03 - الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم

 

http://www.shamela.ws

تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة 

 

 

 

الكتاب : الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
هذا الكتاب قد جمعت فيه ما تناثر من إعجاز اللغوي والبياني مما كتب على النت وقد بلغت حوالي مائة وأربعين بحثا لعلماء أجلاء معاصرين فجزاهم الله عنه خير الجزاء .
بحيث تكون هذه الأبحاث إسهاما منهم في توضيح فكرة الإعجاز اللغوي والبياتي في وقت أصبح فيه كثير من العرب - قبل العجم - لا يدركون معناها بسبب بعدهم عن حوهر دينهم وجوهر لغتهم .
 

2 ـ إن بعض الشواهد القرآنية التي ذكرها عبد القاهر في حديث عن النظم ـ كوجه للإعجاز القرآني ـ قد حللها تحليلاً يبرز من خلاله مدى الأثر النفسي على مَن يقرؤها أو يسمعها. وإليك بعضها، لترى صدق ما ذهبنا إليه.
يقول عبد القاهر في قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن ... ): ليس بخاف أن لتقدم الشركاء حسناً وروعة. ومأخذاً في القلوب. أنت لا تجد شيئاً منه إذا أخرت فقلت: (وجعلوا الجن شركاء لله) وإنك لترى حالك حال مَن نقل عن الصورة المبهجة. والمنظر الرائق، والحسن الباهر، إلى الشيء الغفل، الذي لا تحظى منه بكثير طائل. ولا تصير النفس به إلى حاصل.
وفي مثال آخر يقول عند قوله تعالى: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة): (وإذا أنت راجعت نفسك، وأذكيت حسك، وجدت لهذا التنكير، وإن قيل: (على حياة) ولم يقل (على الحياة) حسناً وروعة، ولطف موقع، لا يقادر قدره، وتجدك تعدم هذا التعريف وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافهما).
3 ـ وأخيراً فقد جعل عبد القاهر وجه الإعجاز القرآني في نظمه، وجعل النظم علة من أهم علل التأثير في النص القرآني في سامعه وقارئه، يقول الجرجاني: (ومَن هذا الذي يرضى من نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم ـ أي للعرب ـ والأمر الذي بهرهم، والهيبة التي ملأت صدورهم، والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا: (إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر) إنما كان لشيء راعهم من موقع حركاته، ومن ترتيبه وبيان سكناته، أو الفواصل في أواخر آياته؟ من أين تليق هذه الصفة وهذا التشبيه بذلك؟ أم ترى أن ابن مسعود، حين قال في صفة القرآن: (لا يتفه ولا يتشان)!، وقال: إذا وقعت في ال. حم) وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن)، قال ذلك من أجل أوزان الكلمات، ومن أجل الفواصل في أخريات الآيات؟
3 ـ ابن قيم الجوزية (ت 751هـ ) ورأيه في الإعجاز التأثيري:
في كتابه (الفوائد) شرح ابن القيم مسألة تأثير القرآن على سامعه وقارئه فقال: (إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور مَن يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله، قال تعالى: (إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)، وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدله على المراد. فقوله (إن في ذلك لذكرى) إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر، وقوله: (من كان له قلب) فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين * لينذر مَن كان حياً). أي حي القلب. وقوله تعالى: (أو ألقى السمع وهو شهيد) أي وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه، إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثير بالكلام. وقوله: (وهو شهيد) أي شاهد القلب، حاضراً غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر، وهو الانتفاع بالذكر.
ثم يقول: (فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه الأشياء، فما وجه دخول أداة (أو) في قوله تعالى: (أو ألقى السمع)، والموضع موضع واو الجمع، لا موضع (أو) التي هي لأحد الشيئين؟ قيل: هذا سؤال جيد. والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام (بأو) باعتبار حال المخاطب المدعو، فإن من الناس مَن يكون حي القلب واعيه، تام الفطرة، فإذا فكر بقلبه وجال بفكره دله قلبه وعقله على صحة القرآن، وأنه من الحق، وشهد قلبه بما أخبر القرآن، فكان ورود القرآن على قلبه نوراً على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قال فيهم القرآن: (ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق).
4 ـ الدكتور عبد الكريم الخطيب ورأيه في الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم: 

(1/244)


يقول الدكتور الخطيب: (إن كلمات القرآن التي كانت على فم الناس، كان لها رحلة إلى الملأ الأعلى من الأرض إلى السماء من أفواه الناس إلى عالم الروح، والحق والنور، وهناك في هذا العالم ـ عالم الروح والحق والنور ـ عاشت تلك الكلمات دهراً طويلاً بين ملائكة، وولدان، وحور، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة روحاً من روحها، وجلالاً من جلالها، ونوراً من نورها، حتى إذا أذن لها الحكيم الخبير أن تعود أدراجها إلى الأرض وتلقى بأفواه الناس مرة أخرى، وتطرق أسماعهم، وتتصل بعقولهم وقلوبهم، لم ينكروا شيئاً من وجودها، وإن سرى إليهم من هذا الوجود ما يخطف الأبصار ويخلب الألباب، فالمؤمنون في شوق متجدد معه. وفي خير متصل منه، وفي عطاء موصول من ثمره، كلما مدوا أيديهم إليه قطفوا من أدبه أدباً عالياً، ومن علمه علماً نافعاً، ومن شريعته ديناً قيماً، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش. يتناولونه بألسنة حداد، ويرمونه بسهام مسنونة، وبكيد عظيم. فما يصل إليه من كيدهم شيء).
إن العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب ن يضع أيدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على مَن يسمعه من الأثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر، فكلمات القرآن قد رحلت إلى الملأ الأعلى حيناً من الزمن، أعطاها هذا الرحيل سراً يخطف الأبصار، ويخلب الألباب، ويجعل المؤمنين به في شوق دائم لسماعه، وغير المؤمنين في عجب ودهش من أمره.
ويقول الدكتور الخطيب ـ معلقاً على كلام الإمام الخطابي عن الإعجاز التأثيري للقرآن، والذي سبق لنا ذكره، والذي أثبتنا أنه وجه إعجاز القرآن عنده ـ : (وهذا الوجه من وجوه الإعجاز هو ـ فيما ترى ـ المعجزة القائمة في القرآن أبداً، الحاضرة في كل حين، وهي التي تسع الناس جميعاً، عالمهم وجاهلهم، عربيهم وأعجميهم، إنسهم وجنهم (قل أوحى إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً).
ويعقب على قول السكاكي: (اعلم أن الإعجاز يدرك، ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن، تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. وكما يدرك طيب النغم العارض للصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذي الفطرة السليمة) ـ بقوله ـ : (وما يقول السكاكي عن إعجاز القرآن ـ هنا ـ هو مقطع القول كله في هذا الأمر، إذ ليس الإعجاز الذي رآه الناس إلا روعة تملكهم، وإلا جلالاً يحيط بهم، وما كان لكلام أن يصور حقيقة الروعة، أو يمسك مواقع الجلال، إنها معان تدرك، تستشعر، ولا توصف! ولهذا فإن الناس مع القرآن على منازل ودرجات وحظوظ... ).
كان حديث الدكتور عن الإعجاز يرتكز بصورة أساسية على ما يحدثه القرآن من أثر في النفوس، كما رأينا ذلك واضحاً في مقارنته بين أثر كلام البشر وكلمات القرآن على النفوس البشرية المؤمنة بالقرآن، والمنكرة له على سواء.
إن آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ومواقف الصحابة. بل وما في واقع الحياة البشرية في عصرنا الحالي وكل ما ذكره الدكتور تثبت وترصد مظاهر هذا الوجه من وجوه الإعجاز في حياة البشر وتؤكد اختياره له.
إن الدكتور ذهب إلى أكثر من الاختيار لوجه الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما أخذ يبين مزايا هذا الوجه دون سواه، فهذا الوجه يمتاز عن سائر وجوه الإعجاز بأنه:
أ ـ المعجزة القائمة في كل حين.
ب ـ أنها تسع الناس جميعاً عالمهم وجاهلهم.
ج ـ أنها تسعهم بكل لغاتهم، عربيهم وعجميهم.
د ـ أنها لا تقتصر على الإنس وحدهم، بل وتسع الجن أيضاً.
5 ـ الشيخ/ محمد الغزالي السقا (ت 1416هـ ) ورأيه في الإعجاز التأثيري:
في كتابه (نظرات في القرآن) يعقد الشيخ/ الغزالي فصلاً كاملاً عن الإعجاز في القرآن الكريم، ويرى فيه أن إعجاز القرآن يبرز في وجوه ثلاثة: الإعجاز النفسي، والإعجاز العلمي، والإعجاز البياني.
ويمكن أن نفهم حديث الإمام الغزالي عن الإعجاز النفسي ـ التأثيري في رأينا ـ متمثلاً في نقاط أربع:
1 ـ مكانة الإعجاز التأثيري.
2 ـ تأثير القرآن في المؤمن والكافر.
3 ـ من وسائل تأثير القرآن: تقديم الدليل المفحم على كل شبهة ـ تلوين الحديث ـ تصريف الأمثال، قهر برودة الإلف، تعرية النفوس، التغلب على مشاعر الملل.
4 ـ موانع التأثر بالقرآن.
وحديث إمامنا عن الإعجاز النفسي (التأثيري) أتى مرسلاً، دالاً على سجية مؤلفه، يحمل في طواياه هذه النقاط السابقة التي حاولت استخلاصها من حديثه العذب الذي لا غنى لباحث في إعجاز القرآن عن مطالعته والارتواء من نبعه الفياض. ونتلمس النقطة الأولى أول حديث الإمام عن الإعجاز النفسي، فبعد أن يتحدث عما يعرض له القرآن من عقائد دينية وأحكام تشريعية، وحقائق علمية يقول:

(1/245)


(قد تجد في القرآن حقيقة مفردة، ولكن هذه الحقيقة تظهر في ألف ثوب، وتتوزع تحت عناوين شتى، كما تذوق السكر في عشرات الطعوم والفواكه، وهذا التكرار مقصود، وإن لم تزد به الحقيقة العلمية في مفهومها. ذلك أن الغرض ليس تقرير الحقيقة فقط، بل بناء الأفكار والمشاعر، والتقاط مؤلفه آخر ما تختلقه اللجاجة من شبهات وتعلات، ثم الكر عليها بالحجج الدامغة، حتى تبقى النفس وليس أمامها مفر من الخضوع لمفهومها للحق والاستكانة لله. وعندي أن قدراً من إعجاز القرآن الكريم يرجع إلى هذا... ).
تلك هي مكانة الإعجاز التأثيري عند الإمام، فإن كان للقرآن الكريم وجوه إعجاز أخرى غير أنها لا تصل في قدرها وأهميتها إلى الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم في نفس الانسان. ولكن هل يتأثر كل انسان بالقرآن؟ أم يقتصر هذا التأثير على المؤمنين به؟ ويرد أمامنا على هذا التساؤل بما يؤكد مكانة الإعجاز التأثيري بين وجوه الإعجاز، وعدم اقتصاره على نفس انسانية دون أخرى، فيقول:
(فما أظن امرءاً سليم الفكر والضمير يتلو القرآن أو يستمع إليه ثم يزعم أنه لم يتأثر به. قد تقول: ولم يتأثر به؟ والجواب: إنه ما من هاجس يعرض للنفس الانسانية من ناحية الحقائق الدينية ـ إلا ويعرض له القرآن بالهداية وسداد التوجيه. ما أكثر ما يفر المرء من نفسه، وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة هائمين على وجوههم. ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب.
إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يرد الصواب إلى أولئك جميعاً، وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق، وزلة كل ذي زلل، ثم تكفل بإزاحتها كلها، كما يعرف الراعي أين تأهت خرافه. فهو يجمعها من هنا وهناك لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحد منهم.
وذلك سر التعميم في قوله عزوجل: (ولقد صرّفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) حتى الذين يكذبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله. إنهم يقضون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل، قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه، ولكنه يؤخذ فترة ما يصدق العاطفة الباكية. أو مثلما يقف الخلي أمام خطيب يهدر بالصدق، ويحدث العميان عن اليقين الذي يرى ولا يرون، إنه قد يرجع مستهزئاً، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها.
والمنكرون من هذا النوع لا يطعمون في التأثير النفساني للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة. ولذا يقول الله عزوجل: (الله نزّل أحسن الحديث)، وبذلك يكون الشيخ قد تناول النقطة الثانية التي يتأكد من خلالها إعجاز القرآن التأثيري في المؤمنين والكافرين به على سواء. وفي النقطة الثالثة يبرز الإمام في بعض أسرار التأثير القرآني في الإنسان فيقول:
(إن القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوقه في الجدل، أي بتقديم الدليل المفحم لكل شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجة)فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفراً عن تجاهل لا عن جهل، ومن تقصير لا من قصور. والجدل آفة نفسية وعقلية معاً، والنشاط الذهني للمجادل يمده حراك نفسي خفي، قلما يهدأ بسهولة. وجماهير البشر لديها من أسباب الجدل ما يفوق الحصر، ذلك أنهم يرتبطون بما ألفوا أنفسهم عليه من أديان وآراء ومذاهب ارتباطاً شديداً، ويصعب عليهم الإحساس بأنهم وآباءهم كانوا في ضلال ـ مثلاً ـ ، فإذا جاءت رسالة عامة تمزق الغشاوات عن العيون وتكشف للناس ما لم يكونوا يعرفون. فلا تستغربن ما تلقى من الإنكار والتوقف، أو التكذيب والمعارضة. وأسلوب القرآن في استلال الجفوة من النفس، إلقاء الصواب في الفكر، أوفى على الغاية في هذا المضمار. ذلك أنه لون حديثه للسامعين تلويناً يمزج بين إيقاظ العقل والضمير معاً، ثم تابع سوقه متابعة إن أفلت المرء منها أولاً لم يفلت آخراً. وذلك هو تصريف الأمثال للناس.
إنه أحاطه بسلسلة من المغريات المنوعة، لا معدى له من الركون إلى إحداها، أو معالجة القلوب المغلقة بمفاتيح شتى، لابدّ أن يستسلم القفل عنه واحد منها. وتراكيب القرآن ـ التي تنتهي حتماً بهذه النتيجة ـ تستحق التأمل الطويل. ولسنا هنا بصدد الكلام عن بلاغتها، بل بصدد البحث عن المعاني التي تألفت منها، فكان من اجتماعها هذا الأثر الساحر».
ويستكمل الشيخ/ الغزالي بيانه عن وسائل القرآن التي تسبب التأثير في النفس الإنسانية فيقول:
إن طبيعة هذا القرآن لا تلبث أن تقهر برودة الإلف، وطول المعرفة، فتتعرى أمامه النفوس، وتنسلخ من تكلفها وتصنعها، وتنزعج من ذهولها وركودها، وتجد نفسها أمام الله ـ جل شأنه ـ يحيطها ويناقشها، ويعلمها ويؤدبها، فما تستطيع أمام صوت الحق المستعلن العميق إلا أن تخشع وتصيخ ثم يقول:

(1/246)


وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكن لجاجته، تغلب على مشاعر الملل فيه، وأمده بنشاط لا ينفد. والجدل غير الملل، هذا تحرك ذهني، قد يجسد الأوهام، ويحولها إلى حقائق، وهذا موات عاطفي، قد يجمد المشاعر، فما تكاد تتأثر بأخطر الحقائق، وكثير من الناس يصلون في حياتهم العادية إلى هذه المنزلة من الركود العاطفي، فنجد لديهم بروداً غريباً بإزاء المثيرات العاصفة، لا عن ثبات وجلادة، بل عن موت قلوبهم، وشلل حواسهم.
والقرآن الكريم ـ في تحدثه للنفس الإنسانية ـ حارب هذا الملل وأقصاه عنها إقصاء، وعمل على تجديد حياتهم بين الحين والحين، حتى إنه ليمكنها أن تستقبل في كل يوم ميلاداً جديداً. (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً).
ومن وسائل القرآن التأثيرية: الترغيب والترهيب. يقول الغزالي:
(والشعور بالرغبة والرهبة والرقة تعمرك وأنت تستمع إلى قصص الأولين والآخرين تروى بلسان الحق، ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم، والمغازي والعبر، تقشعر منه الجلود).
موانع تأثر النفس البشرية بالقرآن والانفعال به:
وأخيراً فإننا نستطيع أن نلتقط من كلام الشيخ/ الغزالي بعض رؤاه العلمية العميقة التي يكشف من خلالها موانع تأثر النفوس البشرية بالقرآن والانفعال به، وهو ما أشرنا إليه سابقاً في النقطة الرابعة، يقول الغزالي فيما يؤكد هذه النقطة:
إن إلفك للشيء قد يخفي ما فيه من أسرار، ويصرفك عن اكتشافها. وكثيراً ما تتلو آيات القرآن مثلما تتصفح آلاف الوجوه في الطريق، ملامح نراها، قد تكون دميمة، قود تكون وسيمة، تمر أشكالها بالعين، فما تثبت على أحدها إلا قليلاً وفي ذهول، لأن المرء مشغول ـ بشأنه الخاص ـعن دراسة القدرة العليا في نسج هذه العيون، وغرس هذه الرؤوس، وصوغ تلك الشفاه، وإحكام ما تنفرج عنه من سنان، وما تؤدي إليه من أجهزة دوارة، لا تقف لحظة، إننا نقرأ القرآن فيحجبنا ـ ابتداء ـ عن رؤية إعجازه: أنه كلام من جنس ما نعرف، وحروف من جنس ما ننطق، فنمضي في القراءة دون حس كامل بالحقيقة.
فالشيخ/ الغزالي قد جعل وجه الإعجاز النفسي (التأثيري عندنا) مقدماً على وجوه الإعجاز جميعاً، وعلى وجه الإعجاز البياني الذي كان يتصدر وجوه الإعجاز عند السابقين غالباً، وقد عرضت من كلام الغزالي نفسه ما يربط بين الوجهين رباطاً وثيقاً، بل ويجعل الإعجاز البياني ـ في رأيي ـ هو المقدمة للإعجاز التأثيري، لكن اهتمام الغزالي بالإعجاز التأثيري جعله يضعه في هذه المكانة، يقدمه بها على سواه.
المصدر:* مجلة الشريعة والدراسات الاسلامية /العدد 36/1998
============
النظم القرآني ... جزالته وتناسقه
بقلم الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم
ويقصد بنظم القرآن طريقة تأليف حروفه، وكلماته، وجمله، وسبكها مع أخواتها في قالب محكم، ثم طريقة استعمال هذه التراكيب في الأغراض مع أخواتها في قالب محكم، ثم طريقة استعمال هذه التراكيب في الأغراض التي يتكلم عنها، للدلالة على المعاني بأوضح عبارة في أعذب سياق وأجمل نظم.
والفرق بين الأسلوب والنظم:
أن دائرة الأسلوب أوسع وأشمل ولا يدرك الأسلوب بالجملة الواحدة، بينما النظم يمكن إدراكه في الجملة الواحدة بل وحتى في الكلمة الواحدة.
إن المتأمل في حروف القرآن الكريم وكلماته لا يجد فيها شيئاً خارجاً عن المألوف المتداول في لغة العرب قديماً وحديثاً، ولكن عندما نتلو آيات الله نشعر أن للعبارة القرآنية كياناً خاصاً بني عليه تراكيبه ورسم معالم صورة نظمه الفريد على هذا الكيان الفريد.
فالكلام كما عهدته العرب شعر ونثر وما هو بين الشعر والنثر وهو السجع، ولو كان للإنسان عربي أن يتكلم أو يكتب أو يعلم أو يشرع أو يلفظ لما خرج في نظم كلامه أو تأليفه عن أخذ هذه الأنواع المعهودة عند ولكن القرآن جاء في ثوب غير تلك الأثواب وفي صورة غير تلك الصور، جاء نسيج وحده، وصورة ذاته، فلا هو شعور ولا هو نثر ولا هو سجع، وإنما هو قرآن، فالآية في النظم القرآني وهي ليست بيت شعر في سورة ، ولكن آية مقطع تنتهي به هو الفاصلة، وليست هذه الفاصلة قافية شعر ولا حرف سجع وإنما هي شاهد قرآني لا يوجد إلا فيه، ولا يعتدل في كلامه غيره.
إن النظم القرآن البديع بهر العرب بحسن مبادئ الآي والمقاطع وتماسك الكلمات واتساقها في التراكيب، وقد تأمّلوه آيةً آيةً وعُشراً عُشراً وسورةٌ سورة فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة يُنكر شأنها أو يُرى غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى، بل وجدوا اتساقاً بهر العقول وأعجز أهل الحكم والبلاغات، ونظاماً والتئاماً وإتقاناً وإحكاماً بهر العقول وأعجز أهل الحكم والبلاغات، ونظاماً والتئاماً وإتقاناً وإحكاماً لم يدع في نفس واحد منهم موضع طمع حتى خرست الألسن أن تدّعي وتتقوّل.

(1/247)


وأقروا في قرارة أنفسهم أن هذا ليس من قول البشر وإن أنكروا ذلك بألسنتهم. ومجئ النظم القرآني على هذا الشكل من الإتقان والإحكام إنما يعود ـ كما يقول ابن عطية ـ إلى أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً وأحاط بالكلام كله علماً إذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطة أي لفظة تصلح أن تبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم ضرورةً أن بشراً لم يكن قط محيطاً. فلهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة.
ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ثم لا يزال ينقحها حولاً كاملاً ثم تُعطى لأحد نظيره فيأخذها بقريحة خاصة فيبذل فيها وينقّح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل. وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذٍ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام.
وفيما يلي بعض مزايا النظم القرآني وأمثلة عليها:
التناسق بين العبارة والموضوع الذي يُراد تقريره:
إن الذي يتمعن النظر في النظم القرآني يلاحظ التناسق الكامل والتآلف التام بين العبارة القرآنية والمعنى الذي يُراد بيانه، وتوضيحه، فالألفاظ في النظم يُلائم بعضها بعضاً وهي كلها متوجهة إلى الغرض المنشود بحيث إذا كان المعنى غريباً كانت ألفاظه غريبة وإذا كان المعنى معروفاً مستحدثاً كانت الألفاظ تناسبها.
يقول بديع الزمان: فالكلام إذا حذا حذو الواقع وطابق نظمه نظامه حاز الجزالة بحذافيرها. ويكون ذا قوة وقدرة إذا كان أجزاؤه مصداقاً لما قيل:
عبارتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير
بأن تتجاوب قيودات الكلام ونظمه وهيئته ويمدّ كل بقدره الغرض الكلي مع ثمراته الخصوصية.
وفي الأمثلة التالية نلقي أضواء على هذا الجانب:
أ لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يصف حالة يعقوب عليه السلام وهو يتأسف على يوسف عليه السلام، وكانت هذه الحالة غريبة في نظر أبنائه لأنهم لم يسدوا مكان يوسف، عبر عن هذه الحالة بكلمات غريبة كلها، فقال سبحانه وتعالى على لسانهم : (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)[سورة يوسف:85].
حيث أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن التاء أقل استعمالاً وأبعد عن أفهام العامة، والباء والواو أعرف عند الكافة وهي أكثر دوراناً على الألسنة وأكثر استعمالاً في الكلام، ثم أتى الله سبحانه وتعالى بأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار بالنسبة إلى أخواتها فإنّ (كان) وما قاربها أعرف عند الكافة من تفتأ.
وهم لـ (كان) وما قاربها أكثر استعمالاً منها وكذلك منها وكذلك لفظ (حرضاً) أغرب من جميع أخواتها من ألفاظ الهلاك فاقتضى حسن الوضع في النظم أن تجاوز كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة أو الاستعمال توخياً لحسن الجوار ورغبة في ائتلاف المعاني بالألفاظ ولتتعادل الألفاظ في الوضع وتتناسب في النظم.
ب. وفي هذا الباب قوله تعالى : (وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)[الأنبياء : 46]، في سياق بيان الضعف البشري أمام جبروت الخالق تبارك وتعالى فأراد بيان ضعفهم أمام العذاب الخفيف القليل فأتى ب (إن) التي تفيد التشكيك في وقوعه، وأتى بكلمة (المسّ) بدل الإصابة أو الحرق فهو دونها في المرتبة ودون الدخول، وكذلك كلمة (نفحة) مع تنوينها المشعر بضعف العذاب وحقارته و(من) المفيدة للبعضية فلم يأتهم كل العذاب وإنما هي نفحة عابرة يسيرة من جزء صغير من العذاب، ثم العذاب لم يُضف إلى اسم دال على القهر والجبروت بل أضيف إلى أرق اسم دال على الشفقة وهو (رب) ثم أضيف الرب إلى مقرّب محبوب وهو ضمير خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن الكلمات كلها مسوقة إلى هدف واحد وهو وصف هذا العذاب بالقلة والضآلة والحقارة ليبيّن بالتالي أن المذنبين يندمون ويتأسفون على ما عملوا عند تعرضهم لنفحةٍ بسيطة من عذاب الله (وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ).
وهكذا لو ذهبنا نستعرض الآيات القرآنية في موضوع من الموضوعات المذكورة فيه نجد هذا التناسق وهذا الانسجام بين المعاني والألفاظ المختارة لأدائها فلا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد، بل الألفاظ تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها، كما أن الألفاظ عربيّة مستعملة جارية على قوانين اللغة سليمة عن التنافر بعيدة عن البشاعة عذبة سلسة كالماء في السلاسة والعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة.
ومن مزايا النظم القرآني اهتمامه بالجملة القرآنية واختيار المكان المناسب فيها للكلمة المعبرة:

(1/248)


بالإضافة إلى ما ذكرنا سابقاً عن التناسق بين العبارة والمعنى الذي يراد توضيحه فإن هنالك نوعاً من التناسق الرائع بين الكلمات في الجملة الواحدة وبين الحروف في الكلمة الواحدة.
فنظرة إلى تلك الحروف تبرز تناسبها لبعضها تناسباً طبيعياً في الهمس والجهر والشدة واللين والتفخيم والترقيق مما يشكل أنغاماً متناسقة متناسبة.
وهذه الخاصية تعود بلا شك إلى طريقة اختيارها وسبكها وتناسب مخارجها. كما أن وضع الكلمة في الآية واختيار موقعها والتئامها مع جارتها له الأثر الكبير في إعطاء هذا الجرس الخاص والإيقاع المؤثر في نفس السامع.
ولا يقتصر وضع الكلمة في الآية على تأثيره في اللحن والنغم وإنما لهذا الموقع والوضع المناسب تأثير على المعنى وإبرازه، لذا نجد أن كثيراً من الباحثين اقتصروا على إبراز هذه الناحية دون الإشارة إلى ناحية اللحن والإيقاع.
والحقيقة أن الكلمات القرآنية لها دور وضرورة في السياق للدلالة على المعنى، كما أن لها دوراً في تناسب الإيقاع دون أن يطغى هذا على ذاك أو يخضع النظم لأحد الأمرين.
وفي الأمثلة التالية نرى اهتمام النظم القرآني في اختيار الكلمة المناسبة ذات الجرس المعين لأداء وظيفتها في الإيقاع كما أنها تؤدي في نفس الوقت دورها في تصوير المعنى وتشخيصه وإيضاحه على أتم صورة.
أ اختير كلمة (حرث) لتشبيه النساء به دون الأرض أو الحقل أو الزرع وغيرها من المترادفات وذلك في قوله تعالى: (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)[سورة البقرة:223].
ولعل أختيار هذه اللفظة دون سواها لما فيها من لطف الكناية في ذلك التشابه بين صلة الزارع بحرثه وصلة الزوج بزوجه في هذا المجال الخاص، وبين ذلك النبت الذي يخرجه الحرث وذلك النبت الذي تخرجه الزوج وما في كليهما من تكثير وعمران وفلاح.
بينما هذه اللطائف لا تستفاد من كلمة (الأرض) إذ قد تكون جدباء لا تصلح لحراثة الزرع وكذلك الحقل فإنه لا يدل على عمل المالك فيه بل تدل الكلمة على شيء جاهز لا دخل فيه لبذر الحارث.
بذلك نلاحظ أن القرآن الكريم يتناول من الكلمات المترادفة أدقها دلالة على المعنى وأتمها تصويراً وتشخيصاً للصورة وأجملها وأحلاها إيقاعاً ووزناً بالنسبة إلى نظائرها.
ب ومن هذا القبيل كلمة (أغطش) في قوله تعالى:( وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا)[النازعات: 29].
فهي مساوية من حيث الدلالة اللغوية لأظلم، ولكن (أغطش) تمتاز بدلالة أخرى من وراء اللغة فالكلمة تعبر عن ظلام انتشر فيه الصمت وعمّ الركود وبدت في أنحائه مظاهر الوحشة. ولا يفيد هذا المعنى كلمة (أظلم) إذ تعبر عن السواد الحالك ليس غير.
وحينما يصف القرآن الكريم دعوة امرأة العزيز للنسوة ـ اللاتي تحدثن منتقدات عن مراودتها يوسف عن نفسه ـ إلى جلسة لطيفة في بيتها لتطلعهن فيها على يوسف وجماله فيعذرنها فيما أقدمت عليه، لقد قدمت لهن في ذلك المجلس طعاماً ولا شك. ولقد أوضح القرآن هذا، ولكنه لم يعبر عن ذلك بالطعام فهذه الكلمة إنما تصور شهرة الجوع وتنقل بالفكر إلى المطبخ بكل ما فيه من ألوان الطعام وروائحه وأسبابه، ولكن بماذا يعبّر إذن؟ وأين في اللغة الكلمة التي تؤدي معنى الطعام ولا تمس الصورة بأي تعكير أو تشويه ؟ لقد أبدع القرآن لذلك تعبيراً عجيباً رائعاً حيث قال: (لَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً)[سورة يوسف:31].
كَرِيمٌ(متكأ) كلمة تصور من الطعام ذلك النوع الذي إنما يقدّم تفكهاً وتبسطاً وتجميلاً للمجلس وتوفيراً لأسباب المتعة فيه، حتى إن الشأن فيه أن يكون الإقبال عليه في حالة من الراحة والأتكاء. ولعلها أدركت بغريزتها النسائية ما سيؤول إليه أمرهن فاختارت هذا المتكأ مما يحتاج فيه إلى سكين (وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا ).
وأحياناً يكون الاختيار للكلمة في مكان دون أماكن ويستبدل به غيرها لسرّ لطيف بالرغم من كون الموضوع واحداً، لكن الكلمة المختارة تعطي مدلولاً خاصاً لا يوفيه حقه إلا استعمال الكلمة القرآنية المختارة.
فمثلاً: جاءت الملائكة بالبشرى لزكريا عليه إسلام بيحيى، وأيضاً جاءت البشرى للسيدة مريم العذراء بالمسيح عليه السلام. لكن وضع المبشرين مختلف، وتلقّى الخبر منهما يكون له رد فعل يغاير ما في نفس الآخر، واستغراب كلّ منهما يكون لجانب أشد التصاقاً بحالة ووضعه. قال زكريا عليه السلام عندما جاءته البشرى(قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ)[سورة آل عمران:40] وقالت مريم عليها السلام عندما جاءتها البشرى (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)[سورة آل عمران:47].
ورد في كلام زكريا عليه السلام لفظ الغلام وهو الموافق والمطابق لحاله لأنه رجل متزوج ومن شأن المتزوجين كما هي العادة أن يولد لهم، ولكن الغريب في الأمر والمعجزة أن يولد له في هذه السن المتأخرة من حياته وامرأته عاقر فكانت التي تؤدي الغرض ووجه الاستغراب هي كلمة (غلام).

(1/249)


أما مريم عليها السلام فالتعجب في جانب آخر إذ أنها عذراء ولم يمسسها بشر ولم تك بغياً، فالغرابة والمعجزة أن تلد وهي عذراء فكانت الكلمة المعبرة التي تؤدي المعنى بدقة وتوضح وجه الاستغراب لها هي كلمة (ولد) . فسبحان الذي أحاط علمه بسر اللغة ومكنوناتها (أَلَا
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
ت ومن هذا القبيل استعمال كلمة (قرية) تارة واستعمال كلمة (المدينة) في موضع آخر في سورة الكهف.
فعندما كان الحديث عن بخل ولؤم السكان جاء التعبير بكلمة (أهل قرية) لأن مادة (قرى) تدل على الجمع ومن مستلزماته الإمساك والبخل، بينما عندما جاء الحديث عن الغلامين والخوف من ضياع كنزهما جاء التعبير بـ (المدينة) لأن زحمة المدينة وكثرة الوجوه الغريبة فيها أليق بإضاعة المساكن والضعفاء، كما أن التحايل والغبن يكثر في المدن أكثر منها في القرى. وكل ذلك تجده في قوله تعالى : (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا
أَن يُضَيِّفُوهُمَا.... وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ...)[سورة الكهف:77ـ 82].
ث وفي قصة يوسف عليه السلام استعمل التعبير القرآني كلمة (فأكله الذئب) ولم يستعمل افترسه الذئب، علماً أن الشائع في الاستعمال إطلاق كلمة الافتراس على مثل هذا النوع، وذلك للطيفة دقيقة وهي أن الافتراس من فعل السبع معناه القتل فحسب، وأصل الفرس: دق العنق، والقوم إنما ادّعوا على الذئب أنه أكله أكلاً، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه فلم يترك مفصلاً ولا عظماً. وذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم إيّاهم بأثر باقٍ منه يشهد بصحة ما ذكروه فادّعوا فيه الأكل ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة، والفرس لا يعطي تمام هذا المعنى فلم يصلح على هذا أن يعبّر عنه إلا بأكل.
وبالإضافة إلى اختيار الكلمة المناسبة لأداء المعنى المعيّن فإن النظم القرآني يهتم بالإيقاع والانسجام في اللفظ والنغم:
فيؤتى بالكلمة وتوضع في مكان معيّن من العبارة بحيث لو تغيّر وضعها تقديماً أو تأخيراً أو حذفاً لاختل ذاك اللفظي وذاك الوزن الخاص.
ففي قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى {19} وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى..([سورة النجم: 19ـ 20].
لو حذفت كلمة (الأخرى) لاختلت الفاصلة ولتأثر الإيقاع، ولو قيل أفرأيتم اللات والعزى ومناة الأخرى بحذف كلمة (الثالثة) لاختل الوزن أيضاً.
وكذلك قوله تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى {21} تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى )[سورة النجم].
فلو قيل ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ضيزى، بحذف كلمة (إذن) لاختل الإيقاع المستقيم بكلمة (إذن). فكأن هذه الكلمات والحروف موزونة بميزان شديد الحساسية تميله أخف الحركات والاهتزازات.
ومن هنا يبدو لنا بجلاء سبب إطلاق العرب الأوائل في بداية نزول الوحي اسم الشعر على القرآن الكريم، لأنهم لم يعهدوا هذه الحساسية وهذا الوزن وهذا النغم إلا في الشعر. ولكنهم عندما قاسوه على أوزان الشعر المعهودة لديهم، وجدوا القرآن الكريم ـ بالرغم من اشتماله على روعة الشعر وإيقاعه وحساسيّته وتآلف كلماته واستخدامه التصوير البارع في التعبير، والمنطق الساحر في الإقناع ـ لم يتقيد بقيود الشعر الكثيرة من قافية موحدة وتفعيلة تامة. لذا وجدوا أن القرآن الكريم ملك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة كما أنه بفواصله الخاصة به قد أوجد الإيقاع الخاص به فلم يملك قائلهم إلا أن يقول: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسلفه لمُغدق، وإن أعلاه لمُثْمر، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته.
المصدر:كتاب مباحث في إعجاز القرآن تأليف الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم من ص: 133 إلى ص : 142 طبعة دار القلم.
==============
الأسلوب القرآني الفريد
بقلم أ.د.مصطفى مُسلم
ويطلق الأسلوب في اللغة على الطريق الممتد، ويقال للسطر من النخيل أسلوب، والأسلوب الطريق والوجه والمذهب، والأسلوب الفن، يقال: أخذ فلان في أساليب من القول، أي أفانين منه.
وفي اصطلاح البلاغيين:هو طريقة اختيار الألفاظ وتأليفها للتعبير بها عن المعاني قصد الإيضاح والتأثير، أو هو العبارات اللفظية المنسّقة لأداء المعاني.
فالأسلوب القرآني:هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه[1]، ولقد تواضع العلماء قديماً وحديثاً على أن للقرآن أسلوباً خاصاً به مغايراً لأساليب العرب في الكتابة والخطابة والتأليف.
وكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، روى مسلم في صحيحه [2] (أن أُنَيساً أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيتُ رجلاً بمكة على دينك، يزعُمُ أن الله أرسله، قلتُ: فما يقول الناس، قال : يقولون شاعر، كاهن، ساحر ـ وكان أنيس أحد الشعراء ـ قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون).

(1/250)


ولقد أبرز العلماء ميزات للأسلوب القرآني اختص بها من بين سائر الكلام، فمن هذه الميزات:
أولاً: المرونة والمطاوعة في التأويل:
نجد في الأسلوب القرآني مرونة في التأويل ومطاوعة على التقليب بحيث لا يدانيه أسلوب من الأساليب، وهذه المرونة في التأويل لا تحتمل الآراء المتصادمة أو المتناقضة وإنما مرونة تجعله واسع الدلالة سعة المورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريّانة راضية.
فالأسلوب القرآني يشفي قلوب العامة ويكفي الخاصة، فظاهره القريب يهدي الجماهير وسواد الناس ويملأ فراغ نفوسهم بالترغيب والترهيب والجمال الأخاذ في تعابيره ومشاهده، وباطنه العميق يشبع نهم الفلاسفة إلى مزيد من الحكمة والفكرة، يحل العقد الكبرى عندهم من مبدأ الكون ومنتهاه ونظامه ودقة صنعه وإبداعه.
وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرناً قد عراها كثير من التغير والتلوين اللفظي والذهني، ومع ذلك فإن القرآن بقي خالداً بأسلوبه المتميّز وبخصائصه الفريدة يتجدّد مع العصور وظل رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن الأسلوب القرآني لم يستغلق فهمه على العرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ولم يكن لهم إلا الفطرة السليمة الذوّاقة للجمال، وفهمه وتفاعل معه من جاء بعد ذلك من أهل العلوم والأفكار، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل، وقد أثبتت العلوم الحديثة المتطورة كثيراً من حقائقه التي كانت مخفيّة عن السابقين، وفي علم الله ما يكون من بعد.
والمعهود من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه بل كلما كان نصاً في معناه كان أدنى إلى البلاغة، وكيفما قلبته رأيته وجهاً واحداً وصفةً واحدة لأن الفصاحة لا تكون في الكلام إلا إبانة، وهذه لا تفصح إلا بالمعنى المتعين، وهذا المعنى محصور في غرضه الباعث عليه.
لقد فهم علماء السلف رضوان الله عليهم الآيات الكريمة : (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ {3} بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ)[سورة القيامة:3]،(والأرض بعد ذلك دحاها)[النازعات:30]، غير ما فهمه العلماء المتأخرين بعد تطور العلوم الطبية والفلكية ولم يبعد عن الصواب من قال: (الزمن خير مفسر للقرآن). وما ذاك إلا لأن القرآن كتاب الإنسانية الخالدة الذي لا يستطيع جيل من الأجيال استفراغ ما فيه من كنوز العلوم والحكم والحقائق.
ثانياً: اعتماد الأسلوب القرآني الطريقة التصويرية في التعبير:
من السمات البارزة للأسلوب القرآني هو اعتماده الطريقة التصويرية للتعبير عن المعاني والأفكار التي يريد إيضاحها، وساء كانت معاني ذهنية مجردة، أو قصصاً غابرة، أو مشاهد ليوم القيامة وغيرها من المجالات.
إن الأسلوب القرآني يحمل تاليه إلى أجواء الصور وكأنه ينظر في تفصيلات الصورة المجسّمة أمامه، وكأن المشهد يجري أمامه حيّاً متحرّكاً، ولا شكل أن الفكرة أو المعنى الذي يراد إيضاحه يكون أقرب إلى الفهم وأوضح في الذهن مما لو نقل المعنى مجرّداً من تلك الصور الحية، ويكفي لبيان هذه الميزة أن نتصور هذه المعاني كلها في صورها التجريدية ثم نقارنها بالصورة التي وضعها فيها القرآن الكريم، فمثلاً:
أ معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان: إذا أردنا أن نتصور هذا المعنى مجرّداً في الذهن يمكن أن نقول: إنهم ينفردن أشد النفرة من دعوة الإيمان فيتملّى الذهن وحده معنى النفور في برودة وسكون، ولنمعن النظر في الأسلوب القرآني وهو يصوّر لنا هذا المعنى في هذه الصور الغريبة (فما لهم عن التذكرة معرضون* كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة )[المدثر:49ـ 51].
فتشترك مع الذهن حاسة النظر وملكة الخيال وانفعال السخرية وشعور الجمال: السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الإيمان، والجمال الذي يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاّها الخيال في إطار من الطبيعة تشرد فيه الحمر تيبعها قسورة، فالتعبير هنا يحرك مشاعر القارئ وتنفعل نفسه مع الصورة التي نُقلت إليه وفي ثناياها الاستهزاء بالمعرضين.
لقد شبه الله تعالى فرار الكافرين عن تذكرة النبي صلى الله عليه وسلم كفرار حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدُعون إلى الإيمان، أنظر أخي إلى جمالية هذا التشبيه الرائع الذي لا يصدر إلا عن إله عالم بخبايا النفس الإنسانية طبعاً هذا التشبيه له عدة مدلولات منها شدة فرارهم من النبي، وسخرية من سلوكم الغير مبرر
ب ومعنى عجز الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله ! يمكن أن يؤدي في عدة تعبيرات ذهنية مجردّة، كأن، يقول إن ما تعبدون من دون الله لأعجز عن خلق أحقر الأشياء فيصل المعنى إلى الذهن مجرَّداً باهتاً.
ولكن التعبير التصويري يؤديه في هذه الصورة: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)[الحج: 73].

(1/251)


فيشخص هذا المعنى ويبرز في تلك الصور المتحركة المتعاقبة:
(لن يخلقوا ذُباباً)درجة (ولو اجتمعوا له) وهذه أخرى، (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) وهذه ثالثة، والاقتران بين الطالب والمطلوب(ضعف الطالب والمطلوب)وهي الرابعة.
إن الضعف المزري الذي يثير في النفس السخرية اللاذعة والاحتقار المهين، ولكن أهذه مبالغة؟ وهل البلاغة فيها هي الغلو؟
كلا فهذه حقيقة واقعة بسيطة. إن هؤلاء الآلهة (لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له).
والذباب صغير حقير ولكن الإعجاز في خلقه هو الإعجاز في خلق الجمل والفيل، إنها معجزة الحياة يستوي فيها الجسيم والهزيل.
فليست المعجزات هي خلق الهائل من الأحياء إنما هي خلق الخلية الحية كالهباء. والصورة الفنية هنا هي الربط بين قدسية الآلهة المزعومة حيث وُضعت في أذهان معتنقيها في أقدس صورة والربط بينها وبين مخلوق حقير. ولم يكتف بهذا الربط بل حشد لهذا المخلوق جموعأً ضخمة فعجزوا عن خلقه، ثم في الصورة التي تنطبع في الذهن من طيرانهم خلف الذباب لاستنقاذ ما يسلبه، وفشلهم مع اتباعهم عن هذا الاستنقاذ.
ت ومعنى انتهاء الكون ثم محاسبة الناس على أعمالهم ودخول المحسنينالجنة والمسيئين النار، ولذة أهل النعيم والترحيب بهم وشقاء أهل العذاب وتبكيتهم: كل ذلك يمكن أن يفهمها الإنسان مجردة وهي حقائق لم تقع بعد. فالتعبير عنها بكلمات مجردة تنقل الفكرة إلى الذهن باهتة.ولكن التعبير القرآني وضع لنا هذه الحقائق في إطار زاهٍ حافل بالحركة وكأن المرء ـ حين يقرؤها ـ يعيش أجوائها، وتنقبض النفس لمشاهدة الأهوال وتخضع لقوة الجبار وتتشوّق لمرافقة السعداء.
فهذا مشهد يوم القيامة قال تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {67} وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ {68} وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ {69} وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ {70} وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ {71} قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ {72} وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73} وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ {74} وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {75} [سورة الزمر:66ـ75].
إنه مشهد رائع حافل، يبدأ متحركاً ثم يسير وئيداً حتى تهدأ كل حركة ويسكن كل شيء ويخيّم على الساحة جلال الصمت ورهبة الخشوع.
ويبدأ المشهد بالأرض جميعاً في قبضة ذي الجلال، وها هي السماوات جميعاً مطوّيات بيمينه.
إنها صورة يرتجف لها الحسّ ويعجز عن تصويرها الخيال، ثم ها هي ذي الصيحة الأولى تنبعث، فيصعق من يكون باقياً على ظهرها من الأحياء. ولا نعلم كم مضى من الوقت حتى انبعثت الصيحة الثانية (فإذا هم قيام ينظرون). و يغير ضجيج وعجيج، تجتمع الخلائق. فعرض ربك هنا تحف به الملائكة فما يليق الصخب في مثل هذا المقام.
(أشرقت الأرض بنور ربها) أرض الساحة التي يتم فيها الاستعراض، أشرقت بالنور الهادئ (بنور ربها) فإذا هي تكاد تشفّ من الإشراق، (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء)، وطوي كل خصام وجدال في هذا المشهد خاصة (وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ).
فلا حاجة إلى كلمة واحدة تقال ولا إلى صوت واحد يرتفع.
وهكذا تجمل هنا عملية الحساب والجزاء، لأن المقام مقام روعة وجلال.

(1/252)


وإذا تم الحساب وعرف المصير وجّه كل فريق إلى مأواه(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) حتى إذا وصلوا إليها بعيداً هناك استقبلتهم حزنتها بتسجيل استحقاقهم لها وتذكيرهم بما جاء بهم إليها (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) فالموقف موقف إذعان واعتراف وتسليم (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى).
وكذلك وجه الذين اتقوا ربهم إلى الجنة حتى إذا وصلوا هناك استقبلهم خزنتها بالسلام والثناء (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) وارتفعت أصوات أهل الجنة بالحمد والدعاء: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ).
ثم يختم الشريط المصور بما يلقي في النفس روعة ورهبة وجلالاً تتسق مع المشهد كله وتختمه خير ختام(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
ثالثاً: طريقة الأسلوب القرآني المتميزة في المُحاجة والاستدلال:
لقد أورد القرآن الكريم من أفانين القول في سياق محاجّة الكفار وتصحيح زيغ المحرّفين والوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه ما يخرج عن طوق البشر الإحاطة بمثل هذه الأساليب في أوقات متقاربة أو متباعدة، فالنفس الإنسانية لا تستطيع التحول في لحظات عابرة في جميع الاتجاهات بل تتأثر بحالة معينة.
ولا تستطيع التحول عنها إلى أتجاه معاكس إلا ضمن بيئة ملائمة.
أما الأسلوب القرآني فيلاحظ فيه الانتقال في شتى الاتجاهات في لحظات متقاربة متتالية، وأحياناً تكون مترادفة. فمن مشرّع حكيم يقر الدساتير والأنظمة في تؤدة وأناة ورويّة، إلى وعيد وتهديد لمن يرغب عن التشريعات ويريه سوء المصير، إلى غافر يقبل توبة العبد إذا تاب وأناب، إلى معلم يعلم كيفية الالتجاء إلى الخالق سبحانه وتعالى بأدعية لا تخطر على البال، إلى مقر لحقائق الكون الكبرى، ومن مرئيات الناس ومألوفاتهم والتدرج بهم إلى أسرار سنن الله في الكون
لنتأمل قوله تعالى : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {67} لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {68} فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الأنفال:67 ـ 69].
هاتان الآيتان نزلتا بعد إطلاق أسرى بدر وقبول الفداء منهم . وقد بدأتا بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمتا بإقرارها وتطييب النفوس بها بل صارت هذه السابقة التي وقع التأنيب عليها هي القاعدة لما جاء بعدها.
فهل الحال النفسية التي يصدر عنها أول هذا الكلام ـ لو كان عن النفس مصدره ـ يمكن أن يصدر عنها آخره ولمّا تمض بينهما فترة تفصل بين زمجرة الغضب وبين ابتسامة الرضى والاستحسان ؟ إن هذين الخاطرين لو فرض صدورهما عن النفس متعاقبين لكان الثاني منهما إضراباً عن الأول ماحياً له ولرجع آخر الفكر وفقاً لما جرى به العمل.
فأي داعٍ دعا إلى تصوير ذلك الخاطر المحمود وتسجيله على ما فيه من تقريع علني وتغيص لهذه الطعمة التي يراد جعلها حلالاً طيبة ؟
إن الذي يفهمه علماء النفس من قراءة هذا النص أن ها هنا شخصيتين منفصلتين وان هذا صوت سيد يقول لعبده: لقد أخطأت ولكني عفوت عنك وأذنت لك[3].

(1/253)


ومن الأمور المميزة للأسلوب القرآني طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها وهي ذات حقيقة ضخمة تتناسب والموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه . تامل في قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ {57} أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ {58} أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ {59} نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ {60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ {61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ {62} أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ {64} لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ {65} إِنَّا لَمُغْرَمُونَ {66} بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ {67} أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ {68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ {69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ {70} أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ {71} أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ {72} نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ{73} فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)[الواقعة: 57ـ74].
ومثل هذه الإشارات ترد كثيراً في القرآن الكريم لتجعل من مألوفات البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، يقرر بها عقيدة ضخمة شاملة وتصوراً كاملاً لهذا الوجود كما يجعل منها منهجاً للنظر والتفكير وحياة للأرواح والقلوب ويقظة في المشاعر والحواس.
إن هذه الظواهر هي حقائق ضخمة ولكن الإلف والعادة بلّدت حواس الناس فلا تشعر بدلالاتها.
إن الأنفس من صنع الله، وما حول الناس من ظواهر الكون من إبداع قدرته، والمعجزة كامنة في كل ما تبدعه يده، وهذا القرآن قرآنه. ومن ثمّ يأخذهم إلى هذه المعجزات الكامنة فيهم والمبثوثة في الكون من حولهم، يأخذهم إلى هذه الخوارق المألوفة لديهم التي يرونها ولا يحسون حقيقة الإعجاز فيها لأنهم غافلون عن مواضيع الإعجاز فيها.
يمسهم الأسلوب القرآني بهذه اللفتات الاستفهامية المتتالية ليفتح عيونهم على السر الهائل المكنون، سرّ القدرة العظيمة وسرّ الوحدانية المفردة ليثير في فطرتهم الإقرار الأول في عالم الذر .. (ألست بربكم )[الأعراف: 172].
إن طريقة القرآن الكريم في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره إنها المصدر الذي صدر منه الكون، فطريقة بنائه هي طريق بناء الكون من أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال وأضخم الخلائق.
والقرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني، المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان : النسل، الزرع، الماء، النار، الموت.
وأي إنسان علي ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي إنسان مهما كان بدائياً لم يشهد نشأة جنينية ونشأ حياة نباتية ومسقط ماء وموقد نار ولحظة وفاة؟
إن انفراد الأسلوب القرآني بهذه الميزات لهو دليل مصدره الإلهي فما الأسلوب إلا صورة فكرية عن صاحبه.
فالحذّاق من الكتّاب عندما يقرأون قطعة نثرية أو قصيدة شعرية لكاتب ما يدركون بملكتهم الأدبيّة وحسّهم المرهف الحالة النفسية التي كان عليها الكاتب عند الكتابة بل يذهبون إلى أكثر من هذا، إلى ما وراء السطور فيستنبطون كثيراً من أوصافه النفسية والخلقية فيحكمون عليه أنه عاطفي المزاج أو قوي النفس أو صاحب عقل ودراية أو حقود أو منافق أو غير ذلك من الأمور الخاصة.
ولا شكل أن هذا إدراك شيء أعظم وأرقى من العلوم الظاهرة والتي تقف بأصحابها عند جودة الأسلوب ومتانته وقوة السبك ورصانته، فإذا كان الأدباء وأهل البلاغة يدركون هذه الحقائق بعد العلوم الاكتسابية التي تعلّموها ومارسوها فإن العربي الذوّاقة مواطن الجمال في الكلام، لا شك أنه كان من أعرف الناس بما وراء الألفاظ والكلمات وكان يدرك بنظرته السليمة وسليقته الصافية حقيقة الذات التي وراء الأسلوب.
إن العربي الذواقة لجمال القول أدرك أسلوب القرآن المتميز وعرف أن سبب هذا التميز هو أن القرآن من مصدر غير مصادر كلام البشر ومن ذات غير مخلوقة لذا تميز الأسلوب عن أساليب المخلوق، فما دامت قوة الخلق والإبداع من العدم ليس في مقدور البشر بل وكل المخلوقات فلن يستطيع أحد منهم إيجاد أسلوب يشبه أو يقارب الأسلوب القرآني.
ولعل هذا الإدراك هو الذي منع العقلاء وأهل الفصاحة واللسن من سائر العرب من محاكاة القرآن. ومن تعرّض لمحاكاته صار أضحوكة بين الناس لأنه حاول أن يخرج عن طبيعته وذاته ونفسيته إلى محاكاة الذات الإلهية. أورد الإمام ابن كثير في تفسيره قال : (.. سألت الصدّيق بعض أصحاب مسيلمة الكذاب بعد أن رجعوا إلى دين الله أن يقرأوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة.

(1/254)


فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرأوا عليهم شيئاً منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرأوا عليه قوله : (والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً والخابزات خبزاً واللاقمات لقماً إهالة وسمناً، إن قريشاً قوم يعتدون)، وقوله : (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين) إلى غير ذلك من هذياناته، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ويحكم أين كان يذهب بعقولكم ؟ والله إن هذا لم يخرج من إل ـ أي إله)[4]
لقد أدرك الصدّيق رضي الله عنه بحسه المرهف وذوقه السليم النفسية التي خرجت منها العبارات والتراكيب وطريقة صياغتها والصبغة الخاصة بنفسية قائلها، إنها طبيعة بشرية وليست صادرة عن الخالق سبحانه وتعالى.
فإن الفرق بين القرآن العظيم وكلام البشر كالفرق بين الخالق سبحانه وتعالى وبين المخلوق.
المصدر :كتاب مباحث في إعجاز القرآن بقلم أ.د . مصطفى مسلم 143 ـ154
[1] " مناهل العرفان " للزرقاني 2/199
[2] صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة 7/153
[3] انظر هذا وغيره من الأمثلة في كتاب " النبأ العظيم " للدكتور محمد عبد الله دراز ص 19
[4] انظر تفسير ابن كثير 2/411.
==============
جملة وجوه إعجاز القرآن
نقلا عن كتاب إعجاز القرآن للإمام الباقلاني
ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه من الإعجاز[1]:
أحدها :يتضمن الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر ولا سبيل لهم إليه. فمن ذلك ما وعد الله تعالى نبيه عليه السلام، أنه سيظهر دينه على الأديان، يقوله عز وجل :( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)[سورة التوبة].وكان أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، إذا أغزى جيوشه عرَّفهم ما وعدهم الله، من إظهار دينه، ليثقوا بالنصر ويستيقنوا بالنجاح.
وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يفعل كذلك في أيامه، حتى وقف أصحاب جيوشه عليه، فكان سعد بن أبي وقاص، رحمه الله، وغيره من أمراء الجيوش، من جهته، يذكر ذلك لأصحابه، وبحرِّصهم به، ويوثق لهم، وكانوا يُلقَّون الظفر في متوجَّهاتهم، حتى فُتح في أيامه مرو الشاهجان، ومرو الرُّوذ، ومنعهم من العبور على جيحون، وكذلك فُتح في أيامه فارس كسرى، وكل ما كان يملكه ملوك فارس، بين البحرين من الفرات إلى جيحون، وأزال ملك الفرس، فلم يعد إلى اليوم ولا يعود أبداً، إن شاء الله تعالى، ثم إلى حدود إرمينية، وإلى باب الأبواب. وفتح أيضاً ناحية الشام، والأردن وفلسطين، وفسطاط مصر، وأزال ملك قيصر عنها، وذلك من الفرات إلى بحر مصر، وهو ملك قيصر. وغزت الخيول في أيامه على عمّورية، فأخذ الضواحي كلها، ولم يبق منها إلا ما حجز دونه بحر، أو حال عنه جبل منيع، أو أرض خشنة، أو بادية غير مسلوكة.
وقال الله عز وجل: (قل للّذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد)[آل عمران]، فصدق فيه.
وقال في أهل بدر:( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم )[الأنفال: 7]،ووفى لهم بما وعد.
وجميع الآيات التي يتضمنها القرآن، من الإخبار عن الغيوب، يكثر جداً، وإنما أردنا أن ننبه بالبعض على الكل.
والوجه الثاني:أنه كان معلوماً من حال النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان أمياً لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ.
وكذلك كان معروفاً من حاله أنه لم يكن يعرف شيئاً من كتب المتقدمين، وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم. ثم أتى بجمل ما وقع وحدث، من عظيمات الأمور ومهمات السير، من حين خلق الله آدم عليه السلام، إلى حين مبعثه، فذكر في الكتاب، الذي جاء به معجزة له: قصة آدم عليه السلام، وابتداء خلقه، وما صار أمره إليه من الخروج من الجنة، ثم جملاً من أمر ولده وأحواله وتوبته، ثم ذكر قصة نوح عليه السلام، وما كان بينه وبين قومه، وما أنتهى إليه أمرهم، وكذلك أمر إبراهيم عليه السلام، إلى ذكر سائر الأنبياء المذكورين في القرآن، والملوك والفراعنة الذين كانوا في أيام الأنبياء، صلوات الله عليهم.
ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه، إلا عن تعلم، وإذ كان معروفاً أنه لم يكن ملابساً لأهل الآثار وحملة الأخبار، ولا متردداً إلى التعلم منهم، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي. ولذلك قال عزَّ وجل (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لأرتاب المبطلون)[العنكبوت]، وقال:(وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست)[الأنعام].
وقد بينا أن من كان يختلف إلى تعلم علم، ويشتغل بملابسة أهل صنعة، لم يخف على الناس أمره، ولم يشتبه عندهم مذهبه، وقد كان يعرف فيهم من يحسن هذا العلم، وإن كان نادراً، وكذلك كان يعرف من يختلف إليه للتَّعلُم، وليس يخفى في العرف عالم كل صنعة ومتعلمها، فلو كان منهم لم يخف أمره.
والوجه الثالث:أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناهٍٍ في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه. والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة، ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ونكشف الجملة التي أطلقوا.

(1/255)


فالذي يشتمل عليه بديع نظمه، المتضمن للإعجاز وجوده:
1. منها ما يرجع إلى الجملة،وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد. وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم، تنقسم إلى أعاريض الشعر، على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم على أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالاً، فتطلب فيه الإصابة والإفادة، وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلاً في وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل [فيه]، ولا يتصنع له. وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه، ومباين لهذه الطرق.
ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من السجع، ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع، ومنهم من يدعي فيه شعراً كبيراً، والكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع.
فهذا إذا تأمله المتأمل تبين ـ بخروج عن أصناف كلامهم، وأساليب خطابهم ـ أنه خارج عن العادة، وأنه معجز، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميٌّز حاصل في جميعه.
2. ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة، والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر. وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة ، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف. وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسباً في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به، ففال عزَّ من قائل:( الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله )[الزمر:23]، وقوله :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً )[النساء:82]. فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت، وبأن عليه الاختلال. وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره، فتأمله تعرف الفصل.
3. وفي ذلك معنى ثالث:وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وأعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشِيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور.
فمن الشعراء من يجوّد في المدح دون الهجو.
ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح.
ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين.
ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ.
ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل، أو سير الليل، أو وصف الحرب، أو وصف الروض، أو وصف الخمر، أو الغل، أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب. ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام.
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ، رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه، ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره، ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم، لأنه لا خلاف في تقدّمهم في صنعة الشعر، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم. فإذا كان الاختلال يتأتى في شعرهم، لاختلاف ما يتصرفون فيه، استغنينا عن ذكر من هو دونهم، وكذلك يستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها. ثم نجد من الشعراء من يجوّد في الرجز، ولا يمكنه نظم القصيد أصلاً، ومنهم من ينظم القصيد، ولكن يقصر[تقصيراً عجيباً، ويقع ذلك من رجزه موقعاً بعيداً، ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية، ولا ينظم الرجز، أو يقصر] فيه مهما تكلفه أو تعلمه.
ومن الناس من يجود في الكلام المرسل، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصاناً بيّناً، ومنهم من يوجد بضد ذلك.

(1/256)


وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدّمنا ذكرها، على حدّ واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجود الخطاب، ومن الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حدّ واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة[تفاوتاً بيِّناً، ويختلف اختلافاً كبيراً. ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة] فرأينا غير مختلف ولا متفاوت، بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر، لأن الذي يقدرون عليه قد بيّنا فيه التفاوت الكثير، عند التكرار وعند تباين الوجوه، واختلاف الأسباب التي يتضمن.
4. ومعنى رابع:وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتاً بيّناً في الفصل والوصل، والعلوّ والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع.
ألا ترى أن كثيراً من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه. حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري، مع جودة نظمه، وحسن وصفه ـ في الخروج من النسيب إلى المديح. وأطبقوا على أنه لا يحسنه، ولا يأتي فيه بشيء، وإنما اتفق له ـ في مواضع معدودة ـ خروج يرتضي، وتنقل يستحسن.
وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء، والتحوّل من باب إلى باب. ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة، ونبين أن القرآن على اختلاف [فنونه] و ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة ـ يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب، تبين به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العرف.
5. ومعنى خامس:وهو أن نظم القرآن وقع موقعاً في البلاغة يخرج عن عادة كلام [الجن، كما يخرج عن عادة كلام الإنس]. فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا. وقد قال الله عزّ جلَّ: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)[الإسراء88].
فإن قيل : هذه دعوى منكم، وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن [الإتيان] بمثله، وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله، وإن كان عاجزين، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة، وأسباب غامضة دقيقة، لا نقدر نحن عليها، ولا سبيل لنا للطفها إليها، وإذا كانت كذلك، لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل.
قيل: قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر الله عز وجل، وقد يمكن أن يقال إن هذا الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن، وما يروون لهم من الشعر، ويحكون عنهم من الكلام، وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم. والقدر الذي نقلوه [من ذلك] قد تأملناه، فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فصاحة الإنس، ولعله يقصر عنها، ولا يمنع أن يسمع الناس كلامهم، ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء، صلوات الله عليهم، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات. على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان، ولهم أشعار محفوظة مدونة في دواوينهم. قال تأبط شراً[2]:
وأدهم قد جُبت جِلبابه كما اجتابت الكاعبُ الخيعلا[3]
إلى أن حدا الصبح أثناءه مزّق جلبابه الأليلا[4]
على شيم نار تنوّرتها فبتُّ لها مدبراً مقبلاً[5]
فأصبحت والغول لي جارة فيا جارتا أنت ما أهولا
وطالبتها بضعها، فالتوت بوجه تهوّل واستغولا[6]
فمن سال أين ثوت جارتي فإن لها باللوي منزلا
وكنت إذا ما هممت أعتزمت وأخر إذا قلت أن أفعلا
وقال آخر[7]:
عشوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجنُّ قلت عموا ظلاما
فقت إلى الطعام فقال منهم زعيم يحسد الإنس الطعاما
ويذكرون لامرئ القيس قصيدة مع عمر والجني، وأشعاراً لهما، كرهنا نقلها. وقال عُبيد بن أيوب:
فلله درُّ الغول أي رفيقة لصاحب قفر خائف متقفِّر
أرنَّت بلحن بعد لحن وأوقدت حواليَّ نيراناً تلوح وتزهر
وقال ذو الرمة[8]بعد قوله:
قد أعسف النازح المجهول معسفه في ظل أخضر يدعو هامة البوم[9]
للجن بالليل في حافاتها زجل كما تناوح يوم الريح عيشوم[10]
دويّة ودجى ليل كأنهما يم تراطن في حافاته الروم[11]
وقال أيضاً:
وكم عرَّست بعد السرى مع معرَّس به من كلام الجن أصوات سامر[12]
وقال:
ورملٍ عزيف الجن في عقباته هزيزٌ كتضراب المُغنين بالطبل[13]
وإذا كان القوم يعتقدون كلام الجن ومخاطباتهم، ويحكون عنهم، وذلك القدر المحكي لا يزيد أمره على فصاحة العرب، صح ما وصف عندهم من عجزهم عنه كعجز الإنس.
ويبين ذلك من القرآن: أن الله تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من القرآن فقال : (وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين)[الأحقاف:29]، إلى آخر ما حكى عنهم فيما يتلوه.

(1/257)


فإذا ثبت أنه وصف كلامهم، ووافق ما يعتقدونه من نقل خطابهم، صح أن يوصف الشيء المألوف بأنه ينحط عن درجة القرآن في الفصاحة.
وهذان الجوابان أسدُّ عندي من جواب بعض المتكلمين عنه، بأن عجز الإنس عن القرآن يثبت له حكم الإعجاز، فلا يعتبر غيره. ألا ترى أنه لو عرفنا من طريق المشاهدة عجز الجن عنه، فقال لنا قائل : فدلّوا على أن الملائكة تعجز عن الإتيان بمثله، لم يكن لنا في الجواب غير هذه الطريقة التي قد بيناها.
وإنما ضعّفنا هذا الجواب، لأن الذي حُكي وذكر عجزُ الجن والإنس عن الإتيان بمثله، فيجب أن نعلم عجز الجن عنه، كما علمنا عجز الإنس عنه ولو كان وصف عجز الملائكة عنه، لوجب أن نعرف ذلك أيضاً بطريقه.
فإن قيل: أنتم قد انتهيتم إلى ذكر الإعجاز في التفاصيل، وهذا الفصل إنما يدل على الإعجاز في الجملة؟
قيل : هذا كما أنه يدل على الجملة، فإنه يدل على التفصيل أيضاً، فصح أن يلحق هذا القبيل، كما كان يصح أن يُلحق بباب الجمل.
6. ومعنى سادس:وهو أن ينقسم عليه الخطاب، ومن البسط والاقتصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم، موجود في القرآن. وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم، في الفصاحة والإبداع والبلاغة وقد ضمنا بيان ذلك [من] بعدُ، لأن الوجه ههنا ذكر المقّدمات، دون البسط والتفصيل.
7. ومعنى سابع: وهو أن المعاني التي تضمنها، في أصل وضع الشريعة والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين، الردّ على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضاً في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع وذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعانٍ مبتكرة، وأسباب مؤسسة مستحدثة. فإذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرّر، والأمر المتقرّر، المتصوّر، ثم انضاف إلى ذلك التصرفُ البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه، بأن التفاصيل في البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى، والمعاني وفقها، لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر والفصاحة أتم.
8. ومعنى ثامن:وهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الأسماع، وتتشوّف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها بادياً غامراً سائراً ما تقرن به، كالدرّة، التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.
وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهي غرّة جميعه، وواسطة عقده، والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه، برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه ومائه، وهذا الفصل أيضاً مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ونص، ليتحقق ما ادّعيناه منه.
ولولا هذه الوجوه التي بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة، وكانوا ينظرون في أمرهم، ويراجعون أنفسهم، أو كان يراجع بعضهم بعضاً في معارضته ويتوقفون لها.
فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور، لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه.
ولا يمتنع أن يلتبس على من لم يكن بارعاً فيهم، ولا متقدماً في الفصاحة منهم، هذا الحال حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل، وحتى يعرف حال عجز غيره. إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك، تحقيقاً بظهور العجز وتبيناً له. وأما قوله تعالى حكاية عنهم :( لو نشآء لقلنا مثل هذا)[الأنفال:31]، فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم، [وقد يمكن أن يكون قاله منهم أهل الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها]، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منها، وهو يدل على عجزهم. ولذلك أورده الله مورد تقريعهم، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز، والضمان إلى الوفاء، فلما لم يفعلوا ذلك ـ مع استمرار التحدّي وتطاول زمان الفسحة في إقام الحجة عليهم بعجزهم عنه ـ علم عجزهم، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط.
ومعلوم من حالهم وحَمِيّتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيَّات وفي وصف الأزمَّة والأتساع والأمور والتي لا يؤبه لها ولا يحتاج إليها، ويتنافسون في ذلك أشد التنافس، ويتبجحون به أشد التبجح. فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته لتكذيبه، والذب عن أديانهم القديمة، وإخراجهم أنفسهم من تسفيه رأيهم، وتضليله إياهم، والتخلص من منازعته، ثم من محاربته ومقارعته، ثم لا يفعلون شيئاً من ذلك، وإنما يُحيلون أنفسهم على التعاليل، ويعلّلونها بالأباطيل [هذا محال].

(1/258)


9. ومعنى تاسع:وهو أن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة[14]وعشرون حرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة، وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفاً، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم.
والذي تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية، وبنوا عليها وجوههاً أقسام، نحن ذاكروها:
فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة، وأخرى مجهورة.
فالمهموسة منها عشرة: وهي الحاء، والهاء، والخاء، والكاف، والشين، والثاء، والفاء، والصاد، والسين.
وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة.
وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور.
وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء، لا زيادة ولا نقصان.
" المجهورة "معناه: أنه حرف أشبع الاعتماد في وموضعه ومنع أن يجري معه [النفس] حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت.
" والمهموس ":كل حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفّس. وذلك مما يحتاج إلى معرفته لتبنى عليه أصول العربية.
وكذلك مما يقسمون إليه الحروف، يقول إنها على ضربين : أحدهما حروف الحلق، وهي ستة أحرف : العين، والحاء، والمهموزة، والهاء، والخاء، والغبن.
والنصف [الآخر] من هذه الحروف مذكورة في جملة الحروف التي تشتمل عليها الحروف المثبتة في أول السورة، وكذلك النصف من الحروف التي ليست بحروف الحلق.
وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين: أحدهما حروف غير شديدة، وإلى الحروف الشديدة، وهي التي تمنع الصوت أن يجري فيه، وهي الهمزة، والقاف والكاف والجيم والظاء والذال والطاء والباء،
وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضا هي مذكرة في جملة تلك الحروف التي بنى عليها تلك السورة.
ومن ذلك الحروف المُطبقة، وهي أربعة أحرف، وما سواها منفتحه، فالمطبقة: الطاء والظاء، والصاد، والضاد.
وقد علمنا أن نصف هذه [الحروف] في جملة الحروف المبدوء بها في أوائل السور.
وإذا كان القوم ـ الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، رأوا مباني اللسان على هذه الجهة، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر، على حد التصنيف الذي وصفنا ـ دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه، بعد العهد الطويل، لا يجوز أن يقع إلا من الله عزّ وجلّ، لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب.
وإن كان إنما تنبهوا على ما بنى عليه اللسان في أصله على ما بنى عليه اللسان في أصله ولم يكن لهم في التقسيم شيء وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان. فذلك أيضاً من البديع الذي يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان.
فإن كان أصل اللغة توقيفاً فالأمر في ذلك أبين، وإن كان على سبيل التواضع فهو عجيب أيضاً، لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمر من عند الله تعالى. وكل ذلك يوجب إثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حد يتعلق به الإعجاز من وجه.
وقد يمكن أن تعاد فاتحة كل سورة لفائدة تخصها في النظم، إذا كانت حروفاً، كنحو (الم)، لأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلعاً، واللام متوسطة، والميم متطرفة، لأنها تأخذ في الشفة، فنبه بذكرها على غيرها من الحروف، وبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردّد بين هذين الطرفين.
ويشبه أن يكون التصنيف وقع في هذه الحروف دون الألف، لأن الألف قد تلغى، وقد تقع الهمزة وهي موقعاً واحداً.
10. ومعنى عاشراً:وهو أنه سبيله، فهو خارج عن الوحشيّ المستكرّه، والغريب المستنكّر، وعن الصنعة المتكلّفة . وجعله قريباً إلى الأفهام، يبادِرُ معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس. وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا مُوهمٍ مع دنوّه في موقعه أن يُقدّر عليه أو يُظفر به.
فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذّل، والقول المسفسف، فليس يصحُّ، أن تقع فيه فصاحةٌ أو بلاغة، فيطلب فيه الممتنع، أو يوضع فيه الإعجاز.
ولكن لو وضع في وحشيّ مستكره، أو غمر بوجوده الصنعة، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف: لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر، أو يعيب ويقرع.
ولكنه أوضح منارة وقرَّب منهاجه، وسهّل سبيله، وجعله في ذلك متشابهاً متماثلاً، وبيّن مع ذلك إعجازهم فيه.
وقد علمت أن كلام فصحائهم وشعر بلغائهم لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر، أو حشيّ مستكره، ومعان مستبعدة. ثم عدولهم إلى كلام مبتذّل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة، ثم تحوّلهم إلى كلام معتدل بين الأمرين، متصرف بين المنزلتين.
فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة أمرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تتصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ومنزلتها من البلاغة، ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها، على وجه يؤخذ باليد، ويُتناول من كثب، ويُتصوَّر في النفس كتصور الأشكال.

(1/259)


ليتبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن.
واعلم أن من قال من أصحابنا: إن الأحكام معلله بعلل موافقة لمقتضى العقل، جعل هذا وجهاً من وجوه الإعجاز، وجعل هذه الطريقة دلالة فيه، كنحو ما يعللون به الصلاة ومعظم الفروض وأصولها. ولهم في كثير من تلك العلل طرق قريبة، ووجوه تستحسن.
وأصحابنا من أهل خراسان يولعون بذلك، ولكن الأصل الذي يبنون عليه، عندنا غير مستقيم. وفي ذلك كلام يأتي في كتابنا في الأصول.
وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد، فإنا جمعنا بين الأمور، وذكرنا المزية المتعلقة بها. وكل واحد من تلك الأمور مما قد يمكن اعتماده في إظهار الإعجاز فيه.
فإن قيل : فهل تزعمون أنه معجز، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه، أو لأنه عبارة عنه. أو لأنه قديم في نفسه؟
قيل: لسنا نقول بأن الحروف قديمة، فكيف يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضاً: إن وجه الإعجاز في نظم القرآن [من أجل] أنه حكاية عن كلام الله، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز جل معجزات في النظم والتأليف. وقد بيّنا أن إعجازها في غير ذلك، وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها، وقد ثبت خلاف ذلك".
[1] نقلنا هذا الفصل من كتاب إعجاز القرآن للباقلاني الطبعة الثالثة، بتحقيق السيد أحمد صقر.
[2] ترجمته في الشعر والشعراء 1/271، والأبيات في حماسة ابن الشجري ص47.
[3] الأدهم هنا: الليل. اجتابت : لبست . الخيعل : ثوب تبتذله المرأة. والبيت في اللسان 13/223. وقد نسبه ابن بري لحاجز السروى.
[4] حدا: ساق أثناء الليل : أوقاته وقطعه. الأليل : الشديد الظلمة.
[5] الشيم : النظر إلى النار، وفي حماسة ابن الشجري : " على ضوء " . تنورتها : تبصرتها.
[6] البضع : الفرج، تهوّل: صار هوله، من الهول : أي كريه المنظر يفزع منه. واستغول: تلوّن.
[7] هو شمير بن الحارث الضبي كما في نوادر أبي زيد ص 123 راجع خزانة الأدب
[8] ديوانه ص 574 والحيوان 6/175
[9] أعسف: أسير على غير هداية . النازح: البعيد.والأخضر هنا: الأسود، والمراد به الليل. وفي الديوان " أغضف" أي أسود .
[10] حافاتها : جوانبها . زجل : صوت. عيشوم : من ضروب النبت يتخشخش إذا هبت عليه الريح.
[11] الدوية : الفلاة ، والميم: البحر. الدجى: الليل. والرطانة : كلام العجم والروم وما ليس بعربي من اللغات . حافاته. شبه البرية وما تراكم عليها من سواد الليل بالبحر وأمواجه.
[12] ديوانه ص 292 والحيوان 6/176، والتعريس: النزول آخر الليل للنوم والاستراحة. سامر: الذين يتحدثون بالليل.
[13] ديوانه ص 488 والحيوان 6/176 . وفي الديوان : " في عقداته هدوءاً " . وعزيف الجن: صوت يسمع بين الرمال. وعقدات الرمل: ما انعقد منه. هدوءاً: أي بعد ساعة من الليل . هزيز: صوت، يعني صوت الرحى وما أشبهها.
[14] المشهور أن عدد الحروف في اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفاً وعدد السور المفتتحة بالحروف المقطعة تسع وعشرون سورة.
================
الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم
د/ محمد محمد داود
أستاذ الدراسات اللغوية والإسلامية
بكلية التربية جامعة قناة السويس
القرآن من الله تعالى والله تعالى حكيم وفعل الحكيم كله حكمة، فكل شيء عند بقدر ومقدار، ووصف الله القرآن بقوله عز وجل:( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)(هود:1). ومن هنا نشطت الجهود لتتبع الظواهر اللغوية في القرآن الكريم، للكشف عن أسرار هذا الكتاب المعجز، في نظمه ولفظه وصوته.. المعجز في معانيه، المعجز في أثره..الخ.
ولم ينل كتاب في الدنيا دراسات فيه وحوله مثلما نال القرآن الكريم، بيد أنه رغم استبحار ووفرة الدراسات القرآنية، إلا أن القرآن الكريم لا يزال يستنهض الباحثين لمزيد من البحث في آفاقه الممتدة التي لا تتوقف عند نهاية: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف /109).
وكل باحث ـ حسبما يتيسر له من أدوات بحثه ـ يكشف الله جانباً من أسرار الكتاب ومع ذلك لا تنفذ الأسرار: (كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء/20).
إن التأمل المتأني والأمانة والدقة التي يتطلبها المنهج العلمي تقتضي أن نضيف حرف التبعيض (من) إلى العنوان ليصبح " من الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم" وذلك لأن البحث الصوتي له فروع ومستويات ولا يقتصر فقط على بحث الصوت اللغوي، فهناك البحوث الصوتية الفيزيائية، وغير ذلك.
وأيضاً يملي علينا العنوان أن نتوقف عند الظواهر الصوتية التي تلفت الانتباه في القرآن الكريم ويظهر فيها وجه من وجه الإعجاز. وعليه فلن تكون المقالة حصراً شاملاً لكل الظواهر الصوتية في القرآن الكريم، وإنما تدور محاضرة اليوم حول عناصر ثلاثة هي :
1. أثر صوتيات القرآن الكريم في الاستقرار الصوتي للغة العربية.
2. الفاصلة بين التناسق الصوتي ورعاية المعنى.

