قائمة الروابط



ثانياً: بيانات المقرر:







 
 
 
 


 
 
 
 


 

رقم
  المقرر


 

 

اسم
  المقرر


 

 

الوحدات
  الدراسية


 

 

متطلب
  سابق


 

 

2_ 501262


 

 

علم
  اللغة : الأصوات


 

 

2


 

 

مدخل
  لعلم اللغة العام 501252


 




 



أهداف المقرر :



1. دراسة أصوات اللغة العربية والتعرف
على مخارج الحروف وصفاتها .



2. التعرف على تاريخ الدرس الصوتي بدءًا
بجهود علماء العربية الأقدمين وانتهاء بدراسات المحدثين.



3. الوقوف على أثر القرآن الكريم في حفظ
أصوات العربية  .



المنهج :




  1. معنى الصوت _ الحرف _
    النفس , والفرق بينها .

  2.  كيف يتكون الصوت اللغوي ؟ وكيف ينتقل ؟ وكيف
    يستقبل ؟

  3. جهاز النطق ووظائفه .

  4. مخارج الأصوات
    العربية , وصفاتها .

  5. أسماء الحروف ,
    وأجناسها , ومخارجها .

  6. أثر القرآن الكريم في
    حفظ أصوات العربية .

  7. تأثر الأصوات
    بعضها  ببعض : الإخفاء , الإدغام ، الإقلاب
    , المماثلة , المخالفة .

  8. جهود علماء المسلمين
    في علم الأصوات : الخليل , سيبويه , ابن جني , علماء القراءات , علماء التجويد.

  9. دراسة الأصوات عند
    المحدثين .



















10.الوحدة
الصوتية (الفونيم) كميه الصوت , المقطع , النبر , التنغيم .



ثالثا : المراجع :




  1. الأصوات اللغوية :
    إبراهيم أنيس .

  2. علم اللغة العام
    (الأصوات) : كمال بشر .

  3. سر صناعة الإعراب
    لابن جني .

  4. مقدمة كتاب العين
    للخليل .









إجراءات تقويم وتحسين المقرر



سيقوم القسم بمراجعة
وتقويم وتحسين المقرر بناء على دراسة الملف التنفيذي الذي يقدمه الأستاذ في كل فصل
دراسي ، ويحوي هذا الملف ما يأتي :




  1. توزيع مفردات المقرر على أسابيع الفصل الدراسي
    .

  2. رأي الأستاذ في مدى تحقيق مفردات المقرر
    لأهدافه الموضوعة له .

  3. ما يدوّنه الأستاذ من ملحوظات إيجابية أو
    سلبية على المقرر .

  4. أبرز المشكلات التي واجهها الأستاذ في أثناء
    تدريس المقرر .

  5. وسائل تقويم المعرفة والمهارات المرتبطة
    بالمقرر .

  6. توصيات ومقترحاته لتحسين وتطوير المقرر .













مجالات التعلم في المقرر : 



ينظر مقدمة البرنامج



تقويم الطلاب في المقرر :





 الجدول الزمني لمهام تقويم الطلاب خلال الفصل
الدراسي









 
 
 
 


 
 
 
 


 
 
 
 


 
 
 
 


 
 
 
 


 

 رقم التقييم


 

 

طبيعة مهمة التقييم 


 

 

الأسبوع المستحق


 

 

نسبة الدرجة إلى درجة  التقييم النهائي


 

 

1


 

 

اختبار تحريري دوري


 

 

السابع


 

 

20%


 

 

2


 

 

واجب منزلي


 

 

الرابع


 

 

10%


 

 

3


 

 

اختبار قصير


 

 

العاشر


 

 

10%


 

 

4


 

 

الامتحان النهائي


 

 

الأخير


 

 

60%


 




 



 



علم
الأصوات



علمُ الأصوات يدرس الأصوات اللغوية، من حيث مخارجها
وصفاتها وكيفيَّة صدورها. ويطلق على هذا العلم أيضًا: الصّوتيات، أو
علم الصّوتيات، وهو فرع من فروع علم اللغة.

يرى علم الأصوات في
اللغة مجموعة من الأصوات ينتجها الإنسان بوساطة جهازه الصَّوتي
(جهاز النطق)، الذي يُولد مزوَّدًا به، وهو يتكوَّن أساسًا من الرئتين والقصبة الهوائية ثم الحلق والحنجرة والحبال الصوتية (الأوتار
الصوتي) واللهاة واللسان والحنكين والشفتين، ومعها تجويف الفم والأنف. والطريقة
التي يُنتج بها الجهاز الأصوات، تقوم على عملية يسيرة تنتج عن
احتكاك الهواء بين العضلات فيُسمَع لها رنين، يخرج كُلّ
مرَّة على شكل مُغاير للمرّة الأخرى، وهذا الهواء تدفعه الرئتان إلى المنطقة التي يُراد أن يخرج الهواء منها، فينتج بذلك ما نطلق عليه الصوت.

يقوم علماء الأصوات
بدراسة شيئين هما:



1- مخارج الأصوات أي تحديد منطقة كل صوت على جهاز
النطق، ويسمّون الأصوات بحسب مخارجها، فيقولون: هذا صوت لثوي، وذاك أسنانيّ، وآخر شفوي، ورابع لهويّ وهكذا....



2- صفات الأصوات، وهنا يقومون بوصف الصّوت بناء على ملاحظة طريقة
احتكاك الهواء بعضلات جهاز النُّطق. وتتغير طريقة النطق (طريقة احتكاك الهواء
وطريقة وضع العضو الناطق) في المخارج، ويؤدّي ذلك إلى أن
يتصف الصّوت بسمات مختلفة، تحدّد صفاته النطقية، فيقال هذا صوت مهموس، وذاك مجهور، وثالث رخو، ورابع شديد وهكذا....









 



مناهج
الدَّرس اللغوي





تدرس الأصوات
اللغوية، في ضوء علمين:



  الأول منهما :علم الأصوات ويطلق عليه أيضًا الفوناتيك .



والآخر: علم وظائف الأصوات، أو علم الأصوات التنظيمي، أو علم الأصوات التشكيلي، ويطلق عليه الفنولوجيا.



 يدرس العلم الأول الأصوات من حيث كونها أحداثًا منطوقة بالفعل، لها تأثير سمعي معيّن، دون نظر في قيم هذه
الأصوات، أو معانيها في اللغة المُعَيَّنة، إنّه يُعنى بالمادة الصوتية، لا
بالقوانين الصّوتية، وبخواص هذه المادة، أو الأصوات بوصفها ضوضاء، لا بوظائفها في
التركيب الصّوتي للغة من اللغات.



أما العلم الثاني الفنولوجيا فيُعنى بتنظيم المادّة الصوتية وإخضاعها
للتقعيد والتقنين، أي البحث في الأصوات من حيث وظائفها في اللغة.

علم
الأصوات وجوانبه:

تمرُّ عمليَّة
الكلام بخمس خطوات، أو أحداث متتالية مترابطة، يقود
بعضها إلى بعض، حتَّى يتم التواصل بين المتكلم والسامع،
وتلك الأحداث ـ بترتيب وقوعها ـ هي:



1- الأحداث النفسيَّة والعمليات العقليَّة التي تجري في ذهن
المتكلم قبل الكلام، أوفي  أثنائه.



 2- عملية إصدار الكلام
الممثَّل في أصوات ينتجها الجهاز المسمَّى جهاز النطق.



 3- الموجات والذبذبات الصوتية
الواقعة بين فم المتكلِّـم وأذن السامع.



 4- العمليات العضوية التي يخضع لها الجهاز السمعي لدى السامع.



 5- الأحداث النفسية والعمليات
التي تجري في ذهن السامع عند سماعه للكلام واستقباله للموجات والذبذبات الصوتية
المنقولة إليه بوساطة الهواء.

يُفترض أن يقوم
عالم الأصوات بالنَّظر في الخطوات الخمس المذكورة، حتى يحيط
بجوانب موضوعه، غير أن معظم الدارسين من علماء الأصوات رأوا إهمال الجانبين
الأول والخامس وعدم التعرُّض لهما بالدرس، وذلك لأن الجانبين المشار إليهما جانبان نفسيّان عقليّان، وموضوع عالم اللغة درس الأحداث اللغوية
المنطوقة بالفعل، ولأن هذه العمليات النفسية العقليّة معقدَّة وغامضة.

يتَّضح ممّا سبق أن أصوات الكلام لها ثلاثة جوانب متَّصلة، لا يمكن تصور أحدها دون
الآخر، وهذه الجوانب هي:



1- جانب إصدار الأصوات، أو الجانب النُّطقيّ، ويشار إليه بالجانب الفسيولوجيّ، أو العضويّ للأصوات.



 2- جانب الانتقال، أو الانتشار
في الهواء، أو الجانب الأكوستيكيّ، أو الفيزيائي.



 3- جانب استقبال الصوت، أو
الجانب السمعي، ويتمثَّل في الذبذبات التي تؤثّر على طبلة أذن السامع.

فروع علم الأصوات:

تلك الجوانب
الثلاثة تقع في مجال علم الأصوات، وهو المختص بدراستها والنظر فيها دون
غيره من فروع علم اللغة. ويتطلـّب تعدد تلك الجوانب تعددًا في المناهج حتى يقوم كل منها بدراسة جانب من تلك الجوانب ونتيجة لهذه
التعدديَّة، ظهرت فروع عديدة لعلم الأصوات، تختلف في
أهدافها ووسائلها، ومن أهم تلك الفروع:

علم الأصوات
النُّـطقي. ويبحث في عملية إنتاج الأصوات اللغوية ومكان نطقها،
وطريقة إصدارها، ويسمى هذا العلم أيضًا علم الأصوات الفسيولوجي، أو علم الأصوات الوظائفي.

علم الأصوات
الفيزيائي. ويبحث في أصوات اللغة من حيث خصائصها الماديَّة، أو الفيزيائية
أثناء انتقالها من المتكلم إلى السامع، ويعرض هذا العلم لتردُّد
الصوت وسعة الذبذبة وطبيعة الموجة الصوتية وعلوّ الصوت: قوته ونغمته

علم الأصوات
السمعيّ. ويبحث في جهاز السمع البشري وفي العملية السمعية
وطريقة استقبال الأصوات اللغوية وإدراكها.



علم الأصوات العام. ويبحث في الأصوات اللغوية بشكل عام، أي دون ربطها بلغة فعلية.

علم الأصوات الخاص.
ويبحث في أصوات لغة مُعيَّنة دون سواها، مثل أصوات اللغة
العربية.

علم الأصوات الآلي.
ويبحث في أصوات اللغة، باستخدام المنهج التجريبي، كما يستخدم
الآلات الإلكترونية لكشف خصائص هذه الأصوات، مثل جهاز رسم
الأطياف الذي يحدد نوع الصوت وقوته ونغمته. كما يستخدم الحنك الاصطناعي لدراسة
الأصوات الحنكيَّة. ويسمَّى هذا العلم أيضًا: علم الأصوات المعملي، أو علم
الأصوات التجريبي.

