " الكِنُّ ما يحفظ فيه الشيء يقال : كَنْنَت الشيء كِنًّا جعلته في كِنٍّ ، وخصّ كَنْنت بما يُستر ببيت أو ثوب وغير ذلك من الأجسام . وأَكْنَنْت بما يستر في النفس قال تعالى : { أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ } ( (3) ) "( (4) ) .
القراءات القرآنية
1. { وَيَخْتَارُ } :
قال القرطبي : " الوقف التام على ( ويختار ) ( (5) ) . وقال علي بن سليمان : هذا الوقف التام "( (6) ) .
2. { تُكِنُّ } :
وقرأ ابن محيصن بفتح التاء وضم الكاف ( تكن ) ( (7) ) .
3. { تُرْجَعُونَ } :
قرأ يعقوب بفتح التاء وإسكان الراء وكسر الجيم ( تَرْجِعون ) ( (8) )
القضايا البلاغية
__________
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 165 .
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( كنن ) 13/ 360 .
(3) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 235 .
(4) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 459 .
(5) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5021 .
(6) صفوة التفاسير : 2/ 443 .
(7) البَحْر المُحِيْط : 7/130.
(8) إتحاف فضلاء البشر : ص 343 .

(2/21)


أولاً . الإدماج( (1) ) في قوله تعالى : { لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ } فإن هذه الآية أدمجت فيها المبالغة في المطابقة لأن انفراده سبحانه بالحمد في الآخر ، وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه مبالغة في وصف ذاته بالانفراد والحمد ، وهذه وإن خرج الكلام مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيها حقيقة في الباطن لأن أولى بالحمد في الدارين ورب الحمد والشكر والثناء الحسن في المحلين حقيقة وغيره من جميع خلقه إنما يحمد في الدنيا مجازاً وحقيقة حمده راجعه إلى ولي الحمد سبحانه(2).
ثانياً . الطباق بين ( تكن ـ ويعلنون ) ، وبين ( الأولى ـ والآخرة ) وهو من المحسنات البديعة( (3) ) .
المعنى العام للآيات
{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ }
قال ابن عاشور المعنى : إن الله يخلق من يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ، ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار ، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله ، وليس يرسل من اختاروه هم "( (4) ) .
وقيل : هو جواب لليهود إذ قالوا : لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به . قال ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ : يخلق ما يشاء من خلقه ويختار من يشاء لنبوته .
وقال النقاش : يخلق ما يشاء من خلقه يعني محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ويختار الأنصار لدينه( (5) ) .
__________
(1) الإدماج : هو أن يتضمن الكلام معنيين : معنى مصرح به ، ومعنى مشار إليه ، ينظر الصناعتين : ص 423 .
(2) ينظر التحرير والتنوير : 20 /168 . إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5 /366.
(3) ينظر المصدران أنفسهما .
(4) التحرير والتنوير : 20/ 164 .
(5) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5021 .

(2/22)


وقال ابن عطية : " ويحتمل أن يريد ؛ ويختار الله تعالى الأديان والشرائع وليس لهم الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام في العبادة . ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى : { سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } "( (1) ) .
قال الزمخشري : " والمعنى الخيرة لله تعالى في أفعاله ، وهو أعلم بوجود الحكمة فيها ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه . وقيل : يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح وهو أعلم بصالحهم من أنفسهم "( (2) ) .
{ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }
قال الزمخشري : " أي : الله برئ من إشراكهم وما يحملهم عليه من الجرأة على الله واختيارهم عليه ما لا يختار "( (3) ) .
{ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }
أي " ما يكنون ويخفون في صدورهم من الاعتقادات الباطلة ، ومن عداوتهم لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ونحو ذلك { وَمَا يُعْلِنُونَ } ، وما يظهرونه من الأفعال الشنيعة والطعن فيه ( - صلى الله عليه وسلم - ) وغير ذلك ، ولعله للمبالغة في خباء باطنهم لأن ما فيه مبدأ لما يكون في الظاهر من القبائح لم يقل ما يكنون كما قيل ما يعلنون "( (4) ) .
وذكر الرازي أن الثواب غير واجب عليه ، بل هو سبحانه يعطيه فضلاً وإحساناً ، فله الحمد في الآولى والآخرة ، ويؤكد ذلك قول أهل الجنة : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } ( (5) ) .
أما المعتزلة فعندهم الثواب مستحق ، فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة ، وأما أهل النار فما أنعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم .
__________
(1) المحرر الوجيز : 12 /181 .
(2) الكَشَّاف : 3 /188 –189.
(3) المصدر نفسه : 3 /189 .
(4) روح المعاني : 20 /106 .
(5) سُوْرَة فَاطِرِ : الآية 34 .

(2/23)


وقيل : إنه يستحق الحمد والشكر من أهل النار . وأيضاً بما فعله بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله عليهم من أن يوجب الشكر .
وقال الرازي : وهذا فيه نظر لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا بالضرورة أن التوبة عن القبائح يجب على الله قبولها ، وعلموا بالضرورة أن الاشتغال بالشكر الواجب عليهم يوجب على الله الثواب وهم قادرون على ذلك وعالمون بأن ذلك مما يخلصهم عن العذاب ويدخلهم في استحقاق الثواب ، أفترى أن الإنسان مع العلم بذلك والقدرة عليه يترك هذه التوبة ؟ كلا بل لا بد أن يتوبوا ، وأن يشتغلوا بالشكر ومتى فعلوا ذلك بطل العقاب( (1) ) .
{ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
قال ابن عاشور : " له القضاء ، وهو تعيين نفع أو ضر للغير وحذف المتعلق بالحكم لدلالة قوله تعالى : { فِي الآولَى وَالآخِرَةِ } عليه أي : له الحكم في الدارين . والاختصاص مستعمل في حقيقته ومجازه ، لأن الحكم في الدنيا يثبت لغير الله على المجاز ، وأما الحكم في الآخرة فمقصور على الله ، وفي هذا إبطال لتصرف آلهة المشركين فيما يزعمونه من تصرفاتها ، وإبطال لشفاعتها التي يزعمونها "( (2) ) .
{ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قال الرازي : " إلى محل حكمه وقضائه ترجعون "( (3) ) .
ما يستفاد من النصّ
__________
(1) ينظر مفاتيح الغيب : 13 /12 .
(2) التحرير والتنوير : 20 /168 .
(3) مفاتيح الغيب : 13/12.

(2/24)


أولاً . دلت الآيات على الاختيار الدال على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته ، فلا أحد يشاركه في اختياره ، ولا فيما يفضله جل وعلا ، فخلق الخلق ، وجعل الأفضلية من بين خلقه للإنسان على كثير ممن خلق تفضيلاً قال تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } ( (1) ) . ويهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء ذكوراً ، قال تعالى : { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير ٌ } ( (2) ) .
__________
(1) سُوْرَة الإِسْرَاءِ : الآية 70.
(2) سُوْرَة الشُّورَى : الآيتان 49 – 50 .

(2/25)


واختار من بين عبادة رسلاً وأنبياء ، واختار منهم سيدنا محمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) لختم الرسل والأنبياء وجعل رسالته خاتمة الرسالات وفضله على جميع الأنبياء والرسل قال تعالى : { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ } ( (1) ) . واختار من بين الأيام يوم النحر كأفضل يوم عند الله ، واختار من بين الشهور شهر رمضان ، واختار من أفضل الليالي ليلة القدر ، واختار يوم الجمعة كأفضل يوم من أيام الأسبوع ، واختار البلد الحرام من بين الأمكنة ليكون مكاناً لبيته الحرام ، واختار السموات السبع ، واختار العليا منها فجعلها مستقراً للمقربين من ملائكته وأسكنها من يشاء من خلقه ، فلا أحد له حق الاعتراض على ما فضل ، وليس من واجبه معرفة السر في التفضيل والاختيار( (2) ) .
__________
(1) سُوْرَة الإِسْرَاءِ : الآية 55 .
(2) ينظر محاسن التأويل : 13/ 4722 .

(2/26)


ثانياً . أشارت الآية إلى سنة ( الاستخارة ) التي علمها رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) لأصحابه الكرام ، قال بعض العلماء : لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك ، بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ( (1) ) ، وفي الركعة الثانية { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ( (2) ) ، واختار بعض المشايخ أن يقرا في الركعة الأولى { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ } ( (3) ) ، وفي الركعة الثانية { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } ( (4) ) ، وكلٌ حسن ، ثم يدعو بهذا الدعاء بعد السلام .
وهو ما أخرجه البخاري ، والترمذي ، والبيهقي من حديث جابر (- رضي الله عنه -) ( (5) ) .
__________
(1) سُوْرَة الكافرون : الآية 1 .
(2) سُوْرَة الإخلاص : الآية 1.
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 68 .
(4) سُوْرَة الأَحْزَابِ : الآية 36 .
(5) صَحِيْح البُخَارِي : باب ما جاء في التطوع 1 /391 رقم ( 1109 ) . سنن الترمذي : 2 /345 . السنن الكبرى ( البيهقي ) : 3/ 52 .

(2/27)


قال : (( كان رسول اللّه ( - صلى الله عليه وسلم - ) يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن ، يقول: إذَا هَمَّ أحَدُكُمْ بالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ ، ثُمَّ لِيَقُلِ : اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ ، وأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ ، وَأسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ ، فإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ ، وَتَعْلَمُ وَلا أعْلَمُ ، وأنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ خَيْرٌ لي فِي دِيني وَمَعاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي ، أو قال : عاجلِ أمْرِي وآجِلِهِ ، فاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لي ، ثُم بارِكْ لي فِيهِ ، وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذَا الأمْرَ شَرٌّ لي في دِينِي وَمعاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي ، أو قال : عاجِلِ أمْرِي وآجِلِهِ ، فاصْرِفْهُ عَنِّي ، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ ، قال : ويُسمِّي حاجَتَهُ )) .
وعن سعد بن أبي وقاص ( - رضي الله عنه - ) : قال رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( مِنْ سَعَادَةِ ابنِ آدَمَ اسْتِخَارَته الله ، وَمِنْ شَقَاوَته تَرْكُهُ ))( (1) ) .
__________
(1) نوادر الأصول في أحاديث الرَسُوْل . مُحَمَّد بن عَلِيّ بن الحَسَن أبو عَبْد الله الحكيم الترمذي . من علماء القرن الثالث الهجري . تحقيق : د . عَبْد الرَّحْمَن عميرة . دار الجيل . بيروت . ط1 . 1992 م . : 2 /107. المسند للشاشي . الهيثم بن كليب الشاشي أبو سعيد . ت 335 هـ . تحقيق : د . محفوظ الرَّحْمَن زين الله . مَكْتَبَة العُلُوْم والحكم . المدينة المنورة . ط1 . 1410 هـ . : 1 /224. مجمع الزوائد : 2 /279. وقال الحافظ الهيتمي : وفيه محمد بن أبي حميد وقال ابن عدي ضعفه بين على ما يرويه وحديثه مقارب

(2/28)


قال العلماء : ينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون حائلا إلى أمر من الأمور . فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه فإن الخير فيه أن شاء الله ( (1) ) .
المطلب الرابع
دلائل قدرة الله عز وجل في سورة القصص وتأكيد توبيخ المشركين على مزاعمهم
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ( (2) ) .
المناسبة
لما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الإجمال بقوله : { وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الآولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ، فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه ما لا يقدر عليه سواه( (3) ) ، فقال لرسوله : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5023. الجواهر الحسان : 4 /280 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيات 71 – 75 .
(3) ينظر مفاتيح الغيب : 13 /12.

(2/29)


وقال البقاعي : " ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام ، وأنه الإله وحدوا أو ألحدوا هذه الأعلام على هذا النظام أقام دليلاً على ذلك كله بما اجتمع فيه
من العلم والحكمة وتمام القدرة منبهاً على وجوب حمده مفصلاً لبعض ما يحمد عليه "( (1) ) .
وقال ابن عاشور : " بعد أن تم الاستدلال بما سبق من الآيات على انفراده بالإلهية بصفات ذاته إلى الاستدلال على ذلك ببديع مصنوعاته ، وفي ضمن هذا الاستدلال إدماج الامتنان على الناس وللتعريض بكفر المشركين جلائل نعمه "( (2) ) .
فنلاحظ الترابط والتلازم بين الآيات القرآنية ، وهو وجه من وجوه الإعجاز القرآني .
تحليل الألفاظ
1. { سَرْمَدًا } :
قال ابن منظور : السَّرْمَد دوام الزمان من ليل أو نهار . قال الزجاج : السرمد الدائم( (3) ) . وقال الزمخشري : " والسرمد الدائم المتصل من السرد وهو المتابعة ، ومنه قولهم في الأشهر الحرم : (( ثلاثة سرد وواحد فرد )) ( (4) ) . والميم زائدة ووزنه فعمل ( (5) ) .
وقال قسم من العلماء أن الميم أصلية ووزنه فعلل ، لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر( (6) ) .
2. { تَسْكُنُونَ } :
__________
(1) نظم الدرر : 20 /168 .
(2) التحرير والتنوير : 20 /168 .
(3) لِسَان العَرَب : مَادة ( سرمد ) 3/200 .
(4) لم اقف عليه في كتب الحديث . وقد رواه المفسرون ينظر الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 3 /45. تفسير القرآن العظيم : 2 /356. وينظر أيضاً شرح النووي على صحيح مسلم : 11 /168. فَتْح البَاري : 2/ 315.
(5) الكشاف : 3/ 189 .
(6) ينظر إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5 / 367 .

(2/30)


السُّكُون ضد الحركة سَكَنَ الشيء يَسْكُن سُكُوناً ، إذا ذهبت حركته وأَسْكَنه هو وسَكَّنَه غيره تَسْكِيناً ، وكل ما هَدَأ فقد سَكَنَ كالريح والحر والبرد ونحو ذلك . وسَكَن الرجل سَكَت . وقال أبو العباس في قوله تعالى : { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم } ( (1) ) ، قال : إنما الساكن من الناس والبهائم ، والبهائم خاصة وقال ابن الأعرابي : معناه وله ما حل في الليل والنهار( (2) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : " السكون ثبوت الشيء بعد تحرك ويستعمل في الاستيطان نحو سكن فلان مكان كذا ، أي : استوطن ، واسم المكان مسكن ، والجمع مساكن "( (3) ) .
3. { وَنَزَعْنَا } :
" نَزَع الشيء يَنْزَعُه نَزْعَاً فهو مَنْزُوع ونَزِيْع وانْتَزَعَه فانْتَزَعَك اقتلعه فاقتلع . وفرّق سيبويه بين نَزَع وانْتَزَع فقال : انْتَزَع اسْتَلَب ونَزَعَ : حوَّل الشيء عن موضعه ، وإن على نحو الاستلاب نَزَع الأمير العامل من عمله أزاله "( (4) ) .
وقال ابن عاشور : " النَّزْع جذب شيء من بين ما هو مختلط به ، واستعير هنا لإخراج بعض من جماعة ، كما في قوله تعالى : { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا } ( (5) ) "( (6) ) .
4. { شَهِيدًا } :
__________
(1) سُوْرَة الأَنْعَامِ : الآية 13.
(2) ينظر لِسَان العَرَب : مَادة ( سكن ) 13/ 211 .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 242 .
(4) لِسَان العَرَب : مَادة ( نزع ) 8/ 349-351 .
(5) سُوْرَة مَرْيَمْ : الآية 69 .
(6) التحرير التنوير : 20/ 172 .

(2/31)


الشَّهيد من أسماء الله عز وجل الأمين في شهادته . وقيل : الشهيد الذي لا يغيب عن علمه شيء . وقال ابن ميسره : الشاهد العالم الذي يبين ما علمه ، والجمع أشهاد وشهود وشهيد والجمع شهداء والشهادة ، خبر قاطع تقول منه : شهد الرجل على كذا ، وقال أبو العباس : شهد الشاهد عند الحاكم بيَّن ما يعلمه وأظهره( (1) ) .
وقال الراغب : " الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة أما بالبصر وأما بالبصيرة "( (2) ) .
5. { بُرْهَانَكُمْ } :
" البرهان بيان للحجة ، وهو فعلان مثل الرُّجْحان والثُّنْيان ، وقال بعضهم : وهو مصدر بَرَه يَبَرَه إذا أبْيَّض . ورجل أَبَرَه وامرأة بَرْهَاء ، وقوم بُرْه . وبَرهَرْهَة شابة بيضاء ، والبُّرْهَان أوكد الأدلة ، وهو الذي يقتضي الصدق أبداً لا محالة "( (3) ) .
وقال ابن منظور : " البرهان بيان الحجة واتضاحها "( (4) ) .
القراءات القرآنية
1. { أَرَأَيْتُمْ } :
قرئت بثلاث قراءات :
أ . بتسهيل الهمزة بين بين ( نافع ، وأبو جعفر ، والازرق ، وورش ) .
ب . بإبدالها ألفاً ممدودة ( الازرق ، وورش ) .
ج‍ . بحذفها وليس بحذف قياسي ( الكسائي )( (5) ) .
2. { بِضِيَاءٍ } :
قرا ابن كثير : ( بِضَأء ) بهمزتين ، وقرأها كذلك قنبل. وروى ابن فليح ، والبزي عن ابن كثير بغير همز ، وهو الصواب( (6) ) .
3. { جَعَلَ لَكُمْ } :
قرأ بالإدغام الكبير( (7) ) .
القضايا البلاغية
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( شهد ) 3/ 238-239 .
(2) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 276 .
(3) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 42- 43 .
(4) لِسَان العَرَب : مَادة ( بره ) 13/ 476 .
(5) الحجة في علل القراءات : 5 /425. الكشاف : 3/ 189 . روح المعاني : 20/ 106 . معجم القراءات القرآنية : 5/ 33 .
(6) الحجة في علل القراءات : 5/ 425 .
(7) غيث النفع : ص 317. معجم القراءات القرآنية 5/ 33

(2/32)


1 . ( المناسبة ) ( (1) ) في قوله تعالى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا } إلى قوله تعالى : { أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } ، فإنه سبحانه وتعالى لما أسند جعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة لنفسه ، وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال : { أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } ، لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار لعدم نفوذ البصر في الظلمة . ولما أسند جعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة لنفسه كأن لم يخلق فيه ليل ألبتة ، قال في فاصلة هذه الآية : { أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } لمناسبة ما بين النهار والإبصار( (2) ) .
__________
(1) المناسبة : مرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينهما عام أو خاص ، عقلي أو حسي أو خيالي أو غير ذلك من أنواع علاقات التلازم الذهني من السبب والمسبب ، والعلة والمعلول ، وفائدته جعل أجزاء كلام بعضها آخذاً ببعض . معترك الأقران : 1 /57 .
(2) ينظر الكشاف : 3/ 369 . إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5/ 369 .

(2/33)


2 . ( اللف والنشر )( (1) ) في قوله تعالى : { وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ، قال الزمخشري : " زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة : لتسكنوا في أحدها وهو الليل ، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار ، ولإرادة شكركم ، وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذانا بأن لا شيء أجلب الغضب الله من الإشراك به ، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده " ( (2) ) .
__________
(1) اللف والنشر : هو لف الخبرين المختلفين ثُمَّ رمي تفسيرهما جملة ثقة بأن السامع يرد إلى كلّ خيره ، الكامل في اللغة والأدب ، المبرد ، أبو العباس محمد بن يزيد النحوي ، ت 285 هـ ، تحقيق : مُحَمَّد أبو الفضل إبراهيم . الطبعة الرابعة . مَكْتَبَة الخانجي بالقاهرة . 1987 م . : 1 /112.
(2) ينظر الكشاف : 3/189 . التحرير التنوير : 20/ 171 .

(2/34)


3 . صحة المقابلات( (1) " فقد جاء الليل والنهار في صدر الكلام وهما ضدان ، وجاء السكون والحركة في عجزه وهما ضدان ، ومقابلة كل طرف منه بالطرف الآخر على الترتيب ، وعبر سبحانه عن الحركة بلفظ الإرداف ، فاستلزم الكلام ضرباً من المحاسن زائداً على المقابلة ، والذي أوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل كون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة ، وابتغاء الفضل حركة للمصلحة دون المفسدة ، وهي اشتراك الإعانة بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل ، وسلامة الحس ، ويستلزم إضاءة الطرف الذي تلك الحركة المخصوصة واقفة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب ويتقي أسباب المعاطب . والآية سيقت للاعتداد بالنعم ، فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه وتابعه ليتم حسن البيان ، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح التي لو عدد بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة ، فحصل بهذا الكلام بهذا السبب عدة ضروب من المحاسن ، ألا تراه سبحانه جعل العلة في وجود الليل والنهار حصول منافع الإنسان حيث قال : ( لتسكنوا )
و ( لتبتغوا ) بلام التعليل ، فجمعت هذه الكلمات المقابلة والتعليل الإشارة والإرداف والائتلاف وحسن النسق وحسن البيان لمجيء الكلام فيها متلاحماً آخذة أعناق بعضه ببعض ثم اخبر بالخبر الصادق أن جميع ما عدد من النعم التي هي من لفظي الإشارة والإرداف بعض رحمته حيث قال بحرف التبعيض ( ومن رحمته ) وكل هذا في بعض آية
__________
(1) صحة المقابلات : هو عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي ، فإذا أتى في صدره بأشياء قابلها في عجزه بأضدادها أو بأغيارها من المخالف أو المواقف على الترتيب بحيث يقابل الأول بالأول والثاني بالثاني ولا يحرم من ذلك شيئاً في المخالف والمواقف ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة ، ينظر نقد الشعر : ص 154. إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5/ 370.