(1/260)


3. قضية التناسق الصوتي على مستوى اللفظ والصوت المفرد والتركيب في القرآن الكريم.
أولاً: أثر صوتيات القرآن الكريم في الاستقرار الصوتي للغة العربية:
كان التلقي الشفاهي هو الأساس في نقل القرآن الكريم، بداية من سيدنا جبريل عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وصولاً إلى زماننا المعاصر، وهكذا إلى أن تقوم الساعة.
لهذه الخاصية (المشافهة) آثار تصل إلى حد الإعجاز، لكن إلف العادة هو الذي يمنعنا أو يحجب عنا ملاحظة نواحي الإعجاز. ولكن إذا ما قورنت العربية بغيرها من اللغات وما حدث لها ـ يظهر أثر القرآن على الاستقرار الصوتي للغة العربية. ويمكن إجمال الأثر في العناصر التالية:
(1) حفظ اللغة العربية حية إلى الستة المسلمين في بقاع الأرض كلها:
المتأمل للتاريخ يرى بوضوح لغات كثيرة قد اندثرت بموت أهلها أو ضعفت بضعفهم، فأين اللغة الفينيقية الآن ـ لغة أهل لبنان قديماً ـ وأين اللغة المصرية، والآشورية .. الخ.
إن ارتباط اللغة العربية بالقرآن جعلها محفوظة بحفظه، وباقية ببقائه، وسبحان الله القائل: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر/9).
والذي يدقق النظر في العربية المعاصرة يجد الكثير من الألفاظ التي هجرت وظل بقاؤها حية على الألسنة قاصراً على الاستخدام الديني لها وهو الاستخدام المرتبط بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
(2) استقرار اللغة العربية :
رغم أن التطور سنة جارية في كل اللغات، وأكثر مظاهره يكون في الدلالات، إلا أن العربية ظلت محتفظة بكل مستوياتها اللغوية (صوتية ـ صرفية ـ نحوية ـ دلالية)، وما تطور منها كان في إطار المعاني الأصلية وبسبب منها.
والمحافظة على الأصل الدلالي للفظ على تطور الزمن له فائدة لا يستهان منها، فتواصل الفهم بين الأجيال للنصوص القديمة وتراث الأمة أمر من الأهمية بمكان، ويزداد أدراك أهمية الأستقرار اللغوي الذي تتميز به العربية إذا ما تأملنا التعبير السريع الذي يلحق اللغة الإنكليزية (لغة الحضارة المعاصرة)، فنصوص الإنجليزية القديمة(التي مر عليها قرابة ثلاثة قرون) أصبحت عصية على الفهم بالنسبة للإنجليزية المعاصرة.
ولعل هذا التغير السريع هو الذي دفع علماء هذه اللغة إلى إعادة صياغة النصوص الأدبية المهمة عندهم، مثل نصوص شكسبير بإنجليزية حديثة يفهمها المعاصرون بدلا من الإنجليزية القديمة.
في حين أن العربي المعاصر يقرأ آيات القرآن الكريم فلا يحس معها بغرابة، ويكفي النظر إلى هذه ا لآيات : (آلم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) (البقرة/1ـ2).
ومن الحديث النبوي الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه البخاري.
فرغم مرور أربعة عشر قرناً فإن الإنسان لا يكاد يجد صعوبة في فهم هذه النصوص، ولا تصادفه غرابة في الألفاظ، وما يصادفنا من ألفاظ صعبة فإن أبسط المعاجم يمكن أن يبدد هذه الصعوبة. وهكذا الشأن مع باقي المستويات اللغوية (الصوتية، والصرفية، والنحوية)، وهذه مزية عظيمة أن تكون الأمة موصولة بتراثها الزاخر تفيد منه وتنتفع به.
وتأمل مزية استقرار اللغة العربية، التي تفردت بها عن سائر اللغات التي تغيرت وتبدلت تغيراً وتبدلاً جعل من اللغة الواحدة لغات كثيرة متباينة، وهذا يؤدي بنا إلى التساؤل:
ما السبب وفي وجود هذه المزية؟ هل يمكن إرجاع هذه المزية إلى أن اللغة العربية، كانت لغة عالمية فيها كل ما تفتقر إليه الأمم في كل الأزمنة والأمكنة من ألفاظ ومعان وأخيلة، بحيث يجد الناس فيها ما يفتقرون إليه، لذلك فهم يحرصون عليها ؟ وهذا بعيد.
فما كانت اللغة العربية ولا غيرها كذلك [1]أم أن مزية استقرار اللغة العربية ترجع إلى أهلها مكانتهم الإجتماعية والسياسة والعلمية؟ والواقع يكذب ذلك، فقد كان أهل العربية في موضوع متأخر الشأن بجوار حضارتين عظيمتين هما الفرس والروم. وهكذا ينتهي بنا التأمل إلى أن الباحث لا يجد سببا مقنعاً لهذه المزية سوى أنها أثر القرآن الكريم.
(3) تهذيب اللغة العربية :

(1/261)


(أ ) فقد نحى القرآن الكريم عن اللغة التقعير في الكلام والغريب والألفاظ الحوشية الثقيلةعلى السمع، وأن من يتأمل النثر أو الشعر الجاهلي يرى كثيراً من الكلمات الحوشية، ومن ذلك: " جحيش" ، و" مسشزرات"، و" جحلنجح" ، و " البخصات " ، و " الملطاط " ، وغير ذلك كثير.ومن ذلك أيضاً ما رواه القالي في أماليه لأبي محلم الشيباني في أواخر القرن الثاني من كتاب إلى بعض الحذائين في نعل .. قال هذا المتقعر: (دنها، فإذا همت تأتدن، فلا تخلها تمرخد، وقبل أن تقفعل، فإذا ائتدنت فامسحها بخرقة غير وكيلة، ولا جشيّة، ثم امعسها معساً رقيقاً، ثم سن شفرتك، وأمهها فإذا رأيت عليها مثل الهبوة فسن رأس الأزميل)الخ.
(ب ) نحي القرآن الكريم أيضاً كثيراً من الألفاظ التي تعبر عن معان لا يقرها الإسلام ومن ذلك:
1. " المرباع " : وهو ربع الغنيمة إلى الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية .
2. " النشيطة ": وهي ما أصاب الرئيس قبل أن يصير إلى القوم، أو ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل بلوغ الموضع المقصود.
3. " المكس " : وهو دراهم كانت تؤخذ بائعي السلع في الأسواق الجاهلية.
4. قولهم للملوك : " أبيت اللعن " .
ومثل ذلك كثيراً يرجع إليه في بطون كتب التراث.
(4) سعة انتشار اللغة العربية :
بنزول القرآن ودخول الناس في دين الإسلام أفواجاً من شتى بقاع الأرض، اتجه المسلمون من غير العرب إلى تعلم العربية، رغبة في أداء العبادات والشعائر الدينية بها، وقراءة القرآن بالعربية، لأن قراءة القرآن الكريم تعبد لله تعالى.. وبالتالي انتشرت اللغة العربية انتشاراً ما كان يتحقق لها بدون القرآن الكريم.
ثانياً: الفاصلة بين التناسق الصوتي ورعاية المعنى :
أود هنا ـ بدايةً ـ توضيح ملاحظة تتصل بأدب السلف من صالحي هذه الأمة، حيث أطلقوا على نهايات الآيات القرآنية تسمية (رءوس الآيات)، تمييزاً لها عن مصطلحات الشعر والنثر، ففي الشعر نقول: صدر البيت وعجزه، وفي النثر نقول بداية الجملة ونهايتها، فبداية الآية عندهم كنهايتها : رأس، أي مستوى من الارتفاع والارتقاء لا ينتهي ولا يهبط أبداً، والوقف عند الرأس يشعر بأن آيات القرآن قمم يرقى القارئ إليها، وكلما مضى في القراءة ازداد رقياً، فهو صاعد أبداً، حيث يقال لقارئ القرآن : (أقرأ وارق، فأن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) ..
ومعلوم أن رءوس الآيات توقيفية، أي كما جاءت بالتلقي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والملاحظ في رءوس الآيات التناسب الصوتي الذي يلفت الانتباه وتستريح له الآذان إلى حد يأخذ بالنفس، ولعله كان أحد الأسباب التي جعلت الوليد يقول بعد سماعه القرآن: (إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة) وهما من حس اللسان وحسن الأذن. وإذا ما أحببت محاولة الكشف عن الظاهرة بأسلوب علمي، وذلك بتتبع أصوات الحروف والحركات التي تكوّن هذه الفواصل، بهذا التناسق الصوتي المبدع، فإننا نلاحظ التالي :
كثرة ورود الحركات، وبخاصة الطويلة [ حروف المد: الألف والواو، والياء]، بما لها من نغمات منتظمة تسيطر على لحن الكلام، يضاف إلى هذا كثرة ورود الصوامت المتوسطة(النون ـ الميم ـ الراء ـ الواو ـ الياء)، وهي قريبة ـ من الناحية الفيزيائية ـ إلى طبيعة الحركات، التي تسهم في خاصية التنغيم الشجيّ بشكل واضح. يدعم هذا ظواهر صوتية خاصة بالقرآن: المد والغنّة . وكل هذه العناصر الصوتية لا تكون بهذا التناسب الفريد في غير القرآن من فنون الشعر والنثر.
سؤال اعتراضي :هل هذا التناسب الصوتي هو من قبيل السجع، حيث يتوالى الكلام المنثور على حرف واحد، ليكتسب النثر ضرباً من الموسيقى والنغم؟ وهل هو من قبيل القافية في الشعر؟
والجواب:لا هذا ولا ذالك، فالفاصلة في القرآن ليست على وتيرة واحدة، كما هو الحال في كل من السجع والتقفية، فهي لا تلتزم شيئاً من ذلك، حيث تجري في عدد من آيات القرآن على نمط، ثم يتحول عنه إلى نمط آخر، ومن خلال جريها على نمط واحد، فأغلب ما تقوم عليه هو حرف المد.
يقول الله تعالى : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {1} بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ {2} أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ {3} قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ {4} بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ{5} أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) (ق/1_6).
والفاصلة قيمة صوتية ذات وظيفة دلالية، ورعايتها تؤدي إلى تقديم عنصر أو تأخيره، ليس فقط رعاية للتناسق الصوتي، بل رعاية للمعنى أيضاً، وهذا هو الإعجاز.
الأمثلة :(إياك نعبد وإياك نستعين)(الفاتحة/5)، فإن قلت: لم قدم العبادة على الاستعانة؟ أجابك اللغويون أصحاب الحس المرهف، وعلى رأسهم الزمخشري، حيث قال : (هو من تقديم العلة على المعلول).
وقال أبو السعود: (هو من باب تقديم الشرف).

(1/262)


وقوله تعالى :( وإن لنا للآخرة والأولى)(الليل /13)، لماذا قدم الآخرة على الأولى؟ والجواب أن ذلك مرتبط بسياق السورة ومقصدها، فقد قامت السورة لتأكيد سوء العاقبة والإنذار لمن كذب وأعرض بالتنكيل به في الآخرة، في مقابل الثواب الذي ينتظر من أحسن وتصدق، فإذا ما تحقق مع هذا المعنى الانسجام الصوتي وتناسب الإيقاع في الفواصل، فذلك لا يتم على هذا الوجه من الكمال في غير هذا النظام القرآني المعجز.
ومن قال بالتقديم لرعاية الفاصلة فقط، فهو قصور عن فهم المعنى المراد، فالتقديم والتأخير يرتبطان بالسياق والمعنى المراد.
أيضاً الترتيب في تقديم الصفات الخاصة بالله تبارك وتعالى، أو الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ـ مرتبط بالسياق، من ذلك قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور) (سبأ/2)، وقال تعالى: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم إن الله غفور رحيم)(الحجرات/14).
فقدم الرحمة في آية سبأ، لأنها منشأ المغفرة. أما الغفور فتقدم في كل موضع في القرآن فيه ولو إشارة إلى وقوع المعاصي وكفران النعم.
ثالثاً: التناسق الصوتي على مستوى اللفظ والصوت والمفرد والتركيب في القرآن الكريم:
أول ما يلفت الانتباه هو إن القرآن الكريم قد خلا من التنافر في بنية كلماته، فأصواته كلها قامت على الائتلاف، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد سجلت كلمات القرآن الكريم قمة التناسق بين أصواتها والمعاني المرادة لها، وهذا هو الجديد في الصوت القرآني : أن يوظف الصوت المفرد داخل الكلمة لخدمة المعنى المقصود، وإليك هذه الأمثلة.
(1) التناسب بين صفات الصوت ومعنى الكلمة:
من ذلك التشديد بعد قلب التاء من جنس ما بعدها ليدل على التردي الجماعي، أو المبالغة في التثاقل، أو الاستعصاء على الهدى، من ذلك قوله تعالى:(حتى إذا أداركوا فيها جميعاً) (الأعراف: 38).
أصل الفعل (تداركوا) وقلبت التاء دالاً وأدغمت في الدال، فلما سكنت جئ بهمزة الوصل، والتشديد يوحي هنا بتداعيهم في النار متزاحمين بغير نظام، بل إن اشتمال التشديد على سكون فحركة يدل على أن تزاحمهم في النار جعل بعضهم يعوق بعضاً قبل أن يتردوا فيها، فكأن النقطة التي تداعوا عندها كانت كعنق زجاجة. ويشبه هذا إيحاء التكرار في قوله تعالى:( فكبكبوا فيها هم والغاوون)(الشعراء/94).
ومن هذا أيضاً قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض)(التوبة/38).
أيضاً ما يوحيه التفخيم من الإحساس بالمبالغة في الحدث او الصفة، من ذلك قوله تعالى: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل) (فاطر/37) .
فكأن ارتفاع الصوت بالصراخ ومشاركتهم جميعاً فيه وتكرار ذلك منهم لا يكفي أن يعبر عنه بالفعل المجرد (يصرخون)، فجاءت تاء الافتعال لتدل على المبالغة، وقصد لها أن تجاور الصاد المطبقة فتتحول بالمجاورة إلى ا لتفخيم (تصبح طاء) ليكون في تفخيمها فضل مبالغة في الفعل . ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:( تلك إذاً قسمة ضيزى) (النجم/22).
و(ضيزى) تعني : جائزة ظالمة، لكن لفظ (ضيزى) جاء هنا ليحقق غرضين هما: رعاية الفاصلة التي غلبت فيها الألف المقصورة، والثاني: الإيحاء ـ بماء في الضاد من تفخيم ـ إلى أن الجور في هذه القسمة لا مزيد عليه.
قوله تعالى : (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق)(البقرة/19). والصيب : النزول الذي له وقع وتأثير، ويطلق على المطر والسحاب، وتنكيره لما أنه أريد به نوع شديد هائل، كما أن الصاد المستعلية (المفخمة) والياء المشددة والباء الشديدة تدل على القوة والتدفق وشدة الانسكاب.
(2) التناسب بين إيحاء الصوت ومعنى الكلمة:
ومن التناسب بين إيحاء الصوت والدلالة المقصودة للكلمة قوله تعالى : (عيناً فيها تسمى سلسبيلاً)(الإنسان/18). حيث يوحي لفظ السلسبيل بالسلاسة والسهولة ويسر الاستساغة، وذلك لما بين اللفظين (سلسبيل/سلاسة) من شركة في بعض الحروف. هذا في مقابل الإيحاء في جهة الضد للمعنى السابق، كما في قوله تعالى: (إلا حميماً وغساقاً) (النبأ/25) حيث أن مادة (غسق) في القرآن الكريم منها الغسق، والغاسق والغساق ـ توحي أن القسط المشترك بين هذه المشتقات الدلالة على أمور كريهة، فالغسق :الظلمة، والغاسق: الليل الشديد الظلمة، والغساق : شئ كريه لا يشرب، وفسروه بالصديد، وتستفاد هذه الدلالة لغوياً من إيحاء الغين والقاف هنا. ومثله في التفسير قوله تعالى : ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين)(المطفيين/7)، وقوله تعالى :( ليس لهم طعام إلا من ضريع)(الغاشية /6)، والضريع نبات شوكي. وإيحاء لفظ (ضريع ) في الطعام يفيد ذلاً يؤدي إلى تضرع كل منهم وسؤال الله العفو عن ذلك.
يقابله في المعنى على الجهة الأخرى قوله تعالى :( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين)(المطففين/18) .
(قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق)(يوسف/15) . هذا، وبالله التوفيق.
[1] حسن الباقوري، أثر القرآن في اللغة العربية ص 16.
==============

(1/263)


العقم والعُفر.... بين الطب والقرآن
أ.د / كريم حسنين إسماعيل عبد المعبود
أستاذ بكلية الطب جامعة عين شمس
وعضو مجلس إدارة جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة
مقدمة:من الحقائق التي قد تغيب عن بعض الأذهان أنه لا ينبغي لأحدٍ الاعتقاد بجواز وجود ترادف في ألفاظ الآيات القرآنية الكريمة، وهو ما ذهب إليه الإمامان ابن تيمية ومحمد عبده [ 10، 11] (1)وهو منطلق الحديث الحالي، فقد قمنا بمراجعة ما ورد في المعاجم اللغوية وشروح الآيات الكريمة، في محاولة لاستقراء أية فروق في الدلالة بين التعبيرين ( العُقم ) و ( العقر )، وهما تعبيران عريقان في اللغة العربية، ومعناهما عدم القدرة على الإنجاب، فلا تحمل المرأة ولا يولد للرجل، والصفتان هما: عاقر وعقيم، على الترتيب [ 12 ـ 16 ]. وبالرغم من اشتراكهما في المعنى، إلا أنه لم يرد ما يوضح بجلاء الفرق بين دلالة التعبيرين ( العقم ) و ( العقر ) في معاجم اللغة القديمة والحديثة حيث قيل: والعقر والعقر: العقم، وهو استعقام الرحم، وهو ألا تحمل [ 12 ].
وقيل: عقر وعقر وعقر، فهو عاقر: عقم، لم يولد [ 16 ]، وهذا وقد ورد التعبيران في آيات قرآنية عديدة، فورد التعبير ( عاقر )، وهو اشتقاق من التعبير الأول ( العقر )، في ثلاثة مواضع بالقرآن الكريم في سياق قصة زكريا عليه السلام، قوله تعالى: ) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) ([آل عمران].
وقوله تعالى: ) كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) ([سورة مريم].
بينما ورد التعبير: ( عقيم )، وهو اشتقاق من التعبير الثاني: ( العقم )، في أربعة مواضع بالقرآن الكريم، واحد منها في سياق قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو قوله تعالى: )فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) ([سورة الذاريات].
والثلاثة مواضع الأخرى في قوله تعالى: ) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) ([سورة الشورى].
وقوله تعالى: ) وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) ([ سورة الحج].
وقوله تعالى: ) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) ([سورة الذاريات].
وقد خلط بعض المفسرين أيضاً، بين مدلول الصفتين، في شروح الآيات، وذهبوا إلى أن (عاقر ) تعني ( عقيم ).
ففي سورة آل عمران ( 40 ) قال القرطبي: أي: عقيم لا تلد [ 3 ].
وقال الألوسي: والعاقر ـ العقيم ـ التي لا تلد، من العقر وهو القطع، لأنها ذات عقر من الأولاد [ 7 ].
وكذلك في سورة مريم ( 5 ، 8 ).
قال القرطبي: إن امرأته كانت عقيماً لا تلد [ 3 ].
وفي سورة الذاريات ( 29 ) قال الألوسي وأبو السعود: أي: أنا عجوز عاقر فكيف ألد [ 8 ـ 7 ].

(1/264)


وقد انعكس هذا الاضطراب في فهم الفرق بين مدلول الصفتين ( عاقر ) و( عقيم ) على ترجمة معاني القرآن الكريم لعبد الله يوسف علي [ 9 ]، حيث تم استخدام التعبير الإنجليزي (barren)، وهو يعني: قاحل ( صفة الأرض ) [ 17 ـ 19 ]، أو غير مثمر ( صفة الثبات)، أو عاقر [ 17 ]، أو عقيم [ 17 ـ 19 ]، وذلك للتعبير عن (عاقر) في سورتي آل عمران (40 )، ومريم ( 5 ، 8 )، وكذلك للتعبير عن ( عقيم ) في سورتي الذاريات ( 29 ) والشورى ( 50 )، بينما في قوله تعالى: )عذاب يوم عقيم (الحج ( 55 )، وردت الترجمة كالآتي: ( the penalty of a day of disaster) وكلمة (disaster) تعني كارثة أو نكبة [17 ]، وعليه فالترجمة تعني عذاب يوم الكارثة أو النكبة.
وفي قوله تعالى: )الريح العقيم (الذاريات ( 41 ). قيل: (
the devastating wind)، وكلمة (devastate) تعني يدمر أو يخرب [ 17 ]، وعليه فالتعبير يعني: الريح المدمرة أو المخربة.
من المعلوم طبياً وجود مصطلحان في اللغة الإنجليزية هما (
Infertility) و (sterility)، يشتركان في المعنى، وهو عدم القدرة على التناسل، إلا أنه أصبح لكل منهما لاحقاً دلالة مختلفة في مجال الطب، فالمصطلح الأول يعني حالة نسبية وقابلة للعلاج، بينما المصطلح الثاني يعني مطلق عدم القدرة على التناسل، أي: أنها حالة غير عكوس [ 21 ـ 25 ].
إن إدراك الفروق الدقيقة في دلالة الألفاظ في اللغة العربية ذو أهمية حيوية في هذا المجال، فبدونه لا يمكن اختيار اللفظ العربي الصحيح والمقابل للمصطلحات الطبية الإنجليزية، ولذلك يجد المرء اضطراباً في تعريب المصطلحين، مما يدل على عدم الوضوح في الفهم، حيث جعلت (
sterility) بمعنى عقم [ 17 ـ 19 ] أو عقامة [ 18 ] و (sterile) بمعنى عقيم [ 17 ـ 19 ] أو عاقر [ 18 ]، أما (Infertility) فبمعنى عقر [ 19 ] أو عقم [ 18 ، 19 ] أو عدم الإخصاب [ 17 ]، (Infertile) عقيم أو عاقر [ 18 ـ 19 ] أو غير مخصب ( صفة للبيضة ) [ 17 ].
ويبقى ( العقم ) هو التعبير الشائع عن كل من التعبيرين في معظم الأحيان بين العامة والمتخصصين الذين قاموا بإنشاء الكثير من المراكز الطبية الحديثة في العالم العربي، والتي أطلق عليها مراكز العقم [ 26 ـ 31 ].
يذهب الباحث إلى أن التعبيرين ( العقم ) و ( العقر ) يشتركان في الدلالة على عدم القدرة على الإنجاب، فلا تحمل المرأة ولا يولد للرجل، وأن لـ ( العقر ) مدى من الأقل إلى أشد، وأنه قابل للعلاج.
أما مطلق ( العقر )، وهو ( العقم )، فهو غير قابل للعلاج ولا يبرأ منه، فلا يولد للمصاب به أي طفل، فـ ( العقم ) هو من ( العقر ) وهو أشده ومنتهاه وأي منهما من الممكن حدوثه قبل أن يولد للمرء أي طفل، أو بعد أن يولد للمرء وهذه الدلالات ثابتة منذ أمد طويل، كما تدل عليه اللغة والآيات الكريمة، وبقبول ذلك يمكن إعادة تدبر الآيات الكريمة بالنظر في حكمة ورود أي تعبير منهما في السياق، كما أنه يمكن مراجعة التعريف الطبي للمصطلحات الإنجليزية، وهي تعاريف مستحدثة.
وعليه: يذهب الباحث إلى أن (
sterility) تعني ( عقم ) و(sterile) تعني ( عقيم )، ثم إن كلمة (Infertility) تعني ( عقر ) و(Infertile) تعني ( عاقر ).
وعليه: فإنه لا يجوز للأطباء ادعاء علاج ( العقم )، بل إن كان ما يعالج هو ( العقر ).
والأدلة على صحة هذا الرأي هي:
عدم القدرة على الإنجاب إما أن تكون نسبية ( العقر ) أو مطلقة ( العقم ):
( 1 ) ( العقم ) في اللغة:
(أ ) ( العقم ) و ( العقم ) بفتح العين وضمها [ 12 ـ 14، 16 ]: هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد [ 12 ، 14 ]. عقم يعقم عقماً عقيم: كان به ما يحول دون الإنجاب، والجمع عقماء وعقام، وللمؤنث [ 16 ] عقائم وعقم [ 12 ـ 14 ، 16 ].
وأصل ( العقم ) في اللغة: القطع [ 12 ]. وقاله المفسرون، أيضاً، في شرح الآية ( 42 ) من سورة الشورى [ 3 ، 5 ، 6 ]، ومنه يقال الملك عقيم [ 3 ، 5 ، 12 ـ 14 ] لأنه تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق [ 3 ، 5 ، 12 ] فلا ينفع فيه نسب لأن الأب يقتل ابنه على الملك [ 12 ـ 14 ].
ويلاحظ علاقة ذلك المدلول لـ ( عقيم ) بالتعبير ( الأبتر ) والذي ورد في قوله تعالى: )إن شانئك هو الأبتر ( 3 ) (]الكوثر ].
وقيل: إن أصل البتر: القطع [ 3 ، 6 ، 7 ]، يقال بترت الشيء بتراً قطعته [ 3 ، 6 ] قبل الإتمام [ 3 ].
والأبتر من الدواب: الذي لا ذنب له [ 3 ، 6 ، 7 ].
وكان العرب يقولون إذا مات الذكور من أولاد الرجل: قد بتر فلان [ 3 ـ 4 ـ 6 ]، فالأبتر من الرجال: الذي لا ولد له [ 3 ، 6 ]، أي: لا عقب له [ 4 ، 7 ]، فإذا هلك انقطع ذكره [ 3 ـ 7 ].
وكذلك كل أمر انقطع من الخير أثره فهو ابتر [ 3 ، 6 ].

(1/265)


وقال المفسرون في شرح الآية الكريمة: يعني بقوله جل ثناؤه: إن شانئك إن مبغضك [ 2 ـ 8 ] يا محمد وعدوك [ 2 ] ومبغض ما جئت به من الهدى والحق [ 4 ] هو الأبتر، أي: الأقل والأذل [ 2 ، 4 ] والمنقطع عقبه [ 2 ]، أي: الذي لا عقب له [ 2 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ]، حيث لا يبقى منه نسل [ 5 ، 7 ، 8 ] أو ولد [ 2 ]، والمنقطع ذكره [ 4 ، 6 ] بعد موته [ 6 ]، فلا يبقى منه حسن ذكر [ 5 ، 7 ، 8 ]، فهو منقطع عن الخير على العموم، ومنع خيري الدنيا والآخرة [ 6 ].
وعليه، فإن كلاً من ( العقيم ) و ( الأبتر ) يدل على القطع والانقطاع، و( العقيم ) أشد، حيث لا يولد للمرء فهو مقطوع النسل، بينما ( الأبتر ) يولد له ولكن الذكور من أولاده يموتون في حياته، وقبل أن تكون لهم ذرية، فلا يعقبه أحد، فهو منقطع الذكر.
( ب ) في الحديث الشريف: ( العقل عقلان، فأما عقل صاحب الدنيا فعقيم، وأما عقل صاحب الآخرة فمثمر ).
والعقيم هاهنا الذي لا ينفع ولا يرد خيراً على المثل [ 12 ]، أي: أنه غير منتج [ 16 ]، فـ (العقم ) يقطع الخير والإنتاج، والعقل العقيم لا يثمر كالإنسان العقيم لا نسل له.
( جـ ) داء عقام وعقام:لا يبرأ [ 12 ـ 14 ]، ورجل عقام: رجل لا يولد له [ 12 ـ 14 ].
وقال أبو دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي:
عقم النساء فلا يلدن شبيهه إن النساء بمثله عقم [ 12 ]
وقد ورد هذا البيت في التفاسير في شرح الآية ( 50 ) من سورة الشورى [ 3 ، 6 ].
ويلاحظ أن الشاعر قد أتى بلفظي ( عقم ) و ( عقم ) من مادة ( عقم )، وهذا يتفق مع ما يذهب إليه الباحث لأنها تفيد مطلق عدم قدرة النساء على ولادة شبيهة لأن ( العقم ) لا يبرأ منه، فلم يأت الشاعر بالمشتقات من مادة ( عقر ) لأن ( العقر ) من الممكن زواله وولادة شبيهة.
( 2 ) ( العقم ) في الآيات الكريمة:
( أ ) في سورة الذاريات ( 29 ):قيل: العقيم: التي لا تلد [ 2 ]، أي: قالت أنا عجوز عقيم، فكيف ألد [ 3 ـ 8 ]، كما حكى الله تعالى عنها قولها: ) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) ([سورة هود]:[ 3 ] فاستبعدت ذلك لوصفين من اجتماعهما:
أحدهما: كبر السن.
والثاني: العقم [ 5 ، 6]،لأنها كانت لا تلد في صغر سنها، وعنفوان شبابها، ثم عجزت وأيست فاستبعدت [ 5 ]، وكان بين البشارة والولادة سنة، وكانت سارة لم تلد قبل ذلك [ 3 ] فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم عليه السلام يومئذٍ ابن مئة سنة [ 3 ، 6 ].
وجاء في شروح قوله تعالى: ) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) ([سورة هود]: وقدمت بيان حالها إذ ربما يولد للشيوخ من الشباب، أما العجائز فداؤهن عقام، ولأن البشارة متوجهة إليها صريحة [ 7 ، 8 ].
وهذه المعاني تؤيد ما يراه الباحث، وخاصة اقتران كبر السن بالعقم.
قوله تعالى: )عجوز عقيم (،حيث يحدث تغير وظيفي طبيعي مع تقدم العمر يشمل ضمور المبيضين وخلوهما من النطف ( البيضات ) ببلوغ سن الإياس ( أو اليأس ) في المرأة، أي: انقطاع الحيض، وبالتالي تفقد المرأة ـ بصفة نهائية ومطلقة ـ قدرتها على الحمل [ 22 ].
والارتباط بين انقطاع الحيض في النسوة العجائز وعدم القدرة على الإنجاب حقيقة معروفة منذ زمن طويل، ومما يدل على ذلك شروح بعض المفسرين لقوله تعالى: ) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) ([ سورة هود ]حيث قيل: قوله تعالى: ) فَضَحِكَتْ (بمعنى: حاضت [ 2 ، 3 ، 5 ـ 8 ]، ونقل ذلك عن مجاهد [ 2 ، 3 ، 5 ـ 8 ]، وعكرمة [ 3 ، 5 ـ 7 ] وابن عباس وابن عمر [ 7 ].
( ب ) في سورة الشورى ( 49 ، 50 ): قيل: معنى الآيات هو: فيهب لبعض إما صنفاً واحداً من ذكر أو أنثى وإما صنفين، ويعقم آخرين [ 8 ].
وقوله تعالى: )عقيماً (،أي: يمنعه هذا وهذا فلا نسل له [ 4 ]، أي: لا يولد له [ 3 ـ 7 ] ذكر ولا أنثى [ 6 ].
ومما يدل أيضاً، على صحة مذهب الباحث ما ورد في التفاسير من أن هذه الآية نزلت في الأنبياء ـ عليهم السلام ـ خصوصاً، وإن عم حكمها: وهب للوط وشعيب الإناث ليس معهن ذكر، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى، ووهب لآدم وإسماعيل وإسحاق ومحمد الذكور والإناث وجعل عيسى ويحيى عقيمين [ 3 ـ 8 ].

(1/266)


( جـ ) سورة الحج ( 55):قوله تعالى: )أو يأتيهم عذاب يوم عظيم (اختلف في هذا اليوم أي يوم هو؟ فقيل: هل يوم القيامة. وقيل: هو يوم بدر [ 2 ـ 8 ]، وقيل: المراد بيوم عقيم يوم موتهم، فإنه لا يوم بعد بالنسبة إليهم [ 7 ]، وشرح وصف اليوم بأنه ( يوم عقيم ) لأن يوم القيامة يوم لا ليلة بعده [ 2 ، 3. 4 ، 6 ] أي: لا يوم بعده [ 6 ]. والعقيم في اللغة: من لا يكون له ولد [ 3 ، 6]، ولما كان الولد يكون بين الأبوين [ 3 ] كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف العقم [ 3 ، 6 ، 7 ، 8 ]. وكذلك يوم بدر لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء، فصار يوماً لا ليلة له [ 2 ، 3 ]، وهذا يؤيد رأي الباحث.
( د ) في سورة الذاريات ( 41 ):قيل: ( العقيم ) فعيل بمعنى مفعول، وكذلك بمعنى فاعل [5 ، 7 ]، ومنه امرأة عقيم لا تحمل ولا تلد [ 3 ]، كأنه شبه عدم تضمن المنفعة بعقم المرأة فعيل بمعنى فاعل من اللازم [ 7 ]، أي: الريح المفسدة التي لا تنتج شيئاً [ 4 ]، فهي لا تلقح شيئاً [ 2 ، 7]، لا تلقح نباتاً [ 2 ]، ولا الشجر [ 2 ، 3 ، 6 ـ 8]، ولا تلقح [ 3 ]، ولا تثير [ 2 ]، السحاب [ 2 ، 3 ]، ولا تحمل مطراً [ 6 ـ 8 ]، أي: ليس فيها خير [ 6 ، 8 ]، ولا بركة [ 2 ، 3 ، 6 ، 7 ]، ولا رحمة [ 3 ]، ولا منفعة [ 3 ، 7 ].
وقيل: سميت عقيماً لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم [ 7 ـ 8 ]، على أن هناك استعارة تبعية شبه إهلاكهم وقطع دابرهم بعقم النساء وعدم حملهن لما فيه من إذهاب النسل ثم أطلق المشبه به على المشبه واشتق منه العقيم [ 7 ].
( 3 ) ( العقر ) في اللغة:
( أ ) ( العقرة ) والعقر والعقر [12]، وقد عقرت المرأة [12 ، 14 ـ 16 ]، تعقر [13 ، 14 ـ 16]، عقراً [12 ، 14 ـ 16]، وعقراً [12 ، 14]، وعقاراً [14]، وعقارة وعقارة [12]، وعقرت عقاراً [12 ، 16 ]، فهي عاقر [12 ، 14 ، 16]، والجمع عقر [12 ، 14]، وعواقر وعاقرات [15]، وعقر الرجل مثل المرأة أيضاً [12]، ورجل عاقر [12 ، 16]، وعقير [12 ، 14]، لا [12 ـ 14 ، 16]، أو لم [15]، يؤله له [12 ـ 16]، ولد [14]، والجمع عفر [12 ، 15 ، 16]، وقد ( عقرت ) المرأة تعقر بالضم ( عقراً ) بضم العين أي: صارت عاقراً [13]، وعقرها الله بالفتح جعلها كذلك [15]، وأعقر الله رحمها [12 ، 14]، فهي معقرة [12].
( ب ) العقر الجرح [14]، و ( عقره ) عقراً جرحه [12 ، 13 ، 15 ]، فهو ( عقير ) وهم (عقرى ) كجريح وجرحى [12 ، 13].
وقال الرازي في الآيتين: [5 ، 8] من سورة مريم: العقر في اللغة الجرح، ومنه أخذ العاقر لأنه نقص أصل الخلقة، وعقرت الفرس بالسيف إذا ضربت قوائمه [5]، والعقر أثر كالحز [12 ، 14]، في قوائم الفرس والإبل [14]، و ( عقر ) البعير [12 ، 15]، والفرس بالسيف [12 ، 13]، عقراً [12]، يعقره وعقره [12 ، 14]، ضرب به [13 ، 15]، أي: قطع [12]، قوائمه [12 ، 13 ، 15]، فهو ( عقير ) [13 ، 15]، أي: المعقور [12 ، 14]، والجمع عقرى [12 ، 15]، الذكر والأنثى فيه سواء، وعقر الناقة يعقرها ويعقرها عقراً وعقرها عقها إذا فعل بها ذلك حتى تسقط فنحرها مستمكناً منها [12 ، 16]، ومنها قوله تعالى: )فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم.... ( 77 ) ([الأعراف][16]،
وعقره الكلب: عضه [16]، ويقال: كلب ( عقور ) [12 ـ 15]، والجمع عقر [12، 14،15]. وعليه فـ ( العاقر ) من النساء والرجال لا ينجب، شبه بالجريح به جرح يؤلمه ويؤرقه.
( جـ ) قيل: ( العقرة ) وتضم العقم[14]، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه الباحث من أن (العقر) له مدى من الأقل إلى الأشد بينما مطلق ( العقر ) وأشده ومنتهاه هو ( العقم ).
( د ) ( العقر ) كل ما شربه الإنسان فلم يولد له،فهم عقر له [12]، والعقرة: خرزة تحملها المرأة [12 ، 14]، بشدها أو تعليقها على حوقيها لئلا تحمل [12]، وتلد [14]، إذا وطئت.
وقيل: إنها خرزة تعلق على العاقر لتلد [12]. ويفيد هذا في أن ( العقر ) يمكن أن يبرأ منه، ولذلك: سميت تلك الخرزة التي كانت تستعمل لمنع الحمل أو الحث عليه باسم ( العقرة ).
( هـ ) ( بيضة العقر ) بالضم.
قيل: هي أول بيضة تبيضها الدجاجة [12 ، 14]، لأنها تعقرها [12]، وقيل: هي آخر بيضة [12 ، 14]، تبيضها إذا هرمت [12]، فأول بيضة تبيضها الدجاجة تخرجها من الوصف بـ (العقر ) فإذا لم تبيضها فهي عاقر، بينما آخر بيضة لها إذا هرمت بعقبها مطلق ( العقر ).
( و ) العقر: فرج ما بين شيئين [12]، وهذا يتفق مع ما يذهب إليه الباحث، فما بين عدم حدوث الحمل والحمل لأول مرة ( عقر ) وما بين حملين ( عقر ) وما يعقب آخر حمل هو مطلق ( العقر ).
( ز ) يقال: عقر الأمر عقراً لم ينتج عاقبة [14 ، 12]. وذلك على التشبيه بعدم القدرة على الإنجاب.
( ح ) العاقر من الرمل مالا ينبت [12 ، 14]، يشبه بالمرأة، وفي الحديث: ( أنه مر بأرض تسمى عقرة فسماها خضرة ).

(1/267)


قيل: كأنه كره لها اسم العقر لأن العاقر المرأة التي لا تحمل، وشجرة عاقر لا تحمل، فسماها خضرة تفاؤلاً بها [12]، وعقر النخلة قطع رأسها فيبست فهي عقيرة [14]، أو عقرة [12]، وطائر عقر [12 ، 14]، وعاقر [12]، أصاب في ريشه آفة فلم تنبت [12 ، 14].
فكل هذه الأشياء التي لا تنبت شبهت بالإنسان العاقر الذي لا يلد.
( ط ) العقار بالفتح: الدواء [12 ، 15 ، 16]، أو ما يتداوى به من النبات [12 ، 14]، أو أصول الأدوية [12 ، 14].
والجمع ( العقاقير ) [12 ، 13 ، 15 ، 16]، فالعقاقير أو الأدوية يشتق اسمها من نفس المادة ( عقر ) وهذا يتماشى مع ما يذهب إليه الباحث من أن ( العقر ) يمكن أن يبرأ منه بالتداوي.
( 4 ) ( العقر ) في الآيات الكريمة:
( أ ) سورة آل عمران ( 38 ـ 40 ): قيل: المعنى أنه دعا أن يهب الله له ذرية طيبة، والذي بعثه عليه السلام، على الدعاء ما رآه من ولادة حنة لمريم، وقد كانت عاقراً، فحصل له رجاء الولد وإن كان كبيراً وامرأته عاقراً [6]، فإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت حنة كذلك [8].
وهذا يوضح بجلاء أن العاقر من الممكن أن تلد.
وقوله تعالى على لسان زكريا عليه السلام: )أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر (يعني: من بلغ من السن ما بلغت لم يولد له [2].
وقيل: إن زكريا عليه السلام يوم التبشير كان كبيراً.
قيل: كان يوم بشر بالولد ابن عشرين ومئة سنة بينما امرأته كانت بنت ثمان وسبعين سنة [3 ، 5 ـ 7].
وقيل: كان له من العمر تسع وتسعون.
وقيل: اثنتتان وتسعون [7].
وقيل: تسعون [3 ، 6].
وقيل: خمس وثمانون، وقي: خمس وسبعون، وقيل: سبعون، وقيل: ستون، [7].
والعاقر: التي لا تلد وقيل: عاقر لأنه يراد به ذات عقر على النسب [3 ، 6 ، 7]، فصيغة فاعل للنسب وهو في المعنى مفعول أي: معقورة، ولذلك لم تلحق تاء التأنيث [7]، ولو كان على الفعل لقال: عقرت فهي عقيرة كأن بها عقراً [3 ، 6]، أي: بها كبر من السن [3]، يمعنها من الولد [3 ، 6].
فزوجة زكريا عليه السلام لم يكن بها كبر من السن يجعلها ( عقيرة ) أو ( عقيم ) ـ فلم يرد أي من التعبيرين على لسان زكريا عليه السلام بل كانت ( عاقراً ) أي: ذات عقر على النسب، أي: لم تحمل قط منذ زواجها، فهو أمر ملازم لها حتى البشارة، ولا يعارض ذلك المنقول من أن عمرها كان ثمان وتسعون، حيث يخالفه ما ورد من أن زكريا عليه السلام كان أصغر من ذلك بكثير، ويلحق بذلك صغر عمر زوجته.
( ب ) سورة مريم ( 1 ـ 9 ):قوله تعالى: )لم نجعل له من قبل سميا (،نقل عن ابن عباس أنه قال: معناه لم تلد العواقر مثله ولداً [3].
وقيل: معناه: لم تلد عاقر مثله [6].
وقوله تعالى: )قال رب أنى يكون لي غلام ( ليس على معنى الإنكار لما أخبر الله تعالى به [3]، بل على سبيل التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولداً من امرأة عاقر [3 ، 4]، لم تلد من أول عمرها [4] في شبابها [6 ، 7]، على شيبها [7]، وهي الآن عجوز [6].
والعاقر هي التي لا تلد لكبر سنها والتي لا تلد أيضاً لغير كبر وهي المرادة هنا [6].
وبناءاً على هذا فالعاقر ـ خلافاً ( للعقيم ) ـ من الممكن أن تلد، والقول بأن العاقر هي التي لا تلد لغير كبر سن وهي المرادة هنا [ 6 ] يؤيد ما ذهب إليه الباحث سابقاً، كما أن العاقر هي التي لا تلد أيضاً لكبر سنها [ 6 ] فإن لم تحمل على الإطلاق حتى شيبها فهي ( عقيم ).
استعمالات أخرى للمصطلح القرآني ( عقيم )
هناك دلالات علمية أخرى للمصطلح (
sterile) وقد استخدم في تعريبها مشتقات من مادة (عقم ) وهي:
( أ ) المصطلح الإنجليزي (
sterilization)يستخدم في مجال تنظيم الأسرة [23 ، 32]، ولغوياً، فإن تعريبه هو: التعقيم من يعقم: أي: يجعله عقيماً [16 ـ 18]، لا ينجب [16]، أو إعقام من أعقم [18].
وهذا يتفق مع ما يذهب إليه الباحث، فمن المعلوم طبياً أنه عند اكتمال الأسرة واعتلال صحة الزوجة يصبح التعقيم (
sterilization) طريقة مقبولة لمنع الحمل بصفة دائمة [23]، لأن التعقيم الجراحي (surgical sterilization ) هو وسيلة قطعية للحد من التناسل حيث أن الإجراءات غالباً ما تكون غير عكوس، وبالتالي يجب اعتبارها وسيلة نهائية [23 ، 32].
( ب ) المصطلح الإنجليزي (
sterilization)يستخدم، أيضاً، في علم الأحياء بمعنى تدمير كل الكائنات الحية المجهرية المتواجدة على أو في داخل أي جسم [21]، ولغوياً، فإن تعريبه المتفق عليه هو التعقيم من يعقم [16 ـ 19 ]، أي: يبيد ما به [ 16 ] أو يطهره [ 17 ] من الجراثيم [ 16 ، 17 ]، و (sterile) صفة تفيد خلو الشيء من أي صورة حياة للكائنات المجهرية [21]، وتعريبها: معقم [ 16 ـ 19]، وهذا يتفق مع ما يذهب إليه الباحث، حيث أن ما يتم تعقيمه يخلو كلياً من أي صورة للحياة قادرة على التناسل.
( العقر ) و ( العقم ) في الطب

(1/268)


الخصوبة هي على الأصح حالة نسبية وليست مطلقة، إذ أن نسبة قليلة من البشر تقع عند الحد الأقصى، وهو مطلق الخصوبة (fully fertile)، أو تقع عند الحد الآخر وهو العقم (sterile)، بينما يقع معظم الناس في أية نقطة بين هذين الحدين [ 32 ]، والخصوبة في الإنسان ذات علاقة وثيقة بتزامن حدوث الإباضة والجماع، مما يجعل وضع تعريف دقيق للعقر (Infertility) أمراً صعباً، ونتيجة لعدم وجود اتفاق في ذلك لا يوجد متسع لاستخدام تعبيرات أخرى، مثل نقص الخصوبة (subfertility). وبالرغم من أن المصطلحين الإنجليزيين (steriluty) ( العقم ) و (subfertility) ( العقر ) لهما معنى واحد ( وهو عدم القدرة على الإنجاب )، فقد أصبح لكل منهما مدلول خاص لدى عامة الناس مما استوجب التمييز بينهما.
فالعقر (
subfertility) يعني الإخفاق في حدوث الحمل، وهو بالتالي أمر نسبي، بينما العقم (steriluty) يعني عدم القدرة على الحمل، وبالتالي فهو أمر مطلق [ 22 ]، أي: أن التعبير (العقم ) يعني (absolute Infertility) ( مطلق العقر ) واستعماله كمصطلح طبي صحيح فقط عند وصف حالة إنسان لديه سبب أو عامل يمنع التناسل بصورة مطلقة، ويتضمن ذلك أن الحالة الطبية غير عكوس [ 21 ، 32 ، 24 ]، بينما المصطلح الطبي العقر (Infertility) يمكن القول به في حالة عدم حدوث حمل بعد مضي فترة متفق عليها ـ وعادة ما تكون عام واحد ـ من العلاقة الزوجية المنتظمة بدون استخدام وسائل لمنع الحمل [23 ، 24 ].
من المعروف طبياً أن التعبير ( عقر أولي ) (
primary Infertility) يشير إلى المرضى الذين لم يسبق لهم الحمل مطلقاً قبل ذلك، بينما التعبير ( عقر ثانوي ) (secondary Infertility) يشير إلى الذين لا يستطيعون الإنجاب، بالرغم من أنه قد سبق لهم حدوث حمل [ 22ـ 24 ، 32 ، 33 ] وبغض النظر عن نوع وطول مدة الحمل [ 33 ]، أي: كونه انتهى بولادة طفل أو حدوث إجهاض عقب حمل تم تشخيصه بصورة مؤكدة [ 22 ]، ومثل ذلك، فإن ( العقم الثانوي ) (secondary sterility) يشير إلى فقدان القدرة على الإنجاب عقب فترة من الخصوبة [ 32 ].
هذا، وقد سبق بيان أن ( العقر ) قد يكون منذ أول العمر، كما ورد في قصة زكريا عليه السلام [ 4 ، 6 ، 7 ]، وكذلك في قولهم ( بيضة العقر ) وهي أول بيضة تبيضها الدجاجة [12 ، 14 ]، أو أنه قد يحدث عقب ولادة طفل أو أكثر نتيجة شراب [ 12 ] أو تعليق خرزة [ 12 ، 14 ] حيث أن العقر هو أيضاً فرج ما بين شيئين [ 12 ]، أو حملين، كما أنه قد يحدث بصورة طبيعية نتيجة لكبر السن في المرأة [ 6 ]، والدجاجة [ 12 ، 14 ] وهو مطلق ( العقر ) أي: ( العقم )، وقول الشاعر:
عقم النساء فلا يلدن شبيه إن النساء بمثله عقم [ 3 ، 6 ، 12]
وهو دعاء على النساء يفهم منه أيضاً: أن ( العقم ) مرض قد يحدث عقب ولادة طفل أو أكثر، ويؤيد ذلك قول العرب: ما كانت عقيماً ولقد عقمت.
وقولهم: أعقمها الله وعقمها [ 12 ].
والقول: أنجبت طفلين ثم عقمت [ 16].
وفي سورة الشورى ( 46 ، 50 ) يلاحظ أن التعبير القرآني في قوله تعالى: )ويجعل من يشاء عقيماً ([سورة الشورى / 50 ] قد أتى بالفعل ( جعل )، وهو يعني صبّر [12]، ولم يأت بالفعل ( خلق )، والفرق أن الجعل قد يحدث في أي مرحلة من حياة الإنسان، فقد يصيره الله عز وجل ( عقيماً ) منذ الحياة الرحمية أو عقب ولادته وقبل زواجه فلا يولد له على الإطلاق، أو بأن لا يقدر له أن يتزوج رغم عدم وجود أية عائق فلا يولد له ومنه أن الله تعالى جعل عيسى عليه السلام عقيماً [ 8 ـ 3 ] كما أنه قد يجعل المرء ( عقيماً ) عقب ولادة طفل أو أكثر.
( العقر ) والحالة النفسية للمريض
منذ بدء التاريخ المسجل لعبت مشكلة الزواج المجدب دوراً هاماً في حياة الإنسان [24]، وكانت مصدراً لتعاسته [32]، حيث يوجد الكثير من الممارسات الدينية والاجتماعية القديمة، والمرتبطة خصيصاً بالعقر والعقم [ 24 ].
وعلى وجه العموم، ففي حالة عدم وجود أطفال تعيش المرأة المتزوجة في مأساة، قد تتسبب في حدوث الاضطرابات الزوجية، والإحساس بالشقاء، واعتلال الصحة وكان، وما يزال في بعض المجتمعات، يعتبر العقم عاراً، أو علامة لعدم الرضا الإلهي، وسبباً لحدوث الطلاق، أو انتحار المرأة [32]، وبتضاؤل أمل الزوجين يزداد عدم الثقة بالنفس، والقلق، والضغط العصبي، والذي قد يتضح في علاقة الزوج بالطرف الآخر والطبيب والأقارب والأصدقاء الذين لديهم أطفال [ 33 ].
وباعتبار ما تم بيانه من أن العقر يعني الجرح [ 14]، و( عقره ) عقراً جرحه [ 12 ، 13 ،15] تستشعر مناسبة التعبير اللغوي ( العقر )، والذي يوضح النقص في أصل الخلقة [ 5 ] ومدى المشكلة النفسية لهؤلاء المرضى، فكل منهم كالجريح، به جرح يؤلمه ويؤرقهن أو هو كالذبيح ومنه قول بعض العوام: لقد ذبحني المريض.
العقر والعقم والتقنيات الحديث
أسباب حدوث العقم (
sterility) عديدة وتشمل، على سبيل المثال، عدم تطور الرحم في المرأة، وعدم القدرة على إنتاج الحيوانات المنوية في الرجل نتيجة لعدم تطور الخصيتين أو إصابتهما أو استئصالهما.

(1/269)


وقد تكون الأسباب وظيفية وطبيعية، مثل: عدم البلوغ، أو تخطي سن الإياس أو أثناء الحمل في المرأة [22]. ويتم تقييم خصوبة الرجل بإجراء تحليل السائل المنوي [ 34 ]، وينبغي الحذر عند تأويل أي تحليل للسائل المنوي، فلا يوجد ما يعرف بالتحليل الطبيعي ولكن هناك قواعد عملية تقريبية يمكن إتباعها، حيث من المستحيل تأويل التحليل إلا بصورة عامة، وطالما يوجد حيوان منوي، فلا يمكن القول بأن الرجل يعاني من العقم (sterility) إلا إذا مات قبل أن تكون له ذرية [ 32 ].
وحتى سنوات قريبة كان يتم تشخيص العقم في الرجل في حالة وجود حيوانات منوية ميتة، أو عدم وجود حيوانات منوية على الإطلاق، في السائل المنوي [34]. وفي أواخر السبعينيات من القرن العشرين ظهرت تقنية جديدة للعلاج وهي ( الإخصاب المعملي وإرجاع الأجنة ) (
in vitro fertilization & embryo transfor. Ivf - et)، وهو ما يعرفه العامة باسم ( طفل الأنبوب ) [35]، ولحق بذلك وسائل أخرى غير مقبولة من الناحية الشرعية، مثل: التبرع بالنطف أو الأجنة والرحم المستأجر [35].
وحديثاً استحدثت تقنية حقن الحيوان المنوي في داخل البيضة تحت المجهر (
intra- cytoplasmic sperm inqection, icsi) [36].
واستتبع ذلك إمكانية علاج الرجال في حالة عدم وجود حيوانات منوية في السائل المنوي، وذلك باستخراج الحيوانات المنوية من الجسد، إما من ( البربخ ) عند انسداد الأوعية الناقلة (
epididymal aspiration)[ 37 ، 38 ]، أو من ( الخصية ) (testicular sperm exraction) في حالات الفشل الوظيفي وضمور الخصية [38]، ويتبع ذلك حقن الحيوان المنوي في داخل البيضة [37 ، 38].
ولذلك: أعلن البعض أنه قد تم فتح الباب لعلاج الذين يعانون من العقم التام [29] أو الذين حكم عليهم بالعقم الأبدي [30]، وفي هذا قصر نظر وسوء فهم للغة والعلم والدين، حيث أن الإطلاع على قوانين وسنة الله في الخلق يسمح للأطباء والعلماء بالأخذ بالأسباب العلمية في العلاج والتي قد تكلل ـ بإذن الله ـ بالنجاح في بعض الحالات، فبغض النظر عن كون المسببات بسيطة أو معقدة، فهذه الحالات تعاني من ( العقر ) وليس ( العقم )، وبغض النظر عن أي مستحدثات علمية في هذا المجال وكثير منها قيد البحث حالياً في المراكز العالمية المتخصصة [39 ـ 41]، فإن الثوابت الدينية وكذلك اللغوية ـ الغربية والإنجليزية ـ تبين أن ( العقر ) (
infertility) يعني عدم القدرة على الإنجاب، فلا تحمل المرأة ولا يولد للرجل، وأن لـ ( العقر ) مدى من الأقل إلى الأشد وأنه قابل للعلاج، ومطلق ( العقر ) غير قابل للعلاج ولا يبرأ منه وهو ( العقم ) (sterility)، فلا يولد للمصاب به أي طفل.
وبالتالي لا يمكن القول به إلا في حالتين:
أولاهما: وجود سبب يستحيل علاجه، مثل عدم وجود خلايا التناسل، أي: النصف، نتيجة لضمور غدة التناسل كلياً وذلك إما لمرض أو لتغير وظيفي طبيعي مع تقدم العمر مثل ضمور المبيضين ببلوغ سن الإياس (أو ما يعرف بسن اليأس ) في المرأة.
وثانيتهما: موت الإنسان دون أن يتزوج أو يكلل الله مساعيه بالنجاح بل يولد له، فـ ( العقم ) هو من ( العقر ) وهو أشده ومنتهاه.
الخاتمة:
أوضح البحث الحالي مدى الالتباس في فهم الفرق بين دلالتي التعبيرين ( عقم ) و (عقر)، وانعكاس ذلك على فهم ما ورد في الآيات الكريمة واستخدامهما في حياتنا اليومية، بالرغم من أن الفروق في دلالة التعبيرين ثابتة منذ أمد طويل كما تدل عليه محاولة إعادة النظر بعمق في اللغة والآيات الكريمة، انطلاقاً من مبدأ هام، ألا وهو رفض القول بوجود ترادف في ألفاظ القرآن الكريم.
إن محاولة استقراء المدلول الأصلي للألفاظ عند الرجوع إلى المصادر الأصلية للغة العربية ـ وفي مقدمتها القرآن الكريم ـ يسهم بحيوية في إثراء وترسيخ عملية التعريب خلال مد جسور بين تراثنا وحاضرنا، وباعتبار ما سبق، فلا ينبغي لأحد ادعاء علاج ( العقم )، كما أنه لا يليق بمن يمارس أحدث التقنيات في الطب أن يظل منفصلاً عن هذه الجذور.
ولعل دراستنا وفهمنا وممارستنا في الطب تكون أفضل من دراستنا وفهمنا للغة الأم والآيات الكريمة.
وبناء على ما خلص إليه الباحث فإنه يبدو أن العدول عن تسمية تلك المراكز من ( مراكز العقم ) إلى ( مراكز العقر ) أصح من الناحية اللغوية ولكن البعض قد يلتبس عليه ذلك التعبير مع ( العقر ) بالكلاب ونحوه، كما أنه قد لا يستسيغه لأجل ذلك أيضاً، والأمثل حينئذٍ هو العدول عنه إلى التعبير ( مراكز الخصوبة )، وهو الهدف العلاجي لهذه المراكز مع تجنب إلصاق صفة ( العقر ) بالمرضى، وهي كما تم بيانه توحي بنقص الخلقة والجرح واللم، مما قد يكون أفضل لهم خاصة إذا وضعت حالتهم النفسية عين الاعتبار.
قال تعالى: )إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ( 3 ) ([سورة الزخرف ). )وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون ( 93 ) ([سورة النمل].هذا، والله تعالى أعلم، وهو سبحانه من وراء القصد.
تم نشر البحث بالتعاون مع جمعية الإعجاز العلمي في القرآن في القاهرة
المراجع والحواشي:

(1/270)


( 1 ) القرآن الكريم.
( 2 ) أبو جعفر بن محمد بن جرير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مطبعة مصطفى بابي الحلبي وأولاده، القاخرة، مصر.
( 3 ) أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي: تفسير القرطبي الجامعة لأحكام القرآن الكريم، دار الريان للتراث، القاهرة، مصر.
( 4 ) أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي: تفسير القرآن العظيم، دار التراث العربي، القاهرة، مصر.
( 5 ) فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي: التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
( 6 ) محمد بن علي الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
( 7 ) أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر، بيروت، لبنان.
( 8 ) أبو السعود محمد بن محمد العمادي: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الحكيم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
( 9 ) (
abdullah yusuf ali: the holy qur'an text, translation and commentary, amana corporation, brentwood, maryland, u.s.a.,1409 a. h/1989a.c.).
( 10 ) تقي الدين أحمد بن تيمية، مقدمة في أصول التفسير. مكتبة الحياة، بيروت، لبنان.
( 11 ) عبد المتعال محمد الجبري: المصطلحات الأربعة بين الإمامين المودودي ومحمد عبده { الدين ـ العبادة ـ الرب ـ الألوهية }. دار الاعتصام، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1395هـ ـ 1975م، ص: 108 ـ 109م.
( 12 ) أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي المصري: لسان العرب. دار صادر، بيروت، لبنان 1410 هـ ـ 1990م.
( 13 ) محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: مختار الصحاح: دار الجيل، بيروت، لبنا.
( 14 ) مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي الشيرازي: القاموس المحيط، عالم الكتب، بيروت، لبنان.
( 15 ) أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي: المصباح المنير، المطبعة الأميرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1909 ميلادية.
( 16 ) أحمد العايد وآخرون: المعجم العربي الأساسي. صادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس، لاروس، 1408هـ ـ 1988م، ص: 854 ، 856.
( 17 ) منير البعلبكي: المورد: قاموس إنكليزي ـ عربي، دار العلم الملايين، بيروت، الطبعة الثانية عشر، 1978م، ص 90، 464 ، 906.
( 18 ) يوسف حتي وأحمد شفيق الخطيب: قاموس حتي الطبي للجيب، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان، الطبعة ألأولى 1988م، ص 211 ، 396.
( 19 ) ميلاد بشاي: معجم المصطلحات الطبية والعلمية الحديثة، مكتبة الآنجلو المصرية، القاهرة، مصر، بدون تاريخ، ص552 ، 916.
( 20 ) زهير أحمد السباعي وماجد عثمان: دفاع عن تعليم الطب باللغة العربية. مجلة طب الأسرة والمجتمع تصدر عن الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع. الخبر، المملكة العربية السعودية، 1994، 1 ( 1 ): 3 ـ 9.
( 21 ) (
hensyl, w. R. Et al., illustrated stedman s medical dictionary. W,lliams & wilkins, baltimore, usa, 24th edition, 1982, p. 707, 1338).
( 22 ) (
howkins, j. And bourne, g.: shaw s textbook of gynecology. Churchill livingstone, edinburgh, uk, ninth editio, 1971, p. 324, 325.).
( 23 ) (
jones, h. W. And jones, g.s.: gynecoligy. Yilliams and wilkins, balitmore, third edition, 1982, p.396, 397. 485, 493).
( 24 ) (
wilsonm . j. R. And carrington, w. R.: obstetrics and gynecology. Cv mosby company, st. Louis. Usa. 6th edition, 1979. p. 153).
( 25 ) محمد علي البار: أخلاقيات التلقيح الاصطناعي ( نظرة إلى الجذور ). الدار السعودية للنشر والتوزيع، جدة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1407هـ ـ 1987م، ص 25 ـ 29، و68 ـ 74.
( 26 )ــــــــ: التطور العلمي يجلب الأمل لىلاف الأزواج من جديد: العقم... آفاق جديدة ومستقبل واهد. مقال في جريدة الشرق الأوسط يوم 23/1/1995، العدد رقم 5900.
( 27 )ــــــــ: الجديد في علاج العقم وضوابطه وأخلاقه. مقال في جريدة الأهرام، يوم 3/3/1995، العدد رقم 39533.
( 28 )ــــــــ: اللعقم: هذه هي الحالات التي لا يجدي معها طفل الأنبوب، مقال في جريدة الرياض، يوم 30/3/1995، العدد رقم 9775.
( 29 )ــــــــ: تطور علمي مذهل لمواجهة العقم: الإنجاب ممكن بنسيج من خلايا الرجل. مقال في جريدة الأهرام، يوم 9/5/1995م، العدد رقم 39600.
( 30 )ــــــــ: الإخصاب المساعد يفتح الأمل للعقيم الأبدي. مقال في جريدة الأنباء، يوم 3/4/1995، العدد رقم 6784.
( 31 ) (
el- hussei, e.s.a. et al: integrated infertility and assisted conception service: first saudi m.o.h. experience. Presented at the fourth saudi obstetrics and gynecological society meeting, king fahd university hospital, al-khobar, 4-5 may 1994, paper 10 in abstract book, p.55.).

(1/271)


( 32 ) (norman, j.: principles of gynaecolology. Butterworths, london, fourth edition, 1975, p. 589, 589, 626.).
( 33 ) (
dechernem a. H.: infertility: gneeral princplex of evaluation. In n. K. Kase, a. B. Weingold, w. E, lucas, and e. B. Connell (eds) principles and practice of clinical gynecology. John wiley & sons, new york, 1983 chap 27, p. 425 - 436).
( 34 ) (
decherneym a. H.: male infertility. In n. G. Kase, a.b. weignold, w. E. Gucas, and e. B. Connell (eds. ) principles and practice of clinical gynecology. John wiley & sons, new york, 1983, chap 28, p. 437 J 442).
( 35 ) (
edwards, r. G.: steptoe. P. C. And purdy, j. M.: establishing full- tern human pregnancies using cleaving embryos grown in vitro. Br. H. Obstet gynecol, 1980, 87 (9): 737-56.).
( 36 ) (
mansour, r. T.: amin, y. M. Aboulgher. M. A.: ramzi, a. M. And serour, g. i.: the effect of spermparameters on the outcome of intracytoplasmic sperm injection. Fertkl steril. 1995, 64,: 982-6.).
( 37 ) (
craft. i. Et al.: percutaneous epididymal sperm aspiration and intracytoplasmic sperminjection in the manajement of infertility due to obstructive azoospermia, fertil steri;, 1995. 63: 1038-42).
( 38 ) (
urman, b. Et al. : performing testicular or epididymal sperm retrieval prior to the injection of hc g, assust. Reprod genet, 1998, 15 (3): 125-8.).
( 39 ) (
bahadur, g. And stellem s. i.: ovarian tissue cryopreservation for patientes. Hum. Repreio. 1996, 11 ( 10 ) : 2215-6.).
( 40 ) (
oktay, k.: newton, h.: aubars, y.: salha, o. And gosden, r. G: cryopreservation of immature human oocytes and ovarian tissue: an emerging technology" Fertil steril. 1998, 69 (1): 1-7.).
( 41 ) (
moomjy, m. And rosenwaks, z.: ovarian tissue cryopreservation: the time is now. Transplantation of in vitro maturtion: the time awaits {editorial}. Ferti; steril. 1998, 69(6): 999-1000)..
***
أ. د/ كريم حسنين إسماعيل
(1)- هذه الأرقام تشير إلى مراجع البحث، وهي مذكورة في ختام الكلا
================
الإعجاز الأسلوبي في سورة يوسف
بقلم ياسر محمود الأقرع
لم يكن أسلوب التوكيد في كلام العرب - على كثرته - لوناً من ألوان الزينة، أو شكلاً من أشكال الحشو الذي يرهق النص ويثقله بما لا فائدة منه ولا جدوى. وإنما هو ركن من أركان البناء اللغوي والبياني الذي ذخرت به النصوص العربية شعراً ونثراً. فالعرب لا تؤكد كلامها إلا إذا كان المخاطب في حاجة إلى ذلك، وتأتي بمؤكد واحد إن كان المخاطب متردداً في تصديق ما يقال أو ظنَّ ذلك منه، في حين تأتي بأكثر من مؤكد _ وقد تشفع ذلك بالقسم _ إن كان المخاطب منكراً ما يسمع كل الإنكار أو ظنَّ منه ذلك.
سنتوقف في بحثنا هذا أمام آيات من سورة يوسف (عليه السلام) نعرض خلالها مواقف من القصة، في محاولة منا لتلمس الوجه البياني الذي يمثله أسلوب التوكيد في السورة.
ولنقف قبلاً أمام قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفيه أول ما جاء مؤيداً بالتوكيد في سورة سيدنا يوسف (موضوع بحثنا).
ذكر الله تعالى إنزال القرآن مؤكداً بـ (إنَّ)ذلك أن كفار مكة - ومنهم اليهود الذين سألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقص عليهم قصة يوسف (عليه السلام) - كانوا يطعنون بصدق نبوته، وبأن القرآن هو كتاب منزل من الله تعالى. لذلك، وقبل البدء في القصة التي طلبوا سماعها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، جاء ذكر إنزال القرآن بأنه من عند الله مؤكداً بـ (إنَّ)، لنفي ما زعموه، وتسفيه ما ظنّوه.
أضف إلى ذلك أن إنزال القرآن الكريم على النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر غيبي، والغيبيات تحتاج إلى ما لا تحتاجه المحسوسات من التوكيد، إذ يأتي التوكيد - عند ذكرها - رفعاً للشبهة ودفعاً للظنّ، ودرءاً للخاطر إن جاء مشككاً أو منكراً.
وانظر في قوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وقد جاء دون توكيد، إذ الأمر هنا ليس أمراً غيبياً، بل هو أمر محسوس يحمل في ذاته دلائل مصداقيته، وذلك في قصص القرآن الكريم كلها ومنها قصة يوسف (أَحْسَن الْقَصَصِ)، فلا حاجة إذاً للتوكيد، ما دام المثال ظاهراً، والدليل قائماً.
ولما أراد الله تعالى أن يخبرنا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يعرف شيئاً عن قصة يوسف (عليه السلام) جاء بلام التوكيد في قوله:(وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) وذلك دفعاً لأي شك أو تردد في شأن معرفة النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذه القصة قبل نزول القرآن عليه، فأكد غفلته عن الأمر تأكيداً لا يغضّ من قدر رسوله، بل يدل على صحة نبوته وصدق دعوته (صلى الله عليه وسلم) .

(1/272)


مواقف في قصة سيدنا يوسف والأثر البلاغي لأسلوب التوكيد فيها:
رؤيا يوسف (عليه السلام)
(يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)
بهذا أخبر سيدنا يوسف أباه عن أمر رؤياه، وجاء بكلامه مؤكداً بـ (إنّ)، ثم بتكرار فعل الرؤيا مرتين (رأيت _ رأيتهم). وجاء هذا التوكيد في معرض الحديث عن أمر غير مألوف، فيه من الغرابة ما يُخشى معه أن يشك السامع في صدق ما يسمع، لذا جاء ذكر الرؤيا مقترناً بالتوكيد (إني رأيت _ رأيتهم) دفعاً لشك قد يخامر سيدنا يعقوب في صدق ما يقوله هذا الغلام الصغير.
ويؤول سيدنا يعقوب رؤيا ابنه، ويطلب منه ألا يخبر إخوته بالأمر...
إخوة يوسف يكيدون له
ها هم إخوة يوسف يتشاورون في أمره (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنّا). وجاؤوا بقولهم هذا مؤكداً بمؤكد واحد (اللام في ليوسف). ثم أكّدوا قولهم (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) بمؤكدين (إنَّ _ اللام في لفي). وإخوة يوسف ليس بينهم من يشك أو يتردد في أن يوسف وأخاه أحب إلى أبيهم منهم، ولا بينهم منكر أن أباهم في ضلال مبين. فلماذا إذاً جاء الكلام مؤكداً وهم في غير حاجة إلى توكيد ما هم متفقون عليه ومجتمعون بسببه!؟
إن مجيء الكلام مؤكداً في قولهم (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) يؤسس لاقتراح غريب سيطرحونه، وصولاً إلى قرار جريء سيتفقون عليه، وهو التخلص من أخيهم يوسف.
لذا أرادوا تأكيد الأسباب المؤدية إلى هذا الاقتراح حتى يبدو اقتراحاً مقبولاً، له أسبابه ودوافعه. فبدؤوا بتوكيد أمر محبة أبيهم أخاهم يوسف بمؤكد واحد (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا)، ثم صعّدوا الموقف بتوكيدين (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) ليأتي عقب ذلك مباشرة قولهم: (اقْتُلُواْ يُوسُفَ).
ولولا ما قدموه من أعذار مؤكدة، غير قابلة للشك (في زعمهم)، ما كان اقتراحهم (قتل أخيهم) أمراً مقبولاً.
من هنا كان لابدّ - وصولاً إلى هذا الاقتراح - من توكيد الأسباب المؤدية إليه!!
وربّ قائل يقول: إن وجود المؤكد، والمؤكدين في قول إخوة يوسف يدل على وجود متردد أو منكر بينهم، فهل ثمة منكر أو متردد فيما كانوا يسوقونه من أعذار تسول لهم قتل أخيهم؟
نعم، إن عقولهم تنكر ما تقوله ألسنتهم، وليس أدلّ على ذلك من اعترافهم (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ). إذاً ما يتفقون عليه وينوون فعله تنكره عقولهم، كونه - باعترافهم - ليس من الصلاح، وجاء هذا على ألسنتهم بإقرار واضح، وتصريح فاضح.
بين سيدنا يعقوب وأولاده
لما اتفق إخوة يوسف على إلقاء أخيهم في غيابة الجب، ولم يبق أمامهم إلا إقناع أبيهم بأخذه، ذهبوا إليه و(قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) وفي قولهم هذا مؤكدان: (إنّ _ اللام في لناصحون)، فهل يحتاج إقرارهم بالنصح لأخيهم إلى توكيدين؟
ثم قالوا: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وهنا جاؤوا كذلك بمؤكدين، فهل يحتاج أمر حفظهم لأخيهم مؤكدين أيضاً (إنّ _ اللام في لحافظون)؟
إن مجيء قضيتي (النصح - الحفظ) مقترنتين بالتوكيد يعني أن سيدنا يعقوب (عليه السلام) كان منكراً للمضمون الذي جاء فيهما، ويبدو أن إخوة يوسف عرفوا ذلك عن أبيهم، وأيقنوا عدم ثقته بهم، فجاؤوه بهذه المؤكدات رغبة في إقناعه بصفاء نيتهم، وصدق ادّعائهم. وليس أدلّ على ذلك من قولهم (مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) ففيه إقرار منهم بعدم ثقة أبيهم بهم.
فإخوة يوسف كانوا إذاً في معرض الشبهة من وجهة نظر سيدنا يعقوب وقد عرفوا ذلك وأيقنوه فاحتاجوا إلى توكيد خطابهم.
وتأمل رد سيدنا يعقوب على أولاده حين (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ) وجاء هنا بمؤكدين
(إنَّ _ اللام في ليحزنني)(وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) وجاء بالجملة دون توكيد.
فأية دلالة يحملها وجود التوكيد في الجملة الأولى وغيابه عن الجملة الثانية؟
أكد سيدنا يعقوب حزنه لذهاب إخوة يوسف به، لأحد أمرين:
إما أن يكون ذلك رداً على قولهم (مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) فأراد بتوكيد الحزن دفع ما ظنوه من عدم الثقة بهم، فأكد لهم أن سبب ذلك إنما حزنه على فراقه لا الخوف منهم عليه.
أو أنه أراد أن يؤكد لهم: إن حزني لا بسبب بعده عني، بل بسبب ذهابكم به، فذهابكم به هو الخطوة الأولى التي تتيح لكم الإساءة إليه. فأكد حزنه على ذهاب يوسف معهم لأن ذهابه معهمهو الذي سيجلب عليه الحزن والهم. أَوَلم يقل سيدنا يعقوب فيما بعد (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ) إنه الحزن ذاته الذي ذكره - متخوفاً - عند ذهاب يوسف مع إخوته.

(1/273)


وسيدنا يعقوب(عليه السلام) لم يؤكد خوفه على يوسف من أن يأكله الذئب لأنه كان على ثقة بأن ذلك لن يحدث،فسيّدنا يوسف قد اجتباه الله لحمل رسالته، وسيعلمه من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليه(حسب تفسير الرؤيا) ولا سبيل إلى ذلك كله إن أكل الذئب يوسف(عليه السلام)، لذا جاء كلامه حول هذا الأمر دون توكيد، وإنما ساق هذا العذر (خوفه على يوسف من الذئب) ليدفع عن أولاده ظنّهم عدم الثقة بهم، لعل هذا العذر يتيح له إبقاء يوسف عنده.
الغريب في الأمر أن إخوة يوسف تركوا قضية حزن أبيهم على فراق يوسف (وهي مؤكدة) وردّوا على قضية خوفه من أن يأكله الذئب، التي جاءت دون توكيد فـ (قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) وتأمل مؤكدات الجملة:
(لئن)ويرى النحاة أنها تدل على قسم محذوف، و (إنَّ) واللام في قولهم (لخاسرون). وهذه المؤكدات كلها جاءت في معرض الردّ على تخوّف أبيهم من أن يأكل الذئب يوسف، فأفرطوا في توكيد نفي حدوث هذا الأمر حتى يطمئنوا أباهم فيرسل أخاهم معهم.
ولعل في هذه المؤكدات ما يدل على أنهم بيّتوا هذا العذر من قبل، وذلك وقت اتفاقهم على طريقة التخلص من أخيهم، فلما لامس سيدنا يعقوب - بذكره الخوف من الذئب - ما كانوا بيّتوه في أنفسهم، جاء ردّهم أكثر توكيداً في نفي حدوث هذا الأمر، إذ من غير المعقول أن يتفق إخوة يوسف (عليه السلام) على كيفية التخلص منه، دون الاتفاق على ما سيقولونه لأبيهم عند عودتهم إلى البيت دون أخيهم، وربما اقتضى البيان الإلهي عدم ذكر اتفاقهم هذا كونه سيأتي فيما بعد في سياق القصة، فلا حاجة لتكراره... والله أعلم.
تأتي لحظة إلقاء يوسف (عليه السلام) في غيابة الجب، وهو طفل صغير، ويأتي وحي الله مبشراً إياه بالنجاة من محنته (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) وقد جاءت البشرى مؤكدة بقسم محذوف قبل (لتنبئنّهم) دلت عليه اللام الواقعة في جواب القسم، كما جاء الفعل مؤكداً بنون التوكيد الثقيلة، وما هذه المؤكدات في هذا الوقت الحرج إلا زيادة في بث الطمأنينة في نفس يوسف بأن نجاته من محنته أمر كائن لا محالة، وتوكيد الأمر أدعى إلى الثقة والاطمئنان.
ويرجع إخوة يوسف حاملين إلى أبيهم عذرهم (قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ)، ولئن جاء ذكر ذهابهم للاستباق مؤكداً بـ (إنّ) فإن الجملة ما دون ذلك خلت من المؤكدات. ويبدو الأمر غريباً، إذ كيف لا يكون عذرهم حافلاً بالمؤكدات، في قضية يقف فيها أبوهم موقف المنكر،غير المصدّق، ويقفون أمامه موقف المذنب الذي يحتاج إلى إثبات باطل أتى يحمله!؟
في ذلك نقول: إن إخوة يوسف كانوا واثقين من أن وسائل التوكيد، التي قد يلجؤون إليها في كلامهم، عاجزة عن إقناع أبيهم بما جاؤوا به، ولذلك اتبعوا قولهم (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) قولهم (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) أي لن ينفعنا أن نؤكد كلامنا أو نشفعه بالقسم، دعماً لحجتنا وتأييداً لقولنا، لذا (جَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) أي هذا دليل ملموس (حسب زعمهم) لعله _ مع نفاد الحجج الكلامية _ يقنع أباهم بما يزعمون. وبما أنهم حملوا دليلاً محسوساً، فلا حاجة إذاً لوسائل توكيد القول التي لن تجدي _ في هذه القضية _ نفعاً أو تؤيد _ في هذا الموقف _ قولاً.
وجاءت سيارة، وحُمل يوسف (عليه السلام) إلى مصر، ليباع عبداً، وينشأ في بيت العزيز.
يوسف (عليه السلام) وامرأة العزيز
ولما بلغ أشده أخذت امرأة العزيز تراوده عن نفسه،غير أن سيدنا يوسف الذي اجتباه الله لحمل رسالته ما كان له أن يقع في الخطيئة فـ (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)، وقد جاء ردّه هذا مؤكداً بـ (إنّ)في موضعين:
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ: إن سيدي أكرمني وأحسن إقامتي عنده وأنعمعليّ. وتمثل هذه الجملة (المقدمات)
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: إنّ الإساءة إلى من أحسن إليّ ظلم،عاقبته الخيبة والخسران.وتمثل هذه الجملة (النتائج).
و القولان جاءا مؤكدين بـ (إنّ).
إذاً، إن المقدمات التي جاءت مؤكدة لا شك ستفضي إلى نتائج مؤكدة أيضاً. وهذا كله من باب إقناع امرأة العزيز بالحجة والمنطق، وهو في الآن ذاته شريعة الله القائمة على العدل، ولو خلت إحدى الجملتين من التوكيد لاختلّ التوازن بين المقدمات والنتائج.
لكن امرأة العزيز أصرّت على ما عزمت عليه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) والجملة مؤكدة بـ (لقد) التي تدل على قسم محذوف قبلها، وهذا التوكيد المؤيد بالقسم دليل على أن الأمر قد حدث دون شك، وأنّ امرأة العزيز قد همّت بيوسف حقيقة.
ويأتي قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وهذه الجملة تنفي الأمر عن سيدنا يوسف من ناحيتين:

(1/274)


الناحية الأولى: وجود لولا التي تعني أن أمر (الهمّ) لم يحدث أصلاً. فقولنا: لولا المطر يبس الزرع. لا يعني أن الزرع قد يبس بحال من الأحوال!؟
وقوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) يعني أيضاً أن الهم لم يحدث أصلاً.
وقد ذهب بعض النحاة إلى أن جواب لولا في الآية محذوف، وما قبلها ليس جواباً، إذ لا يصح أن يأتي جواب لولا قبلها. وقد خالف نحاة آخرون هذا الرأي.
وعلى أية حال نقول: إنما حذف جواب لولا – إن اتفقنا مع أصحاب هذا الرأي – لدلالة ما قبلها عليه، ومن ثم فالمحذوف يحمل الدلالة ذاتها، وهذا يتفق والمعنى الذي نذهب إليه... بأن الهم لم يحدث من جانب سيدنا يوسف.
أما الناحية الثانية: فهي مجيء فعل (الهمّ) في قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) دون توكيد، على غير ما جاء به الفعل المنسوب إلى امرأة العزيز (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، إذ جاء مؤكداً كما ذكرنا آنفاً، وهذا يدل على أن الأمرين غير متماثلين، وإلا فما الدلالة التي يحملها توكيد الفعل الأول، وعدم توكيد الفعل الثاني إن كان الفعلان متساويين.
ولما استبقا الباب، ووجدا العزيز لديه بادرت امرأة العزيز فـ (قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
نلاحظ أن كلام امرأة العزيز هنا لم يأت مؤكداً، على الرغم من أن الموقف يتطلب ذلك، فأية دلالة يحملها هذا الأمر!؟
إذا كان الكلام المؤكد يراد منه إزالة التردد أو الإنكار من نفس المخاطب، فإن الأمر عند العزيز لم يدخل بعد حيز التفكير حتى يشكك فيما يسمع أو ينكره، فأرادت امرأته أن تبادره بقولمصبوغ بصبغة الحقيقة الواقعة، بلسان الواثق من نفسه. ولو جاءت – في قولها - بمؤكدات لوضعت نفسها في موضع المتهم المدافع عن نفسه... وهي لم ترد ذلك، بل أرادت وضع نفسها في موضع المدّعي،لتجعل يوسف (عليه السلام) في موضع المتهم الذي يضطر إلى أساليب التوكيد- على اختلافها- دفاعاً عن نفسه، وردّاً للتهمة، ونفياً لها... فالبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر.
ولعل امرأة العزيز لم تكن تحفل بموقف زوجها من الأمر، ولا يهمها إن اقتنع ببراءتها أملا، فهي لا تحتاج والحالة هذه إلى توكيد الأمر لدفع الشبهة لدى زوجها (إن وجدت).
ودليلنا على ذلك أن امرأة العزيز عادت إلى مراودة يوسف عن نفسه أمام جمع من النسوة دون أن تقيم لزوجها وزناً أو تحسب له حساباً، ولو كانت تخشاه لما أقدمت على ذلك.
وعلى أيّ وجه كان الأمر، فإن سيدنا يوسف (عليه السلام) (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي) هكذا دون توكيد، فلم يضع نفسه في موقف المتهم المدافع عن نفسه، ولم يأت جوابه بنفي الأمر الذي اتهمته به، فلم يقل مثلاً: (لم أرد بأهلك سوءاً) وإنما ردّ الاتهام بمثله (من وجهة نظر العزيز)، وأجاب بلهجة واثقة (هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي).
الطرفان إذاً امرأة العزيز ويوسف (عليه السلام) كل منهما يتهم الآخر، وليس ثمة بيّنة إلا قميص يوسف الذي قُدَّ من دبر. لكن الاحتكام إلى هذا الأمر لو جاء على لسان يوسف (عليه السلام) لكان رأيه في معرض المدافع عن نفسه، وقد لا يُقبل اقتراحه هذا فـ (شَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا ) وجاءت شهادته نقضاً لادعائها، وتثبيتاً لقول يوسف (عليه السلام) وتنزيها له مما اتهم به بهتاناً وزوراً.
وتعود امرأة العزيز إلى ما عزمت على فعله، وعلى مرأى ومسمع النسوة اللواتي كنَّ يلمنها على مراودتها يوسف عن نفسه (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ)
انظر إلى توكيدها أمر مراودة يوسف عن نفسه (لَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ).
وقد جاء هذا التأكيد بعد إدراكها أن النسوة قد رأين في حُسْنِ يوسف عذراً مقبولاً لما أقدمت على فعله، فلم يعد ثمة حرج إذاً في توكيدها الإقدام على هذا الأمر.
ثم تقول (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) لقد حمل كلامها تهديداً ووعيداً، وجاء حافلاً بالمؤكدات التي تصور عزمها على إنفاذ تهديدها فأكدت بـ (لئن) الدالة على قسم محذوف قبلها، وباللام ونون التوكيد الثقيلة في (ليسجننّ)، واللام ونون التوكيد الخفيفة في (ليكونن).
رأى بعض النحاة أن مجيء (ليسجننّ) بنون التوكيد الثقيلة، و(ليكونن) بنون التوكيد الخفيفة معناه أن حرصها على سجنه كان أكبر من حرصها على إذلاله، والأمر فيما نرى يحتمل وجهاً آخر والله أعلم:
لقد أكدت امرأة العزيز بنون التوكيد الثقيلة ما هي قادرة على فعله،أي سجن يوسف(عليه السلام)،أمّا الذل والصَّغار فأمران معنويان لا يملكهما إلا الله سبحانه وتعالى. والإذلال أمر لا يخرج عن كونه مجرد احتمال، فكيف لها أن تؤكد ما لا قدرة لها عليه، ولا بيدها حدوثه...!؟
ولنتأمل فيما آلت إليه الأمور...