علم الأصوات
المقارن. ويبحث في وجوه الشبه والاختلاف بين أصوات لغة ما، وأصوات
اللغات الأخرى.

علم الأصوات المعياريّ. ويصف أصوات لغة معينة، كما يجب أن تُنطق بصورتها الصحيحة، أو
صورتها المثالية، لا كما ينطقها الناس ويسمَّى أيضًا: علم اللغة الفَرْضِيّ.

علم الأصوات
الوصفي. ويبحث في أصوات اللغة المستخدمة في فترة زمنية محددة.
وهو مقابل لعلم الأصوات التاريخي.

علم الأصوات التاريخي. ويبحث في أصوات لغة ما، لمعرفة التغيُّر والتطوُّر الذي أصابها
عبر مراحل تاريخية سابقة.

علم الأصوات البحت.
ويبحث في الأصوات اللغويّة لمعرفة خواصّها النُّطقيَّة دون البحث في تطوّرها
أو وظيفتها أو إدراكها.

علم الأصوات القِطْعِيَّة. ويبحث في الصَّوائت والصَّوامت فقط.

علم الأصوات فوق القِطْعِيَّة. ويبحث في النَّبر والفواصل والنَّغمات. (الفونيم أصغر
وحدة صوتية مميزة ليس لها معنى نحوي أو دلالي،
والألوفون تنويعة نطقية في السياق الصوتي، لنفس الفونيم. فعلى سبيل
المثال: الصوت /ف/ في اللغة العربية فونيم، لكن بعض العرب قد ينطق هذا الفونيم
في كلمة لفظ قريبًا من الصوت الإنجليزي /v/ ويكون الصَّوت [ف] أو [v] في كلمة لفظ تنويعة
نطقية أو صوتية للفونيم، أي ألوفونًا في اللغة العربية، وليس فونيمًا كما
في اللغة الإنجليزية مثلا



علم الأصوات
الوظيفي. ويدرس الأصوات من حيث وظيفتها، أي أنه يدرس الفونيمات وتوزيعاتها
وألوفوناتها، ويسمَّى علم الفونيمات.

علم عيوب النُّطق.
ويدرس عيوب النطق لدى الأفراد وأسبابها وطرق علاجها.

موضوعات
علم الأصوات:

لعلم الأصوات
مجالات عديدة من أهمها: دراسة جهاز النُّطق البشري، ووصف الصوت اللغوي والتفريق
بين الفونيم والألوفون.

جهاز النطق  يتكون من عضلات البطن والحجاب الحاجز
والرئتين والقصبة الهوائية والحنجرة والوترين الصوتيين والمزمار والحلق واللسان والشفتين والأسنان العليا والأسنان السُّفلى واللـِّثة
والغار والطبق واللهاة والتَّجويف الأنفيّ والتَّجويف الفمويّ، والتجويف الحلقي،
ولكلٍ من هذه الأعضاء دور خاص في عملية النطق التي تقوم بها.

وصف الصوت اللغوي. لوصف الصوت اللغوي
لابد من أخذ عدة عوامل في الاعتبار مثل: مكان النُّطق (شفوي؛ أسناني؛ بين
أسناني؛ لثويّ؛ لثويّ غاريّ؛ غاريّ، طبقيّ؛ لهويّ؛ حلقي؛ حنجري). و الناطق (الشَّفة السُّفلى؛ ذَلَق اللّسان؛ مُقدّم اللّسان، وسط اللّسان؛
مؤخر اللّسان؛ جذر اللّسان). و كيفية النُّطق (انفجاري؛ احتكاكيّ؛ جانبيّ؛
أنفي؛ تكراريّ؛ صائت؛ شبه صائت؛ مجهور؛ مهموس؛ رخو؛ ليِّـن؛ قصير؛ طويل).
ويُضاف عند وصف الصّوائت إلى ماتقدّم، الصِّفات : بسيط؛
مُركَّب؛ عالٍ؛ وسطي؛ منخفض؛ أمامي؛ مركزي؛ خلفي.

الفونيم والألوفون.
من أكثر المصطلحات المستعملة في علم الأصوات. وللفونيم عدة تعريفات من أهمها تعريفه
بأنه مجموعة أصوات متماثلة صوتيًا في توزيع تكامليّ، أو تغيُّر
حر، أمَّا الألوفون فهو عضو في فونيم ما يتماثل صوتيًا مع سواه من ألوفونات الفونيم ذاته ويتوزَّع معها تكامليًّا، أو يتغيّر معها
تغيُّرًا حُرًَّا. وتنقسم الفونيمات إلى فونيمات قِطْعِيـَّة تشمل: الصوامت
والصوائت، وفونيمات فوق القِطْعِيـَّة وتشمل: النبرات والفواصل والـنَّـغمات.
وتختلف اللغات في عدد فونيماتها، وليست جميع الفونيمات
موجودة في جميع اللغات، كما أن الفونيم ذاته قد يُوجد في
لغتين ولكن بمكان نطق مختلف مثل: صوت /ت/ الأسناني في العربية وصوت / t / اللثوي في الإنجليزية ومثل صوت /ر/ التكراريّ في
العربية وصوت / r / الانعكاسيّ في الإنجليزية الأمريكية، وما هو فونيم
في لغة ما، قد يكون ألوفونا في لغة أخرى، والعكس صحيح.

فونيمات اللغة
العربية. للغة العربية أربعة وثلاثون فونيمًا قطْعيًا واثنا عشر
فونيمًا فوق القطعيّ، وفيما يلي سرد للفونيمات القطعِيّة:

/ت/ /ط/ /ك/ /ق/ /ء/
/ب/ /د/ /ض/ /ج/ /ف/ /ث/ /س/ /ص/ /ش/ /خ/ /ح/ /ه/ /ذ/ /ز/ /ظ/ /غ/ /ع/ /م/ /ن/ /ل/
/ر/ /و/ /ي/

الكسرة / ِ /
الفتحة / َ / الضمة / ُ / الكسرة الطويلة /ي/ الفتحة الطويلة / ا / الضمة الطويلة /.و /.

تصنيف الأصوات

اتفق اللغويون على
تقسيم أصوات اللغة إلى قسمين رئيسيين هما:



 الأصوات الصامتة، أو الصوامت،
والأصوات الصائتة، أو الصوائت. ويعتمد التقسيم السَّابق
على طبيعة الأصوات وخواصها، ويلاحظ فيه أوضاع الأوتار الصوتية وطريقة مرور الهواء من الحلق والفم، أو الأنف. انظر: الصامت؛ الصائت.

الأصوات ورموزها
الكتابية. ينبغي أن تمثل الرموز الكتابية النُّطق تمثيلاً
دقيقًا، والمعروف أن معظم الأبجديات قد رُوعي فيها هذا المبدأ عند وضعها، ولكن اللغة يُصيبها بمرور الزمن التغيُّر والتطوُّر، على حين تبقى
الأبجدية على صورتها الأولى دون تغيير ومن هنا يظهر القُصور في الأبجديات
والاختلاف بين المنطوق والمكتوب وهذه مشكلة تعانيها معظم
النُّظم الكتابية ـ كما أشرنا ـ ولعل العربية أقلُّ
اللغات قصورًا في هذا المجال. ومن أهم أوجه القصور في الأبجدية العربية عدم وجود رموز مستقلة لرسم الصَّوائت القصار، ووجود رموز تُكتب
ولا تُنطق كما في عمرو. كما أن هناك أصواتًا تُنطق ولا تُوضع لها رموز كما في طه
وعبدالرَّحمن وهذا وهذه...الخ. حيث لم يُوضع رمز للصائت
الطويل.



التمييز بين
الصَّوت والحرف. يخلط كثير من الناس بين الصوت والحرف، وللتفريق بينهما نقول: إن
الحرف ما يُكْتَبُ، وهو رسم تعارف الناس على كتابته باليد، ويدرك بالعين المجرَّدة
ويكتب على الورق بالقلم والحبر، فهو كمّ ماديّ، أو شكل هندسي يرسمه كلّ فرد تعلَّم
القراءة والكتابة ويفهمه كلُّ من أوتي حظًا من ذلك ولو يسيرًا، أما الصوت فهو
الذي يُنطق، وهو لايُدرك بالعين، وإنما يُدرك بالسمع،
وهو لا يُرى لأنه تموجات صوتية ترسلها عضلات الجهاز
الصَّوتي.

الأبجدية الصَّوتية
الدوليَّة (IPA). ويطلق عليها أيضًا
الألفباء الصوتيَّة الدولية رموز كتابية ونظام للكتابة الأصواتية، وضعته الجمعية الصَّوتية الدولية (جمعية أسَّسها عام 1886م جماعة من علماء
الأصوات الأوروبيين) عام 1889م للتعبير عن أصوات اللغات وفونيماتها، وهي أبجديَّة
تستخدم الرموز اللاتينية أساسًا، كما تستعمل أيضًا لأغراض الدراسات الصوتية،
ومقارنة أصوات اللغات بعضها ببعض... ألخ. وقد أدخلت على
هذا النظام إضافات لاحقة، وهي اليوم النظام المعتمد للكتابة الصَّوتية بين
علماء اللغة.

جهود
علماء الأصوات العرب:

يُعدّ الدرس الصوتي
عند العرب، من آصل الجوانب التي تناولوا فيها دراسة اللغة، ومن أقربها
إلى المنهج العلميّ، لأن أساس هذا الدَّرس بُني على القراءات القرآنية، وقد دفعت
قراءة القرآن علماء العربية القدماء لتأمَّل أصوات اللغة وملاحظتها ملاحظة
ذاتية، أنتجت في وقت مبكِّر جدًا دراسة طيبة للأصوات العربية، لا تبتعد كثيرًا عمَّا توصَّل إليه علماء الأصوات في الغرب.

و لعل هذا الجهد العلمي الكبير، بدأ بمحاولة أبي الأسود الدؤلي ضبط القرآن بالنُّقط عن
طريق ملاحظة حركة الشفتين، وكان يقول لمن يكتب له: إذا
رأيتني قد فتحت فمي بالحرف، فانقط نقطة فوقه إلى أعلاه،
وإن ضممت فمي، فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت، فاجعل النُّقطة من تحت الحرف.

جاء بعد ذلك الخليل
بن أحمد وقدَّم أوَّل تصنيف للأصوات حسب موضع النُّطق، أو
حسب الأحياز والمخارج، كما قال، وقد أدَّى به ذلك التصنيف إلى تقسيم الأصوات، إلى ما يُعرف الآن بالصوامت، والصوائت.

ثم واصل سيبويه
طريق أستاذه، فقدَّم دراسة للأصوات أوفى وأكثر دقَّة، حيث جاء تصنيفه لها حسب
المخارج، وحسب ما يُعرف الآن بوضع الأوتار الصوتية، ممّا سمّاه سيبويه بالجهر
والهمس، ثم بحسب طريقة النطق، لنجد الأصوات الشديدة و
الرِّخوة وما بين الشديدة والرخوة. ويمكن القول إن دراسة
الخليل وسيبويه للأصوات، قامت على مبدأ علمي صحيح، حيث درساها دراسة وصفيَّة واقعية قائمة على الملاحظة الذاتية، وبعيدة عن الافتراض والتأويل.

