01 - الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
هذا الكتاب قد جمعت فيه ما تناثر من إعجاز اللغوي والبياني مما كتب على النت وقد بلغت حوالي مائة وأربعين بحثا لعلماء أجلاء معاصرين فجزاهم الله عنه خير الجزاء .
بحيث تكون هذه الأبحاث إسهاما منهم في توضيح فكرة الإعجاز اللغوي والبياتي في وقت أصبح فيه كثير من العرب - قبل العجم - لا يدركون معناها بسبب بعدهم عن حوهر دينهم وجوهر لغتهم .
 

الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آهل وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فإن الله تعالى قد ختم الرسالات السماوية برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، ألا وهي القرآن الكريم .
وقد أنزله بلغة العرب كما قال تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (2) سورة يوسف .
ولما كان العرب قد بزُّوا غيرهم بالفصاحة والبيان ، فكان القرآن الكريم معجزا بلفظه ومعناه ، فتحداهم بما هم متميزون به ، فعجزوا عن مجاراته ، وسلَّموا له في نهاية المطاف ، قال تعالى : {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (88) سورة الإسراء
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا - كما حكى الله عنهم - { لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } قل لهم على سبيل التحدى والتعجيز : والله لئن اجتمعت الإِنس والجن ، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، الذى أنزله الله - تعالى - من عنده على قلبى . . لا يستطيعون ذلك . ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ومعينًا ومناصرًا ، فى تحقيق ما يتمنونه من الإِتيان بمثله .
وخص - سبحانه - { الإِنس والجن } بالذكرن لأن المنكر كون القرآن من عند الله ، من جنسهما لا من جنس غيرهما كالملائكة - مثلاً - ، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولأن التحدى إنما هو للإِنس والجن الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم .
وقال - سبحانه - : { لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } فأظهر فى مقام الإِضمار ، ولم يكتف بأن يقول : لا يأتون به ، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلاً معينًا ، وللإِشعار بأن المقصود نفى المثل على أى صفة كانت هذه المثلية ، سواء أكانت فى بلاغته ، أم فى حسن نظمه ، أم فى إخباره عن المغيبات ، أم فى غير ذلك من وجوه إعجازه .
وقوله : { وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } معطوف على مقدر ، أى : لا يستطيعون الإِتيان بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض ، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا أيضًا .
والمقصود أنهم لا يستطيعون الإِتيان بمثله على أية حال من الأحوال؛ وبأية صورة من الصور ، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة ، انتفى من باب الأولى الإِتيان بمثله مع عدمهما . وقوله : { لبعض } متعلق بقوله { ظهيرا } .
ولقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإِتيان بعشر سور من مثله ، بل بسورة واحدة من مثله .
قال - تعالى - : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } وقال - سبحانه - : { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }( التفسير الوسيط )
فهذا القرآن ليس ألفاظا وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها . إنما هو كسائر ما يبدعه الله يعجز المخلوقون أن يصنعوه . هو كالروح من أمر الله لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل , وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره .
والقرآن بعد ذلك منهج حياة كامل . منهج ملحوظ فيه نواميس الفطرة التي تصرف النفس البشرية في كل أطوارها وأحوالها , والتي تصرف الجماعات الإنسانية في كل ظروفها وأطوارها . ومن ثم فهو يعالج النفس المفردة , ويعالج الجماعة المتشابكة , بالقوانين الملائمة للفطرة المتغلغلة في وشائجها ودروبها ومنحنياتها الكثيرة . يعالجها علاجا متكاملا متناسق الخطوات في كل جانب , في الوقت الواحد , فلا يغيب عن حسابه احتمال من الاحتمالات الكثيرة ولا ملابسة من الملابسات المتعارضة في حياة الفرد وحياة الجماعة . لأن مشرع هذه القوانين هو العليم بالفطرة في كل أحوالها وملابساتها المتشابكة .
أما النظم البشرية فهي متأثرة بقصور الإنسان وملابسات حياته . ومن ثم فهي تقصر عن الإحاطة بجميع الاحتمالات في الوقت الواحد ; وقد تعالج ظاهرة فردية أو اجتماعية بدواء يؤدي بدوره إلى بروز ظاهرة أخرى تحتاج إلى علاج جديد !
إن إعجاز القرآن أبعد مدى من إعجاز نظمه ومعانيه , وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله هو عجز كذلك عن إبداع منهج كمنهجه يحيط بما يحيط به .
(ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا . وقالوا:لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ; أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ; أو تسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا ; أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ; أو يكون لك بيت من زخرف ; أو ترقى في السماء . ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه . . .) .
وهكذا قصر إدراكهم عن التطلع إلى آفاق الإعجاز القرآنية , فراحوا يطلبون تلك الخوارق المادية , ويتعنتون في اقتراحاتهم الدالة على الطفولة العقلية , أو يتبجحون في حق الذات الإلهية بلا أدب ولا تحرج . . لم ينفعهم تصريف القرآن للأمثال والتنويع فيها لعرض حقائقه في أساليب شتى تناسب شتى العقول والمشاعر , وشتى الأجيال والأطوار . (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) وعلقوا إيمانهم بالرسول صلى الله عليه وسلم بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعا ! أو بأن تكون له جنة من نخيل وعنب يفجر الأنهار خلالها تفجيرا ! أو أن يأخذهم بعذاب من السماء , فيسقطها عليهم قطعا كما أنذرهم أن يكون ذلك يوم القيامة ! أو أن يأتي بالله والملائكة قبيلا يناصره ويدفع عنه كما يفعلون هم في قبائلهم ! أو أن يكون له بيت من المعادن الثمينة . أو أن يرقى في السماء . ولا يكفي أن يعرج إليها وهم ينظرونه , بل لا بد أن يعود إليهم ومعه كتاب محبر يقرأونه !
وتبدو طفولة الإدراك والتصور , كما يبدو التعنت في هذه المقترحات الساذجة . وهم يسوون بين البيت المزخرف والعروج إلى السماء ! أو بين تفجير الينبوع من الأرض ومجيء الله - سبحانه - والملائكة قبيلا ! والذي يجمع في تصورهم بين هذه المقترحات كلها هو أنها خوارق . فإذا جاءهم بها نظروا في الإيمان له والتصديق به !
وغفلوا عن الخارقة الباقية في القرآن , وهم يعجزون عن الإتيان بمثله في نظمه ومعناه ومنهجه , ولكنهم لا يلمسون هذا الإعجاز بحواسهم فيطلبون ما تدركه الحواس !
والخارقة ليست من صنع الرسول , ولا هي من شأنه , إنما هي من أمر الله سبحانه وفق تقديره وحكمته . وليس من شأن الرسول أن يطلبها إذا لم يعطه الله إياها . فأدب الرسالة وإدراك حكمة الله في تدبيره يمنعان الرسول أن يقترح على ربه ما لم يصرح له به . . (قل:سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) يقف عند حدود بشريته , ويعمل وفق تكاليف رسالته , لا يقترح على الله ولا يتزيد فيما كلفه إياه .( الظلال)
===================
وكان الذي نزل عليه القرآن - صلى الله عليه وسلم - أميًّا لا يقرأ ولا يكتب كما قال تعالى : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (2) سورة الجمعة
أى : هو - سحبانه - وحده ، الذى { بَعَثَ } بفضله وكرمه ، { فِي } العرب { الأميين رَسُولاً } كريما عظيما ، كائنا { مِّنْهُمْ } أى : من جنسهم يعرفون حسبه ونسبه وخلقه . . . هذا الرسول الكريم أرسلناه إليهم ، ليقرأ عليهم آيات الله - تعالى - التى أنزلها عليه لهدايتهم وسعادتهم ، متى آمنوا بها ، وعملوا بما اشتملت عليه من توجيهات سامية .
وأرسلناه إليهم - أيضا - ليزكيهم ، أى : وليطهرهم من الكفر والقبائح والمنكرات وليعلمهم الكتاب ، بأن يحفظهم إياه ، ويشرح لهم أحكامه ، ويفسر لهم ما خفى عليهم من ألفاظه ومعانيه .
وليعلمهم - أيضا - الحكمة . أى : العلم النافع المصحوب بالعمل الطيب وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بضمير اسم الجلالة ، لتربية المهابة فى النفوس ، ولتقوية ما اشتملت عليه من نعم وأحكام ، إذ هو - سبحانه - وحده الذى فعل ذلك لا غيره .
وعبر - سبحانه - بفى المفيدة للظرفية فى قوله - تعالى - : { فِي الأميين } . للإشعار بأن هذا الرسول الكريم الذى أرسله إليهم ، كان مقيما فيهم ، وملازما لهم ، وحريصا على أن يبلغهم رسالة الله - تعالى - فى كل الأوقات والأزمان .
والتعبير بقوله : { مِّنْهُمْ } فيه ما فيه من دعوتهم إلى الإيمان به ، لأن هذا الرسول الكريم ، ليس غريبا عنهم ، بل هو واحد منهم شرفهم من شرفه ، وفضلهم من فضله . . .
وهذه الآية الكريمة صريحة فى أن الله - تعالى - قد استجاب دعوة نبيه إبراهيم - عليه السلام - عندما دعاه بقوله : { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم . . } وقد جاء ترتيب هذه الآية الكريمة وأمثالها فى أسمى درجات البلاغة والحكمة ، لأن أول مراحل تبليغ الرسالة ، يكون بتلاوة القرآن ، ثم ثنى - سبحانه - بتزكيه النفوس من الأرجاس ، ثم ثلث بتعليم الكتاب والحكمة لأنهما يكونان بعد التبليغ والتزكية للنفوس .
ولذا قالوا : إن تعليم الكتاب غير تلاوته ، لأن تلاوته معناها ، قراءته قراءة مرتلة ، أما تعليمه فمعناه : بيان أحكامه ، وشرح ما خفى من ألفاظه وأحكامه . . .
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة ، قد اشتملت على جملة من الصفات الجليلة التى منحها - سبحانه - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال الناس قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - فقال : { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } .
وهذه الجملة الكريمة فى موضع الحال من قوله : { هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين . . } و " إن " فى قوله { وَإِن كَانُواْ . . } مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن محذوف .
أى : هو - سبحانه - بفضله وكرمه ، الذى بعث فى الأميين رسولا منهم ، وحالهم أنهم كانوا قبل إرسال هذا الرسول الكريم فيهم ، فى ضلال واضح لا يخفى أمره على عاقل ، ولا يلتبس قبحه على ذى ذوق سليم وحقا لقد كان الناس قبل أن يبزغ نور الإسلام ، الذى جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه ، فى ضلال واضح ، وظلام دامس ، من حيث العقائد والعبادات ، والأخلاق والمعاملات .
فكان من رحمة الله - تعالى - بهم ، أن أرسل فيهم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لكى يخرجهم من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان ، إلى نور الهداية والاستقامة والإيمان .
ثم بين - سبحانه - أن رسالة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - لن يكون نفعها مقصورا على المعاصرين له والذين شاهدوه . . . بل سيعم نفعها من سيجيئون من بعدهم ، فقال - تعالى - : { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ العزيز الحكيم . . } .
وقوله : { وَآخَرِينَ } جمع آخر بمعنى الغير ، والجملة معطوفة على قوله قبل ذلك { فِي الأميين . . } فيكون المعنى :
هو - سبحانه - الذى بعث فى الأميين رسولا منهم ، كما بعثه فى آخرين منهم .
{ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } أى : لم يجيئوا بعد ، وهم كل من يأتى بعد الصحابة من أهل الإسلام إلى يوم القيامة ، بدليل قوله - تعالى - : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ . . . } أى : وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به جميع من بلغه هذا الكتاب ، ووصلت إليه دعوته من العرب وغيرهم إلى يوم القيامة . . .
وفى الحديث الشريف : " بلغوا عن الله - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب الله ، فقد بلغه أمر الله " .
وعن محمد بن كعب قال : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - .
ويصح أن يكون قوله : { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ . . } معطوف على الضمير المنصوب فى قوله : { وَيُعَلِّمُهُمُ . . } فيكون المعنى :
هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويعلم آخرين منهم { لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } أى : لم يجيئوا بعد وسيجيئون . . . وهم كل من آمن بالرسول من بعد الصحابة إلى يوم القيامة .
قال صاحب الكشاف : وقوله : { وَآخَرِينَ } مجرور عطف على الأميين يعنى : أنه بعثه فى الأميين الذين على عهده ، وفى آخرين من الأميين الذين لم يلحقوا بهم بعد ، وسيلحقون بهم ، وهم الذين بعد الصحابة . .
وقيل : لما نزلت قيل : " من هم يا رسول الله ، فوضع يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء " " .
وقيل : هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة .
ويجوز أن ينتصب عطفا عل المنصوب فى { وَيُعَلِّمُهُمُ } أى يعلمهم ويعلم آخرين ، لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوله ، فكأنه هو الذى تولى كل ما وجد منه .. .
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تشير 'لى أن دعوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ستبلغ غير المعاصرين له - صلى الله عليه وسلم - وأنهم سيتبعونها ، ويؤمنون بها ، ويدافعون عنها . .
وهذا ما أيده الواقع ، فقد دخل الناس فى دين الله أفواجا من العرب ومن غير العرب ، ومن أهل المشارق والمغارب .
فالآية الكريمة تخبر عن معجزة من معجزات القرآن الكريم ، ألا وهى الإخبار عن أمور مستقبلة أيدها الواقع المشاهد .
وقوله - تعالى - : { وَهُوَ العزيز الحكيم } تذييل المقصود به بيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شىء ، وأن حكمته هى أسمى الحكم وأسدها .
أى : وهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلب قدرته شىء ، الحكيم فيما يريده ويقدره ويوجده .
واسم الإشارة فى قوله : { ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ . . . } يعود إلى ما تقدم ذكره من كرمه - تعالى - على عباده ، حيث اختص رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بهذه الرسالة الجامعة لكل خير وبركة ، وحيث موفق من وفق من الأميين وغيرهم ، إلى اتباع هذا الرسول الكريم . .
أى : ذلك البعث منا لرسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لكى يهدى الناس بإذننا إلى الصراط المستقيم ، هو فضلنا الذى نؤتيه ونخصه لمن نشاء اختصاصه به من عبادنا .
{ والله } - تعالى - : هو { ذُو الفضل العظيم } الذى لا يقاربه فضل ، ولا يدانيه كرم .
كما قال - سبحانه - : { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ( التفسير الوسيط )
قيل إن العرب سموا الأميين لأنهم كانوا لا يقرأون ولا يكتبون - في الأعم الأغلب - وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه وقال:" إنا نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب " . . وقيل:إنما سمي من لا يكتب أميا لأنه نسب إلى حال ولادته من الأم , لأن الكتابة إنما تكون بالاستفادة والتعلم .
وربما سموا كذلك كما كان اليهود يقولون عن غيرهم من الأمم:إنهم "جوييم" باللغة العبرية أي أمميون . نسبة إلى الأمم - بوصفهم هم شعب الله المختار وغيرهم هم الأمم ! - والنسبة في العربية إلى المفرد . . أمة . . أميون . وربما كان هذا أقرب بالنسبة إلى موضوع السورة . ولقد كان اليهود ينتظرون مبعث الرسول الأخير منهم , فيجمعهم بعد فرقة , وينصرهم بعد هزيمة , ويعزهم بعد ذل . وكانوا يستفتحون بهذا على العرب , أي يطلبون الفتح بذلك النبي الأخير .
ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون هذا النبي من العرب , من الأميين غير اليهود ; فقد علم الله أن يهود قد فرغ عنصرها من مؤهلات القيادة الجديدة الكاملة للبشرية - كما سيجيء في المقطع التالي في السورة - وأنها زاغت وضلت كما جاء في سورة الصف . وأنها لا تصلح لحمل الأمانة بعدما كان منها في تاريخها الطويل !
وكانت هناك دعوة إبراهيم خليل الرحمن - عليه الصلاة والسلام - تلك الدعوة التي أطلقها في ظل البيت هو وإسماعيل عليه السلام:(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل . . ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم , ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم . ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك , ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . إنك أنت العزيز الحكيم) . .
كانت هناك هذه الدعوة من وراء الغيب , ومن وراء القرون , محفوظة عند الله لا تضيع , حتى يجيء موعدها المقدور في علم الله , وفق حكمته ; وحتى تتحقق في وقتها المناسب في قدر الله وتنسيقه , وحتى تؤدي دورها في الكون حسب التدبير الإلهي الذي لا يستقدم معه شيء , ولا يستأخر عن موعده المرسوم .
وتحققت هذه الدعوة - وفق قدر الله وتدبيره - بنصها الذي تعيده السورة هنا لتذكر بحكاية ألفاظ إبراهيم . . (رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) . . كما قال إبراهيم ! حتى صفة الله في دعاء إبراهيم: (إنك أنت العزيز الحكيم) هي ذاتها التي تعقب على التذكير بمنة الله وفضله هنا: (وهو العزيز الحكيم) .
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه فقال:" دعوة أبي إبراهيم . وبشرى عيسى . ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام " .
(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) . .
والمنة ظاهرة في اختيار الله للأميين ليجعلهم أهل الكتاب المبين ; وليرسل فيهم رسولا منهم , يرتفعون باختياره منهم إلى مقام كريم ; ويخرجهم من أميتهم أو من أمميتهم بتلاوة آيات الله عليهم , وتغيير ما بهم , وتمييزهم على العالمين . .
(ويزكيهم) . . وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم به الرسول صلى الله عليه وسلم تطهير للضمير والشعور , وتطهير للعمل والسلوك , وتطهير للحياة الزوجية , وتطهير للحياة الاجتماعية . تطهير ترتفع به النفوس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد ; ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح , ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح . وترتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني . ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال . . إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع . تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه , ويتعامل مع الملأ الأعلى ; ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم .
(ويعلمهم الكتاب والحكمة) . . يعلمهم الكتاب فيصبحون أهل كتاب . ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور , ويحسنون التقدير , وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل وهو خير كثير .
(وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) . . ضلال الجاهلية التي وصفها جعفر بن أبي طالب لنجاشي الحبشة حين بعثت قريش إليه عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة ليكرهاه في المهاجرين من المسلمين , ويشوها موقفهم عنده , فيخرجهم من ضيافته وجيرته . . فقال جعفر:
"أيها الملك . كنا قوما أهل جاهلية . نعبد الأصنام , ونأكل الميتة , ونأتي الفواحش , ونقطع الأرحام , ونسيء الجوار , ويأكل القوي منا الضعيف . . فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا , نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعانا إلى الله لنوحده ولنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ; وأمرنا بصدق الحديث , وأداء الأمانة , وصلة الرحم , وحسن الجوار , والكف عن المحارم والدماء . ونهانا عن الفواحش وقول الزور , وأكل مال اليتيم , وقذف المحصنات . وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا , وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام" . .
ومع كل ما كانوا عليه في الجاهلية من ضلال فقد علم الله أنهم هم حملة هذه العقيدة الأمناء عليها , بما علم في نفوسهم من استعداد للخير والصلاح ; ومن رصيد مذخور للدعوة الجديدة ; وقد فرغت منه نفوس اليهود التي أفسدها الذل الطويل في مصر , فامتلأت بالعقد والالتواءات والانحرافات , ومن ثم لم تستقيم أبدا بعد ذلك , لا في حياة موسى عليه السلام , ولا من بعده . حتى كتب الله عليهم لعنته وغضبه , وانتزع من أيديهم أمانة القيام على دينه في الأرض إلى يوم القيامة .
وعلم الله أن الجزيرة في ذلك الأوان هي خير مهد للدعوة التي جاءت لتحرير العالم كله من ضلال الجاهلية , ومن انحلال الحضارة في الامبراطوريات الكبيرة , التي كان سوس الانحلال قد نخر فيها حتى اللباب ! هذه الحالة التي يصفها كاتب أوربي حديث فيقول:
"ففي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هار من الفوضى . لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت , ولم يك ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها . وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية الكبرى التي تكلف بناؤها أربعة آلاف سنة , مشرفة على التفكك والانحلال ; وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية , إذ القبائل تتحارب وتتناحر , لا قانون ولا نظام . أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلا من الاتحاد والنظام . وكانت المدنية , كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله , واقفة تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب . . . وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه " . .
وهذه الصورة مأخوذة من زاوية النظر لكاتب أوربي . وهي من زاوية النظر الإسلامية أشد عتاما وظلاما !
وقد اختار الله - سبحانه - تلك الأمة البدوية في شبه الجزيرة الصحراوية لتحمل هذا الدين , بما علم في نفوسها وفي ظروفها من قابلية للاستصلاح وذخيرة مرصودة للبذل والعطاء . فأرسل فيهم الرسول يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .
(وآخرين منهم لما يلحقوا بهم , وهو العزيز الحكيم) . .
وهؤلاء الآخرون وردت فيهم روايات متعددة . .
قال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -:حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله , حدثنا سليمان بن بلال , عن ثور , عن أبي الغيث , عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:"كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة (وآخرين لما يلحقوا بهم) قالوا:من هم يا رسول الله ? فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا , وفينا سلمان الفارسي , فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان الفارسي ثم قال:" لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء " . فهذا يشير إلى أن هذا النص يشمل أهل فارس . ولهذا قال مجاهد في هذه الآية:هم الأعاجم وكل من صدق النبي صلى الله عليه وسلم من غير العرب .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي , حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي , حدثنا الوليد بن مسلم , حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى عن أبي حازم , عن سهل بن سعد الساعدي . قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب " ثم قرأ: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) . . يعني بقية من بقي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وكلا القولين يدخل في مدلول الآية . فهي تدل على آخرين غير العرب . وعلى آخرين غير الجيل الذي نزل فيه القرآن . وتشير إلى أن هذه الأمة موصولة الحلقات ممتدة في شعاب الأرض وفي شعاب الزمان , تحمل هذه الأمانة الكبرى , وتقوم على دين الله الأخير .
(وهو العزيز الحكيم) . . القوي القادر على الاختيار . الحكيم العليم بمواضع الاختيار . .
واختياره للمتقدمين والمتأخرين فضل وتكريم:
(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء , والله ذو الفضل العظيم) . .
وإن اختيار الله لأمة أو جماعة أو فرد ليحمل هذه الأمانة الكبرى , وليكون مستودع نور الله وموضع تلقي فيضه , والمركز الذي تتصل فيه السماء بالأرض . . إن اختيار الله هذا لفضل لا يعدله فضل . فضل عظيم يربى على كل ما يبذله المؤمن من نفسه وماله وحياته ; ويربى على متاعب الطريق وآلام الكفاح وشدائد الجهاد .
والله يذكر الجماعة المسلمة في المدينة , والذين يأتون بعدها الموصولين بها والذين لم يلحقوا بها . يذكرهم هذا الفضل في اختيارهم لهذه الأمانة , ولبعث الرسول فيهم يتلو عليهم الكتاب ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . ويترك للآتين في أطواء الزمان ذلك الرصيد الضخم من الزاد الإلهي , ومن الأمثلة الواقعية في حياة الجماعة الأولى . يذكرهم هذا الفضل العظيم الذي تصغر إلى جانبه جميع القيم , وجميع النعم ; كما تصغر إلى جانبه جميع التضحيات والآلام . .(الظلال)
=============== 

(1/1)


وقال تعالى : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)ْ[الشورى/51-52]
فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن تكليم الله - تعالى - للبشر وقع على ثلاثة أوجه :
الأول : عن طريق الوحى ، وهو الإِعلام فى خفاء وسرعة عن طريق الإِلقاء فى القلب يقظة أو مناما ، ويشمل الإِلهام والرؤيا المنامية .
والوحى مصدر أوحى ، وقد غلب استعماله فيما يلقى للمصطفين الأخيار من الكلمات الإِلهية .
والثانى : عن طريق الإِسماع من وراء حجاب ، أى حاجز ، بأن يسمع النبى كلاما دون أن يرى من يكلمه ، كما حدث لموسى . عليه السلام - عندما كلمه ربه - عز وجل - ، وهذا الطريق هو المقصود بقوله - تعالى - : { أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ } .
والثالث : عن طريق إرسال ملك ، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله بتبليغه له ، وهو المقصود بقوله - تعالى - { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ } .
وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذى رواه الإِمام البخارى " عن عائشة - رضى الله عنها - أن الحارث بن هشام ، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحى؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس - " وهو أشد على - أى : أحيانا يأتينى مشابها صوته وقوع الحديد بعضه على بعض - فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكملنى فأعى ما يقول .
قالت عائشة : ولقد رأيته - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد ، فيصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقا .
والمعنى : وما صح وما استقام لبشر أن يكلمه الله - تعالى - فى من حال الأحوال إلا موحيا إليه ، أو مسمعا أياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب أو يرسل إليه ملكا ليبلغه ما يريده - سبحانه - منه .
وقوله - تعالى - { إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } تعليل لما قبله ، أى : إنه - سبحانه - متعال عن صفات النقص ، حكيم فى كل أقواله وأفعاله .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان .. } .
والكاف فى قوله " كذلك " بمعنى مثل واسم الإِشارة يعود إلى ما أوحاه إلى الرسل السابقين .
والمراد بالروح : القرآن - وسماه - سبحانه - روحا ، لأن الأرواح تحيا به ، كما تحيا الأبدان بالغذاء المادى .
أى : ومثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل ، أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم ، هذا القرآن ، الذى هو بمنزلة الأرواح للأجساد ، وقد أوحيناه إليك بأمرنا وإرادتنا ومشيئتنا ، وأنت - أيها الرسول الكريم - ما كنت تعرف أو تدرك حقيقة هذا الكتاب حتى عرفناك إياه ، وما كنت تعرف أو تدرك تفاصيل ، وشرائع وأحكام هذا الذين الذى أحينا إليك بعد النبوة .
فالمقصود بهذه الآية الكريمة نفى علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا القرآن قبل النبوة ، ونفى أن يكون - أيضا - عالما بتفاصيل وأحكام هذا الدين لا نفى أصل الإِيمان .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً } وقوله - سبحانه - : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين } والضمير فى قوله - تعالى - : { ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا } يعود إلى القرآن الكريم ، الذى عبر عنه بالروح .
أى : ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نورا ساطعا ، نهدى به من نشاء هدايته من عبادنا { وَإِنَّكَ } أيها الرسول الكريم { لتهدي } من أرسلناك إليهم { إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أى طريق واضح قويم اعوجاج فيه ولا التواء .
وقوله : { صِرَاطِ الله } بدل مما قبله ، وإضافته إلى الله - تعالى - للتفخيم والتشريف .
أى : وإنك لترشد الناس إلى صراط الله { الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } ملكا وخلقا وتصرفا . .
{ أَلاَ إِلَى الله } - تعالى - وحده { تَصِيرُ الأمور } أى : تنتهى إليه الأمور وتصعد إليه وحده ، فيقضى فيها بقضائه العادل ، وبحكمه النهائى الذى لا معقب له .(التفسير الوسيط
(وكذلك) . بمثل هذه الطريقة , وبمثل هذا الاتصال . (أوحينا إليك) . . فالوحي تم بالطريقة المعهودة , ولم يكن أمرك بدعا . أوحينا إليك (روحاً من أمرنا) . . فيه حياة , يبث الحياة ويدفعها ويحركها وينميها في القلوب وفي الواقع العملي المشهود . (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) . . هكذا يصور نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعلم بها , قبل أن تتلقى هذا الوحي . وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكتاب وسمع عن الإيمان , وكان معروفاً في الجزيرة العربية أن هناك أهل كتاب فيمن معهم , وأن لهم عقيدة , فليس هذا هو المقصود . إنما المقصود هو اشتمال القلب على هذه الحقيقة والشعور بها والتأثر بوجودها في الضمير . وهذا ما لم يكن قبل هذا الروح من أمر الله الذي لابس قلب محمد - عليه صلوات الله .
(ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء) . . وهذه طبيعته الخالصة . طبيعة هذا الوحي . هذا الروح . هذا الكتاب . إنه نور . نور تخالط بشاشته القلوب التي يشاء لها الله أن تهتدي به , بما يعلمه من حقيقتها , ومن مخالطة هذا النور لها .
(وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) . . وهناك توكيد على تخصيص هذه المسألة , مسألة الهدى , بمشيئة الله سبحانه , وتجريدها من كل ملابسة , وتعليقها بالله وحده يقدرها لمن يشاء بعلمه الخاص , الذي لا يعرفه سواه ; والرسول صلى الله عليه وسلم واسطة لتحقيق مشيئة الله , فهو لا ينشى ء الهدى في القلوب ; ولكن يبلغ الرسالة , فتقع مشيئة الله .
(وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم . صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) . . فهي الهداية إلى طريق الله , الذي تلتقي عنده المسالك . لأنه الطريق إلى المالك , الذي له ما في السماوات وما في الأرض ; فالذي يهتدي إلى طريقه يهتدي إلى ناموس السماوات والأرض , وقوى السماوات والأرض , ورزق السماوات والأرض , واتجاه السماوات والأرض إلى مالكها العظيم . الذي إليه تتجه , والذي إليه تصير:
(ألا إلى الله تصير الأمور) . .
فكلها تنتهي إليه , وتلتقي عنده , وهو يقضي فيها بأمره .
وهذا النور يهدي إلى طريقه الذي اختار للعباد أن يسيروا فيه , ليصيروا إليه في النهاية مهتدين طائعين .
وهكذا تنتهي السورة التي بدأت بالحديث عن الوحي . وكان الوحي محورها الرئيسي . وقد عالجت قصة الوحي منذ النبوات الأولى . لتقرر وحدة الدين , ووحدة المنهج , ووحدة الطريق . ولتعلن القيادة الجديدة للبشرية ممثلة في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وفي العصبة المؤمنة بهذه الرسالة . ولتكل إلى هذه العصبة أمانة القيادة إلى صراط مستقيم . صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض . ولتبين خصائص هذه العصبة وطابعها المميز , الذي تصلح به للقيادة , وتحمل به هذه الأمانة . الأمانة التي تنزلت من السماء إلى الأرض عن ذلك الطريق العجيب العظيم . .(الظلال)
==============
بل تحداهم على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا كذلك ،قال تعالى : {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (23) سورة البقرة
ومن ثمَّ فقد أيقنوا أنه من عند الله تعالى ، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر وقال سيدهم الوليد : والله، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوةً، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر.
==============
وقد ألف في إعجاز القرآن الكريم كتب كثيرة قديما وحديثا أهمها :
إعجاز القرآن للباقلاني
وإعجاز القرآن للرافعي
وغيرهما
وهذا الكتاب قد جمعت فيه ما تناثر من إعجاز اللغوي والبياني مما كتب على النت وقد بلغت حوالي مائة وأربعين بحثا لعلماء أجلاء معاصرين فجزاهم الله عنه خير الجزاء .
بحيث تكون هذه الأبحاث إسهاما منهم في توضيح فكرة الإعجاز اللغوي والبياتي في وقت أصبح فيه كثير من العرب - قبل العجم - لا يدركون معناها بسبب بعدهم عن حوهر دينهم وجوهر لغتهم .
وسيبقى هذا القرآن معجزا بلفظه ومعناه إلى إن يرث الله الأرض من وعليها
قال تعالى : {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء
إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم ، وكشف خباياهم ، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين ، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة ، وأحكام حكيمة . . تشهد بأنه من عند الله - تعالى - ، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا فى أخباره وفى نظمه وفى أسلوبه وفى معانيه اختلافا كثيرا فضلا عن الاختلاف القليل ، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا .
فالمراد بالاختلاف : تباين النظم ، وتناقض الحقائق ، وتعارض الأخبار وتضارب المعانى ، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه .
وفى ذلك يقول صاحب الكشاف : قوله { لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } أى : لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز . وبعضه قاصرا عنه تمكن معارضته ، وبعضه إخبارا يغيب قد وافق المخبر عنه ، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه ، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعانى ، وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم .
فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء ، وتناصر معان ، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره ، عالم بما لا يعلمه أحد سواه .
فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه ، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه ، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم .( التفسير الوسيط )
فالتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدا . . ومستوياتها ومجالاتها , مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها . ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها - بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه - ما يملك إدراكه , في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى .
ومن ثم فإن كل أحد , وكل جيل , مخاطب بهذه الآية . ومستطيع - عند التدبر وفق منهج مستقيم - أن يدرك من هذه الظاهرة - ظاهرة عدم الاختلاف , أو ظاهرة التناسق - ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه . .
وتلك الطائفة في ذلك الجيل كانت تخاطب بشيء تدركه , وتملك التحقق منه بإدراكها في حدودها الخاصة .
تتجلى هذه الظاهرة . ظاهرة عدم الاختلاف . . أو ظاهرة التناسق . . ابتداء في التعبير القرآني من ناحية الأداء وطرائقه الفنية . . ففي كلام البشر تبدو القمم والسفوح ; التوفيق والتعثر . القوة والضعف . التحليق والهبوط . الرفرفة والثقلة . الإشراق والانطفاء . . إلى آخر الظواهر التي تتجلى معها سمات البشر . وأخصها سمة "التغير" والاختلاف المستمر الدائم من حال إلى حال . يبدو ذلك في كلام البشر , واضحا عندما تستعرض أعمال الأديب الواحد , أو المفكر الواحد , أو الفنان الواحد , أو السياسي الواحد , أو القائد العسكري الواحد . . أو أي كان في صناعته ; التي يبدو فيها الوسم البشري واضحا . . وهو:التغير , والاختلاف
هذه الظاهرة واضح كل الوضوح أن عكسها وهو:الثبات , والتناسق , هو الظاهرة الملحوظة في القرآن - ونحن نتحدث فقط عن ناحية التعبير اللفظي والأداء الأسلوبي - فهناك مستوى واحد في هذا الكتاب المعجز - تختلف ألوانه باختلاف الموضوعات التي يتناولها - ولكن يتحد مستواه وأفقه , والكمال في الأداء بلا تغير ولا اختلاف من مستوى إلى مستوى . . كما هو الحال في كل ما يصنع الإنسان . . إنه يحمل طابع الصنعة الإلهية ; ويدل على الصانع . يدل على الموجود الذي لا يتغير من حال إلى حال , ولا تتوالى عليه الأحوال ! .
وتتجلى ظاهرة عدم الاختلاف . . والتناسق المطلق الشامل الكامل . . بعد ذلك في ذات المنهج الذي تحملهالعبارات . ويؤديه الأداء . . منهج التربية للنفس البشرية والمجتمعات البشرية - ومحتويات هذا المنهج وجوانبه الكثيرة - ومنهج التنظيم للنشاط الإنساني للأفراد وللمجتمع الذي يضم الأفراد - وشتى الجوانب والملابسات التي تطرأ في حياة المجتمعات البشرية على توالي الأجيال - ومنهج التقويم للإدراك البشري ذاته وتناول شتى قواه وطاقاته وإعمالها معا في عملية الإدراك ! - ومنهج التنسيق بين الكائن الإنساني بجملته - في جميع مجتمعاته وأجياله ومستوياته - وبين هذا الكون الذي يعيش فيه ; ثم بين دنياه وآخرته ; وما يشتجر في العلاقة بينهما من ملابسات لا تحصى في عالم كل فرد ; وفي عالم "الإنسان" وهو يعيش في هذا الكون بشكل عام . .
وإذا كان الفارق بين صنعة الله وصنعة الإنسان واضحا كل الوضوح في جانب التعبير اللفظي والأداء الفني , فإنه أوضح من ذلك في جانب التفكير والتنظيم والتشريع . فما من نظرية بشرية , وما من مذهب بشري , إلا وهو يحمل الطابع البشري . . جزئية النظر والرؤية . . والتأثر الوقتي بالمشكلات الوقتية . . وعدم رؤية المتناقضات في النظرية أو المذهب أو الخطة ; التي تؤدي إلى الاصطدام بين مكوناتها - إن عاجلا وإن آجلا - كما تؤدي إلى إيذاء بعض الخصائص في الشخصية البشرية الواحدة التي لم يحسب حساب بعضها ; أو في مجموعة الشخصيات الذين لم يحسب حساب كل واحدة منها . . إلى عشرات ومئات من النقائص والاختلاف , الناشئة من طبيعة الإدراك البشري المحدود , ومن الجهل البشري بما وراء اللحظة الحاضرة , فوق جهله بكل مكونات اللحظة الحاضرة - في أية لحظة حاضرة ! - وعكس ذلك كله هو ما يتسم به المنهج القرآني الشامل المتكامل , الثابت الأصول ; ثبات النواميس الكونية ; الذي يسمح بالحركة الدائمة - مع ثباته - كما تسمح بها النواميس الكونية !
وتدبر هذه الظاهرة , في آفاقها هذه , قد لا يتسنى لكل إدراك , ولا يتسنى لكل جيل . بل المؤكد أن كل إدراك سيتفاوت مع الآخر في إدراكها ; وكل جيل سيأخذ بنصيبه في إدراكها ويدع آفاقا منها للأجيال المترقية , في جانب من جوانب المعرفة أو التجربة . . إلا أنه يتبقى من وراء كل الاختلاف البشري الكثير في إدراك هذه الظاهره - كاختلافه الكثير في كل شيء آخر ! - بقية يلتقي عليها كل إدراك , ويلتقي عليها كل جيل . . وهي أن هذه الصنعة شيء وصنعة البشر شيء آخر . وأنه لا اختلاف في هذه الصنعة ولا تفاوت , وإنما وحدة وتناسق . . ثم يختلف الناس بعد ذلك ما يختلفون في إدراك آماد وآفاق وأبعاد وأنواع ذلك التناسق ! .
وإلى هذا القدر الذي لا يخطئه متدبر - حين يتدبر - يكل الله تلك الطائفة , كما يكل كل أحد , وكل جماعة , وكل جيل . وإلى هذا القدر من الإدراك المشترك يكل إليهم الحكم على هذا القرآن ; وبناء اعتقادهم في أنه من عند الله . ولا يمكن أن يكون من عند غير الله .
ويحسن أن نقف هنا وقفة قصيرة , لتحديد مجال الإدراك البشري في هذا الأمر وفي أمر الدين كله . فلا يكون هذا التكريم الذي كرمه الله للإنسان بهذا التحكيم , سبيلا إلى الغرور , وتجاوز الحد المأمون ; والانطلاق من السياج الحافظ من المضي في التيه بلا دليل !
إن مثل هذه التوجيهات في القرآن الكريم يساء إدراكها , وإدراك مداها . فيذهب بها جماعة من المفكرين الإسلاميين - قديما وحديثا - إلى إعطاء الإدراك البشري سلطة الحكم النهائية في أمر الدين كله . ويجعلون منهندا لشرع الله . بل يجعلونه هو المسيطر على شرع الله !
الأمر ليس كذلك . . الأمر أن هذه الأداة العظيمة - أداة الإدراك البشري - هي بلا شك موضع التكريم من الله - ومن ثم يكل إليها إدراك الحقيقة الأولى:حقيقة أن هذا الدين من عند الله . لأن هناك ظواهر يسهل إدراكها ; وهي كافية بذاتها للدلالة - دلالة هذا الإدراك البشري ذاته - على أن هذا الدين من عند الله . . ومتى أصبحت هذه القاعدة الكبيرة مسلما بها , أصبح من منطق هذا الإدراك ذاته أن يسلم - بعد ذلك - تلقائيا بكل ما ورد في هذا الدين - لا يهم عندئذ أن يدرك حكمته الخفية أو لا يدركها . فالحكمة متحققه حتما ما دام من عند الله . ولا يهم عندئذ أن يرى "المصلحة " متحققة فيه في اللحظة الحاضرة . فالمصلحة متحققة حتما ما دام من عندالله . . والعقل البشري ليس ندا لشريعة الله - فضلا على أن يكون الحاكم عليها - لأنه لا يدرك إلا إدراكا ناقصا في المدى المحدود ; ويستحيل أن ينظر من جميع الزوايا وإلى جميع المصالح - لا في اللحظة الواحدة ولا في التاريخ كله - بينما شريعة الله تنظر هذه النظرة ; فلا ينبغي أن يكون الحكم فيها , أو في حكم ثابت قطعي من أحكامها موكولا إلى الإدراك البشري . . وأقصى ما يتطلب من الإدراك البشري أن يتحرى إدراك دلالة النص وانطباقه ; لا أن يتحرى المصلحة أو عدم المصلحة فيه !
فالمصلحة متحققة أصلا بوجود النص من قبل الله تعالى . .
إنما يكون هذا فيما لا نص فيه , مما يجد من الأقضية ; وهذا سبق بيان المنهج فيه , وهو رده إلى الله والرسول . . وهذا هو مجال الاجتهاد الحقيقي . إلى جانب الاجتهاد في فهم النص , والوقوف عنده , لا تحكيم العقل البشري في أن مدلوله يحمل المصلحة أو لا يحملها !!! إن مجال العقل البشري الأكبر في معرفة نواميس الكون والإبداع في عالم المادة . . وهو ملك عريض !!!
يجب أن نحترم الإدراك البشري بالقدر الذى أراده الله له من التكريم في مجاله الذي يحسنه - ثم لا نتجاوز به هذا المجال . كي لا نمضى في التيه بلا دليل . إلا دليلا يهجم على ما لا يعرف من مجاهل الطريق . . وهو عندئذ أخطر من المضي بلا دليل !!! (الظلال)
===============
أسأل الله تعالى أن ينفع به جامعه وقارئه وناقله والدال عليه في الدارين آمين.
قال تعالى : {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} (37) سورة يونس
جمعه وأعده
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في 14 رمضان 1428 هـ -الموافق 26/9/207 م

!!!!!!!!!!!!!!!!!

(1/1)


من بديع الإيجاز والإطناب في القرآن الكريم
أولاً- يعرف علماء البلاغة الإيجاز بأنه التعبير عن المراد بلفظ غير زائد، ويقابله الإطناب؛ وهو التعبير عن المراد بلفظ أزيد من الأول. ويكاد يجمع الجمهور على أن الإيجاز، والاختصار بمعنى واحد؛ ولكنهم يفرقون بين الإطناب، والإسهاب بأن الأول تطويل لفائدة، وأن الثاني تطويل لفائدة، أو غير فائدة.
ويعدُّ الإيجاز والإطناب من أعظم أنواع البلاغة عند علمائها، حتى نقل صاحب سر الفصاحة عن بعضهم أنه قال: اللغة هي الإيجاز والإطناب. وقال الزمخشري صاحب الكشاف: كما أنه يجب على البليغ في مظانِّ الإجمال أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل أن يفصل ويشبع .
ثانيًا- ومن بديع الإيجاز قوله تعالى في وصف خمر الجنة:" لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ "(الواقعة: 19)، فقد جمع عيوب خمر الدنيا من الصداع، وعدم العقل، وذهاب المال، ونفاد الشراب.
وحقيقة قوله تعالى:" لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ". أي: لا يصدر صداعهم عنها. والمراد: لا يلحق رؤوسهم الصداع، الذي يلحق من خمر الدنيا. وقيل: لا يفرقون عنها، بمعنى: لا تقطَع عنهم لذتهُم بسبب من الأسباب، كما تفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق.
وقرأ مجاهد:" لَا يَصَدَّعُونَ "، بفتح الياء وتشديد الصاد، على أن أصله: يتصدعون، فأدغم التاء في الصاد. أي: لا يتفرقون؛ كقوله تعالى:" يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ "(الروم: 43). وقُرِىءَ:" لَا يَصَدَعُونَ "، بفتح الياء والتخفيف. أي: لا يصدع بعضهم بعضًا، ولا يفرقونهم. أي: لا يجلس داخل منهم بين اثنين، فيفرق بين المتقاربين؛ فإنه سوء أدب، وليس من حسن العشرة.
وقوله تعالى:" وَلَا يُنْزِفُونَ "، قال مجاهد، وقتادة، والضحاك: لا تذهب عقولهم بسكرها، من نزف الشارب، إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف ومنزوف. قيل: وهو من نزف الماء: نزحه من البئر شيئًا فشيئًا.
ثالثًا- ومن بديع الإطناب قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام:" وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى "(يوسف: 53).
ففي قوله:" وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي " تحيير للمخاطب وتردد، في أنه كيف لا يبرىء نفسه من السوء، وهي بريئة، قد ثبت عصمتها ! ثم جاء الجواب عن ذلك بقوله:" إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى ".
والمراد بالنَّفْسَ النفس البشرية عامة. وأمَّارَةٌ صيغة مبالغة على وزن: فعَّالة. أي: كثيرة الأمر بِالسُّوءِ. أي: بجنسه. والمراد: أنها كثيرة الميل إلى الشهوات. والمعنى: إن كل نفس أمارة بالسوء، إلا نفسًا رحمها الله تعالى بالعصمة.
وهذا التفسير محمول على أن القائل يوسف عليه السلام. والظاهر أنه من قول امرأة العزيز، وأنه اعتذار منها عما وقعت فيه مما يقع فيه البشر من الشهوات. والمعنى: وما أبريء نفسي، مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قذفته، وقلت:" مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ "(يوسف: 25)، وأودعته السجن. تريد بذلك الاعتذار مما كان منها. ثم استغفرت ربها، واسترحمته مما ارتكبت.
رابعًا- ومن الآيات البديعة، التي جمعت بين الإيجاز والإطناب، في أسلوب رفيع من النظم بديع، قول الله تعالى:
" حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"(النمل: 18)
أما الإطناب فنلحظه في قول هذه النملة:" يَا أَيُّهَا "، وقولها:" وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ". أما قولها:" يَا أَيُّهَا " فقال سيبويه:" الألف والهاء لحقت { أيًّا } توكيدًا؛ فكأنك كررت { يا } مرتين، وصار الاسم تنبيهًا ".
وقال الزمخشري:" كرر النداء في القرآن بـ" يَا أَيُّهَا "، دون غيره؛ لأن فيه أوجهًا من التأكيد، وأسبابًا من المبالغة؛ منها: ما في { يا } من التأكيد، والتنبيه، وما في { ها } من التنبيه، وما في التدرُّج من الإبهام في { أيّ } إلى التوضيح. والمقام يناسبه المبالغة، والتأكيد ".
وأما قولها:" وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" فهو تكميل لما قبله، جيء به، لرفع توهُّم غيره، ويسمَّى ذلك عند علماء البلاغة والبيان: احتراسًا؛ وذلك من نسبة الظلم إلى سليمان- عليه السلام- وكأن هذه النملة عرفت أن الأنبياء معصومون، فلا يقع منهم خطأ إلا على سبيل السهو. قال الرازي:" وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة الأنبياء، عليهم السلام ".
ومثل ذلك قوله تعالى:" وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ "(الفتح:25). أي: تصيبكم جناية كجناية العَرِّ؛ وهو الجرب.

(1/1)


وأما الإيجاز فنلحظه فيما جمعت هذه النملة في قولها من أجناس الكلام؛ فقد جمعت أحد عشر جنسًا: النداء، والكناية، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والقصص، والتحذير، والتخصيص، والتعميم، والإشارة، والعذر.
فالنداء:{ يا }. والكناية:{ أيُّ }. والتنبيه:{ ها }. والتسمية:{ النمل }. والأمر:{ ادخلوا }. والقصص:{ مساكنكم }. والتحذير:{ لا يحطمنكم }. والتخصيص:{ سليمان }. والتعميم:{ جنوده }. والإشارة:{ هم }. والعذر:{ لا يشعرون }.
فأدَّت هذه النملة بذلك خمسة حقوق: حق الله تعالى، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق الجنود.
فأما حق الله تعالى فإنها استُرعيت على النمل، فقامت بحقهم. وأما حق سليمان- عليه السلام- فقد نبَّهته على النمل. وأما حقها فهو إسقاطها حق الله تعالى عن الجنود في نصحهم. وأما حق الرعية فهو نصحها لهم؛ ليدخلوا مساكنهم. وأما حق الجنود فهو إعلامها إياهم. وجميع الخلق، أن من استرعاه الله تعالى رعيَّة، وجب عليه حفظها، والذبِّ عنها، وهو داخل في الخبر المشهور:" كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ". هذا من جهة المعنى.
وأما من جهة المبنى ( اللفظ ) فإن كلمة { نملة } من الكلمات، التي يجوز فيها أن تكون مؤنثة، وأن تكون مذكرة؛ وإنما أنث لفظها للفرق بين الواحد، والجمع من هذا الجنس. ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام:" لا تضحِّي بعوراءَ، ولا عجفاءَ، ولا عمياءَ " كيف أخرج هذه الصفات على اللفظ مؤنثة، ولا يعني الإناث من الأنعام خاصة !
وأما تنكير { نملة } ففيه دلالة على البعضيَّة، والعموم. أي: قالت نملة من هذا النمل. وهذا يعني أن كل نملة مسؤولة عن جماعة النمل.
وأما قولها:" ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ " ففيه إيجاز بالحذف بليغ؛ لأن أصله: ادخلوا في مساكنكم، فحذف منه { في }، تنبيهًا على السرعة في الدخول.
ولفعل { دخل } استعمالات دقيقة في اللغة والقرآن، تخفى حتى على الكثير من علماء اللغة والتفسير، لخصها الأستاذ محمد إسماعيل عتوك في مقالته النقدية ( من أسرار تعدية الفعل في القرآن الكريم ).
وأما قولها:" لَا يَحْطِمَنَّكُمْ "، بنون مشددة أو خفيفة، فظاهره النفيُ؛ ولكن معناه على النهي. والنهيُ إذا جاء على صورة النفي، كان أبلغ من النهي الصريح. وفيه تنبيه على أن من يسير في الطريق، لا يلزمه التحرُّز؛ وإنما يلزم من كان في الطريق.
خامسًا- وفي التعبير بـ" لَا يَحْطِمَنَّكُمْ "، دون غيره من الألفاظ، دلالة دقيقة على المعنى المراد، لا يمكن لأيِّ لفظ أن يعبِّر عنه. ويبيِّن ذلك أن الحَطْمَ في اللغة هو الهَشْمُ، مع اختصاصه بما هو يابس، أو صلب. والحطمة من أسماء النار؛ لأنها تحطم ما يلقى فيها. وعن بعض العرب: قد تحطمت الأرض يبسًا، فأنشبوا فيها المخالب، وهي المناجل. أي: تكسرت زروع الأرض، وتفتتت لفرط يبسها، فجزوها. ومن هنا نجد القرآن الكريم يستعمل لفظ الحطم للزرع اليابس المتكسر. قال تعالى:
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ "(الزمر: 21)
وقد ثبت للعلماء أن الزرع يحتوي في ساقه وورقه على نسب كبيرة من الزجاج؛ ولهذا نراه يتكسر حين يصفر، كما يتكسر الزجاج. وكذلك النمل، فقد ثبت أن جسم النملة يحتوي على نسبة كبيرة من الزجاج، وأنه مغلف بغلاف صلب جداً قابل للتحطم؛ كالزرع اليابس، والزجاج الصلب. وذلك يشكل إعجازًا علميًّا من إعجاز القرآن إلى جانب إعجازه البياني، الذي يسمو فوق كل بيان!
وبعد.. فقد أدركت هذه النملة الضعيفة فخامة ملك سليمان، وأحسَّت بصوت جنوده قبل وصولهم إلى وادي النمل، فنادت قومها، وأمرتهم بالدخول في مساكنهم أمر من يعقل، وصدر من النمل الامتثال لأمرها، فأتت بأحسن ما يمكن أن يؤتى به في قولها من الحكم، وأغربه، وأفصحه، وأجمعه للمعاني؛ ولهذا تبسم سليمان عليه السلام حين سمع قولها، وروي عنه- عليه السلام- أنه قال لها: لم قلت للنمل:" ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ "؟ أخفت عليهم من ظلمنا ؟! فقالت: لا، ولكن خفت أن يفتتنوا بما يرَوْا من ملكك، فيشغلهم ذلك عن طاعة الله !
وفي حديث سليمان- عليه السلام- مع النملة، وحديثها مع قومها إعجاز آخر من إعجاز القرآن. فقد أثبت العلماء أن للنمل لغته الخاصة، التي يتفاهم بها، كما أثبت أن النملة المؤنثة هي التي ترعى قومها، وتتولى الدفاع عنهم، وتنبههم لأي خطر قادم، أو مفاجىء، وليس للذكر أي دور في ذلك؛ لأن مهمته مقتصرة على تلقيح الأنثى العذراء مرة واحدة في حياته، ثم يختفي.

(1/2)


وأسرار النمل وعجائبه كثيرة، ليس هذا المقال موضع بسطها، ويكفي أن أشير إلى أن النمل- على ضعفه- مخلوق قويُّ الحسِّ، شمَّامٌ جدًّا، نشيط جدًّا، يتميز بذكاء خارق، وقبل تخزين الحب يقوم يشق الحبة من القمح قطعتين؛ لئلا تنبت، ويشق الحبة من الكزبرة أربع قطع؛ لأنها إذا قطعت قطعتين أنبتت، والحب الذي لا يستطيع شقه، يقوم بنشره تحت أشعة الشمس بصفة دورية ومنظمة، حتى لا يصيبه البلل، أو الرطوبة فينبت، ويأكل في عامه بعض ما يجمع، ويدَّخر الباقي عدة أعوام، وحياته مثل حياة النحل دقيقة التنظيم، تتنوع فيها الوظائف، وتؤدى جميعها بإتقان رائع، يعجز البشر غالبًا عن إتباع مثله، على الرغم مما أوتوا من عقل راق، وإدراك عال.
بقي أن تعلم أن النمل يضرب المثل به في الضعف والقوة والكثرة، فمن أمثال العرب قولهم:" أضعف وأكثر وأقوى من النمل ". وحكي أن رجلاً قال لبعض الملوك: جعل الله قوَّتك مثل قوة النمل، فأنكر عليه ذلك، فقال: ليس من الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلا النملة، وقد أهلك الله تعالى بالنمل أمة من الأمم، وهي جرهم. ومن أمثالهم أيضًا قولهم:" أحرص من نملة، وأروى من نملة " لأنها تكون في الفلوات، فلا تشرب ماء.
فتأمل حكمة الله تعالى في أضعف خلقه، وردِّدْ مع سليمان- عليه السلام- قوله:" رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ".. والحمد لله رب العالمين !
الأستاذة: رفاه محمد علي زيتوني
=============
الرسم القرآني وأسراره
إعداد المهندس محمد شملول
مهندس مدني وكاتب إسلامي مصري
إن القرآن الكريم الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نقرأه أناء الليل وأطراف النهار ونتدبر كلماته ومعانيها هو نفسه الكتاب الذي أنزل من اللوح المحفوظ في شهر رمضان دون زيادة أو نقصان, حيث أنزله الله سبحانه وتعالى من اللوح المحفوظ جملة واحدة في ليلة القدر المباركة, قال الله عزّ وجل: "إنا أنزلناه في ليلة القدر{1}"[سورة القدر]. وقال سبحانه وتعالى: "حم{1} والكتاب المبين{2} إنا أنزلناه في ليلة مباركة{3}"[الدخان].
فَوضِعَ في بيت العزة في السماء الدنيا، ثم كان جبريل عليه السلام يَنزل به منجماً بالأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. [1].
وأقسم الله سبحانه وتعالى بالكتاب المبين الذي أنزله بلسان عربي متحدياً البلغاء والشعراء أن يأتوا بسورة من مثله ولو كان بعضهم لبعض عوناً وظهيراً,
قال الله تبارك وتعالى: "حم{1} والكتاب المبين{2} إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون{3}".[الزخرف].
و(جعلناه) أي سميناه ووصفناه, ولذلك تعدى الفعل جعل إلى مفعولين.
و(قرآناً عربياً) أي أنزلناه بلسان العرب لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه, وقال مقاتل: لأن لسان أهل السماء عربي.[2].
والقرآن الكريم ليس أمر ونهي وكلمات ومعاني فقط بل ورسم أيضاً
والمقصود بالرسم القرآني هو رسم الكلمات القرآنية من حيث نوعية حروف كل كلمة وردت في القرآن الكريم وعدد حروفها.
وليس المقصود منه نوعية خط الكتابة سواء نسخ أو كوفي أو غيره, فقد أجمع معظم العلماء أن رسم المصحف هو توقيفي لا يجوز مخالفته واستدلوا على ذلك من قول الله سبحانه وتعالى:
"وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى {1} مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى {2} وَمَا يَنطِقُعَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى {5}"[سورة النجم].
وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان له كتّاب يكتبون الوحيكلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته, مبالغة في تسجيله وتقييده, وزيادة في التوثيق والضبط والاحتياط في كتاب الله تعالى, حتى تظاهر الكتابة الحفظ ويعاضد النقش اللفظ.
وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم وأقرهم الرسول على كتابتهم, وكان هؤلاء الكتاب من خيرة الصحابة, فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس.
ثم جاء الصديق أبو بكر رضي الله عنه فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف, ثم حذا حذوه عثمان بن عفان رضي الله في خلافته فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف وأقرَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمل أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين. وانتهى الأمر إلى التابعين وتابعي التابعين فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم.{3}.
وبالرسم القرآني حروف كثيرة جاء رسمها مخالفا لأداء النطق, وكلمات تأتي في آيات قرآنية برسم مختلف, وكلمات أخرى تأتي برسم يختلف عن الرسم المعتاد. وكلمات تنقص أو تزيد حروفها. وكلّ ذلك لأغراض شريفة وهي من الأسرار التي خصّ الله بها كتابه العزيز.

(1/3)


وذكر العلامة ابن المبارك نقلا عن العارف بالله شيخه عبد العزيز الدباغ, إذ يقول في كتابه(( الإبريز)) ما نصه: ( رسم القرآن سرٌّ من أسرار الله المشاهدة وكمال الرفعة وهو صادرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي أمر الكُّتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم وما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة وإنما هو توقيف من النبي صلوات الله وسلامه عليه وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على هذه الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول, وهو سر من الأسرار خصَّ الله تعالى به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية, وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه معجز, وكل ذلك لأسرار إلهية وأغراض نبوية, وإنما خفيت على الناس, لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني فهي بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة التي في أوائل السور فإن لها أسراراً عظيمة ومعاني كثيرة, وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها, ولا يدركون شيئاً من المعاني الإلهية التي أُشيرَ إليها, فكذلك أمرُ الرسم الذي في القرءان حرفاً بحرف.
وقال الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله): تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف, أو غير ذلك.
وإنه لممّا يطمئن له القلب ويرتاح له الفكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أملى كتابة الرسم القرآني على كتّاب الوحي حسب الرسم المنزل عليه والذي نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام, ومما يؤيد ذلك أن أول كلمة قرآنية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم كانت (اقرأ) وهي تعني اقرأ القرآن من الكتاب, حتى إنَّ الرسول الأكرم ردّ على جبريل عليه السلام قائلا: ما أنا بقارئ.
ولو كان قرءانا فقط لكانت أول كلمة هي: قل.
وقد ورد في السيرة النبوية لابن هشام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ..... الخ. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين{2}".[سورة البقرة].
إنها إشارة على الكتاب الذي جاء به جبريل حين قال له: اقرأ. كذلك فإن ما يؤيّد ذلك أيضاً قول الله تعالى: "رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة, فيها كتب قيمة{2}"[البينة]. وقوله تعالى: "بل هو قرآن مجيد{21} في لوح محفوظ{22}"[سورةالبروج].
وفي هذه الدراسة نتعرض لبعض هذه الكلمات القرآنية التي جاء رسمها مخالفاً للقواعد الإملائية ونحاول أن نتلمس الحكمة في ذلك لأننا نعتقد كما قال الإمام الرازي إن كل حرف وكل كلمة وكل حركة في القرآن الكريم لها فائدة, ونحاول في هذه الدراسة أن نلتمس الحكمة وبالطبع لن نصل إليها كاملة فهناك متسع لمزيد من الاجتهادات والتدبر في معاني هذه الكلمات القرآنية وأسرارها.
ونضرب هنا أمثلة لبعض الكلمات القرآنية التي جاءت على رسم مختلف.
- لماذا جاءت (بسم) بدون ألف حينما نسبت إلى لفظ الجلالة(الله) وجاءت برسمها المعتاد(باسم) حين نسبت إلى ربك.
- لماذا جاءت (رءى) في القرآن الكريم كلّه ما عدا موضعين اثنين فقط جاءت برسم (رأى).
- لماذا جاءت (تشاء) برسمها المعتاد في جميع القرآن الكريم ما عدا مرة واحدة فقط جاءت برسم مختلف( نشؤا).
- لماذا جاءت كلمة (تسطع) مرة واحدة ناقصة حرف تاء بهذا الرسم وكلمات أخرى كثيرة جاءت بشكل مختلف نتعرض لها في هذا القسم ذلك بعد دراسة الآيات الكريمة التي أحاطت بهذه الكلمات وتدبر المعاني التي احتوتها والغاية من ذلك. ومن خلال الدراسة لهذه الكلمات فقد تبين على وجه العموم الآتي:
- إن وجود كلمة قرآنية برسم مختلف في آية يلفت النظر إلى أن هناك أمراً عظيماً يجب تدبره.
- في حالة زيادة أحرف الكلمة عن الكلمة المعتادة فإن هذا يعني زيادة في المبنى يتبعه زيادة في المعنى.
- كذلك فإن زيادة المبنى يمكن أن يؤدي إلى معنى التراخي أو التمهل أو التأمل والتفكر أو انفصال أجزاءه.
- في حالة نقص حروف الكلمة فإن هذا يعني إما سرعة الحدث أو انكماش المعنى وضغطه أو تلاحم أجزائه.{5}.
هذا هو كتاب الله سبحانه وتعالى أنزله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا, وأنزله الروح الأمين على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منجماً, وتكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه من التحريف بالزيادة أو النقصان.
قال الله سبحانه: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ {9}".[سورة الحجر].
الإعجاز في حذف بعض الأحرف من بعض الكلمات
أ- حذف الألف
بسم - باسم
وردت كلمة (بسم) ثلاث مرات في القرآن (بخلاف فواصل السور):
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [الفاتحة: 1].
{ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [هود: 41].
{ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [النمل: 30].
كما وردت كلمة (باسم) أربع مرات في القرآن:
قال الله تعالى: { نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الواقعة: 73-74].

(1/4)


{ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الواقعة: 95-96].
{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق: 1].
{ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الحاقة: 51-52].
لماذا وردت كلمة (بسم) في الحالات الأولى مقصورة بدون ألف ووردت في الحالات الأخرى كلمة (باسم) كاملة بدون قصر.
إن حذف الألف من كلمة (بسم) والتي جاء بعدها لفظ الجلالة (الله) يدل ويوحي بأنه يجب علينا الوصول إلى الله سبحانه وتعالى وعمل الصلاة معه بأقصر الطرق وأسرع الوسائل وهو ما يدل عليه { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة: 6]، وهو الذي يوصل بأسرع وأقصر الطرق... والحرف الوحيد الذي يمكن حذفه من كلمة (باسم) دون تغيير نطق الكلمة هو حرف الألف.. لذا فقد تم حذفه للتوجه إلى الله وأخذ البركة منه في أي عمل نعمله بأسرع ما يمكن وبأقصر طريق... ولفظ الجلالة (الله) هو العلم على الذات الإلهية ولا يشاركه فيه أحد.. أما في الحالات الأخرى والتي ورد فيها (باسم) فإن كلمة (ربك) تأتي مشتركة بين الله سبحانه وتعالى وخلقه فقد جاء في الآية 42 من سورة يوسف قوله للساقي: { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } [يوسف: 42]...
إن حذف حرف من الكلمة يضغط مبناها ويسرع من واقعها فتؤدي المعنى المطلوب وهو السرعة على خير وجه وهذا إعجاز القرآن الكريم والرسم القرآني...
سموات – سموات
وردت كلمة (سموات) بهذا الرسم بدون ألف صريحة 189 مرة في القرآن الكريم كله... ووردت مرة واحدة فقط بألف صريحة بعد حرف (و) بالرسم القرآني (سموات) وذلك في الآية الكريمة رقم 12 من سورة فصلت والتي يقول سبحانه فيها: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ }...
وحين نتدبر هذه الآية الكريمة وما قبلها من آيات نجد أن القرآن الكريم يتعرض لقضية كبرى هي قضية خلق السماوات والأرض وترتيب هذا الخلق ومدته وتقدير الأقوات في الأرض لذا فإن القضية مهمة جداً وتحتاج إلى تدبر وتفكر وعليه فقد جاءت كلمة (سموات) بالرسم الغير عادي هذه المرة لتفت النظر إلى ضرورة الوقوف وتدبر المعاني الجليلة لهذه الآيات والتي صعب فهمها على بعض الناس خاصة في حساب أيام الخلق الستة حيث لم يقدّر لهم فهم جملة (أربعة أيام سواء) بأن هذه الأيام تشمل يومي خلق الأرض والتي قول فيها سبحانه: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [فصلت: 9-12].
الميعاد – الميعد
وردت كلمة (الميعاد) وذلك بألف صريحة في وسط الكلمة 5 مرات في القرآن الكريم كله... وكلها تتكلم عن الميعاد الذي وعده الله.. لذلك جاء هذا الميعاد واضحاً وصريحاً ولا ريب فيه..
ونذكر فيما يلي الآيات الكريمة التي وردت فيها كلمة (الميعاد):
قال تعالى:
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [آل عمران: 9].
{ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [آل عمران: 194].
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [الرعد: 31].
{ { قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ } [سبأ: 30].
{ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } [الزمر: 20].
غير أن هذه الكلمة وردت مرة واحدة فقط وذلك برسم يختلف بدون ألف صريحة على شكل (الميعد) وذلك حين نسب هذا الميعاد إلى البشر حيث قال تعالى: { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ } [الأنفال: 42].
سعوا – سعو
وردت (سعوا) بشكلها العادي مرة واحدة، ووردت (سعو) بشكلها الغير عادي بدون ألف في آخرها مرة واحدة أيضاً في القرآن الكريم كله، وتوحي كلمة (سعو) بنقص الألف في آخرها أن هذا السعي سريع جداً وكله نشاط وهو حسب الآية الكريمة سعي في إنكار آيات الله وهو ما جلب على الكافرين عذاب من رجز أليم في الدنيا... بالإضافة إلى عذاب جهنم في الآخرة..
- { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } [الحج: 51].
- { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ } [سبأ: 5]. أي في الدنيا بالإضافة إلى عذاب الآخرة.
صحب – صاحب
في الآية 34 من سورة الكهف يقول القرآن الكريم على لسان مالك الجنين: { فَقَالَ لِصَحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ }. حيث جاءت كلمة (صحبه) بألف متروكة لتبين ما كان يظنه مالك الجنتين من أن صاحبه ملتصق به التصاقاً كاملاً سواء في الرفقة أو الإيمان...