(2/35)


عدتها إحدى عشرة لفظة "( (1) ) .
4. التفسير( (2) ) : في قوله تعالى : { وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } " من هنا للسبب ، أي : وبسبب رحمته إياكم جعل لكم الليل والنهار ، ثُمَّ علل جعل كل واحد منها ، فبدأ بعلة الأول وهو ( الليل ) ، وهو ( لتسكنوا فيه ) ، ثم بعلة الثاني وهو ( ولتبتغوا من فضله ) ثم بما يشبه العلة لجعل هذين الشيئين وهو ( لعلكم تشكرون ) ، أي : هذه الرحمة والنعمة "( (3) ) .
المعنى العام للآيات
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ }
أي ( قل ) يا محمد لأهل مكة ( أرأيتم ) اخبروني إن جعل الله عليكم الليل سرمداً بأن يسكن الشمس تحت الأرض إلى يوم القيامة ، لا نهار معه ، فمن إله غير الله يأتيكم بنور تطلبون فيه المعيشة ، ونهار تبصرون فيه ، ( أفلا تسمعون )، أي : سماع فهم وقبول ، فتستدلوا بذلك على وحدانية الله تعالى( (4) ) .
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ }
قال أبو السعود : " بإسكانها في وسط السماء ، أو بتحريكها على مدار فوق الأفق ، من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه "( (5) ) .
__________
(1) ينظر إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5 /370 –371 .
(2) التفسير : هو البيان والكشف والتصريح ضد الإبهام . أنوار الربيع : 6/123.
(3) البحر المحيط : 7/ 30 .
(4) ينظر الوسيط : 3 /406. لُبَاب التَأَوْيِل : 3 /439. حاشية الصاوي : 3 /225.
(5) إرْشَاد العَقل السَّلِيم : 7/ 23. وينظر أيضاً زاد المسير : 6/ 238 .

(2/36)


قال الزمخشري : " فإن قلت : هلا قيل : بنهار تتصرفون فيه كما قيل : بليل تسكنون فيه ؟ قلت : ذكر الضياء ـ وهو ضوء الشمس ـ لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في المعاش وحده ، والظلام ليس بتلك المنزلة ، ومن ثم قرن بالضياء ( أفلا تسمعون ) ، لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده ، وقرن بالليل ( أفلا تبصرون ) لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون "( (1) ) .
{ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
قال ابن كثير في معنى : { وَمِنْ رَحْمَتِهِ } بكم { جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ } ، أي : خلق هذا وهذا( (2) ) .
وقال الخازن : " يتعاقبان بالظلمة والضياء و { لِتَسْكُنُوا فِيهِ } ، أي الليل { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } ، أي : بالنهار "( (3) ) .
{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } قال البيضاوي : " لكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها "( (4) ) .
وقال الخازن : " وقيل : إن من نعمة الله تعالى على الخلق أن جعل الليل والنهار يتعاقبان ، لأن المرء في حال الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى التعب ليحصل ما يحتاج إليه ، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار ، ولأجله يحصل الاجتماع ، فتمكن المعاملات . ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالراحة والسكون بالليل ، فلا بد منهما "( (5) ) .

{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }
__________
(1) الكشاف : 3/ 189 . البحر المحيط : 7/ 130 .
(2) تفسير القرآن العظيم : 3/ 398 .
(3) لُبَاب التَأَوْيِل : 3/ 439 .
(4) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل : 2/ 233 .
(5) لُبَاب التَأَوْيِل : 3/ 439 . الفُتُوحَات الإِلَهِية : 3/ 759 .

(2/37)


" نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهاً آخر يناديهم الرب على رؤوس الأشهاد { أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ، أي : في دار الدنيا "( (1) ) .
{ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا }
أي : أخرجنا من كلّ أمة رسولها الذي يشهد عليها بالتبليغ( (2) ) .
{ فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ }
" قال مجاهد : حجتكم بما كنتم تعبدون . وقال مقاتل : حجتكم بأن معي شريكاً "( (3) ) .
{ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ }
نقل الماوردي في معناها ثلاثة أوجه :
أولاً ـ العدل لله .
ثانياً ـ التوحيد لله ، قاله السدي .
ثالثاً ـ الحجة لله ، قاله ابن جبير( (4) ) .
{ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }
" أي:وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع من ألوهية غير الله والشفاعة لهم"(5) .
ما يستفاد من النصّ
دلت الآيات فيما دلت عليه على الإعجاز العلمي في تكوين الليل والنهار :
1 . دلت الآيات على أن الله جعل ليل ونهار { وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
فأشارت الآية إلى أن قسم من الناس عليهم ليل يسكنون فيه ، والقسم الآخر من الكرة الأرضية المواجه للشمس عليهم نهار يبتغون فيه من فضل الله ، وتدور الأرض ويصبح أهل النهار عليهم ليل يسكنون فيه بعد نهار من التعب والعمل ، وأهل الليل يكون عليهم نهار للعمل والابتغاء من فضل الله بعد أن أخذوا قسطاً من الراحة استعداداً لليوم التالي ، ودل على أن الأرض كروية .
__________
(1) تفسير القرآن العظيم : 3 /398 .
(2) زَاد المَسِيْر : 6 /238 .
(3) النُّكَت والعُيون : 3 /236 .
(4) المصدر نفسه : 3 /236 .
(5) مَدَارِك التَّنْزِيل : 3/ 344 .

(2/38)


2 . يفهم من تقديم الليل على النهار في قوله تعالى : { أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } . وقوله تعالى : { وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ } على أن النهار انما ينسلخ من الليل كما دل على ذلك قوله تعالى { وَآيَةٌ لَّهُمْ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } ( (1) ) ، ولقد كشف العلم الحديث أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان ، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض ، ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة التي كانت متكونة بسبب انعكاسات الأشعة القادمة من الشمس على الجزيئات الموجودة في الهواء مما يسبب النهار فيحدث بهذا الدوران سلخ النهار من الله( (2) ) .
__________
(1) سُوْرَة ( يس ) : الآية 37 .
(2) ينظر شبكة الانترنيت موقع(
gogele ) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ، عبد المجيد الزناداني .

(2/39)


3 . أطلق القرآن الكريم على ما تصدره الشمس من أشعة ضياء قال تعالى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } ، وأطلق على ما يصدره القمر نوراً { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا } ( (1) ) ، فأكثر القواميس لا تفرق بين الضوء والنور ، بل يعدهما البعض مرادفين لمعنى واحد ، وفي الحقيقة أن هناك فرق كبير بين اللفظيين ، فكما معروف أن مصادر الضوء تقسم على نوعين : مصادر مباشرة كالشمس والنجوم ، ومصادر غير مباشرة كالقمر والكواكب ، فهذه الأخيرة تستمد نورها من الشمس ثم تعكسه علينا ، فعلى هذا فأن الأشعة التي تأتي من مصدر ضوئي مباشر تسمى ( الضوء ) ، والتي تأخذ من مصدر غير مباشر بـ‍( النور ) ( (2) ) .
4 . أشارت الآيات كذلك إلى الفوائد الكثيرة التي لا تحصى لأشعة الشمس ، ومنها :
أ . يقول الدكتور ( بنتلي ) عميد كلية الطب بكلكتا أن الشمس تسبب زيادة سكان الممالك أو نقصها كما تسبب نمو المحصولات أو ضعفها( (3) )
ب . وأجمع الأطباء على أن ضوء الشمس يجب أن يتخلل جميع حجرات المنزل حتى تقتل الحيوانات الذرية بل أن الأمر فوق ذلك ، فكثير من المدارس في ألمانيا تعرض التلاميذ لأشعة الشمس بين فترة وأخرى لفوائدها الكبيرة لجسم الإنسان( (4) ) .
ج‍ . وإن الشمس بها يكون البخار فيصير سحاباً فمطراً فيكون النبات والحيوان .
د . أن أشعة الشمس مصدر مهم للطاقة في العصر الحديث يستخدم للإنارة ، وتسيير السيارات من خلال خزن الضوء في ألواح زجاجية بلورية وتوليد الطاقة منها .
__________
(1) سُوْرَة يُوْنِسَ : الآية 5 .
(2) انظر شبكة الانترنيت موقع (
gooele ) الإعجاز العلمي في القرآن .
(3) تفسير الجواهر : 13/ 58 - 64 .
(4) المصدر نفسه : 13/ 64 .

(2/40)


5 . دل قوله تعالى : { أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } .
أ . على أهمية النوم لجسم الإنسان بعد ساعات العمل التي استقر فيها جميع أعضاء الجسد والتي تحتاج إلى الراحة لتبدأ نهاراً جديداً .
ب . ونستدل من جعل الليل للسكون على أهمية العتمة والظلام للنائم .

المطلب الأول
وعد الله الرسول بالنصر ورحمة الله على مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) بإرساله بالقرآن
{ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ } ( (1) ) .
المناسبة
قال تعالى في الآيات التي سبقت هذه الآية : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( (2) ) .
فقال البقاعي : " ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره وأثبت الجزاء فيها ، وأن العاقبة للمتقين أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة فقال مستأنفاً مقرراً مؤكداً لما تقرر في أذهانهم في إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه ( - صلى الله عليه وسلم - ) من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها ( (3) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 85 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 83 –84 .
(3) نظم الدرر : 5/ 529 .

(2/41)


فنلاحظ أن الَقُرْآن جعل البشارة بالآخرة في الآيات التي سبقت هذه الآيات للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ، وفي هذه الآية جعلت البشارة لهم في الدنيا بالتمكين في الأرض بعد أن نوهت إلى هذا التمكين في الآيات السابقات ، بقوله : { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } فيتبين بذلك الترابط بين الآيات ، ودلالة بعضها على بعضها الآخر .
أسباب النزول
{ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ }
ذكر القرطبي عن مقاتل : خرج النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) من الغار ليلاً مهاجراً إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب ، فلما رجع الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها ، فقال له جرير : إن الله يقول : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ … } ، أي : إلى مكة ظاهراً عليها( (1) ) .
وفي الخازن : " قال ابن عباس إلى مكة أخرجه البخاري( (2) ) عنه "( (3) ) .
وقال ابن كثير بعد أن أورد رواية ابن أبي حاتم عن الضحاك : " وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان جميع السورة مكية "( (4) ) .
ونقل القرطبي رواية عن ابن عباس بقوله : نزلت هذه الآية بالحجة ( (5) ) ليست مكية ولا مدنية ( (6) ) .
والذي أراه أن هذه الآية ما دامت نزلت بالجحفة وهو ( - صلى الله عليه وسلم - ) متوجه إلى المدينة ، وهو إليها أقرب أن تكون مدنية استناداً إلى القاعدة في المكي والمدني .
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5037
(2) صَحِيْح البُخَارِي : باب إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد : 4/ 1790 رقم ( 4495 ) .
(3) لُبَاب التَأَوْيِل : 3/ 433
(4) تفسير القرآن العظيم : 3/ 403
(5) الجحفة ك موضع بين مكة والمدينة وهي ميقات أهل الشام ينظر حاشية الشيخ زاده : 3/ 524.
(6) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6/ 5037 .

(2/42)


تحليل الألفاظ
1. { فَرَضَ } :
" فَرَضْت الشيء أفْرِضُه فَرْضَاً وفَرَّضُته للتكثير أوجبته "( (1) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : " الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه ، كفرض الحديد ، وفرض الزند والقوس ، والفرض كالإيجاب لكن الإيجاب يقال اعتباراً بوقوعه وثباته ، والفرض بقطع الحكم فيه . قال تعالى : { سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا } ( (2) ) ، أي : أوجبنا العمل بها عليك . وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ } ( (3) ) ، أي : أوجب عليك العمل به ، ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النفقة : فرض "( (4) )
2. { لَرَادُّكَ } :
" الرد صرف الشيء ورجعه ، والرَّدُّ مصدر رددت الشيء . ورده عن وجهه يرده رداً ومرداً وترداداً : صرفه وهو بناء للتكثير " ( (5) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : " الرد صرف الشيء بذاته أو بحالة من أحواله يقال : ردتته فارتد "( (6) ) .
وقال ابن عاشور : " الرد إرجاع الشيء إلى حاله أو مكانه "( (7) ) .
3. { مَعَادٍ } :
المعاد المصير والمرجع . والآخرة معاد الخلق . وقوله تعالى : { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } ، يعني إلى مكة عدة للنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن يفتحها له . وقال الفراء :" { إِلَى مَعَادٍ } حين ولدت ، والمعاد هنا إلى عادتك حيث ولدت وليس من العود "( (8) ) .
__________
(1) لِسَان العَرَب : مَادة ( فرض ) 7/202 .
(2) سُوْرَة النُّوْرِ : الآية 1 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 85 .
(4) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 390 .
(5) لِسَان العَرَب : مَادة ( كثر ) 3/ 172 .
(6) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 197 .
(7) التحرير والتنوير : 20 /192 .
(8) لِسَان العَرَب : مَادة ( عود ) 3/ 317 .

(2/43)


وقال الراغب : " العود الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه إما انصرافاً بالذات ، أو بالقول والعزيمة . والمعاد يقال للعود وللزمان الذي يعود فيه ، وقد يكون للمكان الذي يعود إليه " ( (1) ) .
القراءات القرآنية
{ يُلْقَى } :
قرأ حمزة ، والكسائي ، وورش بالإمالة( (2) ) ، وليس للإمالة ها هنا أي دلالة في توجيه المعنى .
القضايا البلاغية
قال الزمخشري : " سر التنكر( (3) ) في قوله تعالى { إِلَى مَعَادٍ } قيل : المراد به مكة ، ووجهه أن يراد رده إليها يوم الفتح ، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معاداً له شان ، ومرجعاً له اعتداد ، لغلبة رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) عليها وقهره لأهلها ، ولظهور عز الإسلام وأهله ، وذل الشرك وحزبه ( (4) ) .
وقال ابن عاشور: " والتنكير في ( معاد ) للتعظيم كما يقتضيه مقام الوعد والبشارة وموقعها بعد قوله تعالى : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } ، أي : إلى معاد أي معاد . فتنكير( معاد ) أفاد أنه عظيم الشان ، وترتبه على الصلة أفاد أنه لا يعطى لغيره مثله ، كما أن القرآن لم يفرض على أحد مثله ( (5) ) .
المعنى العام
{ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ }
أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به ( (6) ) . وقد نقل ابن الجوزي ثلاثة أقوال في معنى قوله تعالى : { فَرَضَ عَلَيْكَ } :
__________
(1) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 219.
(2) معجم القراءات القرآنية : 5/ 35 .
(3) التنكر : هو نقيض المعرفة وخلافها ، وما دلّ على شيء لا يعينه . الطراز المتضمن لأسرار البلاغة و عُلُوْم حقائق الإعجاز . تَأَلِيْف يحيى بن حمزة بن عَلِيّ العلوي اليمني ( 669 – 749 ) هـ . انتشارات طهران . 1385 ش . ق . : 2 /11 .
(4) الكشاف : 3/ 193-194 . التحرير والتنوير : 20/ 192 .
(5) التحرير والتنوير : 20/ 192 .
(6) إرْشَاد العَقل السَّلِيم : 7 /28 .

(2/44)


أحدهما ـ فرض عليك العمل بالقرآن ، قاله عطاء بن أبي رياح ، وابن قتيبة .
الثاني ـ أعطاك القرآن ، قاله مجاهد .
الثالث ـ أنزل عليك القرآن ، قاله مقاتل ، والفراء( (1) ) .
{ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ }
نقل الماوردي فيها خمسة أوجه :
أحدهما ـ إلى مكة ، قاله مجاهد ، والضحاك ، وابن جبير ، والسدي .
الثاني ـ إلى بيت المقدس ، قاله نعيم القارئ .
الثالث ـ إلى الموت ، قاله ابن عباس ، وعكرمة .
الرابع ـ إلى يوم القيامة ، قاله الحسن .
الخامس ـ إلى الجنة ، قاله أبو سعيد الخدري ( (2) ) .
وقال الشيخ زاده : إن ( معاد ) هاهنا بمعنى المصير والمنقلب ، لا بمعنى المتبادر منه وهو المكان الذي يكون المرء مدة فيه ، ثُمَّ يرجع إليه بعد أن فرق عنه ، لأنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) لم يكن في ذلك المقام مدة حتَّى يعود إليه( (3) ) .
والذي أراه هاهنا أن المقصود بالمعاد ( مكة المكرمة ) لأن سياق الآية ، وما ورد في ذلك من الآراء يعضد الرأي القائل بذلك .
{ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ }
قال الرازي : " ووجه تعلقه بما قبله أن الله تعالى لما وعد رسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) الرد إلى معاد قال : { قُلْ } للمشركين { رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى } يعني : نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والاعتزاز بالإعادة إلى مكة { وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ } يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم ( (4) ) .
ما يستفاد من النصّ
أولاً . دلت الآية على معجزة من معجزات الَقُرْآن ، وهي إخباره عن الغيب باعتبار ما سيكون . وهي البشرى بدخول مكة ، وذلك في وقت كان يتم فيه استضعاف المسلمين .
__________
(1) زَاد المَسِيْر : 6 /250 .
(2) النُّكَت والعُيون : 3 /241 .
(3) حاشية الشيخ زاده : 3 /524 .
(4) مفاتيح الغيب : 13 /23 .

(2/45)


ثانياً . يمكن أن نستدل من هذه الآية على أن النصر هو للإسلام وللقرآن ، مهما كثر أعداؤهما وأنها أحد المبشرات بانتصار الإسلام والمسلمين ، فالذي أنزل القرآن ونصر الإسلام والمسلمين في الجيل الأول سينصر دينه وجنده على أعداءه في كلّ زمان ومكان .
ولكن النصر مشروط باتباع الهدى { إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ } ( (1) ) .
المطلب الثاني
عدم جواز مظاهرة الكافرين
{ وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } ( (2) ) .
المناسبة
بعد قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ } ، وما عطف عليها وما تخلل بينها مما اقتضى جميعه الوعد بنصره وظهور أمره وفوزه في الدنيا والآخرة ، وأنه جاء من الله إلى قوم في ضلال مبين ، وأن الذي رحمه فأتاه الكتاب على غير ترقب منه لا يجعل أمره سدى ، فأعقب ذلك بتحذيره من أذى مظاهرة المشركين "( (3) ) .
تحليل الألفاظ
{ ظَهِيرًا } :
" استظهر به أي استعان ، وظهرت عليه أعنته ، وظهر عليّ أعانني وكلاهما عن ثعلب . وتظاهر فلان فلاناً عاونه ، والمظاهرة المعاونة ، والظهير العون الواحد والجمع في ذلك ، وإنما يجمع ظهير لأن فعيلاً وفعولاً قد يستوي فيه المذكر والجمع "( (4) ) .
القراءات القرآنية
1. { فَلاَ تَكُونَنَّ } :
قرأ ابن مسعود ( فلا تجعلنَّ ) ( (5) ) .
2. { لِلْكَافِرِينَ } :
قرأ كلّ من أبي عمرو ، وورش بالإمالة( (6) ) .
القضايا البلاغية
__________
(1) سُوْرَة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) : الآية 7 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 86 .
(3) التحرير والتنوير : 20 /195 .
(4) لِسَان العَرَب : مَادة ( ظهر ) 4/ 252 .
(5) مختصر شواذ القراءات : ص 113 .
(6) غيث النفع : ص 318 .

(2/46)


قال الشيخ زاده : " { وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ } في معنى من يلقي إليك ، عبر عنه بقوله : { وَمَا كُنتَ تَرْجُوا } للمبالغة فإن نفي رجاء الإلقاء أبلغ من نفي الإلقاء ، فكأنه قيل : وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة ، أي : في حال كونه رحمة ، أو إلا لأجل رحمة ، فيكون الاستثناء متصلاً مفرغاً ، ويكون المستثنى منه أعم الأحوال أو العلل ، ولا يجوز أن يكون الاستثناء باعتبار اللفظ لأنه إذا قيل : ما كنت ترجوه إلا رحمة ، لزم أن يكون ـ عَلَيْه الصَلاة والسَّلام ـ راجياً أن يلقى إليه الكتاب لأجل الرحمة ، وظاهر أنه ـ عَلَيْه الصَلاة والسَّلام ـ لم يكن راجياً له أصلاً "( (1) ) .
قوله تعالى : { يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ } فيه استعارة ، وذلك أن معنى إلقاء الكتاب وحيه به إليه ، أطلق عليه اسم الإلقاء على وجه الاستعارة( (2) )
{ فَلاَ تَكُونَنَّ } قال ابن عاشور : " فإن فعل الكون لما وقع في سياق النهي ، وكان سياق النهي مثل سياق النفي ، لأن النهي أخو النفي في سائر تصاريف الكلام ، كان وقوع فعل الكون في سياقه مفيداً في تعميم النهي عن كلّ كون من أكوان المظاهرة للمشركين( (3) ) .
المعنى العام
{ وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ }
قال أبو حيان : " هذا تذكير لنعمه تعالى على رسوله ، وأنه تعالى رحمه رحمة لم يتعلق بها رجاؤه . وقيل : بل هو متعلق بقوله : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } وأنت بحال من لا يرجو ذلك ( (4) ) .
{ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ }
__________
(1) حاشية الشيخ زاده : 3/ 524 .
(2) التحرير والتنوير : 20 /194 .
(3) التحرير والتنوير : 20 / 195 .
(4) البَحْر المُحِيْط : 7 / 136 .