وهكذا تتَّصل جهود
علماء العرب القدامى في دراسة الأصوات حتى نصل إلى ابن جنيّ، وهو
أستاذ هذا العلم دون منازع، الذي أدرك طبيعة اللغة ووظيفتها، عندما قال:
"اللغة أصوات يُعبِّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم". وقد عُني أبو الفتح بدرس القراءات القرآنية في المحتسب، وخصَّص كتابًا كاملاً لدراسة
الأصوات، هو كتاب سرّ صناعة الإعراب. وابن جنيّ أوَّل من
عرض لجهاز النُّطق فشبَّهه بالنَّاي، وبوتر العود، ليقدّم صورة
عن العملية الطبيعية لإنتاج الكلام، وليوضّح تقسيم الأصوات حسب المخارج وتقسيمها إلى أصوات صامتة، وأخرى متحركة.

تلك بعض جهود علماء
العرب القدماء في مجال الدرس الصَّوتي، أمّا في العصر الحاضر، فقد انكبَّ كثير
من علماء العرب المحدثين على دراسة علم الأصوات، وقد كانوا في ذلك ثلاث فرق:



 فريق تأثر بما جاء به علماء العرب السابقون، ولم يتجاوزه.



 وفريق تأثَّر بما قدَّمه علماء
الغرب في الدرس اللغوي الحديث، ولم ينتفع بتراث العرب في علم الأصوات.



 وفريق ثالث، جمع بين الأمرين، أفاد من مناهج الغربيِّين الحديثة، وأخذ من الجهود التي توصَّل
إليها أسلافه.



 



        يمكننا القول أنَّ علم الأصوات يدرس الصوت
الإنساني من وجهة النظر اللغوية. وقد عُدّ هذا اللون من الدرس علماً لتميزه عن
غيره من فروع الدراسة من حيث موضوعه ومنهجه وأهدافه. وبهذا فعلم الأصوات لا يُعنَى
بغير الصوت الإنساني إلا بقدر ما يخدم هدفه في دراسة ذلك الصوت, ومحاولة التعرف
إلى طبيعته ودلالته.



ولهذا فإنه عندما يتعرض للصوت الطبيعي أو
الفيزيائي، إنما يفعل ذلك بقصد الوصول إلى طبيعة الصوت الإنساني، الذي هو في
الحقيقة ذبذبات صوتية، وهو الأثر الواقع على الأذن من بعض حركات ذبذبية للهواء
تدخل في دائرة الصوت بمعناه العام, وتخضع لكل القوانين التي تحكمه في تكوينه
وانتقاله، وغير ذلك مما يتصل به، مما هو مفصل في علم الفيزياء.



هناك بعض الباحثين يعدون هذا العلم ترفاً
علمياً " قاصدين بذلك أنه يقدم إلينا معلومات عن أصوات اللغات لا بأس على
اللغوي إن هو لم يعرفها، ولا ضرر على الدراسة اللغوية إذا هي أهملتها، أما التخصص
في هذا العلم فهو ـ في رأيهم ـ كالانصراف إلى جمع التحف الغريبة والطرف النادرة
انصرافاً لا يقصد من ورائه إلا إشباع لذة التملك ، وإلا المباهاة والمفاخرة "



لقد فات هؤلاء أن هذا العلم ركيزة أساسية
لكل دراسة لغوية، فما اللغة في حقيقتها إلا "أصوات يعبر بها كل قوم عن
أغراضهم " وما الكلام إلا سلسلة من هذه الأصوات.



وقد اعتنى علماء اللغة قديماً وحديثاً
بأصوات العربية فبينوا صفاتها ومخارجها، وتآلفها في أبنية الكلام العربي ، وكان
أول من اعتنى بها الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي هداه ذوقه اللغوي وتأمله الشخصي
إلى علم الأصوات، وبنى عليها معجمه (العين) على خلاف في نسبته إليه كاملا .



وتبعه في هذا التأمل سيبويه الذي ذكر من
صفات الحروف اثنتي عشرة صفة منها الجهر والهمس ، وهذه الصفات تدخل في علاقات
ثنائية تقابلية تجعل من هذه الصفات في الغالب أزواجاً تربطها علاقة تلازم ، وتكون
إحداهما صفة إيجابية تسم الصوت والثانية صفة سلبية تمثل انعدام السمة.



أحس القدماء  بشيء من الترديد أو الصوت المنبعث من الحنجرة
اعتمدوا عليه في تقسيمهم الأصوات إلى مجهورة ومهموسة مع عدم معرفتهم للوترين
الصوتيين وهذا ما ذكره علماؤنا المحدثون من أن القدماء قد أغفلوا أوضاع الوترين
الصوتيين في حدوث الجهر والهمس، يقول كمال بشر " والملاحظ أن لغويي العرب قد
تكلموا عن ظاهرتي الجهر والهمس، كما تكلموا عن المجهور والمهموس من الأصوات.
ولكنهم في مناقشتهم لم يشيروا إلى الأوتار الصوتية، ولم يعتمدوا على أوضاعها في
تحديد الجهر والهمس " كما يذكر أن تعريفاتهم للجهر والهمس "تتسم
بالصعوبة والتعقيد إلى حد أنه ليس من السهل التعرف بدقة على مقاصدهم "   . وكذلك بين أحمد قدور أن العرب بدءًا من
الخليل ومن تبعه من تلاميذه قد عرفوا أعضاء الجهاز النطقي، وذلك استمداداً من
معارفهم اللغوية، كما أدت الملاحظة والتجربة إلى وصف كاف لآليات النطق، والتحقق من
مخرج الحرف, وبيان صفته وليس في معرفة هؤلاء العلماء لأعضاء النطق نقص إلا الحنجرة
ولا سيما الوترين الصوتيين " فالنقص المؤثر في الدرس الصوتي يبدو واضحاً في
عدم معرفة القدامى عامة للوترين الصوتيين مما سبب غموضاً في تعريفهم للمجهور
والمهموس من الأصوات " 



وبناء على ذلك نسأل ما تعريف الجهر والهمس
في الدرس الصوتي الحديث ؟ وما تعريفهما عند علمائنا القدماء ؟ وعلام اعتمد كل منهم
في تعريف الجهر والهمس ؟ وما أثر الوترين الصوتيين في حدوث الجهر والهمس ؟



الجهر في الدرس الصوتي الحديث هو" أن
يتحرك الوتران الصوتيان أثناء إصدار الصوت، وذلك بتأثير الهواء القادم من الرئتين
على الأوتار، فتهتز، فيحدث الصوت، ويتولى الحلق والتجاويف الأنفية والفموية أمر
تضخيمه وترخيمه "  وعليه فالصوت
المجهور هو الذي يتذبذب معه الوتران الصوتيان اقترابا يسمح للهواء بالتأثير فيهما
بالاهتزاز أثناء النطق به ، والهمس عكس الجهر ،وفيه يرتخي الوتران الصوتيان ،ولا
يهتزان ولا يحدثان ذبذبات .    



       وفي المقابل نجد تعريف
علماء التراث ـ وفي مقدمتهم سيبويه ـ للصوت المجهور بأنه " حرف أُشْبِعَ
الاعتماد في موضعه ومنع النَّفْس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتمادُ عليه ويجري
الصوت"  وقد تناقل علماء العربية هذا
التعريف مثل : المبرد وابن السراج  وابن جني 
وابن يعيش وغيرهم من العلماء .



وعرَّفه ابن جني بقوله: "حرف أشبع
الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت، غير أن
الميم والنون من جملة المجهورة قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم، فتصير فيهما غنة
فهذه صفة المجهور"  ويرى
الدكتور البكوش   أن هذا التعريف نسب إلى الشديد الذي عرفه سيبويه
بأنه " الذي يمنع الصوت أن يجري فيه" 
.



وعرف كمال بشر( الجهر) بأنه اقتراب
الوترين الصوتيين" بعضهما من بعض أثناء مرور الهواء وأثناء النطق ، فيضيق
الفراغ بينهما بحيث يسمح بمرور الهواء ولكن مع إحداث اهتزازات وذبذبات منتظمة لهذه
الأوتار" .فالصوت المجهور هو الصوت الذي يتذبذب الوتران الصوتيان
حال النطق به . أما الهمس فهو انفراج الوترين "بعضهما من بعض أثناء مرور
الهواء من الرئتين بحيث يسمحان له بالخروج دون أن يقابله أي اعتراض في طريقه ،ومن
ثم لا يتذبذب الوتران الصوتيان " . والصوت المهموس لا يتذبذب
الوتران الصوتيان حال النطق به.



عند التأمل في تعريف الجهر والهمس من خلال
الدرس الصوتي الحديث، ومقارنته بتعريف علماء التراث قد لا نجد أية علاقة بينهما
للوهلة الأولى، وأن التعريف الذي قدمه سيبويه ومن تبعه لا يمت بصلة إلى تعريف
المحدثين . ولكن بعد زيادة التأمل  نحكم
كما ذهب إبراهيم أنيس بأن سيبويه ومن تبعه من القدماء على علم حقيقي
بطبيعة المجهور والمهموس مع أنهم أغفلوا أثر الوترين الصوتيين  فقد ذكر سيبويه الأصوات المجهورة والمهموسة,
وعينَّهما واتفق في هذا مع ما أثبتته التجارب الحديثة فيما عدا ثلاثة أحرف (القاف،
والطاء، والهمزة).



فقول سيبويه " حرف أشبع الاعتماد في
موضعه "   يشير إلى أمرين نص عليهما المحدثون وهما : الصوت
المشبع ، والوضوح السمعي .



فالمجهور أوضح في السمع من نظيره المهموس،
ولا يفهم من الاعتماد غير عملية إصدار الصوت، تلك العملية التي تلازم النفس منذ
خروجه من الرئتين إلى انطلاقه إلى الهواء الخارجي.



إذن فإشباع الصوت وضوحه وهذا يتفق مع توجه
المحدثين إلى أن الصوت المجهور أوضح في السمع من المهموس, ومما يدل على أن
الاعتماد يقصد به العملية العضوية اللازمة لإصدار الصوت، أن سيبويه وابن جني نصا
على أن في المهموس اعتمادًا ، ولكنه اعتماد ضعيف. " وأما المهموس فحرف أضعف
الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه".



وليس اعتباطًا نص سيبويه وابن جني على أن
المجهور حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ولم يقولا في مخرجه؛ لأنهما كانا يشعران بهذا
الإشباع في كل مجرى الصوت ، منذ صدوره من الرئتين حتى انطلاقه إلى الخارج، فكلمة موضع
هنا هي ما يعبر عنه بالمجرى. وفرق بينه وبين المخرج . ويرى الدكتور سمير ستيتيه أن
وصف القدماء للجهر كان وصفا دقيقا، وليس من وصف لتسارع الهواء أدق من وصفهم
للمجهور بأنه حرف أشبع الاعتماد في موضعه.