(1/5)


غير أن الرد يأتيه من صاحبه المؤمن في الآية 37 من نفس السورة: { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } حيث جاءت كلمة (صاحبه) بألف صريحة فارقة لتوضح لقارئ القرآن أن هذه الصحبة في الرفقة فقط وأما في الإيمان فهناك افتراق ومسافة بينهما.. وقد جاء هذا المعنى أيضاً واضحاً في حق الرسول صلى الله عليه وسلم حينما نُسب إلى قومه فجاءت كلمة (صاحبكم) بالألف الصريحة مفرقة بينه وبين قومه في الإيمان بالرغم من مصاحبته لهم في المكان والزمان.. وذلك في الآيات الكريمة الآتية:
{ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ } [سبأ: 46].
{ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } [النجم: 2].
{ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } [التكوير: 22].
{ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ } [الأعراف: 184].
غير أنه حين يتكلم القرآن الكريم عن سيدنا أبي بكر صاحب رسول الله تأتي (صحبه) بألف متروكة لتبين مدى الالتصاق بينهما وتوضح الصحبة الحقيقية في الرفقة والإيمان:
{ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [التوبة: 40]، وهذا يبين جزءاً من الحكمة في كتابة الكلمة القرآنية باستخدام الألف الصريحة والمد بالألف المتروكة كما سبق أن أوضحنا...
حذف حرف الواو
من بعض الأفعال
ورد في كتاب (مناهل العرفان) للزرقاني: أنه تم كتابة هذه الأفعال الأربعة بحذف الواو وهي:
(ويدعو الإنسان - ويمحو الله الباطل - يوم يدعو الداع - سندع الزبانية) ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع.
قالوا: والسر في حذفها من (ويدع الإنسان) هو الدلالة على أن هذا الدعاء سهل على الإنسان يسارع فيه كما يسارع إلى الخير....
والسر في حذفها من (ويمح الله الباطل) الإشارة إلى سرعة ذهابه واضمحلاله...
والسر في حذفها من (يوم يدع الإنسان) الإشارة إلى سرعة الدعاء وسرعة إجابة الداعين...
والسر في حذفها من (سندع الزبانية) الإشارة إلى سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش.. ويجمع هذه الأسرار قول المراكشي: (والسر في حذفها سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل، وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود).
وسئل - فسئل
ورد في القرآن الكريم كله فعل الأمر من (سأل) ناقصاً حرف (ا) في البداية... ونذكر فيما يلي نماذجاً من الآيات الكريمة التي ورد فيها هذا الفعل:
قال تعالى: { فَسْئلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } [يونس: 94].
- وقال تعالى: { وَسْئلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } [يوسف: 82].
- وقال تعالى: { وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } [النساء: 32].
- وقال تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } [النحل: 43].
ويدل حذف حرف (ا) من مبنى الكلمة الأصلية وهو (اسئل) أو (اسأل) على أن الكلمة القرآنية في رسمها تعبر عن المعنى أصدق تعبير إذ أن السؤال دائماً يأتي في عجلة وسرعة فقلما ينتظر الإنسان فهو دائماً يريد سرعة الإجابة.. لذلك جاءت كلمة (سئل) في فعل الأمر ناقصة حرفاً لتحض على سرعة السؤال انتظاراً لسرعة الإجابة.
وكما ذكرنا فإن نقص مبنى الكلمة يدل على العجلة والسرعة وعدم الصبر....
أيد - أييد
وردت كلمة (أيد) وهي جمع (يد) مرتين في القرآن الكريم كله بهذا الرسم العادي وذلك في الآيتين التاليتين:
قال تعالى: { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } [الأعراف: 195].
وقال تعالى: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص: 17].
غير أنها وردت مرة واحدة برسم مختلف يزيد حرف (ي) في منتصفها وذلك في الآية الكريمة الآتية:
قال تعالى: { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } [الذاريات: 47].
وكما سبق أن ذكرنا فإن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى فهل هناك أشد من خلق السماء...؟
{ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا } [النازعات: 27]، إن زيادة حرف (ي) في كلمة (أيد) يوضح قوة وشدة السماء ومتانة سمكها وبنائها...
إن شاء الله تعالى سوف نعرض المزيد من الدراسات في مقالات أخرى
المراجع:
القرآن الكريم
1 - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ج2 في تفسير الآية 185 من سورة البقرة.
2 - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي في تفسير الآيات الثلاث الأولى من سورة الزخرف.
3 - كتاب مناهل العرفان للزرقاني.
4- ((كتاب تأملات في إعجاز الرسم القرآني وإعجاز التلاوة والبيان )) للمهندس: محمد شملول.
================
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
قال الله جل وعلا:" فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "(الحاقة: 38- 43)

(1/6)


أولاً- في هذه الآيات الكريمة يقرر الله جل وعلا تقريرًا حاسمًا جازمًا حقيقة هذا القول، الذي جاء به الرسول الكريم، هذا القول، الذي تلقَّاه الكفرة والمشركون بالرَّيب، والسخرية، والتكذيب. ويؤكِّد سبحانه وتعالى على أنه حق ثابت؛ لأنه صادر عن الحق، وينفي على سبيل القطع والجزم أن يكون شعر شاعر، أو كهانة كاهن، أو افتراء مفتر؛ ولهذا فهو أوضح من أن يحتاج إلى قسم لتوكيده بشيء مما نبصر، وبأشياء مما لا نبصر من مشاهد هذا الكون العجيب.
وقد كان مما تقوَّل به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم قولهم: إنه شاعر، وإنه كاهن، متأثرين في هذا بشبهة سطحية، منشؤها أن هذا القول فائق في طبيعته على كلام البشر، وأن الشاعر في وهمهم له من الجن من يأتيه بالقول الفائق، وأن الكاهن كذلك متصل بالجن، فهم الذين يمدونه بعلم ما وراء الواقع.. وهي شبهة تسقط عند أقل تدبر لطبيعة القرآن والرسالة، وطبيعة الشعر والكهانة، وهي شبهة واهية سطحية، حتى حين كان القرآن الكريم لم يكتمل، ولم تتنزل منه إلا سور وآيات، عليها ذلك الطابع الإلهي الخاص، وفيها ذلك القبس الموحي بمصدرها الفريد ، وهو الله جل في علاه !
وكبراء قريش وصناديدها كانوا يراجعون أنفسهم، ويردُّون على هذه الشبهة بين الحين والحين؛ ولكن الغرض يعمي البصائر عن رؤية الحق، ويصمُّ الآذان عن سماعه..
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ "(الأحقاف: 11)
وقد حكت كتب السيرة مواقف متعددة لزعماء قريش، وهم يراجعون هذه الشبهة، وينفونها فيما بينهم، ومن ذلك ما رواه ابن اسحق عن الوليد بن المغيرة، وعن النضر بن الحارث، وعن عتبة بن ربيعة..
فما كان قولهم: ساحر، أو كاهن، أو غير ذلك إلا حيلة ماكرة أحيانًا، وشبهة مفضوحة أحيانًا.. والأمر أوضح من أن يلتبس عند أول تدبُّر، وأول تفكُّر، وهو من ثمَّ لا يحتاج إلى قسم بما يبصرون، وما لا يبصرون:
" إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ "
" وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ " إنما هو:
" تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
وكانت مواقفهم تلك من القرآن الكريم من أهم الأسباب الداعية إلى التحدي. ولقد عجبت من أحد المساكين، الذي عرَّف بنفسه أنه باحث عقلاني في القرآن الكريم، حين سمعته يكفِّر كل من يقول بالتحدي في القرآن، ويسفِّه رأيه؛ لأن الله سبحانه- على حدِّ زعمه- لا يليق به أن يتحدَّى البشر؛ بل يليق به أن يستهزئ بهم.
وسأنقل هنا شيئًا مما قاله هذا الباحث العقلاني في هذا الصدد، وأترك للقارئ الكريم التعليق عليه. ومن يدري فلعله يكون محقًّا فيما قاله! ومن ذلك قوله:
" الله نسب الاستهزاء بالكفرة إلى نفسه، فذلك يجوز في حقه، ولم ينسب التحدي؛ لأنه لا يجوز. ومن ظن أن الآيات فيها شبهة تحدًّ، فهو واهم، والله لا يستحي أن يقول للكفرة: إني أتحداكم نصًّا صريحًا في القرآن، أو على لسان رسوله الكريم؛ ولكن ليس هناك من أثر واحد فيه دعوة الله تعالى بالتحدي؛ وإنما هي نصوص أولها الناس على التحدي، وهذا ما لا يجوز بحقه سبحانه وتعالى ".
وأضاف هذا المسكين قائلاً:
" هل خرج سيدنا محمد على كفار قريش، وقال لهم إني جئتكم بقرآن من ربكم، أتحداكم أن تؤتوا بمثله ؟ أين الجهابذة عندكم ، فليعارضوا القرآن، وهو معجزة؛ لأنكم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله ؟ هل جاء بالأثر مثل هذا ؟؟؟ لا، والله ، ما جاء؛ ولكنه وهم، وتحريف للكلم عن مواضعه.. شهادة بالغة لله في عنقي، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل ".
" رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا "، ونوِّر بصائرنا، " فََإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ "
ثانيًا- ذكرت في مقالي السابق " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " أن الله تعالى بعد أن قرَّر في مكة المكرمة عجز الإنس والجن مجتمعين عن الإتيان بمثل القرآن العظيم ، تحدَّى الخلق عامة، والمكذبين خاصة أن يأتوا:
" بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "(يونس: 37)
و" بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ "(هود: 13)
و" بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ "(الطور: 34)
ثم أعاد سبحانه وتعالى هذا التحدي في المدينة المنورة بعد الهجرة، فأمر الناس جميعهم عامة، والمرتابين في القرآن الكريم من كفار العرب، ومشركيهم خاصة أن يأتوا بسورة واحدة من هذا المِثل للقرآن، وأسجل عليهم إسجالاً عامًا إلى يوم القيامة، أنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا ذلك أبدًا، فليتقوا النار، التي وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين، من أمثالهم.
وذكرت في مقالي الآخر " لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ " أن قول الله عز وجل:
" قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ "(الإسراء: 88)

(1/7)


كان بمثابة الإعلان في مكة على لسان النبي عليه الصلاة والسلام بعجز العرب قاطبة، والأمم عامة، إنسهم وجنهم، عن الإتيان بمثل هذا القرآن العظيم عجزًا مطلقًا، ولو تظاهروا على ذلك. وهذا ما دل عليه فعل الإتيان المنفي بـ" لَا " نفيًا شاملاً على سبيل القطع والجزم في قوله تعالى:
" لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ "
فأفاد النفيُ بها أن الإتيان بمثل هذا القرآن، لا يمكن أبدًا، وأنه فوق طاقة الخلق من الإنس والجن مجتمعين.
ثم ذكرت أن هذا المثل للقرآن ليس مثلاً مفترضًا- كما هو الشائع- وإنما هو مثل موجود، وبينت بالأدلة والبراهين على وجود هذا المثل بما لا يدع مجالاً لأحد أن يشك في وجوده، ويكفي في بيان ذلك وإثباته أن الله تعالى أقسم على أنه مثل موجود:
" قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ "
وذكرت أيضًا أنه ليس في هذه الآية الكريمة ما يشير لا من قريب، ولا من بعيد إلى أن الله تعالى طلب من المكذبين خاصة، والناس عامة أن يأتوا بمثل هذا القرآن، خلافًا للمشهور؛ إذ كيف يعلن الله تعالى عجز الإنس والجن على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم عن الإتيان بهذا المثل للقرآن، ثم يطلب من الناس أن يأتوا بهذا المثل ؟
نعم لقد تحداهم في المدينة أن يأتوا:" بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "، حين كانوا في ريب منه، وأن الجن- على حدِّ زعمهم- كانت تتنزل به على محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى:
" وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "(البقرة: 23)
ثم أسجل عليهم إسجالاً عامًا إلى يوم القيامة، أنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا ذلك أبدًا؛ ولهذا انتقل سبحانه وتعالى إلى إرشادهم، فقال:
" فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ "(البقرة: 24)
وقد سبق ذلك كله قول الله تعالى:
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ "(البقرة:21-22)
والخطاب هنا عام للناس كل الناس، في كل زمان وكل مكان، إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. وليس فيه ما يشير إلى أن الله تعالى تحدَّى العرب أن يأتوا بسورة من مثل سور القرآن في بلاغته وفصاحته ونظمه، وإن كانوا أصحاب بلاغة وفصاحة، ففي ذلك تحميل للفظ ما لا يحتمله.
وما في اللفظ يدل على خلاف ذلك..
ففي اللفظ قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ "، وهو خطاب يراد به العموم، والعرب بعض من هذا العموم.
وفي اللفظ قوله تعالى:" وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا "، والريب هو الشك بتهمة، وهو معلق بإن الشرطية، التي تدل على إمكان حدوث ما بعدها، وعدم إمكان حدوثه. وحدوثه، إن كان مع قلته، أخطر تهمة توجه إلى القرآن الكريم، فهو أخطر من الافتراء، ومن التقوُّل، ومن غيرهما.
ولهذا نجد آيات القرآن الكريم تتكرر في أكثر من موضع نافية على سبيل الاستغراق والشمول لكل جنس من أجناس الريب في القرآن، وتؤكد على أنه تنزيل من الله جل وعلا؛ لأنه المعجزة الكبرى، التي أيَّد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الآيات قوله تعالى:
" ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ "(البقرة: 2)
" تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ "(السجدة: 2)
" لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ "(فصلت: 42)
وفي اللفظ قوله تعالى:" فَأْتُوا بِسُورَةٍ "، والإتيان بالشيء يكون بالمجيء به، أو جلبه من مكان بعيد إلى مكان قريب بسهولة ويسر، دون جهد يبذل. ويكون ذلك إما بالاسترفاد من الغير كما في قوله تعالى هنا:
" فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "
أو يكون ذلك بالاختراع من الجالب كما في قوله تعالى:
" فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ "(البقرة: 258)
وفي اللفظ قوله تعالى:" مِنْ "، وهي لابتداء الغاية، مثلها في قوله تعالى:
" فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعُهُ "(القصص: 49)

(1/8)


وفي اللفظ قوله تعالى:" مِثْلِهِ "، ومِثْلُ الشيء، بكسر فسكون، هو المساوي للمثل الآخر المتفق معه في الجنس في تمام ذاته، أو حقيقته وماهيته، أو جوهره، لا في صفاته؛ فإن المثل لا يكون مثلاً لغيره، إلا وذلك الغير مثلاً له. والمثلان- بإجماع علماء التوحيد- هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته، بحيث يسد مسدَّه. والشيء- كما قال أبو هلال العسكري- لا يكون مثل الشيء في الحقيقة، إلا إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته، وأن التشبيه بالكاف يفيد تشبيه الصفات بعضها ببعض، وبالمثل يفيد تشبيه الذوات بعضها ببعض. وقد بينت ذلك ووضحته في مقالي المذكور:
" لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ "
فليس من الصواب في شيء بعد هذا كله أن يقال: إن الله تحدى العرب بأن يقولوا مثل هذا القرآن، أو سورة واحدة مثل سور هذا القرآن في بلاغته وفصاحته وحسن نظمه، وما أشبه ذلك؛ لأنها صفات خارجة عن ذات الشيء وجوهره، أو حقيقته وماهيَّته، لا يعبَّر عنها بلفظ المِثْل. ومن قال خلاف ذلك، فإنه لا يعرف جوهر الكلام، ولا يدرك شيئًا من أسرار البيان. وما أظن أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم كانوا يفهمون معنى المثلية في هاتين الآيتين كما فهمها جمهور المفسرين، وأعني: المثلية في قوله تعالى:
" لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ "(الإسراء: 88) ، وقوله تعالى:
" فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "(البقرة: 23)
ثالثًا- وحدث- بين الإعلان عن عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل هذا القرآن " لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ "، وبين تحدِّي الناس كلهم أن يأتوا بسورة من هذا المثل للقرآن " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "- أن اعترض الكفار في مكة على صحة دعوى نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وأن ما جاء به من القرآن ليس بكلام الله، وأنه إنما أتى به من عند نفسه على سبيل الافتراء تارة، وعلى سبيل التقوُّل تارة أخرى، فبيَّن الله تعالى في هذين المقامين أن إتيان محمد عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن ليس على سبيل الافتراء على الله تعالى، وليس على سبيل التقوُّل على الله جل وعلا؛ ولكنه وحي نازل عليه من عند الله تعالى، فقال سبحانه في الرد على القائلين بالافتراء:
" وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "(يونس: 37)
فنفى سبحانه أن يكون هذا القرآن مفترى من دون الله. أي: ما ينبغي لبشر أن يفتري هذا القرآن، وينسبه إلى الله جل وعلا. فنفى تعالى فعل ذلك، ونفى احتمال فعله، وأخبر بأن مثل هذا لا يقع؛ بل يمتنع وقوعه، فيكون المعنى: ما يمكن، ولا يحتمل، ولا يجوز أن يفترى هذا القرآن من دون الله، فإن الذي يفتريه من دون الله مخلوق، والمخلوق لا يقدر على ذلك.
ثم قال سبحانه في الرد على القائلين بالتقوُّل:
" أََمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُون "(الطور: 30- 33)
وهو حكاية لإِنكارهم أن يكون القرآن وحيًا من الله سبحانه، فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم تقوّله على الله سبحانه. فالاستفهام إنكار لقولهم، واستبعاد له. وهم قد أكثروا من الطعن، وتمالؤوا عليه؛ ولذلك جيء في حكايته عنهم بصيغة الحاضر:" يَقُولُونَ "، المفيدة للتجدد، ثم أتبع بقوله تعالى:" تَقَوَّلَهُ "، بدلاً من قوله، فيما تقدم:" افْتَرَاهُ "؛ وذلك لاختلاف المقامين.
والتقوُّل معناه: قال عن الغير: إنه قاله. فهو عبارة عن كذب مخصوص؛ كقوله تعالى:
" وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ "(الحاقة: 38)
أي: قال عنا ما لم نقله. وليس كذلك الافتراء؛ إذ كل تقوُّل افتراء، وليس كل افتراء بتقوُّل.
ولهذا شدَّد الله جل وعلا في وعيد من يتقوَّل عليه ما لم يقله، فقال في جواب الآية السابقة:
" لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ "(الحاقة: 39- 40)
ثم قال تعالى:" بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ " جوابًا لقوله:" أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ "، فابتدأ الرد عليهم؛ لتعجيل تكذيبهم قبل الإِدلاء بالحجة عليهم؛ وليكون ورود الاستدلال مفرَّعًا على قوله:" لَا يُؤْمِنُونَ "، بمنزلة دليل ثان.
والمعنى: لا يؤمنون بسبب كفرهم وعنادهم، مع أن دلائل تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن تقوّل القرآن الكريم بيِّنةٌ لديهم؛ ولكنهم أبوا أن يؤمنوا، وبادروا إلى الطعن في القرآن الكريم دون نظر، وشرعوا يلقون المعاذير سترًا لمكابرتهم، وجهلهم، وغرورهم؛ من نحو ما كانوا يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن ممَّا حُكِيَ عنهم؛ كقوله تعالى:
" وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ "(الأنفال: 31) ، وقوله تعالى:

(1/9)


" وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ "(يونس: 15) ، وقوله تعالى:
" وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ "(الزخرف: 30- 31 )
فأخبر تعالى عنهم: أنهم ادعوا مرة القدرة على أن يقولوا مثل القرآن، ووصفوه بأكاذيب الأولين، وحكاياتهم المسطرة في كتبهم؛ كالأضاحيك والأعاجيب. وأنهم طلبوا منه مرة الإتيان بغير القرآن مرة، أو تبديله. وأنهم قالوا مرة، لما جاءهم: هذا سحر، وكفروا به، ثم قالوا: لولا نزِّل هذا القرآن على رجل غيره عظيم؛ كالوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.. إلى آيات كثيرة في نحو هذا، تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم، متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور، من تعليل وتعذير ومدافعة بما وقع التحدي إليه، ووجد الحثُّ عليه.
رابعًا- وقد احتج الله تعالى على صحة هذا القرآن، وأنه ليس بمفترى، بأن أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يجيب الكافرين عن دعوى الافتراء بتعجيزهم، وأن يقطع الاستدلال عليهم، ويبطل بذلك دعواهم بافترائه، فقال سبحانه:
" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "(يونس: 38)
ثم قال سبحانه:
" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ "(هود: 13)
فتحداهم أن يأتوا " بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ". ثم تحداهم أن يأتوا" بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ "
وطلب منهم في الموضعين أن يستعينوا بمن أمكنهم الاستعانة به من المخلوقين من دون الله، إن كانوا صادقين، فقال سبحانه:
" وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
ومن المحال أن يأتيَ واحد منهم بكلام، يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالبهم أن يأتوا بسورة مثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، ثم يعجزون جميعهم عن ذلك.
ومن الواضح أن الآيتين السابقتين قد وردتا على نمط واحد من الأسلوب. والفرق الوحيد بينهما هو أن التحدي في الأولى أتى" بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "، وفي الآية الثانية أتى" بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ". وما عدا ذلك فكل ما فيهما مماثل للآخر.
وأول ما يلفت النظر- هنا- هو تصدُّر الآيتين الكريمتين بـ" أَمْ "، وهي للإضراب الانتقالي من النفي إلى الاستفهام الإنكاري التعجبي. والغرض منه إبطال دعواهم أن يكون هذا القرآن مفترًى من دون الله جل وعلا.
و" أَمْ " هذه هي التي تتقدر عند النحاة بـ( همزة الإنكار ) و( بل ). وعليه يكون تقدير الكلام: بل، أيقولون افتراه بعدما تبين لهم من الدلائل على صدقه وبراءته من الافتراء ؟ وقيل: إنكار لقولهم واستبعاد.
والافتراء معناه: الكذب. وأكثر استعماله في اللغة في الإفساد؛ وكذلك استعمل في القرآن في الشرك، والظلم، والكذب عن عمد؛ نحو قوله تعالى:
" وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً "(النساء: 48)
وقوله تعالى:
" انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً "(النساء: 50)
وواضح أن المراد بقوله تعالى في آية هود:
" فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ "(هود: 13)
أن يأتوا بعشر سور مثل القرآن مفتريات. ويدل عليه أن ضمير الغائب في قوله تعالى:" افْتَرَاهُ " يعود على قوله:" بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ " من الآية السابقة، وهي قوله تعالى:
" فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ "(هود: 12)
أما قوله تعالى في آية يونس:
" فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "(يونس: 38)
فالمراد به: أن يأتوا بكلام، أو بقرآن مثل القرآن على وجه الافتراء، لا سورة واحدة مثله. والدليل على ذلك:
1- أن الضمير في:" مِثْلِهِ " يعود على:" هَذَا الْقُرْآَن " في الآية السابقة، لهذه الآية على أرجح الأقوال، وهي قوله تعالى:
" وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ "(يونس: 37)
2- أن من معاني السُّورة في اللغة: المنزلة الرفيعة؛ ومنه قول النابغة في مدح النعمان بن المنذر:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ** ترى كل ملك دونها يتذبذب
3- أن السُّورة- على ما قيل- هي كلٌّ متكامل، وتشتمل على ألوان من العلوم والمعارف والتشريعات والآداب، وغير ذلك، وتطلق في الأكثر على السورة الواحدة من القرآن. وقد تطلق، ويراد بها القرآن كله- كما في هذه الآية الكريمة- ومثله في ذلك لفظ ( قرآن )، فإنه يطلق، ويراد به القرآن كله، وقد يراد به بعضه.

(1/10)


4- أنَّ آية يونس، التي تتحدى البشر أن يأتوا " بِسُورَةٍ مِثْلِهِ " يأتي بعدها مباشرة قول الله تعالى:
" بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ "(يونس: 39)
أي: كذبوا بالقرآن؛ لأنهم لم يحيطوا بعلمه، الذي أحاط بكل شيء.
ولفظ ( سورة ) يتضمن معنى: السُّمو والرفعة، ومعنى: الإحاطة. ومعنى الإحاطة يتضمن: الاشتمال، والتمييز، وتحديد المعالم.
5- قرأ عمرو بن قائد:" بسورةِ مثلِهِ " على الإضافة. أي: بكلام مثله. أي: مثل القرآن.
6- جاء في كتاب معاني القرآن:” وقيل: المعنى: فأتوا بقرآن مثل هذا القرآن. والسورة قرآن، فكنَّى عنها بالتذكير على المعنى. ولو كان على اللفظ ، لقيل مثلها.
7- أنَّ لفظ ( سورة ) لم يذكر في أول خمسين سورة ، نُزِّلت على الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد جاء التحدي " بِسُورَةٍ مِثْلِهِ " في سورة يونس، والتي هي السورة الواحدة والخمسين في ترتيب النزول.
ثم جاء التحدي " بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ " في سورة هود، والتي هي السّورة الثانية والخمسين في ترتيب النزول. وهذا يعني أنّ العرب، في زمن الوحي، قد أَلِفَت معنى لفظ القرآن قبل أن تألف معنى لفظ السورة. وهناك الكثير من السُّور القصار، التي نزلت قبل أن يُسَمِّيَ القرآنُ الكريم كلَّ قطعة متكاملة باسم: سورة.
خامسًا- ثم احتج سبحانه على صحة القرآن، وأنه ليس بمتقوَّل، فقال:
" فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ "(الطور: 34)
والفاء هنا للتعقيب. أي: إذا كان القرآن متقوَّلاً كما يدعون، فيجب عليهم أن يأتوا بحديث مثله، إن كانوا صادقين.
وقال تعالى هنا:" فَلْيَأْتُوا "، بصيغة المضارع المسبوق بلام الأمر، وبدون وساطة:" قُلْ "، خلافًا للآيتين السابقتين؛ إذ قال فيهما:" قُلْ فَأْتُوا ". والسِّرُّ في ذلك:
أولاً: أن التحدي بقوله تعالى:" فَلْيَأْتُوا " تحدٍّ غير مباشر يعمُّ كلَّ من نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تقوَّل القرآن تارة، وافتراءه على ربه جل وعلا تارة أخرى. أما التحدي بقوله تعالى:" قُلْ فَأْتُوا " فهو تحد مباشر، ويخصُّ كل من نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم افتراء القرآن.
وثانيًا: أن التعبير بصيغة المضارع المسبوق بلام الأمر" فَلْيَأْتُوا " يفيد تجدد التحدي واستمراره دون انقطاع، بخلاف صيغة الأمر" فَأْتُوا "؛ فإن التعبير بها يفيد احتمال وقوع الفعل مرة واحدة، ووقوعه أكثر من ذلك.
ونحو ذلك قوله تعالى:
" قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَا "(إبراهيم: 31)
أي: يداوموا، ويواظبوا على ذلك دون انقطاع. والتقدير على أحد الأقوال: قل لعبادي الذين آمنوا، ليقيموا الصلاة، ولينفقوا مما رزقناهم.
سادسًا- وواضح مما تقدم أن المثلية المنصوص عليها في قوله تعالى:
" لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ "(الإسراء: 88) ، وقوله تعالى:
" فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "(البقرة: 23)
هي غيرها في قوله تعالى:
" بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "(يونس: 37) ، وقوله تعالى:
" بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ "(هود: 13) ، وقوله تعالى:
" بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ "(الطور: 34)
فتلك يراد بها المثل الموجود للقرآن في اللوح المحفوظ، والكتاب المكنون، لا المثل المفترض، وأما هذه فالمراد بها أن يأتوا: بكلام أو قرآن مثل القرآن، وبعشر سور مفتريات مثل القرآن، وبحديث متقوَّل مثل القرآن. وهذا المثل لا وجود له في واقع الناس، لا على سبيل الافتراض، ولا على سبيل غيره؛ لأن الكلام هو كلام الله جل وعلا، وكلام الله لا يماثله كلام البشر، لاختلافه معه في الحقيقة والماهيَّة والجنس؛ كما أن ذات الله تعالى لا تماثلها ذات من ذوات البشر، للسبب ذاته..
ولكن الذين تحدثوا عن المثلية في آيات التحدي، لم يفرقوا بين مثلية، وأخرى، فهي مثلية واحدة عندهم، ومن ثمَّ زعموا أنها مثلية في البلاغة، أو الفصاحة، أو النظم، أو غير ذلك..
ونعود إلى هذه الآيات الثلاثة، فنجد أن المفسرين قد اتفقوا على أن المراد بالمثلية في آية هود:
" بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ "
مثلية في البلاغة والفصاحة وحسن النظم.
أما المراد بالمثلية في آية يونس:" بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "
فاختلفوا فيها- كما اختلفوا في غيرها- على أقوال:
أحدها: أنها مثلية في كثرة العلوم، والأحكام، والوعد والوعيد والإخبار عن الغيب.
والثاني: أنها مثلية في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم.
والثالث: أنها مثلية تامة في غيوب القرآن، وعلومه، ونظمه، ووعده ووعيده.
قال الثعالبي عند تفسير آية يونس" بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ":” والتحدي في هذه الآية- عند الجمهور- وقع بجهتي الإعجاز، اللتين في القرآن: إحداهما: النظم والرصف والإيجاز والجزالة. والأخرى: المعاني من الغيب لما مضى، ولما يستقبل. وحين تحداهم بعشر مفتريات؛ إنما تحداهم بالنظم وحده “.
أما ابن عاشور فقال:” وقد وقع التحدي بإتيانهم بسورة تماثل سور القرآن. أي: تشابهه في البلاغة وحسن النظم “.

(1/11)


ثم قال:” فالمماثلة في قوله:" مِثْلِهِ " هي المماثلة في بلاغة الكلام وفصاحته، لا في سداد معانيه. قال علماؤنا: وفي هذا دليل على أن إعجازه في فصاحته بقطع النظر عن علوِّ معانيه، وتصديق بعضه بعضًا “.
وكذلك اختلفوا في المراد بالمثلية في قوله تعالى في الطور:" فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ "
فقال أبو حيان:” أي: مماثل للقرآن في نظمه ووصفه من البلاغة، وصحة المعاني والأخبار بقصص الأمم السالفة والمغيبات، والحكم “.
وقال ابن عاشور:” ومعنى المثلية في قوله:" مِثْلِهِ ": المثلية في فصاحته وبلاغته “.
وذهب الفخر الرازي إلى أنه استدل بهذه الآية على أن إعجاز القرآن بفصاحته، لا باشتماله على المغيبات، وكثرة العلوم؛ إذ لو كان كذلك، لم يكن لقوله سبحانه:" مُفْتَرَيَاتٍ " معنى. أما إذا كان وجه الإعجاز الفصاحة، صح ذلك؛ لأن فصاحة الكلام تظهر، إن صدقًا، وإن كذبًا.
قال الألوسي:” واعترض عليه الفاضل الجلبي بما هو مبني على الغفلة عن معنى الافتراء والاختلاق
ولهذا فسر الألوسي المثلية هنا بقوله:” مماثل للقرآن في النعوت، التي استقل بها من حيث النظم، ومن حيث المعنى “.
إلى غير ذلك من الأقوال، التي لا طائل من الجري وراءها وتتبعها؛ لأنها لا تفسر أسلوبًا، ولا توضح معنى. وإذا اختلفت الأقوال، لم يكن بعضها أولى من بعض، وبخاصة إذا كانت تقوم على أساس هشٍّ، وفهم غير صحيح.
وهنا أذكر بما نقلته في مقالي " لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ " عن صاحب كتاب( أكذوبة الإعجاز العلمي في القرآن ) من قوله:
” لقد تحدى القرآن جميع البشر، فلم يستطع أحد أن يقاوم ذلك التحدي. والسؤال هو: ما شروط هذا التحدي ؟ لا يعقل أن تتحدى شخصًا مَّا بأن يأتي " بِمِثْلِهِ " دون أن تحدد الشروط، ودون أن تحدد " بِمِثْلِهِ " في ماذا ؟ اللغة، الشرائع... إلخ “.
وأضاف قائلاً:
” هل الإعجاز في المعنى، أم في بناء الجملة، أم في النحو، أم البلاغة، أم إنه في جميعها ؟ وهل هو خاص بالعربية وأهلها فقط، أم إنه أيضًا قائم في حال الترجمة ؟ “.
وقلت تعقيبًا على ذلك:” هذه الأسئلة، التي يثيرها هذا الملحد- وهو محقٌّ في إثارتها وإن كان غرضه خبيثًا- هي مبنية في حقيقتها على ما دار، وما زال يدور، من خلاف بين المفسرين في تحديد المراد من هذه المثلية “.
وأقول هنا: هذه المثلية، التي تحدَّى الله تعالى بها الناس جميعهم، ولم يستطع أحد منهم أن يقاوم ذلك التحدي إما أن يكون المراد منها معلومًا. أو يكون مجهولاً. والثاني باطل حكمًا؛ لأن الله تعالى لا يمكن أن يتحدى خلقه بشيء لا يعلمون عنه شيئًا، فلم يبق إلا أن يكون المراد من هذه المثلية معلومًا.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان المراد من هذه المثلية معلومًا، فلمَ اختلف المفسرون، وما زالوا يختلفون في تحديد المراد منها ؟
هذا ما ينبغي الإجابة عنه.. وسأكتفي هنا بأن أذكر قول الخطابي، الذي ردَّ به على الجمهور، الذين يرون أن الله تحدى الناس بأن يأتوا بسورة من مثل القرآن تماثله في البلاغة، فقال في مقدمة كتابه ( إعجاز القرآن ) تعقيبًا على القول السابق بعد أن ردَّ غيره من الأقوال:” وهذا لا يقنِع في مثل هذا العلم، ولا يشفي من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أُحيل به على إبهام “.
وأعود بعد هذا إلى الآيات الثلاثة السابقة، فأقول: من تدبَّر هذه الآيات حق التدبُّر، وجد أن المراد بقوله تعالى:" قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "
كما سبق أن ذكرنا: أن يأتوا بكلام، أو بقرآن، من غير تحديد الجهة التي يأتون به منها، يكون مماثلاً للقرآن في حقيقة وماهيَّته، لا في صفاته، وإن كان مفترى على حد زعمهم. فإن كانت لديهم القدرة على ذلك، استطاعوا أن يثبتوا أن هذا القرآن مفترى، وإلا فهو كما وصفه الله تعالى بقوله في الآية، التي سبقت هذه الآية، وهي قوله تعالى:
" وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "(يونس: 37)
ولما ظهر عجزهم عن ذلك طالبهم الله تعالى أن يأتوا:" بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ "
أي: مختلقات، إن صح عندهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم اختلقه من عنده، وكذب به على ربه. و" مُفْتَرَيَاتٍ " لـ" عَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ "، وكان حقها أن تتقدم على " مِثْلِهِ "، فيقال: بعشر سور مفتريات مثله. ولكنها أخرِّرت عن " مِثْلِهِ "؛ لأن المثل هو المقصود بالتكليف، وأنه لو قدِّمت عليه، لتوهم أن القرآن مفترى، تنزه عن ذلك.
ولما ادعوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم تقوَّل القرآن على ربه جل وعلا، قال تعالى:" فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ "، ولم يقل:" فَلْيَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ "
لأن لفظ ( الحديث ) يطلق على الكلام تارة، وعلى القصة والخبر تارة أخرى. وقد يكون ذلك صحيحًا، وقد يكون متقوَّلاً، فناسب المجيء به- هنا- ما تقدم من قوله تعالى:" تَقَوَّلَهُ "؛ لأن التقول- على ما تقدم- هو الكذب المخصوص.

(1/12)


بقي أن نشير إلى وجه الإعجاز في قوله تعالى:" فَأْتُوا "، وقوله:" فَلْيَأْتُواْ "، وكان يمكن أن يقال:{ فقولوا }،{ فليقولوا }. أو:{ فجيئوا }،{ فليجيئوا }، أو نحو ذلك من صيغ الطلب؛ ولكن جاء التعبير عن ذلك بالإتيان؛ لأن الإتيان- كما سبق أن ذكرت- يعني المجيء بالشيء، وجلبه بسهولة، إما بالاسترفاد من الغير، أو بالاختراع من الجالب، وليس كذلك القول.
ولهذا طلب الله تعالى منهم في آيتي ( يونس وهود ) أن يستعينوا بمن استطاعوا من خلق الله، لنصرتهم وإعانتهم على الإتيان بما تحداهم به، فقال سبحانه:" وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ اللَّهِ
والدعاء هنا هو طلب الغوث. إي: استغيثوا بمن استطعتم.
أما قوله تعالى:" إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " ، " إِن كَانُواْ صَادِقِينَ "
فالمراد به: إن كانوا صادقين في قولهم:" افْتَرَاهُ " و" تَقَوَّلَهُ "؛ وذلك راجع إلى ما سبق من قولهم: إنه كاهن، وإنه مجنون، وإنه شاعر، وإنه مفترى، ومتقوِّل. ولو كانوا صادقين في شيء من ذلك، لهان عليهم الإتيان بكلام مثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، أو بحديث مثله متقوَّل.
وأكرر، فأقول: مثله في حقيقته وماهيَّته، لا في صفاته. وحقيقته وماهيته، لا يعلم كنهها أحد؛ لأنه كلام الله جل وعلا، وكلام الله جل وعلا مغاير لكلام البشر في الحقيقة والماهية والجنس، كما أن ذاته الشريفة مغايرة لذوات البشر في الحقيقة والماهية والجنس. ومن هنا يأتي عجزهم عن الإتيان بشيء مما طلب منهم، قليلاً كان، أو كثيرًا. ولما ظهر عجزهم، علم أنهم كاذبون، وأن هذا القرآن الكريم:" تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
" وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ "
والحمد لله رب العالمين !
بقلم الأستاذ الباحث
محمد إسماعيل عتوك
=================
الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول
َتَأْلِيفُ د/ مُحَمَّد السَّيِّد مُوسَى
أستاذ البلاغة والأدب كلية الآداب- جامعة المنصورة
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه والتابعين لهم بالإحسان إلي يوم الدين.
وبعد، فاٍن من أسرار البلاغة العربية وذوقها أن تساير الأساليب المختلفة وتتماشى مع المواقف والسياقات حسبما يتطلب المقام اللغوي والنفسي, " والبلاغة الحق - إضافة إلي كونها الكلام المكتوب أو المسموع, هي التي تقدر الظروف والمواقف, وتعطي كل ذي حق حقه, سواء أكانت شعرًا أم نثرًا, مقالا أم قصة, مسرحية أم حكاية, مديحا أم هجاء, غزلا أم استعطافا" [1]
والقرآن الكريم له نظمه العجيب وتركيبه الفريد الذي يأخذ بالألباب ويسوق إليه أعناق البيان " فكان من إعجاز القرآن أنه أقام أبنية من النظم الكلامي غير مستندة إلا علي ما بينها من تناسق هندسي, وتجاذب روحي، احكمه الحكيم العليم, وقدره اللطيف الخبير، في القرآن الكريم صور كثيرة من هذا النظم الذي يعتمد علي تجاذب الكلمات وتعانق الآيات, فيكون ذلك رباطها الذي يمسك بها ويشد بعضها إلي بعض في وثاقة وإحكام [2].
ومن المعلوم أن سياقات الكلام تختلف باختلاف المقام, فتختلف الألفاظ والجمل تبعا لذلك, وما يصلح من لفظ في سياق لا يصلح في غيره، ولا يؤدي نفس المعنى والدلالة.
وكذا الشأن في استدعاء النص للجملة الاسمية أوالفعلية التي تدل علي الحدث وتشتمل علي دلالتها وفاعلها الذي قد يحذف من الجملة لدواع يقتضيها المقام: " بعضها لفظي, كالرغبة في الاختصار في مثل: لما فاز السّباق كوفئ, أي كافأت الحكومة السّباق, مثلا، وكالمماثلة بين حركات الحروف الأخيرة في السجع, نحو: من حَسُن عملُه عُرف فضلُه، وكالضرورة الشعرية، وبعضها معنوي, كالجهل بالفاعل, وكالخوف منه, أوعليه وما يصلح لكل واحد من الثلاثة قولنا: قُتِلَ فلان, من غير ذكر اسم الفاعل وكإبهامه, أوتعظيمه بعدم ذكر اسمه علي الألسنة صيانة له, أوتحقيره بإهماله, وكعدم تعلق الغرض بذكره, حين يكون الغرض المهم هوالفعل، وكشيوعه ومعرفته في مثل: جُبلت النفوس علي حب من أحسن إليها، أي: جبلها الله وخلقها ".[3]
ومقامات الكلام وسياقاته هي التي تحمل دلالة تلك الأغراض السابقة التي تختلف من موضع لآخر, فليس الغرض متعلقا أو دالا من حيث لفظته المفردة, ولكنه يأتي من النظر في التركيب وتعلق الألفاظ ببعضها, وتفسير هذا كما يذكر عبد القاهر الجرجاني " أنه ليس إذا راقك التنكير في سؤدد " [4] من قوله: تنقل في خلقي سؤدد وفي دهر من قوله: فلو إذ بنا دهر [5] فانه يجب أن يروقك أبدا وفي كل شئ, ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله وأنكر صاحب, {لم يقل: أنكرت صاحبا}, فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته من استحسانك ههنا؛ بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع, أو بحسب المعنى الذي تريد, والغرض الذي تؤم " [6] .

(1/13)


وقد تحدث البلاغيون القدامى عن الفعل الذي لم يسم فاعله ونظروا في دلالته ومواقعه المتباينة, وهي وإن كانت نظرات إشارية تعد بمثابة اللمحة الخاطفة لا التحليلية العميقة, إلا أنها تدل علي ذوقهم البلاغي وحسهم المرهف بمواقع الكلام وأدوات التعبير, وإذا " كانت التيارات الجديدة قد شغلت نفسها بتحليل أدوات اللغة بكل طاقاتها التأثيرية والاٍقناعية, وبكل مهامها الانفعالية, فاٍن المهمة نفسها قد شغلت البلاغة القديمة, وقد أفاد منها - بلا شك - الخطاب الأدبي التراثي, وسوف يفيد - بلا شك أيضا - الخطاب الأدبي الحديث"[7].
وإذا كانت نظرة النحاة والبلاغيين قد اشتركت في تعيين أغراض عدم تسمية الفاعل, من العلم به أوتعظيمه أوصيانته عن الابتذال والامتهان أو مناسبة الفواصل أو مناسبة ما تقدم, أوكما ذكر السيوطي من أغراض للاختصار أو التنبيه علي أن الزمان يتقاصر علي الإتيان بالمحذوف أوأن الاشتغال بذكره يفضي إلي تفويت المهم. [8]
فاٍنه ينبغي النظر إلي الروح السارية أوالحياة النابضة الآخذة بلب السياق؛ لأن السياق قد يحمل أكثر من غرض لعدم تسمية الفاعل, أويبرز غرضًا أساسيًا أو جوهريًّا حاملاً معه من الأغراض ما يتطلبه المعنى ويقتضيه المقام.
وقد نظر الزركشي إلي بناء الفعل طبع للمجهول في سياقه نظرة التناسب مع ما تقدم, وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ}[التوبة86 - 87]
فصدر الآية الكريمة جاء بالبناء للمفعول أُنْزِلَتْ سُورَةٌ, فتناسق الختام مع البدء وجاء الفعل طبع مبنيا -أيضًا - للمجهول, وهذا بخلاف قوله تعالى ما بعدها: وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ, فاٍنه لم يقع قبلها ما يقتضي البناء, فجاءت على الأصل. [9]
فهذا الغرض وإن كان كذلك, إلا أنه ينبغي النظر إليه من ناحية أخرى, حيث استخدم هذا الفعل في مقام الذم وقدح الكافرين فقط, ولم يأت هذا الفعل مبنيا للمجهول إلا في موضعين فقط, وقد تمت الإشارة إلي ذلك في موضعها من البحث.
وقد وقف ابن الأثير مع هذه الروح السارية في النص, عندما وقف مع الالتفات في بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أوتكلمه في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ, بعد أَنْعَمْتَ, ولم يقل غير الذين غضبت عليهم؛ لأن اسم المفعول مشتق من الفعل المبني للمجهول،.فاعتبر ذلك عطفًا علي الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه, فلما صار إلي ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب, فأسند النعمة إليه لفظا, وزَوَي عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا ".[10]
هذا وإن الفاعل عندما يحذف من الجملة فإنما ينوب عنه " في رَفْعِه وعُمْديته ووجوب التأخير عن فعله, واستحقاقه للاتصال به, وتأنيث الفعل؛ لتأنيثه واحدٌ من أربعة: الأول: المفعول به نحو: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود44].
والثاني المجرور نحو: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف149], والثالث: مصدر مختص, نحو: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}[الحاقة13], والرابع: ظرف متصرف مختص, نحو: صيم رمضان, وجُلس أمام الأمير.[11]
البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ وَالتَّصْوِيرِ
يقصد بالتصوير هنا ما يقوم به الفعل المبنى للمجهول من تصوير لأحداث المشهد الغيبي الذى غابت دقائقه عن المتلقى أو خفى عن ذهنه وخياله.
أَوَّلاً: المشَاهِدُ الغَيْبِيَّةُ
تعمل الأساليب القرآنية في المشاهد الغيبية عملا حيا يساعد نفس الملتقي علي تلقي كينونة المشهد بمعناه العميق؛ ليتدارك خياله ما قصرت عنه حواسه المادية, فتتغاير الأفعال والجمل بتغاير الأحداث والوقائع والأشخاص، فنجد فعلا بعينه يدور في المواضع الكثيرة مبينا للمعلوم ليقرر الحقيقة دامغة واقعة شاخصة للعيان, لا جدال فيها ولا مراء, وذلك كالفعل رزق مثلا الذي جاء معلوما في كل المواضع القرآنية إلا أربعة مواضع, كقوله تعالى: {أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل 64].
وكقوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة 16].

(1/14)


وقد تغاير هذا الفعل من المعلوم إلي البناء للمفعول؛ لحكمة يقتضيها السياق كما في قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ} [البقرة25]
رُزِقُو هنا بمعنى: أطعموا, قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ أي: أطعمنا من قبل.1
وهذه اللوحة من مشاهد الجنة الغيبية, فلا تعلم حقيقة الرزق فيها، ولا حقيقة الإتيان وَأُتُو, فيضم المشهد حدث الفعل من الرزق مع المتمتع به, وكذا الإتيان مع المنتفعين به، وفي بناء الفعل للمفعول رُزِقُوا - رِزْقاً - وَأُتُوا دلائل أخرى وهي أن هذا الرزق يأتيهم دون جهد أوعناء أوبحث أوشقاء, وقد شاع في جو الآية جرس موسيقي أحدث إيقاعا متناغما من تكرار الرزق: رُزِقُوا - رِزْقاً - رُزِقْنَا، الوارد في سياق النكرة المفيدة للعموم من ثمرة رزق.
ومثله ما جاء في سياق مشهد الآخرة الغيبي وهو من مشاهد الجنة في قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر40].
وقد جاء فعل الرزق مبنيا لمفعوله في موضع ثالث من قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون َ} [آل عمران169].
فهي حياة خاصة مغايرة للحياة المعهودة, ولذلك خصصها بقوله عِنْدَ رَبِّهِمْ وبني الفعل يُرْزَقُون للمفعول؛ إشارة لاختلاف هذه الحياة، وأنها من نوع خاص يجري الرزق عليهم ويأتي إليهم, كما يجري الرزق لأهل الدنيا، فهي إذا قد وردت قي سياق المشهد الغيبي من حياة الدار الآخرة.
وقد جاء فعل الرزق مبينا لمفعوله في موضع رابع من قوله تعالى: {قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}[يوسف37].
طعام ما على العموم والشمول كما دلت النكرة في سياق النفي, وقد زاد ذلك في إبراز إعجاز الموقف الغيبي الذي تطلب بناء الفعل تُرْزَقَانِهِ للمفعول, وذلك أن يوسف عليه السلام " وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء, وهوالإخبار بالغيب, وانه ينبئهما – وهما الفتيان اللذان دخلا معه السجن – بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما, ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت, فيجدانه كما أخبرهما".[12] وفي سياق الحديث عن الجنة والنار وهي من مشاهد القيامة الغيبية الخفية، مجهولة العالم أوالواقع الملموس؛ جاء التعبير عنها بالفعل المبني لمفعوله, وذلك معرض ذكر الجنة مقابل ذكر النار, وذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين َ} [البقرة24].
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[آل عمران 131].
وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران133].
وقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد21].
فلفظ الإعداد هنا بمعناه اللغوي الموحي بالمتانة والإتقان, وبما لحق اللفظ من تضعيف وبناء للمفعول, يعمل علي إحضار المشهد " ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أوالحركة المتجددة, فإذا المعني الذهني هيئة أوحركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي, وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية ".[13]
وقد جاء الفعل نفسه مبينا للمعلوم عند الحديث عن اسم أوصفة أومعنى من معاني الجنة والنار أو كالأجر والعذاب والسعير وجهنم, كقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ُ} [التوبة89], فهي جنان ودرجات داخل الجنة التي أعلاها الفردوس الأعلى.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا} [الأحزاب35].
{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا} [الأحزاب64].
فالسعير اسم من أسماء النار ومن دركاتها

(1/15)


{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [الفتح6] وجهنم –عياذا بالله – من دركات النار, ومنها الدرك الأسفل, كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا} [النساء145].
فيتضح مما سبق أن لفظ أَعَدَّ بصيغة البناء للمفعول لم ترد إلا في معرض الحديث عن الجنة والنار باسمها العام الذي يمثل الإطار العام للجنة والنار.
وفي سياق الحديث عن الجنة جاء الفعل يُطَافُ مبنيا للمجهول مرة، ومبنيا للمعلوم مرة أخرى, يقول تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} [الإنسان15], ويقول جل شأنه: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُورًا} [الإنسان19].
فهذه المغايرة من المجهول إلي المعلوم لحكمة اقتضاها السياق, وتدخلت الصيغة اللغوية لتصوير المشهد, فالطواف في كلا المشهدين خاص بأهل النعيم من الجنة عَلَيْهِمْ ولكن " ذكر الأول بلفظ مجهول لأن المقصود ما يطاف به لا الطائفون, ولهذا قال: {بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ} ثم ذكر الطائفين فقال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}. [14]
وفي مجال العلم جاء الفعل علم في القرآن الكريم معلوما؛ ليظهر حقيقة الفاعل في وضوح وجلاء, ويتسلط الضوء عليه ويبرز الاهتمام به, كقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد17], فالبشر واوالجماعة في اعْلَمُو هم المعنيون بالعلم؛ ليصل بهم إلي الإيمان والتوحيد.
وقوله جل شأنه: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَونَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف21]، فيظهر فاعل العلم – سبحانه وتعالى – ليتحقق جانب النبوة عند يوسف عليه السلام وبعثته لقومه.
وقد جاء الفعل علم مبينا لمفعوله في أربعة مواضع لحكمة اقتضاها السياق في تقريب المعني الخفي وحقيقته التي توارت خلف الستار، يقول تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}[الأنعام91] فالأفعال الواردة في هذه الآية كلها جاءت مبنية للمعلوم وَمَا قَدَرُوا - مَا أَنْزَل َ- أَنْزَلَ - تَجْعَلُونَهُ – تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ، وجاء هذا الفعل عُلِّمْتُمْ وحيدًا فريدًا مبينًا لمفعوله في وسط هذا المشهد المعلوم, ولعل ذلك يشير إلي حكمة بليغة وهي لفت الذهن إلي مصدر هذا العلم, وهومصدر غيبي خفي عن الأبصار وماديات الحياة الدنيا المتعارف عليها, فهومن عند الله تعالى, " والخطاب لليهود, أي علمتم علي لسان محمد "صلى الله عليه وسلم" مما أوحي إليه ما لم تعلموا أنتم, وأنتم حملة التوراة, ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم, {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}النمل:76, وقبل الخطاب لمن آمن من قريش ".[15]
وفي مجال هذا العلم الخفي, غير المتاح لكل أحد, وإنما هوعلم غيبي يصدر عن المولي عز وجل, جاء فعل العلم مبينا لمفعوله في موضع ثان من قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف66], وهنا يطلب بني موسي عليه السلام من هذا العبد الصالح أن يتبعه ليتعلم من علمه الذي علمه إياه, وهذا توجيه من الله – تعالى- لموسى أن يفعل ذلك ويتبع هذا العبد الصالح, بعد أن سئل موسي عليه السلام, كما أوردت كتب التفاسير, هل في الأرض من هو أعلم منك؟ فقال: لا.
واستعملت عَلَى في قوله تعالى: {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} استعمال أدوات الشرط, فكان معني الكلام معها: هل أتبعك بشرط أن تعلمني؛ فإن لم تعلمني لا أتبعك, ووجه دلالة على هنا على الشرط بعض الأئمة بأن معناها العام هوالإلزام، ومعني الشرط الإلزام فبين المعنيين تناسب من هذه الجهة، وهي دلالة عَلَى على الشرط حقيقة أومجاز؟ خلاف غير متكافئ والأصح أنه مجاز " [16] .

(1/16)


والموضع الثالث في قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوالْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل16].
لم يقل علمن أوأتانا كل شئ , وإنما جاءت الصيغتان بالبناء للمفعول, وحذف لفظ الفاعل للعلم به, كما هو متبادر في مثل هذه السياقات، فالذي علمه هذا العلم الغيبي الخفي, وآتاه من كل شئ هو الله تعالى – فهذا من " التمكين العظيم, حتى اٍنه سخر له الإنس والجن والطير, وكان يعرف لغة الطير والحيوان – أيضا -, وهذا شئ لم يعطه أحد من البشر – فيما علمناه – مما أخبر الله به ورسوله " [17] .
وهذه المواقف التعجيزية التي تظهر فيها الخصوصية للموقف والمشهد وصاحبه, تستلزم سياقا خاصا ونسيجا لغويا له دلالته, ولذلك جاءت تتمة المشهد بفعلين مبنيين للمفعول: يقول تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل17], فهذا التسخير في حُشِرَ - يُوزَعُونَ لا ينبغي لأحد من البشر سوى نبِيّ الله سليمان عليه السلام وهو تسخير يأتيه من قبل الله عز وجل لا طاقة له به, فهوقوة غيبية مصدرها المباشر من الله تعالى.
ويمثل الموضع الرابع للفعل المبني للمفعول مشهدا غيبيا من نوع آخر، اٍنه يمثل القيمة الأخلاقية التي تمثل الصفات والطهر في النفس والمجتمع المحيط.
يقول تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوآبَائِهِنَّ أَوآبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوأَبْنَائِهِنَّ أَوأَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوإِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَونِسَائِهِنَّ أَومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوالتَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوالطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور31].
فهذه الآية الكريمة حملت العديد من الأفعال, وهي كلها مبنية للمعلوم إلا هذا الموضع لِيُعْلَمَ والشئ الخفي أو الواجب هو إخفاؤه هو زينة المرأة التي يجب عليها أن تخفيها إلا ما جاء به الاستثناء في الآية الكريمة لاثني عشر شخصًا.
ولعل السر في كون هذا الوضع الوحيد في الآية كلها فعلا مبنيا للمجهول, هوتعلقه بالسماع ومخاطبة حاسة الأذن, فيهتز القلب تطلعا لهذه الزينة الصادرة عن ضرب المرأة للأرض برجلها وما تلبسه من خلخال أوما يقوم بمهمته ودوره بتطوير الأزمان والأحوال، يؤيد ذلك ما قاله الزجاج: " سماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ".[18]
وقد جاء الفعل مبينا لمفعوله لتصوير المشهد بوقائعه غير المرئية وإبراز عنصر الخفاء وأثره الانفعالي على من واجهه, يقول تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ َياُ موسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل8 -10]
وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [القصص:30-31].
وباستقراء هذه الأفعال التي تأتي مبنية للمجهول نجدها تأتي – أيضا – في مشاهد القيامة, وهما من مشاهد الغيب البعيدة عن الملموس المادي, فهويمثل المشهد بخفاياه ودقائقه, ويعمل علي إبراز فخامته أورهبته، يقول تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [النحل111]
فيتحضر الذهن مشهد الوفاء توفي ولم تأت تسمية الفاعل للعلم به, ولينصَبَّ الاهتمام علي مشهد وفاء الأعمال بهيبته ورهبته, وقد زاد من رهبة المشهد مجئ صدر الآية الكريمة بكلمة يَوْمَ نكرة؛ لتؤدي دورها الحيوي في إبراز الموقف الخفي عن الأبصار, لتظهر الأشخاص في مشهد جلي, لا يهتم كل شخص إلا بنفسه، " فكل نفس لا يشغلها إلا نفسها, وقد جاءت منفردة, وهي في وسط هذا الخضم من المحشورين لا تحس بشيء إلا بذاتها, فهي تجادل عن نفسها, تدافع أو تحاول الدفاع, وتروم الخلاص, ولا مجال هناك للخلاص ".[19]

(1/17)


وفي مشهد آخر يتم تصوير دهس المعرضين المنكرين, ويظهر مدي ندمهم, كما لو كان دهسوا وسووا الأرض لكان أهون عليهم من هذا الإعراض, يقول تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوتُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [النساء41 – 42].
فتصدير المشهد بالاستفهام عن الحال كَيْفَ فيه إبراز لجو الفزع والرعب, وإيحاء بنوعية العذاب الهائل الذي لا يوصف, ولذلك جاء التعبير بالفعل يَوَدُّ ليكشف عن مكنون القلب واعتمال الحالة النفسية فيما لو كانت الأرض قد سويت لهم، وصاروا جزءًا منها, فيبدو المشهد بحركة المجئ جِئْنَا مِنْ كُلِّ، جِئْنَا بِكَ وإبراز المعاناة النفسية التي تصير فيها تسوية الأرض بهم إلي حد الأمنية الغالية والمودة الغائبة, فيتمنون الدهس والتسوية تُسَوَّى بالبناء للمجهول لدلالة رغبتهم في دهسهم وتسويتهم بالأرض من أية جهة وبأية طريقة " منطقة الخاص وطريقته المميزة في التعبير عن موضوعاته, فقد التفت القرآن عن مخاطبة الذهن البشري إلي مخاطبة الحس والوجدان, وذلك بمنطق التصوير لا التقرير, ولمنطق التصوير وسيلته التي ميزت أسلوب تناول القرآن لمختلف الموضوعات الإلهية التشريعية والعقائدية والتعبير عنها ".[20]
وفي موضع آخر من القران الكريم يأتي الفعل الذي لم يسم فاعله؛ ليؤدي دورا بليغا في سياق المشهد الغيبي من ساحة العرض والحساب.. يقول تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً} [طه102- 103].
فالغرض يتعلق بعلاقة الحدث يُنْفَخُ ووقعه وأثره في الصور لتقع الأهوال, ولا مجال لظهور الفاعل في المشهد حتى لا يشغل حيزا أو مساحة يحتاجها المشهد بجزئياته وخطوطه، ويَوْمَ نكرة للتهويل، وهو" منصوب بإضمار اذكر، ويجوز أن يكون ظرف المضمر حذف للإيذان بضيق العبارة عن حصره وبيانه أو بدلا من يوم القيامة أو بيانا له أو ظرفا ليتخافتون وقرأ أبوعمرو وابن محيصن ننفخ بنون العظمة على إسناد الفعل إلى الأمر به وهوالله – سبحانه وتعالى – تعظيما للنفخ, لأن ما يصدر من العظيم عظيم "[21]
ويقول تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون101].
وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر68]
وقوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} [النبأ18].
فهذه أربعة مواضع من مجموع اثني عشر موضعا للفعل نُفِخَ - يُنْفَخُ هي كل ما جاء في القرآن الكريم في مشاهد القيامة الغيبية, وقد غاب لفظ الفاعل لعدم تعلق الغرض به مثل إبراز الفاعل؛ ليتسلط الضوء على الناس وهم يأتون أفواجا, ولكن في نُفِخَ انْصَبَّ الاهتمام على إبراز الحدث بهوله وشدة صوته التي تكاد تسمعها الآذان, ومن الثابت علميا أن الصوت إذا علا وارتفع كان سببا في إصابة الإنسان بالتوتر العصبي وسرعة الغضب والانفعال, فإذا زاد على حده إلى درجة لم يعد يتحملها الإنسان, أصيب بالصمم, فإذا ظل في الارتفاع خرَّ ميتًا! فالسمع له حدود " فلا تدرك الأذن من الأصوات إلا ما كانت ذبذباته في المدى المسمى بالموجات الصوتية, بينما لا تشعر بموجات اللاسلكي ولا الموجات فوق الصوتية, وحساسية الأذن أيضا محدودة لشدة الصوت, فلا تميز الأصوات لوقلت شدتها عن 10120 وات/م2 بداية مقياس الديسيبل, ولا تتحمل الأصوات التي تزيد شدتها عن 200 ديسيبل, ولو زادت لصعق الإنسان ومات على الفور " [22]
ومن إعجاز القرآن الكريم إثبات تلك الحقيقة قرآنا يتلى منذ أكثر من أربعة عشر قرنا, بل تنقلب تلك الصاعقة المميتة إلى ضدها, فتتحول تلك النفخة التي أفنت الخلائق, إلي نفخة بعث وحياة!.
قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر68], ثُمَّ أدت إلى معنى التراخي الزمني بين النفختين, وقوله تعالى: أُخْرَى دل على أن النفخ في الصور نفختان، ويحدث التحول السريع المفاجئ عقب إرسال النفخ إلى الموتى؛ إلى القيام والنظر كما دلت إِذَ الفجائية.
أما مشاهد المادة أو الواقع الملموس أو المحسوس, فاٍن الفعل نُفِخَ لم يأت إلا مبنيا للمعلوم, مثل قوله تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة9].
وقوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم12].

(1/18)


وقوله تعالى: { َرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران49].
وقوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} [الكهف96].
فالنفخ من روح الله لخلق آدم أو عيسي عليه السلام واقع بشري ملموس, تلمسه البشرية منذ آدم عليه السلام إلي يوم القيامة؛ ليعيش الإنسان بروح الله دون أن يدري لها سرًّا غير أن فاعلها – جل شأنه – متعين بالقدرة والوحدانية, ولذلك جاءت الجملة اللغوية ناصعة التحديد في إبراز الفاعل، وفي آية آل عمران والكهف نجد مشهد عيسي بن مريم – عليه السلام – وذي القرنين يفتقران إلى وجود الفاعل وإبرازه محددا؛ لتجنب اللبس والغموض الذي يؤدي إلى فساد المعنى واختلاط شخوص المشهد.
وقوله تعالى في مشهد القيامة: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة 1-6].
فالزلزلة مشهد خفي غيبي, وقد جاءت في سياق بث الفزع والرجفة النفسية والتصدع القبلي، ولم يأت في هذه السورة الكريمة فعل مبني للمجهول إلا زُلْزِلَتِ - لِيُرَوْ فهذا الانقلاب الكوني يمثل الوجه الآخر للمشهد وهو مجسد في رؤية الأعمال التي من أجلها انقلاب هذا الكون واختل نظامه، وإذا كانت إذ للوقت, ومع ذلك قد صدرت بها السورة, فهي بمثابة الإجابة عن سؤال: " متي الساعة فقال: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} كأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكن أعينه بحسب علاماته، إن الله تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد, فكأنه قيل: متي يكون ذلك؟ فقال: إذا زلزلت الأرض. [23]
وفي مشهد من مشاهد القيامة في سورة التكوير" الذي قال فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلي يوم قيامة كأنه رأي عين فليقرأ: " إذا الشمس كورت " و" إذا السماء انفطرت " و" إذا السماء انشقت " " [24] . قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْوَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}[التكوير1 – 14].
فالمشهد هنا زاخر بالحركة العنيفة المنفلتة من سياقها ونظامها التي كانت تسير في فلكه منذ أمد بعيد, اٍنه " مشهد انقلاب تام لكل معهود, وثورة شاملة لكل موجود تشترك في الانقلاب والثورة الأجرام السماوية والأرضية, والوحوش النافرة, والدواجن الأليفة, أو نفوس البشر, وأوضاع الأمور، ويبدأ المشهد بحركة جائحة, وثورة ثائرة, وكأنما انطلقت من عقالها المردة المدمرة, فراحت تقلب كل شئ، وتنثر كل شئ، تهييج الساكن, وترويع الآمن، والموسيقى المصاحبة للمشهد سريعة الحركة, لاهثة الإيقاع, تشترك بإيقاعها السريع في تصوير المشهد وتمثيله في الإحساس " [25] .
وقد مثل الفعل الذي لم يسم فاعله دورا بارزا في تصوير الحركة المجهولة في طي الزمان, فالمشهد بدأ بفك الكون وتدميره من أعلى إلى أسفل، بالكائنات غير العاقلة: الشمس, النجوم, الجبال, العشار, الوحوش, البحار, ثم الكائنات العاقلة من النفوس والمؤودة, ثم رجوعها مره أخرى إلى الصحف التي تنشر والسماء التي تكشط, وذلك من الكائنات غير العاقلة؛ ليعود المشهد إلى مظاهره أو كائناته العليا كما بدأ, وكأنه مشهد يكور في دائرة انقلاب وانفلات للنظام في سرعة فجائية صارمة مثلها البدء ب: إِذَ للزمان المفاجئ, ثم تكرارها مع كل حدث مدمر، ومن الملاحظ أن كلمة البحار بالجمع لم تستخدم في القرآن الكريم إلا للحديث عن يوم القيامة، يقول تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير6]. {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار3].
ونلاحظ تسلسل الآيتين في القرآن يتناسب مع المفهوم العلمي:
فأولا: يكون الاشتعال ثم الانفجار وليس العكس, فجاء تسلسل الآيتين أولا سُجِّرَتْ وثانيا فُجِّرَتْ, وهذا مطابق للحقائق العلمية الحديثة. [26]

(1/19)


وإذا نظرنا إلي هذا المشهد بكائناته وجزئياته, نجد أن التعبير بالفعل الذي لم يسم فاعله هو الأسلوب السائر في كل المشهد عدا جزئية واحدة فقط هي صورة انصباب النجوم وتنافرها وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وقد جاء التعبير عن هذا المشهد بالفعل المبني للمعلوم! ولعل السر في ذلك أن النجوم في مراحل انكدارها تمر بمراحل من الميلاد والشباب والشيخوخة قبل أن تنفجر أو تتكدس على ذاتها فتطمس طمسا كاملا: النجوم الابتدائية ثم العادية ثم العماليق الحمر ثم السدم الكوكبية ثم الأقزام البيض ثم فوق مستعر من الطراز الأول ثم الثاني ثم النجوم النيترونية النابضة وغير النابضة والثقوب السوداء والنجوم المفردة والمزدوجة والمتعددة، والنجوم أفران كونية يتم في داخلها سلاسل من التفاعلات النووية التي تعرف باسم عملية الاندماج النووي. [27]
فيتضح مما سبق أن النجوم تنفرد بخاصية هائلة من طبيعة التكوين والتكون والانتشار والانشطار والانفجار, فلها طبيعتها الكونية التي لا تماثلها طبيعة كونية أخرى فيما عرف من الوجود, وقد أثبت العلم حديثا أن النجوم علي انتشارها الهائل في السماء تشتمل علي درجة حرارة عالية بدرجة مذهلة, وتنقسم تبعا لذلك إلى " نجوم حمراء أقلها حرارة 3200 درجة مطلقة – نجوم برتقالية – نجوم صفراء – نجوم بيضاء مائلة إلي الزرقة – نجوم زرقاء أشدها حرارة 300 ألف درجة مطلقة – الشمس من النجوم الصفراء متوسطة الحرارة, إذ تبلغ درجة حرارة سطحها حوالي ستة آلاف درجة مطلقة ."[28]
ثَانِيًا: المشَاهِدُ الخَفِيَّةُ
يجسد الفعل الذي لم يسم فاعله أجزاء المشهد الذي نري فيه موسي عليه السلام يفاجأ بالنداء الذي يأتيه من حيث لا يدري ولا يحتسب فنراه وقد اعترته الدهشة وهول المفاجأة وأخذ يتلفت هنا وهناك؛ ليقف على حقيقة الصوت يقول تعالى:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} [طه11]
{فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل8]
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص30]
وقد تغاير الفعل من أَتَاهَ إلي جَاءَهَ, لأن"أتي" و"جاء" بمعني واحد, لكن لكثرة دور أن لفظ الإتيان في طه نحو: " فأتياه", " فلنأتينك", " ثم أتي"," ثم أتُوا صَفًّا "، " حيث أتي ", كان لفظ أتاه به أليق, ولفظ " جاء " في النمل أكثر نحو: " فلما جاءتهم ", " وجئتك من سبإ ", "فلما جاء سليمان ", كان لفظ جاءه به أليق, وألحق القصص ب: " طه " لقرب ما بينهما – أي القرب اللفظي في هذا الموضع [29]
البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ وَإِفَادَةِ العُمُومِ
يتسم الأسلوب القرآني الكريم – فيما يتسم – بالمرونة والاتساق مع المشاهد واللوحات النابضة بحياة الموقف, حتى إننا لنجد الكلمة بذاتها تأتي في عدة سياقات ولها دلالة مختلفة في كل سياق بحسب ما يقتضيه المعني ويتطلبه المقام, وكلما ازداد الزمان عمرا, وبلغ الدهر شأوا وغاية انبثقت أساليب القرآن وكلماته؛ لتشع بضوئها ونورها؛ لتنطلق كائنات الوجود من جديد بمراميه و دلالته, " وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه, وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة, وتعاوروه من كل ناحية, وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا, ثم هو بعد لا يزال عندهم على كل ذلك خلقا جديدا, ومراما بعيدا, وصعبا شديدا "[30].

(1/20)


والفعل الذي لم يسم فاعله قد جاء في مواضع كثيرة من القرآن ليدل علي دلالة معينة في كل سياق حسب اقتضاء المعنى الذي ما كان ليبرز في جلاء أو رسم واضح إذا جاء الفعل مبنيا للمعلوم، ومن تلك السياقات المفيدة للعموم ما قام فيه ذلك الفعل الذي لم يسم فاعله بدور بارز في إفادة ذلك المعنى، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوضَعِيفاً أَولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوفَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوكَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة282]
نهي عن التقاعس عن الدعوة وتلبيها للإدلاء بالشهادة أيا كان الداعي إليها والحق المطلوب إثباته سواء كان الداعي من القريب أوالصديق أو غيرهما ممن لا تربطه بالشهيد رابطة ما, ويقول تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور51], فالدعوة إلي الله ورسوله عامة, لا تختص بشخص دون شخص, ولا زمان أو مكان دون غيرهما, وإنما يجب الإذعان لله ورسوله وسرعة التلبية، وتصدير الآية بأسلوب القصر إنم والفعل الماضي كان فيه مدح للمؤمنين وإثارة لحمية الإيمان وبعث حفيظته في نفوسهم.
ويقول تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُويُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف7], أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب علي الله, ويجعل له أندادا وشركاء, وهو يدعى التوحيد والإخلاص[31] أيا كان الداعي, وأينما كان؛ ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة9] فهنا خصوصية المنادي عليهم, وهم المؤمنون، وعمومية المنادي أيا كان المنادي, وخصوصية النداء المقيدة ب: الصلاة, فهو نداء محصور فيها، والفعل نودي مقيدة بالشرط إذ, وهي أداة نقلت الفعل من الماضي إلي المستقبل المطلق المقطوع بحدوثه كما دلت إذ، ولهذا جاء التعبير بها دون أن الشرطية التي لا تفيد القطع بوقوع الحدث.
هذا ولوُرُودِ الدعاء والنداء خاصية في القرآن الكريم, فالدعاء في الآيات السابقة بمعنى الدعوة إلي خير كالإدلاء بشهادة أو الدعوة إلى الله عز وجل والنداء يشتمل على البهجة والسرور, كما " أن للنداء في لغة القران خاصية؛ رشحته لأن يكون الله فاعلا له – بلا حرج – كما رشحته ليكون عنوان على طلب الإقبال على الصلاة الآذان, وأن يكون عنوان على طلب الإقبال على الإيمان.
في كل من الدعاء والنداء خير, بيد أن الخير في النداء أخلص وأصغى, وأظهر تفاؤلا, وأنقى معنى " [32] .
وفي مادة ظلم جاء الفعل المبني لمفعوله بصيغه الماضي والمضارع؛ لإفادة العموم –أيضا– يقول تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}[النساء148].
فإطلاق الظلم دون تحديد يعني عمومه لأنواع الظلم، وهذا الاستثناء في الآية لكريمة له دلالة خاصة على إظهار بغض الله – تعالى – للظلم وصاحبه, لدرجة أنه أباح الجهر بالسوء للقضاء على الظلم، وقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء47].
فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئ فجو الآية كلها يوحي بالعموم والشمول, عموم النفي للظلم, أوعموم الظلم المنفي الشامل لكل نفس من النفوس, في شيء ما من الأشياء، والتعبير بالجمع الْمَوَازِينَ والمصدر الْقِسْطَ للدلالة على تناهي العدل المطلق.

(1/21)


وقوله تعالى: { َأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الزمر69] فهذا المشهد يزخر بالحركة المهيبة أو يبعث في النفس جوًّا من الجلال والإشراق، إشراق الحق والعدل.
فالأرض كلها تشرق فتظهر مضيئة بنور ربها وخالقها أي: بعدل ربها, أوبحكم ربها, والمعنى: أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وقيل: أن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير نور الشمس والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي[33], ولإبراز صورة الأرض رأي عين, جاء لفظ الإشراق في وعاء الفعل المبني للمعلوم، ثم تغايرت الأفعال وجاءت غير مسماة الفاعل ووضع – وجئ – وقضي – لا يظلمون فينصرف الذهن وتشخص الأبصار إلي أجزاء المشهد, فيتسلط الضوء علي وضع الكتاب وهو كتاب الأعمال – وتمثل صورة النبيين والشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر[34]، أو الذين يشهدون على الأمم من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم [35]، نهاية المطاف وخاتمة مشهد أهل الجزاء والإحسان لهذه الفئة؛ ليتسلط الضوء علي ذلك القضاء أو الوفاء, ولذلك بني الفعل لما لم يسم فاعله وقضى لينفي عنهم الظلم علي إطلاقه أو في جنس من أجناسه وأشكاله.
وفي مادة عف ورد هذا الفعل كثيرا في القرآن الكريم بصيغة الماضي والمضارع المجرد والمسند للضمير, ولكنه لم يرد بصيغة المبني للمجهول إلا في موضع واحد فقط، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة178] فليس المقصود أو الغرض ذكر فاعل العفو, بل هو على إطلاقه, أيا كان، والعفو: القصد لتناول الشئ, يقال عفاه واعتفاه, أي: قصده متناولا ما عنده، وعفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه, فالمفعول في الحقيقة متروك, وعن متعلق بمضمر, فالعفو هو التجافي عن الذنب[36] .
ومن ذلك العموم قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [لأنفال2] فليس الغرض متعلقا بمن ذكر الله اوالشخص الذي تلا آيات الله بل هوعلي إطلاقه أيا كان ذلك الشخص وإنما يتسلط الضوء علي الذكر نفسه وعلي التلاوة نفسها وما تحدثه من خشية وإيمان.
البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ فِي مَقَامَي الإِنْكَارِ وَالإِيمَانِ
تختلف الكلمات المختارة وتتغير حسب مقامات الكلام وسياقاته، وما بالنا إذا كانت تلك السياقات هي سياقات القرآن الكريم التي تحمل المشاهد والدلالات، فيلقي القارئ أوالسامع آيات الله – تعالى – تتلى عليه بمعنى تألفه نفسه, وكلمات يعرفها ويرددها في قوله, ولكن تبقى الروح التي تسري في الجسد من أجل أن تهبه الحياة والحركة الباعثة.
وعندما حدثنا الله عز وجل عن هؤلاء المعرضين والمنكرين خاطبنا بكلمات لها جرسها وإيقاعها ونغمها اللائق في النفس, فجاء الفعل المبني للمجهول يمثل حالة الإنكار وعدم الاعتراف التي يعيشها هؤلاء الكافرون وينغمسون بها في عالم الطي والكتمان، يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[التوبة16]
{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ}[الشعراء146]
{أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً}[القيامة36]
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت2]
ورد الفعل ترك في القرآن الكريم كثيرا, ولكنه جاء مبينا للمعلوم في الماضي والمضارع, مسندا للضمير أو مجردا, أو باسم الفاعل للمفرد أو الجمع، ولكنه ما جاء بصيغة الفعل الذي لم يسم فاعله إلا في هذه الآيات السابقة, وكلها بصيغه المضارع, التي جاءت كلها في سياق الاستفهام المفيد للإنكار والتوبيخ، فهو إنكار وعتاب للمؤمنين – كما في آية التوبة – الذين توهموا أن يتركهم الله – تعالى – دون اختبار؛ حتى يتبين الخلص منهم،" وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله, ولم يتخذوا وليجة – أي بطانة – يضادون الرسول والمؤمنين رضوان الله عليهم, ولم معناها التوقع, وقد دلت على أن تبين ذلك, وإيضاحه متوقع كائن "[37]

(1/22)


وفي آية الشعراء إنكار من نبي الله صالح عليه السلام لثمود وقومه الذين أعرضوا عن دعوته وقد غرتهم الدنيا وفتنتهم بملذاتها ومادياتها, وفي قوله تعالى: في ما ها هن " كناية عن قرية صالح عليه السلام، والسر في إيثار اسم الإشارة ها هن لفت أنظارهم لفتا قويا لمظاهر النعم التي كانوا غارقين فيها، آمنين حال من نائب الفاعل – واو الجماعة وهو قسيم الترك في الإنكار, إذ ليس ما سلط عليه الإنكار هو الترك وحده, بل الترك المقرون بالأمن من كل المخاوف ".[38]
وفي آية العنكبوت إنكار علي من توهم من المؤمنين أنه يترك دون امتحان واختبار لمجرد أنه نطق بالشهادة، وفي قوله تعالى: أحسب الناس إيثار الماضي " لأن حسبان الذي سلط عليه الإنكار واقع متحقق, وإيثار حسب على ظن في هذه المواضع هو المناسب بلاغة في مقام الإنكار؛ لأن الحسبان أقوى من الظن, فالنفس مع الحسبان في اطمئنان, ومع الظن في قلق، وفي الناس مجاز مرسل؛ حيث أطلق العام المنتظم لجميع أفراد الناس, ثم أريد الخاص، وهم الذين حسبوا هذا الحسبان من المؤمنين ".[39]
وفي آية الإنسان يأتي الإنكار على من توهم أن يترك سدي, أي: لا يبعث[40]، والمقصود هنا إثبات المعاد, والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد. [41]
تبين مما سبق أن الفعل يترك جاء بصيغة المبني للمجهول؛ لأنه في موضع التوبيخ والإنكار, فيتطلب الذوق البلاغي ألا يذكر لفظ الفاعل تشريفا وتعظيما وتنزيها عن الذكر في مثل هذه المواقف, ومن شأن ذلك – أيضا – أن يتسلط الضوء ويلتفت الذهن إلى الحدث – وهو الترك – وأثره على أهله.
وإذا نظرنا إلي الفعل يتلى, تتلى الذي جاء في القرآن الكريم غير مسمى الفاعل, وجدناه قد جاء في موضع الإنكار والحديث عن المعرضين والمنكرين, وقد جاء – أيضا – في معرض الحديث عن المؤمنين الذين أذعنوا للحق, وأنه قد أتى في حق المنكرين والمعرضين أكثر، يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَونَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[لأنفال31] فالفعل المبني للمجهول يصور إنكارهم وإعراضهم, وكأننا نسمع أصواتهم عالية تقول: نحن نجهل هذا الكلام ومصدره, وقد جاءت كلمة آياتن مضافة إلي الضمير ن لتقريعهم وتبكيتهم، وقد نزلت هذه الآية الكريمة في النضر بن الحارث, " وكان خرج إلي الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة, وكسرى وقيصر, فلما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضى, قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان هذا وقاحة وكذبا, وقيل: أنهم توهموا أنهم يأتون بمثله " [42] وقوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون105]
هؤلاء القوم المخاطبون هم أهل النار, وفيه ترهيب من مصيرهم وتحذير من الوقع في مثل ما وقعوا فيه من جراء إعراضهم وإنكار تلاوة آيات الله عليهم, ولذلك جاء التعبير بصيغة المبني للمجهول تتلى لتصور طبيعة الموقف وما كانوا عليه في دنياهم.
وقد جاءت تلك الصيغة تتلى في سياق الآية المصدرة بالاستفهام المفيد للتقرير والإنذار, وقوله: آياتي كناية عن القرآن, والسر البلاغي في إيثارها على الاسم الصريح, ما فيها من خصوصية الدلالة على المعجزات الباهرة، وأوثر حرف الجر على على حرف اللام فقال: عليكم دون إليكم للرمز بعلو شأن الآية, وما فيها من الإيحاء بمعنى الإلزام والعطف بالفاء في فكنتم بها تكذبون للتشنيع عليهم في سرعة التكذيب. [43] وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم73]
وصدرت الآية الكريمة ب: إذ لأن التلاوة مقطوع بوقوعها, وهي وإن كانت محذوفة الفاعل لعدم تعلق الغرض به, إلا أن ذلك الحذف يوحى بمقام التوبيخ والذم والتبكيت, " وتأويل الكلام؛ وإذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين منا ومنكم أوسع عيشا وأنعم بالا وأفضل مسكنا وأحسن مجلسا وأجمع عددا وغاشيته في المجلس نحن أم أنتم "[44].
وقوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية7- 8] فهوأفاك كذاب, لا يكتفي بالإعراض والتولي, ولكنه يصر على الكبر والاستكبار، هذا ومن الملاحظ أن تلك الآيات ومثيلتها التي جاءت في معرض الحديث عن المعرضين جاء الفعل الذي لم يسم فاعله تتلى – يتلى مقرونا بالكناية عن القرآن الكريم بكلمة الآيات المتصلة بالضمير التفخيمي الدال على عظمة الله – سبحانه – فنزل الآيات, نحو آياتنا – آياتي.