(2/47)


قال القرطبي : " أي عوناً ومساعدة " ( (1) ) .
وقال ابن عاشور : " تعميم النهي عن كون كلّ من أكوان المظاهرة للمشركين ، والمظاهرة المعاونة ، وهي مراتب أعلاها النصرة ، وأدناها المصافحة والتسامح ، لأن في المصافحة على المرغوب إعانة لراغبه " ( (2) ) .
ما يستفاد من النصّ
هناك معانٍ جليلة يمكن أن نستنبطها من هذه الآية ، لأهميتها القصوى في هذه المرحلة الحرجة والمعقدة من حياة المسلمين ، فبعد أن ابتعد المسلمون عن منهج الله وتفرقوا ، تكالب الأعداء عليهم ، واستلبوا حقوقهم و‘إرادتهم ، نصَّبوا على كثير من البلاد الإسلامية ولاة أذناباً للأجنبي وللكافرين ، فحرفوا منهج الله فقادوا شعوبهم إلى الذل والتخاذل ، فأجبروا شعوبهم على تقديم المعاونة لأعداء الله ، بل وحتى القتال معهم جنباً إلى جنب ، فكلنا يذكر أن قسماً من الدول العربية والإسلامية قاتلت مع أمريكا في حربها الظالمة ضد العراق بفتوى باطلة أصدرها بعض علماء السلاطين .
وفي أفغانستان ذلك البلد المسلم الفقير بكل شيء إلا من إيمانهم بالله جل وعلا قام قسم من ولاة المسلمين بفتح قواعده للطائرات الأمريكية الغازية للتزود بالوقود ولضرب الشعب الأفغاني المسلم ، وقسم اخر قام بمعاونة الأعداء سراً عن طريق تزويده بالمعلومات الاستخبارية عن المجاهدين الأفغان .
سنجعل من قوله تعالى : { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } منطلقاً للإجابة عن سؤال في غاية الأهمية ، هو : ما الحكم الشرعي فيمن يعين دولة أجنبية على دولة إسلامية بما يكون سبباً في سفك دماء المسلمين أو إتلاف ديارهم وأموالهم ؟
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5037 .
(2) التحرير والتنوير : 20/ 195 .

(2/48)


إن ظاهر سياق الآية الكريمة { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } جاءت في سياق التوجيهات الإلهية للرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) والمقصود بها أمته ( - صلى الله عليه وسلم - ) لأنه حاشا لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن يظاهر الكافرين .
إن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أولياء بعضهم للبعض الأخر ، وحذر كلّ التحذير من موالاة أعداء الإسلام ، وجعل الولاء والبراء شرط في الإيمان كما قال تعالى : { تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } ( (1) )
وعدَّ الرَّسُول ( - صلى الله عليه وسلم - ) الولاء والبراء من أوثق عرى الإيمان كما قال ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله )) ( (2) ) وهذا من دليل الكمال في آفاق النص القرآني بمعناه العام والخاص .
وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ( (3) ) .
__________
(1) سُوْرَة المَائِدَة : الآية 80 –81 .
(2) مسند الإمام أحمد : 4 /286 . مجمع الزوائد : 1 /89 وقال الهيتمي : رواه أحمد ، وفيه ليث بن أبي سليم ضعفه الأكثر .
(3) سُوْرَة المَائِدَة : الآية 51 .

(2/49)


فمن حارب الإسلام خفيةً أو ظاهراً منفرداً أو مع جماعة فهو عدو المسلمين ، وكل من أعانه من المسلمين فهو مرتد قال تعالى : { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } ( (1) ) ، فقد نفى الله جل وعلا الإيمان نفياً مطلقاً عن الذين يوادون من حاد الله ورسوله . وقال تعالى: { لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ } ( (2) ) .
فالآية تكشف عن تلك النوايا الخبيثة وتحارب الجرائم التي تنال من جسم الأمة وتفتك بقوتها والولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم ونصرتهم والنصح لهم والدعاء لهم والسلام عليهم وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم وإعانتهم والرحمة بهم .
والبراءة من الكفار تكون ببغضهم ديناً ، ومفارقتهم وعدم الركون إليهم والحذر من التشبه بهم ، وتحقيق مخالفتهم شرعاً ، ولما كانت موالاة الكفار تقع على شُعب متفاوتة وصور مختلفة ، لذا فإن الحكم فيها ليس حكماً واحداً ، فإن من هذه الشُّعب والصور ما يوجب الردة ونقض الإيمان بالله ، ومنها ما هو دون ذلك من المعاصي( (3) ) .
الإجماع ، أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تحريم معاونة الكافرين بأي شكل من أشكال المعاونة للأدلة التي سقناها فيما مضى :
__________
(1) سُوْرَة المُجَادَلَةِ : الآية 22.
(2) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 28 .
(3) رسالة الولاء والبراء. عبد العزيز القحطاني . الطبعة الأولى . دار الدعوة للنشر والتوزيع . 1998 م . : ص 3 – 7 .

(2/50)


فقد انعقدت ندوة لواء الإسلام( (1) ) بدار لواء الإسلام في مساء الثلاثاء 16 من جمادى الأولى 1376 هجرية الموافق 18 من ديسمبر 1956 م بحضور مجموعة كبرى من علماء الأزهر ، وهم كلّ من : أحمد حمزة ، صبري عابدين ، أمين عز العرب ، عبد العزيز عامر ، سليمان العقاد ، مصطفى زيد ، سليم أبو العز ، مرسي عَبْد الله الصديق العماري ، مُحَمَّد سيد جاد الحق ، فهمي خالد مسعود ، مُحَمَّد سابق ، مُحَمَّد البنا ، مُحَمَّد أبو زهرة مُحَمَّد توفيق عربة ، مُحَمَّد علي شتا . وبدأت الندوة بمناقشة ( الحكم الشرعي فيمن يعين دولة أجنبية على دولة مسلمة ) فأجمعوا على تحريم أية معاونة للكافرين على المسلمين باعتبار من فعل ذلك تجري عليه أحكام المرتدين .
وقد أجمع( (2) ) علماء العراق المجتمعون في مقر منظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي ببغداد في صبيحة الثلاثاء الموافق 29 رجب 1422 هجرية الموافق 16 تشرين الثاني 2001 م ، وحضره كبار علماء العراق ؛ على أنه لا يجوز شرعاً وبإجماع الأمة أن يكون المسلمون عوناً للكافرين تحت أية ذريعة وعلى وفق أي شعار ، فلا يجوز لأي مسلم أو مؤسسة تسهيل مهمة العدوان للطاغوت الأمريكي الصهيوني على أمتنا العربية الإسلامية وعلى أية دولة من دولها أو فرد من أفرادها سواء ذلك بالتسهيلات العسكرية أو المعلومات أو فتح القواعد العسكرية أو الأجواء أو الممرات البحرية أو تقديم عون وجهد للعدوان وإن من فعل ذلك يعد خائناً ويعد ناقضاً من نواقض الإيمان العشرة ، وإن جهاد الكفار ومقاومة العدوان الأمريكي الصهيوني وتحالفه الصميمي فرض على كلّ مسلم وبالأدوات والوسائل كافة ، وجهاده دين وشريعة ، وهذا ما قالته نصوص الشريعة وأدلتها ، والتي منها :
__________
(1) جريدة ندوة لواء الإسلام : ص 619 –623 .
(2) جريدة الرأي عدد 130 .

(2/51)


أولاً ـ قوله تعالى : { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } ( (1) ) .
ثانياً ـ ويثبت الَقُرْآن الكَرِيم أنه لا ولاية للكافر على المسلم { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } ( (2) ) .
ثالثاً ـ كما يثبت الَقُرْآن الكَرِيم أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض
{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } ( (3) ) .
رابعاً ـ وقال ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم ، أدناهم يد على من سواهم )) ( (4) ) .
المطلب الثالث
الدعوة إلى وحدانية الله وعدم الإشراك به شيئاً
{ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( (5) ) .
المناسبة
__________
(1) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ : الآية 92 .
(2) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 141 .
(3) سُوْرَة التَّوْبَةِ : الآية 71 .
(4) سنن ابن ماجه : 2 /895 . المستدرك على الصحيحين : 2 /153 ولم يعلق الحاكم عليه . مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه . أحمد بن أَبِي بكر بن إسماعيل الكناني . ( 762 ـ 840 ) . تحقيق : مُحَمَّد المنتقى الكشناوي . دار العربية . بيروت . ط2 . 1403 هـ . : 3 /134 وقال : إسناده ضعيف لضعف حنش واسمه حسين بن قيس . وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب ( - رضي الله عنه - ) .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 87 – 88 .

(2/52)


بعد أن ذكَّر الله جَلَّ وَعَلا رسوله الكريم ( - صلى الله عليه وسلم - ) بنعمه عليه بقوله : { وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } أمره الله بخمسة أشياء :
أولاً ـ { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } .
ثانياً ـ { وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } .
ثالثاً ـ { وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } .
رابعاً ـ { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } .
خامساً ـ { وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .
قال البقاعي : " ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضاً عن الأوامر ، وإن كان المتواني مجتهداً في العمل قال مؤكداً تنبيهاً على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء ( ولا يصدنك ) ، أي : الكفار بمبالغتهم في الإعراض "( (1) ) .
أسباب النزول
نقل السيوطي في الدَّرُّ المَنْثُوْرُ عن ابن المنذر عن ابن جريج ( - رضي الله عنه - ) قال : لما نزلت { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } ( (2) ) قالت الملائكة : هلك أهل الأرض ، فلما نزلت : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } ( (3) ) قالت الملائكة: هلك كل نفس ، فلما نزلت :
{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ } ( (4) ) قالت الملائكة : هلك أهل السماء وأهل الأرض .
__________
(1) نظم الدرر : 5/ 531.
(2) سُوْرَة الرَّحْمَنِ : الآية 26 .
(3) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 18 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .

(2/53)


وذكر السيوطي والآلوسي عن ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } قال : لما نزلت قيل : يا رسول الله فما بال الملائكة ؟ فنزلت :
{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ } فبين في هذه الآية فناء الملائكة والثقلين من الجن والإنس وسائر عالم الله وبريته من الطير والوحش والسباع والأنعام ، وكل ذي روح أنه هالك ميت( (1) ) .
تحليل الألفاظ
1. { يَصُدُّنَّكَ } :
الصَّدُّ : الإِعْراضُ والصُّدُوف . صَدَّ عنه يَصِدُّ و يَصُدُّ صَدّاً و صُدُوداً : أَعرض . ورجل صادٌّ من قوم صُدُّادٍ ، وامرأَة صادَّةٌ من نِسوة صَوادَّ و صُدادٍ أَيضاً . ويقال : صدّه عن الأَمر يَصُدُّه صَدّاً منعه وصرفه عنه( (2) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : " الصدود والصد قد يكون انصرافاً عن الشيء وامتناعاً ، نحو : { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا } ( (3) ) ، وقد يكون صرفاً ومنعاً نحو :
{ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } ( (4) ) " ( (5) )
2. { هَالِكٌ } :
الهَلْكُ : الهلاك . قال أَبو عبيد : يقال الهَلْك والهُلْكُ ؛ هَلَكَ يَهْلِكُ هُلْكاً وهَلْكاً وهَلاكاً : مات . وقال أبو بكر : قد يجوز أن يكون ماضي يهلك هلك ، كعطب فاستغنى عنه ، يهلك وبقيت يهلك دليلاً عليها( (6) ) .
وقال الراغب الأصفهاني : " الهلاك على أربعة أوجه :
افتقاد الشيء عنك ، وهو عند غيرك موجود كقوله تعالى : { هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ } ( (7) ) .
__________
(1) الدَّرُّ المَنْثُوْرُ : 6 /447. روح المعاني : 20 /131.
(2) لِسَان العَرَب : مَادة ( صدد ) 3 /245 .
(3) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 61 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 87 .
(5) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 283 .
(6) لِسَان العَرَب : مَادة ( هلك ) 10 /503 –504 .
(7) سُوْرَة الحَاقَّة : الآية 29.

(2/54)


وهلاك الشيء باستحالة وفساد كقوله : { وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ } ( (1) ) . ويقال: هلك الطعام .
والثالث : الموت كقوله : { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ } ( (2) ) .
والرابع : بطلان الشيء من العالم وعدمه رأساً ، وذلك المسمى فناء المشار إليه بقوله : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ } ( (3) ) "( (4) ) .

القراءات
1. { يَصُدُّنَّكَ } :
قرأ يعقوب ( يَصُدَّنْكَ ) مجزوم النون . وقرئت ( يُصِدَّنَّك ) من أصده بمعنى صده وهي لغة في كلب( (5) ) .
2. { تُرْجَعُونَ } :
قرأ يعقوب ، وعيسى: (تَرْجِعون) بفتح التاء وإسكان الراء وكسر الجيم( (6) ) .
القضايا البلاغية
الاستعارة في قال تعالى : { يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ } إلقاء الكتاب وحيه إليه ، أطلق عليه اسم الإلقاء على وجه الاستعارة( (7) ) .
الاستعارة : { لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } الرجوع مستعمل في معنى أخر الكون على وجه الاستعارة ، لأن حقيقة الانصراف إلى مكان قد فارقه فاستعمل في مصير الخلق ، وهو البعث بعد الموت ، شبه برجوع صاحب المنزل إلى منزله ووجه الشبه الاستقرار والخلود( (8) ) .
المجاز المرسل في قوله تعالى : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ } أي : إلا إياه من ذكر بعض الكلام وإرادة الكل ، وقد جرت عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة( (9) ) .

المعنى العام
__________
(1) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 205 .
(2) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 176 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .
(4) معجم مفردات ألفاظ القرآن : ص 542 .
(5) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5038 . البَحْر المُحِيْط : 7/ 137 .
(6) البَحْر المُحِيْط : 7 /137 .
(7) المحرر الوجيز : 12 /197 .
(8) إعراب القرآن وبيانه وصرفه : 5 /369 .
(9) المصدر نفسه : 5 /396 .

(2/55)


{ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ }
قال القرطبي : " يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم ، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك .
وقال الضحاك : وذلك حين دعوه إلى دين آبائه ، أي : لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن إلى قولهم فيصدونك عن اتباع آيات الله "( (1) ) .
{ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ }
قال ابن عاشور : " هذا النهي موجه إلى النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) في الظاهر والمقصود به إبطال الشرك وإظهار ضلال أهله إذ يزعمون أنهم معترفون بألوهية الله تعَاَلىَ ، وأنهم إنما اتخذوا له شركاء وشفعاء ، فبين أن الله لا إله غيره ، وأن انفراده بالألوهية في نفس الأمر يقضي بطلان الإشراك في الاعتقاد ولو أضعف إشراك"(2) .
{ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ }
قال أبو السعود ـ رَحِمَه الله ـ : " هذا وما قبله للتهييج والإلهاب وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم وإظهار أن المنهي عنه في القبح والشريّة بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدروه عنه أصلاً "( (3) ) .
{ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ }
قال الطبري : " لا معبود تصلح له العبادة إلا الله الذي كلّ شيء هالك إلا وجهه "( (4) ) .
{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ }
قال البيضاوي : " فإن ما عداه ممكن هالك في ذاته معدوم "( (5) ) .
__________
(1) الجَامِع لأِحْكَام القُرْآن : 6 /5038 .
(2) التحرير والتنوير : 20 /197 .
(3) إرْشَاد العَقل السَّلِيم : 7 /28 .
(4) جامع البيان : 10 /119 .
(5) أَنْوَارُ التَّنْزِيْل : 2 /225 .

(2/56)


وقال الشيخ زاده في تفسير قول البيضاوي : " فإن الممكن لما استفاد الوجود من الخارج كان الوجود له كالثوب المستعار بالنسبة إلى الفقر ، فكما لا يخرج الفقير باستعارة ذلك الثوب من الغني عن كونه فقيراً في حد ذاته ، فكذا الممكنات لا تخرجن عن كونها هالكة عارية عن الوجود في حد نفسها ، فظهر بهذا أن كلّ ما سواه من الممكنات هالك في الحال "( (1) ) .
وهذه الآية من متشابه الَقُرْآن الكَرِيم وهي من الآيات التي وقف عندها المفسرون .
{ لَهُ الْحُكْمُ }
أي " القضاء النافذ في خلقه ، وقيل : الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره "( (2) ) .
{ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
" أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم "( (3) ) .
ما يستفاد من النصّ
وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } صحيح أن هذه الآيات في ظاهرها موجه للرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) لكنها تشمل كل من يتصدى للدعوة ، لأن وظيفة الرسل والأنبياء هي وظيفة الدعاة تبليغ الدعوة وإرشاد الناس إلى طريق الهداية ، وعلى هذا فأن المطلوب من الدعاة القيام بواجب تبليغ الدعوة إلى الناس على أحسن ما يكون التبليغ وليس عليهم مسؤولية رفض الناس لدعوتهم كما ليس عليهم إجبارهم . قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ } ( (4) ) .
__________
(1) حاشية الشيخ زاده : 3 /524 .
(2) مجمع البيان : 7 /270 .
(3) لُبَاب التَأَوْيِل : 3 /444 .
(4) سُوْرَة يُوْنِسَ : الآية 108 .

(2/57)


ضرورة الصبر للدعاة ، فالصبر من أهم عوامل نجاح الدعاة في مهماتهم لأنهم يواجهون الناس بدعوتهم التي تخالف أهواءهم وانحرافهم وغالباً ما يقابلونها بالرفض والإنكار وإيذاء الدعاة ، ولهذا أمر الله رسوله الكريم ( - صلى الله عليه وسلم - ) بالصبر على عناد وأذى المشركين وتكذيبهم له وإصرارهم على الشرك وطعنهم بالقرآن وبث الشبهات الباطلة في طريق الدعوة ، وأمره الله جل وعلا في سورة القصص إلى عدم الالتفات إلى هذه الشبه بقوله تعالى : { وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } . وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صبره مستجيباً لأمر الله تعالى : { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } ( (1) ) .
أكد في قوله تعالى : { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ } على مبدأ الولاء والبراء عند الدعاة والذي سبق أن بينه في قوله تعالى : { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ } . " فالولاء هو الإسلام وأهله ، والبراء من الشرك وأهله ، وهكذا يكون الولاء والبراء عند الدعاة إلى الله ، فولاءهم للإسلام ومعانيه ولمن يؤمن به ويدعو إليه ، والبراء من كل شيء يخالف الإسلام قولاً وعملاً واعتقاداً وأشخاصاً يحملون هذه المخالفات "( (2) ) .
على الدعاة واجب أساسي وهو الدعوة إلى التوحيد الخالص لله جلا وعلا وحده لا شريك له والدعوة إلى تحكيم شرع الله في الأرض . وأن لا تشغله الدنيا بما فيها من زخارف وشهوات وملذات عن هذا الهدف السامي لأن المال والجاه والمنصب يفنى ولا يبقى إلا ما كان خالصاً لله جل وعلا . { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .

المطلب الرابع
__________
(1) سُوْرَة الأَحْقَافِ : الآية 37 .
(2) المستفاد من قصص القرآن : 2 /78 .

(2/58)


شخصية الرسول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) من خلال سورة القصص
لا بد لنا أن نفهم أن لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) صورة مصورة في سورة القصص كانت ذات دلالات متعددة في مبناها ومعناها من خلال تصويرها الإلهي له ( - صلى الله عليه وسلم - ) وللمؤمنين الذين سيقرأون القرآن الكريم وقد كان تحليلنا في هذا المطلب لهذه الصورة منصباً على إدراك التفصيلات القرآنية ( الكلية والجزئية ) لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) من خلال مواطن ذكره في سورة القصص ، ونحن واجدون في سورة القصص إلحاحاً على تأسية رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بما جرى لرسل الله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ من قبله وخصوصاً نبي الله موسى ( - عليه السلام - ) الذي كانت السورة كلها تقريباً مخصصة له ( - عليه السلام - ) . وهذا ما نلاحظه في مثل قوله تعالى : { نَتْلُوا عَلَيْكَ } ، فإن دلالتها الخاصة والعامة كانت على أن إخبار رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بما جرى في آيات الكتاب المبين إنما هو لحكمة إلهية وسر رباني .

(2/59)


ثم إن تسلية رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) جاءت بمعنى متجدد شمولي { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } فتوالي الأفعال ( نمن ، نجعلهم ، نجعلهم ) وإسنادها إلى الله سبحانه وتعالى مشعر بأن الخطاب موجه لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) الذي كان يوم أنزلت عليه هذه السورة مستضعفاً في الأرض مع أصحابه ـ عليهم الرضا والرضوان ـ فهو جانب يصور لنا جانباً من شخصية رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في سورة القصص ، وجانباً آخر هو ما نلاحظه في قوله تعالى : { إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فهذه الآية هي حديث إخبار عن رد موسى ( - عليه السلام - ) إلى أمه ونجد جوانباً من تشبيه رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بموسى في خروج رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) إلى المدينة المنورة مهاجراً { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } ( (1) ) ، وهذا من بديع البلاغة القرآنية في تصوير الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بأجمل وأكمل الأوصاف .
ونجد وحدة الرسالة في قوله تعالى مخاطباً موسى ( والخطاب لمحمد ) ـ عليهما الصلاة والسلام ـ وهو قوله عزَّ وجلَّ فيها { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ( (2) ) ، وهذا يرد على اليهود الذين فرقوا بين الرسل وجعلوا إلههم مختلفاً عن إله العالمين إذ جعلوا أنفسهم شعبه المختار .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 18 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 30.