ويبين أنه لو " لم يكن هناك إشباع
لسرعة الهواء لما استطاع الهواء أن يمر من خلال الوترين الصوتيين المغلقين، ولما
كان بالإمكان أن يسمع. فإشباع الهواء بتقوية سرعته، هو إحدى الخطوات في إحداث
الذبذبة".



أما الجزء الثاني من التعريف " ومنع
النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد " فيبين الحس المرهف لسيبويه الذي جعله
يشعر مع المجهور باقتراب الوترين الصوتيين أحدهما من الآخر فكأنهما يسدان طريق
النفس، وتلك هي الصفة التي وضحها لنا المحدثون حين وصفوا ما يجري في الحنجرة مع
المجهورات، إذ قالوا: إنه مع المجهور يقترب الوتران الصوتيان أحدهما من الآخر مما
يضطر هواء النفس إلى الاندفاع من بينهما في قوة تحرك الوترين الصوتيين، وتجعلهما
يتذبذبان حتى ينقضي الاعتماد أي حتى تنتهي العملية الصوتية في عملية إصدار الصوت
كما بيَّنَ ذلك الدكتور إبراهيم أنيس.



وقد نص ابن جني على مثل هذا قبل المحدثين،
وذلك عندما أشار إلى أن هناك عملية عضوية تحدث في الصدر مع الصوت المجهور ولا تحدث
مع المهموس " فأما حروف الهمس فإن الصوت الذي يخرج معها نَفَسٌ, وليس من صوت
الصدر، وإنما يخرج منسلا، كنفخ الزاي، والظاء، والذال، والضاد" .
ومعنى ذلك أن حروف الجهر يخرج معها صوت من الصدر، وليس هذا الصوت إلا تذبذب
الوترين الصوتيين الذي عرَفَهُ المحدثون وجهله القدماء .



أما حالة الهمس فقد عبر عنها ابن جني
وسيبويه من قبله بضعف الاعتماد، وهذا يعني عدم تمكن الحرف أثناء جريانه في مجراه،
مما يؤدي إلى قلة الوضوح السمعي، وكذلك نجد طريق النفس معه مفتوحًا، بحيث يسمح
بانسيابه حرًا طليقًا, وتلك هي الحال التي عبر عنها المحدثون  بقولهم: إن الوترين الصوتيين مع المهموس يبتعد
أحدهما عن الآخر، فينطلق النفس من بينهما دون الحاجة إلى تحريكهما، وإحداث ذبذبات
بهما، وهذا هو جريان النفس مع المهموس ومنع جريانه مع المجهور .



وذكر إبراهيم أنيس سبب التباس الأمر على
بعض الدارسين بقوله: " فحسبوا أن منع النفس مع المجهور هو ذلك الانحباس
المؤقت الذي يحدث مع الأصوات الشديدة، ذلك أن منع النفس مع المجهور عملية تتم في
الحنجرة, أما ذلك الانحباس المؤقت فيتم في مخرج الصوت "  .



ولعل هذا ما جعل بعضهم يلاحظ غموضًا
وتداخلاً في محاولة سيبويه تحديد الجهر والهمس والشدة والرخاوة, ويرى أن تعريف
سيبويه للمجهور أنسب إلى الشديد, ويقرر بأن التعريفين ينطبقان أكثر على الشدة لا
على الجهر .



في حين يرى إبراهيم أنيس أنه لا يوجد
تناقض في كلام سيبويه في تعريفه المجهور والشديد, إذ فرَّق بين منع النفس في
المجهور، ولا يكون ذلك إلا في الحنجرة، أما منع الصوت في الشديد فمكانه مخرج الحرف
 .



وقد ذكر سيبويه في حالة النون والميم أن
الاعتماد لهما يكون في الفم والخياشيم، بمعنى أن تتم في الفم عملية عضوية في حالة
هذين الصوتين، وفي الوقت نفسه تتم في الخيشوم عملية عضوية أخرى. فالنون"
تتكون بأن يلتقي طرف اللسان بأصول الثنايا التقاء محكماً، ويلتزم الناطق بها هذا
الوضع، غير أنه في الوقت نفسه يهبط أقصى الحنك فيفتح طريق الأنف ليتسرب الهواء
منه. وعليه فإن الشديد هو انحباس مؤقت يتم في المخرج . ويبدو في نظر الدكتور عصام
نور الدين   أنه لا تناقض بين تعريف
المحدثين وتعريف سيبويه ومن تبعه من القدماء 



ونجمل القول في النقاط التالية:



1. إن العلماء القدماء قد اعتمدوا أساسين
في التمييز بين المجهور والمهموس ، هما جريان النفس وعدمه. فالصوت المهموس عندهم
ما اتسع مخرجه, في حين المجهور ما ضاق مخرجه. وهذا ما أشار إليه ابن دريد "
وسميت مهموسة؛ لأنه اتسع لها المخرج، فخرجت كأنها متفشية، والمجهورة لم يتسع
مخرجها فلم تسمع لها صوتا"  .



2. إن العلماء القدماء قد اعتنوا
بالمصطلحات التالية: الإشباع، الاعتماد ،  
الموضع ، ضعف الاعتماد.



3. إن العلماء القدماء قد أحسوا بوجود صوت
يخرج من الصدر (صوت الصدر) وهذا لا يكون إلا مع الأصوات المجهورة. وقد أشار إلى
ذلك سيبويه بقوله: " ومن المشربة حروف إذا وقفت عندها خرج معها نحو النفخة
ولم تضغط ضغط الأولى، وهي الزاي والظاء والذال والضاد ؛ لأن هذه الحروف إذا خرجت
بصوت الصدر انسلَّ آخره, وقد فتر من بين الثنايا؛ لأنه يجد منفذاً فتسمع نحو
النفخة "



وهذا الصوت الخارج من الصدر هو الناتج عن
ذبذبة الوترين الصوتيين وعليه فإن سيبويه أدرك صدى الصوت، لا الصوت نفسه؛ لعدم
معرفته بمصدر الذبذبة الصوتية,  في حين أن
هذا لا يحدث مع الأصوات المهموسة, قال سيبويه: " وأما الحروف المهموسة فكلها
تقف عندها مع نفخ لأنهن يخرجن مع التنفس لا صوت الصدر"



وهذا يدل بما لا يدع مجالاً للشك بأن
سيبويه ومن تبعه قد أحسوا بوجود صوت يخرج من الصدر عند إنتاج الأصوات المجهورة ،
وهذا ما أثبتته الدراسات الصوتية الحديثة بأثر الوترين الصوتيين في إحداث الأصوات
المجهورة  كما أثبتت هذه الدراسات أن
انحباس الهواء في الصوت المجهور هو انحباس جزئي, وليس انحباساً كليا ويعتمد هذا
الأمر على الوترين الصوتيين. كما تؤيد نظرية المرونة العضلية وديناميكية الهواء أن
تيار الهواء الصاعد من الرئتين، بالإضافة إلى المرونة العضلية للوترين الصوتيين هي
علة حدوث الجهر.



وتفسر هذه النظرية حدوث الاهتزاز بأنه
مجرد انطلاق دفعة من هواء (الزفير) خلال فراغ المزمار الضيق يرتد الوتران الصوتيان
إلى وضع القفل في حركة شفطية سريعة ، وحينئذ يقوم الهواء بحملهما على الانفصال مرة
أخرى، ثم تنطلق دفعة جديدة من الهواء فيرتد الوتران إلى وضع القفل وهكذا.



إذن فالصوت المجهور هو الصوت الذي يهتز
فيه الوتران الصوتيان نتيجة احتكاك الهواء المندفع من الرئتين بهما. أما المهموس
فيكون فيه الوتران الصوتيان متباعدين ، وتكون فتحة المزمار مفتوحة فيندفع الهواء
الصاعد من الرئتين عبر فتحة المزمار دون أن يحتك بالوترين الصوتيين، وبذلك لا يهتز
فيه الوتران الصوتيان  . وعليه فليس
الوتران الصوتيان وحدهما يقومان بهذا الأمر وإنما يرتبط بها فتحة المزمار ؛ لأنها
إما أن تنقبض وإما أن تنبسط ، فإذا انقبضت فتحة المزمار ترتب عليها ضيق مجرى
الهواء ، وصحبها اقتراب الوترين الصوتيين من بعضهما اقترابا يجعل الهواء يؤثر
فيهما حتما بالاهتزاز ،وهذه الحالة مع الحرف المجهور ، وأن فتحة المزمار إن انبسطت
اتسع مجرى الهواء وابتعد الوتران الصوتيان عن بعضهما ابتعادًا لا يسمح للهواء
بالتأثير فيهما بالاهتزاز وهذا يحدث عندما يكون الحرف مهموسًا  .



4-. إن العلماء القدماء أشاروا إلى ترديد
الصوت وضعفه مع المهموس، وعدم ترديده وقوته مع المجهور. وهذا ما أثبتته الدراسات
الصوتية الحديثة.



5-. صفات المجهور عند سيبويه ومن تبعه من
القدماء ثلاث :



أ- إشباع الاعتماد في الصدر والفم.



ب-منع النفس من الجريان (منعا تاما) وهو
عند المحدثين جزئي.



ج.  جريان الصوت الذي يسمح في نهايته للنفس
بالانطلاق وهو ما   يعني لدى المحدثين نشاط
الوترين الصوتيين .



في حين يتميز المهموس عند سيبويه ومن تبعه من القدماء بصفتين :



أ.  ضعف
الاعتماد؛ لأن له موضعا واحداً في الفم .



ب. جريان النفس على طبيعته .



6.
إن الدراسات الصوتية الحديثة التي اعتمدت أحدث الأجهزة بينت أثر الوترين الصوتيين
في إحداث الجهر والهمس في حين لم تسلط الضوء على الهواء المندفع من الرئتين ؛
لتبين قوته وسرعته وأثره في إحداث الجهر والهمس، بل كان تركيزها على جهاز النطق.



مصطلحات الجهر والهمس عند سيبويه:



1. الإشباع : هو وضوح الصوت، وهو إحدى الخطوات في
إحداث الذبذبة ،ولو لم يكن هناك إشباع لسرعة الهواء لما استطاع الهواء أن يمر من
خلال الوترين الصوتيين المغلقين؛ ولذلك كان المجهور مشبعاـ كما يذكرعبد الصبور
شاهين ـ لقوة اعتماده بازدواج موضعيه:موضع في الفم هو مخرج الحرف ، وموضع في الصدر
هو مخرج الحرف.  



2. الاعتماد : هو عملية إصدار الصوت التي تلازم النفس منذ خروجه من
الرئتين حتى انطلاقه إلى الهواء الخارجي



3. الموضع :  هومكان التقاء أعضاء
النطق التي يخرج منهاالصوت ولذلك عبر عنه سيبويه بقوله " حرف أشبع الاعتماد
عليه في موضعه" ولم يقل في مخرجه لأنه كان يشعر بهذا الإشباع في كل مجرى
الصوت . ومن ناحية أخرى فإن العلاقة بين الموضع والمخرج علاقة عموم وخصوص ، فالموضع
عند سيبويه أعم من المخرج ؛لأنه ذكر أن للمجهور موضعين : الصدر والفم ، وللمهموس
موضعا واحدا في الفم . ويرى الدكتور عبد الصبور شاهين أن كلمة (الموضع) مرادفة
لـ(المخرج).



