السيرة النبوية 2-132101

طالبات الانتساب

الدكتورة / آمنة حسين جلال

0505519949

Ahjalal@uqu.edu.sa

 

 

 

 

 

 

الكتاب المقرر : روضة الأنوار في سيرة النبي المختار

للمباركفوري

ما هي أهمية السيرة النبوية ؟ 

1-     يجب أن لا نعتبر سيرة الرسول كسيرة أي ملك أو خليفة أو قائد وأن لا نلقبه بألقاب الملوك والسلاطين وإنما هو بني مرسل مؤيد بوحي إلهي من عند الله .

2-             دراسة السيرة عمل تطبيقي وتفسير واقعي لهذا الدين اقتداء بأعمال الرسول r .

3-             جميع أفعال وأعمال الرسول منهج ودستور يجب التمسك به والعمل على تطبيقه في حياتنا الدنيوية .

4-             جميع أعمال وتصرفات الرسول تفسر لنا الكثير من آيات القرآن لأن القرآن مجمل والسُنة النبوية مفصلة .

5-             سيرة الرسول تفيد المجتمع في معالجة التربية والتعليم سواء في نطاق الأسرة أو المدرسة والجامعة .

6-             السيرة النبوية تعطينا الكثير من المغذيات التربوية في كل نواحي الحياة اجتماعية سياسية اقتصادية ثقافية .

 

 

 

 

 

 

 

 

لماذا كانت الجزيرة العربية مهداً للدعوة الإسلامية ؟

1-     لأن الرسول r أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة وبعث إلى أمة أمية لا تعرف شيء عن حضارة الأمم المحيطة بها ، قال تعالى : چ ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?     ٹ  ٹ  ٹ  ٹ  ?  ?  ?  ?    ?   ?  ?  ?  ? چ .

2-             أن الله جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمناً وهي مبعث إبراهيم وابنه إسماعيل وإن الرسول r من نسله .

3-             أن الجزيرة العربية تقع وسط الأمم المتحضرة .

4-             أن القرآن نزل بلغة قريش وهي اللغة العربية .

5-             أن تكون منبع الدعوة في منبع الطغيان والجبروت .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد r أصله ، ونشأته ، وأحواله قبل النبوة

النسب الشريف :

هو أكرم خلق الله ، وأفضل رسله ، وخاتم أنبيائه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .

وعدنان من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام بالاتفاق ، ولكن لم يعرف بالضبط عدد ولا أسماء من بينه وبين إسماعيل u .

أما أمه r فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب . وكلاب هو الجد الخامس للنبي r من جهة أبيه ، فأبوه وأمه من أصل واحد ، يجتمعان في كلاب ، واسمه حكيـم . وقيل : عروة ، لكنه كان كثير الصيد بالكلاب فعرف بها .

قبيلته r :

وقبيلته r هي قبيلة قريش المشهود لها بالشرف ، ورفعة الشأن ، والمجد الأصيل ، وقداسة المكان بين سائر العرب ، وهو لقب فهر بن مالك أو النضر بن كنانة .

وكل من رجالات هذه القبيلة كانوا سادات وأشرافاً في زمانهم ، وقد امتاز منهم قصي – واسمه زيد – بعدة ميزات ، فهو أول من تولى الكعبة من قريش ، فكانت إليه حجابتها وسدانتها ، أي كان بيده مفتاح الكعبة يفتحها لمن شاء ومتى شاء ، وهو الذي أنزل قريشاً ببطن مكة ، وأسكنهم في داخلها ، وكانوا قبل ذلك في ضواحيها وأطرافها ، متفرقين بين قبائل أخرى ، وهو الذي أنشأ السقاية والرفادة . والسقاية : ماء عذب من نبيذ التمر أو العسل أو الزبيب ونحوه ، كان يعده في حياض من الأديم يشربه الحجاج . والرفادة : طعام كان يصنع لهم في الموسم . وقد بنى قصي بيتاً بشمالي الكعبة ، عرف بدار الندوة . وهي دار شورى قريـش ، ومركز تحركاتهم الاجتماعية ، فكان لا يعقد نكاح ، ولا يتم أمر إلا في هذه الدار ، وكان بيده اللواء والقيادة ، فلا تعقد راية حرب إلا بيده ، وكان كريماً وافر العقل ، صاحب كلمة نافذة في قومه .

أسرته r :

أما أسرته r فتعرف بالأسرة الهاشمية ، نسبة إلى جده الثاني هاشم ، وقد ورث هاشم من مناصب قصي : السقاية والرفادة ، ثم ورثهما أخوه المطلب ، ثم أولاد هاشم إلى أن جاء الإسلام وهم على ذلك ، وكان هاشم أعظم أهل زمانه ، كان يهشم الخبز ، أي يفتته في اللحم ، فيجعله ثريداً ، ثم يتركه يأكل الناس ، فلقب بهاشم ، واسمه عمرو . وهو الذي سن الرحلتين : رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، وكان يعرف بسيد البطحاء .

ومن حديثه : أنه مر بيثرب ، وهو في طريق تجارته إلى الشام ، فتزوج سلمى بنت عمرو من بني عدي بن النجار ، وأقام عندها فترة ، ثم مضى إلى الشام وهي حامل ، فمات بغزة من أرض فلسطين ، وولدت سلمى ابناً بالمدينة سمته : شيبة ، لشيب في رأسه ، ونشأ هذا الطفل بين أخواله في المدينة ، ولم يعلم به أعمامه بمكة حتى بلغ نحو سبع سنين أو ثماني سنين ، ثم علم به عمه المطلب ، فذهب به إلى مكة ، فلما رآه الناس ظنوه عبده فقالوا : عبد المطلب ، فاشتهر بذلك .

وكان عبد المطلب أوسم الناس ، وأجملهم ، وأعظمهم قدراً . وقد شرف في زمانه شرفاً لم يبلغه أحد ، كان سيد قريش وصاحب عير مكة ، شريفاً مطاعاً جواداً يسمى بالفياض لسخائه ، كان يرفع من مائدته للمساكين والوحوش والطيور ، فكان يلقب بمطعم الناس في السهل ، والوحوش والطيور في رؤوس الجبال . وقد تشرف بحفر بئر زمزم بعد أن كان قد درسها جرهم عند جلائهم عن مكة ، وكان قـد أمر بحفرها في المنام ، ووصف له موضعها فيه .

وفي عهده وقعت حادثة الفيل ، جاء أبرهة الأشرم من اليمن بستين ألف جندي من الأحباش ، ومعه بعض الفيلة ، ليهدم الكعبة ، فلما وصل إلى وادي محسر بين المزدلفة ومنى ، وتهيأ للهجوم على مكة أرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول ، وكان ذلك قبل مولد النبي r بأقل من شهرين فقط .

أما والده r عبد الله فكان أحسن أولاد عبد المطلب ، وأعفهم ، وأحبهم إليه ، وهو الذبيح ، وذلك أن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم ، وبدت آثارها نازعته قريش ، فنذر لئن آتاه الله عشرة أبناء ، وبلغوا أن يمنعوه ، ليذبحن أحدهم . فلما تم له ذلك أقرع بين أولاده ، فوقعت القرعة على عبد الله ، فذهب إلى الكعبة ليذبحه ، فمنعته قريش ، ولاسيما إخوانه وأخواله ، ففداه بمائة من الإبل ، فالنبي r ابن الذبيحين : إسماعيل u وعبد الله ، وابن المفديين ، فدي إسماعيل u بكبش ، وفدي عبد الله بمائة من الإبل .

واختار عبد المطلب لابنه عبد الله آمنة بنت وهب ، وكانت أفضل نساء قريش شرفاً وموضعاً ، وكان أبوها وهب سيد بني زهرة نسباً وشرفاً ، فتمت الخطبة والزواج ، وبنى بها عبد الله بمكة فحملت برسول الله r .

وبعد فترة أرسله عبد المطلب إلى المدينة – أو الشام في تجارة – فتوفي بالمدينة – راجعاً من الشام – ودفن في دار النابغة الذبياني ، وذلك قبل ولادته r على الأصح .

المولد :

ولد رسول الله r بشعب بني هاشم في مكة ، صبيحة يوم الاثنين ، التاسع – ويقال : الثاني عشر – من شهر ربيع الأول عام الفيل – والتاريخ الأول أصح والثاني أشهر – وهو يوافق اليوم الثاني والعشرين من شهر أبريل سنة 571م .

وكانت قابلته أي دايته : الشفاء بنت عمرو أم عبد الرحمن بن عوف t ولما ولدته أمه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام . وأرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بولادته r فجاء عبد المطلب مستبشراً مسروراً ، وحمله ، فأدخله الكعبة ، وشكر الله ، ودعاه ، وسماه محمـداً ، رجاء أن يحمد ، وعق عنه ، وختنه يوم سابعه ، وأطعم الناس كما كان العرب يفعلون .

وكانت حاضنته أم أيمن : بركة الحبشية ، مولاة والده عبد الله ، وقد بقيت حتى أسلمت ، وهاجرت ، وتوفيت بعد النبي r بخمسة أشهر ، أو بستة أشهر .

 

 

 

الرضاع :

وأول من أرضعته r بعد أمه ثويبة : مولاة أبي لهب بلبن ابن لها ، يقال له مسروح ، وكانـت قد أرضعت قبله r حمزة بن عبد المطلب وبعده r أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، فهم إخوته r من الرضاعة .

وقد أعتق أبو لهب أمته هذه فرحاً بولادة رسول الله r ولكنه صار من ألد أعدائه حينما قام بالدعوة إلى الإسلام .

في بني سعد :

كان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ، إبعاداً لهم عن أمراض الحواضر حتى تشتد أعصابهم ، وليتقنوا اللسان العربي في مهدهم .

وقدر الله أن جاءت نسوة من بني سعد بن بكر بن هوازن يطلبن الرضعاء فعرض النبي r عليهن كلهن ، فأبين أن يرضعنه لأجل يتمه . ولم تجد إحدى النسوة – وهي حليمة بنت أبي ذويب – رضيعاً فأخذته r وحظيت به حظوة اغتبط لها الآخرون .

واسم أبي ذويب والد حليمة : عبد الله بن الحارث ، واسم زوجها : الحارث ابن عبد العزى ، وكلاهما من سعد بن بكر بن هوازن . وأولاد الحارث بن عبد العزى : إخوته r من الرضاعة هم : عبد الله وأنيسة وجدامة ، وهي الشيماء ، لقب غلب على اسمها ، وكانت تحضن رسول الله r .

بركات في بيت الرضاعة :

وقد درت البركات على أهل هذا البيت مدة وجوده r بينهم .

ومما روي من هذه البركات : أن حليمة لما جاءت إلى مكة كانت الأيام أيام جدب وقحط ، وكانت معها أتان كانت أبطأ دابة في الركب مشياً لأجل الضعف والهزال ، وكانت معها ناقة لا تدر بقطرة من لبن ، وكان لها ولد صغير يبكي ويصرخ طول الليل لأجل الجوع ، لا ينام ، ولا يترك أبويه ينامان .

فلما جاءت حليمة بالنبي r إلى رحلها ، ووضعته في حجرها أقبل عليه ثدياها بما شاء من لبن ، فشرب حتى روي ، وشرب معه ابنها الصغير حتى روي ، ثم ناما .

وقام زوجها إلى الناقة فوجدها حافلاً باللبن ، فحلب منها ما انتهيا بشربه ريّاً وشبعاً ، ثم باتا بخير ليلة .

ولما خرجا راجعين إلى بادية بني سعد ركبت حليمة تلك الأتان ، وحملت معها النبي r فأسرعت الأتان حتى قطعت بالركب ، ولم يستطع لحوقها شيء من الحمر .

ولما قدما في ديارهما : ديار بني سعد – وكان أجدب أرض الله – كانت غنمهما تروح عليهما شباعاً ممتلئة الخواصر بالعلف ، وممتلئة الضروع باللبن . فكانا يحلبان ويشربان ، وما يحلب إنسان قطرة لبن .

فلم يزالا يعرفان من الله الزيادة والخير حتى اكتملت مدة الرضاعة ومضت سنتان ففطمته حليمة ، وقد اشتد وقوي في هذه الفترة .

بقاء النبي r في بني سعد بعد الرضاعة :

وكانت حليمة تأتي بالنبي r إلى أمه وأسرته كل ستة أشهر ، ثم ترجع به إلى باديتها في بني سعد ، فلما اكتملت مدة الرضاعة وفطمته ، وجاءت به إلى أمه حرصت على بقائه r عندها ، لما رأت من البركة والخير . فطلبت من أم النبي r أن تتركه عندها حتى يغلظ ، فإنها تخاف عليه وباء مكة ، فرضيت أمه r بذلك ، ورجعت به حليمة إلى بيتها مستبشرة مسرورة ، وبقي النبي r عندها بعد ذلك نحو سنتين ، ثم وقعت حادثة غريبة أحدثت خوفاً في حليمة وزوجها حتى ردا النبي r إلى أمه . وتلك الحادثة هي شق صدره r وإليكم بيان ذلك .

شق الصدر :

قال أنس بن مالك t : إن رسول الله r أتاه جبريل ، وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه . فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظ الشيطان منك . ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه – أي ضمه وجمعه – ثم أعاده في مكانه .

وجاء الغلمان يسعون إلى أمه – يعني ظئره ( وهي المرضعة ) – فقالوا : إن محمداً قد قتل . فاستقبلوه وهو منتقع اللون . أي متغير اللون .

قال أنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره .

إلى أمه الحنون :

ورجع النبي r بعد هذا الحادث إلى مكة ، فبقي عند أمه وفي أسرته نحو سنتين ، ثم سافرت معه أمه إلى المدينة ، حيث قبر والده وأخواله جده بنو عدي بن النجار ، وكان معها قيمها عبد المطلب ، وخادمتها أم أيمن ، فمكثت شهراً ثم رجعت ، وبينما هي في الطريق لحقها المرض ، واشتد حتى توفيت بالأبواء بين مكة والمدينة ، ودفنت هناك .

إلى جده العطوف :

وعاد به r جده عبد المطلب إلى مكة ، وهو يشعر بأعماق قلبه شدة ألم المصاب الحديـد . فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده ، فكان يعظم قدره ، ويقدمه على أولاده ، ويكرمه غاية الإكرام ، ويجلسه على فراشه الخاص الذي لم يكن يجلس عليه غيره . ويمسح ظهره ، ويسر بما يراه يصنع . ويعتقد أن له شأناً عظيماً في المستقبل ، ولكنه توفي بعد سنتين حين كان عمره r ثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام .

إلى عمه الشفيق :

وقام بكفالته r عمه أبو طالب شقيق أبيه ، واختصه بفضل الرحمة والمودة ، وكان مقلا من المال ، فبارك الله في قليله ، حتى كان طعام الواحد يشبع جميع أسرته ، وكان الرسول r مثال القناعة والصبر ، يكتفي بما قدر الله له .

سفره إلى الشام وبحيرا الراهب :

وأراد أبو طالب أن يخرج بتجارة إلى الشام في عير قريش ، وكان عمره r اثنتي عشرة سنة – وقيل : وشهرين وعشرة أيام – فاستعظم رسول الله فراقه ، فرق عليه وأخذه معه ، فلما نزل الركب قريباً من مدينة بصرى على مشارف الشام خرج إليهم أحد كبار رهبان النصـارى – وهو بحيرا الراهب – فتخلل في الركب حتى وصل إلى النبي r فأخذه بيده ، وقال : " هذا سيد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين " .

قالوا : وما علمك بذلك ؟

قال : " إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجداً ، ولا يسجدان إلا لنبي ، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ، وإنا نجده في كتبنا " .

ثم أكرمهم بالضيافة ، وسأل أبا طالب ، أن يرده ولا يقدم به إلى الشام خوفاً من اليهود والرومان ، فرده أبو طالب إلى مكة .

حرب الفجار :

وحين كان عمره r عشرين سنة ، وقعت في سوق عكاظ حرب بين قبائل قريش وكنانة من جهة ، وبين قبائل قيس عيلان من جهة أخرى . اشتد فيها البأس ، وقتل عدد من الفريقين ، ثم اصطلحوا على أن يحصوا قتلى الفريقين ، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد ، ووضعوا الحرب ، وهدموا ما وقع بينهم من العداوة والشر .

وقد حضر هذه الحرب رسول الله r وكان ينبل على أعمامه ، أي يجهز لهم النبل للرمي .

وسميت هذه الحرب بحرب الفجار لأنهم انتهكوا فيها حرمة حرم مكة والشهر الحرام ، والفجار أربعة : كل في سنة ، وهذه آخرها ، وانتهت الثلاثة الأولى بعد خصام واشتجار طفيف ، ولم يقع القتال إلا في الرابع فقط .

حلف الفضول :

وفي شهر ذي القعدة على إثر هذه الحرب تم حلف الفضول بين خمسة بطون من قبيلة قريش وهم : بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وبنو أسد ، وبنو زهرة ، وبنو تيم .