(1/23)


بينما لم يطرد ذلك الاتصال في معرض الحديث عن المؤمنين الموقنين مثل قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوخَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}[الحج30] فسياق الآية الكريمة وما قبلها يتحدث عن المؤمنين وأدائهم مناسك الحج, وهم أصحاب عقيدة راسخة وإيمان بالغيب, فلم تكن هناك حاجة لذكر لفظ الفاعل, فلم يعد الغرض متعلقا به بقدر ما يتعلق بحدث التلاوة وما اشتملت عليه من تنبيهات وتعالى خاصة بالمؤمنين, ومنه – أيضا – قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} [الأحزاب34]
وربما جاء فاعل التلاوة ظاهر العيان مثبت الوجود سواء كان في معرض الحديث عن المعرضين أو المؤمنين, وذلك حسب ما يقتضيه السياق ويتطلبه المقام, فقد جاء – مثلا – ظاهرا في قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوكَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة102].
فتعين هنا بناء الفعل للمعلوم لاقتضاء المقام إظهار ذلك الفاعل الشياطين الذين يحدثون ويتسلون على ملك سليمان, فتظهر تلك التلاوة جلية واضحة متقررة الأثر في الأذهان.
وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة252] بناء الفعل للمعلوم لتحقيق أمر العقيدة وإثبات الوحي من الله تعالى, وتحقيق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينطق عن الهوى, فيظهر ذلك جليا في مثل هذه المقامات خصوصًا، وقوله تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران58]
وربما يكون من الصواب أن ما لاحظناها في صيغه المبني للمجهول مع الفعل يتلى نجده يطرد في حق المؤمنين والمنكرين في أفعال أخرى كالفعل نزل والفعل أرسل، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}[البقرة4]
جاء الفعل أنزل بصيغة الماضي دون المضارع ينزل مثلا على الرغم من عدم اكتمال الشريعة وقتها؛ لأن " المراد المنزل كله, وإنما عبر عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا, تغليبا للموجود على ما لم يوجد, كما يغلب المتكلم علي المخاطب, والمخاطب على الغائب, فيقال أنا وأنت فعلنا، كأن كله قد نزل وانتهى بنزوله, ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} ولم يسمعوا جميع الكتاب ولا كان كله نزولا "[45] .
فهذا مدح للمؤمنين, وإثبات الإيمان لهم أغنى عن ذكر لفظ الفاعل تعظيما ليقينهم يوقنون, " وفي تقديم الآخرة وبناء يؤمنون على هم تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان." [46].
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة67] فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ الرسالة أغنى عن ذكر لفظ الفاعل للعلم والتسليم به، ويقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوالْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة91].
قيل بالبناء للمجهول ولفظ الماضي, لأنه قد ذلك مرارا وتكرارا وليس الغرض متعلقا بالشخص الذي قام بدعوتهم, وإنما تعلق الغرض بالمنزل عند الله – تعالى – وأوثر لفظ الجلالة الله على لفظ الربوبية لأنه مقام عقيدة وتوحيد وإثبات الوحي من السماء، ويقول تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوجَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود12]

(1/24)


ويقول تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد27]
ويقول تعالى: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [صّ8]
فبناء هذه الصيغ للمجهول ينبئ عن مكنون نفوسهم من نفي الوحي وإنكاره وفي آية هود جاء أنزل بالبناء للمجهول للدلالة على ذلك, ثبت فاعل جاء, جاء معه ملك لإرادتهم رؤيته ومعاينته رأي عين. والله تعالى أعلم.
الماء دليل دامغ علي قدرة الله – تعالى – وسر الوجود: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ}[الأنبياء30]، به أحيا الله الكائنات وبعث فيهم الروح والحياة والحركة الدءوب: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الروم24] وانزل أنزل الماء من السماء فجعله مصدر الحياة علي الأرض التي ترتوي به فتنبت الزرع والنخل والثمار والجنات: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [قّ9]
لذلك ما جاء في كتاب الله – تعالى – بخصوص إنزال الماء من السماء, جاء بالفعل المبني للمعلوم, سواء في سياق الأسلوب الخبري أو الإنشائي, لتتقرر حقيقة قدرة الله ظاهرة معلومة لكل ذي قلب, آخذة بعنان لبه, واضعة يده على دلالة وجود الله وقدرته.
إذا وقفنا أمام مادة خلف نجد أنها جاءت بصيغة الفعل المبني للمجهول في أربعة مواضع هي قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوالتَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[التوبة118]
وقوله تعالى:{ َقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً} [طه97]
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [هود110]
وقوله تعالى:{ َقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [فصلت45]
الاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله, والخلاف أعم من الضد, لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدان ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة قال: فاختلف الأحزاب – ولا يزالون مختلفين – واختلاف ألسنتكم وألوانكم، [47] وهذه الصيغة المبنية للمجهول التي وردت في تلك المواضع السابقة, نجدها قد جاءت في سياق العتاب أو الذم للمنكرين والمعرضين، أما آية التوبة فجاءت في حق الثلاثة الذين خلفوا: كعب بن مالك, ومرارة بن ربيعة العامري, وهلال بن أمية الواقفي، وهم جميعا من الأنصار المؤمنين, وقد جاءت الصيغة في حقهم خلفو دون تخلفو مثلا إشارة إلي قبح ذلك الفعل وفداحة التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن هذا العمل ما كان ليصدر من مؤمن موقن مثلهم, وإنما يصدر من منافق أو منكر جاحد، وبناء الفعل خلفو للمفعول فيه دليل آخر على أن هذا التخليف – هو تأخير قبول التوبة – واقع عليهم دون إرادتهم أو رغبتهم، فيه يعيش هؤلاء الصحابة – رضي الله عنهم – مجاهدة نفسية وآلامًا معنوية؛ انتظارا لتوبة الله عليهم.
وقيل: معني خلفو فسدوا, مأخوذ من خلوف الفم[48] وإذا كان الفعل خلفو قد جاء مبنيا لمفعوله, فقد جاء في سياق الآية نفسها الفعل: ضاقت مبينا للمعلوم ومكررا, في سياق الطباق اللفظي بين ضاقت – رحبت وذلك ليظهر مدى المعاناة والعنت النفسي الذي يعانونه, حتى صارت الأرض الرحبة الواسعة أمام الأعين ضائقة بهم, وهم ضائقون بها, ولذلك جاءت شبه الجملة عليهم مقدما على الفاعل الأرض, وهي نفس الصيغة التركيبية في: وضاقت عليهم أنفسهم.
وفي آية طه جاء الفعل – أيضا – مبنيا لمفعوله, وهذه الآية خطاب من موسي عليه السلام للسامري الذي فتن الناس بالعجل, فكان وعيده بالعذاب يوم القامة جزاء وفاقا لما فعل وضل وأضل.

(1/25)


أما آية هود وآية فصلت فقد جاء الفعل فيهما فاختلف غير مسمي الفاعل, للدلالة – والله أعلم – علي أن هذا الاختلاف ناشئ من خارج ذلك الكتاب – وهو التوراة- الذي آتاه الله موسي عليه السلام, وليس خلافا ناشئا من داخله، وقد وقع الاختلاف " في شأنه وتفاصيل أحكامه, فآمن به قوم، وكفر به آخرون, وعمل بأحكامه قوم, ترك العمل ببعضها آخرون, فلا يضيق صدرك يا محمد صلى الله عليه وسلم بما وقع من هؤلاء في القرآن"[49].
ويصور الفعل المبني للمجهول – أيضا – ذلك الشيء الناشئ أوالطارئ على الحجة أوالبينة التي أتاها الله نوحا عليه السلام يقول تعالى:{ َقالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود28]
فالبينة واضحة بذاتها, ناصعة البيان والبرهان, وإنما قام الفعل المبني للمجهول بتصوير ذلك التطور الطارئ عليها من خارجها, وليس كما ذهب الزمخشري إلى جواز إطلاق العمى على الحجة ذاتها, فيقال: حجة عمياء قياسا على: حجة ظاهرة أو بصيرة، فالفعل المبني للمجهول دل على " أن التعمية واقعة عليها لا منها, وفي عميت حينئذ استعارة تبعية حيث شبه الإخفاء بالتعمية, بجامع عدم الرؤية في كل، هذا هو اللائق بمعجزات الله أو رسالته إذا كان المراد من البينة هي النبوة أو الوحي أو المعجزة, ولوسلمنا بأن المعجزة تكون عمياء إذا لم تهد إلى الحق, لما سلم كتاب سماوي ولا نبوة ولا معجزة من هذه الوصمة "[50]، ويقال عميت عن كذا, وعمي على كذا: إذا لم أفهمه، قيل وهو من باب القلب, لأن البينة أو الرحمة لا تعمي, وإنما يعمي عنها, فهو كقولهم: أدخلت القلنسوة رأسي[51]وهذا الفعل عميت بهذه الصيغة, قد جاء منفردا وحيدا في القرآن الكريم كله.
ويصور الفعل المبني للمجهول – أيضا – في مقام الحديث عن المنكرين والمعرضين الذين يزعمون إنهم مسحورون، يقول تعالى: {وَلَوفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُون َلَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر14-15]
لوحدث هذا لما آمنوا, وإنما يزعمون أنهم سحروا فخرجت أبصارهم عن إرادتهم فأغلقت رغما عنهم، وهذا الفعل سكرت بهذه الصيغة, جاء منفردا وحيدا في القران الكريم كله.
ومما جاء من صيغ بناء للمجهول الفعل قطع وذلك في معرض الحديث عن المنكرين والمعرضين ذما لهم وتقبيحا, قوله تعالى: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الأنعام:45
دابرهم يعني: غابرهم وآخرهم, أصلهم وآخرهم. [52] فينصرف الذهن إلى حدث القطع وظهوره في شكل حسي يتراءى أمام العين مع من يقع عليهم ذلك القطع.
ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَويُصَلَّبُوا أَوتُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَويُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة33]
وقوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج19- 20]
بدأت الآية الكريمة بالإجمال هَذَانِ خَصْمَانِ هما الكافرون والمؤمنون, وقال اخْتَصَمُو على معنى الجمع ثم التفصيل الذي بدأ بذكر الذين كفروا, وجاءت الأفعال في حقهم مبنية للمجهول قُطِّعَتْ- يُصَبُّ- يُصْهَرُ- أعيدو للدلالة على الذم والتقبيح وهم في مقام التجهيل والإهمال, فينصرف الذهن لمتابعة الحدث ومعموله, فيتراءى أمام العين مشهد التقطيع بصوته المدوي ولم يقل قطعت بالتخفيف.
ومشهد الثياب المقطعة, ثم يبرز من بعده مشهد صب الحميم وهو الماء المغلي – عافانا الله – فوق الرءوس، وقد تقدم ذكر الرءوس علي الحميم في قوله: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ لأن الغرض متعلق بأثر الصب علي الرءوس، ثم يأتي مشهد الصهر ومشهد الإعادة في عنف بعد محاولتهم الهروب وظنهم استطاعة الخروج، فهذا المشهد بأجزائه " مشهد عنيف صاخب, حافل بالحركة المتكررة, مطول بالتخييل الذي يبعثه النسق, فلا يكاد ينتهي الخيال من تتبعه في تجدده" [53] .
وقد يقتضي المقام ذكر الفاعل اسما ظاهرا أو ضميرا يعود على اسم ظاهر؛ لتتمثل الصورة حاضرة في أتم وضوح فتؤدي الغرض الذي من أجله جاء, كقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة166].

(1/26)


وقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوخَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد15] وقد ظهر ذلك جليا كما في الآيتين السابقتين في الحديث عن مشاهد العذاب وما تخلفه من تهويل وترهيب تقشعر منه الجلود والأبدان.
البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ فِي مَقَامِ التَّنْزِيهِ عَنِ الذِّكْرِ
قد يأتي المقام مقتضيا عدم ذكر لفظ الفاعل تنزيها له وصيانة وحفظا, ولا سيما أنه معلوم من السياق واضح في الأذهان، وقد جاء ذلك في عدة سياقات من آيات القرآن الكريم, يقول تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً} [الفرقان3]
{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً} [النساء28]
{خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء37]
{إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} [المعارج19]
وقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق5- 6]
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [لنجم45]
وقوله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} [القيامة37]
فهذه مقامات توجه نظر الإنسان وتدفعه إلي التدبر والتأمل, ليري حقيقة كونه وبداية خلقه وتكوينه من ضعف وهلع وشيء مهين مستقذر!
هذا بخلاف التصريح والبناء للمعلوم للفعل خلق في موضع آخر كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون 12- 14] وقوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} [الصافات11]
وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} [الواقعة58]
وقوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [الإنسان2]
فتعين في هذه الآيات بناء الفعل للمعلوم وإظهار الفاعل, لأن هذه الآيات بسياقاتها تمثل مقام إثبات قدرة الله عز وجل وإفراده بالوحدانية خالقا بارئا.
الخَاتِمَةُ
نستطيع -بفضل الله- أن نلخص إلي بعض النتائج المستقاة من تفاعل الكلم القرآني وتعاطفه مع سياق الموقف وسياج المشهد الذي خاطب العقل والقلب وهز الوجدان في تضرع وخشوع؛ ليلقي في الروع ببعض نفحات الإعجاز وهمسات البيان, ومن ذلك:
إن الفعل المبنى للمجهول يتطلب سياقا ذا دلالة خاصة تنبئ عن مكنون المشهد وخفاياه المطوية, فقد يأتي؛ ليصور مجهول النفس وما طوي أو أضمر فيها, كتصويره خبايا النفس وخفي النيات في دروب الباطن, كما في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة27], فَتُقُبِّلَ بعدم تسمية الفاعل إشارة لتعليق قبول العمل علي ما انطوي عليه القلب من إخلاص وتقوى وإيمان، فتقبل الله من أحدهما هابيل لإيمانه وتقواه, ولم يتقبل من الآخر قابيل لكفره وحسده, وهذا وذاك محله القلب.
قد يأتي الفعل المبني للمجهول ليمثل عنصر المفاجأة وليصعد بجو المشهد إلى ذروة الحركة وعنفها, كما في قوله تعالى: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب61] فاللعنة تلاحقهم في كل مكان وجدوا فيه, ثم يأخذون عنوة ويقتلون تقتيلا، ثقفوا، أخذوا، وقتلوا تقتيلا.
إذا جاء الفعل المبني للمجهول في سياق الاستفهام أو النفي أو الشرط أفاد العموم, وقد تبين ذلك من خلال الوقوف على الأفعال: دعي, نودي, ظلم, عفي الواردة في مثل هذه السياقات.

(1/27)


يأتي المبني للمجهول ليسلط الضوء ويلفت الانتباه إلي حقيقته الحدث وطبيعته ومدي علاقته وتعلقه بالمفعول الأصلي, فيحقق الغرض الأساسي من إبراز عناصر المشهد ويتيح لها المجال الأكبر لتأدية دورها في قوة ووضوح, دون مزاحمة لفظية أو حضور لغوي لا يتعلق الغرض به، قد يأتي الفعل المبني للمجهول جاريًا مع سياق الآيات متوافقا على انتظام السياقات وتوافقها اللفظي والمعنوي، كقوله تعالى: {وَلَوأَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوقُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوكُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً}[الرعد 31] فجاءت هذه الأفعال سُيِّرَتْ - قُطِّعَتْ - كُلِّمَ مبنية للمجهول اتساقا مع قوله تعالى حكاية عن قول الكافرين قبل هذه الآية: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} [الرعد27].
---------
المرَاجِعُ
§ ابن الأثير – المثل السائر – تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية – بيروت – 1995.
§ ابن كثير – تفسير القرآن العظيم – اختصار وتحقيق: أحمد شاكر وأنور الباز – الطبعة الأولي – دار الوفاء – المنصورة – 2003.
§ ابن هشام الأنصاري – أوضح المسالك الي ألفية إبن مالك – دار الطلائع – القاهرة – 2004.
§ الألوسي – روح المعاني – في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني – دار التراث – القاهرة.
§ د. بكري شيخ أمين – البلاغة العربية في ثوبها الجديد – الطبعة الرابعة – دار العلم للملايين – بيروت – 1995.
§ د. عبد العظيم المطعني – دراسات جديدة في إعجاز القرآن- الطبعة الأولي – مكتبة وهبة – القاهرة – 1996.
§ د. محمد عبد المطلب – البلاغة العربية – قراءة أخري – الطبعة الأولي – الشركة المصرية العلمية للنشر – القاهرة – 1997.
§ د.أحمد مصطفي متولي – الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية – الطبعة الأولي – دار إبن الجوزي – القاهرة – 2005.
§ د.عبد العظيم المطعني – التفسير البلاغى للإستفهام في القرآن الكريم – الطبعة الأولي – مكتبة وهبة – القاهرة – 1999.
§ د.عيد يونس – التصوير الجمالي في القرآن الكريم – الطبعة الأولي – عالم الكتب - القاهرة – 2006.
§ الدامغاني – الوجوه والنظائرلألفاظ كتاب الله العزيز – الطبعة الأولي – دار الكتب العلمية – بيروت - 2003.
§ الراغب الأصفهاني – المفردات في غريب القرآن.تحقيق: وائل عبد الرحمن – المكتبة التوفيقية – القاهرة – 2003.
§ الزركشي – البرهان في علوم القرآن – تحقيق: محمد أبوالفضل إبراهيم – الطبعة الثانية – دار التراث – القاهرة.
§ الزمخشري – الكشاف – تحقيق: مصطفى حسين – الطبعة الثالثة – دار الريان – القاهرة – 1987.
§ السدي – تفسير السدي الكبير – تحقيق: محمد عطا – الطبعة الأولي – دار الوفاء – المنصورة – 1993.
§ سيد قطب – التصوير الفني في القرآن - ط14 – دار الشروق – القاهرة – 1993.
§ سيد قطب – مشاهد القيامة في القرآن – ط12 – دار الشروق – القاهرة – 1993.
§ السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – تحقيق: محمد ابوالفضل إبراهيم – دار التراث – القاهرة – 1997.
§ الشوكاني – فتح القدير – تحقيق: دكتور/ عبد الرحمن عميرة – الطبعة الثانية – دار الوفاء – المنصورة – 1997.
§ الطبري – جامع البيان في تفسير القرآن – الطبعة الثانية – دار المعرفة – بيروت – 1972.
§ عباس حسن – النحوالوافي – الطبعة الثانية عشر – دار المعارف – القاهرة – 1995.
§ عبد الدائم الكحيل – التناسق البياني لكلمات القرآن الكريم – موسوعة الإعجاز في القرآن والسنة –
www.55a.net
§ عبد القاهر الجرحاني – دلائل الإعجاز – تحقيق: عبد المنعم خفاجي – مكتبة القاهرة – مصر – 1980.
§ عبد الكريم الخطيب – إعجاز القرآن – الطبعة الأولي – دار الفكر العربى – مصر – 1964.
§ الفخر الرازي – التفسير الكبير – الطبعة الثانية – دار إحياء التراث العربى – بيروت – 1997.
§ القرطبي – الجامع لأحكام القرآن – الطبعة الأولي – دار الفكر – بيروت – 1999.
§ الكرماني – البرهان في متشابه القرآن – تحقيق: أحمد خاف الله – الطبعة الثانية – دار الوفاء – المنصورة – 1998.
§ مصطفي صادق الرافعي – إعجاز القرآن والبلاغة النبوية – الطبعة الرابعة – مطبعة الإستقامة – القاهرة – 1945.
الهوامش:
[1] د. بكري شيخ أمين – البلاغة العربية في ثوبها الجديد - الطبعة الرابعة – دار العلم للملايين – بيروت – 1995 – 1/15.
[2] عبد الكريم الخطيب – إعجاز القرآن – الطبعة الأولي – دار الفكر العربي – مصر – 1964 – 2/269.
[3] عباس حسن – النحوالوافي – الطبعة الثانية عشرة – دار المعارف – القاهرة – 1995 – 2/97..
[4] سؤدد يقصد الشيخ البيت الذي استشهد به من قول البحتري: تنقل في خُلقي سؤدد سماحا مرجًّي وبأسا مهيبا.
[5] هو من البيت الذي استشهد به الشيخ عبد القاهر من قول إبراهيم بن العباس الصولي يمدح محمد بن عبد الملك الزيات:
فلو إذ نبا دهر وأنكرَ صاحب وسلط أعداء وغاب نصير

(1/28)


تكون عن الأهواز داري بنجوة ولكن مقادير جرت وأمور
وقد علق الشيخ عبد القاهر علي طلاوة هذا الأسلوب من أجل تقديم الظرف إذا نب علي عامله تكون دون كان وتنكير دهر الذي ساقه في جميع ما أتي به من بعد, وبناء الفعل أنكر للمجهول.انظر دلائل الإعجاز ص126,ص127.
[6] عبد القاهر الجرحاني - دلائل الإعجاز - تحقيق عبد المنعم خفاجي - مكتبة القاهرة - مصر - 1980 - ص 128.
[7] د/ محمد عبد المطلب - البلاغة العربية.قراءة أخري - الطبعة الأولي - الشركة المصرية العالمية للنشر - القاهرة - 1997 ص 7.
[8] السيوطي - الإتقان في علوم القرآن - تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم - دار التراث - القاهرة - 1997 - 3/170.
[9] الزركشي - البرهان في علوم القرآن - تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم - الطبعة الثانية - دار التراث - القاهرة - 3/145.
[10] ابن الأثير - المثل السائر - تحقيق مجمد محي الدين عبد الحميد - المكتبة العصرية - بيروت - 1995 - 2/5.وأنظر البرهان في علوم القرآن - 3/325.
[11] ابن هشام الانصاري - أوضح المسالك إلي ألفية ابن مالك - دار الطلائع - القاهرة - 2004 - 2/120.
[12] الدامغاني - الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز - ط- دار الكتب العلمية - بيروت - 2003 - ص 26.
[13] الزمخشري - الكشاف - ط3 - دار الريان للتراث - القاهرة - 1987 - 2/470.
[14] سيد قطب - التصوير الفني في القرآن- ط 14 - دار الشروق - القاهرة - 1993 - ص 36.
[15] الكرماني - البرهان في متشابه القرآن - تحقيق: احمد خلف الله - ط2 - دار الوفاء - المنصورة - 1998 - ص 319.
[16] الزمخشري - الكشاف - 1987 - 2/44.
[17] د/ عبد العظيم المطعني - التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم - الطبعة الأولي - مكتبة وهبة - القاهرة - 1999 - 2256.
[18] ابن كثير - تفسير القرآن العظيم - اختصار وتحقيق احمد شاكر وأنور الباز - الطبعة الأولي - دار الوفاء - المنصورة - 2003 - 2/653.
[19] القرطبي - الجامع لأحكام القرآن - الطبعة الأولي - دار الفكر - بيروت - 1999 - المجلد السادس - 12/181.
[20] سيد قطب - مشاهد القيامة في القرآن - ط 12 - دار الشروق - القاهرة - 1993 - ص 192.
[21] د/عيد يونس - التصوير الجمالي في القرآن الكريم - الطبعة الأولي - عالم الكتب - القاهرة - 2006 - ص129-130.
[22] الألوسي - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني - دار التراث - القاهرة - 16/260..
[23] د/ احمد مصطفي متولي - الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية - الطبعة الأولي - دار ابن الجوزي - القاهرة - 2005 - ص 293.
[24] الفخر الرازي - التفسير الكبير - الطبعة الثانية - دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1997 - 11/235
[25] سيد قطب - مشاهد القيامة في القرآن - ص 67.
[26] عبد الدائم الكحيل - التناسق البياني لكلمات القرآن الكريم - موسوعة الإعجاز في القرآن والسنة
www.55a.net.
[27] الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية ص 106.
[28] الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم والسنة النبوية ص 106.
[29] الكرماني - البرهان في متشابه القرآن - ص 236.
[30] مصطفي صادق الرافعي - إعجاز القران والبلاغة النبوية - ط4- مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1945 - ص 157.
[31] ابن كثير - تفسير القران العظيم - 3/451.
[32] دكتور عبد العظيم المطعني - دراسات جديدة في إعجاز القران - الطبعة الأولي- مكتبه وهبة - القاهرة - 1996- ص 268.
[33] الشوكاني - فتح القدير - تحقيق دكتور عبد الرحمن عميرة - ط 2 - دار الوفاء - المنصورة - 1997- 4/625.
[34] ابن كثير - تفسير القران العظيم - 3/177.
[35] فتح القدير 4/625.
[36] الراغب الاصفهاني - مفردات في غريب القران - تحقيق وائل عبد الرحمن - المكتبة التوفيقيه- القاهرة -2003- ص 342.
[37] الكشاف - 2/253.
[38] د/عبد العظيم المطعني - التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم - 3/112.
[39] د/عبد العظيم المطعني - التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم - 2/112.
[40] السدي - تفسير السدي الكبير - تحقيق د. محمد عطار - الطبعة الأولي - دار الوفاء - المنصورة - 1993 - 486.
[41] ابن كثير - 3/541.
[42] القرطبي - 4/285.
[43] التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم 3/ 28- 29.
[44] الطبري - جامع البنيان في تفسير القرآن - الطبعة الثانية - دار المعرفة - بيروت - 1972 - 8/87.
[45] الكشاف 1/42.
[46] الكشاف - 1/42.
[47] الأصفهاني - المفردات في غريب القرآن - ص162.
[48] الشوكاني - فتح القدير 2/ 584.
[49] فتح القدير 2/734.
[50] د/عبد العظيم المطعني - التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم - 2/102.
[51] الشوكاني - فتح القدير - 2/689.
[52]الدامغاني - الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز - ص 211.
[53] سيد قطب - مشاهد القيامة في القرآن - ص257.
===============
سر دخول الكاف على لفظ المثل
صورة لصخرة على شاطئ بيروت على شكل رجل ساجد لله تعالى

(1/29)


قال الله تعالى:" فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "(الشورى:11)
أولاً- هذه الآية الكريمة جاءت تعقيبًا على قوله تعالى:" وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "( الشورى: 10 )
وفيه يبين الله سبحانه للناس الجهة، التي يرجعون إليها عند كل اختلاف يقع بينهم، وهي هذا الوحي، الذي جاء من عند الله، والذي يتضمن حكم الله تعالى. فما من شيء اختلفوا فيه إلا وحكم الله تعالى فيه حاضر، في هذا الوحي، الذي أوحاه سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لتقوم الحياة على أساسه. وعقب تقرير هذه الحقيقة يحكي تعالى قول رسوله صلى الله عليه وسلم، مسلمًا أمره كله إلى ربه، ومنيبًا إليه بكليته. ثم يأتي قول الله تعالى:
" فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "( الشورى: 11 )
بما يزيد تلك الحقيقة تقريرًا، وتمكينًا في النفس. فالله الذي أنزل القرآن؛ ليكون حكم الله تعالى فيه هو الفصل، فيما يختلفون فيه، هو فاطر السموات والأرض، وفاطرهم، وهو الذي سوَّى نفوسهم وركَّبها، فنظم لهم حياتهم من أساسها، فهو سبحانه أعلم بما يصلح لها، وما تصلح به وتستقيم، وهو سبحانه الذي أجرى حياتهم وفق قاعدة الخلق، التي اختارها للأحياء جميعًا: جعل لهم من أنفسهم أزواجًا، ومن الأنعام أزواجًا، يذرؤهم فيه.. فهنالك وحدة في التكوين تشهد بوحدانية الأسلوب والمشيئة وتقديرها المقصود.. إنه هو الذي جعلهم- هم والأنعام- يتكاثرون، وفق هذا المنهج، وهذا الأسلوب؛ وذلك من أعظم النعم، التي أنعم الله تعالى بها على عباده، وامتنَّ بها عليهم. وهو آية من آياته الدالة على إلهيته ووحدانيته، وأنه المستحق لأن يعبد وحده.
ثم أكَّد سبحانه تفرَّده دون خلقه جميعًا بالإلهيَّة والوحدانيَّة، والاستحقاق للعبادة، فأخبر على سبيل النفي أنه ليس هنالك ذات من ذوات الأشياء، تشبهه في ذاته، فضلاً عن أن تماثله فيها، سبحانه وتعالى.. والفطرة تؤمن بهذا بداهة؛ لأن خالق الأشياء لا يمكن أن تشبهه، أو تماثله تلك الأشياء، التي هي من خلقه. ومن ثَمَّ فإنها ترجع كلها إلى حكمه، عندما تختلف فيما بينها على أمر, ولا ترجع معه إلى أحد غيره; لأنه ليس هنالك شبه له، أو مثل, حتى يكون هناك أكثر من مرجع واحد عند الاختلاف.
ومع أنه سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته؛ لأنها مغايرة لذوات الأشياء كلها تمام المغايرة، فإن الصلة بينه عز وجل، وبين ما خلق ليست منقطعة بسبب تلك المغايرة، فهو سبحانه يسمع كل شيء ويبصر كل شيء، ثم يحكم حكم السميع البصير. " وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ "( المائدة: 50 )
ثانيًا- وقوله تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " تقرير للتوحيد، وإبطال لما عليه أهل الشرك من تشبيه آلهتهم وأوليائهم بالله جل وعلا، وجعلهم مثلاً له سبحانه، حتى عبدوهم معه. وهذا التشبيه والتمثيل، الذي أبطله الله سبحانه بهذا النفي هو أصل شرك العالم، وعبادة الأصنام والأقزام.
ولعلماء النحو والتفسير في تأويل هذه الآية الكريمة أقوال متضاربة، وآراء متباينة. والسبب في ذلك يرجع إلى إجماعهم على تفسير الكاف بمعنى المِثل؛ ولهذا تأولوا الآية على معنى: ليس مِثل مِثله شيء. ولما كان هذا التأويل يفضي إلى المحال؛ لأنه يثبت لله جل جلاله مِثلاً، اختلوا في تفسيره على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الكاف زائدة، لتأكيد المِثل. وعليه يكون المعنى: ليس مِثل الله شيء. وهذا قول الجمهور، جاء في لسان العرب:" وقوله تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "، أراد: ليس مثله. لا يكون إلا ذلك؛ لأنه، إن لم يقل هذا، أثبت له مِثلاً، تعالى الله عن ذلك ".
والقول الثاني: أن الزائد هو لفظ المِثل، لا الكاف. وعليه يكون المعنى: ليس كهو شيء. أي: ليس كالله شيء. وهذا يفضي إلى القول الأول؛ لأن الكاف- عندهم كما ذكرنا- بمعنى مِثل. ومنهم من قال: إن العرب تستعمل المِثل كناية عن الذات للمبالغة، فتقول: مِثلك لا يبخل، ينفون عن مِثله البخل، وهم يريدون نفيه عن ذاته.
والقول الثالث: أنه لا زائد في الآية، ثم اختلفوا: فذهب بعضهم إلى أن لفظ المِثل بمعنى: الذات، وأن المعنى: ليس كذاته شيء. وذهب بعضهم الآخر إلى أنه بمعنى: الصفة، وأن المعنى: ليس كصفته شيء. وجمع بعضهم بين المعنيين، فذهب إلى أن المعنى: ليس كذاته، وصفته شيء.

(1/30)


واختار المرحوم الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتابه:( أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع ) القول بأن المِثْل بمعنى: الوصف، فقال بعد أن قرَّر أن المَثَل، بفتحتين، والمِثْل، بفتح فسكون، يستعملان بمعنى الوصف، إذا اقترنا بكاف التشبيه:” فيمكن أن نقول في " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ": لا يشبه أوصافه شيء من الأشياء؛ وذلك لأن المِثل، والمَثل يستعملان بمعنى الوصف.. وبهذا ينحل الإشكال الذي ألجأ العلماء إلى تأويل اجتماع كلمتي تشبيه، هما: الكاف، ومثل.. وهل الكاف زائدة، أو للتأكيد ؟ أو أن المراد: نفي مثل المثل، فنفي المثل من باب أولى.. إلى غير ذلك من كلام طويل حول هذا التعبير“.
وانتهى من ذلك إلى القول:”وعلى هذا الأساس نستطيع أن نفهم نصوصًا قرآنية كثيرة. وبتفسير كلمة مَثَل، أو مِثْل بمعنى الوَصْفِ تنحلُّ إشكالاتٌ لفظيةٌ كثيرةٌ، يتعَبُ كثيرُ من المفسرين في تخريجها وتوجيهها “.
وهكذا، بهذه البساطة، توصَّل الشيخ حَبَنَّكَةالمَيْداني- رحمه الله- إلى حلِّإشكالات لفظية كثيرة، يتعَبُ كثيرٌ من المفسرين في تخريجها وتوجيهها- على حدِّ قوله- فكان كمَنْ أوقع نفسه في إشكالات أكبر من كل تلك الإشكالات، التي ذكرها؛ وذلك لمَا في قوله من إخُلالٍ ظاهر بمعنى الآية الكريمة، وصَرْفٍ لها عن الوَجْهِ، الذي قيلت من أجله.
وأورد الشيخ عبد المجيد البيانوني في كتابه ( ضرب الأمثال في القرآن ) قولاً في هذه الآية ذكره الراغب الأصفهاني في مفرداته عن بعضهم، وهو القول الذي اعتمد عليه المرحوم الشيخ حسن حبنكة الميداني في تقرير ما قرَّر، ثم عقب عليه بقوله:”انظر إلى المبحَث النفيس، الذي حققه الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراذ، في معنى هذه الآية في كتابه ( النبأ العظيم )، فارجع إليه؛ فإنه مَبحَث نفيس، ويكشف لك عن سر الإعجاز الإلهي في هذا الحرف“.. ولما رجعت إليه، وجدته يردِّد في ذلك كلامًا، نقله الفخر الرازي في تفسيره عن بعضهم ، وهو- كما يقول أبو حيان- كلام يحتاج إلى تأويل.
والحقيقة أن سرَّ الإعجاز الإلهي في هذه الآية الكريمة لا يتجلَّى لنا، إلا إذا فرَّقنا في المعنى أولاً بين المِثْل، بكسر فسكون، والمَثَل، بفتحتين، من جهة، وبينهما، وبين الكاف من جهة أخرى. ثم أدركنا ثانيًا سر الجمع بين المِثْل، والكاف فيها. وهذا ما سأبينه- هنا إن شاء الله- فأقول بعون الله تعالى وتعليمه:
أما المٍثْل، والمَثَل فهما من الأسماء، التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر؛ كالنصف، والزوج، والضعف. ويجمع كل منهما على أمثال، ويفرق بينهما بالقرائن. واشتقاقهما من( الميم والثاء واللام )، وهو أصل موجود في اللغات السامية كلها، ويتضمَّن فيها جميعًا معنى: المُماثلَة.
وحقيقة المماثلة أنها مساواة بين شيئين متماثلين؛ إما في تمام الحقيقة والماهيَّة. وإما في تمامالأحوال والصفات الخارجة عن الحقيقة والماهية؛ بحيث يقوم أحد الشيئين مقام الآخر، فيما تكون فيه المماثلة، ويَسُدُّ فيها مَسَدَّه.والأولى هي المعبَّر عنها بلفظ المِثْل، بكسر فسكون، والثانية هي المعبَّر عنها بلفظ المَثَل، بفتحتين.
فعلى هذا إذا قيل: زيد مِثْلُ عمرو، فمعناه: أنه مساوٍٍ له في تمام حقيقتِه وماهيَّتِه. وإذا قيل: هو مَثَلُه، فمعناه: أنه مساوٍٍ له في تمام أحواله وصفاته، الخارجة عن حقيقته وماهيَّته.
وبهذا يعلَم أن المماثلَة بين الشيئين نوعان: مماثلة في الحقيقة والماهيَّة، وهي المعبَّر عنها بلفظ المِثْل. ومماثلة في الأحوال والصفات الخارجة عن الحقيقة والماهيَّة، وهي المعبَّر عنها بلفظ المَثَل.
ويتضح من ذلك أن المِثْل، والمَثَل يتفقان في دلالة كل منهما على المساواة، ثم يفترقان في دلالة الأول على المساواة في الحقيقة والماهيَّة، ودلالة الثاني على المساواة في الأحوال والصفات الخارجة عن الحقيقة والماهيَّة.
بقي أن تعلم أن الفرق بين المماثلة، والمساواة هو: أن المساواة تكون بين المختلفين في الجنس، والمتفقين؛ لأن التساوي يكون في المقدارين، اللذين لا يزيد أحدهما على الآخر، ولا ينقُص عنه.أما المماثلَة فلا تكون إلا بين المتفقين في الجنس. ولهذا يقال في المساواة: هذا الشيء يساوي درهمًا. ولا يقال: هذا الشيء يماثل درهمًا، لاختلافهما في الجنس.
ومن هنا لا يجوز أن يقال: إن المِثْل، والمَثَل سيَّان، وإن كان اشتقاقهما يرجع إلى مادة واحدة. كما لا يجوز أن يفسَّر كل منهما بمعنى الوصف.
أما الكاف فهي أداة موضوعة للتشبيه بين شيئين قد يتفقان في الجنس، وقد يختلفان فيه. والتشبيه بينهما يكون في صفة، أو أكثر من الصفات الخارجة عن الذات. فإذا قلت: زيد كعمرو، فمعناه: أن زيدًا يشبه عمروًا في صفة، أو أكثر من الصفات؛ ولهذا لا يجوز أن تفسَّر الكاف بمعنى المِثْل، فالأولى أداة موضوعة للتشبيه في الصفات، والثاني اسم موضوع للمماثلة في الذوات.

(1/31)


وفي الفرق بينهما ذكر أبو هلال العسكري:” أن الشيءَ يُشبَّه بالشيء من وجه واحد، لا يكون مِثْلَهُ في الحقيقة، إلا إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته؛ فكأن الله تعالى، لمَّا قال:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "، أفاد أنه لا شِبْهَ له، ولا مِثْلَ.. ولو كان قوله تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " نفيًا أن يكون لمثله مثل، لكان قولنا: ليس كمثل زيد رجل، مناقضة؛ لأن زيدًا مثل من هو مثله.
والتشْبيه بالكاف يفيد تشبيه الصفات بعضها ببعض، وبالمِثْل يفيد تشبيه الذوات بعضها ببعض. تقول: ليس كزيد رجل. أي: في بعض صفاته؛ لأن كل أحد مِثْله في الذات. وفلان كالأسد. أي: في الشجاعة دون الهيئة، وغيرها من صفاته. وتقول السواد عرض كالبياض ولا تقول مثل البياض “.
وواضح من ذلك أن الفرق بين التشبيه، والمماثلة يكون من وجهين: أحدهما: أنك إذا قلت: زيد كالأسد فمعناه: أن زيدًا يشبه الأسد في صفة، أو أكثر من صفاته. هذا هو الأصل في التشبيه.
والوجه الثاني: أن التشبيه يكون بين المتفقين في الجنس، وبين المختلفين فيه. أما المماثلة فلا تكون إلا بين المتفقين في الجنس. وعلى هذا يجوز أن تقول: زيد كالجبل، فتشبِّه زيدًا بالجبل في صفة، أو أكثر من صفاته؛ كما شبه الله تعالى السفن بالجبال في العظم والارتفاع في قوله تعالى:
" وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ "( الرحمن: 24 )
ولا يجوز أن تقول: زيد مثل الجبل، لاختلافهما في الجنس. والوجه في ذلك أن تقول: زيد مثل عمرو، فتماثل بين متفقين في الجنس؛ كما ماثل الكفار بينهم، وبين الرسل في حقيقة الذات البشرية، فقالوا في معرض اعتراضهم عليهم:
" إن أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا "( إبراهيم: 10 )
فاعتبروا المساواة في البشرية، ومماثلة المجانسة فيها، واستدلوا بذلك على أن حُكْمَ أحد المِثْلَيْن حُكْمُ الآخر. فقالوا: كما لا نكون نحن رُسُلاً، فكذلك أنتم، فإذا تساوينا في حقيقة الذات البشرية، فأنتم مِثْلُنا، لا مَزِيَّةَ لكم علينا.
ومن ذلك ما حكي عن المشركين من قولهم:
" إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا "( البقرة: 275 )
أرادوا: أن البيع مساو للربا في تمام الحقيقة والحكم، فقد بلغ من اعتقادهم في حِلِّ الرِّبا، أنهم جعلوه أصلاً وقانونًا في الحِلَّ، وقاسوا عليه البيع. ولو قالوا: إنما البيع كالرِّبا، لكان مرادهم أن البيع يشبه الربا من حيث الصورة، لا من حيث الحقيقة. وهذا خلاف المراد.
ويبين لك ذلك أن الفرق بين الحلال، والحرام لا بدَّ أن يكون فرقًا في الحقيقة، ولو كان فرقًا في الصورة، أو الصفة، لاستوى البيع مع الرِّبا في الحل. وإلى ذلك أشار ابن قيِّم الجوزية بقوله:” ومعلوم أن الفرق في الصورة دون الحقيقة مُلغَى عند اللَّه تعالى ورسوله في فطر عباده، فإن الاعتبار بالمقاصد والمعاني في الأقوال والأفعال؛ فإن الألفاظ، إذا اختلفت ومعناها واحد، كان حكمها واحدًا. فإذا اتفقت الألفاظ واختلفت المعاني، كان حكمها مختلفًا. وكذلك الأعمال، إذا اختلفت صورها، واتفقت مقاصدها. وعلى هذه القاعدة يُبنَى الأمر والنهي، والثواب والعقاب “.
واختلفوا في المراد بالمماثلة في قوله تعالى:" وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ "( يس: 42 ):
أهي مماثلة بين المتفقين في الجنس، أم بين المختلفين فيهما ؟ على قولين: أحدهما: أن المراد بها: السُّفُن. والثاني: أن المراد بها: الإبل، وكانوا يسمُّونها: سُفُنَ البَرِّ.
وعقَّب على ذلك ابن قيِّم الجَوْزيَّة بقوله:”والأصحُّ أن المِثْل المخلوق- هنا- هو السُّفُن، وقد أخبر أنها مخلوقة؛ وهي إنما صارت سُفُنًا بأعمال العباد. وأبْعَدَ من قال: إن المِثْل- ههنا- هو سُفُنُ البَرِّ، وهي الإبل، لوجهين:
أحدهما: أنها لا تسمَّى مِثْلاً للسُّفُن، لا لغةً، ولا حقيقةً؛ فإن المِثْليْن ما سَدَّ أحدهما مَسَدَّ الآخر. وحَقيقة المماثلة أن تكون بين فُلْكٍ وفُلْكٍ، لا بين جَملٍ وفُلْكٍ.
والثاني: أن قوله:" وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ "( يس: 43 )عَقِبَ ذلك دليل على أن المراد الفُلْك، التي إذا ركبوها، قدرْنا على إغراقهم. فذكَّرهم بنعمه عليهم من وجهين: أحدهما: ركوبهم إياها. والثاني: أن يسلمهم عند ركوبها من الغرق“.
فثبت بما تقدم أن المِثْل غير المَثَل، وأن المِثْل غير الكاف؛ ولهذا لا يجوز أن يُفسَّر أحد هذه الألفاظ الثلاثة بالآخر.
وأما سر الجمع بين كاف التشبيه، والمِثْل، فهو أن الكاف تدخل على المِثْل، إذا كان المراد أن أحد المثلين، المتفقين في الجنس، أو المختلفين فيه، يشبه المِثْل الآخر في جهة، أو أكثر من جهات الحقيقة والماهيَّة. تأمل ذلك في قول عنترة بن شداد:
وما شَاقَ قلبي في الدُّجى غيرُ طائر **ينوح على غصنٍ رطيبٍ من الرَّنْد
به مثل ما بي فهو يخفي من الجوى **كمثل الذي أخفي ويبدي كالذي أبدي

(1/32)


كيف سوَّى في هذه المماثلة بين ما بالطائر، وما به هو من الجوى ( وهو حرقة الشوق )، في حقيقة الجوى وماهيَّته! ثم شبَّه ما يخفيه ذلك الطائر من الجوى بما يخفيه هو، وشبه الذي يظهره الطائر من ذلك بالذي يظهره هو، ففرَّق بذلك التشبيه بين ما يخفيانه، وما يظهرانه من الجوى. فما يخفيانه منه يرجع إلى حقيقته وماهيَّته، وما يظهرانه منه يرجع إلى صورته؛ ولهذا استعمل لفظ المثل مع الأول دون الثاني.
ثم تأمل قول أحدهم:
وقتلى، كمِثْل جُذوعِ النَّخيل ** تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ، مُنْهَمِر
كيف شبه القتلى في هذا التمثيل، وهم في ساحة المعركة، بمثل جذوع النخيل، التي اقتلعها السيل من جذورها؛ لأنه أراد أن جثث القتلى تشبه جثث جذوع النخيل في جهة، أو أكثر من جهات حقيقتها وماهيتها. ولو أراد أنها تشبهها في صفة أو أكثر، لوجب أن يقول: وقتلى كجذوع النخيل، بإسقاط لفظ المثل. ولو أراد المماثلة بينهما في تمام الحقيقة والماهيَّة، لكان ينبغي أن يقول: وقتلى مثل جذوع النخيل. وهذا غير جائز، لاختلافهما في الجنس.
ومما ورد من ذلك في النفي قول عمرو ابن كلثوم:
فما شرب الشراب كمثل عمرو **وما نال المكارم فأَصْبَحينا
وقول ابن الدُّمَيْنَة:
وليس كمثل اليأس يدفع صبوة ** ولا كفؤاد الصَّبِّ صادف مطمعًا
وعلى هذا ورد قوله تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "، فهو نفي لقول المشركين: مِثْلُه شيءٌ. أي: شيءٌ مِثْلُ الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ! ألا ترى كيف مَثَّلوه سبحانه بخلقه، فجعلوا له أمثالاً وأندادًا، وهي أشياء، مع اعترافهم بأنه تعالى خالق الأشياء كلها ؟
روى عطاء عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال:”قدم وفد نجران، فقالوا: صف لنا ربك: أَمِنْ زُبُرْجُدٍ، أو ياقوتٍ، أو ذهبٍ، أو فضةٍ ؟ فقال: إن ربي ليس من شيء؛ لأنه خالق الأشياء، فنزل:" قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ "( الإخلاص: 1 ). قالوا: هو واحد، وأنت واحد. فقال:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "( الشورى: 11 ) “.
ولذلك، لما قال فرعون لموسى:" وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ "( الشعراء:23 )كالطالب لماهيته تعالى، لم يجب موسى- عليه السلام- إلا بتعريفه بأفعاله، فقال:" رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا "( الشعراء:24 )؛ لأن السؤال في حق الباري سبحانه وتعالى عن ماهيَّته وجنسه خطأ كبير؛ لأنه سبحانه لا جنس له فيذكر، ولا تدرك ذاته.
" لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ "(الأنعام: 103)
ولهذا عدل موسى- عليه السلام- إلى الجواب بالصواب، ببيان الوصف المرشد إلى معرفته جل وعلا.
فإذا ثبت أن الله تعالى لا تدرك ذاته، ولا تعرف ماهيَّته، وأنه ليس بشيء مما يتصورون؛ لأنه خالق الأشياء كلها، فكيف يجوز أن تمثَّل ذاته المقدسة بذوات الأشياء، وهي مغايرة لها تمام المغايرة في حقيقتها وماهيتها ؟
ومن شروط المماثلة- كما ذكرنا- أن تكون بين شيئين متفقين في الجنس، وإن اختلفت صفاتهما؛ ولذلك لا يجوز أن يقال في حقه عز وجل: شيءٌ مِثلُ الله. ولا أن يقال: ليس شيءٌ مِثْلَ الله؛ كما جاز أن يقال: زيد مِِثْلُ عمرو، وليس زيد مِثْلَ عمرو؛ لأن لزيد مِثْلاً في الواقع من جنسه يماثله في ذاته، وليس لله تعالى مِِثْلٌ في الواقع يماثله في ذاته، لا من جنسه، ولا من غير جنسه؛ ولهذا نهى الله عز وجل عن ضَرْب الأمثال له، فقال:
"فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ "( النحل: 74 )
ولكن المشركين لم يتورَّعوا عن ضَرْبِ الأمثال لله جل وعلا؛ لاعتقادهم أنه سبحانه شيءٌ كباقي الأشياء، وأن ذاته الشريفة كذواتها، فجاء الرد عليهم بقوله تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "
ولو قيل في الرَّدِّ عليهم: ليس مِِثْلَه شيءٌ. أو ليس كالله شيءٌ- كما قال المفسرون في تأويل الآية الكريمة- لكان ذلك اعترافًا منه سبحانه بأن له مِثْلاً في الواقع، يتفق معه في الجنس.
ولهذا لما أراد الله عز وجل أن ينفي عن ذاته المقدسة الشِّبْه والمِثْل، أتى بلفظ المِثْل، وأدخل عليه كاف التشبيه، ثم نفاهما معًا بـ" لَيْسَ "، فأصبح معنى الآية الكريمة: لا توجد ذات من ذوات الأشياء، تشبه ذات الله تعالى في جهة أو أكثر من جهاتها، فضلاً عن أن تماثلها؛ لأن نفيَ الشِّبْه يستلزم نفيَ المِثْل. وبهذا يظهر لك سر دخول الكاف على لفظ المِثْل في هذه الآية الكريمة.. فتأمله، وقِسْ عليه نظائره.
وللفخر الرازي كلام جيد في تأويل هذه الآية الكريمة، التي تاهت العقول في تأويلها؛ كما تاهت في ذاته سبحانه لاحتجابها بأنوار العظمة، وأستار الجبروت، أنقل منه قوله:” احتجَّ علماء التوحيد- قديمًا وحديثًا- بهذه الآية في نَفْيِ كونه تعالى جسمًا مركبًا من الأعضاء والأجزاء، وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا: لو كان جسمًا، لكان مِثْلاً لسائر الأجسام، فيلزم حصول الأمثال، والأشباه له؛ وذلك باطل بصريح قوله تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ".. “.

(1/33)


وأضاف قائلاً:" ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر، فيقال: إما أن يكون المراد:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " في ماهيات الذات. أو أن يكون المراد:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "في الصفات. والثاني باطل؛ لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين؛ كما أن الله تعالى يوصف بذلك. وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك. فثبت أن المراد بالمماثلة: المساواة في حقيقة الذات؛ فيكون المعنى: أن شيئًا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية. فلو كان الله تعالى جسمًا، لكان كونه جسمًا ذاتًا، لا صفة. فإذا كان سائر الأجسام مساوية له في الجسمية- أعني: في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة- فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتًا. والنصُّ ينفي ذلك، فوجب أن لا يكون جسمًا ".
ثالثًا- ولو كان المِثْل، بكسر فسكون، والمَثَل، بفتحتين، سيَّان، وأن معناهما الوصف، للزم التنافي بين قوله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "، وقوله:" وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ "( النحل: 60 )؛ لأن الأول نفيٌ للمِثْل، والثاني إثباتٌ للمَثَل؛ ولهذا ختم الله تعالى آية الشورىبقوله:" وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "
فأثبت سبحانه لنفسه صفة السميع، والبصير، على وجه التمام والكمال، والعظمة والجلال؛ وذلك لا يكون إلا لله جل جلاله؛ كما أفاده أسلوب الحصر في الموضعين. وكأنه عز وجل ذكر من صفاته هاتين الصفتين هنا؛ لئلا يتوهم أنه سبحانه لا صفة له، كما أنه لا شِبْهَ له، ولا مِثْلَ.
قال الشيخ ابن تيمية:" ففي قوله:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " رد للتشبيه والتمثيل، وقوله:"وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " رد للإلحاد والتعطيل. والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصَّل، ونفيٍ مجمَل، فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونَفَوْا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل ".
فإذا كان قوله تعالى:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " قد أفاد نفي التشبيه والتمثيل عن الله سبحانه على وجه الإجمال، وأن قوله سبحانه:" وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "قد أفاد إثبات الصفات له سبحانه على وجه التفصيل، فإن قوله تعالى:" وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " قد أفاد إثبات المَثَل الأعلى له في الصفات، وأفاد نفيَ أن يكون له مَثَل من خلقه يشبهه، أو يماثله في حقيقة ذلك المَثل، لاستحالة أن يشترك في المثل الأعلى مِثلان اثنان؛ لأن المِثل لا يكون أعلى من المِثل الآخر فيما تكون فيه المماثلة. وإذا فُرِضَ أنهما متماثلان، أو متكافئان متساويان، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يكونا متكافئين متساويين، فالموصوف بالمثل الأعلى واحد.وبذلك يكون قوله تعالى:" وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ "، قد تضمَّن إثباتًا، ونفيًا في آن واحد.
فتأمل هذه الأسرار البديعة، التي لا تجدها إلا في البيان الأعلى ! فسبحان الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، له الفضل وله المنَّة، لا يقاس بالقياس، ولا يشبه بالناس.. سبحانه وتعالى !
بقلم الأستاذ محمد إسماعيل عتوك
================
الفرق بين النصيب والكفل
قال الله تعالى:" مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً "( النساء: 85 )
فاستعمل سبحانه لفظ ( النصيب ) مع الشفاعة الحسنة، واستعمل لفظ ( الكفل ) مع الشفاعة السيئة، فدل على أن بينهما فرقًا في المعنى.
وأكثر المفسرين على القول بأن النصيب، والكفل بمعنى واحد، وهو الحظ، أو المِثْل، إلا أن الثاني أكثر ما يستعمل في الشر؛ كاستعماله- هنا- في الشفاعة السيئة.
وفرَّق بعضهم بينهما بأن النصيب يزيد على المثل، والكفل هو المِثْلُ المساوي، فاختار تعالى النصيب مع الشفاعة الحسنة؛ لأن جزاء الحسنة يضاعف بعشرة أمثالها، واختار الكِفْلَ مع الشفاعة السيئة؛ لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها.
وهذا القول مبنيٌّ على اعتبار أن ( من ) في قوله تعالى:" مِنْهَا "، في الموضعين، للسبب، وعلى اعتبار أن جزاء الشفاعة الحسنة كجزاء فعل الحسنة، وجزاء الشفاعة السيئة كجزاء فعل السيئة، قياسًا على قوله تعالى:
" مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ "( الأنعام: 160 ).
وعليه يكون المعنى: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب بسببها، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل بسببها. أي: يكن لكل منهما ذلك بسبب شفاعته.. وهذا خلاف ما نصَّت عليه الآية الكريمة من المعنى تمامًا؛ لأن ( من ) في قوله تعالى:" مِنْهَا "، في الموضعين، ليست للسبب؛ وإنما هي للتبعيض. والمراد من الآية الكريمة: أن للشفيع، الذي يشفع في الحسنة، نصيبًا من جزاء المشَفَّع على شفاعته، وأن للشفيع، الذي يشفع في السيِّئة كِفْلاً من جزاء المشَفَّع على شفاعته.

(1/34)


فههنا شَفيعٌ، ومُشَفَّعٌ، ومُشَفَّعٌ له، وشَفاعَةٌ. والشفاعةُ نوعان: حسنة، وسيئة. فالشفاعة الحسنة هي التي يُراعَى بها حق المسلم، فيُدفَع بها عنه شر، أو يُجلَب بها إليه خير، ابتغاء مرضاة اللهتعالى. وأما الشفاعة السيئة فهي التي تكون في معصية الله ابتغاء لجاه أو غيره، وأعظمُها جُرْمًا ما كان في حَدٍّ من حدود الله تعالى.
وورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:" من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى، فقد ضادَّ الله تعالى في ملكه، ومن أعان على خصومة بغير علم، كان في سخط الله تعالى حتى ينزع ". قال الألوسي تعقيبًا على الخبر:" واستثني من ذلك الحدود في القصاص، فالشفاعة في إسقاطه إلى الديَّة غير محرمة ".
وروى أبو داود عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مَنْ شَفَعَ لأحَدٍ شَفَاعَةً ، فأهدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا ، فَقَبِلَهَا ، فَقَدْ أتى بَاباً عَظِيماً مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا ".
وروت عائشة- رضي الله عنها- في الحديث الصحيح:" أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ وَأََيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ".
فإذا كانت الشفاعة في حق، كان لصاحبها من أجرها، الذي يستحقه المُشفَّع أجرٌ حسنٌ. وهذا ما عَبَّر عنه تعالى بلفظ ( النصيب )، ومعناه في اللغة: الحظ الجيد المعيَّن من الشيء. تقول: هذا نصيبي. أي: حظي. قال تعالى:
" لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً "( النساء: 7 ).
ثم قال:" لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ "( النساء: 11 )، فدل على أن النصيب هو الحظ المعين، وأن هذا النصيب تابع للتركة في الزيادة، والنقصان. ونحو ذلك قول إبليس اللعين:" لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً "( النساء: 118 )
واشتقاقه من النَّصْب، بإسكان الصاد، وهو إقامة الشيء في استواء، وإهْداف، ووضعُه موضعًا ناتئًا؛ كنصْب الرمح، والحجر في الأرض.والنصْبُ، والنصيبُ حجر كان ينصَبفي الأرض، فيعبَده العرب في الجاهلية.
وإذا كانت الشفاعة في باطل، كان لصاحبها من أجرها، الذي يستحقه المُشفَّع أجرٌ رديء. وهذا ما عَبَّر عنه تعالى بلفظ ( الكفل )، وهو من الأجر والإثْم: الضِّعْفُ، في أصح الأقوال. وأصله مركَب يُهَيَّأ على ظهر البعير، أو كساء يدار حول سنامه، وأكثر ما يستعمل في الشرِّ. ومنه ما جاء في الصحيحين من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ ".. وقد يستعمل في الخير، ومنه قول الله تعالى:
" يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ "( الحديد: 28 )
ولهذا كانت عقوبة الشفاعة السيئة في الإثم، والمؤدية إلى إسقاط الحق عظيمة عند الله تعالى تتناسب مع المعنى، الذي يؤديه لفظ الكفل، وليس كذلك السيئة، التي تجزى بمثلها. وكذلك كان ثواب الشفاعة الحسنة المؤدية إلى إحقاق الحق يتناسب مع المعنى، الذي يؤديه لفظ النصيب. فإذا عرفت ذلك، تبين لك السِّرُّ في اختيار ( النصيب ) للشفاعة الحسنة، و( الكفل ) للشفاعة السيئة ترغيبًا في الأولى، وتنفيرًا من الثانية.
ومما ينبغي أن يعلَم أيضًا أن الحديث عن الشفاعة بنوعيها يخص قومًا بعينهم، وأن أصحاب الشفاعة السيئة أكثر من أصحاب الشفاعة الحسنة، وأن وجودهم في المجتمع من أخطر الآفات، التي تهدد سلامته؛ ولهذا كانت عقوبتهم مضاعفة. أما الحديث عن فعل الحسنة، وفعل السيئة فهو حديث عام يعم أفراد المجتمع كلهم. ومن لطف الله تعالى بعباده أن جعل جزاء السيئة سيئة مثلها، ومن منِّه وكرمه سبحانه أن جعل جزاء الحسنة بعشرة أمثالها، ويزيد من فضله لمن يشاء. ومن هنا لا يجوز قياس الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة على فعل الحسنة وفعل السيئة.
وشيء آخر ينبغي أن يعلم ، وهو أنه لما كان الجزاء بالنصيب، والكفل من الأمور، التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى ، ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله:" وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً "
فبين سبحانه أنه كان وما زال ولا يزال شاهدًا وحفيظًا وحسيبًا على هذه الأعمال، ومجازيًا على كل عمل بما يناسبه ، وقادرًا على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه كاملاً، لا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع.

(1/35)


والمُقيت من أسماء الله تعالى، وفسّره الغزالي بموصل الأقوات، فيؤول إلى معنى الرازق، إلا أنه أخص، وبمعنى المستولي على الشيء، القادر عليه، فيكون راجعًا إلى القدرة والعلم. والظاهر أنه جامع للمعاني السابقة كلها.. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنه خير مسؤول .
محمد إسماعيل عتوك
=============
أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُونَ
قال الله تبارك وتعالى:" أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُونَ*أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ "(الواقعة: 63- 65)
ثم قال:" أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ*أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ "(الواقعة: 68- 70)
فأدخل اللام على جواب " لَوْ " في قوله:" لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا "، ونزعها منه في قوله:" جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ".. ولسائل أن يسأل: لمَ أدخِلت اللام على الجواب الأول، ونزعت منه في الثاني ؟
وللنحاة والمفسرين في الإجابة عن ذلك أقوالٌ، ليس بعضها بأولى من بعض، وتتلخص في أن هذه اللام تدخل في جواب" لَوْ "زائدة، والغرض من زيادتها التوكيد، وأما خروجها منه فالغرض منه الإيجاز والاختصار. وأنه لما كان الوعيد بتحويل الزرع إلى حطام أشد وأصعب من الوعيد بتحويل الماء العذب إلى ماء ملح، احتاج الأول إلى تأكيده باللام، دون الثاني.
ويحتجون لذلك بأن الموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب، وأنه كثيرًا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة، أو السبخة أحالتها إلى الملوحة؛ فلذلك لم يحتج في جعل الماء العذب ملحًا إلى زيادة تأكيد. وأما الزرع فإن جعله حطامًا من الأشياء الخارجة عن المعتاد، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من الله شديد؛ فلذلك قرن بلام التأكيد زيادة في تحقيق أمره، وتقريره إيجاده.. إلى غير ذلك من الأقوال، التي لا تفسِّر أسلوبًا، ولا توضح معنى.
ومما يدلك على ضعف هذه الأقوال، وتكلفها في التأويل والتعليل ما ذكره الزركشي من تشبيه التوعُّد بجعل الماء أجاجًا بتوعُّد الإنسان عبده بالضرب بالعصا ونحوه، وتشبيه التوعُّد بجعل الزرع حطامًا بتوعُّده بالقتل. ولما كان الأول أسهل وأيسر، لم يحتج إلى تأكيد، كاحتياج الثاني إليه.
ومما ذكره الدكتور فاضل السامرائي في لمسات بيانية محتجًّا به على أن العقوبة بجعل الزرع حطامًا أشد من عقوبة جعل الماء أجاجًا، أن الماء الأجاج يمكن أن يحول إلى ماء عذب. وذكر أن التهديد لم يأت في الآية بغور الماء كليًّا كما في تهديد جعل الزرع حطامًا، فجاء باللام لتأكيد التهديد في آية الزرع، وحذفها من آية التهديد بالماء.
ولست أدري ما وجه الشبَه بين توعُّد الله تعالى الكفار بجعل ماء السحاب أجاجًا، وتوعُّد الإنسان عبده بضربه بالعصا، وبين توعُّدهم بجعل الزرع حطامًا بتوعُّد العبد بالقتل، حتى يقاس أحدهما بالآخر ؟ ثم إذا كان لدى الناس القدرة على تحويل الماء الأجاج إلى ماء عذب، فما قيمة أن يتوعَّدهم الله تعالى بذلك ؟ ثم كيف يمكن أن نفهَم من جعل الماء أجاجًا أن التهديد في الآية لم يأت بغَوْر الماء كليًّا ؟ وهل جاء التهديد فيها بغور الماء أصلاً، حتى يقال مثل هذا القول ؟
وليت شعري ماذا يقول أولئك الذين لا همَّ لهم سوى الطعن في بلاغة القرآن، وفصاحته، عندما يقرؤون مثل هذه الأقوال في تفسير كلام الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فضلاً عن أنه أنزل بلسان عربي مبين؛ ليبين للناس أمور دينهم، ويهديهم سنن الذين من قبلهم، ويرشدهم إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة ؟
ونعود بعد هذا إلى الإجابة عن السؤال، فنقول بعون الله وتعليمه: إن في نزع اللام من جواب " لَوْ " في قوله تعالى:
" لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا "
إشارة إلى التعجيل بوقوع العقوبة عقب المشيئة فورًا دون تأخير. وفي إدخالها عليه في قوله تعالى:
" لَوْ نَشَاءُلَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا "
إشارة إلى تأجيل العقوبة لعقوبة أشدَّ منها؛ كقوله تعالى:
" حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ "(يونس:24)
وقد جعل الله تعالى هلاك المهلَكين من الأمم الطاغية حصيدًا عقوبة لهم، فقال سبحانه:
" ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ "(هود:100)

(1/36)


أي: منها هلك أهله دونه فهو باقٍ، ومنها هلك بأهله، فلا أثر له؛ كالزرع المحصود بالمناجل، بعضه قائمٌ على ساقه، وبعضه حصيدٌ. وحصيدُ هو فَعيلٌ من الحصْد، بمعنى: مفعول، وهو قطع الزرع في إبَّانه، واستئصاله من جذوره. وقد أفاد في الآية السابقة قطع الزرع واستئصاله في غير إبَّانه على سبيل الإفساد، ومنه استعير قولهم: حصدَهم السيفُ. ومنه- كما في مسند أحمد- قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ:"وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم".
وعليه يكون المعنى المراد من الآية: لو يشاء الله تعالى، لجعل الزرع، الذي ينبته من الحب حطامًا، عقوبة لهم على شركهم به، وتكذيبهم بآياته؛ ولكن اقتضت مشيئته سبحانه أن يؤجل هذه العقوبة لأشدَّ منها، كان ذلك " وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ "(الروم:6)، " وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ "(الحج: 47).
والمراد من جعل الزرع حطامًا جعله متكسِّرًا قبل الانتفاع به. وأما ما يؤول إليه الزرع من الحطام بعد الانتفاع به فذلك معلوم لكل أحد، ولا يكون التعبير عنه مشروطًا بـ( لو ) الشرطية؛ كما في قوله تعالى:
"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ "(الزمر:21)
فلإفادة هذا المعنى- أعني: تأجيل العقوبة لأشدَّ منها- أدخلت اللام على جواب"لَوْ ". هذه اللام، التي أجمعوا على القول بزيادتها للتوكيد، وهم معذورون في ذلك، فأسرار القرآن الكريم أجلُّ، وأعظم من أن تحيط بها عقول البشر !
وأما قوله تعالى عن الماء:" لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا " فالمعنى المراد منه: لو يشاء الله تعالى، جعل الماء المنزَّل من المزن أجاجًا لوقته دون تأخير، فلا ينتفع به في شرب، ولا زرع، ولا غيرهما؛ ولكنه تعالى لم يشأ ذلك رحمة بعباده، وفضلاً منه تعالى عليهم.
أما ما يؤول إليه الماء من الملوحة بعد نزوله من المزن، وجريه على الأراضي المتغيرة التربة، أو السبخة- كما قالوا- فذلك ما لم يُرَدْ من الآية الكريمة، وليس في الإخبار عنه أية فائدة تذكر. ويبيِّن لك ذلك أن الله تعالى قال:
" جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا "، ولم يقل:" جَعَلْنَاهُ ملحًا "؛ لأن مياه الأرض كلها تحتوي على نسب من الأملاح متباينة. ومن هنا قلَّ الاقتصار على وصف الماء، الذي لا ينتفع به، بالملح في لغة العرب، وكثيرًا ما كانوا يقرنون هذا الوصف بوصف الأجاج؛ كما كانوا يقرنون وصف الماء العذب بوصف الفرات. وفي ذلك قال الله تعالى:
" وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا "(فاطر: 12)
فقابل سبحانه بين العذب والملح، وبين الفرات والأجاج. والماء العذب هو الطيب البارد.والماء الملح هو الذي تغير طعمه، وإذا كان لا ينتفع به في شرب، فإنه ينتفع به في غيره. والماء الفرات ما كان مذاقه مستساغًا، يضرب طعمه إلى الحلاوة، بسبب انحلال بعض المعادن والغازات فيه. والماء الأجاج هو الماء الزُّعَاقُ، وهو المرُّ، الذي لا يطاق، ولا ينتفع به في شرب، ولا غيره، لشدَّة مرارته وحرارته، وهو من قولهم: أجيج النار.
فإذا عرفت ذلك، تبيَّن لك سر الجمع بين الملح، والأجاج في وصف ماء البحر؛ إذ لو اقتصر في وصفه على كونه ملحًا، كان مثل أي ماء يجري على التربة المتغيرة، ويستقر في أعماق الأرض. ولو اقتصر في وصفه على كونه أجاجًا، كان ماؤه فاسدًا، لا ينتفع به في شيء مطلقًا.
وكذلك جعل ماء المزن أجاجًا. والمزن هو السحاب الأبيض المثقل بماء المطر، وهو أنقى ماءوأعذب. ولئن اجتمع الإنس والجن بما أوتوا من قوة على أن يعيدوا هذا الماء بعد جعله أجاجًا إلى حالته الأولى، لعجزوا عن ذلك، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
ومن هنا كان جعل هذا الماء أجاجًا- أي: شديد المرارة والحرارة لوقته دون تأخير- أدلَّ على قدرة الله تعالى، من جعل الزرع حطامًا، وإن كان الكل أمام قدرة الله سواء. ويدلك على ذلك أن قوله تعالى:
" لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا "
قيل على طريقة الإخبار؛ لأن جعل الماء المنزل من المزن أجاجًا لوقته عقب المشيئة، لم يشاهد في الواقع؛ لأنه لم يقع، بخلاف جعل الزرع حطامًا؛ فإنه كثيرًا ما وقع كونه حطامًا بعد أن كان أخضرَ يانعًا، خلافًا لمن زعم خلاف ذلك. فلو قيل: جعلناه حطامًا، بإسقاط اللام؛ كما قيل: جعلناه أجاجًا، لتُوُهِّم منه الإخبار.
ويدلك على ذلك أيضًا أن دخول هذه اللام على جواب " لَوْ "، لا يكون إلا في الأفعال، التي لا يُتخيَّل وقوعها؛ كما في قوله تعالى:
" قَالُوا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا "(الأنفال: 31). أي: مثل القرآن.
" قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً "(فصلت: 14)

(1/37)


" وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ "(يس: 66)
" وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ "(يس: 67)
" وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ "(الزخرف: 60)
ونحو ذلك قوله تعالى:
" لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا "
فجعل الزرع حطامًا ممّا لا يتخيل وقوعه، وإن كان يقع؛ ولهذا قال تعالى عقِبه:
" فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ "
فأتى بفعل التفكُّه؛ لأن ذكر الحطام يلائم التفكُّه. ومعنى الاعتداد بالزرع، يقتضي الاعتداد بصلاحه وعدم فساده، فحصل التفكُّه.
والمعنى: فظلتم تعجبون من هلاك زرعكم، وتندمون على ما أنفقتم فيه. وقيل: تلاومون، وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله، التي أوجبت عقوبتكم، حتى نالتكم في زرعكم. والقولان مرادان يكمل أحدهما الآخر، والدليل على ذلك قوله تعالى:
" وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا "(الكهف:35)
إلى قوله تعالى:
" وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً "(الكهف: 42)
ألا ترى إلى قوله لفرط غفلته، وطول أمله، واغتراره بجنته:"مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ". إنه لم يتخيل هلاكها أبدًا، فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاك، ندم على ما صنع.
أما جعل الماء العذب أجاجًا فهو مما يتخيل وقوعه، وإن لم يقع. ومثله في تخيل الوقوع، والتعجيل به عقب المشيئة قوله تعالى:
" أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ "(الأعراف: 100)
ولهذا عقَّب تعالى على جعل الماء أجاجًا بقوله:
" فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ "
وهو تحضيض لهم على الشكر بإخلاص العبادة لله تعالى وحده على هذه النعمة، التي هي أعظم النعم.
ومثل تهديد الكفار بجعل الماء المنزل من المزن أجاجًا تهديدهم بجعل ماء الأرض غورًا. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:
" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ "(الملك: 30)
فكيف يمكن القول بعد هذا: إن جعل الماء أجاجًا أسهل وأكثر من جعل الزرع حطامًا، وإنالوعيد بفقد الزرع أشد وأصعب من الوعيد بفقد الماء، فاحتاج الأول إلى تأكيده باللام، دون الثاني ؟ ألا ترى أنه لولا الماء، لما كان هناك زرع، ولا شجر، ولا حيوان، ولا بشر ؟ ألم يسمعوا قول الله تعالى:
" وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ "(الأنبياء: 30)؟
ومما يدلك أيضًا على فساد ما ذهبوا إليه أن من يتأمل الآيات، التي أدخلت اللام فيها على جواب "لَوْ "، يجد أن هذه اللام تقوم مقام السين، وسوف في الدلالة على التسويف في إيقاع الفعل تارة، والمماطلة تارة أخرى. وأوضح ما يكون ذلك في قوله تعالى في صفة الكافرين:
" وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ "(الأنفال:31)
أي: لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن. وهم لم يقولوا، ولن يقولوا، ولا يمكنهم أن يقولوا؛ ولهذا أتوا بهذه اللام، التي دلت على تسويفهم، ومماطلتهم، وهذا بخلاف قولهم:
" لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا "(الأنعام : 148 )
لاحظ كيف قرنوا شركهم بالله تعالى، وتحريمهم ما أحل بمشيئته سبحانه مباشرة دون تأخير. ولو قالوا: لما أشركنا.. لدل قولهم على أن شركهم جاء متأخرًا عن المشيئة، فيحتمل حينئذٍ أن يكونوا آمنوا، ثم أشركوا.
ثم تأمل ذلك في بقية الآيات، التي جاء فيها جواب الشرط مجردًا من اللام، والآيات، التي اقترن فيها جواب الشرط باللام، تجدها كلها على ما ذكرت، إن شاء الله ! وإن كنت ممن يتأملون الكلام، ويتلذذون بإدراك أسرار البيان، فتأمل قول كُثيِّر عَزَّةَ:
رهبانُ مَدينَ، والذين عهدتهم ***يبكون من أثر السجود قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها ***خرُّوا لعَزَّةَ رُكَّعًا، وسجودا
ثم لاحظ قوله:( خرُّوا لعَزَّةَ رُكَّعًا، وسجودا )، تجده قد وقع عقِب سماعهم كلامها، دون تأخير. ثم تأمل قول توْبةَ بن الحُمَيِّر:
ولو أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ ***علىَّ، ودُونِى جَنْدَلٌ وصَفائحُ
لَسَلَمْتُ تَسْليمَ البَشَاشَةِ، أَو زَقَا ***إِليْها صَدًى من جانب القَبْرِ صائحُ
ولاحظ قوله:( لَسَلَمْتُ تَسْليمَ البَشَاشَةِ )، كيف أدخل فيه اللام، التي تدل على المماطلة والتسويف في إيقاع الفعل، الذي لا يتخيل وقوعه. ولو أردت أن تتبيَّن الفرق بين الموضعين، فقارن بين قول أحدهم:
لو جاءني زيد أكرمته... وبين قوله:

(1/38)


لو جاءني زيد لأكرمته.. تجد أن الأول صادق في قوله، والثاني مماطل مسوِّف، ثم تذكر أن القول بزيادة اللام في الثاني للتوكيد من أخطر الأقوال، التي يفسَّر بها كلام الله جل وعلا.. ولهذا أقول: ينبغي أن تسمَّى هذه اللام: لام التسويف؛ لأنها تفيد ما يفيده كلٌّ من السين وسوف، من دلالة على التأخير والتسويف والمماطلة في إيقاع الفعل.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فلا علم لنا إلا ما علمتنا، لك الشكر على ما أنعمت، ولك الحمد على ما تفضلت به علينا من نعمة العلم والفهم والدين، وسلام على المرسلين !
بقلم محمد إسماعيل عتوك
===============
مثل الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ
بقلم الأستاذ محمد إسماعيل عتوك
باحث لغوي في الإعجاز البياني
للقرآن الكريم ومدرس للغة العربية
قال الله تعالى:" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ" (إبراهيم 18)
ضرب الله تعالى هذه الآية الكريمة مثلاً، شبَّه فيه الأعمال التي تكون لغير الله تعالى برماد، اشتدت به الريح في يوم عاصف، فطيرته، وفرقت أجزاءه في جهات هبوبها، ولم تبق له على أثر، ولا خبر. كذلك تعصف رياح الكفر، والأهواء الفاسدة بالأعمال، التي تبنى على أساس غير صحيح، فتفسدها، وتجعلها مع أصحابها طعمة للنار.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الله تعالى، لمَّا ذكر أنواع عذاب الكافرين في الآية المتقدمة، بين في هذه الآية أن الأعمال، التي لا يقصد بها وجه لله تعالى هي أعمال باطلة، لا ينتفع أصحابها بشيء منها في الآخرة. وعند هذا يظهر كمال خسرانهم؛ لأنهم لا يجدون إلا العقاب الشديد، وكل ما عملوه في الدنيا يجدونه ضائعًا باطلاً، وذلك هو الخسران المبين.
ولفظ " مَثَلٍ " عند الزمخشري وغيره مستعار للصفة، التي فيها غرابة. وارتفاعه في مذهب الجمهور على الابتداء، خبره محذوف، تقديره عند سيبويه والأخفش: فيما يتلى عليكم، أو يقصُّ عليكم. وجملة " أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ "مستأنفة على تقدير سؤال؛ كأنه قيل: كيف مثلهم؟ فقيل: أعمالهم كرماد. وعليه يكون تقدير الكلام: صفة الذين كفروا بربهم، أعمالهم كرماد. كقولك: صفة زيد، عِرْضُه مَصُونٌ، ومالُه مَبذولٌ.
ومذهب الفراء: أن" مَثَل "مبتدأ، خبره" كَرَمَادٍ ". والتقدير عنده: مثل أعمال الذين كفروا كرماد. وفي تفسير ذلك والتعليل له قال الفرَّاء:" وقوله:" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ" أضاف المَثَل إليهم، ثم قال:" أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ". والمَثَل للأعمال ".
وحكى ابن عطية عن الكسائي والفراء أن المعنى على إلغاء لفظ " مَثَل "، وأن أصل الكلام: " الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ "، بإسقاط لفظ " مَثَل "، فيكون كقوله تعالى:" وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ "(النور:39).
ولكن ظاهر قوله تعالى:" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ " يقتضي أن يكون للَّذِينَ كَفَرُوا بربهم مَثلٌ. ومَثَلُهم هو المماثلُ لهم في تمام أحواهم وصفاتهم. أي: المطابق، أو المساوي. وهو كقولنا: مَثَلُ زيد، عملُه قبيحٌ. فالعمل القبيح- هنا- لا يعود على زيد؛ وإنما يعود على مَثلِ زيد. وهذا يعني أن لزيد مثلاً يماثله في تمام أحواله وصفاته. وهذا المَثَلُ قد يكون عمروًا، أو بكرًا، أو غيرهما. وكذلك قوله تعالى:" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ " يقتضي أن يكون للَّذِينَ كَفَرُوا بربهم مَثلٌ، يماثلهم في تمام أحواهم وصفاتهم. وعليه تكون الأعمال المشبهة بالرماد في قوله تعالى:" أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ "هي أعمال مَثَلِ الذين كفروا بربهم، لا أعمالهم هم، خلافًا للأعمال، التي في قوله تعالى:" أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ "من آية النور. ويمكن ملاحظة الفرق بين الآيتين من خلال المقارنة بينهما:
" وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ "(النور:39)
" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ "(إبراهيم 18)
فالأعمال المشبهة بالسراب في آية النور هي أعمال الذين كفروا. والأعمال المشبهة بالرماد في آية إبراهيم هي أعمال مَثَل الذين كفروا بربهم. وهذا واضح جلي، وهو أحد أوجه الفرق بين الآيتين الكريمتين. ولو كانتا سيَّان، لمَا كان لذكر لفظ " مَثَل "في مطلع آية إبراهيم أيَّ معنى، ولكان زائدًا، دخوله في الكلام، وخروجه منه سواء- كما حكِيَ ذلك عن الكسائي والفراء- وهذا ما يأباه نظم القرآن الكريم وأسلوبه المعجز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه!
وعليه يكون قوله تعالى:" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ "مبتدأ، خبره جملة:" أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ "من المشبه، والمشبه به. وهذا من أحسن ما قيل في إعراب هذه الآية الكريمة.