4. المجرى :هو طريق مرور الهواء.



5. المخرج : هو موضع الصوت في الفم ، وهو الموضع الذي ينشأ منه الحرف .



الأصوات المجهورة والمهموسة :



ذكر العلماء المحدثون أن جهل سيبويه ومن
تبعه من القدماء بدور الوترين الصوتيين لم يمنعهم من تمييز المجموعتين الصوتيتين
المجهورة والمهموسة بكامل الدقة, وفي ذلك يقول كمال بشر: " ولكنهم بالرغم من
ذلك حين انتقلوا إلى حصر المجهور والمهموس من الأصوات اتفقوا مع ما قررناه سابقا
إلا في (الطاء والقاف والهمزة) .



وقد ذكر سيبويه و تبعه علماء العربية أن
للحروف في اختلاف أجناسها انقسامات نحن نذكرها: فمن ذلك انقسامها في الجهر والهمس،
وهي على ضربين : مجهور ومهموس فالمهموسة عشرة أحرف، وهي : الهاء ، والحاء، والخاء،
والكاف، والشين، والصاد، والتاء، والسين، والثاء، والفاء، ويجمعها في اللفظ قولك
" ستشحثك خصفة أو "فحثه شخص سكت" وباقي الحروف وهي تسعة عشر حرفا
مجهورة "  .



من هذا النص نلاحظ تطابقاً كبيراً في
الأصوات المجهورة والمهموسة التي ذكرها القدماء والتي تناقلها من بعدهم المحدثون
باستثناء ( الطاء والقاف ) فهي مهموسة عند المحدثين. أما (الهمزة) فهي موضع خلاف
واضطراب عندهم كما سيأتي.



أما ما يوجد من اختلاف في وصفها بالنسبة
لما نعرفه اليوم من خصائص هذه الحروف كالقاف والطاء، فإن ذلك ولا شك لا يرجع إلى
خطأ , وإنما إلى تطور في نطق هذين الحرفين ويعد براجستراسر  أول من أثار هذه القضية فقد أشار إلى اختلاف
نطقنا لهذه الأصوات مقارنة مع نطق القدماء لها .وفيما يأتي استعراض لهذه الأصوات
موضع الخلاف :



القاف :



وصف علماؤنا القدماء القاف بأنها مجهورة ،
وصنفت مع حروف القلقلة، ومن ناحية المخرج فهي تلي الخاء كما بينها ابن جني بقوله:
" الهمزة، والألف، والهاء، والعين، والحاء والغين، والخاء، والقاف



نرى من خلال قراءة النص أن ثمة نقطتي خلاف
بين سيبويه ومن تبعه من القدماء وعلماء اللغة المحدثين .



النقطة الأولى : عد القدماء القاف مجهورة وهي عند
المحدثين مهموسة 



النقطة الثانية : مخرجها عند القدماء  بعد الغين والخاء وهي في نطق المحدثين قبلهما
لا بعدهما



 إذن فما السبب الذي جعل الحكم يختلف بيننا وبين
علمائنا القدماء ؟ هل أخطأ ابن جني في وصف القاف؟ من الجائز ولكن دقة وصفهم للحروف
تجعلنا نبحث عن تعليل آخر لهذا الأمر، وهو أنهم ربما كانوا ينطقون صوتا آخر غير
الصوت الذي ننطقه الآن " فمحتمل أنهم ينطقونها على نحو مشابه للصوت الذي يرمز
إليه بهذا الرمز (G)
وهو مفخم صوت الجيم القاهرية" فليس من المستبعد أنهم كانوا يصفون الصوت الذي
يمكن تسميته بالجاف أو ما يسمى بالكاف الفارسية ، وهو صوت يسمع في اليمن، وفي بعض
ريف بلاد الشام، وفي صعيد مصر، فهذا الصوت كما هو معروف مجهور، وينطبق عليه وصف
القدماء من حيث الجهر، ومن حيث المخرج



ويرى كمال بشر أن وجوده بهذه الكثرة في
هذه اللهجات يوحي" بأنه أثر باق لنطق قديم، إذ انتشاره في هذه البيئات
المختلفة يضعف احتمال كونه ابتكاراً لغوياً محليا "



وقبل أن نشرع بالتحليل نود أن نبين أن أول
من أثار مشكلة الاختلاف بين القدماء والمحدثين فيما يتعلق بهذين الصوتين هو
براجستراسر في كتابه " التطور النحوي للغة العربية"



وهو مجموعة من المحاضرات ألقيت في الجامعة
المصرية سنة 1929م . فذكر تحت عنوان "بين نطقنا ونطق القدماء" أن بعض
الحروف ، يختلف نطقه الحالي ، عنه في الزمان القديم، وهي:( ق، ج، ط، ض، ظ ). أما
القاف، فهي في العادة اليوم مهموسة، لكنها في الجدول مجهورة، كما هي الآن عند بعض
البدو. والطاء أيضا مهموسة اليوم، مجهورة في الجدول. والفرق بينها وبين القاف أن
نطق القاف العتيق. لا يزال باقيا في بعض الجهات ، ونطق الطاء العتيق قد انمحى
وتلاشى تماما. وقد أشار رمضان عبد التواب في الحاشية تعقيباً على قول براجستراسر
إلى أن " نطق الطاء العتيق قد انمحى وتلاشى تماماً" إلا أن هذا النطق ما
يزال يسمع بوضوح في بعض جهات اليمن – عند قولهم مثلا: " الضبيب، الضباخ"
، في : "الطبيب والطباخ" مستشهدا بما قاله المستشرق أ. شاده في
محاضراته: "علم الأصوات عند سبيويه وعندنا" .



ويرى حسام النعيمي  أن "براجستراسر" أراد بالقاف العتيقة
المجهورة التي سمعها من بعض البدو الكاف المجهورة أي صوت "ك".  إذ لا نشك في أنه كان يسمع القاف في قول المصريين:
"القاهرة" وكذلك ما يلفظه قرَّاء القرآن في مصر, وهذه هي القاف التي
ترجح لدينا أنها القاف العربية القديمة؛ لأنه لا يتصور أن يُجْمِعَ قراء القرآن في
كل بلاد الإسلام على هذا الصوت ، وهم يتلقون القراءة مشافهة من جيل إلى جيل، ثم
نزعم أنه ليس الصوت القديم مع أن الكلمات التي بالقاف تلفظ في لهجاتهم المحلية
لفظا مختلفاً، فالقاف في (قال) مثلا، في بعض الجهات تنطق (G) وفي أماكن أخرى
تنطق (K)
.



أما ما قيل من أن علماءنا القدماء قد
وصفوا صوتا آخر لذلك تغير صوت القاف فلا أبلغ في نقضه من قول سيبويه : " أنك
لو جافيت بين حنكيك فبالغت ثم قلت: قق قق، لم تعد ذلك –مخلاً بالقاف . ولو فعلته
بالكاف وما بعدها من حروف اللسان أخل ذلك بهن" وهذا دليل على دقة وصفهم ,
ومبلغ تأملهم الشخصي في بيان الأصوات ومخارجها وصفاتها .



فإذا فتحت فمك بأوسع ما يمكن ، ثم حاولت
نطق القاف الفصيحة أمكنك ذلك، فتقول: قق قق، ولا تجد ذلك مخلا بالصوت, ولكنك لو
حاولت ذلك مع الكاف المجهورة, وهي القاف البدوية التي أشار إليها براجستراسر لم
تستطع الإتيان بها



أما أن القاف في المخرج بعد الخاء وهي في
نطق المحدثين قبلهما فهذا يدل على انتقال مخرجها وفق اختلاف صفتها بين الجهر عند
القدماء، والهمس عند المحدثين فرجعت إلى الوراء قليلا من أقصى الحنك الصلب إلى
اللهاة. ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن أصل القاف الفصيحة يحتمل أن يكون نوعا من
الغين أو صوت (ك), يقول:" لا نستطيع أن نؤكد كيف كان ينطق بها الفصحاء من عرب
الجزيرة في العصور الإسلامية الأولى ، إلا أننا نستطيع أن نستنتج من وصف القدماء
لهذا الصوت أنه ربما كان يشبه تلك القاف المجهورة التي نسمعها الآن بين القبائل
العربية في "السودان" , وبعض القبائل في جنوب العراق. إذ نسمعها منهم
نوعا من الغين...ومن الممكن أن نفترض للقاف القديمة فرضا ربما كان أكثر احتمالا
،وهو أنهاكانت تشبه الجيم القاهرية,ويستأنس لهذا الرأي بنطق معظم البدو الآن للقاف
على هذا النحو



من قراءة النصوص السابقة نلاحظ أن القاف
التي وصفها سيبويه ومن تبعه بأنها صوت شديد مجهور لم يبق إلا في اللهجات البدوية
التي تبدو أقرب إلى النطق القديم, أما وصفه بأنه صوت شديد مهموس فهو في جل اللهجات
الحضرية. وما ورد عن الدكتور إبراهيم أنيس وغيره مجرد افتراضات واحتمالات يجمعها
بأن القاف التي وصفها سيبويه غير القاف التي وصفها المحدثون حتى أن القراء ـ كما
بين النعيمي ـ مجمعون على أن الصوت قد تقدم في لهجات بعضهم وتأخر في لهجات الآخرين
، وجاء مهموسا عند قوم مجهوراً عند آخرين.



فقد رجع صوت القاف الفصيحة إلى الوراء
كثيراً عند بعض المصريين حتى جاء مخرجه من الوترين بانطباقهما، فصار همزة، نحو:
(دقة – دأة) وتقدم عند أهل الصعيد مثلا نحو الحنك الصلب. فآل إلى كاف مجهورة نحو
(دقه – دكَة) إلا أنها مهموسة عند أكثر أهل فلسطين كأنها كاف فصيحة نحو : (قال –
كال). ويضيف الدكتور النعيمي أن القاف الفصيحة بقيت في موضعها وعلى صفاتها التي
ذكرها علماء العربية عند بعض العراقيين مثلا كما في لهجة أهل الموصل حيث بقي الصوت
شديداً مجهوراً بضابط القدماء للجهر.



ويؤيد ذلك أن سيبويه جعل الحروف التي من
مخرج واحد مجتمعة ، والمختلفة المخرج منفردة ، وقد أفرد القاف عن الكاف ، عندها لا
ينبغي أن نقول إن القاف كافٌ مجهورة، فلو كانت كذلك لأوردهما في موضع واحد .