(1/275)


توعدت امرأة العزيز يوسف (عليه السلام) بالسجن، بقولها: (ليسجننَّ) وقد كان لها ما أرادت (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) وانظر إلى البيان الإلهي في تكرار لفظة (لَيُسْجَنَنَّ) مؤكدة بالمؤكدين نفسيهما في الحالتين، إشارة إلى أن امرأة العزيز نفذت تهديدها كما أرادت تماماً.
أما الإذلال فليست تمتلك وسائله أو أدواته، لأنه خارج عن إرادتها فلم يكن لها ذلك، إذ كان سيدنا يوسف في سجنه داعياً إلى الله، مبلغاً رسالته، ناصحاً، مستشاراً فيما يجهل علمه سواه (تأويل الرؤيا)، وكان – حسب ما جاء على لسان الفَتيين ـ من المحسنين، ثم لما خرج من سجنه جعله الملك على خزائن الأرض... وفي ذلك كله عزّ ورفعة لا إذلال وصَغَار.
ظهور براءة يوسف
_ ولما سأل الملك امرأة العزيز والنسوة عن أمر يوسف (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) إنها تقر بذنبها بقولها (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ) وجاءت الجملة هنا دون توكيد، كونها جاءت في سياق الاعتراف بذنب يدعو للخجل أمام الملك، فلم يكن من البلاغة إذاً أن يأتي اعترافها هذا مؤكداً، ثم تضيف (وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) وهنا تأتي بمؤكدين (إنّ _ اللام في لمن) زيادة في تأكيد براءة يوسف وصدقه. وهذا أيضاً مما يدحض قضية الهمّ التي ذكرت في قوله تعالى (وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) والتي سعى المشككون إلى إثارتها وتأويلها بالشكل الذي يرغبون.
ثم تقول (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) وتوكيدها أن النفس أمّارة بالسوء بمؤكدين (إنّ – اللام في لأمّارة)، حُسْن اعتذار وتبرير لفعل شائن صدر عنها، إذ أكدت أن الأمر خارج عن إرادتها.
ولنتذكر اعتراف امرأة العزيز أمام النسوة وقد هتكت أمامهن ستر الحياء: (لَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ) كيف جاء الاعتراف مقترناً بالتوكيد، بعدما رأت في موقف النسوة عند رؤيتهم يوسف ما يبرر فعلها.
أما أمام الملك فالأمر مختلف حتماً، فجاء اعترافها مبطناً بالحياء (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ)
إخوة يوسف في مصر
ويأتي إخوة يوسف إلى مصر ليكتالوا، ويردّهم يوسف (عليه السلام) طالباً منهم إحضار أخيهم (بنيامين)، فوعدوه بذلك و(قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ).
وجاء وعدهم هنا مؤكداً بـ (إنّ - اللام في لفاعلون)، وهذا دأبهم في وعودهم، تأتي دائماً حافلة بالمؤكدات، ذلك أنهم - بفعل ما تخفيه نفوسهم من أمر- يرون وعودهم في معرض التشكيك والشبهة. وعادوا إلى أبيهم لإحضار بنيامين (قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وقولهم (إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) يماثل وعدهم يوم أرادوا الذهاب بسيدنا يوسف. لذا فإن ذلك اليوم كان أوّل ما خطر في بال يعقوب (عليه السلام) عند سماعه وعدهم هذا فـ(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ).
ولنتذكر وعودهم التي جاءت بصيغ متشابهة، مشفوعة بأساليب التوكيد ذاتها:
قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ
فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
وهذا موقف من يضمر أمراً، أو يبيّت سوءاً، أو يرى نفسه دائماً في موضع الشبهة والشك وعدم التصديق.
ولذا قال سيدنا يعقوب (لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ) ولعله قَبِل بذلك منهم كونه يدرك أن أولاده لا يكنّون من الغيرة والحقد على بنيامين ما كان في أنفسهم على يوسف (عليه السلام) ولذا لم يبلغ خوفه عليه ما بلغه على يوسف حين أراد إخوته أن يذهبوا به.
ويرسل يعقوب (عليه السلام) ابنه بنيامين مع إخوته، ولمّا أراد يوسف (عليه السلام) أن يستبقي أخاه عنده أسرَّ إليه (إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وجاء قول يوسف مؤكداً بـ (إنّ) وضمير الفصل (أنا) الذي يفيد التوكيد أيضاً، لأن الأمر يبدو غريباً، فيوسف الذي غاب هذه السنوات الطويلة، دون أن يُعلم مصيره، هو الآن عزيز مصر، ولشدة ما في الأمر من غرابة كان لا بدّ أن يأتي قوله (إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ) مشفوعاً بالتوكيد.
ثم وُضِعَ الصواع في رحل أخيه (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ).

(1/276)


فما كان من إخوته لما سمعوا ذلك إلا أن قالوا (تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) وقد جاء قولهم مؤكداً بالقسم (تالله)، و(لقد) وذلك على الرغم من ثقتهم ببراءتهم من هذه التهمة، لكن الاتهام الذي جاء مؤكداً بمؤكدين (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) كان لا بد من الردّ عليه برد مشفوع بالتوكيد، خصوصاً أن أخوة يوسف تعوّدوا أن يكونوا موضع الشك والشبهة، ولو كانوا في غير هذا الموضع لأجابوا إجابة الواثق المتأكد من براءته (لسنا سارقين). كقول يوسف حين اتهمته امرأة العزيز أمام زوجها بأنه كان يراودها عن نفسها، فـ (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي) هكذا دون قسم أو توكيد، بل هي إجابة الواثق من براءته، المتأكد من طهره وعفته.
وعاد إخوة يوسف إلى أبيهم دون أخيهم (بنيامين) فقالوا (يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)، ولأنهم ليسوا موضع ثقة عند أبيهم قالوا (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) وقولهم (إِنَّا لَصَادِقُونَ) رغم ما فيه من المؤكدات لا يكفي – لو جاء وحده - لإقناع أبيهم بصدقهم، لذا كان من الضروري أن يُشهدوا على ما جاؤوا به أهل القرية التي كانوا فيها، وأصحاب الإبل الذين أقبلوا معهم.
لكن سيّدنا يعقوب، وقد كذبوا عليه في أمر يوسف، ما كان ليصدقهم هذه المرة (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا). لقد أعادوا إليه مرارة فقده يوسف فـ (تَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) وأثار هذا الأمر استغرابهم (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ).
وقد جمعوا بين القسم والتعجب في قولهم (تالله) فأكدوا أن تذكره يوسف سوف يؤدي به إلى الهلاك، وأرادوا بذلك أن يصرفوه عن فعله هذا، وتعجبوا في الآن ذاته من تذكره يوسف بعد هذا الزمن الطويل على فقده وغيابه عنه.
إخوة يوسف.. من الشك إلى اليقين
ويعود أبناء يعقوب (عليه السلام) إلى مصر، ويسألهم يوسف (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) وهذا سؤال من باب الإخبار. وإخبارهم بأمر كان ما يزال سرّاً بينهم أمر مثير للاستغراب فـ (قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ) وجاؤوا بمؤكدين (إنّ - اللام في لأنت)وهنا لا بد من أن نتوقف قليلاً:
هل كان إخوة يوسف في حاجة إلى هذا التساؤل حتى يكتشفوا أن عزيز مصر ما هو إلا أخوهم يوسف..؟؟
إن الانتقال من أقصى الغفلة وعدم المعرفة بشخصية يوسف إلى أقصى المعرفة وآخر حدودها أمر أكبر من أن يثيره تساؤل سيدنا يوسف (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ) وكان الأولى بهذا التساؤل أن يثير في أنفسهم شكوكاً بأن أخاهم الذي استبقاه العزيز عنده هو من أخبره بقصة ذهابهم بيوسف وعودتهم دونه... لكن ذلك لم يحدث!!!
لا شك إذاً أن إخوة يوسف كان قد تسرب إلى نفوسهم أن ثمة شيئاً في ملامح العزيز يشابه شخصية يوسف،لكن عقولهم سرعان ما استبعدت الأمر وأنكرته لفقدان الإشارات الدالة عليه.
ولنعد إلى قوله تعالى في وصف أول لقاء جمع بين يوسف و إخوته: (وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ).
فأي معنى تحمله عبارة: (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)؟
وما هو الإنكار هنا؟
إذا كان الإنكار – لغوياً - ضد المعرفة (حسب التعبير المعجمي) فهل يعني هذا أن الإنكار هو الجهل وعدم المعرفة مطلقاً كما جاء في تفسير (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)!؟
وماذا نقول إذاً في قوله تعالى (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) / النحل (83)؟؟
إن (الإنكار) يتضمن معنى المعرفة إذاً، أو الشك على أقل تقدير، ثم دفع هذه المعرفة أو تغييبها لسبب ما. والراجح أن إخوة يوسف قد خطر في بالهم عند لقائهم الأول به أن في العزيز شيئاً من أخيهم، ثم جاء الإنكار من ذواتهم لأن القرائن لا تشير إلى ما دار في أذهانهم ولا تدل عليه. فلما سألهم سيدنا يوسف (هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ)تداعى إلى نفوسهم ما كانوا غيبوه عقلاً، وثبت في أذهانهم ما كانوا أنكروه قبلاً. وأيقنوا أن من هم في حضرته إنما هو أخوهم يوسف نفسه، فـ (قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ) وجاء سؤالهم مبطناً بالإخبار فكأنهم قالوا: (إنك أنت يوسف أليس كذلك!؟) لذا لم يأتِ جوابه بـ (نعم) وإنما (قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَينا).

(1/277)


وانظر في قوله تعليماً لإخوته وتأديباً لهم (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) فهو يربط بين المقدمات والنتائج، إنّ من يتق الله ويصبر (هذه المقدمات) فإن الله لا يضيّع أجر المحسنين (هذه النتائج) وهذا يذكرنا بقول يوسف (عليه السلام) لامرأة العزيز (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وفي الحالتين كان لا بد من توكيد المقدمات وتوكيد النتائج، ترسيخاً للقاعدة الإلهية، والشريعة الربانية (العدل) وتوكيداً لها، ولو خلا أحد الأمرين من التوكيد لاختل التوازن بين المقدمات والنتائج.
وأمام هذا الواقع وقف إخوة يوسف و(قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) وفي قولهم هذا أمران تدور حولهما مجمل أحداث القصة، ويلخصان في الوقت نفسه طبيعة العلاقة بين يوسف وإخوته. هما:
1- فضل يوسف على إخوته (تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا)
2- خطيئة إخوة يوسف في حقه (إِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ)
نحن إذاً أمام إقرار من إخوة يوسف بأن الله فضل أخاهم عليهم، واعتراف منهم بما اقترفوه من إساءة في حق أخيهم. وجاء الإقرار مؤكداً بالقسم المتضمن معنى التعجب (تالله) لما آلت إليه أمور يوسف وأحواله، وجاء مؤكداً بـ (لقد) وهذا من باب المبالغة في توكيد الأمر وتثبيته.
كما جاء اعترافهم مؤكداً بمؤكدين أيضاً (إن) المخففة من (إنّ) (اللام في لخاطئين).
لقاء يوسف بأبيه
و تمضي الأحداث و(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ) أي توجهت عائدة من مصر إلى الشام(قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ)
وأتى بقوله(إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) مؤكداً، رغم تخوفه من أن ينسبوه إلى الخرف، لأنه كان على ثقة بأن الله سيجمعه بيوسف تحقيقاَ للرؤيا التي رآها ابنه في صغره …. أَوَلم يقل قبل ذلك (أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
(قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ) وهذا تأكيد وتعجب من أن سيدنا يعقوب لم يزل مصرّاَ على زعمه بأن ابنه يوسف حي، ولم يهتد بعد إلى صواب الرأي، ويقنع بأنه قد ذهب دون عودة.
ولما ألقى إخوة يوسف قميص أخيهم على وجه أبيه ارتد بصيراً، فعاد ليذكرهم بقوله فيما مضى (أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) لكنه هذه المرة يأتي بقوله مؤكداً، بعد أن مثلت بين يديه دلائل علمه من الله فـ (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
ولأن اعتراف إخوة يوسف (عليه السلام) أمام أخيهم لم يكن كافياً، ذلك أن ما ارتكبوه من ذنب في حقه كان قد ترك أثره في أبيهم أيضاً، وأصابه جرّاء ذلك من الحزن والهم ما أفقده بصره، لذا وقفوا أمام أبيهم وقفة المقرّ بذنبه، المعترف بخطيئته، و(قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) وجاء اعترافهم هذا مؤكداً بمؤكد واحد (إنّ)، في حين جاء اعترافهم أمام أخيهم (إِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) بمؤكدين.
و لذلك دلالة لابد من الوقوف عليها: لقد كان يوسف هو المقصود بالإساءة، وهي إساءة مقصودة، متعمدة، جاءت إثر حوار ونقاش وتداول، بينما لم يكن أثر ذلك على أبيهم مقصوداً لذاته، متعمداً، وإنما جاء نتيجة فعلهم مع يوسف. فلما وقفوا أمام من تقصدوا إلحاق الأذى به، وقد أصبح ذا قوة وسلطان، وهو قادر _ لو أراد _ أن يقتص من إخوته، كانوا أشد حرصاً على الاعتذار إليه واسترضائه، لذا جاء اعترافهم - كما اعتذارهم - مؤكداً.
ولربما كانوا أبلغ اعتذاراً أمام يوسف من أبيهم كونهم وثقوا من أن أباهم - بحكم عاطفة الأبوة – سيكون أكثر استعداداً للصفح والمسامحة. وهذا ما لا يتوقعونه من أخيهم، وقد سعوا في إيذائه وحاولوا التخلص منه.
- وتحققت رؤيا يوسف (عليه السلام) والتفت إلى أبيه(وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)وقد توجه بخطابه إلى أبيه لأنه من قص عليه رؤياه وهو صغير فأوّلها له، وكل ما جاء في تأويل الرؤيا أول القصة جاء دون توكيد (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

(1/278)


وأما ما يقوله يوسف الآن وقد غدا كل شيء حقيقة واقعة فيأتي مؤكداً (قَدْجَعَلَهَا) (وَقَدْأَحْسَنَ بَي) (إِنَّرَبِّي) حتى قوله (إِنَّهُهُوَالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). وقد جاء قول يعقوب (عليه السلام)(إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) مؤكداً بمؤكد واحد عند تفسير الرؤيا، أما هنا وقد تأكد كل شيء، وأصبح واقعاً ملموساً، فقد جاء قول يوسف (عليه السلام) مؤكداً بـ (إنّ) وضمير الفصل (هو) وجاءت كلمتا (عليم _ حكيم) معرفتين بأل: (العليم الحكيم). وهذه الـ (أل) تفيد الاستغراق، فالله تعالى هو العليم الذي ينتهي إليه كل علم، الحكيم الذي تنتهي إليه كل حكمة... وفي هذا توكيد لهذه الصفات.
إذاً، شكل التوكيد - حضوراً وغياباً - ركناً أساسياً في البناء الأسلوبي للحوار في قصة يوسف (عليه السلام) إذ لعب دوراً مهماً في الكشف عن طبائع شخصيات القصة وميولها وأهوائها، وأسهم في فضح خفايا النفس البشرية و إظهار مكنوناتها الدفينة، عن طريق اللغة الحوارية التي تمثل الوسيط الأهم بين عوالم الإنسان الداخلية والعالم المحيط.
لمراسلة المؤلف
ياسر محمود الأقرع
=============
حكاية (العلق) مع طبيب غير مسلم
بقلم الأستاذ عبد الرحيم الشريف
ماجستير في علوم القرآن والتفسير
يحكي الدكتور إبراهيم خليل في كتابه" لماذا أسلم صديقي، ورأي الفاتيكان في تحديات القرآن "يحكي قصة طبيب مصري مسيحي قرر كتابة كتاب يرد فيه على تحدي القرآن، يعنون له بعنوان : "وانتهت تحديات القرآن ".
و قد كتب الطبيب المصري رسالة، وأرسل صورة منها إلى ألفي عالم أو معهد أو جامعة ممن تخصصوا بالدراسات العربية والإسلامية في مختلف أنحاء العالم، وكان مما سطره في خطابه قوله: " القرآن يتحدى البشرية في جميع أنحاء العالم في الماضي و الحاضر و المستقبل بشيء غريب جداً، و هو أنها لا تستطيع تكوين ما يسمى بالسورة باللغة العربية.. السورة رقم 112، و هي من أصغر سور القرآن، ولا يزيد عدد كلماتها عن 15 كلمة، ويتبع ذلك أن القرآن يتحدى البشرية بالإتيان بـ(15) كلمة لتكوين سورة واحدة كالتي توجد بالقرآن..
سيدي: أعتقد أن مهاجمة هذه النقطة الهامة و الخطيرة، و ذلك بالإتيان بأكبر عدد ممكن من السور كالتي توجد، أو - آمل أن تكون - أفضل من تلك الموجودة بالقرآن سيسبب لنا نجاحاً عظيماً لإقناع المسلمين بأنا قبلنا هذه التحديات، بل و انتصرنا عليهم.. فهل تتكرم يا سيدي مشكوراً بإرسال 15 كلمة بالغة العربية أو أكثر من المستوى البياني الرفيع مكوناً جملة كالتي توجد في القرآن..".
و قد أثبت إبراهيم خليل العناوين الألفين التي أرسل لها الخطاب، و تكررت محاولة الطبيب المسيحي أربع مرات طوال سنة 1990م.
فكانت محصلة ثماني آلاف رسالة أرسلها أن وصلت إليه ردود اعتذار باهتة عرض صورها إبراهيم خليل، منها: اعتذار كلية الدراسات الشرقية و الإفريقية في جامعة لندن فقد كان ردها :" آمل أن نتفهم أن كليتنا وأعضاؤها يرفضون الخوض في المنازعات الدينية، وبالتالي فإنه لا يمكننا إجابة طلبك ". وأما رد إذاعة حول العالم (مونت كارلو) فكان " الموضوع الذي طرحته موضوع هام، لكننا كإذاعة لا نحب أن ندخل في حمى و طيس هذه المعركة، إذ لا نظن أنها تخدم رسالة الإنجيل، فرسالتنا هي رسالة محبة، وليست رسالة تحدي..".
و أما رد الفاتيكان فقد جاء فيه " بوصفنا مسيحيين فنحن لا نقبل بالطبع أن يكون القرآن هو كلام الله على الرغم من إعجابنا به حيث يعتبر القمة في الأدب العربي.. ولقد أخبرني زميل مصري بأن أفضل أجزاء القرآن تذكره بأجزاء من الكتاب المقدس، ولكن هذا بالطبع لا يعني أنه أوحي به من عند الله كما هو الحال في الكتاب المقدس، وهناك نقطة عملية تعوق مسألة الإتيان بسورة من مثل القرآن، وهي: من ذا الذي سيحكم على هذه المحاولة إن تمت بالفعل..".
ولذلك اعتذروا عن إجابة طلبه، فأعاد المراسلة جميع معاهد و مؤسسات الفاتيكان طالباً إجابة التحدي، وعرض أن يكون هو الحكم بين القرآن والفاتيكان، و طلب من الأب " ليو" في الفاتيكان أن ينقل أي جزء مكون من (15) كلمة من الكتاب المقدس ليعارض بها القرآن، فكانت الإجابة مشابهة لإجابة المئات الذين لم يردوا على الطبيب، بل صمت مدقع.
وكنموذج للإعجاز القرآني عرض إبراهيم خليل لكلمة " علق " الواردة في قوله تعالى " خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ " [العلق: 2]فلمادة " علق " في اللغة واحداً و ثلاثين معنىً ذكرها ابن منظور في قاموسه " لسان العرب "، و هذه المعاني كما يرى إبراهيم خليل تنطبق جميعاً على الإنسان فقد " وصفت جميع صفات الإنسان التشريحية والفسيولوجية والنفسية والعاطفية والاجتماعية منذ كان جنيناً في بطن أمه حتى صار رجلاً يحب و يكره..
فالإنسان بحق من علق قد خلقه الله من السائل المنوي (العلوق)، وعلقت بأمه (حملت به)، فأصبح علقة (كدودة حمراء تكون في الماء تعلق بالبدن وتمتص الدم ثم إذا خرج من بطن أمه احتاج إلى الشراب واللبن والطعام (العليق والعلوق)، ويطلق العلق أيضاً على ما يتبلغ به من العيش.

(1/279)


والإنسان شديد الخصومة محب للجدل (علاقي معلاق) يكره (امرأة علوق) ويحب (علقت منه كل معلق).. إلى آخر تلك المعاني التي فصلت خصائص الإنسان و أطوار حياته الأولى.
وصدق العلماء الذين درسوا إعجاز القرآن حين قالوا:" إن القرآن رغم إيجازه المعجز في عدد كلماته، بل وفي عدد حروفه إلا أن المعاني التي تجيء بها كل كلمة فيها إرباء وإنماء وزيادة، أي أن كل كلمة تولد، وتعطي من المعاني ما لا يحصر له ".
ومرة أخرى سارع الطبيب النصراني إلى مراسلة كليات و معاهد العالم طالباً منهم أن يأتوا بكلمة بديلة لـ " علق " تقوم مقامها أو تعطي نصف المعاني التي تعطيها كلمة " علق "، و مرة أخرى لا مجيب !!
===============
لا يأتون بمثله
الشيخ العلامة محمد قطب
منذ فترة من الزمن، ظهر على ((الإنترنت)) كلام مسجوع من تأليف عربي لا يدين بالإسلام، يعيش في أمريكا، يحاول فيه أن يقلد النسق القرآني، من حيث تقسيم الكلام إلى عبارات مسجوعة تنتهي بحرف الميم أو النون مسبوقة بمد يائي أو واوي.وظن المسكين أنه قد أتى بما لم تستطعه الأوائل، كما قال الشاعر:
وإني وإن كنت الأخيرة زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل[1]
كما ظن أنه بعمله هذا قد أبطل التحدي الذي تحدى الله به الإنس والجن حين قال سبحانه:(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)[2]وكأنه يقول: هاأنذا قد أتيت بمثله! وإذاً فقد أبطلت التحدي، وأبطلت دعوى الإعجاز القرآني الذي قامت عليه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ..وإذاً فالإسلام ليس من عند الله، إنما هو صناعة بشرية قام بها محمد صلى الله عليه وسلم !
ولعل المسكين لم يعلم أن مسيلمة الكذاب قد قام بمثل هذا العمل من قبل، وأتى بسجعات مثل سجعاته قال إنها مثل القرآن.ومر الزمن وبطلت سجعات مسيلمة، وبقي القرآن يتحدى الإنس والجن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولكن هذه الأضحوكة الساذجة التي قام بها مسيلمة المتأمرك- وإن لم يدع بها النبوة كسلفه الجاهلي- حفزتني إلى أن أعاود الكتابة في موضوع كنت قد أشرت إليه في كتاب سابق بعنوان((دراسات قرآنية))، وهو موضوع الإعجاز الشامل للقرآن الذي لا ينحصر في الإعجاز البياني، الذي توجه إليه الاهتمام الأكبر في كتابات الأقدمين، لأسباب لا يصعب إدراكها.
لقد كان العرب في جاهليتهم قوما أولي فصاحة نادرة، وكانوا يعتزون بفصاحتهم إلى الحد الذي أطلقوا على غير الناطقين بلغتهم لفظة ((العجم)) ووصفوهم بـ ((العجمة))، وفيها إشارة واضحة إلى أنهم يعدونهم دونهم لا لسبب إلا لأنهم لا يستطيعون الكلام باللغة الفصيحة- لغتهم هم- التي يتميزون بها!
وإذ كان ديدن الرسالات السماوية أنها تتحدى المنكرين بمعجزة تفوق قدراتهم البشرية، ليستيقنوا أنها من عند الله، ولو جحدوها ظاهرا، إمعانا في الكفر والعناد كما قال سبحانه وتعالى عن موقف آل فرعون من معجزات موسى عليه السلام: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً)[3].
إذ كان هذا ديدن الرسالات، فقد تحدى الله سبحانه وتعالى كل قوم فيما برعوا فيه وعدوه موضع فخرهم.فتحدى قوم فرعون بآيات تفوق السحر الذي كانوا بارعين فيه، وكانوا يستخدمونه لفتنة الناس عن ربهم، وتأليه الفرعون بدلا من الله وتحدى قوم عيسى عليه السلام بآيات تفوق براعتهم في الطب الذي كانوا يمارسونه ويعتزون بإتقانه؛ فأعطاه القدرة على نفخ الحياة في الطين، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، ليستيقنوا أنه من عند الله:
((ورسولاً إلى بنى إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين))[4].
فلما بعث الله الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم في العرب، كان من المناسب أن تكون الآية التي يتحدى بها المنكرين فصاحة من نوع ودرجة لا يقدرون على الإتيان بمثلها، لتستيقنها أنفسهم ولو جحدوا بها ظاهراً كقوم فرعون، فكانت معجزته الكبرى
r هي هذا القرآن، الذي تحداهم أن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فلم يستطيعوا، بصرف النظر عن المحاولة العابثة التي قام بها مسيلمة الكذاب، والمحاولة الأخرى التي قامت بها المتنبئة سجاح، فلم تستطع هذه ولا تلك أن تقنع العرب بأن القرآن يمكن أن يأتي أحد بمثله. (هذا بالإضافة إلى أن الله قد أراد أن تكون معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم باقية على الزمن، لا تذهب بذهاب القوم الذين شاهدوها، لأن الله أراد أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأن تكون رسالته هي الرسالة الخاتمة، الباقية إلى آخر الزمان).

(1/280)


إذا أدركنا ذلك،أدركنا سر اهتمام القدامى من الكتاب العرب بالإعجاز البياني في القرآن، حيث كان هو موضع التحدي، وحيث كان عجز العرب- المعتزين بفصاحتهم- عن الإتيان بمثله، دليلا يقينيا على أن هذا القرآن هو كلام الله، وليس من كلام البشر، وأنه- بهذه الصفة- هو دليل صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في رسالته.
نعم..ولكن القرآن لم يكن معجزا في بنائه اللفظي وحده وإن كان إعجازه اللفظي كافيا- وحده- للدلالة على أنه من عند الله، وكافيا- وحده- لإقامة التحدي أمام الإنس والجن إلى قيام الساعة‍‍‍‍‍‍!
القرآن معجز في جميع مجالاته، وعلى جميع أصعدته..
وإذا كان القدامى- لأسباب مفهومة- قد وجهوا أكبر اهتمامهم للإعجاز البياني، الذي تحدى القرآن به الجاهلية العربية وآلهتها المزيفة، فقد آن لنا أن نتدبر جوانب الإعجاز الأخرى في هذا الكتاب المعجز، التي لا تقل إعجازا عن الإعجاز البياني، والتي نحن في حاجة إلى تدبرها، وبيانها، وإبرازها، لتحدى الجاهلية المعاصرة، التي تتخذ صورة ((العلمانية))، وترفع شعارات((العلم))و((العقلانية))و((التنوير))؛ لتفتن الناس عن ربهم ودينهم، وتؤله((الإنسان)) بدلا من الله، وتسعى- بحماقة- إلى تدمير الإنسان، بإبعاده عن مصدر النور الحقيقي:((الله نور السماوات والأرض))[5].
((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون* هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))[6].
ولن يفي كتاب واحد- مهما تضخمت صفحاته- بالحديث عن كل مجالات الإعجاز في القرآن، فهي في حاجة إلى أن يتفرغ لها كتاب وباحثون، بحيث تتكون من مجموع بحوثهم مكتبة كاملة من إعجاز القرآن، سواء الإعجاز البياني الذي لا تنفد عجائبه، أو الإعجاز الدعوي، بوصفه كتاب دعوة قد أبرز عقيدة التوحيد الصافية كما لم يبرزها كتاب قط، ودخل بها إلى قلوب البشر من جميع منافذها وأقطارها كما لم يفعل كتاب قط، أو الإعجاز التشريعي الذي تضمن شريعة متكاملة وافية بحياة البشر ومتطلبات وجودهم لا في زمان نزولها فحسب، بل مهما امتد بهم الزمن وتعددت مجالات الوجود، أو الإعجاز التربوي الذي أخرج خير أمة أخرجت للناس، أو الإعجاز العلمي الذي تتكشف آياته كلما زاد البشر علماً بما حولهم من الكون..
ولكن ضخامة الجهد المطلوب، وسعة الميادين المفتوحة للدراسة والبحث، لا تمنعني أن أدلي بجهدي المتواضع الذي لا أبغي به أكثر من أن يكون مجرد إرشادات، لعلها تحفز الباحثين إلى أن يبحثوا، والمفكرين إلى أن يتدبروا كما أمرهم الله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) [7] .
لقراءة المزيد
يمكن تحميل الكتاب بشكل كامل على شكل ملف مضغوط على الرار:
بالضغط هنا
[1]البيت لأبى العلاء المعرى. [2]سورة الإسراء: 88[3]سورة النمل : 14 .[4]سورة آل عمران : 49 (5) سورة النور:35 . [6]سورة الصف (8،9)[7]سورة النساء (82)
==============
الإعجاز التربوي في سورة يوسف
بقلم ياسر محمود الأقرع
تمثل قضيَّة التربية في قصَّة سيدنا يوسف عليه السلام مرتكزاً أساسياً من المرتكزات الأخلاقية التي تقوم عليها أحداث القصة، وتدعو إليها مواقفها المختلفة. وذلك عبر اللفتة الموحية والإشارة الدالة التي حملتها كلمة(رَبّ) في البناء اللغوي البياني المعجز في السورة.واسم (الربّ) يطلق في اللغة على المالك، و السيّد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم. (انظر: لسان العرب/م1/ص399). من هنا فإن أول ما تحمله سورة الفاتحة بعد البسملة قوله تعالى: " الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ذلك أن الحمد كله لله المنعم المتفضل الذي لولا إنعامه على خلقه لما كان لهم وجود ولا بقاء.
ولا يطلق اسم (الرب) غير مضاف إلا على الله سبحانه وتعالى (ولم يرد على هذا النحو في القرآن الكريم). أما إذا أضيف فقد يُقصد به الله سبحانه وتعالى، مثل (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) البقرة /286/، وقوله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: 5]. وقد يُقصد به بعض خلقه كقولنا: (ربّ المنزل، ربّ العمل).
تحمل كلمة الرب إذاً المعاني التي تقوم عليها عملية التربية من الرعاية والاهتمام والتدبير وغير ذلك. من هنا، من هذه الكلمة (الرب) ينطلق البحث في قضية التربية في قصة يوسف (عليه السلام).
عرضت لنا القصة ثلاث مراحل في حياة سيدنا يوسف:
مرحلة الطفولة: من ذكر الرؤيا حتى وصوله إلى بيت عزيز مصر.
مرحلة الشباب: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ).
مرحلة الرجولة والنضج: (يقول المؤرخون إن بين رؤياه واجتماعه بأبيه و إخوته في مصر أربعون سنة).
فكيف نتلمّس دور المربي (الله سبحانه وتعالى) في حياة يوسف عليه السلام عبر أطوارها المتتالية، وظروفها المختلفة...؟

(1/281)


أول ما يطالعنا من قصة يوسف عليه السلام ذكر سيدنا يوسف رؤياه لأبيه، وهو في مرحلة مبكرة من العمر (12 سنة حسب أرجح الأقوال)، ويدرك أبوه يعقوب عليه السلام أن ما رآه ابنه في رؤياه إنما هو من دلائل النبوة، فيبشّره: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
ثمة أمور ثلاثة يأتي ذكرها في الآية حكاية عن سيدنا يعقوب (عليه السلام):
1-الاجتباء و التربية:
يجتبيك ربك: أي يختارك ويصطفيك لمهمة سيوكلها إليك. وهذه المهمة تحتاج إلى تهيئة وتدريب و استعداد، وأنت ما تزال طفلاً صغيراً. ولكن الذي يختارك ويجتبيك هو (ربّك) أي هو القائم على شؤونك، ورعايتك، وتدريبك.
وقد خصّه سيدنا يعقوب بكاف الخطاب في قوله (ربك) إشعاراً له بخصوصية العلاقة بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وإيناساً له وهو في هذه السن المبكرة.
2- التعليم:
بعد مرحلة الاجتباء والاختيار، تأتي مسألة التهيئة (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ). وتأويل الرؤيا وتعبيرها معجزة أيدّه الله بها، لتكون عوناً له في المهمة الموكلة إليه.
3- النبوة:
(و َيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ)وهذه الواو تعني اجتماع هذه الأمور لسيدنا يوسف فالاختيار ثم تعليمه تأويل الرؤيا وحدهما لا يعنيان إتمام النعمة. ونفهم من قوله تعالى (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ ) أن إتمام النعمة هو النبوة وحمل الرسالة، وهذه هي المهمة التي يعدّك الله للقيام بها بعد اختيارك وتأييدك بعلم تأويل الرؤيا. وتختتم الآية بقوله تعالى حكاية عن سيدنا يعقوب (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
فكلمة (عليم) ترجع إلى قوله تعالى (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، وكلمة (حكيم) تعود إلى الاجتباء والاختيار، أي أن هذا الاختيار جاء لحكمة يعلمها الله فـ (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124].
إذاً في هذه السن المبكرة يختار الله تعالى سيدنا يوسف ليقوم بتبليغ رسالته، وهذه مهمة عظيمة تحتاج إلى تهيئة واستعداد، وقد تكفّل الله (ربّه) بتربيته وتهيئته ورعايته حتى يتم المهمة الموكلة إليه على الوجه الذي يرضي ربه. فكيف تجلت مظاهر التربية في مراحل حياة سيدنا يوسف عليه السلام.؟
مظاهر التربية في حياة يوسف عليه السلام
حادثة إلقائه في الجب
يعيش يوسف عليه السلام المحنة الأولى في حياته في مرحلة الطفولة حين يكيد له إخوته ويقرروا أن يلقوه في ظلمة بئر ليلتقطه بعض السيارة، ويحملوه بعيداً، فيخلو لهم وجه أبيهم. (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ)، إنه الآن في ذروة الأزمة، وفي أشدّ أوقات المحنة والكرب، وهو ما يزال طفلاً صغيراً. هنا يأتي دور المربي في بث الطمأنينة في نفسه (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
إن سيدنا يوسف وهو في هذه السن المبكرة و في ظرف كهذا بحاجة إلى من يهدئ نفسه ويشعره بالأمان، غير أنه على حداثة سنه يفتقر إلى الدليل الموصل إلى هذه الغاية، فكان أن طمأنه (ربّه) بأن لا تخف ولا تحزن فإنك ناج مما أنت فيه ومخبرهم بما يدبرونه من المكر والأذى... ولنا أن نتصور مشاعر هذا الطفل وقد طمأنه ربّه وآنسه ووعده بالنجاة والسلامة.
حادثة بيعه عبداً
ينجي الله سيدنا يوسف من محنته الأولى ويُحمل إلى مصر ليباع ـ وهو الحرّ ـ عبداً بثمن قليل. ويشتريه العزيز ثم يطلب من امرأته أن تهتم بهذا الغلام وتكرم مثواه، ويأتي قوله تعالى(وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ) إن (ربه) الذي تولّى رعايته وتربيته سيجعل من محنته هذه ـ إذاً ـ سبباً من أسباب رفعة شأنه وعلوّ منزلته كيف لا والله هو (ربّه) !
أمره مع امرأة العزيز
يوسف عليه السلام ما يزال حتى هذا الوقت في مرحلة الاختيار والاجتباء بما تتطلبه هذه المرحلة من الرعاية والتربية، والحفظ والإعداد. ويأتي قوله تعالى (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) وهذه المرحلة سيشهدها سيدنا يوسف في مصر بعد أن جعل الله من مصر مكاناً لاستقراره وعيشه في عزّ وأمان (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)
بعد أن حفظ الله تعالى سيدنا يوسف في طفولته ونجاه من محنتين عظيمتين، تأتي مرحلة الشباب (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) وفي هذه المرحلة سيتعلم سيدنا يوسف درساً اسمه (الاعتماد على الله).

(1/282)


وتراوده امرأة العزيز عن نفسه، وهو في مرحلة الشباب والقوة، ولمّا أن هيأت للأمر أسبابه ودعته إلى ارتكاب الفاحشة، استعاذ سيدنا يوسف بالله مما تدعوه إليه، وذكّرها بفضل العزيز عليه قائلاً (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) إشارة إلى ما أوصى به العزيز امرأته عندما اشترى يوسف عبداً (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه).
ولمّا لم يردع امرأة العزيز تذكيرها بزوجها وبفضله عليه ورعايته له، ولما لم يكن ذلك سبباً في منعها من إنفاذ ما فكّرت بارتكابه، اشتدت المحنة على سيدنا يوسف (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وعلى اختلاف الآراء في ماهية البرهان الذي رآه سيدنا يوسف إلا أنّ (ربّه) الذي يتولى العناية به، ويتكفل برعايته، يقوم بحفظه في هذه المحنة ويصرف عنه السوء والفحشاء.
وتأتي كلمة (ربّه) في الآية لتذكرنا بأن الله تعالى القائم على أموره هو الذي أنجاه من منطلق (التربية) من هذه المحنة، ذلك أن المربي لا يرضى لمربوبه الوقوع في الخطيئة.
وعلى الرغم من أن سيدنا يوسف استعاذ بالله مما تدعوه إليه امرأة العزيز، إلا أنه خاطبها بحجة من واقع الحال الذي تفهمه وتدركه، لعل ذلك يكون أدعى إلى إقناعها بالعدول عما عزمت عليه.
لكن امرأة العزيز لم تزدد ـ أمام موقفه ـ إلا إصراراً. فعلى الرغم من اكتشاف زوجها أمر مراودتها يوسف عن نفسه، ها هي تخاطب النسوة اللواتي كن يلمنها على فعلتها (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ).
لقد تعلم سيدنا يوسف من المحن السابقة درس (الاعتماد على الله) فربّه هو الذي حفظه في مرحلة الطفولة وذلك دون طلب منه إذ كان ما يزال صغيراً، لا يدرك أمور الحياة أو يتفهم طبائع الأحداث.
وكذلك حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، قام مربيه (ربه) بدوره في التربية وأراه البرهان ليحفظه ويصرف عنه السوء والفحشاء....
لذلك لما أدرك سيدنا يوسف أن إقناع امرأة العزيز بعدم ارتكاب الفاحشة أمر لم يعد ممكناً التجأ إلى ربه التجاءً واضحاً مباشراً طالباً العون منه سبحانه وتعالى (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)
تلك كانت مرحلة الاجتباء والتربية التي أشار إليهما الله تعالى حكاية عن سيدنا يعقوب (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ)، فـ(يجتبيك = الاختيار) و (ربّك = التربية والرعاية).
تأويل الرؤيا والدعوة إلى الله تعالى
مرحلة التعليم كانت في مصر كما أخبرنا الله تعالى بقوله: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ).
ولأن تأويل الرؤيا كان المعجزة التي أيد الله بها سيدنا يوسف للدلالة على صدق نبوته، فقد اقترن وجودها في القصة بدعوة يوسف عليه السلام إلى عبادة الله وتوحيده.
في السجن يبدأ سيدنا يوسف بالدعوة إلى الله، مستفيداً من حاجة الفتيين إلى تأويل رؤياهما وقد طلبا منه ذلك، وقبل أن يؤوّل لهما رؤياهما، يؤكد لهما قدرته على معرفة بعض المغيبات (قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا) لكنه سرعان ما يضيف (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) أي هذا بعض ما خصّني به الله الذي اختارني وحفظني ورعاني وربّاني وأعدّني لتبليغ رسالته.
إذاً إن أول ما يظهر من دلائل العلم الذي وهبه الله لسيدنا يوسف ما كان من أمر الرؤيا التي رآها كل من الرجلين اللذين دخلا معه السجن وهذا ما كان بشره به سيدنا يعقوب (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)،وما ذكره الله لنا بقوله (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ).
ونلاحظ هنا استخدام سيدنا يوسف كلمة (ربّي) في قوله (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي)، وذلك تأكيداً منه على أنّ ما به من فضل، وما لديه من علم، ما كان ليكون لولا أن الله الذي ربّاه وحفظه قد وهبه هذا العلم. ثم يبدأ في السجن دعوته إلى الله، ولنقرأ فيما قاله أثناء ذلك العبارات التالية:
(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ).
(مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِمِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِعَلَيْنَا).
(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُالْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
(مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُبِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّلِلّهِ)

(1/283)


نلاحظ أن سيدنا يوسف يستخدم في دعوته لفظ الجلالة (الله)، دون كلمة (رب)، ذلك أن اسم (الله) جامع لأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ففيه صفات العظمة والجلال وصفات الفعل والقدرة والقوة وصفات العدل و الإحسان والجود وصفات الإعزاز والإذلال والقهر.. وغير ذلك من صفاته تعالى.
وهذا توازن في الدعوة إلى الله التي يفترض فيها أن تجمع بين الترغيب و الترهيب. وكلمة (الربّ) تحمل معاني التربية والرعاية والقوامة وهذه كلها تندرج في أبواب الرحمة، أي الترغيب.
بعد أن دعا سيّدنا يوسف الفتيين إلى عبادة الله وتوحيده عاد إلى ما سألاه عنهمن تأويل الرؤيا. ولما انتهى من تأويل رؤياهما (قَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) أي عند سيدك. لكن الساقي نسي ذكر يوسف لدى سيّده (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ).
وسبب بقائه في السجن ـ حسب ما رأى المفسرون ـ أنه التمس النجاة من محنته هذه في أن يذكره ساقي الملك عند سيّده، عله ينظر في أمره ويخرجه من السجن، ولم يسأل الله تعالى النجاة من هذه المحنة (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ).
ولعلنا نلاحظ هنا أن الله تعالى أراد أن يعلم سيدنا يوسف ألا يلتجئ في محنه إلا إلى ربه الذي حفظه ونجاه من محنه السابقة كلها، فأبقاه في السجن بضع سنين تعليماً وتأديباً، والتأديب جزء من التربية التي تلقاها يوسف عن ربه.
بعد أن لبث يوسف عليه السلام في سجنه ـ تعليماً وتأديباً ـ بضع سنين، يأتي سؤال الملك عمن يؤول رؤياه ليخرج الله سيدنا يوسف من السجن، وليظهر براءته في أمره مع امرأة العزيز والنسوة اللواتي قطعن أيديهن، وليجعله على خزائن الأرض.
وهكذا يهبه (ربه) بما علمه من تأويل الأحاديث مجداً وعزة، وقوة وسلطاناً، وهو الذي دخل مصر عبداً يباع بثمن زهيد.
لقاء يوسف (عليه السلام) بأبويه وإخوته:
تدور الأحداث ويلتقي سيدنا يوسف بأبويه وإخوته (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا) ويأتي اعتراف يوسف عليه السلام بفضل ربّه عليه، ورعايته له، وحفظه إياه، في مراحل حياته كلها ووقف أمام ما آلت إليه الأمور (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
ثم يتوجه إلى صاحب الفضل، إلى ربه، بالشكر والحمد والدعاء بأن يتوفاه مسلماً ويلحقه بالصالحين، فتأتي الآية الأخيرة في قصة سيدنا يوسف (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
إنه سيدنا يوسف الذي اجتباه الله سبحانه وتعالى، وعلمه، وأتم نعمته عليه، يقف أمام ربه خاشعاً، خاضعاً، متذللاً، يقر باستمرارية الحاجة إليه، وافتقاره إلى رحمته، وفي هذا عرفان بالجميل وإقرار بالفضل، لا يصدر إلا عمن أدَّبه الله تعالى فأحسن تأديبه.
الباحث ياسر محمود الأقرع
============
لمسات بيانية من سورة الجمعة
الدكتور فاضل السامرائي
سأل سائل عن قوله تعالى:
(وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) [الجمعة]
لم قدمت التجارة على اللهو أولاً فقال: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً) وأخرها عنه بعد فقال: (خير من اللهو ومن التجارة)
والجواب والله أعلم أن سبب تقديم التجارة على اللهو في قوله: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً) أنها كانت سبب الانفضاض ذلك أنه قدمت عير المدينة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وكان من عرقهم أن يدخل بالطبل والدفوف والمعازف عمد قدومها فانفض الناس إليها ولم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً فأنزل الله قوله: (وإذا رأوا تجارة...) [1].
فقدمها لأنها كانت سبب الانفضاض وليس اللهو، وإنما كان اللهو والضرب بالدفوف بسببها فقدمها لذلك. ولهذا أفرد الضمير في (إليها) ولم يقل (إليهما) لأنهم في الحقيقة إنما انفضوا إلى التجارة وكان قد مسهم شيء من غلاء الأسعار.
وأما تقديم اللهو عليها فيما بعد في قوله: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) فذلك لأن اللهو أعم من التجارة، فليس كل الناس يشتغلون في التجارة ولكن أكثرهم يلهون. فالفقراء والأغنياء يلهون، فكان اللهو أعم فقدمه لذلك إذ كان حكماً عاماً فقدم التجارة في الحكم الخاص لأنها في حادثة معينة وقدم اللهو في الحكم العام لأنه أعم. ولأنها مناسبة لقوله:

(1/284)


(والله خير الرازقين)فالتجارة من أسباب الرزق وليس اللهو فوضعها بجنبه ولأن العادة أنك إذا فاضلت بين أمور فإنك تبدأ بالأدنى، ثم تترقى فتقول: (فلان خير من فلان ومن فلان أيضاً)، وذلك كأن تقول: (البحتري أفضل من أبي فراس، ومن أبي تمام ومن المتنبي أيضاً)، فإنك إذا بدأت بالأفضل انتفت الحاجة إلى ذكر من هو أدنى، فبدأ باللهو لأنه ظاهر المذمة ثم ترقى إلى التجارة التي فيها كسب ومنفعة.
وكرر (من) مع اللهو ومع التجارة فقال: (خير من اللهو ومن التجارة) ليؤذن باستقلال الأفضلية لكل واحد منهما لئلا يتصور أن الذم إنما هو لاجتماع التجارة واللهو، فإن انفراد اللهو أو التجارة خرج من الذم، فأراد أآن يبين ذم كل منهما على جهة الاستقلال لئلا يتهاون في تقديم ما يرضي الله و تفضيله. ونحو ذلك، أن تقول: (الأناة خير من التهور والعجلة) فإن ذلك قد يفهم أنها خير من اجتماعهما، ذلك لأن اجتماعهما أسوأ من انفرادهما فإن الذي يجمع التهور والعجلة أسوأ من اتصف بإحدى الخلتين. فإن قلت: (الأناة خير من التهور ومن العجلة) أفاد استقلال كل صفة عن الأخرى، وأنها خير من أية صفة منهما، فإن اجتمعتا كان ذلك أسوأ. فجاء بـ (من) ليؤذن باستقلال كل من اللهو والتجارة وأنه ليس المقصود ذم الجميع بين الأمرين بل ذم وتنقيص كل واحد منهما، بالنسبة إلى ما عند الله.
جاء في (روح المعاني): "واختبر ضمير التجارة دون اللهو، لأنها الأهم المقصود، فإن المراد ما استقبلوا به العير من الدف ونحوه. أو لأن الانفضاض للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموماً، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو وهو مذموم في نفسه.
(خير من اللهو ومن التجارة)وتقديم اللهو ليس من تقديم العدم على الملكة كما توهم، بل لأنه أقوى مذمة فناسب تقديمه في مقام الذم. وقال ابن عطية: قدمت التجارة على اللهو في الرؤية لأنها أهم وأخرت مع التفضيل، لتقع النفس أولاً على الأبين.
وقال الطيبي: قدم ما كان مؤخراً وكرر الجار، لإرادة الإطلاق في كل واحد واستقلاله فيما قصد منه، ليخالف السابق في اتحاد المعنى، لأن ذلك في قصة مخصوصة[2] .
[1] انظر البحر المحيط 8/268، روح المعاني 28/104
[2] روح المعاني 28/105-106
=============
لمسات بيانية من سورة البلد
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {1} وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ {2} وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ {3} لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ {4} أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ {5} يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا {6} أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ {7} أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ {8} وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ {9} وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ {10} فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ {12} فَكُّ رَقَبَةٍ {13} أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ {14} يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ{15} أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ {16} ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ {17} أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ {18} وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ {19} عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ)
سئلت مرة: ما علاقة القسم بمكة على خلق الإنسان في كبد في قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد).
فقلت له ابتداءً: إن الله أقسم بمكة حال كون الرسول فيها والرسول كان يلاقي فيها عنتاً ومشقة وهو يبلغ الدعوة، فقال الله تعالى: إن الله خلق الإنسان مكابداً في دنياه، ليسليه ويصبره. ثم رأيت أن أنظر في السورة وأدون ما أجد فيها من لمسات فنية.
إن مناسبة هذه السورة لما قبلها ـ أعني سورة الفجر ـ مناسبة ظاهرة.
فقد جاء فيها ـ أعني في سورة الفجر ـ قوله تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلاً لما وتحبون المال حباً جماً) [الفجر].
فقد ذكر فيها صنفي الإنسان: الغني والفقير. الصنف الذي أكرمه ربه ونعمه، والصنف الذي ابتلاه وضيق عليه الرزق، وهو ما ذكره في سورة البلد. فقد ذكر الإنسان الذي أهلك المال الكثير، وذكر المسكين ذا المتربة واليتيم ذا المقربة.
ووصف الله الإنسان بأنه لا يكرم اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين في سورة الفجر، وأوصانا بالرحمة وحضنا على الإنفاق في سورة البلد ذاكراً هذين الصنفين اللذين ذكرهما في سورة الفجر فقال: (أو إطعامٌ في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة) فذكر الصنفين المذكورين في سورة الفجر، اليتيم والمسكين. ولما وصف الله الإنسان بأنه يحب المال حباً شديداً ويأكل التراث أكلاً لما في سورة الفجر، ذكر في سورة البلد أن هذه عقبة لا يجتازها إلا من أعان الآخرين بماله وسمح لهم به.

(1/285)


ثم انظر إلى علاقة قوله: (وتأكلون التراث) بقوله: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) وأنه كما يأكل ينبغي أن يطعم الآخرين، فانظر إلى قوة المناسبة وجمال الارتباط. وقد انتبه المفسرون ـ رحمهم الله ـ إلى علاقة هذه السورة بما قبلها.
جاء في (البحر المحيط): "لما ذكر تعالى ابتلاءه للإنسان بحالة التنعيم، وحالة التقدير وذكر من صفاته الذميمة ما ذكر وما آل إليه حاله وحال المؤمن أتبعه بنوع من ابتلائه ومن حاله السيئ، وما آل إليه في الآخرة"[1].
وجاء في (روح المعاني): "ولما ذم سبحانه فيما قبلها من أحب المال، وأكل التراث أكلاً لما، ولم يحض على طعام المسكين، ذكر جل وعلا فيها الخصال التي تطلب من صاحب المال من فك الرقبة، وإطعام في يوم ذي مسغبة. وكذا لما ذكر ـ عز وجل ـ النفس المطمئنة هناك ذكر سبحانه بعض ما يحصل به الاطمئنان"[2].
ثم انظر من ناحية أخرى، كيف أن هذه السورة ـ أعني سورة البلد ـ استوفت عناصر البلاغ والإرسال، فقد ذكرت موطن الرسالة، والرسول، والمرسل إليهم، والرسالة. فقد ذكرت (مكة) وهي المرادة بقوله: (بهذا البلد)، والرسول: وهو المراد بقوله: (وأنت حل بهذا البلد) وذكرت المرسل إليه وهو (الإنسان) ويدخل فيه أيضاً: (الوالد وما ولد)، وذكرت الرسالة، وهي الإيمان والعمل الصالح، وهو ما ذكرته من فك الرقبة ونحوه من الأعمال الصالحة. وذكرت أصناف الخلق بالنسبة للاستجابة إلى الرسالة، وهم أصحاب الميمنة الذين اقتحموا العقبة وأصحاب المشأمة، وهم الكفرة. فانظر أي عموم واستيفاء وشمول في هذه السورة المباركة؟
(لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد).
لقد أقسم الله تعالى بما ذكر "على أن الإنسان خلق مغموراً في مكابدة الشدائد والصعاب"[3].
فقد أقسم سبحانه بالبلد الحرام في حال حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه وإقامته به يبلغ دعوته.
وقد تقول: ولم قال: (وأنت حل) ولم يقل: وأنت حال أو مقيم بهذا البلد.
والجواب: أنه جمع بالعدول إلى كلمة (حل) عدة معان في آن واحد كلها مرادة مطلوبة. ذلك أن كلمة (حل) تحتمل معاني عدة:
منها: أنها تأتي بمعنى الحال والمقيم[4].
وقالوا: إن المقصود، تعظيم المقسم به، وهو أنه لما حل الرسول بمكة جمعت شرفين، شرفها هي الذي شرفها الله به، وشرف الرسول فازدادت تعظيماً على تعظيم وشرفاً على شرف، واستحقت بذلك القسم.
جاء في (البحر المحيط): "إنه تعالى أقسم لما جمعت من الشرفين شرفها بإضافتها إلى الله تعالى، وشرفها بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإقامته فيها فصارت أهلاً لأن يقسم بها"[5].
وجاء في (تفسير البيضاوي): "أقسم سبحانه بالبلد الحرام، وقيده بحلوله عليه السلام فيه، إظهاراً لمزيد فضله وإشعاراً بأن شرف المكان بشرف أهله"[6].
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "إنه إذا كان الحل من الحلول، فهو متضمن لهذا التعظيم مع تضمنه أمراً آخر، وهو الإقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده، فهو خير البقاع، وقد أشتمل على خير العباد. فجعل بيته هدى للناس ونبيه إماماً وهادياً لهم، وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه"([7]).
"وقيل: هو نفي للقسم. والمعنى: لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه"[8].
ومن معاني (الحل): أنها تأتي بمعنى اسم المفعول، أي: مستحل، على هذا يكون المعنى: وأنت مستحل قتلك لا تراعى حرمتك في هذا البلد الحرام الذي يأمن فيه الناس على دمائهم وأموالهم والذي يأمن فيه الطير والوحش.
جاء في (الكشاف): "ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك، مستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في عير الحرم.
عن شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيداً ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك.
وفيه تثبيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة وتعجيب من حالهم في عداوته.
أو سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسم ببلده على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد"[9].
وجاء في (روح المعاني): "وفيه تحقيق مضمونه بذكر بعض المكابدة على نهج براعة الاستهلال، وإدماج لسوء صنيع المشركين، ليصرح بذمهم على أن الحل بمعنى المستحل بزنة المفعول الذي لا يحترم، فكأنه قيل: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمته يستحل بهذا البلد ولا يحترم كما يستحل الصيد في غير الحرم… وفي تأكيد كون الإنسان في كبد، بالقسم تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على أن يطامن نفسه الكريمة على احتماله، فإن ذلك قدر محتوم"[10].
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "وفي الآية قول ثالث، وهو أن المعنى: وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني، وقد استحل قومك فيه حرمتك، وهم لا يعضدون به شجرة ولا ينفرون به صيداً… وعلى كل حال فهي جملة اعتراض في أثناء القسم موقعها من أحسن موقع وألطفه.
فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله"[11].
ومن معاني (الحل) أنها تأتي بمعنى الحلال ضد الحرام، أي: "وأنت حلال بهذا البلد يحل لك فيه قتل من شئت. وكان هذا يوم فتح مكة"[12].

(1/286)


وجاء في (الكشاف): "يعني وأنت حل به في المستقبل، تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر… فإن قلت: أين نظير قوله: (وأنت حل) في معنى الاستقبال؟ قلت: قوله: (إنك ميت وإنهم ميتون) ومثله واسع في كلام العباد"[13].
وعلى هذين القولين الأخيرين تكون (لا) نافية، أي: لا أقسم بهذا البلد في حين أن أهله يستحلون حرمتك، ولا يرعون لك قدراً، أو لا أقسم به وقد جاء أهله بأعمال تستحل حرمتهم والوقيعة بهم في هذا البلد الآمين. فعلى كلا القولين: تكون (لا) نافية.
جاء في (البحر المحيط): "وقال ابن عطية: وهذا يتركب على قول من قال: (لا) نافية، أي: أن هذا البلد لا يقسم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب الإحلال، إحلال حرمته"[14].
وقيل: المعنى: "وأنت حل بهذا البلد مما يقترفه أهله من المآثم متحرج بريء منها"[15]، كما تقول: أنا في حل من هذا.
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فهو صلى الله عليه وسلم حال بهذا البلد الكريم يبلغ رسالة ربه متحرج من آثامهم بريء من أفعال الجاهلية، وقد استحلت حرمته وأريد قتله في حين حلوله به وتبليغ دعوة ربه. وأنه حل لهذا الرسول أن يقتل ويأسر في هذا البلد يوم الفتح ما لا يحل لغيره. وهذا على الاستقبال وعلى الوعد بنصره.
فانظر كيف جمعت كلمة (حل) هذه المعاني المتعددة بخلاف ما لو قال: (حال) أو مقيم، أو حلال، أو ما إلى ذلك مما يقصر الكلام على معنى واحد. فإنها جمعت اسم الفاعل وهو الحال، واسم المفعول وهو المستحل، والمصدر وهو الحلال. فانظر أي اتساع في المعنى؟
وهي في هذه المعاني كلها مرتبطة بالمقسم عليه، وهو قوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) أحسن ارتباط وأوثقه كما سنبين ذلك.
وقد تقول: ولم لم يقل: (لا أقسم بهذا البلد الأمين) كما أقسم في سورة التين؟
والجواب: أنه لما جرى ذكر المكابدة في هذا البلد، وما استحل به من الحرمات وما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم من المشقة والعنت والتعذيب لم يناسب ذلك ذكر الأمن.
كما لا يصح ذكر ذلك على معنى أنه حل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصنع فيه ما يشاء من القتل والأسر كما حدث في فتح مكة، فإن ذلك لا يناسب ذكر الأمن أيضاً.
كما أن جو السورة لا يناسب ذكر الأمن، فإن جو السورة في المكابدة والمشقة حتى أنه لم يذكر جزاء المؤمنين في الآخرة، بل ذكر جزاء الكافرين وهذا الجزاء لا يأمن معه الكافر أبد الآبدين. فلم يناسب ذلك ذكر (الأمين).
وقد تقول: ولم كرر (بهذا البلد) في الآيتين فقال: (وأنت حل بهذا البلد) ولم يقل: (وأنت حل به)؟.
والجواب: أن هذا أجمل تكرير وأحسنه ولا يقع الضمير موقعه في الحسن. إذ من المعلوم أن العرب إذا عنيت بلفظ كررته وذلك كأن يكون في موطن التشويق أن التحسر أو التعظيم أو التهويل وغير ذلك من مواطن العناية والاهتمام وذلك نحو قال الشاعر:
يا موقد النار بالهندي والغار
هيجت لي حزناً يا موقد النار
فأنت ترى أن تكرار (يا موقد النار) من أجمل التكرار وأحسنه.
ومثل ذلك التكرار للتحسر نحو قوله:
فيا قبر معن أنت أول حفرة من الأرض خطت للسماحة موضعاً
ويا قبر معن كيف واريت جوده وقد كان منه البر والبحر مترعاً
ونحوه قول أبي العتاهية:
مات والله سعيد بن وهب رحم الله سعيد بن وهب
يا أيا عثمان أبكيت عيني يا أبا عثمان أوجعت قلبي
ومن التكرير للتعظيم والتهويل قوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة) و(القارعة ما القارعة) [16] و: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين).
ومن التكرير للإنذار قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ {97} أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف].
فانظر حسن هذا التكرير وجمال موقعه.
وقد يكون التكرير للإنكار وذلك كأن تقول لشخص أساء إلى من أحسن إليه في حين تنكر له الأقربون وطرده الناس أجمعون: أتعادي خالداً الذي أكرمك، وآواك وأنت حينذاك طريد مهان لا أحد يؤويك؟ أتهين خالداً الذي أكرمك وآواك من أجل شخص رذيل؟ أتسرق خالداً الذي أكرمك وآواك، وقد وثق بك وائتمنك؟ ثم أتتهم خالداً الذي أكرمك وآواك بما تعلم أنه كذب ووزر؟ أيسيء أحد إلى الشخص الذي أكرمه وآواه؟ أيفعل أحد كل هذا مع الشخص الذي أكرمه وآواه؟ أي فعل هذا. وأي إنسان ذلك الإنسان؟!.
والتكرار في الآية لتعظيم بلد الله الحرام فقد قال: (لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد) أي: وأنت حال بهذا البلد تلقى العنت والظلم والأذى، بهذا البلد الذي يأمن فيه الخائف، ويأمن فيه الوحش والطير، فأي انتهاك لحرمة هذا البلد، وأي جور يقع بهذا البلد؟
وما إلى ذلك من المعاني الأخرى، التي تقال في تفسير كلمة (حل).
جاء في (ملاك التأويل): "للسائل أن يسأل عن تكرير لفظ (البلد) وجعله معطوفاً وفاصلة في الآيتين وكيف موقع ذلك في البلاغة، وعند الفصحاء.
والجواب: أنه قد تقدم أن العرب مهما اعتنت بشيء وتهممت به كررته، وإن ذلك من فصيح كلامهم وأن منه قوله:
وإن صخراً لوالينا وسيدنا وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار

(1/287)


… وذكره ظاهراً لما يحرز هذا المعنى من تعظيمه، لما فيه من تعظيمه لما فيه من التنبيه والتحريك"[17].
وقيل إن التكرير جيء به لفائدة أخرى وهي أن هذا البلد حرام لا تستحل حرمته، ولا يسفك فيه دم ولا يروع فيه آمن، ولكن الله أحل لنبيه يوم فتح مكة ما لم يحله لغيره من قتل وأسر فكأن هذا البلد في هذا اليوم غيره في سائر الأيام وأنه أصبحت له صفة أخرى، وهي صفة الحل فجمع صفتي الحرم والحل فتكرر لتكرر الوصفين، وكأنه أصبح بلدين لا بلداً واحداً.
جاء في (درة التنزيل): "السائل أن يسأل عن تكرير (البلد) وجعله فاصلة بين الآيتين.
والجواب أن يقال: إذا عني بالثاني غير المقصود بالأول من وصف يوجب له حكماً غير حكم الأول كان من مختار الكلام. فالبلد الأول قصد به وصف لم يحصل في الثاني وهو مكة. لأن معنى أقسم بالبلد المحرم الذي جبلت على تعظيمه قلوب العرب، فلا يحل فيه لأحد ما أحل للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقوله: (وأنت حل) أي: محل حل لك منه ما حرم على غيرك.
فصار المعنى: أقسم بالبلد المحرم تعظيماً له، وهو مع أنه محرم على غيرك. محل لك إكراماً لمنزلتك. فالبلد في الأول محرم وفي الثاني محلل"[18].
(ووالد وما ولد)
اختلف في الوالد هذا وما ولد، فقيل: هو آدم وذريته "وعلى هذا فقد تضمن القسم، أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة ومرجع العباد إلى آدم"[19].
وقيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم وآباؤه فعلى هذا "أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه ومنشأ أبيه إسماعيل وبمن ولده وبه. فإن قلت: لم نكر؟ قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب"[20].
وقيل: هو كل والد وما ولد من العقلاء وغيرهم " لا يراد به معين، بل ينطلق على كل والد. وقال ابن عباس ذلك. قال: هو على العموم يدخل فيه جميع الحيوان"[21].
وهذا الذي يترجح عندي فهو يشمل كل والد وولده يدخل فيه ما ذكره الأولون ولا يخصهم.
ووجه ارتباطها بالمقسم عليه ظاهر، ذلك أن الولادة مشقة وتعب ومكابدة، فارتباطها بقوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) بين.
وكما هي مرتبطة بالمقسم عليه في أول السورة هي مرتبطة أيضاً بآخر السورة، وهو قوله: (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) ذلك أن الوالد من الأناسي والبهائم، يحتاج في تربية ولده وحفظه وإطعامه والقيام عليه إلى صبر ورحمة. فأتضح بذلك قوة ارتباط الآية بأول السورة وآخرها.
ثم انظر كيف انتقل من الوالد وما ولد إلى خلق الإنسان ـ وهو من جملة الوالد وما ولد ـ فخصه من بين هذا العام لأن مدار الكلام معقود عليه.
ثم انظر كيف قال: (وما ولد) ولم يقل: (ومن ولد) ولذلك أكثر من سبب.
فإن (ما) عامة و(من) خاصة، فإن (ما) تقع لذوات غير العاقل، وتقع لصفات من يعقل، فتقول: (اركب ما تركب) و(آكل ما تآكل) فهي هنا لذوات غير العاقل. وتقع لصفات العقلاء قال تعالى: ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) [النساء]. وقال: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت) [آل عمران] وقال: (وما خلق الذكر والأنثى) [الليل]. وهو الله سبحانه. وتقول: (زيد ما زيد) قال تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) [الواقعة].
فهي تكون للعاقل وغيره، فهي أعم وأشمل من (من) قال الفراء: "وصلحت (ما) للناس، ومثله (وما خلق الذكر والأنثى) وهو الخالق للذكر والأنثى مثله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ولم يقل: من طاب"[22].
ثم عن لفظها يوحي بالسعة والشمول، ذلك أنهال منتهية بحرف الإطلاق وهو الألف، وهو الذي يمتد فيه النفس بخلاف (من) الذي ينتهي بحرف مقيد، وهو النون الساكنة، فجعل المنتهي بحرف مطلق للمطلق الكثير، والمنتهي بحرف مقيد للقليل المقيد بالعقل.
فجاء بـ (ما) لتناسب العموم والشمول في الآية.
ثم إن هذه الآية مناسبة لجو السورة على وجه العموم، فهي مرتبطة بإطعام المحتاجين في اليوم ذي المسغبة، فإن الوالد يسعى إلى إطعام ولده ويلاقي من أجل ذلك ما يلاقي من مشقة ومكابدة. إن جو السورة تسيطر عليه المكابدة والمشقة والصبر والرحمة وكل ذلك يعانيه الوالد لحفظ ولده ورعايته.
ثم انظر من ناحية أخرى، كيف يحتمل قوله: (ووالد وما ولد) ما تحتمله كلمة (حل) من السعة في احتمالات المعنى، وكيف يناسب ذلك سعة (ما) نطقاً ومعنى.
(لقد خلقنا الإنسان في كبد).
الكبد: الشدة والمشقة[23]. ومعنى (في كبد) أنه "يكابد مشاق الدنيا والآخرة. ومشاقه لا تكاد تنحصر من أول قطع سرته إلى أن يستقر قراره، إما في جنة، فتزول عنه المشقات، وإما في نار فتتضاعف مشاقته وشدائده"[24].
وقيل: "يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء لا يخلو عن أحدهما"[25].

(1/288)


لقد عبر عن هذا المعنى بقوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ولم يقل: (يكابد) أو (مكابداً) ونحو ذلك، ذلك أن (في) تفيد الظرفية والوعاء. ومعناه: أن الإنسان خلق مغموراً في المشاق والشدائد والصعاب منغمساً فيها كما ينغمر الشيء في الماء، وكما يكون الشيء في الوعاء. فالشدائد والمشاق تحيط بالإنسان لا تنفك عنه إلى أن يموت. وبعد الموت إما أن يجتاز العقبة، فيدخل الجنة فتزول عنه الشدائد والمصائب، وإما أن لا يجتازها فيبقى في المشقات والشدائد أبد الآبدين منغمراً في النار وهي أكبر الشدائد وأعظمهن.
ومن معاني (الكبد) أيضاً القوة والشدة والصلابة.
جاء في (لسان العرب): "وكبد كل شيء عظم وسطه وغلظه كبد كبداً وهو أكبد، ورملة كبداء عظيمة الوسط… والكبداء: الرحى التي تدار باليد، سميت كبداء لما في إرادتها من المشقة. وفي حديث الخندق: فعرضت كبدة شديدة وهي القطعة الصلبة من الأرض. وأرض كبداء وقوس كبداء: أي شديدة"[26].
وهذا المعنى من لوازم المعنى الأول، فإن الذي خلق مكابداً للشدائد والمصائب متحملاً مشاق الدنيا لا بد أن يكون خلق مستعداً لذلك قوياً عليه شديد التحمل له.
إن هذه الآية هي جواب القسم الذي تقدم، فقد اقسم بالبلد الحرام في وقت حلول الرسول الأعظم فيه، وأقسم بالوالد وما ولد على أن الإنسان خلق مغموراً في الشدائد والمشاق.
والسورة كلها مبنية على هذا الأمر، فهي مبنية على مكابدة الإنسان للشدائد والمصائب والمشاق. وكل لفظة وكل تعبير في هذه السورة مبني على ذلك ويخدم هذا الشيء.
أما ارتباط القسم بالجواب، فهو واضح فقد ذكرنا ارتباط قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد) بهذه المكابدة وكيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلقى ما يلقى من قومه من مشقة وشدة وهو يبلغ دعوة ربه وفي هذا إشارة إلى أن الدعاة ينبغي أن يوطنوا أنفسهم على المكابدة والصبر، وتحمل المشاق، فإن هذا من لوازم الدعوة إلى الله تعالى، فقلما يكون الداعية في عافية من ذاك. قال تعالى: (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) [العنكبوت].
والفتنة مشقة كبيرة وشدة بالغة، نسأل الله العافية. وعلى الإنسان أن يكابد ويجاهد للنجاة منها. ثم انظر من ناحية أخرى كيف ارتبطت مفردات القسم بكل معانيها بقوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد).
فالحل كما ذكرنا لها أكثر من معنى، وهي في كل معانيها مرتبطة بهذا الأمر. فهي إذا كانت بمعنى الحال والمقيم فهي مرتبطة به، ذلك أن الرسول في أثناء حلوله بمكة كان يكابد ويتحمل من أصناف الأذى والمشاق الشيء العظيم فهو في كبد من ذلك، وكان يتلقى ذلك بصر وثبات وقوة وشدة، فهي مرتبطة بالكبد بمعنييه، المشقة والقوة.
وإذا كانت بمعنى اسم المفعول، أي: مستحل قتلك وإيذاؤك لا تراعى حرمتك، فهي مرتبطة بذلك ارتباطاً واضحاً فهذا كله مشقة ونصب.
وإذا كانت بمعنى أنك حل من أعمالهم متحرج من آثامهم بريء منها فهي مرتبطة بها كذلك، ذلك أنه يكابد ويجاهد ليخرج عن مألوف عادات قومه وأفعالهم، ويكابد للقيام بفضائل الأعمال وجلائلها، وهي أمور مستكرهة على النفس ثقيلة عليها، تحتاج إلى مكابدة وقوة للقيام بها، قال تعالى: (إنا سنقلى عليك قولاً ثقيلاً) [المزمل]. وقال صلى الله عليه وسلم : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
فهي في كل معانيها مرتبطة بالجواب أحسن ارتباط وأتمه.
وكذلك قوله: (ووالد وما ولد) مرتبط بالجواب أحسن ارتباط وأتمه، كما ذكرنا فهو مرتبط بـ (الكبد) بمعنييه: المشقة والقوة. فقد ذكرنا أن الولادة مشقة وعنت، وهي تحتاج إلى قوة ومثابرة ومكابدة لحفظ المولود وتربيته وبقائه وتوفير غذائه.
كما أن هذه الآية مرتبطة بما بعدها من اقتحام العقبة، ومشاق الجوع وغيرها أتم ارتباط، كما هو ظاهر وكما سنبين ذاك.
(أيحسب أن لن يقدر عليه أحد).
قيل: إن المعني بقوله: (أيحسب) بعض "صناديد قريش الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوي في قومه المتضعف للمؤمنين أن لن تقوم قيامة، ولم يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه"[27].
وقيل: إن التهديد "مصروف لمن يستحقه"[28].
وقيل: إن المعني به الإنسان، أي: أيظن هذا الإنسان الذي خلق مكابداً شديداً، أن لن يقدر عليه أحد؟
جاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن الضمير في (أيحسب) عائد على الإنسان، أي هو لشدة شكيمته وعزته وقوته، يحسب أن لا يقاومه أحد، ولا يقدر عليه أحد لاستعصامه بعدده وعدده"[29].
وجاء في (التبيان): "ثم أنكر سبحانه على الإنسان ظنه وحسبانه أن لن يقدر عليه من خلقه في هذا الكبد والشدة والقوة التي يكابد بها الأمور.

(1/289)


فإن الذي خلقه كذلك أولى بالقدرة منه وأحق. فكيف يقدر على غيره من لم يكن قادراً في نفسه. فهذا برهان مستقل بنفسه. مع أنه متضمن للجزاء الذي مناطه القدرة والعلم فنبه على ذلك بقوله: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) وبقوله: (أيحسب أن لم يره أحد) فيحصي عليه ما عمل من خير وشر ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه"[30].
وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح، فالذي خلق يكابد المصائب والمشاق لا بد أن يكون خلاق مستعداً لاحتمال ذلك ولا بد أن يكون شديد الخلق قوياً، وهو من معاني (الكبد) كما ذكرنا.
قال تعالى: (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم) [الإنسان] فهذا الذي خلق شديداً قوياً ويكابد المصائب والمشاق قد يسبق إلى وهمه أن لن يقدر عليه أحد، فيهدده ربه ويتوعده إذا كان عنده هذا الحسبان بأن الذي خلقه وزوده بهذه القوة والشدة أقدر منه على نفسه.
والظاهر أن هذا الحسبان واقر في نفوس البشر فهم يتصورون أنه لا يتمكن منهم أحد ولا يقدر عليهم أحد، ولذا تراهم يعيشون في غطرسة وكبرياء وظلم بعضهم لبعض معتصمين بجبروتهم وقوتهم لا يحسبون لمن خلقهم حساباً، ولو حسبوا حساباً لخالقهم وربهم القوي القادر لتطامنوا وتواضعوا.
ثم إن هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: (وأنت حل بهذا البلد) أي: ألا يتصور هؤلاء الذين ينتهكون محارم البلد الحرام ولا يرعون لك حرمة فيؤذنك ويعذبونك مستندين إلى قدرتهم وجبروتهم ألا يظنون أن هناك من هو أقدر عليهم منهم عليك؟
فهي مرتبطة بما قبلها أتم ارتباط وأحسنه.
جاء في (تفسير الرازي): "اعلم أنا إن فسرنا (الكبد) بالشدة في القوة، فالمعنى أيحسب ذلك الإنسان الشديد أنه لشدته لا يقدر عليه أحد، وإن فسرناه بالمحنة والبلاء، كان المعنى تسهيل ذلك على القلب، كأنه يقول: وهب أن الإنسان كان في النعمة والقدرة، أفيظن أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه أحد؟"[31].
(يقول أهلكت مالاً لبداً)
اللبد: هو الكثير المجتمع من تلبد الشيء إذا اجتمع[32].
ومعنى الآية: إنه يقول إنه أنفق مالاً كثيراً، وهو يقول ذاك إما على جهة الافتخار أو على جهة التحسر.
جاء في (الكشاف): "يريد كثرة ما أتفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها، مكارم ويدعونها معالي ومفاخر"[33].
وجاء في (روح المعاني): "أي: يقول ذلك وقت الاغترار فخراً ومباهاة وتعظماً على المؤمنين وأراد بذلك ما أنفقه رياء وسمعة…
وقيل: المراد ما تقدم أولاً، إلا أن هذا القول وقت الانتقام منه، وذلك يوم القيامة. والتعبير عن الإنفاق بالإهلاك لما أنه لم ينفعه يومئذ"[34].
وقد عبر عن الإنفاق بالإهلاك، فإنه لم يقل: (أنفقت مالاً) كما هو الشائع في استعمال القرآن الكريم، واختيار تعبير الإهلاك في هذا الموطن أحسن اختيار وأجمله، فإنه المناسب لجو السورة، وذلك أنه مناسب لجو المشاق والشدائد التي تؤدي إلى الهلاك وتفضي إليه. وهو متناسب مع ما يعانيه الرسول وأصحابه في البد الحرام من الشدائد والمحن التي قد أدت ببعضهم إلى الهلاك كياسر وسمية، ومتناسب مع حسبان الإنسان أن لن يقدر عليه أحد فيهلكه، ومتناسب مع ذكر العقبة التي قد تفضي إلى الهلاك. ومتناسب مع ذوي المسغبة من اليتامى والمساكين وهلاكهم من الجوع إن لم يطعموا، ومتناسب مع خاتمة أصحاب المشأمة التي هي هلاك مقيم.
وعبر عن الإنفاق بالإهلاك لأسباب أخرى غير هذه.
جاء في (روح المعاني): "وعبر عن الإنفاق بالإهلاك إظهاراً لعدم الاكتراث، وأنه لم يفعل ذلك رجاء نفع فكأنه جعل المال الكثير ضائعاً"[35].
وجاء في (التبيان): "ثم أنكر سبحانه على الإنسان قوله: (أهلكت مالاً لبداً) وهو الكثير الذي يلبد بعضه فوق بعض، فافتخر هذا الإنسان بإهلاكه وإنفاقه في غير وجهه، إذ لو أنفقه في وجوهه التي أمر بإنفاقه فيها ووضعه مواضعه لم يكن ذلك إهلاكاً له بل تقرباً به إلى الله وتوصلاً به إلى رضاه وثوابه وذلك ليس بإهلاك له. فأنكر سبحانه افتخاره وتبجحه بإنفاق المال في شهواته وأغراضه التي إنفاقه بها إهلاك له"[36].
فانظر أي اختيار هذا. ثم انظر أيحسن (أنفقت) مكان (أهلكت) ههنا؟
واختيار (اللبد) في الآية مكان (الكثير) اختيار دقيق ذلك أن اللبلد معناه الكثير المجتمع من تلبد الشيء إذا اجتمع.
جاء في (الكشاف): "لبداً قرئ بالضم والكسر جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة"[37].
وهو متناسب مع اجتماع الكفرة لإيذاء الرسول والمسلمين لصدهم عن دعوتهم كما قال تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا).
فاجتماع المال في الإهلاك مناسب لاجتماع الكفرة على الرسول لإهلاكه، وإهلاك دعوته وهو حل بهذا البلد.
فانظر حسن هذا الاختيار وعلو هذا التعبير.