(1/39)


وأما الفرق الثاني بين الآيتين فإن المراد بقوله تعالى:" وَالَّذِينَ كَفَرُواْ "- في آية النور- العموم، ويندرج في عمومه كل من كفر من الأمم السابقة، والأمم اللاحقة إلى يوم يبعثون. أما قوله تعالى:" الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ "- في آية إبراهيم- فالمراد بهم الكفار من الأمم السابقة؛ ولهذا جاء ذكرهم مقيدًا بقوله تعالى:" بِرَبِّهِمْ "، تمييزًا لهم من غيرهم. فأولئك مثل لهؤلاء، وقد ورد ذكر بعضهم في سورة إبراهبم قبل هذه الآية على لسان موسى- عليه السلام- وذلك في معرض خطابه لقومه، يخوفهم بمثل هلاك من تقدمهم من الأمم المكذبة:
" أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ "(إبراهيم:8- 9)
وبعد أن حكى الله تعالى عن الرسل- عليهم السلام- اكتفاءهم في دفع شرور هؤلاء الكفار بالتوكل على ربهم، والاعتماد على حفظه ورعايته، حكى سبحانه وتعالى عن بعض المتمردين في الكفر أنهم بالغوا في السفاهة، فكان مصيرهم الهلاك في الدنيا، ونار جهنم في الآخرة؛ وذلك قوله تعالى:
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ "(إبراهيم:13-17)
وفي ظل هذا المصير، الذي انتهى إليه هؤلاء الكفار من الأمم الغابرة جاء التعقيب مثلاً، يصوِّر الله تعالى فيه أعمالهم على طريقة القرآن المبدعة بصورة رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فقال سبحانه:
" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ "(إبراهيم:18)
فجمع بين أعمالهم، وأعمال من جاء من بعدهم من الذين كفروا بربهم في هذا التمثيل العجيب؛ إذ بأولئك الكفار الغابرين تضرَب الأمثال لكل من ماثلهم ممَّنْ جاء بعدهم من الكفار اللاحقين، في كفرهم بالله سبحانه وبآياته، وإنكارهم للبعث، ومحاربتهم لرسله- عليهم السلام- وصدهم عن سبيله، ولكل مَنْ كانت أعماله مماثلة لأعمالهم من غير الكافرين بربهم.
ومن المعلوم أن الكفار المتأخرين قد سلكوا في الكفر والتكذيب مَسْلك من كان قبلهم، ومنهم كفار مكة، الذين أخبر الله تعالى في قوله مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم:
" وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ "(فاطر:25)
وكما حكى الله تعالى عن الفئة الضالة من الأمم السابقة قولهم لرسلهم:
" لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ "(إبراهيم:13)
كذلك أخبر سبحانه عن كفار مكة، فقال تعالى مخاطبًا نبيه عليه الصلاة والسلام:
" وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً " (الإسراء:76)
ثم بين سبحانه وتعالى أن ذلك سنته في رسله وعباده، فقال:
" سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا "(الإسراء:76)
وتقتضي سنة الله تعالى في عباده أن يحكم على الفرع بحكم الأصل، فيما تكون فيه المماثلة. فإذا كان الأصل محكومًا عليه بالهلاك، وعلى أعماله بالفساد، فكذلك الفرع.
وهذا ما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
" قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ "(الأنفال:38)
فقوله تعالى:" فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ "عبارة تجمع الوعيد والتهديد، والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله. والمعنى المراد: مضت سنة الله تعالى فيمن سلف من الكافرين بالهلاك، فيصيب الآخرين مثل ما أصاب الأولين.
وكما يطلق لفظ { المَثَل }على الفرع، كذلك يطلق على الأصل، ومن ذلك قوله تعالى في حق كفار مكة:
" فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ "(الزخرف:8)

(1/40)


أي: مضى حالهم، الذي كانوا عليه من الكفر والتكذيب والإهلاك، وخلفه حال مماثل له؛ هو حال كفار مكة، وغيرهم. والأول أصل، والثاني فرع، والعلة الجامعة بينهما: الكفر والتكذيب، والحكم: الهلاك. والمعنى: أن كفار مكة سلكوا في الكفر، والتكذيب مَسْلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم.
ونظير ذلك قوله تعالى في حق فرعون وجنوده:
" فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ " (الزخرف:55-56)
أي: فلما أغضبوا الله سبحانه بأعمالهم القبيحة، انتقم منهم، بأن أغرقهم أجمعين. وهذا الانتقام قد جعله سلفًا يتعظ به الغابرون، ومثلاً يعتبر به المتأخرون، ويقيسون عليه أحوالهم. وقد قال الله تعالى محذِّرًا:
" أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ "(المرسلات:16- 18)
وإذا كان الأولون محكومًا عليهم بالهلاك، فمن باب أولى أن تكون أعمالهم محكومًا عليها بالفساد وعدم النفع. تأمل ذلك في قوله تعالى:
" وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ*إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأعراف:138-139)
أي: هم وما يعبدون هالك لا محالة، وأعمالهم ذاهبة مضمحلة. وهؤلاء القوم- على ما قيل- كانوا من العمالقة، الذين أمر موسى- عليه السلام- بقتالهم. وقال قتادة: كانوا من لَخْمٍ، وكانوا نزولاً بالرَّقَّة. وقيل: كانت أصنامهم تماثيل بقر؛ ولهذا قالوا:
" يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ "
فأخرج لهم السَّامِرِيُّ عجلاًُ.
ونظير قولهم هذا قول جهال الأعراب لرسول الله صلى الله عليه وسلم- وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمَّى: ذات أنواط، يعظمونها في كل سنة يومًا- فقالوا:”يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط؛ كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر! قتلتم- والذي نفسي بيده- كما قال قوم موسى:
" اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ "
لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه “. وكان هذا في مخرجه صلى الله عليه وسلم إلى حنين.
ونظير هؤلاء المنافقون، الذين قال الله تعالى فيهم:
" قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ "(التوبة:53- 54)
وغير هؤلاء كثير.
وقوله تعالى:" أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ "الأعمال فيه جمع: عمل. والعمل يطلق على كل فعل، يكون من الإنسان بقصد، فهو أخصُّ من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الإنسان، الذي يقع منه فعل بغير قصد. وقد ينسب إلى الجماد. والعمل قلما ينسب إلى ذلك؛ ولهذا قال تعالى:" أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ "، ولم يقل سبحانه:"أَفْعَالُهُمْ كَرَمَادٍ ".
أما الرماد فهو ما بقي بعد احتراق الشيء. وفي لسان العرب:” الرمادُ: دُقاقُ الفحم من حُراقة النار، وما هَبَا من الجمر فطار دُقاقًا. وفي حديث أم زرع: زوجي عظيم الرماد. أي: كثير الأضياف؛ لأن الرماد يكثر بالطبخ“. ولهذا كان تنكيره في الآية منبِئًا عن ضآلته وخفته، بخلاف ما لو كان معرَّفًا.
وتشبيه الأعمال بهذا الرماد الضئيل الخفيف ينطوي على سرٍّ بديع من أسرار البيان القرآني؛ وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم، وبين الرماد في إحراق النار، وإذهابها لأصل هذا وهذا؛ فكانت الأعمال التي لغير الله، وعلى غير مراده طعمة للنار، وبها تسعر النار على أصحابها، وينشىء الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا؛ كما ينشىء لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه، التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا وروحًا. فأثرت النار في أعمال أولئك، حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار.
ولو شبهت هذه الأعمال بلفظ آخر غير الرماد، كالتراب مثلاً، فقيل:" أَعْمَالُهُمْ كَتُرَابٍ "، لما أفاد ذلك ما أفاده لفظ الرماد من معنى الخفة، والاحتراق، وعدم الانتفاع، والعجز عن الاستدراك.
وتأمل هذه الكاف في قوله تعالى:"كَرَمَادٍ "، كيف جعلت هذه الأعمال في مرتبة أدنى من مرتبة ذلك الرماد الضئيل في حقيقته وصفاته، ووراء ذلك ما وراءه من إزراء لها، واستخفاف بأصحابها. ولو قيل:" أَعْمَالُهُمْ مِثْلُ رَمَادٍ "، لما أفاد التشبيه هذا المعنى، الذي ذكرناه؛ لأن لفظ المِثْل يجعل الممثَّل، والممثَّل به في مرتبة واحدة؛ لأنه لفظ تَسْوِيَة، فيقتضي المساواة بينهما في تمام الصفات.

(1/41)


أما قوله تعالى:" اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ " فهو كناية عن سرعة هذه الريح وقوتها. يقال: اشتدَّت الريح. أي: أسرعت بقوة. وتعدية الفعل بالباء، دون تعديته بعلى يفيد أن هذه الريح حملت الرماد، وأسرعت الذهاب به، وبددته في جهات هبوبها؛ بحيث لا يقدر أحد على الإمساك بشيء منه، بخلاف قولنا: اشتدت عليه؛ فقد تشتد الريح عليه، وهو ثابت في مكانه، لا يتبدد.
ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود, يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى, لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها, ولا الانتفاع به أصلاً.. يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك, فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددًا.فكما تعصف الريح الشديدة بالرماد، وتذهب به في جهات هبوبها؛ كذلك تعصف رياح الكفر والنفاق بالأعمال، التي تكون لغير الله جل وعلا، وعلى غير طاعة الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى:
"وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً "(الفرقان:23)
و"الرِّيحُ "- على ما قيل- هي الهواء المتحرك، وتجمع على: أرواح ورياح. وعامة المواضع، التي ذكر فيها لفظ "الرِّيحِ "بصيغة المفرد في القرآن، فعبارة عن العذاب. وكل موضع ذكر فيه بصيغة الجمع فعبارة عن الرحمة؛ إلا في قوله تعالى:
" حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ "(يونس:22)
ورويَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول، إذا هبَّت الريح:” اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا “. وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء؛ كأنها جسم واحد. وريح الرحمة متقطعة؛ فلذلك هي رياح.. وأفردت مع الفلك في آية يونس؛ لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متصلة، ثم وصفت بالطِّيب، فزال الاشتراك بينها، وبين ريح العذاب.
أما العَصْفُ في قوله تعالى:" فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ " فهو اشتداد الريح، ووَصْفُ اليومِ به- وهو زمانُ هبوبها- من إضافة الموصوف إلى صفته. والعصْف، وإن كان للريح، فإن اليوم قد يوصف به؛ لأن الريح تكون فيه، فجاز أن يقال: يوم عاصف؛ كما يقال: يوم بارد، ويوم حار، والبرد والحر فيهما.
وقرأ ابن أبي اسحق وإبراهيم بن أبي بكر عن الحسن:" فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيْحِ"، على الإضافة. وذلك- عند أبي حيان- من حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، والتقدير: في يوم ريح عاصف.
وقيل: إن عَاصِفًا صفة للريح، إلا أنه جُرَّ على الجِوار. وفيه أنه لا يصِحُّ وصفُ الريح به، لاختلافهما تعريفًا وتنكيرًا. وقرأ نافع وأبو جعفر:" فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيَاحِ"، على الجمع، وبه يشتد فساد الوصفية.
والعَصْفُ يقال لحطام النبت المتكسر. وقيل: هو ساق الزرع. وقيل: هو ورق الزرع. وبهما فسر قوله تعالى:"وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ "(الرحمن:12). وقال تعالى:" فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ "(الفيل:5)، تشبيهًا بذلك.
وقيل: العَصْفُ: السرعةُ. وعصفت الريح تعصِف عَصْفًا. أي: اشتدَّ هبوبُها. وهي ريحٌ عاصِفٌ وعاصِفةٌ. أي: شديدة الهبوب. وعصفت بهم الريح، تشبيهًا بذلك. أي: ذهبت بهم، وأهلكتهم. ومثل ذلك قولهم: الحرب تعصف بالقوم.
وقوله تعالى:" فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً "(المرسلات:2) يعني الرياح الشديدة القاصفة للشجر وغيره.
فتأمل هذه الألفاظ الثلاثة:( الرماد، والريح المشتدَّة، واليوم العاصف ) التي تتكوَّن منها عناصر الصورة في المشبه به، تجد كل لفظ منها يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى, لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها, ولا الانتفاع به. يضاف إلى ذلك ما ينطوي عليه لفظ الرماد من معنى الاحتراق.
وقوله تعالى:" لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ " تبيينٌ لوجه الشبه، واستحضار للكافرين جميعًا؛ ليشهدوا هذا الموقف، الذي يتعرَّون فيه من كل شيء. فإذا ما قدموا على ربهم يوم القيامة، لا يقدرون على الانتفاع بشيء مما كسبوا في الدنيا من أعمالهم عند حاجتهم إليه. أي: لا يجدون له أثرًا من ثواب، أو تخفيف عذاب؛ كما لا يقدر أحد على الانتفاع بشيء من ذلك الرماد، الذي اشتدت به الريح في اليوم العاصف، وكان جزاؤهم النار؛ كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله:
" أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ "(هود:16)
وقيل: المراد بقوله تعالى" لاَّ يَقْدِرُونَ ": التعميم. أي: لا يقدرون في الدنيا والآخرة على شيء مما كسبوا. ويؤيده ما ورد في الصحيح عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، هل ذلك نافعة؟ قال:” لا ينفعه؛ لأنه لم يقل: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين“.
وقال تعالى في البقرة:" لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا "(البقرة:264)، وقال هنا:
" لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ "

(1/42)


فقدَّم" عَلَى شَيْءٍ " في الأول، وأخرَّه في الثاني، لأهمية كل منهما في آيته؛ وذلك ظاهر لمن له أدنى بصيرة.
وقال تعالى:" مِمَّا كَسَبُوا "، فعبَّر عن العمل بالكسب؛ لأن كسب الرجل هو عمله، وعمله هو كسبه. روي أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم:" أي الكسب أطيب؟ فقال: عمل الرجل بيده "، فعبر عن كسب الرجل بعمله.
والكسب- كما قال الراغب في مفردات القرآن- هو ما يتحرَّاه الإنسان، ممَّا فيه اجتلاب نفع، وتحصيل حظٍّ؛ كاكتساب المال. وقد يستعمل فيما يظنُّ الإنسان أنه يجلب منفعة، ثم استُجلِب به مضرَّة.
أما قوله تعالى:" ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ "فهو إشارة إلى ضلالهم. أي: ما دل عليه التمثيل دلالة واضحة، من ضلالهم، مع حسبانهم أنهم على شيء، هو الضلال البعيد عن طريق الحق والصواب. وهو تعقيب يتفق ظله مع ظل الرماد المتطاير في يوم عاصف إلى بعيد؛ حيث يستحيل العثور على شيء منه !!
وفي وصف الضلال بالبعيد إشارة إلى كفرهم؛ وهو كقوله تعالى في الآية الثانية والثالثة من سورة إبراهيم:
" وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ "(إبراهيم:2-3)
والضلال هوالعدول عن الطريق المستقيم، والمنهج القويم؛ عمدًا كان، أوسهوًا. قليلاً كان، أو كثيرًا، ويضادُّه الهدى. فإذا كان عن عمد وقصد- وإن كان قليلاً- فهو كفر، وحينئذ يوصف بالبعيد.. تأمل ذلك في القرآن، تجده على ما ذكرنا، إن شاء الله!
محمد إسماعيل عتوك
=============
معجزة الترتيل في بيان المعاني والأحكام
إعداد المهندس محمد شملول
مهندس مدني وكاتب إسلامي مصري
القرآن الكريم كتاب الله المعجز يجب أن يقرأ بالوجه المخصوص الذي أنزله الله به.
قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 18]
وقال تعالى: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزّمِّل: 4]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل).
لذا فإنه يجب علينا أن نقرأ القرآن كما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكما قرأه الرسول عليه الصلاة والسلام على أصحابه بتؤدة واطمئنان وتأن وترسل مع إعطاء الحروف حقها من المخارج والصفات. ومستحقها من المد والغنّة والإظهار والإدغام والإخفاء والتفخيم والترقيق وتجويد الحروف ومعرفة الوقف والابتداء ..الخ.
وفي هذه الدراسة الموجزة يتبين لنا أن قراءة القرآن الكريم وتلاوته طبقاً لما أنزل وحسب أحكام التلاوة تظهر لنا المعاني الحقيقية للنص القرآني بآفاقها الواسعة.. بل إننا يمكن لنا أن نستنتج منها أحكاماً في قضايا معينة.
إن هذا الموضوع يجب أن يهتم به أهل الفكر الإسلامي في كل بقاع الدنيا لأنه يحتاج إلى دراسات وأبحاث مستفيضة..
إنه وجه عظيم من أوجه معجزات القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه.. لا يمكن لفرد أو لأفراد أن يحيطوا بعلمه...
ولكن يجب عليهم المحاولة والتدبر والتفقه.
إن هذه الدراسة الموجزة تعتبر مقدمة أو مدخلاً لهذا الموضوع المذهل وهو بيان معاني وأحكام القرآن الكريم من خلال أحكام التلاوة.
1- أمثلة في بيان المعنى من خلال مد بعض الحروف
إن المد في القراءة لبعض أحرف الكلمة القرآنية يعتبر ظاهرة من ظواهر زيادة أحرفها، وكما سبق أن ذكرنا في هذه الدراسة أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى .. لذا فإن ظاهرة المد لبعض حروف كلمات القرآن مدّاً زائداً على المد الأصلي الطبيعي حين التلاوة يدل على تفخيم هذه الكلمة وزيادة معناها ..
ونستعرض فيما يلي أمثلة من الكلمات القرآنية التي يجب مدّ بعض حروفها مداً زائداً لنعرف أن هذا المدّ لم يأت عبثاً، وإنما جاء لبيان أهمية هذه الكلمة وأنها تدل على شيء مخصوص وغير عادي .
ومثل هذه الكلمات كثيرة جداً في القرآن الكريم إنما سنذكر بعضها حسب الآتي إنما سنذكر بعضها حسب الآتي:
الطامة: { فَإِذَا جَاءَتِ الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى } [النازعات: 34].
السماء: { وَالسَّمَآءَ بِنَاءً } [البقرة: 22].
جان: { فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ } [الرحمن: 39].
الطائفين: { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } [البقرة: 125].
حينما تنظر إلى هذه الكلمات نجد أن كل منها يدل على لشيء عظيم غير عادي . لذا جاء المد ليزيد المعنى .. وحينما نقارن المدّ في كلمة (الطآمة) بعدم وجوده في كلمة قرآنية أخرى قريبة في المعنى وهي (القارعة) نجد أن عدم وجود المد في القارعة مطلوب بشدة لتحقيق معناها وهو أنها (تقرع) آذان الناس وهو شيء لا يسلتزم زمناً فهو لحظي ليدل على الفجاءة .. ولا يحتاج مدّاً أو مدة ..
كذلك فإننا حينما نتدبر سورة (الكافرون)..

(1/43)


نجد أنه حينما يذكر القرآن (ما تعبدون) و(ما عبدتم) فإنه لا يوجد مدّ على كلمة (ما) للدلالة على تحقير ما يعبدون غير أنه حين يذكر (ما أعبد) وقد جاءت مرتين نجد أنه يوجد مدّ على كلمة (ما) لتدل على عظمة ورفعة ما يعبده الرسول صلى الله عليه وسلم ...
حينما نرجع إلى أحكام التلاوة في المد نجد أن المد قد جاء لأن الحرف الذي تلا المد هو (الهمزة) ..
وهذا الحكم يوضح إعجاز القرآن في اختيار الحروف التي تبدأ بها الكلمات القرآنية لتبين المعنى على أكمل وجه .. كذلك فإننا حينما نتكلم عن المد الجائز المنفصل (مد الصلة الطويلة) وهو المد المتولد من هاء الضمير المكسورة أو المضمومة الواقعة بين متحركين ثانيهما همز نذكر المثالين الآتيين:
- { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } [البقرة: 131].
وجاء مد الصلاة الطويلة ليدل على عظمة الرب سبحانه .
- { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } [الأنعام: 91].
جاء مد الصلة الطويلة ليدل على عظمة قدر الله سبحانه .
وبالنسبة للمد اللازم المثقل (لوجود التشديد بعد حرف المد) نذكر المثال الآتي:
- { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } [الفاتحة: 7].
نجد أن كلمة (الضالين) ممدودة مداً لازماً مثقلاً مقداره ست حركات .. على عكس كلمة (المغضوب عليهم) بدون مد ..
ويدل مدّ كلمة (الضالين) على كثيرة هؤلاء الضالين ووفرتهم وهم (النصارى) وذلك بالمقارنة (بالمغضوب عليهم) وهم اليهود حيث جاءت بدون مد لتدل قلة عددهم..
الاستثناء في مد صلة (الهاء) لضمير المفرد الغائب
ورد في مصحف المدينة النبوية في اصطلاحات الضبط ما يلي: (والقاعدة أن حفصاً عن عاصم يصل كل هاء ضمير للمفرد الغائب بواو لفظية إذا كانت مضمومة .. وياء لفظية إذا كانت مكسورة بشرط أن يتحرك ما قبل هذه الهاء وما بعدها). وقد استثنى من ذلك ما يأتي:
(1) الهاء من لفظ (يرضه) في سورة الزمر فإن حفصاً ضمها بدون صلة .
(2) الهاء من لفظ (أرجه) في سورتي الأعراف والشعراء فإنه سكّنها .
(3) الهاء من لفظ (فألقه) في سورة النمل فإنه سكنها أيضاً .
وحينما نتدبر سبب هذا الاستثناء يتجلى ذلك حين نرجع إلى الآيات الكريمة التي وردت فيها هذه الألفاظ حسب الآتي:
- كلمة (يرضه) وردت في الآية 7 من سورة الزمر: { وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ } [الزمر: 7] ولم ترد هنا الصلة حتى توحي بفورية رضا الله عن شكر عباده .
- كلمة (أرجه) وردت في الآية 11 من سورة الأعراف والآية رقم 36 من سورة الشعراء عن موسى وهارون عليهما السلام { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } ولم ترد هنا الصلة حتى توحي بتقليل شأنهما عليهما السلام في نظر ملأ فرعون حيث كانوا يعتبرونهما ساحرين .
- كلمة (فألقه) وردت في الآية 28 من سورة النمل { اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ } [النمل: 28] ولم ترد هنا الصلة لتوحي بتقليل شأن قوم سبأ في نظر سليمان عليه السلام وكذلك بطلب سرعة إلقاء الكتاب .
ومن خلال ما سبق تتبين لنا الحكمة في الاستثناء في مد صلة (الهاء) لضمير المفرد الغائب في بعض الآيات القرآنية لتوضح المعنى المراد أجمل وأدق توضيح وبيان .. وأن ترتيل القرآن كما أنزل له فائدة كبرى في توضيح المعاني وإبرازها بجلاء .
2- أمثلة في بيان المعنى من خلال صفات الحروف:
من المعروف في أحكام التلاوة أن لكل حرف مخرجاً يخرج منه وكيفية تميزه في المخرج وهذه الكيفية في صفة الحرف ...
وسنعرض في هذا الموضوع لأمثلة من إعجاز القرآن في مسألة التلاوة والتي تساعد في توضيح المعاني المقصودة ...
حروف الاستعلاء:
حرف (س) ليس من حروف الاستعلاء ..
وحرف (ص) من حروف الاستعلاء في الارتفاع ..
وحينما نتلو الآيتين الكريمتين التاليتين:
- {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} [صـ : 9].
- { لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } [الغاشية: 22].
إن كلمة (مصيطر) وكذلك كلمة (المصيطرون) في الأصل تكتب بحروف (س) أي (مسيطر)، (المسيطرون) ولكن حيث أن حرف (س) ليس من حروف الاستعلاء .. فإنه لن يؤدي المعنى المراد وهو التحكم والسيطرة والقوة والاستعلاء.. لذا جاءت تلاوة القرآن لهذه الكلمة باستخدام حرف (ص) وهو حرف من حروف الاستعلاء .. وذلك ليؤكد المعنى وتكون التلاوة موضحة أعظم توضيح للمعنى المراد ...
- حروف القلقة وحرف الامتداد:
القلقة تعني التحريك أي: إبراز صوت زائد للحرف بعد ضغطه .. ما يجعل اللسان يتقلقل بها عند النطق .. وحروف القلقة خمسة هي (ق، ط، ب، ج، د) .
أما حرف الامتداد فهو حرف واحد هو (ض) ويعني الامتداد هو امتداد الصوت من أول اللسان إلى آخره.. ويعني الامتداد أيضاً (القبض) على الحرف حتى لا يتحرك أو يتقلقل .. في حالة السكون .

(1/44)


وحينما نقرأ الآيات التي وردت بها حروف قلقلة خاصة القلقلة الكبرى وهي حالة إذا ما سكنت حروف القلقلة آخر الكلمة نجد أن هذه القلقلة تعطي معنى واسعاً للكلمة تعتبر كأنها زادت حروفها حرفاً وزيادة مبنى الكلمة وحي بزيادة معناها .. ونضرب فيما يلي أمثلة في هذا المجال:
- قال تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } [العلق: 1-2] .
وقلقلة (ق) في كلمة (خلق) تعطي معنى واسعاً لخلق الله حيث أنه لا يوجد حدود للخلق .. كذلك كلمة (علق) فهي توحي بالأعداد الكبيرة العالقة من مَنْيِ الذكر ..
كذلك حينما ترد الكلمات القرآنية (أولو الألباب – العذاب – الحق – الأسباط – الأحزاب – أزواج – الميعاد .... الخ) فإن هذا يزيد في معنى هذه الكلمات ويحفزنا على إعطاء الآيات الواردة بها مزيداً من العناية والتدبر ..
أما بخصوص حرف (ض) في حالة سكونه فإنه يجب الإمساك به بقوة حتى لا يتقلقل أثناء التلاوة .. ومثال ذلك:
- قال تعالى: { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } [الفرقان: 46].
ويدل سكون حرف (ض) وعدم قلقلته على تأكيد معنى كلمة (القبض) التي ورد بها هذا الحرف .. وعدم إمكانية تحريك هذا القبض أو زحزحته ...
حروف التفخيم والترقيق:
تفخيم بعض الحروف أثناء التلاوة يزيد في توضيح معاني الكلمات القرآنية والآيات الواردة بها ..
كذلك فإن ترقيق الحروف الأخرى يساعد أيضاً في بيان المعاني المقصودة .. ويأتي ذلك حسب الحالة .. وحروف التفخيم هي نفسها حروف الاستعلاء (خ، ص، ض، غ، ط، ق، ظ).
وكذلك حرف (ر) في بعض الأحوال حسب التفاصيل الواردة في أحكام التلاوة ..
كذلك فإن (لام) لفظ الجلالة (الله) تفخم إذا سبقتها حروف بفتح أو ضم .. (مثل قل هو الله أحد) .. يفعل الله ما يشاء ..
وترقق اللام في لفظ الجلالة إذا سبقتها حروف بكسر مثل (بسم الله بالحمد لله) أما باقي الحروف فتأتي في حالة ترقيق ..
وأعتقد أن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسات واسعة في أصول الحروف والكلمات المتكونة منها .. وأرجو أن يكون هناك متسع لاستكمال هذه الدراسة ..
أمثلة في بيان المعنى من خلال إدغام المتماثلين والمتجانسين والمتقاربين:
إدغام المتماثلين: هو أن يتحد الحرفان مخرجاً وصفة .
إدغام المتجانسين: هو أن يتفق الحرفان مخرجاً ويختلفان صفة .
إدغام المتقاربين: هو أن يتقارب الحرفان مخرجاً ويختلفان صفة .
كما سبق أن ذكرنا فإن الإدغام الكامل بدون غنّة يدل على التصاق الكلمتين التصاقاً كاملاً مما يوحي بقطعية الأمر وعدم وجود أي فاصل أو مسافة زمنية وكذلك يدل على العجلة الفائقة .
ونضرب فيما يلي أمثلة لكل نوع من أنواع هذا الإدغام لنتبين المعنى الذي أضافه وبينه:
أ- إدغام المتماثلين:
- قال تعالى: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } [النساء: 78].
حين تلاوة كلمة (يدرككم) نجد أن الكاف الساكنة الأولى قد أدغمت في الكاف الثانية فأصبحت حرفاً واحداً مشدداً وأصبحت تقرأ (يدركَم) والإدغام يوحي بنقص أحرف الكلمة مما يدل على سرعة الموت في إدراك من قضى عليه الموت...
- قال تعالى: { اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ } [النمل: 28].
إدغام حرفي (الباء) يدل على السرعة التي طلب بها سليمان عليه السلام من الهدهد أن يطير بها إلى ملكة سبأ والذي يؤكد ذلك أن الآية رقم 29 التي تلت هذه الآية: { قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } [النمل: 29]. أي: أنه لم يظهر هناك أي زمن بين أمر سليمان للهدهد واستلام الملكة للكتاب ..
ب- إدغام المتجانسين:
وذلك للحروف (ت، د، ط) وللحروف (ت، ذ، ظ) وللحروف (ب، م) .
- قال تعالى: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } [البقرة: 256].
إدغام (الدال) في (التاء) يدل على قطعية بيان الرشد .
- قال تعالى: { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } [يونس: 89].
إدغام (التاء) في (الدال) يدل على سرعة استجابة الله لدعوة موسى وهارون على فرعون وملئه بالا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ..
ج- إدغام المتقاربين:
وذلك للحروف (ل، ر) وللحروف (ق، ك)
- قال تعالى: { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [طه: 114].
إدغام اللام الساكنة في الراء المتحركة وينطق بهما راء مشددة .. ويأتي هذا الإدغام ليبين ضرورة التعجيل في دعاء الله بزيادة العلم وإبراز قيمة العلم ..
قال تعالى: { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } [النساء: 158].
إدغام اللام الساكنة في الراء المتحركة .. ويدل هذا الإدغام على سرعة رفع الله لعيسى عليه السلام وإنقاذه من اليهود والحاكم الروماني ..
د- الإشمام
الإشمام في التلاوة هو ضم الشفتين كمن يريد النطق (بضمة) ولكنه في الحقيقة ينطقها (فتحة) .

(1/45)


وقد جاء هذا الحكم في تلاوة قوله تعالى: { قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } [يوسف: 11]. وقراءة الميم قبيل النون المشددة في كلمة (تأمنا) هي ما يسمى بالإشمام ..
وحين نقرأ الميم في هذه الكلمة بالفتحة وشفتانا مضمومتان فينتج عن ذلك نطق يدل على التردد وعدم الثقة في إجابة الطلب .. وهو بالفعل ما كان عليه إخوة يوسف حينما طلبوا من أبيهم أن يرسله معهم لأنهم كانوا يكيدون لأخيهم وكانوا في ريبهم يترددون .. لذا كان هذا الحكم في التلاوة ليوضح المعنى أصدق توضيح ..
باقي الأحكام التلاوة:
إن هذا الموضوع يحتاج مزيداً من البحث والتدبر وفي هذا متسع لجميع الباحثين والذين أرجو الله أن يوفقهم للتفقه في علوم القرآن الكريم الذي لا ينضب معينه.
أرجو أن يوفقني الله لمزيد من الدراسة إنه على كل شيء قدير.
==============
مثل الحياة الدنيا ج2
ج" وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا"(الكهف:45).
هذا مثل آخر للحياة الدنيا ضربه الله تعالى لعباده، شبه فيه مثلها، في نضارته وبهائه، وجماله وحلاوته، بنبات الأرض، يكون أخضر وارفًا زاهيًا نضرًا، ثم بعد ذلك، يصبح هشيمًا جافًا، تحمله الرياح، لخفته ولطافته، وتفرقه في كل جهة من جهات هبوبها.. كذلك الحياة الدنيا، كنبات هذه الأرض.. وهكذا الأمور بعد زوالها؛ كأنها لم تكن!
ومناسبة هذا المثل لما قبله أن الله تعالى، لما ضرب في الآيات السابقة لهذه الآية الكريمة مثل الكافر والمؤمن، وبين فيه حالهما، وما آل إليه ما افتخر به الكافر من الهلاك، أتبعه سبحانه وتعالى بضرب هذا المثل.
فقوله تعالى:" مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " مشبه، وهو معنى معقول موجود في الذهن، وقوله تعالى:" مَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ " مُشبَّه به، وهو معنى محسوس موجود خارج الذهن، وقد اجتمع المعنيان في الزينة والبهجة، ثم الهلاك والزوال.
هذه هي الحياة الدنيا، التي اغترَّ بها المغترون، وتهالك عليها المتهالكون. وهذا هو مَثَلها. ومثلها- على ما تقدم في المثل السابق- هو متاعها المماثل لها في تمام أحوالها وصفاتها. ولإفادة هذا المعنى جيء- هنا- بلفظ المثل في طرف المشبه، دون المشبه به. وقيل: إن هذا المثل مختصر من المثل السابق؛ وهو قوله تعالى:
" إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "( يونس: 24 ) (1)
والغرض منهما: تنبيهُ العباد إلى أن كل ما في الحياة الدنيا من نعيم- كثُرَ، أو قلَّ- فمصيره إلى فَناء وزوال؛ كما أن نبات الأرض مآله إلى هلاك وبوار. وفي ضمن ذلك التحذيرُ من الاغترار بنعيم الدنيا، وزينتها؛ لأنه متاع ٌ فانٍ، وكلُّ فانٍ حقير، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالى محذرًا:
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ "(فاطر:5).
وقد بينت في المثل السابق سر الإعجاز في تقديم الماء على النبات في قوله تعالى:
" كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ "
إذ من حق كاف التشبيه أن تدخل على المشبه به، وهو النبات، لا الماء، كما بينت سر الإعجاز في مجيء هذه العبارة الموجزة، على هذا النظم البديع، الذي جعل نبات الأرض هو الذي يختلط بالماء، فينمو ويحسُن، ويعلوه الزهر والنور والنضرة.. وذكرت أن المراد بنبات الأرض هو حَبُّها، الذي بُذِر فيها قبل أن يكون نباتًا، وأن معنى الباء في قوله تعالى:" فَاخْتَلَطَ بِهِ " الإلصاق والاختلاط.
وعلى الرَّغم من هذا التطابق، الذي نشاهده بين المَثلين فإن ثمَّةَ فروق ظاهرة بينهما، لا بدَّ من الإشارة إليها، والكشف عن أسرار الإعجاز فيها:
1- وأول هذه الفروق: أن ما ذكِر في المثل الأول من مراحل حياة النبات، قد طُويَ أكثره في هذا المثل، ولم يذكَر من ذلك سوى: اختلاط النبات بالماء المنزل من السماء، ثم انتهاؤه إلى أن أصبح هشيمًا، تذروه الرياح.
وسبب ذلك أن الله تعالى، لما أراد أن يزهِّد عباده في متاع الحياة الدنيا ونعيمها، ويرغبَّهم في الآخرة، أخبرهم أن بغيهم على أنفسهم باطل، لا بقاء له، وأن مرجعهم في النهاية إليه سبحانه، فينبئهم بما كانوا يعملون في هذه الحياة الدنيا الفانية؛ وذلك قوله تعالى:

(1/46)


" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "(يونس:23)
وفي ذلك من التحذير، والوعيد بالعذاب ما فيه! ثم أتبع سبحانه وتعالى ذلك التحذير والوعيد بضرب المثل لهم، فقال جلَّ شأنه:
" إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "(يونس:24)
فالمقام- في هذا المثل - مقام تبيين وتفصيل؛ ولهذا اهتمَّ سبحانه وتعالى فيه بشرح الخطوات، التي تخطوها الحياة الدنيا في طريق النهاية، فتابع مراحل نزول الماء من السماء، ولم يدع حالة من حالاته إلا نصَّ عليها.. فالماء ينزل من السماء، فيختلط به نبات الأرض، ويظهر أثر هذا الاختلاط فيما يكتسبه من حسن واخضرار وازدهار، حتى إذا استكملت به الأرض حسنها، ولبست بألوانه المتنوعة، وأشكاله المختلفة أبهى حُلَلِها، وأجمل حِليِّها، واطمأنَّ إليه أهلها؛ لسلامته من الآفات، وبلوغه مرحلة القطاف والحصاد، أتاه أمر الله تعالى بغتة، فجعله حصيدًا؛ كأن لم يَغنَ بالأمس.
ولما أراد الله تعالى أن يصور سرعة انقلاب الحياة الدنيا على أصحابها، وإدبارها عنهم بعد إقبالها عليهم، ضرب لهم المثل، الذي يصور فناء الدنيا، وسرعة تقضيها، بما يشاهدونه في حياتهم من سرعة ذبول النبات وجفافه، ثم هلاكه بعد زهائه واخضراره، فقال سبحانه:
" وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا "
(الكهف:45).
فكان المقام- هنا- مقام تصوير لحال الدنيا في سرعة إقبالها، وإدبارها اقتضاه سياق الآيات، وهو أشبه بحال الصاحب الكافر، الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله:
" وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا "(الكهف:35-36)
فهذا الكافر المعجَب بما أوتي من نعيم الدنيا، المفتخِر به، يقسِم لصاحبه، إن رُدَّ إلى ربه- على سبيل الفرض والتقدير- ليَجدَنًّ في الآخرة خيرًا من جنته.. وهكذا أصابه الغرور في مقتله، فأصبح، لمَّا أحيط بثمره..
" يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا "(الكهف:42).
هذا الانقلاب السريع، من حال إلى حال بهذه السرعة، لا يناسبه إلا بناءُ التشبيه- في هذا المثل، الذي أعقبه- على طيِّ مراحل نمو النبات وزهائه واخضراره؛ ولهذا قال سبحانه:
" فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ "
فأتى بالفاء العاطفة، التي تشعِر بهلاك النبات وانتهائه إلى تلك الصفة؛ وهي كونه هشيمًا، تذروه الرياح.
2- وثاني الفروق بين المثلين: أن الله تعالى قال في هذا المثل:
" فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ "
فقيَّد الخبر بـ" أَصْبَحَ "؛ ليدلَّ به على سرعة هلاك النبات، وتحوله من حالة جيدة، كان عليها في المساء إلى حالة سيئة، أصبح عليها القوم في الصباح،" فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ "(الصافات: 177).
وقال تعالى هنا:" فَأَصْبَحَ هَشِيمًا "، فعبَّر عن هلاك النبات بالهشيم؛ لأنه من الهَشْم. والهَشْمُ هو كسْرُ الشيء الرَّخْوِ وتفتيته، ويختصُّ بما هو رَطبٌ، ثم يصير يابسًا؛ كالنبات، والخبز، وغيرهما. والعرب تسمِّي كل شيء كان رطبًا، فيبس: هشيمًا. والهشيم أيضًا هو الرجل الضعيف.
وأصل الهشيم: النبت إذا جفًّ ويبس، فأذرته الريح؛ وذلك للطفه وخفته، وتلك هي حال الذرِّ؛ ولهذا قال سبحانه:" تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ "، فعبَّر عن هذا المعنى بـ" تَذْرُوهُ "، لما في ذرا، يذرو من معنى الارتفاع، والسرعة. يقال: ذرا فلان يذرو: ارتفع، ومرَّ مرًّا سريعًا، ومنه سُمِّيت الرياح بالذاريات. قال تعالى:
" وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا "(الذاريات : 1)
وإنما سميت بذلك؛ لأنها تحمل التراب، أو الهشيم عاليًا، وتفرقه بسرعة في كل جهة؛ بحيث يستحيل إعادته كما كان.
وفي حديث علي كرَّم الله وجهه:" يذرو الرواية ذَرْوَ الريحِ الهشيمَ ". أي: يسرد الرواية؛ كما تنسف الريح هشيم النبت.. وقال الخليل معلِّلاً لتسمية بني آدم ذرية:" إنما سُمُّوا: ذريَّة؛ لأن الله تعالى ذراها على الأرض؛ كما ذرأ الزارع البَذْرَ ".
أما في المثل السابق فقال تعالى:
" فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا "

(1/47)


فقيَّد الخبر بقوله:" جَعَلْنَاهَا "؛ لأن جعل لفظ عام في الأفعال كلها؛ فهو أعمُّ من فعل، و صنع، وسائر أخواتها. ومن تصرُّفه في الاستعمال اللغوي أنه يجري مَجرى:( أوجد )، في تصيير الشيء على حالة، دون حالة، كما هنا، وكما في قوله تعالى:
" وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ "(النحل:81)
وعبَّر سبحانه وتعالى عن هلاك النبات وزواله بالحصيد؛ لأنه من الحصد. والحصد هو قطع الزرع . والحصيد: فعيل من الحصاد؛ وهو قطع الزرع في إبَّانه، وقد أفاد- هنا- قطع النبات واستئصاله في غير إبَّانه على سبيل الإفساد. ومنه استعير: حصدَهم السيفُ. وقد جعل الله تعالى هلاك المهلكين من الأمم الطاغية حصادًا لهم، فقال:" مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ "(هود:100).
3- وثالث الفروق بين المثلين أن هذا المثل ختم بقوله تعالى:
" وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا "
فعبَّر سبحانه عن مطلق قدرته، وكمالها بأنه مقتدرٌ على كل شيء من الأشياء، التي من جملتها الإنشاء، والإفناء، وإفقار الغنيِّ المتعالِي، وإغناء الفقير المتعالَى عليه، وغير ذلك. وفي هذا ما فيه من إحلال للأمل محل الألم في نفوس الفقراء المؤمنين، فضلاً عمَّا فيه من تهديد لأولئك المتعالين المتكبرين!
أما المثل السابق فقد ختم بقوله تعالى:" كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "
لأن السِّيَاق سياق تفصيل، ورسم لخطوات الحياة الدنيا، التي تخطوها في طريق النهاية؛ بحيث لا يدع مجالا للتشكُّك في صحة ما فُصِّل وصوابه، فلا يعدم من كانت له القدرة على التفكُّر والتدبُّر من الانتفاع بهذا التفصيل، فضلاً عمَّا في هذا الختام من تقريع لأولئك الذين لا يتفكرون بآيات الله تعالى، ولا يتدبرون، فينتفعون!
الأستاذ: محمد إسماعيل عتوك
الباحث
في الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن
(1)- المثل الأول:
http://www.55a.net/firas/arabic/"page=show_det&id=1174
================
كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة
بقلم أ. د. مصطفى مُسلم
ويطلق الأسلوب في اللغة على الطريق الممتد، ويقال للسطر من النخيل أسلوب، والأسلوب الطريق والوجه والمذهب، والأسلوب الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي أفانين منه.
وفي اصطلاح البلاغيين:هو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، أو هو العبارات اللفظية المنسّقة لأداء المعاني.
فالأسلوب القرآني:هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه[1]، ولقد تواضع العلماء قديماً وحديثاً على أن للقرآن أسلوباً خاصاً به مغايراً لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف.
وكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، روى مسلم في صحيحه [2] (أن أُنَيساً أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيتُ رجلاً بمكة على دينك، يزعُمُ أن الله أرسله، قلتُ: فما يقول الناس، قال : يقولون شاعر، كاهن، ساحر ـ وكان أنيس أحد الشعراء ـ قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون).
ولقد أبرز العلماء ميزات للأسلوب القرآني اختص بها من بين سائر الكلام، فمن هذه الميزات:
أولاً: المرونة والمطاوعة في التأويل:
نجد في الأسلوب القرآني مرونة في التأويل ومطاوعة على التقليب بحيث لا يدانيه أسلوب من الأساليب، وهذه المرونة في التأويل لا تحتمل الآراء المتصادمة أو المتناقضة وإنما مرونة تجعله واسع الدلالة سعة المورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريّانة راضية.
فالأسلوب القرآني يشفي قلوب العامة ويكفي الخاصة، فظاهره القريب يهدي الجماهير وسواد الناس ويملأ فراغ نفوسهم بالترغيب والترهيب والجمال الأخاذ في تعابيره ومشاهده، وباطنه العميق يشبع نهم الفلاسفة إلى مزيد من الحكمة والفكرة، يحل العقد الكبرى عندهم من مبدأ الكون ومنتهاه ونظامه ودقة صنعه وإبداعه.
وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرناً قد عراها كثير من التغير والتلوين اللفظي والذهني، ومع ذلك فإن القرآن بقي خالداً بأسلوبه المتميّز وبخصائصه الفريدة يتجدّد مع العصور وظل رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن الأسلوب القرآني لم يستغلق فهمه على العرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ولم يكن لهم إلا الفطرة السليمة الذوّاقة للجمال، وفهمه وتفاعل معه من جاء بعد ذلك من أهل العلوم والأفكار، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وقد أثبتت العلوم الحديثة المتطورة كثيراً من حقائقه التي كانت مخفيّة عن السابقين، وفي علم الله ما يكون من بعد.

(1/48)


والمعهود من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه بل كلما كان نصاً في معناه كان أدنى إلى البلاغة، وكيفما قلبته رأيته وجهاً واحداً وصفةً واحدة لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة، وهذه لا تفصح إلا بالمعنى المتعين، وهذا المعنى محصور في غرضه الباعث عليه.
لقد فهم علماء السلف رضوان الله عليهم الآيات الكريمة : (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ {3} بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ)[سورة القيامة:3]،(والأرض بعد ذلك دحاها)[النازعات:30]، غير ما فهمه العلماء المتأخرين بعد تطور العلوم الطبية والفلكية ولم يبعد عن الصواب من قال: (الزمن خير مفسر للقرآن). وما ذاك إلا لأن القرآن كتاب الإنسانية الخالدة الذي لا يستطيع جيل من الأجيال استفراغ ما فيه من كنوز العلوم والحكم والحقائق.
ثانياً: اعتماد الأسلوب القرآني الطريقة التصويرية في التعبير:
من السمات البارزة للأسلوب القرآني هو اعتماده الطريقة التصويرية للتعبير عن المعاني والأفكار التي يريد إيضاحها، وساء كانت معاني ذهنية مجردة، أو قصصاً غابرة، أو مشاهد ليوم القيامة وغيرها من المجالات.
إن الأسلوب القرآني يحمل تاليه إلى أجواء الصور وكأنه ينظر في تفصيلات الصورة المجسّمة أمامه، وكأن المشهد يجري أمامه حيّاً متحرّكاً، ولا شكل أن الفكرة أو المعنى الذي يراد إيضاحه يكون أقرب إلى الفهم وأوضح في الذهن مما لو نقل المعنى مجرّداً من تلك الصور الحية، ويكفي لبيان هذه الميزة أن نتصور هذه المعاني كلها في صورها التجريدية ثم نقارنها بالصورة التي وضعها فيها القرآن الكريم، فمثلاً:
أ معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان: إذا أردنا أن نتصور هذا المعنى مجرّداً في الذهن يمكن أن نقول: إنهم ينفردن أشد النفرة من دعوة الإيمان فيتملّى الذهن وحده معنى النفور في برودة وسكون، ولنمعن النظر في الأسلوب القرآني وهو يصوّر لنا هذا المعنى في هذه الصور الغريبة (فما لهم عن التذكرة معرضون* كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة )[المدثر:49ـ 51].
فتشترك مع الذهن حاسة النظر وملكة الخيال وانفعال السخرية وشعور الجمال: السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الإيمان، والجمال الذي يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاّها الخيال في إطار من الطبيعة تشرد فيه الحمر تيبعها قسورة، فالتعبير هنا يحرك مشاعر القارئ وتنفعل نفسه مع الصورة التي نُقلت إليه وفي ثناياها الاستهزاء بالمعرضين.
لقد شبه الله تعالى فرار الكفار عن تذكرة النبي صلى الله عليه وسلم كفرار حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدُعون إلى الإيمان، أنظر أخي إلى جمالية هذا التشبيه الرائع الذي لا يصدر إلا عن إله عالم بخبايا النفس الإنسانية طبعاً هذا التشبيه له عدة مدلولات منها شدة فرارهم من النبي، وسخرية من سلوكم الغير مبرر
ب ومعنى عجز الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله ! يمكن أن يؤدي في عدة تعبيرات ذهنية مجردّة، كأن، يقول إن ما تعبدون من دون الله لأعجز عن خلق أحقر الأشياء فيصل المعنى إلى الذهن مجرَّداً باهتاً.
ولكن التعبير التصويري يؤديه في هذه الصورة: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)[الحج: 73].
فيشخص هذا المعنى ويبرز في تلك الصور المتحركة المتعاقبة:
(لن يخلقوا ذُباباً)درجة (ولو اجتمعوا له) وهذه أخرى، (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وهذه ثالثة، والاقتران بين الطالب والمطلوب(ضعف الطالب والمطلوب)وهي الرابعة.
إن الضعف المزري الذي يثير في النفس السخرية اللاذعة والاحتقار المهين، ولكن أهذه مبالغة؟ وهل البلاغة فيها هي الغلو؟
كلا فهذه حقيقة واقعة بسيطة. إن هؤلاء الآلهة (لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له).
والذباب صغير حقير ولكن الإعجاز في خلقه هو الإعجاز في خلق الجمل والفيل، إنها معجزة الحياة يستوي فيها الجسيم والهزيل.
فليست المعجزات هي خلق الهائل من الأحياء إنما هي خلق الخلية الحية كالهباء. والصورة الفنية هنا هي الربط بين قدسية الآلهة المزعومة حيث وُضعت في أذهان معتنقيها في أقدس صورة والربط بينها وبين مخلوق حقير. ولم يكتف بهذا الربط بل حشد لهذا المخلوق جموعأً ضخمة فعجزوا عن خلقه، ثم في الصورة التي تنطبع في الذهن من طيرانهم خلف الذباب لاستنقاذ ما يسلبه، وفشلهم مع اتباعهم عن هذا الاستنقاذ.
ت ومعنى انتهاء الكون ثم محاسبة الناس على أعمالهم ودخول المحسنين الجنة والمسيئين النار، ولذة أهل النعيم والترحيب بهم وشقاء أهل العذاب وتبكيتهم: كل ذلك يمكن أن يفهمها الإنسان مجردة وهي حقائق لم تقع بعد. فالتعبير عنها بكلمات مجردة تنقل الفكرة إلى الذهن باهتة.

(1/49)


ولكن التعبير القرآني وضع لنا هذه الحقائق في إطار زاهٍ حافل بالحركة وكأن المرء ـ حين يقرؤها ـ يعيش أجوائها، وتنقبض النفس لمشاهدة الأهوال وتخضع لقوة الجبار وتتشوّق لمرافقة السعداء.
فهذا مشهد يوم القيامة قال تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {67} وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ {68} وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ {69} وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ {70} وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ {71} قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ {72} وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73} وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ {74} وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {75} [سورة الزمر:66ـ75].
إنه مشهد رائع حافل، يبدأ متحركاً ثم يسير وئيداً حتى تهدأ كل حركة ويسكن كل شيء ويخيّم على الساحة جلال الصمت ورهبة الخشوع.
ويبدأ المشهد بالأرض جميعاً في قبضة ذي الجلال، وها هي السماوات جميعاً مطوّيات بيمينه.
إنها صورة يرتجف لها الحسّ ويعجز عن تصويرها الخيال، ثم ها هي ذي الصيحة الأولى تنبعث، فيصعق من يكون باقياً على ظهرها من الأحياء. ولا نعلم كم مضى من الوقت حتى انبعثت الصيحة الثانية (فإذا هم قيام ينظرون). و يغير ضجيج وعجيج، تجتمع الخلائق. فعرض ربك هنا تحف به الملائكة فما يليق الصخب في مثل هذا المقام.
(أشرقت الأرض بنور ربها) أرض الساحة التي يتم فيها الاستعراض، أشرقت بالنور الهادئ (بنور ربها) فإذا هي تكاد تشفّ من الإشراق، (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء)، وطوي كل خصام وجدال في هذا المشهد خاصة (وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ).
فلا حاجة إلى كلمة واحدة تقال ولا إلى صوت واحد يرتفع.
وهكذا تجمل هنا عملية الحساب والجزاء، لأن المقام مقام روعة وجلال.
وإذا تم الحساب وعرف المصير وجّه كل فريق إلى مأواه(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) حتى إذا وصلوا إليها بعيداً هناك استقبلتهم حزنتها بتسجيل استحقاقهم لها وتذكيرهم بما جاء بهم إليها (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) فالموقف موقف إذعان واعتراف وتسليم (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى).
وكذلك وجه الذين اتقوا ربهم إلى الجنة حتى إذا وصلوا هناك استقبلهم خزنتها بالسلام والثناء (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) وارتفعت أصوات أهل الجنة بالحمد والدعاء: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ).
ثم يختم الشريط المصور بما يلقي في النفس روعة ورهبة وجلالاً تتسق مع المشهد كله وتختمه خير ختام(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
ثالثاً: طريقة الأسلوب القرآني المتميزة في المُحاجة والاستدلال:
لقد أورد القرآن الكريم من أفانين القول في سياق محاجّة الكفار وتصحيح زيغ المحرّفين والوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه ما يخرج عن طوق البشر الإحاطة بمثل هذه الأساليب في أوقات متقاربة أو متباعدة، فالنفس الإنسانية لا تستطيع التحول في لحظات عابرة في جميع الاتجاهات بل تتأثر بحالة معينة.

(1/50)


ولا تستطيع التحول عنها إلى اتجاه معاكس إلا ضمن بيئة ملائمة.
أما الأسلوب القرآني فيلاحظ فيه الانتقال في شتى الاتجاهات في لحظات متقاربة متتالية، وأحياناً تكون مترادفة. فمن مشرّع حكيم يقر الدساتير والأنظمة في تؤدة وأناة ورويّة، إلى وعيد وتهديد لمن يرغب عن التشريعات ويريه سوء المصير، إلى غافر يقبل توبة العبد إذا تاب وأناب، إلى معلم يعلم كيفية الالتجاء إلى الخالق سبحانه وتعالى بأدعية لا تخطر على البال، إلى مقر لحقائق الكون الكبرى، ومن مرئيات الناس ومألوفاتهم والتدرج بهم إلى أسرار سنن الله في الكون
لنتأمل قوله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {67} لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {68} فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الأنفال:67 ـ 69].
هاتان الآيتان نزلتا بعد إطلاق أسرى بدر وقبول الفداء منهم . وقد بدأتا بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمتا بإقرارها وتطييب النفوس بها بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها.
فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام ـ لو كان عن النفس مصدره ـ يمكن أن يصدر عنها آخره ولمّا تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب وبين ابتسامة الرضى والاستحسان ؟ إن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضراباً عن الأول ماحياً له ولرجع آخر الفكر وفقاً لما جرى به العمل.
فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر المحمود وتسجيله على ما فيه من تقريع علني وتغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها حلالاً طيبة ؟
إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن ها هنا شخصيتين منفصلتين وان هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أخطأت ولكني عفوت عنك وأذنت لك[3].
ومن الأمور المميزة للأسلوب القرآني طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها وهي ذات حقيقة ضخمة تتناسب والموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه . تامل في قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ {57} أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ {58} أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ {59} نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ {60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ {61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ {62} أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ {64} لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ {65} إِنَّا لَمُغْرَمُونَ {66} بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ {67} أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ {68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ {69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ {70} أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ {71} أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ {72} نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ{73} فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)[الواقعة: 57ـ74].
ومثل هذه الإشارات ترد كثيراً في القرآن الكريم لتجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، يقرر بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير وحياة للأرواح والقلوب ويقظة في المشاعر والحواس.
إن هذه الظواهر هي حقائق ضخمة ولكن الإلف والعادة بلّدت حواس الناس فلا تشعر بدلالاتها.
إن الأنفس من صنع الله، وما حول الناس من ظواهر الكون من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده، وهذا القرآن قرآنه. ومن ثمّ يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم، يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لديهم التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها لأنهم غافلون عن مواضيع الإعجاز فيها.
يمسهم الأسلوب القرآني بهذه اللفتات الاستفهامية المتتالية ليفتح عيونهم على السر الهائل المكنون، سرّ القدرة العظيمة وسرّ الوحدانية المفردة ليثير في فطرتهم الإقرار الأول في عالم الذر .. (ألست بربكم )[الأعراف: 172].
إن طريقة القرآن الكريم في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره إنها المصدر الذي صدر منه الكون، فطريقة بنائه هي طريق بناء الكون من أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال وأضخم الخلائق.
والقرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني، المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان : النسل، الزرع، الماء، النار، الموت.

(1/51)


وأي إنسان علي ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي إنسان مهما كان بدائياً لم يشهد نشأة جنينية ونشأ حياة نباتية ومسقط ماء وموقد نار ولحظة وفاة؟
إن انفراد الأسلوب القرآني بهذه الميزات لهو دليل مصدره الإلهي فما الأسلوب إلا صورة فكرية عن صاحبه.
فالحذّاق من الكتّاب عندما يقرأون قطعة نثرية أو قصيدة شعرية لكاتب ما يدركون بملكتهم الأدبيّة وحسّهم المرهف الحالة النفسية التي كان عليها الكاتب عند الكتابة بل يذهبون إلى أكثر من هذا، إلى ما وراء السطور فيستنبطون كثيراً من أوصافه النفسية والخلقية فيحكمون عليه أنه عاطفي المزاج أو قوي النفس أو صاحب عقل ودراية أو حقود أو منافق أو غير ذلك من الأمور الخاصة.
ولا شكل أن هذا إدراك شيء أعظم وأرقى من العلوم الظاهرة والتي تقف بأصحابها عند جودة الأسلوب ومتانته وقوة السبك ورصانته، فإذا كان الأدباء وأهل البلاغة يدركون هذه الحقائق بعد العلوم الاكتسابية التي تعلّموها ومارسوها فإن العربي الذوّاقة مواطن الجمال في الكلام، لا شك أنه كان من أعرف الناس بما وراء الألفاظ والكلمات وكان يدرك بنظرته السليمة وسليقته الصافية حقيقة الذات التي وراء الأسلوب.
إن العربي الذواقة لجمال القول أدرك أسلوب القرآن المتميز وعرف أن سبب هذا التميز هو أن القرآن من مصدر غير مصادر كلام البشر ومن ذات غير مخلوقة لذا تميز الأسلوب عن أساليب المخلوق، فما دامت قوة الخلق والإبداع من العدم ليس في مقدور البشر بل وكل المخلوقات فلن يستطيع أحد منهم إيجاد أسلوب يشبه أو يقارب الأسلوب القرآني.
ولعل هذا الإدراك هو الذي منع العقلاء وأهل الفصاحة واللسن من سائر العرب من محاكاة القرآن. ومن تعرّض لمحاكاته صار أضحوكة بين الناس لأنه حاول أن يخرج عن طبيعته وذاته ونفسيته إلى محاكاة الذات الإلهية. أورد الإمام ابن كثير في تفسيره قال : (.. سألت الصدّيق بعض أصحاب مسيلمة الكذاب بعد أن رجعوا إلى دين الله أن يقرأوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة.
فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرأوا عليهم شيئاً منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرأوا عليه قوله : (والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً والخابزات خبزاً واللاقمات لقماً إهالة وسمناً، إن قريشاً قوم يعتدون)، وقوله : (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين) إلى غير ذلك من هذياناته، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ويحكم أين كان يذهب بعقولكم ؟ والله إن هذا لم يخرج من إل ـ أي إله)[4]
لقد أدرك الصدّيق رضي الله عنه بحسه المرهف وذوقه السليم النفسية التي خرجت منها العبارات والتراكيب وطريقة صياغتها والصبغة الخاصة بنفسية قائلها، إنها طبيعة بشرية وليست صادرة عن الخالق سبحانه وتعالى.
فإن الفرق بين القرآن العظيم وكلام البشر كالفرق بين الخالق سبحانه وتعالى وبين المخلوق.
المصدر :كتاب مباحث في إعجاز القرآن بقلم أ.د . مصطفى مسلم 143 ـ154
[1] " مناهل العرفان " للزرقاني 2/199
[2] صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة 7/153
[3] انظر هذا وغيره من الأمثلة في كتاب " النبأ العظيم " للدكتور محمد عبد الله دراز ص 19
[4] انظر تفسير ابن كثير 2/411.
==============

(1/52)


من أسرار الإعجاز اللغوي والبياني في سورة القيامة
" لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ "1" وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ "2" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ "3" بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ "4" بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ "5" يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ "6" فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ "7" وَخَسَفَ الْقَمَرُ "8" وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ "9" يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ "10" كَلَّا لَا وَزَرَ "11" إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ "12" يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ "13" بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ "14" وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ "15" لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ "16" إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ "17" فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ "18" ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ "19" كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ "20" وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ "21" وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ "22" إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ "23" وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ "24" تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ "25" كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ "26" وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ "27" وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ "28" وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ "29" إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ "30" فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى "31" وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى "32" ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى "33" أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى "34" ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى "35" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى "36" أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى "37" ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى "38" فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى "39" أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ
عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى "40"
أولاً- سورة القيامة مكية بلا خلاف، وآياتها أربعون، وهي تعالج موضوع البعث والجزاء، الذي هو أحد أركان الإيمان، وتركِّز بوجه خاص على القيامة وأهوالها، والساعة وشدائدها، وعلى حالة الإنسان عند الاحتضار، وما يلقاه الكافر في الآخرة من المصاعب والمتاعب؛ ولذلك سمِّيت:{ سورة القيامة }.
تبدأ السورة الكريمة بالتلويح بالقسم بيوم القيامة، وبالنفس اللوَّامة على أن البعث حقٌّ، لا ريب فيه. ثم تذكر طرفًا من ذلك اليوم المهول، الذي يتحيَّر فيه البصر، ويُخْسَف فيه القمر، ويُجمَع الخلائق والبشر للحساب والجزاء.
وتتحدَّث السورة الكريمة عن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بضبط القرآن الكريم، عند تلاوة جبريل- عليه السلام- فقد كان عليه الصلاة والسلام يجهد نفسه في متابعة جبريل عليه السلام، ويحرِّك لسانه معه؛ ليسرع في حفظ ما يتلوه، فأمره الله تعالى أن يستمع للتلاوة، ولا يحرِّك لسانه به.
وتذكر السورة الكريمة انقسام الناس إلى فريقين: سعداء، وأشقياء. فالسعداء وجوههم مضيئة، تتلألأ بالأنوار، ينظرون إلى الرب جل وعلا.. والأشقياء وجوههم مظلمة قاتمة، يعلوها ذلٌّ وقَتَرَة.
ثم تتحدَّث السورة عن حال المرء عند الاحتضار، حيث تكون الأهوال والشدائد، ويلقى الإنسان من الكرب والضِّيق ما لم يكن في الحسبان. وتختتم بإثبات الحشر والمعاد بالأدلة والبراهين العقلية.
ثانيًا- هذه السورة الكريمة- كغيرها من سور القرآن الكريم- حافلة بأسرار البيان المعجز، الذي أعجز أرباب الفصاحة والبيان. وأول ما يطالعنا من هذه الأسرار البديعة المعجزة:
1-سر دخول " لَا "النافية على الفعل " أُقْسِمُ " في الآية الأولى والثانية:
" لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ "(القيامة: 1- 2)
ويكاد يجمع العلماء- قديمًا وحديثًا- على القول بأن " لَا "هذه زائدة لتوكيد القسم، في حين ذهب بعضهم إلى أنها نافية للقسم، وذهب آخرون إلى أنها نافية لكلام تقدم ذكره، ثم ابتدىء بالقسم، إلى غير ذلك من الأقوال. ومن العلماء المعاصرين، الذين تحدثوا عن الخلاف في " لَا " هذه الدكتور فاضل السامرَّائي، وهو أشهر من أن يعرَّف به، ففي كتابه الغنيِّ عن التعريف { لمسات بيانية في نصوص من التنزيل } تحدث الدكتور فاضل عن لمسات بيانية في سورة { البلد }، وقد سأل السؤال الآتي: ما دلالة ( لا ) في القسم ؟ ثم أجاب بقوله:" أولاً- لم يرد في القرآن كلّه ( أقسم بـ ) أبدًا. كل القسم في القرآن ورد باستخدام ( لا )؛ كقوله تعالى:( لا أقسم بمواقع النجوم ) ، ( ولا أقسم بالخنّس )، ( فلا وربّك لا يؤمنون ).. وهكذا في القرآن كله..

(1/53)


فما هي ( لا ) ؟ اختلف النحاة في دلالة ( لا ): كلام عام من ( لا أقسم ) عمومًا، يقولون:( لا ) زائدة لتوكيد القسم بمعنى:( أقسم )، مثال قولنا: والله لا أفعل، معناها: لا أفعل. ولو قلنا: لا والله لا أفعل، معناها: لا أفعل. لا يختلف المعنى، والقسم دلالة واحدة.. وقسم يقولون: هي للنفي. أي: نفي القسم. والغرض منه أن الأمر لا يحتاج للقسم لوضوحه، فلا داعي للقسم.. وقسم قال: إنها تنفي لغرض الاهتمام؛ كأن تقول: لا أوصيك بفلان، بمعنى: لا أحتاج لأن أوصيك.
وفي السورة { لا أقسم بهذا البلد } تدور ( لا ) في كل هذه الأمور، على أنها توكيد للقسم، بمعنى:{ أقسم بهذا البلد }. إذن الغرض للتوكيد؛ لأن الأمر فيه عناية واهتمام ".
هذا ما قاله فضيلته بنصِّه، وهو مدوَّن في كتاب، وليس جوابًا ارتجاليًّا مباشرًا على الهواء، وهو كلام يحتاج من القارىء إلى كثير من التدبر والتأمل، حتى يستطيع فهمه؛ لأنه أشبه بالألغاز؛ وإلا فكيف يمكن أن يفهم قولهم:( والله لا أفعل، معناها: لا أفعل. ولو قلنا: لا والله لا أفعل، معناها: لا أفعل. لا يختلف المعنى والقسم دلالة واحدة ).
أو كيف يمكن أن يفهم قوله:( وفي السورة { لا أقسم بهذا البلد } تدور ( لا ) في كل هذه الأمور، على أنها توكيد للقسم، بمعنى:{ أقسم بهذا البلد }. إذن الغرض للتوكيد؛ لأن الأمر فيه عناية واهتمام ).
هذا إلى ما فيه من خلط واضح بين نفي القسم، ونفي الحاجة إلى القسم. وبين قوله تعالى:{ لا أقسم }، وقوله تعالى:{ فلا وربك لا يؤمنون }..
وكأن الدكتور فاضل أحس بما في كلامه من اضطراب وخلط، فرجع عنه في حديثه عن { لمسات بيانية في سورة القيامة } إلى القول:" وباختصار كبير نرجح أن هذا التعبير إنما هو لون من ألوان الأساليب في العربية، تخبر صاحبك عن أمر يجهله أو ينكره، وقد يحتاج إلى قسم لتوكيده، لكنك تقول له: لا داعي أن أحلف لك على هذا. أو لا أريد أن أحلف؛ لأن الأمر على هذه الحال، ونحوه مستعمل في الدارجة عندنا نقول: ما أحلف لك أن الأمر كيت وكيت. أو ما أحلف لك بالله- لأن الحلف بالله عظيم- إن الأمر على غير ما تظن، فأنت تخبره بالأمر، وتقول له: لا داعي للحلف بالمعظمات على هذا الأمر.. أو كما ذهبت إليه الدكتورة بنت الشاطئ، وهو أن القصد من ذلك هو التأكيد... "
ومثل هذا الخلط نجده عند الطاهر ابن عاشور، يدل على ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى:" فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ "(الواقعة: 75):" و{ لا أقسم } بمعنى: أقسم، و( لا ) مزيدة للتوكيد. وأصلها: نافية، تدل على أن القائل لا يقدم على القسم بما أقسم به خشية سوء عاقبة الكذب في القسم. وبمعنى أنه غير محتاج إلى القسم؛ لأن الأمر واضح الثبوت. ثم كثر هذا الاستعمال، فصار مرادًا تأكيد الخبر، فساوى القسم، بدليل قوله عقبه:{ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } ".
ثم قوله في سورة البلد:"و{ لا أقسم } صيغة تحقيققِ قَسَم، وأصلها: أنها امتناع من القسَم امتناع تحرُّج من أن يحلف بالمُقْسممِ به خشية الحنث، فشاع استعمال ذلك في كل قسم يراد تحقيقه، واعتبر حرف( لا ) كالمزيد كما تقدم عند قوله تعالى:{ فلا أقسم بمواقع النجوم }(الواقعة: 75) ".
لاحظوا قوله:" و{ لا أقسم } بمعنى: أقسم، و( لا ) مزيدة للتوكيد ".
ثم تأملوا قوله:" وأصلها: نافية، تدل على أن القائل لا يقدم على القسم بما أقسم به خشية سوء عاقبة الكذب في القسم "، وقوله:" وأصلها: أنها امتناع من القسَم امتناع تحرُّج من أن يحلف بالمُقْسمِ به خشية الحنث "،وتذكروا أن المقسم- هنا- هو الله عز وجل !
والله جل شأنه عندما يقول:" لَا أُقْسِمُ بِكَذَا " فهذا لا يعني إلا شيئًا واحدًا فقط، وهو أنه تعالى ليس بحاجة إلى أن يقسم بشيء من مخلوقاته- مهما عظم ذلك الشيء- على أن المقسَم عليه حقٌّ، لا ريب فيه ! لأن كونه حقًّا لا يحتاج إلى يمين يؤكد حقِّيَّتَه وثبوته؛ كالبعث والنشور في هذه السورة الكريمة. والفرق واضح كل الوضوح بين أن نقول:{ أقسمُ بيوم القيامة على أن البعث حق }، وبين أن نقول:{ لا أقسمُ بيوم القيامة على أن البعث حق }. فالأول يجعل من البعث أمرًا مشكوكًا في حقِّيَّته وثبوته عند المخاطب، بخلاف الثاني.
وإذا علمنا الفرق بين الجملتين أدركنا سرَّ دخول " لَا "النافية على فعل القسم في هذه السورة، وفي غيرها من السور، التي يكون فيها ضمير الفعل عائدًا على الله جل وعلا، ويكون المقسَم عليه من الأمور اليقينيَّة الثابتة.
ومن هنا يمكننا القول بأن " لَا أُقْسِمُ "في القرآن، ليس بقسم مباشر، ولا هو نفي للقسم أو نفي لغيره؛ بل هو تلويح بالقسم، وعدول عنه لعدم الحاجة إليه. وهذا التلويح بالقسم مع العدول عنه- كما قال سيد قطب رحمه الله- أوقع في الحس والنفس من القسم المباشر، وهو أسلوب، ذو تأثير في تقرير الحقيقة، التي لا تحتاج إلى القسم؛ لأنها ثابتة واضحة.. وهذا هو سر البيان في هذا التركيب القرآني، الذي ما زال الناس في تفسيره يتخبطون !