ويتضح ذلك في قوله : " فللحلق منها
ثلاثة : فأقصاها مخرجا : الهمزة والهاء والألف. ومن أوسط الحلق مخرج العين والحاء،
وأدناها مخرجا من الفم: الغين والخاء، ومن أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى
مخرج القاف، ومن أسفل من موضع القاف من اللسان قليلا ومما يليه من الحنك الأعلى
مخرج الكاف



فنجد أنه جمع بين المتشابهة في مخرج واحد،
في حين جعل الكلام على القاف والكاف منفصلا مما يبعد احتمال كون القاف الفصيحة
كافا مجهورة. وقد رفض ابن الجزري الإتيان بالقاف كالكاف الصماء " والقاف
فليتحرز على توفيتها حقها كاملا ، وليتحفظ مما يأتي به بعض الأعراب وبعض المغاربة
في إذهاب صفة الاستعلاء منها حتى تصير كالكاف الصماء".



وعليه فإن صوت القاف لم يدخله تغيير مثل
الهمزة ، وقد وصف بالجهر أما اليوم فيراه المحدثون مهموسا .



الطاء :



ذكر القدماء أنه صوت مجهور، وهو عند المحدثين صوت مهموس وقد ذهب
براجستراسر إلى أن نطقها القديم" قد انمحى وتلاشى تماماً" ؛ مما دفع
رمضان عبد التواب إلى القول " لا بل يسمع بوضوح في بعض جهات اليمن عند قولهم
: (الضبيب والضباخ) في : (الطبيب والطباخ) 
، وقد روى المستشرق شادة عنهم :(مضر 
وقضع) ، في (مطر وقطع)(. ويعلل لذلك بعض المستشرقين أنهم ربما
كانوا يصفون طاء كضادنا الحالية، أو كنطق المصريين، وهي في هذه الحالة مجهورة،
وكما نعلم فإن الضاد القديمة تختلف عن ضادنا الحالية، فربما تطور الصوتان فهمست
الطاء، فأصبحت الطاء الحالية، واختلف مخرج الضاد وصفته فأصبحت ضادنا الحالية .



ويذكر إبراهيم أنيس أنه " ليس من
المحتمل أن يكون القدماء قد خلطوا في وصفهم بين صفتي الجهر والهمس فيما يتعلق بهذا
الصوت، ولكن الذي أرجحه أن صوت الطاء كما وصفه القدماء كان يشبه الضاد الحديثة لدى
المصريين".



ومما يؤيد ذلك قول سيبويه الذي نقله عنه ابن جني "ولولا الإطباق
لصارت الطاء دالا ، والصاد سينا، والظاء ذالا، ولخرجت الضاد من الكلام؛ لأنه ليس
شيء من موضعها غيرها"



ومعنى ذلك أنه لا فرق بين الطاء والدال
عندهم سوى الإطباق أي أن الطاء هي النظير المطبق للدال، وهذا ينطبق على الضاد
عندنا وليس على الطاء ، فالضاد عندنا هي النظير المطبق للدال، أما الطاء عندنا فهي
النظير المطبق للتاء.وهذا الاحتمال الذي وضعه العلماء المحدثون قد يكون
صحيحاً ولكن تفسيرهم لتحولها من الجهر إلى الهمس ما زال قاصراً؛ وذلك لأن هناك
حروفا مطبقة ولم تتحول بل إنه قد حل محلها حروف بنفس الصفات أي الضاد الحالية.



وهناك تعليل آخر للاختلاف بيننا وبين
القدماء في وصف الطاء. وهو أنه ربما كانوا يصفون طاءً مهموزة، وأول من تنبه إلى
ذلك تمام حسان وذلك في قوله: "ففي بعض اللهجات العامية المعاصرة صوت من أصوات
الطاء يمكن وصفه بأنه مهموز ولإيضاح ذلك نقول. إن طرف اللسان ومقدمه يتصلان في
نطقه بالثنايا واللثة, ويعلو مؤخر اللسان ويتراجع إلى الخلف، في اتجاه الجدار
الخلفي للحلق, ويقفل المجرى الأنفي للهواء الخارج من الرئتين، بخلق اتصال بين
الطبق والجدار الخلفي للحلق، وفي نفس الوقت تقفل الأوتار الصوتية، فلا تسمح بمرور
الهواء إلى خارج الرئتين.



وقد تابعه في ذلك كمال بشر فوضع هذا النطق
ضمن الاحتمالات للنطق القديم. ولكن ما الذي جعلهم يصفونه بالجهر ما دام الصوت
مشربا بالهمزة, والهمزة صوت مهموس كما هي عندهم أوبين بين  ؟ فنجد أن تمام حسان بين ذلك بقوله "
ويرجح عندي أن الطاء العربية الفصحى القديمة التي وصفها القراء كانت في صورتها
ونطقها بهذا الوصف ، ثم لغرابة صوتها على السمع أخطأ النحاة والقراء فجعلوها مجهورة
في دراستهم وجعلوا الدال مقابلا مرققا لها، أضف إلى ذلك أن النحاة والقراء في
القديم قد وضعوا قاعدة قياسية تقول: "إن كل صوت من أصوات القلقلة مجهور
شديد".



وعند قراءة هذا النص نتبين ضعفه للأسباب
التالية  :



1-       
لا يوجد غرابة على السمع في أصوات العربية
الفصيحة .



2-       
إن نطقنا في منطقة ما بهذه القراءة ـ  كما يرى – ليس دليلا يطمئن إليه على أن هذا هو
النطق القديم للصوت .



3-       
هل يستغرب نطق على السمع عند أهل اللغة
الذين ينطقون بها؟ إنما يستغرب الصوت على من ليس من أهلها .



4-       
إن النحاة والقراء جعلوا النظير المرقق
لها هو الدال أي أنه لا فرق بين الطاء والدال إلا الإطباق، فلم تكن تنقص القدماء
الدقة في وصف الأصوات ليخلطوا بينها.



5-       
أنه خطَّأ النحاة والقراء انطلاقا من
افتراضات بناها على بعض اللهجات العامية المعاصرة التي تنطق الصوت مشربا بالهمزة .



الهمزة :



الحرف الثالث الذي اختلف وصف القدماء له
عن وصف المحدثين هو الهمزة، فقد وصفه سيبويه ومن تبعه من القدماء بأنه مجهور,
ونجده عند الخليل مع حروف الجوف (الواو والياء والألف والهمزة) . وأساس التقسيم
عنده مبني على كون الحروف لها مدارج وأحياز تنسب إليها ومواضع تتسمى بها فقد روي
عنه أنه قال : "في العربية تسعة وعشرون حرفا، منها خمسة وعشرون صحاحاً لها
أحياز ومدارج وأربعة أحرف جوف، وهي: الواو والياء والألف اللينة والهمزة



فالصحاح تقع في مدارج محددة من مدارج
اللسان أو الحلق أو اللهاة ولها حيز تنسب إليه وموضع تتسمى به، فتكون حلقية أو
لهوية أو شجرية، أما أحرف الجوف فليس لها مواضع محددة تخرج منها، فلا تنسب إلى شيء
من الأحياز أو المدارج إنما تنسب إلى الجوف والهواء وتسمى المعتلة "
واعتلالها تغيرها من حال إلى حال ودخول بعضها على بعض واستخلاف بعضها من بعض
"



من خلال التقسيم السابق نسأل : هل الهمزة
حرف معتل من أحرف الجوف كما أثبت الخليل؟ وإن كانت الهمزة من حروف الجوف التي لا
حيز لها ولا موضع محدد كما ذهب الخليل، فلِمَ نسبها إلى الحلق في بعض الروايات؟



ربما يعود سبب وضعها مع المعتل إلى
التغيير في رسمها، إضافة إلى مسالة نطقية، يقول الخليل " إذا رفه عنها فإنها
تلين وتصير ياء أو واوا أو ألفا"



وأرى أن مسألة الترفيه عنها تعود إلى
تسهيل الهمز وفق لهجة من لهجات العرب.



وبين ابن يعيش  أن الهمزة عند الخليل يقال لها الألف؛
وسبب ذلك يعود إلى أنها تصور بصورة الألف فلفظها مختلف، وصورتها وصورة الألف
اللينة واحدة. ولا أرى ذلك؛ لأن الخليل نفسه في رواية العين ذكر (الألف والياء
والواو والهمزة) فهو على وعي بالألف والهمزة .



أما أن الهمزة تصور بصورة الألف ـ  فلفظها مختلف وصورتها وصورة الألف اللينة واحدة
ـ  فهذا قد يستقيم قبل ضبط العربية بالشكل
في صورتها. أما الآن فلا عذر له ؛لأن لفظها مختلف وصورتها كذلك مختلفة. وهناك رأي
ينقله السيوطي عن ابن كيسان يشير إلى وعي الخليل بالألف والهمزة، ويرد على ما رآه
ابن يعيش من أن الهمزة عند الخليل يقال لها الألف ، يقول ابن كيسان: "سمعت من
يذكر الخليل أنه قال: لم أبدأ بالهمزة، لأنها لا تكون في ابتداء كلمة ولا في اسم
ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة ولا بالهاء لأنها مهموسة خفية لا صوت  لها" 
وهذا ما جعل المبرد يخرج الهمزة ، لأنها "لا تثبت على صورة واحدة
وليست لها صورة مستقرة لذا لا يعتبرها من الحروف التي أشكالها محفوظة معروفة
"



وقد رد عليه ابن جني رحمه الله بذكاء،
وعمق في فهم الحقائق، حيث استطاع أن يتذوق ما لم يستطع المبرد أن يتذوقه من معرفة
الفرق بين النطق والكتابة، فهو قد خلط بين مستويين من الدرس اللغوي " أما
إخراج أبي العباس الهمزة من جملة الحروف واحتجاجه في ذلك بأنها لا تثبت صورتها ؛
فليس بشيء، وذلك أن جميع هذه الحروف إنما وجب إثباتها واعتدادها لما كانت موجودة
في اللفظ الذي هو قبل الخط، والهمزة موجودة في اللفظ كالهاء والقاف وغيرها فسبيلها
أن تعتد حرفاً كغيرها " 



وفيما يتعلق بمخرج الهمزة نجد الخليل نفسه
يجعل للهمزة مخرجا بعد أن قرر بأنها لا حيز لها ولا مدرج ، وذلك في قوله " إن
الهمزة مهتوتة مضغوطة تخرج من أقصى الحلق إذا رفِّه عنها فإنها تلين وتصير ياءً أو
واوا أو ألفا على غير طريقة الحروف الصحيحة "



وهذا النص يشر إلى أن الخليل يجعل للهمزة
مخرجا، مخالفاً ما نص عليه في تعداد حروف المعجم. فطريقها طريق الحروف الصحيحة
كونها لها حيز ومدرج. وقوله (إذا) أي في حالة الترفيه عنها تلين وتصير ياء أو واوا
أو ألفا وهي مسألة تلحق بتسهيل الهمزة أما وضعها الحالي فهي حرف صحيح لها مخرج
ومدرج ، لكنها إذا لانت صارت على غير طريق الحروف الصحيحة، ويرى الدكتور أحمد قدور
أنه ربما قصد من الهت والضغط انطباق لسان المزمار؛ على حين أنه قصد بالترفيه
التخفيف من انطباق لسان المزمار



ولها عند سيبويه  ومن تبعه مخرج تسمى به،فقد جعل سيبويه الصحاح
والعلل على صعيد واحد، فابتدأ بالهمزة فالألف فالفاء ولها أقصى الحلق عنده. وكذلك
وضعها ابن جني ضمن حروف الحلق  .