وسببه أن رجلاً من زبيد جاء بسلعة إلى مكة ، فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي ، وحبس عنه حقه ، فاستعدى عليه ببني عبد الدار ، وبني مخزوم ، وبني جمح ، وبنى سهم ، وبني عدي ، فلم يكترثوا له ، فعلا جبل أبي قبيس ، وذكر ظلامته في أبيات ، ونادى من يعينه على حقـه ، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في دار عبد الله بن جدعان رئيس بني تيم ، وتحالفوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، ثم قاموا إلى العاص بن وائل السهمي ، فانتزعوا منه حق الزبيدي ، ودفعوه إليه .

وقد حضر رسول الله r هذا الحلف مع أعمامه ، وقال بعد أن شرفه الله بالرسالة : " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت " .

حياة العمل :

معلوم أن النبي r ولد يتيماً ونشأ في كفالة جده ثم عمه ، ولم يرث عن أبيه شيئاً يغنيه ، فلما بلغ سنّاً يمكن العمل فيه عادة رعى الغنم مع إخوته من الرضاعة في بني سعد ، ولما رجع إلى مكـة رعاها لأهلها على قراريط ، والقيراط جزء يسير من الدينار : نصف العشر أو ثلث الثمن منه . قيمته في هذا الزمان عشرة ريالات تقريباً .

ورعي الغنم من سنن الأنبياء في أوائل حياتهم . فقد قال r مرة بعد أن أكرمه الله بالنبوة : " ما من نبي إلا ورعاها " .

ولما شب النبي r وبلغ الفتوة فكأنه كان يتجر ، فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب ، فكان خير شريك له ، لا يجاري ولا يماري .

وعرف r في معاملاته بغاية الأمانة والصدق والعفاف . وكان هذا هديه r في جميع مجالات الحياة حتى لقب بالأمين .

سفره إلى الشام وتجارته في مال خديجة :

وكانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها من أفضل نساء قريش شرفاً ومالاً ، وكانت تعطي مالها للتجارة يتجرون فيه على أجرة ، فلما سمعت عن النبي r عرضت عليه مالها ليخرج فيه إلى الشام تاجراً ، وتعطيه أفضل ما أعطته غيره .

وخرج رسول الله r مع غلامها ميسرة إلى الشام ، فباع وابتاع وربح ربحاً عظيماً ، وحصل في مالها من البركة ما لم يحصل من قبل ، ثم رجع إلى مكة ، وأدى الأمانة .

زواجه بخديجة :

ورأت خديجة من الأمانة والبركة ما يبهر القلوب ، وقص عليها ميسرة ما رأى في النبي r من كرم الشمائل وعذوبة الخلال – يقال : وبعض الخوارق ، مثل تظليل المكلين له في الحر – فشعرت خديجة بنيل بغيتها فيه . فأرسلت إليه إحدى صديقاتها تبدي رغبتها في الزواج به ، ورضي النبي r بذلك ، وكلم أعمامه ، فخطبوها له إلى عمها عمرو بن أسد ، فزوجها عمها بالنبي r في محضر من بني هاشم ورؤساء قريش على صداق قدره عشرون بكرة ، وقيل ست بكرات ، وكان الذي ألقى خطبة النكاح هو عمه أبو طالب : فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم ذكر شرف النسب وفضل النبي r ، ثم ذكر كلمة العقد وبين الصداق .

تم هذا الزواج بعد رجوعه r من الشام بشهرين وأيام ، وكان عمره إذ ذاك خمساً وعشرين سنة ، أما خديجة فالأشهر أن سنها كانت أربعين سنة . وقيل : ثمان وعشرين سنة ، وقيل غير ذلك ، وكانت أولاً متزوجة بعتيق بن عائذ المخزومي ، فمات عنها ، فتزوجها أبو هالة التيمي ، فمات عنها أيضاً بعد أن ترك له منها ولداً ، ثم حرص على زواجها كبار رؤساء قريش فأبت حتى رغبت في رسول الله r وتزوجت به . فسعدت به سعادة يغبط عليها الأولون والآخرون .

وهي أول أزواجه r لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت ، وكل أولاده r منها إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية .

أولاده r من خديجة :

هم : القاسم ، ثم زينب ، ثم رقية ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ، ثم عبد الله ، وقيل غير ذلك في عددهم وترتيبهم ، وقد مات البنون كلهم صغاراً . أما البنات فقد أدركن كلهن زمن النبوة ، فأسلمن وهاجرن ، ثم توفاهن الموت قبل النبي r إلا فاطمة رضي الله عنها ، فإنها عاشت بعده r ستة أشهر .

 

بناء البيت وقصة التحكيم :

ولما بلغت سنه r خمساً وثلاثين سنة جاء سيل جارف صدع جدران الكعبة . وكانت قد وهنت من قبل لأجل حريق ، فاضطرت قريش إلى بنائها من جديد ، وقرروا أن لا يدخلوا في نفقتها إلا طيباً ، فلا يدخلوا فيها مهر بغي ، ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد . وهابوا عقاب الله على هدمها ، فقال لهم الوليد بن المغيرة : إن الله لا يهلك المصلحين ، ثم بدأ يهدم ، فتبعوه في هدمها حتى وصلوا بها إلى قواعد إبراهيم .

ثم أخذوا في البناء وخصصوا لكل قبيلة جزءاً منها ، وكان الأشراف يحملون الحجارة على أعناقهم ، وكان رسول الله r وعمه العباس فيمن يحمل . وتولى البناء بنّاًء رومي اسمه : باقوم . وضاقت بهم النفقة الطيبة عن إتمامها على قواعد إبراهيم ، فأخرجوا منها نحو ستة أذرع من جهة الشمال ، وبنوا عليها جداراً قصيراً علامة أنه من الكعبة . وهذا الجزء هو المعروف بالحجر والحطيم .

ولما وصل البنيان إلى موضع الحجر الأسود أراد كل رئيس أن يتشرف بوضعه في مكانه ، فوقـع بينهم التنازع والخصام ، واستمر أربعة أيام أو خمسة ، وكاد يتحول إلى حرب دامية في الحرم ، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي تداركها بحكمة – وكان أسن رجل في قريش – فاقترح عليهم أن يحكموا أول رجل يدخل عليهم من باب المسجد ، فقبلوا ذلك ، واتفقوا عليه .

وكان من قدر الله أن أول من دخل بعد هذا القرار هو رسول الله r فلما رأوه هتفوا ، وقالوا : هذا الأمين رضيناه ، هذا محمد . فلما انتهى إليهم ، وأخبروه الخبر ، أخذ رداءً ، ووضع فيه الحجر الأسود ، وأمرهم أن يمسك كل واحد منهم بطرف من الرداء ويرفعه ، فلما وصل الحجر الأسود إلى موضعه أخذه النبي r بيده ووضعه في مكانه . وكان حلاًّ حصيفاً رضي به الجميع .

والحجر الأسود يرتفع عن أرض المطاف متراً ونصف متر . أما الباب فقد رفعوه نحو مترين حتى لا يدخل إلا من أرادوا ، وأما الجدران فرفعوها ثمانية عشر ذراعاً ، وكانت على النصف من ذلك ، ونصبوا في داخل الكعبة ستة أعمدة في صفين ثم سقفوها على ارتفاع خمسة عشر ذراعاً وكانت من قبل بدون سقف ولا عمود .

سيرته r قبل البعثة :

نشأ r منذ صباه سليم العقل ، وافر القوى ، نزيه الجانب ، فترعرع ، وشب ، ونضج ، وهـو جامع للصفات الحميدة والشيم النبيلة ، فكان طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب والنظر السديد ، ومثالاً نهائيّاً في مكارم الأخلاق ومحاسن الخصال ، امتاز بالصدق ، والأمانة ، والمروءة ، والشجاعة ، والعدل ، والحكمة ، والعفة ، والزهد ، والقناعة ، والحلم ، والصبر والشكر ، والحياء والوفاء ، والتواضع والتناصح .

وكان على أعلى قمة من البر والإحسان كما قال عمه أبو طالب :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه                  ثمال اليتامــى عصمة للأرامل

وكان وصولاً للرحم ، حمولاً لما يثقل كواهل الناس ، يساعد من أعدم العيش حتى يصيب الكسب ، وكان يقري الضيف ، ويعين من نزلت به النوازل .

وقد حاطه الله بالحفظ والرعاية ، وبغض إليه ما كان في قومه من خرافة وسوء ، فلم يشهد أعياد الأوثان واحتفالات الشرك ، ولم يأكل مما ذبح على النصب أو أهل به لغير الله . وكان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى فضلاً عن مس الأصنام أو التقرب إليها .

وكان أبعد الناس من شرب الخمر وشهود الملاهي حتى لم يحضر مجالس اللهو والسمر ونواديها التي كانت منتزه الشباب وملتقى الأحبة في مكة .

 

 

 

 

 

 

 

النبوة والدعوة

مقدمات النبوة وتباشير السعادة :

وبما تقدم ذكره اتسعت الشقة الفكرية والعملية بين النبي r وبين قومه ، وطفق يقلق مما يراهم عليه من الشقاوة والفساد ، ويرغب في الاعتزال عنهم والخلوة بنفسه مع تفكيره في سبيل ينجيهم من التعاسة والبوار .

واشتد هذا القلق ، وقويت هذه الرغبة مع تقدم السن حتى كأن حادياً يحدوه إلى الخلوة والانقطاع . فأخذ يخلو بغار حراء ([1]) ، يتعبد الله فيه على بقايا دين إبراهيم u وذلك من كل سنة شهراً . وهو شهر رمضان ، فإذا قضى جواره بتمام هذا الشهر انصرف إلى مكة صباحاً ، فيطوف بالبيت ، ثم يعود إلى داره ، وقد تكرر ذلك منه r ثلاث سنوات .

فلما تكامل له أربعون سنة – وهي سن الكمال ، ولها بعثت الرسل غالباً – بدأت طلائع النبوة وتباشير السعادة في الظهور ، فكان يرى رؤيا صالحة تقع كما يرى ، وكان يرى الضوء ويسمع الصوت ، وقال : " إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث " .

بداية النبوة ونزول الوحي :

فلما كان في رمضان من السنة الحادية والأربعين وهو معتكف بغار حراء ، يذكر الله ويعبده ، فجاءه جبريل u بالنبوة والوحي ، ولنستمع إلى عائشة رضي الله عنها تروي لنا هذه القصة بتفاصيلها ، قالت عائشة رضي الله عنها : " أول ما بُدئ به رسول الله r من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث – أي يتعبد – فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزود بذلك ، ثم يرجع إلى خديجة ، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، جاءه الملك ، فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارئ .

قال : فأخذني ، فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني، فغطني الثالثة . ثم أرسلني فقال : چ چ  چ  چ  ?  ?  ? ?  ?  ?  ?  ? ?  ?   ڈ  ڈ ژ  ژ  ڑ      ڑ ک  ک  ک  ک   گ  گ  چ .

فرجع بها رسول الله r يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال : زملوني ، زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة – وأخبرها الخبر - : لقد خشيت على نفسي . فقالت خديجة : كلا ، والله ما يريبك الله أبداً . إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق .

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، ابن عم خديجة ، وكان امرأً تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، كتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً قد عمي .

فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك .

فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟

فأخبره رسول الله r خبر ما رأى .

فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى . ياليتني فيها جزعاً – أي قويّاً جلداً – ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك .

فقال رسول الله r : أو مخرجي هم ؟

قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً .

ثم لم يلبث ورقة أن توفي ، وفتر الوحي .

 

 

تاريخ بدء النبوة ونزول الوحي :

تلك هي قصة بداية النبوة ونزول الوحي على النبي r لأول مرة ، وقد كان ذلك في رمضان في ليلة القدر ، قال الله تعالى : چ ?   ?  ?  ?  ?  ? چ وقال : چ ?  ?  ?  ?  ? چ وقد أفادت الأحاديث الصحيحة أن ذلك كان ليلة يوم الاثنين قبل أن يطلع الفجر .

وحيث إن ليلة القدر تقع في وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان ، وقد ثبت علميّاً أن يوم الاثنين في رمضان من تلك السنة إنما وقع في اليوم الحادي والعشرين فقد أفاد ذلك أن نبوته r إنما بدأت في الليلة الحادية والعشرين من رمضان سنة إحدى وأربعين من مولده r وهي توافق اليوم العاشر من شهر أغسطس سنة 610م وكان عمره r إذ ذاك أربعين سنة قمرية وستة أشهر واثنى عشر يوماً . وهو يساوي تسعاً وثلاثين شمسية وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوماً ، فكانت بعثته على رأس أربعين سنة شمسية .

فترة الوحي ثم عودته :

وكان الوحي قد فتر وانقطع بعد أول نزوله في غار حراء – كما سبق – ودام هذا الانقطاع أياماً ، وقد أعقب ذلك في النبي r شدة الكآبة والحزن ، ولكن المصلحة كانت في هذا الانقطاع ، فقد ذهب عنه الروع ، وتثبت من أمره ، وتهيأ لاحتمال مثل ما سبق حين يعود ، وحصل له التشوف والانتظار ، وأخذ يرتقب مجيء الوحي مرة أخرى .

وكان r قد عاد من عند ورقة بن نوفل إلى حراء ليواصل جواره في غاره ، ويكمل ما تبقى من شهر رمضان ، فلما انتهى شهر رمضان وتم جواره نزل من حراء صبيحة غرة شوال ليعود إلى مكة حسب عادته .

قال r : فلما استبطنت الوادي – أي دخلت في بطنه – نوديت ، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً ، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً ، ونظرت خلفـي فلم أر شيئاً ، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً ، فإذا الملك جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فجئثت منه رعباً حتى هويت إلى الأرض ، فأتيت خديجة ، فقلت : زملوني ، زملوني ، دثروني ، وصُبوا عليّ ماءً بارداً ، فدثروني وصَبوا عليّ ماءً بارداً ، فنزلت : چھ  ھ       ے  ے   ?      ? ?  ?  ?  ?  ?     ?  ?     ?   ?  چ .

وذلك قبل أن تفرض الصلاة ثم حمي الوحي وتتابع .

وهذه الآيات هي بدء رسالته r وهي متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحي ، وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه :

أما النـوع الأول فهو تكليفه r بالبلاغ والتحذير ، وذلك في قوله تعالى : چ ے   ?چ. فإن معناه : حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغي والضلال ، وعبادة غير الله المتعال ، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق والأفعال .

وأما النوع الثاني فتكليفه r بتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى والالتزام بها في نفسه ، ليحرز بذلك مرضاة الله ، ويصير أسوة لمن آمن بالله . وذلك في بقية الآيات ، فقوله : چ ?  ? چ . معناه : خصه بالتعظيم ، ولا تشرك به في ذلك أحداً غيره ، وقوله : چ  ?  ? چ المقصود الظاهر منه تطهير الثياب والجسد ، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجساً مستقذراً ، وقوله : چ ?     ? چ معناه : ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه ، وذلك بطاعته وترك معصيته ، وقوله : چ ?  ?  ? چ أي لا تحسن إحساناً تريد أفضل منه في هذه الدنيا .

أما الآية الأخيرة فأشار فيها إلى ما يلحقه من أذى قومه حين يفارقهم في الدين ، ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده ، فقال : چ ?  ? چ .

القيام بالدعوة :

وقام رسول الله r على أثر نزول هذه الآيات بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وحيث إن قومه كانوا جفاة لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان ، ولا حجة لهم إلا أنهم ألفوا آباءهم على ذلك ، ولا أخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة ، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلا السيف ، فقد اختار الله له أن يقوم بالدعوة سرّاً ، ولا يواجه بها إلا من يعرفه بالخير وحب الحق ، ويثق به ويطمئن إليه ، وأن يقدم أهله وعشيرته وأصدقاءه وندماءه على غيرهم .

الرعيل الأول :

فلما بدأ النبي r دعوته بادر إلى الإيمان به عدد ممن كتب الله له السبق إلى السعادة والخير.

1-     وكانت أولهم على الإطلاق أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها ، وكانت قد علمت البشارات ، وسمعت عن الإرهاصات ، وأبصرت ملامح النبوة ، وشاهدت تباشير الرسالة ، وتوقعت أن يكون رسول الله r هو نبي هذه الأمة ، ثم تأكد لها من حديث ورقة أن الذي نزل في حراء هو جبريل u ، وأن الذي جاء به هو وحي النبوة ، ثم شاهدت بنفسها ما مر به النبي r عند نزول أول المدثر ، فكان من الطبيعي أن تكون هي أول المؤمنين .

2-     وبادر النبي r إلى صديقه الحميم أبي بكر الصديق t ليخبره بما أكرمه الله به من النبوة والرسالة ، ويدعوه إلى الإيمان به ، فآمن به دون تردد ولا تلعثم ، وأسرع إلى التصديق ، وشهد شهادة الحق ، فكان أول من آمن به على الإطلاق أو من الرجال ، وكان أصغر منه r بسنتين ، وصديقاً له منذ عهد قديم ، عارفاً بسره وعلانيته ، فكان إيمانه أعدل شاهد على صدقه r .