(1/54)


وأما الفرق بين " لَا "في قوله تعالى:" لَا أُقْسِمُ بِكَذَا "، وبينها في قوله تعالى:" فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ "(النساء: 65) فيبينه أن الأولى موصولة بالقسم، وأن الثانية منفصلة عنه، والدليل على ذلك دخول الواو بينهما.
وأما الفرق بين نفي القسم، ونفي الحاجة إلى القسم، فقد أجابت عنه الدكتورة بنت الشاطىء بقولها:”وفرق بعيد أقصى البعد بين أن تكون"لَا "لنفي القسم- كما قال بعضهم- وبين أن تكون لنفي الحاجة إلى القسم؛ كما يهدي إليه البيان القرآني.. ومن نفي الحاجة إلى القسم يأتي التأكيد، والتقرير؛ لأنه يجعل المقام في غنًى بالثقة واليقين عن الإقسام. والسر البياني لهذا الأسلوب يعتمد في قوة اللفت- على ما يبدو- بين النفي، والقسم من مفارقة مثيرة لأقصى الانتباه، وما زلنا بسليقتنا اللغوية نؤكد الثقة بنفي الحاجة معها إلى القسم، فنقول لمن نثق فيه: لا تقسم. أو: من غير يمين، مقررين بذلك أنه موضع ثقتنا، فليس بحاجة إلى أن يقسم لنا “.
وأما القول بأن{ لا أقسم } بمعنى:{ أقسم }، بدليل قوله تعالى:" وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ "(الواقعة: 76 )فقد أجاب عنه الأستاذ محمد إسماعيل عتوك في مقاله{ دخول{ لا } النافية على فعل القسم}، والموجود على هذا الرابط:
http://www.55a.net/firas/arabic/"page=show_det&id=1294&select_page=9
وفيه من البيان والتوضيح في تفسير هذا التركيب القرآني ما يكفي.
2- والسر الثاني من أسرار هذه السورة الكريمة سرُّ نفي الفعل" نَجْمَع " بـ" لََنْ "، وتخيصه بـ{ العظام }، في قوله تعالى:
" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ "(القيامة: 3)
ولمَّا عُدِلَ عن القسم المباشر بيوم القيامة والنفس اللوَّامة اكتفاء بالتلويح به، عُدِلَ عن ذكر المقسَم عليه، وكان ظاهر الكلام يقتضي أن يقال:
" لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ "، " لَتُبْعَثُنَّ "
ولكن عُدِلَ عن هذا للعلة السابقة، وجيء به في صورة أخرى؛ كأنها ابتداء لحديث، بعد التنبيه إليه، بهذا المطلع، الذي يوقظ الحس والمشاعر:
" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ "(القيامة: 3)
وقد كانت المشكلة الشعورية عند المشركين هي صعوبة تصورهم لجمع العظام البالية، الذاهبة في التراب، المتفرقة في الثرى، لإعادة بعث الإنسان حيًّا! وهي مشكلة لا تزال كذلك عالقة في بعض النفوس الضعيفة والمريضة إلى يومنا هذا ! وقد تردد ذكرها في القرآن كثيرًا على ألسنة المشركين، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عنهم:
" وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ " *" أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ "(الواقعة: 47- 48)
والقرآن الكريم يردُّ عليهم، فيقول سبحانه:
" قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ " * " لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ "(الواقعة: 49- 50)
ونحو ذلك قوله تعالى:
" وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ "(يس:78)
ويأتي الرد من الله تعالى:
" قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ "(يس: 79)
ومثل ذلك قوله تعالى هنا:
" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ "(القيامة: 3)
فجاءت الآية على جهة التوبيخ لهم، في اعتقادهم أن الله تعالى لا يجمع عظامهم، فردَّ عليهم تعالى بقوله مؤكدًّا وقوعه:
" بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ "(القيامة: 4)
والمعنى: أيحسب الإنسان بعد أن خلقناه من عدم أن لن نجمع ما بلى وتفرق من عظامه ؟ بلى ! إننا لقادرون على أن نسوِّيَ أطراف أصابعه الصغيرة، ونجعلها كما كانت قبل الموت، فكيف بالعظام الكبار.
وقد أعاد الله تعالى هذا الاعتراض مع الجواب عليه بصورة أخرى، في آخر السورة، فقال سبحانه:
" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى *أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى *ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى *فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى *أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى "(القيامة: 36- 40)
والاستفهام في قوله تعالى:" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ " لإنكار الواقع واستقباحه والتوبيخ عليه. والتعريف في" الْإِنْسَانُ " تعريف الجنس، والمراد به هنا جنس الكافر، المنكر للبعث.

(1/55)


وأما سرُّ تخصيص فعل الجمع بالعظام فلأن العظام هي قالب النفس، لا يستوي الخَلْقُ إلا باستوائها، وأنها أبعد شيء عن الحياة بعد البلى. وجمعها بعد البلى لا قدرة لأحد عليه سوى الله، الذي خلقها أول مرة، سبحانه وتعالى! قال ابن قيِّم الجوزيَّة:”الذي أحصاه المشرحون من العظام في البدن مائتان وثماني وأربعون عظمًا، سوى الصغار السَّمسَميَّات، التي أحكمت بها مفاصل الأصابع، والتي في الحنجرة.. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان خلق من ثلاثمائة وستين مفصلاً. فإن كانت المفاصل هي العظام، فقد اعترف جالينوس وغيره بأن في البدن عظامًا صغارًا، لم تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم. وإن كان المراد بالمفاصل المواضع، التي تنفصل بها الأعضاء بعضها عن بعض- كما قال الجوهري وغيره- فتلك أعم من العظام.. فتأمله !“.
3- والسر الثالث من أسرار هذه السورة الكريمة سرُّ اختيار لفظ البنان وتخصيصه بالتسوية في قوله تعالى:" بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ "(القيامة: 4)
و" بَلَى "حرف جواب، ولها موضعان:الموضع الأول:أن تكون ردًّا لنفي يقع قبلها؛ كقوله تعالى:" مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ "(النحل: 28)
أي: بلى ! قد عملتم السوء.
والموضع الثاني:أن تقع جوابًا لاستفهام، دخل عليه نفي حقيقة، فيصير معناها التصديق لما قبلها؛ كقولك: ألم أكن صديقك ؟ ألم أحسن إليك ؟ فتقول: بلى ! أي: كنت صديقي. ومنه قوله تعالى:" أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ " ؟ " قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا "(الملك: 8- 9)
فهي في هذا الموضع تصديق لما قبلها، وفي الأول ردُّ لما قبلها، وتكذيب.
ويجوز أن يقرن النفي بالاستفهام مطلقًا؛ حقيقيًّا كان، أو مجازيًّا.
فالمجازي كقوله تعالى:" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ " ؟" قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا "(الأعراف: 172)
أي: بلى! أنت ربنا ! فان الاستفهام هنا ليس على حقيقته؛ بل هو للتقرير. لكنهم اجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده بـ" بَلَى ". وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما:” لو قالوا: نعم، لكفروا “. ووجهه أن لفظة { نعم }تصديق لما بعد الهمزة؛ نفيًا كان، أو إثباتًا.
والحقيقي كقوله تعالى:" أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم " ؟" بَلَى "(الزخرف: 80)
" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ " ؟ " بَلَى قَادِرِينَ "(القيامة: 3- 4)
ومن ثمَّ قال الجمهور: التقدير: بلى! نجمعها قادرين؛ لأن الحسبان؛ إنما يقع من الإنسان على نفي جمع العظام، و" بَلَى "إثبات فعل النفي، فينبغي أن يكون فعل الجمع بعدها مذكورًا على سبيل الإيجاب.
وقوله تعالى:" قَادِرِينَ "حال مقيِّد لفعل الجمع المقدَّر، وفيه بعد الدلالة على التقييد، تأكيد لمعنى الجمع؛ لأن الجمع من الأفعال، التي لا بدَّ فيها من القدرة، فإذا قُيِّد بالقدرة البالغة، فقد أُكِّدَ .
والبنان في قوله تعالى:" عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ "يطلق في اللغة، ويراد به: الأصابع، وأطرافها. وقيل: سمِّيت الأصابع بذلك؛ لأن بها صلاح الأحوال، التى يمكن للإنسان أن يَبْني بها. وقال تعالى:" وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ "(الأنفال: 12)
أي: الأصابع، أو أطرافها؛ لأجل أنهم بها يقاتلون؛ فإنه لا ظهور على العدوِّ إلا بضرب بنانه. والمراد بها في قوله تعالى:" بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ "(القيامة: 4)
أطراف الأصابع. وهذه الآية الكريمة من أقوى الأدلة على جمع أجزاء الإنسان المتفرقة، وأبلغ دليل في تصوير القدرة الإلهية على ذلك؛ إذ تؤكد عملية جمع العظام، بما هو أرقى من مجرد جمعها، وهو تسوية البنان، وتركيبه في موضعه كما كان، وهي كناية عن إعادة التكوين الإنساني بأدق ما فيه، وإكماله بحيث لا تضيع منه بنان، ولا تختل عن مكانها؛ بل تُسوَّى تسويةً كاملة، مهما صغُرت ودقَّت! وبهذا يُعلَم سرُّ تخصيص لفظ { البنان} بالذكر- هنا- دون غيره.
وقد كشفت العلوم الحديثة عن هذا السر؛ إذ تبين أن البشرية بأسرها، قد ميَّز الله العليم القادر بين جميع أفرادها بميزة، لا يمكن أن يشترك فيها اثنان منهم، حتى الأب مع ابنه، تلك الميزة هي اختلاف البنان، تلك الخطوط الدقيقة في أنامل كل إنسان. فثبت بذلك أن أصابع الإنسان هي التي تحدد شخصيته، وأن بصمات الأصابع هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذه الشخصية، ونشأ عن ذلك علم، سمِّي:{ علم تحقيق الشخصيَّة }.
فإذا كان الأمر كذلك، وقد أخبر تعالى أنه قادر على جمع عظام الإنسان وإعادة بنان كل فرد بهيئته وشكله وصورته، فكيف يستبعد الجاحد على من هذه قدرته، إعادته إلى الحياة مرة أخرى ؟
وبالتالي فالآية نصٌّ صريحٌ في جمع الأجزاء المتفرقة، حتى أصغر وأدق جزء منها، ودليلٌ على أن بدن الإنسان يتفرق، ولا ينعدم.

(1/56)


وهكذا نرى أن قوله تعالى:" أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ "يدل على معنى، لم يكشف العلم سره، إلا بعد نزول القرآن بأكثر من ألف وأربعمائة سنة، حينما عرف أن لكل بنان بصمة خاصة، تختلف فيها اتجاهات خطوطها اختلافًا واضحًا بين فرد وآخر. وصدق رب العزة حين قال:
" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ "(فصلت: 53)
4- والسر الرابع من أسرار هذه السورة الكريمة سرُّ التكرار:
ومن ذلك ما جاء فيها من تكرار في الآيتين: الأولى والثانية. وفي الآيتين: الثامنة والتاسعة. وفي الآيتين: الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين.
أ-أما التكرار في الآيتين: الأولى والثانية:
" لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ "*" وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ "(القيامة: 1- 2)
ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، وبالنفس اللوَّامة.
والثاني: أنه أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوَّامة.
والثالث: أنه لم يقسم بهما.
وقد سبق أن ذكرت أن قوله تعالى:" لَا أُقْسِمُ " ليس بقسم مباشر؛ بل هو تلويح بالقسم وعدول عنه، لعدم الحاجة إليه. وأن " لَا " جيء بها قبل الفعل " أُقْسِمُ "، لنفي الحاجة إلى القسم، ولم يؤتَ بها لغرض آخر. وهذا هو سرُّ البيان فيها. وأما تكرارها مع الفعل" أُقْسِمُ "ففيه سرٌّ آخرُ من أسرار البيان، وبيان ذلك أنه لو قيل:
" لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ "، احتمل ذلك معنيين:
أحدهما: نفي الحاجة إلى القسم بهما مجتمعين.
والثاني: نفي الحاجة إلى القسم بأحدهما، دون الآخر.
وأما قوله تعالى:
" لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ *وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ "
فيدل على نفي الحاجة إلى القسم بهما مجتمعين ومنفردين. وهذا يعني أن التكرار هنا مقصود، ويدلك على ذلك أن السورة الكريمة تقوم من مطلعها إلى ختامها على المزاوجة بين إيقاع يوم القيامة، وإيقاع النفس اللوَّامة؛ وكأن هذا المطلع إشارة إلى موضوع السورة. أو كأنه اللازمة الإيقاعية، التي ترتد إليها كل إيقاعات السورة بطريقة دقيقة جميلة.
أما يوم القيامة فقد ورد وصفه في هذه السورة وفي غيرها بما لم يوصف به غيره، وسيمر بنا شيء من هذا الوصف.. وأما النفس اللوَّامة فقد روي في تفسيرها أقوال متنوعة، كلها متقاربة المعنى، ولعل أقربها إلى المراد ما روي عن الحسن البصري من قوله: إن المؤمن، والله ! ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ وإن الفاجر يمضي قدمًا، ما يعاتب نفسه. وعنه أيضًا: ليس أحد من أهل السماوات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة.
يقول سيد قطب رحمه الله:” فهذه النفس اللوَّامة، المتيقظة التقية، الخائفة المتوجِّسة، التي تحاسب نفسها، وتتلفت حولها، وتتبين حقيقة هواها، وتحذر خداع ذاتها، هي النفس الكريمة على الله؛ حتى ليذكرها مع يوم القيامة. ثم هي الصورة المقابلة للنفس الفاجرة، نفس الإنسان، الذي يريد أن يفجر أمام خالقه، فيسأل سؤال المتهكم عن يوم القيامة، مستبعًدا وقوعه، ويمضي قدمًا في فجوره وغيِّه دون حساب لنفسه، ودون تلوُّم، ولا تحرُّج، ولا مبالاة ! “.
" بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ *يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ "(القيامة: 5- 6)
والسؤال بـ" أَيَّانَ "هذا اللفظ المديد الجرس، يوحي باستبعاد ذلك السائل لهذا اليوم الواقع لا محالة؛ وذلك تمشيًا مع رغبته في أن يفجر، ويمضي في فجوره، لا يصدُّه شبح البعث، وشبح الآخرة. والآخرة لجام للنفس الراغبة في الشر، ومَصَدٌّ للقلب المحب للفجور؛ فهو يحاول إزالة هذا المَصَدِّ، وإزاحة هذا اللجام؛ لينطلق في الشر والفجور، بلا حساب ليوم الحساب.
ومن ثمَّ كان الجواب على تهكمه بيوم القيامة، واستبعاده لموعده سريعًا خاطفًا حاسمًا، ليس فيه تريث، ولا إبطاء، حتى في إيقاع النظم، وجرس الألفاظ..
" فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ *وَخَسَفَ الْقَمَرُ *وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ *يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ *كَلَّا لَا وَزَرَ *إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ *يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ *بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ *وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ "(القيامة: 7- 15)
ب- وأما التكرار في الآيتين: الثامنة والتاسعة:
" وَخَسَفَ الْقَمَرُ " *" وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ "(القيامة: 8- 9)
فالمراد به تكرار لفظ { القمر }. والسر في هذا التكرار أن الله تعالى أخبر عنه في الآية الثانية بغير الخبر في الأولى. فخسْف القمر غير جمعه مع الشمس. وخسفه معناه: ذهاب ضوئه وإظلامه. قال أبو حاتم محمد بن إدريس:” إذا ذهب بعضه فهو كسوف، وإذا ذهب كله فهو الخسوف “.

(1/57)


وغلِّب المذكر على المؤنث في الآية الثانية، لاجتماع الشمس والقمر. ولو قيل: طلع الشمس والقمر، بدلاً من جمع الشمس والقمر، لقبح؛ كما يقبح أن يقال: قام هند وزيد، إلا أن يراد بالواو: الواو الجامعة، لا العاطفة. وأما في الآية الكريمة فلا بد أن تكون الواو جامعة، وهي التي تسمَّى واو المعيَّة، ولفظ الجمع قبلها يقتضي ذلك، وهي في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه:
" وَجُمِعَ بين الشَّمْس وَالْقَمَر ".
وقيل في المراد من جمعهما: أن الله تعالى يجمع بينهما يوم القيامة، ويلقيهما في النار؛ ليكونا عذابًا على الكفار. وفي تنوير المقباس من تفسير ابن عباس رضي الله عنهما:” يجمع بينهما كالثورين المقرونين العقيرين الأسودين فيرمَي بهما في حجاب النور “.
وجمعُ الشمس والقمر هو عبارة عن فناء الكون. أي: يحدث وقت التحام الشمس والقمر. في ذلك الوقت يحدث اضطراب بين النجوم والكواكب، وتوابعها، فتصطدم ببعضها، وتتحطم، ثم تتناثر.
ويؤكِّد العلماء أن جمع الشمس والقمر سوف يكون بفعل فقدان تعادل القوى الجاذبة والطاردة، وسينجذب القمر الى مركزه الأصلي، وهو الشمس.
ذكر الأستاذ عبد الدايم كحيل في مقال له، نشر في هذه الموسوعة تحت عنوان{ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ }، أن علماء الفلك يخبرون بنتيجة حساباتهم أن الشمس ستتحول إلى عملاق أحمر بعد خمسة آلاف مليون عام، وفي تلك اللحظة سيكبر حجم الشمس، حتى يصل غلافها إلى حدود القمر، وسيتم اجتماع الشمس والقمر!“.
ثم قال:”منذ عام/ 1695 لاحظ العالم هالي
Edmund Halley أن دوران الأرض يتباطأ مع الزمن، وبعد ذلك وعندما تطورت القياسات الفلكية تمكن العلماء من اكتشاف أن القمر يبتعد عن الأرض تدريجياً وبمعدل/ 4 سم كل عام.
وفي ذلك الوقت سيكون القمر أبعد عن الأرض بمعدل/ 40 بالمائة أكبر من بعده الحالي. أي: أنه سيكون أقرب إلى الشمس، عند هذه المرحلة سوف يتحطم القمر، وينخسف كما تنخسف الأرض أثناء الزلزال.. وبالتالي سيكون القمر أول من يجتمع مع الشمس، ويتأثر بحرارتها.. في ذلك الوقت سيكون طول اليوم على الأرض/ 47 ضعف اليوم الحالي، وسيصبح طول الشهر/ 47 يومًا.
ويؤكد العلماء أن القمر ما هو إلا جزء من الأرض نتج عن اصطدامات، تعرضت لها الأرض قبل{ 4.5 } بليون سنة، فتناثرت أجزاء من الأرض، وبدأت تدور حولها، ثم تجمعت وشكلت القمر. والقمر يبعد عن الأرض{ 385 } ألف كيلو متر وسطياً، هذه المسافة قطعها القمر بعد رحلة شاقة، استمرت آلاف الملايين من السنوات، ولا يزال القمر يبتعد عن الأرض حتى يدخل في نطاق جاذبية الشمس، ويكون الاجتماع بينهما.. ويؤكد العلماء أن اقتراب الشمس من القمر واقتراب القمر من الشمس واجتماعهما حقيقة مؤكدة بناء على القوانين التي تحكم الكون “.
فالله القادر على جمع الشمس والقمر في هذا اليوم هو على جمع عظام الإنسان بعدما فرَّقها البلى ومزَّقها أقدر وأقدر، وإن كان الكل أمام القدرة الإلهية سواء !
ج- وأما التكرار في الآيتين: الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين:
" أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى "*" ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى "(القيامة: 34- 35)
فقد جاء فيهما لفظ"أَوْلَى "مكررًا أربع مرات. والغرض من هذا التكرار المبالغة في التهديد والوعيد. والخطاب لأبي جهل، عمرو بن هشام، الذي تقدم وصفه في الآيات، التي سبقت هاتين الآيتين، وهي قوله تعالى:
" فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى " *" وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى " * " ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى "(القيامة: 31- 33)
وكان يجيء أحيانًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمع منه القرآن، ثم يذهب عنه، فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدب ولا يخشى، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول، ويصد عن سبيل الله، ثم يذهب مختالاً بما فعل، فخورًا بما ارتكب من الشر؛ كأنما فعل شيئًا يذكر.
والتعبير القرآني يتهكم به، ويسخر منه، ويثير السخرية كذلك، وهو يصور حركة اختياله بأنه" يَتَمَطَّى "، وهو ذاهب إلى أهله. أي: يمطُّ في ظهره، ويتعاجب تعاجبًا ثقيلاً كريهًا !
والله تعالى يواجه هذه الخيلاء الشريرة بالتهديد والوعيد، فيقول سبحانه:
" أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى *ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى "
وهو تعبير اصطلاحي، يتضمن التهديد والوعيد. ومعناها: قاربك ما تكره، فاحذره. وهو مأخوذٌ من الوَلِيِّ، وهو القرب.
وفي ( زاد المسير ) لابن الجوزيِّ:”قال ابن قتيبة: هو تهديد ووعيد. وقال الزجاج: العرب تقول: أولى لفلان، إذا دعت عليه بالمكروه، ومعناه: وَلِيَكَ المكروه، يا أبا جهل ! “.
وقال الكرماني في ( أسرار التكرار ):”فإن قوله:" أَوْلَى "تامٌّ في الذمِّ، بدليل قوله:" فَأَوْلَى لَهُمْ "(محمد: 20)، فإن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أنه للتهديد؛ وإنما كرَّرها؛ لأن المعنى: أولى لك الموت، فأولى لك العذاب في القبر، ثم أولى لك أهوال يوم القيامة، وأولى لك عذاب النار، نعوذ بالله من شرها “.

(1/58)


وفي المستدرك على الصحيحين: عن سعيد بن جبير، قال:”قلت لابن عباس رضي الله عنهما:" أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى "، أشيءٌ قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو شيءٌ أنزله الله ؟ قال: قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنزله الله “.
وفي لباب النقول في أسباب النزول لجلال الدين السيوطي:” أخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة، قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول لك:
" أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى "
قال: فنزع ثوبه من يده، فقال: ما تستطيع لي أنت، ولا صاحبك من شئ، لقد علمت أني أمنع أهل بطحاءَ، وأنا العزيز الكريم. فقتله الله يوم بدر وأذله، وعيَّره بكلمته، ونزل فيه:
" ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ "(الدخان: 49) “.
5- والسر الخامس من أسرار هذه السورة الكريمة سرُّ التقديم والتأخير:
ومن ذلك سر تقديم الخبر على المبتدأ، أو على ما أصله المبتدأ. وتقديم شبه الجملة على ما يسمَّى: عاملها.
أ- أما تقديم الخبر على المبتدأ، أو على ما أصله المبتدأ فنلاحظه في الآيات الآتية:
"إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ "(القيامة: 12)
"إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ "(القيامة: 30)
" إِِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ "(القيامة: 17)
" ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ "(القيامة: 19)
ففي الآية الأولى قُدِّم الخبر"إِلَى رَبِّكَ "على المبتدأ" الْمُسْتَقَرُّ "، والسر في هذا التقديم هو إفادة معنى التخصيص، مع تحسين اللفظ. والمعنى: أن مستقر العباد يوم القيامة إلى ربهم خاصة، لا إلى غيره، فلا مفرَّ لهم منه سبحانه إلا إليه.
قال الزمخشري:”أي: استقرارهم. يعني: أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره، وينصِبوا إليه. أو: إلى حكمه ترجع أمور العباد، لا يحكم فيها غيره؛ كقوله:
" لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ "(غافر: 16).
أو: إلى ربك مستقرُّهم. أي: موضع قرارهم، من جنة، أو نار “.
وما قيل في تقديم الخبر على المبتدأ يقال مثله في تقديمه على ما أصله المبتدأ في قوله تعالى:
" إِِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ " " ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ "(القيامة: 17- 19)
أي: إن على الله تعالى وحده جمع القرآن في صدر محمد صلى الله عليه وسلم، وإثبات قراءته في لسانه، ثم إن عليه وحده سبحانه بيانه. فالله سبحانه تكفل بجمعه، وقرآنه، وبيانه. وبيانه يكون على ألسنة العلماء المتدبرين على مر الدهور والعصور، الغائصين في مكنوناته، المتحيرين في أسرار إعجازه. وهذا يعني: أن بيان القرآن الكريم لم ينفرد به شخص دون آخر، ولم يقتصر على زمن دون زمن.
أما لفظ { قرآن }هنا فهو مصدر:{ قرأ }، جيء به بدلاً من { قراءة }؛ ليدل على المبالغة في القراءة. هذا أصله، ثم أطلق على الكتاب المنزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم، فصار علمًا عليه. ومثله في دلالته على المبالغة:{ فرقان }، و{ غفران }، و{ شكران }، و{ كفران }.
ب- وأما تقديم شبه الجملة على ما يسمَّى: عاملها، فنلاحظه في الآيات الآتية:
"إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ "(القيامة: 12)
" بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ "(القيامة: 14)
" وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ "(القيامة: 22)
" إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ "(القيامة: 23)
" وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ "(القيامة: 24)
"إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ "(القيامة: 30)
ففي هذه الآيات تقدم الظرف، والجارُّ والمجرور على ما يطلق عليه في النحو العربي مصطلح{ العامل }. والغرض من هذا التقديم هو الاختصاص، وهو الغرض نفسه من تقديم الخبر على المبتدأ في الآيات، التي تقدَّم ذكرها قبل هذه الآيات. وفي قوله تعالى:
" إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ "(القيامة: 23)
قال الزمخشري:”تنظر إلى ربها خاصَّة، لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول “.
واستطرد الزمخشري قائلاً:”ألا ترى إلى قوله:
"إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ "(القيامة: 12)
"إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ "(القيامة: 30)
" إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ "(الشورى: 53)
َ" إِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ "(آل عمران: 28)
"َ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " (البقرة: 28)
" عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ "(هود: 88)
كيف دلَّ فيها التقديم على الاختصاص ! “.
ومصطلح{ المفعول }يطلق- عند النحاة- ويراد به: شبه الجملة؛ كما يراد به: المفعول به.
وذكر الهاشمي في{ جواهر البلاغة } من فوائد التقديم: ما يفيد زيادة في المعنى، مع تحسين في اللفظ، ثم قال:”وذلك هو الغاية القصوى، وإليه المرجع في فنون البلاغة، والكتاب الكريم هو العمدة في هذا.. انظر إلى قوله تعالى:
" وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ "(القيامة: 22- 23)
تجد أن تقديم الجارِّ في هذا قد أفاد التخصيص، وأن النظر لا يكون إلا لله، مع جَوْدَة الصياغة، وتناسق السجَع “.
6- والسر السادس من أسرار هذه السورة الكريمة سرُّ دخول{ الواو }على { لو } الشرطية، في قوله تعالى:

(1/59)


" بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ "(القيامة: 14- 15)
و" بَلِ" للإضراب الانتقالي، وهو للترقي من مضمون الجملة السابقة:
" يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ "(القيامة: 13)
إلى الإخبار بأن الإنسان يعلم ما فعله. فالمعنى: بل الإنسان حجَّة بيِّنة على نفسه يوم القيامة، وشاهد عليها وحده بما جنت، وارتكبت من الموبقات، ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عنها؛ وذلك لأن جوارحه تنطق يومئذ بذلك..
" يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "(النور: 24)
ولهذا لا يحتاج إلى غيره؛ لينبئه بأعماله. ألا ترى إلى قوله:
" يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ " *" وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ "(الحاقة: 25)
وهو كقوله تعالى:
" اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً "(الإسراء: 14)
فالبصيرة على هذا هي الحجة البينة الظاهرة؛ مثلها في قوله تعالى:
" قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ "(يوسف: 108)
والتاء فيها للمبالغة؛ كما في{ راوية }، و{ علاَّمة }، و{ ونسَّابة }.
وقيل: البصيرة اسم للإدراك التام الحاصل في القلب؛ كما أن البصر اسم للإدراك التام الكامل الحاصل بالعين. وقيل: البصيرة: العقل، الذي تظهر به المعاني والحقائق؛ كما أنّ البصر إدراك العين، الذي تتجلى به الأجسام. وتجمع على بصائر. قال تعالى:
" قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ "(104)
والمعنى المراد من الآية أن الإنسان بصير على نفسه، رغم المعاذير، التي يأتي بها. وهذا ما أفادته { الواو }الداخلة على "لَوْ "في العبارة الشرطية، التي جاءت قيدًا على الجملة قبلها. ولولا هذه الواو، لكان إلقاء المعاذير شرطًا في كون الإنسان بصير على نفسه، فجاءت الواو لتحصن المعنى..
" بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ "
ومثل ذلك قوله تعالى:" وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ "(البقرة: 221)
" وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ "(يوسف: 17)
7- والسر السابع من أسرار هذه السورة الكريمة سرُّ دخول { الباء }على خبر المنفي بـ{ ليس }، في قوله تعالى:
" أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى "(القيامة: 40)
لما ذكر الله تعالى في أول السورة الكريمة إمكان البعث والنشور في صورة تقريرية حاسمة ردًّا على منكريه، ذكر سبحانه في آخرها الأدلة على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى، ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بقوله:" أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى "(القيامة: 40)
وهذه الحقيقة، حقيقة النشأة الأولى، ودلالتها على صدق الخبر بالنشأة الأخرى، وعلى أن هناك تدبيرًا في خلق هذا الإنسان وتقديرًا، هي إحدى الحقائق الكبيرة، التي عرضتها السورة الكريمة، إلى جانب مشهد يوم القيامة، وما يجري فيه من انقلابات كونية، ومن اضطرابات نفسية، ومن حيرة وقلق في مواجهة الأحداث الغالبة، حيث يتجلى الهول في صميم الكون، وفي أغوار النفس، وهي تروغ من هنا ومن هناك؛ كالفأر في المصيدة ! وذلك ردًّا على تساؤل الإنسان الكافر عن يوم القيامة، في شك واستبعاد ليومها المغيَّب، واستهانة بها، ولجاج في الفجور.
وهي- كما قال سيد قطب رحمه الله- حقيقة يكشف الله للناس عن دقة أدوارها، وتتابعها في صنعة مبدعة، لا يقدر عليها إلا الله، ولا يدعها أحد ممن يكذبون بالآخرة، ويتمارون فيها. فهي قاطعة في أن هناك إلهًا واحدًا، يدبر هذا الأمر ويقدره؛ كما أنها بيِّنة، لا ترد على يسر النشأة الآخرة، وإيحاء قوي بضرورة النشأة الآخرة، تمشيًّا مع التقدير والتدبير، الذي لا يترك هذا الإنسان سدى، ولا يدع حياته وعمله بلا وزن ولا حساب.. وهذا هو الإيقاع، الذي تمسُّ السورة به القلوب، وهي تقول في أولها:" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ "(القيامة: 3)
ثم تقول في آخرها:" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى *أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى *ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى *فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى "(القيامة:36- 40)
وهذا المقطع الأخير العميق الإيقاع، يشتمل على لفتات عميقة إلى حقائق كبيرة، ما كان المخاطبون بهذا القرآن يخطرونها على بالهم في ذلك الزمان. وأولى هذه اللفتات تلك اللفتة إلى التقدير والتدبير في حياة الإنسان:" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى "
فلقد كانت الحياة في نظر القوم حركة، لا علة لها، ولا هدف، ولا غاية.. أرحام تدفع، وقبور تبلع.. وبين هاتين لهو ولعب، وزينة وتفاخر، ومتاع قريب زائل من متاع الحيوان.

(1/60)


فأما أن يكون هناك ناموس، وراءه هدف، ووراء الهدف حكمة، وأن يكون قدوم الإنسان إلى هذه الحياة وفق قدر يجري إلى غاية مقدرة، وأن ينتهي إلى حساب وجزاء، وأن تكون رحلته على هذه الأرض ابتلاء، ينتهي إلى الحساب والجزاء.. أما هذا التصور الدقيق المتناسق، والشعور بما وراءه من ألوهية قادرة مدبرة حكيمة، تفعل كل شيء بقدر، وتنهي كل شيء إلى نهاية.. أما هذا فكان أبعد شيء عن تصور الناس ومداركهم، في ذلك الزمان.
وهذه اللمسة: " أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى " هي إحدى لمسات القرآن التوجيهية للقلب البشري؛ كي يتلفت ويستحضر الروابط والصلات، والأهداف والغايات، والعلل والأسباب، التي تربط وجوده بالوجود كله، وبالإرادة المدبرة للوجود كله.
وفي غير تعقيد ولا غموض، يأتي سبحانه وتعالى بالدلائل الواقعة البسيطة، التي تشهد بأن الإنسان لن يترك سدى.. إنها دلائل نشأته الأولى، التي يدركها الإنسان بفطرته السليمة:
" أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى *أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى *ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى *فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى "(القيامة:36- 39)
وأمام هذه الحقيقة، التي تفرض نفسها فرضًا على الحس البشري، يجيء الإيقاع الشامل لجملة من الحقائق، التي تعالجها السورة:" أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى " ؟
وجمهور العلماء على القول بأن همزة الاستفهام، إذا دخلت على النفي؛ كما في هذه الآية:" أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ "، أفادت معنى التحقيق والتقرير، وأن الباءالداخلة على الخبر " بِقَادِرٍ " زائدة للتوكيد، وعليه يكون قوله تعالى:" أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ "، وقولهم في تقديره:
{ أليس ذلك قادرًا} ، سواء في المعنى.
وفي الحقيقة أن الهمزة الداخلة على النفي لا تفيد معنى التقرير في الجمل المنفية، إلا بدخول { الباء }على خبر المنفي، أو ما يقوم مقامه. وبعبارة أخرى: التقرير لا يستفاد من دخول الهمزة على النفي؛ وإنما يستفاد من دخول الباء على الخبر الواقع في سياق هذا المنفي. ونحو ذلك قوله تعالى:
" أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ "(الأنعام: 53)
" أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ "(الزمر: 36)
" أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ "(الزمر: 37)
" أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ "(التين: 8)
فالنفي في هذه الآيات جميعًا، ونحوها قد انتقض، وخرج إلى إثبات حاسم، مرادًا به التقرير. أما الإثبات فمستفاد من دخول { الهمزة }على " لَيْسَ ". وأما التقرير فمستفاد من دخول الباء على الخبر. وهذا هو سرُّ الإعجاز البياني في هذه الباء، التي حكموا عليها ظلمًا وعدوانًا بالزيادة !
ثالثًا- وبعدُ.. فإنه ينفد القول، وما تنفد كلمات ربي، وما تنطوي عليه من أسرار البيان. وإن كنت قد اكتفيت بهذا القدر مما ذكرت من هذه الأسرار المبهرة في هذه السورة الكريمة، فأرجو ألا يظن أحد أنني قد أتيت على كل ما فيها من أسرار؛ فإنه لا يزال فيها الكثير مما أجهله، إذا ما قيس بالقليل، الذي أزعم أنني أعلمه، فما يعلم أسرار كلمات ربك إلا هو، سبحانه وتعالى أن يحيط بهذه الأسرار مخلوق من مخلوقاته. فتبارك من أودع كلامه هذه الأسرار، التي هي أجل وأعظم من أن تدركها العقول، فإن ما ظهر لنا منها بالنسبة إلى ما خفي يسيرٌ يسير.. والحمد لله رب العالمين !
الأستاذة: رفاه محمد علي زيتوني
مدرسة لغة عربية- حلب
===============
من أسرار الإعجاز البياني في القرآن
إعداد المهندس محمد شملول
مهندس مدني وكاتب إسلامي مصري
هناك من العلماء من يرى أن القرآن لا يحتاج إلى تفسير إلا في بعض الألفاظ الغريبة على القارئ وهذا يستدعي توضيحاً له أو تقريباً. وإلا في بعض آيات الأحكام والمجملات المبينة بالسنة وما عدا ذلك لا يحتاج إلى تفسير ولا إلى بيان أو توضيح.
ويستدل أصحاب هذا الرأي بآيات القرآن الكريم التي تدل على أنه كتاب مبين وأن آياته بينات. وأنه أنزل ليبين للناس ما اختلفوا فيه.
فكيف يحتاج هو إلى بيان وهو في حد ذاته بيان؟(1) قال تعالى:
(قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)[المائدة: 15].
وقال تعالى : (طس تلك آيات الكتاب وقرآن مبين)[الحجر: 1].
وقال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر)[القمر: 17].
ويقول ابن كثير في تفسيره: فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر.
فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له. وإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة.
إن القرآن يشرح ذلك بوضوح (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)[النساء: 82].

(1/61)


إننا نجد في هذه الآيات المقياس الواضح الذي يبين أنه لا شيء في القرآن يتعارض مع شيء آخر فيه. فإذا وجدنا أن تفسيراً ما للقرآن يتعارض مع جزء آخر فيه. فذلك دليل في حد ذاته على أن ذلك التفسير ليس من عند الله بل من عند غير الله بكل تأكيد.
فالمقياس القرآني القطعي لاختيار أي تفسير هو أن يكون مطابقاً للدين كله كمجموعة. أما إثبات نظرية أو رأي ما باستخدام نوع معين من الآيات دون النظر إلى الآيات الأخرى أو إذا وجدت أن تفسيراً ما للدين لا يوافق القرآن كله فتأكد أنه ليس تفسيراً للقرآن. وإنما هو تفسير لأفكار ذاتية(2).
قال تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكَّر إلا أولوا الألباب)[آل عمران: 7].
إن أية قضية أو نظرية أو تفسير يجب عرضه على القرآن كله وليس على مجموعة آيات منه وتدبر مدى توافق هذا التفسير مع القرآن ككل مع الإستناد إلى السنة وأقوال الصحابة: " إن وجدت".
ونورد فيما يلي محاولة لفهم معاني بعض الألفاظ والجمل والآيات القرآنية بعد عرضها على القرآن الكريم ككل باستخدام جهاز الكمبيوتر.
وهي محاولة لفهم القرآن بالقرآن. ولقد روعي في هذه الدراسة البحث عن تكرار اللفظ أو الجملة القرآنية في القرآن كله بالإضافة إلى معرفة جو ومعاني الآيات التي ورد فيها هذا اللفظ أو الجملة وكذلك الآيات التي قبلها والتي بعدها حتى يمكن الإلمام بالمعنى من جميع جوانبه.
1- الإسراء (بعبده)... والمعراج (بصاحبكم)
وردت معجزة الإسراء في آية واحدة في القرآن، وجاءت كلمة (أسرى) مرة واحدة في القرآن وكلمة (بعبده) مرة واحدة في القرآن الكريم كله.
{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الإسراء: 1].
وقد وصف الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم في الإسراء بالعبودة الكاملة لله (بعبده).
ووردت معجزة المعراج في سورة واحدة هي سورة النجم:
{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } [النجم: 1-18].
وقد وصف الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم في المعراج، بـ(صاحبكم).
حينما نتدبر كلمة (بعبده) فإنها تعني أنه (بشر) مثلكم تعرفونه وتصاحبكم.
في حالة الإسراء ذكر الله { لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا } وفي حالة المعراج ذكر الله { لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى }.
إن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أنه رغم (بشرية) الرسول فقد عرج به إلى السماوات العلى ووصل إلى سدرة المنتهى وبلغ الأفق الأعلى ثم دنا وتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى من الحضرة الإلهية، (كما سيأتي بيانه لاحقاً) ورأى من آيات ربه الكبرى.
إن بشرية الإنسان لا تنفي أنه بسلطان من الله فإنه يصل إلى أعلى عليين.
{ { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } [الرحمن: 33].
ولقد نفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو من الإنس) من أقطار السماوات والأرض بسلطان من الله.
أما بالنسبة للإسراء فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } ولم يقل بنبيه أو برسوله وإنما كان كذلك لأنه أراد أن يفتح باب السريان (الإسراء) للتابعين، فأعلمنا بأن الإسراء من بساط العبودية، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له كمال العبودية، فكان له كمال الإسراء، أُسري بروحه وجسمه وظاهره وباطنه، والأولياء لهم قسط من العبودية فلهم قسط من الإسراء يسري بأرواحهم لا بأجسادهم (من كتاب لطائف المنن لابن عطاء السكندري).
كذلك فإن الله لم يختم آية الإسراء بالقدرة أو بالعزة أو القوة وإنما ختمها بأنه (هو السميع البصير) وهي تعني أن الله سبحانه وتعالى قد سمع دعاء محمد صلى الله عليه وسلم وبَصُر بحالته حينما آذاه الناس وهان عليهم فأكرهم اله بمعجزة الإسراء فإن كان الناس قد بعدوا عنه فقد اقترب هو من الله.

(1/62)


وتعني الآية أيضاً فتوحات الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين كلما صبروا على البلاء واستقاموا على الطريقة، فإنه هو السميع البصير يقربهم إليه نجيّاً ويريهم من آياته إنه هو السميع البصير.
2- غلام حليم و غلام عليم
بشرت الملائكة إبراهيم عليه السلام بغلام حليم هو إسماعيل عليه السلام ثم بشرته بغلام عليم هو إسحاق ومن ورائه يعقوب (إسرائيل).
يقول الله سبحانه وتعالى في شأن البشرى بولادة إسماعيل عليه السلام: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ } [الصافات: 101].
أي: أن صفة إسماعيل عليه السلام المميزة أنه (حليم) وهي صفة والده إبراهيم عليه السلام حيث يقول الله سبحانه وتعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ } [هود: 75].
ويقول الله سبحانه وتعالى في شأن البشرى بولادة إسحاق عليه السلام: { وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } [الذاريات: 28].
أي: أن صفة إسحاق عليه السلام المميزة هو أنه (عليم).
إسماعيل عليه السلام هو جد محمد صلى الله عليه وسلم.
وإسحاق عليه السلام هو جد بني إسرائيل.
حلم إسماعيل:والحلم الذي هو الصفة المميزة لإسماعيل عليه السلام يعني: الصبر والإرادة والسكون والعقل السليم، وهو ضد الطيش ولو جمعنا كل مناحي الحلم فإنه يكون (التقوى) بكل معناها من حب الله وخشيته والصفح الجميل.
يصف الله إسماعيل عليه السلام في سورة مريم آية: 54، 55:
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا }.
إسماعيل عليه السلام كان صادق الوعد، حينما أسلم وجهه له ساعة الذبح راضياً بقضاء الله{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } [الصافات: 102].
إن ذلك كان منتهى الإيمان بالله من الأب المحسن إبراهيم عليه السلام ومن الابن الصابر إسماعيل عليه السلام.
علم إسحاق ومن ورائه يعقوب (إسرائيل)
وصف الله سبحانه وتعالى إسحاق بالعلم والذي ورثه بنو إسرائيل (بنو يعقوب بن إسحاق)، وكان من المفترض أن يستخدم بنو إسرائيل هذا العلم الوراثي في حسن عبادتهم لله والتفكر في آياته.. غير أن أكثرهم استغل هذا العلم في ماديات صرفة ولم يتوجهوا إلى الله سبحانه وتعالى، بل أغرقوا أنفسهم في الماديات وظلموا أنفسهم وقد قال الله في شأن إبراهيم عليه السلام، وشأن ذريته: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ } [الصافات: 109-113].
كذلك قال الله سبحانه وتعالى في شأن ذرية إبراهيم عليه السلام:
{ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } [البقرة: 124].
إن الله سبحانه وتعالى بين لإبراهيم عليه السلام أن ذريته لن تكون كلها من الصالحين وأن ذلك يعتم على استجابتهم لما يحييهم بما أنزله على رسله إليهم من البينات والزبر والكتاب المبين، امتحن الله بني إسرائيل (فضلهم على العالمين) واختارهم على علم على العالمين، فكيف كانت استجابتهم لله ؟... ظلم بنو إسرائيل أنفسهم على مدى التاريخ.
وكانوا يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويعصون الله فيما أمرهم وينقضون ميثاقهم مع الله... إنهم يحاربون كل من يقول لهم توجهوا بقلوبكم إلى الله واتركوا الحب الشديد لماديات وآمنوا بالله الذي ليس كمثله شيء...

(1/63)


كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه... يتحايلون على أوامر الله حينما قال لهم لا تعتدوا في السبت، ويتشددون في أي أمر حينما قال لهم موسى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } [البقرة: 67] فاشتطوا في الأمر... استكبروا بالعلم الذي أورثوه.. ولم يؤمنوا إلا بالأشياء المادية أما الناحية الروحية... أما الحلم فقد بعدوا عنه لدرجة أنه من فرط ماديتهم قالوا لموسى عليه السلام: { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ } [الأعراف: 138] كذلك فإنهم طلبوا إلهاً مادياً يلمسونه بأيديهم وصنعوا عجلاً جسدياً مادياً.. لم يقبلوا بأن ينزل لهم المن والسلوى من السماء.. ولكنهم فضلوا طعام الأرض... كل توجههم كان للأرض ولم يرفعوا رؤوسهم إلى السماء... { { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } [البقرة: 61] لقد استبدلوا الأرض بالسماء استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.. وكان هو ذلك مبدأهم وحتى الآن.
إن العلم الوراثي الذي وهبه الله لبني إسرائيل واختارهم على العلامين به { { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الدخان: 32].
وامتحنهم الله به ليعلم هل يشكرون أم يكفرون فلم يرعوا هذا العلم واتجهوا به فقط إلى الماديات وبالرغم من أنهم أصبحوا بهذا العلم الوراثي أساطين في الاقتصاد إلا أنهم استغلوه في إفساد الأرض وإفساد الذمم والربا والمكر والألاعيب وإشعال الحروب. فغضب اله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً شديداً.
وبعد اختبار الله لبني إسرائيل بهذا العلم... وإظهارهم للعالمين بأنهم قوم سوء... شاء الله أن يكون خاتم النبيين محمداً صلى الله عليه وسلم من ذرية إسماعيل عليه السلام ذرية الحلم والتقوى ووهب الله له العلم المباشر من الله سبحانه وتعالى... قرآناً كريماً غير ذي عوج.. فكان المسلمون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتؤمن بالله.. { { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران: 110].
الأجر مرتين والعذاب ضعفين... للقمم
يقول الله سبحانه وتعالى في الآية رقم 165 من سورة الأنعام: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }.
وضع الله للناس درجات في الحياة الدنيا لتستقيم عمارة الأرض لأنه لا يمكن أن يكون الناس كلهم في درجة واحدة.. لا يمكن أن تستقيم عمارة الأرض بجعل الناس كلهم قادة.. أو كلهم علماء.. أو كلهم في وظيفة واحدة.. لا بد من وظائف متعددة ودرجات متفاوتة.. وقد أوضح الله سبحانه وتعالى هذه المسألة في قوله في الآية 32 من سورة الزخرف:
{ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا } [الزخرف: 32].
غير أن هذا التمييز لدرجات ادنيا ليس هو تكريم وإنما هو ابتلاء واختبار { لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ } [المائدة: 48]. وتكون النتيجة كما يذكرها الله سبحانه وتعالى في الآيات من 37 حتى 41 من سورة النازعات: { فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }.
إلا أن وضع الناس على درجات مختلفة في الحياة الدنيا يجعل من ذوي السلطة منهم وذي الشأن والملأ والشهرة تأثيراً كبيراً في حياة عامة الناس... فهم أولو القوة والسلطة والبطش.. كما أن أصحاب الشهرة منهم يمثلون لعامة الشعب قدوة وأنموذجاً يتطلعون إليه. فيتحدثون عنهم في مجالسهم.. ويروون القصص والحكايات.. ويتتبعون أخبارهم وكل ما يدور حولهم... ويكونون على رأس كل موضوعاتهم واهتماماتهم...
إن تأثير أي واحد من أولي الشهرة وأصحاب القمم في أي مجال يساوي تأثير آلاف أو ملايين الناس العاديين... لذلك فإن الله سبحانه وتعالى لا يعاملهم معاملة الناس العاديين.. إن الحسنة من الواحد منهم لا تعادل الحسنة من المرء العادي وكذلك السيئة منه لا تعادل السيئة من المرء العادي..
إن خطأ الكبير كبير... وحسنة الكبير كبيرة..
لقد وضع الله سبحانه وتعالى ميزاناً دقيقاً في آيات القرآن الكريم، إنه ميزان العدل المطلق { وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ } [الرحمن: 7-9].
وكان الوزن هو مقياس الأجر.. والوزن هو قيمة العمل وتأثيره.

(1/64)


وتأتي آيات كثيرة في القرآن الكريم توضح مسؤولية ووزن أصحاب القمم والسلطة والشهرة والقيادة والأجر المقابل.. ونورد هذه الأمثلة:
نساء النبي:
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب الآية 30، 31:{ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا }.
إن نساء النبي هن أمهات المؤمنين.. هن القمم.. وأحد مراجع السنة.. تأثيرهن ليس كتأثير النساء العاديات: { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ } [الأحزاب: 32].
لذلك فقد كان الأجر مرتين.. والعذاب ضعفين.
المنافقون:يقول الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة الآية 101:
{ { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } [التوبة: 101].
إن المنافقين تأثيرهم ووزنهم ليس تأثيراً عادياً.. إنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.. إنهم يشوّهون العقيدة ويخدعون المؤمنين.. ويضربون الأمثال السيئة للذين لم يؤمنوا بعد.. إنهم وبال على الإيمان لذلك كان لا ب من عذابهم مرتين مرة بسبب الكفر ومرة بسبب إظهار إيمان غير حقيقي.....
اليهود والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم:
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة القصص الآيات 52-54:
{ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }.
إن اليهود بوجه عام متعنتون في الدين.. يعلمون الحق ولا يتبعونه.. يقولون سمعنا وعصينا لذلك جاء الأمر مرتين لهؤلاء الذين جاهدوا هذه الطبيعة السيئة وانتصروا على أنفسهم.. وخرجوا من أمر اليهودية المتعنتة وصبروا على أذى بقية قومهم... واصبحوا قمماً إيمانية تبين كذاب بني إسرائيل وإصرارهم على الباطل... وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم.
القمم والكبراء في الضلال:
يقول الله سبحانه وتعالى في شأن هؤلاء القسم في الضلال والإضلال:
{ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ } [هود: 20].
{ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } [الأحزاب: 67-68].
{ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 38].
إن هؤلاء القمم في الضلال والإضلال يستحقون العذاب ضعفين بما لهم من تأثير في باقي الناس المعاديين وبما لهم من سطوة وقوة وقهر وبريق وإعلام وإعلان وشهرة...
قمم الضلال والإضلال... وجزاء التوبة
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الفرقان الآيات 68-70:
{ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }.
هؤلاء القمم الذين ضلوا وأضلوا وأفسدوا في الأرض.. أشركوا بالله.. وقتلوا النفس التي حرم الله بغير الحق، وزنوا.. ثم أفاقوا واهتدوا إلى الحق وجاهدوا أنفسهم وشهرتهم وسطوتهم وانتصروا على كل الهالات والبريق الذي يحوطهم وعلى كل الشلل والأصحاب والأخدان وحاشية السوء.. وتابوا إلى الله وأنابوا إليه وعملوا الصالحات وانتقلوا بزاوية مقدارها 180 درجة من الشمال إلى اليمين.. غفر الله لهم ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم.. ونقل أعمالهم وسيئاتهم من الشمال إلى اليمين.. فتبدلت السيئات إلى حسنات وتضاعف أجرهم جزاء بما صبروا على شهوات النفس.... وجزاء على ما يحدثه هذا التبدل كما أفاق هؤلاء القمم.. ويرجع الناس وينيبوا إلى الله ويسلموا له... كما أسلم الكبراء...
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.. فقد كان في أول الدعوة يرجو إسلام عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام (أبو جهل) بما لهم من أثر في الناس العاديين..

(1/65)


الملوك والقياصرة والأكاسرة وقمم السلطة:
في رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القياصرة والأكاسرة والتي دعاهم فيها إلى الإسلام كان صلب الرسالة هو الآتي: ( أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ).
إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أثر الإسلام هؤلاء القمم في شعوبهم... وأنهم حينما يسلمون فإنهم يساعدون في إزالة الغشاوة عن أعين الناس العاديين.. ويلفتونهم إلى الحق لهم من قوة جذب وبريق.. هذا بالإضافة إلى انتصار هؤلاء القمم على أنفسهم وكبريائهم وسلطاتهم وعروشهم ومساواتهم بعامة الناس حب مبادئ الإسلام.. لذلك كان الأجر مرتين..
الأجر مرتين.. للصابرين عندما صبر سيدنا إبراهيم عليه السلام على البلاء المبين بذبح ابنه الوحيد إسماعيل عليه السلام، بشره الله بإسحاق نبياً من الصالحين.
{ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } [الصافات: 112].
وبذلك أعطاه اله أجراً مرتين بما صبر على البلاء العظيم بفقد ابنه الوحيد.. فأعطاه ابناً آخر نبياً من الصالحين..
كذلك فإنه عندما صبر أيوب عليه السلام على النصب والعذاب وعلى فقد أهله وهبه الله أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لأولي الألباب.. لقد منحه الله الأجر مرتين..
{ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } [ص: 43].
القمم بوجه عام في المجتمع:
إن القرآن الكريم يزخر بالأمثلة والنماذج التي توضح لنا عدالة الله سبحانه وتعالى في الجزاء.. إنها تحث هؤلاء القمم في السلطة وفي الإعلام وفي الإعلان وفي كافة نواحي المسؤولية.. على الانتصار على نوازع النفس البشرية والتحول إلى أصحاب اليمين ويؤجرهم مرتين لما لهم من تأثير على عامة الناس... وهذا الأجر مرتين يعني ضعف أقصى أجر يمنحه الله للناس المؤمنين العاديين.. وقد ذكر القرآن الكريم أن الله يضاعف هذا الأجر العادي أضعافاً مضاعفة. كما أن هناك رضوان من الله أكبر وبذلك يكون الأجر مرتين هو ضعف هذه المضاعفات جميعاً.. هناك أمر آخر.. إن القمم مستويات.. وأي مسؤول له تأثير في موظفيه يعتبر قمة في هذا النوع من المسؤولية كما أن أي شخص في أي مكان له أي تأثير على شخص أو أشخاص آخرين هو قمة في الموقف.. وكذلك الحال بالنسبة للأب أو الأم في الأسرة.. والمدرس في الفصل.. والمدير في الإدارة.. والرئيس في المرؤوسين.. والكاتب الذي ينشر فكره.. والممثل الذي يؤدي دوراً.. والإعلامي.. والصحفي.. والفنان.. والفنانة. والعالم والفقيه والواعظ.. الخ.
إن هؤلاء جميعاً يؤتون أجرهم مرتين حسب نصر القرآن إذا صبروا وآمنوا ورعوا الله في مسؤولياتهم.. ويضاعف لهم العذاب إذا ضلوا وأضلوا.. كما أن هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض.. ثم عرفوا الحق وتابوا إلى الله ورجعوا عن غوايتهم وإغوائهم للناس.. فإن الله يبدل سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً..
أما هؤلاء الناس لا يملكون مصيرهم.. وليس لهم من الأمر شيء مثل (ما ملكت أيمانكم) فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب: { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } [النساء: 25].
أنزل – نزّل
أنزل: تعني الإنزال مرة واحدة أو جملة واحدة.
نزل: تعني الإنزال على مراحل أو أجزاء متفرقة.
والقرآن الكريم أنزله الله سبحانه وتعالى جملة واحدة في ليلة القدر من شهر رمضان إلى السماء الدنيا حسب الروايات المتعددة في هذا المجال وحسب ما توحي به نصوص الآيات الكريمة التي وردت في نزول القرآن الكريم.. ثم نزله سبحانه وتعالى تنزيلاً على محمد صلى الله عليه وسلم متفرقاً خلال ثلاث وعشرين سنة هي مدة الرسالة وذلك لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك للرد على أسئلة وأمثلة المشركين وأهل الكتاب، وفي هذا يقول سبحانه وتعالى في الآية 32 والآية 33 من سورة الفرقان: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا }.
وإنزال القرآن الكريم جملة واحدة في ليلة واحدة ورد في الآيتين الكريمتين:
- { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر: 1].
- { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } [الدخان: 3].
وفي تحديد الشهر الذي أنزل فيه القرآن جملة واحدة ورد ذلك في الآية الكريمة:
{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ } [البقرة: 185].
كذلك فإن ما يؤكد إنزال القرآن الكريم جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم تنزله على مراحل من السماء الدنيا إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو ما ذكرته الجن في سورة الجن عن نزول القرآن الكريم:
{ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } [الجن: 8-9].

(1/66)


وهذا الوصف يوضح العناية والحفظ الذي هيأه الله سبحانه وتعالى للقرآن الكريم أثناء تنزله من السماء الدنيا إلى الأرض.
كذلك فإن الله سبحانه وتعالى يذكر في الآية 210 من سورة الشعراء: { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ }. والكلام هنا عن التنزيل بين السماء الدنيا والأرض حيث توجد الشياطين.
كما يقول سبحانه وتعالى في الآية 9 من سورة الحجر:
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9].
وقد استخدم القرآن كلمة (نزلنا) بدلاً من أنزلنا) ليبين لنا أن هذا الذكر قد حفظه الله من الشياطين أثناء فترة تنزله من السماء الدنيا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم طوال ثلاث وعشرين سنة. كما أنه سيحفظه من شياطين الإنس والجن إلى قيام الساعة..
أما في إنزال القرآن الكريم جملة واحدة من عند الله إلى السماء الدنيا فهناك الملأ الأعلى والملائكة المطهرون ولا يحتاج الأمر إلى ذكر الحفظ لأنه لا توجد شياطين في منطقة الملأ الأعلى...
السنة والعام والحول
القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.. وإحكام الآيات يعني إحكام الألفاظ والكلمات.. إن كل كلمة قرآنية تؤدي معناها (تماماً على الذي أحسن) في الجملة القرآنية والجملة القرآنية تؤدي معناها (تماماً على الذي أحسن) في الآية القرآنية وهكذا... ليكون القرآن الكريم كتاب محكم الآيات لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..
وكثير من الناس لا يجدون فرقاً في استخدام كلمات السنة والعام والحول ويعتقدون أنها كلمات مترادفة.. لو استبدلت مواقعها لما تغير معناها..
غير أن القرآن الحكيم يحدد المعنى للكلمة القرآنية بكل دقة ويوحي إلينا هذا المعنى من خلال سياق الجملة القرآنية، الآية والسورة.. وكذلك من خلال ربط الآيات القرآنية ببعضها.. فما أوجز من معنى في مكان.. يفسره الله سبحانه وتعالى لنا في مكان آخر..
وكما سبق لي أن أوضحت في هذه الدراسة أن هناك آيات قرآنية أو جملاً قرآنية يرد فيها لؤلؤة أو مفتاحاً لبيان معنى معين قد يكون معلقاً على الفهم العام وبتدبر هذه الآية القرآنية وبربطها مع الآيات القرآنية الأخرى ذات العلاقة يظهر المعنى واضحاً جلياً..
ولنتدبر بعض الآيات التي تعتبر مفاتيح لمعنى السنة والعام والتي تربط بين السنة والعام:
قال الله سبحانه وتعالى في الآية رقم 14 من سورة العنكبوت:
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } [العنكبوت: 14].
وقال سبحانه وتعالى في الآيات 47-49 من سورة يوسف:
{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }.
في الآيات السابقة نجد أنه حيثما ترد السنة أو السنين فذلك يعني الشدة والتعب والدأب والظلم والطول.. وعلى العكس حيثما يرد العام فذلك يعني السهولة واليسر والرخاء وقصر المدة.
ففي المثال الأول والخاص بمدة الرسالة التي قضاها نوح عليه السلام في قومه بما فيها من شدة ونصب وتكذيب واستهزاء.. ثم ما كان من يسر ورجاء لنوح عليه السلام بعد الطوفان الذي أغرق الكافرين وبعد أن عاش مع المؤمنين.. فقد ذكر القرآن الكريم أن نوحاً عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً..
أي أنه لبث في الشدة 950 سنة وفي الرخاء بعد إهلاك الكافرين الطوفان خمسين عاماً.
وفي المثال الثاني من سورة يوسف فقد جاءت{ سبع سنين } مع العمل الدءوب والجهد والتعب ثم جاءت (سبع شداد) وهي صفة للسنين مع الضنك والجدب..
أما لفظ (العام) فقد جاء مع (الغيث) و(المطر) وكثرة العلة واليسر والرخاء..
{ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }.
السنة:
حينما نرجع إلى جميع آيات القرآن الكريم التي وردت فيها (سنة) و(سنين) لوجدنا صفة الشدة والطول هي الغالبة على المعنى وقد وردت في القرآن الكريم 20 مرة نذكر بعض الأمثلة منها:
{ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ } [الأعراف: 130].
{ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } [الكهف: 11].
{ { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } [الشعراء: 205].
{ { قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } [الشعراء: 18].
{ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } [طه: 40].

(1/67)


وهذه الآية فيها لفتة عظيمة حيث تدل على الأجل الذي قضاه موسى عليه السلام في مدين وأن هذا الأجل هو عشر حجج حينما خيّره والد الفتاة { { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } [القصص: 27].
وقد جاءت الآية بأن موسى عليه السلام قد لبث سنين في أهل مدين وبالمعنى الخاص بالسنين وهو طول المدة فإن ذلك يعني أن موسى عليه السلام قد قضى أطول الأجلين أي عشرة سنوات.. وبالطبع فإن هذه خصوصية النبوة وهي إتمام الخير.. لاحظ معي أيها القارئ الكريم هذه الدقة في القرآن وأن أي كلمة لا تأتي عفواً.. وإنما هي الحكمة..
العام:
وردت كلمة عام وعامين في القرآن الكريم 10 مرات وهي تعني اليسر والرخاء وقلة المدة أو قصرها حسب الحالة النفسية للشخص أو الأشخاص.. ونذكر فيما يلي أمثلة من ذلك:
{ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [التوبة: 126].
وتعني: قصر المدة التي تتم خلالها الفتنة.
{ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } [يوسف: 49].
وهي تعني اليسر والرجاء.
{ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان: 14].
وهي تعني الحب والفرح بالوليد خلال فترة الرضاعة.
الحول:
الحول يعني العام الذي يتم فيه فعل الشيء بلا انقطاع فمعناه يختف عن معنى السنة ويختلف كذلك عن معنى العام لأن السنة والعام هي فترات زمنية يأتي خلال أي جزء منها الحدث أو الفعل وليس شرطاً أن يكون الحدث أو الفعل مستمراً خلالها، أما الحول فيكون الحدث أو الفعل فيه مستمراً بدون انقطاع.. ونذكر الآيتين اللتين ورد فيهما الحول:
{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ } [البقرة: 240].
وهي تعني أن يكون المتاع طوال العام مستمراً بدون انقطاع.
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة: 233].
وهي تعني أن الرضاعة مستمرة بلا انقطاع طوال العامين.. { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } [لقمان: 14].
من الدراسة السابقة يتبين لنا الفروق الجوهرية بين معنى السنة ومعنى العام ومعنى الحول وأنها يجب أن يتم فهمهما على النحو الصحيح حتى نتدبر آيات القرآن ونفهمها على أحسن وجه.
(1) من تقديم الدكتور سعد عبد المقصود ظلام لتفسير ابن كثير.
(2) حكمة الدين ـ وحيد الدين خان.
==============
من أسرار تعدية الفعل في القرآن الكريم
أولا-( من أسرار تعدية الفعل في القرآن الكريم ) عنوان كتاب لمؤلفه: الدكتور يوسف بن عبد الله الأنصاري، الأستاذ المشارك بقسم: البلاغة والنقد- كلية اللغة العربية- جامعة أم القرى. والكتاب يحتوي على مقدمة، وتمهيد، وفصلين، وخاتمة.
تحدث المؤلف في المقدمة عن ( أهمية هذا الموضوع )، وذكر أنها تعود إلى أمرين:
أولهما: ارتباطه بفقه الدلالة.. وثانيهما:دقة مسلكه، وغموضه، وخفائه على بعض العلماء .
وتحدث في التمهيد عن ( مفهوم التعدية واللزوم عند النحاة )، فذكر أن الفعل اللازم هو الفعل، الذي يكتفي برفع الفاعل، ولا ينصب مفعولاً به أو أكثر؛ وإنما ينصبه بمعونة حرف جر، أو غيره مما يؤدي إلى التعدية. وأن الفعل المتعدي هو الفعل، الذي ينصب بنفسه مفعولاً به، أو اثنين، أو ثلاثة من غير أن يحتاج إلى مساعدة حرف جر، أو غيره مما يؤدي إلى تعدية الفعل اللازم.
وفي الفصل الأول تحدث المؤلف عن(جهود العلماء في دراسة تعدية الفعل)، وذكر أن من أوائل الإشارات، التي تكشف عن أسرار تعدية الفعل بحروف الجر ما ذكره الإمام الخطابي في قوله:"وأما( من ) و( عن ) فإنهما يفترقان في مواضع؛ كقولك: أخذت منه مالاً، وأخذت عنه علمًا. فإذا قلت: سمعت منه كلامًا، أردت سماعه من فيه. وإذا فلت: سمعت عنه حديثًا، كان ذلك عن بلاغ ".
ومن ذلك ما نقله عن الراغب من قوله في الفرق بين تعدية الفعل( راغ ) بـ( إلى ) و( على )؛ كما في قوله تعالى:
" فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ" (الذاريات: 26)
" فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ "(الصافات: 91)
" فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ" (الصافات: 93)
واتكأ الدكتور يوسف في هذه الدراسة- كما قال- على الزمخشري؛ لأن كثيرًا من أئمة التفسير كانوا عالة عليه؛ ولأن كتابه ( الكشاف ) يضم بين دفتيه كثيرًا من الأسرار البلاغية لحروف الجر، التي تتعدى بها الأفعال..
ومن ذلك قوله في تعدية الفعل ( جرى ) بـ( إلى )، التي تدل على انتهاء الغاية، وباللام التي تدل على معنى الاختصاص؛ كقوله تعالى:
" وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى " (لقمان: 29)
" وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى "(الرعد: 2)

(1/68)


ومما نقله عن الرازي قوله في الفرق بين تعدية الفعل( تاب ) بـ( على ) وبـ( إلى )؛ كما في قوله تعالى:
" فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ " (البقرة: 37)
" سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ "(الأعراف: 143)
ومما نقله عن أبي حيان قوله في الفرق بين تعدية الفعل( أنزل ) بـ( على ) وبـ( إلى )؛ كما في قوله تعالى:" أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ "(العنكبوت: 51)
" إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ "(النساء: 105)
ومما نقله عن الألوسي قوله في الفرق بين تعدية الفعل( سارع ) بـ( في )
وبـ( إلى )؛ كما في قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ " (المائدة: 41)
" وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ " (آل عمران: 133)
وفي الفصل الثانيمن الكتاب تحدث الدكتور الأنصاري عن ( أسرار تعدية الفعل في القرآن الكريم )، وذكر من الأفعال:( دخل ) و( خرج ) و( جاء ) و( أتى ) و( وذهب ). وفي الحقيقة أن هذا الفصل ما هو إلا تكرار للفصل الأول من حيث المضمون، ولا يكاد يختلف عنه إلا في التسمية. وفي تخلف ما جاء به من أقوال عن الأقوال، التي نقلها عن العلماء في الفصل الأول.
ثانيًا- وتعليقًا على بعض ما جاء في هذا الكتاب أقول، وبالله المستعان:
1- ما ذكره فضيلته في التمهيد عن مفهوم التعدية، واللزوم عند النحاةهو المشهور في كتب النحو، وهو الذي يردده علماء النحو وطلابه إلى اليوم. وممَّا ينبغي معرفته، والتنبيه إليه هنا، هو أن مصطلح:( الفعل اللازم )يطلق على نوعين من الأفعال، خلافًا للقول السابق:
النوع الأول:أن يكون من الأفعال، التي لا تطلب مفعولاً به ألبتة. وذكر ابن هشام له علامات:
العلامة الأولى:أن يدل على حدوث ذات؛ كقولك: حدث أمر، وعرض سفر.. قال ابن هشام:"فإن قلت: فإنك تقول: حدث لي أمر، وعرض لي سفر. فعندي أن هذا الظرف- يعني: الجارُّ والمجرور- صفة المرفوع المتأخر تقدم عليه، فصار حالاً، فتعلقه أولاً وآخرًا بمحذوف، وهو الكون المطلق. أو متعلق بالفعل المذكور على أنه مفعول لأجله، والكلام في المفعول به ".
والعلامة الثانية:أن يدل على حدوث صفة حسية؛ نحو قولك: طال الليل، وقصر النهار، وخلق الثوب، ونظف، وطهر، ونجس.
والعلامة الثالثة:أن يكون على وزن: فعُل، بضم العين؛ كظُرف المرء، وشرُف، وكرُم، ولؤُم.
والعلامة الرابعة:أن يكون على وزن: انْفَعَلَ؛ نحو قولك: انكسر الزجاج، وانصرف القوم.
والعلامة الخامسة:أن يدل على عَرَضٍ؛ كمرض زيد، وفرح، وأشر، وبطر.
والعلامة السادسة والسابعة: أن يكون على وزن: فعَل، بفتح العين. أو: فعِل. بكسر العين، اللذين وصفُهما على: فعيل؛ كذلَّ فلان فهو ذليل، وسمن فهو سمين.
قال ابن هشام:"ويدل على أن ذلَّ فعَل، بالفتح، قولهم: يذِلُّ، بالكسر. وقلت في نحو: ذلَّ، احترازًا من نحو: بخل؛ فإنه يتعدى بالجار، تقول: بخل بكذا.
وقال أيضًا:"فإن قلت: وكذلك تقول: ذل بالضرب، وسمن بكذا. قلت: المجروران مفعول لأجله، لا مفعول به ".
النوع الثاني:أن يكون من الأفعال، التي استغني عن مفعولها، لقصد العموم. وهذا النوع من الأفعال هو الذي يعبر عنه علماء النحو بـ( أنه نُزِّل منزلة الفعل اللازم )كالفعل:( أبصر، يبصر ) في قوله تعالى:" ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ "(البقرة:17).
والفعل:( شاء ) في نحو قوله تعالى:" وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ "(البقرة: 20(
فقوله تعالى:" لَا يُبْصِرُونَ "هو فعل متعد في الأصل؛ ولكن حذف مفعوله لقصد عموم نفي المبصرات، فتنزل الفعل منزلة اللازم، ولا يقدَّر له مفعول؛ كأنه قيل: لا إحساس بصر لهم.
وإلى هذا أشار الزمخشري بقوله:"والمفعول الساقط من" لاَّ يُبْصِرُونَ "من قبيل المتروك المُطرَح، الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأنَّ الفعل غير متعدٍّ أصلاً؛ نحو:" يَعْمَهُونَ "في قوله تعالى:" وَيَذَرُهُمْ فِيْ طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ "(الأنعام: 110) ".
وكذلك فعل المشيئة في نحو قوله تعالى:" لو شَاءَ اللهُ، لذَهَبَ بسَمْعِهِمْ "(البقرة: 20)
فهذا فعل مُنزَّل منزلة اللازم، ولا يجوز أن يُصَرَّح بمفعوله، إلا في الشيء المستغرب؛ كما في قول الخُرَيْمي:
فلو شئت أن أبكي دمًا لبكيته **غليك ولكن ساحة الصبر أوسع
فهنا لا يجوز حذف المفعول؛ لأنه لو حذف، وقيل:
فلو شئت أن أبكي لبكيت دمًا
فإنه يحتمل تعليق المشيئة ببكاء الدمع، على مجرى العادة، وأن ما ذكره من بكاء الدم واقع بدله من غير قصد إليه؛ وكأنه قال:
لو شئت أن أبكي دمعًا، لبكيت دمًا
فهذا المعنى محتمل، وإن كان تقييد البكاء في الجواب بالدم، يدل دلالة ظاهرة على أنه المراد، فإذا ذكر المفعول، زال هذا الاحتمال، وصار الكلام نصًّا في المعنى الأول.