(2/60)


ونرى تشابهاً في شخصية رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في سورة القصص بينه وبين موسى - عليه السلام - في كونها رميا جميعاً بالسحر { قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } ( (1) ) ،
{ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } ( (2) ) وهو عين ما رمت به قريش رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
ونلاحظ أن ما فعله الله عزَّ وجلَّ بفرعون في قوله تعالى : { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } ( (3) ) هو عين ما جازى الله به كفار قريش يوم بدر إذ ألقاهم في يم الصحراء مع جنودهم ، { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } ( (4) ) ، وهذا من عجيب الاتفاق الإلهي والله تعالى يخاطب رسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بلفظ الأمر { فَانظُرْ } للدلالة العامة في لفظ الأمر .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 36 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 48 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 40.
(4) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 123 .

(2/61)


وتبدو لنا شخصية رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في سورة القصص واضحة كل الوضوح في قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } ( (1) ) ، { وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَن } ( (2) ) ، لأن ذلك الإخبار الإلهي يدل على صدق رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في كل ما أخبر به عن موسى ( - عليه السلام - ) في سورة القصص مما لم يكن موجوداً عنده وقومه ولا يعلمه في زمنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) إلا اليهود من أهل الكتاب الأول . ويصدق ذلك قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } ( (3) ) ، أما قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( (4) ) ، فهو دال على أن رسالة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) إنما كانت عامة عالمية بعد أن ينذر قومه الذين لم يأتيهم نذير ولا رسول لعلهم يتذكرون ، فقال الله عزَّ وجلَّ في إرساله رسوله مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) كما أرسل موسى يوم الطور الذي لم يكن رسول الله
( - صلى الله عليه وسلم - ) بالطبع موجوداً يومه .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 44 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 45 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 44 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 46 .

(2/62)


ثم ذكر الله عزَّ وجلَّ جانباً من منته على قريش قوم رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بقوله عز من قائل : { وَلَوْلاَ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاَ فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ( (1) ) ، وهذه الآية موضحة لعموم السنة الإلهية وفضل الوجود النبوي في قومه ، وأما قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } ( (2) ) وهذا من بليغ كفر قريش ، ثم بين الله أن مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) جاء بالحق من عنده جل جلاله ، وواسى الله عزَّ وجلَّ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقوله : { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } ( (3) ) ، وفي هذا الخطاب الرقيق الحكيم كل الدلالة على صدق رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في دعوته وفي رغبته بإيمان عامة قومه وعامة العالم لقوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ } ( (4) ) ، { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ( (5) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 47 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 48 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 50 .
(4) سُوْرَة سَبَأ : الآية 28 .
(5) سُوْرَة الأنْبِيَاءِ : الآية 107 .

(2/63)


وتتضح بعض جوانب شخصيته رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بقوله تعالى : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ( (1) ) ، وفي ذلك بيان كافٍ شافٍ في أن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) كان يتمنى هداية بعض من يحبهم فبين الله عزَّ وجلَّ له أن الهداية بيده وحدة تعالى . ونجد كذلك شخصية رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في إخباره تعالى له بكلام قومه من كفار قريش له في قولهم : { إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } ( (2) ) وهذا من استهزائهم برسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) الذي لا ريب أنه كان يؤذيه لإصرارهم من خلاله على كفرهم وينسب الله عزَّ وجلَّ نفسه لرسول الله
( - صلى الله عليه وسلم - ) تكريماً فيقول : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ } ( (3) ) . وهذه إضافة تعظيم وتفخيم تشعر بقدر رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ومقداره وقد تكررت هذه الإضافة في مواطن أخرى في سورة القصص .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 56 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 57 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 59 .

(2/64)


ونرى كذلك أن قوله تعالى : { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } (1) يتضمن خطاب إلهي مبين لحال الكفار في سرهم ونجواهم وفي ظاهرهم وباطنهم وفي أذاهم لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) أمامه ومن ورائه أما الأوامر الإلهية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ } ( (2) ) فهي تنبيه على لسان الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) للكافرين بأنهم إنما ينعمون بفضل الله عزَّ وجلَّ وإخبار الله عزَّ وجلَّ لنبيه مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) بقصة قارون فيه أسرار وحكم إلهية منها :
إن حال أغنياء الكافرين من قريش كحال قارون .
إن المال سلطة زائلة وليس قوة دائمة .
إن قلة الصحابة الفقراء رضوان الله عليهم فيهم البركة .
إن الاغترار لا يجر إلا إلى الندم .
سرعة انقلاب الناس عن تولي زمانه .
الصبر على الفقر في الدنيا نجاح وظفر في الآخرة .
وأسرار أخرى تتضح بقراءة الآيات الخاصة بقارون مما كان فيه مفهوم النص الموجه لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
ونلاحظ كذلك أن الله عزَّ وجلَّ بشر رسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في وقت ضعفه بقوله تعالى : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ( (3) ) ، فجعل رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في أمن وأمان في الدنيا وفي الآخرة ، أما قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } ( (4) ) ، فهو قول فيه جماع شخصية رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) يستنبط منه :
عظمة شخصية المصطفى ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 69 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 71 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 83 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 85 .

(2/65)


وثوق النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) بربه .
عظمة الدار الآخرة في الرجوع إليها .
إسناد كل شيء لله سبحانه وتعالى .
صحة إنزال القرآن الكريم .
أهمية الرجوع لله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة .
انتصار الإسلام .
العودة للأرض التي أخرج منها رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
إن الهدى والضلال علمها عند الله سبحانه وتعالى .
وبذلك تتضح مقومات شخصية رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وكذلك الأمر في قوله تعالى مخاطباً رسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : { وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ } ( (1) ) ، فهي آية دالة على أن الله يصطفي من رسله من يشاء عن غير استعداد نفسي منهم كما يقول بعض الفلاسفة والعقلانيين والملاحدة الذين جعلوا الرسالة اصطفاء عقلياً فبان بذلك فضل رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
وكذلك قوله تعالى لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) آمراً فإن المأمور من الله تعالى مستلزم لشرفه وفضله ( تَكُونَنَّ ) ( لا يصدنك ) ( ادع ) ( لا تدع ) فكلها أشرف خطاب لأشرف الرسل عليهم وعليه أفضل الصلاة والسلام .
وبذلك كله يمكن أن تصور رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) على ما أسلفنا .

المطلب الخامس
المناسبة بين رسالة الرسول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ورسالة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) كما جاءت في سُوْرَة الْقَصَصِ
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 86 .

(2/66)


لقد جاءت سورة القصص في فترة نزولها المكية لتؤكد جانباً مهماً من الجوانب الإيمانية التي نبه عليها المفسرون القدماء منهم والمحدثون ألا وهو جانب المناسبة ، بمعنى ( التناسب الإيماني ) بين الرسالة المحمدية وبين الرسالة الموسوية ، ولعل مما يوضح ذلك قول رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( لو كان موسى حياً ما وسعه إلا إتباعي )) ( (1) ) .
لذلك اشتدت عناية بعض حاقدي اليهود ومبشري النصارى بتحليل سورة القصص لإثبات كونها مأخوذة من سفر الخروج وسفر تثنية الاشتراع( (2) ) .
وقد لاحظنا من خلال تحليلنا لسورة القصص أنها تشكل رابطاً خفياً لا يكاد ينتبه إليه أحد في العلاقة بين رسالة رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ورسالة موسى ( - عليه السلام - ) . وهو اتحاد القضيتين في المبنى والمعنى والدلالة .
ويكفي في إثبات ذلك أن المناسبة هاهنا تكمن في وجود روابط خفية في السورة بين أولها وآخرها تدلّ على ذلك ، وأن هيمنة الرواية القرآنية على المرويات الإسرائيلية ( المنحولة ) أمر قد غدا في حكم المسلمات العلمية التي تثبت بالبراهين والأدلة( (3) ) .
__________
(1) مُصَنَّف ابن أبي شَيْبَة : 5 /312 من حديث جابر بن عَبْد الله والحديث حسن الإسناد .
(2) ينظر الَقُرْآن والكتاب : 1 /122 و 2/ 142 و 3/225 . وفيه يذكر كون سُوْرَة الْقَصَصِ مأخوذة من سفر الخروج مع إعادة صياغة ( إسلامية ) .
(3) ينظر الإنجيل والصليب . عبد الأحد داود . الطبعة الثانية . قطر . الدار الإسلامية . 1405 هـ . : ص 57 . الفارق بين الخالق والمخلوق . عَبْد الرَّحْمَن الباججي . الطبعة الأولى . بولاق . مصر . 1305 هـ : ص 145- 147.

(2/67)


وذلك أن الرواية التاريخية في أفاق النص القرآني تعتمد إضافة إلى قدسية مصدرها على الاستعداد الذاتي لقبولها بعد أن تشوهت كل الروايات التاريخية للقصص نفسها في العهد القديم وفي التلموذ ( بنسختيه الأورشليمية والبابلية ) وفي العهد الجديد بأناجيله الأربعة والرسائل التي تتلوها ( (1) ) .
وهذا ما توصلت له أحدث الدراسات الجديدة للمؤرخين اليهود والنصارى وفق أحدث المكتشفات الأثرية في فلسطين وفي أرض الجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين الميلادي على أيدي الرحالة والمستكشفين .
وفي ذلك يذكر الدكتور رون سنوبي : " إن المقارنة بين ما ورد في أسفار التوراة ( العهد القديم ) وما ورد في بعض آيات وسور كتاب المسلمين المقدس ترينا أن النص الإسلامي أبتعد ابتعاداً كلياً عن التعتيم التاريخي اليهودي على حقائق حيوات أنبياء بني إسرائيل أو ما يسمى في الأدب اليهودي ـ المسيحي الأباء الأوائل ( البطاركة الأول ) ، وهكذا فإن قصة موسى على سبيل المثال ـ وهو كما لا يخفى أساس الوجود اليهودي ـ صيغت في أسفار العهد القديم وبخاصة سفر الخروج صياغة توحي ببدائيتها وبأنها أجترحت لموسى أفكاراً لم تكن له ، أما كتاب المسلمين المقدس فأنه يصور ( موسى ) على أنه نبي واجب الاعتراف له بالنبوة ويصفه بأجمل وأحلى وأحسن الصفات "( (2) ) .
وقد تنبه لذلك كله قوم آخرون من كبار الباحثين حتَّى وإن كانت توجهاتهم علمانية ـ لا دينية( (3) ) .
__________
(1) ينظر الديانة اليهودية . إسرائيل شاماك . الطبعة الثانية . دار الطليعة . بيروت . 1995 م . : ص 46. مُحَمَّد في الكتاب المقدس : ص 111 .
(2) تراث العهد القديم . ( مع معجم جغرافي للعهد القديم ) . د . برنارد روب . ترجمة : جوميد ميضال . الطبعة الأولى . الدار الكاثوليكية للنشر . المطبعة الكاثوليكية . بيروت ، لبنان . 1980 م . : ص 117 .
(3) ينظر قراءة سياسة التوراة : ص 85 .

(2/68)


وهذا الأمر جعل بعض الباحثين من اليهود أنفسهم يتنصلون من قصة موسى - عليه السلام - بكاملها ، أو يعيدون صياغتها صياغة تختلف كلّ الاختلاف عن النصّ التوارتي وفق نظريات جديدة ، وذلك لما لاحظوه في النص التوراتي من كذب ودجل( (1) ) .
وفي ذلك يقول فرويد : " المأثور الذي يستند إلى محض تناقل شفهي لا يمكن أن يكون له ذلك الطابع اللجوج التسلطي المميز للظاهرات الدينية،بل هو قد يلقى أذناً صاغية فيقيم ويحاكم وقد ينبذ ويطرح جانباً مثله مثل أي آت من الخارج،ولن يكتب له أبداً في هذه الحال امتياز الإفلات من مقتضيات نمط التفكير المنطقي"(2).
ففرويد في هذا النص الذي يختم به تحليله للنص التوراتي الذي يسرد سيرة موسى يكَّذب كل ما ورد في التوراة عنه ، ويقول كذلك :
" إن واحدة من خصائص قصة موسى تفسر علة اختلاف هذه القصة عن سائر الخرافات المماثلة لها في النوع "( (3) ) .
وهذا الكلام السقيم اليهودي ـ النصراني تدحضه سورة القصص في أنبائها لصدق الرواية القرآنية وغلبتها وهيمنتها على الروايات الكاذبة وصولاً إلى صدق رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في رسالته .
__________
(1) موسى والتوحيد : ص 98 .
(2) المصدر نفسه : ص 141 .
(3) المصدر نفسه : ص 17 .

(2/69)


فقوله تعالى : { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } ( (1) ) جاء فيها النصّ مفتوح المعنى لاحتمال أن يفهم من خصوصية لآيات الكتاب المنزل على موسى - عليه السلام - ، أو على مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وهذا من إعجاز الأسلوب القرآني وقوله تعالى : { نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ } ( (2) ) يدلّ في اختصاص التلاوة برسول الله ( - صلى الله عليه وسلم -) على أنه إنما أريد له التسلية عن مواقف فراعنة قريش من كفارها معه - عليه السلام -) ) وكون تلك المواقف سيكون عاقبتها الإلهية عاقبة فرعون .
وقوله تعالى : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ } ( (3) ) يحتمل الوارثين وراثة قوم موسى ووراثة أصحاب رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) للأرض ، وهو ما تحقق بعد فتح مكة لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فكانت المناسبة ظاهرة بين السنتين الإلهيتين .
وقوله تعالى : { وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ } ( (4) ) جاءت دالة على المناسبة والمقارنة بين من مكن لهم في الأرض من الطائفتين ( بني إسرائيل والصحابة الكرام رضوان الله عليهم ) فالتمكين في الأرض من الله تعالى هاهنا دال على أنه يدل في دلالته على المناسبة بين رسالة موسى ، ورسالة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
وقوله تعالى : { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } ( (5) ) فيه تسلية لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) في كون الخطاب محتملاً أن يكون مضارعته لام موسى ( - عليه السلام - ) ، أو أمر ( بالتاء ) لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) وهذا من إعجاز النص القرآني .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 2 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 3 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 6 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 13 .

(2/70)


وقوله تعالى : { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } ( (1) ) يشبه الذي سيحدث فيها بعد لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) من الخروج بخوف مترقباً من مكة عند الهجرة ، وذلك قبل أن يهاجر رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بزمن .
و قوله تعالى : { إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ( (2) ) يدلّ كلّ الدلالة في عموميته وخصوصيته على المناسبة التامة والمقارنة الكاملة بين التوحيد الذي جاء به موسى ( - عليه السلام - ) ومحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) خلافاً لبعض الذين زعموا أن موسى تعلم التوحيد من قوم فرعون( (3) ) ، ولا يقول بذلك إلا كافر بالله سبحانه وتعالى .
وقوله تعالى : { وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } ( (4) ) يدلّ في التوجيه المعنوي وفي تحليل عموميات ألفاظه على أن موسى بَشَّر صدقاً وحقاً برسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) وهو الذي جائ بالهدى ، وهو من كانت له ولأمته عاقبة الدار .
وقوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } ( (5) ) يدلّ على أن توجيه الخطاب لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) خاص بذاته ، لأن النبي لم يكن موجوداً بجانب الغربي ، ولكنها كانت موجودة بتواصل الرسالة النبوية ـ الإلهية
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 21 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 30.
(3) أسطورة إيزيس . سيد مُحَمَّود القمني . الطبعة الثانية . دار مدبولي . القاهرة . 1994 م . : ص 121 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 37 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 44 .

(2/71)


وقوله تعالى : { وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } ( (1) ) و قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ } ( (2) ) يحملان المعنى ذاته في تواصل الرسالة بين موسى ومحمد ـ عَلَيْهما الصَلاة والسَّلام ـ .
أما قوله تعالى : { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ } ( (3) ) فهو نص خاص بأن رسالة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) كانت متواصلة مع رسالة موسى ( - عليه السلام - ) من خلال سياق الفعل المضارع ( لتنذر ) .
وقوله تعالى : { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } ( (4) ) خاص بأن عدم الاستجابة لرسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) مثل عدم الاستجابة التي قام بها فرعون وقومه لموسى ( - عليه السلام - ) في العاقبة والمآل . وقوله تعالى : { إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِين } ( (5) ) من أعظم الأدلة على صدق ما عرضنا في هذا المطلب كون هؤلاء الذين أوتوا الكتاب من قبل مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) كانوا من قبل مسلمين ، وهذا دليل ما بعده دليل على المناسبة التواصلية بين الرسالتين .
وقوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً } ( (6) ) مما اختلفت فيه العلماء بين أن يكون أمها ( أم القرى ) ، أو أي مدينة كبيرة على ما قدمنا بيان ذلك فيما مضى ، فإذا كان النص محتملاً لهذه المعاني المتواصلة المتقاربة دل على صدق الرسالتين ، رسالة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ورسالة موسى ( - عليه السلام - ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 45 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 46 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 46 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 50 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 53 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 59 .

(2/72)


قوله تعالى : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ( (1) ) . أوتيها قوم موسى فنبذوها وأوتيها أصحاب مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - فحافظوا عليهما فجعلت الأرض لهم ديناً ودنيا على مر حضارتهم الزاهرة العظيمة في الماضي والحاضر والمستقبل .
أما قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } ( (2) ) فإنهما في خطابهما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - دالة على صدقه فلو كان هذا القرآن من عنده - صلى الله عليه وسلم - لما خاطب نفسه هذه المخاطبة وهذا كذلك من الدلائل على المناسبة بين
الرسالتين .
ولا ريب في أننا واجدون من خلال القراءة التحليلية لسورة القصص إن هنالك أوجهاً عجيبة من الشبه النبوي بين سيدنا موسى - عليه السلام - وسيدنا مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - من خلال تقصينا لحياتهما قبل النبوة وبعد النبوة وهو الأمر الذي تعده بعض التقديرات الإلهية انطلاقاُ من قوله تعالى ( والله أعلم حيث يجعل رسالته ) فالاصطفاء الإلهي هو بين الحالتين وهذا عين ما عبرت عنه سورة القصص في فاتحتها بقوله تعالى : { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } ( (3) ) فالإشارة العامة للكتاب ( أي كتاب إلهي كان ) تجعل أفاق المقارنة والمشابهة مفتوحة من خلال التقصي لسيرتي النبيين الكريمين .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 83 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 86 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 2.

(2/73)


ولقد عبر عن ذلك النص القرآني أصدق تعبير إذ قال تعالى : { نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } ( (1) ) إذ أن مجيء الصيغة المضارعة ( يؤمنون ) مشعرة باستمرارية التلاوة الحقة وهكذا يمكن لنا أن نجد استناداً إلى ذلك بعض المقارنات التفصيلية بين حالي الرسولين الكريمين ـ عليهما الصلاة والسلام ـ من خلال سيرتهما القرآنية النبوية الموثقة وفي ذلك رد كل الرد على من زعم ان القصص القرآني لا تفيد أي حقبة تاريخية لا في مبناها ولا في معناها .
وهكذا فنحن واجدون ما يأتي من خلال القراءة المقارنة لسورة القصص :
إن قوله تعالى : { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } ، ثم قوله تعالى على لسان شعيب - عليه السلام - : { لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ( (2) ) ، ثم قوله تعالى له : { أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ } ( (3) ) يشبه كل الشبه خوف رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) على الإسلام وخروجه من مكة وقوله لأبي بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ : { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا } ( (4) ) ، ثم نزول قوله تعالى له ( - صلى الله عليه وسلم - ) : { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } ( (5) ) فالأمر واحد في الحالتين ، وهو يدل على التشابه التام بين القصتين كحكمة إلهية عالية .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 3 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 25 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 31 .
(4) سُوْرَة التَّوْبَةِ : الآية 40 .
(5) سُوْرَة المَائِدَة : الآية 67 .

(2/74)


إن سيدنا موسى قد رعى الغنم فترة من عمره على ما جاء في الآثار العديد
{ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ } ( (1) ) ، فكان له من ذلك خبرة في الحياة فجعل رعية لغنم شعيب ( - عليه السلام - ) مهراً لأبنته ، وسيدنا مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) رعى الغنم فترة من عمره قبل البعثة ( على قراريط قريش ) ( (2) ) كما قال ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فحاز من ذلك الخبرة بالناس ومعرفته لهم وتعوده على الصبر . فقوله تعالى في سورة القصص : { أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } ( (3) ) في رعي الغنم كما في حديث رعي الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) للغنم .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 26 .
(2) صَحِيْح البُخَارِي : باب رعي الغنم على قراريط 2 /789 رقم ( 2143 ) من حديث أبي هريرة ( - رضي الله عنه - ) .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 27 .

(2/75)


إن هناك تشابهاً عجيباً في قصتي الهجرتين هجرة موسى ( - عليه السلام - ) وهجرة الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) فنجد في سورة القصص قوله تعالى : { إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } ( (1) ) و { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ( (2) ) و { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ } ( (3) ) يشبه كل الشبه قوله تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } ( (4) ) ، فالنص واحد والمعنى واحد والنهاية واحدة في النجاة الإلهية إلى النصر الإلهي فموسى ( - عليه السلام - ) انتصر على فرعون { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } ( (5) ) . ومحمد ( - صلى الله عليه وسلم - ) انتصر على المشركين والكافرين جميعاً { إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } ( (6) ) ، وهذا مما يوضح الترابط العفوي بين كل سور وآيات القرآن .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 20.
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 21 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 22 .
(4) سُوْرَة الأَنْفَالِ : الآية 30 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 40 .
(6) سُوْرَة النَّصْرِ : الآية 1 .