3-     ومن أول من آمن به علي بن أبي طالب t كان تحت كفالته r مقيماً عنده ، يطعمه ويسقيه ، ويقوم بأمره ، لأن قريشاً أصابتهم مجاعة ، وكان أبو طالب مقلاً كثير الأولاد ، فكفل العباس ابنه جعفراً ، وكفل النبي r عليّاً ، فكان كأحد أولاده إلى أن جاءت النبوة وقد ناهز البلوغ  ، –  يقال : كان عمره عشر سنين – وكان يتبعه في كل أعماله ، فلما دعاه إلى الإسلام أجاب إليه ، وهو أول من آمن به من الصبيان .

4-     ومن أول من آمن به مولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي ، كان قد أسر أيام الجاهلية وبيع ، فاشتراه حكيم بن حزام . ووهبه لعمته خديجة ، فوهبته خديجة لرسول الله صلى الله عليه  وسلم وعلم به أبوه وعمه فجاءا إلى رسول الله r وكلماه ليحسن إليهما في فدائه ، فدعا رسول الله r زيداً ، وخيره بين أن يذهب مع أبيه وعمه وبين أن يبقى عنده ، فاختاره عليهما ، وعندئذ ذهب رسول الله إلى الملأ من قريش ، وقـال : اشهدوا أن هذا ابني وارثاً وموروثاً ، وذلك قبل النبوة ، فكان يدعى زيد بن محمد حتى جاء الإسلام وأبطل التبني ، فدعي زيد بن حارثة .

هؤلاء الأربعة كلهم اسلموا في يوم واحد ، يوم أمر رسول الله r بالإنذار ، وقام بالدعوة إلى الله ، وقد قيل عن كل واحد منهم إنه أول من أسلم .

ثم نشط للدعوة إلى الله أبو بكر t وصار الساعد الأيمن للنبي r في مهمة رسالته ، وكان رجلاً عفيفاً ، مألفاً محبباً ، سهلاً كريماً ، جواداً ، معظماً ، أعلم الناس بأنساب العرب وأخبارها ، يقصده رجال قومه لخلقه ومعروفه ، وعلمه وفضله ، وتجارته وجوده ، وحسن معاملته ومجالسته . فدعا إلى الإسلام من توسم فيه الخير ووثق به من قومه ، فأجابه جمع من فضلاء الناس ، في مقدمتهم عثمان بن عفان الأموي ، والزبير بن العوام الأسدي ، وعبد الرحمن بن عوف الزهري ، وسعد بن أبي وقاص الزهري ، وطلحة بن عبيد الله التيمي ، بين لهم أبو بكر t الإسلام ، وأتى بهم إلى النبي r فأسلموا جميعاً .

ثم تلا هؤلاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وامرأته أم سلمة ، والأرقم بن أبي الأرقم ، وعثمان بن مظعون ، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون ، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ، وسعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل ، وامرأته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب ، وخباب بن الأرت ، وجعفر بن أبي طالب ، وامرأته أسماء بنت عميس ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وامرأته أمينة بنت خلف ، ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص ، وحاطب بن الحارث ، وامرأته فاطمة بنت المجلل ، وأخوه حطاب بن الحارث ، وامرأته فكيهة بنت يسار ، وأخوه الآخر معمر بن الحارث ، والمطلب بن أزهر ، وامرأته رملة بنت أبي عوف ، ونعيم بن عبد الله بن أسيد النحام ، وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش .

ومن السابقين الأولين إلى الإسلام من غير قريش : عبد الله بن مسعود الهذلي ، ومسعود بن ربيعـة القاري ، وعبد الله بن جحش ، وأخوه أبو أحمد بن جحش ، وصهيب بن سنان الرومي ، وعمار بن ياسر العنسي ، وأبوه ياسر ، وأمه سمية ، وعامر ابن فهيرة .

وممن سبق إلى الإسلام من النساء من غير من تقدم ذكرهن : أم أيمن بركة الحبشية ، مولاة رسول الله r وحاضنته ، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية ، زوج العباس بن عبد المطلب ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق t .

وقد عرف هؤلاء الأقدمون ومن أسلم معهم بلقب السابقين الأولين ، ويظهر بعد التتبع والاستقراء أن عدد من قيل فيه : إنه قديم الإسلام ، أو قيل فيه : إنه من السابقين الأولين ، يصل إلى مائة وثلاثين صحابيّاً تقريباً . ولكن لا يعرف بالضبط أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة . أو تأخر إسلام بعضهم إلى الجهر بها .

عبادة المؤمنين وتربيتهم :

أما الوحي فقد تتابع نزوله بعد أوائل المدثر . ويقال : إن أول ما نزل بعدها هي سورة الفاتحة ، وهي سورة تجمع بين الحمد والدعاء ، وتشتمل على جميع المقاصد المهمة من القرآن والإسلام ، كما أن أول ما أمر به النبي r من العبادات الصلاة : ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي ، نزل بذلك جبريل فعلمه الوضوء والصلاة .

فكانـت الطهارة الكاملة هي سمة المؤمنين ، والوضوء شرط الصلاة ، والفاتحة أصل الصلاة ، والحمد والتسبيح من أوراد الصلاة ، وكانت الصلاة هي عبادة المؤمنين ، يقيمونها ، ويقومون بها في أماكن بعيدة عن الأنظار ، وربما كانوا يقصدون بها الأودية والشعاب .

ولا تعرف لهم عبادات وأوامر ونواه أخرى في أوائل أيام الإسلام ، وإنما كان الوحي يبين لهم جوانب شتى من التوحيد ، ويرغبهم في تزكية النفوس ، ويحثهم على مكارم الأخلاق ، ويصف لهم الجنة والنار ، ويعظهم مواعظ بليغة تشرح الصدور وتغذي الأرواح .

وكان النبي r يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويحدو بهم إلى منازل نقاء القلوب ، ونظافة الأخلاق ، وعفة النفوس ، وصدق المعاملات ، وبالجملة كان يخرجهم من الظلمات إلى النور . ويهديهم إلى صراط مستقيم ، ويربيهم على التمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله ، والثبات في أمر الله ، والاستقامة عليه .

 

وهكذا مرت ثلاثة أعوام ، والدعوة لم تزل مقصورة على الأفراد ، لم يجهر بها النبي r في المجامع والنوادي ، إلا أنها صارت معروفة لدى قريش ، وقد تنكر لها بعضهم أحياناً ، واعتدوا على بعض المؤمنين ، ولكنهم لم يبالوا بها بصفة عامة ، حيث لم يتعرض رسول الله rr لدينهم ولم يتكلم في آلهتهم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجهر بالدعوة

الدعوة في الأقربين :

وبعد أن قضى رسول الله r ثلاث سنوات في سبيل الدعوة الفردية ، ووجد لها آذاناً صاغية ، ورجالاً صالحين من صميم قريش وغيرها ، وتمهدت لها السبل ، وتهيأ لظهورها الجو أنزل الله تعالى على رسوله r چ ?  ?  ?چ فجمع النبي r عشيرته الأقربين ، وهم بنو هاشم ، ومعهم نفر من بني المطلب ، فقال بعد الحمد وشهادة التوحيد : " إن الرائد لا يكذب أهله ، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم ، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم ، والله الذي لا إلَه إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة ، والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون ، ولتحاسبن بما تعملون ، ولتجزون بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً . وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً " .

فتكلم القوم كلاماً ليناً غير عمه أبي لهب . فإنه قال : خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب ، فإن سلمتموه إذن ذللتم . وإن منعتموه قتلتم . فقال أبو طالب : والله لنمنعنه ما بقينا ، وقال أيضاً : امض لما أمرت به ، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك ، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب .

على جبل الصفا :

وفي غضون ذلك نزل أيضاً قوله تعالى : چ ?  ?  ?  ?   ?  ?چ فصعد رسول الله r ذات يوم على الصفا فعلا أعلاها حجراً ، ثم هتف : " يا صباحاه " .

وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقوع أمر عظيم .

ثم جعل ينادي بطون قريش ، ويدعوهم قبائل قبائل : يا بني فهر ! يا بني عدي ! يا بني فلان ! يا بني فلان ! يا بني عبد مناف ! يا بني عبد المطلب !

فلما سمعوا قالوا : من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد . فأسرع الناس إليه ، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر ما هو ؟

فلما اجتمعوا قال : " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي بسفح هذا الجبل ، تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي " ؟

قالوا : نعم . ما جربنا عليك كذباً . ما جربنا عليك إلا صدقاً .

قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلـق يربأ أهله – أي يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفع لئلا يدهمهم العدو – فخشي أن يسبقوه ، فجعل ينادي : يا صباحاه " .

ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . وبين لهم أن هذه الكلمة هي ملاك الدنيا ونجاة الآخرة . ثم حذرهم وأنذرهم عذاب الله إن بقوا على شركهم ، ولم يؤمنوا بما جاء به من عند الله ، وأنه مع كونه رسولاً لا ينقذهم من العذاب ولا يغنيهم من الله شيئاً .

وعم هذا الإنذار وخص فقال : " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله ، أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً ، ولا أغني عنكم من الله شيئاً .

يا بني كعب بن لؤي ! أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً .

يا بني مرة بن كعب ! أنقذوا أنفسكم من النار .

يا معشر بني قصي ! أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً .

يا بني عبد شمس ! أنقذوا أنفسكم من النار .

يا بني عبد مناف ! أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً .

يا بني هاشم ! أنقذوا أنفسكم من النار .

يا بني عبد المطلب ! أنقذوا أنفسكم من النار ، فإني لا أملك لكم ضرّاً ولا نفعاً ، ولا أغني عنكم من الله شيئاً ، سلوني من مالي ما شئتم ، لا أملك لكم من الله شيئاً .

يا عباس بن عبد المطلب ! لا أغني عنك من الله شيئاً .

يا صفية بن عبد المطلب ! عمة رسول الله ! لا أغني عنك من الله شيئاً .

يا فاطمة بنت محمد رسول الله ! سليني بما شئت ، أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً .

غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها – أي سأصلها حسب حقها – .

ولما أتم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا ، ولا يذكر عنهم أنهم أبدوا أي معارضة أو تأييد لما سمعوه ، سوى ما ورد عن أبي لهب أنه واجه النبي r بالسوء ، فقال : تبّاً لك سائر اليوم . ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت چ ڈ  ڈ  ژ  ژ  ڑچ .

أما عامة قريش فكأنهم قد أصابتهم الدهشة والاستغراب حين فوجئوا بهذا الإنذار ، ولم يستطيعوا أن يختاروا أي موقف تجاه ذلك ، ولكنهم لما رجعوا إلى بيوتهم ، واستقرت أنفسهم ، وأفاقوا من دهشتهم ، واطمأنوا ، استكبروا في أنفسهم ، وتناولوا هذه الدعوة والإنذار بالاستخفاف والاستهزاء ، فكان النبي r إذا مر على ملأ منهم سخروا منه وقالوا : أهذا الذي بعث الله رسولاً ؟ أهذا ابن أبي كبشة . يكلم من السماء . وأمثال ذلك .

وأبو كبشة اسم لأحد أجداده r من جهة الأم ، كان قد خالف دين قريش ، واختار النصرانية ، فلما خالفهم النبي r في الدين نسبوه إليه ، وشبهوه به ، تعييراً واحتقاراً له وطعناً فيه .

واستمر النبي r في دعوته وبدأ يجهر بها في نواديهم ومجامعهم ، يتلو عليهم كتاب الله ، ويدعوهم إلى ما دعت إليه الرسل : چ ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?     ? چ .

عراقيل الدعوة :

أولاً : تعذيب المسلمين :

فأما تعذيبهم المسلمين فقد أتوا فيه بأنواع تقشعر لها الجلود ، وتتفطر منها القلوب .

  • كان بلال بن رباح t مملوكاً لأمية بن خلف الجمحي ، فكان أمية يجعل في عنقه حبلاً ، ويدفعه إلى الصبيان ، يلعبون به ، وهو يقول : أحد أحد . وكان يخرج به في وقت الظهيـرة ، فيطرحه على ظهره في الرمضاء ، وهي الرمل أو الحجر الشديد الحرارة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى ، فيقول : أحد ، أحد . ومر به أبو بكر t يوماً وهو يعذب فاشتراه وأعتقه الله .
  • وكان عامر بن فهيرة يعذب حتى يفقد وعيه ، ولا يدري ما يقول .
  • وعذب أبو فكيهة – واسمه أفلح ، قيل : كان من الأزد ، وكان مولى لبني عبد الدار ، فكانوا يخرجونه في نصف النهار في حر شديد ، وفي رجليه قيد من حديد ، فيجردونه من الثياب ، ويبطحونه في الرمضاء ، ثم يضعون على ظهره صخرة حتى لا يتحرك ، فكان يبقى كذلك حتى لا يعقل ، فلم يزل يعذب كذلك حتى هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ، وكانوا مرة قد ربطوا رجليه بحبل ، ثم جروه ، وألقوه في الرمضاء ، وخنقوه حتى ظنوا أنه قد مات ، فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقه لله .
  • وكان خباب بن الأرت ممن سبي في الجاهلية ، فاشترته أم أنمار بنت سباع الخزاعية ، وكان حداداً ، فلما أسلم عذبته مولاته بالنار ، كانت تأتي بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره ليكفر بمحمد r فلم يكن يزيده ذلك إلا إيماناً وتسليماً ، وكان المشركون أيضاً يعذبونه ، فيلوون عنقه ، ويجذبون شعره ، وقد ألقوه مراراً على فحم النار . ثم وضعوا على صدره حجراً ثقيلاً حتى لا يقوم .
  • وكانت زنيرة أمة رومية ، أسلمت ، فعذبت في الله ، وأصيبت في بصرها حتى عميت ، فقيل لها : أصابتك اللات والعزى ، فقالت : لا والله ما أصابتني ، وهذا من الله ، وإن شاء كشفه ، فأصبحت من الغد ، وقد رد الله بصرها ، فقالت قريش : هذا بعض سحر محمد.
  • وأسلمت أم عبيس : جارية لبني زهرة ، فكان يعذبها مولاها الأسود بن عبد يغوث ، وكان من أشد أعداء رسول الله r ومن المستهزئين به .
  • وأسلمت جارية عمرو بن مؤمل من بني عدي ، فكان عمر بن الخطاب يعذبها ، وهو يومئذ على الشرك ، فكان يضربها حتى يفتر ، ثم يدعها ، ويقول : والله ما أدعك إلا سآمـة ، فتقول : كذلك يفعل بك ربك .
  • وتذكر فيمن أسلمن وعذبن من الجواري : النهدية ، وابنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار . واشترى أبو بكر t هؤلاء الجواري ، وأعتقهن كما أعتق بلالاً وعامر بن فهيرة ، وأبا فكيهة . وقد عاتبه أبوه أبو قحافة ، وقال : أراك تعتق رقاباً ضعافاً ، فلو أعتقت رجالاً جلداً لمنعوك . فقال : إني أريد وجه الله ، فأنزل الله تعالى قرآناً مدحه فيه وذم أعداءه ، فقال : چ?  ?  ?  ?  ?  ?   ?  ?    ? پ  پ  پ  پ  چ وهو أمية بن خلف ، ومن كان على شاكلته چ ?   ?  ? ?  ?  ?  ?   ? ?  ?  ?  ?    ٹ   ٹ  ٹ ٹ   ?    ?  ?    ?      ? ?  ?      ?   چ وهو أبو بكر الصديق t وعمن أعتقهم ، وعن الصحابة أجمعين .
  • وعذب عمار بن ياسر وأمه وأبوه y وكانوا حلفاء بني مخزوم ، فكان بنو مخزوم – وعلى رأسهم أبو جهل – يخرجونهم إلى الأبطح ، إذا حميت الرمضاء ، فيعذبونهم بحرها ، ويمر بهم رسول الله r فيقول : " صبراً آل ياسر موعدكم الجنة ، اللهم اغفر لآل ياسر " . أما ياسر والد عمار – وهو ياسر بن عامر بن مالك العنسي المذحجي – فقد مات تحت العذاب . وأما أم عمار – وهي سمية بنت خياط مولاة أبي حذيفة المخزومي ، وكانت عجوزاً كبيرة ضعيفة – ، فطعنها أبو جهل في قلبها بحربة ، فماتت ، وهي أول شهيدة في الإسلام . وأما عمار فثقل عليه العذاب ، فإن المشركين تارة كانوا يلبسونه درعاً من حديد في يوم صائف ، وتارة كانوا يضعون على صدره صخراً أحمر ثقيلاً ، وتارة كانوا يغطونه من الماء ، حتى قال بلسانه بعض ما يوافقهم ، وقلبه مليء بالإيمان ، فأنزل الله چچ  ?  ?  ?  ?  ?    ?  ?  ?   ?  ?  ڈ  ڈ  ژ  ژ  ڑ  ڑ      ک  ک  ک  ک  گ  گ  گچ.
  • وعذب في الله مصعب بن عمير ، كان من أنعم الناس عيشاً ، فلما دخل في الإسلام منعته أمه الطعام والشراب ، وأخرجته من البيت ، فتخشف جلده تخشف الحية .
  • وعذب صهيب بن سنان الرومي ، حتى فقد وعيه ، ولا يدري ما يقول .
  • وعذب عثمان بن عفان ، كان عمه يلفه في حصير من ورق النخيل ، ثم يدخنه من تحته .
  • وأوذي أبو بكر الصديق ، وطلحة بن عبيد الله ، أخذهما نوفل بن خويلد العدوي وقيل : عثمان بن عبيد الله ، أخو طلحة بن عبيد الله ، فشدهما في حبل واحد ، ليمنعهما عن الصلاة وعن الدين ، فلم يجيباه ، فلم يروعاه إلا وهما مطلقان يصليان ، وسميا بالقرينين لكونهما قد شدا في حبل واحد .