(1/290)


ثم انظر جو الاجتماع الذي تفيده كلمة (لبد) وشيوعه في السورة في الوالد وما ولد، وفي العينين، وفي اللسان والشفتين في آلة النطق، وفي النجدين وليس نجداً واحداً فإنه ذكر نجدين ولم يذكر نجداً واحداً كما في قوله تعالى: (ثم السبيل يسره) [عبس] وقوله: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) [الإنسان] وفي تفسير العقبة بجملة أمور، وفي ذكر المؤمنين بصيغة الجمع (الذين أمنوا) واجتماعهم على التواصي بالصبر والمرحمة أي: يوصي بعضهم بعضاً، ثم في اجتماع أهل الكفار في جهنم وإيصاد النار عليهم.
فانظر حسن اختيار كلمة (لبد) ههنا، ثم انظر هل تغني عنها كلمة (الكثير)؟
(أيحسب أن لم يره أحد).
والمعنى:أيظن هذا الإنسان الذي يدعي أنه أهلك المال الكثير أنه لم يره أحد؟ أو يظن أن أعماله تخفى لا يطلع على حقيقتها أحد؟ فالله يعلم إن كان أنفق مالاً أو لم ينفق شيئاً، وإنما كان مدعياً كاذباً في قوله. وإذا كان قد أنفق فهو يعلم الغرض والمقصد الذي أنفق المال من أجله.
جاء في (الكشاف): "يعني أن الله كان يراه وكان عليه رقيباً. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان"[38].
وجاء في (البحر المحيط): "أيحسب أن أعماله تخفى، وأنه لا يراه أحد، ولا يطلع عليه في إنفاقه ومقصد ما يبتغيه مما ليس لوجه الله منه شيء"[39].
وجاء في (التبيان): (ثم وبخه بقوله: (أيحسب أن لم يره أحد) وأتى ههنا بلم الدالة على المضي في مقابلة قوله: (أهلكت مالاً لبداً) فإن ذلك في الماضي، أفيحسب أن لم يره أحد فيما أنفقه وفيما أهلكه؟"[40].
وأنت ترى مما مر أنه ذكر من صفات الله تعالى القدرة والعلم الذي دلت عليه الرؤية، وهما الغاية في التهديد.
ثم أقام الدليل على قدرته وعلمه بقوله:
(ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين)
أفترى أن الذي يجعل للإنسان عينين يبصر بهما لا يبصر هو ولا يرى وأن الذي أقدر الإنسان على النطق لا يستطيع أن يتكلم، وأن الذي هداه إلى طريقي الخير والشر ليس عنده علم؟
جاء في (تفسير الرازي): "واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الكافر قوله: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) أقام الدلالة على كمال قدرته فقال: (ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين) [41].
وجاء في (التبيان): "ثم ذكر برهاناً مقدراً أنه سبحانه أحق بالرؤية وأولى من هذا العبد الذي له عينان يبصر بهما. فكيف يعطيه البصر من لم يره؟ وكيف يعطيه آلة البيان من الشفتين واللسان، فينطق ويبين عما في نفسه ويأمر وينهى من لا يتكلم ولا يكلم، ولا يخاطب ولا يأمر ولا ينهى؟
وهل كمال المخلوق مستفاد إلا من كمال خالقه؟
ومن جعله عالماً بنجدي الخير والشر ـ وهما طريقاهما ـ أليس هو أولى وأحق بالعلم منه"[42].
ثم انظر من ناحية أخرى إلى ارتباط قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين) بقوله: (أيحسب أن لم يره أحد) وهو ارتباط العين بالرؤية، وارتباط قوله: (ولساناً وشفتين) بقوله: (يقول أهلكت مالاً لبداً) فإن اللسان والشفتين، هما آلة النطق وبها يقول ما يقول. فهو يتقلب بنعم الله ويحاربه ويحارب أولياءه ورسله ويحارب دعوته.
(وهديناه النجدين)
النجد: هو الطريق العالي المرتفع[43].
جاء في (لسان العرب): "النجد من الأرض قفافها وصلابها، وما غلط منها وأشرف وارتفع واستوى… ولا يكون النجاد إلا قفاً أو صلابة من الأرض في ارتفاع مثل الجبل معترضاً بين يديك يرد طرفك عما وراءه"[44].
والمقصود بالنجدين: طريقا الخير والشر. وقيل: الثديان[45]. والأول أشهر وهو الذي ذهب إليه عامة المفسرين. وعن أبي هريرة أنه عليه السلام قال: "إنما هما النجدان، نجد الخير ونجد الشر ولا يكون نجد الشر أحب إلى أحدكم من نجد الخير"[46].
واختيار كلمة (نجد) للطريق ههنا اختيار لطيف مناسب، فإنه لم يقل كما قال في مواطن أخرى (إنا هديناه السبيل) أو (ثم السبيل يسره) أو (اهدنا الصراط المستقيم) أو (يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) ذلك أن التعبير مناسب لجو السورة فإن سلوك النجد فيه مشقة وصعوبة لمات فيه من صعود وارتفاع فهو مناسب للمكابدة والمشقة التي خلق الإنسان فيها، ومناسب لاقتحام العقبة وما فيه من مشقة وشدة.
(فلا اقتحم العقبة)
العقبة: "طريق في الجبل وعر… والعقبة الجبل الطويل يعرض للطريق، فيأخذ فيه، وهو طويل صعب شديد"[47]. وسميت بذلك لصعوبة سلوكها([48]).
والاقتحام: هو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة[49] والقحمة هي الشدة[50] والمهلكة والأمر العظيم[51].
والمقصود بالعقبة: الأعمال الصالحة التي سيبينها على سبيل الاستعارة.
جاء في (البحر المحيط): "العقبة استعارة لهذا العمل الشاق من حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل، وهو ما صعب منها وكان صعوداً، فإنه يلحقه مشقة في سلوكها… ويقال: قحم في الأمور قحوماً: رمى نفسه من غير روية"[52].
وجاء في (روح المعاني): "وهي هنا استعارة لما فسرت به من الأعمال الشاقة المرتفعة القدر عند الله تعالى… ويجوز أن يكون قد جعل ما ذكر اقتحاماً وصعوداً شاقاً، وذكره بعد النجدين جعل الاستعارة في الذروة العليا من البلاغة"[53].

(1/291)


ومعنى الآية أنه: "لم يشكر تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين… والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه، هو الإنفاق المرضي النافع عند الله لا أن يهلك مالاً لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله (كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم) الآية"[54].
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "ولم يقتحم العقبة التي بينه وبين ربه التي لا يصل إليها، حتى يقتحمها بالإحسان إلى خلقه بفك الرقبة، وهو تخليصها من الرق، ليخلصه الله من رق نفسه ورق عدوه، وإطعام اليتيم والمسكين في يوم المجاعة، وبالإخلاص له سبحانه بالإيمان الذي هو خالص حقه. وهو تصديق خبره وطاعة أمره وابتغاء وجهه وبنصيحة غيره أن يوصيه بالصبر والرحمة ويقبل وصية من أوصاه بها، فيكون صابراً رحيماً في نفسه معيناً لغيره على الصبر والرحمة"[55].
واختيار هذا التعبير أنسب شيء ههنا، فاختيار (العقبة) بعد (النجدين) اختيار بديع، وهو كما جاء في (روح المعاني): إن ذكرها بعد النجدين جعل الاستعارة في الذروة العليا من البلاغة، ذلك أن النجد: وهو الطريق العالي المرتفع يؤدي إلى العقبة، وهي الطريق الوعر في الجبل، فإن العقبة تقع في النجاد غالباً.
واختيار لفظ (الاقتحام) وما فيه من شدة ومخاطرة هو المناسب لبيان وعورة وصعوبة هذه العقبة، فإن لم يعبر عن ذلك بالاجتياز ونحوه، مما يدل على شدة هذه العقبة، فانظر كيف أن كل لفظة وقعت في مكانها المناسب وأن اختيار كل لفظة اختيار مناسب لجو السورة. فكل من الاقتحام والعقبة مناسب لقوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ذلك أن من معاني (الكبد) المشقة والقوة، وأن اقتحام العقبة فيه مشقة وتعب كما أنه يحتاج إلى قوة وشدة. فانظر حسن المناسبة. كما أن هذه الآية تناسب ما بعدها من المشقات والشدائد التي يعانيها المسكين واليتيم، وفي اليوم ذي المسغبة.
ثم انظر علاقة هذه الآية بأول السورة وخاتمتها، وهو كيف أن الرسول كان في حال اقتحام للعقبة، وهو حال ببلد الله الحرام، يلقى ما يلقى من العنت والمشقة في تبليغ دعوة ربه. وبخاتمتها وهم الذين لم يقتحموا العقبة، فبقوا في عقبة، جهنم أبد الآبدين، وكانت النار عليهم مؤصدة.
ثم إن اختيار (لا) في هذا الموطن اختيار عجيب دقيق، وهو ما وقف عنده النحاة والمفسرون وحاولوا تخريجه وتفسيره.
فقد ذهب قسم منهم إلى أنها نافية للفعل الماضي، أي: (فلم يقتحم العقبة). ومن المعلوم أن (لا) إذا نفت الفعل الماضي المعنى، وجب تكرارها، إلا ما ندر نحو قوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى) في حين لم تتكرر ههنا، وأجابوا عن ذلك بأنها مكررة في المعنى لأن (العقبة) مفسرة بشيئين: فك الرقبة، وإطعام المسكين فكأنه قال: فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكيناً"[56].
ومن النادر الذي دخلت فيه (لا) على الفعل الماضي المعنى ولم تكرر قول، أبي خراش الهذلي:
إن تغفر اللهم تغفر جماً وأي عبد لك لا ألما
أي: لم يلم. والمعنى: وأي عبد لم يذنب
وقول الشاعر:
وكان في جاراته لا عهد له وأي أمر سيئ لا فعله
أي: لم يفعله[57].
قالوا: وهي هنا بمعنى (لم) وتكرارها كثير وهو غيرواجب[58].
جاء في (روح المعاني): "والمتيقن عندي أكثرية التكرار، وأما وجوبه فليس بمتيقن"[59].
وقسم ذهب إلى أنها في الآية دعاء، فلا يلزم تكرارها، كقولهم: (لا فض الله فاك) و(لا عافاه الله) وهي هنا دعاء عليه أن لا يفعل خيراً[60].
وقيل: إن الفعل يراد به الاستقبال، بمعنى لا يقتحم العقبة، وإذا كان الفعل الماضي دالاً على الاستقبال لم يلزم تكرارها[61].
جاء في (المغني): "ومثله في عدم وجوب التكرار بعدم قصد المضي، إلا أنه ليس دعاء قولك : (والله لا فعلت كذا) وقول الشاعر:
حسب المحبين في الدنيا عذابهم تالله لا عذبتهم بعدها سقر"[62]
وجاء في (الفوائد في مشكل القرآن) للعز بن عبد السلام في هذه الآية: "ويشكل النفي بـ (لا) وهي إنما تنفي الاستقبال.
والجواب: إنها بمعنى (لم) والصحيح اشتراكهما… وعدل إليها لأن النفي بها أبلغ، لما توهمه من نفي الاستقبال في أصل الوضع، أوي جعلها على بابها، أي: صفة هذا يقتضي أنه لا يقتحم العقبة أبداً، فيكون ذماً له باعتبار صفته لا باعتبار عدن فعله وتضمنها معنى (لم) فيكون الذم أيضاً لعدم الفعل في الماضي"[63].
وقيل هي للاستفهام، والتقدير: أفلا اقتحم العقبة، وقد حذفت الهمزة، والمعنى: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير؟"[64]
وقال آخر: هي تحضيض والأصل: ألا اقتحم العقبة ثم حذفت الهمزة، وهو ضعيف ولا يعرف أن (لا) وحدها تكون للتحضيض وليس معها الهمزة[65].
هذا أبرز ما قيل في (لا) هذه.
والذي يبدو لي والله أعلم أن هذا التعبير جمع معاني عدة في آن واحد.
فهو يحتمل المضي، أي أن هذا الإنسان الذي يذكر عن نفسه أنه أهلك مالاً كثيراً ويحسب أن لن يقدر عليه أحد، وأنه لم يطلع أحد عليه فيما يفعل ـ سواء كان هذا واحداً معيناً أم كان صنفاً هذا وصفه ـ لم يقتحم العقبة، فهو لم يؤمن ولم يطعم المحتاجين من اليتامى والمساكين ولم يتواص بعمل الخير.

(1/292)


ويحتمل أن هذا الإنسان فرداً كان أم صنفاً لا يقتحم العقبة في المستقبل، لأن من كان هذا وصفه لا يقتحم العقبة، إلا إذا آمن وغير من حاله. فهو لم يقتحم العقبة في الماضي ولا يقتحمها في المستقبل، بل هو باق على حاله على وجه الدوام.
ويحتمل أن هذا التغبير دعاء على هذا الصنف أو الشخص بألا يقتحم العقبة كما في قوله تعالى: (ويلٌ لكل همزة لمزة) وقوله: (قاتلهم الله أنى يؤفكون) [التوبة] فإن من كان هذه صفته لا يستحق الدعاء له بالخير.
كما يحتمل الاستفهام المراد به التنديم والتوبيخ على ما فرط والحض على الإنفاق بمغنى "افلا اقتحم العقبة" وقد حذفت منه الهمزة ونحو هذا وارد في القرآن الكريم والفصيح من كلام العرب، فقد جاء فيه قوله تعالى: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين) [الأعراف] بدلالة قوله تعالى: (قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين) [الشعراء] ونحو قول الشاعر:
قالوا: تحبها؟ قلت: بهراً أي: أتحبها؟ وقول الكميت:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب
أي: أوذو الشيب يلعب؟
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فقد جمع هذا التعبير عدة معان في لآن واحد: المضي والاستقبال والتوبيخ والحض والدعاء. فهو أخبر أنه لن يقتحم العقبة فيما مضى من عمره، وأنه لا يقتحمها في المستقبل، وأنه وبخه على ذلك، ودعا عليه بعدم اقتحامها.
فانظر كيف جمع هذا التعبير هذه المعاني، وكلها مرادة مطلوبة وأنه لو جاء بأي حرف آخر غير (لا) لم يفد هذه المعاني الكثيرة المتعددة. فهو لو قال: (ما اقتحم العقبة) أو (لم يقتحم العقبة) لم يفد إلا الإخبار عنه في الماضي. فانظر كيف وسعت (لا) المعنى وجمعت معاني عدة في تعبير واحد؟
(وما أدراك ما العقبة)
هذا الأسلوب من أساليب التفخيم والتعظيم والتهويل ونحوه قوله: (وما أدراك ما القارعة) وقوله: (وما أدراك ما الحاقة) و(وما أدراك ما الحطمة) تعظيماً لأمرها ثم فسر العقبة بعد ذلك بقوله: (فك رقبة أو إطعام).
(فك رقبة)
"وفك الرقبة: تخليصها من رق أو غيره… وفي الحديث: "أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال: تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أوليسا سواء؟ قال: لا. إعتاقها: أن تنفرد بعتقها. وفكها: أن تعين في تخليصها من قود أو غرم"[66].
وجاء في (فتح القدير): "كل شيء أطلقته، فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب… والفك في الأصل حل القيد، سمي العتق فكاً، لأن الرق كالقيد وسمي المرقوق رقبة، لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته"[67].
واختيار هذا التعبير يوحي بشدة حال المسترق، وكربه ومعاناته ومكابدته. والاسترقاق هو من أكثر أحوال المكابدة والمعاناة شدة. وارتباط الآية بقوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ارتباط واضح بين.
(أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتمياً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة)
المسغبة: المجاعة[68] وهي الجوع العام[69] وليس الجوع الفردي.
والفرق بين المسغبة والسغب، أن السغب معناه: الجوع، والجوع قد يكون عاماً، وقد يكون خاصاً. أما المسغبة فهي عامة ولذا قيل: إن معناه "في يوم فيه الطعام عزيز"[70].
وهذا مما يدل على شدة الكرب والضيق واللأواء، فالإطعام في هذا اليوم له شأنه فهناك فرق بين إطعام المسكين والطعام موفور والخلة مسدودة، والإطعام في وقت قلة الطعام وشحته والخوف من فقدانه والإمساك عن بيعه، فهذه عقبة كؤود من عقبات المجتمع، والإطعام في مثل هذا اليوم اقتحام لهذه العقبة أي اقتحام.
(يتيماً ذا مقربة)وهو اليتيم القريب في النسب ليجتمع له صدقة وصلة[71]. وذلك ليتفقد كل واحد أقرباءه المحتاجين ليتم التكافل والتراحم بينهم.
(أو مسكيناً ذا متربة)والمتربة مأخوذة من (ترب): "إذا افتقر، ومعناه: التصق بالتراب"[72]. وذو المتربة: هو الذي مأواه المزابل[73] وقيل "وهم المطروحون على ظهر الطريق قعوداً على التراب لا بيوت لهم"[74] وهما شيء واحد.
وجاء بـ (أو) ولم يأت بالواو ذلك أن الواو تفيد معنى الجمع ومعناه: لو أتى بالواو لا يقتحم العقبة إلا إذا فك الرقبة، وأطعم هذين الصنفين جميعاً فإن أطعم صنفاً واحداً لم يقتحم العقبة. وهو غير مراد، بل المراد التنويع. والمقصود أن يطعم هذه الأصناف من الناس، اليتيم أو المسكين، على سبيل الاجتماع أو الانفراد.
وقد قدم فك الرقاب على إطعام اليتامى والمساكين إشارة إلى عظم الحرية في الإسلام وأن المطلوب أولاً تحرير الناس من العبودية والاسترقاق.
وانظر بعد ذلك ارتباط هؤلاء الأصناف بقوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) فهؤلاء من أشد الناس مكابدة ومعاناة. ثم انظر إلى ارتباط هؤلاء الأصناف بقوله: (يقول أهلكت مالاً لبداً) فقد أهلكها هذا القائل في غير محلها، فلم يطعم جائعاً ولم يفك رقبة.

(1/293)


ثم انظر إلى ارتباط هؤلاء الأصناف بالآية بعدها، وهو قوله: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) فإن فك الرقاب وإطعام المحتاجين من المرحمة. وهؤلاء الأصناف من الناس من المسترفين والمساكين من أحوج الخلق إلى الصبر.
(ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)
إن (ثم) هنا لا تفيد التراخي في الوقت وإلا تأخر الإيمان عن العمل الصالح الذي ذكره من فك الرقاب وإطعام المحتاجين في حين أنه لا يفيد عمل من دون إيمان. وإنما تفيد (ثم) ههنا تراخي رتبه الإيمان ورفعه محله عما ذكره من الأعمال لأنه هو الأصل، وهو مدار القبول والرفض.
جاء في (الكشاف): "جاء بثم لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به"[75].
وجاء في (فتح القدير): "جاء بثم للدلالة على تراخي رتبة الإيمان ورفعة محله. وفيه دليل على أن هذه القرب، إنما تنفع مع الإيمان"[76].
وذكر بعد الآيات التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة.
جاء في (الكشاف): "المرحمة: الرحمة أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والثبات عليه، أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين أو بما يؤدي إلى رحمة الله"[77].
إن السورة مبنية على هذين الأمرين: الصبر والمرحمة.
فالصبر مرتبط بقوله تعالى: (وأنت حل بهذا البلد) لما يلاقيه الرسول من عنت وأذى وهو حال بهذا البلد.
وبقوله: (ووالد وما ولد) فإن تربية الولد وحفظه بحاجة إلى الصبر.
ومرتبط بقوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) لأن المكابدة والمشقة والشدة، تحتاج إلى صبر.
وسلوك النجدين يحتاج إلى صبر لما في صعودهما وسلوكهما من تعب ونصب، واقتحام العقبة يحتاج إلى صبر، والرقبة المسترقة تحتاج إلى صبر على القيام بشأن العبودية، وقضاء اليوم ذي المسغبة يحتاج إلى صبر كثير وشديد. واليتيم يحتاج إلى صبر، وكذلك المسكين ذو المتربة، فإن هذه الأصناف تحتاج إلى صبر طويل.
والذين آمنوا يحتاجون إلى الصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي. فانظر كيف ارتبط الصبر بالسورة وكيف بنيت السورة عليه؟
وكذلك الرحمة فإن ذكرها مع الصبر أحسن ذكر وأجمله. فهي مرتبطة بقوله: (وأنت حل بهذا البلد) على كل معاني (الحل) فإذا كان حالاً يبلغ دعوة ربه فإنه أحرى أن يعامل بالرحمة لا بالأذى. وإذا كان المعنى أنه حلال للرسول هذا البلد وذلك في فتح مكة فقد عامل الرسول قريشاً بالرحمة والإحسان، وقال في ذلك اليوم: "اليوم يوم المرحمة". وقال لهم: "ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
فانظر أي رحمة هذه؟
ومرتبطة بقوله: (ووالد وما ولد) فإن العلامة بين الوالد وولده، علاقة رحمة وبر.
وهذا الذي أهلك مالاً لبداً، يحتاج إلى الرحمة لينفق المال على ذوي الحاجة، ولئلا يهلكه فيما لا ينفع.
وذو الرقبة المسترقة محتاج إلى الرحمة والإشفاق.
واليوم ذو المسغبة ينبغي أن تشيع فيه الرحمة وهو من أحوج الأوقات إلى إشاعة الرحمة، واليتيم المسكين من أحوج الخلق إلى الرحمة.
والذي آمنوا ينبغي أن يتواصوا بينهم بالرحمة.
وهكذا بنيت السورة على الصبر والمرحمة.
ثم انظر كيف كرر التواصي مع كل منها فقال: (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) ولم يقل: (وتواصوا بالصبر وبالمرحمة) ولا: (وتواصوا بالصبر والمرحمة) لأهمية التواصي بكل منهما وللدلالة على أن كلا منهما جدير بالتواصي به.
فأنت ترى أن هناك ثلاثة تعبيرات لكل تعبير دلالته:
(وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)
وتواصوا بالصبر وبالمرحمة.
وتواصوا بالصبر والمرحمة.
والتعبير الأول أقوى التعبيرات للدلالة على أهمية كل منهما، وذلك لتكرار الفعل مع حرف الجر توكيداً على أهمية ذلك. ثم يأتي التعبير الثاني بالدرجة الثانية وهو تكرار حرف الجر مع المرحمة دون تكرار الفعل، ثم يأتي التعبير الثالث بالدرجة الثالثة، وهو العطف من دون ذكر للفعل ولا لحرف الجر. فيكون معنى التعبير الأول، وهو الذي عبرت به الآية أدل على أهمية كل من الصبر والمرحمة وآكد من التعبيرين الآخرين.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف قدم التواصي بالصبر على التواصي بالمرحمة ذلك لأنه تقدم ما يحتاج إلى الصبر من المكابدة والمشقة، وانغمار الإنسان فيها، واقتحام العقبة وذكر النجدين. وأخر المرحمة لما جاء بعد ذلك من فك الرقاب وإطعام الأيتام والمساكين فقدم التواصي بالصبر لما تقدم ما يدعو إليه.
وقد تقول: ولم لم يقل كما قال في سورة (العصر): (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)؟ فقد ذكر التواصي بالحق ثم ذكر بعده التواصي بالصبر.
والجواب: أن المقام مختلف ففي سورة (العصر) كان الكلام على خسارة الإنسان على وجه العموم، فجاء بالتواصي بالحق على وجه الهموم ولما كان الكلام في سورة البلد على جزء من الحق وهو ما يتعلق بالرحمة والإطعام قال: (وتواصوا بالمرحمة).

(1/294)


وقدم الحق في سورة (العصر): لأنه الأهم ولأن الصبر إنما يكون صبراً على الحق. إذ ليس المهم هو الصبر، وإنما المهم أن يصبر على ماذا، ثم إن التمسك بالحق والتواصي به يحتاج إلى صبر أي صبر. فقدم الحق لذلك بخلاف سورة البلد، فإنه قدم الصبر على المرحمة لما ذكرنا.
(أولئك أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة)
أي: أولئك الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، وفكوا الرقبة وأطعموا لمحتاج في اليوم ذي المسغبة أصحاب الميمنة. والميمنة: مفعلة من اليمن، وهو الخير والبركة أو من اليمن. وقد يكون معناها جهة اليمين التي تقابل الميسرة وهي الجهة التي فيها السعداء. وقد يكون معناها أصحاب اليمين أي: الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم. وقد يكون معناها: أصحاب اليمن والخير على أنفسهم وعلى غيرهم[78].
والذين كفروا هم أصحاب المشأمة، والمشأمة مفعلة من الشأم، وهي جهة الشمال، أو من الشؤم، وهو ضد اليمن[79].
ومعنى أصحاب المشأمة أصحاب جهة الشمال التي فيها الأشقياء أو الذين يؤتون صحائفهم بشمائلهم أو أصحاب الشؤم على أنفسهم وعلى غيرهم.
وقد تقول: ولم لم يقل أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال كما قال في مواطن أخرى من القرآن الكريم؟
والجواب أن اختيار هذين اللفظين له عدة فوائد:
منها: أن الميمنة والمشأمة جمعت عدة معان، وهي كلها مرادة مطلوبة في آن واحد، ولو قال: أصحاب اليمين أو أصحاب الشمال لأعطى معنى واحداً.
فأصحاب الميمنة هم أصحاب جهة اليمين التي فيها السعداء، وهم الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم، فيذهبون إلى الجنة، وهم أصحاب اليمن والخير والبركة على أنفسهم وعلى غيرهم في الدنيا والآخرة.
هذا إضافة إلى التناسب اللفظي، فالعمل والوصف والجزاء كله (مفعلة) فالذين يطعمون في يوم ذي (مسغبة) يتمياً ذا (مقربة) أو مسكيناً ذا (متربة) ويتواصون بـ (المرحمة) أصحاب (الميمنة) ومقابلهم من الكفار أصحاب (المشأمة).
فاقتضى المقام هذا الاختيار من كل جهة.
وقد تقول: ولم جاء في آية الكفار بضمير الفصل، فقال: (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة) ولم يأت به مع المؤمنين.
والجواب: أن المذكورين من المؤمنين هم من أصحاب ميمنة غيرهم فإنه لم يذكر مثلاً: الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو الذين آمنوا وتواصوا بالحق، أو الذين آمنوا وتواصوا بالجهاد، أو الذين آمنوا وتواصوا بالدعوة إلى الله، فكل هؤلاء من أصحاب الميمنة، بل ربما كان من أصحاب الميمنة من لم يتواص بصبر ولا مرحمة أصلاً من عامة المسلمين، وقد قال تعالى في سورة التين: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) ولم يذكر تواصياً بشيء.
أما الذين كفروا فهم أصحاب المشأمة حصراً، ولا يخرجهم منهم وصف آخر أو عمل آخر إذا بقوا على كفرهم.
جاء في (روح المعاني): إنه "جيء بضمير الفصل معهم لإفادة الحصر"[80].
فكان ذكر ضمير الفصل في آية الكفار، وعدم ذكره في آية المؤمنين هو المناسب.
(عليهم نار مؤصدة)
ومعنى الآية: إنها عليهم "مطبقة فلا ضوء فيها، ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد"[81] وههنا سؤالات:
لم قدم الجار والمجرور: (عليهم) ولم يؤخرهما؟
ولم قرئت (مؤصدة) بالهمز؟ وما الفرق بينهما وبين عدم الهمز؟
ولم لم يقل كما قال في سورة الهمزة: (في عمد ممددة)
ولم ذكر جزاء الكافرين، ولم يذكر جزاء المؤمنين؟
أنا تقديم الجار والمجرور فقد يظن ظان أنه لفاصلة الآية، فإن كلمة (مؤصدة) هي المناسبة لخواتم الآي: المسغبة، المقربة، المتربة، المرحمة، المشأمة. ولو قال:(نار مؤصدة عليهم) لم يكن مناسباً.
وهذا صحيح فإنه لو أخر الجار والمجرور لم يناسب خواتم الآي، غير أن المعنى يقتضي ذلك أيضاً، فإن التقديم ههنا يفيد الحصر، فإن النار مؤصدة على الكافرين لا يخرجون منها ابداً. أما غير الكافرين من عصاة المؤمنين، فقد يخرجون منها بعد أن ينالوا عقابهم، فهي إذن مؤصدة عليهم حصراً ولو قال: (نار مؤصدة عليهم) لم يفد الحصر بل لأفاد أنها مؤصدة عليهم، وقد تكون مؤصدة على غير الكفار أيضاً، وهو غير مراد. أما قراءة الهمز في (مؤصدة) فإنها قرئت أيضاً (مؤصدة) فإنها قرئت أيضاً (موصدة) بغير الهمزة.
وقد يظن ظان أن التخفيف أولى لأنه من (وصد) و(أوصد)
والحق أنهما لغتان أصد ووصد، يقال: أصد الباب وآصده وأوصده، إذا أطبقه وأغلقه.
جاء في (لسان العرب): "أصد الباب أطبقه كأوصد إذا أغلقه ومنه قرأ أبو عمرو: إنها عليهم مؤصدة بالهمز أي مطبقة"[82]
وجاء في (روح المعاني): "مؤصدة مطبقة من آصدت الباب، إذا أغلقته وأطبقته، وهي لغة قريش على ما روي عن مجاهد ويجوز أن يكون من(أوصدته) بمعنى غلقته أيضاً وهمز على حد من قرأ بالسؤق مهموزاً وقرأ غير واحد من السبعة، موصدة بغير همز فيظهر أنه من أوصدت .. والمراد مغلة أبوابها، وإنما أغلقت لتشديد العذاب والعياذ بالله تعالى عليهم"[83] .

(1/295)


أما اختيار الهمز، فله دلالته ذلك أن الهمزة حرف ثقيل شديد، وهي على كل حال أثقل من الواو[84] فاختار الهمزة على الواو لثقلها وشدتها، لأن الموقف شديد وصعب، فهي المناسبة لثقل ذلك اليوم وصعوبته وشدته قال تعالى: (ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً) [الإنسان]، وإن النطق بها لثقيل، فإذا قال (مؤ) كان كأن الشخص يعاني من أمر ثقيل. فهي أنسب وأدل على الكرب والثقل من التسهيل والنطق بالواو.
وهو المناسب أيضاً لجو المكابدة والشدة والقوة في السورة. والله أعلم. د
أما السؤال الثالث وهو: لماذا لم يقل كما قال في سورة الهمزة: (في عمد ممددة) فذلك له أكثر من سبب، وكل تعبير هو أليق بمكانه من نواح عدة منها:
1ـ إنه توسع في سورة الهمزة في ذكر صفات المعذب وتوسع في ذكر العذاب، فقال: (ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لنبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدة)
فقال في ذكر صفات المعذب، أنه همزة لمزة، وأنه جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده، في حين لم يزد في سورة البلد على قوله: (والذين كفروا بأياتنا) ولما توسع في صفات المعذب توسع في ذكر عذابه، فقال: (كلا لنبذن في الحطمة وما أدراك)
فناسب ذلك ذكر الزيادة في سورة الهمزة دون سورة البلد.
2ـ إنه ذكر في أول الهمزة (ويل لكل همزة لمزة) فدعا عليهم بالهلاك الدائم الذي لا ينقطع ورفع (الويل) يفيد الثبوت، فناسب الدلالة على الدوام، أن يقول: (إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدة للدلالة على الاستيثاق من غلق الأبواب عليهم.
3ـ ذكر في سورة الهمزة أن هذا الكافر يجمع المال ويعدده، ويحفظه فكما حفظ المال وجمعه وأغلق عليه الأبواب، واستوثق من حفظه أغلقت عليه أبواب جهنم واستوثق منها بأنها مدت عليها الأعمدة.
فناسب الاستيثاق من حفظ المال وإيصاد الأبواب عليه الاستيثاق، وإطباق الأبواب عليه في النار. في حين أنه ذكر في سورة (البلد) أنه أهلك مالاً لبداً فذلك أهلك المال وأنفقه، وهذا جمع المال وحفظه، فناسب ذكر الحفظ وشدة الاستيثاق في سورة الهمزة الاستيثاق من غلق باب عليه، والجزاء من جنس العمل.
4ـ ذكر في سورة الهمزة أن هذا الكافر يحسب أن ماله أخلده في الدنيا وأبقاه، وأنه لا يفارقها، فعوقب بذلك بالخلود في النار، وإطباق أبوابها عليه والاستيثاق بالعمد الممدة عليها، للدلالة على خلوده في النار أبد الآبدين فحسبانه الخلود في الدنيا مقابل لحقيقة الخلود في النار فهناك ظن وهنا يقين وهناك خلود مظنون في الدنيا وهنا خلود واقع حقيقة في النار.
5ـ ذكر في سورة الهمزة أن هذا الكافر يتعدى على الآخرين، فهو لم يكف أذاه عنهم، ولم ينلهم من خيره شيء، فهو يهمزهم ويلمزهم ويمنع خيره عنهم، فلم ينفق من ماله شيئاً فلما اعتدى على الآخرين وآذاهم انبغى له الحبس لتخليص الناس من شره وعدوانه.
والمحبوس تغلق عليه أبواب الحبس ويستوثق من إلاغلاقها وعدم فتحها لئلا يخرج منها فناسب ذلك زيادة الاستيثاق بالعمد الممددة على الأبواب لئلا تفتح في حين لم يذكر في سورة البلد سوى الكفر بآيات الله، ولم يذكر أنهم تعدوا على الآخرين.
6ـ إن المعذبين في سورة الهمزة كفار وزيادة، فهم:
1ـ كافرون.
2ـ يتعدون على الآخرين بالهمز واللمز والسخرية والتكبر.
3ـ أنهم جمعوا الأموال ولم ينفقوها.
4ـ يحسبون أن الأموال تخلدهم في الدنيا.
في حين لم يذكر في سورة البلد إلا الكفر.
فأولئك كفار وزيادة في العدوان، فاقتضى ذلك الزيادة في تعذيبهم وحبسهم.
فانظر كيف ناسب كل تعبير موطنه. ولو جعلت الزيادة في سورة البلد لم تحسن كما هو ظاهر.
وأما السؤال الأخير وهو : لماذا ذكر جزاء الكافرين ولم يذكر جزاء المؤمنين.
فالجواب عنه أن ذلك لمناسبة ما ذكر في أول السورة من خلق الإنسان في كبد، فلم يناسب ذلك ذكر النعيم وإنما الذي يناسبه ذكر الجحيم وما فيه من مشقة.
جاء في (روح المعاني): "وصرح بوعيدهم ولم يصرح بوعد المؤمنين، لأنه بما سيق له الكلام والأوفق بالغرض والمرام[85]
ثم انظر بعد ذلك إلى هذه السورة المحكمة النسج، كيف وضعت تعبيراتها لتؤدي أكثر من معنى.
فـ (لا أقسم) تحتمل النفي والإثبات.
و(حل) تحتمل الحال والمستحل والحلال.
و(ووالد وما ولد) تحتمل العموم والخصوص من آدم وذريته أو إبراهيم وذريته أو الرسول وآبائه. وغير ذلك على وجه العموم.
و(الكبد) تحتمل المكابدة والمعاناة، وتحتمل القوة والشدة، وتحتمل استقامة الجسم واعتداله وغير ذلك.
و(أيحسب) تحتمل العموم والخصوص، فهي تحتمل كل إنسان، وتحتمل إنساناً معيناً تشير إليه الآية.
و(أهلكت مالاً لبداً) تحتمل أكثر من معنى، فهو قد يكون أنفقته في المفاخر والمكارم والمباهاة. وتحتمل الإنفاق في عداوة الرسول، وتحتمل غير ذلك. وتحتمل الكذب فلم ينفق شيئاً، وإنما هو ادعاء محض.
و(اللبد) تحتمل الجمع وتحتمل المفرد، فعلى الجمع تكون جمع (لبدة) كنقطة ونقط، وخطوة وخطى وعلى المفرد تكون صفة كحطم ولكع.

(1/296)


و "النجدان" يحتملان طريقي الخير والشر، ويحتملان الثديين وكلاهما هدانا ربنا إليهما.
و(لا) في قوله: (فلا اقتحم العقبة) تحتمل النفي الدعاء، وتحتمل المضي والاستقبال.
و(العقبة) تحتمل أموراً كثيرة، ذكر قسم من المفسرين: أنها في الآخرة. وقال آخرون: هي في الدنيا. وقيل: هي جبل في جهنم، وقيل: هي عقبة بين الجنة والنار.
و(فك رقبة) يحتمل العتق وغيره من فك المغارم والديون وغيرها.
و(أصحاب الميمنة)تحتمل أصحاب جهة اليمين. وأصحاب اليمين، وأصحاب اليمن ضد الشؤم.
و(المشئمة)كذلك.
فانظر كيف وضعت تعبيراتها للاتساع في المعاني.
والملاحظ في هذه السورة أن فيها خطوطاً تعبيرية ومقامية واضحة أشرنا إليها.
منها: خط المكابدة الذي تدل عليه الآية (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وخط العموم والاتساع في المعنى وهو الذي بيناه آنفاً.
وخط الاجتماع الذي ذكرناه في قوله: (أهلكت مالا لبداً)
وخط الصبر الذي دل عليه قوله: (وتواصوا بالصبر).
وخط المرحمة الذي دل عليه قوله: (تواصوا بالمرحمة).
فانظر أي إحكام في النسج، وأي دقة في التعبير هذا الذي بين الدفتين.
[1] البحر المحيط 8/474.[2] روح المعاني 30/133.[3] الكشاف 3/338.[4] البحر المحيط 8/474، تفسير الرازي 31/180، روح المعاني 30/134. [5] البحر المحيط 8/475.[6] تفسير البيضاوي 799.[7] البيان 26.[8] فتح القدير 5/430.[9] الكشاف 3/338.[10] روح المعاني 30/133.[11] التبيان 26.
[12] البحر المحيط 8/474 وانظر تفسير الرازي 31/180.[13] الكشاف 3/338 ـ 339 وانظر روح المعاني 30/133.[14] البحر المحيط 8/474.[15] روح المعاني 30/133، وانظر تفسير الرازي 31/181.[16] انظر ملاك التأويل 2/883.[17] ملاك التأويل 2/950 ـ 952.[18] درة التنزيل 530.[19] التبيان 25.[20] الكشاف 3/339.[21] البحر المحيط 8/475، روح المعاني 30/135، الكشاف 3/339.[22] معاني القرآن 3/263. [23] لسان العرب كبد 4/379.[24] البحر المحيط 8/475، لسان العرب كبد 4/379.[25] فتح القدير 5/431.[26] لسان العرب كبد 4/379.[27] الكشاف 3/339.[28] روح المعاني 30/135.[29] البحر المحيط 8/475.[30] التبيان في أقسام القرآن 26.[31] تفسير الرازي 31/183.[32] روح المعاني 30/136.[33] الكشاف 3/339.[34] روح المعاني 30/136.[35] روح المعاني 30/136.[36] التبيان. [37] الكشاف 3/339.[38] الكشاف 3/339.[39] البحر المحيط 8/475.[40] التبيان 27.[41] تفسير الرازي 31/184.[42] التبيان 27.[43] انظر القاموس المحيط نجد 1/340، البحر المحيط 8/473، فتح القدير 5/431.[44] لسان العرب نجد 4/442.[45] الكشاف 3/339، البحر المحيط 8/476.[46] التفسير الكبير 31/184.[47] لسان العرب عقب 2/111.[48] فتح القدير 5/432.[49] الكشاف 3/340.[50] الكشاف 3/340.[51] انظر التفسير الكبير 31/184.[52] البحر المحيط 8/476.[53] روح المعاني 30/137.[54] الكشاف 3/339.[55] التبيان 27.[56] انظر التفسير الكبير 31/185، المغني 1/244، روح المعاني 30/138.[57] انظر المغني 1/243ـ 244.[58] التفسير الكبير 31/185، روح المعاني
30/139.[59] روح المعاني 30/139.[60] البحر المحيط 8/476، المغني لا 1/243ـ244.[61] روح المعاني 30/139.[62] المغني 1/243.[63] الفوائد 179.[64] تفسير ابن كثير 4/513، وانظر روح المعاني 30/139.[65] انظر المغني 1/244، البحر المحيط 8/476.[66] الكشاف 3/340.[67] فتح القدير 5/432.[68] فتح القدير 5/432.[69] روح المعاني 30/138.[70] روح المعاني 30/138.[71] البحر المحيط 8/476.[72] الكشاف 3/340.[73] الكشاف 3/340.[74] البحر المحيط 8/476.[75] الكشاف 3/340.[76] فتح القدير 5/433.[77] الكشاف 3/340 وانظر البحر المحيط 8/476.[78] انظر البحر المحيط 8/204، روح المعاني 30/139، لسان العرب يمن.[79] انظر روح المعاني 30/139.[80] روح المعاني 30/140.[81] تفسير ابن كثير 4/516[82] لسان العرب أصد 4/39[83] روح المعاني 30/139-140 [84] الخصائص 3/143[85] روح المعاني 30/139-140
==============
لمسات بيانية من سورة القيامة
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/297)


(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ {1} وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ {2} أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ {3} بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ {4} بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ {5} يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ {6} فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ {7} وَخَسَفَ الْقَمَرُ {8} وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ {9} يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ {10} كَلَّا لَا وَزَرَ {11} إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ {12} يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ {13} بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ {14} وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ {15} لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ {16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ {17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ {19} كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ {20} وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ {21} وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ {24} تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ {25} كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ {26} وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ {27} وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ {28} وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ {29} إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ {30} فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى{31 وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى {32} ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى {33} أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {34} ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {35} أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى {36} أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى {37} ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى {38} فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى {39} أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن
يُحْيِيَ الْمَوْتَى {40}
سألني ولدي ذات يوم: ما مناسبة قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل له) لما قبله وهو قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)
فقلت له: دعني أنظر في أول السورة، لعلي أجد مفتاح الجواب فقرأت: (بسم الله الرحمن الرحيم: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة).
فقلت له: المناسبة ظاهرة، وهي أن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة، ومن أبرز سمات النفس اللوامة أن تعجل في الأمر، ثم يندم عليه، فتبدأ بلوم نفسها على ما فعلت وهو في الآيات التي ذكرتها ذكر النفس، فقال (بل الإنسان على نفسه بصيرة) وذكر العجلة فقال: (لتعجل به) فالمناسبة ظاهرة.
ثم بدأن اقرأ السورة متأملاً فيها فوجدت من دقائق الفن والتناسب والتناسق ما يدعو إلى العجب فآثرت أن أدون شيئاً من هذه اللمسات الفنية.
لقد ذكر المفسرون مناسبة هذه السورة لما قبلها أعني سورة (المدثر) وارتباطها بها. فقد قالوا: إنه سبحانه قال في آخر سورة المدثر: (كلا بل يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة) وفيها كثير من أحوال القيامة "فذكر هنا يوم القيامة وجملاً من أحوالها"[1] فكان بينهما مناسبة ظاهرة.
إن هذه السورة قطعة فنية مترابطة متناسقة محكمة النسج، وليس صواباً ما جاء في (الإتقان) أن "من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها، من ذلك قوله تعالى في سورة القيامة: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) فإن وجه مناسبتها لأول السورة وآخرها عسر جداً"[2]
إن ترابط آيات هذه السورة ترابط محكم وتناسبها فيما بينها لا يخفى على المتأمل.
لقد أقسم الله سبحانه بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة على رأي الأكثرين، أو أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة على رأي آخرين وسر هذا الاختلاف، أن ثمة قراءة بإثبات القسم بيوم القيامة أي (لأقسم) إلا أنهم اتفقوا على إثبات حرف النفي مع النفس اللوامة فكلهم قرأ(ولا أقسم بالنفس اللوامة)[3]
ولا نريد أن نطيل الكلام على اقتران فعل القسم بـ (لا) ودواعيه فقد تكلم فيه المفسرون والنجاة بما فيه الكفاية والذي نريد أن نقوله ههنا: إن كل أفعال القسم المسندة إلى الله في القرآن الكريم مسبوقة بـ (لا) إذ ليس في القرآن الكريم (أقسم) بل كلها (لا أقسم)، وذلك نحو قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم) [الواقعة] وقوله: (فلا أقسم بالشفق) [الإنشقاق]، وقوله: (لا أقسم بهذا البلد) [البلد] وما إلى ذلك فليس القسم ههنا بدعاً من التعبير. وباختصار كبير نرجح أن هذا التعبير إنما هو "لون من ألوان الأساليب في العربية تخبر صاحبك عن أمكر يجهله أو ينكره، وقد يحتاج إلى قسم لتوكيده، لكنك تقول له: لا داعي أن أحلف لك على هذا، أو لا أريد أن أحلف لم أن ألأمر على هذه الحال، ونحوه مستعمل في الدراجة عندنا نقول: ما أحلف لك أن ألأمر كيت وكيت. أو ما أحلف لك بالله لأن الحلف بالله عظيم، إن الأمر على غير ما تظن فأنت تخبره بالأمر، وتقول له: لا داعي للحلف بالمعظمات على هذا الأمر"[4]

(1/298)


أو كما ذهبت إليه الدكتورة بنت الشاطئ، وهو أن القصد من ذلك هو التأكيد "والتأكيد عن طريق النفي، ليس بغريب عن مألوف استعمالنا، فأنت تقول لصاحبك: لا أوصيك بفلان تأكيداً للوصية ومبالغة في الاهتمام بها، كما تقول: لن ألح عليك في زيارتنا فتبلغ بالنفي ما لا تبلغه بالطلب المباشر الصريح"[5].
ومهما كان الرأي في دخول (لا) على فعل القسم، فإن هذا لا يغير شيئاً من أصل المسألة، وهي أنه ابتدأ السورة بالقسم بيوم القيامة والنفس اللوامة نفياً أو إثباتاً. وقد حاول المفسرون أن يجدوا المناسبة لاجتماعهما في القسم فقالوا: "المقصود من إقامة القيامة، إظهار أحوال النفوس اللوامة، أعني سعادتها وشقاوتها، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشديدة"[6] .
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): "وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ولما كان معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه، قرن بينهما في الذكر[7]
إن السورة مبنية على ما ابتدأت به من القسم، فهي مبنية على أحوال يوم القيامة، وعلى النفس، ولا تكاد تخرج عن ذلك.
هذا أمر والأمر الآخر أنه تعالى لم يقسم بالنفس على صفة الإطلاق، بل أقسم بنفس مخصوصة، وهي النفس اللوامة، وهذا له طابعه الواضح في السورة كما سنبين.
إن الإنسان يلوم نفسه لأحد سببين:
إما أن يتعجل فيفعل ما لا ينبغي له فعله، فيندم على ذلك فيبدأ يلوم نفسه، لم فعلت ذاك؟ لم لم أترو؟
وإما أن يتراخى عن فعل كان الأولى له أن يفعله، وأن يغتنم الفرصة التي سنحت له، ولكنه قعد عن ذلك مسوفاً، ففاته نفع كبير، وقد لا تسنح له فرصة، كالتي فاتت، فيبدأ يلوم نفسه. لم تباطأت، لم لم أفعل؟ لم لم أغتنم الفرصة؟ ونحو ذلك.
والسورة مطبوعة أيضاً بهذين الطابعين من صفات النفس اللوامة، طابع العجلة التي تدعو إلى الندم واللوم، وطابع التباطؤ وتفويت الفرص الذي يؤدي إلى الندم واللوم أيضاً.
فالسورة مبنية إذن على ما ابتدأت به.
يوم القيامة، والنفس اللوامة في حيالها: العجلة والتباطؤ.
أما يوم القيامة، فقد تكررت أحواله في السورة في تناسق لطيف، إلى أي ختمت بقوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى) فتناسب بدء السورة مع خاتمتها.
ثم قال بعد القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة:
(أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) فعاد إلى القيامة.
والملاحظ في هذا التعبير أنه جمع بين نفس الإنسان ويوم القيامة أيضاً كما ابتدأت السورة فقال: (أيحسب الإنسان) أي: أيظن ذلك في نفسه؟ لحسبان أمر نفسي داخلي، ولم يقل مثلاً: (لنجمعنك إلى يوم القيامة) أو لتبعثن) ونحو ذلك فجمع بينهما في تناسق لطيف مع بداية السورة، وهو احتيار فني رفيع.
ومن الملاحظ أننا لا نجد جواباً للقسم الذي ابتدأت به السورة، وإنما نجد ما يدل عليه وهو هذه الآية. فجواب القسم محذوف ويقدره النحاة (لتبعثن)[8].
وهذا الحذف يتناسب هو والعجلة التي دلت عليه النفس اللوامة وجوها ـ أعني جو العجلة ـ الذي طبعت به السورة.
ومن الملاحظات الأخرى في هذه الآية، أنها مرتبطة بما ورد في آخر السورة وهو قوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) أجمل ارتباط حتى كأنهما آيتان متتابعتان تأخذ إحداهما بحجز الأخرى.
ثم قال بعدها:
(بلى قادرين على أن نسوى بنانه).
إن هذه الآية تتناسب هي ما ورد في آخر السورة من قوله تعالى: (فخلق فسوى) إلا أن هذه تسوية مخصوصة بالبنان وتلك تسوية عامة. وكل آية موضوعة في مكانها المناسب فآية (نسوى بنانه) مرتبطة بقوله: (نجمع عظامه) فإن البنان عظام، فناسب ذلك بأن يكون بجنب (نجمع عظامه) أما الآية الأخر وهي (فخلق فسوى) فهي مرتبطة بالخلق العام للإنسان، فناسب ذلك الإطلاق والعموم فناسب كل آية موضعها.
وملاحظة أخرى في هذا التعبير، وهي أنه حذف منه عامل الحال، فقال: (بلى قادرين) ولم يذكر عامله، ولم يذكر عامله، ويقدره النحاة بقولهم: (بلى نجمعها قادرين[9] وهذا الحذف يتناسب أيضاً والعجلة التي دلت عليها النفس اللوامة.
ثم قال بعد ذلك: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه).
ومعنى الآية أن الإنسان يريد المداومة على شهواته ومعاصيه، ويقدم الذنب ويؤخر التوبة.
جاء في (الكشاف) في تفسير قوله تعالى: (ليفجر أمامه) "ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه. وعن سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه ـ يقدم الذنب ويؤخر التوبة، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله"[10].
وجاء في (البحر المحيط): " إن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه، ويمضي فيها أبداً قدماً راكباً رأسه مطيعاً أمله ومسوفاً بتوبته"([11]).
وارتباط الآية بالنفس اللوامة واضح، فإن الإنسان ههنا يسوف التوبة، يتباطاً عنها ويغره الأمل حتى يموت، فيدركه الندم ويقع تحت مطرقة اللوم.

(1/299)


وانظر بعد ذلك كيف جاء باللام الزائدة المؤكدة في مفعول الإرادة، فقال: (بل يريد الإنسان ليفجر) والأصل أن يقال: (بل يريد الإنسان أن يفجر) لأن فعل الإرادة متعد بنفسه لا باللام كما قال: (يريد الله أن يخفف عنكم) [النساء] غير أنه جاء باللام للدلالة على قوة إرادة الفجور والشهوات عند الإنسان وشدة الرغبة فيها. وهذه مدعاة إلى الندم البالغ، وكثرة لوم الإنسان لنفسه، فارتبط ذلك أحسن ارتباط بالنفس اللوامة.
ثم انظر كيف أنه لما بالغ في إرادة للفجور والرغبة فيه، بالغ في اللوم فجاء بصيغة المبالغة، فقال: (اللوامة) ولم يقل (اللائمة) للدلالة على كثرة اللوم، فانظر المناسبة بين المبالغة في الفجور والمبالغة في اللوم، وكيف أنه لما بالغ في أحدهما بالغ في الآخر.
ثم قال بعد ذلك:
(يسأل أيان يوم القيامة)
وهذا "سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة"[12] وقد جاء بأداة الاستفهام (أيان) التي تدل على شدة الاستبعاد وهذا المتعنت المستبعد لقيام الساعة هو الذي يقدم الفجور والمعصية ويؤخر التوبة، وهو المذكور في الآية السابقة.
وقال بعد ذلك:
(فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر) .
وهذه الآيات كأنها جواب السائل عن موعد القيامة المستبعد لوقوعها. وقد بدأ التعبير بـ (إذا) الدالة على الزمان لأن السائل إنما سأل عن زمنها وموعدها، فكان الجواب بالزمان كما كان السؤال عن الزمان.
ومعنى: (برق البصر) دهش فلم يبصر، وقيل: تحير فلم يطرف، وبرق بصره، أي: ضعف[13].
وذكر البصر مع ذكر الشمس والقمر له سببه ومناسبته، فإن البصر يعمل مع وجود الشمس والقمر، أي: مع النور، فإذا لم يكن ثمة نور فلا يعمل شيئاً كما قال تعالى: (ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) [البقرة].
وفي هذا اليوم قد تعطل البصر كما تعطل الشمس والقمر، فالبصر برق، والقمر خسف، وجمع الشمس والقمر.
ثم انظر كيف قال: (برق البصر) ولم يقل (عمي) أو نحو ذلك، فإن المراد تعطيله مع وجوده، كما فعل بالشمس والقمر، فإنه لم يزلهما ويذهبهما، وإنما عطلهما فهو تناسب لطيف.
ثم انظر كيف قال: (وجمع الشمس والقمر) إشارة إلى تعطيل الحياة الرتيبة إن استمرار الشمس والقمر على حالهما دليل على استمرار الحياة والدنيا إنما هي أيام وليال، وآية النهار الشمس وآية الليل القمر، فجمعهما معاً دليل على تعطيل الحياة التي كان يردوها مسوفو التوبة، والمغترون بالأمل والذين يقدمون الفجور ممن تقدم ذكرهم بقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) ثم انظر بعد علاقة ذلك بالنفس اللوامة التي كانت تقدم الفجور، وتغتر بالدنيا ففاجأها ما يستدعي كثرة اللوم.
ثم انظر مناسبة ذلك للقسم بـ (يوم القيامة)، و(اليوم) يستعمل في أحد مدلوليه لمجموع الليل والنهار فناسب ذلك ذكر الشمس والقمر، إذ هما دليلاً اليوم وآيتاه في الدنيا، أما يوم القيامة هذا فهو يوم لا يتعاقب فيه الشمس بالقمر، بل يجمعان فيه فلا يكون بعد ليل ونهار بل هو يوم متصل طويل.
وفي هذا اليوم يطلب الإنسان الفرار، ولكن إلى أين؟
ويبقى السؤال بلا جواب ثم يجيب رب العزة بقوله: (كلا لا وزر) والوزر الملجأ، فلا ملجأ يفر إليه الإنسان ويحتمي به وإنما (إلى ربك يومئذ المستقر) والفار يطلب ملجأ يأوي إليه ويعتصم به ويطلب الاستقرار ولكن لا استقرار إلا إلى الله، فإليه وحده المستقر.
وتقديم الجار والمجرور يفيد القصر والاختصاص، فليس ثمة مستقر إلى سواه. وهذا التقديم يقتضيه الكلام من جهتين:
من جهة المعنى وهو الاختصاص والقصر، وتقتضيه فاصلة الآية أيضاً.
وتقديم (يومئذ) كذلك يقتضيه الكلام من هاتين الجهتين أيضاً. فالمستقر في ذلك اليوم خاصة إلى الله سبحانه، أما في الدنيا فالإنسان قد يجد مستقراً يأوي إليه ويستقر فيه، أما في ذلك اليوم، فلا مستقر لا إلى الله.
وتقديم (إلى ربك) على (يومئذ) له سببه أيضاً ذلك أن الإنسان في تلك الحالة، يبحث عن مكان يفر إليه ويستقر منه، فقدم له ما يبحث عنه، وقال له: (إلى ربك يومئذ المستقر) لأنه هو الأهم، وهو المقصود.
واختيار كلمة (رب) ههنا اختيار مقصود، فالرب هو المالك والسيد والمدبر والمربي والقيم والمنعم. ورب كل شيء مالكه ومستحقه[14].
والفار إلى من يلتجئ؟ هل يلتجئ إلا إلى سيده ومالكه وصاحب نعمته ومدبر أمره والقيم عليه؟
فهو وزره وإليه مستقره، فهل ترى أنسب من كلمة (رب) ههنا؟
ثم إن اختيار كلمة (مستقر) اختيار دقيق محكم أيضاً، ذلك أن هذه الكلمة تدل على المصدر بمعنى الاستقرار، وتدل على اسم المكان بمعنى مكان الاستقرار، وتدل على اسم الزمان، بمعنى زمان الاستقرار.
وهي هنا تفيد هذه المعاني كلها، فهي تفيد (الاستقرار)، أي: إلى فك الاستقرار، وتفيد موضع الاستقرار وهو الجنة والنار أي إلى ذلك إلى هيئته تعالى.

(1/300)


جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (إلى ريك يومئذ المستقر): "إلى ربك خاصة (يومئذ) مستقر العباد، أي: استقرارهم، يعني أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره وينصبوا إليه. أو على حكمة ترجع أمور العباد لا يحكم عليه غير كقوله: (لمن الملك اليوم) أو إلى ربك مستقرهم، أي: موضع فرارهم من جنة أو نار"[15].
وجاء في(البحر المحيط): "المستقر، أي: الاستقرار أو موضع استقرار من جنة أو نار إلى مشيئته تعالى، يدخل من شاء الجنة، ويدخل من شاء النار بما قدم وأخر"[16].
وتفيد زمان الاستقرار أيضاً، أي أن وقت الفصل بين الخلائق، وسوقهم على مستقرهم عائد إلى مشيئته تعالى. فهم يمكثون في ذلك اليوم ما يشاء الله أن يمكثوا، ثم هو يحكم بوقت ذهابهم إلى مواطن استقرارهم، فكلمة (مستقر) أفادت ثلاث معان مجتمعة علاوة على ما تقتضيه الفاصلة في نهاية الآيات. ولا تغنى كلمة أخرى عنها، فلو أبدلت بها (الاستقرار) ما أدت تلك المعاني، فهي أنسب كلمة في هذا الموضع.
ثم قال بعد ذلك:
(ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر).
والمعنى أن الإنسان ينبأ بما قدم من عمل خير أو شر، وبما أخر من عمل كان عليه أن يعمله، فلم يعمله.
وهذه الآية متناسبة مع ذكر النفس اللوامة، في أول السورة في حالتيها اللتين تدعوان إلى اللوم.
أن تفعل فعلاً ما كان ينبغي لها أن تفعله، فتلوم نفسها عليه، وهذا يدخل فيما قدم.
أو تقعد عن عمل كان ينبغي لها أن تعمله، فلم تعمله وهو يدخل فيما أخر.
ثم قال بعدها:
(بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).
بعد أن أخبر عن أحوال يوم القيامة فيما تقدم، عاد إلى النفس مرة أخرى. وهو اقتران يذكرنا بالاقتران بين يوم القيامة والنفس اللوامة في مفتتح السورة.
والمعنى: أن الإنسان يعرف حقيقة نفسه، ولو جاء بالحجج والأعذار.
وقال بعدها:
(لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقراءنه فإذا قرأنه فاتبع قراءنه ثم إن علينا بيانه).
وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها، أن الحجج والمعاذير إنما تلقى باللسان فارتبطت بقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به).
والضمير في (به) يعود على القرآن، ولم يجر له ذكر، وهو مفهوم من المعنى "وكان رسول الله
eإذا لقن الوحي، نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعةً إلى الحفظ وخوفاً من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت إليه ملقياً إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضي إليه وحيه… (لتعجل به) لتأخذه على عجلة ولئلا يتفلت منك"[17].
وأما قوله: (لتعجل به) فهو تعليل لتحريك اللسان، فالعجلة علة له هذا
e.
إن العجلة المذكورة هنا تتناسب مع جو العجلة في السورة، ثم إن ذكر سير القرآن من دون أن يجري له ذكر اختصار وإيجاز في الكلام مناسب لجو مجلة هذه، فقد تعاون كل من التعبير والتعليل لبيان هذا الغرض.
وقال بعدها: (إن علينا جمعه وقرآنه)
الملاحظ في هذا التعبير أنه قدم الجار والمجرور على الاسم، وذلك لاختصاص والقصر والمعنى أننا نحن المتكلفون بجمعه في صدرك تلاوته للناس صحيحاً كاملاً وهذا مواطن من مواطن القصر، لأنه لا يمكن لأحد غير الله أن يفعل ذلك، فإن تثبيت النصوص في النفس وحفظها لمجرد سماعها وعدم نسيانها، وإلقاءها كما هي على مر الزمن، إنما هو من فعل الله وحده فهو الذي يثبت في النفوس أو يمحو منها ما يشاء.
إذن فإن ذلك عليه وحده
وهذا التقديم اقتضاه المعنى كما اقتضته الفاصلة.
ولو أخر الجار والمجرور لأخل بالمعنى، ذلك أنه يقتضي عدم القصر ومعنى ذلك أنه يخبر بأنه متكفل بجمع القرآن في صدره، وليس المتكفل الوحيد وذلك كما تقول: (يشرح خالد لك هذا الأمر) فإنك ذكرت أن خالداً يشرح له الأمر ولم تفد أن خالداً يخصه بالشرح ولا يشرح لأحد غيره ولو قال: (لك يشرح خالد هذا الأمر) لأفاد أنه يخصه بالشرح ولا يشرح لأحد آخر. فتقديم الجار والمجرور على عامله يفيد القصر غالباً.
وهذا موطن قصر، إذ لا يمكن أن يفعل ذلك غير الله تعالى، أعني التكفل بتثبيت القرآن في النفس بمجرد سماعه.
وإدخال (إن) يقتضيه المعنى أيضاً في أكثر من جهة:
من ذلك أنها تفيد التعليل كما في قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) [التوبة] فهنا أفادت التعليل وبينت سبب النهي عن تحريك اللسان فقد قال: لا تحرك به لسانك، لأن جمعه في صدرك نحن نتكفل به. ولو لم يدخل (إن) لم يرتبط الكلام ولا نتفى معنى التعليل إذ لو قال: (لا تحرك به لسامك لتعجل به علينا جمعه وقرآنه) لم تجد له هذا الحسن الذي تجد، ولا نفصل الكلام بعضه عن بعض فـ (إن) ربطت الكلام بعضه ببعض وأفادت التعليل.
ومن ذلك أنها تفيد التوكيد، وهذا الموطن يقتضي التوكيد إذ إن حفظ الإنسان لكل ما يلقى إليه بمجرد سماعه أمر غريب والتكفل به يحتاج إلى توكيد ولذا جاء بـ (إن) المؤكدة.
وقال بعد ذلك:
(فإذا قرأنه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه)
ومعنى: (فاتبع قرآنه) أي: اتبعه بذهنك وفكرك، أي: فاستمع له[18].
والإسناد إلى ضمير الجمع هنا له دلالة إضافة إلى التعظيم الذي يفيده من الجمع ذلك أن القارئ هو جبريل، وليس الله.

(1/301)


جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: (فإذا قرآنه فاتبع قرآنه) "جعل قراءة جبريل عليه السلام قراءته… ونظيره في حق محمد عليه الصلاة والسلام (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [19]. وجاء في (البحر المحيط): فإذا قرأناه، أي: الملك المبلغ عنا"[20].
وكذلك المبين في قوله تعالى: (ثم إن علينا بيانه) فالذي يبين للرسول يوضح هو الملك، فهو يقرأ بأمر الله ويبين بأمر الله فالأمر مشترك. الله هو الملك يبلغ، ولذا عبر بأسلوب الجمع، والله أعلم، وأظن أن الفرق موضح بين قوله: (فإذا قرآنه فاتبع قرآنه) والقول: (فإذا قرأته فاتبع قرآنه).
والقول في التقديم في (ثم إن علينا) هو في الآية قبلها. فإن تقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص أيضاً ذلك أن تبين ما أشكل منه مختص تعالى.
وقال بعد ذلك: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة)
والعاجلة يؤثرها بنو آدم على وجه العموم، ويقدمونها على الآخرة وارتباطها بما قبلها وهو قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) ظاهر فكلتاهما في العجلة وإيثارها، فالرسول
eكان ينازع جبريل القراءة ولا يصبر حتى يتمها ليأخذه على عجل، والناس على وجه العموم يؤثرون العاجلة على الآخرة، فهو طبع عام في البشر خلقوا عليه كما قال تعالى: (خلق الإنسان من عجل) [الأنبياء] فالموضوع إذن موضوع واحد هو العجلة.
وكلاهما يتعجل ما هو أثير لديه ومفضل عنده.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة)، كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء ومن ثم تحبون العاجلة: (وتذرون الآخرة)… فإن قلت: كيف اتصل قوله: (لا تحرك به لسانك) إلى آخره بذكر القيامة؟ قلت: اتصاله به من جهة التخلص منه إلى هذا التوبيخ بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة[21].
وجاء في (روح المعاني) في هذه الآية: "كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) تعميم الخطاب للكل كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل وجبلتم عليه تعجلون في كل شيء ولذا تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ويتضمن استعجالك، لأن عادة بني آدم الاستعجال ومحبة العاجلة… ومنه يعلم أن هذا متصل بقوله سبحانه: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) فإن ملوح إلى معنى: بل تحبون الخ"[22].
إن هذه الآية كما هو واضح مناسبة لجو العجلة التي بنيت عليها السورة، وهي متصلة ـ كما مر بنا ـ بقوله تعالى: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) فإن الإنسان يسوف بتوبته ويغره أمله ويؤثر ما بين يديه ويغمس نفسه في شهواته، ويستحب عاجل حياته ولا ينظر فيما وراء ذلك من أمور الآخرة، فهي متصلة بما قبلها وبقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) أتم اتصال.
كما أنها متصلة بالنفس اللوامة التي بنيت عليها السورة اتصالاً ظاهراً بالنفس اللوامة كما ذكرنا تلوم نفسها لأحد سببين:
إما أن تعجل فتعمل عملاً تندم عليه، فتلوم نفسها علة ذلك، وهذا ما أكده قوله: (كلا بل تحبون العاجلة) وإما أن تؤخر عملاً كان ينبغي لها عمله وقرتها خيره، فتندم عليه، فتلوم نفسها على ذلك وهذا ما يفيده قوله: (كلا بل تذرون الآخرة) فهو هنا عجل أمراً وترك آخر فندم من الجهتين ولام نفسه الحالتين، لام نفسه في العجلة ولام نفسه في الترك.
وما أحرى أن تسمى هذه النفس بالنفس اللوامة، لأن دواعي اللوم لكاثرة عليها.
ثم انظر كيف اختار الفعل: (وتذرون) على (تتركون) ذلك أم في تذورن) حذفاً واصله (توذرون) من (وذر) ليدل ذلك على طابع العجلة الذي يريد أن ينتهي من الشيء في أقرب وقت. فاختيار هذا الفعل المحذوف الواو، مناسب لجو العجلة.
و قد تقول: ولم لم يقل: (تدعون) وهو فيه حذف كما في (وتذرون)
والجواب ـ والله أعلم ـ أن اختيار (تذرون) على (تدعون) له سببه ذلك أن الفعل (وذر) في عموم معانيه يفيد الذم، ومنه قولهم: امرأة وذرة أي: رائحتها رائحة الوذر، وهو اللحم، وقولهم (يا ابن شامة الوذر) وهو سب يكنى به عن القذف. وفي الحديث : (شر النساء الوذرة المذرة) [23] بخلاف (ودع) فإن من معانيه الراحة والدعة وخفض العيش. وقد يفيد المدح ومنه قولهم، رجل وديع، أي: هادئ ساكن[24]. في حين أن الموقف ذم فإنهم يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، فاختار الفعل الذي يقال في عموم للذم ولم يختر الفعل الذي يقال في كثير من معانيه و أكثر معانيه للمدح. وهو اختيار فني رفيع.
ثم قال بعد ذلك: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة)
هذا الصنفان هما ما يؤول إلى أحدهما الناس يوم القيامة. الذي يؤثر الآخرة ويعمل لها، والذي يحب العاجلة ويذر الآخرة. وهذه الآيات مرتبطة بأول السورة وهو القسم بيوم القيامة أتم ارتباط. فإنه في يوم القيامة ينقسم الناس إلى هذين الصنفين.
ثم إن لاختيار كلمة (رب) وتقديم الجار والمجرور سببه أيضاً.
أما اختيار كلمة (رب) فهو أنسب شيء ههنا، فإن وجوه أهل السعادة تنظر إلى ولي نعمتها في الدنيا والآخرة ومربيها وسيدها الذي غذاها بالنعم وهداها إلى طريق السعادة، وأوصلها إليه ولم تكن قد رأته من قبل. ولم يرد في السورة من أسماء الله تعالى غير لفظ (الرب).

(1/302)


وأما تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة) فللاختصاص، فإن هذه الوجوه لا تنظر إلا إليه، فإن النظر إليه يذهلها عن كل ما عداه وينسي أهلها ما عداه من النعيم، فإن أهل الجنة ما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إليه كما في الحديث الصحيح. فهذا من أوجب مواطن الاختصاص فالتقديم اقتضاه المعنى كما اقتضته موسيقى الفاصلة وهذا الجمع بين النضرة وسعادة النظر إلى وجهه الكريم، يشبه الجمع بين النضرة والسرور في قوله تعالى: (ولاقهم نضرة وسروراً) [الإنسان].
ثم قال بعدها في الصنف الشقي:
(ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة)
وهذه بمقابل الوجوه الناضرة، وهي وجوه من آثر العاجلة، وترك الآخرة، وجوه من يريد ليفجر أمامه، الوجوه التي ينبغي لأصحابها أن كثروا اللوم لأنفسهم ويبالغوا في اللوم.
وتقديم (يومئذ) في الآيتين يفيد الاختصاص وهو ما يقتضيه المعنى الفاصلة، فإن نضرة أصحاب النعيم خاصة بذلك اليوم، أما في الدنيا ربما لم تعرف وجوههم النضرة. وكذلك أصحاب الوجوه الباسرة، فإن البسور مختص بذلك اليوم، وربما كانت وجوههم من أنضر الوجوه في الدنيا.
(تظن أن يفعل بها فاقرة)
والفاقرة: الداهية العظيمة التي تقصم فقار الظهر وأصلها من الفقرة والفقارة كأن الفاقرة تكسر فقار الظهر[25].
واختيار فعل الظن مناسب أحسن مناسبة لجو السورة والسياق مع أن الموطن موطن علم ويقين، وقد فسره أكثر المفسرين بالعلم واليقين، وذلك أن الإتيان بفعل الظن متناسب مع تأخير التوبة وإيثار العاجلة وتقديم الفجور، فإنه في الحياة الدنيا بنى حياته على الظن، فهو يظن أن سيمتد به العمر ويطول به الأجل، فيسوف بتوبته ويقم شهوته. وهذا الظن يرافقه إلى اليوم الآخر، فهو إلى الآن يظن وقوع الداهية ظناً، وهو إلى الآن في حال ظن وأمل لا في حال علم وبصيرة، فهو لا يرى إلا اللحظة التي هو فيها، وما بعدها فهو عنده ظن لا يقين كما كان شأنه في الدنيا يقدم شهوته ويؤثر عاجلته ويقول: أيان يوم القيامة؟
فانظر هذا الاختيار الرفيع لفعل الظن في هذا الموقف، وانظر تناسب ذلك مع النفس اللوامة التي لا ترى إلا ما هي عليه حتى تفوتها الفرصة، ويفوتها معها الخير، ويدركها سوء العاقبة، فتلوم نفسها على ما فرطت في جنب الله.
وذكر لاختيار فعل الظن سبب آخر هو أن الظان لا يعلم نوع العقوبة، ولا مقدارها فيبقى رجلاً أشد الوجل، خائفاً أعظم الخوف من هذا الأمر الذي لا يعلم ما هو ولا مداه ولا كيف يتقيه ألا ترى أن الذي يعلم ما سيحل به يكون موطناً نفسه على ذلك الأمر بخلاف الذي لا يعلم ماذا يتقي، وما مداه وما نوع تلك الفاقرة.
جاء في (روح المعاني): "وجيء بفعل الظن ههنا، دلالة على أن ما هم فيه، وإن كان غاية الشر يتوقع بعده أشد منه وهكذا أبداً… وإذا كان ظاناً كان أشد عليه مما إذا كان عالماً موطناً نفسه على الأمر"[26].
ولاختيار الفاقرة دون غيرها سبب سنذكره في مكانه.
واختيار تعبير (أن يفعل بها) بالبناء للمجهول دون أن يقول مثلاً: (أن تصيبها فاقرة) أو (تحل بها) أو نحو ذلك له سبب لطيف. ذلك أن قوله: (أن يفعل بها) معناه أن هناك فاعلاً مريداً يفعل بفقار الظهر ما يريد من تحطيم وقصم. أما القول: (أن تصيبها) أو (تحل بها) فكأن ذلك متروك للمصادفات والظروف، فقد تكون الفاقرة عظيمة أو هينة والفواقر بعضها أدهى من بعض. فقوله: (أن يفعل بها) أنسب اختيار في هذا السياق إذ لا تترك ذلك للمصادفات والموافقات، بل كان ذلك بقدر.
ثم إنه لم يقل: (أن نفعل بها) بإسناد الفعل إلى ذاته العلية، لأنه لم يرد أن ينسب إيقاع هذه الكارثة والشر المستطير إلى نفسه كما هو شأن كثير من التعبيرات التي لا ينسب الله فيها السوء إلى ذاته العلية نحو قوله: (وأنا لا ندري أشر اريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) [الجن] وقوله (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا) [الإسراء] فلم ينسب الشر إلى ذاته.
ثم قال بعدها:(كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق)
"والضمير في (بلغت) للنفس وإن لم يجر لها ذكر"[27]. وعدم ذكر الفاعل ولا ما يدل عليه مناسب لجو العجلة الذي بنيت عليه السورة. ونحوه ما مر في حذف جواب القسم في أول السورة، وحذف عامل الحال (قادرين) وعدم ذكر ما جرى عليه الضمير في قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) وغيره مما سنشير إليه.
(وقيل من راق) وحذف الفاعل وإبهامه في (قيل) مناسب لإضماره وعدم ذكره في (بلغت التراقي) كلاهما لم يجر له ذكر، وكذلك الإبهام في (راق) مناسب لسياق الإبهام هذا، فإن كلمة (راق) مشتركة في كونها اسم فاعل للفعل (رقي يرقي) وهو الذي يقرأ الرقية على المريض ليشفى، وفي كونها اسم فاعل للفعل (رقي يرقى) بمعنى (صعد) ومنه قوله تعالى: (أو ترقى في السماء) [الإسراء].
واختلف في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين:
من يرقيه فيشفيه وينجيه من الموت؟
أو من يرقى بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟[28].
فالقائل مجهول، أهم أهله ومن يتمنى له الشفاء أم هم الملائكة الذين حضروه أثناء الموت؟

(1/303)


فانظر جو الحذف والإبهام وكيف ناسب ما قبله.
وقال بعدها:
(وظن أنه الفراق)
واختيار فعل الظن اختيار مناسب غاية المناسبة لما قبلها ولجو السورة كما ذكرنا، فهو إلى اللحظة الأخيرة في حال ظن وأمل ولا يزال فراق الحياة عنده ظناً من الظنون لا يقيناً، ومناسب لقوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة) فهو في المواطنين، يفترض أن يكون في موقف علم ويقين ولكن مع ذلك لا يزال في موقف ظن.
جاء في (روح المعاني): "والظن هنا عند أبي حيان على بابه وأكثر المفسرين على تفسيره باليقين. قال الإمام: ولعله إنما سمي اليقين ههنا بالظن لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة ولا ينقطع رجاؤه عنها، فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة"[29].
قوله: (والتفت الساق بالساق)
قيل: معناه لفهما في الكفن، وقيل: انتهاء أمرهما بالموت، وكل ما دل في تفسير الآية يراد به حالة من حالات الموت الذي حصل يقينالً لا ظناً.
(إلى ربك يومئذ المساق)
إن تركيب هذه الآية نظير آية (إلى ربك يومئذ المستقر) فإن تقديم (إلى ربك) يفيد القصر والاختصاص، فإن الناس يساقون إلى ربهم وليس إلى مكان أو ذات أخرى، فسوقهم مختص بأنه إلى الله وحده لا إلى غيره.
وكذلك تقديم (يومئذ) فالمساق إليه سبحانه يكون في ذلك اليوم مخصوصاً، وهو يوم مفارقة الدنيا.
وقدم (إلى ربك) على (يومئذ) لأنه هو المهم لأنها جهة المساق ومنتهاه ومستقره. وقد قال في آية سابقة: (إلى ربك يومئذ المستقر) وقال هنا: (إلى ربك يومئذ المساق) فاختير لفظ (المساق) ههنا لأن الآية في مفارقة لروح الجسد عند الموت، فيذهب الميت بعد ذلم ويساق إلى ربه، ثم يوضع في القبر، والقبر ليس مستقراً ولا موطن إقامة، وإنما هو موطن زيارة كما قال تعالى: (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) [التكاثر] فسماها زيارة ولم يسمها مكثاً أو إقامة.
أما الآية الأولى فهي في يوم القيامة، يوم قيام الناس من قبورهم والذهاب بهم إلى مستقرهم في الجنة أو النار، وقد سمى الله الجنة مستقراً وكذلك النار قال تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً) [الفرقان] فالمساق ينتهي إلى المستقر كما قال تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) [الزمر] فهذه غاية المساق ومنتهاه، وكل ذلك إلى الله رب العباد.
ثم قال بعدها:
(فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى)
هذه الآيات فيها حشد من الفن عظيم عسى أن أوفق إلى بيان شيء من مظاهره. فمن ذلك:
1ـ إن هذه الآيات وقعت بعد قوله: (والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق) وهذا النفي والإخبار فيها، إنما هو في الآخرة وهي من أحوال الآخرة وأخبارها، فارتبطت بقوله: (لا أقسم بيوم القيامة).
2ـ كما ارتبطت بالنفس اللوامة من جهتيها الداعيتين إلى اللوم، فقد ذكرنا أن النفس اللوامة إنما تلوم نفسها لسببين:
إما أن تقوم بعمل لا ينبغي أن تقوم به فتندم فتلوم نفسها على ذلك، أو تترك عملاً ما كان ينبغي لها أن تتركه، فيفوتها خيره فتندم فتلوم نفسها على ذلك. والنفس هنا قدمت التكذيب والتولي: (ولكن كذب وتولى) وأخرت التصديق والصلاة (فلا صدق ولا صلى) فندمت في الحالتين فاقتضى ذلك أن تلوم نفسها من الجهتين، وأن تكثر ذلك وتبالغ في الملامة.
3ـ كما ارتبطت بقوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) ذلك أنه كذب وتولى، فقدم شهواته ومعاصيه.
4ـ وارتبط قوله: (فلا صدق ولا صلى) بقوله: (يسأل أيان يوم القيامة) فهو مستبعد له مكذب به فهو لم يصدق ولم يصل.
5ـ كما ارتبط ذلك بقوله تعالى: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وآخر) فإنه قدم التكذيب والتولي وأخر التصديق والصلاة.
6ـ وارتبط قوله: (فلا صدق) بقوله: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) ذلك أن التصديق أمر إيماني، وهو من دخائل النفوس التي لا يطلع عليها إلا الله. والإنسان أعلم من غيره بما في نفسه فهو على نفسه بصيرة، ثم إن الإيمان كما يقال: تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان، فهو لم يصدق بالجنان (فلا صدق) وكذب باللسان، كما قال تعالى: (ولكن كذب) فأظهر التكذيب (وتولى) ولم يعمل بالأركان فانتفت عنه حقيقة الإيمان.
7ـ وارتبط عدم الصلاة والتولي بإلقاء المعاذير، فإنه سيسأل عن ذلك، فيحاول أن يدفع عن نفسه بالمعاذير.
8ـ وارتبط قوله: (فلا صدق) وقوله: (ولكن كذل) بقوله: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) فإنه لم يؤمن، والإيمان باليوم الآخر من أهم أركان الإيمان.
9ـ وارتبطت هاتان الآيتان أعني قوله: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذل وتولى) بقوله: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) فهو قد أحب العاجلة، فكذب وتولى وترك الآخرة.