(2/76)


إن هنالك رهبة أولى من تلقي الوحي الإلهي متشابهة بين الرسولين الكريمين ، فنجد قوله تعالى في سورة القصص : { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ } ( (1) ) وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } ( (2) ) وقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } ( (3) ) ، فالمعنى واحد هو محصول الاطمئنان الإلهي والأمن الرباني بعد الوحي للنبيين إذا أصابهما بعض الروع والخوف فاذهب الله سبحانه وتعالى ذلك عنهما .
إن هنالك تشابهاً كبيراً بين سيرة النبيين الكريمين قبل الزواج في اختيار الزوجة ، وفي العلاقة التجارية معهما فموسى ( - عليه السلام - ) كما جاء في سورة القصص عمل أجيراً لدى والد زوجته ( - عليه السلام - ) { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } ( (4) ) ، أي : أن والدها هو الذي خطبها له . ونجد في السيرة النبوية أن رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) عمل عند خديجة بنت خويلد ـ رضي الله تعالى عنها ـ وأجرته في تجارتها ، ثم خطبته لنفسها ونجد أن النبيين عملا لدى والد الزوجة ، أو الزوجة نفسها لحكمة إلهية لا تخفى على ذوي الألباب تتمثل في التعويد الإلهي على الدخول على كل أصناف المجتمع وتحمل المشاق والمسؤولية وليؤكد على أهمية العمل .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 31 .
(2) سُوْرَة المُدَّثِرِ : الآيات 1 – 4 .
(3) سُوْرَة المُزَّمِّلِ : الآيتان 1 – 2 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 27 .

(2/77)


إن النبيين الكريمين ـ عَلَيْهِما الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ استطاعاً من خلال دعائهما أن يحوزا وزيرين يشدان بهما عضدهما وينتصران بهما في دعوتهما فقوله تعالى : { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } ( (1) ) ونجد مقارباً لذلك قول رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) : (( اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب )) ( (2) ) . وقوله تعالى :
{ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } ( (3) ) ففي كلا الحالتين هناك ترابط واحد في السيرتين الشريفتين .
إن النبيين الكريمين رميا بالسحر ، { قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } ( (4) ) ،
{ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } ( (5) ) وهذا من ديدن الكفار من الفراعنة ، وكفار قريش على حد سواء .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 34 –35 .
(2) صحيح ابن حبان : 15 /306. المستدرك على الصحيحين : 3 / 89 من حديث ابن عباس . قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وقد صح شاهده عن عائشة بنت الصديق ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَما ـ .
(3) سُوْرَة التَّوْبَةِ : الآية 40 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 36 .
(5) سُوْرَة الذَّارِيَاتِ : الآية 52 .

(2/78)


إننا نجد من هذا التشابه الكبير الواضح بين شخصية الرسول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) وسيرته الشريفة ومراحل دعوته . وسيرة نبي الله موسى ( - عليه السلام - ) أثناء قراءتنا المعاصرة للنص القرآني بآفاقه المفتوحة في سُوْرَة الْقَصَصِ إن مجيء سيدنا مُحَمَّد
( - صلى الله عليه وسلم - ) بعد سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) وختم الله به الرسالات دالاً على أن الله ارتضى لصلاح هذا الكون ولخلافة الأرض الديانة الإسلامية ، وأن أمة الإسلام لها السيادة في الدنيا والآخرة .
وإن من أراد أن يطفئ نور الله الذي هو الإسلام من اليهود والنصارى الذين حرفوا الديانات ، وقتلوا الأنبياء ، قد حكم الله عليهم في سُوْرَة الْقَصَصِ بأنهم سيلاقون المصير نفسه الذي لاقاه فرعون على يد موسى ( - عليه السلام - ) لأن الإرادة الإلهية شاءت أن يكون الإسلام الدين المهيمن على كلّ الديانات والناسخ لهما { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ } ( (1) ) ، { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ } ( (2) ) . وهذا الترابط في سُوْرَة الْقَصَصِ يجعلنا نعرج على ما جاءت به صحاح الآثار في كتب الفتن والملاحم في الصحيحين ـ البخاري ، ومسلم رحمهما الله برحمته ـ في أن النهاية القرآنية لبني إسرائيل { فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً } ( (3) ) آتية لا محالة مهما علا اليهود في الأرض كما فعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بفرعون وهامان وجنودهما وقارون .
__________
(1) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 19 .
(2) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 85 .
(3) سُوْرَة الإِسْرَاءِ : الآية 5 .

(2/79)


أما قوله تعالى في أخر آيتين من السورة : { وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( (1) ) فإنها من الآيات التي تلخص سُوْرَة الْقَصَصِ كلها ، وتوجه المعاني فها نحو الدلالة العامة على التواصل بين الرسالتين ، رسالة موسى ( - عليه السلام - ) ورسالة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، وبذلك كله يستقيم لنا الغرض الذي قدمناه من قبل من كون سُوْرَة الْقَصَصِ تحمل صدق رسالة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، ومن كونها تخالف التوراة المحرفة في تحريفها العام ، ومن كونها تربط ربطاً متسلسلاً متواصلاً بين الرسالتين ، وتدل على أن منبعهما واحد .
...
تمهيد
تعدّ القراءة المعاصرة لأي سورة قرآنية في حدود الرأي المأثور باستقراء كوامن النص وبواطنه المعنوية التي تعطي للنص القرآني آفاقا جديدة ، عملية مهمة جداً في التفسير القرآني والتأويل الكتابي ، وقد حاولت في هذا الفصل من هذه الرسالة أن أقارن بين فرعون وقومه وقارون وأمواله ، وبين أمريكا وقومها واليهود وأموالهم ، وذلك لوجه الشبه الكبير بين الماضي والحاضر ، وصولاً إلى استشراف آفاق المستقبل الإسلامي ، فقد تأثر المسلمون اليوم بالهيمنة الأمريكية ، كما تأثر قوم موسى ـ عليه السلام ـ من المؤمنين بالهيمنة الفرعونية وهو ما سنلاحظه في هذا الفصل ( المقارن ) ولأنه عبارة عن فكرة جديدة .
وعسى أن لا نكون في ذلك ممن يقول في القرآن الكريم برأيه ، فما هي إلا محاولة لخدمة النص القرآني وتجدده الزماني ـ والمكاني .
المطلب الأول
هيمنة فرعون وأمريكا في الملك والقوة والمال والأعلام وفقاً لما جاء في سُوْرَة الْقَصَصِ
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .

(2/80)


إن موضوع الهيمنة في الطغيان الفرعوني مقارنة بالهيمنة في الطغيان الأمريكي ، هو من المواضيع المتعددة المفاهيم ، وذلك لأوجه الشبه والتشابه بين الطغيانين ، فكأن التاريخ يكرر نفسه ، وهو يكرر نفسه بحق في الصدام الخطابي بين الإيمان والكفر ، بين القديم والحديث( (1) ) .
فنحن نجد في سورة القصص إن قوله تعالى : { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين } ( (2) ) يدلّ في مضمونه اللغوي على استمرارية الدلالة الزمانية ـ المكانية لآيات الكتاب المبين في الماضي والحاضر والمستقبل . وذلك كما قال عزَّ وجلَّ في آية أخرى : { إِنَّ هذا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } ( (3) ) ، بمعنى أن الهداية القرآنية التي دلّ عليها في سورة القصص قوله تعالى : { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين } هي هداية مضافة إلى آيات باهرة تجعل الإنسان يفهم س في الأرض : { إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ يُذَبِحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ } ( (4) ) . وقوله في موضع آخر : { أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى } ( (5) ) يصلح أن يكون إذا ما نقل من قرآنية المعنى إلى إنسانية المعنى ، ونقل من الماضي إلى الحاضر لوصف هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم كما نرى في الجدول الآتي المقتبس من دلالات سورة القصص .

الموضوع
تسلسل
هيمنة فرعون
هيمنة أميركا
هيمنة الملك
1
__________
(1) صدام الحضارات . صموئيل هنتنغتون . ترجمة : جميل حماد . الطبعة الثالثة . ( د . نش ) . بيروت ، لبنان . 1998 م : ص 97 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 2 .
(3) سُوْرَة الإِسْرَاءِ : الآية 9 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(5) سُوْرَة النَّازِعَاتِ : الآية 24 .

(2/81)


العلو في الأرض : { إِنَّ فرعون علاَ في الأَرْضِ } ( (1) )
القوة العظمى الوحيدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي
2
جعل أهلها شيعا : { إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } ( (2) ) .
جعل العالم إما معها وإما مع الإرهاب وإما ديمقراطياً وإما غير ديمقراطي وإما حراً وإما غير حر كذلك زرعها الفتن والنزعات الطائفية وتغذيتها
3
كان فرعون يأتمر بالمؤمنين ليقتلهم { يُذَبِّح أَبْنَاءهُمْ } ( (3) ) .
تشن أميركا حرب شعواء على المسلمين في كل بقاع الأرض
4
فرعون ظالم في ملكه { علاَ في الأَرْضِ } ( (4) )
أميركا ظالمة في قوتها العاتية
هيمنة القوة
1
يستضعف طائفة من أهل الأرض { يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ } ( (5) ) .
تستضعف أميركا شعوب العالم والمسلمين من خلال تهديدها بالقوة الغاشمة أو من خلال سيطرتها على مقدرات الشعوب .

2
ادعى أن الأرض له : { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } ( (6) )
تدعي أميركا اليوم أن كلّ الأرض مفتوحة أمامها باسم حق التدخل المفتوح .

3
كان لفرعون وهامان وجنودهما ما يحذرون من يومئذ ألا وهو الإيمان { وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } ( (7) ) .
لأميركا وإسرائيل وجنودهما ما يحذرون منه اليوم ، وهو الإسلام .

هيمنة المال
1
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 20.
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4.
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4. .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(6) سُوْرَة الزُّخْرُفِ : الآية 51 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 6 .

(2/82)


سلب أموال المستضعفين في الأرض { اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ } ( (1) ) .
سلب كل الأموال المودعة لديها باسم مكافحة الإرهاب ، وجمدت أرصدة وحسابات دول وجماعات من الضعفاء
2
سلب إمامتهم في المال .
سلب اقتصاديات كثير من الدول التي تعد إمامة في المال ، مثلما حدث في أزمة الخمور الأسيوية 1997 م .

3
كان يدعي أن له ملك مصر أو مالها { أَلَيْسَ لِي ملك مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } ( (2) ) .
تدعي أميركا أنها ملك العالم وأموالها .

هيمنة الإعلام
1
ادعاؤه أن ما جاء به موسى سحر { قَالُوا مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى } ( (3) ).
رميها كل ما خالفها بالإرهاب .

2
ادعاؤه أنه الإله الواحد : { ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } ( (4) ) .
أميركا تدعي أنها القوة المتحدية الواحدة . تقول أولبرايت( (5) ) : " في هذا الكون قوة عظمى واحدة هي الولايات المتحدة الأميركية " .
3
استهزائه بموسى وطلبه الإيقاد على الطين برجاً ( صرحاً ) { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا } ( (6) ) .
إن بناء ناطحات السحاب ومكوكات الفضاء الأميركية يشابه الأبراج والصروح التي أراد تشييدها فرعون وهامان .

4
الاستكبار مع الجنود { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } ( (7) ) .
إن العقيدة السياسية الأميركية هي أن الأميركي لا يقهر وفق رؤية عصرية .

5
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5.
(2) سُوْرَة الزُّخْرُفِ : الآية 51 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 36 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 38 .
(5) هي مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا في عهد كلنتون .
(6) سُوْرَة غَافِرِ : الآية 36 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 39 .

(2/83)


الزعم بأنهم لن يرجعوا لله تعالى { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } ( (1) ) .
أميركا تدعي أنها لن ترجع إلى أي جهة كانت كما جاء في دستور الولايات المتحدة الأميركية بانفرادها بضرب الدول ، وتهديدها بالضرب دون الرجوع إلى قرارات مجلس الأمن .

الجرائم
1
قتل أبناءهم { يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ } ( (2) ) .
قتل الناس بالجملة كما في هيروشيما ونكازاكي والعراق وأفغانستان .

2
يستحي نسائهم { وَيستحي نِسَاءهُمْ } ( (3) )
استعباد النساء في الرق الأبيض .

3
الفساد { إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ } ( (4) ) .
إشاعة الفساد العالمي والإباحية والشذوذ .

4
التآمر على أهل الإيمان وموسى : { إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } ( (5) )
تآمر أميركا المستمر على أهل الإيمان وضربها تلك الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم
إن الجدول الماضي المستخلص من سورة القصص للمقارنة بين فرعون وأميركا ، يرينا كيف أن فرعون استحق قوله تعالى في سورة القصص : { وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ } ( (6) ) ، وكذلك أميركا اليوم بقادتها وجنرالاتها المستكبرين في الأرض ، وهيمنتها بهم على العالم ، استحقت أن تكون ملعونة من قبل كل شعوب العالم في هذه الدنيا ، كما لعن فرعون في سورة القصص في الآية السابقة .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 39 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 20.
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 42 .

(2/84)


إن هيمنة فرعون قديماً ، وأميركا حديثاً واستمرارية ذلك يوضحها في سورة القصص قوله تعالى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } ( (1) ) ، بمعنى إننا نستنتج من هذه الآية أن كل قرية (دولة ، أمة ) ، إذا ما بطرت معيشتها سيكون مصيرها الهلاك ، وأميركا دولة باطرة مبطرة ، وأمثلة بطرها كثيرة ، منها أنها تلقي فائض غذائها في البحر بطراً وعدواناً .
وتوضح آيات سورة القصص أن هيمنة فرعون ، وبالتالي الهيمنة الأميركية عاقبتها الإهلاك بعد الإنذار ، ونجد في العصر الحديث أن أميركا لها من ينذرها من المسلمين ، والنصارى المخلصين من الوعاظ الحقيقيين ، ولكنها في طغيانها لا ترجع من ذلك الطغيان( (2) ) . يقول عزَّ وجلَّ : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } ( (3) ) ، وأي ظلم أشد من الظلم الأميركي اليوم ، فكأن هذه الآية تنطق بحال هذا العصر مثلما نطقت بحال العصر الذي وصفته بصورة عامة ، وذلك وجه من أوجه الإعجاز القرآني( (4) ) .

المطلب الثاني
أسباب زوال الطغاة قديماً وحديثاً في سُوْرَة الْقَصَصِ
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 58.
(2) إعاقة الديمقراطية . نعوم تشومسكي . مركز دراسات الوحدة العربية . 1999 م : ص 187 –188 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 59 .
(4) ينظر الإسلام حضارة الغد . يوسف القرضاوي . الطبعة الثالثة . المكتب الإسلامي . بيروت ، لبنان . 1418 هـ . : ص 50 الإسلام ومشكلات الحضارة . سيد قطب . . دار الشرق . بيروت ، لبنان . ( د . ت ) : ص 149 .

(2/85)


كتب كثيراً عن أسباب وآليات زوال الطغاة واندثارهم في القرآن الكريم بصورة عامة ، أو في سور من السور القرآنية بصورة خاصة غير أن ما تتميز به سورة القصص ـ موضوع هذه الرسالة ـ هو احتواءها على عوامل وأسباب وآليات وشروط زوال الطغاة في الماضي والحاضر والمستقبل .
وذلك أن آفاق المعنى المفتوح في سورة القصص تتضمن البشارات والإنذارات التي حددها الله عزَّ وجلَّ ، كي يتعظ من يتعظ بالإنذار ، ويزداد إيماناً من يزداد بالبشارات الصادقة جملة وتفصيلاً .
لقد احتوت سورة القصص على نقاط كثيرة يمكن إيجازها وفق المنهجية العلمية في النقاط التالية أدناه ( أي : أسباب زوال الطغاة ) التي هي :
عدم التمسك بالشرع الإلهي الذي هو : { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } ( (1) )
الابتعاد عن شرعة الحق : { نَتْلُو عَلَيْكَ من نَبَإِ موسى وفرعون بِالْحَقِّ } ( (2) ) .
العلو في الأرض : { إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ } ( (3) ) .
تفريق الناس : { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } ( (4) ) .
استضعاف الناس : { يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ } ( (5) ) .
القتل غير المبرر : { يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ } ( (6) ) .
استعباد النساء : { وَيَسْتَحْيِ نِسَاءهُمْ } ( (7) ) .
الفساد العالمي : { إِنَّهُ كَانَ من الْمُفْسِدِينَ } ( (8) ( .
اغتصاب الأرض : { وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ } ( (9) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 2.
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 3 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4.
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4.
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4.
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4.
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4.
(9) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5 .

(2/86)


الاغترار بالجيوش : { وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } ( (1) ) .
إشاعة الخوف في الناس : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في الْيَمِّ } ( (2) )
ظهور الأعداء : { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا } ( (3) ) .
ظهور الأحزان : { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } .
الخطأ العام : { إِنَّ فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } ( (4) )
الفساد العسكري : { وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطئِينَ } .
كثرة الهرج والمرج : { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ } ( (5) ) .
المؤامرات العالمية : { إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } ( (6) ) ( (7) ) .
الظلم : { رَبِّ نَجِّنِي من الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ( (8) ) .
الفسق الخاص والعام : { إِلَى فِرْعَوْن وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } ( (9) ) .
تكذيب الدعاة : { إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي } ( (10) ) .
وصم الناس المصلحين بصفات مهنية : { مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى } ( (11) .
الاغترار بالدساتير الوضعية : { وَمَا سَمِعْنَا بِهذا في آبَائِنَا الأَوَّلِينَ } ( (12) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 6 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 7 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 8.
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 8 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 15 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 20 .
(7) ينظر أحجار على رقعة الشطرنج أدوارد غاي . الطبعة الثالثة . دمشق . دار النهار . 1987 م : ص 127 -130 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 21 .
(9) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 32 .
(10) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 34 .
(11) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 36 .
(12) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 36 .

(2/87)


جنون العظمة : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ من إِلَهٍ غَيْرِي } ( (1) ) .
طلب المحال : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ موسى } ( (2) ) .
الاغترار بالظن الكاذب الشيطاني من الشيطان الذي لعنه الله بنفسه : { وَإِنِّي لأَظُنُّهُ من الْكَاذِبِينَ } ( (3) ) .
الاستكبار العالي : { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ } ( (4) ) .
الحكم بغير الحق بظلم الناس : { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ } .
إنكاره الآخرة : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } ( (5) ) .
عدم معرفة العواقب : { فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } ( (6) ) .
تقبيح الحسن وتحسين القبيح : { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ من الْمَقْبُوحِينَ } ( (7) ) .
المطاولة في العمر الحضاري للقوة العظمى : { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ } ( (8) ) .
كذب الأماني : { فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ من عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ موسى } ( (9) ) .
الكفر : { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ موسى من قَبْلُ } ( (10) ) .
تسخير الإعلام للإضلال : { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } ( (11) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 38 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 38 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 38 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 39 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 39 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 40.
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 42 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 45.
(9) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 48 .
(10) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 48 .
(11) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 48 .

(2/88)


اتباع الهوى : { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ } ( (1) ) .
الخوف من غير الله تعالى : { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أَرْضِنَا } ( (2) ) .
بطر المعيشة : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } ( (3) ) .
الغواية : { قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الذين أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كما غَوَيْنَا } ( (4) ) .
الكذب الدائم : { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } ( (5) ) .
عمى الأنباء : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ } ( (6) )
الفراغ الروحي : { فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ } .
الانشغال بالمادة : { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } ( (7) ) .
الزعم الكاذب : { أَيْنَ شُرَكَائِي الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } ( (8) ) .
الافتراء : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ( (9) ) .
البغي : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } ( (10) ) .
وفرة المال والطغيان فيه بنسيان الله عزَّ وجلَّ : { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } ( (11) ) .
الفرح بما هو ليس لهم : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 50.
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 57 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 58 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 63 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 63 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 66 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 64 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 74 .
(9) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 75 .
(10) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 76 .
(11) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 76 .

(2/89)


عدم الإحسان : { وَأَحْسِنْ كما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } ( (1) ) .
بغي الفساد في الأرض : { وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } ( (2) ) .
الاغترار بالعلم : { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } ( (3) ) .
الاغترار باشتداد القوة والجموع : { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } ( (4) ) .
الإجرام : { وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ } ( (5) ) .
الاغترار بالزينة : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ } ( (6) ) .
إرادة العلو في الأرض : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ } ( (7) ) .
إرادة الفساد : { وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ( (8) ) .
المجيء بالسيئات : { وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( (9) ) .
الضلال المبين : { وَمن هُوَ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ } ( (10) ) .
مظاهرة الكافرين : { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } ( (11) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 77 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 77 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 78 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 78 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 78 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 79 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 83 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 83 .
(9) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 84 .
(10) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 85 .
(11) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 86 .