وكان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم وله شرف ومنعة ، أنبه ، وأخزاه ، وأوعده بإلحاق الخسارة الفادحة في المال والجاه ، وإذا كان الرجل ضعيفاً ضربه وأغرى به . والحاصل أنهم لم يعلموا بأحد دخل في الإسلام إلا وتصدوا له بالأذى والنكال .

كانت هذه الاعتداءات ضد ضعفاء المسلمين وعامتهم . أما من أسلم من الكبار والأشراف فإنهم كانوا يحسبون له حساباً ، ولم يكن يجترئ عليهم إلا أمثالهم من رؤساء القبائل وأشرافها ، وذلك مع قدر كبير من الحيطة والحذر .

موقف المشركين من رسول الله r :

أما رسول الله r فكان له من الشهامة والشرف والوقار ما وقاه الله به كثيراً من اعتداءات الناس . وقد كان يحوطه ويمنعه أبو طالب ، وكان سيداً مطاعاً معظماً في قريش ، لا يستهان بذمته ولا تخفر ، كان من ذروة بني عبد مناف ، ولم تعرف لها قريش بل العرب إلا الإجلال والتكريم ، فاضطر المشركون بالنسبة للنبي r إلى اتخاذ خطوات سليمة ، واختاروا سبيل المفاوضات مع عمه أبي طالب ، ولكن مع نوع من أسلوب القسوة والتحدي .

ثانياً : مفاوضة قريش لأبي طالب وهي كالآتي :

أ- باللطف واللين :

مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، وقالوا له : إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه .

فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً ، وردهم ردّاً جميلاً ، فانصرفوا عنه ، ومضى رسول الله r على ما هو عليه ، يظهر دين الله ويدعو إليه .

ب- بالتهديد :

ولم تصبر قريش طويلاً حين رأوا النبي r ماضياً في عمله ودعوته إلى الله ، فقد أكثروا ذكره وتذامروا فيه ، ثم مشوا إلى أبي طالب ، وقالوا : يا أبا طالب إن لك سنّاً ، وشرفاً ، ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يهلك أحد الفريقين ، ثم انصرفوا .

وعظم على أبي طالب هذا التحدي والإنذار ، فدعا رسول الله r وذكر له ما قالوه ، وقال له : أبق عليّ وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ، فلما رأى رسول الله r ضعفه قال : يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ، حتى يظهره الله أو أهلك فيه ، ما تركته . ثم استعبر وبكى . وعادت إلى أبي طالب الرقة والثقة ، فقال : اذهب يا ابن أخي ! فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً .

ج- مساومة قريش لأبي طالب :

ورأت قريش أن إنذارهم لم يُجدِ نفعاً ، فالرسول r ماض في عمله ، وأبو طالب قائم بنصرته . وهذا يعني أنه مستعد لفراقهم وعداوتهم ومنازلتهم في نصرة ابن أخيه محمد r فلبثوا مليّاً يفكرون ويتشاورون ، حتى وصلوا إلى اقتراح غريب ، فقد جاءوا إلى أبي طالب ، ومعهم عمارة بن الوليد سيد شبابهم وأنهد فتى في قريش وأجمله ، فقالوا : يا أبا طالب خذ هذا الفتى ، فلك عقله ونصره ، واتخذه ولداً ، فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك ، وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل .

قال أبو طالب : والله لبئس ما تسومونني ، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا والله ما لا يكون أبداً .

ثالثاً : اعتداءات على رسول الله r :

ولما فشلت قريش ويئسوا ، ورأوا أن الإنذار والتحدي والمساومة لم تُجدِ نفعاً ، بدأوا بالاعتداءات على ذات الرسول r وزادوا في تعذيب المسلمين والتنكيل بهم .

وحيث إن الرسول r كان معززاً محتشماً محترماً ، فقد تولى إيذاءه كبراء قريش ورؤساؤهم ، ولم يجترئ على ذلك أذنابهم وعامتهم .

وكان النفر الذين يؤذونه في بيته أبا لهب ، والحكم بن العاص بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن حمراء الثقفي ، وابن الأصداء الهذلي – وكانوا جيرانه r – فكان أحدهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي ، وكان يطرحها في برمته إذا نصبت ، وكانوا إذا طرحوا عليه ذلك يخرج به على العود فيقف به على بابه ويقول : يا بني عبد مناف ! أي جوار هذا ؟ ! ثم يلقيه في الطريق .

وكان أمية بن خلف إذا رآه همزه ولمزه . والهمز : الطعن والشتم علانية ، أو كسر العينين والغمز بهما . واللمز : العيب والإغراء .

وكان أخوه أبي بن خلف يتوعد النبي r يقول : يا محمد إن عندي العود ، فرساً أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليه . حتى قال له رسول الله r : بل أنا أقتلك إن شاء الله – وقد قتله يوم أحد – وجاء أبي بن خلف هذا يوماً بعظم بال رميم ، ففته ، ونفخه في وجه رسول الله r .

وجلس عقبة بن أبي معيط إلى النبي r وسمع منه ، فبلغ أبياً – وكان صديقه – فعاتبه ، وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله r ففعل .

أما أبو لهب فقد عاداه وآذاه من أول يوم ظهرت فيه الدعوة إلى الله . وكانت في عقد ابنيه عتبة وعتبية ابنتا رسول الله r رقية وأم كلثوم ، فقال لهما : رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا بنتي محمد ، وقالت زوجته أيضاً : طلقاهما فإنهما قد صبأتا ، فطلقاهما .

وكانت زوجته هذه – وهي أم جميل أروى بنت حرب – أيضاً عدوة لدودة لرسول الله r ودعوته – ، فكانت تأتي بالأغصان وفيها الشوك ، فتطرحها في سبيل رسول الله r بالليل ، حتى يعقر هو وأصحابه .

وسمعت بنزول چ ڈ  ڈ  ژ  ژ  ڑچ  – فجاءت وفي يدها فهر – أي ملء الكف من الحجارة – وهي تبحث عن رسول الله r – وهو جالس مع أبي بكر عند الكعبة فأخذ الله ببصرها ، فلم تكن ترى إلا أبا بكر ، فقالت : أين صاحبك ؟ قد بلغني أنه يهجوني ، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، أما والله إني لشاعرة ، ثم قالت :

مذمماً عصينا            وأمره أبينا              ودينه قلينا

ثم انصرفت ، فقال أبو بكر : يا رسول الله أما تراها رأتك ، فقال : ما رأتني لقد أخذ الله ببصرها .

وكان مما تؤذي به قريش أنهم كانوا يسمون رسول الله r مذمما بدل محمد ، يشتمون بذلك ويسبون ، ولكن صرف الله ذلك عنه ، حيث إنهم كانوا يشتمون مذمما وهو محمد .

وكان الأخنس بن شريق الثقفي أيضاً ينال من رسول الله r .

وأما أبو جهل فكأنه كان قد تحمل عبء الصد عن سبيل الله . وقد كان يؤذي النبي r بقوله ، وينهاه عن الصلاة ، ويفخر ويختال بما فعل ، حتى شدد على رسول الله r وتوعده في يوم رآه يصلي ، فانتهره رسول الله r وأخذه بخناقه ، وهزه وقال : چ ک  گ   گ  گ  گ  ?  ?  ?  ?  چ فقال : أتوعدني يا محمد ! والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئاً . وإني لأعز من مشى بين جبليها .

وقال لرفقته يوماً : يعفر محمد وجهه بين أيديكم ؟ قالوا : نعم . فقال : واللات والعزى لئن رأيته لأطأن على رقبته ، ولأعفرن وجهه . فأتى رسول الله r وهو يصلي زعم ليطأ رقبته فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ، ويتقى بيديه ، فقالوا : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة ، فقال رسول الله r : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضوا .

وحاز مثل هذه الشقاوة عقبة بن أبي معيط ، فقد كان رسول الله r يصلي يوماً عند البيت ، وأبو جهل وأصحاب له جلوس ، إذ قال بعضهم لبعض : أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان . فيضعه على ظهر محمد إذا سجد . فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ، فجاء به وانتظر ، فلما سجد وضعه بين كتفيه ، فجعلوا يضحكون ، ويحيل ( أي يميل ) بعضهم على بعض ، وهو ساجد لا يرفع رأسه ، حتى جاءته فاطمة وطرحته عن ظهره ، فرفع رأسه ، ثم قال : " اللهم عليك بقريش " . فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم ، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة ، ثم سماهم رجلاً رجلاً : " اللهم عليك بفلان وفلان " .. وقد قتلوا كلهم يوم بدر .

وكان عظماء المستهزئين برسول الله r خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ، وأبو زمعة الأسود بن عبد المطلب الأسدي ، والحارث بن قيس الخزاعي ، والعاص بن وائل السهمي ، وقد أخبر الله رسوله r أنه سيكفي شرهم فقال : چ ?  ٹ   ٹچ ثم أنزل على كل منهم ما فيه عبرة وعظة .

فأما الوليد فكان قد أصابه قبل سنين خدش من سهم ، ولم يكن شيئاً ، فأشار جبريل إلى أثر ذلك الخدش فانتفض ، فلم يزل يؤلمه ويؤذيه حتى مات بعد سنين .

وأما الأسود بن عبد يغوث فأشار جبريل إلى رأسه ، فخرج فيه قروح ، فمات منها ، وقيل : أصابه سموم ، وقيل : أشار جبريل إلى بطنه ، فاستسقى بطنه ، وانتفخ ، حتى مات .

وأما الأسود بن عبد المطلب فلما تضايق رسول الله r من أذاه دعا عليه ، وقال : " اللهم أعم بصره ، وأثكله ولده " فرماه جبريل بشوك في وجهه حتى ذهب بصره ، ورمى ولده زمعة حتى مات .

وأما الحارث بن قيس ، فأخذه الماء الأصفر في بطنه ، حتى خرج خرؤه من فيه ، فمات منه .

وأما العاص بن وائل ، فجلس على شبرقة ، فدخلت شوكة لها من أخمص قدمه ، وجرى سمها إلى رأسه حتى مات .

هذه صورة مصغرة لما كان يعانيه رسول الله r والمسلمون من قريش بعد إعلان الدعوة والجهر بها . وقد اتخذ رسول الله خطوتين إزاء هذا الموقف المتأزم .

دار الأرقم :

الأولى : أنه جعل دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي مركز الدعوة والعبادة ومقر التربية ، لأنها كانت في أصل الصفا ، بعيدة عن أعين الطغاة ، فكان يجتمع فيها مع صحابته سرّاً ، فيتلو عليهم آيات الله ، ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة . وبهذا التدبير وقى أصحابه كثيراً من الأحداث التي كان يخشى وقوعها لو اجتمع بهم جهراً بين ظهراني المشركين ، لا يصرفه عن ذلك ظلم ، ولا عدوان ، ولا سخرية ، ولا استهزاء ، وكان ذلك من حكمة الله حتى تبلغ دعوته إلى مـن يؤمن ومن لا يؤمن ، فلا تكون للناس على الله حجة بعد البلاغ ، ولئلا يقول قائل يوم القيامة : ما جاءنا من بشير ولا نذير .

رابعاً : الهجرة إلى الحبشة :

الخطوة الثانية : أنه r أشار على المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة ، بعد أن تأكد أن النجاشي ملك عادل لا يظلم عنده أحد .

وفي رجب سنة 5 من النبوة هاجر أو دفعة من المسلمين ، وكانوا اثني عشر رجلاً وأربع نسوة ، رئيسهم عثمان بن عفان الأموي t ومعه زوجه رقية بنت رسول الله r وهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام .

خرج هؤلاء الصحابة سرّاً في ظلام الليل قاصدين ميناء شعيبة جنوب جدة ، وكان من قدر الله أنهم وجدوا سفينتين تجاريتين فركبوهما حتى وصلوا إلى الحبشة .

أما قريش فلما علموا بخروجهم هاجوا وغضبوا ، وأسرعوا في آثارهم حتى يلقوا عليهم القبض ، ويردوهم إلى مكة ، ليواصلوا التنكيل والتعذيب ، ويصرفوهم عن دين الله ، لكن المسلمين فاتوهم إلى البحر ، فرجعوا خائبين بعدما وصلوا إلى الساحل .

موافقة المشركين للمسلمين وسجودهم في سورة النجم :

وفي رمضان سنة خمس من النبوة أي بعد هجرة المسلمين بحوالي شهرين خرج رسول الله r إلى المسجد الحرام ، وحول الكعبة جمع كبير من قريش ، فيهم ساداتهم وكبراؤهم ، وكانت قد نزلت عليه سورة النجم ، فقام فيهم ، وأخذ يتلوها فجاءة ، وكان أروع كلام سمعوه قط ، فاندهشوا لروعة هذا الكلام ، وأخذ منهم كل مأخذ ، فبقوا يستمعون إليه مبهوتين ساكتين ، حتى إذا تلا في خواتم السورة زواجر وقوارع طارت لها القلوب ، وتلا في الأخير چ ہ   ہ  ہ چ وخر ساجداً سجد الجميع ، ولم يملكوا أنفسهم .

 

عودة المهاجرين إلى مكة :

وصل هذا الخبر إلى الحبشة ، ولكن في صورة تختلف عن الواقع ، فقد بلغهم أن قريشاً أسلموا ، فرجعوا فرحين مستبشرين إلى مكة ، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار عرفوا جلية الأمر ، فمنهم من رجع إلى الحبشة ، ومنهم من دخل مكة سرّاً أو في جوار أحد من قريش .

الهجرة الثانية إلى الحبشة :

واشتد البلاء والعذاب على المسلمين من قريش ندماً منهم على ما فرط منهم من السجود مع المسلمين ، وانتقاماً لما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره للمهاجرين ، ونظراً إلى هذه الظروف القاسية أشار رسول الله r على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى . فهاجر اثنان أو ثلاثة وثمانون رجلاً وثمان عشرة امرأة ، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من الأولى ، لأن قريشاً كانوا متيقظين يتابعون حركات المسلمين ، إلا أن المسلمين كانوا أكثر منهم تيقظاً ، وأحسن منهم حكمة ، وأحكم منهم خطوة ، فقد فاتوهم إلى الحبشة رغم كل الجهود .

مكيدة قريش بمهاجري الحبشة :

شق على المشركون أن أفلت منهم المسلمون ، ووصلوا إلى مأمن يأمنون فيه على أنفسهم وإيمانهم ، فأرسلوا رجلين من دهاتهم ليسترداهم إلى مكة ، وهما : عمرو بن العاص ، وعبد الله بن ربيعة ، وكانا إذ ذاك على الشرك .

ونزل الرجلان بالحبشة تحت خطة مدبرة ، فاتصلا أولاً بالبطارقة ، وساقا إليهم الهدايا ، وذكرا لهم الهدف ، ولقناهم الحجة ، حتى وافقوهما ، ثم حضرا إلى النجاشي ، فقدما إليه الهدايا ، ثم كلماه ، فقالا :

أيها الملك : إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دينهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم ، فهم أعلى بهم عيناً ، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه .

وأيدهما البطارقة فيما قالاه حسب الخطة .

 

 ولكن النجاشي احتاط في الأمر . ورأى أن يسمح القضية من الطرفين حتى يتضح له الحـق . فدعا المسلمين ، وسألهم : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟

فتكلم جعفر بن أبي طالب عن المسلمين ، وقال : أيها الملك : كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه . فدعانا إلى الله لنوحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان . وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – فعدد عيه أمور الإسلام – فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئاً ، وحرمنا ما حرم الله علينا ، وأحللنا ما أحل لنا . فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا ، وظلمونا ، وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك ، أيها الملك !

فلما سمع النجاشي هذا ، طلب من جعفر قراءة شيء من القرآن ، فقرأ عليه صدراً من كهيعص – سورة مريم – فبكى النجاشي حتى أخضلت – أي ابتلت – لحيته ، وبكى الأساقفة حتى أخضلوا – أي بلوا – مصاحفهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة .

ثم خاطب مندوبي قريش وقال : انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ، ولا يُكادون ، فخرجا .

وفي اليوم الثاني احتال عمرو بن العاص حيلة أخرى ، فقال للنجاشي : إنهم – أي المسلمين – يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً .

فدعاهم النجاشي وسألهم عن ذلك ، فقال جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به النبي r : هو عبد الله ورسوله ، وروحه ، وكلمته ، ألقاها إلى مريم العذراء البتول .