(1/304)


10ـ وارتبطتا بقوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة) فإنه لو صدق وصلى لكان من أصحاب الوجوه الناضرة، ولكن كذب وتولى فأصبح من أصحاب الوجوه الباسرة.
قوله:
(ثم ذهب إلى أهله يتمطى)
يتمطى، يتبختر وأصله من المطا، وهو الظهر، أي: يلوي مطاه تبختراً، وقيل أصله يتمطط، أي: يتمدد في مشيته ومد منكبيه قلبت الطاء فيه حرف على كراهة اجتماع الأمثال[30] مثل تظنى من تظن.
وهذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: (تظن أن يفعل بها فاقرة)
والفاقرة هي الداهية التي تقصم فقار الظهر. فهذا الذي يتبختر في مشيته ويلوي ظهره، سيقصم فقار ظهره، فلا يستطيع حراكاً. وهو جزاء من جنس العمل، أفلم يكن يلوي ظهره ويتبختر، فسيحطم هذا الظهر الذي طالما لواه وتبختر به.
وهذا أنسب عقاب له، ولو قال بدل ذلك مثلاً: ستصيبه داهية أو تحل به كارثة أو قارعة لم تجده يحسن هذا الحسن، ولا يرتبط به مثل هذا الارتباط، فإن ذلك لا يجانس تمطيه.
وهي مرتبطة أيضاً بقوله تعالى: (إلى ربك يومئذ المساق) فهو كان يذهب إلى أهله وينقلب إليهم متى شاء، أما الآن فإنه يساق سوقاً إلى ربه وسيده على الرغم من أنفه.
ثم انظر كيف قدم الجار والمجرور في السوق فقال: (إلى ربك يومئذ المساق) لأنه ليس له اختيار، وإنما هو مذهوب به إلى جهة واحدة. أما في الدنيا فهو ينقلب إلى أهله وإلى عمله، وإلى اصدقائه وإلى من شاء ليس ثمة حصر، ولذا لم يقدم الجار والمجرور في الدنيا، فقد كانت له عليها الحرية، أما الآن فهو مسوق سوق العبد إلى مولاه وربه وسيده.
ثم انظر كيف أنه لم يذكر (يومئذ) في الدنيا بخلاف يوم موته وسوقه فإنه كان في الدنيا يذهب كل يوم وليس في يوم معين، أما سوقه إلى ربه فذلك في يوم معين وهو يوم الفراق فلم يحتج إلى ذكر اليوم في الدنيا بخلاف يوم المساق.
فانظر كيف تقابل التعبيران والمشهدان
قوله:
(أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى)
(أولى لك) عبارة تقال على جهة الزجر والتوعد والتهديد تقول لمن تتوعده وتتهدده، (أولى لك يا فلان) أي: ويل لك، واشتقاقها من (الولي) وهو القرب، فهو اسم تفضيل يفيد قرب وقوع الهلاك.
جاء في (الكشاف): (فأولى لهم) "وعيد بمعنى: فويل لهم، وهو أفعل من الولي وهو القرب ومعناه: الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه"[31].
وجاء في (روح المعاني): (أولى لك فأولى) "من الولي بمعنى القرب، فهو للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء السوء، كأنه قيل: هلاكاً أولى لك بمعنى: أهلكك الله تعالى هلاكاً أقرب لك من كل شر وهلاك… وفي الصحاح عن الأصمعي، قاربه ما يهلكه: أي نزل به… وقيل: اسم فعل مبني ومعناه: وليك شر بعد شر"[32].
واختيار هذا الدعاء أنسب شيء ههنا، فهو دعاء عليهم وتهديد لهم بالويل القريب والشر الوشيك العاجل، فهو مناسب لإيثارهم العاجلة وتقديمهم الفجور والشهوات وتأخيرهم الطاعات، فكما عجلوا في فجورهم وشهواتهم ومعاصيهم عجل لهم الويل والثبور. وهو مناسب لجو العجلة في السورة الذي ذكرنا قسماً من مظاهره.
لقد ورد هذا الدعاء في سورة محمد فقال: (فأولى لهم) غير أننا نلاحظ الفروق التعبيرية الآتية بينهما:
1ـ إنه كرر الدعاء في سورة القيامة في الآية الواحدة فقال: (أولى لك فأولى) ولم يكرره في سورة محمد بل قال: (فأولى لهم).
2ـ ثم إنه عاد فكرر الآية: (أولى لك فأولى) كلها في سورة القيامة، فكان تكراران: تكرار جزئي في الآية ، وتكرار كلي للآية.
3ـ في آية (أولى لك فأولى) كرر لفظ (أولى) فقط ولم يكرر (لك).
4ـ فصل بين الدعائين في الآية الواحدة بالفاء.
5ـ فصل بين الآيتين بـ (ثم).
وبالتأمل في السياقين نجد السبب واضحاً.
قال تعالى في سورة محمد: (ويقول الذين أمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم).
وقال في سورة القيامة: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى).
وكل سياق يقتضي ما ذكر فيه من جهات متعددة منها.
إن المذكور في آية القيامة أشد كفراً وضلالاً من المذكورين في آية محمد، ذلك أنه قال في آية محمد: (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) وهؤلاء من ضعفة الدين.
جاء في (الكشاف): "(الذين في قلوبهم مرض) هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي الأقدام"[33].
وجاء في (روح المعاني): "(رأيت الذين في قلوبهم مرض) أي: نفاق. وقيل: ضعف في الدين"[34].
في حين قال في سورة القيامة: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) وربما أظهر الأول التصديق والصلاة في حين أن الثاني أظهر التكذيب والتولي، ثم ذهب إلى أهله متبختراً بذاك فهو إذن أولى بالوعيد الشديد.
2ـ إن المذكورين في سورة محمد أخبر عنهم وهم أحياء، والأحياء ترجى لهم التوبة، وباب التوبة مفتوح، أما المذكور في سورة القيامة فأخبر عنه بعد الموت وقد مات على التكذيب والتولي وتحقق عليه الوعيد الشديد.

(1/305)


3ـ ذكر في آية سورة محمد صفة واحدة، وهي الجبن عن القتال، فهددهم مرة واحدة في حين ذكر أكثر من صفة من صفات الكفر في سورة القيامة فكرر تهديده.
4ـ ذكر صفتين للمذكور في سورة القيامة وهما: عدم التصديق وعدم الصلاة: (فلا صدق ولا صلى) ولكل منهما ذكر تهديداً:
فلا صدق ……… أولى لك
ولا صلى……… فأولى
ثم كرر هاتين الصفتين وأكدهما بمعناهما، فقال: (ولكن كذب) وهي بمعنى (فلا صدق) ثم قال: (وتولى) وهي إثبات لعدم الصلاة وغيرها من الطاعات. فالآية الثانية تكرير وتوكيد لما نفاه عنه في الآية الأولى. ولذا كرر التهديد وأعاده، لأنه أعاد الصفتين كلتيهما بمعناها فقال: (ثم أولى لك فأولى).
وعلى هذا فهو ذكر عدم التصديق وأكده بالتكذيب، وذكر عدم الصلاة وأكده بالتولي، ولكن تهديد ووعيد فكرره أربع مرات كل وعيد مقابل صفة.
5ـ لقد ذكر صفتين كما أسلفنا في سورة القيامة، وهاتان الصفتان ليستا بدرجة واحدة من الضلال بل إحداهما أشد من الأخرى.
فالأولى: هي التكذيب أو عدم التصديق.
والأخرى: التولي ومنه عدم الصلاة.
وعدم التصديق أو التكذيب هو إنكار لإيمان من أساسه، فهو لم يصدق بالرسالة ولا ببقية أركان الإيمان.
والثانية: عدم الصلاة. جاء في (فتح القدير): "(فلا صدق ولا صلى) أي: لم يصدق بالرسالة ولا بالقرآن ولا صلى لربه… وقيل: فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه"[35].
ولا شك أن عدم التصديق، هو أكبر جرماً وضلالاً لأن صاحبه لم يؤمن أصلاً. أما عدم الصلاة فهو أخف. ذلك أن المؤمن إذا قصر في الطاعات تكاسلاً فقد يغفر الله له أو يتجاوز عنه، لأنه لا يزال في دائرة الإسلام. وقد قال أكثر الفقهاء أن المسلم إذا ترك الصلاة تهاوناً وتكاسلاً غير جاحد لفرضيتها لا يخرجه ذلك عن الإسلام.
أما إذا لم يؤمن ولم يصدق فلا ينفعه شيء، وإن فعل ما فعل من مظاهر الطاعة. ولذا كانت قوة التهديد بمقابل قوة الوصف. فقال مقابل (فلا صدق) (أولى لك) فذكر (لك) ومقابل (ولا صلى) (فأولى) بحذف (لك ) إشارة إلى عظم الإيمان وأهميته، وإشارة إلى أن الصفتين المذكورتين ليستا بدرجة واحدة في الضلال.
فهذا الحذف ليس للفاصلة فقط، وإن كانت الفاصلة تقتضيه أيضاً، وإنما هو للمعنى وللفاصلة.
6ـ إن الصفتين لم يكررهما بلفظهما بل بمعناهما ومقتضاهما، وهما في لفظ الإعادة والتوكيد أشد سوءاً ونكراً مما ذكرهما أولاً.
فإنه قال أولاً:(فلا صدق) وقال في التأكيد والإعادة: (ولكن كذب) والتكذيب إنما يكون بالإعلان والإشهار أما عدم التصديق فلا يستلزم الإعلان، وقد تقول: (هو لا يصدق غير أنه لا يعلن تكذيبه) فربما لا يصدق إنسان بأمر غير أنه لا يكذب به.
فالتكذيب إذن أشد سوراً أو ضلالاً من عدم التصديق.
وكذا قوله: (ولا صلى) فقد كرره وأكده بقوله: (وتولى) والتولي أعم من عدم الصلاة وأشد.
وعلى هذا فآية التوكيد أشد من الآية المؤكدة.
وقد فرق بين الآيتين بـ (ثم) وذلك لجملة أسباب:
منها أن (ثم) قد تفيد عموم البعد والتباين وليس المقصود بها التراخي في الزمن فقط، ومن ذلك قولهم: (أعجبني ما صنعته اليوم، ثم ما صنعته أمس أعجب) [36].
ونحو ذلك قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذات متربة ثم كان من الذين أمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) [البلد].
دخلت (ثم) لبيان تفاوت رتبة الفلك والإطعام من رتبة الإيمان[37].
فما بعد (ثم) أبعد في الرتبة مما قبلها، وكذلك ههنا فإن التهديد الثاني أقوى من الأول.
وقيل: إن التكرار عهنا مبالغة في التهديد والوعيد[38].
ومنها: أنه جاء بـ (ثم) لتوكيد الكلام، إذ أن جملة التوكيد قد يفصل بينها وبين المؤكدة بحرف العطف، تقول: والله ثم والله. وفي (روح المعاني): "إنها كررت للتأكيد"[39].
وربما جاء بـ (ثم) للتراخي الزمني أيضاً، إذ هناك عذاب في القبر وعذاب في الآخرة، وبينهما مدة مديدة كما قال تعالى في آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب) [غافر].
فهم يعرضون على النار غدواً وعشياً في القبر، ويوم تقوم الساعة لهم عذاب أشد.
وعلى هذا يكون التهديد الأول في القبر والثاني في الآخرة، وجاء بهما بـ (ثم) الدالة على المهلة والتراخي، والدالة على بعد ما بين تهديدين والعذابين في الشدة.
ونحوه ما قيل في قوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) [التكاثر] فقد قيل: أن العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت والعلم الثاني في القبر.
جاء في التفسير القيم وقوله: "(كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) قيل تأكيد لحصول العلم كقوله: (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) [النبأ] وقيل: ليس تأكيداً بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر، وهذا قول الحسن ومقاتل. ورواه عطاء عن ابن عباس.
ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه:
أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة.
الثاني: لتوسط (ثم) بين العلمين، وهي مؤذنة ما بين المرتبتين زماناً وخطراً"[40].

(1/306)


وجاء في (فتح القدير) في قوله: (أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى) "قيل: ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات: الويل لك حياً والويل لك ميتاً، والويل لك يوم البعث، والويل لك يوم تدخل النار"[41].
7ـ لذا جاء بالفاء بين الأوليين لقربهما وتعجيلهما فقال: (أولى لك فأولى) فإن ما بين العذابين قريب، وهو عذاب الدنيا وعذاب القبر.
وكذلك جاء ما بين العذابين الآخرين بالفاء، لقربهما وتعجيلهما فقال: (أولى لك فأولى) فإن ما بين العذابين قريب، وهو عذاب الدنيا وعذاب القبر.
وكذلك جاء ما بين العذابين الآخرين بالفاء، لقربهما من بعضهما وهو (أولى لك فأولى) الثانية فإنهما متصلان بيوم القيامة ودخول النار. فكل عذابين قريبين من بعضهما فصل بينهما بالفاء. وقد فصل بـ (ثم) للفاصل الزمني البعيد بين كل منهما.
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، أنه جيء بالفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة لمناسبة العجلة التي بنيت عليها السورة في قوله: (كلا بل تحبون العاجلة) وقوله (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) وغير ذلك من السياقات التي تدل على العجلة.
ثم قال بعد ذلك:
(أيحسب الإنسان أن يترك سدى)
هذه الآية مرتبطة بأول السورة، وهو القسم بيوم القيامة، ومرتبطة بقوله تعالى: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) ومرتبطة بقوله: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) ذلك أنه مجزي عن عمله ولا يترك سدى، بل سيعاقب على فعله، ومرتبطة بالآية قبلها وهي (أولى لك فأولى) ذلك أن معناها: أنه لا يترك سدة بل سيعاقب على فعله، ومرتبطة بما بعدها وبآخر السورة، وهو قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)
وغنية هذه الوثاقة في الارتباط عن كل قول.
قوله: (ألم يك نطفة من منى يمنى)
حذف نون (يكن) لسببين ولله أعلم:
الأول: مراعاة لجانب العجلة الذي طبعت به السورة، وتكررت مظاهره في أكثر من موطن، فحذف نون (يكن) للفراغ من الفعل بسرعة وهو الملائم لجو العجلة في السورة.
الثاني: أن الإنسان لا يكون إنساناً من المني وحده حتى يراق في الرحم، ويلتقي بالبويضة، فبالمني والبويضة يكتمل الخلق وبهما يتم الإنسان، أما المني وحده، فلا يكون منه إنسان وكذاك البويضة وحدها. فنقص من فعل الكون إشارة إلى أن التطوير المذكور في الآيات هذه لا يكون إلا بهما معاً، أما المني فهو جزء من السبب. ولم يتم الفعل إشارة إلى ذلك.
ومعنى (يمنى): يراق في الرحم، فإن لم يمن فلا تكوين، وهذا من مواطن الحذف لبديعة.
ثم قال:(ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى)
الملاحظ أنه لم يذكر فاعل الخلق ولا التسوية ولا الجعل ولم يجر له ذكراً فقد قال: (فخلق فسوى فجعل) وقد كان بنى الفعل قبلها للمجهول، فلم يذكر فاعله أيضاً، وهو قوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) فلم يذكر فاعل الترك، وعدم ذكر فاعل الخلق وما بعده مناسب لحذف فاعل الترك. وكل ذلك مناسب لجو العجلة في السورة.
والهاء في (منه) تعود على المني، فمن ماء الرجل يكون الذكر والأنثى، وليس للأنثى فيه دخل، ولم يكن هذا الأمر معلوماً حتى العصر الحديث، فقد ثبت أن الذكر هو المسؤول عن الجنس وليس الأنثى. وقد ذكره القرآن الكريم قبل اكتشاف قوانين الوراثة وعلم الأجنة فقال: (ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل (منه) الزوجين الذكر والأنثى).
فأعاد الضمير على المني، ولو أعاده على العلقة لقال: (منها) ولم يعده على النطفة مع أنها هي القطرة من المني، لئلا يحتمل إعادته على العلقة وهذا إعجاز علمي علاوة على الإعجاز الفني.
ثم قال بعد ذلك:(أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)
اسم (ليس) مكني غير مصرح به وهو اسم الإشارة (ذلك) وقد أشار به إلى ذات غير مذكورة في الكلام، فناسب ذلك عدم التصريح بالفاعل فيما تقدم من الأفعال.
وناسب آخر السورة أولها، فقد أقسم في مفتتح السورة بيوم القيامة، وختمها بإحياء الموتى.
وقد تقول: ولم قال هنا: (أليس ذلك بقادر) على سبيل التقرير، وقال في أوائل السورة: (بلى قادرين) على سبيل الإثبات؟
والجواب أن إحياء الموتى أصعب وأعسر من تسوية البنان في القياس العقلي، وإن كانت الأفعال بالنسبة إلى الله كلها سواء، فجاء في آية إحياء الموتى بأسلوب التقرير الاستفهامي الدال على الأهمية وأكد القدرة بالباء الزائدة فقال: (أليس ذلك بقادر) في حين جاء بالإثبات في تسوية البنان، يقال: (بلى قادرين) ثم إنه حذف الفعل وصاحب الحال، وجاء بالحال أحدها، فقال: (قادرين) ولم يقل: (نجمعها قادرين) فأخلاها من كل توكيد في حين ذكر الجملة تامة، مؤكدة في إحياء الموتى فدل ذلك على الفرق بين المقامين.
وفي ختام هذه اللمسات، نقول: إن هناك أكثر من خط فني في هذه السورة.
منها: خط مراعاة العجلة، ومنها: مراعاة جانب القيامة، ومراعاة الازدواج في التعبير وغيرها من الخطوط.
أما مراعاة جانب القيامة وجانب النفس اللوامة، فالسورة مبنية عليهما أصلاً كما بينا. وسنشير إلى جانبين آخرين هما: مراعاة جانب العجلة، ومراعاة الازدواج في التعبير. أما بقية الجوانب، فهي ظاهرة لا تحتاج إلى إيضاح.
فمن مراعاة جانب العجلة:

(1/307)


1ـ حذف جواب القسم الذي افتتحت به السورة وهو (لا أقسم).
2ـ حذف عامل الحال وهي (قادرين).
3ـ عدم ذكر مرجع الضمير في قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرآنه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) فالهاء لا تعود على مذكور.
4ـ عدم ذكر فاعل الفعل (بلغت) في قوله: (كلا إذا بلغت التراقي) ولم يجر له ذكر.
5ـ عدم ذكر فاعل الظن في قوله: (وظن أنه الفراق) ولم يجر له ذكر.
6ـ عدم ذكر فاعل (فلا صدق ولا صلى).
7ـ حذف نون (يكون) في قوله: (ألم يك).
ومن السياقات الواردة في العجلة:
1ـ قوله: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) والمعنى: أنه يؤثر العاجلة، فيقدم شهواته.
2ـ قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به).
3ـ قوله: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة).
أما ظاهرة الازدواج أو الاقتران بين الأمرين المتناظرين أو المتقابلين، فإن السورة مبنية كما يبدو على هذا الازدواج والاقتران.
فالسورة تبدأ بالقسم بشيئين هما: يوم القيامة، والنفس اللوامة، ثم تستمر السورة على هذا النحو من الاقتران والازدواج، فمن ذلك مثلاً:
1ـ أنها أقسمت بشيئين هما يوم القيامة والنفس اللوامة.
2ـ وجمعت بين آيتين من آيات الله الكونية: آية الليل وآية النهار، وهما الشمس والقمر وذلك في قوله: (وجمع الشمس والقمر).
3ـ وذكرت نوعين من العمل ينبأ بهما الإنسان، وهما ما قدم وما أخر (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وآخر).
4ـ وذكرت ما خفي في النفس وما يظهره الإنسان من الحجج والمعاذير وذلك في قوله: (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).
5ـ وذكرت العاجلة والآخرة وذلك في قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة).
6ـ وذكرت الحب والترك وذلك في قوله: (تحبون) و(تذرون).
7ـ وذكرت نوعين من الوجوه: الوجوه الناضرة، والوجوه الباسرة.
8ـ ونفت اثنتين من الطاعات في قوله: (فلا صدق ولا صلى).
9ـ وأثبتت اثنتين من المعاصي وذلك في قوله: (ولكن كذب وتولى).
10ـ وكررت آية واحدة مرتين وهي قوله: (أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى).
11ـ وذكرت نعمتين من نعم أهل الجنة: نضرة الوجوه والنظر إلى الرب (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة).
12ـ وذكرت عقوبتين من عقوبات أهل النار، بسور الوجه وقاصمة الظهر: (ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة).
13ـ وذكرت نوعين من الجمع، جمعاً في يوم القيامة وجمعاً في الدنيا. أما الجمع في يوم القيامة فهو قوله: (ألن نجمع عظامه) وقوله: (وجمع الشمس والقمر).
وأما جمع الدنيا فهو جمع القرآن، وهو قوله: (إن علينا جمعه وقرآنه).
14ـ وذكرت نوعين من القدرة:
القدرة على تسوية البنان وهو قوله: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) والقدرة على إحياء الموتى، وهو قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى).
ذكرهما بطريقتين من الإثبات.
الإثبات الصريح: وهو قوله: (بلى قادرين).
والإثبات على طريق التقرير (أليس ذلك بقادر).
وإحداهما بحرف الجواب هو: (بلى)، والأخرى بحرف السؤال وهو الهمزة: (أليس ذلك).
15ـ وذكر نوعين من التسوية:
تسوية جزئية مقيدة وهي تسوية البنان وهو قوله: (نسوي بنانه).
وتسوية عامة مطلقة وهو قوله: (فخلق فسوى).
16ـ وذكر طورين من أطوار خلق الإنسان، وهما النطفة والعلقة.
17ـ وذكر الجنسين وهما الذكر الأنثى: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى).
18ـ وذكر طريقتين من التعبير عن الله.
التعبير بالجمع (بلى قادرين) و(نجمع) و(نسوي).
والتعبير بالإفراد وذلك نحو قوله: (فخلق فسوى).
إلى غير ذلك من مظاهر الازدواج.
[1] البحر المحيط 8/384 وانظر روح المعاني 29/135 [2] الإتقان 2/110 [3] التفسير الكبير 30/215 [4] معاني النحو 4/552 [5] أساليب القسم في اللغة العربية 150-151 [6] التفسير الكبير 30/216 [7] التبيان في أقسام القرآن 15 [8] الكشاف 3/292، البحر المحيط 8/384، روح المعاني 29/137.
[9] انظر البحر المحيط 8/385. [10] الكشاف 3/293 وانظر تفسير ابن كثير 4/448.[11] البحر المحيط 8/385.[12] الكشاف 3/293.[13] لسان العرب برق. [14] لسان العرب ريب. [15] الكشاف 3/293[16] لبحر المحيط 8/387[17] الكشاف 3/293.[18] البحر المحيط 8/387.[19] التفسير الكبير 30/224.
[20] البحر المحيط 8/387.[21] البحر المحيط 8/387.[22] البحر المحيط 8/387.[23] انظر لسان العرب وذر.[24] انظر لسان العرب ودع. [25] انظر روح المعاني 29/146، التفسير الكبير 30/230.[26] روح المعاني 29/146.[27] الكشاف 3/294.[28] البحر المحيط 8/389.[29] نفس المرجع. [30] البحر المحيط 8/382، الكشاف 3/294.[31] الكشاف 3/131.[32] روح المعاني 29/149.[33] الكشاف 3/131.[34] روح المعاني 26/67.[35] فتح القدير 5/331.[36] المغني 1/118.[37] البرهان 4/226.[38] البحر المحيط 8/390.[39] روح المعاني: 29/149، وانظر فتح القدير 5/332.[40] التفسير القيم 515ـ516.[41] فتح القدير 5/332.
==============
لمسات بيانية من سورتي الطور والقلم
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
قال تعالى في سورة الطور: (فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون)

(1/308)


وقال في سورة القلم: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون)
فزاد قوله: (بكاهن) على ما في سورة القلم، فما سبب ذاك؟
والجواب: أن هناك أكثر من سبب دعا إلى هذه الزيادة.
1ـ منها أنه فصل في سورة الطور في ذكر اقوال الكفرة في الرسول
r ، فقد ذكروا أنه كاهن، وذكروا أنه مجنون، وذكروا أنه شاعر (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) وقالوا: إنه كاذب (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون)
في حين لم يذكر غير قولهم إنه مجنون في سورة القلم(ويقولون إنه لمجنون) فناسب ذكر هذه الزيادة في سورة الطور.
2ـ ومنها أنه ذكر في سورة الطور قوله: (أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين) والاستماع مما تدعيه الكهنة لتابعيهم من الجن، فناسب ذلك ذكر الكهنة فيها.
3ـ ومنها أنه ذكر السحر في سورة الطور فقال: (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ) فناسب ذكر السحر ذكر الكهنة.
4ـ ومما حسن ذلك أيضاً أنه توسعة في السقم في أول سورة الطور بخلاف سورة القلم، فقد قال: (والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور).
في حين لم يقسم في سورة القلم إلا بالقلم وما يسطرون فناسب التوسع في الطور هذه الزيادة.
5ـ ذكر في سورة القلم في آخر السورة قول الكفرة، إنه لمجنون ولم يزد على هذا القول فقال: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون) فرد عليهم في أول السورة بنفي الجنون عنه: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) فناسب آخر السورة أولها.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف ناسب التأكيد بالباء الزائدة في النفي (بمجنون) التوكيد باللام في الإثبات (لمجنون) لأن الباء لتوكيد النفي واللام لتوكيد الإثبات. والله أعلم.
===============
لمسات بيانية من سورة القمر
الدكتور فاضل السامرائي
قال الله تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ {54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر].
سأل سائل: لم وحد تعالى: (النهر) في هذه الآية ولم يجمعه مع أن الجنات قبله جمع بخلاف المواضع الأخرى من القرآن الكريم، فإنه إذا جمع الجنة، جمع النهر أيضاً فيقول: (جنات تجري من تحتها الأنهار)
والجواب: أنه جمع في لفظ (النهر) عدة معان وأعطى أكثر من فائدة لا يفيدها فيما لو قال: (أنهار) ذلك أنه علاوة على أن فواصل الآيات، تقتضي (النهر) لا (الأنهار) لأن آيات السورة على هذا الوزن فقد جاء قبلها: (وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر) وجاء بعدها: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) فإن المعنى أيضاً ذلك من جهات أخرى منها:
أنة النهر اسم جنس بمعنى الأنهار، وهو بمعنى الجمع[1] والكثرة، ومنه قوله
r: "أهلك الناس الدينار والدرهم" والمراد بالدينار والدرهم الجنس لا الواحد.
وجاء في (معاني القرآن): "ونهر معناه أنهار وهو في مذهبه كقوله: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) [2] وزعم الكسائي أنه سمع العرب يقولون: أتينا فلاناً فكنا في لحمة ونبيذة فوحد ومعناه الكثير"[3] .
ومنها: أن معاني (النهر) أيضاً السعة[4] والسعة ههنا عامة تشمل سعة المنازل وسعة الرزق والمعيشة، وكل ما يقتضي تمام السعادة السعة فيه. جاء في (البحر المحيط): "ونهر: وسعة في الأرزاق والمنازل"[5] . وجاء في (روح المعاني): "وعن ابن عباس تفسيره بالسعة والمراد بالسعة سعة المنازل على ما هو الظاهر، وقيل: سعة الرزق والمعيشة، وقيل: ما يعمهما"[6].
ومنها: أن من معاني (النهر) أيضاً الضياء[7] .
جاء في (لسان العرب): "وأما قوله ـ عز وجل ـ(إن المتقين في جنات ونهر) فقد يجوز أن يعني به السعة والضياء
، وأن يعني به النهر الذي هو مجرى الماء، على وضع الواحد موضع الجميع... وقيل في قوله: (جنات ونهر) أي: في ضياء وسعة، لأن الجنة ليس فيها ليل، إنما هو نور يتلألأ"[8] .
وجاء في (معاني القرآن) لفراء: "ويقال: (إن المتقين في جنات ونهر) في ضياء وسعة"[9] .
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فإن المتقين في جنات وأنهار كثيرة جارية، وفي سعة من العيش والرزق والسكن وعموم ما يقتضي السعة، وفي ضياء ونور يتلألأ ليس عندهم ليل ولا ظلمة.
فانظر كيف جمعت هذه الكلمة هذه المعاني كلها، إضافة إلى ما تقتضيه موسيقى فواصل الآيات بخلاف ما لو قال (أنهار)، فإنها لا تعني إلا شيئاً واحداً.
ثم انظر كيف أنهه لما كان المذكورون هم من خواص المؤمنين، وهم المتقون وليسوا عموم المؤمنين أعلى أجرهم ودرجتهم، فقال: (ونهر) ولم يقل: (وأنهار) ولما أعلى أجرهم ودرجتهم وبالغ في إنعامهم وإكرامهم جاء بالصفة والموصوف بما يدل على المبالغة فقال: (عند ملك مقتدر) ولم يقل: (ملك قادر) فإن (مليك) أبلغ من (ملك) و(مقتدر) أبلغ من (قادر) فإن كلمة (مليك) على صيغة (فعيل) وهي أبلغ واثبت من صيغة (فعل) [10].
جاء في (روح المعاني): "عند مليك، أي: ملك عظيم الملك، وهو صيغة مبالغة، وليست الياء من الإشباع"[11] .

(1/309)


ولما جاء بالصيغة الدالة على الثبوت، قال: (في مقعد صدق) "ذلك لأن هذا المقعد ثابت لا يزول، فهو وحده مقعد الصدق، وكل المقاعد الأخرى كاذبة، لأنها تزول إما بزوال الملك صاحبه، وإما بزوال القعيد، وإما بطرده، وهذا المقعد وحده الذي لا يزول، وقد يفيد أيضاً أنه المقعد الذي صدقوا في الخبر به"[12].
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن معنى الصدق ههنا يفيد معنى الخير أيضاً والجودة والصلاح[13] فجمعت كلمة (الصدق) ههنا معنيي الخير والصدق معاً، كما جمع (النهر) أكثر من معنى ثم انظر كيف أنهم لما صدقوا في إيمانهم وعملهم، كان لهم مقعد الصدق.
و(المقتدر) أبلغ أيضاً من (القادر) ذلك أن (المقتدر) اسم فاعل من (اقتدر) وهذا أبلغ من (قدر) فإن صيغة (افتعل) قد تفيد المبالغة والتصرف والاجتهاد والطلب في تحصيل الفعل بخلاف فعل[14] ومنه اكتسب واصطبر واجتهد قال تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة].
جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت: لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟
قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال"[15].
وجاء في (البحر المحيط): "والذي يظهر لي أن الحسنات، هي مما تكتسب دون تكلف والسيئات ببناء المبالغة"[16] .
وقال سيبويه: "كسب: أصاب، واكتسب: تتصرف واجتهد"[17] .
فجاء ههنا، أي: في قوله: (مقتدر) بالصيغة الدالة على القدرة البالغة مع الملك الواسع الثابت.
فانظر كيف بالغ وأعظم في الأجر، وبالغ وأعظم في الملك، وبالغ وأعظم في القدرة لمن بالغ وجد في عمله وصدق فيه وهم المتقون.
ونريد أن نشير إلى أمر، وهو إطلاق وصف (المبالغة) على صفات الله نحو علام، وعليم، وغفور، وما إلى ذلك فقد توهم بعضهم أنه ينبغي أن لا يطلق على صفات الله وصف المبالغة، لأنها صفات الله وصف المبالغة، لأنها صفات حقيقية وليست مبالغاً فيها. وقد اعترض علي معترض ذات مرة بنحو هذا. مع أنهه من الواضح أن ليس المقصود كما ظن الظان أو توهم فالمقصود أن هذا البناء يفيد كثرة وقوع الفعل، وليس المقصود أن الأمر مبالغ فيه. فـ (عليم) أبلغ من (عالم) و(صبور) أبلغ من (صابر) ذلك أن الموصوف بعليم معناه أنه موصوف بكثرة العلم، وليس المقصود أن صاحبه وصف بهذا الوصف وهو لا يستحق أن يوصف به فكان الوصف به مبالغة.
ولا نريد أنم نطيل في كشف هذه الشبهة، فإنها فيما أحسب لا تستحق أكثر من هذا.
[1] الكشاف 3/186، والبحر المحيط 8/184، روح المعاني 27/958 [2] سورة القمر 45[3] معاني القرآن 3/111
[4] لسان العرب (نهر 7/96، القاموس المحيط (نهر 2/150، تاج العروس 3/591، الكشاف 3/186[5] البحر المحيط 8/184 [6] روح المعاني 27/95 [7] لسان العرب (نهر 7/96، تاج العروس (نهر 3/591، الكشاف 3/186
[8] لسان العرب 7/96[9] معاني القرآن 3/111 وانظر الكشاف 3/186 [10] انظر كتاب (معاني الأبنية بابي صيغ المبالغة والصفة المشبهة. [11] روح المعاني 27/96 [12] البحر المحيط 8/184 [13] البحر المحيط 8/184
[14] انظر كتاب سيبويه 2/241 شرح الشافيه للرضي 1/110، البحر المحيط 2/366 [15] الكشاف 1/308
[16] البحر المحيط 2/366 [17] كتاب سيبويه 2/241، وانظر لسان العرب(كسب 2/211
==============
لمسات بيانية من سورة المنافقون
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ {9} وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون]
في هاتين الآيتين ـ كما هو شأن الآيات القرآنية كلها ـ أسرار تعبيرية بديعة. والذي دعاني إلى الكتابة فيهما، أن سائلاً سألني مرة: لماذا قال تعالى: (فأصدق) بالنصب وعطف بالجزم، فقال: (وأكن) ولم يجعلهما على نسق واحد؟ فآثرت أن أكتب في هاتين الآيتين لارتباطهم.
(يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون).
لقد نهى الله في هذه عن الانشغال بأمر الأموال والتصرف فيها والسعي في تدبير أمرها، والانشغال بأمر الأولاد إلى حد الفعلة عن ذكر الله، وإيثار ذلك عليه ومن يفعل ذلك كان خاسراً خسارة عظيمة.
هذا معنى الآية على وجه الإجمال، إلا أن هناك أسراراً تعبيرية تدعو إلى التأمل منها:
1ـ إنه قال: (لا تلهكم أموالكم) ومعنى (لا تلهكم): لا تشغلكم[1]وقد تقول: لماذا لم يقل: (لا تشغلكم)؟
والجواب: أن من الشغل ما هو محمود فقد يكون شغلاً في حق كما جاء في الحديث: "إن الصلاة لشغلاً" وكما قال تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) [يس]أما الإلهاء فمما لا خير فيه وهو مذموم على وجه العموم، فاختار ما هو أحق بالنهي.

(1/310)


2ـ لقد أسند الإلهاء إلى الأموال والأولاد فقال: ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) فقد نهى الأموال عن إلهاء المؤمن، والمراد في الحقيقة نهي المؤمن عن الالتهاء بما ذكر والمعنى لا تلتهوا بالمال والأولاد عن ذكر الله وهذا من باب النهي عن الشيء والمراد غيره، وهو كقوله تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم الله الغرور) [لقمان] فقد نهى الحياة الدنيا عن غير المؤمن والمراد نهي المؤمن عن الاغترار بالدنيا
إن المنهي في اللغة: هو الفاعل نحو قولك: (لا يضرب محمود خالداً) فـ (محمود) هو المنهي عن أن يضرب خالداً، ونحو قولك: (لا يسافر إبراهيم اليوم) فإبراهيم منهي عنة السفر. ونحو قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) [الحجرات] فالقوم هم المنهيون وكذلك النساء وكما تقول: (لا تضرب خالداً) و (لا تضربي هند) فالفاعل هو المنهي وليس المفعول به. والفاعل في الآية هو الأموال والأولاد أما المخاطبون فمفعول به فالمنهي إذن هي الأموال والأولاد، وهي منهية عن إلهاء المؤمن.
وقد تقول: ولم لم يعبر بالتعبير الطبيعي فيقول: لا تلتهوا بالأموال والأولاد، على أصل المعنى؟
والجواب: أن في هذا العدول عدة فوائد:
منها: أنه نهى الأموال عن التعرض للمؤمن وإلهائه عن ذكر الله فكأنه قال: أيها الأموال لا تهلي المؤمن عن ذكري. فكأن الله يريد حماية المؤمن وذلك بنهي السبب عن أن يتعرض له فكيف عن التعرض.
وفي هذا النهي مبالغة إذ المراد نهي المؤمن ولكنه بدأ بالأصل المسألة وهي الأموال والأولاد فنهاها هي عن التعرض للمؤمن بما يلهيه فقد جعل الله المؤمن كأنه مطلوب من قبل الأموال والأولاد تسعى لإلهائه وفتنته فنهاها عن السعي لهذا الأمر لينقطع سبب الإلتهاء ويقمعه.
ومنها: أن فيه إهابة للمؤمن ألا يقع في شرك الأموال والأولاد بحيث تلهيه وهو غافل مسلوب الإرادة، فنسب الإلهاء ليأخذ المؤمن حذره منها، فكأن الأموال والأولاد ينصبون الشرك ليلهوه عن ذ كر الله، فعليه أن يحذر من أن يقع فيه كما تقول: (لا يخدعك فلان) فغن فيه إهابة لأخذ الحذر منه.
هذا بالإضافة إلى ما فيه منة التعبير المجازي اللطيف، وهو إسناد الإلهاء إلى الأموال فجعلها عاقلة مريدة تنصب الشرك لوقوع المؤمن في الفخ.
جاء في (روح المعاني): "والمراد بنهي الأموال وما بعدها نهي المخاطبين، وإنما وجه إليها للمبالغة لأنها لقوة تسببها للهو وشدة مدخليتها فيه، جعلت كأنها لاهية وقد نهيت عن اللهو، فالأصل لا تلهوا بأموالكم .. الخ. فالتجوز في الإسناد وقيل: إنه تجوز بالسبب عن المسبب كقوله: (فلا يكن في صدرك حرج) أي: لا تكونوا بحيث تلهيكم أموالكم"[2]
وجاء في (تفسير البيضاوي): "توجيه النهي إليها للمبالغة"[3] .
3ـ جاء بـ (لا) بعد حرف العطف فقال: (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) ولم يقل: (أموالكم وأولادكم) ذلك أن كلاً من الأموال والأولاد داع من دواعي الإلهاء وكذلك الأولاد.
وق قال: (أموالكم وأولادكم) لاحتمل أن النهي عن الجمع بينهما، فلو لم يجمع بينهما جاز، فلو انشغل بالمال وحده جاز، أو انشغل بالأولاد وحدهم جاز، وهو غير مراد. إذ المراد عدم الانشغال بأي واحد منهما على سبيل الانفراد أو الاجتماع.
4ـ قدم ألأموال على الأولاد لأن الأموال تلهي أكثر من الأولاد، فإن الانشغال فيها وفي تنميتها يستدعي وقتاً طويلاً وقد ينشغل المرء بها عن أهله، فلا يراهم إلا لماماً فقدم الأموال لذلك.
5ـ قدم المفضول على الفاضل، فالأولاد أفضل من الأولاد لأن المال، إنما يكون في خدمتهم ويترك لهم وذلك لأكثر من سبب.
منها: أن المقام مقام إلهاء كما ذكرنا فاستدعى تقديهما.
ومنها: أن المقام يقتضي ذلك من جهة أخرى، فغن هذا التقديم نظير التقديم في الآية اللاحقة من تقديم المفضول وهو قوله: (فأصدق وأكن من الصالحين) فقدم الصدقة على كونه من الصالحين.
ولما قدم النهي عن الإلتهاء بالمال قدم الصدقة. والصدقة إنما هي إخراج للمال من اليد والقلب، والالتهاء غنما هو انشغال به بالقلب والوقت والجارحة.
ولما قالب: (عن ذكر الله) قال: (وأكن من الصالحين) لأن المنشغل عن الفرائض وذكر الله ليس من الصالحين. فهو تناظر جميل.
لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ... فأصدق.
عن ذكر الله ..... وأكن منم الصالحين
والملاحظ أنه حيث اجتمع المال والولد في القرآن الكريم، قدم المال على الولد إلا في موطن واحد، وذلك نحو قوله تعالى:
(شغلنا أموالنا وأهلونا) [الفتح] وقوله: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) [الكهف] وقوله: (وجعلت له ما لا ممدوداً وبنين شهوداً) [المدثر]، ونحو ذلك، لأن المال في هذه المواطن أدعى إلى التقديم، إما لأن الانشغال به أكثر كما ذكرنا، أو لأنه أدعى إلى الزينة والتفاخر وما إلى ذلك من المواطن التي تقتضي تقديم الأموال.
أما المواطن الذي قدم فيه الولد على المال، فهو قوله تعالى:

(1/311)


(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة]وذلك لأن المقام مقام حب. ولا شك أن المتقدمين من الأبناء والأزواج وغيرهم أحب إلى المرء من ألأموال لأنه إنما ينفق المال عليهم ويبقيه لهم بعد رحيله عن هذه الدار.
ثم لا تنس أنه قدم مجموع القرابات من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، ولا شك أن هؤلاء بمجموعهم أحب إلى المرء من المال. فالأبناء وحدهم أثقل من ميزان الآباء من الأموال، فكيف إذا اجتمع معهم ما اجتمع ممن يحب؟
أما مسألة تقديم الأموال على وجه العموم، فلعل الله ييسر لنا البحث فيها.
6ـ قال: (ومن يفعل ذلك) ولم يقل: (ومن تلهه لك) فنسب الفعل إلى الشخص، لينال بذلك جزاءه ولئلا يفهم أنه ليس بمقدور الشخص الانصراف عن اللهو، وأنه غير مسؤول عن هذا الالتهاء.
فقال: (ومن يفعل ذلك) للدلالة على أن ذلك بمقدور، وأن هذا من فعله وكسبه. فالالتهاء ليس أمراً سلبياً، بل هو فعل يقوم به الشخص وينال جزاءه عليه.
7ـ ثم انظر كيف جاء لذلك بالفعل المضارع فقال: (ومن يفعل) للدلالة على استمرار الحدث وتكرره ولم يقل: (ومن فعل) بالماضي، ذلك لن الالتهاء بالأموال والأولاد أمر يومي ومتكرر، ولذا عبر عنه الفعل المضارع الذي يدل على التكرار والتطاول.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أنه لو قال: (ومن فعل) لاحتمل أن ذلك الخسران الكبير، إنما يقع ولو فعله مرة واحدة وهو غير مراد. ثم ليتناسب الفعل والجزاء إذ ليس من المعقول والقصر إنما الخسران الكبير الثابت المدلول عليه بالجملة الإسمية والقصر إنما يكون لما وقع مرة واحدة من الالتهاء، بل المناسب أن يكون ذلك لما تكرر حصوله وتطاول.
8ـ ثم قال بعد ذلك: (فأولئك هم الخاسرون) واختيار الخسران نهاية للآية أنسب شيء ههنا فإنه المناسب للالتهاء بالأموال والانشغال بها.
فإن الذي ينشغل بالمال إنما يريد الربح، ويريد تنمية ماله فقال له: إن هذا خسران وليس ربحاً حيث باع "العظيم الباقي بالحقير الفاني"[4]
9ـ ثم إن الإتيان بضمير الفصل (هم) بين المبتدأ والخبر وتعريف (الخاسرون) بأل، إنما يفيدان القصر والتأكيد، أي أن هؤلاء لا غيرهم هم الخاسرون حقاً. وهم أولى من يسمون خاسرين فإنه لم يقل: (فأولئك خاسرون)، أو من الخاسرين ولو قال لأفاد أن خسارتهم قد تكون قليلة أو قد يشاركهم فيها غيرهم بل قال: (فأولئك هم الخاسرون) للدلالة على أنهم هم الخاسرون دون غيرهم وهم المتصفون بالخسارة إلى الحد الأقصى.
جاء في (روح المعاني): "وفي التعريف بالإشارة والحصر للخسران فيهم، وفي تكرير الإسناد وتوسيط ضمير الفصل ما لا يخفى من المبالغة"[5].
10ـ اختار الإلهاء عن ذكر الله دون غيره من العبادات فلم يقل مثلاً: لا تلهكم عن الصلاة أو عن الجهاد أو عن غير ذلك من العبادات، ذلك أن ذكر الله يشمل جميع الفرائض، فكل عمل تعلمه لا يكون لله إلا إذا كنت ذاكراً لله في نفسك أو على لسانك أو مستحضراً له في قلبك والذكر قد يكون في اللسان، قال تعالى: (وأذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة) [الأعراف] وقال: (وأقم الصلاة لذكرى) [طه] فذكر الله "عام في الصلاة والثناء على الله تعالى بالتسبيح والتحميد وغير ذلك والدعاء وقال الحسن: جميع الفرائض"[6].
ولذلك كان الخسران كبيراً فهو متناسب مع عظم المعصية، والله أعلم (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ).
1ـ تبدأ الآية بقوله: (وأنفقوا من ما رزقناكم) وهذا الأمر بالإنفاق مقابل النهي عن الإنفاق على أصحاب رسول الله من المنافقين فالمنافقون يقولون لأوليائهم: (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) [المنافقون] والله يقول لأوليائه: (وأنفقوا من ما رزقناكم) فانظر كيف قابل النهي بالأمر.
2ـ قال: (من ما رزقناكم) فجاء بـ (من) الدالة على التبعيض ولم يقل: (أنفقوا ما رزقناكم)، للدلالة على أن الإنفاق إنما يكون في قسم من المال ولا يشمل المال كله، فتستهل النفوس التخلي عن قسم من المال، استجابة لأمر ربها بخلاف ما إذا سألها المال كله، فإنها تستعظم ذلك وتبخل به، قال تعالى: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ {36} إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) [محمد]
3ـ أسند الرزق إلى نفسه فقال: (من ما رزقناكم) للدلالة على أن هذا المال غنما هو من رزق الله سبحانه، ملكه عباده، فتطيب النفوس لإخراج بعض ما رزقه الله، استجابة لأمر الله الرازق.
وهذا التعبير اللطيف مدعاة إلى الخروج عن الشح والاستجابة لأمر الله.

(1/312)


4ـ ثم قال: (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) فجاء بت (من) ولم يقل: (قبل أن يأتي أحدكم الموت) إشارة على قرب الموت من الإنسان، وأنه على الإنسان أن يسابق الموت ويبادر بالعمل الصالح فإن (من) هذه تفيد ابتداء الغاية الزمانية، ومعناه الزمن القريب من الموت بل المتصل به، وأن حذفها يفيد الوقت الذي هو قبل الموت سواء كان قريباً أم بعيداً [7] ويفيد إعطاء المهلة مع أن الأجل إذا جاء لا يمهل، فالمجيء بها يفيد طلب التعجيل بالتوبة والإنفاق إذ كل ساعة تمر بالإنسان، تحتمل أن تكون هي ساعة الموت، وهي التي ذكرها بقوله: (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) فانظر حسن التعبير ودقته.
5ـ قدم المفعول بعه على الفاعل، فقال: (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) ولم يقل: (يأتي الموت أحدكم) ذلك لأن المفعول به هو المهم ههنا، إذ هو المعني بالتوبة والصلاح، وهو المدعو للإنفاق وهو المتحسر النادم إذا عاجله الموت.
فالعناية والاهتمام منصبان على المفعول الذي يأتيه الموت، وهو كل واحد منا.
6ـ جاء بالفاء في قوله: (فيقول رب) ولم يأت بثم أو الواو، ذلك لأن الفاء تفيد معنيين السبب والعطف، في حين أن ثم أو الواو لا تفيد السبب، وبل تفيد العطف وحده.
ومن ناحية أخرى، إن الفاء تفيد التعقيب بلا مهلة في حين أن (ثم) تفيد التراخي، والواو تفيد مطلق الجمع.
فجاء بالفاء لجمع معنيي السبب والعطف، أي أن الموت سبب لهذا الندم وطلب التأخير لما ينكشف له من سوء المنقلب والعياذ بالله.
ثم إن طلب التأخير يأتي رأساً بلا مهلة، ففي ساعة الموت وعند حضوره يطلب التأخير ليسلك سبيل الصالحين، ولو جاء بـ (ثم) لما أفاد ذاك، بل يفيد أن طلب ذاك إنما يكون بعد مهلة وتراخ، وكذلك الواو لا تفيد ما أفادته الفاء.
7ـ ثم انظر كيف ناسب المجيء بالفاء الدالة على قصر الوقت حذف حرف النداء، فقال: (رب) ولم يقل: (يا رب) لأن الوقت لم يعد يحتمل التضييع في الكلام فيأتي بـ (يا) بل يريد أن يستعجل في طلبه، فيختصر من الكلام ما لا حاجة له به ليفرغ إلى مراده.
8ـ جاء بـ (لولا) فقال: (لولا أخرتني) ولم يقلك (لو أخرتني) لأن (لولا) أشد في الطلب من (لو) وقائلها أكثر إلحاحاً من قائل: (لو) فإن (لو) تكون للطلب برفق، وأما (لولا) فتكون للطلب بشدة وحث، ومعنى ذلك أن ما هو فيه يستدعي الإلحاح في الطلب، وأن يجأر به وأن يأتي بما هو من أشد أدوات الطلب قوة، كما أنها من أدوات التنديم وفيها تنديم للنفس على ما فرط، ولو جاء بـ (لو) لفاد العرض الخفيف.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن (لو) قد تفيد التمني، والتمني قد يكون ميئوسا منه ليس لصاحبه فيه مطمع نحو (لو يعود الميت إلى الحياة، فيخبر الناس بما هو فيه) في حين أن هذا القائل ليس متمنياً، بل هو طالب للعودة، سائل لها فلو جاء بـ (لو) لأفاد أن هذا من باب التمني الذي يتمناه الإنسان، ولا يرجو وقوعه كقول القائل: (ألا ليت الشباب يعود يوماً) والتمني قد يكون فيحال العافية كما يكون في غيرها في حين أن هذا طالب للتأخير وليس متمنياً.
9ـ جاء بالفعل الماضي بعد (لولا) فقال: (لولا أخرتني) ولم يقل: (لولا تؤخرني) ذلك أن المحذور وقع في حين أن الفعل المضارع قد يفيد أن ألأمر لم يقع بعد، وأن في الأمر سعة وذلك نحو قوله تعالى: (لو نشاء جعلناه أجاجاً فولا تشكرون) [الواقعة] وقوله: (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النمل].
هذا علاوة على ما يفيد دخول (لولا) على الماضي من قوة الطلب وشدته، وإن كان مستقبل المعنى.
10ـ ثم انظر كيف طلب مهلة قصيرة لإصلاح حاله، مع أنه كان يتقلب في الأرض من دون أدنى تفكير أو اهتمام بمآله في الآخرة أو بالأوقات التي يضيعها هدراً من دون اكتراث، فقال: (إلى أجل قريب) ولم يقل: (إلى أجل) فيحتمل القريب والبعيد، فطلب مهلة قصيرة وأجلاً قريباً لتدارك ما فات.
فانظر كيف جاء بالفاء الدالة على قصر الزمن بين إتيان الموت وطلب التأخير، وحذف (يا) النداء اختصاراً للزمن ليفرغ إلى طلبه، وجاء ب، (لولا) الدالة على الإلحاح في الطب، كل ذلك ليحصل على مهلة قليلة ليصلح شأنه، فانظر أية إشارات هذه إلى هول ما هو فيه؟
وقد تقول: ولم قال ههنا: (أخرتني) بالياء وقال في سورة الإسراء (أخرتني) فحذف الياء واجتزأ بالكسرة؟
والجواب: أن المقام يوضح ذلك.
فقد قال في سورة الإسراء على لسان إبليس: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء].
وقال ههنا: (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) وهنا نسأل: أي الطلبين يريده المتكلم لنفسه على وجه الحقيقة، وأيهما يعود بالنفع عليها ودفع الضرر عنها أهو قوله: (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ)أم قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً).

(1/313)


والجواب ظاهر فإن طلب إبليس لا يريده من أجل نفسه، ولا لأنه محتاج إليه، وإنما يريده ليضل ذرية آدم. ثم إن هذا الطلب لا يعود عليه بنفع، ولا يدفع عنه ضراً وليست له مصلحة فيه، بل العكس هو الصحيح بخلاف الطلب الآخر، فإنه يريده لنفسه حقاً وإنه لا شئ ألزم منه لمصلحته هو ودفع الضرر عنه.
فلما كان طلب التأخير لمصلحة الطالب حقاً، وأنه ابتغاه لنفسه على وجه الحقيقة أظهر الضمير ولما كان طلب إبليس ليس من أجل نفسه ولا يعود عليها بالنفع حذف الضمير واجتزأ بالكسرة.
ثم في الحقيقة، إن كلام إبليس ليس طلباً، وإنما هو شرط دخل عليه القسم فقال: (لئن أخرتن) فهو من باب الطلب الضمني، وليس من باب الطلب الصريح وأما قوله: (لولا أخرتني) فهو طلب صريح ففرق تبعاً لذلك بين التعبيرين. فصرح بالضمير وأظهر نفسه في الطلب الصريح، وحذف الضمير واجتزأ بالإشارة إليه في الطلب غير الصريح. وهو تناظر جميل، ففي الطلب الصريح صرح بالضمير، وفي الطلب غير الصريح لم يصرح بالضمير.
11ـ وهنا نأتي إلى سؤال السائل وهو: لم عطف بالجزم على النصب، فقال: (فأصدق) بالنصب ثم قال (وأكن) بالجزم ولم يجعلها على نسق واحد؟
والجواب: أنة هذا مما يسميه النجاة (العطف على المعنى) وقد يسمى فير غير القرآن (العطف على التوهم). ذلك أن (أصدق) منصوب بعد فاء السببية، و(أكن) مجزوم على أنه جواب للطلب، والمعنى: إن أخرتني أكن من الصالحين ونحو ذلك أن تقول: (هلا تدلني على بيتك أزرك)، فـ : (أزرك) مجزوم بجواب الطلب والمعنى، إن تدلني على بيتك أزرك ولو جئت بفاء السبب لنصت، فقلت: (هلا تدلني على بيتك فأزورك)، وإن أسقطت الفاء وأردت معنى الشرط جزمت.
جاء في (البحر المحيط): "وقرأ جمهور السبعة (وأكن) مجزوماً قال الزمخشري: (وأكن) مجزوماً على محل (فأصدق) كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن وقال ابن عطية: عطفاً على الموضع لأن التقدير إن تؤخرني أصدق وأكن"[8]
ففي الآية الكريمة جاء بالمعطوف عليه على إرادة معنى السبب وجاء بالمعطوف على معنى الشرط فجمع بين معنيي السبب والشرط فالغطف إذن ليس على إرادة معنى الفاء بل على إرادة معنى جديد.
جاء في (معاني النحو): "عطف (أكن) المجزوم على (أصدق) المنصوب، وهو عطف على المعنى وذلك أن المعطوف عليه يراد به السبب والمعطوف لا يراد به السبب، فإن (أصدق) منصوب بعد فاء السبب وأما المعطوف فليس على تقدير الفاء ولو أراد السبب لنصب، ولكنه جزم لأنه جواب الطلب نظير قولنا: (هل تدلني على بيتك أزرك؟) كأنه قال: إن تدلني على بيتك أزرك فجمع بين معنيي التعليل والشرط، ومثل ذلك أن أقول لك: (احترم أخاك يحترمك) و(احترم أخاك فيحترمك) فالأول جواب الطلب والثاني سبب وتعليل وتقول في الجمع بين معنيين (أكرم صاحبك فيكرمك ويعرف لك فضلك) وهو عطف على المعنى"[9].
وقد تقول: ولماذا لم يسو بينهما، فيجعلهما نسقاً واحداً؟
والجواب أنهما ليسا بمرتبة واحدة في الأهمية، فالصلاح أهم من الصدقة ذلك أنم الذي ينجي من العذاب، هو كونه من الصالحين لا كونه متصدقاً فإن المؤمن قد لا يتصدق بصدقة أصلاً ومع ذلك يدخل الجنة بصلاحه فقد يكون ليس معه ما يتصدق به. فالذي ينجيه من العذاب، ويدخله الجنة، هو أن يكون من الصالحين، والتصدق وإنما يكون من الصلاح. والذي يدلك على ذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون): (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) فإنه ذكر الصلاح ولم يذكر الصدقة، لأن الآية لم تقع في سياق الكلام على الأموال وإنفاقها، وذلك يدل على أن الصلاح هو مناط النجاة وأنه هو الأهم فعبر عن كونه من الصالحين بأسلوب الشرط، لأنه أقوى في الدلالة على التعهد والتوثيق، فقد اشترط على نفسه أن يكون من الصالحين، وقطع عهداً على نفسه بذلك فأعطى الأهم والأولى أسلوب الشرط الدال على القوة في الأخذ على النفس والالتزام وأعطى ما هو دونه في الأهمية والأولوية، أسلوب التعليل ولم يجعلهما بمرتبة واحدة.
وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلك قدم الصدقة على الصلاح؟
والجواب: أن السياق هو نفي إنفاق الأموال، فقد قال تعالى في هذه الآية: (وأنفقوا من ما رزقناكم ...) فدعا إلى الإنفاق، فكان تقديم الصدقة مناسباً للمقام. ثم إنه تردد في السورة ذكر الأموال والانشغال بها، وما إلى ذلك، فقد جاء قبل هذه الآية قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) فنهى عن الانشغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله، وجاء قبلها قوله في المنافقين: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ
لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

(1/314)


فأنت ترى أن تقديم الصدقة، والمناسب للسياق الذي وردت فيه الآية وللجو الذي تردد فيه ذكر الأموال والانشغال بها، والتوصية من المنافقين بعدم إنفاقها في سبيل الخير.
وقد يقول: ولم قال: (فأصدق) ولم يقلك (فأتصدق) الذي هو الأصل؟
والجواب: أن هناك أكثر من سبب يدعو إلى هذا الاختيار.
منها أن مقاطع (فأتصدق) أكثر من مقاطع (فأصدق) فإن مقاطع (فأتصدق) ستة ومقاطع (فأصدق) خمسة:
فَ + أَ + تَ +صد +دَ +قَ = ستة مقاطع.
فَ +أص +دَ +قَ = خمسة مقاطع.
وهو طلب التأخير إلى أجل قريب فاختار اللفظة التي هي أقصر لتناسب قصر المدة.
ثم إن في (فأصّدّق) تضعيفين أحدهما في الصاد، والآخر في الدال في حين أن في (فأتصدق) تضعيفاً واحداً موطنه الدال، والتضعيف مما يدل على المبالغة والتكثير، ولذا كان في قوله: (فأصدق) من المبالغة والتكثير في الصدقة ما ليس في (فأتصدق) فدل بذلك أنه أراد أجلاً قريباً ليكثر من الصدقة ويبالغ فيها.
فهذا البناء أفاد معنيين:
الأول: قصر المدة وذلك لأنه طلب التأخير مدة قصيرة.
والآخر: هو الإكثار من الصدقة في هذه المدة القصيرة فكان ذلك أنسب.
من هذا ترى أنه وضع كل تعبير في مكانه الذي هو أليق، وأعطى كلاً منهما حقه الذي هو له. فانظر كيف جمع بين معنيين التعليل والشرط.
وقدم الصدقة مناسبة للمقام وأعطى الصلاح أهمية تفوق الصدقة، وجاء لفظة تدل على قصر المدة والإكثار من الصدقة فجمعت معنيين مناسبة للمقام، كل ذلك بأوجز عبارة وأبلغها والله أعلم.
[1] الكشاف 3/235 [2] روح المعاني 28/117 [3] تفسير البيضاوي 738 [4] الكشاف 3/235
[5] روح المعاني 28/117[6] البحر المحيط 8/274[7] انظر معاني النحو 2/619 وما بعدها.
[8] البحر المحيط 8/275، وانظر الكشاف 3/236 فتح القدير 5/227 [9] معاني النحو 3/259
===================
لمسات بيانية من سورتي المؤمنون والمعارج
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
من سورة (المؤمنون)
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {2} وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3} وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ {4} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {6} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {7} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {8} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ {9} أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ {10} الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [سورة المؤمنون].
من سورة (المعارج)
(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا {19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا {21} إِلَّا الْمُصَلِّينَ {22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ {23} وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ {26} وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ {27} إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ {28} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {29} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {31} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {32} وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ {33} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ{34} أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ )[سورة المعارج].
هناك تشابه كبير بين النصين، كما أن هناك اختلافاً بينهما كما هو ظاهر:
1. فقد قال في سورة المؤمنون : (الذين هم في صلاتهم خاشعون ).
وقال في سورة المعارج:(الذين هم على صلاتهم دائمون).
2ـ وقال في سورة المؤمنون: (والذين هم عن اللغو معرضون).
ولم يذكر ذلك في سورة المعارج.
3ـ وقال في سورة المؤمنون: (والذين هم للزكاة فاعلون).
وقال في سورة المعارج: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)
4ـ وقال في سورة المعارج: (والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون).
ولم يذكر مثل ذلك في آيات المؤمنون.
5ـ وقال في سورة المعارج: (والذين هم بشهادتهم قائمون)
ولم يذكر نحو ذلك في سورة المؤمنون.
6ـ وقال في سورة المؤمنون: (والذين هم على صلواتهم يحافظون)، بالجمع.
وقال في سورة المعارج: (والذين هم على صلاتهم يحافظون)، بالإفراد
7ـ وقال في سورة المؤمنون: (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس).
وقال في سورة المعارج: (أولئك في جنات مكرمون)
8ـ قال في سورة المؤمنون: (هم فيها خالدون).
ولم يقل مثل ذلك في سورة المعارج
فما سبب ذلك؟
نعود إلى هذين النصين، لنتلمس سر التعبير في كل واحد منهما.

(1/315)


إن آيات النص الأول، هي مفتتح سورة (المؤمنون) وارتباطها بآخر السورة قبلها ظاهر، فقد قال تعالى في أواخر السورة التي قبلها: (يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) [الحج] وختمها بقوله: (فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير).
فأنت ترى من الأمر بالركوع والسجود وعبادة الله، وفعل الخير وتأكيد ذلك بالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ما يتناسب مناسبة ظاهرة مع مفتتح السورة وما ذكر فيها من صفات المؤمنين من الصلاة والزكاة، وغيرها من الصفات.
لقد ابتدأت السورة بقوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون)وفي هذا النص تقرير لفلاح المؤمنين، وإخبار بحصوله في حين كان الفلاح مرجواً لهم في السورة قبلها.
فقد قال ثمة: ( يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) فقد أمرهم بالركوع والسجود، ليرجى لهم الفلاح، وهنا تحقق الفلاح بعد أن فعلوا ما أمرهم به ربهم. وفهناك طلب وترج هنا تنفيذ وحصول، فانظر التناسب اللطيف في التعبير، وكيف وضعه فنياً بديعاً. فقد بدأ بالأمر والطلب من الذين آمنوا وأن يفعلوا ما يأمرهم به ربهم، فاستجاب الذين آمنوا، ففعلوا أمرهم به، فوقع لهم الفلاح على وجه التحقيق، ثم انظر طيف طلب منهم ربهم وكيف استجابوا؟
قال: ( يا أيها الذين آمنوا) فناداهم بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث، فاستجابوا واتصفوا بذلك على وجه الثبات، فوصفهم بالصيغة الاسمية (المؤمنون)
ثم قال: (اركعوا واسجدوا)، وقال: (فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة)، فاتصفوا بما أمرهم به ربهم على وجه الثبات، فوصفهم بالصيغة افسمية فقال: (الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون).
ثم قال: (لعلكم تفلحون) بصيغة ترجي الفلاح ثم أخبر أنهم بعد أن قاموا بما أمرهم به ربهم، أن الفلاح قد وقع على جهة التحقيق والتأكيد، فجاء بـ (قد) الداخلة على الفعل الماضي، وهي تفيد التحقيق والتوقع والتقريب. فقد كان الفلاح متوقعاً مرجواً لهم، فحصل ما توقعوه وتحقق عن قريب. فما أسرع ما نفذوا وما أسرع ما تحقق لهم الفلاح!
فانظر كيف اقتضى التعبير (قد) من جهات عدة، وانظر ارتباط كل ذلك بالسورة قبلها.
جاء في (البحر المحيط) في هذه السورة: "ومناسبتها لآخر السورة قبلها ظاهر، لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله: (يا أيها الذين أمنوا اركعوا) الآية وفيها: (لعلكم تفلحون) وذلك على سبيل الترجية فناسب ذلك قوله: (قد أفلح المؤمنون) إخباراً بحصول ما كانوا رجوه من الفلاح"[1]
لقد ابتدأ بالصفة التي تستدعي الفلاح، لا فلاح من دونها وهي الإيمان، وكل ما عداها من الصفات، إنما هي تبع لها فإن لم يكن إيمان فلا فلاح أبدأ، كما قرر في آخر السورة، فقد قال في أول السورة: (قد أفلح المؤمنون)، وقال في خاتمتها: (إنه لا يفلح الكافرون) فانظر التناسب بين مفتتح السورة وخاتمتها، وانظر التناسب بين هذا المفتتح وخاتمة السورة قبلها.
ثم ذكر أول صفة للمؤمنين، وهي الخشوع في الصلاة فقال: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) والخشوع في الصلاة، يعني خشية القلب وسكون الجوارح، وهو روح الصلاة، والصلاة من غير خشوع، جسد بلا روح"[2] .
وهو ـ أي الخشوع ـ أمر مشترك بين القلب والجوارح، فخشوع الجوارح، سكونها وترك الالتفات، وغض البصر وخفض الجناح. وخشوع القلب خضوعه وخشيته وتذلله وإعظام مقام رب، وإخلاص المقال وجمع الهمة[3] .
" وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة، هاب الرحمن أن يشد بصره، إلى شيء، أو يحدث نفسه بشأن من شؤون الدنيا"[4].
وتقديم الوصف بالخشوع في الصبلة على سائر الصفات المذكورة بعده "ما لا يخفى من التنويه بشأن الخشوع"[5] .
وللبدء بذكره أكثر من سبب يدعوه إلى ذلك، فهو علاوة إلى ذل، فهو علاوة على أهميته، وأنه روح الصلاة، مرتبط بما ورد في ختام السورة السابقة من ذكر الركوع والسجود، فقد قال: (يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا) فذكر ركني الصلاة الظاهرين، وههنا ذكر الركن الباطن، فاستكمل ما ذكره هناك.
ثم إن السورة مشحونة بجو الخشوع بشقيه سواء مات يتعلق بالقلب، ما يتعلق بالجوارح وبالدعوة إليه بكل أحواله. فقد كرر الدعوة إلى التقوى، والتقوى أمر قلبي، وهي من لوازم الخشوع فقال: (أفلا تتقون)
وقال: (وأنا ربكم فاتقون)
وقال: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) والخشية والإشفاق أمر قلبي، وهما من لوازم الخشوع.
وقال: (والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) [المؤمنون] والوجل أمر قلبي وهو من لوازم الخشوع أيضاً.
وذكر الكفار وذمهم بقوله: (بل قلوبهم في غمرة)، وهذه الغمرة تمتعها منى الخشوع والإعراض عما سوى الله تعالى وذكر القلوب ههنا أمر له دلالته، فلم يقل: (هم في غمرة)، كما قال في مكان آخر من القرآن الكريم (الذاريات 11) بل قال: (قلوبهم في غمرة) والقلب هو موطن الخشوع ومكانه، فإن كان القلب في غمرة، فكيف يخشع؟

(1/316)


وقال في ذم الكفار: (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) فلم يخشوا لأن الخاشع مستكين لربه متضرع متذلل إليه.
وقال: (فاستكبروا وكانوا عالين) والاستكبار والعلو مناقضان للخشوع، إذ الخشوع، تطامن وتذلل وخضوع لله رب العالمين.
فبدء السورة بالخشوع، هو المناسب لجو السورة.
ثم إن البدء به له دلالة أخرى، ذلك أنه ورد في الآثار، أن الخشوع أول ما يرفع من الناس[6]، وقد جاء عن عبادة بن الصامت أنه قال: "يوشك أن تدخل المسجد، فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً" وعن حذيفة أنه قال: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، وتنقض عرى الإسلام عروة عروة"[7].
فبدأ بما يرفع أولاً، وختم بما يرفع آخراً، وهو الصلاة، فقال: (والذين هم على صلاتهم يحافظون).
ثم انظر كيف جاء بالخشوع بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات ولم يقل: (يخشون) للدلالة على أنه وصف لهم دائم في الصلاة غير عارض، فإنه وصف لهم دائم في الصلاة غير عارض، فإن الصلاة إذا ذهب منها الخشوع كانت ميتة بلا روح.
ثم انظر كيف أنه لما وصفهم بالإيمان على جهة الثبوت، وصفهم بالخشوع في الصلاة على جهة الثبوت والدوام أيضاً فإنه لو قال: (يخشون) لصح الوصف لهم وإن حصل لحظة في القلب أو الجارحة في حين أنه يريد أن يكون لهم الاتصاف في القلب والجوارح ما داموا في الصلاة.
وتقديم الجار والمجرور (في صلاتهم) على (خاشعون) له دلالته أيضاً، ذلك أن التقديم يفيد العناية والاهتمام، فقدم الصلاة لأنها أهم ركن في الإسلام حتى أنه جاء في الأثر الصحيح، أن تاركها كافر هادم للدين، وحتى أن الفقهاء اختلفوا في كفر تاركها فمنهم من قال: إن تاركها كافر، وإن نطق بالشهادتين.
في حين أنه لو قدم الخشوع، لكان المعنى أن الخشوع أهم، وليس كذلك فإن الصلاة أهم. والصلاة من غير خشوع أكبر وأعظم عند الله من خشوع بلا صلاة، فإن المصلي، وإن لم يكن خاشعاً أسقط فرضه وقام بركنه بخلاف من لم يصل.
وق تقول: وكيف يكون خشوع بلا صلاة؟
فنقول: إن الخشوع وصف قلبي وجسمي، يكون في الصلاة وغيرها، ويوصف به الإنسان وغيره. قال تعالى: (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً [طه]، فوصف الأصوات بالخشوع.
وقال: (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة) [المعارج] فوصف الأبصار بالخشوع.
وقال: (وجوه يومئذ خاشعة) [الغاشية] فوصف الوجوه به.
وقال: (ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) [الحديد] فوصف القلب بالخشوع.
وليس ذلك مقصوراً على الصلاة كما هو واضح قال تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل غليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً) [آل عمران]
وقال: (إنهم كانوا يسرعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء].
وقال: (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي) [الشورى].
فتقديم الصلاة ههنا أهم وأهم.
وقال بعدها:
(والذين هم عن اللغو معرضون)
اللغو:"السقط، وما لا يعتد به من كلام، وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع[8] وفي (الكشاف) "إن: اللغو ما لا يعنيك من قول أو فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه وإطراحه"[9] .
وقال الزجاج: "اللغو: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية، وما لا يجمل من القول والفعل.
وقال الحسن: إنه المعاصي كلها[10]
فاللغو جماع لمل ينبغي اطّراحه من قول وفعل. ووضع هذه الصفة يجنب الخشوع في الصلاة ألطف شيء وأبدعه، فإن الخاشع القلب الساكن الجوارح أبعد الناس عن اللغو والباطل. إذ الذي أخلى قلبه لله وأسكن جوارحه، وتطامن وهدأ ابتعد بطبعه عن اللغو والسقط وما توجب المروءة اطّراحه.
جاء في (الكشاف): "لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف"[11] ويعني بالفعل الخشوع، وبالترك الإعراض عن اللغو.
والحق إن الخشوع أمر يجمع بين الفعل والترك، ففيه من الفعل جمع الهمة وتذللك القلب وإلزامه التدبر والخشية، وفيه من الترك السكون وعدم الإلتفات وغض البصر وما إلى ذلك.
جاء في (التفسير الكبير): "فالخاشع في صلاته، لا بد وأن يحصل له م ما يتعلق بالقلب نهاية الخضوع والتذلل للمعبود. ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم. ومما يتعلق بالجوارح، أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً وشمالاً"[12] .
وما بعده من الصفات المذكورة موزعة بين الفعل والترك، أو مشتركة فيهما كما هو ظاهر.
ولوضع هذه الصفة ـ أعني الإعراض عن اللغو ـ بجنب الخشوع له دلالة أخرى، فإن السورة كما شاع فيها جو الخشوع، كما أسلفنا فإنها شاع فيها أيضاً جو الترك والإعراض، وذم اللغو بأشكاله المختلفة.
فمن ذلك أنه قال: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً) والعمل الصالح مناقض للغو وعمل الباطل.
وقال: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)،والغمرة هي ما هم فيه من لغو وباطل.
وقال: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم سابقون) والمسارعة في الشيء ضد الإعراض عنه. و(الخيرات) ضد اللغو والباطل.

(1/317)


وقال في وصف الكفار: (قد كانت أياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامراً تهجرون)، والنكوص هو الإعراض، والهجر من اللغو، وهو القبيح من الكلام والفحش في المنطق[13] .
وقال: (أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) وقولهم: (به جنة) من اللغو. وقوله: (وأكثرهم للحق كارهون) من الإعراض، إذ الكرة للشيء، إعراض نفسي عنه.
وقال في وصوف الكفار: (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) وتنكب الصراط، إعراض عن الحق.
وقال: (بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون).
وقال فيهم: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون)، والطغيان هو الباطل وهو من اللغو.
وقال: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) والعبث هو الباطل، وهو من اللغو واللهو، ووصف الله نفسه بالحق، والحق نقيض الباطل والباطل من اللغو.
وقال: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) ، والحق نقيض الباطل، واللغو والكذب من اللغو في القول، إلى غير ذلك.
فأنت ترى أن السورة مشحونة بجو الدعوة إلى الحق وذم اللغو في القول والعمل.
فوضع هذه الآية في مكانها له دلالته في جو السورة، كما هو في الآية قبلها.
ثم انظر بناء هذه الآية، فإنه جعلها اسمية المسند، فلم يقل: (والذين لا يلغون)، أو (عن اللغو يعرضون)، وقدم الجار والمجرور (عن اللغو) على اسم الفاعل (معرضون) ولكل سبب فغن قوله: (عن اللغو معرضون) أبلغ من (لا يلغون) ذلك أن الذي لا يغو، قد لا يعرض عن اللغو بل قد يستهويه، ويميل إليه بنفسه ويحضر مجالسه، أما الإعراض عنه، فغنه أبلغ من عدم فعله، ذلك أنه أبعد في الترك، فإن المعرض عن اللغو علاوة على عدم فعله ينأى عن مشاهدته وحضوره وسماعه، وإذا سمعه أعرض عنه كما قال تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أغرضوا عنه) [القصص] فهم لم يكتفوا بعدم المشاركة فيه، بل هم ينأون عنه.
ثم إن التعبير باسمية المسند، يشير إلى أن إعراضهم عن اللغو، وصف ثابت فيهم، وليس شيئاً طارئاً. وهو مع ذلك متناسب مع ما ذكر فيهم من الصفات الدالة على الثبوت.
وأما تقديم الجار والمجرور (عن اللغو) فهو للاهتمام والحصر، إذ المقام يقتضي أن يقدم المعرض عنه لا الإعراض فإن الإعراض قد يكون إعراضاً عن خير كما قال تعالى: (بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون) [المؤمنون] فتقديم الباطل من القول والفعل ليخبر أنهم معرضون عنه هو الأولى. كما أنة فيه حصراً لما يعرض عنه، إذ الإعراض لا ينبغي أن يكون عن الخير، بل الخير ينبغي أن يسارع فيه، فتقديم الجار والمجرور ليس لفواصل الآيات فقط، وإن كانت الفاصلة تقتضيه بل لأن المعنى يقتضيه أيضاً.
جاء في (روح المعاني): إن قوله: (والذين هم عن اللغو معرضون) "أبلغ من أن يقال: (لا يلغون)[14] من وجوه: جعل الجملة اسمية دالة على الثبات والدوام، وتقديم الضمير المفيد لتقوي الحكم بتكرير، والتعبير في المسند بالاسم الدجال على شاع على الثبات، وتقديم الظروف عليه المفيد للحصر، وإقامة الإعراض مقام الترك ليدل على تباعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وقيلاً وحضوراً، فإن أصله أن يكون في عرض أي ناحية غير عرضه"([15]).
ثم قال بعدها: (والذين هم للزكاة فاعلون).
إن هذا التعبير يجمع معاني عدة كلها مرادة لا تؤدي في أي تعبير آخر. فإنه لو حذف اللام من (الزكاة) لكونها زائدة مقوية، كما ذهب بعضهم، أو قدم (فاعلون) على (الزكاة) فحذف اللام أو أبقاها، أو بدل (مؤتون) بـ (فاعلون) لم يؤد المعاني التي يؤديها هذا التعبير البليغ، وهذا النظم الكريم، وهي معان جليلة مرادة كلها.
فغن (الزكاة) اسم مشترك بين عدة معان، فقد يطلق على القدر الذي يخرجه المزكي من ماله إلى مستحقه، أي: قد تطلق على المال المخرج.
وقد يطلق على المصدر بمعنى: التزكية، وهو الحدث، والمعنى: إخراج القدر المفروض من الأموال إلى مستحقه.
وقد يكون بمعنى العمل الصالح، وتطهير النفس من الشرك والدنس، كما قال تعالى: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة و أقرب رحماً) [الكهف].
وقال: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى].
وقال: (قد أفلح من زكاهاقرب أقر وقد خاب من دساها) [الشمس] أي: أفلح من طهر نفسه وخلصها من الدنس والسوء.
وهذه المعاني مجتمعة يصح أن تكون مرادة في هذا التعبير.
ذلك أنه يصح أن يكون المعنى: والذين هم يؤدون الزكاة، وذلك على تضمين (فاعلون) معنى (مؤدون) أو على تقدير مضاف محذوف، أي: والذين هم لأداء الزكاة فاعلون. فأصل الكلام على هذا: (والذين هم فاعلون الزكاة) فالزكاة مفعول به لاسم الفاعل (فاعلون)، ثم قدم المفعول للاختصاص فصار (الزكاة فاعلون) كما تقول: (أما زيداً ضارب)، ثم زيدت اللام لتوكيد الاختصاص، وهو قياس مع مفعول اسم الفاعل تقدم أو تأخر، كما قال تعالى: (وهو الحق مصدقاً لما معهم) [البقرة].
وتسمى هذه اللام لام التقوية. وبهذين التقديرين يكون المقصود بالزكاة اسم العين، وهو المال الذي يخرج لمستحقه.

(1/318)


ويصح أن تكون (الزكاة) بمعنى التزكية وهو الحدث، أي: فعل المزكي، فيكون (فاعلون) بمعناها فيكون أصل التعبير (فاعلون الزكاة) ومعنى (فعل الزكاة) زكى، أو أخرج الزكاة، كمل يقال للضارب فعل الضرب.
جاء في (الكشاف): "الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى. فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير. والمعنى: فعل المزكي الذي هو التزكية، وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له. ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل. ويقال لمحدثه: فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل التزكية، وعلى هذا الكلام كله.
والتحقيق أنك تقول في جميع الحوادث: من فاعل هذا؟ فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق. ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين، أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكل لأن الخلق ليسوا بفاعليها .. ولا يجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء"[16]
وجاء في (البحر المحيط): "والزكاة إن أريد بها التزكية صح نسبة الفعل إليها، إذ كل ما يصدر صح أن يقال فيه فعل. وإن أريد بالزكاة قدر ما يخرج من المال للفقير، فيكون على حذف: أي لأداء الزكاة فاعلون، إذ لا يصح فعل الأعيان من المزكي أو يضمن (فاعلون) بمعنى (مؤدون) وبه شرحه التبريزي"[17]
وجاء في (روح المعاني): "الظاهر أنم المراد بالزكاة المعنى المصدري ـ أعني التزكية ـ لأنه الذي يتعلق به فعلهم. وأما المعنى الثاني، وهو القدر الذي يخرجه المزكي فلا يكون نفسه مفعولاً لهم فلا بد إذا أريد من تقدير مضاف، أي لأداء الزكاة فاعلون. أو تضمن (فاعلون) معنى (مؤدون) وبذلك فسره التبريزي إلا أنه تعقب بأنه لا يقال: (فعلت الزكاة)، أي: أديتها. وإذا أريد المعنى الأول أدى وصفهم بفعل التزكية إلى أداء العين بطريق الكناية التي هي أبلغ، وهذا أحد الوجوه للعدول عن (والذين يزكون) إلى ما في النظم الكريم"[18] .
وجاء في (فتح القدير): "و معنى فعلهم للزكاة تأديتهم للها فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل، والمراد بالزكاة هنا المصدر، لأنه الصادر عن الفاعل. وقيل: يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف، أي: والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون"[19] .
ويصح أن تكون الزكاة بمعنى العمل الصالح وتطهير النفس، فيحتمل أن تكون اللام زائدة مقوية دخلت على المفعول به (الزكاة) فيكون معنى (فهل الزكاة) فعل العمل الصالح وتطهير النفس كما يقال: (فعل خيراً، أو فعل شراً) فيكون معنى الآية: (الذين هم فاعلون العمل الصالح وتطهير النفس) واللام زائدة في المفعول ويسمونها مقوية وهي تفيد توكيد الاختصاص في المفعول المقدم، أي:لا يفعلون إلا ذاك
ويحتمل أن تكون اللام لام التعليل، أي: يفعلون من أجل الزكاة، أي: هم عاملون من أجل تزكية نفوسهم وتطهيرهم والمفعول محذوف، فيكون الفعل عاماً، وهو كل ما يؤدي إلى الخير وتطهير النفس.
جاء في (روح المعاني): "وعن أبي مسلم، أن الزكاة هنا بمعنى العمل الصالح كما في قوله تعالى: (خيراً منه زكاة) واختار الراغب أن الزكاة بمعنى الطهارة، واللام للتعليل والمعنى: والذين يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله تعالى، أو يزكوا أنفسهم ... قال صاحب "الكشاف" معنى الآية، الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير. ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) و (قد أفلح من زكاها)" [20]
وجاء في (البحر المحيط): "وقيل (للزكاة) للعمل الصالح كقوله: (خيراً منه زكاة)، أي: عملاً صالحاً. قاله أبو مسلم. وقيل: الزكاة هنا: النماء والزيادة. واللام، لام العلة ومعمول فاعلون محذوف التقدير: والذين هم لأجل تحصيل النماء والزيادة فاعلون الخير"[21]
فالزكاة إذن تحتمل العبادة المالية، وتحتمل العمل الصالح والتطهير والنماء، واللام تحتمل التقوية، وتحتمل التعليل، وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فهو يريد الذين يؤدون الزكاة، ويفعلون العمل الصالح، وتطهير النفس ويفعلون من أجل ذلك. ولا تجتمع هذه المعاني في أي تعبير آخر.
فلو أبدل كلمة (مؤتون) مكان (فاعلون) لاقتصر الأمر على زكاة المال، ولو حذف اللام، لم يفد معنى التعليل، فانظر كيف جمع عدة معان بأيسر سبيل.
جاء في (تفسير ابن كثير): "الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة، إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا زكاة النفس منى الشرك والدنس كقوله: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال فغنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل،ة هو الذي يفعل هذا وهذا، والله أعلم"[22] .
وتقديم الزكاة للاهتمام والعناية والقصر، أي: لا يفعلون إلا الخير، والزكاة منها.