(2/90)


الصد عن آيات الله جلَّ جلاله : { وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ } ( (1) ) .
الشرك الظاهر والخفي : { وَلاَ تَكُونَنَّ من الْمُشْرِكِينَ } ( (2) ) .
دعوة إله آخر مع الله عزَّ وجلَّ : { وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } ( (3) ) .
الحكم بغير ما أنزل الله عزَّ وجلَّ : { لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( (4) ) .
إن هذه الأسباب التي تقدم ذكرها يمكن رؤيتها بجلاء ووضوح في الطغيان الأميركي المعاصر لنا ، وكأن سورة القصص عند التحليل الدقيق لدلالات ألفاظها تصف حال أميركا وما جنته في الأرض من إفساد وفساد عام وخاص ، وكيف أنها اليوم تحاول أن تكون القوة العظمى ، وتظن أنها لا تهلك ولن تهلك ، والله عزَّ وجلَّ يقول : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( (5) ) ، فلا بدّ من خلال استقراء ما جرى لفرعون وهامان وقارون ، وما يشابههم من حال أميركا وجشعها وعدتها من ملاقاة المصير نفسه ، لأنه كما قال عزَّ وجلَّ في سورة القصص : { من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( (6) ) ، وهذا ما يعزز ما ذهبنا إليه آنفاً( (7) ) .

المطلب الثالث
أموال قارون واقتصاد العولمة وتفككه في سُوْرَة الْقَصَصِ
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 87 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 87 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 84 .
(7) دعوة الرسل إلى الله . مُحَمَّد أحمد العدوي . مطبعة مصطفى البابي الحلبي . مصر . 1354 هـ . : ص 176 .

(2/91)


من الواضح مما تقدم أن الولايات المتحدة الأميركية في اعتمادها على الرأسمالية التي طورتها في عقد التسعينات باسم العولمة التي تعني : " تحرير التجارة العالمية ، وفتح الحدود ، وإلغاء الضرائب والقيود على المعاملات المالية ، ونقل قيم الاقتصاد الرأسمالي إلى كل الدول والأنظمة والحكومات على اختلاف مشاربها "( (1) ) .
حاولت أميركا ولا زالت تحاول من خلال آلياتها العسكرية أن تفرض نظم استهلاكها الاقتصادي ، ونظم معاملاتها التجارية ، ونظم مصارفها الربوية على العالم كله ، اغترارً بما هي عليه من قوة وعلم وجمع مال ، ووجود مؤسسات المال الدولية في الأرض الأميركية ، حتَّى صار كثير من جهلة الناس يعتقدون أن أميركا هي ( أرض الأحلام ) ، ويتمنون السكنى فيها والتجنس بجنسيتها ، وهو عين ما تتمناه أميركا ، وإن تمنعت قليلاً على استحياء .
إن مقومات اقتصاد العولمة :
رأس المال المشترك .
التقانة العلمية .
الاتصالات المفتوحة .
ثورة المعلومات .
يمكن رؤيته على أنه ( الوحش الكاسر ) الذي يهدد عالمنا كما وصفه بعض مناهضي العولمة .
والعولمة : " وهو في الأصل مبدأ اقتصادي يهدد لإشاعة فاحشة الربا في الناس كافة "( (2) ) ، وجه من أوجه الطغيان الأميركي ، ونحن علينا أن نجد في القراءة المعاصرة لسورة القصص ما يدلّ على ذم العولمة فيها ، ومن ذلك :
تقسيم العالم إلى أول وثان وثالث : { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } ( (3) )
السيطرة على سياسات الدول وقراراتها من خلال قروض صندوق النقد الدولي : { يَسْتَضْعِفُ طائفة مِنْهُمْ } ( (4) ) .
__________
(1) نذر العولمة : 27 –28 . وينظر القصص الَقُرْآنيّ : 3 /44 .
(2) نذر العولمة : 27 –28 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .

(2/92)


أخذ أموال الناس بالباطل طمعاً : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } ( (1) ) .
وذلك أولى بالتالي لأن تتضح صورة هذه العولمة الأميركية في مثل دلالة قوله عزَّ وجلَّ وهو أصدق القائلين : { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } ( (2) ) .
فأميركا من خلال قوتها العسكرية وهيمنتها الإعلامية ، واقتصادها المعولم المحرر التي تريد فرضه مع قيمتها ( الأخلاقية ) على العالم ، واستكبرت هي وجنودها ( بقواعدهم ) في الأرض ، وهي تظن أنها لن ترجع إلى الله عزَّ وجلَّ ، بدليل أنها لا ترقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ، فعل من لا يخاف الله عزَّ وجلَّ .
وقد حاول بعض الناس في العصر الحديث تبرير دخولهم إلى منظمة التجارة العالمية ( بوابة العولمة الأميركية ) بدعوى أنهم لا يملكون مالاً ولا تجارة ولا ثروات طبيعية ، وأنهم محتاجون للعولمة . ومن قبل يبين الله عزَّ وجلَّ حجة أمثال هؤلاء في قوله تعالى في سورة القصص : { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ من أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا من لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ( (3) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 76 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 39 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 57 .

(2/93)


واقتصاد العولمة المحرر ادعى إلى بطر في المعيشة بفعل الرخاء الغربي ، حيث يتنعم الغرب وأميركا والشمال ، ويتضور المسلمون والأفارقة والجنوب من الجوع ، ولقد بطرت أميركا باقتصادها حتَّى صارت تفرض ما غيرته من خلق الله عزَّ وجلَّ بإدراجها مبرراً فرض قبول الأغذية المعدلة وراثياً في مساعداتها للدول النامية . ونحن نجد مثل ذلك في قوله تعالى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } ( (1) ) ، مع قوله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ } ( (2) ) ، بمعنى أن ما تقوم به أمريكا في هذا العصر إنما مآله الانتهاء بالاندحار .
وهذه الآية تدل فيما تدل عليه أن الاقتصاد البطر ( في عصر اقتصاد العولمة ) مصيره الهلاك ، وهو عين الدستور القرآني في كون الأمم التي تظلم نفسها بجحود النعم ، وكفران الله عزَّ وجلَّ ، تنقلب بها الأحوال من حال إلى حال ، وقد حدث ذلك في عصرنا للاتحاد السوفيتي السابق سنة 1991 م ، وسيكون ـ إن شاء الله العلي العظيم ـ كما تدل عليه قواعد نذر سورة القصص للولايات المتحدة الأميركية .
ونجد في قصة قارون في سورة القصص كيف يتطور الاقتصاد ( الكفري ) ، ( اقتصاد العولمة مثلاً ) ، ثُمَّ كيف يذهب هذا الاقتصاد بنظرياته وأهله ، ( كذلك في عصرنا حدث مثل ذلك للنظرية الماركسية الشيوعية في الاقتصاد التي بدأت في أيام ماركس وأنجلز ، وطبقت بعد ثورة 1917 م في روسيا ، وأنشأت القوة العظمى الثانية للاتحاد السوفيتي ثُمَّ كان لها أن تتفكك وان تغرق في مهاوي النسيان ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 58 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 68 .

(2/94)


ففي سورة القصص نجد أن قوله تعالى : { إِنَّ قَارُونَ كَانَ من قَوْمِ موسى فَبَغَى عَلَيْهِمْ } ( (1) ) يدلّ على أن اليهود الذين هم ( من قوم موسى ) كانوا ولا زالوا أهل بغي ، ثُمَّ نجد قوله تعالى : { وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } ( (2) ) ، فنلاحظ أن في عصرنا هذا قد كثرت البنوك الرأسمالية حتَّى صار من الصعب إحصاؤها أو عدها أو ذكر أسمائها ، وأن ما فيها من أموال يغطي الأرض مرات ومرات ، ونجد أن قوله تعالى : { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } ( (3) ) ، يحمل في طياته كل سمات العولمة الحديثة في وعظ قوم موسى من المؤمنين لقارون ، فنجد من سمات العولمة في قصة قارون :
الفرح الاحتفالي المبالغ فيه .
نسيان الآخرة .
جعل الدنيا النصيب كله .
عدم الإحسان .
الفساد في الأرض .
ونجد كذلك في سورة القصص مقومات العولمة العلمية التي هي في عصرنا ثورة المعلومات والاتصالات والتقنيات في جواب قارون لقومه : { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } ( (4) ) .
ونجد رياء العولمة وتبخترها وتكبرها في مثل ما نجده في صفة قارون في سورة القصص في قوله تعالى : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ } ( (5) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 76 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 76 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 76- 77 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 78 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 79 .

(2/95)


ونجد إعجاب بعض الجهلة بالعولمة التي لا يدرون مآلها ومآلهم معها من قوله تعالى في السورة نفسها : { قَالَ الذين يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ( (1) ) ، وفي عصرنا تكفلت وسائل الإعلام كلها بتحبيب نموذج العولمة للأذهان ، فصار الناس يتشدقون : إن العولمة في هذا العصر هي ( الحظ العظيم ) ، وهذا ما وسوسه الشيطان الرجيم ـ لعنه الله بلعنته ـ في قلوب الناس .
ثم نجد مصير قارون في الخسف هو عين ما يتوقع المنظرون الاقتصاديون للعولمة من مصير ( التفكك ) في قوله تعالى : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ } ( (2) ) ، ويبين الله عزَّ وجلَّ الحقيقة على لسان الذين اغتروا بقارون بعد أن رأوا أمثاله ( وفي عصرنا بعد أن يروا تفكك العولمة ) ، في قوله عزَّ وجلَّ حاكياً عنهم قولهم : { يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمن يَشَاءُ من عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } ( (3) ) ، ويقرر القرآن الكريم دلالة حقيقة الاقتصاد العالمي في كل نظرياته بقوله تعالى : { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ من جَاءَ بِالْهُدَى وَمن هُوَ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ } ( (4) ) ، بمعنى أن النظريات الاقتصادية في هدايتها وفي ضلالها إنما جاءت بمعناها العام لتدل على الخصوصية الاقتصادية العالمية ، لأن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد هداية خاصة ، والاقتصاد العالمي المعولم اقتصاد ضلال يهودي ربوي ، فبان الفرق بينهما في دلالات الآية .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 79 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 81 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 82 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 85 .

(2/96)


وبذلك كانت سورة القصص دالة كل الدلالة على وجه الشبه بين أموال قارون واقتصاد العولمة ، والخسف والتفكك الذي أصاب وسيصيبها قديماً وحديثاً( (1) ) .

المطلب الرابع
الاستعداد لمواجهة الطغيان الأميركي من خلال سورة القصص

لقد أمر الإسلام الحنيف المؤمنين كافة بالاستعداد وإعداد العدة لأعداء الله عزَّ وجلَّ ، وذلك في قوله تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ وَمن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } ( (2) ) .
لذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية خشيت الاستعداد للجهاد ، فبدأت تطالب بإلغاء تدريس آيات القتال في العالم الإسلامي ، وخشيت قوله تعالى : { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ } ( (3) ) ، فاخترعت مصطلحاً وترجمته للعربية بالفعل ( ر . هـ . ب ) ، وجعلته كلمة مكروه هو ( الإرهاب ) ، كما كره الغرب للناس من قبل كلمة الاستعمار في ترجمته لها ، وهي كلمة قرآنية : { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } ( (4) ) ، ( فنسب الاستعمار لله عزَّ وجلَّ ) وهذا من فساد حياتنا اللغوية ! .
وهكذا فإن الاستعداد لمواجهة العدو الكافر المشرك ثابت في كل آيات القتال الكريمة ظاهراً وباطناً ، غير أنا نجد في سورة القصص آيات كثيرة تتعلق دلالتها الماضية بما سبق ، ودلالتها الحاضرة بالوضع العام العالمي الذي نعيشه في عصر الطغيان والهيمنة الأميركية على العالم .
__________
(1) ينظر قصص الَقُرْآن : ص 284. دراسات في التفسير الموضوعي للقصص الَقُرْآنيّ . د . أحمد جمال العمري . الطبعة الأولى . مَكْتَبَة الخانجي بالقاهرة . 1406 هـ ـ 1986 م . : ص 295 .
(2) سُوْرَة الأَنْفَالِ : الآية 60 .
(3) سُوْرَة الأَنْفَالِ : الآية 60 .
(4) سُوْرَة هُوْد : الآية 61 .

(2/97)


وتتلخص آليات الاستعداد لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية ، وكل من كان على شاكلتها في سورة القصص في آيات كثيرة ، مثل قوله تعالى : { وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ } ( (1) ) .
فإن هذه الآية في دلالتها العامة والخاصة تشمل الاستعداد بالقوة لوراثة الأرض من أميركا التي استضعفت المؤمنين .
ثم نجد أن قوله تعالى : { أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ( (2) ) ، يدل في دلالته الحديثة المعاصرة على أن ما وعد به الله عزَّ وجلَّ في الثواب الكريم ، ورسوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في السنة النبوية الشريفة من انتصار الإسلام بعد أخذ الحذر والاهبة والاستعداد لقتال الكفرة واليهود ، هو أمر متحقق إن شاء الله العلي العظيم .
ولا ننسى هاهنا أن أميركا تمثل اليهود ، وأن الوعد النبوي الذي ما ينطق صاحبه عن الهوى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقتال اليهود والانتصار عليهم ، يشمل أميركا بدلالته ، وهو ما نجده في سورة القصص في قوله تعالى : { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ } ( (3) ) .
ونجد ضمن الاستعداد لمواجهة أميركا قوله تعالى : { وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } ( (4) ) ، فالآية تدل على أن من فعل فعل فرعون وهامان وجنودهما ملعون في الدنيا ، وفي الاستعداد لمواجهة أميركا ( فرعون العصر وهامانه ) ، ( إذا جاز لي هذا التعبير ) ، نجد أن أميركا ( أمة ملعونة ) كما وصفها بعض أبنائها من قبل ! .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 13 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 35 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 42 .

(2/98)


ونجد ضمن الاستعداد لمواجهة أميركا في سورة القصص قوله تعالى : { وَلَكِنْ رَحْمَةً من رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ من نَذِيرٍ من قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( (1) ) .
وضمن الاستعداد لمواجهة أميركا نجد دلالة قوله تعالى في سورة القصص : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } ( (2) ) ، وأي ظلم يجب الاستعداد لملاقاته أشد من ظلم الولايات المتحدة الأميركية منذ نشؤها ( وقتلها للهنود الحمر ) حتَّى اليوم ( في عدوانها على أفغانستان بدعوى محاربة الإرهاب ) ؟ ! .
ثُمَّ نلاحظ من سمات الاستعداد لمواجهة أميركا دلالة توجيهية لأخذ أميركا بذنوبها بعد أن اعترف شهودها بأن لا برهان لهم على ما تفعله حكومتهم بالعالم ، وهو قوله تعالى في سورة القصص : { وَنَزَعْنَا من كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ( (3) ) .
ثم خاتمة مطاف الاستعداد لمواجهة أميركا في قوله تعالى في وصف الآخرة مقابل الدنيا الزائلة : { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ( (4) ) ، مع أن المبدأ الأساسي لأميركا هو :
العلو في الأرض .
الفساد في الأرض .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 46 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 59 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 75 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 83 .

(2/99)


وهو ما أوجب على المسلمين أن يستعدوا ما وسعهم الاستعداد للملحمة الكبرى التي تستعد لها أميركا في أدبياتها النصرانية تحت اسم ( هار مجدون ) ، إذ يظنون أنهم باستعدادهم لملاقاة المسلمين سيعيدون مملكة ( يسوع المسيح ) في ألفيتها حسب مزاعمهم ، وهو ما قرره الكبراء منهم من قسسهم وحاخاماتهم ودجاليهم المنبئين .
أما الاستعداد الإسلامي لذلك فنجده مندرجاً تحت قوله عزَّ وجلَّ : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( (1) ) ، على الذي تحقق من دلالته قديماً وحديثاً في التراث والمعاصرة ، كما لا يخفى على أحدٍ .

المطلب الأول
الزوال ـ نهاية أميركا مقارنة بفرعون وهامان وقارون في سُوْرَة الْقَصَصِ
إن من خصائص النص القرآني أنه نص متجدد يصلح في دلالاته للماضي والحاضر والمستقبل في الدنيا والآخرة على ما قرره العلماء ، ونحن يمكن أن نفهم دلالاتها الحقيقية في دلالات معاصرة على أمور نعلم أن الله عزَّ وجلَّ يعلم بها جميعاً وبأعمالها بدليل قوله تعالى : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ( (2) ) .
لذلك فليس عجيباً أن نجد أن النهاية التي انتهى إليها فرعون وهامان وجنودهما وقارون ، هي عين ما يتوقع المنظرون السياسيون وعلماء علم المستقبليات السياسي من الغربيين للولايات المتحدة الأميركية في قابل أيامها ومستقبل أعوامها .
ويمكن على وجه من الوجوه رؤية الزوال الفرعوني الهاماني القاروني في الزوال الذي وقع زلزالاً صبيحة 11 / أيلول / 2001 م في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا وسمي باسم ( أحداث الحادي عشر من أيلول ) على ما هو مشهور معروف !
ونحن في قراءتنا المعاصرة الدينية لسورة القصص ، نجد أن هنالك نقاطاً تحذيرية ـ تنبيهية كثيرة ، عن الزوال الأعظم في الماضي والحاضر :
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .
(2) سُوْرَة الصَّافَاتِ : الآية 96 .

(2/100)


زوال الماضي هو زوال فرعون وهامان وقارون والجنود .
زوال الحاضر هو زوال أميركا وإسرائيل وجنود العولمة .
ولا ريب أن ذلك منصوص عليه بصورة أكثر صراحة في كثير من أحاديث رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، ولا سيما ما نجده في أبواب الفتن( (1) ) .
غير أننا في تحليلنا لسورة القصص نجد الأمر بوضوح كبير يكاد لا تخطئه العين .
إن هلاك فرعون وهامان وقارون وجنودهم جميعاً في الماضي التاريخي إنما كان بسبب عوامل أسلفنا الحديث عنها في الفصول الماضية ولا ريب في أن هذه العوامل نفسها ستكون سبب في زوال وهلاك أميركا وإسرائيل وجنود العولمة في العصر الحديث ، وذلك كما يقول الله عزَّ وجلَّ : { وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الْكِتَابَ من بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ( (2) ) .
__________
(1) منها ما روي عَنْ أبي بن كعب ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : (( بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب )) . المستدرك على الصحيحين : 4 /346 قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 43 .

(2/101)


وهكذا نجد أن قوله تعالى : { وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ } ( (1) ) يشمل اليوم في دلالاته المسلمين والإسلام ، لأنهم استضعفوا في الأرض بعد أن تفرقوا قبل بروز الصحوة الإسلامية ، ثم أنهم الآن الأئمة ، ولا ريب في أن الوعد الإلهي حق في أن الوراثة لهم ، ولا وراثة قبل هلاك أميركا وزوالها ، وذهاب دولة إسرائيل على ما ورد في سورة الإسراء ، وفي أحاديث رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عن مقاتلة اليهود مصداقاً لهذه الآية من سورة القصص( (2) ) .
وعن الزوال في سورة القصص نجد قوله تعالى : { وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } ( (3) ) ، وهذا يشبه إلى حد كبير ما ابتدأت أميركا وإسرائيل والجنود يروه من علامات الزوال :
أميركا وأحداث 11 / أيلول ( مقابل فرعون ) .
إسرائيل وانتفاضة الأقصى المباركة ( مقابل هامان ) .
جنود العولمة وحركات مناهضة العولمة ( مقابل قارون ) .
وهذا من الأدلة على الصدق الإلهي للنص القرآني .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5 .
(2) من ذلك ما رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ : (( تُقَاتِلُونَ الْيَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ ، فَيَقُولُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ )) . صَحِيْح البُخَارِي : كتاب الجهاد والسير ، باب قتال اليهود 3 /1070 رقم ( 2767 ) .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 6 .

(2/102)


ونجد قوله تعالى : { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْن لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } ( (1) ) ، إن أميركا تهاوت تحت ضربات أعدائها ، وان الأحزاب تغلغلها وتعمها كل العموم في هذا العصر الحديث ، مثلما حدث من قبل لفرعون وآله .
ونجد أن الإسلام في العصر الحديث في صحوة بالعودة إلى القرآن الكَرِيم والسُّنَّة النَبَوِيَّة . وهو ما يدل عليه بعض الدلالة قوله تعالى : { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ } ( (2) ) .
ثم نجد أن دلالة قوله تعالى : { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } ( (3) ) ، هي دلالة متجردة تصلح لوصف زوال أميركا بها ، وهي في وسط البحار التي تحيط بها والمحيطات ، وهذا من عجائب الأقدار الإلهية إغراق فرعون في اليم ، وزوال أميركا في أرضها وسط بحارها وحيدة مع جنودها .
ثم نجد في سورة القصص أن قوله تعالى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } ( (4) ) ، يدل على قرب زوال أميركا باقتضاء النص لمعانيه الكامنة بين الماضي والحاضر والمستقبل ، بل إن هذا النص أجود القواعد القرآنية الدائمة التي حددها العلماء لزوال الأمم والحضارات وفق العقيدة القرآنية .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 8 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 35 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 40 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 58 .

(2/103)


ونجد كذلك أن ما يدل على زوال أميركا وإسرائيل في سورة القصص زوال العولمة وتفككها ، بدليل قوله تعالى : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ } ( (1) ) الذي نستطيع نحن في القراءة التفسيرية الدينية أن نربط الماضي بالحاضر وصولاً إلى آفاق المستقبل ، وذلك قوله تعالى : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ } ، لأن هذه الآية تصف وصفاً معاصراً كيف أن الخسف ( مع الإغراق ) بكل معانيها الحالية والحقيقة المجازية هو مصير عولمة أميركا الإسرائيلية بـ( الوصف السياسي الحديث ) ، وهذا من عجائب إعجاز التنبؤات القرآنية في سورة القصص .

المطلب الثاني
مصير الكفرة في العصر الحديث مقارنة بسُوْرَة الْقَصَصِ
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 81 .