فأخذ النجاشي عوداً من الأرض ، ثم قال : والله ما عدا – أي ما جاوز – عيسى ابن مريم ما قلـت هذا العود . اذهبوا فأنتم شيوم – أي آمنون – بأرضي ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم . ما أحب أن لي دبراً – أي جبلاً – من ذهب ، وأني آذيت رجلاً منكم .

ثم أمر برد الهدايا على مندوبي قريش فخرجا مقبوحين ، وأقام المسلمون بخير دار مع خير جار .

حيرة المشركين :

ولما منى المشركون بالخيبة والفشل في استرداد المسلمين من الحبشة استشاطوا غضباً ، وكادوا يتميزون غيظاً ، وينقضون على بقية المسلمين بطشاً ، ولاسيما وقد كانوا يرون أن النبي r ماض في دعوته ، ولكنهم رأوا أبا طالب قائم بنصرته رغم التهديد والوعيد الشديد ، فاحتاروا في أمرهم ، ولم يدروا ماذا يفعلون ؟ فربما غلبت عليهم الضراوة ، فعادوا إلى التعذيب والتنكيل بالنبي r وبمن بقي معه من المسلمين ، وربما فتحوا باب النقاش والجدال ، وربما عرضوا الرغائب والمغريات ، وربما حاولوا المساومة واللقاء في منتصف الطريق ، وربما فكروا في قتل النبي r والقضاء على دعوة الإسلام . إلا أن شيئاً من ذلك لم يُجدِ لهم نفعاً ، ولم يوصلهم إلى المراد ، بل كانت نتيجة جهودهم الخيبة والخسران ، وفيما يلي نقدم صورة مصغرة لكل من ذلك .

خامساً : التعذيب ومحاولة القتل :

كان من الطبيعي أن يعود المشركون إلى ضراوتهم بعد الفشل ، وفعلاً عادوا إلى الشدة والبطش بالبقية الباقية من المسلمين ، بل مدوا أيديهم إلى رسول الله r .

فمن ذلك أن عتيبة بن أبي لهب أتى النبي r وقال : هو يكفر بالذي چ?  ?  ?  ? ?  ?  ?  ?  چ     چ  چ ثم تسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه ، وتفل في وجهه r إلا أن البزاق رجع على عتيبة فقال رسول الله r : اللهم أرسل عليه كلباً من كلابك ، فخرج عتيبة في ركب إلى الشام ، فلما نزلوا في الطريق طاف بهم الأسد ، فقال : هو آكلي والله ، كما دعا محمد عليّ ، قتلني وهو بمكة وأنا بالشام ، فلما ناموا جعلوه في وسطهم ، ولكن جاء الأسد وأخذه برأسه من بين الإبل والناس ، وقتله .

ومن ذلك أن عقبة بن أبي معيط وطيء برجله على رقبة النبي r وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان .

ويؤخذ من سياق الحوادث أن المشركين بعد فشلهم في شتى محاولاتهم لكف الدعوة أخذوا يفكرون بجد في قتل النبي r ولو أدى ذلك إلى سفك الدماء .

ومما يدل على ذلك أن أبا جهل قال يوماً لقريش : إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ، قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبداً ، فامض لما تريد .

فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف ، وجاء رسول الله r فقام يصلي ، وغدت قريش في أنديتهم ينتظرون ما يفعله أبو جهل ، وأقبل أبو جهل حتى دنا ، ثم رجع منهزماً ، منتقعاً لونه ، مرعوباً ، قد يبست يداه على حجره ، حتى قذفه من يده . فقالت له قريش : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : قمت لأفعل ما قلت البارحة ، فعرض لي فحل من الإبل ما رأيت مثل هامته وقصرته وأنيابه لفحل قط ، فهم بي أن يأكلني .

قال رسول الله r : " ذاك جبريل لو دنا لأخذه " .

ثم حدث ما هو أشد من ذلك وأنكى ، وذلك أن قريشاً اجتمعوا يوماً في الحطيم ، وتكلموا في رسولا لله r فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله r وبدأ يطوف بالبيت ، فلما مر بهم غمزوه ، فعرف ذلك في وجهه ، ثم مر بهم الثانية ، فغمزوه بمثلها ، فعرف ذلك في وجهه ، ثم مر بهم الثالثة ، فغمزوه بمثلها ، فوقف ، ثم قال : أتسمعون يا معشر قريش : أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ، فأخذت القوم كلمته ، كأن على رؤوسهم طائراً وقع ، حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد .

فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره ، إذ طلع عليهم ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فأخذوا بمجامع ردائه ، وقالوا : أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباءنا ؟ قال : أنا ذاك ، فانقضوا عليه . هذا يحثه ، وهذا يبلبله ، وأقبل عقبة بن أبي معيط فلوى ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقاً شديداً ، وأتى الصريخ إلى أبي بكر : أدرك صاحبك ، فجاء وأخذ بمنكبي عقبة ودفعه عن النبي r وأخذ يضرب هذا ، ويجاهد هذا ، وهو يقول : ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله . فانصرفوا عن رسول الله r إلى أبي بكر ، وضربوه ضرباً لا يعرف وجهه من أنفه ، وكانت له أربع غدائر فما يمسون منها شيئاً إلى رجع ، فحملته بنو تيم في ثوب وأدخلوه منزله ، ولا يشكون في موته ، فتكلم آخر النهار ، فسأل عن رسول الله r فلاموه ، وخرجوا من عنده ، وعرض عليه الطعام والشراب فأبى أن يأكل أو يشرب حتى يرى رسول الله r فلما هدأ الليل وسكن الناس أوصلوه إلى رسول الله r وهو في دار الأرقم ، فلما وجده بخير ساغ له الطعام والشراب .

وقد خرج أبو بكر t يريد الهجرة إلى الحبشة بعدما اشتد عليه الأذى وتضايقت عليه سبل الحياة ، ولما بلغ برك الغماد لقيه مالك بن الدغنة سيد القارة ([2]) والأحابيش ، فسأله عن قصده ، فأخبره ، فقال : مثلك يا أبا بكر لا يخرج ، إنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ، فارجع وأعبد ربك ببلدك ، ثم رجعا إلى مكة ، وأعلن ابن الدغنة في قريش عن جواره لأبي بكر ، فلم ينكروا عليه ، ولكن قالوا له : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ولا يستعلن ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا وضعفتنا ، فلبث أبو بكر بذلك فترة ، ثم بنى مسجداً بفناء داره ، واستعلن بصلاته وقراءته ، فذكره ابن الدغنة بجواره ، فرد عليه أبو بكر جواره ، وقال : أرضى بجوار الله .

وكان رجلاً بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، وهم يعجبون منه ، وينظرون إليه ، فكان المشركون يؤذونه لأجل ذلك .

وأثناء هذه الظروف القاسية التي كان يمر بها رسول الله r والمسلمون حدث ما أفضى إلى إسلام بطلين جليلين من أبطال قريش طالما استراح المسلمون تحت ظل قوتهما ، وهما : حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله r وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما .

 

نصر الله للدعوة :

أ- إسلام حمزة t :

أمـا إسلام حمزة فسببه أن أبا جهل مر يوماً برسول الله r وهو عند الصفا ، فنال منه وآذاه ، ويقال إنه ضرب بحجر في رأسه r فشجه ، ونزف منه الدم ، ثم انصرف إلى نادي قريش عند الكعبة ، وجلس معهم ، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان تنظر ما حدث من مسكن لها على الصفا ، وبعد قليل أقبل حمزة من الصيد متوشحاً قوسه ، فأخبرته الخبر ، فخرج حمزة يسعى حتى قام على أبي جهل ، وقال : يا مصفر استه ! تشتم ابن أخي ، وأنا على دينه ، ثم ضربه بالقوس ، فشجه شجة منكرة . وثار الحيان : بنو مخزوم وبنو هاشم ، فقال أبو جهل : دعو أبا عمارة – أي حمزة – فإني سببت ابن أخيه سبّاً قبيحاً .

وكان إسلام حمزة أنفة ، كأن اللسان قد سبق إليه دون قصد ، ثم شرح الله صدره للإسلام ، وكان أعز فتى في قريش ، وأقواهم شكيمة ، حتى سمي أسد الله ، أسلم في ذي الحجة سنة ست من النبوة .

ب- إسلام عمر بن الخطاب t :

وبعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة أسلم عمر بن الخطاب t وكان من أشد الناس قسوة على المسلمين قبل إسلامه ، وفي ليلة سمع سرّاً بعض آيات القرآن ، ورسول الله r يصلي عند الكعبة ، فوقع في قلبه أنه حق ، ولكنه بقي على عناده ، حتى خرج يوماً متوشحاً سيفه يريد أن يقتل النبي r فلقيه رجل ، فقال : أين تعمد يا عمر ! قال : أريد أن أقتل محمداً . قال : كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة ، وقد قتلت محمداً ؟ قال عمر : ما أراك إلا قد صبوت ؟ قال : أفلا أدلك على العجب يا عمر ؟ إن أختك وختنك قد صبوا ، فمشى مغضباً حتى أتاهما ، وعندهما خباب بن الأرت يقرئهما صحيفة فيها طه ، فلما سمع حس عمر توارى في البيت ، وسترت أخت عمر الصحيفة ، فلما دخل ، قال : ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم ؟ فقالا : ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا ، قال : فلعلكما قد صبوتما ؟ فقال له ختنه : يا عمر ! أرأيت إن كان الحق في غير دينك ؟ فوثب عمر على ختنه ، فوطئه وطأً شديداً ، فجاءت أخته فرفعته عن زوجها ، فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها ، فقالت وهي غضبي : يا عمر إن كان الحق في غير دينك . أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .

ويئس عمر وندم واستحيي ، وقال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه . فقالت أخته : إنك رجس ، ولا يمسه إلا المطهرون ، فقم فاغتسل ، فقام فاغتسل ثم أخذ الكتاب فقرأه : چ ?       ?  ?  ? چ فقال : أسماء طيبة طاهرة ، ثم قرأ طه حتى انتهى إلى قوله تعالى : چپ  پ  پ  ?  ?   ?      ?   ?  ?  ?  ? چ فقال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ؟ دلوني على محمد .

وخرج خباب فقال : أبشر يا عمر ! فإني أرجو أن تكون دعوة الرسول r لك ليلة الخميس – وكان قد دعا النبي r – تلك الليلة : اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك ، بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام ثم ذكر له خباب أن رسول الله r في دار الأرقم التي في أصل الصفا .

فخرج عمر حتى أتى الدار وضرب الباب ، فأطل رجل من صرير الباب فرآه متوشحاً السيف ، فأخبر رسول الله r واستجمع القوم ، فقال حمزة : ما لكم ؟ قالوا : عمر . فقال : وعمر ، افتحوا له باب ، فإن كان يريد الخير بذلناه له ، وإن كان جاء يريد شرّاً قتلناه بسيفه . ورسول الله r داخل يوحى إليه ، ثم خرج فأخذ بمجامع ثوب عمر وحمائل سيفه – وهو في الحجرة – فجبذه بشدة ، وقال : أما تنتهي يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة ؟ ثم قال : اللهم هذا عمر بن الخطاب ، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب . فقال عمر : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد.

ردة فعل المشركين على إسلام عمر :

كان عمر t ذا شكيمة لا يرام ، فلما أسلم ذهب إلى أشد قريش عداوة لرسول الله r وإيذاء للمسلمين ، وهو أبو جهل ، فدق بابه ، فخرج ، وقال : أهلاً وسهلاً ما جاء بك ؟ قال : جئتك لأخبرك أني آمنت بالله ورسوله محمد ، فأغلق الباب في وجهه ، وقال : قبحك الله ، وقبح ما جئت به . وذهب عمر إلى خاله العاصي بن هاشم فأعلمه فدخل البيت .

وذهب إلى جميل بن معمر الجمحي – وكان أنقل قريش لحديث – فأخبره أنه أسلم ، فنادى جميل بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ ، فقال عمر : كذب ، ولكني قد أسلمت ، فثاروا إليه ، فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم .

ولما رجع إلى بيته اجتمعوا وزحفوا إليه ، يريدون قتله ، حتى سال بهم الوادي كثرة ، وجاء العاص بن وائل السهمي – من بني سهم ، وكانوا حلفاء بني عدي قوم عمر – وعليه حلة حبرة ، وقميص مكفوف بحرير ، فقال : مالك ؟ قال : زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت ، قال : لا سبيل إليك ، ثم خرج فوجد الناس قد سال بهم الوادي ، فقال : أين تريدون ؟ قالوا : هذا ابن الخطاب قد صبأ ، قال : لا سبيل إليه فرجعوا .

عزة الإسلام والمسلمين بإسلام عمر بن الخطاب t :

أمـا المسلمون فقد وجدوا عزة وقوة كبيرة بإسلام عمر ، فقد كانوا قبل ذلك يصلون سرّاً ، فلما أسلم عمر قال : يا رسول الله ألسنا على الحق وإن متنا وإن حيينا ؟ قال : بلى . قال : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فخرجوا به في صفين ، حمزة في أحدهما وعمر في الآخر ، لهم كديد ككديد الطحين ، حتى دخلوا المسجد الحرام ، فلما نظرت إليهما قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها ، ولذلك سمي الفاروق .

قال ابن مسعود : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ، وقال ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر .

وقال صهيب : لما أسلم عمر ظهر الإسلام ، ودعى إليه علانية ، وجلسنا حول البيت حلقاً ، وطفنا بالبيت ، وانتصفنا ممن غلظ علينا ، ورددنا عليه بعض ما يأتي به .

مساومة قريش للرسول r :

ولما رأى المشركون قوة المسلمين وشوكتهم بعد إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما اجتمعوا للشورى بينهم . وليفكروا في أنسب خطوة يقومون بها في أمر رسول الله r والمسلمين . فقال لهم عتبة بن ربيعة العبشمي – من بني عبد شمس بن عبد مناف ، وكان سيداً مطاعاً في قومه – يا معشر قريش ! ألا أقوم لمحمد فأكلمه ، وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها ، فنعطيه إياها ويكف عنا ؟ فقالوا : بلى يا أبا الوليد ! فقم إليه فكلمه . فذهب إلى رسول الله r وهو جالس في المسجد وحده . فقال : يا ابن أخي ! إنك منا حيث قد علمت ، من خيارنا حسباً ونسباً ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت أحلامهم ، وعبت آلهتهم ودينهم ، وكفرت من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها .

فقال عليه الصلاة والسلام : " قل يا أبا الوليد أسمع " .

فقال : يا ابن أخي ! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك . وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً . وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا ، حتى نبرئك منه . فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه .

فقال عليه الصلاة والسلام : " أو قد فرغت يا أبا الوليد " !

قال : نعم .

قال : " فاسمع مني " .

قال : أفعل .

فقرأ رسول الله r : چ ?       ?  ?  ? ?  ?  ?  ?  ?  پ  پ پ  پ   ?  ?  ?  ?     ?  ? ?  ?  ?   ?  ?  ?  ٹ  ٹ ٹ  ٹ  ?   ?     ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?     ?  ?    ?  ? چ .

ومضى رسول الله r يقرؤها عليه ، وهو يستمع منه ، وقد ألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما ، فلما بلغ رسول الله r إلى قوله تعالى : چ ٹ  ٹ  ٹ  ?  ?  ?    ?   ?   ?چ وضع عتبة يده على فم رسول الله r وناشده الله والرحم مخافة أن يقع ذلك ، وقال : حسبك .

ولما انتهى رسول الله r إلى السجدة سجد ، ثم قال : " سمعت يا أبا الوليد " ؟

قال : سمعت .

قال : " فأنت وذاك " .

فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟

قال : ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط . والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة . يا معشر قريش ! أطيعوني واجعلوها لي . وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلـوه . فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به .

قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد !

قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم .

مساومات وتنازلات :

ولمـا فشل المشركون في هذا الإغراء والترغيب ، فكروا في المساومة في الدين ، فقالوا له r : نعرض عليك خصلة واحدة لك فيها صلاح .

قال : " وما هي " ؟

قالوا : تعبد آلهتنا سنة . ونعبد آلهتك سنة ، فإن كنا على الحق أخذت منه حظّاً ، وإن كنت على الحق أخذنا منه حظّاً ، فأنزل الله تعالى : چ ?  ?  ?  ? ?  پ  پ  پ  پ   چ إلى آخر السورة ، وأنزل : چ ہ  ہ  ہ  ھ  ھ  ھ   ھچ وانزل أيضاً : چ ?   ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ? چ .

وكان المشركون حريصين على حسم الخلاف ، آملين ما رجاه عتبة بن ربيعة ، فأبدوا مزيداً من التنازل ، ومالوا إلى قبول ما يعرضه رسول الله r ولكن اشترطوا بعض التعديل والتبديل فيما أوحي إليه ، فقالوا : چ ?  ?  ?   ?  ?  ?? چ فأمره الله تعالى : چ ?  ?  ?  ٹ      ٹ  ٹ  ٹ  ?  ??  ?  ?  ?  ?  ?  ??  ?         ?  ?   ?  ?  ?  چ     چ چ ونبهه الله على عظم هذا ، فقال وهو يذكر بعض ما دار في خلد النبي r من الخواطر حول ذلك : چ ?  ?   ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ??   ?  ?  ? ? ? ?  ?  ?  ?                ?  ?  ?  ?  ?  چ .