ووضع الهمزة مع حروف الحلق إشارة إلى
إدراكهم الأثر الذي يحدث عند النطق بها، فقد جعلوا الحنجرة  جزءًا من الحلق. على اعتبار أن الحلق يضم عندهم
الحنجرة، ولكن ابن سينا (428هـ) ذكر الحنجرة ووصف أجزاءها وصفا تشريحيا مسهباً،
ونسب صوتي الهمزة والهاء إليها غير أنه لم يشر إلى الوترين الصوتيين.



والهمزة لا يمكن وصفها بالجهر عند علماء
اللغة المحدثين ، ولكنهم اختلفوا هل هي صوت مهموس أم لا مهموس ولا مجهور. فذهب بعض
العلماء الغربيين وتبعه بعض العلماء العرب مثل تمام حسان إلى أن الهمزة صوت مهموس
, وذهب دانيال جونز وتبعه كمال بشر إلى أن الهمزة صوت لا مجهور ولا مهموس ، ورفض
الأخير كونها مهموسة بقوله : " وهناك من الدارسين المحدثين من يرى أن الهمزة
صوت مهموس , ويبدو أنهم يقصدون بالهمس حينئذ عدم الجهر وهو رأي غير دقيق "



ويرى سمير ستيتيه أن من قال بأن الهمزة
صوت مهموس بنى رأيه على انعدام ذبذبة الوترين الصوتيين حال النطق بالهمزة، في حين
من ذهب إلى أنها ليست بالصوت المجهور ولا المهموس كان ذلك بالنظر إلى انعدام ذبذبة
الوترين الصوتيين (ـ مجهور) واعتبار وضع الوترين الصوتيين عند نطق هذا الصوت، وهو
وضع مميز للهمزة عن الوضع الذي يكون عليه الوتران الصوتيان عند نطق سائر الأصوات
المهموسة (ـ مهموس) وهي صفة تشير إلى كون الوترين الصوتيين على وضع آخر غير الوضع
الذي يكونان عليه عند الهمس .



وذهب عدد من المحدثين  إلى أن سبب وصف الهمزة عند القدماء بأنها
مجهورة ربما يعود إلى :



1-       
جهلهم بدور الوترين الصوتيين, وعليه
فاحتمال الخطأ كبير هنا .



2-       
وصفهم همزة محركة ، ونحن نعرف بأن الحركة
مجهورة، فبدلا من وصف الحرف وصفوا الحركة ظنا منهم أنهم يصفون الحرف وهذا ليس
مستبعدا ، فمن المحدثين من أخطأ في وصف أحد الحروف رغم معرفتنا لعملية الجهر
والهمس ، وسببها ووجود الأجهزة المساعدة للعلماء. فقد وصف الدكتور تمام حسان الهاء
بأنها مجهورة متأثراً فيما يبدو بالحركة التي تلتها  .



3-       
وصفهم همزة بين بين كما وصفها ابن جني ،
وكما نعلم فإن هذه حركة والحركة مجهورة.



أما الهمزة فما وجدنا أحداً أثار شيئاً
يتعلق بمخرجها ، ولم يقل أحد أن همزة اليوم غير همزة العرب يوم وصفت الأصوات كما
قيل في الطاء والقاف – فالهمزة صوت ثابت، وصفته مختلف فيها بين القدماء والمحدثين.
فهو صوت حلقي شديد مجهور بوصف القدماء. يولد بانطباق الوترين الصوتيين ثم
انفراجهما فجأة من غير اهتزاز. وعليه فإننا نرى إبقاء صفة الجهر للهمزة مع عدم
اهتزاز الوترين الصوتيين في نطقها موافقة لعلماء العربية وكذلك لأن الوترين يغلقان
ويفتحان بها – كما يرى حسام النعيمي – فهي حركة وإن اختلفت عن الاهتزاز إلا أن ذلك
أولى من جعلها مهموسة مع ما في الوترين من حركة انطباق وانفتاح بها ، كما أنه أولى
من جعلها صنفا ثالثاً ليس مهموسا ولا مجهورا ، وقولنا بأنها مجهورة انسجاما مع قول
الخليل إن الهمزة مهتوتة مضغوطة تخرج من أقصى الحلق، فإذا رُفه عنها فإنها تلين
وتصير ياء أو واوا أو ألفا عن غير طريقة الحروف الصحيحة  . إضافة إلى ما جاء في اللهجات من تسهيل الهمزة
(مومن، راس ، ذيب).                            



الخلاصة



  ومهما يكن من أمر ، فإن العرب
قبل أربعة عشر قرناً توصلوا إلى التحديد الدقيق ، والوصف السديد لكل ما يخص الصوت
من درجات وصفات ومخارج بفاعليتهم الذهنية ، وملاحظتهم الدقيقة المدهشة التي أكدتها
الأجهزة الصوتية الحديثة . ولعل المطلع على رسم أعضاء النطق عند السكاكي في مفتاح
العلوم يعجب من الدقة المتناهية التي توصل إليها اللغويون العرب في تحديد مخارج
الحروف الحلقية والطبقية والشجرية والأسنانية والشفوية منها ، ومن رصد مناطق
الاستعلاء والتسفل في كل من هذه الأصوات.



           إن محاولة سيبويه ومن تبعه من علماء التراث
تفسير الجهر والهمس ظل قانونا سار عليه جميع من جاء بعده من النحاة والقراء، إلى
أن جاءت بحوث المحدثين فصدقت كثيرا مما ذكروه في هذا الباب ، مع إضافتها لحقيقة
ارتباط الجهر والهمس بالحنجرة ، وتذبذب الوترين الصوتيين في حالة الجهر ، وعدم
تذبذبها في حالة الهمس .



أثر
القرآن الكريم في حفظ أصوات العربية



الحديث عن أثر القرآن الكريم في أصوات العربية يتم من خلال  عناصر ثلاثة هي :

1. أثر صوتيات القرآن الكريم في الاستقرار الصوتي للغة العربية.

2. الفاصلة بين التناسق الصوتي ورعاية المعنى.

3. قضية التناسق الصوتي على مستوى اللفظ والصوت المفرد والتركيب في القرآن الكريم.


أولاً: أثر صوتيات القرآن الكريم في الاستقرار الصوتي للغة العربية:

كان التلقي الشفاهي هو الأساس في نقل القرآن الكريم، بداية من سيدنا جبريل عليه
السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وصولاً إلى زماننا المعاصر، وهكذا إلى
أن تقوم الساعة.

لهذه الخاصية (المشافهة) آثار تصل إلى حد الإعجاز، لكن إلف العادة هو الذي يمنعنا
أو يحجب عنا ملاحظة نواحي الإعجاز. ولكن إذا ما قورنت العربية بغيرها من اللغات
وما حدث لها ـ يظهر أثر القرآن على الاستقرار الصوتي للغة العربية. ويمكن إجمال
الأثر في العناصر التالية:

(1) حفظ اللغة العربية حية على ألسنة المسلمين في بقاع الأرض كلها:

المتأمل للتاريخ يرى بوضوح لغات كثيرة قد اندثرت بموت أهلها أو ضعفت بضعفهم، فأين
اللغة الفينيقية الآن ـ لغة أهل لبنان قديماً ـ وأين اللغة المصرية، والآشورية ..
الخ.

إن ارتباط اللغة العربية بالقرآن جعلها محفوظة بحفظه، وباقية ببقائه، وسبحان الله
القائل: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )

والذي يدقق النظر في العربية المعاصرة يجد الكثير من الألفاظ التي هجرت وظل بقاؤها
حية على الألسنة قاصراً على الاستخدام الديني لها وهو الاستخدام المرتبط بالقرآن الكريم
والسنة النبوية المطهرة.

(2) استقرار اللغة العربية :

رغم أن التطور سنة جارية في كل اللغات، وأكثر مظاهره يكون في الدلالات، إلا أن
العربية ظلت محتفظة بكل مستوياتها اللغوية (صوتية ـ صرفية ـ نحوية ـ دلالية)، وما
تطور منها كان في إطار المعاني الأصلية وبسبب منها.

والمحافظة على الأصل الدلالي للفظ على تطور الزمن له فائدة لا يستهان  بها، فتواصل الفهم بين الأجيال للنصوص القديمة
وتراث الأمة أمر من الأهمية بمكان، ويزداد إدراك أهمية الاستقرار اللغوي الذي
تتميز به العربية إذا ما تأملنا التعبير السريع الذي يلحق اللغة الإنكليزية (لغة
الحضارة المعاصرة)، فنصوص الإنجليزية القديمة(التي مر عليها قرابة ثلاثة قرون)
أصبحت عصية على الفهم بالنسبة للإنجليزية المعاصرة.

ولعل هذا التغير السريع هو الذي دفع علماء هذه اللغة إلى إعادة صياغة النصوص
الأدبية المهمة عندهم، مثل نصوص شكسبير بإنجليزية حديثة يفهمها المعاصرون بدلا من
الإنجليزية القديمة.

في حين أن العربي المعاصر يقرأ آيات القرآن الكريم فلا يحس معها بغرابة، ويكفي
النظر إلى هذه ا لآيات : (آلم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون
بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما
أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ).

ومن الحديث النبوي الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات
وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله،
ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )

فرغم مرور أربعة عشر قرناً فإن الإنسان لا يكاد يجد صعوبة في فهم هذه النصوص، ولا
تصادفه غرابة في الألفاظ، وما يصادفنا من ألفاظ صعبة فإن أبسط المعاجم يمكن أن
يبدد هذه الصعوبة. وهكذا الشأن مع باقي المستويات اللغوية (الصوتية، والصرفية،
والنحوية)، وهذه مزية عظيمة أن تكون الأمة موصولة بتراثها الزاخر تفيد منه وتنتفع
به.

وتأمل مزية استقرار اللغة العربية، التي تفردت بها عن سائر اللغات التي تغيرت
وتبدلت تغيراً وتبدلاً جعل من اللغة الواحدة لغات كثيرة متباينة، وهذا يؤدي بنا
إلى التساؤل:

ما السبب في وجود هذه المزية؟ هل يمكن إرجاع هذه المزية إلى أن اللغة العربية،
كانت لغة عالمية فيها كل ما تفتقر إليه الأمم في كل الأزمنة والأمكنة من ألفاظ
ومعان وأخيلة، بحيث يجد الناس فيها ما يفتقرون إليه، لذلك فهم يحرصون عليها ؟ وهذا
بعيد،فما كانت اللغة العربية ولا غيرها كذلك.



 أم أن مزية استقرار
اللغة العربية ترجع إلى أهلها مكانتهم الإجتماعية والسياسة والعلمية؟ والواقع يكذب
ذلك، فقد كان أهل العربية في وضع متأخر الشأن بجوار حضارتين عظيمتين هما الفرس
والروم. وهكذا ينتهي بنا التأمل إلى أنا لا نجد سببًا مقنعاً لهذه المزية سوى أثر
القرآن الكريم.