(1/319)


وقد تقول: ولم لم يقل: (والذين هم للصلاة فاعلون)، كما قال: (والذين هم للزكاة فاعلون)؟
والجواب: أن إخراج النصاب إلى مستحقه كاف لأداء فريضة الزكاة، وليس وراءه شيء يتعلق بها، فإن لم يفعل ذلك فلا زكاة. أما فعل الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود مع هيئاتها الأخرى، فليس بكاف، بل ينبغي أن يكون مع ذلك خشوع وتدبر وحضور قلب وسنن، وآداب تكمل هذه الأفعال الظاهرة وتتمها، ولذلك قال
r: "لك من صلاتك ما عقلت منها"،فأتضح الفرق بينهما.
وقال بعدها:
(والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون).
قيل: المعنى: أنهم ممسكون لفروجهم على أزواجهم، وما ملكت أيمانهم.
جاء في (البحر المحيط): (حفظ) لا يتعدى بعلى ... والأولى أن يكون من باب التضمين ضمن (حافظون) معنى ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: (أمسك عليك زوجك)" [23]
وجاء في (فتح القدير): "ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم... وقيل: إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ. أي: لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم. وقيل: المعنى: إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهم"[24] .
إن اختيار هذا التعبير اختيار عجيب، وفيه آيات عظيمة لمن تدبر ونظر. ذلك أنه قال: (والذين هم لفروجهم حافظون)، ولم يقل (ممسكون) أو نحو ذلك مما فسر به. وفي اختيار (الحفظ) سر بديع، ذلك أن الذي يمسك فرجه عما لا يحل يكون حافظاً لنفسه ولفرجه من الآفات والأمراض والأوجاع التي تصيبه، وهي أمراض وبيلة وخيمة العاقبة. ومن أرسله في المحرمات، فإنما يكون قد ضيعه وضيع نفسه.
جاء في الحديث: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا"[25] .
واختيار: (غير ملومين) في قوله: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)، اختيار لطيف، ذلك أنه علاوة على ما يفيده ظاهر النص من أن الذي يعتدي على أعراض الناس ملوم على ما فعل، فإنه يفيد أيضاً أن الذي يبتغي وراء ما ذكر ملوم من نفسه ومن الناس لما يحدث في نفسه وفيهم من أضرار وأمراض فه يلوم نفسه على ما أحدث فيها من أوجاع وعاهات مستديمة، وعلى ما أحدث في زوجه وعائلته. وحتى ولده الذي لا يزال جنيناً في بطن أمه قد يصيبه من عقابيل ذلك ما يجعله شقياً معذباً طوال حياته، وملوم من المجتمع على ما أحدثه في نفسه وعلى ما يحدثه فيهم من أمراض معدية مهلكة. فمن حفظ فرجه فهو غير ملوم، وإلا فهو ملوم أشد اللوم.
ثم قال: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون).
و(العادون) هم المعتدون، ومعنى الآية: أن هؤلاء هم "الكاملون في العدوان المتناهون فيه"[26] فإنه لم يقل: (فأولئك عادون) أو (من العادين) بل قال: (فأولئك هم العادون) للدلالة على المبالغة في الاعتداء من جهة أن العرض أثمن وأعلى من كل ما يعتدى عليه وينال منه، ومن جهة أن هؤلاء هم أولى من يوصف بالعدوان، لأنهم يعتدون على أنفسهم بما يجرون على أزواجهم وعوائلهم، بما ينقلونه إليهم من هذه الأوجاع والأمراض، ويعتدون على أولادهم وعلى الجيل اللاحق من أبنائهم، ممن لم يظهر إلى الدنيا بما يلحقونه بقهم منة هذه الآفات المستديمة، ويعتدون على المجتمع الذي يعيشون فيه، بما ينقلونه إليه من أمراض معدية مرعبة وما (الإيدز) إلا واحد من هذه الأمراض الوبيلة المرعبة. أفهناك عدوان أوسع من هذا العدوان وأخطر منه؟
نحن نعرف أن المعتدي قد يتعتدي على بيت أو قبيلة، أما أن يمتد العدوان إلى الإنسان نفسه وأولاده وزوجه وربما إلى طبيبه الذي يعالجه، وإلى الجيل الذي لم يظهر بعد، وإلى المجتمع على وجه العموم، فهذا شر أنواع العدوان وأولى بأن يوسم صاحبه به.
أفرأيت العلو في الاختيار والجلالة فيه، إنه لا يؤدي تعبير آخر مؤداه.
إنه لم يقل: (فأولئك هم الضالون) أو (أولئك هم الخاطئون) أو (الفاسقون)، مما إلى ذلك مع أنهم منهم، لأن هذه صفات فردية، وليس فيها إشارة إلى العدوانية، كما ليس فيها إشارة إلى الخطر الهائل الذي يحيق بالمجتمع من جراء ذلك.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن ذلك أنسب مع قوله: (غير ملومين) فإن المعتدي ملوم على عدوانه أكثر من صاحب الأوصاف التي ذكرناها.
وهناك أمر آخر لاءم بين ذكر هذه الصفات، هو أن الصفات المذكورة كلها ذات علاقة بالآخرين، وليست فردية، فالذي لا يحفظ فرجه، إنما يرسله فيما لا يحل له من أفراد المجتمع، وقوله: (غير ملومين) كذلك فغن الملوم يقتضي لائماً، وقد فعل ما يقتضي اللوم من الآخرين، وقوله: (هم العادون) كذلك فإن العادي يقتضي معتدى عليه، ولا يسمى عادياً حتى يكون ثمة معتدى عليه. فالصفات هذه كلها كما ترى ليست فردية. فانظر التناسب اللطيف بينها.

(1/320)


ثم انظر كيف اختار التعبير عن هذه الصفات بالصيغة الاسمية فقال: (حافظون)و (ملومين) و (العادون) للدلالة على ثبات هذه الصفات. فقوله: (والذين هم لفروجهم حافظون) يفيد ثبات الحفظ ودوامه وعدم انتهاكه على سبيل الاستمرار، لأن هذا لا ينبغي أن يخرم ولو مرة واحدة.
ومن فعل ذلك على وجه الدوام فإنه غير ملوم على وجه الدوام، أيضاً فإن خالف ليم على ذلك. والذي يبتغي وراء ذلك، ويلهث وراء الفاحشة، فهو معتد على وجه الثبات أيضاً، وقد يثبت هذا العدوان، فلا يمكن إزالته أبداً، وذلك ببقاء آثاره على نفسه وعلى الآخرين.
فانظر رفعة هذا التعبير وجلاله.
ثم قال بعدها: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)
وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر، إذ أن كلا من الفروج والأمانات ينبغي أن يحفظ، فالفروج ينبغي أن تحفظ وتصان وكذلك الأمانات. ومن لم يحفظ الأمانة والعهد، فهو ملوم كما هو شأن من لم يحفظ فرجه. ومن ابتغى ما لا يحل من الفروج عاد، وكذلك الباغي على الأمانة عاد ظالم.
وقد قدم الأمانة على العهد، وجمع الأمانة وأفرد العهد. أما جمع الأمانة، فلتعددها وتنوعها فهي كثيرة جداً، فمن ذلك ما يؤتمن عليه الشخص من ودائع الناس وأموالهم، ومنها ما يطلع عليه من أسرار الناس وأحوالهم، ومنها الأقوال التي يسمعها ويستأمن عليها مما لا يصح أن يذيعه منها، ومنها أن يودع شخص أهلاً له عند شخص حتى يعود ويقول له: هؤلاء أو صغاري عندك أمانة حتى أعود، أو حتى يكبروا، فهو يتولى أمرهم ويرعاهم، والزرع قد تجعله أمانة عند شخص فيرعاه ويتعهده ويحفظه، والحكم أمانة، والرعية أمانة عند أميرهم ومتولي أمرهم، والقضاء أمانة ثقيلة، والشرع أمانة، قال تعالى: ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال) [الأحزاب].
جاء في (البحر المحيط): "والأمانة الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي، وشأن ودين ودنيا، والشرع كله أمانة، وهذا قول الجمهور ولذلك قال أبي بن كعب: من الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها"[27].
وفي الحديث(المؤذن مؤتمن) يعني: أن المؤذن أمين الناس على صلاتهم وصيامهم[28]، فصلاة الناس وصيامهم أمانة عنده. وفي الحديث أيضاً: (المجالس بالأمانة) و "هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل، فكان ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه. والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منها حديث"[29] ، وفي الحديث: "الإيمان أمانة ولا دين لمن لا أمانة له" وفي حديث آخر: "لا إيمان لمن لا أمانة له" وفي الحديث: "أستودع الله دينك وأمانتك" أي: أهلك، ومن تخلفه بعدك منهم، ومالك الذي تودعه"[30] .
جاء في (روح المعاني) في قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون): "الآية عند أكثر المفسرين عامة في كل ما ائتمنوا عليه، وعوهدوا من جهة الله تعالى، ومن جهة الناس كالتكاليف الشرعية والأموال المودعة والإيمان والنذور والعقود ونحوها. وجمعت الأمانة دون العهد قيل: لأنها متنوعة متعددة جداً بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالى، ولا يكاد يخلو مكلف من ذلك ولا كذلك العهد"[31] .
وجاء فيه أيضاً: "وكأنه لكثرة الأمانة، جمعت ولم يجمع العهد، قيل: إيذاناً بأنه ليس كالأمانة كثرة، وقيل: لأنه مصدر، ويدل على كثرة الأمانة ما روى الكلبي: كل أحد مؤتمن على ما افترض عليه من العقائد والأقوال والأحوال والأفعال، ومن الحقوق في الأموال، وحقوق الأهل والعيال وسائر الأقارب والمملوكين والجار وسائر المسلمين. وقال السدي: إن حقوق الشرع كلها أمانات قد قبلها المؤتمن وضمن أداءها بقبول الإيمان. وقيل: كل ما أعطاه الله تعالى للعبد من الأعضاء وغيرها أمانة عندهن، فمن استعمل ذلك في غير ما أعطاه لأجله، وأذن سبحانه له به، فقد خان الأمانة[32].
فقد رأيت من تعددها وتنوعها وتشعبها، ما يدعو إلى جمعها وليس كذلك العهد، فأفرد العهد وجمع الأمانة. وأما تقديمها على العهد، فلأهميتها كما رأيت، وحسب ذلك أن يكون الشرع كله كما مر، وحسبك منذ لك قوله
r: " الإيمان أمانة، ولا دين لمن لا أمانة له" وقوله: لا إيمان لمن لا أمانة له".
وجاء في (فتح القدير): "والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة"[33].
أما اختيار كلمة (راعون) مع الأمانة والعهد دون (الحفظ) الذي استخدم مع الفروج، فله سبب لطيف ذلك أن (راعون) اسم فاعل من (رعى) وأصل الرعي حفظ الحيوان، وتولي أمره وتفقد شأنه.
جاء في (الكشاف): "والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح، كراعي الغنم وراعي الرعية. ويقال: من راعي هذا الشيء؟ أي: متوليه وصاحبه"[34].
وجاء في (روح المعاني) تفسير (راعون): "قائمون بحفظها وإصلاحها. وأصل الرعي، حفظ الحيوان، إما بغذائه الحافظ لحياته أو بذب العدو عنه، ثم استعمل في الحفظ مطلقاً"[35]

(1/321)


فالرعي ليس مجرد الحفظ، بل هو الحفظ والإصلاح والعناية بالأمر وتولي شأنه، وتفقد أحواله وما إلى ذلك. وهذا ما يتعلق بالأمانة كثيراً وليس مجرد الحفظ كافياً. فمن ائتمن عندك أهله وصغاره، فلا بد من أن تتفقد أمورهم وتنظر في أحوالهم وحاجاتهم علاوة على حفظهم، وكذلك من تولى أمر الرعية، ونحوه من اؤتمن على زرع أو ضرع، وكذلك ما حمله الله للإنسان من أمر الشرع يحتاج إلى قيام به وتحر للحق فيما يرضي الله وما إلى ذلك من أمور لا يصح معها مجرد الحفظ، فالرعاية أشمل وأعم.
ثم إن هناك فرقاً آخر رعي الأمانة وحفظ الفروج، ذلك أن الفروج جزء من الإنسان، هي لا تند عنه، أما الأمانات فقد تكون في أماكن متعددة، وربما تكون أماكن حفظها نائية عنه، فهي تحتاج إلى تفقد ورعاية كما يحتاج الحيوان إلى حفظه من الذئاب والوحوش الضارية. وقد يصعب على الإنسان المحافظة على الأمانة، من العادين واللصوص فيضطر إلى تخبئتها في أماكن لا ينالها النظر ولا يطولها التفتيش، فكان على المؤتمن أن ينظر في حفظها كما ينظر الراعي لها أنسب من الحفظ.
ثم إن اختيار كلمة (راعون) بالصيغة الاسمية دون الفعلية له سببه، فإنه لم يقل: (يرعون) ذلك ليدل على لزوم ثبات الرعي ودوامه وعدم الإخلال به البتة.
وأما تقديم الأمانة والعهد على (راعون) فللاهتمام والعناية بأمرهما، وللدلالة على أنهما أولى ما يرعى في هذه الحياة.
وزيادة اللام، تفيد الزيادة في الاختصاص وتوكيد. وتفيد فائدة أخرى إلى جانب ما ذكرت، ذلك أن كلمة (الراعي) قد تكون بمعنى الصاحب، تقول: (من راعي هذه الديار؟) و (من الراعي لهذه الدار؟) أي: من صاحبها ومتولي أمرها؟
فيكون المعنى على هذا: والذين هم أصحاب الأمانات والعهود، أي: هم أهلها ومتولوها لو قيل بدل ذلك: الذين هم يرعون الأمانة والعهود، لم تفد هذه الفائدة الجليلة.
ثم قال بعد ذلك:
(والذين هم على صلواتهم يحافظن)
فختم بالمحافظة على الصلاة، وهي آخر ما يفقد من الدين، كما في الحديث الشريف، فلعل الختم بالمحافظة عليها إشارة إلى ذلك، أي أنها خاتمة عرى الإسلام.
إن ذكر الصلاة في البدء والخاتمة تعظيم لأمرها أيما تعظيم.
جاء في (روح المعاني): "وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها وتقديم الخشوع للاهتمام به، فإن الصلاة بدونه كلا صلاة بالإجماع، وقد قالوا: صلاة بلا خشوع جسد بلا روح"[36] .
فقد بدأ بالخشوع في الصلاة، وكأنه إشارة إلى أول ما يرفع، وختم بالمحافظة عليها إشارة إلى آخر ما يبقى، والله أعلم.
والخشوع غير المحافظة، فالخشوع أمر قلبي متضمن للخشية والتذلل، وجمع الهمة والتدبر، وأمر بدني وهو السكون في الصلاة كما سبق ذكره فهو صفة للمصلي في حال تأديته لصلاته. وأما المحافظة فهي المواظبة عليها، وتأديتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها، وأن يوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها، وبما ينبغي أن تتم به أوصافها[37].
وقيل: "المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها"[38] .
وكل ذلك مراد، لأنه من المحافظة عليها.
وذكرت الصلاة أولاً بصورة المفرد ليدل ذلك على أن الخشوع مطلوب في جنس الصلاة، ففي كل صلاة ينبغي أن يكون الخشوع، أياً كانت الصلاة فرضاً أو نافلة، فالصلاة ههنا تفيد الجنس.
وذكرت آخراً بصورة الجمع للدلالة على تعددها من صلوات اليوم والليلة إلى صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الجنازة، وغيرها من الفرائض والسنن، فالمحافظة ينبغي أن تكون على جميع أنواع الصلوات.
جاء في (الكشاف): "وقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أس صلاة كانت، وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها وهي: الصلوات الخمس والوتر والسنن الرتبة على كل صلاة، وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة والاستسقاء والكسوف، وصلاة الضحى والتهجد وصلاة التسبيح وصلاة الحاجة وغيرها من النوافل"[39] .
واستعمال الجمع مع المحافظة أنسب شيء للدلالة على المحافظة عليها بأجمعها. وقد جيء بالفعل المضارع، فقال: (والذين هم على صلواتهم يحافظون)، بخلاف ما مر من الصفات للدلالة على التجدد والحدوث، لأن الصلوات لها مواقيت وأحوال تحدث وتتجدد فيها فيصلى لكل وقت وحالة، فليس فيها من الثبوت ما في الأوصاف التي مرت، فهناك فرق مثلاً بينها وبين قوله: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)، لأن الخشوع ينبغي أن يكون مستمراً ثابتاً في الصلاة لا ينقطع، فهو صفة ثابتة فيها. وكذلك قوله: (والذين هم عن اللغو معرضون) فإنه ينبغي أن يكون الإعراض عن اللغو دائماً مستمراً لا ينقطع، وكذلك قوله: (والذين هم لفروجهم حافظون) فإن حفظ الفروج ثابت دائم.
وأما العطف بالواو في كل صفة من هذه الصفات، فللدلالة على الاهتمام بكل صفة على وجه الخصوص، وهذا ما تفيده الواو من عطف الإخبار والصفات[40] .
وكذلك ذكر الاسم الموصول مع كل صفة، فإنه يدل على الاهتمام والتوكيد، فإنه لم يقل مثلاً: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، وعن اللغو معرضون وللزكاة فاعلون ...الخ) بل كرر الموصول مع كل صفة للدلالة على توكيد هذه الصفات، وأهمية كل صفة.

(1/322)


جاء في (تفسير فتح القدير): "وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته، يستحق أن يستقل بموصوف متعدد"[41] .
ثم قال بعد ذلك:
(أولئك هم الوارثون)
فجاء بضمير الفصل والتعريف في الخبر، للدلالة على القصر، أي: هؤلاء الجامعون لهذه الأوصاف، هم الوارثون الحقيقيون وليس غيرهم ثم فسر هذا الإبهام ثم الإيضاح بعده من الفخامة ما فيه.
جاء في (الكشاف): (أولئك) الجامعون لهذه الأوصاف (هم الوارثون) الأحقاء بأن يسموا وراثاً دون عداهم ثم ترجم الوارثين بقوله: (الذين يرثون الفردوس) فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر"[42] .
ثم انظر إلى تقديم الجار والمجرور على الخبر، في قوله: (هم فيها خالدون*) للدلالة على القصر وتناسب ذلك مع التقديم في الأوصاف السابقة: في صلاتهم خاشعون، للزكاة فاعلون، لفروجهم حافظون، لأماناتهم وعهدهم راعون، فجازاهم من جنس عملهم، فإن أولئك الذين قصروا أعمالهم على الخير، قصر الله خلودهم في أعلى الجنة، وهو الفردوس، فلا يخرجون عنه إلى ما هو أدنى درجة منه، فكان خلودهم في الفردوس لا في غيره. والفردوس أعلى الجنة وأفضلها ومنه تتفجر أنهار الجنة كما جاء في الحديث.
ثم نأتي إلى سورة المعارج:
قال تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا {19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا {21} إِلَّا الْمُصَلِّينَ {22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ {23} وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ {26} وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ {27} إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ {28} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {29} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {31} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {32} وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ {33} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ{34} أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ )[سورة المعارج].
قال تعالى:
(إن الإنسان خلق هلوعا)
بنى الفعل (خلق) للمجهول، ذلك أن المقام مقام ذم لا تكريم مقام ذكر جانب مظلم من طبيعة البشر. والله سبحانه لا ينسب الفعل إلى نفسه في مقام السوء والذم.
قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن قويم) [التين] فنسب الفعل إلى ذاته في مقام المدح وقال: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم) [الأعراف].
وقال: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) [الأعراف]
في حين قال: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) [النساء]
وقال: (إن الإنسان من عجل) [الأنبياء]
وقال: (إن الإنسان خلق هلوعاً) [المعارج]
والهلع فسره ربنا بقوله: (إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً)، فهو الجزع عند مس الشر والمنع عند مس الخير.
جاء في (الكشاف): "الهلع سرعة الجزع عند مس المكروه وسرعة المنع عند مس الخير و(الخير): المال والغنى و(الشر): الفقر، أو الصحة والمرض إذا صح الغني منع المعروف وشح بماله، وإذا مرض جزع وأخذ يوصي"[43]
وجاء في (تفسير ابن كثير): "أي: إذا مسه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير.
(وإذا مسه الخير منوعاً) أي: إذا حصلت له نعمة من الله، بخل بها على غيره، ومنع حق الله ـ تعالى ـ فيها"[44] .
وجاء في (فتح القدير): "قال في الصحاح: الهلع في اللغة: أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه أي: إذا أصابه الفقر والحاجة، أو المرض ونحو ذلك، أي كثير الجزع وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك، فهو كثير المنع والإمساك"[45] .
والجزع ضد الصبر ونقيضه، وقد قابله الله بالصبر فقال: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) [إبراهيم] وجاء في (لسان العرب): "الجزوع ضد الصبور على الشر، والجزع نقيض الصبر وقيل: إذا كثر منه الجزع، فهو جزع وجزاع"[46] .
وقد بدأ بالشر قبل الخير، فقال: (إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً) وذلك لأن السياق يقتضي ذلك، فقد بدأت السورة بالعذاب، وهو قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع) وذكر قبل هذه الآية مشهداً من مشاهد العذاب، فقال: (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه كلاً إنها لظى نزاعة للشوى).
فالمناسب إذن هو البدء بالشر، وهو الذي يقتضيه السياق وجو السورة فالإنسان خلق هلوعاً لا يصبر إذا م سه الشر بل يجزع وذكر الجزع ههنا وهو عدم الصبر مناسب لقوله تعالى في أوائل السورة: (فاصبر صبراً جميلاً) فهو يأمر نبيه بالصبر الجميل. والصبر طارد للجزع المقيت الذي طبع عليه الإنسان وتحرر منه من أراد الله له بالخير.
واستثنى من الاتصاف بصفة هذه بشقيها: الجزع والمنع للخير، من ذكرهم بعد هذه الآية بقوله: (إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون)

(1/323)


والدوام على الصلاة معناه المواظبة عليها والانهماك فيها حتى تنتهي، وعدم الانشغال عنها، وليس المراد أنهم يصلون أبداً.
جاء في (البحر المحيط): "ديمومتها، قال الجمهور: المواظبة عليها وقال ابن مسعود: صلاتها لوقتها.
وقال عقبة بن عامر: يقرون فيها ولا يلتفتون يميناً ولا شمالاً"[47] .
وجاء في (فتح القدير): "أي لا يشغلهم عنها شاغل، ولا يصرفهم عنها صارف، وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبداً"[48]
وجاء في (روح المعاني): "أخرج ابن المنذر عن أبي الخير أن عقبة قال لهم: من الذين هم على صلاتهم دائمون؟ قال: قلنا الذين لا يزالون وأما ارتباطها بقوله: (إن الإنسان خلق هلوعاً) فهو أجمل ارتباط وأحسنه ذلك أن الدوام الصلاة علاج للجزع، وعلاج لمنع الخير. فإن الجزوع شخص لا يصبر.
وعلاج هذه الصفة أن يتعلم الصبر ويتعوده، والدوام على الصلاة والمواظبة عليها والاستمرار عليها من أحسن ما يعود على الصبر، فإن هذه الأعمال تقتضي صبراً متواصلاً، ولذا لا يدوم، عليها كثير من النسا، فهم يصلون ولمكن لا يدومون على صلاتهم، بل ينشغلون عنها بأنفسهم وقلوبهم وتسرح في دواخلهم صوارف تنال كثيراً من صلاتهم. فالدوام عليها علاج من أنجع الأدوية للتعويد على الصبر والمعافاة من الجزع.
وهي كذلك علاج لمنع الخير ذلك أن الدائم في صلاته يتعود أن يعطي من نفسه ووقته لربه، بل يعطيه نفسه كلها ووقته في الصلاة، وأم يتحرر من العبودية لرغبته وشهوته فيدوم على أمر ليس في مصلحة دنيوية ظاهرة له، بل قد يفوت عليه شيئاً علاجاً كما ذكر ربنا في قوله في صلاة الجمعة": (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) [الجمعة]
فالدوام على الصلاة علاج ناجع لهذه النفوس الجاسية لتسمح من وقتها ومالها وكل ما يربطها برغباتها وشهواتها ولذا لمك يكف بقوله: (إلا المصلين) بل قال: (الذين هم على صلاتهم دائمون).
ثم قال بعد ذاك:
(والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)
قيل: إن المراد بالحق المعلوم الزكاة لأنها مقدرة معلومة، وقيل غير ذلك[49]
وعلى أية حال فإن هؤلاء وضعوا في أموالهم حقاُ معلوماً لمستحقه.
وهذه الآية مرتبطة بقوله تعالى في أصحاب جهنم: (وجمع فأوعى) ومرتبطة بقوله تعالى: (وإذا مسه الخير منوعاً).
أما ارتباطها لقوله تعالى: (وجمع فأوعى) فهو ظاهر، ذلك أن الله وصف أصحاب جهنم بقوله: (تدعوا منة أدبر وتولى وجمع فأوعى) ومعنى جمع فأوعى: أنه جمع المال بعضه على بعض فأوعاه، أي: فجعله في وعاء وكنزه ومنع حق اله الواجب فيه من مستحقيه[50] أما هؤلاء المعافون من النار، فقد جعلوا في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم، فهم لم يمنعوا حق الله، فلم يكونوا ممن أدبر وتولى وجمع فأوعى.
وأما ارتباطها بقوله تعالى: (وإذا مسه الخير منوعاً) فهو ظاهر أيضاً ذلك أم معنى (وإذا مسه الخير منوعاً) أنه إذا أصابه الخير والمال والغنى بخل ومنع حق لله تعالى فيه كما ذكرنا وهؤلاء جعلوا في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم فهم معافون مستثنون من صفة الهلع، المذكورة بل إنهم مستثنون من صفة الهلع بشقيها: الجزع عند مس الشر والمنع عند مس الخير ذلك أم قسماً من البخلاء إذا خرج شيء من مالهم، جزعوا وحزنوا كأنما حلت بهم مصيبة، وكان المال ألصق بقلوبهم من أي شيء آخر، هؤلاء جعلوا في أمالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم، لم يجزعوا عند خروج المال منهم ولم يعقبوه أنفسهم، ولم يمنعوا السائل والمحروم منه، فإخراج المال إلى الفقراء والمساكين علاج وشفاء لهذا الداء الوبيل.
وهناك لمسة فنية لطيفة في اختيار نوع العذاب في هذا السياق، ذلك أنه قال: (كلا إنه لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى)
ومن معاني (الشوى) جلد الإنسان[51] فهي، أي: جهنم تنزع جلد الإنسان وتبقي الأحشاء بلا جلد. والجلد للأحشاء بلا جلد. والجلد للأحشاء كالوعاء للمال يحفظ ما في داخله، فإن هذا الشخص كما أوعى ماله ومنعه حقه، سيمزق الله وعاء جسمه ويخرج ما في داخله. ولاشك أن جلده ووعاء نفسه أحب إليه من المال ومن كل شيء، ألا ترى أنه يقال للمطلوب: (انج بجلدك)؟ فانظر التناسق الجميل بين المعصية والعذاب، والجزاء من جنس العمل.
ثم قال بعد ذلك:
(والذين يصدقون بيوم الدين)
ويوم الدين يوم القيامة، واختيار ذكر التصديق بيوم الدين دون غيره من أركان الإيمان ههنا له سببه، ذلك أن جو السورة في الكلام على هذا اليوم، فقد قال في أوائل السورة: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة وهذا اليوم هو يوم القيامة)، كما جاء في الحديث الصحيح[52] .
وقال عن هذا اليوم: (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً) أي: أن الكفار يستبعدون وقوعه ويرونه محالاً، في حين أن هؤلاء المعافين يصدقون به.
وقال: (يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن).
وقال: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يومهم الذي يوعدون يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون).

(1/324)


فجو السورة والسياق في الكلام على يوم الدين، وختم السورة بالكلام عليه، فكان مناسباً لأن يخصه بالذكر من بين أركان الإيمان الأخرى، فقال: (والذين يصدقون بيوم الدين)
ثم قال:
(والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون).
وذكر الإشفاق من العذاب مناسب لجو السورة أيضاً، فإن السورة مشحونة بذكر العذاب والكلام عليه فقد بدئت السورة به وختمت به، فقال في أول السورة: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع)، وقال في خاتمتها: (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة) كما ذكر فيها مشهداً آخر من مشاهد العذاب، فقال: (يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى).
فاختيار الإشفاق من العذاب أنسب اختيار ههنا.
ولا شك أن الذين يصدقون بيوم الدين، ويخشون عذاب ربهم مستثنون معافون من صفة الهلع. فالتصديق بيوم الدين مدعاة للطمأنينة والأمن في النفوس، فهو يصبر إذا مسه الشر احتساباً لأجر مما فقد أو مما ابتلي به، وإذا مسه الخير، لا يمنع، لأن الله سيعطيه أضعاف ما يعطي.
ثم قال بعد ذلك:
(والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون)
وقد مر تفسير ذلك في آيات سورة (المؤمنون) فلا حاجة إلى إعادة ما مر.
غير أن الذي نقوله ههنا: إن هذه الآيات مرتبطة بما قبلها أجمل ارتباط وهي مع ما ذكر معها من الأوصاف منجاة من الهلع وعلاج له.
ذلك أن الذي يصبر على شهوته ولا يندفع وراء رغبته يعود نفسه على الصبر، فلا يجزع إذا رأى ما يستثير ثم لا يهلث وراءها حتى يهتبل هذه الفرصة للتلذذ بها.
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية إن حفظ الفروج وعدم إرسالها إلا على مستحقيها، أولى من حفظ المال وكنزه ومنع مستحقه منه.
ثم قال:
(والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون)
وقد مر ذلك في آيات سورة (المؤمنون)
وهذا علاج للهلع أيضاً، ذلك أن الأمانة والعهد ربما يلحقان بالمؤتمن ضرراً من سلطة أو متنفذ، ذلك لأن صاحب الأمانة قد يكون مطلوباً لهما فالمؤتمن كأنه يعينه على ما هو عليه أو لغير ذلك من الأسباب وقد يفوتان عليه خيراً كبيراً، وهو مع ذلك يفي بالعهد ويؤدي الأمانة موطناً نفسه على الصبر على ما سيحيق به محتسباً أجر ما يفوته من الخير العاجل عند الله ولا شك أنة هذا مما يكسر الهلع ويضعفه ويعافي منه.
ثم قال: (والذين هم بشهاداتهم قائمون)
"والشهادة من حملة الأمانات وخصها من بينها، إبانة لفضلها لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها وفي زيها تضييعها وإبطالها"[53].
والقيام بالشهادة معناه: إقامتها على "ومن كانت عليه من قريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع، ولا يكتمونها ولا يغيرونها"[54] ولا يخفون ما علموه منها.
والإتيان بها مجموعة إشارة "إلى اختلاف الشهادات وكثرة ضروبها، فحسن الجمع من جهة الاختلاف"[55].
والقيام بالشهادات من أنفع الأشياء في علاج الهلع يشقه، ذلك أن القيام بالشهادة، قد يعرض صاحبها للأذى والنيل منه أو قد يفوت عليه فرصة من فرص الخير المادي، والنفع العاجل، فالقيام بها توطين للنفس على استقبال الشر والصبر عليه، وتوطين لها على السماح بالخير، وبذله وعدم منعه.
ثم قال بعد ذلك:
(والذين هم على صلاتهم يحافظون)
فختم بالمحافظة على الصلاة، كما افتتح بالدوام عليها، وهذا نظير ما جاء في سورة (المؤمنون) منن الافتتاح بالصلاة والختم بها.
والمحافظة على الصلاة غير الدوام عليها: "فإن معنى الدوام هو أن لا ينشغل عنها بشيء من الشواغل"[56] ، وأن ينهمك بها وتواظب على أدائها.
أما المحافظة عليها فتعني مراعاة شرائطها وإكمال فرائضها وسننها وأذكارها، كما سلف بيان ذلك.
وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح فهي مرتبطة بقوله: (وجمع فأوعى) ذلك أن القصد من جعل المال في وعاء، هو المحافظة عليه والصلاة أدعى وأولى بالمحافظة عليها.
ومرتبطة بصفة الهلع أيضاً ذلك أنها علاج لهذه الصفة المستهجنة بشقيها فالمحافظة على الصلاة في مختلف الأوقات وتباين الأزمان في أوقات الرخاء والشدة، والعسر واليسر، والمرض والعافية، والشر، والخير من المنجيات من هذه الصفة، ذلك أن المحافظة عليها تحتاج إلى الصبر الطويل، لذلك قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه]، وتحتاج إلى البذل والسماح بالخير، وقد وصف الله تعالى رجالاً من المؤمنين بقوله: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة) [النور]. فالصلاة إذا حضرت أهم من التجارة والبيع، فهم يفرطون بالصفقات واحتمال الربح في جنب الصلاة.
إن الصفات المذكورة أنفع علاج لصفة الهلع المقيت، وإن القائمين بهذه الصفات إنما هم ناجون منها مستثنون من أهلها معافون من بلواها.
ثم قال بعد ذلك:
(أولئك في جنات مكرمون).
وقد تقول: ولماذا قال في آيات (المؤمنون): (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) وقال ههنا: (أولئك في جنات مكرمون)

(1/325)


فذكر هناك أنهم يرثون الفردوس، والفردوس أعلى الجنة وربوتها، وأفضلها، ومنه تتفجر أنهار الجنة. وثم ذكر أنهم فيها خالدون في حين قال هنا أنهم في جنات، ولم يقل أنهم في أعلى الجنان، كما لم يقل أنهم فيها خالدون كما قال في الأولين.
ونظرة إلى ما في النصين توضح سبب ذلك.
إن آيات سورة (المؤمنون) في ذكر فلاح المؤمنين وآيات سورة المعارج في ذكر المعافين من الهلع وقد جعل كل صفة في مواطنها.
1ـ فقد قال في سورة (المؤمنون): (قد أفلح المؤمنون) فذكر صفة الإيمان على وجه العموم.
وقال في آية (المعارج): (والذين يصدقون بيوم الدين) فذكر ركناً من أركان الإيمان، وهو التصديق بيوم الدين وثمة فرق بين الحالين.
جاء في (روح المعاني) في قوله: (قد أفلح المؤمنون) "والمراد بالمؤمنين قيل: إما المصدقون بما علم ضرورة أنه من دين نبينا
rمن التوحيد والنبوة، والحشر الجسماني والجزاء ونظائرها"[57]
فذكر في آية (المؤمنون) المؤمنين بيوم الدين وغيره، وذكر في سورة المعارج التصديق بيوم الدين. فما ذكره في سورة (المؤمنون) أكمل
2ـ قال في آية (المؤمنون): (الذين هم في صلاتهم خاشعون).
وقال في آية (المعارج): (والذين هم على صلاتهم دائمون)
والخشوع أعم من الدوام ذلك أنه يشمل الدوام على الصلاة، وزيادة فهو روح الصلاة، وهو من أفعال القلوب والجوارح من تدبر وخضوع وتذلل وسكون وإلباد بصر وعدم التفات. والخاشع دائم على صلاته منهمك فيها حتى ينتهي.
3ـ قال في (المؤمنون): (والذين هم عن اللغو معرضون) وهو كل باطل من كلام وفعل وما توجب المروءة إطراحه كما ذكرنا.
ولم يذكر مثل ذلك في سورة المعارج، فهذه صفة فضل لم ترد في المعارج.
4ـ قال في (المؤمنون): (والذين هم للزكاة فاعلون)
وقال في سورة (المعارج): (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)
وما في سورة (المؤمنون) أعم وأشمل غذ الزكاة تشمل العبادة المالية كما تشكل طهارة النفس فهي أعلى مما في المعارج وأكمل فإنه ذكر في المعارج أنهم يجعلون في أموالهم حقاُ للسائل والمحروم. أما الزكاة فإنها تشمل أصنافاً ثمانية وليس للسائل والمحروم فقط، هذا علاوة على ما فيها من طهارة النفس وتزكيتها كما سبق تقريره.
5ـ قال في سورتي (المؤمنون) و (المعارج): (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فغنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هو العادون واذلين هم لأماناتهم وعهدهم راعون).
6ـ قال في آية المعارج: (والذين هم بشهادتهم قائمون)
ولم يذكر ذلك في آيات (المؤمنون) ذلك أنه في سياق المعاناة من الهلع وقد ذكرنا مناسبة ذلك وعلاقته بالنجاة منه. فاقتضى ذلك ذكره وتخصيصه من بين الأمانات.
7ـ قال في آلات (المؤمنون): (والذين هم على صلاتهم يحافظون) بالجمع
وقال في (المعارج): (والذين هم على صلاتهم يحافظون) بإفراد الصلاة.
والصلوات أعم من الصلاة واشمل والمحافظة على الصلوات أعلى من المحافظة على الصلاة لما فيها من التعدد والفرائض والسنن.
فما كانت الصفات في آيات سورة (المؤمنون) أكمل وأعلى كان جزاؤهم كذلك، فجعل لهم الفردوس ثم ذكر أنهم خالدون فيها، في حين قال في سورة (المعارج): (أولئك في جنات مكرمون) ولم يذكر أنهم في الفردوس، ولم يذكر الخلود، فانظر كيف ناسب كل تعبير موطنه.
ثم انظر كيف ذكر في سورة (المؤمنون) المؤمنين وهم المصدقون بيوم الدين وزيادة، وذكر الخشوع في الصلاة، وهو الدوام عليها وزيادة، وذكر فعلهم للزكاة وهي العبادة المالية وزيادة ومستحقوها هم السائل والمحروم وزيادة، وذكر الإعراض عن اللغو وهو زيادة وذكر الصلوات وهي الصلاة وزيادة، ثم ذكر الفردوس وهي الجنة وزيادة في الفضل والمرتبة، وذكر الخلود فيها وهو والإكرام وزيادة.
فانظر ما أجمل هذا التناسب والتناسق، فسبحان الله رب العالمين.

(1/326)


[1] البحر المحيط: 6/395 وانظر روح المعاني 18/2 [2] روح المعاني 18/11 [3] انظر الكشاف 2/357، البحر المحيط، 6/395، التفسير الكبير 23/77 [4] الكشاف 2/357 [5] روح المعاني 18/4 [6] انظر البحر المحيط 6/395[7] روح المعاني 18/4[8] لسان العرب لغو 20/116 [9] الكشاف 2/375. [10] فتح القدير 3/459 [11] الكشاف 2/357 وانظر التفسير الكبير 23/79 [12] التفسير الكبير 23/77 [13] انظر القاموس المحيط هجر 2/158، الكشاف 2/365. [14] في المطبوع لا يلهون وما أثبتناه أنسب كما هو ظاهر. [15] روح المعاني 18/4-5، وانظر تفسير البيضاوي 451.[16] الكشاف 2/357. [17] البحر المحيط 6/395 -396 [18] روح المعاني 18/5[19] فتح القدير 3/459 . [20] روح المعاني 18/5 [21] البحر المحيط 6/396 [22] تفسير ابن كثير 3/459. [23] البحر المحيط 6/396 [24] فتح القدير 3/459[25] سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 2/6 عن كتاب العلاقات الجنسية غير الشرعية وعقوبتها في الشريعة والقانون لعبد الملك السعدي 1/409. [26] الكشاف 2/357. [27] البحر المحيط 7/253 [28] انظر لسان العرب أمن 16/161[29] لسان العرب أمن 16/162[30] لسان العرب أمن 16/164-165 [31] روح المغاني 18/11 [32] روح المعاني 29/63[33] فتح القدير 3/459[34] الكشاف 2/358 [35] روح المعاني 18/11 [36] روح العاني 18/12 [37] انظر الكشاف 2/358، البحر المحيط 6/397، تفسير البيضاوي 451، فتح القدير 3/459، وروح المعاني 18/11. [38] فتح القدير 5/285.[39] الكشاف 2/385[40] انظر معاني النحو 1/220، 3/193 وما بعدها.[41] تفسير فتح القدير 5/285 [42] الكشاف 2/385 [43] الكشاف 3/268-269 [44] ابن كثير 4/421 [45] فتح القدير 5/284 [46] لسان العرب جزع 9/397 [47] البحر المحيط 6/335 [48] فتح القدير 5/284 [49] انظر الكشاف 3/269 ، فتح القدير 5/284 ، روح المعاني 29/63 [50] انظر الكشاف 3/268، ابن كثير 4/421 [51] انظر البحر
المحيط 8/330، لسان العرب شوى 19/178[52] انظر تفسير ابن كثير 4/419، وانظر صحيح مسلم في كتاب الزكاة.[53] الكشاف 3/269[54] فتح القدير 5/284[55] التفسير الكبير 30/131 [56] فتح القدير 5/285[57] روح المعاني 18/3
===============
قبسات من الإعجاز البياني في القرآن
إعداد الأستاذ عبد الرحيم الشريف
ماجستير في الدراسات الإسلامية
مقدمة لا بد منها...
ما أشبه الليلة بالبارحة.. الكفار هم الكفار في كل عصر ومصر
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ " صدق الله العظيم .
كان زعماء الكفار يدركون أثر القرآن في النفوس، ويخافون إيمان الناس به إذا استمعوا له ، وفتحوا قلوبهم لأنواره ولهذا كانوا يوصون أتباعهم بعدم الاستماع له وعدم الجلوس مع الرسول صلى الله عليه وسلم ويوصون القادمين إلى مكة في موسم الحج بعدم السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم ويخوفونهم منه ويزعمون لهم أنه ساحر يفرق بين المرء وزوجه.
وقصة الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه خير شاهد على ذلك.
تواصوا بذلك وهم يوقنون أنهم لن يغلبوا القرآن لأن سلطانه أقوى من كل مخططاتهم ضده وأنهم هم المغلوبون أمامه.
وقارن ذلك برجاء غير المسلمين في هذا النادي وتوسلهم للمسلمين بألا يناقشوهم في إعجاز القرآن الكريم وهروبهم بعد أول نقاش يحترم العقل.
وانظر معي مُحللا طلبهم الغريب التالي الذي وصفه القرآن الكريم : " وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ".
ودقق في قول النضر بن الحارث : " وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ".
كم شخصا في زمننا مثل النضر بن الحارث .. فإن كان النضر بن الحارث لم يضر القرآن الكريم قيد أنملة ، فمَن دونه في الفصاحة والبلاغة من باب أولى.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن ما نُسب إلى مسيلمة من عبارات ركيكة فإنها ـ بحسب غلبة الظن ـ لم تصدر عنه ، فهو أفصح بيانا من أن يقول كلاما سمِجا كالذي نُقِل عنه، وهو أعقل من أن يحاول معارضة القرآن لعلمه بعجزه أمامه.
فالصحيح الراجح أن ما نقل من أخبار في ذلك كان مصدره بعض الإخباريين والقصاص المسلمين الذين أوردوها ليسخروا منه ويستهزئوا به وصاروا يوردونها على سبيل التفكه والتندر ليس إلا.. والله أعلم.
وقبل الشروع في بيان بعض الأدلة على الإعجاز البياني في القرآن الكريم ينبغي الإشارة إلى أبرز المراجع المعينة على ذلك :
1) خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية للدكتور عبد العظيم المطعني. حصل من خلالها على مرتبة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى من كلية اللغة العربية / الأزهر سنة1974م.

(1/327)


وهي مطبوعة في مجلدين سنة 1992م مكتبة وهبة / مصر.
2) سر الإعجاز في تنوع الصيغ المشتقة من أصل لغوي واحد في القرآن للدكتور عودة الله منيع القيسي. وحصل بها على درجة الدكتوراة من كلية الآداب الجامعة الأردنية. ونشرتها دار البشير في عمان سنة 1996م.
وهي دراسة قيمة ذات قيمة أدبية عالية فيها تحليلات في غاية الدقة والروعة.
3) الترادف والاشتراك والتضاد في القرآن لمحمد نور الدين المنجد. وحصل بها على شهادة الماجستير من جامعة دمشق بتقدير ممتاز . طبعته دار الفكر سنة 1999م.
4) إعجاز القرآن الكريم البياني ودلائل مصدره الرباني، د. صلاح الخالدي، دار عمار، عمان، ط2، 2004م.
5) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، د. فاضل السامرائي، دار عمار، عمان، ط2، 2001م.
6) التعبير القرآني، د. فاضل السامرائي، دار عمار، عمان، ط2، 2002م.
7) لمسات بيانية في نصوص التنزيل، د. فاضل السامرائي، دار عمار، عمان، ط2، 2001م.
نبدأ باسم الله..
===================
زيادة في قصة خلق آدم عليه السلام
1) زيادة ( لا ) عند قوله تعالى في قصة خلق سيدنا آدم عليه السلام في سورة الأعراف " قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(12) "
ولكنه لم يُثبتها في سورة ( ص ) : " قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ(75) ".
إن السؤال في سورة ( ص ) عن المانع لإبليس من السجود .. أي: لماذا لم تسجد ؟ هل كنت متكبراً أم متعالياً ؟ ( ذكرت الآية الكريمة سببان قد يكونان مانعين للسجود : الاستكبار والاستعلاء )
أما السؤال في سورة الأعراف فإنه عن شيء آخر.. ويكون معنى السؤال: ما الذي دعاك إلى ألا تسجد ؟
والدليل على ذلك وجود ( لا ) النافية في الآية التي تدل على وجود فعل محذوف تقديره: أَلجأك ، أحوَجَك..
فالسؤال هنا عن الدافع له لعدم السجود ، وليس عن المانع له من السجود.
والجمع بينهما أن السؤال جاء على مرحليتين:
الأولى: السبب المانع من السجود .. وامتناع إبليس عن السجود قاده إلى عدم السجود.
الثانية: السؤال عن السبب الحامل له على عدم السجود بعد أن أمره بذلك.
والحكمة من السؤال الثاني هو أنه من الممكن عقلا أن يكون هنالك سببان: سبب يمنع عن فعل شيء، وسبب يحمل على ترك شيء.
فقولك لأحدهم: لماذا لم تفعل كذا ؟ يختلف عن سؤالك للآخر: ما الذي حملك على ترك كذا ؟
-----------------------------
2) الفرق في التعبير في زوجة سيدنا زكريا عليه السلام فمرة يقول امرأة.. كما في سورة مريم: " وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5) " وآل عمران : " قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(40) "
ولكنه عبّر عنها بالزوجة في سورة الأنبياء: " وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ(89)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ.. ".
لفظ امرأة يُطلق على المتزوجة وغير المتزوجة.. ولما كانت الحياة الزوجية غير كاملة في أتم صورها وحالاتها لكونها عاقرا أطلق عليها القرآن ( امرأة )
وبعدما زال المانع وأصلحها الله فحملت ... عندها تحققت الزوجية الكاملة على أتم صورها.
-----------------------------
3) الدقة المعجزة في التعبير القرآني:
والأمثلة على ذلك بالمئات تجدها في كل مقطع من مقاطع سور القرآن الكريم وإليكم مثالا على ذلك..
قال تعالى" مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41) ".
لماذا لم يقل: أوهن الخيوط خيط العنكبوت ؟؟
فلو كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم لقال ذلك .. ولكن هذا يخالف الحقيقة العلمية الثابتة بأن خيط العنكبوت أقوى من مثيله من الفولاذ.
فكان التعبير الدقيق: " أَوْهَنَ الْبُيُوتِ ".
===================
4) حكمة تنكير " أحد " وتعريف " الصمد " :
قال تعالى: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)
حكمة تنكير " أحد " أنها مسبوقة بكلمتين معرفتين " هو الله " وهما مبتدأ وخبر.. وبما أن المبتدأ والخبر معرفتان ودلالتهما على الحصر .. فقد استغني بتعريفهما ودلالتهما على الحصر عن تعريف " أحد ".
فجاء لفظ " أحد " نكرة على أصله .. لأن الأصل في الكلمة هو التنكير.. فهو نكرة ( وإعرابه خبر ثان ).
كما أن لفظ " أحد " جاء على التنكير للتعظيم والتفخيم والتشريف وللإشارة إلى أن الله تعالى فرد أحد لا يمكن تعريف كيفيته ولا الإحاطة به سبحانه وتعالى.

(1/328)


أما " الصمد " فقد جاء معرفة في الآية الثانية لأن " الله الصمد " مبتدأ وخبر.. وجاءا معرفتين ليطابقا " هو الله " في الآية الأولى .. وقد جاء تعريف " الله الصمد " ليدل على الحصر أيضاً .
فقوله " هو الله أحد " يدل على الحصر لتعريف المبتدأ والخبر ( الأحدية محصورة بالله ).
وقوله " الله الصمد " يدل على الحصر أيضا لتعريف المبتدأ والخبر ( والصمدانية محصورة بالله ).
===================
5) ( سلام ) على يحيى و ( السلام ) على عيسى عليهما الصلاة والسلام..
قال تعالى في سورة مريم : " يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12)وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(13)وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا(14)وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا(15) ".
أما سيدنا عيسى عليه السلام : " قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32)وَالسَّلَامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33)َ ".
وحكمة مجيء ( سلام ) نكرة في سياق قصة سيدنا يحيى علية السلام : أن ذلك جاء في سياق تعداد نعم الله تعالى على سيدنا عيسى وإخبار من الله جل جلاله بأنه قد منح سيدنا يحيى ( سلاما ) كريما في مواطن ثلاثة: يوم ولادته، ويوم موته ، ويوم بعثه حيا في الآخرة .
أما ( السلام ) في قصة سيدنا عيسى عليه السلام جاء معرفة : لأن لفظ ( السلام ) هو كلام من سيدنا عيسى حيث دعا ربه أن يمنحه السلام في ثلاثة مواطن : يوم ولادته ، ويوم موته ، ويوم بعثه حيا في الآخرة.
فبما أن سيدنا عيسى هو الذي دعا ، فمن المؤكد أنه سيُلح في الدعاء كما هي السُنة فيطلب المعالي.. فلذلك عرّف السلام دلالة على أنه يريد السلام الكثير العام الشامل الغزير.
وهنا إشارة إلى أن السلام الذي حصل عليه سيدنا عيسى كان أخص من السلام الذي حصل عليه سيدنا يحيى ، وأن سيدنا عيسى أفضل من سيدنا يحيى فهو من أولي العزم صلى الله عليهما وسلم
======================
6) دلالة تكرار الاسم في نفس الموضع
عندما يكون الاسمان المكرران معرفتين.. دل على أن الأول هو نفس الثاني ـ غالبا ـ ليدل على المعهود.
مثال ذلك قوله تعالى في سورة الفاتحة: " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .. ".
فالصراط في المَوضع الأول معرفة بأل.. وبالثاني معرفة بالإضافة ..
والمراد بالاسم الأول الاسم الثاني.. فصراط الذين أنعم الله عليهم هو نفس الصراط المستقيم.
وانظر: الصافات 158 ، والزمر2-3 ، وغافر 9.
أما إذا كان الاسمان المكرران نكرة .. فإن الأول غير الثاني ـ غالبا ـ لأن تكرار النكرة يدل على تعددها.. فالنكرة الأولى غير النكرة الثانية.
مثال ذلك قوله تعالى في سورة سبأ: " وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ... ".
فالشهر الثاني غير الشهر الأول.. ويكون المجموع شهران.
كل هذا مقدمة لتوضيح الإعجاز البياني في سورة الشرح عند تفسير قوله تعالى : " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6) ".
" العُسر " مكرر وهو عسر واحد ( العسر الأول هو العسر الثاني فكلاهما معرفة ).
" يُسر " مكرر ولكنهما يسران ( اليسر الأول غير اليسر الثاني فكلاهما نكرة ).
إن السورة الكريمة تأتي في سياق يتحدث عن تبشير أصحاب الابتلاء والمحنة والضيق والعسر.. بأن ذلك كله سيزول .. وسيحل اليسر مكانه مضاعفا..
إن مقصد هذه السورة بعث الأمل في صدر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه من الدعاة المبتلين وتخفيفا عنهم وبعث الأمل في نفوسهم.
ولذلك جاءت نسبة العسر إلى اليسر واحد إلى اثنين ( 2:1 ) حتى ينتظر المسلم المبتلى اليسرَ بأمل عريض وصبر جميل.
وقد ورد في الأثر " لن يغلب عسر يسرين ".
قال الشاعر العتبي:
ألا يا أيها المرء الذي الهم به برح
إذا اشتدت بك البلوى ففكر في " ألم نشرح "
فعسر بين يسرين إذا أبصرته فافرح
وهذا دليل على فهم العرب للإعجاز البياني في القرآن الكريم على السليقة.
==========================
7) " تسطع " و " تسطع " ، " اسطاعوا " و " استطاعوا"
ذكر الله تعالى في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخضر في سورة الكهف ثلاثة أحداث أثارت اعتراض سيدنا موسى وهي خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار بدون أجر.. وقبل أن يفارق الخضر سيدنا موسى ذكر له الحكمة من الثلاثة أفعال... ولكنه قبل أن يؤوِّل سببها قال له: " هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(78)".
وبعدما أول لسيدنا موسى الأحداث قال له: " ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(82) "

(1/329)


أثبت الفاء في " تستطع" وحذفها في " تسطع " فما الحكمة من ذلك ؟؟
لقد راعى السياق القرآني الحالة النفسية لسيدنا موسى عليه السلام قبل أن يعرف تأويل سبب تلك الأفعال التي أنكرها فناسَب إظهار التاء في " تستطع " لبيان ثقل هذا الأمر عليه بسبب الهم والفكر الحائر. فصار بناء الفعل ثقيلا ( خمسة أحرف ) فناسب ثقل الهم ثقل بناء الفعل.
وحذف التاء من كلمة " تسطع " مما جعل بناء الفعل مخففا ( أربعة أحرف) وهذا التخفيف مناسب للتخفيف في مشاعر سيدنا موسى بعد أن علم الحكمة من أفعال الخضر فارتاحت نفسه وزال ثقلها.
ومثل ذلك في نفس السورة الكريمة عند الحديث عن سد ذي القرنين الذي بناه ليمنع خروج يأجوج ومأجوج قال تعالى: " فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(97) ".
معنى يظهروه: يتسلقوه .... ومعنى نقباً : نقضه بالحفر.
حذفت التاء في " فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ " لأن المعنى هو عدم استطاعتهم تسلق السد لكونه أملسا وخاليا من أي نتوء يمكن الإمساك به.
وبما أن التسلق يحتاج خفة ورشاقة ومهارة ... وكلما كان الشخص أخف كان تسلقه أسهل.. جاء تخفيف بناء الفعل كأنه يشارك المتسلق في تحمل بعض أحماله.
أما " مَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا " أثبت التاء لأن ثقب الجدار يحتاج معدات ثقيلة فكلما كانت المعدات أثقل كان النقب في السد أيسر.. وكذلك لأن النقب يحتاج إلى جهد عضلي أكبر.
وهنالك قاعدة بلاغية تقول" الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى".
======================
8) نبغِ ونبغي:
قال تعالى في سورة يوسف: " وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(65)".
ولكنه قال في سورة الكهف: " قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا(63)قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا(64)فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا(65)".
فما الحكمة من إثبات ياء نبغي في سورة يوسف وحذفها في سورة الكهف ؟؟
في سورة يوسف جاء إثباتها على الأصل.. وذلك لبيان أن ذلك هو غاية ما يريدونه ويطلبونه.. فالطعام الذي أحضروه من مصر هو المُراد لذاته... كمال تمام الحرف ناسب كمال تمام الغاية.
( ما ) هنا استفهامية ... و ( ما ) في سورة الكهف اسم موصول.
أما في سورة الكهف فلم يكن فقدان الحوت هو الغاية والهدف الرئيس ، لأن غايته هي الالتقاء بالخضر فكان الفقدان وسيلة وليس غاية... فناسب نقصان تمام الحرف نقصان تمام الغاية.
=======================
9) " تفرقوا " و " تتفرقوا"
قال تعالى في سورة آل عمران: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا..".
ولكن في سورة الشورى: " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ...".
والسبب في ذلك أن الخطاب في سورة آل عمران للأمة المسلمة وهي أمة واحدة فناسب أن يكون الفعل بتاء واحدة.
بينما السياق في سورة الشورى عن الإخبار بما وصى به الله تعالى الأمم السابقة التي بعث الله فيها باقي أولي العزم من الرسل وهي أمم عديدة مختلفة بينها أعوام طويلة جدا.
فناسب تعدد التاءات في الفعل تنوع الأقوام وطول الزمان التي عاشته مجموع هذه الأمم ـ زيادة حرف آخر له.
ومن حكمة ذلك أيضا أن الأمة الإسلامية منهية عن أدنى اختلاف قلت نسبته لأن ذلك يوهنها فدل على تحريم أي شيء من الاختلاف مهما قل.
ولكن هذا المعنى غير مراد في الأمم الأخرى لأنها انتهت.. فلم يحذف من فعلها شيء فبقي على حاله.
حكمة أخرى: سورة الشورى ذكر فيها الفعل مرتين مرة بصيغة المضارع ومرة بصيغة الماضي : " وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ .... وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ".
أما في سياق آيات سورة آل عمران فقد ذكرت مرة واحدة فقط ولذلك جاء الفعل بتاء واحدة.
وهكذا هو السياق القرآني المعجز.. يختار الحروف التي تتوافق مع السياق وتتناسب مع المعنى والصياغة ، فقد تقل الحروف في اللفظ وقد تزيد .. ويُحذف الحرف حذفا مقصودا ويُثبت كذلك.. لخدمة بيان المعنى المراد في أروع صورة بلاغية.
وهنا لا مجال للحديث بأن السبب في ذلك هو مراعاة الفاصلة فقط..
بل كل شيء يتم بأعلى درجات الدقة والتوازن...
دقة عجزت عقول البشر عن اختراع شبيه لها
وسبحان الله منزل القرآن
======================

(1/330)


10) " يشاق الله " و " يشاقق الله ورسوله " :
تحدث القرآن الكريم عن معاداة الكافرين لله ولرسوله .. ولكنه عبر عن ذلك بتعبيرين متفاوتين:
ففي سورة الأنفال قال تعالى : " وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(13) ".
ولكنه قال في سورة الحشر : " وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(4) ".
الفرق في التعبير بين الآيتين في : ذكر كلمة " رسوله ".
لبيان سبب ذلك نرجع إلى سياق الآيتين الكريمتين.. فآية الأنفال تتحدث عن المشركين وعداوتهم عداوة واضحة مكشوفة للنبوة والرسالة.. لكونهم أنكروا نبيا من البشر يرسل إليهم.. ولأنهم أنكروا كون محمد صلى الله عليه وسلم يتيما فقيرا فهم يريدون رجلا غنيا .
فهنالك عداوة مزدوجة لله ولسيدنا محمد بشخصه صلى الله عليه وسلم.
ولسان حالهم يقول : لو أرسل الله رسولا وفق الشروط الخاصة التي نضعها للرسول لآمنا به.
أما الكلام في سورة الحشر فهو عن اليهود الذين يحاربون الإسلام مهما كان النبي المرسل إليهم.
فهم حاربوا الإسلام الذي جاء به الأنبياء منذ عهد سيدنا موسى عليه السلام مرورا بسيدنا عيسى عليه السلام وانتهاء بالرسول الخاتم محمد عليه السلام.
فهم يعادون النبي لا لشخصه بل لوظيفته ... فمهما كان النبي فاليهود له مشاقون..
وسبب آخر: أن سياق آية الأنفال يتحدث عن غزوة بدر الكبرى التي كان فيها قتال وتماس مباشر بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .. ولهذا كان شقاق الرسول واضحا.
بينما سياق سورة الحشر في غزوة بني النضير التي لم يحدث فيها قتال مباشر بل كان حصارا لديارهم ثم استسلامهم.
=====================
11) ذكر " والمؤمنون " وحذفها :
وردت آيتان كريمتان تتحدثان عن أمر واحد في سورة واحدة ... ومع ذلك اختلف التعبير في كل منها :
أخبر الله تعالى بأنه سيرى العمل هو ورسوله في قوله تعالى في سورة التوبة : " وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(94) ".
وأخبر في آية تالية في نفس السورة بأنه سيرى عملهم هو ورسوله والمؤمنون وذلك في قوله تعالى: " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(105) ".
الآية الأولى كانت في سياق الحديث عن المنافقين ... وهم كفار اتخذوا وسيلة إظهار الإسلام وإبطان الكفر محاولة يائسة لنقض الإسلام من داخله ... أما الثانية فقد جاءت في سياق الحديث عن المؤمنين الصالحين ودعوتهم إلى العمل الصالح وخاصة دفع الزكاة.
جاء حذف كلمة " والمؤمنون " في سياق الآية الأولى لأن الكلام فيها عن المنافقين ... ولطبيعة النفاق فإن المسلمين لا يعلمون ما يخفي المنافق في قلبه، لأنهم لا يعلمون الغيب.
والله تبارك وتعالى عالم السر وأخفى أخبر سيدنا محمدا بأسمائهم كلهم .
هم قدموا أعذارهم المقبولة ظاهريا أمام المسلمين ولكن الله ورسوله يعلمان كذبها ، لكن باقي المؤمنين لا يعلمون ذلك .
أما في الآية الثاني فهي في سياق الحديث عن أعمال المسلمين الظاهرة المكشوفة من صلاة وزكاة ... يراها إخوانهم المسلمون ويطلعون عليها .
وهناك قضية أخرى وهي سر التعبير بـ ( ثم ) في الآية الأولى والتعبير بالواو في الآية الثانية.
بيَّن ذلك الكرماني بقوله : " الآية الأولى في المنافقين ولا يطلع على ضمائرهم إلا الله ثم رسوله بإطلاع الله إياه... والثانية في المؤمنين وطاعات المؤمنين وعاداتهم الظاهرة لله ولرسوله وللمؤمنين.....
وختم آية المنافقين بقوله " ثم تردون " فقطعه عن الأول لأنه وعيد ......
وختم آية المؤمنين بقوله " وستردون " لأنه وعد ... فبناه على قوله " فسيرى الله عملكم "..."
وفي اختلاف التعبير دلالة أيضا على استعجال الوعد وعدم استعجال الوعيد :
وعدُ الله للمؤمنين بقبول أعمالهم مباشرة ... فالصدقة تقع في يد الله تعالى قبل وقوعها في يد الفقير... وفي ذلك إشارة إلى عاجل بشرى المؤمن.
ووعيد الكفار بفضحهم وتعذيبهم في نار جهنم .. إن لم يتوبوا :
( ثم ) تفيد الترتيب مع التراخي.. وهي تحمل معنى إمهالهم وعدم التعجيل بعذابهم لفتح باب التوبة لهم ليعودوا ...
وإلا
فلا يظنون ـ إن طال بهم الأمد ـ أن الله راضٍ عنهم أو نسيهم .... إن الله يمهل ولا يهمل... فإن لم ينالوا عذابهم في الدنيا ... فعذاب الآخرة أشد .
فهل أحلم من الله على عباده ..
=====================
12) نكرة مكررة ثلاث مرات في آية واحدة :
قال تعالى في سورة الروم: " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ(54) ".
يجب التذكير بالقاعدة البيانية: أن النكرة إذا تكررت فإنها في كل مرة تفيد معنى جديداً.

(1/331)


( ضعف ) نكرة تكرارها في نفس الموضع يفيد أن الضعف الأول غير الثاني وغير الثالث.
المراد بالضعف الأول: النطفة ( ضعيفة فهي ماء مهين ).
والضعف الثاني: الطفولة ( لأنه بحاجة إلى رعاية أمه في مرحلة الرضاع وعناية خاصة حتى يجتاز مرحلة المراهقة ويصل البلوغ ).
والضعف الثالث: الشيخوخة ( لأنه يعود في مرحلة الشيخوخة ضعيفا عاجزا.. ضعيف الفكر.. ضعيف الحركة والسعي والنشاط ).
واللطيف في الآية أن ( قوة ) وردت نكرة وكررت مرتين.
إذاً.. القوة غير القوة .
القوة الأولى: قوة فترة الصبا ( الصبي قوي مندفع كثير الحركة ).
القوة الثانية: قوة الشباب ( قوة الجسم والمشاعر والأحاسيس والهمة والعزيمة والانطلاق في الفكر والأحلام والطموح ).
" ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا "القوة الأولى تقود إلى القوة الثانية.
هذه الآية الكريمة تلخص حياة الإنسان على الأرض وأنها تقوم على خمس مراحل:
1.الضعف : وهو جنين في بطن أمه .
2.الضعف : وهو رضيع في حضن أمه .
3.القوة : وهو صبي مندفع .
4.القوة : وهو شاب نشيط فاعل .
5.الضعف : وهو شيخ عجوز هرم ..
هنا روعة الإعجاز البياني القرآني .. التعبير الحق البليغ .. عن أدق التفاصيل .. بأقل عدد من الكلمات.. في نظم محكم بديع.. دون أن يخل بالسياق ... في جرْس موسيقي يأخذ بالألباب .
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا
=====================
13) قدّم المفعول به في " إياك نعبد وإياك نستعين " ولم يقدمه في " اهدنا الصراط المستقيم "
وذلك في سورة الفاتحة
إياك : ضمير منفصل ( مفعول به ) مقدم على فعليه : نعبد ، نستعين .
اهدنا : نا ( مفعول به أول ) والصراط مفعول به ثان .
فلماذا لم يقدم هذا المفعول به فيصير : إيانا اهد . كما قال قبلها إياك نعبد ؟؟
سبب تقديمه في الأولى هو الاختصاص فالعبادة لا تكون إلا لله ومن عبد غير الله واستعان بغيره فقد كفر..
ومن هنا تظهر حكمة التقديم لغرض إيماني من خلال هذا الأسلوب البلاغي.
وذلك مثل قوله تعالى: " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " .
أما عدم تقديمه في " اهدنا الصراط المستقيم " لأن طلب الاختصاص في الهداية لا يصح فالله يهدي من يشاء.. وهم كثيرون.
فيجوز لك أن تقول : اللهم اهدني وارزقني .... أي جعلني في زمرة من كتبت لهم الهداية والرزق.
ولا يجوز لك أن تقول : إياي اهد ، إياي ارزق ... بمعنى اللهم اهدني وحدي وارزقني وحدي.
فالمسلم ليس أنانياً.
===================
14) تقديم " لا فيها غول "
قال تعالى في وصف خمر الجنة التي أعدها لعباده المؤمنين " يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ(45)بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ(46)لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ(47) ".
هذه الخمر ليس فيها غَول (الكحول).. فهي لا تغتال عقولهم بسبب ما تسببه من سكرٍ وصداع وفقدان للعقل والاتزان.
أي منزوع عنها ما يسبب الإسكار (الغَول).
وتقديم " لا فيها غول " للاختصاص.. أي أن خمر الجنة لا تغتال عقول المؤمنين وإنما هي شراب لذيذ.. فإن كانت خمر الدنيا تغتال عقول شاربيها.. فإن خمر الجنة اختصت بعدم ذلك.
كما أن هذا التقديم في سياق النفي يدل على تفضيل خمر الجنة على خمر الدنيا.
====================
15) تقديم القتل على الموت وعكسه في نفس الموضع:
من روائع التقديم والتأخير في بيان القرآن الكريم المعجز ورود آيتين متتابعتين قدم اللفظ في الأولى وأخر اللفظ نفسه في الثانية:
قال تعالى في سورة آل عمران: " وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158) ".
الآيات الكريمة في سياق غزوة أحد .. والتي كان فيها من الشهداء ما هو معلوم .. وبما أن الموت في سبيل الله هو أشرف موت وأعظمه أجرا عند الله.. قدم القتل على الموت.
وهذا غير مُراد الآية الثانية التي تتحدث عن سنة الله على جميع الناس بالموت.
وبما أن الموت على الفراش هو الأعم والأغلب فمعظم الناس يموتون ميتة طبيعية قدم الموت.
والدليل على أن المقصود في الثانية هو بيان سنة الله في الناس كافة هو عدم اقتران القتل فيها بعبارة " في سبيل الله " التي اقترنت بها في الآية الأولى.
وشتان بين قتل الشهيد وقتل الإنسان العادي
فالشهيد ينال رحمة من الله ومغفرة لذنوبه كما هي عقيدة المسلمين وهذا ما أكدته الآية الأولى.
وهذا ليس إلا للمسلمين...
وبما أن القتل بشكل عام ( للمسلمين وغيرهم ) يكون فيه ظالم ومظلوم ... يجب أن يكون هنالك حكم عدل يفصل بينهم ....
فمتى يُنتصف للمظلوم
يُنتصف له يوم القيامة ... حيث يُحشر الجميع بين يدي الله ... الظالم والمظلوم..
فقد يكون القاتل هو المظلوم .. والمقتول هو الظالم ...
ولهذا جاء التعبير الإعجازي في الآية الثانية
" لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ".
==============
أسئلة وأجوبة بلاغية في القرآن
بقلم فاضل السامرائي
السؤال الأول

(1/332)


ما سر استعمال صيغة (فُعَلَة) في قوله تعالى: "ويل لكل هُمَزَة لُمَزة"؟ ولمَ لمْ يستعمل صيغة (فَعّال) فيقول: هَمّاز لَمّاز مثلما قال في سورة القلم "حَلافٍ مَهين . هَمّاز مَشّاءٍ بنَميم"؟
*لا بد من التطرق هنا إلى صيغ المبالغة ودلالاتها والفروق بينها، فكلمة (هماز) صيغة مبالغة على وزن (فعّال)، وهذه الصيغة ـ كما يقول أهل اللغة تدل على الحِرفة والصنعة، فيقال لمحترف النجارة نجّار، ولمحترف الحِدادة حدّاد، وتشتهر عندهم أسماء المهن على هذا الوزن كالفتال والزراد والخراط والصفار والنحاس والبزاز. فكلمة (كذاب) عندما تطلق على أحد فإنها تدل على أن هذا صار كأن الكذب حرفته التي يحترفها كما أن حرفة ذاك هي النجارة أو الحدادة. وهذه الصيغة تقتضي المزاولة، لأن صاحب الصنعة يداوم على صنعته. ونقرأ في سورة نوح قوله تعالى: " ولا يَلِدوا إلا فاجِرا كفّارا" فكأن الكفر ديدنهم ومهنتهم اللازمة لهم لن يخرجوا عنه، ونقرأ في السورة نفسها قوله تعالى: "فقُلْتُ اسْتَغفِروا رَبّكُم إنّهُ كانَ غَفّارا" فالله تعالى غفار، وكلما أحدث العبد ذنبا أحدث الله له مغفرة
مما تقدم نتبين أن صيغة (فعال) في أصلها تفيد الصنعة والحرفة والمداومة والمزاولة
أما (هُمَزة) فهذه من المبالغة بالتاء. المبالغة بالتاء أكثر من نوع ويمكن أن نجعلها في نوعين، هما:
ـ ما أصله غير مبالغة ، ثم بولغ بالتاء، كالراوي، فنقول عند المبالغة (راوية)
ـ ما أصله صيغة مبالغة ثم نأتي بالتاء لتأكيد المبالغة وزيادتها ، مثل : (هُمزة) فأصلها (هُمَز) وهي من صيغ المبالغة مثل (حُطَم ـ لُكَع ـ غُدَر ـ فُسق) ، فنأتي بالتاء لزيادة المبالغة .
ويقول أهل اللغة :ما بولغ بالتاء يدل على النهاية في الوصف .. الغاية في الوصف
فليس كل (نازل) يسمى (نازلة)، ولا كل (قارع) يسمى (قارعة) حتى يكون مستطيرا عاما قاهرا كالجائحة، ومثلها القيامة والصاخة والطامة
فهذا التأنيث للمبالغة بل الغاية في المبالغة، وهذا ما تدل عليه كلمة (هُمَزة)
إذن نحن أمام صيغتين للمبالغة إحداها تدل على المزاولة، والأخرى على النهاية في الوصف ... ها هو الفرق بينهما
* والسؤال الآن بعد أن عرفنا الفرق بينهما: لماذا اختار وضع هذه هنا وهذه هناك ؟
من استقراء سورة القلم نلحظ أنها تتحدث عن التعامل مع الخلق بين الناس، فكل مشاهد السورة أو اغلبها تدور حول هذا الأمر : "وإنك لعلى خلق عظيم"، فهي تتناول السلوكيات ولا تذكر العاقبة إلا قليلا وهي التي وردت في قوله: "سَنَسمُه على الخرطوم" ولكنه لم يذكر شيئا آخر من عاقبة مرتكب هذا الفعل (حلاف مهين هماز مشاء بنميم)
أما في سورة الهمزة فقد ذكر النتيجة وتعرض للعاقبة، لذلك ناسب أن يذكر بلوغه النهاية في الاتصاف بهذه الصفة، وناسب أيضا أن يذكر في الجزاء صيغة مماثلة فقال تعالى: "كَلا لَيُنْبَذنّ في الحُطَمَة" والنبذ إذلال، والحُطَمة صيغة مبالغة بالتاء تدل على النهاية في الحطم، وهي تفيد أن الجزاء من جنس العمل فكما أنه يبالغ في الهمز فسيكون مصيره مماثلا في الشدة
ونلاحظ أيضا من السورة أن الخارج والمتعدي يحبس في النار وهكذا في قوانين الدنيا أيضا. أما في سورة القلم التي تركز على التعامل فقد ذكر لهم صفات مثل: مكذبون، حلاف، هماز، كان ذا مال وبنين. وهذه الصفات لا تستوجب الطاعة فلا تطعه بسبب كونه ذا مال وبنين، والبنون كناية عن القوة والمنعة ،فالعربي صاحب عزة في عشيرته ببنيه
ولكن المال والقوة هما سبب الخضوع والانقياد في الأفراد والشعوب مهما كانت حقيقة صاحب المال من أخلاق سوء وإثم واعتداء فإن لها القوة لما لها من مال وقوة وهذا مشاهد في واقعنا وهو سبب استعلاء الدول القوية صاحبة هذا المال وتلك القوة على الشعوب المستضعفة. فالملحوظ هنا أن سورة القلم لم تتطرق إلى نهايتهم بل اكتفت بالأمر بعدم طاعتهم، أما الهمزة فقد ذكرت نهايتهم بتفصيل، وهذه هي الآيات الكريمات
"وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ . الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ . يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ . كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ . نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ "

(1/333)


ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ . مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ . وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ . وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ . بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ . وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ . وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ . هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ . أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ . إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ . إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
السؤال الثاني
قال تعالى في سورة الأنعام في الآية 99: "وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"
وقال أيضا في الآية 141: "وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"
فلم عبر في الأولى بالاشتباه وفي الثانية بالتشابه؟
* الاشتباه هو شدة التشابه إلى حد يؤدي للالتباس ، أما التشابه فلا يصل إلى حد اللبس، فالاشتباه أدق وأقوى وأكثر دلالة على القدرة
والآية الأولى فيها بيان القدرة وتعداد الأعمال في موضع تدبر ودعوة للنظر (انظروا إلى ثمره) فكان من المناسب أن يأتي بما هو أدل على القدرة
أما الثانية فهي في سياق ذكر الأطعمة وتعدادها وليس التدبر والنظر، وفي نهايتها قال: (كلوا من ثمره) وليس مقام توجيه النظر إلى دلائل القدرة مباشرة وقد نفى التشابه في الحالين (غير متشابه) ولكنه لم ينف الاشتباه، لأن نفي التشابه ينفي الاشتباه، ونفي الاشتباه لا ينفي التشابه، فلو نفى الاشتباه لبقي التشابه، ولو نفي التشابه فمن باب أولى عدم الاشتباه ، لأن التشابه أقل درجة من الاشتباه فانتفاء القليل يقتضي انتفاء الشديد .
السؤال الثالث
لماذا جاء الفعل يهدي بالتشديد في قوله تعالى في سورة يونس في الآية 35: " قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"؟
الفعل يهِدّي أصله هو الفعل (يهتدي) وقد طرأ عليه الإبدال، إذ أبدلت التاء دالا ، ومثلها من الأفعال التي وقع فيها الإبدال (ازّين ، ادكر) فالإبدال واقع في هذه الكلمة وفق قواعد صرفية معلومة، ولكن لم جاء الفعل بالإبدال (يهِدّي) ولم يأت على صورته الأصلية؟ الفعل (يهدّي) فيه تضعيف الدال، والتضعيف في الغالب يفيد التكثير والمبالغة، ولو تأملنا في سياق هذه الآيات لوجدنا أن هذه المبالغة تناسب المقام هنا دون مكان آخر
فالحديث هنا عن الأصنام (هل من شركائكم) والأصنام ليست كالبشر، فنفى الاهتداء بصيغة تحمل معنى المبالغة لتؤكد عدم قدرة الشركاء (الأصنام) على الهداية
أما الآيات الأخرى في القرآن الكريم فقد جاء فيها الفعل (يهتدي) ولم يكن قد سبقه حديث عن مثل هؤلاء الشركاء، بل هذا هو الموقع الوحيد الذي جاءت فيه الهداية مع الأصنام فاستعملت هذه الصيغة إذ ليست الأصنام كالبشر فكيف تهدي أو تهتدي
وإن عدنا إلى الآيات التي قبلها لرأينا قوله تعالى "أمّن يملك السمع والأبصار" وإذا فقد السمع أو فقد البصر يكون الاهتداء قليلا فكيف إن فقدهما معا؟ فصارت هذه الآية وهذا الفعل مبالغة في تأكيد عدم الهداية
وهناك قراءة أخرى للآية بفعل (يهدي) وهي موافقة لرسم المصحف
وهذه أيات أخرى جاء فيها الفعل (يهتدي)
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (يونس:108)
(مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء:15)

(1/334)


أَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (النمل:92)
(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ) (النمل:41)
السؤال الرابع
قال تعالى في سورة النساء: "مَن يَشفَعْ شفاعَةً حَسَنةً يكن له نصيبٌ منها ومَن يَشفَعْ شفاعَة سيئة يكن له كِفْلٌ منها وكان الله على كلّ شيء مقيتا" لم قال عن الشفاعة الحسنة (يكن له نصيب منها) وعن الشفاعة السيئة (يكن له كفل منها)؟
من معاني (الكِفل) في اللغة : النصيب المساوي، المثل . والكفيل يضمن بقدر ما كفل ليس أكثر
أما (النصيب) فمطلق غير محدد بشيء معين
لذلك قال الله عز وجل عن السيئة (يكن له كفل منها) ؛ لأن السيئة تجازى بقدرها " من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها" غافر 40
أما الحَسَنة فتضاعف كما قال تعالى : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا " الأنعام 160. وقال عز وجل : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا " القصص 84
فقال عن حامل السيئة أن له الكفل أي المثل، أما صاحب الشفاعة الحسنة فله نصيب منها والنصيب لا تشترط فيه المماثلة وهذا من عظيم فضل الله عز وجل
وورد في الحديث الشريف أنه عليه الصلاة والسلام قال فيما يرويه عن ربه: إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن هَمّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة"
السؤال الخامس
قال تعالى في سورة التوبة 62: " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ"
فلمَ لمْ يقل أحق أن يرضوهما؟
إرضاء الله تعالى وإرضاء رسوله عليه الصلاة والسلام أمر واحد وليسا أمرين مختلفين، فمن أرضى الله تعالى فقد أرضى رسوله، ومن أرضى الرسول فقد أرضى الله عز وجل. قال تعالى: " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً" ـ النساء:80
لذلك وحد الضمير العائد عليهما للتأكيد على أن إرضاءهما واحد وسيلةً وغاية
السؤال السادس
ترد كلمة الملائكة في القرآن الكريم ومعها الفعل بالتذكير مرة وبالتأنيث مرة أخرى
فما أسباب هذا الاختلاف وهل هو جائز أصلا؟
أما من حيث الجواز فهو جائز طبعا
لأن الملائكة ليست جمعا مذكر سالما فيجوز تذكير الفعل ويجوز التأنيث
وهذا تلخيص سريع لمواضع تأنيث الفعل من حيث الوجوب والجواز
إذا كان الفاعل مؤنثاً أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي ، وبتاء المضارعة في أول المضارع ، نحو : قامت هند ، وتقوم هند .
وهذا قد يجب وقد يجوز
فيجب
ـ إذا كان الفاعل ضميراً مستتراً عائداً على مؤنث حقيقي التأنيث ، نحو : هند قامت أو هند تقوم
ـ أو مجازيِّ التأنيث ، نحو : الشمس طلعت أو الشمس تطلع .
ـ إذا كان الفاعل اسماً ظاهراً متصلاً بعامله مباشرة ، حقيقي التانيث ، كقوله ، تعالى ( إذ قالت امرأة عمران )
ويجوز تأنيث الفعل في ثلاثة مواضع:
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه ( نائب الفاعل ، اسم الفعل الناسخ ) اسما ظاهرا حقيقي التأنيث مفصول عن الفعل مثل سعى بين الصفا والمروة المؤمنة ويجوز سعت
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه جمع تكسير ذبلت الأوراق ويجوز ذبل الأوراق
ـ إذا كان الفاعل أو شبهه اسما ظاهرا مجازي التأنيث اندلعت الحرب ويجوز اندلع الحرب
ولكن السؤال: هل هناك خطة معينة سار عليها القرآن في ترتيب هذه الأفعال؟ ولماذا اختار الله عز وجل بعض المواضع ليكون الفعل معها مذكرا ومواضع أخرى جاء الفعل مؤنثا؟
بعد استقراء الآيات القرآنية التي تحدثت عن الملائكة تم التوصل إلى الملحوظات التالية، التي تبين خطا تعبيريا مميزا سار عليه القرآن في استعمال الفعل مع (الملائكة) ، ولها حِكم وأسرار تخص هذا الترتيب البديع في الاستعمال، قد يدرك العلماء بعضها ويغيب عنهم يعضها ولكنه لا ينقص من قدر هذا التميز بل يدفع للتفكير فيه ومحاولة النسج على منواله:
ـ كل فعل أمر يصدر للملائكة يكون بالتذكير: اسجدوا ، أنبئوني، فثبتوا
ـ كل فعل للعبادة يأتي بالتذكير: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون" ، " فقعوا له ساجدين"، "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"
وقد يكون ذلك لما تتطلبه العبادة من قوة ، ولأن المذكر في العبادة أكمل، وقد قال عز وجل: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم"، وقال عن مريم عليها السلام : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ـ التحريم:12