المقاطعة العامة وفرض الحصار :

زادت حيرة المشركين إذ نفدت بهم الحيل ، ووجدوا بني هاشم وبني المطلب مصممين على حفظ النبي r والقيام دونه كائناً ما كان ، فاجتمعوا في خيف بني كنانة ليدرسوا الموقف الراهن ، ويقضوا فيه ، فاستشاروا ثم استشاروا حتى وصلوا إلى حل غاشم تحالفوا عليه . وهو أنهم لا يناكحون بني هاشم وبني المطلب ، ولا يبايعونهم ، ولا يجالسونهم ، ولا يخالطونهم ، ولا يدخلون في بيوتهم ، ولا يكلمونهم ، ولا يقبلون منهم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا إليهم رسول الله r للقتل .

تحالفوا على هذا القرار ، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة ، وكان الذي كتبها بغيض بن عامر بن هاشم ، فدعا عليه رسول الله r فشلت يده أو بعض أصابعه .

وانحاز بعد ذلك بنو هاشم وبنو المطلب في شعب أبي طالب ، سواء في ذلك مسلمهم وكافرهم – إلا أبا لهب – وقطعت عنهم الميرة والمادة . ومنع التجار من مبايعتهم ، فجهد القوم حتى أكلوا أوراق الشجر ، والجلود ، وواصلوا الضر والفاقة ، حتى سمعت أصوات النساء والصبيان يتضاغون جوعاً . ولم يكن يصل إليهم شيء إلا سرّاً ، فكان حكيم بن حزام ربما يحمل قمحاً إلى عمته خديجة رضي الله عنها أما هم فكانوا لا يخرجون من الشعب إلا في الأشهر الحرم ، فكانوا يشترون من العير التي تأتي من الخارج ، إلا أن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في الثمن حتى لا يستطيعوا الشراء .

وكان رسول الله r على رغم كل ذلك مستمراً في دعوته إلى الله ولاسيما في أيام الحج حينما كانت القبائل العربية تفد إلى مكة من كل صوب .

نقض الصحيفة وفك الحصار :

وبعد نحو ثلاث سنوات قدر الله أن ينتهي هذا العدوان ، فألقى في قلوب خمسة من أشراف قريش أن يقوموا بنقض الصحيفة وفك الحصار ، وأرسل الأرضة ، فأكلت كل ما في الصحيفة من القطيعة والجور ، ولم تترك إلا ذكر الله سبحانه وتعالى .

فأما أشراف قريش الخمسة فأولهم : هشام بن عمرو بن الحارث من بني عامر بن لؤي ، ذهب هذا الرجل إلى زهير بن أبي أمية المخزومي – وهو ابن عاتكة عمة النبي r – ثم إلى المطعم بن عدي . ثم إلى أبي البختري بن هشام ثم إلى زمعة بن الأسود . فذكر كل واحد منهم بالقرابة والرحم ، ولا مهم على قبول الجور ، وحضهم على نقض الصحيفة . فاجتمعوا عند خطم الحجون ، واتفقوا على خطة يقومون بها لنقض الصحيفة .

وصباحاً حين قامت أندية قريش في المسجد الحرام جاء زهير وعليه حلة ، فطاف بالبيت ، ثم أقبل على الناس فقال : يا أهل مكة ! نحن نأكل الطعام ، ونلبس الثياب ، وبنو هاشم وبنو المطلب هلكى ، لا يبيعون ولا يبتاعون ، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة .

فقال أبو جهل : كذبت ، والله لا تشق .

فقال زمعة : أنت والله أكذب ، ما رضنا كتابتها حين كتبت .

فقال أبو البختري : صدق زمعة ، لا نرضى ما كتب فيها ، ولا نقربه .

وقال المطعم بن عدي : صدقتما ، وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها . وصدقه أيضاً هشام بن عمرو .

فقال أبو جهل : هذا أمر قضي بليل . وتشوور فيه بغير هذا المكان .

وكان أبو طالب جالساً في ناحية المسجد ، جاء ليخبرهم أن النبي r أخبره أن الله سلط على صحيفتهم الأرضة ، فأكلت ما فيها من جور وقطيعة وظلم ، ولم تترك إلا ذكر الله . وقال بعد ما أخبرهم بذلك : فإن كان كاذباً خلينا بينكم وبينه ، وإن كان صادقاً رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا . قالوا : أنصفت .

وقام المطعم على إثر رده على أبي جهل ليشق الصحيفة ، فوجدها قد أكلتها الأرضة ، إلا " باسمك اللهم " وما فيها من اسم الله . فكان ما أخبر به النبي r آية من آيات الله رآها المشركون بأعينهم ، لكنهم لم يزالوا مسترسلين في الغي .

أما الحصار فقد انتهى بعد ذلك ، وخرج رسول الله r ومن معه من الشعب .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عام الحزن

وفاة أبي طالب :

أما مرض أبي طالب فلم يزل يشتد به حتى حضرته الوفاة . ودخل عليه رسول الله r وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال رسول الله r : " أي عم ! قل لا إلَه إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله " . فقالا : يا أبا طالب ! أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر ما قاله : على ملة عبد المطلب .

فقال النبي r : " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فنزلت : چ ?  ?       ?  ٹ  ٹ  ٹ   ٹ  ?  ?     ?  ?  ?  ?  ?    ?  ?  ?  ?  ?  ?چ ونزلت چ ک  ک  ک  گ  گ چ .

وكانت وفاته في شهر رجب أو رمضان سنة عشر من النبوة ، وذلك بعد الخروج من الشعب بستة أشهر ، وقد كان عضداً وحرزاً لرسول الله r وحصناً احتمت به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء ، ولكنه بقي على ملة الأجداد فلم يفلح كل الفلاح .

قال العباس للنبي r : ما أغنيت عن عمك ؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك . قال : " هو في ضحضاح من النار ، ولو لا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار " .

خديجة إلى رحمة الله :

ولم يندمل جرح رسول الله r على وفاة أبي طالب حتى توفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وذلك في رمضان من نفس السنة العاشرة بعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة أيام فقط . وكانت وزير صدق لرسول الله r على الإسلام ، آزرته على إبلاغ الرسالة ، وآسته بنفسها ومالها ، وقاسمته الأذى والهموم . قال r : " آمنت بي حين كفر بي الناس ، وصدقتني حين كذبني الناس ، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ، ورزقني الله ولدها وحرم ولد غيرها " .

وورد في فضائلها أن جبريل u أتى النبي r فقال : يا رسول الله ! هذه خديجة قـد أتت ، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرء عليها السلام من ربها ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب .

وكان النبي r يذكرها دائماً ، ويترحم عليها ، وتأخذ به الرأفة والرقة لها كلما ذكرها ، وكان يذبح الشاة فيبعث في أصدقائها . لها مناقب جمة وفضائل كثيرة .

تراكم الأحزان :

واشتد البلاء على رسول الله r من قومه بعد موت عمه أبي طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها فقد تجرءوا عليه ، وكاشفوه بالأذى ، وطفق النبي r يتأثر بشدة بكل ما يحدث ، ولو كان أصغر وأهون مما سبق . حتى إن سفيهاً من سفهاء قريش نثر التراب على رأسه ، فجعلت إحـدى بناته تغسله وتبكي ، وهو يقول لها : لا تبكي يابنية ! فإن الله مانع أباك ، ويقول بين ذلك : ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الرسول r في الطائف

وفي هذه الظروف قصد رسول الله r الطائف رجاء أن يستجيبوا لدعوته ، أو يؤوه وينصروه ، فخرج إليها ماشياً على قدميه ، ومعه مولاه زيد بن حارثة ، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام حتى بلغ الطائف . ونزل على ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف ، فدعاهم إلى الإسلام وإلى نصرته r على تبليغه ، فلم يستجيبوا له ، بل ردوا عليه أسوء رد ، فتركهـم وقصد الآخرين ، ودعاهم إلى قبول الإسلام ونصرته ، ولم يزل ينتقل من رئيس إلى رئيس ، فلـم يترك أحداً من أشرافهم إلا وكلمه ، وقضى في ذلك عشرة أيام ، لكن لم يجب له أحد ، بل قالوا له : اخرج من بلدنا ، وأغروا به صبيانهم وسفهاءهم وعبيدهم ، فلما تهيأ وخرج وقفوا له في صفين ، وأخذوا يسبونه ويشتمونه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه وقدميه r وحتى اختضب نعلاه بالدم . وكان زيد بن حارثة t يقيه نفسه ، ويدافع عنه ، فأصابه شجاج في رأسه ، واستمرت هذه السفاهة حتى وصل رسول الله r إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على بعد ثلاثة أميال من الطائف فدخل فيه ، فلما دخل فيه انصرفوا عنه .

وجلس النبي r في الحائط تحت ظل حبلة من عنب ، معتمداً إلى جدار ، وقد أثر في نفسه ما لاقاه ، فدعا بالدعاء المشهور : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على النـاس ، يا ارحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بيعد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .

مراحل النصر الإلهي في الطائف :

1-             ورآه ابنا ربيعة في هذا الحال فأخذتهما رقة ، وأرسلا إليه بقطف من عنب مع مولى لهما نصراني اسمه عداس .

2-     إسلام عداس : فلما مد النبي r يده ليتناوله قال : " بسم الله " ، ثم أكل ، فقال عـداء : هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد .

فقال له النبي r : " من أي البلاد أنت ؟ وما دينك ؟ " .

فقال : نصراني ، من أهل نينوى .

فقال : " من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ " .

فقال : وما يدريك ما يونس بن متى ؟

فقال له النبي r : " ذاك أخي كان نبيّاً وأنا نبي " ، وقرأ عليه قصة يونس u من القرآن ، فأسلم عدس على ما يقال .

3-     ملك الجبال : ثم خرج رسول الله r من الحائط ، وتقدم في طريقه إلى مكة ، وهو كئيب حزين مهموم ، حتى إذا بلغ قرن المنازل ، أظلته سحابة فيها جبريل ومعه ملك الجبال ، فرفع r رأسه ، فناداه جبريل ، وقال : إن الله بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت ، ثم سلم ملك الجبال وقال : يا محمد ! ذلك ، فما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين – وهما جبلا مكة : أبو قبيس والذي يقابله – فقال r : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً .

4-     إسلام نفر من الجن : وأفاق رسول الله r من همه بمجيء هذا النصر ، وتقدم في طريقه إلى مكة حتى نزل بنخلة ، وأقام بها أياماً ، وأثناء إقامته بها صرف الله إليه نفراً من الجن يستمعون القرآن ، وهو قائم يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ، وقد آمنوا به ، ولم يشعر بهم رسول الله r حتى نزل بذلك القرآن : آيات من سورة الأحقاف ، وآيات من سورة الجن .

وبعد أيام خرج رسول الله r من نخلة يريد مكة ، وهو يرجو من الله الفرج والمخرج ، ويخشى من قريش الشر والبطش ، فأحب أن يحتاط لنفسه ، فلما دنا من مكة مكث بحراء ، وبعث رجلاً إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فاعتذر بأنه حليف ، والحليف لا يجير ، فأرسل إلى سهيل بن عمرو ، فاعتذر بأنه من بني عامر بن لؤي ، وهم لا يجيرون على بني كعب بن لؤي ، فأرسل إلى المطعم بن عدي ، وهو من بني نوفل بن عبد مناف أخي هاشم بن عبد مناف جد النبي r وعبد مناف أعز بطن في قريش ، فقال المطعم : نعم . وتسلح هو وبنوه ، ثم أرسل إلى رسول الله r فجاء ودخل المسجد الحرام ، وطاف بالبيت ، وصلى ركعتين ، ثم انصرف إلى بيته ، والمطعم بن عدي وأولاده محدقون برسول الله r بالسلاح ، وكان المطعم قد أعلن في قريش أنه أجار محمداً ، فقبلوا ذلك منه .

الإسراء والمعراج

المراد بالإسراء توجه النبي r ليلاً من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ، والمراد بالمعراج صعوده r إلى العالم العلوي ، وكان ذلك بجسده الشريف وروحه الأطهر .

والإسراء مذكور في القرآن في قوله تعالى : چ ?  ?  ?  ?  ?  پ  پ  پ     پ     ?  ?  ?   ?  ?  ?     ?  ??  ?      ?  ?  ٹچ .

أما المعراج فقيل : هو مذكور في سورة النجم من آياتها السابعة إلى الثامنة عشرة . وقيل : المذكور في هذه الآيات غير المعراج .

واختلف في وقت الإسراء والمعراج ، فقيل : في السنة التي بعث فيها النبي r ، وقيل : سنة خمس من النبوة ، وقيل : في 27 رجب سنة عشر من النبوة ، وقيل : في 17 رمضان سنة اثنتي عشرة من النبوة ، وقيل : في المحرم ، وقيل : في 17 ربيع الأول سنة 13 من النبوة .

أما تفصيل القصة فملخص الروايات الصحيحة : أن جبريل u جاء بالبراق – وهو دابة فوق الحمار ، ودون البغل – يضع حافره عند منتهى طرفه والنبي r بالمسجد الحرام ، فركبه حتى أتى بيت المقدس ومعه جبريل ، فربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، ثم دخل المسجد ، فصلى فيه ركعتين ، أمَّ فيها الأنبياء ، ثم أتاه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاختار اللبن ، فقال جبريل : أصبت الفطرة ، هديت وهديت أمتك ، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك .

ثم عرج به من بيت المقدس إلى السماء الدنيا ، فاستفتح له جبريل ففتح له ، فرأى هنالك آدم أبا البشر فسلم عليه ، فرد u ، ورحب به ، وأقر بنبوته ، وعن يمينه أسودة إذا نظر إليهم ضحـك – وهي أرواح السعداء – وعن يساره أسودة إذا نظر إليهم بكى – وهي أرواح الأشقياء – .

ثـم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له جبريل ففتح . فرأى فيها ابني الخالة يحيى بن زكريا ، وعيسى ابن مريم عليهما السلام ، فسلم عليهما ، فردا عليه ورحبا به وأقرا بنبوته .

ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، فرأى فيها يوسف u ، وكان قد أعطى شطر الحسن ، فسلم عليه ، فرد عليه ، ورحب به ، وأقر بنبوته .

ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس u فسلم عليه ، فرد عليه ، ورحب به ، واقر بنبوته .

ثم عـرج به إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون u فسلم عليه ، فرد عليه ، ورحب به ، وأقر بنبوته .

ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقى فيها موسى بن عمران u فسلم عليه ، فرد عليه ، ورحب به ، وأقر بنبوته ، فلما جاوزه بكى ، فقيل له ما يبكيك ؟ فقال : أبكي لأن غلاماً بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي .

ثم عـرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم u فسلم عليه ، فرد عليه ، ورحب به ، وأقر بنبوته ، وكان مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ، وهو بيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه .

ثم رفع إلى سدرة المنتهى ، فإذا أوراقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال – أي الجرار الكبيرة – ثم غشيها فراش من ذهب ، وغشيها من أمر الله ما غشيها ، فتغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها .

ثم عرج به إلى الجبار Y ، فدنا منه ، حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحـى ، وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة . فرجع حتى مر على موسى فقال : بم أمرك ربك ؟ قال : بخمسين صلاة ، قال : إن أمتك لا تطيق ذلك ، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . فالتفت إلى جبريل ، فأشار أن نعم إن شئت ، فرجع فوضع عنه عشراً . ثم مر بموسى فسأله فأخبره فأشار عليه بسؤال التخفيف . فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله U حتى جعلها خمساً . ثم مر بموسى فأشار بالرجوع وسؤال التخفيف . وقال : والله لقد راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه ، فقال r : قد استحييت من ربي ، ولكني أرضى وأسلم . فلما بَعُدَ نودي أن قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ، هي خمس وهن خمسون ، لا يبدل القول لدي .

ثم رجع u من ليلته إلى مكة المكرمة ، فلما أصبح في قومه أخبرهم بما أراه الله U من آياته الكبرى ، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضرارهم عليه ، فمنهم من صفق ، ومنهم من وضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً ، وسعى رجال إلى أبي بكر الصديق ، وأخبروه الخبر . فقال : إن كان قال ذلك فقد صدق . قالوا : أتصدقه على ذلك ؟ قال : إني لأصدقه على أبعد من ذلك . أصدقه على خبر السماء في غدوة أو روحة ، فسمي الصديق .

وقام الكفار يمتحنونه فسألوه أن يصف لهم بيت المقدس ، ولم يكن رآه قبل ذلك . فجلاه الله له حتى عاينه . فطفق يخبرهم عن آياته ، يصفه لهم باباً باباً وموضعاً موضعاً ، فلم يستطيعوا أن يردوا عليه ، بل قالوا : أما النعت فوالله لقد أصاب .