(1/69)


وأما مصطلح:( الفعل المتعدي )فيطلق على كل فعل، ذكر مفعوله في الجملة؛ سواء وقع عليه الفعل مباشرة، أو وقع عليه بوساطة أداة الجر، وهو أنواع ، سأكتفي بذكر ثلاثة منها:
النوع الأول:هو الذي يتعدى إلى واحد بنفسه تارة، وبالجار تارة أخرى؛ كشكر، ونصح، وقصد. تقول: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، وقصدته وقصدت له، وقصدت إليه. قال تعالى:
" وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ "(النحل: 114)
" وََاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ " (البقرة: 172)
النوع الثاني:هو الذي يتعدى إلى مفعول واحد دائمًا بالجار؛ كقولك:
غضبت من زيد، ومررت به، أو عليه.
النوع الثالث:هو الذي يتعدى إلى مفعولين: الأول بنفسه، والثاني بأداة الجر؛ كقوله تعالى:
" قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ "(البقرة: 33)
" نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ "(الأنعام: 143)
" وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ "(الحجر: 51)
وقد يحذف الحرف، ويبقى المفعول الثاني. وقد يحذف كليهما لتقدم ذكرهما؛ كما في قوله تعالى :
" فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ "(التحريم: 3(
2-وواضح مما تقدم أنه لا يصح أن يطلق مصطلح:( المتعدي بالحرف )على الفعل، إلا إذا كان المتعدَّى إليه بهذا الحرف مفعولاًً به في الأصل؛ كقولك: سهوت عن الصلاة، وفي الصلاة. وقولك: رغبت في الشيء، وعن الشيء. وقولك : دخلت في البيت، وإلى البيت.. وهذا ظاهر في كل الأمثلة السابقة، والأمثلة، التي نقلها الدكتور الأنصاري عن العلماء في الفصل الأول من كتابه.
وإلى هذا نبَّه ابن هشام في قوله الذي تقدم ذكره:”فإن قلت: فإنك تقول: حدث لي أمر، وعرض لي سفر.. فعندي أن هذا الظرف صفة المرفوع المتأخر تقدم عليه، فصار حالاً؛ فتعلقه أولاً وآخرًا بمحذوف، وهو الكون المطلق. أو متعلق بالفعل المذكور على أنه مفعول لأجله، والكلام في المفعول به “.
وقوله أيضًا:”فإن قلت: وكذلك تقول: ذلَّ بالضرب، وسمِن بكذا. قلت: المجروران مفعول لأجله، لا مفعول به “.
والملاحظ أن الدكتور الأنصاري في حديثه عن الفعل المتعدي بالحرف أنه خلط بين المفعول به، والمفعول فيه، والمفعول لأجله، دون تمييز، فجعل كل فعل ذكر بعده أحد هذه المفعولات، أو غيرها مجرورًا بالحرف، متعديًا بحرف الجر. ولم يكتف بذلك؛ بل جعل الظرف ( مع ) بمنزلة حرف الجر. وقد كان الكوفيون يخلطون بين الظروف، وحروف الجر، فهي كلها عندهم حروف جر .
3-وسأكتفي في بيان ذلك بالحديث عن فعلين ذكرهما الدكتور الأنصاري في الفصل الثاني من كتابه؛ وهما: الفعل:( دخل ). والفعل:( خرج ).
الفعل الأول:( دخل )
قال الدكتور الأنصاري:” الفعل ( دخل ) تنوعّت دلالاته، تبعًا لتعدد تعديته بحروف الجر، التي يكتسب معها الفعل من معانيها الأصلية من الدلالات الموحية، التي يعين على إبرازها السياق والمقام. وقد جاء في القرآن الكريم متعديًا بنفسه؛ كما في قوله تعالى:
" وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ "(لكهف: 35)
" قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا "(النمل: 34(
وورد متعديا بـ( على ) و( في ) و( من ) و( الباء ) و( مع )، فدل على معان متباينة، طبقًا للحرف المتعدى به.
والدخول نقيض الخروج، ويستعمل ذلك في المكان والزمان، وحقيقته كما يقول الطاهر بن عاشور: نفوذ الجسم في جسم. أو مكان مَحوط كالبيت والمسجد..
وحين تعدى فعل الدخول بـ( على )، دلّ حرف الاستعلاء على ارتفاع المكان وإشرافه وعلوه، وأن الداخل، أو المأمور بالدخول فيه، مطالب بمزيد من التحمل والصبر على ما يلاقيه من الضرر والمشقة، وإن بقي لكل سياق مزيد خصوصية بما تشيعه تراكيبه من الدلالات والأغراض، التي لا تجدها في السياق الآخر...
وبتأمل مواطن تعدية الدخول بـ( على ) في القرآن الكريم، نجد له الدلالة، التي ذكرناها آنفا، في قوله تعالى:
" كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً "(آل عمران: 37)
فـ( على ) بدلالته على الاستعلاء، يشير إلى ارتفاع المكان، الذي فيه مريم- عليها السلام- وعلوه، وقد نصّ المفسرون على أن زكريا- عليه السلام- بنى لها محرابا في المسجد. أي: غرفة يصعد إليها بسلم.
أو أن ( على ) توحي بمشقة زكريا عليه السلام، وهو شيخ كبير في الوصول إليها، ومعاناته في كفالته لها، والقيام على رايتها حقّ الرعاية على أكمل وجه.
ولنفس الغرض جاءت ( على ) حين تعدى بها فعل الدخول في قصة يوسف عليه السلام في أربعة مواطن؛ منها قوله تعالى:
" وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ "(يوسف: 58) " وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ "(يوسف: 69)
فهي تدل على ارتفاع مكان يوسف وعلوه، وأنهم قد وجدوا من المشقة والصعاب ما وجدوه في سبيل الوصول إليه، والدخول عليه “.
ومن الأمثلة التي ذكرها على تعدي( دخل ) بـ( مع ) قوله تعالى:

(1/70)


" وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ "(يوسف: 36)
قال :” فدلت كلمة المصاحبة ( مع ) على أن دخول هذين الفتيين السجن كان بمعية يوسف، مصاحبين له، ملحقين به. ولو رمت حذف ( مع ) من هذه الآية الكريمة، فلن تجد هذه المعاني، التي أومأت إليها كلمة المصاحبة من أن دخول الثلاثة السجن في آن واحد.
ونشرت الباء بدلالتها على الإلصاق والملابسة على فعل الدخول، حين تعدَّى بها معنى الجماع في قوله تعالى:
" وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ")النساء: 23)
يقال: دخل بعروسه: جامعها. ومعنى دخلتم بهن: جامعتوهن، وهو كناية عن الجماع.. وقد أعانت الباء على تحقيق الكناية في قوله:
" دَخَلْتُم بِهِنَّ "
بما لا يمكن أن تنهض به الحقيقة؛ كما قدرها الزمخشري بقوله: يعني: أدخلتموهن الستر.. مما يدل على قدرة هذه اللغة على الوفاء بآداب الإسلام، وما يوجبه من الترفع عن التصريح بما يستحسن الكناية عنه، إلى جانب ما جسدته الباء بما فيها من اللصوق والملابسة من الدلالة على شدة الارتباط، والقرب الروحي، والمخالطة النفسية بين الزوجين، بما يحقق الغاية من قوله تعالى:
" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْها "(الروم: 21)..“
هذا ما ذكره الدكتور الأنصاري عن تعدي الفعل ( دخل ).
والمعروف في اللغة والنحو: أن الفعل( دخل ) يستعمل لازمًا تارة . ومتعديًا تارة أخرى . ومتعديًا ولازمًاتارة ثالثة .
أما كونه لازمًافلأن مصدره على: فعول ، وهو غالب في الأفعال اللازمة؛ ولأن نظيره ونقيضه كذلك:( عبر ) و( خرج )، وكلاهما لازم.
ويتعين كونه لازمًا، إذا كان المدخول فيه مكانًا غير مختص؛ كقوله تعالى:
" ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم "(الأعراف: 38)
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السَّّلْمِ كَآفَّةً " (البقرة: 208)
فإذا كان المدخول فيه مكانًا مختصًّا، فإما أن يكون ذلك المكان متسعًا جدًّا، بحيث يكون كالبلد العظيم. أو يكون ضيِّقًا جدًّا، بحيث يكون الدخول فيه ولوجًا وتقحمًا. أو يكون وسطًا بينهما.
فإذا كان الأول، وهو ( أن يكون المكان متسعًا جدًّا)، لم يكن من نصبه بدٌّ؛ كقول العرب: دخلت الكوفة والحجاز والعراق. ويقبُح أن يقال: دخلت في الكوفة، وفي الحجاز، وفي العراق، ومنه قوله تعالى:
" يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ "(المائدة: 21)
" ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (النحل: 32)
وإذا كان الثاني، وهو( أن يكون المكان ضيِّقًا جدًّا)، لم يكن من جره بدٌّ؛ كقولهم:( دخلت في البئر ).
وإذا كان الثالث، وهو ( أن يكون المكان وسطًا بينهما)، جاز فيه النصب، والجر؛ كقولهم: دخلت المسجد، وفي المسجد. ونصبه أبلغ من جره.
(( ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، الذي رواه عنه أبو سعيد الخدري:” لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ..“.
هذا في صحيح البخاري. وفي صحيح مسلم:
” لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ..“.
وفي سنن ابن ماجة:
”لَتَتَّبِعُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَاعًا بِبَاعٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ وَشِبْرًا بِشِبْرٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ فِيهِ.. )).
فجاء ( دخل ) متعديًا إلى ( الجحر ) تارة بنفسه، وتارة أخرى بـ( في )؛ لأنه من الأماكن المختصَّة، التي تكون وسطًا بين المتسعة جدًّا، والضيقة جدًّا. وقد وهم بعضهم حين ظن أن الجحر من الأماكن الضيقة، وهو ليس منها؛ لأن الدخول فيه لا يكون ولوجًا وتقحُّمًا؛ كالدخول في البئر.
أما انتصابه فعلى المفعول به، لا على نزع الخافض؛ لأن الأصل في الفعل ( دخل ) المتعدي إلى المكان المختص أن يتعدى بنفسه، ومنه قوله تعالى :
" يَا أيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ "(النمل: 18)
وأما ما ذهب إليه الدكتور الأنصاري من القول بأن ( دخل ) يتعدي بالحرف ( على )، وأنه يدل على ارتفاع المكان، وعلوه، فليس كذلك؛ لأن ( دخل ) لا يتعدَّى بـ( على ) أصلاً.
وقد يكون ما ذكره فضيلته من تعليل مقبولاً، لو أن ( دخل ) من الأفعال، التي تتعدى إلى مفعولها بحرفين، أو أكثر. أو كان من الأفعال، التي تتعدى إلى مفعولين أحدهما بأنفسها، والثاني بوساطة حرف الجر. فحينذ فقط يمكن أن نختار من هذه الأحرف أنسبها للسياق، ونعدِّي الفعل به؛ كما كان الشأن في غيره من الأفعال، التي تقدم ذكرها، من نحو قولهم: مررت به، ومررت عليه.

(1/71)


ولو افترضنا جدلاً أن ( دخل ) يتعدى بـ( على ) ، وأنه يدل على علو المكان وارتفاعه، فماذا يمكن أن نقول، إذا كان المدخول عليه في كهف تحت الأرض، وطلب منا الدخول عليه ؟ أنقول: دخلت فيه، أو: دخلت معه، أو دخلت به، أو دخلت عليه...؟ من البدهي أننا سنقول: دخلت عليه. فهل يشير( على ) هنا مع فعل الدخول إلى ارتفاع المكان، وعلوه ؟
ولهذا أقول: ينبغي أن نفرق بين قولنا: أشرفت على القوم، ومررت على القوم، وبين قولنا: دخلت على القوم، وألا نخلط بينها. فالقوم في الأول والثاني مفعول في المعنى، تعدى إليه الفعل بوساطة ( على )، خلافًا للقوم في القول الثالث؛ فإنه اسم مجرور، والمفعول به محذوف تقديره: دخلت المجلس على القوم ، ومثله قوله تعالى:
" وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ "( يوسف: 58)
" وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ "(يوسف: 69)
أي: دخلوا القصر عليه. وليس هذا؛ لأن يوسف عليه السلام في مكان عال شريف. أو لأن الداخل عليه يلقى من المشقة ما يلقاه؛ لأنك تقول: دخلت على المجرم في سجنه.. ودخلت على أخي في مكتبه.. ودخلت على والدي في حجرته.. ونحو ذلك مما ليس فيه علو، أو مشقة.
وأما قوله تعالى:
" وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ "( يوسف: 36)
فالمفعول به هنا هو ( السجن ). و( معه ) حال من الفاعل. والأصل: ودخل السجن معه فتيان. أي: مصاحبين له. وهذا ما أشار إليه الزمخشري بقوله:”مع: يدل على معنى الصحبة واستحداثها. تقول: خرجت مع الأمير. تريد: مصاحبًا له. فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له “.
فتعلق( مع ) هنا بالفعل هو من تعلق المفعول فيه، لا من تعلق المفعول به؛ ولهذا يخطىء من يقول: إن ( دخل ) يتعدَّى بـ( مع )؛ كما يخطىء من يقول: إنه يتعدَّى بـ( على ).
وأما قوله تعالى:
" فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ "(النساء: 23)
فالمفعول في الأصل محذوف تقديره: فإن لم تكونوا دخلتم الستر بهن. ولكن حذف المفعول، وعدِّيَ بالباء؛ لأنه كنِّيَّ بالدخول عن الجماع. وهذا ما أشار إليه أبو حيان بقوله:”الدخول هنا كناية عن الجماع؛ لقولهم: بنى عليها. وضرب عليها الحجاب. والباء للتعدية، والمعنى: اللائي أدخلتموهن الستر.
قاله ابن عباس، وطاوس، وابن دينار “.
فقوله تعالى:" دَخَلْتُم بِهِنَّ "، عدِّي الفعل فيه بالباء؛ لأنه كُنِّيَ به عن الجماع، لا لأن الفعل ( دخل ) يتعدى بالباء، وهذا واضح.
ولو كان الضمير المجرور بـ( على )، و( الباء )، و( مع ) يعود على مفعول ( دخل ) الظاهر ، أو المضمر في الآيات السابقة، لجاز لنا أن نقول: إنه تعدى إلى مفعولين: الأول بنفسه، والثاني بحرف الجر. وهذا بعيد جدًّا.
أما قوله تعالى:" فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي "(الفجر: 29- 30 )
فقال فيه أبو حيان:”تعدى( فادخلي ) أولاً بـ( في ). وثانيًا بغير( في )؛ وذلك أنه إذا كان المدخول فيه غير ظرف حقيقي، تعدت إليه بـ( في ): دخلت في الأمر، ودخلت في غمار الناس، ومنه:" فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ". وإذا كان المدخول فيه ظرفًا حقيقيًّا، تعدت إليه في الغالب بغير وساطة: في“ الفعل الثاني:( خرج )
ذكر الدكتور الأنصاري أن ( خرج ) يتعدى بـ( من ) و( إلى ) و( على ) و( اللام ) و( مع ) و( في ).
وذكر من تعديته بـ( من ) قوله تعالى:
" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ "(البقرة: 243)
ومن تعديته بـ( إلى ) ذكر قوله تعالى:
" وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ "(الحجرات: 5)
ومن تعديته بـ( على ) ذكر قوله تعالى:
" فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهٍِ "(القصص: 79)
ومن تعديته بـ( اللام ) ذكر قوله تعالى:
" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ "(الأعراف: 32(
ومن تعديته بـ( مع ) ذكر قوله تعالى:
" لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً "(الحشر: 11)
ومن تعديته بـ( في ) ذكر قوله تعالى:
" لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً " (التوبة: 47)
أما قوله بتعديته بـ( من ) و( إلى ) و( على ) فهو قول صحيح، لا غبار عليه.. وأما قوله بتعديته بـ( اللام ) في قوله تعالى:
" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ "
ففيه خلط واضح بين الفعل:( خرج ) والفعل:( أخرج ). والأول لازم يتعدى بـ( إلى )، أو بـ( من ).. والثاني يتعدى بنفسه؛ إذ الهمزة فيه للتعدية، وحذف مفعوله؛ لأنه يعود على ( زينة الله ) و( الطيبات من الرزق ).
ولو كان عائدًا على الزينة فقط، لوجب أن يقال:( أخرجها لعباده ). أي: لأجلهم. ولو كان العباد مفعولاً، لقلنا إنه تعدى إليه باللام؛ ولكنه ليس بمفعول، ويسمِّي النحاة هذه الهمزة: همزة النقل، وهي التي تنقل غير المتعدي إلى المتعدي؛ كقولك: قام وأقمته، وذهب وأذهبته. وعلى هذا يكون قوله تعالى:( لِعِبَادِهِ ) متعلقًا بالفعل:( أخرج )؛ لأنه مفعول لأجله. والمعنى: أخرج لأجل عباده.

(1/72)


أي: أحرج الزينة والطيبات من الرزق لأجلهم.
وأما قوله بتعديته بـ( مع ) في قوله تعالى:
" لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً "
فليس كذلك؛ لأن التقدير: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، إلى حيث تخرجون. فالفعل متعد إلى مفعوله المحذوف للعلم به بـ( إلى ). و( معكم ) مثلها في قوله تعالى:
" وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ "
ومثل ذك يقال في قوله تعالى:
" لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً "
لأن التقدير: لو خرجوا إليهم فيكم. أو إلى حيث يريدون. و( في ) للظرفية المكانية، وتعلقها بالفعل من تعلق الظرف به.
وأخيرًا أذكِّر القارىء الكريم بما بدأ به الدكتور الأنصاري في مقدمة كتابه، فقال:" إن أهمية هذا الموضوع تعود إلى أمرين:
أولهما: لارتباطه بفقه الدلالة.. وثانيهما: لدقة مسلكه وغموضه وخفائه على بعض العلماء ".
وأود أن أشير هنا إلى أن الباعث على كتابة هذه المقالة النقدية ما دار من حوار على الرابط الآتي:
http://tafsir.org/vb/showthread.php"t=4991&highlight=%E5%D0%C7+%C7%E1%CA%E6%CC%ED%E5+%D5%CD%ED%CD
حول معنى قوله تعالى:" فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ"(النحل: 29 )
وقوله تعالى:" لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ " (يوسف: 67 )
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يمنَّ على عباده بنعمة الفهم لمعاني كلامه، وبنعمة الإدراك للكشف عن أسرار بيانه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
الأستاذ: محمد إسماعيل عتوك
الباحث
في الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن
================
من أسرار الرسم القرآني ـ إبدال بعض الحروف والزيادة
إعداد المهندس محمد شملول
مهندس مدني وكاتب إسلامي مصري
نواصل حديثنا عن إعجاز الرسم القرآني ونتكلم عن الإعجاز في إبدال بعض الحروف والزيادة
أ- إبدال التاء المربوطة تاء مبسوطة
نعمة - نعمت
* وردت (نعمة) بالتاء المربوطة 25 مرة في القرآن الكريم.
* ووردت (نعمت) بالتاء المفتوحة 11 مرة في القرآن الكريم.
نعمة:
ونلاحظ حين تدبرنا للآيات الكريمة التي وردت فيها نعمت بالتاء المربوطة أنها تتحدث إما عن نعم الله الظاهرة للعيان وهي النعم العامة للبشر جميعاً... أو تتحدث عن أقل شيء يطلق عليه (نعمة) مثل:{ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } [النحل: 53]، أي أن ما بكم من أقل شيء يطلق عليه (نعمة) فهو من الله وليس أي مخلوق بقادر على أن ينعم عليكم بأقل نعمة... وطبيعي أن تأتي كلمة (نعمة) في هذا المجال بالتاء المربوطة لأنها محدودة ومربوطة..
نعمت:
أما حينما تأتي (نعمت) بالتاء المفتوحة فإنها تدل على النعمة الخاصة التي وهبها الله سبحانه وتعالى للمؤمنين من عباده... كما أنها تدل على النعم المفتوحة التي لا يمكن إحصاء عددها...
وجدير بالذكر أنه حينما تذكر (نعمت) في أي آية من القرآن الكريم فيكون ذلك من أجل لفت انتباه قارئ القرآن لتدبر هذه الآية وما حولها من آيات واستخلاص الحكمة والعبرة.
ونذكر فيما يلي بعض الآيات الواردة فيها (نعمة) و(نعمت) كاملة:
(نعمة)
- { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ } [آل عمران: 171].
- { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ } [المائدة: 7].
- { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ } [آل عمران: 174].
(نعمت)
- { وَاذْكُرُوا نِعْمتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } [آل عمران: 103].
- { وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } [إبراهيم: 34].
- { فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ } [الطور: 29].
وقد وردت (نعمت) كذلك في الآيات الآتية:
231 من سورة البقرة، 11 من سورة المائدة، 28 من سورة إبراهيم، 73 من سورة النحل، 83 من سورة النحل، 114 من سورة النحل، 21 من سورة لقمان، 3 من سورة فاطر.
ب- الزيادة الربوا
وردت كلمة (الربوا) على هذا الشكل في القرآن الكريم 7 مرات...
ووردت كلمة (ربا) مرة واحدة فقط في القرآن الكريم كله...
وقد جاءت كلمة (الربوا) بهذا الشكل لتلفت النظر إلى خطورة استخدام الربا في معاملات الناس، وأن الله قد حرم الربا، وأن الله يمحق الربا ويربي الصدقات.
أما كلمة (ربا) فقد جاءت مرة واحدة وهي خاصة بأقل شيء يطلق عليه ربا فهو لا يربوا عند الله:{ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } [الروم: 39].
ونلاحظ أيها القارئ الكريم أن كلمة (يربوا) تزيد حرف (الألف) في آخرها لتوحي بمعنى الربا وهي الزيادة.
اسطاعوا - استطاعوا

(1/73)


قال تعالى في الآية 97 من سورة الكهف عن السد الذي أقامه ذو القرنين ليحجز عن القوم إفساد يأجوج ومأجوج:
{ { فَمَا اسْطَعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } [الكهف: 97].
وقد استخدم القرآن الكريم كلمة (اسطاعوا) ناقصة حرف (التاء) في الظهور على السد ليوحي بعجلتهم في صعود السد والقفز من فوقه خاصة وأن مبنى السد من الحديد والنحاس أي: أنهم عرضة للانزلاق الأمر الذي يتطلب سرعة في التسلق...
أما في حالة نقب السد فإن الأمر يستلزم زمناً وتراخياً في الوقت لذا فقد تم استخدام كلمة (استطاعوا) العادية بدون أن نقص في أحفرها.
وذلك ليكون مبنى الكلمة موحياً ومبنياً للمعنى المطلوب.
العلمؤا
وردت كلمة (العلمؤ) مرتين في القرآن الكريم كله.. ولم ترد إلا بهذه الصورة الخاصة لتدل على المكانة العظيمة والمنزلة الكبيرة للعلماء وأنهم ليسوا سواء مثل باقي الناس: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9]. وهي في محل (رفع):
- { أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَؤُا بَنِي إِسْرَائِيلَ } [الشعراء: 197].
- { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُا } [فاطر: 28] وفي هذا الآية يتبين لنا من هذه الصورة الخاصة (العلمؤا) وهي التي لا تأتي إلا في محل رفع دقة وعظمة القرآن للرد على هؤلاء الذين يقولون إن العلماء مفعول به أي في محل نصب.
3- الإعجاز في الوصل والفصل
فأن - أفإين
وردت كلمة (فإن) بشكلها العادة مرات عديدة موزعة على آيات القرآن الكريم...
غير أنه حينما تعرض القرآن الكريم لذكر موت الرسول صلى الله عليه وسلم فقد خصه بكلمة (أفإين) بشكلها غير العادي حيث أنها زادت حرف (الياء).
وذلك ليلفت النظر إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيموت مثل البشر جميعاً... وعلى المسلمين ألا ينقلبوا على أعقابهم بعد موته... وألا يصيبهم ذلك الحدث بالذهول وعدم الاتزان... وإنما يتماسكوا ويعلموا أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل لأحد من قبله الخلد.. وقد كان موقف سيدنا أبي بكر الصديق عظيماً حيث ذكر هذه الآية الكريمة التي أعادت للناس رشدهم والتي احتوت كلمة (أفإين) بشكلها غير العادي، كذلك احتوت آية كريمة أخرى هذه الكلمة بشكلها غير العادي وكانت خاصة أيضاً بموت الرسول صلى الله عليه وسلم.
علماً بأنه لم يرد في القرآن كله هذا الشكل غير العادي لهذه الكلمة إلا في هذين الموضعين:
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144].
وفيما يلي أمثلة لكلمة (إن) وملحقاتها والتي وردت في القرآن كلمة بدون (الياء):
- { وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ } [آل عمران: 158].
- { فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } [البقرة: 240].
- { فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ } [البقرة: 137].
ألم يروا - أولم يروا
في سورة يس.. وردت ألم يروا في الآية 31:
- {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ }.
وهي تعني (ألم تعلموا بالدليل والحجة) وهي تقع موقع الرؤية، والشهادة.. فالدليل والحجة يكون في أحيان كثيرة أقوى من الرؤية البصرية.. وتبين هذه الآية الكريمة قدرة الله على إهلاك القرون الأولى.. كما تبين أن الحدث كان في الماضي فقط.
أما حينما يذكر الله سبحانه وتعالى قدرته على الخلق والإنشاء فإن الأمر يختلف في استخدام التعبير لأنه في مقياسنا البناء أصعب من الدم، كذلك فإن الخلق متجدد، والحدث يقع في الماضي والحاضر والمستقبل، أي أن زمن الحدث متسع.. لذا فقد استخدم القرآن الكريم كلمة (أولم يروا) بزيادة حرف (و) ليدل على زيادة المعنى وعظمته وذلك في الآية الكريمة رقم 71 من سورة نفس السورة:
- {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ }.
كذلك فإن زيادة حرف (و) توحي بضرورة الانتظار والتهدئة للفكر في خلق الله وعدم العجلة في القراءة...
فانظر يا أخي القارئ الكريم إن كل حرف في القرآن يأتي زائداً أو ناقصاً فإن له فائدة....
ونعزز هذا القول بما ورد في الآية الكريمة رقم 77 من نفس السورة والتي تتكلم عن خلق الإنسان فقد استخدم القرآن الكريم كلمة (أولم ير) وكذلك في الآية الكريمة رقم (81) والتي تتكلم عن خلق السماوات والأرض فقد استخدم (و) زائدة..
- { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ }.
أما في الأحداث الماضية فقد ورد:
- { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } [الفيل: 1].
- و{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ } [الفجر: 6].
أيها - أيه
وردت كلمة (أيها) بشكلها المعتاد في القرآن الكريم كل 150 مرة غير أنها وردت بشكل مختلف (أيه) بنقص الألف التي في آخرها في ثلاث مواضع فقط وهي:

(1/74)


- { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّه الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور: 31].
وقد جاءت بهذا الشكل بنقص أحرف الكلمة لتوحي بالإسراع في التوبة... وأنه يجب على أي مؤمن أن يتوب عن أي خطأ يرتكبه بأقصى سرعة وألا يتوانى في ذلك.
- { وَقَالُوا يأَيُّه السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ } [الزخرف: 49].
وقد جاءت بهذا الشكل لتوحي بالعجلة التي تطلبها فرعون وملئه من موسى عليه السلام لرفع العذاب عنهم...
كما أنه من الممكن بأن توحي أيضاً بأن فرعون وملئه يحاولون التقليل من شأن موسى عليه السلام.
- { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّه الثَّقَلَانِ } [الرحمن: 31].
جاءت (أيه) بهذا الشكل ناقصة الألف لتوحي بالتهوين من أمر (الثقلين) وهما الإنس والجن لدى الله سبحانه وتعالى...
فمال هؤلاء القوم
حينما يريد الله سبحانه وتعالى للناس أن يتفكروا ويتفقهوا يأتي بسياق الآية الكريمة التي تمهل وفصل للكلمات والحروف وبتأن شديد يساعد على التدبر.... ونضرب لذلك مثالاً هذه الآية الكريمة:
قال تعالى: { فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } [النساء: 78].
جاء هناك فصل بين حرف (ل) وكلمة هؤلاء كما جاءت كلمة (لا يكادون) لتزيد من التمهل والتدبر والتفقه...
المراجع:
القرآن الكريم
1 - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ج2 في تفسير الآية 185 من سورة البقرة.
2 - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي في تفسير الآيات الثلاث الأولى من سورة الزخرف.
3 - كتاب مناهل العرفان للزرقاني.
4- ((كتاب تأملات في إعجاز الرسم القرآني وإعجاز التلاوة والبيان )) للمهندس: محمد شملول.
=============
دخول { لا } النافية على فعل القسم
قال الله جل وعلا:" فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ *إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "(الواقعة: 75 - 80)
فأدخل " لَا "على الفعل " أُقْسِمُ "، والسؤال الذي يتردد دائمًا، وبكثرة ملحة: ما دلالة " لَا " هذه، وما سر دخولها على فعل القسم ؟
ولعلماء النحو والتفسير أقوال في الإجابة عن ذلك، والتعليل له أقوال؛ أشهرها: أن"لَا " أدخلت الفعل " أُقْسِمُ "زائدة لتأكيد القسم. أو صلة، فيكون دخولها في الكلام، وخروجها منه سواء.
والقول الأول هو قول جمهور البصريين، والثاني هو قول جمهور الكوفيين، وعلى القولين يكون معنى الكلام على إسقاط "لَا "، وتقديره:
فأقسم بمواقع النجوم- وإنه لقسم لو تعلمون عظيم- إنه لقرآن كريم
وقد احتج بعضهم على ذلك بأن الله تعالى قد سمَّاه قسمًا، فقال سبحانه معترضًا بين القسم وجوابه:
" وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ".
والمستقرىء للآيات القرآنية، التي جاء فيها فعل القسم مسبوقًا بـ"لَا " هذه، يجد أن هذا الفعل فيها مسند إلى الله تعالى، لا إلى غيره؛ كما هو ظاهر في قوله تعالى:
" فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ"(الواقعة: 75)
ومثل ذلك قوله تعالى:
" فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ "(التكوير: 15)، وقوله تعالى:
" لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ "(القيامة: 1)، وقوله تعالى:
" لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ "(البلد: 1)
فالمتكلم في ذلك كله هو الله جل وعلا، وكلامه سبحانه منزَّهٌ من العبث والزيادة، التي ينسبها إليه جمهور المفسرين، والنحويين بحجة التوكيد. أو بحجة أن العرب تدخل "لَا " صلة في كلامها، والمعنى على إسقاطها.
وفي كون المتكلم هو الله جل وعلا إشارة إلى أن الله سبحانه، إن شاء أن يقسم على شيء، أقسم عليه بما يشاء من مخلوقاته، وإن لم يشأ، لم يقسم بشيء من ذلك؛ لأنه ليس بحاجة إلى القسم احتياج العبد إليه.. هذا أولاً.
وأما ثانيًا: فإن تدبر معاني هذه الآيات، التي جاء فيها القسم مسبوقًا بالنفي، ثم تدبر معاني غيرها من الآيات، التي جاء فيها القسم مثبتًا، يهدينا إلى أن المُقْسَمَ عليه في الآيات الأولى هو من الأمور الثابتة، التي لا يتطرق إليها الشك أو الظن أبدًا، خلافًا للمُقْسَمِ عليه في الآيات الثانية؛ إذ هو من الأمور، التي تكون موضع شك، أو ظن من قبل المخاطب.
وهذا النوع الثاني من المُقْسَم عليه هو الذي يكون بحاجة إلى أن يُقسَم عليه، دفعًا لمظنة اتهام، أو إزاحة للشك؛ ومثاله قول الله عز وجل:
" فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ "(مريم: 68)
" وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى "*" مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى "(النجم: 1- 2)
والغرض من هذا القسم تأكيد المُقسَم عليه، وتثبيته في النفوس؛ لأن المخاطب في شك منه.. ونحو ذلك ما وقع من القسم في قوله تعالى:
" قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ "( يونس: 53)
والخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم، يحكي استنباء الكافرين له، إن كان الوعيد بالعذاب، الذي توعدهم الله تعالى به في الآخرة حقًّا..

(1/75)


"وَيَسْتَنْبِئُونَكَ : أَحَقٌّ هُوَ " ؟ " قُلْ: إِي، وَرَبِّي " !" إِنَّهُ لَحَقٌّ ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ " !
فهم مزلزلون من الداخل تجاه هذا اليوم- أعني: يوم القيامة وما يصحبه من العذاب- يريدون أن يستوثقوا، وليس بهم ذرَّة من يقين، فيأتي الجواب بالإيجاب، حاسمًا، مؤكَّدًا بهذا القسم:
" قُلْ : إِي ، وَرَبِّي "!
أيْ: نعم ! وربي، الذي أعرف قيمة ربوبيته، فلا أقسم به حانثًا، ولا أقسم به إلا في جد وفي يقين:
" إِنَّهُ لَحَقٌّ ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ "!
أما النوع الأول- وهو موضوع حديثنا- فهو من الأمور اليقينية الثابتة، التي لا تحتاج إلى أن تؤكد بقسم؛ كما في قوله تعالى:
" إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ "*" فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ "*" لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ "*" تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
فكون القرآن كريمًا، في كتاب مَصون، لا تمسُّه إلا الملائكة المطهَّرون، وأنه تنزيل من رب العالمين، حقيقةٌ ثابتةٌ، لا تحتاج إلى قسم يؤكِّدها؛ لأنها أوضح من أن تؤكَّد بقسم.
وقد كان المشركون يزعمون أن القرآن، الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم هو قول كاهن، وقول مجنون، وأنه مفترى على الله سبحانه، من أساطير الأولين، وأنه متقوَّل على الله جل وعلا، تنزَّلت به الشياطين عليه، إلى آخر ذلك من هذه الأقاويل الباطلة ، فجاء الجواب من الله تعالى حاسمًا بأنه ليس كما يزعمون ويدَّعون.
وقد مهَّد سبحانه لهذا الجواب ملوِّحًا بالقسم بمواقع النجوم، التي أخبر عن عظمة القسم بها، فقال:
" فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ"*" وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ "
وكأنه سبحانه يقول: لست بحاجة إلى القسم بمواقع النجوم- على عظمتها- أن هذا القرآن كريمٌ؛ لأن كونه كريمًا في ذاته، وفي مصدره، من الحقائق الثابتة، التي لا يتطرق إليها الشك أبدًا، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى قسم يؤكده؛ لأنه أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى ذلك.
وكذا القول في قوله تعالى:
"فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ *وَمَا لَا تُبْصِرُونَ *إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ *وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ "(الحاقة: 38- 43)
وتعقيبًا على هذه الآيات قال سيد قطب رحمه الله:"إن الأمر لا يحتاج إلى قسم، وهو واضح هذا الوضوح، ثابت هذا الثبوت، واقع هذا الوقوع.. لا يحتاج إلى قسم أنه حق، صادر عن الحق.. وليس شعر شاعر، ولا كهانة كاهن، ولا افتراه مفتر ! لا، فما هو بحاجة إلى توكيد بيمين ".
فالمقام- إذًا- لا يحتاج إلى قسم، وتوكيد بيمين، فضلاً عن أن المتكلم هو الله جل وعلا؛ ولهذا لمَّا سمع أعرابيٌ قول الله تعالى:
" وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ "(الذاريات: 22- 23)
صاح قائلاً:"يا سبحان الله ! من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف ؟ لم يصدقوه بقوله، حتى ألجئوه إلى اليمين ".
فتأمل قول هذا الأعرابي، الذي أدرك بفطرته السليمة أن الأمر لا يحتاج إلى القسم على صحة وقوعه؛ لأنه أظهر وأوضح من أن يُقسَم عليه، مع أنه من الأمور، التي هي موضع شك من المخاطبين !
وبهذا يظهر لنا الفرق بين القسم المثبت، والقسم المسبوق بـ"لَا "النافية. كما يظهر لنا أن القول بزيادة " لَا "هو قول بعيد جدًّا؛ بل هو في بعده عن الصواب أبعد من النجوم في مواقعها من الأرض؛ إذ يستحيل أن يؤكَّد الشيء بنفيه، ولا يمكن لأعجمي، فضلاً عن عربي، أن يتصور أن " لَا أُقْسِمُ "معناه:" أُقْسِمُ "! وكيف ينسب ذلك إلى القرآن الكريم، وهو كتاب بيان، وهدى للناس !
وأما ما احتج به بعضهم على أن " لَا أُقْسِمُ "معناه:" أُقْسِمُ " بقوله تعالى:
" وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ "
فيجاب عنه بأن قوله تعالى:" فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ "
لما كان يحتمل أن يفهم منه المخاطب أن الله سبحانه لم يقسم بمواقع النجوم لتفاهتها وحقارتها، أو غير ذلك؛ لأن المتعارف عليه أن يكون المقسَم به شيئًا عظيمًا، جاء قوله تعالى:
" وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ "
معترضًا بين التلويح بالقسم والمقسم عليه، صَوْنًا للمعنى من هذا الاحتمال.
ومن الواضح أن المخاطبين بهذه الآيات حينئذ، لم يكونوا يعلمون عن مواقع النجوم إلا القليل القليل، الذي يدركونه بعيونهم المجردة. فأما نحن اليوم فنعلم من عظمة هذا القسم المتعلقة بالمقسم به، نصيبًا أكبر بكثير مما كانوا يعلمون، وإن كنا نحن أيضًا لا نعلم إلا القليل عن عظمة مواقع النجوم، وغيرها من الأمور، التي نفى الله تعالى حاجته إلى القسم بها. ومن ثمَّ قال تعالى لهم ولنا وللناس جميعًا:
" وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ- لَّوْ تَعْلَمُونَ- عَظِيمٌ "، ولم يقل:" وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ- كَمَا تَعْلَمُونَ- عَظِيمٌ "
لأنه لو قيل ذلك، لأفاد علمهم بعظمة هذا القسم. وكذلك لو قال:

(1/76)


" وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ- إِنْ تَعْلَمُونَ- عَظِيمٌ "
لأفاد إمكان علمهم بذلك، وعدم إمكانه، ومن ثمَّ جاء التعبير بقوله تعالى:
" لَّوْ تَعْلَمُونَ "
فأفاد نفْيَ علمهم بعظمة هذا القسم، مع تمني حصوله. ويبيِّن لك ذلك أن الأصل في" لَوْ "أنها أداة تمن، ثم استعملت كأداة للشرط؛ وذلك من باب تعدُّد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد. ومن خواصِّها فرض ما ليس بواقع واقعًا، وتستعمل فيما لا يُتَوقَّع حدوثُه، وفيما يمتنع حدوثه، أو فيما هو محال، أو من قبيل المحال.
وكذا القول في المقسَم به في بقية الآيات، التي جاء فعل القسم فيها مسبوقًا بـ"لَا " النافية. وهذا من الأسرار الدقيقة في البيان القرآني، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
وأما القول بأن "لَا "نافية للقسم فهو أبعد من القول بزيادتها؛ وذلك لما بين نفي الحاجة إلى القسم، وبين نفي القسم من فرق كبير. وفي بيان هذا الفرق قالت الدكتورة عائشة عبد الرحمن:"وفرق بعيد أقصى البعد بين أن تكون " لَا "لنفي القسم- كما قال بعضهم- وبين أن تكون لنفي الحاجة إلى القسم، كما يهدي إليه البيان القرآني ".
وأضافت قائلة:"ومن نفي الحاجة إلى القسم يأتي التأكيد، والتقرير؛ لأنه يجعل المقام في غنًى بالثقة واليقين عن الإقسام.. والسر البياني لهذا الأسلوب يعتمد في قوة اللفت- على ما يبدو- بين النفي، والقسم من مفارقة مثيرة لأقصى الانتباه. وما زلنا بسليقتنا اللغوية نؤكد الثقة بنفي الحاجة معها إلى القسم، فنقول لمن نثق فيه: لا تقسم. أو: من غير يمين، مقررين بذلك أنه موضع ثقتنا، فليس بحاجة إلى أن يقسم لنا ".
نخلص من ذلك كله إلى أن قولنا: أقسم بكذا، قسم مباشر. وأما قولنا: لا أقسم بكذا، فهو تلويح بالقسم وعدول عنه، لعدم الحاجة إليه، خلافًا للأول. وهذا التلويح بالقسم مع العدول عنه أوقع في الحسِّ والنفس من القسم المباشر. وهذا ما أشار إليه سيد قطب- رحمه الله- ثم قال:"وهذا التلويح بالقسم، والعدول عنه أسلوب ذو تأثير في تقرير الحقيقة، التي لا تحتاج إلى القسم؛ لأنها ثابتة واضحة ".
فإذا كان كذلك، فهو في قوة القسم من حيث إفادته معنى التوكيد والتأثير.
وأما ما ذهب إليه بعضهم من أن"لَا "هذه نفيٌ لكلام تقدم ذكره فمدفوع بإجماع القرَّاء على أن " لَا "موصولة بالفعل " أُقْسِمُ ". وجعلها ردًّا لكلام سبق، يقتضي القراءة على وجوب الفصل بينها، وبين الفعل، فضلاً عما يبدو فيه من غرابة. ولو كان ما قالوه صوابًا، لوجب الفصل بينهما بواو القسم، كما وجب أن يكون جواب القسم منفيًّا، يدلك على ذلك قوله تعالى:
" فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً "(النساء: 65).
ونحو ذلك قول عائشة رضي الله عنها:" لا، والله ما مسَّت يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأة قطُّ ".
وأما ما ذهب إليه بعضهم من أن "لَا "هذه أداة تنبيه، وأن أصلها:" أَلَا "فهو قول غريب عجيب، وأغرب منه، وأعجب قول من قال: إنها لام الابتداء أُشبِعت حركتها، فتولَّدت عنها ألفٌ. والأعجب من ذلك كله أن يتبنَّى هذا القول عالم جليل كأبي حيان الأندلسي، على أنه أولى الأقوال بالصواب، فقد قال في ذلك ما نصُّه:"والأولى عندي أنها لام أشبعت حركتها، فتولدت منها ألف؛ كقوله: أعوذ بالله من العقرَاب ".
ولا يخفى ما في ذلك كله من تكلُّف على ذوي البصائر بكلام الله تعالى، ومعرفة أسراره.. نسأله تعالى أن يجعلنا من الذين يفقهون كلامه، ويدركون أسرار بيانه، له الحمد وله المنَّة.
الأستاذ: محمد إسماعيل عتوك
الباحث
في الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن
==============
من أسرار الإعجاز اللغوي والبياني في سورة ألم نشرح
قال الله تبارك وتعالى:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ " (الشرح: 1- 8)
أولاً- نزلت هذه السورة الكريمة بعد سورة الضحى؛ وكأنها تكملة لها، فيها ظل العطف الندي، وفيها روح المناجاة للحبيب، وفيها استحضار مظاهر العناية، واستعراض مواقع الرعاية، وفيها البشرى باليسر والفرج، وفيها التوجيه إلى سرِّ اليُسْر وحبل الاتصال الوثيق.
وهي توحي بأن هناك ضائقة كانت في روح الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر من أمور هذه الدعوة التي كلفها، ومن العقبات الوعرة في طريقها، ومن الكيد والمكر المضروب حولها.. توحي بأن صدره صلى الله عليه وسلم كان مثقلا بهموم هذه الدعوة الثقيلة, وأنه كان يحس العبء فادحًا على كاهله، وأنه كان في حاجة إلى عون ومدد، وزاد ورصيد.. ثم كانت هذه المناجاة الحلوة, وهذا الحديث الودود من المحِبِّ لحبيبه !
ثانيًا-قوله تعالى:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ "(1)

(1/77)


خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة العامة:" أَلَمْ نَشْرَحْ "، بالسكون. وقرأ أبو جعفر المنصور:" أَلَمْ نَشْرَحَ "، بفتح الحاء، وخرَّجه ابن عطيَّة وجماعة على أن الأصل: ألم نشرحَنْ، بنون التوكيد الخفيفة، فأبدل من النون ألفا، ثم حذفها تخفيفًا. وقال غير واحد: لعل أبا جعفر بيَّن الحاء، وأشبعها في مخرجها، فظن السامع أنه فتحها.
وفي( البحر المحيط ) لأبي حيان:" أن لهذه القراءة تخريجًا أحسن مما ذكِر، وهو أن الفتح على لغة بعض العرب من النصب بـ" لَمْ "، فقد حكَى اللَّحْيانيُّ في نوادره: أن منهم من ينصب بها، ويجزم بـ" لَنْ "، عكس المعروف عند الناس. وعلى ذلك قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار بن أبي عبيد:
في كل ما هَمَّ أمضَى رأيَه قدما **ولم يشاورَ في الأمر الذي فعلا
وخرَّجها بعضهم على أن الفتح لمجاورة ما بعدها؛ كالكسر في قراءة:
" الْحَمْدِ للّهِ "(الفاتحة: 2)
بالجر، وهو لا يتأتى في بيت عائشة السابق".
ثالثًا- وفي المراد بهذا الشرح- على ما ذكر- أقوال:
أحدهما:أن المراد به شقُّ صدره الشريف عليه الصلاة والسلام، روي أن جبريل عليه السلام أتاه، وشق صدره، وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علمًا وإيمانًا، ووضعه في صدره. وروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه فسَّره به، وهو ظاهر صنيع التِّرْمِذِيِّ؛ إذ أخرج حديث شقِّ الصدر الشريف في تفسير هذه السورة.. وهذا القول ضعيف عند المحققين.
وثانيها:أن المراد به شرح صدره صلى الله عليه وسلم للإسلام، وهو المرويُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وثالثها:أنه كناية عن الإِنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات، وإعلامه برضى الله عنه، وبشارته بما سيحصل للدّين، الذّي جاء به من النصر.
ورابعها:أن المراد به تنوير صدره صلى الله عليه وسلم بالحكمة، وتوسيعه بالمعرفة، لتلقي ما يوحى إليه. قال الله تعالى:
" أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ "(الزمر: 22)
وروي أنهم قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر ؟ قال:"نعم! "قالوا: وما علامة ذلك ؟ قال:" التجافي عن الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله ".
وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان بالله ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت.
وخامسها:منهم من فسر الشرح بانفتاح صدره عليه الصلاة والسلام؛ حتى إنه كان يتسع لجميع المهمات، لا يقلق، ولا يضجر، ولا يتغير؛ بل هو في حالتيْ البؤس والفرح منشرح الصدر، مشتغل بأداء ما كلف به.
والشرح في اللغة التوسعة، ومعناه: الإراحة من الهموم والغموم. والعرب تسمِّي الغمَّ والهمَّ: ضيقَ صدرٍ؛ كقوله تعالى:
" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ "(الحجر: 97)
والأصل في الشرح: فصل أجزاء اللحم بعضِها عن بعض، ومنه: الشريحة من اللحم، ثم شاع استعماله في الكشف والبسط، وإيضاح الغامض والخافي من المعاني. ومنه قولهم: شرَح المُشْكِلَ، أو الغامِضَ من الأمر. أي: فسَّره، وبسطَه , وأظهر ما خفِي من معانيه. . وكذلك شاع استعماله في رضى النفس وسرورها بعد ضيق ألمَّ بها، فقيل: شرح الله صدره بكذا. أي: سرَّه به. ومنه: شرح الله صدره للإسلام، فانشرح. أي: انبسط في رضًا وارتياح للنور الإلهي، والسكينة الروحية. قال تعالى:
"فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء "(الأنعام: 125)
رابعًا- والاستفهام في قوله تعالى:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ " ؟ معناه: إثبات الشرح وإيجابه؛ لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي، ردته إلى الإيجاب. وإلى هذا أشار مكي في إعرابه للآية الكريمة بقوله في(مشكل إعراب القرآن ):" الألف نقلت الكلام من النفي، فردته إيجابًا ".
والغرض من هذا الاستفهام: التذكير والتنبيه، والمعنى: شرحنا لك صدرك. وإلى هذا أشارالزمخشري بقوله عند تفسير الآية:" استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه؛ فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، فنبَّه على ذلك، وذكَّر به ".
وجمهور النحاة والمفسرين على القول بأن هذا الاستفهام هو استفهام تقرير، مثله في قوله تعالى:
" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ "(الأعراف: 172)، وقوله تعالى:
" أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ "(الزمر: 36)
فيخلطون بين استفهام التذكير والتنبيه، وغيره، وبين استفهام التقرير. ولتوضيح الفرق بينهما أقول: إذا قيل: أليس زيد مسافرًا ؟ احتمل ذلك معنيين:
أحدهما: أن السائل لم يعلم شيئًا عن سفر زيد، فيجاب حينئذ بـ( لا ) في النفي. وبـ( نعم) في الإيجاب.
والثاني: أن السائل يعلم بسفر زيد؛ ولكنه يسأل عنه لغرض آخر؛ كالتذكير، أو التنبيه، أو التعجب، أو الإنكار، أو نحو ذلك من المعاني، التي يخرج إليها الاستفهام، فيجاب حينئذ بـ( بلى ). وعلى التنبيه والتذكير يحمل قوله تعالى:

(1/78)


"أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ " ؟وقول جرير يمدح عبد الملك بن مروان:
ألستم خير من ركب المطايا **وأندى العالمين بطون راح
فإذا قيل: ألم تعلم بأن زيدًا مسافر ؟ أليس زيد بمسافر ؟ لم يحتمل ذلك إلا معنى واحدًا، وهو أن السائل يعلم بسفر زيد؛ ولكن غرضه من السؤال تقرير المخاطب؛ لأنه جاحد به بعد أن علمه، ولا يجاب إلا بـ( بلى ). وعلى هذا يحمل قول الله تعالى:
" أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا "(الأحقاف: 34)، وقوله تعالى:
" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى "(الأعراف: 172)
وهذا هو سر دخول هذه الباء على خبر المنفي، وهو من الأسرار الدقيقة، التي لا يكاد يُفْطَنُ إليها في البيان القرآني المعجز لدقَّتها !
ومما يحمل على الأول، فيحتمل فيه الاستفهام أن يكون على حقيقته من طلب الفهم، وأن يكون مرادًا به معنى آخر من المعاني، التي يخرج إليها الاستفهام قول فرعون لعنه الله:
" أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ "(الزخرف: 51)
فهذا يحتمل أن يكون استفهامًا حقيقيًّا بأن يكون لا يعلم أن له ملك مصر، ويحتمل أن يكون عالمًا بذلك؛ ولكنه أورده على سبيل الافتخار.
وقوله تعالى حكاية عن لوط عليه السلام:" أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ "(هود: 78)
أي: رجل واحد يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح، ويمنعكم منه. فهذا يحتمل أن يكون استفهامًا حقيقيًّا، ويحتمل أن يكون الغرض منه الإنكار.
وعلى هذا يجري قوله تعالى:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ "؟
فهذا استفهام يراد به التذكير والتنبيه، لا التقرير. ولو كان المستفهِم- هنا- غير الله جل وعلا، لجاز حمله على أصله من طلب الفهم.
أما حمله على استفهام التقرير فلا يحوز بحال من الأحوال؛ لأن حمله على ذلك يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلمكان جاحدًا لشرح الله تعالى له صدره، ورفعه له ذكره، ووضعه عنه وزره، بعد أن استقر علم ذلك عنده، وحاشا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون كذلك .. وإنما ذلك تنبيه له وتذكير.. فتأمل !
وإذا كانوا لا يفرقون بين قوله تعالى:"أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ "(الشرح: 1)، وبين قوله تعالى:
"أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى "(الأعراف: 172)
فلأن معنى التقرير- عندهم- هو الإثبات، ولا دليل لهم على ذلك سوى أن كلاًّ منهما يجاب بـ( بلى ) في الإيجاب.والفرق بينهما: أن كل تقرير إثبات، وليس كل إثبات بتقرير. وأن التقرير هو غرض من الأغراض، التي يخرج إليها الاستفهام عندما يكون معناه الإثبات، مثله في ذلك: التذكير، أو التنبيه، أو التوبيخ، أو الافتخار..
وقد كان عدم تفريقهم بين الإثبات، والتقرير سببًا في اختلافهم في المراد من الاستفهام الداخل على النفي، في كثير من آي القرآن الكريم؛ ومن الآيات التي اختلفوا فيها قوله تعالى:
" أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ "(العنكبوت: 68، والزمر: 32)
قال الزمخشري:”أليس: تقرير لثوائهم في جهنم، وحقيقته: أن الهمزة همزة إنكار، دخلت على النفي، فرجع إلى معنى التقرير“.
وقال أبو السعود، وتبعه الألوسي:”تقرير لثوائهم فيها؛ كقول من قال:
ألستم خير من ركب المطايا
أي: ألا يستوجبون الثواء فيها، وقد فعلوا ما فعلوا من الافتراء على الله تعالى، والتكذيب بالحق الصريح.. أو: إنكار، واستبعاد لاجترائهم على ما ذكر من الافتراء والتكذيب، مع علمهم بحال الكفرة. أي: ألم يعلموا أن في جهنم مثوى للكافرين، حتى اجترءوا هذه الجراءة “.
وكون الاستفهام- هنا- للتقرير يتناقض مع كونه للإنكار. والجمهور على أنه للتقرير. والتقرير- باتفاقهم جميعًا- هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر علمه عنده، ثم جحد به. فهل كان الكافرون مقرين ومعترفين بأن مستقرَّهم النار؟ فإذا كان الأمر كذلك، فالمراد من هذا الاستفهام التقرير؛ وإلا فهو متضمِّن لمعنى الوعيد والتحقير، وقد سمَّاه السيوطي في ( الإتقان ) بالاكتفاء، ومثَّل له بقوله تعالى:" أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ"(الزمر: 60)
أي: أليست جهنم كافية لهم سجنًا وموئلا لهم، فيها الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق ؟
ومن ذلك قوله تعالى:" أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(البقرة: 106)
فقد ذهب الزمخشري إلى أن الاستفهام فيه للتقرير. وقال الزركشي:”الكلام مع التقرير موجب، وجعل الزمخشري منه:" أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(البقرة: 106)
وقيل: أراد التقرير بما بعد النفي، لا التقرير بالنفي.. والأوْلى أن يجعل على الإنكار. أي: ألم تعلم أيها المنكر للنسخ “.
وذهب الفخر الرازي إلى أن المراد بهذا الاستفهام: التنبيه.. وذهب ابن عطية إلى أن ظاهره الاستفهام المحض.. ورده أبو حيان قائلاً:”بل هذا استفهام معناه: التقرير “.
وأقرب هذه الأقوال إلى الصواب هو قول الرازي، ونصَّه الآتي:” أما قوله:
"أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "

(1/79)


فتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره على قدرته تعالى، على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته، وأنه لا دافع لما أراد، ولا مانع لما اختار “.
ومما يبعد أن يكون الاستفهام في هذه الآيات، ونحوها للتقرير أنه يجوز حمله في كل منها على حقيقته من طلب الفهم، وذلك لا يجوز في استفهام التقرير.
خامسًا-وقال تعالى:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ "، بصيغة الجمع، ولم يقل:{ ألم أشرح لك صدرك }، بصيغة المفرد. والجواب- كما قال الرازي-:”إما أن يحمل على نون التعظيم، فيكون المعنى: أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة، لا تصل العقول إلى كنه جلالتها.
وإما أن يحمل على نون الجميع، فيكون المعنى: كأنه تعالى يقول: لم أشرحه وحدي؛ بل أعملت فيه ملائكتي، فكنت ترى الملائكة حواليك، وبين يديك حتى يقوى قلبك، فأديت الرسالة، وأنت قوي القلب، ولحقتهم هيبة، فلم يجيبوا لك جوابًا. فلو كنت ضيق القلب، لضحكوا منك.. فسبحان من جعل قوة قلبك جبنًا فيهم، وانشراح صدرك ضيقًا فيهم “.
وقال تعالى:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ "، وكان يمكن أن يقال:{ ألم نشرح صدرك }، بدون" لَكَ "؛ ولكن جيء به زيادة بين فعل الشرح، ومفعوله لفائدتين:
الفائدة الأولى:هي سلوك طريقة الإبهام، ثم الإيضاح للتشويق؛ فإنه سبحانه، لما ذكر فعل:" نَشْرَحْ "، عَلم السامع أن ثَمَّ مشروحًا. فلما قال:" لَكَ "، قويَ الإِبهام، فازداد التشويق. فلما قال:" صَدْرَكَ "، أوضح ما كان قد عُلِم في ذهن السامع مبهمًا، فتمكن في ذهنه كمال تمكن.. وكذلك قوله تعالى:" وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ "،" وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ "
وهذا من الإطناب البليغ. قال علماء البيان:”إذا أردت أن تبهم، ثم توضح، فإنك تطنب، وفائدته: إما رؤية المعنى في صورتين مختلفتين: الإبهام والإيضاح. أو لتمكن المعنى في النفس تمكنًا زائدًا، لوقوعه بعد الطلب؛ فإنه أعز من المنساق بلا تعب. أو لتكمل لذة العلم به؛ فإن الشيء إذا علم من وجهٍ مَّا، تشوَّقت النفس للعلم به من باقي وجوهه وتألمت، فإذا حصل العلم من بقية الوجوه، كانت لذته أشد من علمه من جميع وجوهه دفعة واحدة “.
ومن الأمثلة على ذلك قول موسى عليه السلام:" رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي "(طه: 25)
فإن" اشْرَحْ "يفيد طلب شرح شيء مَّا، و" صَدْرِي "يفيد تفسيره وبيانه. وكذلك قوله:
" وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي " (طه: 26)
والمقام يقتضي التأكيد للإرسال المؤذن بتلقى الشدائد. وكذلك قوله تعالى:
" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ "
فإن المقام يقتضي التأكيد؛ لأنه مقام امتنان وتفخيم.
والفائدة الثانية:أن في زيادة " لَكَ "تنبيه على أن منافع الرسالة عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قيل: إنما شرحنا صدرك لأجلك، لا لأجلنا. وفي ذلك تكريم للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى قد فعل ذلك لأجله.
ومثله في ذلك قول موسى عليه السلام:" رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي "(طه: 25)
فكأن في ذلك اعتراف من موسى- عليه السلام- بأن منفعة الشرح عائدة إليه؛ لأن الله تعالى لا ينتفع بإرسال الرسل، ولا يستعين بشرح صدورهم، على خلاف ملوك الدنيا.
وقال تعالى:" أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ "، ولم يقل:{ ألم نشرح لك قلبك }، مع أنه المراد هنا، ومثل ذلك قوله تعالى:" يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ "(الناس: 5)
وكان الظاهر يقتضي أن يقال:{ يوسوس في قلوب الناس }؛ ولكن عدل عنه إلى الصدر؛ لأن الصدر- كما قال ابن قيِّم الجوزية- هو ساحة القلب وبيته، فمنه تدخل الواردات إليه، فتجتمع في الصدر، ثم تلج في القلب، فهو بمنزلة الدهليز له. ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود. ومن فهم هذا، فهم قوله تعالى:" وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ "(آل عمران: 154)
فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته، فيلقي ما يريد إلقاءه في القلب، فهو موسوس في الصدر.
ومذهب الجمهور أن الصدر هو محل القرآن والعلم. ودليلهم على ذلك قوله تعالى:" بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ "(العنكبوت: 49)
وقال محمد بن علي الترمذي:”القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان. فالشيطان يجيء إلى الصدر، الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكًا نزل فيه هو وجنده، وبث فيه الهموم والغموم، فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة “.
سادسًا-وقوله تعالى:" وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ "(2- 3)قراءة العامة، وقرأ أنس:{ حططنا }و{ حللنا }بدلاً من قوله:" وَضَعْنَا ". وقرأ ابن مسعود:{ عنك وقرك }، بدلاً من قوله:" وِزْرَكَ ".

(1/80)


والوضع- في اللغة- هو إلقاء الحمل على الأرض، وهو أعمُّ من الحطِّ. والوزر يقال للحمل، ويقال لثقل الذنب، وفي وضعه عنه عليه الصلاة والسلام كناية عن عصمته من الذنوب، وتطهيره من الأدناس، وعبَّر عن ذلك بالوضع على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك.
وقيل: وضع الله تعالى عنه عبئه، الذي أثقل ظهره، حتى كاد يحطمه من ثقله. وضعَه عنه بشرح صدره له، فخف وهان. ووضعه بتوفيقه وتيسيره للدعوة ومداخل القلوب، وبالوحي، الذي يكشف له عن الحقيقة، ويعينه على التسلل بها إلى النفوس في يسر وهوادة ولين.
وقوله تعالى:" وَضَعْنَا "معطوف بالواو على قوله:" أَلَمْ نَشْرَحْ "، وجاز ذلك؛ لأن الأول في معنى الإثبات، فحمل الثاني على معنى الأول. ولو كان محمولاً على لفظه، لوجب أن يقال: ونضع عنك وزرك. ومثله في ذلك قوله تعالى:" وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ".
وقوله تعالى:" الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ "صفة للوزر. قال علماء اللغة: الأصل فيه: أن الظهر إذا أثقله الحمل، سُمِع له نقيض. أي: صوت خفيٌّ. والمراد بهذا النقْض: صوت الأضلاع. وهو مثل لما كان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من أوزاره.
قال النحاس:”فإن قال قائل: كيف وصف هذا الوزر بالثقل، وهو مغفور له، غير مطالب به ؟ فالجواب: أن سبيل الأنبياء- صلوات الله عليهم- والصالحين، إذا ما ذكروا ذنوبهم، أن يشتدَّ غمُّهم وبكاؤهم؛ فلهذا وصف ذنوبهم بالثقل “.
سابعًا-وقوله تعالى:" وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ "(4)
معناه: أن الله جل وعلا رفع له ذكره في الملأ الأعلى, قبل أن يرفعه له في الأرض، حين جعل اسمه عليه الصلاة والسلام مقرونًا باسمه جل وعلا. ورفع له ذكره في اللوح المحفوظ, حين قدر الله سبحانه أن تمر القرون, وتكر الأجيال, وملايين الشفاه في كل مكان، تهتف بهذا الاسم الكريم, مع الصلاة والتسليم. ورفع له ذكره، حين ربطه بهذا المنهج الإلهي الرفيع. وكان مجردُ الاختيار لهذا الأمر رفعةَ ذكر، لم ينلها أحد من قبل، ولا من بعد في هذا الوجود. وليس بعد هذا الرفع رفعٌ، وليس وراء هذه المنزلة منزلة.. إنه المقام، الذي تفرد به صلى الله عليه وسلم دون سائر العالمين.
وروي عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب والضحاك والحسن وغيرهم أنهم قالوا في ذلك:” لا أُذكَرُ إلا ذُكِرتَ معي “. وفيه حديث مرفوع، أخرجه أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:” أتاني جبريل عليه السلام، فقال: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك ؟ قلت: الله تعالى أعلم ! قال: إذا ذكرتُ، ذكرتَ معي “.
ولا يخفى ما في هذا الرفع لذكره عليه الصلاة والسلام من لطف، بعد ذلك الوضع لأعبائه عنه. هذا الرفع، الذي تهون معه كل مشقة وتعب وعناء، وليس بعد هذا التكريم تكريم، وليس بعد هذا العطاء عطاء !
ثامنًا-ومع هذا كله، فإن الله تعالى يتلطف مع حبيبه المختار, ويسرِّي عنه, ويؤنسه, ويطمئنه، ويطلعه على اليسر، الذي لا يفارقه، فيقول:
" فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا "(5-6)
والعسر: المشقة في تحصيل المرغوب، والعمل المقصود. وتعريفه للعهد. واليسر ضد العسر؛ وهو: سهولة تحصيل المرغوب، وعدم التعب فيه، وتنكيره في الموضعين للتفخيم والتعظيم؛ كأنه قيل: إن مع العسر يسرًا عظيمًا ! والكلام وَعْدٌ له صلى الله تعالى عليه وسلم، مَسوقٌ للتسلية، والتنفيس.
وقوله تعالى في الحملة الثانية:" إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا "يحتمل وجهين من التأويل:
الوجه الأول: أنه تكرير للجملة السابقة، لتأكيد معناها، وتقريره في النفوس، وتمكينه في القلوب، وهو نظير قولك: إن مع الفارس رمحًا، إن مع الفارس رمحًا، وهو ظاهر في وحدة الفارس والرمح؛ وذلك للإطناب والمبالغة. فعليه يكون اليسر فيها عين اليسر في الأولى، والمراد به ما تيسر من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو يسر الدنيا مطلقًا.
والوجه الثاني: أنه ليس بتكرير للأول؛ وإنما هو تأسيس، ويكون الحاصل من الجملتين: أن مع كل عسر يسرين عظيمين. والظاهر أن المراد بذينك اليسرين: يسر دنيوي، ويسر أخروي. وفي حديث ابن مسعودأنه لما قرأ:
" فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا "
قال:” لن يغلب عسر يسرين “. قيل: معناه: أن العسر بين يسرين؛ إما فرج عاجل في الدنيا، وإما ثواب آجل في الآخرة.
وقال الكرماني في( أسرار التكرار في القرآن ):” قوله تعالى:" فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا " ليس بتكرار؛ لأن المعنى: إن مع العسر، الذي أنت فيه من مقاساة الكفار يسرًا في العاجل، وإن مع العسر، الذي أنت فيه من الكفار يسرًا في الآجل. فالعسر واحد واليسر اثنان “.

(1/81)


وعلى هذا يكون قوله تعالى:" إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا "وعدًا آخر مستأنفًا، غير الوعد الأول. قال الألوسي:”واحتمال الاستئناف هو الراجح، لما علم من فضل التأسيس على التأكيد. كيف، وكلام الله تعالى محمول على أبلغ الاحتمالين، وأوفاهما ! والمقام- كما تقدم- مقام التسلية والتنفيس.
وكان الظاهر على ما سمعت من المراد باليسر تعريفه؛ إلا أنه أوثر التنكير للتفخيم. وقد يقال: إن فائدته أظهر في التأسيس؛ لأن النكرة المعادة، ظاهرها التغاير، والإشعار بالفرق بين العسر واليسر“.
والفرق بين التأسيس، والتكرير: أن التكرير يكون بإيراد المعنى مُرَدَّدًا بلفظ واحد. ومنه ما يأتي لفائدة، ومنه ما يأتي لغير فائدة. فأما الذي يأتي لفائدة فإنه جزء من الإطناب، والغرض منه التأكيد. والتأكيد هو تقرير إرادة معنى الأول، وعدم التجوُّز..أما التأسيس فيفيد معنى آخر، لم يكن حاصلاً قبل، وهو خير من التأكيد؛ لأن حمل الكلام على الإفادة خير من حمله على الإعادة.
وظاهر المعية في قوله تعالى:" مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا "يقتضي أن يكون اليسر مصاحبًا للعسر ومقارنًا له؛ لأن" مَعَ " ظرف يدل على المصاحبة. ولما كان اليسر لا يجتمع مع العسر؛ لأنهما ضدان، أجيب عن ذلك بأن " مَعَ "- هنا- مستعملة في غير معناها الحقيقي، وأنها مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر، أو ظهور بوادره. وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية، وبين قوله تعالى:
" سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً "(الطلاق: 7)
ثم إنه يبعد إرادة المعية الحقيقية ما أخرجه البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالسًا، وحياله حجر، فقال عليه الصلاة والسلام:” لو جاء العسر فدخل هذا الحجر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، فيخرجه“، فأنزل الله تعالى:" فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.. إلخ ". ولفظ الطبراني: وتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:" فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.. ".
تاسعًا- ثم يجيء التوجيه الكريم من الله جل وعلا لمواقع التيسير, وأسباب الانشراح, ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل، فيقول سبحانه وتعالى:
"فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ *وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ "(الشرح: 7- 8)
أي: إذا فرغت من عبادة- كتبليغ الوحي- فاتعب في عبادة أخرى، شكرًا لما عددنا عليك من النعم السالفة، ووعدناك من الآلاء الآنفة؛ وكأنه عز وجل، لمَّا عدَّد على نبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ما عدَّد، ووعده بما وعد، وحقق له ما وعد، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة، وأن لا يخلي وقتًا من أوقاته منها؛ ولهذا كان عليه الصلاة والسلام، إذا ما فرغ من عبادة، أتبعها بأخرى.
والفراغ- في اللغة- خلاف الشُّغل. يقال: فرغ من عمله فراغًا، فهو فارغ. قال تعالى:
" سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ "(الرحمن: 31)
وفسِّر بقولهم: سنقصد لكم أيها الثقلان. وقوله تعالى:
"وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً "(القصص: 10)
قيل في تفسيره: خاليًا؛ وكأنما فرغ من لبِّها، لِمَا تداخلها من الخوف. وقيل: فارغًا من ذكره. أي: أنسيناها ذكره، حتى سكنت، واحتملت أن تلقيه في اليم. وقيل: خاليًا إلا من ذكره؛ لأنه قال:
" إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا "(القصص: 10)
وظاهر قوله تعالى:" فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ "يفيد أنه عليه الصلاة والسلام كان في أعمال، لم ينته منها؛ ولكن السياق لم يذكر لنا شيئًا عن تلك الأعمال، يكون متعلَّقًا للفعل" فَرَغْتَ ". وعدم ذكره يقتضي أنه لازم أعمال، يعلمها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما أن مساق السورة في تيسير مصاعب الدعوة، وتذليل ما يحف بها من مكاره.
وعليه يكون المعنى: إذا أتممت عملاً من مهام الأعمال، فأقبل على عمل آخر؛ بحيث يعمر أوقاته كلها بالأعمال العظيمة. ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وجوعه من إحدى غزواته:” رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر “.
وبهذا يتبين أن المقصود بالأمر هو قوله تعالى:" فَانْصَبْ ". أما قوله:" فَإِذَا فَرَغْتَ " فتمهيد وإفادة لإِيلاءِ العمل بعمل آخر في تقرير الدين ونفع الأمة. وهذا من صيغ الدلالة على تعاقب الأعمال، ومثله قول القائل: ما تأتيني من فلان صلة إلا أعقبَتْها أخرى؛ ولهذا قدِّم قوله:" فَرَغْتَ " على قوله:" فَانْصَبْ ".
وجيء بالفاء الرابطة؛ لتدل على أن ما بعدها واجب الوقوع، عقب وقوع الشرط مباشرة. وعليه يكون قوله تعالى:" فَانْصَبْ " أمرًا بإحداث الفعل فورًا، بعد حدوث الشرط من دون أي تأخير.
ثم أمره تعالى بأن يرغب إلى ربه وحده، فقال سبحانه:
"وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ "
أي: اصرف وجوه الرغبات إلى ربك وحده، لا إلى سواه، ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه.
وقوله تعالى:" فَارْغَبْ" هو من الرَّغْبَة. والرَّغبة هي السَّعة في الإرادة. قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
"وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً "(الأنبياء: 90)

(1/82)


أي: رغبًا في رحمتنا، ورهبًا من عذابنا.
فإذا قيل: رغب فيه، وإليه، اقتضي الحرص عليه. قال تعالى:
" إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ "(التوبة: 59)
وعلى هذا يحمل قوله تعالى هنا:"وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ "، تشبيهًا بسير السائر إلى من عنده حاجته؛ كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
" إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ "(الصافات: 99)
وإذا قيل: رغب عنه، اقتضى صرْف الرّغبة عنه، والزهد فيه؛ نحو قوله تعالى:
" أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ "(مريم:46)، وقوله تعالى:
"وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ "(النساء: 127)
فالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:" وترغبون عن أن تنكحوهن".
وقدم قوله تعالى:" إِلَى رَبِّكَ " على قوله:" فَارْغَبْ "، لإفادة معنى الاختصاص. أي: لتكن رغبتك إلى ربك، لا إلى غيره ؛ فإن صفة الرسالة أعظم صفات الخلق، فلا يليق بصاحبها أن يرغب إلى غير الرب جل وعلا، الذي وعده في سورة الضحى أن يعطيه، حتى يرضى:
"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى "(الضحى: 5)
وقد حقق له سبحانه هذا الوعد في هذه السورة، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وأعطاه من خير الدنيا والآخرة ما لم يعطه لأحد من قبله، ولا بعده.
ولم تمنع الفاء في قوله تعالى:"فَارْغَبْ "، من تقديم المعمول:" إِلَى رَبِّكَ "، خلافًا للمشهور من أقوال النحاة؛ ولهذا نجدهم يتكلفون، فيقدرون عاملاّ محذوفًا لقوله:" فَارْغَبْ "، فيقولون: تقدير الكلام: وارغب إلى ربك، فارغب إليه. أو: وارغب إلى ربك، فارغبه.
والذي ألجأهم إلى هذا التكلف في التأويل والتقدير ما اصطلحوا عليه من أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، والذي عليه أهل التحقيق خلاف ذلك.. والله تعالى أعلم !
وهنا تنتهي السورة الكريمة، وقد تركت في النفس شعورين ممتزجين: شعور بعظمة الودِّ الحبيب الجليل، الذي ينسم على روح الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه الودود الرحيم. وشعور بالعطف على شخصه صلى الله عليه وسلم، ونحن نكاد نلمس ما كان يساور قلبه الكريم في هذه الآونة، التي اقتضت ذلك الود الجميل، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:" مَنْ قرأَ ألمْ نشرحْ، فكأنَّما جاءَنِي، وأنَا مُغْتمٌّ، ففرَّجَ عَنِّي ".
الأستاذة: رفاه محمد علي زيتوني
مدرسة لغة عربية- حلب
===============
مثل نوره جل جلاله
قال الله جل جلاله:" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (النور:35)
أولاً- هذه الآية الكريمة تتحدث عن سلطان الله جل جلاله في هذا الوجود، وامتلاكه لناصية كل موجود فيه. ففيها يخبر سبحانه وتعالى عن نفسه بأنه نور السموات والأرض، ثم يضرب لنوره مثلاً بنور مصباح، قد اجتمعت فيه أسباب الإضاءة كلها على أحسن وجه وأكمله، فبدا نوره صافيًا قويًّا متلألأً، ينير كل ما حوله. ثم أخبر سبحانه أنه يهدي لنوره من يشاء من عباده، وأن مشيئته سبحانه تابعة لحكمته وعلمه بالأشياء كلها دقيقها وعظيمها، صغيرها وكبيرها، لا يغيب من ذلك شيء عن علمه سبحانه.
وقد سبق ذلك قوله تعالى: " وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ "(النور: 34)
وهو تعقيب لما سبقه في هذه السورة الكريمة، التي سمَّاها الله تعالى: سورة النور، ووصفها بقوله:" سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "(النور: 1)
فدل ذلك على أنها جملة من الحدود والأحكام والحكم والآداب، والأخلاق، والمواعظ، قد فرضت فرضًا على سبيل القطع والإلزام، لما في ذلك من تطهير للمجتمع من الفساد والفوضى، واختلاط الأنساب، والانحلال الخلقي، ومن حفظ للأمة من عوامل التردي في بؤرة الإِباحية والفساد، التي تُسبب ضياع الأنساب، وذهاب الشرف والأعراض، وبناء مجتمع فاضل، يقوم على العدل والحق والخير.
والإخبار عن هذه السورة بلفظ النكرة هكذا:" سُورَةٌ "، ثم وصفها بما تلاه من صفات:" أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "، فيه من الفخامة من حيث الذات، ومن حيث الصفات ما لا يخفى، فكان من المناسب جدًّا أن يأتي الله سبحانه بعد ذلك بهذا التعقيب، الذي ضمَّنه هذا الوصف الجليل للقرآن الكريم، الذي تضمن هذا التقسيم الثلاثي لما جاء فيه، فبيَّن سبحانه وتعالى:

(1/83)


1- أنه آيات مُبيِّنات:" وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ". أي: مُوضِّحات لأحكام الدين وحدوده، لا تدع مجالاً للشك، أو الغموض، والتأويل, والانحراف عن منهج الله القويم. ويدخل في عموم هذه الآيات المبيِّنات الآيات البيِّنات، التي أخبر الله تعالى عن إنزالها في هذه السورة:
" وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ "
فهذه بيِّنات في أنفسها، وتلك مع كونها بيِّنات في أنفسها مُبيِّنات لغيرها.
2- أنه مثل من الذين خَلَوْا من قبلنا:" وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ "، وهو المراد بما ذكره الله تعالى في كتابه من أحوال الأمم الغابرة وقصصهم، التي يعتبر بها، ويقاس عليها أحوال الأمم المستقبلة؛ كما قال تعالى:
" لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ "(يوسف: 111)
ومن هذه القصص- التي فيها العبرة لمن أراد أن يعتبر- ما أخبر الله تعالى عنه في هذه السورة المباركة من قصة مريم، التي رماها قومها بالفاحشة، فبرَّأها الله تعالى. فهذه القصة فد جعلها الله تعالى مَثَلاً لكل قصة تماثلها؛ كقصة عائشة- رضي الله عنها- التي رماها أهل الإفك من قومها بما لا يليق بها، فأظهر الله تعالى براءتها في هذه السورة المباركة.
3- أنه " وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ "، الذين تستشعر قلوبهم رقابة الله، فتخشى وتستقيم، وكذلك هو موعظة للكفرة الضالين. وإنما خَصَّ المتقين بالذكر؛ ليبين أنهم هم الذين اتعظوا، وانتفعوا بتلك المواعظ. ونظير ذلك قوله تعالى:
" إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ "(يس: 11)
وقد كان عليه الصلاة والسلام منذرًا لكل الناس؛ ولكنه خصَّ الذين اتبعوا الذكر، وخشوا الرحمن بالغيب؛ لأنهم هم الذين انتفعوا بالإنذار. ثم تلا ذلك قول الله جل وعلا:
" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ " إلى قوله: " وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "(النور: 35)
فبين سبحانه وتعالى أن كل ما أنزله من آيات بيِّنات، ومُبيِّنات، وما فرضه من أحكام، وما حَدَّه من حدود، وما ذكره من أحوال الأولين والآخرين وقصصهم، وما ذكره من أوامرَ، ونواهٍ، ومواعظَ، في هذه السورة المباركة خاصة، وفي القرآن الكريم عامة؛ إنما هو نور مستمد من نوره سبحانه؛ ولهذا سمَّى هذه السورة:{ سورة النور }. وهكذا تتناسق الآيات مع بعضها البعض في سلك رفيع من النظم بديع !
ثانيًا- قوله تعالى:" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "
يقتضي ظاهره أنه سبحانه وتعالى في نفسه نور. ولما كان النور- في لغة العرب- يعني الضوء المدرَك بالبصر، حمل جمهور المفسرين إسناده إلى الله عز وجل على المجاز. وإسناده- عندهم- على اعتبارين:
إما على اعتبار أنه بمعنى: اسم الفاعل. وعليه يكون التقدير:" اللَّهُ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "
أو على اعتبار حذف مضاف، تقديره:" اللَّهُ ذُو نُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "
أما كونه بمعنى اسم الفاعل فهو مروي عن الحسن وأبي العالية والضحاك. وعليه جماعة من المفسرين، ويؤيده قراءة بعضهم:" مُنَوِّرُ "، وكذا قراءة علي- رضي الله عنه- وأبي جعفر، وغيرهما:" نَوَّرَ الأرضَ " فعلاً ماضيًا، ومفعولاً به.
وروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه فسَّر نور السماوات بهادي أهل السماوات والأرض. وبمدبِّر الأمر فيهما، وروي ذلك عن مجاهد أيضًا.
وجعل ذلك بعضهم من التشبيه البليغ، ووَجْهُ الشَّبَه كونُ كل من التدبير والنور سبب الاهتداء إلى المصالح، ويؤيده ما أخرجه الطبري عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- من قوله:" إن إلهي يقول: نوري هُدَايَ ". فشبَّه سبحانه وتعالى نوره بهداه.
وهذا- كما قال ابن قيِّم الجوزية- إنما يرجع إلى فعله سبحانه، وإلا فالنور، الذي هو وَصْفٌ من أوصافه جل وعلا قائمُ به، ومنه اشْتُقَّ له اسم النور، الذي هو أحد أسمائه الحسنى. فهذا اسمه، وذاك فعله، ولا تَنافِيَ بين الاسم والفعل، وقد عُلِمَ أن كل ما هو نورٌ فهو مُنَوِّرٌ لغيره، فهما متلازمان.
وكان بعض العارفين يرى أن النور هو اسم الله الأعظم. وفي( لسان العرب ) لابن منظور:" في أسماء الله تعالى النُّورُ. قال ابن الأثير: هو الذي يبصِر بنوره ذو العَمايَة، ويرشُد بهداه ذو الغِوايَة. وقيل: هو الظاهر، الذي به كلُّ ظهور. والظاهرُ في نفسه، المُظْهِرُ لغيره يسمَّى: نورًا.. قال أبو منصور: والنور من صفات الله عز وجل ".