(3) تهذيب اللغة العربية :

(أ‌) فقد نحَّى القرآن الكريم عن اللغة التقعُّر في الكلام والغريب والألفاظ
الحوشية الثقيلة على السمع، و من يتأمل النثر أو الشعر الجاهلي يرى كثيراً من
الكلمات الحوشية، ومن ذلك: " جحيش" ، و" مسشزرات"، و"
جحلنجح" ، و " البخصات " ، و " الملطاط " ، وغير ذلك
كثير.

(ب‌) نحَّي القرآن الكريم أيضاً كثيراً من الألفاظ التي تعبر عن معان لا يقرها
الإسلام ومن ذلك:

1. " المرباع " : وهو ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية .

2. " النشيطة ": وهي ما أصاب الرئيس قبل أن يصير إلى القوم، أو ما يغنمه
الغزاة في الطريق قبل بلوغ الموضع المقصود.

3. " المكس " : وهو دراهم كانت تؤخذ من  بائعي السلع في الأسواق الجاهلية.

4. قولهم للملوك : " أبيت اللعن " .

ومثل ذلك كثيراً يرجع إليه في بطون كتب التراث.

(4) سعة انتشار اللغة العربية :

بنزول القرآن ودخول الناس في دين الإسلام أفواجاً من شتى بقاع الأرض، اتجه
المسلمون من غير العرب إلى تعلم العربية، رغبة في أداء العبادات والشعائر الدينية
بها، وقراءة القرآن بالعربية، لأن قراءة القرآن الكريم تعبد لله تعالى.. وبالتالي
انتشرت اللغة العربية انتشاراً ما كان يتحقق لها بدون القرآن الكريم.

ثانياً: الفاصلة بين التناسق الصوتي ورعاية المعنى :

أود هنا ـ بدايةً ـ توضيح ملاحظة تتصل بأدب السلف من صالحي هذه الأمة، حيث أطلقوا
على نهايات الآيات القرآنية تسمية (رءوس الآيات)، تمييزاً لها عن مصطلحات الشعر
والنثر، ففي الشعر نقول: صدر البيت وعجزه، وفي النثر نقول بداية الجملة ونهايتها،
فبداية الآية عندهم كنهايتها : رأس، أي مستوى من الارتفاع والارتقاء لا ينتهي ولا
يهبط أبداً، والوقف عند الرأس يشعر بأن آيات القرآن قمم يرقى القارئ إليها، وكلما
مضى في القراءة ازداد رقياً، فهو صاعد أبداً، حيث يقال لقارئ القرآن : ( أقرأ
وارق، فأن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ) ..

ومعلوم أن رءوس الآيات توقيفية، أي كما جاءت بالتلقي عن سيدنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم، والملاحظ في رءوس الآيات التناسب الصوتي الذي يلفت الانتباه وتستريح له
الآذان إلى حد يأخذ بالنفس، ولعله كان أحد الأسباب التي جعلت الوليد يقول بعد سماعه
القرآن: ( إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ) وهما من حس اللسان وحسن الأذن. وإذا ما
أحببت محاولة الكشف عن الظاهرة بأسلوب علمي، وذلك بتتبع أصوات الحروف والحركات
التي تكوّن هذه الفواصل، بهذا التناسق الصوتي المبدع، فإننا نلاحظ التالي :

كثرة ورود حروف المد: الألف والواو، والياء، بما لها من نغمات منتظمة تسيطر على
لحن الكلام، يضاف إلى هذا كثرة ورود الصوامت المتوسطة(النون ـ الميم ـ الراء ـ
الواو ـ الياء)، وهي قريبة ـ من الناحية الفيزيائية ـ إلى طبيعة الحركات، التي
تسهم في خاصية التنغيم الشجيّ بشكل واضح. يدعم هذا ظواهر صوتية خاصة بالقرآن: المد
والغنّة . وكل هذه العناصر الصوتية لا تكون بهذا التناسب الفريد في غير القرآن من
فنون الشعر والنثر.



سؤال اعتراضي :هل هذا التناسب الصوتي هو من قبيل السجع، حيث
يتوالى الكلام المنثور على حرف واحد، ليكتسب النثر ضرباً من الموسيقى والنغم؟ وهل
هو من قبيل القافية في الشعر؟

والجواب: لا هذا ولا ذالك، فالفاصلة في القرآن ليست على وتيرة واحدة، كما هو الحال
في كل من السجع والتقفية، فهي لا تلتزم شيئاً من ذلك، حيث تجري في عدد من آيات
القرآن على نمط، ثم يتحول عنه إلى نمط آخر، ومن خلال جريها على نمط واحد، فأغلب ما
تقوم عليه هو حرف المد.

يقول الله تعالى : ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {1} بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ
مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ {2} أَئِذَا
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ {3} قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ
الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ {4} بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ
لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ{5} أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى
السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ
)

والفاصلة قيمة صوتية ذات وظيفة دلالية، ورعايتها تؤدي إلى تقديم عنصر أو تأخيره،
ليس فقط رعاية للتناسق الصوتي، بل رعاية للمعنى أيضاً، وهذا هو الإعجاز.

الأمثلة : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فإن قلت: لم قدم العبادة على الاستعانة؟
أجابك اللغويون أصحاب الحس المرهف، وعلى رأسهم الزمخشري، حيث قال : (هو من تقديم
العلة على المعلول).

وقال أبو السعود: (هو من باب تقديم الشرف).

وقوله تعالى وإن لنا للآخرة والأولى ) ، لماذا قدم الآخرة على الأولى؟ والجواب أن
ذلك مرتبط بسياق السورة ومقصدها، فقد قامت السورة لتأكيد سوء العاقبة والإنذار لمن
كذب وأعرض بالتنكيل به في الآخرة، في مقابل الثواب الذي ينتظر من أحسن وتصدق، فإذا
ما تحقق مع هذا المعنى الانسجام الصوتي وتناسب الإيقاع في الفواصل، فذلك لا يتم
على هذا الوجه من الكمال في غير هذا النظام القرآني المعجز.

ومن قال بالتقديم لرعاية الفاصلة فقط، فهو قصور عن فهم المعنى المراد، فالتقديم
والتأخير يرتبطان بالسياق والمعنى المراد.

أيضاً الترتيب في تقديم الصفات الخاصة بالله تبارك وتعالى، أو الأنبياء صلوات الله
وسلامه عليهم ـ مرتبط بالسياق، من ذلك قوله تعالى: ( يعلم ما يلج في الأرض وما
يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور ) ، وقال تعالى: (
وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم إن الله غفور رحيم ).

فقدم الرحمة في آية سبأ، لأنها منشأ المغفرة. أما الغفور فتقدم في كل موضع في
القرآن فيه ولو إشارة إلى وقوع المعاصي وكفران النعم.

ثالثاً: التناسق الصوتي على مستوى اللفظ والصوت والمفرد والتركيب في القرآن
الكريم:

أول ما يلفت الانتباه هو إن القرآن الكريم قد خلا من التنافر في بنية كلماته،
فأصواته كلها قامت على الائتلاف، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد سجلت كلمات القرآن
الكريم قمة التناسق بين أصواتها والمعاني المرادة لها، وهذا هو الجديد في الصوت
القرآني : أن يوظف الصوت المفرد داخل الكلمة لخدمة المعنى المقصود، وإليك هذه
الأمثلة.

(1) التناسب بين صفات الصوت ومعنى الكلمة:

من ذلك التشديد بعد قلب التاء من جنس ما بعدها ليدل على التردي الجماعي، أو
المبالغة في التثاقل، أو الاستعصاء على الهدى، من ذلك قوله تعالى: ( حتى إذا
أداركوا فيها جميعاً )

أصل الفعل ( تداركوا) وقلبت التاء دالاً وأدغمت في الدال، فلما سكنت جئ بهمزة
الوصل، والتشديد يوحي هنا بتداعيهم في النار متزاحمين بغير نظام، بل إن اشتمال
التشديد على سكون فحركة يدل على أن تزاحمهم في النار جعل بعضهم يعوق بعضاً قبل أن
يتردوا فيها، فكأن النقطة التي تداعوا عندها كانت كعنق زجاجة. ويشبه هذا إيحاء
التكرار في قوله تعالى: ( فكبكبوا فيها هم والغاوون ).

ومن هذا أيضاً قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في
سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض )

أيضاً ما يوحيه التفخيم من الإحساس بالمبالغة في الحدث او الصفة، من ذلك قوله
تعالى: ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل ) .

فكأن ارتفاع الصوت بالصراخ ومشاركتهم جميعاً فيه وتكرار ذلك منهم لا يكفي أن يعبر
عنه بالفعل المجرد ( يصرخون )، فجاءت تاء الافتعال لتدل على المبالغة، وقصد لها أن
تجاور الصاد المطبقة فتتحول بالمجاورة إلى ا لتفخيم (تصبح طاء) ليكون في تفخيمها
فضل مبالغة في الفعل . ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ( تلك إذاً قسمة ضيزى ).

و( ضيزى ) تعني : جائزة ظالمة، لكن لفظ ( ضيزى ) جاء هنا ليحقق غرضين هما: رعاية
الفاصلة التي غلبت فيها الألف المقصورة، والثاني: الإيحاء ـ بماء في الضاد من
تفخيم ـ إلى أن الجور في هذه القسمة لا مزيد عليه.

قوله تعالى : ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ). والصيب : النزول الذي له
وقع وتأثير، ويطلق على المطر والسحاب، وتنكيره لما أنه أريد به نوع شديد هائل، كما
أن الصاد المستعلية (المفخمة) والياء المشددة والباء الشديدة تدل على القوة
والتدفق وشدة الانسكاب.

(2) التناسب بين إيحاء الصوت ومعنى الكلمة:

ومن التناسب بين إيحاء الصوت والدلالة المقصودة للكلمة قوله تعالى : ( عيناً فيها
تسمى سلسبيلاً ). حيث يوحي لفظ السلسبيل بالسلاسة والسهولة ويسر الاستساغة، وذلك
لما بين اللفظين (سلسبيل/سلاسة) من شركة في بعض الحروف. هذا في مقابل الإيحاء في
جهة الضد للمعنى السابق، كما في قوله تعالى: ( إلا حميماً وغساقاً ) حيث أن مادة
(غسق) في القرآن الكريم منها الغسق، والغاسق والغساق ـ توحي أن القسط المشترك بين
هذه المشتقات الدلالة على أمور كريهة، فالغسق :الظلمة، والغاسق: الليل الشديد
الظلمة، والغساق : شئ كريه لا يشرب، وفسروه بالصديد، وتستفاد هذه الدلالة لغوياً
من إيحاء الغين والقاف هنا. ومثله في التفسير قوله تعالى : ( كلا إن كتاب الفجار
لفي سجين ) وقوله تعالى : ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) والضريع نبات شوكي. وإيحاء
لفظ (ضريع ) في الطعام يفيد ذلاً يؤدي إلى تضرع كل منهم وسؤال الله العفو عن ذلك.

يقابله في المعنى على الجهة الأخرى قوله تعالى : ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين)
.

(قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق) .