وسألوه عن عير لهم قادمة من الشام . فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ووقت قدومها ، وعن البعير الذي يقدمها ، وكان الأمر كما قال . ولكن أبى الظالمون إلا كفوراً .

وصبيحة يوم الإسراء جاء جبريل وعلم رسول الله r كيفية الصلوات الخمس وأوقاتها ، وكانت الصلاة قبل ذلك ركعتين في الصباح ، وركعتين في المساء .

مميزات الإسراء والمعراج :

1-             كان الإسراء والمعراج أكبر جائزة على صبره على أذى قريش وأهل الطائف وتسلية وجبر للخاطر .

2-             ضم الإسراء والمعراج سورتي النجم والإسراء .

3-             أصبح الرسول r إمام القبلتين .

4-             فرضت الصلوات الخمس مباشرة من عند الله U .

5-             اطلع الله الرسول على الكثير من الأمور الغيبية .

العبرة والعظة من الإسراء والمعراج :

1-             ضرورة المحافظة على المقدسات الإسلامية من اليهود وغيرهم .

2-             بيان فضل الرسول r على سائر الرسل والأنبياء .

3-     إن تثبت للمستشرقين وأصحاب الغزو الفكري أن محمد نبي مرسل ومؤيد بوحي إلهي من عند الله وصاحب رسالته .

4-             بيان أن الإسلام هو دين الفطرة .

5-             بيان أن الإسلام هو الدين المهيمن على كل الأديان .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عرض الإسلام على القبائل والأفراد

كان من دأب رسول الله r منذ أمره الله بالجهر بالدعوة أنه كان يخرج في موسم الحج وأيام أسواق العرب إلى منازل القبائل فيدعوهم إلى الإسلام .

وأشهر أسواق العرب في الجاهلية وأقربها إلى مكة ثلاثة : عكاظ ومجنة وذو المجاز ، وعكاظ قرية بين نخلة والطائف . كانوا يقيمون بها السوق من أول شهر ذي القعدة إلى عشرين منه . ثم ينتقلون منها إلى مجنة ، فيقيمون بها السوق إلى نهاية شهر ذي القعدة ، وهي موضع في وادي مر الظهران أسفل مكة . وأما ذو المجاز فهو خلف جبل عرفة أي خلف جبل الرحمة ، وكانوا يقيمون هناك السوق من أول ذي الحجة إلى الثامن منه ، ثم يتفرغون لأداء مناسك الحج .

وممن أتاهم رسول الله r ودعاهم إلى الإسلام ، وعرض عليهم نفسه ليؤوه وينصروه : بنو عامر بن صعصعة . وبنو محارب بن خصفة ، وبنو فزارة ، وغسان ، ومرة ، وبنو حنيفة ، وبنو سليـم ، وبنو عبس ، وبنو نصر ، وبنو البكاء ، وكندة ، وكلب ، وبنو الحارث بن كعب ، وعذرة ، والحضارمة ، فلم يستجب له منهم أحد .

ولكنهم اختلفوا في أساليب ردودهم ، فمنهم من رد عليه ردّاً جميلاً ، ومنهم من اشترط لنفسـه أن تكون له الرئاسة بعده ، ومنهم من قال : أسرتك وعشيرتك أعلم بك ، حيث لم يتبعوك ، ومنهم من رد عليه ردّاً قبيحاً ، وكان بون حنيفة رهط مسيلمة الكذاب أقبحهم ردّاً .

المؤمنون من غير أهل مكة :

وقدر الله أن يؤمن رجال من غير أهل مكة في الزمن الذي كانت الدعوة تمر فيه بأصعب مراحلها في مكة ، فكانوا كجذوة أمل أضاءت في ظلام اليأس ، فمنهم :

1-     سويد بن الصامت : كان شاعراً لبيباً ، من سكان يثرب ، يسمى بالكامل ، لشرفه وشعره . أتى مكة حاجاً أو معتمراً ، فدعاه رسول الله r إلى الإسلام ، فعرض هو على رسول الله r حكمة لقمان ، فعرض عليه رسولا لله r القرآن فأسلم ، وقال : إن هذا قول حسن ، قتل في وقعة بين الأوس والخزرج قبل يوم بعاث .

2-     إياس بن معاذ : كان غلاماً حدثاً من سكان يثرب ، قدم مكة في أوائل سنة 11 من النبوة ، في وفد من الأوس كانوا يلتمسون الحلف من قريش على الخزرج ، فجاءهم رسول الله r ودعاهم إلى الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فقال إياس : هذا والله خير مما جئتم له . فرمى أبو الحيسر – أحد أعضاء الوفد – تراب البطحاء في وجه إياس ، وقال : دعنا عنك ، لقد جئنا لغير هذا ، فسكت ، ولم يلبث بعد رجوعهم إلى يثرب أن هلك ، وكان يهلل ويكبر ويحمد ويسبح عند موته ، ولا يشك قومه أنه مات مسلماً .

3-     أبو ذر الغفاري : بلغ إليه خبر مبعث النبي r بسبب إسلام سويد بن الصامت وإياس بن معاذ ، فأرسل أخاه إلى مكة ليأتي بالخبر . فذهب ورجع ، ولم يشفه ، فخرج بنفسه حتى نزل بمكة في المسجد الحرام ، وبقي فيه نحو شهر ، يشرب ماء زمزم ، وهو طعامه وشرابه ، ولا يسأل عن النبي r أحداً خوفاً على نفسه ، ثم استتبعه علي t حتى دخل به على النبي r فطلب منه أبو ذر أن يعرض عليه الإسلام ، فعرضه عليه فأسلم مكانه ، ثم جاء إلى المسجد الحرام وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . فانقض عليه قريش ، وضربوه ليموت ، فأنقذه العباس ، فلما أصبح الغد قال مثل ما قال بالأمس ، وضربوه مثل ما ضربوه بالأمس . وأنقذه العباس كما أنقذه بالأمس . ورجع أبو ذر إلى مساكن قومه بني غفار . فلما هاجر النبي r إلى المدينة هاجر إليها .

4-     طفيل بن عمرو الدوسي : كان شاعراً لبيباً ، رئيس قبيلته دوس في ناحية اليمن . قدم مكة سنة 11 من النبوة . فاستقبله أهل مكة . وحذروه من النبي r حتى حشا أذنه الكرسف حين جاء إلى المسجد الحرام ، كي لا يسمع منه r شيئاً ، وكان r قائماً يصلي عند الكعبة ، فوقع في أذنه منه شيء ، فاستحسنه ، فقال في نفسه : إني لبيب وشاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان حسناً قبلته ، وإن كان قبيحاً تركته . فلما انصرف النبي r إلى بيته تبعه حتى دخل بيته ، وذكر قصته ، وطلب منه r أن يعرض عليه أمره ، فعرض عليه الإسلام ، وتلا عليه القرآن فأسلم وشهد شهادة الحق ، وقال : إني مطاع في قومي ، وراجع إليهم ، وداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية ، فدعا له ، فلما قرب من قومه استنار وجهه كالمصباح ، فدعا الله أن يجعله في غير وجهه ، فتحول النور إلى سوطه ، فلما دخل على قومه دعاهم إلى الإسلام ، فأسلم أبوه وزوجته ، وأبطأ القـوم ، لكنه لما هاجر إلى المدينة بعد الحديبية كان معه سبعون أو ثمانون بيتاً من قومه .

5-     ضماد الأزدي : من أزد شنوءة من اليمن ، كان يرقي من الجنون والجن والشياطين ، فجاء مكة فسمع سفهاءها يقولون : إن محمداً مجنون ، فجاء ليرقيه . فقال النبي r : إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ومن يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلله فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد .. فاستعاد ضماد هذه الكلمات ثلاث مرات ، ثم قال : سمعت قول الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ، لقد بلغن قاموس البحر ، هات يدك أبايعك على الإسلام ، فبايعه .

الإسلام في المدينة :

6-11 ستة سعداء من أهل يثرب كلهم من الخزرج وهم :

أسعد بن زرارة ، عوف بن الحارث بن رفاعة ( عوف بن عفراء ) ، رافع بن مالك بن العجلان ، قطبة بن عامر بن حديدة ، عقبة بن عامر بن نابي ، جابر بن عبد الله بن رئاب .

جاء هؤلاء للحج في جملة من جاء سنة 11 من النبوة ، وكان أهل يثرب يسمعون من اليهود حينما ينالون منهم في الحرب ونحوها : أن نبيّاً سيبعث الآن ، قد أظل زمان بعثته ، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما كانوا بعقبة منى مر بهم رسول الله r ليلاً ، وهم يتكلمون ، فلما سمع الصوت عمدهم حتى لحقهم ، وقال : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج . قال : موالي اليهود ؟ – أي حلفاؤهم – قالوا : نعم ، قال : أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى ! فجلسوا معه ، فشرح لهم حقيقة الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، ودعاهم إلى الله U فقال بعضهم لبعض : تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به اليهود ، فلا تسبقنكم إليه ، فأسرعوا إلى الإسلام . وقالوا : إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ، ووعدوه القيام بالدعوة إلى دينه ، والمقابلة في الحج القادم .

بيعة العقبة الأولى

فلما كان حج العام المقبل – سنة 12 من النبوة – قدم اثنا عشر رجلاً ، منهم عشرة من الخزرج ، واثنان من الأوس ، فأما العشرة من الخزرج فخمسة منهم هم الذين جاءوا في العام الماضي غير جابر بن عبد الله بن رئاب وخمسة آخرون هم : معاذ بن الحارث ( معاذ بن عفراء ) ، ذكوان بن عبد القيس ، عبادة بن الصامت ، يزيد بن ثعلبة ، العباس بن عبادة بن نضلة .

وأما الاثنان من الأوس فهما : أبو الهيثم بن التيهان ، عويم بن ساعدة .

اجتمع هؤلاء برسول الله r بعقبة منى ، فعلمهم الإسلام ، وقال لهم : تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تسرقوا ، ولا تزنو ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا بهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئاً ، فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئاً ، فستره الله ، فأمره إلى الله ، إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه ، فبايعوه على ذلك .

دعوة الإسلام في يثرب :

فلمـا رجعوا إلى يثرب بعث معهم مصعب بن عمير t ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين ، ونزل مصعب بن عمير على أبي أمامة أسعد بن زرارة . ونشطا في نشر الإسلام ، وبينما هما في بستان إذ قال رئيس الأوس سعد بن معاذ لابن عمه أسيد بن حضير : ألا تقوم إلى هذين الرجلين الذين أتيا يسفهان ضعفاءنا ، فتزجرهما ، فأخذ أسيد حربته ، وأقبل إليهما ، فلما رآه أسعد قال لمصعب : هذا سيد قومه ، قد جاءك فأصدق الله فيه .

وجاء أسيد فوقف عليهما وقال : ما جاء بكما إلينا ؟ تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة . فقال مصعب : أو تجلس فتسمع ، فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهتـه كففنا عنك ما تكرهه ، فقال : أنصفت . وركز حربته وجلس ، فكلمه مصعب بالإسلام ، وتلا عليه القرآن ، فاستحسن أسيد دين الإسلام واعتنقه ، وشهد شهادة الحق .

ثم رجع أسيد ، وأحتال ليرسل إليهما سعد بن معاذ ، فقال له : كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأساً ، وقد نهيتهما فقالا : نفعل ما أحببت ، ثم قال : وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، لأنه ابن خالتك ، فيريدون أن يخفروك .

فغضب سعد ، وقام إليهما متغيظاً ، ففعل معه مصعب مثل ما فعل مع أسيد ، فهداه الله للإسلام ، فأسلم وشهد شهادة الحق ، ثم رجع إلى قومه ، فقال : يا بني عبد الأشهل ! كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا رأياً . قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة ، إلا رجل واحد اسمه الأصيرم ، تأخر إسلامه إلى يوم أحد ، ثم أسلم وقتل شهيداً في سبيل الله قبل أن يسجد لله سجدة .

وعاد مصعب بن عمير إلى مكة قبل حلول موعد الحج يحمل بشائر مثل هذا الفوز .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيعة العقبة الثانية

وفي موسم الحج سنة 13 من النبوة قدم كثير من أهل يثرب من المسلمين والمشركين ، وقد قرر المسلمون أن لا يتركوا رسول الله r بمكة يطوف في جبالها ، ويطرد ويخاف ، فاتصلوا به سرّاً ، واتفقوا على عقد اجتماع سري في أوسط أيام التشريق ليلاً في الشعب الذي عند جمرة العقبة .

فلما جاء الموعد ناموا في رحالهم مع قومهم ، حتى إذا مضى ثلث الليل الأول أخذوا يتسللون ، فيخرج الرجل والرجلان حتى اجتمعوا عند العقبة ، وهم ثلاثة وسبعون رجلاً ، اثنان وستون من الخزرج ، وأحد عشر من الأوس ، ومعهم امرأتان : نسيبة بنت كعب من بني النجار ، وأسماء بنت عمرو من بني سلمة . وجاءهم رسول الله r ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ، كان على دين قومه ، ولكن أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويتوثق له .

وكان العباس أول من تكلم ، فقال لهم : إن رسول الله r لا يزال في عز من قومه ، ومنعة في بلده ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإلا فمن الآن فدعوه .

فأجاب المتكلم عنهم – وهو البراء بن معرور – وقال : نريد الوفاء والصدق وبذل الأرواح دون رسول الله r فتكلم يا رسول الله ! فخذ لنفسك ولربك ما أحببت .

فتكلم رسول الله r فتلا القرآن ودعا إلى الله ، ورغب في الإسلام واشترط لربه :

1-             أن يعبدوه وحده ، ولا يشركوا به شيئاً .

واشترط لنفسه ولربه أيضاً أنهم قالوا له على ما نبايعك ؟ فقال : 

2-             على السمع والطاعة في النشاط والكسل .

3-             وعلى النفقة في العسر واليسر .

4-             وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

5-             وعلى أن تقوموا في الله ، لا تأخذكم في الله لومة لائم .

6-             وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم ، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم . ولكم الجنة .

7-             وفي رواية عن عبادة : ( بايعناه ) على أن لا ننازع الأمر أهله .

فأخذ بيده r البراء بن معرور وقال : نعم . والذي بعثك بالحق لمنعنك مما نمنع عنه أزرنا . فبايعنا ، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة – أي السلاح – ورثناها كابراً عن كابر .

فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان قائلاً : يا رسول الله ! إن بيننا وبين الرجال حبالاً – أي عهوداً وروابط – وإنا قاطعوها ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟

فتبسم رسول الله r وقال : بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب ما حاربتم ، وأسالم ما سالمتم .

وفي هذه اللحظة الحاسمة تقدم العباس بن عبادة بن نضلة وقال : هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة ، وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن ، فإنه خزي الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون له على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه ، فهو والله خير الدنيا والآخرة .

قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال ، وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك يا رسول الله !

قالوا : الجنة .

قالوا : ابسط يدك .

فبسط يده ، فقاموا ليبايعوه ، فأخذ بيده أسعد بن زرارة ، وقال : رويداً يا أهل يثرب ! إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة ، وقتل خياركم ، وأن تعضكم السيوف ، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه ، وأجركم على الله ، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه ، فهو أعذر لكم عند الله .

قالوا : يا أسعد ! أمط عنا يدك ، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها ، فقاموا إليه رجلاً رجلاً وبايعوه ، وكان أسعد بن زرارة هو أول المبايعين على أرجح الأقوال ، وقيل : بل أبو الهيثم بن التيهان ، وقيل : بل البراء بن معرور .

أما بيعة المرأتين فكانت قولاً بدون مصافحة .

اثنا عشر نقيباً :

وبعد البيعة طلب منهم رسول الله r أن يخرجوا اثنى عشر نقيباً يكونون عليهم . ويكفلون المسئولية عنهم ، فأخرجوا تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس ، أما من الخزرج فهم :

1-             سعد بن عبادة بن دليم .

2-             أسعد بن زرارة بن عدس .

3-             سعد بن الربيع بن عمرو .

4-             عبد الله بن رواحة بن ثعلبة .

5-             رافع بن مالك بن العجلان .

6-             البراء بن معرور بن صخر .

7-             عبد الله بن عمرو بن حرام .

8-             عبادة بن الصامت بن قيس .

9-             المنذر بن عمرو بن خنيس .

وأما من الأوس فهم :

10-               أسيد بن حضير بن سماك .

11-               سعد بن خيثمة بن الحارث .

12-               رفاعة بن عبد المنذر بن زبير ، وقيل : أبو الهيثم بن التيهان .

فلما تم اختيارهم قال لهم رسول الله r : أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم ، وأنا كفيل على قومي ، قالوا : نعم .

هذه هي بيعة العقبة الثانية ، وكانت حقّاً أعظم بيعة وأهمها في حياة الرسول r تغير بها مجرى الأحداث وتحول خط التاريخ .

ولما تمت البيعة وكاد الناس ينفضون اكتشفها أحد الشياطين ، وصاح بأنفذ صوت سمع قط : يا أهل الأخاشب – المنازل – هل لكم في محمد ، والصباة معه . قد اجتمعوا على حربكم . فقال رسول الله r أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك ، وأمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم فرجعوا وناموا حتى أصبحوا .