(1/84)


وقال ابن قيِّم الجوزية:” إن النور جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول، وأثبتوه في أسمائه الحسنى، ولم ينكره أحد من السلف، ولا أحد من أئمة أهل السنة. ومحالٌ أن يسمِّي نفسه نورًا، وليس له نور، ولا صفة النور ثابتة له؛ كما أن من المستحيل أن يكون عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا، ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحةُ هذه الأسماء عليه مستلزمةٌ لثبوت معانيها له، وانتفاءُ حقائقها عنه مستلزمةٌ لنفيها عنه، والثاني باطل قطعًا فتعين الأول “.
فكونُ النور اسمًا من أسمائه تعالى، أو وَصْفًا من أوْصَافه، لا يمنع أن يكون منوِّرًا لغيره، ومُدَبِّرًا لأمره، وهاديًا له؛ لأن من معاني كونه- سبحانه- نورًا أن يكون مُنَوِّرَ السمواتِ والأرضِ، ومُدَبِّرَ الأمر فيهما، وهاديَ أهلهما بنوره، الذي منه قِوامُهُمَا، ومنه نِظامُهُمَا؛ فهو الذي يهَبُهُما جوهرَ وجودهما، ويودِعُهُما ناموسَهُما، ويقيم كل موجود في هذا الوجود في مكانه الصحيح، ويوجِّهه الوِجْهةَ، التي يأتلف فيها مع الوجود، ويتناغم مع الموجودات؛ فكأن كل ذرة من ذرات هذا الوجود تعمل في نور، فلا تضلُّ طريقَها أبدًا.
وقد كان من عادة الصحابة- رضوان الله عليهم- أن يذكروا في تفسيرهم بعض صفات المفسَّر من الأسماء، أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية صفات المسمَّى. وإلى هذا أشار الشيخ ابن تيمية بقوله:” ثم قول من قال من السلف: هادي أهل السماوات والأرض، لا يمنع أن يكون في نفسه نورًا؛ فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفَسَّر من الأسماء، أو بعض أنواعه. ولا ينافي ذلك ثبوت بقية صفات المسمَّى؛ بل قد يكونان متلازمين “.
ويدل على ذلك ما أخرجه الطبراني عن سعيد بن جبير- رضي الله عنه- من قوله:” كان ابن عباس يقول: اللهم! إني أسألك بنور وجهك، الذي أشرقت له السموات والأرض، أن تجعلني في حِرْزِك وحفظك وجوارك وتحت كنفك “.
وأخرج الطبراني أيضًا عن عبد الله بن مسعود قوله في تفسير الآية:” إن ربكم ليس عنده ليل، ولا نهار، نورُ السماوات والأرض من نور وجهه “.
وقد أخبر الله جل جلاله أن الأرض تشرق بنور ربها يوم القيامة، إذا جاء لفصل القضاء بين عباده، فقال سبحانه:" وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "(الزمر: 69)
وفي الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عائد من الطائف نافض كفيه من الناس:” أعوذ بنور وجهك، الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك“
وأخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي في ( الأسماء والصفات ) عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا تهجد في الليل يدعو:” اللهم لك الحمد، أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيُّوم السموات والأرض ومن فيهن “.
قال ابن قيِّم الجوزية:” إن الحديث تضمن ثلاثة أمور، شاملة عامة للسموات والأرض؛ وهي: ربوبيتهما، وقيوميتهما، ونورهما. فكونه سبحانه ربًا لهما، وقيومًا لهما، ونورًا لهما أوصاف له، فآثار ربوبيته، وقيوميته، ونوره، قائمة بهما.
وصفة الربوبية مقتضاها هو المخلوق المنفصل. وهذا كما أن صفة الرحمة والقدرة والإرادة والرضى والغضب قائمة به سبحانه، والرحمة الموجودة في العالم، والإحسان، والخير، والنعمة، والعقوبة، آثار تلك الصفات، وهي منفصلة عنه. وهكذا علمه القائم به هو صفته. وأما علوم عباده فمن آثار علمه، وقدرتهم من آثار قدرته “.
فإذا ثبت بهذه النصوص كلها أن الله سبحانه هو نور السموات والأرض ومن فيهن، وأن كل شيء في هذا الوجود إنما يشرق بنور وجه ربه جل وعلا، ولنوره، وأن كل نور إنما هو من نوره سبحانه، فكيف لا يكون هو سبحانه في نفسه نورًا؛ كما كان سبحانه وتعالى ربًّا، وقيُّومًا، وهاديًا ؟!
وأما من قال: إن الله سبحانه، لو كان نورًا في نفسه، لما جازت إضافته إليه في قوله:" مَثَلُ نُورِهِ "، وكذا في قوله:" يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ "؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، بمعنى: أن المضاف لا يكون عَيْنَ المضاف إليه، فلا يقال: نورُ النورِ، ولا حقُّ الحقِّ؛ وإنما يقال: نورُ اللهِ، وحقُّ اليقين، فالجواب عنه: أن النور يضاف، أو يسند إلى الله سبحانه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يسند إسناد الخبر إلى المبتدأ؛ كما في قولنا: اللهُ نورٌ. وبهذا وصفه النبي عليه الصلاة والسلام. ففي الحديث الثابت عن أبي ذرٍّ- رضي الله عنه- أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال:” نورٌ! أنَّى أراه ؟ “.. وفي الرواية الأخرى:” هل رأيت ربك ؟ فقال: رأيت نورًا “.

(1/85)


فأخبر صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه نورٌ، وهو لفظ يفيد التعظيم. ثم نفى رؤيته لربه سبحانه بقوله:” أنَّى أراه ؟ “ أي: كيف أراه، ومن أين لي أن أراه، وهو نور؟ أما النور الذي رآه عليه الصلاة والسلام- كما جاء في الرواية الثانية- فهو حجابه الذي احتجب به عن خلقه سبحانه وتعالى. ويدل على ذلك ما جاء في حديث الإسراء، من أنه- عليه الصلاة والسلام- لما قرُب من سدرة المنتهى، غَشِيَ السدرة من النور ما حجب بصره عن النظر إليها، أو إليه سبحانه.
ففي صحيح مسلم (1/161) عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات، فقال:” إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور“.
وفي رواية أخرى:” حجابه النار، أو النور، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه “.
وسُبُحاتُ وجهه سبحانه: هي جلاله وبهاؤه، ونوره، الذي حجبه عن خلقه بحجاب من نور، أو نار. وقد نقل الإمام النووي اتفاق شُرَّاح الحديث على أن معنى” سُبُحاتُ وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه.
وعقَّب الشيخ ابن تيمية على الحديث بقوله:” فهذا الحديث فيه ذكر حجابه، فإن تردَّد الراوي في لفظ النار والنور، لا يمنع ذلك؛ فإن مثل هذه النار الصافية، التي كلم بها موسى، يقال لها: نارٌ، ونورٌ؛ كما سمَّى الله نارَ المصباح نورًا، بخلاف النار المظلمة؛ كنار جهنم، فتلك لا تسمَّى نورًا “.
ودلالة الحديث- كما هو ظاهر- قاطعة في ثبوت صفة النور لله عز وجل لمن تأمله، وسلم من مرض التعطيل والتأويل. وهي كغيرها من الصفات، التي تثبت لله تعالى مع التنزيه، على حدِّ قوله سبحانه:" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "(الشورى: 11)
فليس النور الثابت له سبحانه كنور الشمس والقمر، أو غيرهما من الأنوار المخلوقة؛ بل هو نور يليق به سبحانه، لا يماثل نور المخلوق، فلكل ذات ما يناسبها من الصفات..
" وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "(النحل:60)
والوجه الثاني: أن يسند النور إليه سبحانه إسناد الصفة إلى موصوفها، أو إسناد الاسم إلى مسمَّاه، ومنه ما أخبر الله تعالى عنه بقوله:" وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا "
فهذا إشراق الأرض يوم القيامة بنور ربها سبحانه وتعالى، إذا جاء لفصل القضاء بين عباده. والمعنى المراد: وأشرقت الأرض بنور ربها الموصوف بهذه الصفة، على اعتبار أن النور وصف قائم به سبحانه. أو بنور ربها المسمَّى بهذا الاسم، على اعتبار أن النور اسم من أسمائه الحسنى.
ومن المعلوم أن الصفة غير الموصوف، والاسم غير المسمَّى. وقد نصَّ سيبويْه على أن الاسم غير المسمَّى، فقال:” تقول: سمَّيت زيدًا بهذا الاسم؛ كما تقول: علَّمته بهذه العلامة “.
وإلى هذا ذهب الشيخ السهيلي- رحمه الله- فقال بعد أن بسط القول في هذه المسألة:” فقد تبين لك- في أصل الوضع- أن الاسم ليس هو المسمَّى؛ وذلك أنك تقول: سمَّيت زيدًا بهذا الاسم؛ كما تقول: حلَّيته بهذه الحلية. والحلية- لا محالة- غير المحلَّى؛ فكذلك الاسم غير المسمَّى “.
وعقَّب ابن قيِّم الجوزيَّة- رحمه الله- على كلام الشيخ السهيلي بقوله:” فهنا ثلاث حقائق: اسم ومسمَّى وتسمية؛ كحلية ومحلَّى وتحْلية؛ وعلامة ومعلَّم وتعليم. ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها. وإذا جعلت الاسم هو المسمَّى، بطل واحد من هذه الحقائق الثلاث، لا بد “.
فثبت بذلك أن النور المضاف إلى الله عز وجل في قوله:" مَثَلُ نُورِهِ " ليس هو عين المضاف إليه؛ لأن الأول هو الوَصْفُ، الذي اشتُق منه اسم النور. والثاني- وهو ضمير الكناية- هو المسمَّى ذاته؛ وهو الله جل جلاله. والأول غير الثاني. ومن تتبع هذا النوع من الإضافة في القرآن الكريم، وجده كثيرًا.. وإذ علم ذلك، فلا داعي لتكلف تقدير: الله ذو نور السموات والأرض.
والوجه الثالث: أن يسند إسناد المفعول إلى فاعله؛ ومنه قوله تعالى:" يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم "(الحديد: 12)
فهذا النور المضاف إلى المؤمنين؛ إنما هو في الحقيقة نور من نور الله جل وعلا، وخلق من خلقه. وليس من نور في هذا الوجود إلا هو خلق من خلق الله، ومن ذلك قولنا: نور المصباح، ونور الشمس، ونور القمر؛ ونحو ذلك مما هو صفة لأعيان قائمة.
وهذا النور المسند إلى الله عز وجل إسناد المفعول إلى فاعله، والذي هو صفة لأعيان قائمة هو ضد الظلمة؛ وكلاهما مجعول لله تعالى؛ كما أفاد ذلك قوله تعالى:" الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ "(الأنعام: 1)
وهو- كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته- ضربان: دنيوي، وأخروي: أما الأخروي فهو ضرب واحد؛ ومنه قوله سبحانه:" يسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم "(الحديد: 12)

(1/86)


وأما الدنيوي فهو ضربان: أحدهما: معقول بعين البصيرة؛ وهو ما انتشر من الأمور الإلهية كنور العقل، ونور الإيمان، ونور القرآن، ومنه قوله تعالى:" قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ "(المائدة: 15)
والثاني: محسوس بعين البصر؛ وهو ما انتشر من الأجسام النيرة كالشمس والقمر والنجوم، ومنه قوله جل وعلا:" هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً "(يونس: 5)
فثبت مما تقدم أن الأنوار ثلاثة:
أولها: النور الذي هو وصف من أوصاف الله جلا وعلا، ومنه اشتق له اسم النور، الذي هو أحد أسمائه الحسنى.
وثانيها: النور الذي هو حجابه جل جلاله، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.. تأمل ذلك في قوله تعالى:
" فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً "(الأعراف: 143)
وثالثها: النور الذي هو خلق من خلق الله سبحانه، وهو نور الوجود كله، وهو المراد بقوله جل وعلا:" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ".
وإلى هذه الأنوار الثلاثة أشار الشيخ ابن تيمية بقوله:” النصُّ في كتاب الله، وسنةُ رسوله قد سمَّى الله نورَ السماوات والأرض، وقد أخبر النصُّ أن الله نورٌ، وأخبر أيضًا أنه يحتجب بالنور.. فهذه ثلاثة أنوار في النص “.
وقد علم مما تقدم أن كون الله سبحانه نور السموات والأرض يعني: أنه سبحانه في نفسه نور؛ لأنه سبحانه، لو لم يكن في نفسه نورًا، فكيف يكون منوِّرًا لغيره ؟ وليس غريبًا بعد هذا أن نجد كثيرًا من الناس يعترضون على تسمية الله تعالى نفسه نورًا، وتسمية رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام له بالنور؛ وذلك لأنهم لم يميزوا بين نور ، ونور .
قال عبد الكريم الخطيب في كتابه تفسير القرآن للقرآن:” ونحن إذا نظرنا اليوم بعين العلم، رأينا الوجود كله نورًا. فالأجسام جميعُها مكونة من ذرَّاتٍ. والذرَّاتُ هي- كما عرف العلم- نورٌ من نورٍ. فكل ذرة مجموعة من الشموس، تدور في فلك النواة، التي للذرة. فهذه الأجسام المعتمة، وغير المعتمة في هذا الكون الفسيح هي نورٌ مُجَسَّد مُتكاثِفٌ، إذا انْحَلَّ إلى ذرَّاتٍ، كان كُتلاً من النور الوهَّاج.
فالعالم الماديُّ- كما يبدو في مرآة العلم الحديث- هو شُموسٌ، تستمد نورها من نور الله، الذي أضاء الوجود كله. ومع ذلك فهو بالإضافة إلى نور الله جل جلاله ظلام، لا تتجلَّى حقيقته إلا على ضوء نور الله سبحانه؛ كما تتجلَّى حقائق الأشياء، التي تقع في محيط المشكاة، وما يشعُّ المصباح الذي فيها من أضواء “.
وأضاف قائلاً:” ولا بد من الإشارة إلى أن التعبير عن قيوميَّة الله سبحانه وتعالى وسلطانه القائم في الوجود بالنور؛ إنما هو لما في النور من لطف، بحيث لا يتجسَّد أبدًا؛ بل إنه في هذا على عكس الأشياء كلها. فالأشياء اللطيفة- كالزجاج الرقيق مثلاً- كلما علت طبقة منه طبقة أخرى زادت كثافته، ثم لا تزال شفافيته تقل، كلما تكاثرت طبقاته، حتى يصبح جسمًا معتمًا.. أما النور فإنه كلما، تضاعفت أشعته، ازداد شفافية وقدرة على كشف المرئيات، التي يقع عليها، من دون أن يشكل حيِّزًا في المكان، الذي ينيره، أو يحدث خلخلة في الهواء.
ومن جهة أخرى فإن النور- مع شفافيته ومع زيادة هذه الشفافية كلما كثر وقوي- هو من أكثر ظواهر الطبيعة سرعة؛ بحيث لا يكاد يقيَّد بزمن، فالشعاعة من الضوء تنتقل من طرف الأرض إلى طرفها الآخر في لمَحة بصر، لا تتجاوز جزءًا من الثانية.
فالنور- كما ترى- لا يتحيَّز في مكان، ولا يكاد يتقيد بزمن، والله سبحانه وتعالى لا يحويه مكان ، ولا يحده زمان.. فإذا كان الله نور السموات والأرض، كان معنى هذا أنه- سبحانه وهو القيوم على الوجود- ليس حالاً في الموجودات، ولا متحيِّزًا فيها، ولا محجوزًا في مكان منها دون مكان “.
نخلص من ذلك كله إلى أن نور الله سبحانه هو الذي يمسك هذا الوجود على نظامه، الذي أقامه الله تعالى عليه؛ إذ على هذا النور يدور كل موجود في فلكه متناغمًا متجاوبًا مع دورة الموجودات كلها في فلك الوجود. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
" وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ "(النور: 40). وقوله تعالى:
" قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ "(المائدة: 15)
وفي المسند الجامع لأبي الفضل النوري عن عبد الله بن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل “.
وعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى:" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " كل ما أودعه الله جل جلاله في الموجودات من سنن، وما ركَّبَه في المخلوقات من قوى، وما بعث في الناس من رسل، وما أنزل إليهم من كتب ودلائل، ففي كل هذا نور من نور الله جل وعلا!

(1/87)


ثالثًا- وبعد أن جلا الله سبحانه هذا الأفق المترامي لنوره، الذي يضيء الوجود كله، شرع في ضرب مثل لهذا النور العظيم، يقربه إلى العقول، ويدنيه من المدارك والتصورات، ويخرجه من عالم ما وراء الحس إلى عالم المحسوس؛ وإلا فإن نور الله تعالى في ذاته لا يمكن لبشر أن يتصوره حقيقة، أو خيالاً؛ لأنه- كما قدمنا- صفة من صفاته سبحانه. وكما لا تدرك ذات الله جل وعلا، فكذلك لا تدرك صفاته. وأقرب مثل لهذا النور، الذي لا يعرف كنهه أحد، ولا يدرك سره أحد في تصورنا، هو النور المنبعث من مصباح في زجاجة درِّيَّة، داخل مشكاة، هي أشبه بالوجود، الذي يستضيء بنور الله؛ وذلك قوله تعالى:
" مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ "
وظاهر قوله:" مَثَلُ نُورِهِ " أن يعود ضمير الكناية على الله سبحانه، وليس في الكلام ما يدل على أنه يعود على المؤمن، أو على القرآن الكريم، أو على محمد صلى الله عليه وسلم.
فالذي تدل عليه الآية صراحة أن المراد بـ" نُورِهِ ": نورُ الله جل وعلا، المضافُ إليه إضافةُ الصفة إلى الموصوف. أو إضافةُ الاسم إلى المسمَّى، وأن التمثيل هو تمثيل لهذا النور، الذي يضيء الوجود كله، وليس تمثيلاً لنوره، الذي ألقاه سبحانه في قلب المؤمن، أو في قلب محمد صلى الله عليه وسلم، أو لنوره، الذي هو وحيُه المنزل في كتابه الكريم.
روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قوله في مناسبة نزول الآية:” إن اليهود قالوا: يا محمد ! كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء ؟ فضرب الله تعالى ذلك مَثَلاً لنوره “.
وأما على ما روي عن أُبَيّ أنه قرأ:" مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ ". أو:" مَثَلُ نُورِ مَنْ آمَنَ بِهِ "، فيكون الضمير عائدًا على المؤمن، ويكون التمثيل تمثيلاً لنور المؤمن. وهذا التأويل لا يجوز على القراءة المشهورة.
ومن أغرب ما قرأت في تفسير قوله تعالى:" مَثَلُ نُورِهِ " تفسيرًا للمرحوم الشيخ عبد الرحمن حسن حبنَّكة الميداني في كتابه( أمثال القرآن وصور من أدبه الرفيع )، قال فيه:” مَثَلُ بعض نوره، الذي تستهدون به من خلال تدبر آياته، وما تشعُّه في قلوب المؤمنين، الصادقين في الطلب والبحث والتدبر. أو: نَموذجُ نورِه ممَّا يدرك الناس منه. وهذا النموذجُ هو بعضُ نور الله العظيم “.
الله تعالى يقول:" مَثَلُ نُورِهِ "، والشيخ- رحمه الله- يقول:” مَثَل بعض نوره “. أو:” نموذج نوره ممَّا يدرك الناس منه. وهذا النموذج هو بعض نور الله العظيم “.
رحم الله هذا الشيخ الجليل، وجعل مثواه الجنة ! فلست أدري من أين أتى بلفظ ( بعض )، وحشره بين لفظ ( مَثَلٍ )، ولفظ ( نُورِهِ ) ؟ وهل في الكلام ما يدل على هذا البعض ؟
ثم من أين أتى بلفظ ( نموذج ) ؟ وكيف يكون تفسير قوله تعالى:" مَثَلُ نُورِهِ " بـ( نموذح نوره ) مقبولاً، أو مستساغًا عند من يتحدث عن صور من أدب القرآن الرفيع ؟
وليت شعري ماذا يقولون في قول الله تعالى:
" يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ "(التوبة: 32) ؟
أيقولون: يريدون أن يطفئوا بعض نور الله ؟ أو نموذج نور الله ؟ أو يقولون: يريدون أن يطفئوا نور الله الذي ألقاه في صدر المؤمن أو قلبه ؟ أم ماذا يقولون، وإضافة النور إلى الله جل وعلا ظاهرة ظهور هذا النور ؟
ورحم الله النجاشي، الذي فهم ببصيرته النافذة ما لم نفهمه نحن المسلمون. لقد فهم أن الإنجيل والقرآن الكريم يخرجان من مشكاة واحدة، وهما نور من نور الله جل وعلا، فقال مشيرًا إلى ما سمع من كلام الله:” إن هذا، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة “.
" وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ".
واختلفوا في هذا التشبيه: أهو تشبيه جملة بجملة، لا يقصَد فيها إلى تشبيه جزء بجزء، ومقابلة شيء بشيء، أو هو ممَّا قصِد به ذلك ؟ والأول هو الأحسن، وعليه يكون المعنى: مَثَلُ نورِ الله تعالى كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر.
فالمشبَّه هو مثل نور الله جل وعلا. والمشبّه به هو المصباح في زجاجة داخل المشكاة. وبين المشبَّه، والمشبَّه به وجْهُ شَبَهٍ، دلَّت عليه كاف التشبيه.
والقاعدة في التشبيه أن يشبه الأدنى بالأعلى في مقام المدح، وأن يشبه الأعلى بالأدنى في مقام الذم. وكذا في مقام السلب؛ ومنه قوله تعالى:" أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ "(ص: 28)
أي: في سوء الحال. أي: لا نجعلهم كذلك.
وقد اعترض على ذلك بقوله تعالى:" مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ "؛ فإنه شُبِّهَ فيه الأعلى بالأدنى، لا في مقام السلب.
والله قد ضرب الأقلَّ لنوره ** مثلاً من المشكاة والمصباح

(1/88)


وأجيب عنه بأنه للتقريب إلى أذهان المخاطبين؛ إذ لا أعلى من نوره سبحانه وتعالى، فيشبه به. وقد قيل: يمكن أن يكون المشبه به- هنا- أقوى من المشبه؛ وذلك لكونه في الذهن أوضح؛ إذ الإحاطة به أتم.. فتأمل ذلك !
وقد دل وجود لفظ " مَثَل " في طرف المشبه، دون وجوده في طرف المشبه به على أن المشبه ليس هو ذات نور الله سبحانه؛ وإنما هو مَثَلُهُ المطابقُ له في تمام أوصافه، المشارِ إليها بقوله تعالى:" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "، وهو منتزع من مجموع هذه الصفات، وأن المشبه به هو نور المصباح داخل المشكاة. والأول موجود معلوم في الذهن، والثاني موجود معلوم خارج الذهن.
ولهذا لا حاجة بنا إلى تقدير لفظ " مَثَل " عقب كاف التشبيه؛ كما ذهب إليه المفسرون، فقالوا: التقدير:" كَمَثَلِ مِشْكَاةٍ ". وكذلك لا حاجة إلى تقدير مضاف محذوف عقب الكاف؛ كأن يقال:" كَنُوْرِ مِشْكَاةٍ "؛ لأن المشبه به ليس هو نور المشكاة وحدها؛ وإنما هو ما اجتمع من نور المشكاة، ونور المصباح، ونور الزجاجة، ونور الزيت؛ ولهذا وصفه الله تعالى بقوله:
" نُوْرٌ عَلَى نُوْرٍ ".
ومن اللطائف البديعة أن النور، حيثما وقع في القرآن، وقع مفردًا، خلافًا للظلمة فإنها، حيثما وقعت، وقعت مجموعة. ولعل السبب- على ما قيل- هو أن النور واحد؛ كما أن الله تعالى واحد، وأن الظلمة متعددة؛ كما أن الآلهة الباطلة متعددة. تأمل ذلك في نحو قوله تعالى:
" اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ "(البقرة: 257)
وقيل: المِشْكَاةُ هي الكُوَّةُ غير النافذة بلغة الحبشة، يوضع فيها المصباح، فتحصر نوره وتجمعه، فيبدو قويًا متألقًا، وهذا هو وجه تخصيصها بالذكر دون غيرها. ومنهم من فرق بين الكُوَّةُ والمِشْكَاةِ؛ كقول أحدهم يمدح آخر:
نورُ حَقٍّ بنفسه قامَ، مَا احْتا ** جَ إلى كُوَّةٍ، ولا مِشْكاةِ
فدلَّ ذلك على أن الكُوَّةَ أعمُّ من المِشْكَاةِ، وكلُّ مِشْكَاةٍ كُوَّةٌ، وليس كلُّ كُوَّةٍ مِشْكَاةً. وأصلُ المِشْكَاة: الوِعَاءُ يجعل فيه الشيء؛ ومنه قول الشاعر:
كأن عينيه مشكاتان في جحر
وقيل: المشكاة: صندوق زجاجي، يوضع فيه المصباح.
وقال الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه:” ما وقع في القرآن من نحو المِشْكاة، والقِسْطاس، والإستبرق، والسجِّيل، لا نُسَلِّم أنها غيرُ عربية؛ بل غايتُه أنَّ وَضْعَ العرب فيها وافق لغةً أخرى كالصابون، والتنّور؛ فإن اللغات فيها متفقة “.
وزعم بعض أهل المعاني: أن التشبيه في هذا التمثيل هو من التشبيه المقلوب، وأن المعنى: مَثَلُ نوره كمصباح في مشكاة؛ لأن المشبه به هو الذي يكون مَعْدِنًا للنور ومَنْبَعًا له؛ وذلك هو المصباحُ، لا المِشْكَاةُ. وما تقدم من تفسير لمعنى المِشْكَاةِ يدل على أنها هي الوِعَاءُ، الذي يجمع النور، ويجعله قويًا، وبدونها يبدو ضعيفًا عاجزًا عن كشف المرئيات؛ ولهذا كانت أحقَّ بالتقديم من المصباح. وهذا هو أحد أوجه الإعجاز البياني في هذه الآية الكريمة.
ويتضح لنا ذلك، إذا علمنا أن المرادَ بالمِشْكَاِة الذاتُ الإلهية المقدَّسة مَعْدِنُ الأنوار كلِّها، ومَنْبَعُها، الذي لا ينفد. تأمَّل ذلك في قول النجاشي، الذي تقدَّم ذكره:” إن هذا، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة “.. ثم تذكَّر أن ضارب المثل هو الله جل وعلا، وفي القرآن أمثلة كثيرة ضربها الله تعالى لصفاته، التي لا تشبهها صفة، فضلاً عن أن تماثلها..
" وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "(الروم: 27) ، " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ "(الشورى: 11)
أما المصباح فهو السراج، وأصله من الضوء، ومنه الصبح. وما انعكس من شعاعه وسطوعه على الأجسام الصقيلة المعتمة هو نوره. وقد شُبِّهَ به مَثَلُ نورِ الله جل وعلا، في الوضوح، والظهور، والإنارة، والتنوير، والهداية.
وكلا النورين: مَثَلُ نور الله جل وعلا، ونورُ المصباح يوصف بأنه نار ونور. حكى الراغب الأصفهاني في ( المفردات في غريب القرآن ) عن بعضهم قوله:” النار والنور من أصل واحد، وكثيرًا ما يتلازمان؛ لكن النار مَتاع للمقوين في الدنيا، والنور مَتاع لهم في الآخرة. ولأجل ذلك استعمل في النور الاقتباس؛ كقوله تعالى:" انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ "(الحديد: 13) “.

(1/89)


والمراد بالنار- هنا كما ذكرنا سابقًا- النار الصافية، التي كلَّم الله تعالى بها موسى عليه السلام. فمِثْلُ هذه النار يقال لها: نارٌ ونورٌ، بخلاف النار المظلمة؛ كنار جهنم. فتلك لا تسمى نورًا. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:" إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "(النمل: 7- 9)
جاء في التفسير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن المراد بقول الله تعالى" مَنْ فِي النَّارِ ": الله جل جلاله. وأن المراد بالنار: نوره سبحانه. وأن المراد بقوله تعالى:" وَمَنْ حَوْلَهَا ": الملائكة.
هذا قول ابن عباس، وليس قول زيد، أو عبيد حتى يعترض عليه المعترضون ! ويدل عليه تنزيه الله تعالى نفسه عقب ذلك بقوله:" وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
ثم إخباره جل وعلا عن نفسه بقوله:" يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
ويتضح لنا ذلك، إذا علمنا أن النور المضاف إلى الله سبحانه يقع على ذاته المقدسة، ويقع على صفاته القدسية القديمة. ومثله في ذلك نور المصباح.
وكما أن إضافة النور إلى الله سبحانه هي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ فكذلك إضافة النور إلى المصباح هي من إضافة الصفة إلى الموصوف. وبيان ذلك: أن الأصل في قولنا: نور الله، ونور المصباح: اللهُ تعالى النورُ، والمصباحُ النورُ. فالاسم الأول منهما موصوفٌ، والثاني صفةٌ ملازمةٌ له، قد أُخْبِِرَ بها عنه. وقد أضيف الثاني منهما إلى الأول بعد أن جرِّد من الألف واللام، لإرادة معنى التخصيص. أي: تخصيص الصفة بموصوفها؛ ونحو ذلك قوله تعالى:" إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ "(الواقعة: 95)
وأصل الكلام: إن هذا لهو الحقُّ اليقينُ. ثم قيل: حقَُ اليقين، بإضافة الأول إلى الثاني.
والعرب إنما تفعل ذلك في الصفة المعرفة اللازمة لموصوفها لزوم اللقب للأعلام؛ كقولهم:{ زيدُ بطَّةٍ }. وأصل الكلام:{ زيدٌ بطَّةٌ }. أما الصفة، التي لا تثبت ولا تلزم موصوفها، فلا تضاف إلى الموصوف، لعدم الفائدة المخصِّصة، التي لأجلها كانت هذه الإضافة. وهذا يؤكِّد ما ذكرناه أولاً من أن النور وَصْفٌ من أوصاف الله تعالى، قائمٌ به، وملازمٌ له، لا يفارقه أبدًا كنور المصباح.. وبهذا يظهر لك سِرُّ تشبيه مثل نوره جل وعلا بنور المصباح دون غيره من الأنوار.
ثم وصف سبحانه هذا المصباح، فقال:" الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ "
والزجاجة هي القنديل من البِلَّوْر الشَّفَّاف الصافي، جعل فيها المصباح؛ لأن الضوء في الزجاج أظهر وأبين منه في كل شيء. ووجه ذلك أن الزجاج جسم شفَّاف يظهر فيه النور أكمل ظهور.
ثم وصف الزجاجة، فقال:" الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٍّ "
هذه الزجاجة لصفاء جوهرها، وحسن منظرها، كأنها كوكب دريٌّ. أي: كوكب مضيء متلألىء، يشبَه الدرَّ في صفائه، ولونَ نوره.
وأهدأُ النور، وأجملُه هو ذو اللون الدرِّيِّ. وذهب الجمهور إلى أن المراد بالكوكب الدري- هنا- كوكب من الكواكب المضيئة؛ كالزهرة والمشتري، والثوابت، التي في العظم الأول. ودَرَارِيُّ الكواكب- على ما قيل- عِظامُها.
وفي ذكر المصباح، والزجاجة منكَّرين، ثم إعادتهما معرَّفين، والإخبار عنهما بما بعدهما، مع انتظام الكلام بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها كوكب دري، من تفخيم شأنهما، ورفع مكانتهما بالتفسير إثر الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، ما لا يخفى حُسْنُه وبَهاؤُه.
ويسمِّي بعض علماء البديع هذا اللون من الأسلوب: طباق التَّرْديد. وعدَّه السيوطي من محاسن الفصاحة، وجعله أبلغَ من التأكيد بتكرير اللفظ، خلافًا لبعض من غلط. وكان قد ذكر من فوائد التكرير: التقرير، والتعظيم، والتهويل. ثم قال:” ومنه ما كان لتعدد المتعلَّق بأن يكون المكرَّرُ ثانيًا متعلقًا بغير ما تعلق به الأول. وهذا القسم يسمَّى بالترديد؛ كقوله:
" اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ".
وقع فيه الترديد أربع مرات “.
وفرَّق زكيُّ الدين بْنُ أبي الأصبع بين الترديد، والتكرير بأن اللفظة، التي تكرَّر في الكلام، ولا تفيد معنى زائدًا، تكون تَكْريرًا للأولى. أما اللفظة التي تُرَدَّدُ في الكلام، وتفيد معنى غير معنى الأولى تكون تَرْديدًا لها.
وبعد أن شبَّه الله تعالى الزجاجة، وفيها المصباح، بالكوكب الدريِّ المتلألىء، عاد سبحانه ثانية إلى المصباح، فأخبر أنه:" يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ "
أحسنُ ما يمكن أن يقال في وصفها أنها شجرة:" مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ ".

(1/90)


و" زَيْتُونَةٍ " بدل من" شَجَرَةٍ ". والمعروف أن شجر الزيتون من أفضل الأشجار؛ لأن كل ما فيه هو ممَّا ينفع الناس: زيته، وخشبه، وورقه، وثمره. أما نور زيته فهو أصفى نور يعرفه المخاطبون بهذا المثل؛ ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذه الشجرة من بين الشجر؛ وإنما لكونها شجرة
" مُبَارَكَةٍ "
ولهذا قدِّم لفظ " مُبَارَكَةٍ " على لفظ " زَيْتُونَةٍ ".
وقيل: إنما وصفت بهذه الصفة؛ لأنها تنبت في الأرض، التي بارك الله تعالى فيها للعالمين؛ وهي أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:
" وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ "(المؤمنون:20)
وفي إبهام الشجرة، ووصفها بأنها مباركة، ثم الإبدال منها، تفخيم لشأنها. وقد جاء في الحديث مدح الزيت؛ لأنه منها. ومن ذلك ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه من أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:” ائتدموا بالزيت، وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة “. وهو في حدِّ ذاته ممدوح، ففي الحديث:” أنه مصحة من الباسور“. وقد ذكر له الأطباء منافع كثيرة، ليس هذا موضع ذكرها.
وقد دل تنكير لفظ " شَجَرَةٍ "- أيضًا- على أنها ليست شجرة مخصوصة بعينها. وكذلك دل وصفها بأنها:" لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ " على أنها ليست متحيزة إلى جهة، دون جهة؛ وإنما هي بين شرقية، وغربية. هذا ما يدل عليه اللفظ، ونظير ذلك قوله تعالى في وصف البقرة:
" إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ "(البقرة:68)
ثم قال:" عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ "(البقرة:68)
وعن ابن زيد قال:” ليست من شجر الشرق، ولا من شجر الغرب؛ لأن ما اختص بإحدى الجهتين كان أقلَّ زيتًا، وأضعفَ ضوْءًا؛ لكنها من شجر الشام، وهي ما بين المشرق والمغرب، وزيتونُها أجودُ ما يكون “.
أما زيتها فإنه ليس زيتًا من هذا الزيت المشهود المحدود؛ وإنما هو زيت آخر عجيب، يكاد من شدة صفائه وإشراقه يضئ بغير احتراق..
" يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ "
فهو في الصفاء والإشراق بحيث يضيء بنفسه، على الرَّغم من عدم مساس النار له أصلاً.
و" يَكَادُ " يدل على قرب وقوع الخبر، وأنه لم يقع. والشائع في خبره أن يكون فعلاً مضارعًا، غير مقترن بـ( أن ) المصدرية الاستقبالية.
أما كونه مضارعًا فلدلالته على الحال المناسب للقرب؛ حتى كأنه لشدة قربه وقع. وأما كونه غير مقترن بـ( أن ) فلمنافاتها لما قصدوا من دلالته على الحال. فلو قيل: يكاد زيتها أن يضيء، لدلَّ ذلك على بعد وقوع الخبر؛ لأنه إن وقع، فسيكون وقوعه في المستقبل، وهذا خلاف المراد.
وأما" لَوْ " فهي أداة شرطية، جعلت مع ما بعدها" لَمْ تَمْسَسْهُ نار " شرطًا للجملة قبلها، وقيدًا لها. ويطلق على مجموعهما مصطلح: عبارة شرطية. وهذه العبارة الشرطية؛ إما أن تكون مجردة من الواو؛ كما في قولنا: يعطَى السائلُ، لو كان فقيرًا. أو تكون مقرونة بالواو؛ كما في قولنا: يعطَى السائل، ولو كان غنيًا.
فالإعطاء الأول في الجملة الأولى مشروط بكون السائل فقيرًا، وليس كذلك الإعطاء الثاني في الجملة الثانية. والفرق بينهما: أن الأول يجري بوجود الشرط؛ لأن كون السائل فقيرًا يناسب أن يعطَى. ولهذا يُسمَّى هذا النوع من الشرط: إيجابيًّا. وأما الإعطاء الثاني فيجري رَغْمَ وجود الشرط؛ لأن كون السائل غنيًَّا لا يناسب أن يعطَى، بخلاف الأول؛ ولهذا يُسمَّى هذا النوع من الشرط: سلبيًّا.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى:" يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ "
أي: يكاد يضيء رَغْمَ عدم مساس النار له.
وفي قوله تعالى:" يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ " إشارة إلى أن الضوء ما يكون للشيء لذاته؛ كما للشمس، والنار، والسراج، والزيت، بخلاف النور، الذي لا يكون إلا من غيره؛ كما للقمر، ومصداق ذلك قوله تعالى:" وَهُوَ الَّذِيْ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوْرًا "(يونس: 5)
والجمهور من علماء اللغة والتفسير لا يفرقون بين الضوء، والنور؛ بل يعتبرونهما لفظين مترادفين على معنى واحد، فيعرِّفون الضوء بأنه النور، الذي تدرك به حاسة البصر الأجسام المعتمة. والله سبحانه وتعالى قد فرق بينهما تفريقًا دقيقًا، ففي الآية السابقة وصف أشعة الشمس بالضياء، ووصف أشعة القمر بالنور، وأصل كل منهما الضوء المنبعث من السراج. وهذا ما يشير إليه سبحانه وتعالى بقوله:" وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً "(الفرقان: 61) ، وقوله تعالى:
" وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا "(النبأ: 13)
فشبه الشمس بالسراج، والسراج هو المصباح، الذي يضيء بالزيت، أو بالكهرباء، أو بأي نوع آخر من أنواع الوقود، وشعاع ضوئه، وسطوعه على الأجسام المعتمة هو الذي يسمَّى نورًا. ولهذا وصف سبحانه وتعالى القمر بأنه منير، ولم يصفه في أيٍّ من الآيات بأنه مضيء. والسر في ذلك أن القمر يستمد نوره من ضوء الشمس، ثم يعكسه، فيبدو لمن يراه مضيئًا.

(1/91)


هذا وقد اشتهر- في العرف- أن الضوء ينتشر من المضيء إلى مقابلاته، فيجعلها مستضيئة. والمعروف عادة أن مصادر الضوء تقسم إلى نوعين: مصادر مباشرة كالشمس والنجوم والمصباح والشمعة وغيرها. ومصادر غير مباشرة كالقمر والكواكب. والأخيرة هي الأجسام، التي تستمد نورها من مصدر آخر، مثل الشمس، ثم تعكسه علينا.
فإذا عرفنا بعد ذلك أن الشمس والمصباح يشتركان في خاصية واحدة، وهي أنهما يعتبران مصدرًا مباشرًا للضوء، أدركنا سر تشبيه الله سبحانه الشمس بالمصباح، دون القمر.
ومما تجدر الإشارة إليه- هنا- أن شركة أمريكية كانت قد أعدت فيلمًا سينمائيًّا عن الجهود الأمريكية لغزو القمر، عنوان هذا الفيلم:( خطوة عملاقة لاكتشاف جيولوجيا القمر ). والفلم من أوله إلى آخره يعرض كيف تمكن العلماء الأمريكان بوسائلهم العلمية من أن يكتشفوا أن القمر كان من قبل كتلة مشتعلة، ثم بردت، أو انطفأ ضوؤها. وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله:
" وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً "(الإسراء: 12)
وآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس، وقد محا الله تعالى الآية الأولى، وأبقى الثانية مبصرة. ولولا ذلك المحو، لم يعرف ليل من نهار، ولا نهار من ليل. وفيه دليل على أن القمر، الذي هو آية الليل، كان كتلة مشتعلة ثم بردت، وكان مضيئًا ثم انطفأ ضوؤه. وكونه منيرًا بعد المحو يعني أنه يستمد نوره من انتشار ضوء الشمس، وسطوعه عليه.
ويؤكد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن سلام، حين سأله عن السواد، الذي في القمر:” كانا شمسين، فقال الله:" وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْل "(الإسراء: 12)
فالسواد الذي رأيت من المحو “.
وبذلك فسره ابن عباس- رضي الله عنهما- بعد أن قال:” كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار “.
وإذا كان الله سبحانه قد شبَّه الشمس بالسراج الوهَّاج، فإنه سبحانه قد شبَّه نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالسراج المنير الهادىء الوديع، الذي يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير العقول، ويهدي القلوب؛ وذلك في قوله جل وعلا:" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً "(الأحزاب: 45- 46)
أما نوره الذي ينير الوجود كله، ويقوم عليه نظام الكون كله فقد شبهه سبحانه بنور سراج- أي: مصباح- في مشكاة، اجتمعت له أسباب الإضاءة كلها؛ ولهذا أخبر الله تعالى عنه بقوله:
" نُورٌ عَلَى نُورٍ "
أي: نور متضاعف، تعاون عليه المشكاة البلورية، والزجاجة الصافية صفاء الكوكب الدري، والزيت، الذي يكاد من شدة إشراقه يضيء، فلم يبقَ ممَّا يقوِّي النورَ، ويزيده إشراقًا شيءٌ؛ لأن المصباح، إذا كان في مشكاة، كان أجمع لنوره، وإذا كان في زجاجة درية، كان أعون على زيادة نوره، وكذلك إذا كان وقوده الزيت النقي الصافي.
وهذا النور هو أقصى ما كان يمكن أن تحصل عليه الإنسانية، أو تتشهى الحصول عليه عند نزول القرآن الكريم. أما ما جدَّ بعد ذلك من نور الكهرباء فلا يَنقُضُ هذا النور، ويُنقِصُ من جلاله وروعته؛ لأنه نور وديع هادىء لطيف، على حين نور الكهرباء زاعق صارخ. ولعل هذا هو السر، أو بعض السر في ضَرْبِ المَثَل بهذا النور، دون نور الشمس، وهو أبهى بهاء، وأقوى قوة من كل نور تعرفه البشرية. وهنا تم المثل.
وبعد أن بلغ هذا النور، الذي ضربه الله تعالى لنوره مثلاً، إلى هذا الحد في الظهور والوضوح والكمال، الذي لا يمكن الزيادة عليه، قال تعالى:" يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ "
فأشار بذلك إلى أن النور، الذي يملأ الوجود؛ إنما هو نفحة من النور العلوي، وأن هذه النفحة موجودة في كل موجود. ومع ذلك، فإن لله سبحانه ألطافًا بعباده، فيصِلُ نورهم بنوره، ويفتح لهم بهذا النور طريقًا إلى عالم الحق والخير.
فالوجود كله، وإن كان نورًا من نور الله- بالإفاضة والخلق- فإن هناك نور الهداية، الذي يضيء البصائر، ويشرح الصدور، ويجلي العقول. والله سبحانه يهدي لهذا النور من يشاء من خلقه، ممن يفتحون قلوبهم لهذا النور، الذي لا ينقطع، ولا يحتبس، ولا يخبو. فحيثما توجه إليه القلب رآه، وحيثما تطلع إليه الحائر هداه، وحيثما اتصل به وجد الله عز وجل.
أما قوله تعالى:" وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "

(1/92)


فهو إشارة إلى أن هذا النور، الذي صوَّره سبحانه بصورة المشكاة والمصباح والزجاجة الدرية؛ إنما هو مَثَلٌ، يقرب للإدراك المحدود طبيعة هذا النور حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير. ويرسم له هذه الصورة المصغرة، التي يتأملها الحس، حين يقصر عن تملي الأصل؛ وإلا فإن نور الله سبحانه وتعالى لا يمكن إدراكه، ولا يمكن وصفه. وهو سبحانه العليم بطاقة البشر، وأن علمه محيط بالأشياء كلها صغيرها، وكبيرها، لا يغيب عن علمه شيء من ذلك.
نسأله سبحانه وتعالى أن يهدينا لنوره، ويسهل لنا السبيل للوصول إلى مرضاته، ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، إنه قريب سميع الدعاء مجيب، والحمد لله رب العالمين.
الأستاذ محمد إسماعيل عتوك
أستاذ لغة عربية في مدارس حلب
==============
بعض جوانب الإعجاز العلمي في سورة يوسف
أ . د / صلاح أحمد حسن
أستاذ العيون بكلية الطب جامعة أسيوط
ملاحظات عامة حول سورة يوسف عليه السلام
/1/ السورة ذكرت في كتاب الله كاملة بنفس اسم بطل أحداثها - يوسف عليه السلام - لأن :
1- خط القصة الدرامي الأساسي متصل ...
2- القصة مكتملة البناء الدرامي، من حيث التمهيد، ثم الثروة، ثم الانفراج ...
3- وقائع القصة وأماكن حدوثها محددة ...
4- أحداثها لا تمثل صراعاً عقائدياً ( مثل فرعون / موسى) , ولكن صراعاً سلوكياً داخل أفراد الأسرة الواحدة ..
5- ولأن شخصيتها المحورية والثانوية معدودة ( يعقوب / يوسف / الإخوة / عزيز مصر وامرأته، صاحبا السجن / الملك) .
/2/ الإشارة القرآنية المعجزة إلى ذكر القصة في كتاب الله بالعربية ( لكون أبطالها لا يتكلمون العربية)، لتكون وقائعها، والعبر المستخلصة منها، في غاية الوضوح : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [يوسف : 2] .
/3/ ولأن الهدف الأساسي من سورة يوسف هو العظة والعبرة، فقد حوت العديد من قواعد العلوم : طب، علم نفس، زراعة، إدارة، اجتماع، قانون، تشريع، عقيدة، وغيرها ..
/4/ السورة بلغت الإعجاز في النهاية الدرامية : فبعض الشخصيات ذكرت في نهاية مطافها ( كيعقوب وإخوة يوسف)، وبعض النهايات تركت مفتوحة (كيوسف وامرأة العزيز) .
/5/ يجب ملاحظة أن إخوة يوسف - برغم كل ما ارتكبوه من جرائم - كانوا مسلمين، لقوله تعالى : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة : 133] .
• لماذا هو أحسن القصص ؟
يقول الله تعالى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... } [يوسف : 3]، فلماذا هو أحسن القصص ؟
/1/ - لأنه من عند الله تعالى رب العالمين : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } .
/2/ - ولأنه عبرة لأصحاب العقول : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي } [يوسف : 111]
/3/ - ولأن فيه صدق الحديث، والحدث، والأحداث : { مَا كَانَ حَدِيثاً ... } [يوسف : 111] .
/4/ - ولأن فيه التفصيل والإحاطة بجوانب كثيرة ( اجتماع - علم نفس - طب - قانون - اقتصاد - سياسة - غدارة - دين - أخلاق) : { مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى } [يوسف : 111] .
/5/ - ثم الهدى والرحمة للمؤمنين : { ... وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [يوسف : 111] .
أولاً : يعقوب عليه السلام :
* تحذير يوسف عليه السلام من قصّ رؤياه على إخوته : { قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5]، لأسباب عديدة :
أ- لأن الإخوة ليسوا أشقاء : { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } .
ب- لتدلل يوسف على أبيه الشيخ الكبير ( عمر يوسف كان وقتها ما بين : 8-10 سنوات) : { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } [يوسف : 8] .
ج- لتواجد يوسف الدائم مع أبيه وعدم قيامه بالرعي مع إخوته : { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ } [يوسف : 13] .
* الأدب النبوي في رد المكائد إلى الشيطان : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5] .
* النبوءة :
أ- ببشارة النبوة : { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } [يوسف : 6] .
ب- وكذا علم تفسير الأحلام : { وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } [يوسف : 6] .
ج- وإتمام نعمة النبوة على آل يعقوب وختماً بيوسف : { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } [يوسف : 6] .
* الإيحاء لأبنائه بالذئب : { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } [يوسف : 13] .
* موقف يعقوب من محنة يوسف عليهما السلام :
أ- فراسة المؤمن : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً } .

(1/93)


ب- الاسترجاع والتسليم بقضاء الله والاستعانة بالله عند الابتلاء : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ } [يوسف : 18]
ج- تم تفويض الأمر لله : { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف : 64]، أي فالله خير حافظاً ليوسف من كل مكروه .
* محنة المجاعة :
أ- تقرير حقيقة الحسد وأخذ الحيطة للوقاية منه : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } [يوسف : 67] .
ب- ثم ترك النتائج لله : { وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [يوسف : 67]
ج- إحاطة يعقوب عليه السلام مسبقاً بالأحداث : { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ } [يوسف : 68] .
د- صدق إحساس يعقوب بعودة يوسف وأخيه : { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً } [يوسف : 83] .
* محنة العمى : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف : 84] .
ملاحظات :
/1/ - العلاقة بين الانفعالات النفسية والأمراض العضوية (كالمياه البيضاء والمياه الزرقاء) : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ }، وكظم غيظ شديد { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف : 84] .
/2/ - الركون إلى حصن الله المتين عند الشدائد : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف : 86] .
/3/ - سلوكيات الكفيف :
1. الاعتماد على حاسة اللمس : { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } .
2. الظلام الحسي (العمى) والظلام المعنوي (عدم معرفة أي شيء عن يوسف) .
3. تأهيل الكفيف .
4. اقتران الإحباط واليأس بالكفر : { وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف : 87] .
5. رهافةحواس أخرى عند الكفيف، كاللمس والشم : { وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } [يوسف : 94] .
* معجزة استرجاع الإبصار : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً } [يوسف : 96] .
* تأكيد يعقوب عليه السلام على سبق علمه بالأحداث : { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف : 96] .
* نقاء وسماحة النبوة في كل الأحوال : { قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } [يوسف : 98] .
ثانياً : يوسف عليه السلام :
تفرد الرؤيا عند الطفل يوسف عليه السلام : { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف : 4] .
1- عدم تناسب الرؤيا من المرحلة السنية للطفل .
2- جدية تلقي الرؤيا من الأب .
المحنة الأولى :
الجب : { فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ .. } [يوسف : 15] .
المحنة الثانية :
الاسترقاق : { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } [يوسف : 19]، { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ } [يوسف : 20] . على اعتقاد أنه عبد آبق أو لخوفهم من سماسرة العزيز .
ملاحظات :
1- كيف وصل يوسف إلى عزيز مصر ؟ هل عن طريق البصاصين أم سماسرة تجار الرقيق الذين أحاطهم بطلبه ؟
2- فراسة عزيز ( وزير) مصر في يوسف : { وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ } .
3- الإشارة ضمناً إلى قضية الإنجاب : { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً }. نفس قول امرأة فرعون في موسى : { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } [القصص : 9] .
4- التمكين ليوسف في الأرض : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ } [يوسف : 21] .
5- تعليم تفسير الأحلام، إما وحياً وإما عن طريق معلمين في القصر : { وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } [يوسف : 21] .
6- هبة الحكم والعلم : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22] .
7- قانون رد الإحسان بالإحسان : { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22] .
المحنة الثالثة :
الغواية : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [يوسف : 23] .
ملاحظات :

(1/94)


1- هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ (الأصل الطيب : { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ } [يوسف : 23] .
2- دلالة ثانية للطب الشرعي في التاريخ : فحص ملابس المجني عليه : { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ } [يوسف : 25] .
المحنة الرابعة :
التحرش الجنسي الجماعي : { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } [يوسف : 33] .
المحنة الخامسة :
السجن ظلماً (الاحتياطي) : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } [يوسف : 35] .
ملاحظات :
1) واجب الدعوة إلى الله حتى في السجن : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [يوسف : 39] .
2) إذاً فاسأل الله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } [يوسف : 42] .
3) علاقة الشيطان بالنسيان عند الإنسان :
أ- { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [الأنعام : 68].
ب-{ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } [يوسف : 42].
ج- { قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ... } [الكهف : 63] .
د- { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ } [المجادلة : 19].
4) الإشارة إلى عدم أحقية العالِم (بكسر اللام الثانية) في حجب العلم أو الامتناع عن الفتوى لمن يطلبها .
5) اللين والأدب والحياء في التظلم إلى ولي الأمر : { فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف : 50] .
6) واجب استجلاء الأمور من ولي الأمر : { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } .
7) إعلان براءة يوسف : { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ } .
8) اعتراف امرأة العزيز : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } [يوسف : 51] .
9) تقريب الملك ليوسف : { فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } [يوسف : 54] .
10) مؤهلات تولي الإمارة : { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف : 55] .
نعم الله على يوسف عليه السلام :
1) الخروج من السجن: { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ... } [يوسف : 100] .
2) التمكين في الأرض: { فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } [يوسف : 54] . { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف : 55] .
3) لقاء الأشتات:
وقد يجمع الله شتيتين بعدما يظنان كل الظن أنهما لا يتلاقيا :
{ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } [يوسف : 58] .
4) الترغيب والترهيب لإخوانه :
أ- الترغيب : { وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ } [يوسف : 59] .
ب-الترهيب : { فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ } [يوسف : 60] .
5) اعتراف إخوته ضمناً بنفس أسلوبهم الإجرامي الذي اتبعوه مع يوسف : { قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ } [يوسف : 61] .
6) الجزاء من جنس العمل : { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ } [يوسف : 70] .
أ- العقاب النفسي جزاء جرائمهم السابقة .
ب- لتطبيق قوانين مصر على أخيه (الاسترقاق) .
ج- المكر الخير : { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال : 30] . وقوله تعالى : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [آل عمران : 54] .
7) انتقال أبويه وإخوته من البدو إلى الحضر : { وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } .
8) الصلح مع إخوته : { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } [يوسف : 100] .
9) الشكر له على النعم :
أ- الملك : { رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } .
ب- علم تفسير الأحلام : { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } .

(1/95)


ج- نعمة الموت على الإسلام : { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف : 101] .
ثالثاً : إخوة يوسف عليه السلام :
/1/ الجريمة الأولى في حق يوسف عليه السلام :
الشروع في قتل يوسف : وهي جريمة مكتملة الأركان، من حيث سبق الإصرار والترصد، قام فيها الجناة ( إخوة يوسف) بعقد النية والاتفاق الجنائي بينهم، ورسم الجريمة وتنفيذها في أخيهم يوسف ( عليه السلام) .
أولاً : الدافع للجريمة : { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } [يوسف : 8] . لما ظنوه من قرب أبيهم من يوسف، وتدليله، وعدم جعله يشاركهم الرعي .
ثانياً : ارتباط السلوك الإجرامي بسوء الخلق : { إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [يوسف : 8] .
ثالثاً : الاتفاق الجنائي واستعراض الخيارات : { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً } [يوسف : 9] .
رابعاً : نية التوبة بعد الجريمة : { وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ } [يوسف : 9]، وبزوغ القاعدة الفقهية : ( الإصلاح بعد جريمة)، يقول تعالى : { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } [النساء : 17] .
خامساً : اختلاف درجات الإجرام والمسؤولية الجنائية بين المجرمين في الجريمة الواحدة : { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } [يوسف : 10] .
سادساً : خطوات تنفيذ الجريمة :
1) التمسكن للأب وإظهار الحب ليوسف : { قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } [يوسف : 11] .
2) الإغراء بالأكل واللعب ( احتياجات الطفل الأساسية) : { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } [يوسف : 12] .
3) والتعهد بالمحافظة عليه : { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [يوسف : 12] .
ملاحظات :
توصل إخوة يوسف بالغريزة إلى أحداث أبحاث التربية في تربية الطفل وهي :
1) أمانة المعلم على الطفل .
2) الرفق بالطفل عند النصح له .
3) توفير المأكل والملعب أهم من تلقي العلم في هذه السن الصغيرة ( ارجع إلى حديث الرسول : ( لاعبوهم على سبع، واضربهم على سبع، وصاحبهم على سبع )، والمثل الشعبي : ( اديه رمحه وما تدهش قمحة!) .
4) توفير السلام والحماية للطفل .
ملاحظات :
إخلال إخوة يوسف عليه السلام بجميع شروط العقد :
أ- تعهدوا بسلامة يوسف عليه السلام، وهم به متربصون .
ب- تعهدوا بالنصح له، وهم له كارهون .
ج- تعهدوا بالمحافظة عليه، وهم له مضيعون .
د- أخلوا بعهدهم في جعله يأكل ويلعب .
أكاذيب إخوة يوسف بعد الجريمة ( الحبكة الدرامية) :
1) الحضور عند العشاء يبكون ( الرعاة لا يتأخرون – عادة – بعد المغرب إلا لأمر جلل) : { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ } [يوسف : 16] .
2) اختلاف الرواية : { قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ } [يوسف : 17] .
3) شكهم في أقوالهم : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } [يوسف : 17] .
4) أول دلالة للطب الشرعي في التاريخ : الدم الكذب : { وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } [يوسف : 18] .
/2/ الجريمة الثانية في حق يوسف عليه السلام :
1- القذف : { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } [يوسف : 77] .
2- معرفة يوسف بسلوك إخوته : { قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً } [يوسف : 77] .
3- اعتراف إخوة يوسف بفضله عليهم وسوء فعلهم : { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } [يوسف : 91] .
4- توبة إخوة يوسف واللجوء إلى أبيهم ليستغفر لهم : { قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } [يوسف : 97] .
رابعاً : بعض المظاهر السلوكية والاجتماعية للطبقة الراقية في سورة يوسف عليه السلام :
/1/ امرأة عزيز مصر ( أسوأ النساء حظاً في التاريخ) :
أ- صاحبة أول جريمة اغتصاب فاشلة تقوم بها امرأة لرجل في التاريخ .
ب- لم ترزق الذرية، وأوقعها حظها العاثر في غواية نبي معصوم .
ج- وصاحبة أخلد فضيحة، إذ صارت قرآناً يتلى حتى يوم الدين .
/2/ إن المرأة تأخذ المبادأة : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } [يوسف : 23] .
/3/ وإنها قد تكون الطرف الموجب : { وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } [يوسف : 23] .

(1/96)


/4/ وقد تكون مغتصبة : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } [يوسف : 24] . لكل فعل إنساني ثلاث مراحل : إدراك ووجدان ونزوع، ولقد أتمت امرأة العزيز الفعل بأكمله، ولكن الفعل وقف عند يوسف عند مرحلتي الإدراك والوجدان ( مراحل نفسية داخلية)، وتوقف عند النزوع (حيث لا حساب)، لأمر أظهره له الله تعالى : { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [يوسف : 24] .
/5/ وقد تلجأ إلى المطاردة : { وَاسْتَبَقَا الْبَابَ } [يوسف : 25] .
/6/ وقد تلجأ إلى العنف لتحقيق مرادها : { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ } [يوسف : 25] .
/7/ وقد تستخدم الكذب وقول الزور عند افتضاح أمرها : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف : 25] .
/8/ ولها من النفوذ ما يجعلها تقترح العقوبة : { إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف : 25] .
/9/ ضعف شخصية الزوج : (إما لضعف شخصيته أو لعجزه الجنسي أو الخوف من تأثير الفضيحة على مستقبله السياسي) وعدم المقدرة على توجيه الاتهام مباشرة إلى زوجته فعد تكشف إدانتها واللجوء إلى تعميم الاتهام إلى عموم جنس المرأة : { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } [يوسف : 28] .
/10/ المساواة بين الجاني والمجني عليه، والهزل في توقيع العقاب : { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ } [يوسف : 29] .
/11/ الفراغ وشيوع النميمة بين نساء هذه الطبقة وكثرة القيل والقال : { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً } [يوسف : 30] .
/12/ نقل الوشايات : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } .
/13/ البذخ والتعود على إقامة الحفلات واتباع أصول الإتيكيت، من إرسال للدعوات وإعداد تدابير الحفل : { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } .
/14/ تقدم فن الإتيكيت، وتقديم السرفيس لكل فرد في الأكل : { وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً } .
/15/ الجبروت في التعامل مع الرفيق والخدم : { وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } .
/16/ الدراية بالرجال وشدة الانبهار بهم والتمييز بين كريم المحتد وغيره : { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ } [يوسف : 31] .
/17/ المكاشفة بالفحش وعدم الخجل منه، ولكن داخل نفس الطبقة : { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } [يوسف : 32] .
/19/ الإصرار على ممارسة الفاحشة والتهديد باستخدام النفوذ لتحقيقها : { وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ } [يوسف : 32] .
/20/ تلفيق التهم لأبرياء، حتى وإن ثبتت براءتهم : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } [يوسف : 35] .
/21/ الفساد السياسي ( التعتيم على الجرائم وعدم رفعها إلى الملك) : { قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف : 50] . { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } .
/22/ الاعتراف بالحق حينما تتأزم الأمور : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } [يوسف : 51] .
/23/ الاعتراف فيه راحة لجميع الأطراف : { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } [يوسف : 52] . فإن كان القول لامرأة العزيز، ففي ذلك راحة لزوجها من شك الخيانة ورفع لرأسه أمام الملأ، وإن كان القول ليوسف عليه السلام، ففه رد لجميل عزيز مصر الذي آواه وأكرم مثواه .
/24/ أغفل القرآن الكريم حكم الملك في هذه القضية : لأسباب لا يعلمها إلا الله، وتجاوزه إلى أمره ليوسف أن يكون من أفراد الحكم { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } [يوسف : 54] .
خامساً : العلاج الواقي من الوقوع في الفواحش داخل البيوت من خلال سورة يوسف عليه السلام :
/1/ - الحذر من الإقامة الدائمة للخدم داخل البيوت، حتى ولو كانوا قد تربوا فيها صغاراً .
/2/ - عدم مشروعية التبني .
/3/ - عدم مشروعية الخلوة بالخدم .
/4/ - الحذر من الفراغ والنميمة وكثرة القيل والقال .
/5/ - غض البصر للرجل والمرأة، على حد سواء .
/6/ - الحذر من المجالس السيئة .
سادساً : القوانين الإلهية الأزلية في سورة يوسف :
/1/ - { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5].

(1/97)


/2/ - { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [يوسف : 21].
/3/ - { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22].
/4/ - { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [يوسف : 23].
/5/ - { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [يوسف : 24] .
/6/ - { وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } [يوسف : 52].
/7/ - { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } [يوسف : 53].
/8/ - { وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 56].
/9/ - { وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } [يوسف : 57].
/10/ -{ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف : 64].
/11/ -{ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ... } [يوسف : 67].
/12/ -{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [يوسف : 76] .
/13/ -{ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف : 87] .
/14/ -{ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 90] .
/15/ -{ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } [يوسف : 110] .
أ . د / صلاح أحمد حسن
أستاذ العيون بكلية الطب جامعة أسيوط
• ملاحظات عامة حول سورة يوسف عليه السلام :
/1/ السورة ذكرت في كتاب الله كاملة بنفس اسم بطل أحداثها – يوسف عليه السلام – لأن :
1- خط القصة الدرامي الأساسي متصل ...
2- القصة مكتملة البناء الدرامي، من حيث التمهيد، ثم الثروة، ثم الانفراج ...
3- وقائع القصة وأماكن حدوثها محددة ...
4- أحداثها لا تمثل صراعاً عقائدياً ( مثل فرعون / موسى) , ولكن صراعاً سلوكياً داخل أفراد الأسرة الواحدة ..
5- ولأن شخصيتها المحورية والثانوية معدودة ( يعقوب / يوسف / الإخوة / عزيز مصر وامرأته، صاحبا السجن / الملك) .
/2/ الإشارة القرآنية المعجزة إلى ذكر القصة في كتاب الله بالعربية ( لكون أبطالها لا يتكلمون العربية)، لتكون وقائعها، والعبر المستخلصة منها، في غاية الوضوح : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [يوسف : 2] .
/3/ ولأن الهدف الأساسي من سورة يوسف هو العظة والعبرة، فقد حوت العديد من قواعد العلوم : طب، علم نفس، زراعة، إدارة، اجتماع، قانون، تشريع، عقيدة، وغيرها ..
/4/ السورة بلغت الإعجاز في النهاية الدرامية : فبعض الشخصيات ذكرت في نهاية مطافها ( كيعقوب وإخوة يوسف)، وبعض النهايات تركت مفتوحة (كيوسف وامرأة العزيز) .
/5/ يجب ملاحظة أن إخوة يوسف – برغم كل ما ارتكبوه من جرائم – كانوا مسلمين، لقوله تعالى : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة : 133] .
• لماذا هو أحسن القصص ؟
يقول الله تعالى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... } [يوسف : 3]، فلماذا هو أحسن القصص ؟
/1/ - لأنه من عند الله تعالى رب العالمين : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } .
/2/ - ولأنه عبرة لأصحاب العقول : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي } [يوسف : 111] .
/3/ - ولأن فيه صدق الحديث، والحدث، والأحداث : { مَا كَانَ حَدِيثاً ... } [يوسف : 111] .
/4/ - ولأن فيه التفصيل والإحاطة بجوانب كثيرة ( اجتماع – علم نفس – طب – قانون – اقتصاد – سياسة – غدارة – دين – أخلاق) : { مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى } [يوسف : 111] .
/5/ - ثم الهدى والرحمة للمؤمنين : { ... وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [يوسف : 111] .
أولاً : يعقوب عليه السلام :
* تحذير يوسف عليه السلام من قصّ رؤياه على إخوته : { قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5]، لأسباب عديدة :
أ- لأن الإخوة ليسوا أشقاء : { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } .
ب- لتدلل يوسف على أبيه الشيخ الكبير ( عمر يوسف كان وقتها ما بين : 8-10 سنوات) : { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } [يوسف : 8] .
ج- لتواجد يوسف الدائم مع أبيه وعدم قيامه بالرعي مع إخوته : { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ } [يوسف : 13] .
* الأدب النبوي في رد المكائد إلى الشيطان : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5] .
* النبوءة :
أ- ببشارة النبوة : { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } [يوسف : 6] .

(1/98)


ب- وكذا علم تفسير الأحلام : { وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } [يوسف : 6] .
ج- وإتمام نعمة النبوة على آل يعقوب وختماً بيوسف : { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } [يوسف : 6] .
* الإيحاء لأبنائه بالذئب : { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } [يوسف : 13] .
* موقف يعقوب من محنة يوسف عليهما السلام :
أ- فراسة المؤمن : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً } .
ب- الاسترجاع والتسليم بقضاء الله والاستعانة بالله عند الابتلاء : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ } [يوسف : 18]
ج- تم تفويض الأمر لله : { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف : 64]، أي فالله خير حافظاً ليوسف من كل مكروه .
* محنة المجاعة :
أ- تقرير حقيقة الحسد وأخذ الحيطة للوقاية منه : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } [يوسف : 67] .
ب- ثم ترك النتائج لله : { وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [يوسف : 67] .
ج- إحاطة يعقوب عليه السلام مسبقاً بالأحداث : { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ } [يوسف : 68] .
د- صدق إحساس يعقوب بعودة يوسف وأخيه : { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً } [يوسف : 83] .
* محنة العمى : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف : 84] .
ملاحظات :
/1/ - العلاقة بين الانفعالات النفسية والأمراض العضوية (كالمياه البيضاء والمياه الزرقاء) : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ }، وكظم غيظ شديد { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف : 84] .
/2/ - الركون إلى حصن الله المتين عند الشدائد : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف : 86] .
/3/ - سلوكيات الكفيف :
1. الاعتماد على حاسة اللمس : { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } .
2. الظلام الحسي (العمى) والظلام المعنوي (عدم معرفة أي شيء عن يوسف) .
3. تأهيل الكفيف .
4. اقتران الإحباط واليأس بالكفر : { وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف : 87] .
5. رهافةحواس أخرى عند الكفيف، كاللمس والشم : { وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } [يوسف : 94] .
* معجزة استرجاع الإبصار : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً } [يوسف : 96] .
* تأكيد يعقوب عليه السلام على سبق علمه بالأحداث : { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف : 96] .
* نقاء وسماحة النبوة في كل الأحوال : { قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } [يوسف : 98] .
ثانياً : يوسف عليه السلام :
تفرد الرؤيا عند الطفل يوسف عليه السلام : { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف : 4] .
1- عدم تناسب الرؤيا من المرحلة السنية للطفل .
2- جدية تلقي الرؤيا من الأب .
المحنة الأولى :
الجب : { فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ .. } [يوسف : 15] .
المحنة الثانية :
الاسترقاق : { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } [يوسف : 19]، { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ } [يوسف : 20] . على اعتقاد أنه عبد آبق أو لخوفهم من سماسرة العزيز .
ملاحظات :
1- كيف وصل يوسف إلى عزيز مصر ؟ هل عن طريق البصاصين أم سماسرة تجار الرقيق الذين أحاطهم بطلبه ؟
2- فراسة عزيز ( وزير) مصر في يوسف : { وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ } .
3- الإشارة ضمناً إلى قضية الإنجاب : { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً }. نفس قول امرأة فرعون في موسى : { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } [القصص : 9] .
4- التمكين ليوسف في الأرض : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ } [يوسف : 21] .