(1/335)


ـ كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يكون بالتذكير، أي الفعل الذي يتأخر عن الملائكة يكون بالتذكير: "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب" ، " وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُون" ، "وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ" ، "لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين"
ـ كل وصف اسمي للملائكة يكون بالتذكير:
* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ـ آل عمران:124
* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ ـ آل عمران125
* وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُون ـ النساء
* والْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ـ الأنعام
* إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ـ لأنفال:9
* وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ـ الزمر:75
* فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِين ـ الزخرف:53
ـ العقوبات تأتي بالتذكير، ولو كانت عقوبة جاءت في موضعين فالأشد منهما بالتذكير
* وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ـ لأنفال:50
* فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ـ محمد:27
من الآية نفسها نلاحظ الشدة في الثانية بذكر عذاب الحريق، وتتبع بقية آيات السورة يرينا أنه تم تشبيههم بآل فرعون، فالسياق جاء بالشدة فذكر الفعل، أما الآية الثانية فكان السياق أخف فجاء بالتأنيث
* وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ـ الفرقان:25
* إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ـ فصلت:30
الفعل واحد هو النزول، ولكن حالة الشدة جاء الفعل فيها مذكرا، أما جو الطمأنينة فقد استدعى التأنيث
وفي المقابل لم تأت بشرى من الملائكة بصيغة التذكير، بل كل البشارات بالتأنيث
ولعل ذلك لما في البشارة من رقة وما يتناسب معها من لطف وخفة وذلك من خصائص الإناث
* وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ــ البقرة:248
*إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ـ آل عمران
* وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ـ آل عمران:42
* فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً ـ آل عمران
* إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30)
السؤال السابع
قال تعالى في سورة العنكبوت الآية 63
"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ"
وجاءت آيات أخرى تقول: (الأرض بعد موتها) بدون الحرف (من) فما الحكمة من ذلك؟
الآية 63 من سورة العنكبوت هي الآية القرآنية الوحيدة التي جاء فيها هذا التعبير: (من بعد موتها)
أما الآيات الأخرى كلها فقد جاءت بدون (من) مثل قوله تعالى:
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"
ـ (البقرة:164)
" وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ" (النحل:65)
" يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" (الروم:19)

(1/336)


"وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الروم:24)
"فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الروم:50)
"وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ" (فاطر:9)
"وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الجاثية:5)
"اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (الحديد:17)
ولا بد لنا من معرفة الفرق بين التعبيرين لنصل إلى سبب اختلافه في الموقفين
(بعد موتها) تعبير احتمالي، يحتمل البعدية القريبة والبعدية البعيدة، فقد يكون إحياء الأرض بعد ساعة أو بعد شهر أو بعد سنة أو أكثر من بدء موتها
أما التعبير (من بعد موتها) فإن (من) فيه لابتداء الغاية، والمعنى أنه يحييها رأسا بعد الموت
فهو دال على البعدية القريبة قطعا، وهو أدل على القدرة لأنه لا يحتاج إلى زمن ليحييها، بل هو قادر على إحياء الميت لحظة موته ولا يحتاج إلى زمن لإعادته
ولنعد لننظر إلى سياق المواقف التي وردت فيها الآيات لنتلمس سبب تخصيص كل سياق بتعبير منهما، فنجد أن سورة العنكبوت كان سياقها في محاكمة المشركين من ناحية عقلية: "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ "
ثم جاء هذا السؤال عن إحياء الأرض ، وهم قد أقروا بقدرة الله البالغة في الأسئلة السابقة
وهذا السؤال يقول إنه يحيي الأرض بعد موتها مباشرة بلا مهلة، فهي قدرة بالغة (قل الحمد لله). هل هذا يدعوكم إلى الشرك ، لذلك قال : (بل أكثرهم لا يعقلون) فنفى عنهم العقل لأن هذا يُعقَل حتى دون علم، فالعقل المجرد يهديهم إلى أن الله واحد لا شريك له، فنعى عليهم عدم استعمال العقول، وقبل هذا جاء أيضا في السورة نفسها قوله تعالى: "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ "
السؤال الثامن : معدودة ومعدودات
قال تعالى: "وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:80)
وقال سبحانه: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (آل عمران:24)
فلماذا عبّر في الأولى عن مدة مس النار بالأيام المعدودة، وعبر في الثانية بالأيام المعدودات؟
ج: جمع غير العاقل إن كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم كأنهار جارية وأنهار جاريات، فالجارية أكثر من الجاريات، ومثلها شاهقة وشاهقات فالعدد في الأولى أكثر، وجمع السالم قلة
فهذه من المواضع التي يكون فيها المفرد أكثر من الجمع.
قال في آية أخرى عن يوسف عليه السلام: "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة" أي أكثر من 11 درهما، ولو قال معدودات لكان ت أقل.
وفي الآيتين المتقدمتين قال في الأولى (أياما معدودة) وفي الثانية (أياما معدودات) لأن الذنوب التي ذُكرت في الأولى أكثر فجاء بمعدودة التي تفيد الكثرة، والتي ذكرت في الثانية أقل فاستعمل (معدودات) مناسبة لمعنى كل منهما.
السؤال التاسع
لماذا قال تعالى في سورة القارعة: "وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ 5"
وقال في المعارج:"وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ9 "
فوصف الجبال في الأولى بالعهن المنفوش، وقصر الوصف على العهن في الآية الثانية؟
ج: الرد من كتاب الدكتور فاضل (لمسات بيانية) في منتصف هذه الصفحة
السؤال العاشر
قال الله تعالى في الوضوء: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ 6" ـ المائدة

(1/337)


فلماذا قال عن الأيدي (إلى المرافق) مع إنهما مرفقان ، وقال عن الرجلين (إلى الكعبين) ولم يقل الكعوب على الجمع مثل المرافق ولأن الكعبين هما العظمان الناتئان على طرفي القدم فهي أربعة كعوب؟
ج: كل يد لها مرفق واحد، وكل رجل لها كعبان
فلما خاطب الجميع قال: (إلى المرافق)
وفي الوضوء لا بد أن يستغرق الغسل الكعبين، فلو قال: إلى الكعوب، لم يدل على أن الكعبين كليهما داخلان في الغسل، وإنما كعوب الناس المخاطَبين بقوله: (يا أيها الذين آمنوا)، وعندها فلو غسلوا كعبا واحدا ـ والمخاطبون كثر ولهم كعوب ـ لكفاهم ما ادام المذكور هو (الكعوب)
لذلك قال (إلى الكعبين) حيث المعنى: كل واحد من المخاطبين عليه أن يغسل إلى الكعبين. فلا يصح أن يقول (إلىالكعوب) وإلا لأوقع في اللبس
مسائل في التقديم والتأخير
مبحث التقديم والتأخير كاملا من كتاب الدكتور، وفيه مسائل مهمة
* ما السر في تقديم ذكر (في سبيل الله) على نوع الجهاد (بالمال والنفس) وتأخيره حينا كقوله تعالى في سورة التوبة 20 : " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" حيث قدم (في سبيل الله) على نوعية الجهاد، وقال عز وجل في الأنفال72 " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" فقدم ذكر الجهاد بالأموال على قوله (في سبيل الله)؟
نلحظ في الآيات القرآنية خطا عاما يوضح لنا سبب هذا التقديم والتأخير في الآيات التي تتحدث عن الجهاد فإذا كان السياق في جمع الأموال وحبا لمال قدم ذكرَ التضحية به، وإذا كان السياق في القتال وليس في الأموال أو القعود عن الجهاد أخّر الأموال، فهذا من باب التناسب بين الكلام ومناسبة المقال للمقام فلو عدنا إلى الآيات السابقة في سورة الأنفال لوجدنا حديثا عن المال والفداء وأخذه من الأسرى والغنائم ، وهذه الآية نفسها وردت تعقيبا على قوله تعالى: " وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا" وعرض الدنيا هو الفداء الذي أخذه من الأسرى وهو المال ، فعاتبهم على أخذ المال ثم قال: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) والذي أخذوه هو المال الذي افتدى الأسرى به أنفسهم ، ثم قال: (كلوا مما غنمتم حلالا طيبا) فالسياق أصلا في المعاتبة على أخذ المال من الأسرى لذلك قدم المال لأنه كان مطلوبا لهم فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به، فكان التقديم للاهتمام به لأنهم يهتمون به أما لو عدنا إلى سورة التوبة لرأينا ه كله في الجهاد وليس المال "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ" ـ التوبة:14
" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" ـ التوبة:16
"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" ـ التوبة:19
فالسياق حدد التقديم وما يجب أن يتقدم ، فلما كان هناك في أخذ الأموال وكان المال مطلوبا لهم قدم المال على (في سبيل الله) وهنا العكس فأخر المال
* قال تعالى في سورة الأنعام الآية 32 : " وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ" فقدم اللعب على اللهو في وصف الدنيا، أما في مواضع أخرى مثل سورة العنكبوت 64 فقد قال: " وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" ، فما سبب ذلك؟
كل الآيات القرآنية التي تصف الدنيا باللعب واللهو تم تقديم اللعب على اللهو إلا في سورة العنكبوت

(1/338)


أما معرفة السر وراء ذلك فتتجلى لنا بالرجوع إلى السياق القرآني في السورة المقصودة فقبل هذه الآية في العنكبوت جاء قوله تعالى: " اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ" العنكبوت 63 و 64
والرزق من مدعاة الالتهاء بجمعه وليس مدعاة لعب لذلك أيضا قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" المنافقون 9.
فالرزق وطلب الرزق يشغل الإنسان ويلهيه لذلك نهى الله تعالى عن الالتهاء به، والذي بسط عليه الرزق منشغل في جمعه، ومن قُدِر عليه الرزق هو أيضا ملته بطلبه والبحث عنه والفكر به، لذلك قدم اللهو على اللعب في هذه الآية، أما الآيات الأخرى فلم يرد فيها مثل هذا الأمر
* تتقدم صفة الغفور على صفة الرحيم في آيات القرآن الكريم إلا في سورة سبأ حيث قال عز وجل في الآية الثانية : " يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ" فما سر ذلك؟
هذه الآية هي الآية الوحيدة التي قدم فيها صفة الرحيم على صفة الغفور في القرآن كله، فحيث اجتمعا فيما سواها قال (الغفور الرحيم) إلا في هذا الموطن ولنبدأ بمعرفة معاني كل منهما
(فالغفور) صفة متعلقة بالمكلّفين من الثقلين أما (الرحيم) فهي صفة عامة تطلق على المكلف وغير المكلف كالرضع والحيوانات، فالرحمة أوسع وأعم من المغفرة، لأن المغفرة خاصة بالمكلفين المذنبين وكان ما تقدم هذين الاسمين عاما في هذا الموضع : "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ "
في كل القرآن الكريم حيث اجتمع هذان الاسمان الكريمان تقدم ذكر للإنسان بأي صورة من الصور، أما هنا فلم يتقدم ذكر الإنسان، بل تأخر، فالسورة تبدأ : "الحََمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ "
ثم قال في الآية الثالثة : "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ"
فتأخر ذكر أصناف البشر ولذلك تأخرت المغفرة
* ما سبب تقديم الجار والمجرور في سورة (يس): " وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ 20"
وتأخيره في سورة القصص: " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ 20" ؟
المعنى مختلف قطعا من جيث الدلالة اللغوية، فإن قلنا : (جاء من القرية رجل) فالمجيء من القرية قطعا، وإن قلنا: (جاء رجل من القرية) فهذا تعبير احتمالي، قد يكون جاء من القرية، وقد يكون الرجل قرويا ولكن مجيئه لم يكن من القرية تحديدا، فإنا إن قلنا: (رجل رجل من مصر) فليس المعنى بالضرورة أنه جاء من مصر البلد الآن، وإنما يحتمل أن يكون المعنى أنه رجل أصله من مصر، ولا يشترط أن يكون قادما منها، ولكن إن قلت: (جاءني من مصر رجل) فهذا ييعني أنه قدم من مصر قطعا
قوله تعالى: "وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى" احتمال أنه جاء من أقصى المدينة، واحتمال أنه هو من سكان أقصى المدينة
أما قوله في يس: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى"
فهو قد جاء من أقصى المدينة بالفعل، وقد كان مجيئه لإشهار إيمانه وإبلاغ الدعوة
الرسل قالوا: "وما علينا إلا البَلاغُ المبين" والبلاغ المبين يعني الواضح الظاهر الذي يعم الجميع، فإن خفي عن بعض فليس مبينا، فمجيئه من أقصى المدينة يعني أن البلاغ وصل إلى أبعد نقطة فيها. فجاء هذا الرجل وهو يحمل هذا الإيمان لإعلان إيمانه.
أما صاحب موسى في القصص فقد كان مجيئه لإسرار أمر في أذن موسى، فالمجيئان مختلفان، ولا شك أن المجيء للدعوة وتبليغها وإعلان الإيمان أهم في ميزان الله وأثقل وأولى أن يُبدأ بأقصى المدينة

(1/339)


إضافة: يمكن أن نضيف من المعاني إلى ذلك أن هذا الرجل قد جاء منمكان بعيد متجشما عناء الطريق ليؤمن ويدعو إلى الله، أما هؤلاء القريبين من الرسل الذين تصلهم الدعوة بلا عناء فهم ل يبالون بها ولا يحسنون قبولها.
المصدر:موقع لمسات بيانية على الرابط التالي :
http://www.lamasaat.8m.com/
=============
لمسات بيانية من سورتي المعارج والقارعة
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
قال تعالى في سورة المعارج :(وتكون الجبال كالعهن 9)
وقال في سورة القارعة :(وتكون الجبال كالعهن المنفوش 5)
فزاد كلمة (المنفوش) في سورة القارعة على ما في المعارج، فما سبب ذاك؟
والجواب :
1- أنه لما ذكر القارعة في أول السورة، والقارعة من (القَرْعِ) ، وهو الضرب بالعصا، ناسب ذلك ذكر النفش، لأن من طرائق نفش الصوف أن يُقرعَ بالمقرعة.
كما ناسب ذلك من ناحية أخرى وهي أن الجبال تهشم بالمقراع (وهو من القَرْع) وهو فأس عظيم تُحَطَّم به الحجارة ، فناسب ذلك ذكر النفش أيضاً.
فلفظ القارعة أنسب شيء لهذا التعبير.
كما ناسب ذكر القارعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله :(يَوْمَ يكونُ النّاسُ كالفَراشِ المبثوثِ) أيضاً؛ لأنك إذا قرعت طار الفراش وانتشر. ولم يحسن ذكر (الفراش) وحده كما لم يحسن ذكر (العهن) وحده.
2- إن ما تقدم من ذكر اليوم الآخر في سورة القارعة ، أهول وأشد مما ذكر في سورة المعارج فقد قال في سورة المعارج :(تَعْرُجُ الملائكَةُ والرّوحُ إلَيْهِ في يَومٍ كانَ مِقدارُهُ خمَسينَ ألفَ سَنَةٍ . فاصبِرْ صَبراً جمَيلاً . إنهُمْ يَرونَهُ بَعيداً. وَنَراهُ قَريباً) وليس متفقاً على تفسير أن المراد بهذا اليوم، هو اليوم الآخر.
وإذا كان المقصود به اليوم الآخر فإنه لم يذكر إلا طول ذلك اليوم، وأنه تعرج الملائكة والروح فيه.
في حين قال في سورة القارعة :(القارعة. مَا القارِعَةُ . وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ) فكرر ذكرها وعَظَّمها وهوَّلها. فناسب هذا التعظيم والتهويل أن يذكر أن الجبال تكون فيه كالعهن المنفوش.
وكونها كالعهن المنفوش أعظم وأهول من أن تكون كالعهن من غير نفش كما هو ظاهر.
3- ذكر في سورة المعارج أن العذاب (واقع) وأنه ليس له دافع (سَألَ سائلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ . للكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِع) ووقوع الثقل على الصوف من غير دفع له لا ينفشه بخلاف ما في القارعة ، فإنه ذكر القرع وكرره، والقرع ينفشه وخاصة إذا تكرر ، فناسب ذلك ذكر النفش فيها أيضاً.
4- التوسع والتفصيل في ذكر القارعة حسَّن ذكرَ الزيادة والتفصيل فيها ، بخلاف الإجمال في سورة المعارج ، فإنه لم يزد على أن يقول : "في يَومٍ كانَ مِقدارُهُ خمَسينَ ألفَ سَنَةٍ ".
5- إن الفواصل في السورتين تقتضي أن يكون كل تعبير في مكانه ، ففي سورة القارعة قال تعالى:"يَوْمَ يَكونُ النّاسُ كالفَراشِ المبثوث. وَتَكونُ الجِبالُ كالعِهنِ المنفوشِ". فناسبت كلمة (المنفوش) كلمةَ (المبثوث).
وفي سورة المعارج ، قال :(يَوْمَ تكونُ السّماءُ كالمهُلِ . وَتَكونُ الجِبالُ كالعِهنِ) فناسب (العهن) (المهل).
6- ناسب ذكر العهن المنفوش أيضاً قوله في آخر السورة :(نار حامية) لأن النار الحامية هي التي تُذيبُ الجبالَ ، وتجعلها كالعهن المنفوش ، وذلك من شدة الحرارة ، في حين ذكر صفة النار في المعارج بقوله: "كلا إنها لظى. نَزّاعة للشّوَى" . والشوى هو جلد الإنسان.
والحرارة التي تستدعي نزع جلد الإنسان أقل من التي تذيب الجبال ، وتجعلها كالعهن المنفوش ، فناسب زيادة (المنفوش) في القارعة من كل ناحية. والله أعلم.
7- كما أن ذكر النار الحامية مناسب للقارعة من ناحية أخرى ، ذلك أن (القَرَّاعة) - وهي من لفظ القارعة - هي القداحة التي تُقدح بها النار.
فناسب ذكر القارعة ذكر الصوف المنفوش ، وذكر النار الحامية ، فناسب آخر السورة أولها.
وبهذا نرى أن ذكر القارعة حسَّنَ ذكر (المبثوث) مع الفراش ، وذكر (المنفوش) مع الصوف ، وذكر النار الحامية في آخر السورة.
والله أعلم.
المصدر كتاب (لمسات بيانية في نصوص من التنزيل) للدكتور فاضل السامرائي
http://www.lamasaat.8m.com/
==============
إعجاز القرآن اللفظي
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
إن إعجاز القرآن أمر متعدد النواحي متشعب الاتجاهات، ومن المتعذر أن ينهض لبيان الإعجاز القرآني شخص واحد ولا حتى جماعة في زمن ما مهما كانت سعة علمهم وإطلاعهم وتعدد اختصاصاتهم، إنما هم يستطيعون بيان شيء من أسرار القرآن في نواح متعددة حتى زمانهم هم، ويبقى القرآن مفتوحاً للنظر لمن يأتي بعدنا في المستقبل ولما يجدّ من جديد. وسيجد فيه أجيال المستقبل من ملامح الإعجاز وإشاراته ما لم يخطر لنا على بال.
وأضرب مثلاً لتعدد نواحي الإعجاز، فإني سمعت وقرأت لأشخاص مختصين بالتشريع والقانون يبيّنون إعجاز القرآن التشريعي، ويبينون اختيارات الألفاظ التشريعية في القرآن ودقتها في الدلالة على دقة التشريع ورفعته ما لا يصح استبدال غيرها بها، وإن اختيار هذه الألفاظ في بابها أدق وأعلى مما نبيّن نحن من اختيارات لغوية وفنية وجمالية.

(1/340)


وقرأت وسمعت لأشخاص متخصصين بعلم التشريح والطب في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني من الناحية الطبية التشريحية ودقتها يفوق ما نذكره في علم البلاغة. فألفاظه مختارة في منتهى الدقة العلمية. من ذلك على سبيل المثال أن ما ذكره القرآن من مراحل تطور الجنين في الرحم هي التي انتهى إليها العلم مما لم يكن معروفاً قبل هذا العصر مما دعا علماء أجانب إلى أن يعلنوا إسلامهم. وليس ذلك فقط، بل إن اختيار تعبير (العلقة) و (المضغة) - مثلاً - أعجب اختيار علمي.
فاختيار التعبير بـ (العلقة) اختيار له دلالته، فإن المخلوق في هذه المرحلة أشبه شيء بالعلقة وهي الطفيلية المعروفة. وكذلك التعبير بـ (المضغة)، فالمضغة كما قرأنا في كتب التفسير، هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ. ولكن لاختيار كلمة (مضغة) سبب آخر، ذلك أن المضغة هي قطعة اللحم الممضوغة أي التي مضغتها الأسنان، وقد أثبت العلم الحديث أن الجنين في هذه المرحلة ليس قطعة لحم عادية بل هو كقطعة اللحم التي مضغتها الأسنان، فاختيار لفظ (المضغة) اختيار علمي دقيق. إنه لم يقل "قطعة لحم صغيرة" ولو قال ذلك لكان صواباً ولكن قال: (مضغة) لما ذكرتُ وربما لغيره أيضاً والله أعلم.
وقرأت فيما توصل إليه علم التاريخ وما دلت عليه الحفريات الحديثة من أخبار ذي القرنين أدق الكلام وأدق الأخبار ما لم يكن يعرفه جميع مفسري القرآن فيما مضى من الزمان. وأن الذي اكتشفه المؤرخون والآثاريون وما توصلوا إليه في هذا القرن منطبق على ما جاء في القرآن الكريم كلمة كلمة ولم يكن ذلك معلوماً قبل هذا القرن البتة.
وقرأت في اختيار التعبير القرآني لبعض الكلمات التاريخية كـ (العزيز) في قصة يوسف، وكاختيار تعبير (الملك) في القصة نفسها، واختيار كلمة (فرعون) في قصة موسى، فعرفت أن هذه ترجمات دقيقة لما كان يُستعمل في تلك الأزمان السحيقة فـ (العزيز) أدق ترجمة لمن يقوم بذلك المنصب في حينه، وأن المصريين القدامى كانوا يفرقون بين الملوك الذين يحكمونهم فيما إذا كانوا مصريين أو غير مصريين، فالملك غير المصري الأصل كانوا يسمونه (الملك)، والمصري الأصل يسمونه (فرعون)، وأن الذي كان يحكم مصر في زمن يوسف غير مصري، وهو من الهكسوس فسماه (الملك)، وأن الذي كان يحكمها في زمن موسى هو مصري فسماه (فرعون)، فسمى كل واحد بما كان يُسمى في الأزمنة السحيقة.
وعرفت من الإشارات الإعجازية في مختلف العلوم كما في أسرار البحار والضغط الجوي وتوسع الكون وبداية الخلق ما دعا كثيراً من الشخصيات العلمية إلى إعلان إسلامهم.
بل إن هناك أموراً لم تُعرف إلا بعد صعود الإنسان في الفضاء واختراقه الغلاف الجوي للأرض، وقد أشار إليه القرآن إشارات في غاية العجب ذلك أن الإنسان إذا اخترق الغلاف الجوي للأرض، وجد نفسه في ظلام دامس وليل مستديم ولم تُر الشمس إلا كبقية النجوم التي نراها في الليل. فالنهار الذي نعرفه نحن، لا يتعدى حدود الغلاف الجوي فإن تجاوزناه كنا في ظلام لا يعقبه نهار. وقد أشار إلى ذلك القرآن إشارة عجيبة في قوله: "وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)" يس فجعل النهار كالجلد الذي يُسلخ وأما الليل: فهو الأصل، وهو الكل، فشبّه الليل بالذبيحة، والنهار جلدها، فإن سُلخ الجلد ظهر الليل فجعل النهار غلافاً والليل هو الأصل.
وقال: "وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)" الحجر أي لو مكنّاهم من الصعود إلى السماء لانتهوا إلى ظلام وقالوا (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) وغير ذلك وغيره.
وعلى هذا فالإعجاز القرآني متعدد النواحي متشعب الاتجاهات ولا يزال الناس يكتشفون من مظاهر إعجازه الشيء الكثير فلا غرو أن أقول إذن: إن الإعجاز أكبر مما ينهض له واحد أو جماعة في زمن ما.
إن التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازاً لغوياً جمالياً، وترى فيه في الوقت نفسه إعجازاً علمياً، أوإعجازاً تاريخياً، أو إعجازاً نفسياً، أو إعجازاً تربوياً، أو إعجازاً تشريعياً، أو غير ذلك.
فيأتي اللغوي ليبيّن مظاهر إعجازه اللغوي وأنه لا يمكن استبدال كلمة بأخرى، ولا تقديم ما أُخّر ولا تأخير ما قُدّم، أو توكيد ما نُزع منه التوكيد أو عدم توكيد ما أُكّد. ويأتيك العالم في الطب ليقول من وجهة نظر الطب ألطف وأدق مما يقوله اللغوي. ويأتيك العالم في التشريع ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون ويأتيك المؤرخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم ليقول مثل ذلك من وجهة نظر علمه.

(1/341)


إننا ندل على شيء من مواطن الفن والجمال في هذا التعبير الفني الرفيع، ونضع أيدينا على شيء من سُمو هذا التعبير، ونبيّن إن هذا التعبير لا يقدر على مجاراته بشر، بل ولا البشر كلهم أجمعون، ومع ذلك لا نقول إن هذه هي مواطن الإعجاز ولا بعض مواطن الإعجاز وإنما هي ملامح ودلائل تأخذ باليد، وإضاءات توضع في الطريق، تدل السالك على أن هذا القرآن كلام فني مقصود وُضع وضعاً دقيقاً ونُسج نسجاً محكماً فريدا، لا يشابهه كلام، ولا يرقى إليه حديث "فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ 34" الطور.
أما شأن الإعجاز فهيهات، أنه أعظم من كل ما نقول، وأبلغ من كل ما نصف وأعجب من كل ما نقف عليه من دواعي العجب.
إن هذا القادم من الملأ الأعلى، والذي نزل به سيد من كبار سادات الملأ الأعلى فيه من الأسرار ودواعي الإعجاز ما تنتهي الدنيا ولا ينتهي.
قد ترى أن في قولي مبالغة وادعاء أو انطلاقاً من عاطفة دين أو التهاب وجدان وليس بوسعي أن أمنعك من هذا التصور، ولا أن أرد عنك ما ترى.
ولكن لو فتح القلب المقفل وأُقد السراج المعطل وأشرقت بالنور حنايا لم تكن تعرف النور، ولا مست فؤادك نفحةٌ من روح الملك القدوس، وهبّت على أودية نفسك نسمة من عالم الروح، وسمعت صوتاً يملأ نفسك قادماً من بعيد، من الملأ الأعلى يقول: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ (16)" الحديد. "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)" القمر. فقفّ شعر بدنك، واقشعرّ جلدك، ومار فؤادك، وتحركت السواكن، واضطرب بين جنبيك ما اضطرب، والتهب فيه ما التهب، وانهمرت الدموع تسيل في شعاب القلوب التي قتلها الظمأ، وأقفرها الجفاف تغسل الأوضار وتروي حبات القلب وتندّي اليبس وتُحيي الموات، فعند ذاك تذوق ما لم تعهد له مذاقاً ولا طعماً، وتحسّ ما لم يكن لك فيه سابق معرفة، ولا إحساس، وتصيح بكل جوارحك قائلاً: والله لقد آن والله لقد آن! وعند ذاك تعرف ما أقول وتفهم ما أشير إليه ولكن أنّى لي أن أوُصلك إلى هذا؟!
وكيف أوصلك وأنا المنقطع، وأعطيك وأنا المحروم؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إنما هي دلائلُ أضعها في الطريق وإشارات وصُوى، وشيء من خافت النور في مصباح ناضب الزيت، غير نافع الفتيل، عسى الله أن ينفع بها سالكاً، ويجنّب العثار سارياً في الليل البهيم؛ فتنالنا منه دعوة صالحة تنعنا في عرصات القيامة.
وفي الختام لا أجد خيراً من أن أوصيك ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا ذر، وليكن ذلك منك على ذكر وإياك أن تنساه:
يا أبا ذر أحكم السفينة فإن البحر عميق وخفف الحمل فإن العقبة كؤود وأكثر الزاد فإن السفر طويل وأخلص العمل فإن الناقد بصير
المصدر:كتاب لمسات بيانية بقلم الدكتور فاضل السامرائي
http://www.lamasaat.8m.com
==============
لسمات بيانية من سورة التين
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
قال الله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {1} وَطُورِ سِينِينَ {2} وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ {3}لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ {4} ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ{5} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ {6}فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {7} أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ {8}
ابتدأت السورة بالقسم بالتين والزيتون. والتين والزيتون قد يكون قصد بهما الشجران المعروفان، وقد ذكر المفسرون لاختيار هذين الشجرين للقسم بهما أسباباً عدة، فقد ذكروا أنه أقسم بنوعين من الشجر، نوع ثمره ليس فيه عجم ونوع فيه عجم، وأنه ورد في الأثر أن التين من شجر الجنة فقد روي أنه أُهدي لرسول الله
rطبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه:" كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم". وقد ذكر أن آدم خصف من ورقه ليستر عورته حين انكشفت في الجنة.
وأما الزيتون فإنه شجرة مباركة كما جاء في التنزيل العزيز.
وقد ذكروا أموراً أخرى لا داعي لسردها ههنا.
ولا ندري هل لبدء السورة بالقسم بالشجر الذي يذكر أن له أصلاً في الجنة أعني التين له علاقة بعدد آيات هذه السورة أو لا؟ فإن عدد آيات هذه السورة ثمانية وهن بعدد أبواب الجنة. وقد يكون هذا القول خرصاً محضاً وأنا أميل إلى ذلك، ولكنا قد وجدنا شيئاً من أنواع هذه العلاقات في القرآن. فقد تكرر كما سبق أن ذكرنا قوله تعالى: "فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ" الرحمن، عند الكلام في وصف الجنة ثماني مرات بعدد أبواب الجنة، وحصل هذا مرتين في السورة، وتكرر في الوعيد سبع مرات بعدد أبواب جهنم 1 ابتداء من قوله: "سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ" (31) الرحمن.

(1/342)


وقالوا إن سورة القدر ثلاثون كلمة بعدد أيام شهر رمضان وإن قوله (هي) في قوله تعالى: "سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)" هي الكلمة السابعة والعشرون وهي إشارة إلى أن هذه الليلة هي الليلة السابعة والعشرون من رمضان.
وعلى أي حال فإن كثيراً من هذه العلاقات ربما كانت موافقات والله أعلم.
وقيل: إن المقصود بالتين والزيتون جبلان من الأرض المقدسة يقال لهما بالسريانية طور تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون. 2
والعلاقة بين التين والزيتون وما بعدهما ليست ظاهرة على هذا إلا بتكلف.
وقيل: " هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار.
فالأول:محلة التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى بن مريم
والثاني:طور سنين وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران، والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذي مَن دخله كان آمناً، وهو الذي أرسل فيه محمداً صلى الله عليه وسلم 3
وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): " فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله، أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة. فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس... وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم. كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى، فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه.
ثم أقسم بالبد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم. وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل، فبدأ بموضع مظهر المسيح، ثم ثنّى بموضع مظهر الكليم، ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه. ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى: (جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران).
فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران، وبدأ به على حكم الترتيب الواقع، ثم ثنّّى بنبوة المسيح، ثم ختمه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم 4
وهذا هو الراجح فيما أرى لأن المناسبة بين هذه المحالّ المُقسَم بها ظاهرة على هذا.
ثم لننظر إلى ترتيب هذه الأشياء المقسم بها:
فقد بدأ بالتين والزيتون. والزيتون أشرف وأفضل من التين فقد شهد الله له أنه شجرة مباركة قال تعالى "اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)" النور، وهي فاكهة من وجه، وإدامٌ من وجه وزيتها يُستعمَل في إنارة المصابيح والسُّرُج.
ثم أقسم بطور سنين وهو أفضل مما ذكر قبله، فإنه الجبل الذي كلم الرب عليه موسى وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف وضع طور سنين بجوار الزيتون لا بجوار التين، وقد ورد ذكر الزيتون بجوار الطور في موطن آخر من التنزيل العزيز 5
قال تعالى: "وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (20)" المؤمنون، وهذه الشجرة هي شجرة الزيتون بإجماع المفسرين. قال الواحدي: "والمفسرون كلهم يقولون إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون" 6
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة المكرمة:مكان مولد رسول الله
rومبعثه ومكان البيت الذي هو هدى للعالمين 7 . وهو أفضل البقاع عند الله وأحبها إليه كما جاء في الحديث الشريف، فتدرّج من الفاضل إلى الأفضل ومن الشريف إلى الأشرف.
فأنت ترى أنه تدرج من التين إلى الزيتون إلى طور سنين إلى بلد الله الأمين، فختم بموطن الرسالة الخاتمة أشرف الرسالات.
وقد وصف الله هذا البلد بصفة (الأمين) وهي صفة اختيرت هنا اختياراً مقصوداً لا يسدُّ مسدّها وصف آخر.
فالأمين وصف يحتمل أن يكون من الأمانة، كما يحتمل أن يكون من الأمن. وكلا المعنيين مُراد.
فمن حيث الأمانة وُصف بالأمين لأنه مكان أداء الأمانة وهي الرسالة. والأمانة ينبغي أن تؤدى في مكان أمين. فالرسالة أمانة نزل بها الروح الأمين وهو جبريل، وأداها إلى الصادق الأمين وهو محمد، في البلد الأمين وهو مكة. فانظر كيف اختير الوصف ههنا أحسن اختيار وأنسبه.فالأمانة حملها رسول موصوف بالأمانة فأداها إلى شخص موصوف بالأمانة في بلد موصوف بالأمانة. جاء في (روح المعاني): "وأمانته أن يحفظ من دَخَله كما يحفظ الأمين ما يُؤتمن عليه" 8

(1/343)


وأما من حيث الأمن فهو البلد الآمن قبل الإسلام وبعده، دعا له سيدنا ابراهيم uبالأمن قبل أن يكون بلداً، وبعد أن صار بلداً فقال أولاً: "رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا (126)" البقرة، وقال فيما بعد: "رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا (35)" إبراهيم، فهو مدعو له بالأمن من أبي الأنبياء. وقد استجاب الله سبحانه هذه الدعوة قال تعالى: "وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا (97)" آل عمران، وقال: "وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا (125)" البقرة
فـ (الأمين) على هذا (فعيل) للمبالغة بمعنى الآمن، ويحتمل أن تكون (الأمين) فعيلاً بمعنى مفعول،مثل جريح يمعنى مجروح وأسير بمعنى مأسور، أي: المأمون، وذلك لأنه مأمون الغوائل 9
جاء في روح المعاني: "الأمين فعيل بمعنى فاعل أي الآمن، من أمُن الرجل بضمّ الميم أمانة فهو أمين.. وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه.. وأما بمعنى مفعول أي: المأمون من (أمنه) أي: لم يَخَفْه، ونسبته إلى البلد مجازية. والمأمون حقيقة الناسُ أي: لا تخاف غوائلهم فيه، أو الكلام على الحذف والإيصال أي: المأمون فيه من الغوائل " 10
وجاء في البحر المحيط: "وأمين للمبالغة أي: آمنٌ مَنْ فيه ومن دخله وما فيه من طير وحيوان، أو من أمُن الرجل بضمّ الميم أمانة، فهو أمين كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل ". 11
وقد تقول: ولم اختار لفظ (الأمين) على (الآمن) الذي تردد في مواطن أخرى من القرآن الكريم؟ قال تعالى: "أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)" القصص، وقال: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (67)" العنكبوت
والجواب :أنه باختياره لفظ (الأمين) جمع معنيي الأمن والأمانة، وجمع معنى اسم الفاعل واسم المفعول، وجمع الحقيقة والمجاز، فهو أمين وآمن ومأمون، وهذه المعاني كلها مُرادة مطلوبة.
ثم انظر إلى جواب القسم وهو قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) .
كيف تناسب مع المُقسَم به تناسباً لطيفاً ولاءمه ملاءمة بديعة. فإنه أقسم بالرسالات على بداية الإنسان ونهايته 12 فقال: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " وهذه بدايته، ثم قال: "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ " وهذه نهايته.
"ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم مَنْ أجاب ومنهم من أبى، ذكر حال الفريقين. فذكر حال الأكثرين وهو المردودون إلى أسفل سافلين 13 ( والآخرين وهم المؤمنون الذين لهم أجر غير ممنون.
ولما كانت الرسالات إنما هي منهج للإنسان وشريعة له، كان الجواب يتعلق بالإنسان طبيعة ومنهجاً، فذكر طبيعة الإنسان في قوله: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)" وذكر المنهج في قوله:"إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)".
وفي هذه إشارة إلى أن المنهج لا بد أن يكون متلائماً مع الطبيعة البشرية غير مناقض لها وإلا فشل.
فكان الجواب كما ترى أوفى جواب وأكمله وأنسب شيء لما قبله وما بعده.
ثم انظر من ناحية أخرى إلى قوله تعالى: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)" فإنه أسند الخلق إلى نفسه ولم يبنه للمجهول، وذلك أنه موطن بيان عظيم قدرته وحسن فعله وبديع صنعه فأسند ذلك إلى نفسه، وهذا في القرآن خط واضح، فإنه في مثل هذا المقام وفي مقام النعمة والتفضّل يسند الأمر إلى نفسه، قال تعالى: "وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)" الأعراف.
وقال: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) " يس
فانظر كيف أسند الخلق في مقام النعمة والتفضّل إلى ذاته في حين قال: "وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)" النساء ببناء الفعل للمجهول لما كان القصد بيان نقص الإنسان وضعفه. وقال: "خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ (37)" الأنبياء، وقال: "إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)" المعارج.
فانظر إلى الفرق بين المقامين، وقد مرّ شيء من هذا في موطن سابق.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه أسند الخلق إلى نفسه لأن المقام مقام بيان منهج للإنسان، فأراد أن يبين أن واضع المنهج للإنسان هو خالق الإنسان ولا أحد غيره أعلم بما يصلح له وما هو أنسب له، ولو بنى الفعل للمجهول لم يفهم ذلك صراحة.

(1/344)


فأنت ترى أن إسناد الخلق إلى ذات الله العلية أنسب شيء في هذا المقام. وقد تقول: ولم أسند الرد إلى أسفل سافلين إلى نفسه فقال: "(ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)" وهذا ليس مقام تفضّل ولا بيان نعمة؟
فنقول: إن هذا الإسناد أنسب شيء ههنا ولا يليق غيره، وذلك أنه أراد أن يذكر أن بيده البداية والنهاية، وأنه القادر أولاً وأخيراً لا معقّب لحكمه يفعل ما يشاء في البداية والختام، وهذا لا يكون إلا بإسناد الأمر إلى ذاته العليّة.
ألا ترى أنه لو قال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رًدّ أسفل سافلين) لكان يُفهم ذاك أن هناك رادّاً غيره يفسد خلقته ويهدم ما بناه؟
ومعنى قوله: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)" أنه صيّره على أحسن ما يكون في الصورة والمعنى والإدراك وفي كل ما هو أحسن 14 من الأمور المادية والمعنوية.
وقال بعدها "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)" فجاء بـ (ثم)التي تفيد الترتيب والتراخي، لأن كونه أسفل سافلين لا يعاقب خلقه بل يتراخى عنه في الزمن، فهي من حيث الوقت تفيد التراخي، كما أنها من حيث الرتبة تفيد التراخي، فرتبة كونه في أحسن تقويم تتراخى وتبعد عن رتبة كونه في أسفل سافلين، فثمة بَوْن بعيد بين الرتبتين فأفادت (ثم) ههنا التراخي الزماني والتراخي في الرتبة.
واختلف في معنى (أَسْفَلَ سَافِلِينَ)فذهب قسم من المفسرين إلى أن المقصود به أرذل العمر، والمُراد بذلك: الهرم وضعف القُوى الظاهرة والباطنة وذهول العقل حتى يصير لا يعلم شيئاً15 .
ومعنى الاستثناء على هذا أن الصالحين من الهرمى لهم ثواب دائم غير منقطع 16 يُكتب لهم في وقت شيخوختهم كما كان يُكتب لهم في وقت صِحّتهم وقوتهم وفي الحديث "إن المؤمن إذا رُدّ لأرذل العمر كُتِب له ما كان يعمل في قوّته" وذلك أجر غير ممنون 17 أي غير منقطع.
وذهب آخرون إلى أن المقصود به أسفل الأماكن السافلة وهو جهنم أو الدرك الأسفل من النار.
ومعنى الاستثناء على هذا ظاهر، فالصالحون مستثنون من الرد إلى ذلك.
وركز بعضهم على الخصائص الروحية. جاء في ظلال القرآن: "والتركيز في هذا المقام على خصائصه الروحية. فهي التي تنتكس إلى أسفل سافلين حين ينحرف عن الفطرة ويحيد عن الإيمان المستقيم معها. فهو مهيّأ لأن يبلغ من الرِّفعة مدى يفوق مقام الملائكة المقربين.. بينما هذا الإنسان مهيأ حين ينتكس لأن يهوي إلى الدرك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قط: "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)" حيث تُصبح البهائم أرفع وأقوم لاستقامتها على فطرتها...
"(إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (6)" فهؤلاء هم الذين يبقون على سواء الفطرة ويكملونها بالإيمان والعمل الصالح. ويرتقون بها إلى الكمال المقدّر لها" 18
وظاهر أن معنى الآية يتسع لكل ما ذكروه، وهي تفيد أيضاً أن حياة غير المؤمن نكد وغمّ، وعيشة ضنك وشقاء قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)" طه وقال: "حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)" الحج.
فحياة هؤلاء هابطة سافلة بل هم في أسفل سافلين. ثم لننظر إلى الاستثناء وهو قوله تعالى: "إلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (6)" فإنه استثنى من الرد أسفل سافلين مَنْ آمن وعمل صالحاً ولم يزد على ذلك، فلم يقل مثل ما قال في سورة العصر: "وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)" وذلك لاختلاف الموطنين، فإن سورة العصر في بيان الخسران الذي يصيب الإنسان، وسورة التين فيما يُنجي من دركات النار، قال تعالى: "وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)" العصر فبيّن لنا أن الإيمان والعمل الصالح يمنعه من الرد أسفل سافلين. ولكن لا يمنعه من الخسران الذي يفوته فيما لو تواصى بالحق وبالصبر فإن كلّ من ترك شيئاً من ذلك خسر شيئاً من الأجر الذي كان يربحه فيما لو فعله، فانظر الفرق بين الموطنين وبين الاستثنائين.
جاء في (التبيان) : "وتأمل حكمة القرآن لما قال: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)) فإنه ضيّق الاستثناء وخصصه فقال: "إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)) ولمّا قال (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)" وسّع الاستثناء وعممه فقال: "إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(6)" ولم يقل (وتواصوا) فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح، وهو قدر زائد على مجرد فعله. فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خُسر، ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين.

(1/345)


فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة. وقد تكون فرضاً على الأعيان، وقد تكون فرضاً على الكفاية وقد تكون مستحبّة.
والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب، والحق الذي يُستحب، والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يُستحب. فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به. وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم. فمطلق الخسار شيء، والخسار المطلق شيء ". 19
ثم قال: "فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"قيل: ومعنى غير ممنون غير منقوص ولا منقطع، وقيل معناه غير مكدر بالمنّ عليهم 20. والحق أن كل ذلك مراد وهو من صفات الثواب، لأنه يجب أن يكون غير منقطع ولا منغصاً بالمنة 21.
فقال: (غير ممنون) ليجمع هذه المعاني كلها، ولم يقل غير مقطوع ولا نحو ذلك فيفيد معنى دون آخر.
ثم انظر كيف زاد الفاء في قوله (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ولم يفعل مثل ذلك في آية شبيهة بها وهي قوله: "إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)" الانشقاق بدون فاء. وذلك لأن السياقين مختلفان، فسياق سورة الانشقاق أكثره في ذكر الكافرين، وقد أطال في ذكرهم ووصف عذابهم فقال: "وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15)" الانشقاق. ثم قال مقرّعاً للكافرين مؤنّباً لهم: "فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)"
في حين لم يزد في الكلام على المؤمنين عن قوله: "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)" الانشقاق.
فانظر كيف أطال في وصف الكافرين وأعمالهم وعقابهم، وأوجز في الكلام على المؤمنين، ولذا حذف الفاء من جزاء المؤمنين في سورة الانشقاق مناسبة للإيجاز. في حين لم يذكر الكافرين في سورة التين ولم يزد على أن قال: "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)" يعني الإنسان، وهو غير صريح في أن المقصود به الكافرون أو غيرهم كما أسلفنا.
ثم انظر إلى كل من السورتين كيف تناولت الكلام على الإنسان. فقد بدأت سورة الانشقاق بذكر كدح الإنسان ومشقته ونصبه: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) " وتوعّده ربه بركوب الأهوال والشدائد المتتابعة التي يفوق بعضها بعضاً في الشدة فقال: "فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19)".
في حين بدأ في سورة التين بتكريم الإنسان فقال: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)" فناسب ذلك تأكيد استمرار أجره وعدم تنغيصه، وذلك بزيادة الفاء في التين دون الانشقاق.
ثم قال بعدها: "فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7)" والمعنى: أي شيء يجعلك أيها الإنسان مكذّباً بالجزاء بعد هذا الدليل الواضح؟ والمعنى أن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشراُ سوياً وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي مع تحويله من حال إلى حال، أوضح دليل على قدرة الخالق على الحشر والنشر 22 فإن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك ويُنشئك خلقاً جديداً، وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه خلقك الأول 23 .
فانظر جلالة ارتباط هذا الكلام بما قبله.
ثم انظر كيف استدل على الجزاء بالأدلة النقلية والعقلية. فالدليل النقلي هو ما أخبرت به الرسالات السماوية، وقد ذكر من هذه الرسالات كبراها وهي رسالات موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
والدليل العقلي هو الاستدلال بخلق الإنسان في أحسن تقويم وتدريجه في مراتب الزيادة والنقص.
ثم انظر كيف اختار كلمة (الدين)ولم يختر كلمة الجزاء أو الحساب أو النشور ونحوها، وذلك لما تقدم ذكر مواطن الرسالات ناسب ذلك ذكر الدين، لأن هذه أديان، ولأنه قد يُراد بذلك معنى (الدين) علاوة على معنى الجزاء. والمعنى أي شيء يجعلك مكذّباً بصحة الدين بعد هذه الأدلة المتقدمة؟ فالذي خلقك في أحسن تقويم يرسم لك أحسن منهج تسعد به في الدنيا وفي الآخرة. فجمعت كلمة (الدين) معنى الدين ومعنى الجزاء في آن واحد، ولو قال فما الذي يكذبك بالجزاء لم يجمع هذين المعنيين.

(1/346)


فأنت ترى أنه اختار كلمة (الدين) لتقع في موقعها المناسب لها تماماً. ثم قال بعدها: "أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)" وأحكم الحاكمين يحتمل أن يكون معناه: أعظم ذوي الحكمة وأحسنهم تدبيراً، ويحتمل أن يكون معناه أقضى القاضين، لأن (حكم) يحتمل أن يكون من الحكمة، ويحتمل أن يكون من القضاء وهو الفصل في المحاكم.
وعلى الوجه الأول يكون المعنى: أليس الذي فعل ذلك بأحكم الحاكمين صنيعاً وتدبيراً وأن حكمته بالغة لا حدود لها. وإذا تبيّن أن الله سبحانه أحكم الحاكمين ـ وهو بيّن ـ تعيّنت الإعادة والجزاء لأن حكمته تأبى أن يترك الإنسان سدى ولا يحاسب على أعماله، فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يُجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟ وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته 24
وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أليس الله بأقضى القاضين 25 فيحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، كما قال تعالى: "قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ "(46) الزمر
فانظر قوة ارتباط هذه الآية بما قبلها على كلا الوجهين، فإن حكمته تقتضي الإعادة والجزاء. والجزاء والفصل بين الخلائق يقتضي وجود قاضٍ، بل يقتضي وجود أقضى القاضين.
فجمع بهذه العبارة معنيين: القضاء والحكمة بل لقد جمع معاني عدة بهذا التعبير، إذ كل لفظ من (أحكم الحاكمين) يحتمل أن يكون بمعنى القضاء والحكمة فيكون قد جمع أربعة معان كلها مرادة وهي (أحكم الحاكمين) بمعنى أكثرهم حكمة و(أقضى الحكماء) و(أقضى القضاة) و(أحكم القضاة).
فانظر كيف جمع أربعة معان تُؤدى بأربع عبارات في عبارة واحدة موجزة ولو قال (أقضى القاضين) لدلت على معنى واحد.
ثم انظر كيف جعل ذلك بأسلوب الاستفهام التقريري ولم يجعله بالأسلوب الخبري فهو لم يقل (إن الله أحكم الحاكمين) ولا نحو ذلك، وإنما قرر المخاطب ليقوله بنفسه وليشترك في إصدار الحكم فيقول: بلى (وأنا على ذلكم من الشاهدين)
ثم انظر إلى ارتباط خاتمة السورة بفاتحتها، فإن فاتحة السورة في ذكر مواطن الرسالات العظمى وارتباطها بخاتمتها واضح بيّن، فإن الذي أنزل هذه الشرائع العظيمة وما تضمنته من أحكام سامية هو أحكم الحاكمين.
ثم انظر إلى التنسيق الجميل في اختيار خواتم الآي، فإن خاتمة كل آية اختيرت لتجمع عدة معان في آن واحد. فاختيرت (الأمين) لتجمع معنيي الأمن والأمانة، و(أسفل سافلين) لتجمع معنى أرذل العمر ودركات جهنم السفلى. و(غير ممنون) لتجمع معنى غير منقطع ولا منغّص بالمِنّة عليهم، وكلمة (الدين) لتجمع الجزاء والدين، و(أحكم الحاكمين) لنجمع الحكمة والقضاء.
فانظر إلى هذا الدقة في الاختيار وهذا الحسن في التنسيق. أليس الذي قال ذلك بأحكم الحاكمين؟ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.
** التعبير القرآني : من صفحة 337 إلى صفحة 348.
المراجع:
1 ـ انظر ملاك التأويل 2 / 888 2 ـ التفسير الكبير 32/9، روح المعاني 30/174 3 ـ تفسير ابن كثير 4 / 526 4 ـ التبيان 35-55 5 ـ في ظلال القرآن 30/190 6 ـ فتح القدير 3/463، روح المعاني 18/22-23 7 ـ روح المعاني 30/173 8 ـ نفس المصدر والصفحة 9 ـ روح المعاني 30/173، البحر المحيط 8/490، الكشاف 3/348 10 ـ روح المعاني 30/173 11 ـ البحر المحيط 8/490، الكشاف 3/348 12 ـ التبيان في أقسام القرآن 55 13 ـ التبيان في أقسام القرآن 56 14 ـ روح المعاني 30/175، البحر المحيط 8/490 15 ـ روح المعاني 30/176، البحر المحيط 8/490 16 ـ الكشاف 3/348 17 ـ البحر المحيط 8/490 18 ـ في ظلال القرآن 30/194 19 ـ التبيان 91 20 ـ البحر المحيط 8/490، روح المعاني 30/176 21 ـ التفسير الكبير 32/11 22 ـ الكشاف 3/349، التفسير الكبير 32/12 23 ـ التبيان 6124 ـ انظر التبيان 33 وما بعدها، التفسير الكبير 32/12 25 ـ روح المعاني 30/177، مجمع البيان 10/512
==============
لمسات بيانية ـ سورة الناس
ندوة الدكتور فاضل السامرائي
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ {1} مَلِكِ النَّاسِ {2} إِلَهِ النَّاسِ {3} مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ {4} الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ {5} مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ {6}
* المعوذتان هما سورتان في القرآن الكريم، جمعتا الاستعاذة من الشرور كلها الظاهرة والخفية، الواقعة على الإنسان من الخارج والتي تصدر منه من الداخل.
* فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من الشرور الظاهرة والخفية الواقعة على الإنسان من الخارج ولا يمكن له دفعها، ولا سبيل لذلك إلا بالصبر، وهذه الأمور إذا وقع فيها الإنسان وصبر سجل ذلك في صحيفة حسناته لأن الله تعالى يجزي الصابرين.
والشر في سورة الفلق مما لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه لأنه ليس من كسبه فهو غير محاسب عليه
* أما سورة الناس فهي سورة الاستعاذة من شرور الإنسان الداخلية (النابعة من نفسه) وهي التي قد تقع على صاحبها (القارئ ) ، وقد تقع على غيره، وهي التي يستطيع الإنسان أن يدفعها ويتجنب ظلم النفس والآخرين

(1/347)


وهذه الشرور إذا وقع فيها الإنسان سجلت في صحيفة سيئاته.
والشر المقصود في هذه السورة هو مما يدخل تحت التكليف ويحاسب عليه المرء لأنه يدخل ضمن ما نُهي عنه.
** فالسورتان جمعتا الاستعاذة من الشرور كلها الظاهرة والخفية.. ما يدخل تحت التكليف (ما جاء في الناس)، وما لا يدخل في التكليف (ما جاء في الفلق) .. ما لا يستطيع دفعه (الفلق) وما يستطيع دفعه (الناس .. ما يدخل سجل الحسنات (الفلق) وما يدخل سجل السيئات (الناس) .وقال عدد من المفسرين والمحققين: سورة الفلق استعاذة بالله من شرور المصائب، وسورة الناس استعاذة بالله من شرور المعايب.
جاء في التفسير القيم لابن القيم
فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذة بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما"
قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس
ـ أعوذ بالله لغة :هي بمعنى ألتجئ وأعتصم بالله.
ـ قل: أمر الله تعالى الرسول أن يقول
الأمر بالقول له أهمية كبيرة هنا ولو حذف الفعل لاختل المعنى المقصود (قل) للإفصاح عن ضعفه والتجائه إلى ربه، فهي من باب الإعلان عن حاجة الإنسان إلى ربه جلّ وعلا، وهو يفصح عن حاجته هذه بنفسه وينطقها بلسانه وفيها قتل للغرور، لأن الكِبر والغرور يمنعان المرء أحيانا من طلب الإعانة وهو في حاجة شديدة إليها، فتطلب منه لآية أن يعلن التجاءه إلى ربه، فلا يكتفي بالشعور بالحاجة بل يعلنها، سواء الرسول أو غيره من البشر
قالوا أتشكو إليه ما ليس يخفى عليه ** فقلت ربي يرضى ذل العزيز لديه
ففي هذا الإعلان قتل بل علاج للكِبر الذي في نفس الإنسان والذي قد يودي به إلى الطغيان
(إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى) لذلك لا بد من قولها باللسان ولا يجوز النطق بالاستعاذة دون الأمر (قل)ثم إن هذا القول من أسباب الطاعة فإن المرء إن استعان بأحد فلا يمكن أن يعصيه وإذا صاحب الاستعاذة شعور في النفس بالحاجة إلى غياث المستغيثين ليأوي إلى ركن شديد فهذا الشعور بالحاجة إلى مولاه يُلين القلوب القاسية.
قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس
ـ الاستعاذة في السورة هي بـ: رب الناس، بملك الناس، وبإله الناس من شر الوسواس الخناس.
فالمستعاذ منه هو شر واحد والاستعاذة منه جاءت بالربّ والملك والإله من وسوسة الشيطان المُهلكة.
أما في سورة الفلق فقد كانت الاستعاذة بشيء واحد من شرور متعددة.
وفي هذا إشارة عظيمة إلى خطورة الوسوسة على الإنسان وعلى غيره لأنه إن استجاب لهذها لوساوس فقد يردي نفسه في الدنيا والآخرة أما الأمر الذي ليس من كسبه (ما جاء في سورة الفلق) فقد استعاذ منه بأمر واحد وهذه لفتة بيانية عظيمة من هاتين السورتين الكريمتين إلى خطورة البشر وخطورة الوسوسة.
ـ وجاء الترتيب في سورة الناس هكذا: الرب، الملك، الإله.
فالإنسان إذا وقع في حاجة يستعين أولاً بخبرته وعلمه أو بمن لديه هذه الخبرة والتجربة ليرشده وهذا شأن المربي فهو المرشد والمعلم والموجه، ولذا بدأت الآيات به (رب الناس).
فإن لم ينجح فيما يريد لجأ إلى السلطة وصاحبها وهو الملك (ملك الناس) فإن لم تُجد السلطة نفعاً التجأ إلى الله تعالى (إله الناس) " وأفوض أمري إلى الله.
والترتيب في الآيات في السورة هو على سياق هذا الترتيب الطبيعي، وكحاجة الإنسان للتعامل في الحياة. وهو واضح في مراحل حياة الإنسان ومعاشهم، فالأجنة هي البداية ثم يخرج الناس للحياة ليواجهوا المربي الذي يقدم لهم ما يحتاجونه من تربية ورعاية، فإذا كبروا احتاجوا إلى المجتمع وما ينظم علاقتهم به، ثم يأتي سن التكليف حيث يحاسبه الإله
والمجتمعات عموما بين الربوبية والملك، فكل مجتمع يحتاج صغاره إلى المربي ثم إلى السلطة، أما الألوهية فتتأخر وقد تخفى على بعض الناس وتحيطها الشكوك والأوهام .. والإلحاد .. وتحتاج إلى تذكير
ـ وقد تدرّجت الآيات من الكثرة إلى القلّة فالربّ هو المرشد الموجّه وقد يكون في المجتمع الواحد العديد من المرشدين والمربّين لكن لكل دولة أو مجتمع ملك واحد والدنيا فيها ملوك كثر ولكن إلهها وإلههم واحد فانتقل من الكثرة للقلة من حيث دلالة الكلمة بالعدد (الرب كثير، الملك أقلّ وأما الإله فهو واحد).
ـ وردت كلمة الناس 3 مرات في السورة وكل منها تعني مجموعة من الناس مختلفة عن غيرها نوضحها فيما يلي:
كلمة الناس تطلق على مجموعة قليلة من الناس أو واحد من الناس أو كل الناس.
والربّ هو مُرشد مجموعة من الناس قد تكون قليلة أو كثيرة
أما الملك فناسه أكثر من ناس المربي
وأما الإله فهو إله كل الناس وناسه الأكثر حتماً.
ولو قالت الآيات : أعوذ برب الناس وملكهم وإلههم لعاد المعنى كله إلى المجموعة الأولى من الناس.. ناس الرب.. دون أن يشمل غيرهم
لذلك لا يغني الضمير هنا، بل لا بد من تكرار المضاف إليه مذكورا صريحا، لأن لكل معنى مختلف فالتدرج في الصفات بدأ من الكثرة إلى القلة، أما في المضاف إليه (الناس) فبالعكس من القلة إلى الكثرة، فناس المربي أقل، وناس الملك أكثر، وناس الإله هم الأكثر.

(1/348)


ـ ولا يجوز أن يأتي بحرف العطف فيقول برب الناس وملك الناس وإله الناس
فجاءت (قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس) حتى لا يُظنّ أنهم ذوات مختلفة ، بل هي ذات واحدة، فهو سبحانه المربي وهو الملك وهو الإله الواحد. وحتى لا يُظن أن المقصود أكثر من واحد، بل هو واحد سبحانه، فمن أراد الرب يقصد رب الناس ومن أراد الملِك يقصد ملك الناس ومن أراد الإله فلا إله إلا الله .
من شر الوسواس الخنّاس . الذي يوسوس في صدور الناس . من الجنّة والناس
من شر الوسواس الخنّاس:
ـ جاءت الآية باستخدام (من شر الوسواس ) وليس (من الوسواس) كما في الاستعاذة من الشيطان : "فاستعذ بالله من الشيطانِ الرجيم"، لأنه هنا لم يحدد الشيطان، بل قال : من الجِنّة والناس، فجعل الوسواس قسمين: من الجِنّة أو من الناس فالجِنّة فيهم صالحون وفيهم قاسطون " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون" كما قال تعالى على لسان الجن في سورة الجن، لذا لا يصحّ الاستعاذة من الجِنّة عموماً وكذلك الناس نحن نستعيذ من الظالمين والأشرار من الناس وليس من الناس كلهم جميعاً ولذا جاءت الآية بتحديد الاستعاذة من الشر(من شر الوسواس الخنّاس)، وأما الشيطان فشرّ كله لذلك جاءت الآية بالاستعاذة منها، أما البشر فلا، ورد في الأثر: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم)
ـالوسواس: كلمة وسواس على صيغة (فعلال)، وهي صيغة تفيد التكرار لأنه لا ينفك عن الوسوسة ويسمى في اللغة (تكرار المقطع لتكرار الحَدَث) حيث تكرر فيها المقطع (وس) كما في كلمة كبكب (تكرار كب) وحصحص (تكرار حص) للدلالة على تكرار الحدث.
وصيغة (فعلال) تفيد المبالغة أيضاً
إذن كلمة وسواس تفيد المبالغة والتكرار.
ـ وقد جاء التعبير في الآية بكلمة الوسواس وليس الموسوس، لأن الموسوس لا تفيد المبالغة، ولأنها تقال للشخص الذي تعتريه الوسوسة دون أن تفيد المبالغة
ـ وجاءت الاستعاذة بـ(شر الوسواس) وليس شر الوسوسة فقط للدلالة على أن الاستعاذة إنما تكون من كل شرور الوسواس سواء كانت وسوسة أو لم تكن.
ـ الخنّاس: صفة من (الخنوس) وهو الاختفاء، وهي أيضا صيغة مبالغة، وتدل على أن الخنوس صار نوعا من حرفة يداوم عليها
عندما يكون للمرء عدو فإنه يحرص على أن يعرف مقدار عدائه ومدى قوته والأساليب التي تمكنه من التغلب عليه أو النجاة منه، وقد أخبرنا الله تعالى عن عدونا أن قصارى ما نستطيع فعله هو أن نخنس وسوسته، لأن الشيطان باق إلى يوم الدين ولا يمكننا قتله أو التخلص منه بطريقة أخرى غير الاستعاذة بالله منه فيخنس الشيطان ، أو أن نغفل وننسى فنقع في الوسوسة.
وفي الحديث عن ابن عباس " يولد الإنسان والشيطان جاثم على قلبه، فإذا عقل وذكر اسم الله خنس، وإذا غفل وسوس " إسناده ضعيف.
ـ الذي يوسوس في صدور الناس
ذُكر في الآية مكان الوسوسة وهو الصدور، ولم يقل القلوب لأن الصدور أوسع، وهي كالمداخل للقلب،فمنها تدخل الواردات إلى القلب، والشيطان يملأ الصدر بالوسوسة ومنه تدخل إلى القلب دون أن تترك خلفها ممرا نظيفا يمكن أن تدخله نفحات الإيمان، بل يملأ الساحة بالوساوس قدر استطاعته مغلقا الطريق إلى القلب.
ـ من الجِنّة والناس:
اـ لوسواس قسمان، فقد يكون من الجِنّة وقد يكون من الناس والناس هم المعتدى عليهم ، ولذا جاء في الآية (رب الناس) ولم يقل رب الجِنّة والناس لأن الناس لما وقع عليهم الأذى استعاذوا أو أمروا أن يستعيذوا بربهم ليخلصهم من شر ما أصابهم .
ـ وقدم الجنة على الناس لأنهم هم الأصل في الوسوسة، والناس تَبَع، وهم المعتدون على الناس، ووسوسة الإنسي قد تكون من وسوسة الجني والجِنّة هم الأصل في الوسوسة، ولا تقع الوسوسة في صدورهم بل في صدور الإنس.
ـ وقد وردت في القرآن آية أخرى بتقديم شياطين الإنس على الجنّ وذلك لأن السياق كان عن كفَرة الإنس الذين يشاركون الجن الوسوسة لذا تقدّم ذكرهم على الجنّ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام آية 112.
المصدر: موقع الدكتور فاضل السامرائي
http://www.lamasaat.8m.com
==============
الحمد لله .. أسرار وإعجاز
الدكتور فاضل السامرائي
القرآن الكريم . . كتاب الله . . ومعجزته الخالدة . . تحدى به الثقلين من الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله ، فعجزوا وما استطاعوا وما استحقوا على عجزهم لوما ولا عتابا
فأنى لهم أن يأتوا بكلام كالقرآن . . كلام حف بالهيبة، وامتاز بالسمو، وتكامل فيه الشكل والمضمون وتآلفا فكل منهما يخدم الآخر ويقويه . . فكان ذلك إعجازا ما بعده إعجاز
وواضح لنا جميعا أن التحدي بالإتيان بمثل القرآن لم يكن المقصود به الإعجاز العلمي أو نحوه ، وإنما قصد به إعجاز اللغة والبيان والبلاغة ، والعرب الأوائل هم أهل ذلك ، لكنهم أمام القرآن وقفوا عاجزين يقلبون أكفهم من الحيرة

(1/349)


وكلمة حق لا بد أن تسجل في حقهم . . لم يدعوا القدرة على ذلك أبدا . . بل كانوا يقولون: ما هذا بكلام بشر
وعندما تجرأ مسيلمة الكذاب على التأليف
لم يتمسكوا بما قال بل لم يعيروه أدنى اهتمام ، لأنهم يعلمون أنه ليس بشيء ولم يكونوا في هذا الأمر من المكابرين
من ذلك الإعجاز القرآني الدقة في اختيار المفردات ، فكل كلمة تأتي في مكانها المناسب لها ، فلو غير موضعها بتقديم أو تأخير أوجمع أو تثنية أو إفراد لتأثر المعنى ولم يؤد ما أريد منه ، وكذلك لو جيء مكانه بكلمة خرى ترادفه لم تقم بالمطلوب أبدا
سنرى اليوم جملة مؤلفة من كلمتين إنها ( الحمد لله ) في سورة االفاتحة ، هل كان من الممكن استعمال كلمات أخرى أو التغيير في وضعها ؟
في الظاهر . . نعم . . هناك كلمات و أساليب تحمل المعنى نفسه ، ولكن هل تفي بالمراد ؟
كان بالإمكان قول ( المدح لله أو الشكر لله ) مثلا
ولكن ماذا عن المعنى العام ؟
1ـ (المدح لله)
ـ المدح هو الثناء وذكر المحاسن من الصفات والأعمال
أما الحمد فهو الثناء وذكر المحاسن مع التعظيم والمحبة . أيهما أقوى إذن ؟
ـ المدح قد يكون للحي ولغير الحي ، و للعاقل وغير العاقل ، فقد يتوجه للجماد أو الحيوان كالذهب والديك
أما الحمد فيخلص للحي العاقل
ـ المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده ، فقد يمدح من لم يفعل شيئا ، ولم يتصف بحسن
أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان ، فيحمد من قدم جميل الأعمال أو اتصف بجميل الصفات
يظهر لنا مما تقدم أننا عندما نقول ( الحمد لله ) فإننا نحمد الله الحي القائم الذي اتصف بصفات تستحق الحمد ،ونعترف له بالتفضل والتكرم
فقدأسبغ علينامن إحسانه ظاهرا وباطنا ما لا يعد ولا يحصى مع إظهار تعظيمنا وإجلالنا له وتأكيد توجه محبتنا إليه
2ـ (الشكر لله)
ـ يكون الشكر على ما وصل للشخص من النعم ، أما الحمد فعلى ما وصل إليه وإلى غيره
ـ الشكر يختص بالنعم ولا يوجه للصفات ، فنحن لا نشكر فلانا لأنه يتصف بصفة العلم أو الرحمة أو غيرها من الصفات الذاتية له ،
أما الحمد فيكون ثناء على النعم وعلى الصفات الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بنا
فالشكر إذن أضيق نطاقا ، إذ يختص بالنعم الواصلة إلى الشخص الذي يشكر فحسب
مما تقدم يتضح لنا أن المدح أعم ممن الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر
وفي الأول تعميم لا يناسب المقام ، وفي الأخير تخصيص غير مناسب أيضا
وهل يمكن مثلا استعمال واحدة من هذه العبارات؟
3 ـ أحمد الله أو نحمد الله أو احمدوا الله ***
فيقال في الرد : إن هذه العبارات إن استعملت لتأثر المعنى المقصود،وقلت القوة المراد له الظهور بها ، وفيما يلي تفصيل ذلك عن الجمل المذكورة قبل قليل
ــ هي جمل فعلية، الأولى يتحدث بها الشخص الواحد، والثانية تقولها جماعة من اثنين فأكثر، والثالثة أمر بإتيان فعل الحمد
والجملة الفعلية تدل على الحدوث وتجدد الفعل
أما (الحمد لله ) فجملة اسمية والجمل الاسمية تدل على الدوام والثبوت
لذا فمن القواعد المعروفة في اللغة أن الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية لأن الأولى تدل على الثبوت ، وأيضا لأمور أخرى سنتعرف عليها فيما يلي
ــ الجملة الفعلية تختص بفاعل معين ،فالفاعل في الجمل المذكورة أعلاه هو المتكلم المفرد في الأولى ،ولكن ماذا عن غيره من الناس ؟
وفي الجملة الثانية جماعة المتكلمين والسؤال لازال قائما ماذا عن غيرهم ؟
وفي الثالثة الجماعة التي تؤمر بالحمد وأيضا تظل قاصرة
أما الجملة الاسمية فتفيد الحمد على الإطلاق من المتكلم وغيره دون تحديد فاعل معين ، ولعلنا نستشهد على ذلك بقوله عز من قائل سبحانه ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم )
فبالإطلاق الوارد في الجملة الاسمية يحدث الشمول الذي لا يشمل البشر فقط بل يتجاوزهم إلى كل ما في الكون
ــ والجملة الفعلية ترتبط بزمن معين مما يعني أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمن الذي يتم فيه الحمد
وزمن الإنسان زمن محدد معين ، يرتبط أو يساوي عمره على أقصى تقدير ، فلا يتجاوزه إلى ما بعده ولا يبدأ قبله، فيكون الحمد أقل مما ينبغي بكثير
أما في الجملة الاسمية فالحمد مطلق،مستمد غير منقطع،مناسب بلا نقصان
ــ كما أن الجملة الفعلية لا تفيد أن المفعول مستحق للفعل، فقد نشكر من لا يستحق الشكر،وقد نهجو من لا يستحق الهجو
أما الجملة الاسمية فتفيد استحقاقه للحمد تأكيدا
والجملة الفعلية لا تعني أنه مستحق للحمد لذاته
بينما تفيد الجملة الاسمية أن الحمد والثناء حق لله تعالى ،وملك له سبحانه،فهو ثابت له،وهو يستحقه لذاته ولصفاته ولما أنعم من آلائه
ــ وإن كان الفعل للأمر( احمد أو احمدوا ) فإن هذا أيضا لا يؤدي المعنى المطلوب،لما هو واضح من أن المأمور قد يفعل ما أمر به دون اقتناع،وإنما خوفا من الآمر أو رغبة في شيء ولأن المأمور به لا يكون مستحقا للفعل دوما

(1/350)


ــ والحمد صفة القلب ،وهي اعتقاد كون المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال،فإذا تلفظ الإنسان بالجملة الفعلية ذات الفاعل والزمن المحددين،وكان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق كان كاذبا،أما إن تلفظ بالجملة الاسمية فإنه يكون صادقا وإن كان قلبه غافلا لاهيا،لأنها تفيد أن الحمد حق لله ،وهذا حاصل سواء أعقل أم غفل
4 ـ الحمدَ لله
ـ قراءة الحمد بالنصب جائزة على تقدير فعل محذوف، فتكون جملة فعلية
ـ والجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، بينما تدل الجملة الاسمية على الثبوت، وهو أقوى
ـ والجملة الفعلية تختص بفاعل معين وزمن معين، وفي هذا ما فيه من نقص الدلالة على المعنى المراد كما تقدم في رقم 3
ـ يستوي الأمر إذا قدرنا فعلا مضارعا أو فعلَ أمر، لأن الأمر بالشيء لا يعني أن المأمور به مستحق للفعل، وقد يفعل المأمور ما أمر به دون اقتناع إما لعدم استحقاق من المأمور للفعل، أو لأنه يراه كذلك، فقراءة الرفع (الحمدُ لله) تفيد ثبوت الشيء على جهة الاستحقاق ثباتا دائما، فهي أولى من قراءة النصب في حالي الإخبار (أحمدُ الله ونحمد الله) والأمر ( احمد الله واحمدوا الله)
5 ـ حمدا لله
ـ وهي جملة فعلية نقدر لها فعلا محذوفا، والجملة الاسمية (الحمدُ لله) أقوى من الجملة الفعلية لما تقدم في رقم 3
ـ (الحمد لله) معرّفة بأل، و (أل) تفيد العهد وتفيد استغراق الجنس، فإن أفادت العهد كان المعنى: الحمد المعروف بينكم هو لله، وإن أفادت الاستغراق كان المعنى: إن الحمد كله لله على سبيل الإحاطة والشمول. ويظهر أن المعنيين مرادان
ـ أما (حمدا لله) فنكرة لا تفيد شيئا من المعاني المتقدمة
6 ـ إن الحمد لله
ـ (إن) تفيد التوكيد، وليس المقام مقام شك أو إنكار يقتضي توكيدا
ـ (إن الحمد لله ) جملة خبرية تحمل إلينا خبرا واضحا محددا (ثبوت الحمد لله تعالى) ولا تحتمل إنشاء
ـ أما ( الحمد لله ) فتفيد الإخبار بثبوت الحمد لله ، فهي خبرية من هذه الجهة، ولكنها تفيد إنشاء التعظيم ، فهي ذات معان أكثر
7 ـ لله الحمد
ـ (لله الحمد) فيها تقديم الجار والمجرور ، وفي التقديم اختصاص أو إزالة شك، والمقام لا يطلب لذلك ، فليس هناك من ادعى أن ذاتا أخرى قد تشترك معه في الحمد، فنزيل الاحتمال والظن عنده، وليس هناك من ادعى أن الحمد لغير الله لنخصه به؟
ـ والحمد في الدنيا ليس مختصا لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضا، وفي الحديث (من لم يحمد الناس لم يحمد الله)، فيجوز توجيه الحمد لغير الله في ظاهر الأمر، فلا حاجة للاختصاص بالتقديم
8 ـ اختصاص الاسم العلم (الله) بالذكر، دون سائر أسمائه االحسنى وصفاته
فكان يمكن أن يقال (الحمد للحي، الحمد للرحيم، الحمد للبارئ، ..)
ولكن لو حدث ذلك لأفهم أن الحمد إنما استحقه لهذا الوصف دون غيره، فجاء بالاسم العلم ليدل على أنه استحق الحمد لذاته هو لا لصفة من صفاته
ـ ثم إن ذكر لفظ الجلالة (الله) يناسب سياق الآيات، فسيأتي بعدها بقليل "إياك نعبد وإياك نستعين" ولفظ الجلالة (الله) مناسب للعبودية، لأنه مأخوذ من لفظ الإله أي المعبود، وقد اقترنت العبادة باسمه أكثر من خمسين مرة في القرآن كقوله تعالى: " أمرت أن أعبد الله " الرعد
ـ هذا والمجيء بوصف غير لفظ الجلالة ليس فيه تصريح بأن المقصود هو الله عز وجل
فمن منا مهما بلغ من فصاحة وبلاغة وبيان.. من منا يستطيع أن يأتي بكلام فيه هذا الإحكام وهذا الاستواء مع حسن النظم ودقة الانتقاء، فكل كلمة في موقعها جوهرة ثمينة منتقاة بعناية لتؤدي معاني غزيرة بكلمات يسيرة، كل واحدة واسطة عقد لا يجوز استبدالها ولا نقلها ولا تقديمها ولا تأخيرها وإلا لاختل المعنى أو ضعف أو فقد بعض معانيه؟
إنه الإعجاز الإلهي الذي يتجلى في الكون كله، ويحف بالقرآن كله، مجموعه وجزئياته، كلماته وحروفه، معانيه وأسراره، ليكون النور الذي أراد الله أن يهدي ويسعد به كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
والحمد لله رب العالمين
مقدمة وإعداد وتنسيق: أنوار الأمل
http://www.lamasaat.8m.com /
===============
آيات ولمسات
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
ينزِفون ويُنزَفون : من سورتي الواقعة والصافات
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم + وسابقوا: من سورتي آل عمران والحديد
وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة: من سورتي يونس وسبأ
الحمد لله .. أسرار وإعجاز ـ سورة الفاتحة
سورة الناس
ينزِفون و يُنزَفون
ـ الفرق في المعنى بين اللفظين: يُنزِفون، يُنزَفون
* ينزِفون من (أنزَفَ) ، وهذا الفعل له معنيان:
الأول ـ أنزَف يُنزِف بمعنى سَكَر. والثاني بمعنى نفد شرابه وانقطع. يقال: أنزف القوم أي نفد شرابهم، وهو فعل لازم غير متعد
ومعنى الآية أن شرابهم لا ينفد، وهم لا يسكرون عنه
* ينزَفون (المبني للمجهول) من نُزَف ينزَف معناه سَكَر وذهب عقله من السكر، وهو فعل متعد. ومعنى الآية أن شربهم خمر الجنة لا يذهب بعقولهم
ـ لماذا اختار القرآن وضع هذا اللفظ هنا وذاك هناك؟ وهل يجوز التبادل بينهما خاصة وأن الفارق لا يتعدى حركة واحدة؟

(1/351)