(2/104)


من المعروف لدى كافة المفسرين أن النصوص القرآنية في تجددها ذات دلالات تشمل ما مضى وما سيأتي ، وأن قواعدها الكلية بمعنى القواعد العامة تشمل كل الناس ، وكل الأمم ، وكل الأزمنة والأمكنة ، وبذلك حللنا في المطالب الماضية علاقة فرعون بأميركا وإسرائيل ، وسنحاول في هذا المطلب استعراض الصورة القرآنية لمصير الكفرة في العصر الحديث في سورة القصص من خلال تجدد دلالات الآيات فيها على ما نراه في الصفحات التالية وفق النقاط الآتية أدناه المستنبط بعضها من قوله تعالى فيها في المقارنة بين المؤمنين والكافرين : { أَفَمن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمن مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ من الْمُحْضَرِينَ } ( (1) ) ، وهذا هو عين وصف مصير الكافرين في الدنيا والآخرة ، أما مصير الكافرين في سورة القصص فيتحدد في :
إن الكافر يعلو في الأرض : { إِنَّ فِرْعَوْن علاَ في الأَرْضِ } ( (2) )
إن مصير المؤمنين وراثة الكافرين : { وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ } ( (3) ) .
إن الإمامة والوراثة الإيمانية تكون بعد الإمامة والوراثة الكفرية { وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ } ( (4) ) .
إن التمكين الإيماني في مقابل الزلزلة الكفرية : { وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } ( (5) ) .
إن الهزيمة مصير الكافرين كلهم : { مِنْهُمْ مَا كَانُوا يحذرون } ( (6) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 61 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 4 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 6 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 6 .

(2/105)


إن وعد الله حق للمؤمنين : { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ( (1) ) .
إن الكافر مهما بلغت قوته لا يصل إلى المؤمن : { فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ } ( (2) ) .
إن مصير الاستكبار والكفر الهزيمة والفشل : { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } ( (3) ) .
إن الكفرة ملعونين في الدنيا مقبوحين في الآخرة : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ من الْمَقْبُوحِينَ } ( (4) ) .
إن مصير الكفر الهلاك : { من بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } ( (5) ) .
إن الكفرة في مصيرهم يتبعون أهواءهم : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمن أَضَلُّ مِمن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغير هُدًى من اللَّهِ } ( (6) )
إن الكفرة لا يهتدون لظلمهم : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ( (7) )
إن مصير بطر الكافرين هو الهلاك : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } ( (8) )
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 13 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 35 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 40 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 40 – 41 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 43 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 50 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 50 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 58 .

(2/106)


إن الهلاك لا يكون إلا بعد ظهور الحجة على الكافرين بظلمهم : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } ( (1) )
إن العذاب مصير الكافرين : { وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } ( (2) ) .
العمى مصير الكفرة : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُونَ } ( (3) ) .
إن القوة والجمع ليست بمنجية من عذاب الكافرين: { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ } ( (4) ).
إن الخسف مصير الكافرين : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ } ( (5) )
لا ناصر للكافرين بعد العذاب في الدنيا والآخرة : { فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ } ( (6) ) .
إن الرجوع والمال والمآب والمعاد إلى الله عزَّ وجلَّ: { لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( (7) ).
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 59 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 64 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 66 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 78 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 81 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 81 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .

(2/107)


وبهذه النقاط المهمة المستخلصة تحليلياً من مضامين سورة القصص نجد أن لا شيء يعادل الكفرة في كفرهم بالله عزَّ وجلَّ على علم منهم ، لذلك كانت آيات سورة القصص تفسر لنا بعض دلالات قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمن يَشَاءُ } ( (1) ) ، لأن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضاً ، وهذا من استدلالاتنا الحديثة في تحليلنا الاستقرائي المعاصر لدلالات سورة القصص الشريفة .
فلا يغترن أحد بما عليه الكفار اليوم من رغد العيش وتسلط على البشر ، وتقدم علمي يريد الله أن يبتليهم به . قال تعالى : { وَالذين كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } ( (2) ) . هذا من جانب ، وأن من سنن الله في خلقه أن من عمل وسعى وبذل جهده وطاقته في تحصيل مقصد وصل إليه ، فالمسلمون حين يستجمعون أسباب التوفيق والتمكين المادية والمعنوية فإنهم يصلون في القيادة والريادة إلى ما وصل إليه الغرب وأكثر ، فالمسلمون يملكون العون من الله والتوقيف لأنهم حملة دينه ، وحماة شرعه .

المطلب الثالث
مبشرات انتصار الإسلام في مفهوم
{ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ }
مع آيات نصر المؤمنين في سورة القصص
في العقيدة الإسلامية الحقة الحقيقية ، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة من أهل الحق ، نجد تقريرات مهمة لآخر الزمان من عمر الدنيا تشمله كلمتان جامعتان ( انتصار الإسلام ) .
__________
(1) سُوْرَة النِّسَاءِ : الآية 48. و 116 .
(2) سُوْرَة الأَعْرَافِ : الآيتان 182 –183 .

(2/108)


وذلك هو الوعد الإلهي الذي تكفل به عزَّ وجلَّ للمؤمنين ، وجعله ضمن أشراط الساعة قبل أن تقوم الساعة على شرار الناس ، وليس على الأرض من يقول ( الله … الله ) ، كما ورد في حديث النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ( (1) ) .
ونحن نجد أن ضمن الدلالات الاستنباطية من مفهوم قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } ( (2) ) ، يمكن لنا أن نفهم منه ، وكما فهم بعض القدماء من قبل أن معاد ( مكة المكرمة ) مع أنه ( يوم القيامة ) ـ كما قال المفسرون القدماء ـ( (3) ) فهماً جديداً ذا دلالات جديدة في موضوع ( انتصار الإسلام ) .
فالمنة الإلهية بفرض القرآن الكريم على رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ اقترنت بلام التوكيد برد الرسول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلى معاد ، يمكن لنا أن نفهمه على أنه انتصار الإسلام مع دلالته الحقيقة على يوم القيامة .
وهذا النص القرآني تعززه شواهد كثيرة في سورة القصص ضمن مبشرات الإسلام بانتصاره ، فالدلالة العامة لقوله تعالى : { وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ } ( (4) ) هي عين الدلالة التي تدل على انتصار الإسلام بعد استضعاف أهله ، وإعادة الإمامة العظمى للإسلام ووراثة الإسلام للأرض فينتشر فيها ، بعد أن يتمكن المسلمون من الأرض عند زوال قوم الكفر والشرك
( أميركا وإسرائيل ومن تابعهم على حد سواء ) .
__________
(1) نص الحديث : (( لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله )) . صحيح مسلم : كتاب الإيمان . كتاب باب ذهاب الإيمان آخر الزمان 1 /131 رقم ( 148 )
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 85 .
(3) ينظر ص : من هذه الرسالة
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5 .

(2/109)


ودلالة قوله تعالى : { وَلاَ تَخَافي وَلاَ تَحْزَنِي } ( (1) ) ، يمكن أن تشمل فيما تشمله من دلالات حقيقية أمراً للمسلمين بأن لا يخافوا علو أميركا وإسرائيل ، ولا يحزنوا من الهزيمة في معركة إذا ضمنوا من خلال مبشرات سورة القصص ربح الإسلام للحرب كلها .
ودلالات قوله تعالى : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ( (2) ) ، يستنبط منها أن قرة عين المسلمين بالانتصار الإسلامي القادم الذي أخبر به رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في أحاديث كثيرة متواترة ( في الصحيحين والسنن الأربعة والمسند والموطأ ) ( (3) ) ـ سنذكرها لاحقاً ـ سيكون تحقيق للوعد الإلهي الحق ، ولكن بعض الناس لا يعلمون ذلك ، إما كفراً أو استعجالاً لقدر الله جلَّ جلاله ، وهو من الأشياء المنهي عنها .
ونجد في سورة القصص ضمن مبشرات انتصار الإسلام العامة والخاصة المتعلقة بقوله تعالى : { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } ، قوله تعالى : { عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } ( (4) ) ، وقد هدي المسلمون بالقرآن الكريم والسنة النبوية إلى سواء السبيل لو انهم تمسكوا بها ، فإن تمسكوا بها هدوا إلى ذلك السواء وانتصروا على كل أعداء الإسلام ، حتَّى وإن كانوا أشد منهم قوة وجمعاً أو لم يعلموا { أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ } ( (5) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 7 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 13 .
(3) تقدم تخريجه ص :
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 22 .
(5) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 165 .

(2/110)


ونجد في سورة القصص أن قوله عزَّ وجلَّ : { وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا } ( (1) ) ، يمكن أن تجعل كل مؤمن ومسلم يتوكل على الله عزَّ وجلَّ ويدعون بدعاء صادق وبدعوتهم لكل أمة مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) بالنصر بدليل دعاء موسى لأخيه هارون ـ عليهما السلام ـ بالغيب .
أما قوله تعالى : { أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ } ( (2) ) ، فإنه شامل لكل من آمن بموسى وهارون ـ عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ والمسلمون جميعاً يؤمنون بهما ويتبعونهما وفق قوله تعالى : { لا نُفَرِّقُ بين أَحَدٍ من رُسُلِهِ } ( (3) ) ، فحقت حقيقة الوعد الإلهية بالغلبة للمتبعين ، وهذا من المعاني الدلالية الكامنة .
ونجد في سورة القصص أن قوله تعالى : { وَمن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } ( (4) ) ، يشمل أمة الإسلام التي جعلت لها في جاه رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) عاقبة الدار ، ولا شك أنها اليوم بحاجة ماسة إلى أن تعيد صلتها بعاقبة الدار ، لتكون الأمة في انتصارها مع المصطفين الأخيار .
ونجد ضمن مبشرات انتصار الإسلام القادم ـ إن شاء الله العلي العظيم ـ في سورة القصص قوله عز من قائل : { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } ( (5) ) ، فدلت هذه الآية في بناءها ومعناها أن عاقبة الظالمين تشمل كل ظالم ، كافر في كل جيل من الأجيال القديمة والحديثة والقادمة على حد سواء ، وهذا وعد من الوعود الإلهية الغنية بانتصار الإسلام .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 35 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 35 .
(3) سُوْرَة البَقَرَةِ : الآية 285.
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 37 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 40 .

(2/111)


ولعل ذلك هو المقصود بقوله تعالى ـ وهو عندي أبلغ الأدلة من سورة القصص على انتصار الإسلام ـ إذ يقول جلَّ جلاله : { أَفَمن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ } ( (1) ) .
ومن بشارات انتصار الإسلام في سورة القصص قوله جلَّ جلاله { فَأَمَّا من تَابَ وَآمن وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ من الْمُفْلِحِينَ } ( (2) ) ، والفلاح في بعض معانيه النصر والظفر والفوز والغنيمة في الدنيا والآخرة .
ومن مبشرات انتصار الإسلام في سورة القصص قوله عزَّ وجلَّ فيها : { فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ } ( (3) ) ، ونحن نعلم أن الحق الذي وعد الله عزَّ وجلَّ به هذه الأمة هو النصر على أعدائها ، وإعلاء كلمة الله جلَّ جلاله العليا .
ثم نجد في سورة القصص حقيقة قرآنية هي قوله عزَّ وجلَّ في وصف ديمومة الانتصار الإسلامي في الدنيا والآخرة ، ضمن مبشرات سورة القصص ، وذلك قوله عزَّ وجلَّ في وصف الآخرة والدنيا باب الآخرة : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها } ( (4) ) .
والمسلمون من صفاتهم الجماعية :
إنهم لا يريدون علو في الأرض .
إنهم لا يريدون الفساد .
إن التقوى لهم .
انهم يجيئون بالحسنة .
انهم يعرفون مزية الإحسان بالتقوى والحسنات .
فدلت هذه الصفات بمجموعها على وجود مبشرات كثيرة على الانتصار الإسلام ـ إن شاء الله العلي العظيم بحوله وقوته ـ .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 61 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 67 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 75 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 83 –84 .

(2/112)


ونجد بعد ذلك في سورة القصص قوله تعالى : { إِلاَ رَحْمَةً من رَبِّكَ } ( (1) ) ، وديمومة الرحمة في كلّ شيء تدلّ على انتصار الإسلام ، وفق هذه المبشرات التي وردت في سورة القصص ، والتي يمكن لنا من استخلاص نتائجها أن نقرر استناداً لها أن انتصار الإسلام والمسلمين قريب قادم على ما تقدم بيانه في هذا المطلب والمطالب التي سبقته من مباحث هذا الفصل ، فإننا باستبشارنا بنصر الله لهذه الأمة استندنا إلى عدة أسباب جاء قسم منها في سُوْرَة الْقَصَصِ وفي غيرها ، وهي :
تحريم اليأس : فلا يجوز للمسلم أن ييأس أبداً ، فاليأس قرين الكفر والضلال .
بشارة المؤمنين بنصر الله .
الصراع الدائم بين المسلمين وأعدائهم ، دال على قوة المسلمين وخوف الأعداء منهم ، لذا كانوا وما زالوا يكيدون للإسلام والمسلمين لما يرونه في الإسلام من مظاهر القوة .
الصحوة التي يشهدها الإسلام اليوم والرجوع الصادق إلى الله تعالى .
التاريخ المجيد للأمة العربية الإسلامية الذي يمد المسلمين بالعبر وما فيه من دروس تجاوزت فيها الأمة المحن .
واقع الحضارة الغربية الآيلة للانهيار ، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي . وأما الرأسمالية التي تمثلها اليوم أمريكا ، فإن واقع المجتمع الأمريكي يحمل أسباب دماره وهلاكه ، جراء تفشي الأمراض الخطرة في ميادين الحياة كافة . وسنعرض بعض الحقائق المهمة التي ربما كانت غائبة عن عيون المنبهرين بالغرب وبحضارته الزائفة ، ففي ذلك يقول كولن ولسن يصف عمران نيويورك وازدهارها المادي بأنه " غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء "( (2) ) . فالعاصمة الأمريكية عاصمة الخوف والجريمة ، يستيقضون كلّ صباح على جريمة قتل ، أو سرقة ، أو غير ذلك من الجرائم التي ترتكب ببشاعة . وأن عدد الجرائم قد زادت
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 86 .
(2) الإيمان والحياة . د . يوسف القرضاوي . مؤسسة الرسالة . بيروت . 1394 هـ ـ 1979 م . : ص 86 .

(2/113)


المطلب الرابع
القواعد الكلية للمجتمعات الإنسانية في سُوْرَة الْقَصَصِ
من المعلوم شرعاً وعقلاً أن هنالك في كل أنواع الفكر السياسي القديم والحديث قواعد كلية تسير عليها الأمم في سلوكياتها العامة للأخذ بالدين والدنيا ، والحاضر والمستقبل . وهو ما يطلق عليه في علم السياسة الحديث اسم ( قيم الأمم ) .
وفي القرآن الكريم مجموعة واسعة موحدة من هذه القواعد الكلية الشمولية التي تصلح في كل عصر ، وفي كل زمان ، وفي كل مكان ، وفي كل أمة من الأمم ، على اختلاف توجهاتها الفكرية والدينية والخلقية ، وتستوي في ذلك الحضارات والثقافات والقوميات والأعراف ، لأن هذه القواعد السياسية ( وعندنا ما أسميناه القواعد الكلية القرآنية ) تصلح بمجملها لكل المجتمعات الإنسانية .
ونجدها في القرآن الكريم إما مفرقة أو مجموعة في مكان واحد ، وهذه القواعد يمكن وصفها بأنها تحوي الصادق ، كون مصدرها إلهي غير إنساني ، بمعنى أنه كما لا يخفى لا يتطرق إليه الخطأ ، وحاشا لله سبحانه وتعالى .
وفي استعراضنا لسورة القصص في هذا الفصل بمجمله الذي هو أشبه بالقراءة السياسية التأويلية لمضامينها ومعانيها ، نجد أن سورة القصص أكدت على جملة من هذه القواعد الكلية التي هي عامة غير خاصة لكل المجتمعات الإنسانية .
وسوف نحاول هاهنا عرضها وفق الفهم التحليلي التأويلي الحديث ، بمعنى أننا سنعطي القاعدة ، ثم دليلها من سورة القصص للوصول أثناء ذلك إلى تمثل أكبر وأدق وأشمل وأكمل لكل الأهداف التي احتوتها سورة القصص في معانيها الظاهرة
والباطنة :
إن لكل أمة أو مجتمع إنساني وقتاً للاستضعاف ووقتاً للنصر { وَنُرِيدُ أَنْ نَمن عَلَى الذين اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ } ( (1) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 5 .

(2/114)


إن الظالم في طغيانه لا بد له من ملاقاة ما يحذره { وَنُرِي فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } ( (1) ) .
إن الظالم الخاطئ لا بد له من عدو يحزنه قد يكون قريباً منه { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْن وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } ( (2) ) .
إن الوعد الإلهي صادق مهما طال الزمن . { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ( (3) ) .
إن جزاء كل محسن الحكم والعلم . { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكما وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } ( (4) ) .
إن القتل الخطأ من عمل الشيطان لعنه الله بلعنته { فَوَكَزَهُ موسى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هذا من عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبين } ( (5) ) .
إن المعجزات الإلهية لا تماثلها خارقات العادة ولا الكرامات . { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ من رَبِّكَ } ( (6) ) .
إن من جعل الله عزَّ وجلَّ له سلطاناً فليس بواصل إليه أحد { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكما سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكما بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتَّبَعَكما الْغَالِبُونَ } ( (7) ) .
إن التقليد المخطوء في العقائد سنة الجهلة . { مَا هذا إِلاَ سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهذا في آبَائِنَا الأَوَّلِينَ } ( (8) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 6.
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 8 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 13 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 14 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 15 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 32 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 35 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 36 .

(2/115)


إن الملك في علم الله جلَّ جلاله . { رَبِّي أَعْلَمُ بِمن جَاءَ بِالْهُدَى من عِنْدِهِ وَمن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } ( (1) ) .
لا فلاح لظالم . { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ( (2) ) .
إن استكبار الظالم وجنوده مصيرهم الهلاك . { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ في الأَرْضِ بِغير الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } ( (3) ) .
إن الظالم ملعون دائماً وأبداً في الدنيا والآخرة . { وَأَتْبَعْنَاهُمْ في هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } ( (4) ) .
إن طول العمر مضل للأمم ومجتمعاتها . { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ } ( (5) ) .
إن التكذيب لله ورسله قد يكون خاصاً وعاماً بذريعة أو بغير ذريعة { فَلَمَّا جَاءهُمْ الْحَقُّ من عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلاَ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ موسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ موسى من قَبْلُ } ( (6) ) .
إن اتباع الهوى مضل . { أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمن أَضَلُّ مِمن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغير هُدًى من اللَّهِ } ( (7) ) .
لا هداية للظلمة . { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ( (8) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 37 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 37 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآيتان 39 - 40 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 42 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 45 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 48 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 50 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 50 .

(2/116)


إن الهداية الإلهية للمجتمعات الإنسانية بأمر الله عزَّ وجلَّ { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } ( (1) ) .
إن البطر مؤداه الهلاك . { وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قرية بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } ( (2) ) .
إن مساكن الأمم والمجتمعات الهالكة قليلاً ما تسكن من بعدهم { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ من بَعْدِهِمْ إِلاَ قَلِيلاً } ( (3) ) .
إن وراثة الملك لله عزَّ وجلَّ وحده . { وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } ( (4) ) .
إنه لا هلاك إلا بعد إنذار لأي مجتمع من المجتمعات . { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } ( (5) ) .
أن كلّ ملك زائل . وَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ( (6) ) .
أن الغوي قد يغوي الآخرين . أَغْوَيْنَاهُمْ كما غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } ( (7) )
أن التوبة والعمل الصالح نتيجتهما الفلاح . { فَأَمَّا من تَابَ وَآمن وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ من الْمُفْلِحِينَ } ( (8) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 56 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 58 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 58 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 58 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 59 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 60 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 63 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 67 .

(2/117)


أن العلم مهما تطور لا يمكن إيجاد الخلق فيه . { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ( (1) ) .
أن كل فرية تضل في الدنيا والآخرة . { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ( (2) ) .
لا قيمة للفرح الإنساني بالمال . { لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } ( (3) ) .
الموازنة بين الدنيا والآخرة من رجاحة العقل . { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيَا } ( (4) ) .
أن الفساد مؤداه الهلاك في الأمم والمجتمعات . { وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } ( (5) ) .
أن التقانة العملية والتطور والتقدم في المعارف لا يعني الخروج من الهلاك الساحق بالكفر والظلم . { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ من قَبْلِهِ من القُرُونِ من هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } ( (6) ) .
أن الأجرام لا يحتاج إلى إيضاح . { وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ } ( (7) ) .
أن الهلاك الضاري لا ناصر له ولا يُنصر . { فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ من دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ من المُنْتَصِرِينَ } ( (8) ) .
لا فلاح لكافر مهما بلغ ماله من الكثرة . { وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } ( (9) ) .
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 68 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 75 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 76 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 77 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 77 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 78 .
(7) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 78 .
(8) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 81 .
(9) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 82 .