(1/99)


5- تعليم تفسير الأحلام، إما وحياً وإما عن طريق معلمين في القصر : { وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } [يوسف : 21] .
6- هبة الحكم والعلم : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22] .
7- قانون رد الإحسان بالإحسان : { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22] .
المحنة الثالثة :
الغواية : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [يوسف : 23] .
ملاحظات :
1- هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ (الأصل الطيب : { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ } [يوسف : 23] .
2- دلالة ثانية للطب الشرعي في التاريخ : فحص ملابس المجني عليه : { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ } [يوسف : 25] .
المحنة الرابعة :
التحرش الجنسي الجماعي : { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } [يوسف : 33] .
المحنة الخامسة :
السجن ظلماً (الاحتياطي) : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } [يوسف : 35] .
ملاحظات :
1) واجب الدعوة إلى الله حتى في السجن : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [يوسف : 39] .
2) إذاً فاسأل الله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } [يوسف : 42] .
3) علاقة الشيطان بالنسيان عند الإنسان :
أ- { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [الأنعام : 68].
ب-{ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } [يوسف : 42].
ج- { قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ... } [الكهف : 63] .
د- { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ } [المجادلة : 19].
4) الإشارة إلى عدم أحقية العالِم (بكسر اللام الثانية) في حجب العلم أو الامتناع عن الفتوى لمن يطلبها .
5) اللين والأدب والحياء في التظلم إلى ولي الأمر : { فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف : 50] .
6) واجب استجلاء الأمور من ولي الأمر : { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } .
7) إعلان براءة يوسف : { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ } .
8) اعتراف امرأة العزيز : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } [يوسف : 51] .
9) تقريب الملك ليوسف : { فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } [يوسف : 54] .
10) مؤهلات تولي الإمارة : { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف : 55] .
نعم الله على يوسف عليه السلام :
1) الخروج من السجن: { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ... } [يوسف : 100] .
2) التمكين في الأرض: { فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } [يوسف : 54] . { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف : 55] .
3) لقاء الأشتات:
وقد يجمع الله شتيتين بعدما يظنان كل الظن أنهما لا يتلاقيا :
{ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } [يوسف : 58] .
4) الترغيب والترهيب لإخوانه :
أ- الترغيب : { وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ } [يوسف : 59] .
ب-الترهيب : { فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ } [يوسف : 60] .
5) اعتراف إخوته ضمناً بنفس أسلوبهم الإجرامي الذي اتبعوه مع يوسف : { قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ } [يوسف : 61] .
6) الجزاء من جنس العمل : { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ } [يوسف : 70] .
أ- العقاب النفسي جزاء جرائمهم السابقة .
ب- لتطبيق قوانين مصر على أخيه (الاسترقاق) .

(1/100)


ج- المكر الخير : { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال : 30] . وقوله تعالى : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [آل عمران : 54] .
7) انتقال أبويه وإخوته من البدو إلى الحضر : { وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } .
8) الصلح مع إخوته : { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } [يوسف : 100] .
9) الشكر له على النعم :
أ- الملك : { رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } .
ب- علم تفسير الأحلام : { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } .
ج- نعمة الموت على الإسلام : { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف : 101] .
ثالثاً : إخوة يوسف عليه السلام :
/1/ الجريمة الأولى في حق يوسف عليه السلام :
الشروع في قتل يوسف : وهي جريمة مكتملة الأركان، من حيث سبق الإصرار والترصد، قام فيها الجناة ( إخوة يوسف) بعقد النية والاتفاق الجنائي بينهم، ورسم الجريمة وتنفيذها في أخيهم يوسف ( عليه السلام) .
أولاً : الدافع للجريمة : { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } [يوسف : 8] . لما ظنوه من قرب أبيهم من يوسف، وتدليله، وعدم جعله يشاركهم الرعي .
ثانياً : ارتباط السلوك الإجرامي بسوء الخلق : { إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [يوسف : 8] .
ثالثاً : الاتفاق الجنائي واستعراض الخيارات : { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً } [يوسف : 9] .
رابعاً : نية التوبة بعد الجريمة : { وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ } [يوسف : 9]، وبزوغ القاعدة الفقهية : ( الإصلاح بعد جريمة)، يقول تعالى : { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } [النساء : 17] .
خامساً : اختلاف درجات الإجرام والمسؤولية الجنائية بين المجرمين في الجريمة الواحدة : { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } [يوسف : 10] .
سادساً : خطوات تنفيذ الجريمة :
1) التمسكن للأب وإظهار الحب ليوسف : { قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } [يوسف : 11] .
2) الإغراء بالأكل واللعب ( احتياجات الطفل الأساسية) : { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } [يوسف : 12] .
3) والتعهد بالمحافظة عليه : { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [يوسف : 12] .
ملاحظات :
توصل إخوة يوسف بالغريزة إلى أحداث أبحاث التربية في تربية الطفل وهي :
1) أمانة المعلم على الطفل .
2) الرفق بالطفل عند النصح له .
3) توفير المأكل والملعب أهم من تلقي العلم في هذه السن الصغيرة ( ارجع إلى حديث الرسول : ( لاعبوهم على سبع، واضربهم على سبع، وصاحبهم على سبع )، والمثل الشعبي : ( اديه رمحه وما تدهش قمحة!) .
4) توفير السلام والحماية للطفل .
ملاحظات :
إخلال إخوة يوسف عليه السلام بجميع شروط العقد :
أ- تعهدوا بسلامة يوسف عليه السلام، وهم به متربصون .
ب- تعهدوا بالنصح له، وهم له كارهون .
ج- تعهدوا بالمحافظة عليه، وهم له مضيعون .
د- أخلوا بعهدهم في جعله يأكل ويلعب .
أكاذيب إخوة يوسف بعد الجريمة ( الحبكة الدرامية) :
1) الحضور عند العشاء يبكون ( الرعاة لا يتأخرون – عادة – بعد المغرب إلا لأمر جلل) : { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ } [يوسف : 16] .
2) اختلاف الرواية : { قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ } [يوسف : 17] .
3) شكهم في أقوالهم : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } [يوسف : 17] .
4) أول دلالة للطب الشرعي في التاريخ : الدم الكذب : { وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } [يوسف : 18] .
/2/ الجريمة الثانية في حق يوسف عليه السلام :
1- القذف : { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } [يوسف : 77] .
2- معرفة يوسف بسلوك إخوته : { قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً } [يوسف : 77] .
3- اعتراف إخوة يوسف بفضله عليهم وسوء فعلهم : { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } [يوسف : 91] .
4- توبة إخوة يوسف واللجوء إلى أبيهم ليستغفر لهم : { قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } [يوسف : 97] .
رابعاً : بعض المظاهر السلوكية والاجتماعية للطبقة الراقية في سورة يوسف عليه السلام :

(1/101)


/1/ امرأة عزيز مصر ( أسوأ النساء حظاً في التاريخ) :
أ- صاحبة أول جريمة اغتصاب فاشلة تقوم بها امرأة لرجل في التاريخ .
ب- لم ترزق الذرية، وأوقعها حظها العاثر في غواية نبي معصوم .
ج- وصاحبة أخلد فضيحة، إذ صارت قرآناً يتلى حتى يوم الدين .
/2/ إن المرأة تأخذ المبادأة : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } [يوسف : 23] .
/3/ وإنها قد تكون الطرف الموجب : { وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } [يوسف : 23]
/4/ وقد تكون مغتصبة : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } [يوسف : 24] . لكل فعل إنساني ثلاث مراحل : إدراك ووجدان ونزوع، ولقد أتمت امرأة العزيز الفعل بأكمله، ولكن الفعل وقف عند يوسف عند مرحلتي الإدراك والوجدان ( مراحل نفسية داخلية)، وتوقف عند النزوع (حيث لا حساب)، لأمر أظهره له الله تعالى : { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [يوسف : 24] .
/5/ وقد تلجأ إلى المطاردة : { وَاسْتَبَقَا الْبَابَ } [يوسف : 25] .
/6/ وقد تلجأ إلى العنف لتحقيق مرادها : { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ } [يوسف : 25] .
/7/ وقد تستخدم الكذب وقول الزور عند افتضاح أمرها : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف : 25] .
/8/ ولها من النفوذ ما يجعلها تقترح العقوبة : { إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف : 25]
/9/ ضعف شخصية الزوج : (إما لضعف شخصيته أو لعجزه الجنسي أو الخوف من تأثير الفضيحة على مستقبله السياسي) وعدم المقدرة على توجيه الاتهام مباشرة إلى زوجته فعد تكشف إدانتها واللجوء إلى تعميم الاتهام إلى عموم جنس المرأة : { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } [يوسف : 28] .
/10/ المساواة بين الجاني والمجني عليه، والهزل في توقيع العقاب : { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ } [يوسف : 29] .
/11/ الفراغ وشيوع النميمة بين نساء هذه الطبقة وكثرة القيل والقال : { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً } [يوسف : 30] .
/12/ نقل الوشايات : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } .
/13/ البذخ والتعود على إقامة الحفلات واتباع أصول الإتيكيت، من إرسال للدعوات وإعداد تدابير الحفل : { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } .
/14/ تقدم فن الإتيكيت، وتقديم السرفيس لكل فرد في الأكل : { وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً } .
/15/ الجبروت في التعامل مع الرفيق والخدم : { وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } .
/16/ الدراية بالرجال وشدة الانبهار بهم والتمييز بين كريم المحتد وغيره : { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ } [يوسف : 31] .
/17/ المكاشفة بالفحش وعدم الخجل منه، ولكن داخل نفس الطبقة : { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } [يوسف : 32] .
/19/ الإصرار على ممارسة الفاحشة والتهديد باستخدام النفوذ لتحقيقها : { وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ } [يوسف : 32] .
/20/ تلفيق التهم لأبرياء، حتى وإن ثبتت براءتهم : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } [يوسف : 35] .
/21/ الفساد السياسي ( التعتيم على الجرائم وعدم رفعها إلى الملك) : { قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف : 50] . { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } .
/22/ الاعتراف بالحق حينما تتأزم الأمور : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } [يوسف : 51] .
/23/ الاعتراف فيه راحة لجميع الأطراف : { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } [يوسف : 52] . فإن كان القول لامرأة العزيز، ففي ذلك راحة لزوجها من شك الخيانة ورفع لرأسه أمام الملأ، وإن كان القول ليوسف عليه السلام، ففه رد لجميل عزيز مصر الذي آواه وأكرم مثواه .
/24/ أغفل القرآن الكريم حكم الملك في هذه القضية : لأسباب لا يعلمها إلا الله، وتجاوزه إلى أمره ليوسف أن يكون من أفراد الحكم { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } [يوسف : 54]
خامساً : العلاج الواقي من الوقوع في الفواحش داخل البيوت من خلال سورة يوسف عليه السلام :

(1/102)


/1/ - الحذر من الإقامة الدائمة للخدم داخل البيوت، حتى ولو كانوا قد تربوا فيها صغاراً .
/2/ - عدم مشروعية التبني .
/3/ - عدم مشروعية الخلوة بالخدم .
/4/ - الحذر من الفراغ والنميمة وكثرة القيل والقال .
/5/ - غض البصر للرجل والمرأة، على حد سواء .
/6/ - الحذر من المجالس السيئة .
سادساً : القوانين الإلهية الأزلية في سورة يوسف :
/1/ - { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5].
/2/ - { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [يوسف : 21].
/3/ - { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22].
/4/ - { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [يوسف : 23].
/5/ - { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [يوسف : 24] .
/6/ - { وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } [يوسف : 52].
/7/ - { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } [يوسف : 53].
/8/ - { وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 56].
/9/ - { وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } [يوسف : 57].
/10/ -{ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف : 64].
/11/ -{ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ... } [يوسف : 67].
/12/ -{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [يوسف : 76] .
/13/ -{ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف : 87] .
/14/ -{ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 90] .
/15/ -{ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } [يوسف : 110] .
أ . د / صلاح أحمد حسن
أستاذ العيون بكلية الطب جامعة أسيوط
• ملاحظات عامة حول سورة يوسف عليه السلام :
/1/ السورة ذكرت في كتاب الله كاملة بنفس اسم بطل أحداثها – يوسف عليه السلام – لأن :
1- خط القصة الدرامي الأساسي متصل ...
2- القصة مكتملة البناء الدرامي، من حيث التمهيد، ثم الثروة، ثم الانفراج ...
3- وقائع القصة وأماكن حدوثها محددة ...
4- أحداثها لا تمثل صراعاً عقائدياً ( مثل فرعون / موسى) , ولكن صراعاً سلوكياً داخل أفراد الأسرة الواحدة ..
5- ولأن شخصيتها المحورية والثانوية معدودة ( يعقوب / يوسف / الإخوة / عزيز مصر وامرأته، صاحبا السجن / الملك) .
/2/ الإشارة القرآنية المعجزة إلى ذكر القصة في كتاب الله بالعربية ( لكون أبطالها لا يتكلمون العربية)، لتكون وقائعها، والعبر المستخلصة منها، في غاية الوضوح : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [يوسف : 2] .
/3/ ولأن الهدف الأساسي من سورة يوسف هو العظة والعبرة، فقد حوت العديد من قواعد العلوم : طب، علم نفس، زراعة، إدارة، اجتماع، قانون، تشريع، عقيدة، وغيرها ..
/4/ السورة بلغت الإعجاز في النهاية الدرامية : فبعض الشخصيات ذكرت في نهاية مطافها ( كيعقوب وإخوة يوسف)، وبعض النهايات تركت مفتوحة (كيوسف وامرأة العزيز) .
/5/ يجب ملاحظة أن إخوة يوسف – برغم كل ما ارتكبوه من جرائم – كانوا مسلمين، لقوله تعالى : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة : 133] .
• لماذا هو أحسن القصص ؟
يقول الله تعالى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... } [يوسف : 3]، فلماذا هو أحسن القصص ؟
/1/ - لأنه من عند الله تعالى رب العالمين : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } .
/2/ - ولأنه عبرة لأصحاب العقول : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي } [يوسف : 111]
/3/ - ولأن فيه صدق الحديث، والحدث، والأحداث : { مَا كَانَ حَدِيثاً ... } [يوسف : 111] .
/4/ - ولأن فيه التفصيل والإحاطة بجوانب كثيرة ( اجتماع – علم نفس – طب – قانون – اقتصاد – سياسة – غدارة – دين – أخلاق) : { مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى } [يوسف : 111] .
/5/ - ثم الهدى والرحمة للمؤمنين : { ... وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [يوسف : 111] .
أولاً : يعقوب عليه السلام :
* تحذير يوسف عليه السلام من قصّ رؤياه على إخوته : { قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5]، لأسباب عديدة :
أ- لأن الإخوة ليسوا أشقاء : { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } .
ب- لتدلل يوسف على أبيه الشيخ الكبير ( عمر يوسف كان وقتها ما بين : 8-10 سنوات) : { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } [يوسف : 8] .

(1/103)


ج- لتواجد يوسف الدائم مع أبيه وعدم قيامه بالرعي مع إخوته : { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ } [يوسف : 13] .
* الأدب النبوي في رد المكائد إلى الشيطان : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5] .
* النبوءة :
أ- ببشارة النبوة : { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } [يوسف : 6] .
ب- وكذا علم تفسير الأحلام : { وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } [يوسف : 6] .
ج- وإتمام نعمة النبوة على آل يعقوب وختماً بيوسف : { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } [يوسف : 6] .
* الإيحاء لأبنائه بالذئب : { قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } [يوسف : 13] .
* موقف يعقوب من محنة يوسف عليهما السلام :
أ- فراسة المؤمن : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً } .
ب- الاسترجاع والتسليم بقضاء الله والاستعانة بالله عند الابتلاء : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ } [يوسف : 18]
ج- تم تفويض الأمر لله : { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف : 64]، أي فالله خير حافظاً ليوسف من كل مكروه .
* محنة المجاعة :
أ- تقرير حقيقة الحسد وأخذ الحيطة للوقاية منه : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } [يوسف : 67] .
ب- ثم ترك النتائج لله : { وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [يوسف : 67]
ج- إحاطة يعقوب عليه السلام مسبقاً بالأحداث : { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ } [يوسف : 68] .
د- صدق إحساس يعقوب بعودة يوسف وأخيه : { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً } [يوسف : 83] .
* محنة العمى : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف : 84] .
ملاحظات :
/1/ - العلاقة بين الانفعالات النفسية والأمراض العضوية (كالمياه البيضاء والمياه الزرقاء) : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ }، وكظم غيظ شديد { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } [يوسف : 84] .
/2/ - الركون إلى حصن الله المتين عند الشدائد : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف : 86] .
/3/ - سلوكيات الكفيف :
1. الاعتماد على حاسة اللمس : { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } .
2. الظلام الحسي (العمى) والظلام المعنوي (عدم معرفة أي شيء عن يوسف) .
3. تأهيل الكفيف .
4. اقتران الإحباط واليأس بالكفر : { وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف : 87] .
5. رهافةحواس أخرى عند الكفيف، كاللمس والشم : { وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } [يوسف : 94] .
* معجزة استرجاع الإبصار : { فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً } [يوسف : 96] .
* تأكيد يعقوب عليه السلام على سبق علمه بالأحداث : { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [يوسف : 96] .
* نقاء وسماحة النبوة في كل الأحوال : { قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } [يوسف : 98] .
ثانياً : يوسف عليه السلام :
تفرد الرؤيا عند الطفل يوسف عليه السلام : { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف : 4] .
1- عدم تناسب الرؤيا من المرحلة السنية للطفل .
2- جدية تلقي الرؤيا من الأب .
المحنة الأولى :
الجب : { فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ .. } [يوسف : 15] .
المحنة الثانية :
الاسترقاق : { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } [يوسف : 19]، { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ } [يوسف : 20] . على اعتقاد أنه عبد آبق أو لخوفهم من سماسرة العزيز .
ملاحظات :
1- كيف وصل يوسف إلى عزيز مصر ؟ هل عن طريق البصاصين أم سماسرة تجار الرقيق الذين أحاطهم بطلبه ؟
2- فراسة عزيز ( وزير) مصر في يوسف : { وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ }

(1/104)


3- الإشارة ضمناً إلى قضية الإنجاب : { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً }. نفس قول امرأة فرعون في موسى : { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } [القصص : 9] .
4- التمكين ليوسف في الأرض : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ } [يوسف : 21] .
5- تعليم تفسير الأحلام، إما وحياً وإما عن طريق معلمين في القصر : { وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } [يوسف : 21] .
6- هبة الحكم والعلم : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22] .
7- قانون رد الإحسان بالإحسان : { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22] .
المحنة الثالثة :
الغواية : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [يوسف : 23] .
ملاحظات :
1- هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ (الأصل الطيب : { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ } [يوسف : 23] .
2- دلالة ثانية للطب الشرعي في التاريخ : فحص ملابس المجني عليه : { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ } [يوسف : 25] .
المحنة الرابعة :
التحرش الجنسي الجماعي : { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } [يوسف : 33]
المحنة الخامسة :
السجن ظلماً (الاحتياطي) : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } [يوسف : 35] .
ملاحظات :
1) واجب الدعوة إلى الله حتى في السجن : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [يوسف : 39] .
2) إذاً فاسأل الله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } [يوسف : 42] .
3) علاقة الشيطان بالنسيان عند الإنسان :
أ- { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } [الأنعام : 68].
ب-{ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } [يوسف : 42].
ج- { قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ... } [الكهف : 63] .
د- { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ } [المجادلة : 19].
4) الإشارة إلى عدم أحقية العالِم (بكسر اللام الثانية) في حجب العلم أو الامتناع عن الفتوى لمن يطلبها .
5) اللين والأدب والحياء في التظلم إلى ولي الأمر : { فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف : 50] .
6) واجب استجلاء الأمور من ولي الأمر : { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } .
7) إعلان براءة يوسف : { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ } .
8) اعتراف امرأة العزيز : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } [يوسف : 51] .
9) تقريب الملك ليوسف : { فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } [يوسف : 54] .
10) مؤهلات تولي الإمارة : { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف : 55] .
نعم الله على يوسف عليه السلام :
1) الخروج من السجن: { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ... } [يوسف : 100] .
2) التمكين في الأرض: { فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } [يوسف : 54] . { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف : 55] .
3) لقاء الأشتات:
وقد يجمع الله شتيتين بعدما يظنان كل الظن أنهما لا يتلاقيا :
{ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } [يوسف : 58] .
4) الترغيب والترهيب لإخوانه :
أ- الترغيب : { وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ } [يوسف : 59] .
ب-الترهيب : { فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ } [يوسف : 60] .

(1/105)


5) اعتراف إخوته ضمناً بنفس أسلوبهم الإجرامي الذي اتبعوه مع يوسف : { قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ } [يوسف : 61] .
6) الجزاء من جنس العمل : { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ } [يوسف : 70] .
أ- العقاب النفسي جزاء جرائمهم السابقة .
ب- لتطبيق قوانين مصر على أخيه (الاسترقاق) .
ج- المكر الخير : { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال : 30] . وقوله تعالى : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [آل عمران : 54] .
7) انتقال أبويه وإخوته من البدو إلى الحضر : { وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } .
8) الصلح مع إخوته : { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } [يوسف : 100] .
9) الشكر له على النعم :
أ- الملك : { رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } .
ب- علم تفسير الأحلام : { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } .
ج- نعمة الموت على الإسلام : { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف : 101] .
ثالثاً : إخوة يوسف عليه السلام :
/1/ الجريمة الأولى في حق يوسف عليه السلام :
الشروع في قتل يوسف : وهي جريمة مكتملة الأركان، من حيث سبق الإصرار والترصد، قام فيها الجناة ( إخوة يوسف) بعقد النية والاتفاق الجنائي بينهم، ورسم الجريمة وتنفيذها في أخيهم يوسف ( عليه السلام) .
أولاً : الدافع للجريمة : { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } [يوسف : 8] . لما ظنوه من قرب أبيهم من يوسف، وتدليله، وعدم جعله يشاركهم الرعي .
ثانياً : ارتباط السلوك الإجرامي بسوء الخلق : { إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [يوسف : 8] .
ثالثاً : الاتفاق الجنائي واستعراض الخيارات : { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً } [يوسف : 9] .
رابعاً : نية التوبة بعد الجريمة : { وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ } [يوسف : 9]، وبزوغ القاعدة الفقهية : ( الإصلاح بعد جريمة)، يقول تعالى : { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } [النساء : 17] .
خامساً : اختلاف درجات الإجرام والمسؤولية الجنائية بين المجرمين في الجريمة الواحدة : { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } [يوسف : 10] .
سادساً : خطوات تنفيذ الجريمة :
1) التمسكن للأب وإظهار الحب ليوسف : { قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } [يوسف : 11] .
2) الإغراء بالأكل واللعب ( احتياجات الطفل الأساسية) : { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } [يوسف : 12] .
3) والتعهد بالمحافظة عليه : { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [يوسف : 12] .
ملاحظات :
توصل إخوة يوسف بالغريزة إلى أحداث أبحاث التربية في تربية الطفل وهي :
1) أمانة المعلم على الطفل .
2) الرفق بالطفل عند النصح له .
3) توفير المأكل والملعب أهم من تلقي العلم في هذه السن الصغيرة ( ارجع إلى حديث الرسول : ( لاعبوهم على سبع، واضربهم على سبع، وصاحبهم على سبع )، والمثل الشعبي : ( اديه رمحه وما تدهش قمحة!) .
4) توفير السلام والحماية للطفل .
ملاحظات :
إخلال إخوة يوسف عليه السلام بجميع شروط العقد :
أ- تعهدوا بسلامة يوسف عليه السلام، وهم به متربصون .
ب- تعهدوا بالنصح له، وهم له كارهون .
ج- تعهدوا بالمحافظة عليه، وهم له مضيعون .
د- أخلوا بعهدهم في جعله يأكل ويلعب .
أكاذيب إخوة يوسف بعد الجريمة ( الحبكة الدرامية) :
1) الحضور عند العشاء يبكون ( الرعاة لا يتأخرون – عادة – بعد المغرب إلا لأمر جلل) : { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ } [يوسف : 16] .
2) اختلاف الرواية : { قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ } [يوسف : 17] .
3) شكهم في أقوالهم : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } [يوسف : 17] .
4) أول دلالة للطب الشرعي في التاريخ : الدم الكذب : { وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } [يوسف : 18] .
/2/ الجريمة الثانية في حق يوسف عليه السلام :
1- القذف : { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } [يوسف : 77] .
2- معرفة يوسف بسلوك إخوته : { قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً } [يوسف : 77] .

(1/106)


3- اعتراف إخوة يوسف بفضله عليهم وسوء فعلهم : { قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } [يوسف : 91] .
4- توبة إخوة يوسف واللجوء إلى أبيهم ليستغفر لهم : { قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } [يوسف : 97] .
رابعاً : بعض المظاهر السلوكية والاجتماعية للطبقة الراقية في سورة يوسف عليه السلام :
/1/ امرأة عزيز مصر ( أسوأ النساء حظاً في التاريخ) :
أ- صاحبة أول جريمة اغتصاب فاشلة تقوم بها امرأة لرجل في التاريخ .
ب- لم ترزق الذرية، وأوقعها حظها العاثر في غواية نبي معصوم .
ج- وصاحبة أخلد فضيحة، إذ صارت قرآناً يتلى حتى يوم الدين .
/2/ إن المرأة تأخذ المبادأة : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } [يوسف : 23] .
/3/ وإنها قد تكون الطرف الموجب : { وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } [يوسف : 23]
/4/ وقد تكون مغتصبة : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } [يوسف : 24] . لكل فعل إنساني ثلاث مراحل : إدراك ووجدان ونزوع، ولقد أتمت امرأة العزيز الفعل بأكمله، ولكن الفعل وقف عند يوسف عند مرحلتي الإدراك والوجدان ( مراحل نفسية داخلية)، وتوقف عند النزوع (حيث لا حساب)، لأمر أظهره له الله تعالى : { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [يوسف : 24] .
/5/ وقد تلجأ إلى المطاردة : { وَاسْتَبَقَا الْبَابَ } [يوسف : 25] .
/6/ وقد تلجأ إلى العنف لتحقيق مرادها : { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ } [يوسف : 25] .
/7/ وقد تستخدم الكذب وقول الزور عند افتضاح أمرها : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف : 25] .
/8/ ولها من النفوذ ما يجعلها تقترح العقوبة : { إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [يوسف : 25]
/9/ ضعف شخصية الزوج : (إما لضعف شخصيته أو لعجزه الجنسي أو الخوف من تأثير الفضيحة على مستقبله السياسي) وعدم المقدرة على توجيه الاتهام مباشرة إلى زوجته فعد تكشف إدانتها واللجوء إلى تعميم الاتهام إلى عموم جنس المرأة : { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } [يوسف : 28] .
/10/ المساواة بين الجاني والمجني عليه، والهزل في توقيع العقاب : { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ } [يوسف : 29] .
/11/ الفراغ وشيوع النميمة بين نساء هذه الطبقة وكثرة القيل والقال : { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً } [يوسف : 30] .
/12/ نقل الوشايات : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } .
/13/ البذخ والتعود على إقامة الحفلات واتباع أصول الإتيكيت، من إرسال للدعوات وإعداد تدابير الحفل : { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } .
/14/ تقدم فن الإتيكيت، وتقديم السرفيس لكل فرد في الأكل : { وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً } .
/15/ الجبروت في التعامل مع الرفيق والخدم : { وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } .
/16/ الدراية بالرجال وشدة الانبهار بهم والتمييز بين كريم المحتد وغيره : { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ } [يوسف : 31] .
/17/ المكاشفة بالفحش وعدم الخجل منه، ولكن داخل نفس الطبقة : { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } [يوسف : 32] .
/19/ الإصرار على ممارسة الفاحشة والتهديد باستخدام النفوذ لتحقيقها : { وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ } [يوسف : 32] .
/20/ تلفيق التهم لأبرياء، حتى وإن ثبتت براءتهم : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } [يوسف : 35] .
/21/ الفساد السياسي ( التعتيم على الجرائم وعدم رفعها إلى الملك) : { قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [يوسف : 50] . { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } .
/22/ الاعتراف بالحق حينما تتأزم الأمور : { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } [يوسف : 51] .

(1/107)


/23/ الاعتراف فيه راحة لجميع الأطراف : { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } [يوسف : 52] . فإن كان القول لامرأة العزيز، ففي ذلك راحة لزوجها من شك الخيانة ورفع لرأسه أمام الملأ، وإن كان القول ليوسف عليه السلام، ففه رد لجميل عزيز مصر الذي آواه وأكرم مثواه .
/24/ أغفل القرآن الكريم حكم الملك في هذه القضية : لأسباب لا يعلمها إلا الله، وتجاوزه إلى أمره ليوسف أن يكون من أفراد الحكم { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } [يوسف : 54]
خامساً : العلاج الواقي من الوقوع في الفواحش داخل البيوت من خلال سورة يوسف عليه السلام :
/1/ - الحذر من الإقامة الدائمة للخدم داخل البيوت، حتى ولو كانوا قد تربوا فيها صغاراً .
/2/ - عدم مشروعية التبني .
/3/ - عدم مشروعية الخلوة بالخدم .
/4/ - الحذر من الفراغ والنميمة وكثرة القيل والقال .
/5/ - غض البصر للرجل والمرأة، على حد سواء .
/6/ - الحذر من المجالس السيئة .
سادساً : القوانين الإلهية الأزلية في سورة يوسف :
/1/ - { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } [يوسف : 5].
/2/ - { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [يوسف : 21].
/3/ - { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 22].
/4/ - { إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } [يوسف : 23].
/5/ - { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [يوسف : 24] .
/6/ - { وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } [يوسف : 52].
/7/ - { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } [يوسف : 53].
/8/ - { وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 56].
/9/ - { وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } [يوسف : 57].
/10/ -{ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف : 64].
/11/ -{ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ... } [يوسف : 67].
/12/ -{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [يوسف : 76] .
/13/ -{ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف : 87] .
/14/ -{ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف : 90] .
/15/ -{ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } [يوسف : 110] .
=============
من أسرار الإعجاز اللغوي والبياني في سورة المدثِّر
صورة لغار حراء الذي كان يتعبد به النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة
قال الله عز وجل:" سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ "(المدثر:26-31).
هذه الآيات الكريمة من سورة المدثِّر، وهي مكية بالإجماع، وقد اختلفت الروايات في سبب ومناسبة نزولها. فهناك روايات تقول: إنها أول ما نزل في الرسالة بعد سورة العلق. ورواية أخرى تقول: إنها نزلت بعد الجهر بالدعوة، وإيذاء المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم. وعن الزهري: أول ما نزل من القرآن قوله تعالى:
" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ "(العلق: 1)إلى قوله تعالى:" عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ "(العلق: 5)
فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل- عليه السلام- فقال: إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة، وقال: دثِّروني، وصبُّوا عليَّ ماء باردًا، فنزل قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ "(المدثِّر: 1)
وأيًا ما كان السبب والمناسبة، فقد تضمنت السورة الكريمة في مطلعها ذلك النداء العلوي بانتداب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الجلَل، أمر الدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيله، وإنذار البشر من عذابه وعقابه، وتوجيهه إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان، مع توجيهه عليه الصلاة والسلام إلى التهيؤ لهذا الأمر العظيم، والاستعانة عليه بهذا الذي وجهه الله تعالى إليه.
" يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ "(المدثِّر: 1- 7)

(1/108)


وقوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " خطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا يعم الأمة عند جمهور العلماء، خلافًا لأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وأصحابهما في قولهم: إنه يكون خطابًا للأمة، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق.
وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال:"يا: نداء النفس. وأيُّ: نداء القلب. وها: نداء الروح ". وعلماء النحو يقولون:"يا: نداءُ الغائب البعيد. وأيُّ: نداءُ الحاضر القريب. وها: للتنبيه ".. وشتَّان ما بين القولين !
و" الْمُدَّثِّرُ ": المتدرِّع دِثاره. وأصله: المتدثر فأدغم. يقال: دثرته، فتدثر. والدِّثار: ما يتدثر به من ثوب وغيره.
وقوله تعالى:" قُمْ فَأَنْذِرْ ". أي: قم نذيرًا للبشر. أي: تهيَّأ لذلك.. والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب، الذي يترصد الغافلين السادرين في الضلال، وهم لا يشعرون. وواضح من ذلك أن المراد بهذا الإنذار العموم، دون تقييده بمفعول محدد، ويدل عليه قوله تعالى:
" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا "(سبأ: 28)
والفاء في قوله تعالى:" فَأَنْذِرْ "، مع كونها عاطفة للترتيب، فإنها تدل على وجوب إيقاع الإنذار بتبليغ الرسالة، عَقِبَ التهيؤ له مباشرة، دون مهلة. وفي ذلك دليل على أن الإنذار فرض واجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، لا بدَّ منه، وهو فرض على الكفاية، فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إلى الرسول، وأن ينذروا كما أنذر. قال تعالى:
" فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ "(التوبة: 122)
ثم إن في قوله تعالى:" فَأَنْذِرْ "إشارة إلى قوله تعالى:" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً "(الإسراء: 15)
والتهيؤ للإنذار المعبَّر عنه بصيغة الأمر" قُمْ "لا يكون إلا بفعل ما تلا هذه الآية من توجيهات للرسول صلى الله عليه وسلم. فبعد أن كلفه سبحانه وتعالى بإنذار الغير، شرع سبحانه بتوجيهه في خاصَّة نفسه، فوجهه أولاً إلى توحيد ربه، وتنزيهه عمَّا لا يليق بجلاله وكماله. ووجهه ثانيًا إلى تطهير قلبه ونفسه وخلقه وعمله. ووجهه ثالثًا إلى هجران الشرك وموجبات العذاب. ووجهه رابعًا إلى إنكار ذاته بعدم المَنِّ بما يقدمه من الجهد في سبيل الدعوة، ووجهه خامسًا وأخيرًا إلى الصبر لربه.
أولاً-أما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى توحيد ربه، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وكماله فهو المراد بقوله تعالى:" وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ "(المدثر: 3)
وذلك لأن الرب وحده هو المستحق للتكبير؛ لأنه الأكبر من كل كبير. وهو توجيه يقرِّر الله جل وعلا فيه معنى الربوبية والألوهية، ومعنى التوحيد، والتنزيه من الشريك. وبيان ذلك: أن تكبير الرب جل وعلا يكون بقولنا: الله أكبر. فقولنا: اللههو إثبات لوجوده عز وجل. وقولنا: أكبرهو نفيٌ لأن يكون له شريك؛ لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر، فيما يكون فيه الاشتراك.
وبهذا يظهر لنا أهميَّة هذا التوجيه الإلهي للرسول الكريم، الذي انتدبه ربه لأن يكون نذيرًا للبشر؛ فإن أول ما يجب على المرء معرفته هو معرفة الله تعالى، ثم تنزيهه عما لا يليق بجلاله وكماله، وإثبات ما يليق به جل وعلا.
وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية، قال عليه الصلاة والسلام:" الله أكبر". فكبرت معه خديجة، وفرحت، وأيقنا معًا أنه الوحي من الله عز وجل، لا غيره. وفي التعبير عن لفظ الجلالة بعنوان الربوبية، وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم، من اللطف ما لا يخفى !
وقيل: الفاء في قوله تعالى:" فكبِّر "، وفيما بعده، لإفادة معنى الشرط؛ وكأنه قال: ومهما يكن من أمر، فكبر ربك، وطهِّر ثيابك، واهجر الرجز، واصبر لربك. فالفاء على هذا جزائية. ويسميها بعضهم: الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدَّر.
والحقيقة أن هذا تجنٍّ منهم على هذه الفاء؛ لأن ما نسبوه إليها من الدلالة على ذلك الإفصاح المزعوم؛ إنما هو من فعلهم هم، لا من فعل هذه الفاء؛ لأنهم لمَّا رأوها متوسطة بين ما يسمونه عاملاً، ومعموله المقدم عليه- وكان جمهورهم قد أجمع على أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها- لجئوا في تأويل الآية الكريمة إلى هذا التأويل، الذي لا يتناسب مع بلاغة القرآن، وأسلوبه المعجز في التعبير. فأين قول الله جل وعلا:" وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ "من قولهم في تأويله:
مهما يكن من شيء، فكبر ربك ؟
ولهذا قال بعضهم: إن هذه الفاء دخلت في كلامهم على توهم شرط، فلما لم تكن في جواب شرط محقق، كانت في الحقيقة زائدة، فلم يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها لذلك.
وكلا القولين فاسد، لما فيه من إخلال بنظم الكلام ومعناه. أما إخلاله بالنظم فظاهر. وأما إخلاله بالمعنى فإن الغرض من تقديم قوله تعالى:" وَرَبَّكَ "هو التخصيص، وربطه بما بعده، وهو قوله تعالى:" كَبِّرْ ". ولجعل هذا الأمر واجبَ الحدوث دون تأخير، جيء بهذه الفاء الرابطة، فقال سبحانه:
" وَرَبَّكَ فكَبِّرْ "

(1/109)


هذا المعنى لا نجده في قولهم: مهما يكن من شيء، فكبر ربك؛ لأن الشرط مَبناه على الإبهام. والمبهم يحتمل الحدوث، وعدم الحدوث. فإذا قلت: إن جاءك زيد فأعطه درهمًا، فإن الأمر بإعطاء الدرهم- وإن كان مستحقًا بدخول الفاء- فإنه مرتبط بمجيء زيد، ومجيء زيد ممكن الحدوث، وغير ممكن.
ولهذا لما أراد الله تعالى أن يجعل الأمر بالتسبيح، والاستغفار الواقعين جوابًا للشرط أمرًا واجب الحدوث، استعمل من أدوات الشرط "إِذَا "، التي تدل على أن ما بعدها محقق الحدوث لا محالة، ثم أدخل الفاء الرابطة على الجواب؛ وذلك قوله تعالى:
" إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا "(النصر: 1- 3)
ثانيًا-وأما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى تطهير قلبه ونفسه وخلقه وعمله فهو المراد بقوله تعالى:" وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ "(المدثر: 4)
وطهارة الثياب- في استعمال العرب- كناية عن طهارة القلب والنفس والخلق والعمل.. إنها طهارة الذات، التي تحتويها الثياب، وكل ما يلمُّ بها، أو يمسُّها. يقال: فلان طاهر الذيل والأردان، إذا كان موصوفًا بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق. ويقال: فلان دنس الثياب للغادر، ولمن قبح فعله. وكان العرب، إذا نكث الرجل ولم يفِ بعهد، قالوا: إن فلانًا لدنس الثياب. وإذا وفى وأصلح، قالوا: إن فلانًا لطاهر الثياب. وطهارة ذلك كله يستلزم طهارة البدن والثياب؛ لأن من كان طاهر القلب والنفس والعمل، فمن باب أولى أن يكون طاهر الجسم والثياب !
وبعد.. فالطهارة بمفهومها العام هي الحالة المناسبة لتلقي الوحي من الملأ الأعلى؛ كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة. وهي بعد هذا، وذلك ضرورية لملابسة الإنذار والتبليغ، ومزاولة الدعوة في وسط التيارات المختلفة، والأهواء المتنازعة، وما يصاحب ذلك ويلابسه من أدران الشرك وشوائبه. وذلك يحتاج من الداعية إلى الطهارة الكاملة كي يملك استنقاذ الملوثين دون أن يتلوث، وملابسة المدنسين من غير أن يتدنس.
ثالثًا-وأما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى هجران الشرك وموجبات العذاب فهو المراد بقوله تعالى:" وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ "(المدثر: 5)
أي: فاهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك، وغيره من القبائح. والرُّجزُ- في الأصل- هو العذاب، ثم أصبح يطلق على موجبات العذاب. وأصله الاضطراب، وقد أقيم مقام سببه المؤدي إليه من المآثم والقبائح؛ فكأنه قيل: اهجر المآثم والمعاصي وكل ما يؤدي إلى العذاب.
وقرأ الأكثرون: الرِّجز، بكسر الراء، وهي لغة قريش. ومعنى المكسور والمضموم واحد عند الجمهور. وعن مجاهد: أن المضموم بمعنى: الصَّنم، والمكسور بمعنى: العذاب. وفي معجم العين للخليل: الرُجْزُ، بضم الراء: عبادة الأوثان، وبكسرها: العذاب.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان هاجرًا للشرك ولموجبات العذاب قبل النبوة. فقد عافت فطرته السليمة ذلك الانحراف، وهذا الركام من المعتقدات السخيفة، وذلك الرجس من الأخلاق والعادات. فلم يعرف عنه أنه شارك في شيء من خَوْض الجاهلية. ولكن هذا التوجيه يعني المفاصلة وإعلان التميُّز، الذي لا صلح فيه، ولا هوادة؛ فهما طريقان مفترقان لا يلتقيان. كما يعني هذا التوجيه التحرُّز من دنس ذلك الرجز. وقيل: الكلام هنا، وفيما قبله من باب: إياك أعني، واسمعي يا جارة ! والصواب هو الأول، والله تعالى أعلم !
رابعًا-وأما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى إنكار ذاته بعدم المَنِّ بما يقدمه من الجهد في سبيل الدعوة استكثارًا له، واستعظامًا فهو المراد بقوله تعالى:" وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ "(المدثر: 6)
وهو نَهْيٌ عن المنِّ بما سيبذله من الجهد والتضحية في سبيل الدعوة إلى ربه. وفيه إشارة إلى أنه سيقدم الكثير، وسيبذل الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء؛ ولكن ربه تبارك وتعالى يريد منه ألاَّ يمتنَّ بما يقدمه، وألاَّ يستكثره.
فهذه الدعوة لا تستقيم في نفسٍ تُحِسُّ بما يُبذَل فيها من تضحيات. فالبذل فيها من الضخامة، بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه؛ بل حين لا تستشعره من الأصل؛ لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضل الله تعالى، ومن عطاياه. فهو فضل يمنحها إياه، وعطاء يختارها له، ويوفقها لنيله، وهو اختيار واصطفاء وتكريم، يستحق الشكر لله، لا المنَّ والاستكثارَ. وهذا معنى قول الحسن والربيع:” لا تمنن بحسناتك على الله تعالى، مستكثرًا لها “. أي رائيًا إياها كثيرة، فتنقص عند الله عز وجل.

(1/110)


وقرأ الحسن، والأعمش:" تَسْتَكْثِرَ "، بالنصب، على إضمار: أن. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه:" أَنْ تَسْتَكْثِرَ "، بإظهار: أن. فالمنُّ بمعنى الإعطاء، والكلام على إرادة التعليل. أي: ولا تعطِ لأجل أن تستكثر. أي: تطلب الكثير ممن تعطيه. وعلى هذا المعنى قول ابن عباس رضي الله عنهما:”لا تعطِ مستكثرًا “. أي: طالبًا للكثير ممن تعطيه. فهو نهي عن الاستغزار؛ وهو أن يهب شيئًا، وهو يطمع أن يتعوَّض من الموهوب له أكثر مما وهب له.
قال الفرَّاء في معاني القرآن معقبًا على قراءة ابن مسعود:”فهذا شاهد على الرفع في" تَسْتَكْثِرُ ". ولو جزم جازم على هذا المعنى، كان صوابًا“.
والجزم قراءة الحسن- أيضًا- وابن أبي عبلة. وخرِّجت قراءتهما؛ إما للوقف. أو الإبدال من" تَمْنُنْ "؛ كأنه قيل: ولا تمنُنْ، لا تستكثرْ، على أنه من المنِّ، الذي في قوله تعالى:
" ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى "(البقرة: 262)
لأن من يمُنُّ بما يعطي، يستكثره، ويعتد به.
خامسًا-وأما توجيهه- عليه الصلاة والسلام- إلى الصبر لربه فهو المراد بقوله تعالى:" وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ "(المدثر: 7)
أي: اصبر لربك على أذى المشركين. والأحسن حمله على العموم، فيفيد الصبر على كل مصبور عليه، ومصبور عنه. ويدخل فيه الصبر على أذى المشركين؛ لأنه فرد من أفراد العام، لا لأنه وحده هو المراد.
والصبر بمفهومه العام هو الوصية، التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة، أو تثبيت، وهو الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة، معركة الدعوة إلى الله تعالى، وهي معركة طويلة عنيفة، لا زاد لها إلا الصبر، الذي يُقصَدُ فيه وجه الله جل وعلا، ويُتَّجَهُ به إليه احتسابًا عنده وحده.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء الفرائض وله ثلاثمائة درجة، وصبر عن محارم الله تعالى وله ستمائة درجة، وصبر على المصائب عند الصدمة الأولى وله تسعمائة درجة.
وذلك لشدته على النفس، وعدم التمكن منه، إلا بمزيد اليقين؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:” أسألك من اليقين ما تهون به عليَّ مصائب الدنيا“.
وللصبر المحمود فضائل، لا تحصى، ويكفي في ذلك قوله تعالى:
" إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ "(الزمر: 10)
وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:” قال الله تعالى: إذا وجهت إلى العبد من عبيدي مصيبة في بدنه، أو ماله، أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانًا، أو أنشر له ديوانًا“.
فإذا ما انتهى هذا التوجيه الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم، اتجه سياق الآيات إلى بيان ما ينذر به الكافرين، في لمسة توقظ الحس لليوم العسير، الذي ينذر بمقدمه النذير، فقال سبحانه:
" فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ* فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير"( المدثر: 8-10 )
إنه التهديد، والوعيد للمكذبين بالآخرة بحرب الله المباشرة. والنقر في الناقور هو ما يعبر عنه بالنفخ في الصور؛ ولكن التعبير هنا أشد إيحاء بشدة الصوت ورنينه؛ كأنه نَقْرٌ يُصَوِّت، ويُدَوِّي. وأصله القَرْعُ، الذي هو سببه. ومنه منقار الطائر؛ لأنه يقرع به. والصوت الذي، ينقر الآذان- أي: يقرعها قرعًا- أشد وقعًا من الصوت، الذي تسمعه الآذان؛ ولذلك وصف الله تعالى ذلك اليوم، الذي ينقر فيه بالناقور بأنه:
" يَوْمٌ عَسِيرٌ "،
ثم أكَّده سبحانه بنفي كل ظِلًّ لليسر فيه:
" عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير "
فهو عسرٌ كله، لا يتخلله يسرٌ أبدًا.
والفاء في قوله تعالى:" فَذَلِكَ "رابطة لجواب الشرط. و" ذَلِكَ "إشارة إلى وقت النقر المفهوم من قوله تعالى:" فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ "
أي: فذلك اليوم، الذي ينقر فيه بالناقور يوم عسير على الكافرين، غير يسير.
وفي الإشارة بـ" ذَلِكَ "الدالة على معنى البعد، مع قرب العهد لفظًا بالمشار إليه، إيذان ببعد منزلته في الهول والفظاعة. ثم ترك هذا اليوم مع وصفه هكذا مجملاً منكرًا " يَوْمٌ عَسِيرٌ "، يوحي بالاختناق والكرب والضيق والهول العظيم. فما أجدر الكافرين، وغيرهم من المؤمنين الغافلين أن يستمعوا للنذير، قبل أن ينقر في الناقور، فيواجههم ذلك اليوم العسير!
وقوله تعالى:" غَيْرُ يَسِير ". أي: غير سهل، ويفيد تأكيد عسره على الكافرين، فهو يمنع أن يكون عسيرًا عليهم من وجه دون وجه، ويشعر بتيسُّره على المؤمنين؛ كأنه قيل: عسير على الكافرين، غير يسير عليهم، كما هو يسير على أضدادهم المؤمنين. ففيه جمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم، وبشارة المؤمنين وتسليتهم.

(1/111)


ومع هذه البشارة للمؤمنين وتسليتهم، فإن قلب المؤمن لا يخلو من الخوف من هذا اليوم العسير. روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال: لما نزلت:" فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ "، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:”كيف أنعَم، وصاحب الصور قد التقم القرن، وحَنَى جبهته، يستمع متى يؤمر؟قالوا: كيف نقول يا رسول الله ؟ قال: قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، وعلى الله توكلنا “.
واختلف في أن المراد به يوم النفخة الأولى، أو الثانية. والحق أنها النفخة الثانية؛ إذ هي التي يختص عسرها بالكافرين، وأما النفخة الأولى فحكمها، الذي هو الاصعاق يعمُّ الجميع، على أنها مختصة بمن كان حيًّا عند وقوعها.
وينتقل السياق بنا من هذا التهديد العام إلى مواجهة فرد بذاته من الكافرين المكذبين، يبدو أنه كان له دور كبير في التكذيب والتبييت للدعوة. قيل: إنه الوليد بن المغيرة المخزومي. فيرسم الله تعالى مشهدًا من مشاهد كيده؛ وذلك قوله تعالى:
" ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ "(المدثر: 11- 15)
أي: ذرني مع من خلقته وحيدًا فريدًا، لا مال له، ولا ولد، ثم جعلت له مالاً كثيرًا مبسوطًا- ما بين مكة والطائف- يعتزُّ به، وبنين حضورًا، يتمتع بمشاهدتهم، لا يفارقونه للتصرف في عمل، أو تجارة لكونهم مكفيين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم. أو حضورًا في الأندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم- قيل: كان له عشرة بنين. وقيل: ثلاثة عشر. وقيل: سبعة، كلهم رجال- وهيَّأت له الرياسة والجاه العريض تهيئة، يتبطَّر بهما ويختال، حتى لقِّب بريحانة قريش. ثم هو بعد ذلك كله يطمع في المزيد. فذرني معه، أكفيك أمره، ولا تشغل بالك بمكره وكيده.
وقوله تعالى:" وَحِيدًا "- على ما تقدم- حال من العائد المحذوف في قوله تعالى:" خَلَقْتُ ". وقيل هو حال من الياء في" ذَرْنِي ". أي: ذرني وحدي معه، فإني أكفيكه في الانتقام منه. وقيل هو حال من التاء في" خَلَقْتُ ". أي: خلفته وحدي، لم يشركني في خلقه أحد. والقول الأول أجمع الأقوال الثلاثة.
أما قوله تعالى:" ذَرْنِي "فهو من: وَذََرَ يَذَرُ؛ كوَدَعَ يَدَعُ، إلا أن وَذَرَ ، لم يستعمل في كلامهم، بخلاف: وَدَعَ. قال سيبويه: ولا يقال: وَذََرَ ، ولا وَدَعَ، استغنوا عنهما بـ{ تَرَكَ }. وهذا إنما يخرَّج على الأكثر في: وَدَعَ.
ففي القرآن ورد قوله تعالى:" مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ "، بالتخفيف، وهي لغة كلغة التشديد، وليست مخففة منها كما يقال. ثم هي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة عروة بن الزبير.
وفي صحيح مسلم: أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” لينتهيَّن أقوام عن ودَعهم الجُمُعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين “.
وفي كشف الخفاء للعجلوني عن أبي داود عن رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم:” دعوا الحَبَشَة ما ودَعوكم واتركوا التُّرْكَ ما تركوكم“.
ويقال: يَذَرُ الشيءَ ؛ كما يقال: يَدَعُ الشيء. ومعناهما متقارب، إلا أن الأول يستعمل في مقام التهديد والوعيد، لما فيه من معنى الدفع والقذف، أما الثاني فيستعمل في مقام الكره والبغض، لما فيه من معنى التوديع.
تأمل معنى الأول في قوله تعالى:
" وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ "(الأعراف: 127)، وقوله تعالى:
" فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ "(الطور: 45)
وتأمل معنى الثاني في قوله تعالى:
" مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى "(الضحى: 3)
والتشديد فيه للمبالغة؛ لأن من ودَّعك مفارقًا، فقد بالغ في تركك.
أما قوله تعالى:" ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ "فهو استبعاد لطمعه وحرصه على الزيادة، واستنكار لذلك. هذا ما دلت عليه" ثُمَّ ". وإنما استبعد ذلك منه، واستنكر؛ لأنه أعطي المال والبنين، وبسط له الجاه العريض، والرياسة في قومه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا، فلا مزيد على ما أعطي وأوتي. أو لأن طمعه في الزيادة لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم؛ ولذلك ردعه الله تعالى ردعًا عنيفًا عن ذلك الطمع، الذي لم يقدم طاعة ولا شكرًا لله، يرجو بسببه المزيد؛ بل عاند دلائل الحق، ووقف في وجه الدعوة، وحارب رسولها، وصد عنها نفسه وغيره، وأطلق حواليها الأضاليل فقال سبحانه وتعالى:
" كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا "(المدثر: 16)
فقوله تعالى:" كَلاَّ " ردعٌ وزجرٌ له، وردٌّ لطمعه الفارغ، وقطعٌ لرجائه الخائب.
وقوله تعالى:" إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا " تعليل لذلك الطمع على سبيل الاستئناف؛ فإن معاندة آيات المنعم مع وضوحها، وكفران نعمه مع سبوغها، مما يوجب إزالة النعمة المانعة عن الزيادة والحرمان منها بالكلية؛ وإنما أوتي هذا المعاند ما أوتي، استدراجًا له. قيل: ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده، حتى هلكوا.

(1/112)


ثم يعقِّب الله تعالى على هذا الردع والزجر بالوعيد، الذي يبدل اليسر، الذي جعِل فيه عسرًا، والتمهيد الذي مهِّد له مشقة، فيقول سبحانه وتعالى:
" سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا "(المدثر: 17)
وهو مثل لما يلقى منالعذاب الصعب، الذي لا يطاق، يصور حركة المشقة. فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقًا. فإذا كان دفعًا من غير إرادة من المصعد، كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقًا. وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة. فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر، يندبُّ في طريق وعر شاق مبتوت، ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق؛ كأنما يصعد في السماء، أو يصعد في وعر صلد، لا ريَّ فيه ولا زاد، ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق !
وفي الترغيب والترهيب للمنذري عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في قوله تعالى" سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ":” جبل من نار يكلَّف أن يصعده، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، يصعد سبعين خريفًا، ثم يهوي كذلك“. رواه( أحمد والحاكم والترمذي ).
ثم يرسم الله تعالى لهذا الرجل المكذب المعاند صورة منكرة، تثير الهزء والسخرية من حاله وملامح وجهه ونفسه، التي تبرز من خلال الكلمات؛ كأنها حية شاخصة متحركة الملامح والسمات، فيقول سبحانه:
" إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ "(المدثر: 18- 25)
فالرجل يكد ذهنه، ويعصر أعصابه، ويقبض جبينه، وتكلح ملامحه وقسماته. كل ذلك ليجد عيبًا يعيب به هذا القرآن العظيم، وليجد قولاً يقوله فيه. وبعد هذا المخاض كله يلد الجبل فأرًا، وبعد هذا الحَزق كله، لا يُفتح عليه بشيء، فيولي عن النور مدبرًا، ويصد عن الحق مستكبرًا، ويقول:
" إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ "!
وقوله تعالى:" إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ " تعليلٌ للوعيد، واستحقاقه له. أو هو بيان لعناده لآيات الله تعالى.
وقوله تعالى:" فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ " تعجيبٌ من تقديره ورميه الغرض، الذي كانت تنتحيه قريش. أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به. أو هو حكاية لما كرروه من قولهم: قتل كيف قدَّر، تهكمًا بهم، وبإعجابهم بتقديره، واستعظامهم لقوله.
أما قوله تعالى:" ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ " فهو تكرير للمبالغة. و" ثُمَّ " للدلالة على أن ما بعدها أبلغ مما قبلها.
أما في قوله تعالى:" ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ " فهي باقية على أصلها من الدلالة على التراخي الزماني. أي: ثم نظر في القرآن مرة بعد مرة، ثم قطَّب وجهه، لمَّا لم يجد فيه مطعنًا، ولم يدر ماذا يقول. وقيل: نظر في وجوه الناس، ثم لمَّا عسُر عليه الرد، قطَّب وجهه وبسَر. أي: كلح، ثم أدبر عن الحق، واستكبر عن اتباعه،" فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ". أي: يروَى ويتعلَّم.
وإنما عطف هذا بالفاء بعد أن عطف ما قبله بـ" ثُمَّ "، للدلالة على أن هذه الكلمة، لما خطرت بباله، لم يتملك أن نطق بها من غير تلعثم وتلبث. ثم أكَّدَ ذلك بقوله:" إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ "؛ ولذلك لم يوسِّط بين الجملتين بأداة العاطف.
وقد روي عنه- أي: عن الوليد بن المغيرة- أنه قال لبني مخزوم:” والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو، وما يعلى. فقالت قريش: صَبَأ، والله الوليد. والله لتصبأن قريش كلهم. فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد عنده حزينًا، وكلمه بما أحماه، فقام، فأتاهم، فقال: تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يخنق ؟ وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن ؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط ؟ وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب ؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم لا. ثم قالوا: فما هو ؟ ففكر، فقال: ما هو إلا ساحر. أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله، وولده ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يرويه عن أهل بابل، ويتعلمه منهم. فارتجَّ النادي فرحًا، وتفرقوا معجبين بقوله، متعجبين منه “.
ولهذا يصور له التعبير القرآني المعجز هذه اللمحات الحيَّة، التي يثبتها في المخيلة أقوى مما تثبتها الريشة في اللوحة، وأجمل مما يعرضها الفيلم المتحرك على الأنظار، فتدع صاحبها سخريةَ الساخرين أبد الدهر، وتثبت صورته الزَّرِيَّة في صلب الوجود، تتملاها الأجيال بعد الأجيال !
فإذا ما انتهى الله تعالى من عرض هذه اللمحات الحيَّة الشاخصة لهذا المخلوق المضحك، عقَّب عليها بالوعيد المفزع، والتهديد الساحق، فقال سبحانه:
" سَأُصْلِيهِ سَقَرَ "(المدثر: 26)
وهو بدل من قوله تعالى:" سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا "

(1/113)


و" سَقَرَ " هي- على ما قيل- الدرك السادس من النار، ومنِع لفظها من التنوين للتأنيث. وقيل: إنه اسم أعجمي. والأول هو الصواب؛ لأن الأعجمي إذا كان على ثلاثة أحرف، انصرف، وإن كان متحرك الأوسط. وأيضًا فإنه اسم عربي مشتق، يقال: سَقَرَته الشمس، إذا أحرقته. والسَّاقُورُ: حديدة تُحْمَى، ويُكْوَى بها الحمار.
وزاد هذا التهديد، وذلك الوعيد تهويلاً تنكير" سَقَرَ "، ثم تكرارها في جملة استفهامية، يزيد من تهويل أمرها؛ وهي قوله تعالى:
" وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ "(المدثر: 27)
يريد: أيُّ شيء أدراك ما سقر؟ أي: لم تبلغ درايتك غاية أمرها وعظم هولها؛ لأنها شيء أعظم وأهول من الإدراك!
وقيل: كل ما في القرآن من قوله تعالى:" وَمَا أَدْرَاكَ "، فقد أدراه، وما فيه من قوله:" وَمَا يُدْريكَ "، فلم يدره؛ كقوله تعالى:" وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا "(الأحزاب: 63)
والدليل على الأول قوله تعالى:" لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ "
فقد أدراه ما سقر؟ ومثله قوله تعالى: " وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ "(القارعة: 3)
ثم أدراه ما القارعة، فقال سبحانه:
" يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ "(القارعة: 4)
" وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ "(القارعة: 5)
ولما كان قوله تعالى:
" مَا سَقَرُ "؟ و" مَا الْقَارِعَةُ " ؟
سؤالاً عن الماهيَّة، لم يجز فيه الجمع بين الاسم، وضميره، كما يفعل ذلك كثير من علماء وكتَّاب اليوم. فلا يقال:
ما هي سقر ؟ وما هي القارعة ؟ وإنما يقال كما قال الله تعالى:
" مَا سَقَرُ " ؟ و" مَا الْقَارِعَةُ " ؟
أو يقال: ما هي ؟ إذا تقدم ذكر لها في الكلام، فيقال:
سقرٌ ما هي ؟ والقارعة ما هي ؟ كما قال تعالى:
" فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ "(القارعة: 9- 10)
فتأمل ذلك في القرآن، تجده على ما ذكرت، إن شاء الله !
ثم عقَّب الله تعالى على هذا تجهيل سقر، وتهويل أمرها بذكر شيء من صفتها أشد هولاً وأعظم، جوابًا عن السؤال السابق:
" وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ "(المدثر: 27)، فقال سبحانه:
" لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ "(المدثر: 28)
أي: لا تبقي شيئًا فيها إلا أهلكته، وإذا هلك، لم تذره هالكًا حتى يعاد. أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، حتى تهلكه. فكل شيء يطرح فيها هالك لا محالة، وكأنها تبلعه بلعًا، وتمحوه محوًا.
وللدلالة على هذا المعنى جيء بـ" لَا " مكررة بعد الواو العاطفة؛ لأنه لو قيل: لا تبقي وتذر، احتمل وقوع النفي على أحد الفعلين، دون الآخر.
ثم هي بعد ذلك:" لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ "(المدثر: 29)
أي: مغيِّرة لهم، أو محرقة، بلغة قريش. يقال: لاحته الشمس، ولوَّحته،إذا غيرته. ويقال: لوحَّت الشيءَ بالنار: أحميته بها. وقال ابن عباس- رضي الله عنهما- وجمهور العلماء: معناه: مغيِّرة للبشرات، ومحرقة للجلود، مسودة لها. فالبشر- على هذا- جمع بشرة.
وقال الحسن وابن كيسان:" لَوَّاحَةٌ " بناء مبالغة من لاح يلوح، إذا ظهر. فالمعنى: أنها تظهر للناس- وهم البشر- من مسيرة خمسمائة عام؛ وذلك لعظمها وهولها وزفيرها. وقرىء:" لَوَّاحَةً "، بالنصب على الاختصاص، للتهويل.
ثم إن:" عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ "(المدثر: 30)ملكًا هم خزنة جهنم، المحيطون بها، المدبرون لأمرها، القائمون على تعذيب أهلها، الذين إليهم جماع أمر زبانيتها، باتفاق العلماء جميعهم.
وهكذا تتلاحق الآيات سريعة الجريان، منوعة الفواصل والقوافي، يتئد إيقاعها أحيانًا، ويجري لاهثًا أحيانًا، وبخاصة عند تصوير المشهدين الأخيرين: مشهد هذا المكذب، وهو يفكر، ويقدر، ويعبس، ويبسر.. ومشهد سقر، التي لا تبقي ولا تذر، ملوحة للبشر!
وواضح من ذلك كله أن الغرض من نزول هذه السورة الكريمة هو تكليف محمد صلى الله عليه وسلم بأن يكون نذيرًا للبشر من عذاب الله تعالى. والإنذار يحتاج إلى دليل تقام به الحجة. والدليل- هنا- هو المعجزة. والمعجزة في قوله تعالى:
" عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ "(المدثر: 30)
وروي أنه لما نزلت هذه الآية، قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم! أسمع ابنَ أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهر! أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ؟ فقال أبو الأشدِّ بن أسيد بن كلدة الجُمَحِيِّ، وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين. فأنزل الله تعالى قوله:
" وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً "(المدثر: 31)
وأصحاب النار هم التسعة عشر ملكًا. والجمهور على أن المراد بهم النقباء، الذين إليهم جماع زبانيتها- كما تقدم- وإلا فقد جاء:” يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها“.

(1/114)


وكان ظاهر الكلام يقتضي أن يقال:" وَمَا جَعَلْنَاهم "؛ ولكنه وضع الاسم الظاهر موضع الضمير؛ وكأن ذلك لما في هذا الاسم الظاهر من الإشارة إلى أنهم المدبرون لأمرها، القائمون بتعذيب أهلها ما ليس في الضمير. وفي ذلك إيذان بأن المراد بسقر: النار مطلقًا، لا طبقة خاصة منها، وعليه يكون المعنى: وما جعلناهم إلا ملائكة، لا يطاقون، فهم من ذلك الخلق المغيَّب، الذي لا يعلم طبيعته، وقوته إلا الله تعالى، وقد وصفهم الله سبحانه بقوله:
" غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ "(التحريم: 6)
فقرر سبحانه وتعالى: أنهم غلاظ شداد، يطيعون ما يأمرهم به الله، وأن بهم القدرة على فعل ما يأمرهم؛ فهم- إذًا- مزودون بالقوة، التي يقدرون بها على كل ما يكلفهم الله تعالى به. فإذا كان قد كلفهم القيام على سقر، فهم مزودون من قبله سبحانه بالقوة المطلوبة لهذه المهمة، كما يعلمها الله، فلا مجال لقهرهم، أو مغالبتهم من هؤلاء البشر! وما كان قول الكافرين عن مغالبتهم إلا وليد الجهل الغليظ بحقيقة خلق الله، وتدبيره للأمور.
وقيل: لم يجعلهم الله تعالى بشرًا؛ بل جعلهم " مَلَائِكَةً "؛ ليخالفوا جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم؛ ولأنهم أقوم من البشر بحق الله عز وجل، وبالغضب له تعالى، ولأنهم أشد الخلق بأسًا وأقواهم بطشًا.
وعن عمرو بن دينار:” واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر “. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في وصفهم:” كأن أعينهم البرق، وكأن أفواهم الصياصي، يجرون أشعارهم، لأحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل، فيرمي بهم في النار، ويرمي بالجبل عليهم“.
ثم أخبر تعالى عن الحكمة التي جعل من أجلها عدتهم تسعة عشر، فقال سبحانه:
" وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا "(31).
أي: ما جعلنا عددهم تسعة عشر إلا فتنة للذين كفروا، ووسيلة إلى استيقان الذين أوتوا الكتاب، وزيادة في إيمان الذين آمنوا، وحفظًا من ارتياب أهل الكتاب والمؤمنين، وداعيًا إلى تقوُّل أهل الكفر والنفاق:
" مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا "
فهذه خمس حكم من جعل عددهم: تسعة عشر.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يكون هذا العدد المخصص بـ" تِسْعَةَ عَشَرَ "فتنة للذين كفروا، ووسيلة إلى استيقان الذين أوتوا الكتاب، وازدياد الذين آمنوا إيمانًا، وحفظًا من ارتياب أهل الكتاب والمؤمنين، وداعيًا إلى تقول أهل النفاق والكفر ما قالوا ؟!
فأما كون هذا العدد فتنة وابتلاء للذين كفروا فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الذين كفروا يستهزئون، ويقولون: لمَ لمْ يكونوا عشرين، أو ثمانية عشر مثلاً ؟ وذلك لأن حال هذا العدة الناقصة واحدًا من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته، ويعترض ويستهزىء، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفي عليه وجه الحكمة.
والوجه الثاني: أنهم يقولون: كيف يكون هذا العدد القليل وافيًا بتعذيب أكثر الخلق من الجن والإنس، من أول خلق آدم إلى يوم القيامة ؟
وأما كونه وسيلة إلى استيقان الذين أوتوا الكتاب فلأنه مطابق لما عندهم في التوراة والإنجيل. فإذا سمعوا به في القرآن، استيقنوا أنه منزل من عند الله تعالى، ومصدق لما بين يديهم. وهذا مما يشهد لقومهم على صدق ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وما ادعاه لإيمانهم وتصديقهم !
وأما كونه وسيلة إلى ازدياد الذين آمنوا إيمانًا فإن المؤمنين كلما جاءهم أمر عن ربهم، صدقوه، وإن لم يعلموا حقيقته، اكتفاء بأنه من عند الله تعالى؛ لأن قلوبهم مفتوحة موصولة تتلقى الحقائق تلقيًا مباشرًا. وكل حقيقة ترد إليها من عند الله تزيدها أنسًا بالله، وتزيد قلوبهم إيمانًا، فتستشعر بحمكة الله في هذا العدد، وتقديره الدقيق في الخلق .
ولمَّا أثبت الله تعالى بذلك العدد الاستيقان لأهل الكتاب، وزيادة الإيمان للمؤمنين، جعله حفظًا لهم من الوقوع في الريبة، فجمع لهم بذلك: إثبات اليقين، ونفي الريب. وإنما فعل ذلك؛ لأنه آكد وأبلغ لوصفهم بسكون النفس، وثلج الصدر؛ ولأن فيه تعريضًا بحال من عَداهم؛ كأنه قال: ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر.
وإنما لم ينظم المؤمنين في سلك أهل الكتاب في نفي الارتياب؛ حيث لم يقل: ولا يرتابوا، للتنبيه على تباين النفيين حالاً؛ فان انتفاء الارتياب من أهل الكتاب مقارن لما ينافيه من الجحود، ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الإيمان، ولا يخفى ما بينهما من الفرق.

(1/115)


والتعبير عن المؤمنين باسم الفاعل " الْمُؤْمِنُونَ "، بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن الحدوث " الَّذِينَ آَمَنُوا "، للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده ورسوخهم فيه.
وأما كونه داعيًا إلى تقوُّل أهل النفاق والكفر:" مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا "؟ فإن هذه السورة الكريمة مكية، ولم يكن بمكة يومئذ نفاق؛ وإنما نجم النفاق بالمدينة، فأخبر الله تعالى أن النفاق سيحدث في قلوب هؤلاء في المدينة بعد الهجرة. وعلى هذا تصير هذه الآية الكريمة معجزة؛ لأنها إخبار عن غيب سيقع، وقد وقع على وفق الخبر، فكان معجزًا.
وتعقيبًا على قولهم هذا قال الزمخشري:” فإن قلت: قد علل جعلهم تسعة عشر بالاستيقان، وانتفاء الارتياب، وقول المنافقين والكافرين ما قالوا، فهب أن الاستيقان، وانتفاء الريب يصح أن يكونا غرضين، فكيف صح أن يكون قول المنافقين والكافرين غرضًا ؟ قلت: أفادت اللام معنى العلة والسبب، ولا يجب في العلة أن تكون غرضًا؛ ألا ترى إلى قولك: خرجت من البلد مخافة الشر ؟ فقد جعلت المخافة علة لخروجك، وما هي بغرضك “.
أراد اللام التي في قوله تعالى:" وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ ".
قال الألوسي:”وفي الحواشي الشهابية: إنما أعيدت اللام فيه، للفرق بين العلتين؛ إذ مرجِّح الأولى الهداية المقصودة بالذات، ومرجِّح هذه الضلال المقصود بالعرض الناشيء من سوء صنيع الضالين “.
وقولهم:" مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا "؟ إنما سموه مثًُلآ- على ما قال الزمخشري- لأنه استعارة من المثل المضروب؛ لأنه مما غرُب من الكلام وبدُع، استغرابًا منهم لهذا العدد، واستبعادًا له.
وقيل: لمَّا استبعدوه، حسبوه مثلاً مضروبًا؛ كما حسبه كذلك بعض الباحثين المعاصرين، ممن ألفوا في أمثال القرآن. والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب ؟ وأي غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر، لا عشرين سواء ؟ ومرادهم: إنكاره من أصله، وأنه ليس من عند الله، وأنه لو كان من عند الله، لما جاء بهذا العدد الناقص.
وهكذا تترك الحقيقة الواحدة أثرين مختلفين في القلوب المختلفة. فبينما الذين أوتوا الكتاب يستيقنون، والذين آمنوا يزيدون إيمانًا، إذا بضعاف القلوب، والذين كفروا في حيرة يتساءلون:
" مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا "؟
فهم لا يدركون حكمة هذا الأمر الغريب، ولا يسلمون بحكمة الله المطلقة في تقدير كل خلق، ولا يطمئنون إلى صدق الخبر، والخير الكامن في إخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة.
ولهذا أشاروا إليه بقولهم:" هَذَا " استحقارًا للمشار إليه، واستبعادًا له؛ كقولهم:" أهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً "(الفرقان:41)
وهذا هو حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها: قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب يزداد به إيمانًا وتصديقًا.
وهنا يجيئهم الجواب في صورة التهديد والتحذير بما وراء ما سمَّوْه:" مَثلاً "من تقدير وتدبير؛ وذلك قوله تعالى:
" كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ "(المدثر: 31)
وهو إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهداية. أي: مثل ذلك المذكور من الإضلال والهداية يضل المنافقين والكافرين حسب مشيئته، ويهدي المؤمنين حسب مشيئته.فكل أمر مرجعه في النهاية إلى مشيئة الله تعالى المطلقة، التي ينتهي إليها كل شيء. ومشيئته سبحانه تابعة لحكمته.
وقد جاء هذا المعنى موضحًا في آيات أخر؛ منها قوله تعالى:
" يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ "( إبراهيم: 27)
أي: يفعل ما توجبه الحكمة؛ لأن مشيئة الله تعالى تابعة للحكمة من تثبيت الذين آمنوا، وتأييدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين وخذلانهم، والتخلية بينهم، وبين شأنهم عند زللهم.
ففعله تعالى كله حسن؛ لأنه مبني على الحكمة والصواب. فأما المؤمنون فيسلمون بحكمة الله تعالى، ويذعنون لمشيئته، لاعتقادهم أن أفعال الله تعالى كلها حسنة وحكمة، فيزيدهم ذلك إيمانًا. وأما الكافرون فينكرون أفعاله سبحانه، ويشكون فيها؛ لأنهم لا يدركون حكمة الله تعالى فيها، فيزيدهم ذلك كفرًا وضلالاً.
وفي وضع الفعلين " يُضِلُّ, ويَهْدي "موضع المصدر إشعار بالاستمرار التجددي. والمضارع يستعمل له كثيرًا؛ ففي التعبير به- هنا- إشارة إلى أن الإضلال والهداية لا يزالان يتجددان ما تجدد الزمان.
وقال تعالى:" وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ "(المدثر:31)؛ لأن علم ذلك من الغيب. والمراد: علم حقيقتها، وصفاتها، ووظائفها، وأعدادها. والله تعالى يكشف عما يريد الكشف عنه من أمر جنوده، وقوله هو الفصل في شأنهم.
وليس لقائل بعده أن يجادل، أو يحاول معرفة ما لم يكشف الله تعالى عنه؛ إذ فلا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، ولو إجمالاً، فضلاً عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها، من كم وكيف ونسبة !

(1/116)