* سورة الواقعة كانت في وصف نعيم السابقين، وهذه هي الآيات بتمامها
" وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ . لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا "
* الثانية في وصف عباد الله المخلصين عند استثنائهم من العذاب الأليم
وهذه آيات سورة الصافات
" إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ . أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ . فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ . يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ . بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ . لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ . "
تقدم آيات السورتين وصفا رائعا لخمر الجنة ونساء الجنة وتبين ما بهما من صفات ليست في خمر الدنيا ولا نسائها ، لتنفر من الدنيا وترغب في الآخرة
ولكن تتناول الآيتان صنفين من أصناف المؤمنين وتبين ما أعد لهم في الآخرة
الصنف الأول الذين تحدثت عنهم آيات الواقعة هم السابقون ، وهؤلاء هم ذوو أعلى الدرجات لا يفوقهم غيرهم
والصنف الثاني الذين تحدثت عنهم آيات الصافات هم الآخرون وهم أقل منزلة
فإن كل سابق مخلَص، أما المخلَصون عامة فليسوا كلهم من السابقين بل منهم سابقون ومنهم متأخرون
أدى هذا الاختلاف في الحديث عن أصناف المؤمنين إلى الاختلاف في وصف جزاء كل فريق
ـ فقال عن الآخرين: (لهم رزق معلوم فواكه)، أما السابقون فقال عنهم: " وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون" فأضاف منحهم الحرية في اختيار ما يرغبون كما أضاف ذكر لحم الطير إلى ما أعد لهم فيها. كما إن كلمة (فاكهة) اسم جنس فهي أعم وأوسع من كلمة الفواكه التي تطلق على الأنواع فقط، بينما اسم الجنس يطلق على الأنواع وعلى النوع الواحد، وقال "مما يتخيرون" ليؤكد تعدد الأنواع
ـ وقال في الصافات (وهم مكرمون في جنات النعيم)، وقال في الواقعة (أولئك المقربون في جنات النعيم) ولا شك أن التقريب هو إكرام وزيادة
ـ وقال في الصافات (على سرر متقابلين)، وفي الواقعة قال: (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين) والموضونة هي المنسوجة المشبكة بما يسر الناظر ، فزاد في ذكر وصفه حسن فيها وأضاف الاتكاء والتقابل على السرر للسابقين فكان تنعمهم أكثر، ولم يذكر هذا الاتكاء ولا صفة السرر في الصافات
ـ وقال في الصافات : (يطاف عليهم ..) بالفعل المبني للمجهول، أما في الواقعة فقال: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) فذكر الطائفين اذين يطوفون على المقربين
ـ وقال في الصافات: (بكأس من معين)، وقال في الواقعة: (بأكواب وأباريق وكأس من معين) فزاد ذكرالأكواب والأباريق ، وتنوع الأواني يدل على تنوع الأشربة
ـ وقال في الصافات: (لا فيها غوْلٌ ولا هم عنها ينزَفونَ)
وقال في الواقعة: (لا يُصَدّعونَ عنها ولا يُنزِفون)
الغوْل كما يفسره أهل اللغة : إما الإفساد والإهلاك أي تغتال ا لجسم وتهلكه، أو تغتال العقول. فهي تدل على معنيين: لا تفسد الجسم ولا تهلكه. أو لا تغتال عقل الشاربين
(يصدعون) أي لا يصيبهم الصداع منها
ونفي الغول إن كان بمعنى عدم هلاك الجسم فإنه لا ينفي الصداع، فنفي الأكثر لا يدل على نفي الأقل، كما لو قلنا: (هذا شراب لا يميت) فلا ننفي عنه التسبب فيما هو دون الموت
ولكن ما دامت خمرة المقربين وصفت بأنها لا تصيب بالصداع فقد نفت أقل الأذى ، فهي قطعا ومن باب أولى لا تتسبب فيما هو أكثر ، فنفي الغول لا ينفي الصداع لكن نفي الصداع ينفي الغول
وإذا كان المقصود بالغول (السكر واغتيال العقول) فيكون (لا فيها غول) و (ولا هم عنها ينزفون) بمعنى واحد ، لأن الغول هو اغتيال العقول ، وينزفون هو السكر، فهما شيء واحد ولكن أحدهما وصف للخمرة ، والآخر وصف للشارب، وكلها تدل على أنها لا تسكر
بينما سورة الواقعة تقول: (لا يصدعون عنها) فهي تنفي ما يتعلق بالغول، وتقول (ولا ينزفون) أي لا تسكر ولا ينقطع الشراب، فالتكريم هنا أعلى جريا على آيات الواقعة التي تدل على الوصف الأكمل والأفضل لنعيم السابقين
ـ وقال تعالى في الصافات: (وعندهم قاصرات الطرف عين) فذكر صفة واحدة من الصفات الجسدية وهي (عين) أي واسعة العينين في جمال
وقال في الواقعة : (وحور عين) فأضاف الحور وهو البياض إلى العين (سعة العيون مع الجمال)

(1/352)


ـ وفي الصافات قال: (كأنهن بيض مكنون)، وفي الواقعة: ( كأمثال اللؤلؤ المكنون) ولا شك أن اللؤلؤ أعلى وأقرب للنفس والقلب من البيض ، فهنا أيضا مان وصف ما أعد للسابقين
ـ ثم قال في الواقعة: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما" فنفى سماع الرديء وأثبت الحسن (سلاما سلاما)
ولم يقل في الصافات مثل هذا
* و (ينزِفون) بالبناء للمعلوم تناسب الواقعة بكل ما فيها ، و(ينزَفون) المجهول ناسب سياق الصافات
وناسب (ينزِفون) المبني للمعلوم (يطوف عليهم ولدان) المبني للمعلوم أيضا، وناسب (ينزَفون) المبني للمجهول (يطاف عليهم) المبني للمجهول في الصافات
** إجمال: في الواقعة نرى التقريب (وهو الإكرام وزيادة) ، وذكر السرر وزيادة وهي صفة (موضونة)، وذكر التقابل وزيادة وهي الاتكاء، وذكر الطواف وزيادة (الطائفون ولدان مخلدون)، وذكر الكأس وزيادة وهي الأكواب والأباريق، وذكر العين وزيادة وهي الحور، ونفي السكر وزيادة وهي عدم النفاد، وزاد نفي اللغو والتأثيم وأثبت الحسن من القول.. كل هذا للسابقين المقربين
وسارعوا إلى مغفرة ـ آل عمران والحديد
(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133) .
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21)
السماء والسموات
السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان
1ـ واحدة السموات السبع، كقوله تعالى: "ولقد زَيّنا السّماءَ الدنيا بِمَصابيح " الملك، وقوله: "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ" ـ الصافات:6
2ـ كل ما علا وارتفع عن الأرض
ـ فسقف البيت في اللغة يسمى سماء، قال تعالى: " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" ـ الحج:15 يقول المفسرون : (أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه) فالسماء هنا بمعنى السقف
ـ وقد تكون بمعنى السحاب: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا " ّالرعد:17
ـ وقد تكون بمعنى المطر : " ينزل السماء عليكم مدرارا" نوح
ـ وقد تكون بمعنى الفضاء والجو : "أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" ـ النحل:79
ـ وقوله عن السحاب: "فيبسطه في السماء كيف يشاء"
و ذكر هذا الارتفاع العالي : "فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)
فالسماء كلمة واسعة جدا قد تكون بمعنى السحاب أو المطر أو الفضاء أو السقف
مثال آخر:
" وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ" ـ الحجر:15
فالإنسان إذا خرج من جو الأرض انتقل إلى ظلام فلا يبصر
وبهذا تكون السموات جزءا من السماء ، لأن السماء كل ما علا وارتفع مما عدا الأرض، والسموات جزء منها بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الفضاء والسقف والمطر والسحاب، فإن (السماء) تكون أوسع من (السموات) فهي تشملها وغيرها
قال تعالى: " قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:6)
وقال: "ربي يعلم القول في السماء والأرض" لأن القول أوسع من السر، فهو قد يكون سرا
" وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ" ـ المجادلة: 8
وقد يكون جهرا فهو أوسع من السر والسر جزء منه
فلما وسع قال (القول) وسع وقال (في السماء). ولما ضيق وقال (السر) قال (السموات)
فبهذا المعنى الشامل تكون (السماء) أوسع بكثير من (السموات)، ولذلك لما قال (السموات) قال (عرضها السموات)، ولكن عندما اتسعت اتساعا هائلا جاء بأداة التشبيه (عرضها كعرض السماء) لأن المشبه به عادة أبلغ من المشبه، فهي لا تبلغ هذا المبلغ الواسع الذي يشمل كل شيء
كلمة (السماء) تأتي عامة "والسماء بنيناها بأيد" ، "وفي السماء رزقكم وما توعدون" ، "أأمنتم من في السماء.." ثم تتسع لأشياء أخرى، فعندما يقول: "سبع سموات طباقا" فهي ليست الفضاء ولا السقف ولا السحاب، فعندما اتسعت قال (كعرض السماء) وعلى هذا بني التعبير كله في الآيتين
أعدت للمتقين، أعدت للذين آمنوا

(1/353)


عندما ضيق حددها للمتقين ثم وصفهم في الآيات التالية
وعندما وسع عم القول ليسع الخلق (الذين آمنوا بالله ورسله)
وهؤلاء المتقون جزء من الذين آمنوا، ولم يحدد عملا محددا لهؤلاء
سابقوا، سارعوا
ـ عندما قال (سارعوا) قال (عرضها السموات والأرض"
وعندما قال (سابقوا) قال (كعرض السماء والأرض)
ـ كثرة الخلق المتجهين لمكان واحد تقتضي المسابقة
فإن قلوا اقتضى ذلك المسارعة فقط ، وليس المسابقة
اتسع المكان فاتسع الخلق ، ذكر السماء التي تشمل السموات وزيادة ، وذكر الذين آمنوا بالله ورسله ووهي تشمل
المتقين وزيادة ، ثم زاد وقال: "ذلك فضل الله
لأن الفضل أوسع مما جاء في آل عمران بل الفضل واضح إذ جاءت عامة
وكذلك لو لاحظنا الناحية الفنية لرأينا وضع كل واحدة يناسب ما هي فيه، ففي سورة الحديد تتكرر عبارات (آمنوا بالله) و(الفضل العظيم) و(يضاعف لهم) ففيها تفضلات كثيرة
وكذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف
كذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف
وفي أل عمران نرى المتقينوالأمر بالتقوى يتكرر عدة مرات
وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة : يونس وسبأ
" وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ يونس:61
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ سبأ:3
نحتاج إلى توضيح الفروق بين
ـ ما يعزُب ، لا يعزب
ـ مثقال ، من مثقال
ـ السماء ، السموات
ـ تقديم وتأخير
ـ أصغرَ ، أصغرُ
ـ عن ربك ، عننه
بداية الآية مختلفة ، التذييل متشابه
آية سبأ جاءت تذييلا وتعقيبا للحديث عن الساعة
آية يونس جاءت لبيان مقدار إحاطة علم الله بكل شيء، وسعة ذلك العلم
ترتب على هذا اختلاف التعبير بين الآيتين
ـ لا يعزُب ، ما يعزب
* لفرق بين (لا) و (ما) عند دخولها على المضارع
_ (لا) كما يقول أكثر النحاة للاستقبال
الزمخشري: (لا) و (لن) أختان في نفي المستقبل
ـ رأي آخر (يفضله الدكتور) (لا) مطلقة، قد تكون للاستقبال فعلا، مثل: "لا تفتح لهم أبواب السماء" ، و "لا تجزي نفس عن نفس شيئا"
وقد تكون للحال: "ما لي لا أرى الهدهد .. "، "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا" ، " ما لكم لا تنطقون"، " لهم قلوب لا يعقلون بها .. "
والسبب أن (لا) أقدم حرف نفي في العربية ، وكل الحروف جاءت بعدها، لذلك فاستعمال (لا) واسع، فهو أوسع حرف في العربية، يدخل في الماضي والمضارع والمستقبل والحال، يدخل على الأسماء النكرات والمعارف ، الاستغراق وغير الاستغراق
* في آية سبأ:"لا تأتينا الساعة" نفوا شيئا مستقبليا ، فرد عليهم بـ (لا) "لا يعزب" ، ثم إنه أقسم "بلى وربي" جوابه في المضارع لتأتينه وجوابه في النفي (لا)
يقول سيبويه: (لأفعلن) نفيه (لا أفعل)
إذن اقتضى المقام كله النفي بلا، فناسبت الآية (لا) من كل جهة
1ـ الاستقبال
2ـ القسم المتقدم إثباته وجوابه
* أما آية يونس فالكلام ليس عن مستقبل ، بل عن الحال فناسب أن يأتي بـ (ما)
ـ عنه، عن ربك
في آية يونس (عن ربك) ـ وقال في سبأ (عنه)
إذ تقدم في سبأ "بلى وربي" ، أي تقدم ذكر الرب، ولم يأت في يونس
ـ عالم الغيب
عالم (اسم فاعل) جاءت في سورة سبأ، لا تأتي في القرآن إلا مع الغيب المفرد
أما علام فتأتي مع الغيوب لأنها صيغة مبالغة تقتضي التكثير
نظيرها (غافر) تختص بالذنب، أما (غفور) فعامة
ـ مثقال ، من مثقال
(من ) الزائدة الاستغراقية تفيد الاستغراق والتوكيد
نقول: ( ما حضر رجل)
تعني: لم يحضر أي رجل ، لم يحضر أي فرد من هذا الجنس
ويحتمل : لم يحضر رجل واحد بل اثنان أو أكثر
ونقول: (ما حضر من رجل) تفيد استغراق الجنس كله، فهو نفي قاطع للحضور فلم يحضر أي أحد ولا مجال للاحتمال
فالتعبير الأول تعبير احتمالي ، التعبير الثاني تعبير نصي قطعي
* آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة، الكلام في التعقيب على الساعة ، أما سورة يونس فالكلام أصلا عن سعة علم الله عز وجل ، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء
فسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد والإتيان بمن الاستغراقية
ومثلها (من عمل) استغراق وعموم لا يستثني شيئا
ـ في الأرض ولا في السماء ، في السموات ولا في الأرض
آية سبأ تتحدث عن الساعة، والساعة إنما يأتي أمرها من السماء وتبدأ بأهل السماء: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض"
"ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات والأرض"
أما يونس فالكلام فيها على أهل الأرض فناسب أن يقدم المكان (الأرض)

(1/354)


ـ ومثلها " إنّ الذينَ كَفَروا بِآياتِ الله لَهُم عَذابٌ شديدٌ والله عَزيزٌ ذو انتِقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" كلام عن الذين كفروا
ـ " وهُو الذي يُصَوّركم في الأرحام كَيف يشاء"كلام عن أهل الأرض
" إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء"قدم الأرض
ـ "رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ" ـ ابراهيم:38
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ" ـ ابراهيم:39
ـ وقال تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" ـالعنكبوت:22
تقديم الأرض، وفيها إعجاز آخر إذ فيها إشارة إلى أنهم سيصعدون إلى السماء ولن يعجزوه حتى وهم هناك
والسماء = 1 ـ كل ما علا حتى المطر والسحاب، وهي بهذا أوسع
2 ـ أو واحدة السموات
نلحظ أنه في حالة الاستغراق والشمول جاء بالحالة الأوسع، اما الحالة التي لم يكن فيها استغراق جاء بحالة أخرى (سبأ)
ـ أصغرَ ، أصغرُ
في حالة الاستغراق جاءت (ولا اصغرَ) بالبناء على الفتح، وهذه اللا تسمى النافية للجنس
(لا رجلَ حاضرٌ) تنفي جنس الرجال
(لا رجلٌ) تحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة، ومثلها مثل (ما)
يقول النحاة ابتداء من الخليل: عندما تقول (لا رجلَ) كأنه جواب لسؤال : هل من رجل؟
تضمر من الاستغراقية
فإن سألت : (هل من رجل؟) فجوابه: (لا رجلَ)
وإن سألت: (هل رجلٌ؟) فجوابه: (لا رجلٌ)
فالنافية للجنس هي أصلا تتضمن معنى (من) الاستغراقية
فقال (أصغرَ) في يونس
وهذا مناسب لوجود (من)، ويناسب الاستغراق لمواطن الاستغراق في بداية الآية (وما تتلو...)
أما التي ليست للاستغراق جاء فيها (ولا اصغرُ)
فجعل (أصغرُ) في غير موضع الاستغراق
المصدر: لمسات بيانية في نصوص التنزيل تأليف الدكتور فاضل السامرائي
http://www.lamasaat.8m.com /
===============
لمسات بيانية من سورتي النمل والقصص
بقلم الدكتور فاضل السامرائي
أهداف ذكر سورة موسى عليه السلام
قال لي أحدهم مرة لو كتبت في قصة موسى في سورتي النمل والقصص، فإن بينهما تشابها كبيرا ولا يتبين سر الاختلاف في التعبير بينهما من نحو قوله تعالى: "فلما جاءها نودي" و "فلما أتاها نودي" ، وقوله: "وأدخل يدك في جيبك" و "اسلك يدك في جيبك" وما إلى ذلك.
فأنهدني قوله إلى أن أكتب في ذلك، وطلبت من الله أن يعينني على ما عزمتُ ععليه، وأن يبصرني بمرامي التعبير في كتابه الحكيم، وأن يفتح عليّ من كنوز علمه الواسع الذي لا يحد فتحا مباركا، إنه سميع مجيب.
من سورة النمل
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ {6} إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ {7} فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {8} يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {9} وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ {10} إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ {11} وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ {12} فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ {13} وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {14}
من سورة القصص
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/355)


فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)
من هذين النصين تتبين طائفة من الاختلافات في التعبير أدوّن أظهرها:
النمل
القصص
إني آنست نارا
آنس من جانب الطور نارا
امكثوا
سآتيكم منها بخبر
لعلي آتيكم منها بخبر
أو آتيكم بشهاب قبس
أو جذوة من النار
فلما جاءها
فلما أتاها
نودي أن بورك
نودي من شاطئ الواد الأيمن
وسبحان الله رب العالمين
يا موسى
أن يا موسى
إنه أنا الله العزيز الحكيم
إلي أنا الله رب العالمين
وألق عصاك
وأن ألق عصاك
يا موسى لا تخف
يا موسى أقبل ولا تخف
إني لا يخاف لدي المرسلون
إنك من الآمنين
إلا من ظلم
وأدخل يدك في جيبك
اسلك يدك
في تسعِ آيات
فذانك برهانان
واضمم إليك جناحك ممن الرّهْب
إلى فرعون وقومه
إلى فرعون وملئه
إن الذي أوردته من سورة النمل، هو كل ما ورد عن قصة موسى في السورة. وأما ما ذكرته من سورة القصص فهو جزء يسير من القصة، فقد وردت القصة مفصلة ابتداء من قبل أن يأتي موسى إلى الدنيا إلى ولادته، وإلقائه في اليم والتقاطه من آل فرعون، وإرضاعه ونشأته وقتله المصري وهربه من مصر إلى مدين، وزواجه وعودته بعد عشر سنين وإبلاغه بالرسالة من الله رب العالمين، وتأييده بالآيات، ودعوته فرعون إلى عبادة الله إلى غرق فرعون في اليم، وذلك من الآية الثانية إلى الآية الثالثة والأربعين.
فالقصة في سورة القصص إذن مفصلة مطولة، وفي سورة النمل موجزة مجملة. وهذا الأمر ظاهر في صياغة القصتين، واختيار التعبير لكل منهما.
هذا أمر، والأمر الثاني أن المقام في سورة النمل، مقامُ تكريم لموسى أوضح مما هو في القصص، ذلك أنه في سورة القصص، كان جو القصة مطبوعا بطابع الخوف الذي يسيطر على موسى عليه السلام، بل إن جو الخوف كان مقترنا بولادة موسى عليه السلام، فقد خافت أمه فرعونَ عليه، فقد قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي" القصص: 7، ويستبد بها الخوف أكثر حتى يصفها رب العزة بقوله: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا" القصص:10.
ثم ينتقل الخوف إلى موسى عليه السلام، ويساوره وذلك بعد قتله المصري: "فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 18". فنصحه أحدُ الناصحين بالهرب من مصر لأنه مهدد بالقتل: "فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 21" ، وطلب من ربه أن ينجيه من بطش الظالمين: "قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 21" . فهرب إلى مدين وهناك اتصل برجل صالح فيها، وقص عليه القصص فطمأنه قائلا: " لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 25"
وهذا الطابع ـ أعني طابع الخوف ـ يبقى ملازما للقصة إلى أواخرها، بل حتى إنه لما كلفه ربه بالذهاب إلى فرعون راجعه وقال له: إنه خائف على نفسه من القتل: "قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ 33"، وطلب أخاه ظهيرا له يعينه ويصدقه لأنه يخاف أن يكذبوه:"وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ 34"
في حين ليس الأمر كذلك في قصة النمل، فإنها ليس فيها ذكر للخوف إلا في مقام إلقاء العصا.
فاقتضى أن يكون التعبير مناسبا للمقام الذي ورد فيه. وإليك إيضاح ذلك:
1ـ قال تعالى في سورة النمل: " إِنِّي آنَسْتُ نَاراً "
وقال في سورة القصص: "آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً"
فزاد : " مِنْ جَانِبِ الطُّورِ" وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.
2 ـ قال في سورة النمل: "إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً"
وقال في سورة القصص: " قَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً" بزيادة "امْكُثُوا". وهذه الزيادة نظيرة ما ذكرناه آنفا، أعني مناسبة لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة بخلاف القصة في النمل المبنية على الإيجاز.
3 ـ قال في النمل: " سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ".

(1/356)


وقال في القصص: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ". فبنى الكلام في النمل على القطع"سَآتيكُم" وفي القصص على الترجي"لعَلّي آتيكُمْ". وذلك أن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الآمن. ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن ما ذكره في النمل هو المناسب لمقام التكريم لموسى بخلاف ما في القصص.
ومن ناحية ثالثة ؟
إن كل تعبير مناسبٌ لجو السورة الذي وردت فيه القصة، ذلك أن الترجي من سمات سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل. فقد جاء في سورة القصص قوله تعالى: "عَسى أن ينْفَعَنا أوْ نَتّخِذَهُ وَلَدا" وهو ترَجٍّ. وقال: ""عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَني سَوَاءَ السّبيلِ" وهو ترجٍّ أيضا. وقال: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ" وقال "لَعَلّكُم تَصْطَلونَ"، وقال: "لَعَلّي أَطّلِعُ إلى إِلَهِ موسَى"، وقال: "لَعَلّهُمْ يَتَذكّرونَ " ثلاث مرات في الآيات 43، 46، 51، وقال: "فَعَسَى أَنْ يَكونَ مِنَ المُفْلِحينَ"، وقال: "ولَعَلّكُم تَشكُرونَ 73"وهذا كله ترجّ. وذلك في عشرة مواطن في حين لم يرد الترجي في سورة النمل، إلا في موطنين وهما قوله: "لَعَلّكُمْ تَصْطَلونَ"، وقوله: "لَعَلّكُمْ تُرْحَمونَ".
وقد تردد القطع واليقين في سورة النمل، من ذلك قوله تعالى على لسان الهدهد: "أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ"النمل:22 ، وقوله على لسان العفريت لسيدنا سليمان: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ" النمل: 39 وقوله على لسان الذي عنده علم من الكتاب: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ " النمل:40
فانظر كيف ناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في النمل.
ثم انظر بعد ذلك قوله تعالى في القصة: "سَآتيكُمْ مِنْها بِخَبَر" ومناسبته لقوله تعالى في آخر السورة:"الْحَمْدُ لِلّه سَيُريكُمْ آيَلتِهِ فَتَعْرِفوَها 93" وانظر مناسبة "سَآتيكُمْ" لـ "سَيُرِيَكُمْ".
وبعد كل ذلك، انظر كيف تم وضع كل تعبير في موطنه اللائق به.
4 ـ كرّر فعل الإتيان في النمل، فقال: "سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ"، ولم يكرره في القصص، بل قال: "لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ"
فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرة. (1)
وتكرر في القصص ست مرات (2) فناسب تكرار (آتيكم) في النمل من كل وجه.
5 ـ وقال في سورة النمل: " أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ"
وقال في القصص: " نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ"
فذكر في سورة النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس، والشهاب: هو شعلة من النار ساطعة. (3)
ومعنى (القَبَس) شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس يقال: قبس يقبس منه نارا، أي: أخذ منه نارا، وقبس العلمَ استفاده (4)
وأما (الجذوة) فهي الجمرة أو القبسة من النار (5) وقيل: هي ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب، وفي معناه ما قيل: هي عود فيه نار بلا لهب. (6)
والمجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيه من اللهب الساطع، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضا. فهو أحسن من الجذوة في الاستضاءة والدفء.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ذكر أنه سيأتي بالشهاب مقبوسا من النار،، وليس مختَلَسا أو محمولا منها، لأن الشهاب يكون مقبوسا وغير مقبوس (7) ، وهذا أدل على القوة وثبات الجنان، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار، ويقبس منها شعلة نار ساطعة.
أما في القصص فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار، ولم يقل إنه سيقبسها منها.
والجذوة قد تكون قبسا وغير قبس، ولا شك أن الحالة الأولى أكمل وأتم لما فيها من زيادة نفع الشهاب على الجذوة، ولما فيها من الدلالة على الثبات وقوة الجنان.
وقد وضع كل تعبير في موطنه اللائق به، ففي موطن الخوف ذكر الجمرة ، وفي غير موطن الخوف ذكر الشهاب والقبس.
6 ـ قال في سورة النمل: "فَلَمّا جاءَهَا نُودِيَ"
وقال في سورة القصص: "فَلَمّا أَتاها نُودِيَ"
فما الفرق بينهما؟
قال الراغب الأصفهاني مفرقا بين الإتيان والمجيء: الإتيان مجيءٌ بسهولة، ومنه قيل للسيلِ المارّ على وجهه أتي" (8). وقال: "المجيء كالإتيان، لكن المجيء أعم، لأن الإتيان مجيء بسهولة" (9)

(1/357)


ولم يذكر أهل المعجمات ما ذكره الراغب، وإنما هم يفسرون جاء بالآخر، فيفسرون جاء بأتى، وأتى بجاء، غير أنهم يذكرون في بعض تصريفات (أتى) ما يدل على السهولة، فيقولون مثلا في تفسير الطريق الميتاء من (أتى) "طريق مسلوك يسلكه كل أحد" وذلك لسهولته ويسره. ويقولون : "كل سيل سهلته الماء أتيّ" و "أتّوا جداولها: سهلوا طرق المياه إليها" يقال: (أتّيت الماء) إذا أصلحت مجراه حتى يجري إلى مقارّه .. ويقال: أتّيت للسيل، فأنا أؤتّيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضع ليخرج إليه .. وأتّيت الماء تأتيةً وتأتياً، أي: سهلت سبيله ليخرج إلى موضع"(10)
والذي استبان لي أن القرآن الكريم يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة، أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى) فهو يقول مثلا: "فَإذا جَاءَ أَمْرُنا وَفارَ التّنّورُ 27 " المؤمنون، وذلك لأن هذا المجيء فيه مشقة وشدة. وقال: "وجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالحَقّ 19" ق. وقال: "لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرَا 71" الكهف. وقال: "لقَدْ جِئْتَ شِيْئا نُكْرا 74" الكهف.
وقال: "قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً 27" مريم. وقال: "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً" مريم .
وقال: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً"الاسراء:81. وقال: "فَإذا جاءَت الصّاخّة. يَوْمَ يَفِرّ المَرْءُ من أخيهِ" عبس. وقال: "فإذا جاءَت الطّامّةُ الكُبْرَى" النازعات.
وهذا كله مما فيه صعوبة ومشقة.
وقد تقول: وقد قال أيضا: "هَلْ أَتاكَ حَديثُ الغَاشِيَة" والجواب: أن الذي جاء هنا هو الحديث وليس الغاشية في حين ن الذي جاء هناك هو الطامة والصاخة ونحوهما مما ذكر
ويتضح الاختلاف بينهما في الآيات المتشابهة التي يختلف فيها الفعلان، وذلك نحو قوله تعالى: "أَتَى أَمْرُ الله" النحل، وقوله: "فَإذا جاءَ أَمْرُ اللهِ" غافر، ونحو قوله: "جاءَهُمْ نَصْرُنا" يوسف، و"أَتاهُمْ نَصْرُنا" الأنعام، ونحو قوله: "لجاءَهُمُ العَذابُ" العنكبوت، و"وأَتاهُمُ العَذابُ" النحل، وما إلى ذلك.
فإنه يتضح الفرق في اختيار أحدهما على الآخر، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: "أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 1"النحل. وقال: "فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ 78" غافر. فقد قال في النحل: "أَتَى أَمْرُ اللهِ"، وقال في غافر: "جاءَ أَمْرُ اللهِ"، وبأدنى نظر يتضح الفرق بين التعبيرين، فإن المجيء الثاني أشق وأصعب لما فيه من قضاء وخسران، في حين لم يزد في الآية الأولى على الإتيان. فاختار لما هو أصعب وأشق (جاء) ولما هو أيسر (أتى).
ونحو ذلك قوله تعالى: "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ" يوسف
وقوله: "وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ" الأنعام 34.
فقال في آية يوسف "جاءَهُمْ نَصْرُنا" وفي آية الأنعام: "أتاهُمْ نَصْرُنا" ومن الواضح أن الحالة الأولى أشق وأصعب، وذلك أن الرسل بلغوا درجة الاستيئاس وهي أبعد وأبلغ، وذهب به الظن إلى أنهم كُذبوا، أي: أن الله سبحانه وتعالى كذبهم ولم يصدقهم فيما وعدهم به، وهذا أبلغ درجات اليأس وأبعدها، وعند ذاك جاءهم نصره سبحانه فنجّي من شاء وعوقب المجرمون.
في يحن ذكر في الآية الأخرى أنهم كُذّبوا، أي: كذّبهم الكافرون، وأوذوا فصبروا. وفرق بعيد بعيد بين الحالتين، فلقد يُكذّب الرسل وأتباعهم ويُؤذَون، ولكن الوصول إلى درجة اليأس والظن بالله الظنون البعيدة أمرٌ كبير.
ثم انظر إلى خاتمة الآيتين تر الفرق واضحا، فما ذكره من نجاة المؤمنين ونزول اليأس على الكافرين في آية يوسف مما لا تجده في آية الأنعام يدلك على الفرق بينهما.
ومن ذلك قوله تعالى: "كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ . فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" الزمر:25 ـ 26
وقوله: "قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ. النحل 26 ـ27

(1/358)


فقال في الآيتين: "وأتاهُمُ العَذابُ" في حين قال: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ. يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" العنكبوت:53 ـ 54 ـ55
فقال: "فَجاءَهُمُ العَذابُ" وذلك أن الآيتين الأوليين في عذاب الدنيا بدليل قوله في آية النحل: "ثُمّ يَوْممَ القِيامَةِ يُخزيهِم.." وقوله في آية الزمر: " فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" في حين أن آية العنكبوت في عذاب الآخرة، وحتى لو كانت في عذاب الدنيا فإن ما ذُكر فيها من العذاب أشق وأشد مما في الآيتين الأخريين بدليل قوله: "وإنَّ جَهَنّم لَمُحيطَةٌ بالكافِرينَ" وقوله: "يَوْمَ يَغشاهُمُ العَذابُ مِنْ فَوْقِهِم ومِنْ تَحْتِ أرْجُلِهم.." فجاء لما هو أشق وأشد بالفعل (جاء) ولما هو أيسر بـ (أتى).
وقد تقول: ولكنه قال: "ولَيَأتِيَنّهُم بَغْتةً" فاستعمل مضارع (أتى).
والجواب: أن القرآن لم يستعمل مضارعا للفعل (جاء) .. ولذلك كل ما كان من هذا المعنى مضارعا، استعمل له مضارع (أتى) فلا يدخل المضارع في الموازنة، وسيأتي بيان ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: "أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" التوبة: 70 ـ 71
فقال: " أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" وهو الموطن الوحيد الذي جاء فيه نحو هذا التعبير في القرآن الكريم في حين قال في المواطن الأخرى كلها: "جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ"
ولو نظرت في هذه التعبيرات، ودققت فيها لوجدت أن كل التعبيرات التي جاءت بالفعل (جاء) أشق وأصعب مما جاء بـ (أتى)، وإليك بيان ذلك.
قال تعالى: " تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ. وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ. ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" الأعراف:101 ـ 102 ـ 103
فانظر كيف قال في آية التوبة: "أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ." ولم يذكر أنهم كفروا أو عوقبوا، في حين قال في آيات الأعراف:" فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ "فذكر عدم إيمانهم، وأنهم طُبع على قلوبهم: " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ"، وذكر أنه وجد أكثرهم فاسقين، وأنه لم يجد لأكثرهم عهدا، وذكر بعد ذلك ظلم فرعون وقومه لموسى وتكذيبهم بآيات الله وعاقبتهم.
فانظر موقف الأمم من الرسل في الحالتين وانظر استعمال كل من الفعلين جاء وأتى، يتبين لك الفرق واضحا بينهما.
ومنه قوله تعالى: " وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 13" يونس
فقال: "وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيّنات" وذلك أنه ذكر إهلاك القرون لظلمهم وذكر تكذيبهم وعدم إيمانهم وذكر جزاء المجرمين.

(1/359)


وقال: "أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 9" إبراهيم ، إلى أن يقول: "وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. "ابراهيم:12 ـ 13
ويمضي في وصف عذاب الكفرة عذابا غليظا: "مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ. يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ" ابراهيم:17
فقال أيضا: "وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهمْ بالبينات"، وأنا في غنى عن أبين موقف الأمم من رسلهم، وكفرهم بما أرسلوا به، وتهديدهم لهم بإخراجهم من الأرض، وعن ذكر عذاب الكافرين في الدنيا بإهلاكهم وفي الآخرة بما وصفه أفظع الوصف.
فانظر إتيانه بالفعل (جاء) وقارنه بالفعل (أتى) في آية التوبة يتضح الفرق بين استعمال الفعلين.
ومن ذلك قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ9 ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ" الروم:10
فذكر عاقبة الذين أساؤوا، وأنها السوأى تأنيث الأسوأ، أي: أسوأ الحالات على الإطلاق، وذكر تكذيب الأمم لرسلهم واستهزاءهم بهم، في حين لم يصرح في آية التوبة بتكذيب ولا استهزاء، ولم يذكر لهم عاقبة ما.
ومن ذلك قوله تعالى: "وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ25 ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 26" فاطر
فذكر تكذيب الأمم السابقة لرسلهم بعد أن جاؤوهم بكل ما يدعو إلى الإيمان من البينات والزبر والكتاب المنير، وذكر أخذَه لهم وعلّق على ذلك بقوله: "فَكَيْفَ كان نَكيرِ"
ومن ذلك قوله تعالى: " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ"غافر:82 إلى 85
فقال: "جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيّناتِ" ثم ذكر أن أممهم استهزؤوا برسلهم وبقوا على شركهم حتى رأوا بأس الله ينزل بهم. فلم ينفعهم إيمانهم بعد فوات الأوان.
قارن هذه الآيات التي وردت بالفعل (جاء) بالآية التي وردت بالفعل (أتى) وهي آية التوبة، يتبين الفرق بين استعمال الفعلين: جاء وأتى.
وقد تقول: ولكن ورد في القرآن (أتتكم الساعة) و (جاءتهم الساعة) والساعة واحدة فما الفرق؟
وأقول ابتداء أنه لا يصح اقتطاع جزء من الآية للاستدلال، بل ينبغي النظرُ في الآية كلها وفي السياق أيضا ليصحّ الاستدلالُ والحكم.
وإليك الآيتين اللتين فيهما ذِكرُ الساعة:
قال تعالى: " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ 31" الأنعام
وقال: "قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ 41" الأنعام
فقال في الآية الأولى: "جاءَتْهُم السّاعَةُ" وقال في الثانية: "أَتَتْكُم السّاعَةُ"

(1/360)


وبأدنى تأمل يتضح الفرق بين المقامين. فإن الأولى في الآخرة وفي الذين كذبوا باليوم الآخر، وهم نادمون متحسرون على ما فرطوا في الدنيا، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. وتوضحه الآية قبلها وهي قوله تعالى: " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ30 قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا.. "الأنعام ، في حين أن الثانية في الدنيا بدليل قوله: "أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" وقوله: "بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ " فذكر أنه يكشف ما يدعون إليه إن شاء، وهذا في الدنيا، وإلا فإن الله لا يكشف عن المشركين شيئا في الآخرة ولا يستجيب لهم البتة.
فالموقف الأول أشق وأشد مما في الثانية، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) بخلاف الآية الثانية.
فاتضح أن القرآن إنما يستعمل (جاء) لما هو أصعب وأشق. ويستعمل (أتى) لما هو أخف وأيسر.
ولعل من أسباب ذلك أن الفعل (جاء) أثقل من (أتى) في اللفظ بدليل أنه لم يرد في القرآن فعل مضارع لـ (جاء) ولا أمر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول، ولم يرد إلا الماضي وحده بخلاف (أتى) الذي وردت كل تصريفاته، فقد ورد منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول. فناسب بين ثقل اللفظ وثقل الموقف في (جاء)، وخفة اللفظ وخفة الموقف في (أتى) والله أعلم.
ونعود إلى ما نحن فيه من قصة موسى عليه السلام، فقد قال في سورة النمل: "فلما جاءها" وقال في سورة القصص: "فَلمّا أتاها" ذلك أن ما قطعه موسى على نفسه في النمل أصعب مما في القصص، فقد قطع في النمل على نفسه أن يأتيهم بخبر أو شهاب قبس، في حين ترجى ذلك في القصص. والقطع أشق وأصعب من الترجي. وأنه قطع في النمل، أن يأتيهم بشهاب قبي، أي: بشعلة من النار ساطعة مقبوسة من النار التي رآها في حين أنه ترجّى في القصص أن يأتيهم بجمرة من النار، والأولى أصعب. ثم إن المهمة التي ستوكل إليه في النمل أصعب وأشق مما في القصص، فإنه طلب إليه في القصص أن يبلغ فرعون وملأه. وتبليغ القوم أوسع وأصعب من تبليغ الملأ، ذلك أن دائرة الملأ ضيقة، وهم المحيطون بفرعون في حين أن دائرة القوم واسعة، لأنهم منتشرون في المدن والقرى، وأن التعامل مع هذه الدائرة الواسعة من الناس صعب شاق، فإنهم مختلفون في الأمزجة والاستجابة والتصرف، فما في النمل أشق وأصعب، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) الذي هو أخف. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة طه: "فلما أتاها نُودِيِ يا موسى" ذلك لأنه أمره بالذهاب إلى فرعون ولم يذكر معه أحدا آخر: "اذهب إلى فرعون إنه طغى 24 قال رب اشرَحْ لي صَدْري 25 ويسّر لي أمري 26"
فانظر كيف لما أرسله إلى فرعون قال: "أتاها"، ولما أرسله إلى فرعون وملئه قال (أتاها) أيضا في حين لما أرسله إلى فرعون وقومه قال: "جاءها" وأنت ترى الفرق بين الموطنين ظاهرا.
7 ـ ذكر في القصص جهة النداء فقال: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ " ولم يذكر الجهة في النمل، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل، وموطن النمل موطن إيجاز كما ذكرت.
8 ـ قال في النمل: " نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ولم يذكر مثل ذلك في القصص، بل ذكر جهة النداء فقط، وذلك لأن الموقف في النمل موقف تعظيم كما أسلفنا وهذا القول تعظيم لله رب العالمين.
9 ـ قال في النمل "يا موسَى"
وقال في القصص: "أَنْ يا موسَى" فجاء بـ (أن) المفسرة في القصص، ولم يأت بها في النمل، وذلك لأكثر من سبب:
منها أن المقام في النمل مقام تعظيم لله سبحانه، وتكريم لموسى كما ذكرنا فشرفه بالنداء المباشر في حين ليس المقام كذلك في القصص، فجاء بما يفسر الكلام، أي: ناديناه بنحو هذا، أو بما هذا معناه، فهناك فرق بين قولك: (أشرت إليه أن اذهب) و (قلت له اذهب) فالأول معناه: أشرت إليه بالذهاب، بأيّ لفظ أو دلالة تدل على هذا المعنى. وأما الثاني فقد قلت له هذا القول نصا، ومثله قوله تعالى: "وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 105"الصافات
أي: بما هذا تفسيره أو بما هذا معناه بخلاف قوله: "قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ" هود
ومنها أن المقام في سورة القصص مقام تبسّط وتفصيل فجاء بـ (أن) زيادة في التبسط.
ومنها أن ثقل التكليف في النمل يستدعي المباشرة في النداء، ذلك أن الموقف يختلف بحسب المهمة وقوة التكليف كما هو معلوم.
10 ـ قال في النمل: "إنّهُ أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ"، وقال في سورة القصص: "إِنّي أَنا اللهُ رَبُّ العالَمينَ"
فجاء بضمير الشأن الدال على التعظيم في آية النمل: "إِنّه أنا" ولم يأت به في القصص، ثم جاء باسميه الكريمين "العَزيزُ الحَكيم" في النمل زيادة في التعظيم.

(1/361)


ثم انظر إلى اختيار هذين الاسمين وتناسبهما مع مقام ثقل التكليف، فإن فرعون حاكم متجبر يرتدي رداء العزّة، ألا ترى كيف أقسم السحرة بعزته قائلين: "بِعِزّةِ فِرعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغَالِبونَ 44" الشعراء. فاختار من بين أسمائه (العزيز) معرفا بالألف واللام للدلالة على أنه هو العزيز ولا عزيز سواه، و(الحكيم) للدلالة على أنه لا حاكم ولا ذا حكمة سواه، فهو المتصف بهذين الوصفين على جهة الكمال حصرا. وفي تعريف هذين الاسمين بالألف واللام من الدلالة على الكمال والحصر ما لا يخفى ما لو قال (عزيز حكيم) فإنه قد يشاركه فيهما آخرون.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف أنه لما قال: "أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ" لم يذكر أن موسى سأل ربه أن يعزّزه ويقويه بأخيه، ولما لم يقل ذلك ذكر أنه سأل ربه أن يكون له ردءا، يصدقه ويقويه وهو أخوه هارون.
وقد تقول: ولكنه قال في القصص "إنّي اَنا اللهُ ربّ العالمينَ" وفي ذلك من التعظيم ما لا يخفى
ونقول: وقد قال ذلك أيضا في النمل، فقد قال: "وسبحان الله ربّ العالمين" وزاد عليه: "إنّهُ أنا الله العَزيزُ الحَكيمُ" فاتضح الفرق بين المقامين.
وقد تقول: ولم قال في سورة طه: "إنّي أَنا ربّك فاخلعْ نَعلَيْكُ" بذكر ربوبيته له خصوصا، ولم يقل كما قال في سورتي النمل والقصص"ربّ العالمين"؟
والجواب: أنه في سورة طه كان الخطاب والتوجيه لموسى عليه السلام أولا فعلمه وأرشده فقال له: " إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 14، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى 15" طه، فطلب منه العبادة وإقامة الصلاة
وقال بعد ذلك: "لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنا الكُبْرى 23" طه، ثم ذكر منته عليه مرة أخرى فقال: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى37 إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى 38" طه
ويمضي في ذكر منته عليه ولم يرد مثل ذلك في النمل، ولا في القصص.
فإنه لم يذكر توجيها له أو إرشادا لعبادته في النمل، ولا في القصص فلم يأمره بعبادة أو صلاة أو تكليف خاص بشأنه. ثم إنه في سورة القصص وإن كان قد فصّل في ذكر ولادته ونشأته وما إلى ذلك فقد ذكرها في حالة الغيبة لا في حالة الخطاب: "وأوحينا إلى أمّ موسَى أَنْ أَرْضِعيهِ" "إنْ كادَتْ لَتُبدي به .. فرددناه إلى أمه .. ولمّا بلَغَ أشُدّه .. ودَخَل المَدينةَ .. "
في حين كان الكلام في سورة طه بصورة الخطاب. فناسب أن يقول له في طه: "أنا ربّك" بخلاف ما في النمل والقصص، والله أعلم.
11 ـ قال في النمل: "وَأَلْقِ عَصاكَ"
وقال في القصص: "وأنْ ألْقِ عَصاكَ"
فجاء بـ (أن) المفسرة أو المصدرية. ونظيره ما مر في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى)
فقوله: "وأَلْقِ عَصاك" قول مباشر من رب العزة، وهو دال على التكريم.
وأما قوله: "وأنْ ألْقِ عَصاك" فإنه معناه أنه ناداه بما تفسيره هذا أو بما معناه هذا. فأنت إذا قلت: (ناديته أن اذهب) كان المعنى ناديته بالذهاب. فقد يكون النداء بها اللفظ أو بغيره بخلاف قولك: (ناديته اذهب)، أي: قلت له اذهب.
وهو نحو ما ذكرناه في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى) من أسباب ودواعٍ فلا داعي لتكرارها.
12 ـ قال في النمل: "يا موسَى لا تَخَفْ"
وقال في القصص: "يا موسَى أقْبِلْ وَلا تَخَفْ"
بزيادة (أقبل) على ما في النمل، وذلك له أ:ثر من سبب.
منها : أن مقام الإيجاز في النمل يستدعي عدم الإطالة بخلاف مقام التفصيل في القصص.
ومنها أن شيوع جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف.
فوضع كل تعبير في مكانه الذي هو أليق به.
13 ـ قال في النمل: "إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلونَ"
وقال في القصص: "إنّكَ مِنَ الآمِنينَ"
ذلك أن المقام في سورة القصص مقام الخوف، والخائف يحتاج إلى الأمن فأمنه قائلا: "إنّكَ مِنَ الآمِنينَ"
أما في سورة النمل فالمقام مقام التكريم والتشريف، فقال: "إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرسَلونَ" فألمح بذلك إلى نه منهم، وهذا تكريم وتشريف. ثم انظر كيف قال (لَدَيّ) مشعرا بالقرب، وهو زيادة في التكريم والتشريف.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف أنه لما قال في سورة النمل: "لَدَيّ" المفيدة للقرب ناداه بما يفيد القرب فقال: "يا موسى" ولم يقل: "أنْ يا موسى" كما قال في القصص، ففصل بين المنادي والمنادَى بما يفيد البعد. وأمره أيضا بما يفيد القرب بلا فاصل بينهما فقال: "وألقِ عَصاكَ" ولم يقل: "وأنْ ألقِ عَصاكَ" للدلالة على قرب المأمور منه. فناداه من قرب وأمرَه من قرب، وذلك لأنه كان منه قريبا، فانظر علو هذا التعبير ورفعته.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: "إنّي لا يَخافُ لَديّ المُرسَلونَ" ولم يقل: (إني لا يخاف مني المرسلون) لأن المرسلين لا يخافون بحضرته، ولكنهم يخشونه ويخافونه كل الخوف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أخشاكم لله) فهو أخوف الناس منه، وأخشاهم له.

(1/362)


14 ـ قال في النمل: "إلّا منْ ظَلَمَ ثمّ بَدّلَ حُسنا بَعدَ سوء فإنّي غَفورٌ رحيمٌ" ولم يقل مثل ذلك في القصص، لأنه لا يحسن أن يقال: (إنك من الآمنين إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء) ولو قال هذا لم يكن كلاما.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ناسب ذلك قول ملكة سبأ: "ربّ إني ظلَمْتُ نَفسي وأسْلَمْتُ مَع سُلَيمانَ لله ربّ العَالمينَ" النمل، فإنها ظلمت نفسها بكفرها وسجودها للشمس منجون الله، ثم بدلت حسنا بعد سوء، فأسلمت لله رب العالمين فلاءم هذا التعبير موطنه من كل ناحية.
وقد تقول: لقد ورد مثل هذا التعبير في سورة القصص أيضا وهو قوله تعالى: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 16" القصص
والحق أن المقامين مختلفان، فإن القول في سورة القصص هو قول موسى عليه السلام حين قتل المصري، وموسى لم يكن كافرا بالله، بل هو مؤمن بالله تعالى، ألا ترى إلى قوله منيبا إلى ربه بعدما فعل فعلته: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي" وقوله حين فر من مصر: "رَبّ نَجّني مِنَ القَوْمِ الظالِمينَ" وقوله: "قال عَسى ربي أن يَهْدِيَني سَواء السّبيل"
فإن موسى لم يبدل حسنا بعد سوء، ذلك انه عليه السلام لم يكن سيئا بخلاف ملكة سبأ، فإنها كانت مشركة، وقد بدلت حسنا بعد سوء. فما جاء من قوله: "إلّا من ظَلَمَ ثُمّ بَدّل حُسنا بَعدَ سوء.. " أكثر ملاءمة للموضع الذي ورد فيه من كل ناحية.
15 ـ قال في النمل: "وَأدخِلْ يَدَكَ في جَيْبِك"
وقال في القصص: "اسْلُك يَدَكَ في جَيْبِك"
لقد استعمل في سورة القصص أمر الفعل (سلك) الذي يستعمل كثيرا في سلوك السبل فيقال: سلك الطريق والمكان سلكا، قا تعالى: "والله جَعَلَ لَكُم الأرْضَ بِساطا، لتَسْلُكوا مِنها سُبُلا فِجاجا " سورة نوح20، ذلك لأنه تردد سلوك الأمكنة والسبل في قصة موسى في القصص، بخلاف ما ورد في النمل. فقد ورد فيها، أي: في سورة القصص سلوك الصندوق بموسى وهو ملقى في اليم إلى قصر فرعون، وسلوك أخته وهي تقص أثره. وسلوك موسى الطريق إلى مدين بعد فراره من مصر، وسلوكه السبيل إلى العبد الصالح في مدي، وسير موسى بأهله وسلوكه الطريقَ إلى مصر، حتى إنه لم يذكر في النمل سيرَه بأهله بعد قضاء الأجل بل إنه طوى كل ذكر للسير والسلوك في القصة فقال مبتدئا: "إذْ قالَ موسَى لأهْلِهِ إنّي آنَسْتُ نارا سآتيكُمْ مِنها بِخَبر" بخلاف ما ورد في القصص، فإنه قال: "فلمّا قّضى موسى الأجَلَ وسارَ بأهلِهِ آنَسَ منْ جانِبِ الطورِ نارا" فحسن ذكر السلوك في القصص دون النمل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الفعل (دخل) ومشتقاته تكرر خمس مرات (11) في النمل في حين لم يرد هذا الفعل ولا شيء من مشتقاته في القصص، فناسب ذكره في النمل دون القصص.
ومن ناحية أخرى إن الإدخال أخص من السَّلك أو السلوك اللذين هما مصدر الفعل سلك، لأن السَّلك أو السلوك قد يكون إدخالا وغير إدخال، تقول: سلكت الطريق وسلكت المكان، أي: سرت فيه، وتقول: سلكت الخيط في المخيط، أي: أدخلته فيه. فالإدخال أخص وأشق من السلك والسلوك. فإن السَّلك قد يكون سهلا ميسورا، قال تعالى في النحل: "فاسْلُكي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً 69" فانظر كيف قال (ذللا) ليدلل على سهولته ويسره، وقال: "ألمْ تَرَ أنّ الله أنْزَلَ مِن السّماءِ ماء فَسَلَكَهُ ينابِيعَ في الأَرْضِ 21" الزمر. وهل هناك أيسر من سلوك الماء في الأرض وغوره فيها؟
فناسب وضع السلوك في موطن السهولة واليسر، ووضع الإدخال في موطن المشقة والتكليف الصعب. لقد ناسب الإدخال أن يوضع مع قوله: "سآتيكُمْ مِنها بِخَبَرٍ" وقوله: "فَلَمّا جاءَها" ومهمة التبليغ إلى فرعون وقومه.
وناسب أن يوضع السلوك في مقام الخوف، وأن يوضع لإدخال في مقام الأمن والثقة.
وناسب أن يوضع الإدخال وهو أخص من السلوك مع (الشهاب القبس) الذي هو أخص من الجذوة، وأن يوضع السلوك وهو أعم من الإدخال مع الجذوة من النار التي هي أعم من الشهاب القبس.
فكل لفظة وضعت في مكانها الملائم لها تماماً.
16 ـ قال في القصص: "واضْمُم إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرّهْب" ولم يذكر مثل ذلك في النمل. و(الرهب) هو الخوف ، وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في القصة، ومناسب لجو التفصيل فيها بخلاف ما في النمل.
17 ـ قال في النمل: "في تِسْعِ آياتٍ"
وقال في القصص: "فَذانِكَ بُرهانانِ"
فقد أعطاه في النمل تسع آيات إلى فرعون، وذكر في القصص برهانين، وذلك لما كان المقام في النمل مقامَ ثقة وقوة وسّع المهمة،
فجعلهما إلى فرعون وقومه، ووسّع الآيات فجعلها تسعا، ولما كان المقام مقام خوف في القصص، ضيّق المهمة وقلل من ذكر الآيات.
وكل تعبير وضع في مكانه المناسب.
ثم إن استعمال كلمة (الآيات) في النمل مناسب لما تردد من ذكر للآيات والآية في السورة فقد تردد ذكرُهما فيها عشر مرات، في حين تردد في القصص ست مرات. فناسب وضع (الآيات) في النمل ووضع البرهان في القصص الذي تردد فيها مرتين، في حين ورد في النمل مرة واحدة، فناسب كل تعبير مكانه.

(1/363)


18ـ قال في النمل: "إلَى فِرْعَوْنَ وَقوْمِهِ"
وقال في القصص: "إلى فِرْعَوْنَ ومَلئِهِ"
فوسع دائرة التبليغ في النمل كما ذكرنا، وذلك مناسب لجو التكريم في القصة، ومناسب لثقة موسى بنفسه التي أوضحتها القصة.
ولما وسّع دائرة التبليغ وسّع الآيات التي أعطيها، بخلاف ما ورد في القصص
19 ـ قال في النمل: "فلَمّا جاءَتْهُم آياتُنا مُبْصِرَة ً قالوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ"
ومعنى ذلك أن موسى قبل المهمة ونفذها من دون ذكر لتردد أو مراجعة، وهو المناسب لمقام القوة والثقة والتكريم، في حين قال في القصص: "قال ربّ إني قتلت منهم نفسا فأخافُ أن يَقتُلونِ"، فذكر مراجعته لربه وخوفه على نفسه من القتل، وهو المناسب لجو الخوف في السورة ولجو التبسط والتفصيل في الكلام.
وكل تعبير مناسب لموطنه الذي ورد فيه كما هو ظاهر.
والله أعلم
المصدر:لمسات بيانية في نصوص التنزيل تأليف الدكتور فاضل السامرائي
http://www.lamasaat.8m.com/
ـــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ انظر الآيات: 7 مرتين، 18، 21، 28، 37، 38، 39، 40، 54، 55، 87
2 ـ انظر الآيات 29، 30، 46، 49، 71، 72 3 ـ انظر لسان العرب (شهب) 1 / 491 ، القاموس المحيط (شهب) 1 / 91 4 ـ انظر القاموس المحيط (قبس) 2 / 238 5 ـ انظر القاموس المحيط (جذا) 4 / 311
6 ـ انظر روح المعاني 20 / 72 7 ـ انظر البحر المحيط 7 / 55 8 ـ المفردات في غريب القرآن 6 9 ـ المفردات 102 10 ـ لسان العرب (أتى) 18 / 14 11 ـ انظر الآيات 12، 18، 19، 34، 44
==============
التناسق البياني لكلمات القرآن الكريم
بقلم المهندس عبد الدائم الكحيل
مقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فهذه مجموعة من الفتوحات التي منّ الله بها علي في إعجاز القرآن الكريم البياني، وفكرة هذا البحث تقوم على أن كل كلمة من كلمات القرآن تتكرر في القرآن كله بنظام بديع متناسق ومُحكم. والأمثلة الآتية التي سنراها تؤكد هذه الحقيقة.
هذا التناسق العجيب يبرهن على استحالة الإتيان بمثل هذا القرآن الذي قال الله عنه: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الإسراء: 17/88).كما يبرهن على أن القرآن لو كان كلام بشر لما رأينا فيه مثل هذه التناسقات والتدرجات اللغوية والبيانية، وهذا ما أمرنا الله تعالى أن نتدبره فقال: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) (النساء: 4/82).
فكرة عن التناسق البياني
يمكن شرح فكرة النظام البياني لسور القرآن, من خلال المثال الآتي:
يعلمنا الله تعالى أن نتوكل عليه فهو يكفي وهو حسبُنا, نستمع إلى هذا الأمر الإلهي: حَسْبِيَ اللَّهُ هذا النداء تكرر في كامل القرآن في سورتين, لنبحث عن كلمة (حَسْبِيَ) في القرآن:
1ـ (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُلا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [التوبة: 9/129].
2ـ (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) [الزمر: 39/38].
إذن كلمة (حَسْبِيَ) دائماً ترافقها كلمة (اللَّهُ) تعالى, أي (حَسْبِيَ اللَّهُ) وهل يوجد غير الله لنلتجئ إليه وندعوَه؟ وكما نلاحظ كلتا الآيتين فيهما أمر آخر هو التوكل على الله تعالى, وليؤكد لنا أن التوكل لا يكون إلا على الله. إذن ارتبط الالتجاء إلى الله بالتوكل على الله! فمن أراد أن يلتجئ إلى الله تعالى فعليه أن يتوكل على الله، فلا فائدة من التجاءٍ لا توكل معه.
كما أن الآية الأولى جاء التوكل فيها على لسان النبي الكريم عليه صلوات الله وسلامه، وهذا تشريفاً لمقامه ومنزلته عند الله عز وجل. بينما في الآية الثانية جاء التوكل على لسان المؤمنين، وفي هذا إشارة لطيفة إلى ضرورة أن يبدأ الانسان بنفسه ثم بالآخرين، وهذا أسلوب عظيم في التربية. ولذلك جاء التدرج البياني للآيتين مبتدئاً بالرسول الأعظم الذي هو مثال ونموذج وقدوة من أراد أن يتوكل على الله، ثم من بعده البشر هكذا:
1- عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ.
2- عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ.
التدرج العقائدي
لنتأمل إحدى كلمات القرآن ونظام تكرارها بيانياً وعددياً. ونجري بحثاً عن كلمة (حقَّت) في القرآن فنجد هذه الكلمة تكررت 5 مرات في كل القرآن في 4 سور:
1 ـ (كَذَلِكَ حَقَّتْكَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [يونس: 15/33].
2ـ (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْعَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ) [يونس: 10/96].

(1/364)


3ـ (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْعَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [النحل: 16/36].
4ـ (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْكَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [الزمر: 39/71].
5ـ (وَكَذَلِكَ حَقَّتْكَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) [غافر: 40/6].
دائماً استخدمت كلمة (حَقَّتْ) في القرآن للتعبير عن حقيقة واحدة وهي أن الذين فسقوا وكفروا... لا يؤمنون... ضالون كافرون أصحاب النار. هذه الوحدة اللغوية في كامل القرآن لتدلُّ على أن منزل القرآن واحد لا شريك له. وهذا التناسق البياني هو دليل على أن القرآن كتاب لا يمكن تقليده أو الإتيان ولو بجزء أو سورة منه.
وردت كلمة (حقَّت) في 5 آيات تدرجت كما يلي:
1ـ في الآية الأولى الحديث عن (الذين فسقوا) فهؤلاء (حقّت عليهم كلمة ربك)، وكما نعلم أول خطوة على طريق جهنم تبدأ بالخروج (الفسق) عن أمر الله تعالى.
2ـ ثم في الآية الثانية جاء الحديث عن الذين (لا يؤمنون) وهذه هي المرحلة الثانية بعد الفسق ـ عدم الإيمان.
3ـ في الآية الثالثة تحدث الله عن أؤلئك الذين (حقّ عليهم الضلالة)، إذن عدم الإيمان يؤدي إلى الضلال.
4ـ في الآية الرابعة كان الحديث عن (الكافرين) فالضلال يؤدي إلى الكفر والإشراك بالله تعالى لذلك جاءت العبارة: (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ).
5ـ وأخيراً ختم الله هذه الآيات الخمسة بقوله: (أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) وهذه هي النتيجة المنطقية لكل من يفسُق... لا يؤمن... يضلّ.. يكفر... فمصيره إلى النار فهي تكفيه.
وتأمل أخي الحبيب هذا التدرج اللغوي لرحلة تنتهي بالنار والعياذ بالله تعالى:
فسقوا................ بداية الرحلة هي الفسق عن أمر الله تعالى.
لا يؤمنون........... بعد الفسق يأتي عدم الإيمان بالله تعالى.
الضلالة............ ثم يأتي الضلال والضياع.
كَلِمَةُ الْعَذَابِ ........ وتبدأ رحلة العذاب.
أَصْحَابُ النَّارِ....... والنتيجة المؤلمة لهذه المراحل هي النار!
ولكن يبقى التساؤل: ما هي كلمة الله التي حقَّت على هؤلاء الكافرين؟ ألا يستطيع الله تعالى أن يهديَ الناس جميعاً؟ إنني أتصور أن الضلال والهدى... الكفر والإيمان.. الجنة والنار... كل هذه المفاهيم وغيرها لها نظام محسوب بدقة, فالله تعالى يعلم ما يصنع وهو يسيِّر الكون بما فيه, فهل يعجز عن هداية مخلوق؟
ولكن حكمة الله ومشيئته وقضاءه أعلى من مستوى تفكيرنا... ولكن يمكنني أن أقول إن النظام الكوني والبشري ونظام الخلق والنظام القرآني وغيرها لا يمكن أن تكون إلا بهذا الشكل الذي نراه, وغير هذه الصيغة لنظام الخلق ستؤدي إلى خلل في الكون.
هكذا مشيئة الله...
قبل أن يخلق الله الكون اختار الصيغة الأنسب للضلال والهدى، واقتضت مشيئة الله أن ينقسم البشر بين مؤمن وكافر، لو شاء لهدى الناس جميعاً, ولو شاء لعذبهم جميعاً... إنه يفعل ما يريد هو وليس نحن... لنتخيَّل حكمة الله في خلقه نستعرض 3 آيات من القرآن حيث تكررت كلمة (نَشَأْ) لنرى التدرج البلاغي والرقمي لتكرار هذه الكلمة عبر سور القرآن:
1ـ (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء: 26/4].
2 ـ (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) [سبأ: 34/9].
3 ـ (وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ) [يس: 36/43].
نظام الكلمات لغوياً
كلمة (نَشَأْ) هي كلمة خاصة بالله تعالى، لم ترد إلا وقبلها (إنْ) وبعدها كلمة تخصُّ الله وقدرته ومشيئته ليبيِّن لنا الله تعالى أن المشيئة كلها لله وحده، وليس لنا نحن البشر من الأمر شيء.
1ـ بدأ الله تعالى الأولى بالحديث عن الهدى فهو قادر على أن ينزل على هؤلاء المكذبين آية (معجزة) من السماء فيجبرهم على الخضوع والإيمان قسراً, ولكن عدالة الله تعالى اقتضت أن يعطيَهم حرية الاختيار لكي لا يظلم أحداً يوم القيامة.
2ـ ثم أتت الآية الثانية بالتهديد بأن الله قادر على أن يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم قطعاً ملتهبة من السماء ولكن رحمتُه تقتضي إمهالهم ليوم لا ريب فيه حيث لا ينفعهم الندم.
3ـ وخُتمت هذه الآيات الثلاث بأن الله لو شاء لأغرقهم فلا منقذَ لهم غير الله تعالى.
نرى التدرج عبر الآيات الثلاثة:

(1/365)


من السماء (نُنَزِّلْ)...
إلى الأرض (نَخْسِفْ)...
إلى أعماق البحار (نُغْرِقْهُمْ)...
فهل نحن أمام برنامج بلاغي لكل كلمة من كلمات القرآن؟ إذن تنوعت أنواع العذاب :
الإحراق بأجسام ملتهبة من السماء.
ثم الخسف في الأرض .
ثم الإغراق في ظلمات البحار.
كلُّ شيء... يسبِّح بحمدِه
كيف لا يسبح كل شيء بحمد الله تعالى وهو خالق كل شيء؟ الرعد يسبح بحمده... كل شيء يسبح بحمده... يوم القيامة يدعونا الله فنستجيب بحمده... إنه الحي الذي لايموت فسبِّح بحمده, لنبحث عن كلمة (بِحَمْدِهِ) التي نجدها مكررة 4 مرات في 3 سور من القرآن العظيم:
1ـ (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِوَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) [الرعد: 13/13].
2ـ (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِوَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) [الإسراء: 17/44].
3ـ (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء: 17/52].
4ـ (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِوَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً) [الفرقان: 25/58].
3 سور هي: الرعد 13ـ الإسراء 17ـ الفرقان 25, تكررت فيها كلمة (بِحَمْدِهِ).
النظام البلاغي
تنظيم كلمات وآيات وسور القرآن وترتيبها لا يقتصر على دقة الكلمات والعبارات، بل هنالك نظام بلاغي لتدرج هذه الكلمات عبر سور القرآن. ففي المثال السابق نجد النظام التالي:
1ـ عرَّفَنا الله تعالى كيف يسبِّحُ الرعد بحمده والملائكة لأن هذه المخلوقات تمتثل أمر الله وتخافه ولا تعصيه، فهل نَعتَبِر؟
2ـ ثم قرر في الآية الثانية أن كل شيء يسبح بحمد الله تعالى... وللأسف كثير من الناس غافلون عن ذكر الله ولقائه وعذابه.
3ـ ثم انتقلت الآية الثالثة لتتحدث عن المستقبل ـيوم القيامةـ عندما يبعثنا الله بعد الموت فنستجيب بحمده, فإما إلى الجنة وإما إلى النار. وحتى نفوزَ بالجنة.
4ـ تأتي الآية الرابعة بالأمر الإلهي (وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ)، ليعلمنا كيف نسبح ونمجِّد وننزِّه الله تعالى لنفوز برحمة الله ونعيمه ومغفرته, إذن بعد 3 آيات تُقرِّر أن كل شيء يسبح بحمده تعالى... فهل تمتثل أيها الإنسان أمر الله وتسبِّحه وتمجِّده؟ لذلك جاءت الآية الرابعة لتأمرنا بالتسبيح لله تعالى.
كل شيء يسجد لله
إذا كان كل شيء يسبح بحمد الله تعالى تعظيماً له. فهل تستكبر مخلوقات الله عدا الإنسان عن السجود لخالقها؟ القرآن يخبرنا أن كل شيء في الوجود يسجد لله تعالى خوفاً وتواضعاً وتذللاً لله تعالى , وعلى الرغم من ذلك يأبى كثير من الناس الامتثال لأوامر خالقهم ورازقهم وممهلهم...
كلمة (يَسجُدُ) تكررت في كامل القرآن 3 مرات بالضبط في 3 سور :
1 ـ (وَلِلّهِ يَسْجُدُمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) [الرعد : 13/15].
2 ـ (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) [النحل : 16/49].
3 ـ (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [ الحج :22/18].
هكذا عظمة كتاب الله تعالى... تتراءى أمامنا البلاغة الفائقة تتدرج من حيث المعنى :
1 ـ بدأت الآية الأولى بتقرير أن كل من في السماوات والأرض يسجد لله طوعاً وكرهاً , ليدلَّنا على أن الأمر لله وليس لمخلوقاته .
2 ـ في الآية الثانية تحدث الله تعالى عن الدواب التي نظنها لا تعقل ولا تسمع, ولكنها تسجد لله تعالى والملائكة أيضاً يسجدون لله .
3 ـ وأخيراً تحدثت الآية الثالثة والأخيرة أن كل من في السماوات ومن في الأرض يسجد لله وعدَّد بعض مخلوقات الله: الشمس ـ القمر ـ النجوم ـ الجبال ـ الشجر ـ الدواب..., ونلاحظ في هذه الآية كيف انتقل الله تعالى من صيغة الإثبات إلى صيغة الاستفهام (أَلَمْ تَرَ) أي بعد كل هذه الآيات ألم يحنِ الوقت لترى وتوقن أن كل شيء يسجد لله؟
من خلال الآيات الثلاث نلاحظ أن كلمة (يَسْجُدُ) هي كلمة خاصة بالله تعالى لم تُستخدم إلا للتعبير عن أن كل شيء يسجد لله, لذلك نجدها دائماً مسبوقةباسم (الله)! ليؤكد لنا الله على أن السجود هو فقط لله وليس لأحدٍ غير الله, ونرى كيف تتدرج الآيات الثلاث في تعداد المخلوقات:
1 ـ الآية الأولى لم تعدد من أنواع المخلوقات شيئاً.
2 ـ الآية الثانية ذكرت : الدواب ـ الملائكة (نوعين فقط).

(1/366)


3 ـ الآية الثالثة ذكرت : الشمس ـ القمر ـ النجوم ـالجبال ـ الشجر... (أنواع متعددة).
هل ينفع الندم؟
مشهد من مشاهد جهنم يصوره لنا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، يقول أصحاب النار (يا ليتنا)، فما هي أمنيات هؤلاء الكفار؟ ولكن ماذا تفيدهم هذه الأماني؟ طبعاً لاشيء، لنستمع إلى هاتين الآيتين حيث تكررت كلمة (ليتنا) لم ترد هذه الكلمة إلا في هاتين الآيتين:
1ـ (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَانُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنعام:6/27].
2ـ(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَاأَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) [الأحزاب: 33/66].
التدرج اللغوي والمنطقي في الآيتين
1ـ الآية الأولى بدأت بوقوفهم على النار (إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ)، ثم الآية الثانية بعد أن دخلوا في النار أصحبَ تُقَلَّب وجوههم فيها (تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) ، وهكذا التدرج من الوقوف خارج النار إلى الدخول إليها.
2ـ في الآية الأولى بدؤوا بقولهم أول شيء (فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ)، أي إلى الدنيا، فهذا أول مطالبهم، ثم تمنوا ألاَّ يكذبوا بآيات الله (وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا) ثم تمنوا بأن يكونوا من المؤمنين(وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ): أي العودة إلى الدنيا... ثم التصديق بآيات الله... ثم الإيمان.
3ـ ولكن في الآية الثانية عندما دخلوا إلى النار وقُلِّبت وجوهُهم فيها، لم يعد لديهم أمل بالعودة إلى الدنيا. وأدركوا مدى أهمية طاعة الله وطاعة رسوله فانتقلوا من مرحلة الإيمان إلى مرحلة الطاعة لله ورسوله، لذلك يقولون عندها: (يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) إذن نلخِّص هذا النظام البلاغي باختصار:
1ـ وقوفهم على النار.... ثم الدخول فيها لتُقَلَّب وجوههم في النار.
2 ـ وتأمل معي التدرج الزمني للآيتين: فلآية الأولي جاء فيها قولهم بصسغة الماضي (فَقَالُواْ)، ولكي لا يظنّ أحد أن هذا القول وهذه الحسرة انتهت، أو ستنتهي، يأتي قولهم في الآية الثانية على صيغة الاستمرار (يَقُولُونَ)، ليبقى الندم مستمراً.
إن هذا النوع من الإعجاز الزمني لاستخدام كلمات القرآن، ألا يدل على أن هذا القرآن كتاب مُحكَم؟
ودائماً كلمة (ليتنا) سُبقت بكلمة (يا) ليظهر لنا الله تعالى المبالغة في التمنِّي للكفار وهم نار جهنم... ولكن هل ينفع الندم؟
لهم ما يشاءون
قلنا في الفقرات السابقة أن الله وضع نظاماً رقمياً لسور القرآن لنستيقن أن هذا القرآن من عند الله تعالى, وأننا نعجز عن الإتيان بمثله مهما حاولنا, عندما نستيقن ذلك نقرُّ ونعترف بأن كل كلمة في كتاب الله تعالى هي حق... وأن وعد الله حق, وأن الجنة حق, وأن النار حق. والقرآن يصور لنا حياة المؤمن في الجنةبعبارة خاصة بأهل الجنة وقد تكررت 5 مرات في الآيات:
1ـ (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ) [النحل: 16/31].
2ـ (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَخَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً) [الفرقان: 25/16].
3ـ (لَهُم مَّا يَشَاءُونَعِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ) [الزمر: 39/34].
4ـ (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاءُونَعِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ) [الشورى: 42/22].
5ـ (لَهُم مَّا يَشَاءُونَفِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق: 50/35].
ولنرى النظام البلاغي الفائق الدقة في تكرار هذه الكلمة الخاصة بأهل الجنة:
1ـ تحدثت الآية الأولى عن جزاء المتقين: جنات... لهم فيها ما يشاءون.
2ـ أما في الآية الثانية فقد أكّد الله تعالى على أن هؤلاء المتقين خالدون في الجنة التي لهم فيها ما يشاؤون, وأن وعد الله حق ولا يُخلف الله وعده (كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً).
3ـ أما الآية الثالثة فقد تحدثت عن المحسنين لأن التقوى يُؤدي إلى الإحسان, (والعكس صحيح) هؤلاء المحسنون (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ), أكدت أيضاً أنهم سيكونون بقرب ربهم, ومن كان قريباً من الله فماذا يطلب بعد ذلك؟
4ـ زادت الآية الرابعة تأكيد قرب هؤلاء من ربهم سبحانه وتعالى وأكدت أن هذه الصفات هي (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ).
5ـ وأخيراً لكي لا نظُنُّ أن هذا كل شيء, ختم الله هذه الآيات الخمسة بكلمة (مزيد), فالعطاء مفتوح لا حدود له (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).
بعد كل هذا ماذا يتمنَّى المؤمن؟ فسبحان الذي رتب ونظم هذه الكلمة عبر سور القرآن بهذا الشكل المذهل!!
البحار يوم القيامة

(1/367)


البحار التي يُستخدم ماؤها لإخماد النار سوف تلتهب... تُسَجَّر... وتُفَجَّر، هذه إحدى الحقائق عن يوم القيامة. ولنسأل هل يوجد بلغة الأرقام ما يصدق هذه الحقيقة؟ نلجأ إلى كتاب الله ونبحث عن كلمة (البحار)، كم مرة تكررت في كامل القرآن؟ الجواب بسيط، مرتين في سورتين:
1ـ (وَإِذَا الْبِحَارُسُجِّرَتْ) [التكوير: 81/6].
2ـ (وَإِذَا الْبِحَارُفُجِّرَتْ) [الانفطار: 82/3].
ولا ننسى أن كلمة (البحار) في القرآن لم تستخدم إلا للحديث عن يوم القيامة. ونلاحظ تسلسل الآيتين في القرآن يتناسب مع المفهوم العلمي: فأولاً يكون الاشتعال ثم الانفجار وليس العكس، فجاء تسلسل الآيتين أولاً (سُجِّرت) وثانياً (فُجِّرت)، وهذا مطابق للحقائق العلمية الحديثة.
الأرض يوم القيامة؟
هذه الأرض التي نراها ثابتة ومستقرة سوف تهتزُّ وترجُف يوم القيامة. وهذه حقيقة مستقبلية لاشك فيها، وما لغة الأرقام والنظام الرقمي إلا دليل قوي جداً على صدق كلام الله تعالى. تكررت كلمة (تَرْجُف) مرتين بالضبط في كامل القرآن في سورتين:
1ـ (يَوْمَ تَرْجُفُالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً) [المزمل: 73/14].
2ـ (يَوْمَ تَرْجُفُالرَّاجِفَةُ) [النازعات: 79/6].
إذن كلمة (تَرْجُفُ) تسبقها دائماً كلمة (يوم) ليؤكد لنا الله تعالى أن الأرض ستهتز وترجف في ذلك اليوم ـ يوم القيامة. فجاء التسلسل الزمني مطابقاً لتسلسل الآيتين: الآية الأولى تحدثت عن اهتزاز الأرض، ثم في الآية الثانية تحدث الله عن اهتزاز الأرض المهتزة أصلاً، وهذا لزيادة الاهتزاز والارتجاف.
لنعد إلى التساؤل التقليدي: مَن الذي وضع هذه الكلمة في هاتين السورتين؟ ومَن الذي حدَّد استخدام هذه الكلمة بما يخصّ يوم القيامة وليس أي شيء آخر؟ أليس هو رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟
السراج المنير
في كتاب الله تعالى لكل كلمة خصوصيتها, ومن بين الكلمات الكثيرة كلمة (منيراً) التي تكررت مرتين في كامل القرآن في الآيتين:
1ـ (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً) [الفرقان: 25/61].
2ـ (وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) [الأحزاب: 33/46].
في الآية الأولى الحديث عن القمر والشمس, أما الآية الثانية فتتحدث عن الرسول , وكأن الله يريد أن يقول لنا إن الرسول الكريم هو بمثابة الشمس والقمر للمخلوقات. فكما أن الإنسان لا يستطيع العيش من دون الشمس والقمر كذلك لا يمكن للمؤمن أن يحيا من دون تعاليم وأخلاق ودعوة الرسول . وهذا الترتيب للآيتين يثبت أن القرآن من عند الله.
البعد الزمني للكلمة القرآنية
لنتأمل هاتين الآيتين في صفة بني إسرائيل وكيف عبَّر عنهم البيان الإلهي:
1 ـ (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاوَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ) [البقرة: 2/93].
2 ـ (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاوَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء: 4/46].
إن عبارة سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا لم ترد في القرآن كله إلا في هذين الموضعين وكما نرى الحديث دائما على لسان بني إسرائيل، وكأن الله تعالى يريد أن يقول لنا بأن هذه الكلمة لا تليق إلا بهؤلاء، فهي لم ترد على لسان أي من البشر إلا بني إسرائيل!
هذه الحقيقة نكتشفها اليوم لنعلم حقيقة هؤلاء اليهود الذين حرفوا كلام الله، لذلك جاءت كلمة (وَعَصَيْنَا) لتعبر تعبيراً دقيقاً عن مضمون هؤلاء. وقد لاحظتُ شيئاً عجيباً في هاتين الآيتين:
الآية الأولى جاءت بصيغة الماضي قَالُواْ ، فهذا يدل على ماضيهم وتاريخهم في المعصية. ولكي لا يظن أحد أن هذا الماضي انتهى جاءت الآية الثانية بصيغة الاستمراروَيَقُولُونَ للدلالة على حاضرهم ومستقبلهم في معصية أوامر الله تعالى، فهم في حالة عصيان مستمر.
لم يكتفوا بعصيانهم بل أغلقوا قلوبهم وغلفوها بغلاف من الجحود والكفر، ويأتي البيان القرآني ليصف قلوب هؤلاء على لسانهم، ولنستمع إلى هاتين الآيتين:
1 ـ (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌبَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: 2/88].
2 ـ (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌبَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء: 4/155].

(1/368)


وهنا من جديد نجد أن عبارة قُلُوبُنَا غُلْفٌ لم ترد في القرآن كله إلا في هذين الموضعين، وهذا يثبت أن كلمات القرآن تُستخدم بدقة متناهية فكلمة غُلْفٌ هي كلمة خاصة ببني إسرائيل بل لا تليق هذه الكلمة إلا بهم. ولكن هنالك شيء أكثر إدهاشاً.
1 ـ فالآية الأولى جاءت على صيغة الماضي وَقَالُواْ لتخبرنا عن ماضي هؤلاء وحقيقة قلوبهم المظلمة، ثم جاءت الآية الثانية بصيغة الاستمرار وَقَوْلِهِمْ لتؤكد حاضرهم ومستقبلهم أيضاً، وهذا التدرج الزمني كثير في القرآن، فتسلسل الآيات والسور يراعي هذه الناحية لذلك يمكن القول بأن القرآن يحوي من الإعجازات ما لا يتصوره عقل: لغوياً وتاريخياً وعلمياً وفلسفياً وتشريعياً ورقمياً، ألا نظن أننا أمام منظومة إعجازية متكاملة في هذا القرآن؟
2 ـ في الآية الأولى نلاحظ قول الله تعالى وردّه عليهمبَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ ، وهذا منتهى الذل أن يلعنهم الله فماذا بقي لهم من الأمل في الدنيا أو الآخرة؟ ولكن الآية الثانية نجد قول الله ورده عليهم بصيغة ثانية: بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا وهذا يؤكد أنه لا أمل لهذه القلوب أن تنفتح أمام كلام الله، فقد لعنهم الله وطبع على قلوبهم فماذا ينتظرون بعد ذلك؟
3 ـ ولكن هل تنطبق هذه المواصفات على جميع اليهود؟
إن نهايتَي الآيتين تجيبنا على ذلك، فالآية الأولى انتهت بـ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ للدلالة على قلة إيمانهم أما الآية الثانية فانتهت بفَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً حتى المؤمنون منهم عددهم قليل جداً.
إذن هم قليلو الإيمان كيفاً وكماً. وهنا نتساءل: أليست هذه معجزة بلاغية فائقة؟
وهكذا لو سرنا عبر قصة بني إسرائيل في القرآن ومواقفهم مع نبي الله موسى عليه السلام، لرأينا أن كل شيء يسير بنظام، وهذه القصة تحتاج لبحث مستقل بل مجموعة من الأبحاث لكشف أسرار معجزة هذا القرآن.
الترتيب الزمني للقصة
يبشر الله عباده المؤمنين برسول كريم اسمه أحمد ‘، وتأتي البشرى على لسان روح الله وكلمته المسيح عيسى بن مريم عليه السلام فيقول هذا الرسول الكريم لبني إسرائيل مبشراً لهم: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) [الصف: 61/6]. ونحن نعلم أنه لا نبي بعد رسول الله ‘ فهو خاتم النبيين.
إن عبارة (من بعدي) في هذه الآية تدل على زمن، هذه العبارة تكررت في القرآن، ونسأل: كيف تكررت هذه العبارة وعلى لسان مَن وردت؟ وما هو ترتيب الآية السابقة التي جاءت على لسان المسيح عليه السلام؟ لنستمع إلى هذه الآيات الأربعة:
1 ـ (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِيقَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:2/133].
2 ـ (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَأَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأعراف: 7/150].
3 ـ (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيإِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [ص: 38/35].
4 ـ (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِياسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) [الصف: 61/6].
إن كلمة (بعدي) لم ترد إلا في هذه الآيات الأربعة من القرآن، ولكن السؤال على لسان من وردت هذه الآيات؟ إذا استعرضنا هذه الآيات من القرآن وجدنا أن:
1 ـ الآية الأولى في سياق قصة يعقوب عليه السلام.
2 ـ الآية ثانية في سياق قصة موسى وهارون عليهما السلام.
3 ـ الآية الثالثة في سياق قصة داود وسليمان عليهما السلام.
4 ـ الآية الرابعة في سياق قصة المسيح عليه السلام والبشرى.
هذه لغة القصة في كتاب الله تعالى, ولكن ماذا تخبرنا لغة التاريخ؟
إن تسلسل هذه الآيات الأربعة مطابق تماماً للتسلسل التاريخي لهذه القصص، فنحن جميعاً نعلم دون خلاف أن التسلسل التاريخي للأنبياء الأربعة هو: يعقوب ثم موسى ثم داود ثم المسيح عليهم السلام، لذلك جاء تسلسل الآيات الأربعة موافقاً لهذا الترتيب. وهنا ربما ندرك الحكمة من أن ترتيب سور المصحف يختلف عن ترتيب نزول سور القرآن، لأن هذا الترتيب فيه معجزة!

(1/369)