(2/118)


إن الحسنة والسيئة لهما جزاء محدد من الله عز وجل لكل المجتمعات . { من جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ( (1) ) .
أن النصر الإلهي لا بد أن يأتي لمن آمن وعمل بالكتاب . { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } ( (2) ) .
إنه لا يجوز أن يكون المؤمن ظهيراً للكافر . { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } ( (3) ) .
أن كل الكون زائل ولا يبقى إلا الله عز وجل . { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَ وَجْهَهُ } ( (4) ) .
إن الحكم لله عز وجل . { لهُ الْحُكْمُ } ( (5) ) .
أن الرجوع في الدنيا والآخرة لله عز وجل . { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ( (6) )
وبذلك يمكن بالابتعاد عن القواعد المذمومة ، والقرب من القواعد المحمودة ، والإيمان بما يجب الإيمان به منهما ، أن تتوحد المجتمعات الإنسانية كلهما ، إلى العودة إلى الفطرة الإلهية من خلال هذه القواعد الكلية الثبوتية حكما في سورة القصص الشريفة .
الخاتمة
وبعد فقد كانت هذه الأطروحة محاولة للقيام بتحليل سورة منفصلة على حدة وإبراز مكانتها التي تدل على ما فيها من عظات وعبر .
وإذ أعانني الله جَلَّ جَلاَله على إتمامها أجدني قد توصلت من خلال عملي إلى جملة من النتائج والاستنتاجات التي ظهرت من البحث نفسه أوجزها في النقاط الآتية
__________
(1) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 84 .
(2) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 85 .
(3) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 86 .
(4) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .
(5) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .
(6) سُوْرَة الْقَصَصِ : الآية 88 .

(2/119)


إن هذه السّورة في حد ذاتها ضمن سياق باقي السور القرآنية ، فيها دلالات متعددة ، وأوجه مختلفة للإعجاز القرآني . ولعل صيغها اللغوية وما يستنبط من تلك الصيغ من معانٍ وأفكار كان أحد تلك الأوجه .
إن في سُوْرَة الْقَصَصِ ربطاً متواصلاً لماضي التاريخ وحاضر الدعوة ومستقبل الأمة .
إن النصّ القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ يمكن وصفه بأنه نص متحرك المعاني والدلالات بمعنى أنه يصلح في جملة معانيه وجملة دلالاته لفهم أدق للإيمان الواحد والمصير الواحد والمآل الواحد .
كانت سُوْرَة الْقَصَصِ إحدى السور التي امتازت ببناء الجملة الطويلة وتعداد آلاء الله عَزَّ وجَلَّ وتأسية رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بما مضى وتلك بعض خصائص السور المكية .
تبرز في سُوْرَة الْقَصَصِ إرشاداتها الوعظية رداً على جميع أولئك الذين رفضوا تحكيم شرع الله وحاولوا الخروج على السنن والحدود الإلهية .
أبرزت سُوْرَة الْقَصَصِ معالم تكون الأمة والدولة والمصير الذي يصيب الطغاة بقوته ، أو بماله .
إن النصّ القرآني في سُوْرَة الْقَصَصِ هو نص متدرج في مقاطع يرتبط بعضها ببعض وفي ذلك رد على تلامذة المستشرقين الذين لمحوا إلى تفكك النصّ القرآني .
إن القصة القرآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ وفي باقي سور القرآن الكريم استناداً إلى ذلك هي نص تاريخي واقعي وليست رمزاً ، أو أسطورة ، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين ممن أعماهم الحقد على الإسلام .
إن قضية تكرر القصة القرآنية في عدة آيات بصيغة متشابه أو مختلفة هي بعض مناحي الإعجاز الوصفي في القرآن الكريم ، وذلك لأن الصياغة إذا اختلفت في الأمر الواحد دلت على القدرة في بلاغة الوصف وهكذا فإن قصة موسى ـ عَلَيْه الصَلاة والسَّلام ـ في سُوْرَة الْقَصَصِ هي صياغة أخرى للقصة نفسها ، ولكن وقف جمل وعبارات تؤدي معاني أرادها الله في موضعها .

(2/120)


إن المعنى العام في سُوْرَة الْقَصَصِ يؤكد تأكيداً كلياً على أن أي قوة عسكرية أو أي فساد وطغيان ، وأي اقتصاد أريد به الإفساد في الدنيا ، إنما يكون مآلهم إلى الهلاك .
بشرت سُوْرَة الْقَصَصِ برسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وللأمة من بعده بحتمية النصر الإلهي مها طال الزمن أو مهما استبد الطغاة بطغيانهم .
إن الأهداف العامة في سُوْرَة الْقَصَصِ تؤكد على أن وراثة الأرض لا تكون إلا للمؤمنين وأنه لا بد من مآل ورجوع إلى الوطن والأمة في أحلك أوقات الأزمات وهو وعد إلهي تحقق وسيتحقق .
تحتوي سُوْرَة الْقَصَصِ على أسس متكاملة لقواعد بناء الدولة في المنظور السياسي والأخلاقي وهي بذلك تنطق بالواقع وتقدم الصورة المثلى للدولة لئلا تظاهر كافراً ، أو طاغية ، أو تغتر بهما .
إن القيم الأخلاقية في السّورة هي منظومة سلوكية تجعل الإنسان الملتزم بها يتخلق بأخلاق القرآن الكريم .
إن تطور تفسير القرآن الكريم في ربطه للماضي بالحاضر بين قدامى المفسرين ومحدثيهم ودارسي النصّ القرآني كلياً وجزئياً أبرز لنا أن سُوْرَة الْقَصَصِ ما زالت تحتمل تفسيرات حديثة تنطق بالواقع المعاصر وهكذا فإن إلحاح العالم الإسلامي في تصريحاته وخطبه على تشبه دولة فرعون بالولايات المتحدة الأميركية وقادتها بقائدها ، يمكن أن تجد بعض جوانب الصحة في القراءة المعاصرة لسُوْرَة الْقَصَصِ .
إن سُوْرَة الْقَصَصِ كانت لها أغراض ومقاصد تتناسب مع فترة نزولها ، والبيئة التي نزلت فيها .
إن آيات السّورة قد تناسبت وتناسقت في التحليل البلاغي في انتظام بما قبلها وما بعدها بل وتناسبت في مقاطعها بين أولها وآخرها .
تضمنت سُوْرَة الْقَصَصِ صوراً بلاغية وحكمة في استخدام الجمل

(2/121)


إن هناك مجموعة من دلالات التوحيد التي أظهرت أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الذي بيده كلّ شيء وهو المتفرد بالوحدانية وأنه هو المؤثر في هذا الكون ، ودلالة وصف المرأة التي كانت في سُوْرَة الْقَصَصِ أماً وزوجةً في إيمانها بالله عَزَّ وجَلَّ ، وقد أبرزت أن قيمة الزمن في السّورة قيمة متجددة ، ثُمَّ أبرزت دلالات التربية والسلوك ، وتحتوي على قواعد شمولية سبقت العلم الحديث .
إن الشخصية الإسرائيلية اليهودية في سُوْرَة الْقَصَصِ تتراوح بين ثلاثة أقسام هي : الذلة والضعة . الاعتداء والبغي .الكفر بالمال والحسد .
إن للمال مفهوماً وغاية في سُوْرَة الْقَصَصِ فمفهومه أنه يصيب الحياة الدنيا وغايته الاستعانة به على الحياة الدنيا وليس نتيجة الوجود بحد ذاته عن علم ، أو عن غير علم .
إن أسلوب الدعوة في سُوْرَة الْقَصَصِ يظهر كيف أن التدريج في خطاب الدعاة ، إنما يقر الإيمان في النفوس رويداً رويداً .
إن في سُوْرَة الْقَصَصِ نظرة قرآنية ذات مفهوم متكامل للإنسان ، أي إنسان في مبدأ أمره وخاتمته وفق قربه من الهداية أو بعده منها .
إن الإيمان بمعنى الإقرار بالقلب واللسان في سُوْرَة الْقَصَصِ هو نتيجة للهداية التي تنسب لله عَزَّ وجَلَّ وحده .
أبرزت سُوْرَة الْقَصَصِ شخصية فرعون الذي حارب موسى ـ عَلَيْه السَّلام ـ وبينت أنه حكم في الأرض وفرق أهلها وذلك مطابق للاكتشافات الأثرية الحديثة .
إن في سُوْرَة الْقَصَصِ أحكام فقهية بالاستقراء المقارن بمعنى دلالة القصة على واقعة تستوجب حكمها الفقهي وهو ما فعلته في بعض مطالب السّورة تأسياً بالمفسرين القدامى .

(2/122)


إن هنالك فرقاً بين الرواية التوراتية في سفر الخروج لقصة موسى ـ عَلَيْه السَّلام ـ ، وبين الرواية القرآنية لقصة موسى ـ عَلَيْه السَّلام ـ في سُوْرَة الْقَصَصِ ، وذلك بالمقارنة النقدية بين العهد القديم والقرآن الكريم ، وقد توصل الباحث استناداً إلى ذلك إلى أهمية الرواية القرآنية وتفوقه على تلك الرواية الأخرى من خلال احتوائه على دقائق التاريخ ومعالم التوحيد .
إن للرسول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صورة متكاملة تنبض في النصف الثاني من سُوْرَة الْقَصَصِ من خلال دلائل القرآن على صدقه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وإيمان طوائف أهل الكتاب بدعوته ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ على وفق معالم الهداية البيانية ، والهداية التوفيقية .
إن هنالك تشابهاً بين قصة موسى ـ عَلَيْه السَّلام ـ ابان بصفته ، وما تعرض له من أذى مع فرعون موافقاً لما جرى لرسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ابان دعوته وما جرى له مع فراعنة قريش .
إن هناك سنناً إلهية في نظرية سقوط الحضارات تبرز واضحة في سُوْرَة الْقَصَصِ مع القواعد الكلية لنظم المجتمعات .
إن العولمة الحديثة تشبه في اعتمادها على الكفر والعلم كنوز قارون المعتمدة على الكفر بالله تعالى ، وما نسبه لنفسه من علم وأن مآل الجميع إلى التفكك .
إن في سُوْرَة الْقَصَصِ مبشرات بانتصار الإسلام على كلّ من حاربه من قبل ومن بعد ، وتبعاً للقياس بأحاديث رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وهذه المبشرات ينبغي أن تبرز كلما أصاب الأمة الوهن ، لأن الوعد الإلهي متحقق لا محالة .
لقد كانت هذه النتائج والاستنتاجات بعض ما خرجت به مما يتسع به المقام ههنا ، غير أني أجدني قد توصلت من خلال تحليلي لسُوْرَة الْقَصَصِ إلى نتيجة كلية توصل إليها القدماء وستبقى كذلك إلى الأبد ، هي : وحدة وتماسك النصّ القرآني كلياً .

(2/123)


ولا يسعني في ختام هذه الدراسة بعد ما تقدم إلا أن أترك عملي هذا بين يدي القارئ الكريم مطلعاً عليه ، تاركاً له وحده الحكم على ما بذلته من جهد ، علم الله عَزَّ وجَلَّ إنني لم أقصر في اجتهاده ، غير أني أقر بأن عملي لا يخلو من قصور . وقديماً قال الإمام المزني في حق بعض كتبه أبى الله أن يكون كتاباً كاملاً إلا كتابه ، وإذا وقف بي القلم حامداً شاكراً مصلياً مسلماً ، أسأل الله عَزَّ وجَلَّ أن يتقبل مني هذا العمل خدمة لكتابه الكريم ، واعتزازاً بدينه القويم ، وأردد ههنا قوله عَزَّ وجَلَّ :
{ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } ( (1) ) .

المحتويات
الموضوع
صفحة

المقدمة
1

الفصل الأول : التمهيدي
7- 51

المبحث الأول : دراسة عامة عن السّورة
7-27

المطلب الأول : اسمها
7

المطلب الثاني : التعريف اللغوي والاصطلاحي للقصص
9

المطلب الثالث : ترتيب سُوْرَة الْقَصَصِ في المصحف وعدد آياتها وكلماتها وحروفها
11

المطلب الرابع : فضلها
12

المطلب الخامس : سورة القصص أمكية هي أم مدنية
13

المطلب السادس : الأغراض والمقاصد العامة للسورة
15

المطلب السابع : التناسب والتناسق بين سُوْرَة الْقَصَصِ وما قبلها وما بعدها
19

المطلب الثامن : التناسب بين بداية السّورة وخاتمتها
22

المبحث الثاني : الحروف المقطعة في الَقُرْآن الكَرِيم وسُوْرَة الْقَصَصِ
28-36

المطلب الأول : أقوال العلماء في معاني الحروف المقطعة
28

المطلب الثاني : إعراب الحروف المقطعة
35

المبحث الثالث : شبه وجود الأساطير والتكرار في القصة القرآنية والرد عليها
37-51
__________
(1) سُوْرَة آلِ عِمْرَانَ : الآية 8 .

(2/124)


تمهيد
37

المطلب الأول : أدلة القائلين بوجود الأساطير والتكرار في القرآن الكريم والرد عليهم
39

المطلب الثاني : فضيلة التكرار
44

المطلب الثالث : الحكمة من التكرار
46

المطلب الربع : فوائد القصص القرآني
48

الفصل الثاني : وقفات بين يدي السّورة
52 – 194

المبحث الأول : نظرات توجيهية في سُوْرَة الْقَصَصِ
52 – 137

المطلب الأول : توجيه المعنى في ذاتية السّورة
52

المطلب الثاني : توجبه الآيات التي أشكل إعرابها في سُوْرَة الْقَصَصِ وأثرها في تغيير المعنى
60

المطلب الثالث : التوجيه المضموني لسُوْرَة الْقَصَصِ ودلالاته
99

المطلب الرابع : التوجيه البياني التفسيري في سُوْرَة الْقَصَصِ
101

المطلب الخامس : الصور البلاغية في سُوْرَة الْقَصَصِ
111

المطلب السادس : الحكمة من استخدام الجمل والصيغ والعبارات في سُوْرَة الْقَصَصِ
118

المطلب السابع : الرسم الَقُرْآني في سُوْرَة الْقَصَصِ وعلاقته بأداء المعنى
132

المبحث الثاني : الأطر العامة لسُوْرَة الْقَصَصِ
138- 194

المطلب الأول : دلالة التوحيد في سُوْرَة الْقَصَصِ
138

المطلب الثاني : المرأة في سُوْرَة الْقَصَصِ
144

المطلب الثالث : الزمن في سُوْرَة الْقَصَصِ
148

المطلب الرابع : التربية والسلوك في سُوْرَة الْقَصَصِ
153

المطلب الخامس : النظرة الَقُرْآنية لليهود في سُوْرَة الْقَصَصِ
160

المطلب السادس : المال مفهومه وغاياته في سُوْرَة الْقَصَصِ
165

المطلب السابع : أسلوب الدعوة في سُوْرَة الْقَصَصِ
170

المطلب الثامن : النظرة الَقُرْآنية للإنسان في سُوْرَة الْقَصَصِ
178

المطلب التاسع : الإيمان والكفر في سُوْرَة الْقَصَصِ
184

(2/125)


الفصل الثالث : الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ
195- 262

المبحث الأول : مفهوم الطغيان والتكبر في سُوْرَة الْقَصَصِ
195-230

تمهيد
195

المطلب الأول : علو فرعون في الأرض
201

المطلب الثاني : نصرة المستضعفين
218

المبحث الثاني : الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال
231-262

المطلب الأول : قارون وكنوزه
231

المطلب الثاني : تجبر قارون واستكباره
243

المطلب الثالث : هلاك قارون
253

الفصل الرابع : نشأة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) والظروف المحيطة به
263-340

المبحث الأول : ولادة سيدنا موسى ( - عليه السلام - )
263-301

المطلب الأول : إلقاء سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) في اليم
263

المطلب الثاني : سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) في بيت فرعون
275

المطلب الثالث : المعجزة الإلهية في تحريم المراضع على سيدنا موسى ( - عليه السلام - )
286

المبحث الثاني : سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) في مرحلة البلوغ
302-340

المطلب الأول : سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) يهبه الله الحكم والعلم
302

المطلب الثاني : سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) يقتل قبطياً خطأً
310

المطلب الثالث : فرعون يريد قتل موسى ( - عليه السلام - ) لقتله القبطي
333

الفصل الخامس : هجرة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) إلى مدين
341-400

المبحث الأول : سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) على ماء مدين
341-365

المطلب الأول : سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) يسقي الماء لبنات شعيب ( - عليه السلام - )
341

المطلب الثاني : زواج سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) من ابنة شعيب ( - عليه السلام - )
354

(2/126)


المبحث الثاني : المسائل الفقهية المتعلقة بهجرة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) إلى مدين
365-400

المطلب الأول : النكاح
365

أولاً ـ تعريفه وألفاظه ومسائله
365

ثانياً ـ ألفاظ عقد النكاح ( الإيجاب والقبول ) .
367

ثالثاً ـ مسائله
370

المسالة الأولى ـ الإشهاد على عقد الزواج
370

المسألة الثانية ـ الولاية في عقد الزواج
372

المسألة الثالثةـ تعين الزوجة
378

المسألة الرابعة ـ المهر
379

المسألة الخامسة ـ مسألة الدخول قبل النقد
382

المسألة السادسة ـ اشتراط الولي شيئاً من المهر لنفسه
383

المطلب الثاني : الإجارة
384

الإجارة تعريفها ، وأركانها ، ودليل مشروعيتها ، والمسائل المتعلقة بها
384

المسألة الأولى ـ ذكر المدة دون ذكر الخدمة
387

المسألة الثانية ـ الإجارة على رعاية الغنم
388

المسألة الثالثة ـ اجتماع إجارة ونكاح
389

المسألة الرابعة ـ شبهات وردها
389

الفصل السادس : عودة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) إلى مصر
401-467

المبحث الأول : بعثة سيدنا موسى ( - عليه السلام - )
401-440

المطلب الأول : سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) يرى ناراً في جانب الطور
401

المطلب الثاني : تكليم الله لسيدنا موسى ( - عليه السلام - )
407

المطلب الثالث : تأييد سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) بنبوة أخيه هارون ( - عليه السلام - )
425

المطلب الرابع : المقارنة بين سُوْرَة النَّمل وسُوْرَة الْقَصَصِ من خلال الآيات الخاصة ببعثة موسى ( - عليه السلام - )
433

المبحث الثاني : موقف فرعون وقومه من دعوة سيدنا موسى ( - عليه السلام - )

(2/127)


441-467

المطلب الأول : اتهام سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) بالسحر
441

المطلب الثاني : ادعاء فرعون الألوهية وتكبره وملؤه في الأرض
446

المطلب الثالث : عاقبة فرعون وجنوده
452

المطلب الرابع : الفرق بين الرواية التوراتية في سفر الخروج وبين الرواية الَقُرْآنية في سُوْرَة الْقَصَصِ لقصة موسى ( - عليه السلام - )
456

الفصل السابع : الرسول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ودعوته في سُوْرَة الْقَصَصِ
468-587

المبحث الأول : الدلائل الَقُرْآنية على صدق الرَّسُول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) في دعوته
468-501

المطلب الأول : دلالة قصة سيدنا موسى ( - عليه السلام - ) على صدق الرسول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - )
468

المطلب الثاني : إيمان طوائف أهل الكتاب بدعوته ( - صلى الله عليه وسلم - )
484

المطلب الثالث : الهداية البيانية والهداية التوفيقية
494

المبحث الثاني : موقف المشركين من دعوته ( - صلى الله عليه وسلم - )
502-549

المطلب الأول : أعذار المشركين والرد عليها
502

المطلب الثاني : مشاهد من يوم القيامة وتوبيخ المشركين على مزاعمهم
516

المطلب الثالث : الله وحده الخالق المتصرف بمكنونات الأنفس
529

المطلب الرابع : دلائل قدرة الله عَزَّ وجَلَّ وتأكدي توبيخ المشركين على مزاعمهم
537

المبحث الثالث : التوجيهات الإلهية للرسول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ
550-587

المطلب الأول : وعد الله الرسول بالنصر ورحمة الله على مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) بإرساله بالقرآن
550

المطلب الثاني : عدم جواز مظاهرة الكافرين
556

المطلب الثالث : الدعوة إلى وحدانية الله وعدم الإشراك به شيئاً
563

(2/128)


المطلب الرابع : شخصية الرسول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ
570

المطلب الخامس : المناسبة بين رسالة الرسول مُحَمَّد ( - صلى الله عليه وسلم - ) ورسالة موسى ( - عليه السلام - )
576

الفصل الثامن : دراسة مقارنة بين هيمنة فرعون وأمريكا وسقوط دولتها وانتصار الإسلام من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ في دلالاتها السياسية الحديثة
588-632

تمهيد
588

المبحث الأول : دراسة مقارنة بين دولة فرعون ودولة أمريكا
589-612

المطلب الأول : هيمنة فرعون وأمريكا في الملك والقوة والمال والإعلام وفقاً لما جاء في سُوْرَة الْقَصَصِ
589

المطلب الثاني : أسباب زوال الطغاة قديماً وحديثاً في سُوْرَة الْقَصَصِ
596

المطلب الثالث : أموال قارون واقتصاد العولمة وتفككه في سُوْرَة الْقَصَصِ
603

المطلب الرابع : الاستعداد لمواجهة الطغيان الأمريكي من خلال سُوْرَة الْقَصَصِ
609

المبحث الثاني : السنن الإلهية في زوال الأمم وسقوط الحضارات في سُوْرَة الْقَصَصِ
613-632

المطلب الأول : الزوال نهاية أمريكا مقارنة بفرعون وهامان وقارون في سُوْرَة الْقَصَصِ
613

المطلب الثاني : مصير الكفرة في العصر الحديث مقارنة بسُوْرَة الْقَصَصِ
617

المطلب الثالث : مبشرات انتصار الإسلام في مفهوم { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ }
621

المطلب الرابع : القواعد الكلية للمجتمعات الإنسانية في سُوْرَة الْقَصَصِ
626

الخاتمة
633

الأعلام
638

المصادر والمراجع
645

(2/129)