وصباحاً جاءت قريش إلى خيام أهل يثرب ليقدموا الاحتجاج إليهم ، فقال المشركون : هذا خبر باطل ، ما كان من شيء ، وسكت المسلمون ، فصدقت قريش المشركين ورجعوا خائبين .

وأخيراً تأكد لدى قريش أن الخبر صحيح ، فأسرع فرسانهم في طلب أهل يثرب ، فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو عند أذاخر ، فأما المنذر فأعجز القوم هرباً ، وأما سعد فأخذوه وربطوه وضربوه وجروا شعره حتى أدخلوه مكة ، فخلصه المطعم بن عدي والحارث بن حرب . إذ كان يجير لهما قوافلهما بالمدينة ، وأراد الأنصار أن يكروا إلى مكة إذ طلع عليهم سعد قادماً ، فرحلوا إلى المدينة سالمين .

 

 

 

 

 

 

 

الفرق بين بيعة العقبة الأولى والثانية :

1-             بيعة العقبة الأولى خالية من الجهاد أما الثانية فيها تصريح بالجهاد والدفاع عن الرسول r .

2-             البيعة الثانية حددت معالم الدولة الإسلامية وألزمت مسلمين المدينة على حماية الرسول r ودعوته .

3-             السمع والطاعة في النشاط والكسل .

4-             البيعة الثانية فيها تضحية بالنفس والمال في العسر واليسر .

5-             الجهر بكلمة الحق لا تأخذهم لومة لائم .

6-             الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

7-             بيعة العقبة الثانية فيها نجاح عسكري .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هجرة المسلمين إلى المدينة

بعد هذه البيعة – بيعة العقبة الثانية – بدأت هجرة عامة المسلمين إلى المدينة ، بينما كان بعض الصحابة قد هاجر قبلها ، وقد أري رسول الله r دار هجرةالمسلمين وأخبرهم بها . قال : رأيت أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل ، فذهب وهلى – أي ظني – إلى اليمامة أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب ، وفي رواية : أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين ، فإما أن يكون هجر أو يثرب .

وأول من هاجر أبو سلمة المخزومي زوج أم سلمة ، خرج مع زوجته وابنه ، فمنعها قومها منه ، وانتزع آل أبي سلمة ولده منها ، فانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة ، وذلك قبل بيعة العقبة بنحو سنة ثم أطلقوا زوجته بعد نحو سنة فلحقت به .

وهاجـر بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة وزوجته ليلى بنت أبي حثمة ، وعبد الله بن أم مكتوم ، فلما تمت البيعة تتابع المسلمون في الهجرة ، وكانوا يتسللون خفية ، خشية قريش ، حتى هاجر عمر بن الخطاب ، فخرج علنا ، وتحدى قريشاً ، فلم يجترئ أحد على الوقوف في وجهه ، وقدم المدينة في عشرين من الصحابة .

وهاجر المسلمون كلهم إلى المدينة ، ورجع إليها عامة من كان بأرض الحبشة ، ولم يبق بمكة منهم إلا أبو بكر وعلي وصهيب وزيد بن حارثة وقليل من المستضعفين الذين لم يقدروا على الهجرة ، وتجهز أبو بكر للهجرة ، فقال رسول الله r : على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذن لي ، فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : نعم . فحبس أبو بكر نفسه عليه ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر ، استعداداً لذلك .

 

 

 

 

 

قريش في دار الندوة وقرارهم بقتل النبي r

وجن جنون قريش لما رأوا أن المسلمين وجدوا دار حفظ ومنعة ، ورأوا في هجرتهم واجتماعهم بالمدينة خطراً على دينهم وكيانهم وتجارتهم ، فاجتمعوا في دار الندوة صباح يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة ، ليدرسوا خطة تفيد التخلص من هذا الخطر . خاصة وأن صاحب الدعوة r لا يزال في مكة ، ويخشى أن يخرج منها في عشية أو ضحاها ، وقد حضر الاجتماع وجوه بارزة من سادات قريش ، وحضره أيضاً إبليس في صورة شيخ جليل من أهل نجد بعد أن استأذنهم .

وطرحت القضية على المجتمعين ، فقال أبو الأسود نخرجه من أرضنا ، ونصلح أمرنا ، ولا نبالي أين ذهب .

قال الشيخ النجدي : إنكم ترون حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال ، فإذا خرج فلا غرو أن يحل على حي من العرب فتجتمع حوله الجموع ، فيطأكم بهم في بلادكم ، ثم يفعل بكم ما أراد . رؤا فيه رأياً غير هذا .

قال أبو البختري : احبسوه وأغلقوا عليه الباب ، حتى يدركه ما أدركه الشعراء قبله من الموت .

قال الشيخ النجدي : والله لئن حبستموه ليخرجن أمره إلى أصحابه ، وهم يفضلونه على الآباء والأبناء ، فأوشكوا أن يثبوا عليكم ، وينزعوه منكم ، ثم يكاثروكم به ، حتى يغلبوا على أمركم ، فانظروا في غير هذا الرأي .

قال الطاغية أبو جهل : إن لي فيه رأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد . نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا ، ونعطي كلاً منهم سيفاً صارماً ، ثم يعمدوا إليه ويضربوه ضربة رجل واحد ، فيقتلوه ، فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قريش كلهم ، فيرضون بالدية فنعطيها لهم .

قال الشيخ النجدي : القول ما قال الرجل : هذا الرأي الذي لا رأي غيره .

وأقر المجتمعون هذا الرأي ، وانفضوا ، وأخذوا يستعدون ويرتبون أنفسهم لتنفيذ هذا القرار .

بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالى

ومن طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية ، وأن لا يبدو على السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات ، وتغاير العادات المستمرة ، حتى لا يشم أحد رائحة التآمر والخطر ، ولا يدور في خلد أحد أن هناك غموضاً ينبئ عن الشر . وكان هذا مكراً من قريش ، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى ، فخيبهم من حيث لا يشعرون ، فقد نزل جبريل وأخبر النبي r بمؤامرة قريـش ، وأذن له في الهجرة ، وحدد له وقت الخروج ، وبين له خطة الرد على مكر قريش فقـال : " لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه " .

وخرج رسول الله r في نحر الظهيرة حين يستريح الناس في بيوتهم إلى بيت أبي بكر الصديق t وأبرم معه أمور الهجرة ، فجهزا الراحلتين أحث الجهاز واستأجرا [ عبد الله بن أريقط الليثي ] – وكان على دين قريش – ليكون دليلاً لهما في الطريق ، وكان هادياً ماهراً بالطرق . وواعداه جبل ثور بعد ثلاث ليال . ثم استمر رسول الله r في أعماله اليومية حسب المعتاد ، حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة أو لأي أمر آخر اتقاء مما قررته قريش .

وكان من عادة رسول الله r أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء ، ويخرج في النصف الأخير من الليل إلى المسجد الحرام ، يصلي فيه صلاة التهجد – قيام الليل – فأضجع عليّاً t على فراشه تلك الليلة ، وأخبره بأنه لا يصيبه مكروه ، فلما نام عامة الناس وهدأ الليل جاء المتأمرون سرّاً إلى بيت رسول الله r وطوقوه ، ورأوا علي بن أبي طالب t نائماً على فراشه r متسجيّاً ببرده الحضرمي الأخضر ، فظنوه محمداً r فأخذوا يختالون زهواً ، ويرصدونه حتى إذا قام وخرج يثبوا عليه .

وكان هذا جواب مكرهم من الله سبحانه وتعالى يقول تعالى : چ ک  ک   گ  گ   گ  گ   ?     ?  ?     ??  ?  ?   ?ں  ں  ?  ? چ  .

 

 

 

هجرة النبي r

المعجزات الإلهية في طريق الهجرة النبوية :

1- خروجه r من البيت :

وخرج رسول الله r من بيته وهم مطوقون به ، فذر تراب البطحاء على رؤوسهم ، وهو يتلو قوله سبحانه وتعالى : چ ?  ?  ?  ?  ?   ں  ں  ?  ?  ?  ?  ? چ فأخـذ الله بأبصارهم فلم يشعروا به r ومضى رسول الله r إلى بيت أبي بكر ، ومن خوخة في داره خرجا حتى لحقا بغار ثور قبل بزوغ الفجر ، على بعد نحو خمسة أميال في اتجاه اليمن .

2- ثلاث ليال في الغار :

ولما انتهيا إلى الغار دخله أبو بكر أولاً حتى إذا كان فيه شيء يصيبه هو دون رسول الله r فكسحه ووجد فيه ثقوباً فسدها بشق إزاره ، وبقي جحر أو جحران ألقمهما رجليه ، ثم دخله رسول الله r فنام في حجره ، ولدغ أبو بكر في رجله ، ولكنه لم يتحرك لمكان رسول الله r فسقطت دموعه على وجهه r فاستيقظ وسأل فقال : لدغت ، فداك أبي وأمي ، فتفل رسول الله r فذهب الألم .

وكمنا في الغار ثلاث ليال ، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما ، وكان شاباً فطناً ذكيّاً ، فيخرج من عندهما حتى يصبح في قريش كأنه بات بمكة ، وكان يسمع مكائد قريش وأخبارهم فكان يأتيهما بها حين يختلط الظلام .

وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى الغنم ، فكان يأتيهما بها حين تذهب ساعة من الليل ، فيبيتان في لبنها ، ثم ينعق بها في غلس ، ويتبع بها أثر عبد الله بن أبي بكر ليعفي عليه .

أما قريش فبقيت فتيانها منتظرين قيام رسول الله r وخروجه حتى أصبحوا ، فلما أصبحوا قام علـي من فراش رسول الله r فسقط في أيديهم وسألوه عن رسول الله r فقال : لا علم لي به ، فضربوه وسحبوه إلى الكعبة ، وجبسوه ساعة ، ولكن بدون جدوى ، ثم جاءوا إلى بيت أبي بكر وسألوا ابنته أسماء عنه فقالت : لا أدري ، فلطمها الخبيث أبو جهل لطمة طرح منها قرطها ، ثـم أرسلوا الطلب في كل جهة ، وجعلوا مائة ناقة عن كل واحد منهما لمن يأتي بهما حين أو ميتين .

وقد وصلوا في الطلب إلى باب الغار بحيث لو طأطأ أحدهم رأسه ونظر إلى قدميه لرأهما ، حتى اشتد حزن أبي بكر t على رسول الله r فقال : ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ، لا تحزن إن الله معنا .

في الطريق إلى المدينة :

وفي ليلة الاثنين غرة ربيع الأول سنة 1هـ جاء الدليل عبد الله بن أريقط الليثي بالراحلتين إلى جبل ثور حسب الموعد ، فارتحل رسول الله r وأبو بكر ، وصحبهما عامر بن فهيرة ، وسلك بهما الدليل في اتجاه الجنوب نحو اليمن حتى أبعد ، ثم اتجه إلى الغرب نحو ساحل البحر الأحمر ، ثم اتجه إلى الشمال على مقربة من الساحل ، وسلك طريقاً لا يسلكه الناس إلا نادراً .

وواصلوا السير تلك الليلة ، ثم النهار إلى نصفه ، حتى خلا الطريق ، فاستراح النبي r تحت ظل صخرة ، واستكشف أبو بكر ما حوله ، وجاء راع فاستحلب منه أبو بكر ، فلما استيقظ النبي r سقاه حتى رضي ، ثم ارتحلوا .

3- وفي اليوم الثاني مرا بخيمتي أم معبد وكانت بالمشلل في ناحية قديد على بعد نحو 130 كيلو متراً من مكة ، فسألاها هل عندها شيء ؟ فاعتذرت عن القرى وأخبرت أن الشاء عازب – أي بعيدة المرعى والكلأ – وكانت في جانب الخيمة شاة خلفها الجهد عن قطيع الغنم ، ولم تكن فيها قطرة من لبن ، فاستأذن رسول الله r ليحلبها ، فلما حلبها درت باللبن حتى امتلأ منه إناء كبير يحمله الرهط بمشقة ، فسقاه أم معبد حتى رويت ، ثم سقى أصحابه حتى رووا ، ثم شرب ، ثم حلب فيه ثانياً ، حتى ملأ الإناء ، وتركه عندها وارتحلوا .

وجاء زوجها فتعجب حين رأى اللبن ، وسألها عنه ، فأخبرته الخبر ، ووصفت النبي r من مفرقه إلى قدمه ومن كلامه إلى أطواره وصفاً دقيقاً جدّاً ، فقال أبو معبد : هذا والله صاحب قريش ، لقد هممت أن أصحابه ، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً .

وفي اليوم الثالث سمع أهل مكة صوتاً بدأ من أسفلها ومر حتى خرج من أعلاها ، وتبعوه فلم يروا شخصه يقول :

جزى الله رب  الناس خير جزائه                        رفيقين حــلا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالبـــر  وارتحلا به                 وأفلح مـن  أمسى رفيق  محمد

فيا لقصـي  ما زوى الله عنكم                 به من فعـال لا تجارى وسودد

ليهن بني كعـب  مكان فتاتهم                 ومقعدهــا للمؤمنين بمرصد

4- ثم لما جاوزا قديداً تبعهما سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، على فرس له ، طمعا في جائزة قريش ، فلما دنا منهم عثرت به فرسه حتى خر عنها ، ثم قام واستقسم بالأزلام : يضرهم أم لا ؟ فخرج الذي يكره ، ولكنه عصى الأزلام وركب حتى إذا دنا منهم بحيث يسمع قراءة رسول الله r وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات – ساخت يدا فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين وخر عنها ، ثم زجرها فنهضت فلم تكد تخرج يديها ، فلما استوت قائمة صار لأثر يديدها غبار ساطع في السماء مثل الدخان ، فاستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره ، وداخله رعب عظيم ، وعلم أن أمر رسول الله r سيظهر ، فناداهم بالأمان ، فوقفوا حتى جاءهم ، فأخبر النبي r بما قررته قريش ، وما يريد بهما الناس ، وعرض عليه الزاد والمتاع فلم يأخذ منه شيئاً ، وطلب منه أن يخفي أمره عن الناس ، واستكتبه سراقة كتاب أمن ، فأمر عامر بن فهيرة فكتبه في أديم ، ورجـع سراقة فقال لمن وجده في الطلب : قد استبرأت لكم الخبر ، قد كفيتم ما ههنا حتى أرجعهم .

وفي الطريق لقيه بريدة بن الحصيب الأسلمي t في سبعين راكباً فأسلم هو ومن معه ، وصلوا خلفه صلاة العشاء الآخرة .

ولقيهما في بطن ريم – اسم واد – الزبير بن العوام في ركب من المسلمين كانوا قافلين من الشام ، فكساهما الزبير ثياباً بياضاً .

النزول بقباء :

وفي يوم الاثنين – الثامن من شهر ربيع الأول سنة 14 من النبوة – وهي السنة الأولى من الهجرة – نزل رسول الله r – بقباء .

وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله r يخرجون كل غداة إلى الحرة ، حتى يردهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوماً بعد طول الانتظار ، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله r وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب ! هذا جدكم – أي حظكم – الذي تنتظرون ، فثار المسلمون إلى السلاح ، وسمعت فيهم الوجبة والتكبير فرحاً بقدوم رسول الله r وخرجوا للقائه بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف بقباء .

ولما نزل بقباء جلس صامتاً ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله r يحيى أبا بكر t ظناً منه أنه هو الرسول r لظهور الشيب في شعره حتى أصابت رسول الله r الشمس ، فظلل عليه أبو بكر بردائه ، فعرف الناس رسول الله r .

ونزل رسول الله r بقباء على كلثوم بن الهدم ، وقيل : على سعد بن خيثمة ، ومكث بها أربعة أيام ، أسس أثناءها مسجد قباء ، وصلى فيه ، فلما كان اليوم الخامس – يوم الجمعة – ركب بأمر الله ، وأبو بكر ردفه ، وأرسل إلى أخواله بني النجار ، فجاءوا متقلدين السيوف ، فسار نحو المدينة ، وهم حوله وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في بطن الوادي ، وهم مائة رجل .

الدخول في المدينة :

ثم اتجه نحو المدينة ، وقد زحف الناس للاستقبال ، وارتجت البيوت والسكك بالتحميد والتقديس ، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن :

طلــع البــدر علينــا          مــن ثنيــات الـوداع

وجــب  الشكر علينــا          مـا دعـــــا لله داع

أيهـا المبعــوث فينــا            جئـت بالأمــر المطـاع

وكان رسول الله r لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام ناقته يقولون : هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة ، فكان يقول لهم : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فلما وصلت الناقة إلى موضع المسجد النبوي بركت ، فلم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلاً ، ثم التفت ورجعت فبركت في موضعها الأول فنزل عنها ، فجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم ، وبادر أبو أيوب الأنصاري t فأدخل رحله في بيته ، فجعل رسول الله r يقول : المرء مع رحله ، وأخذ أسعد بن زرارة بزمام راحلته فكانت عنده .

وسابق سراة الأنصار في استضافة رسول الله r فكانت الجفان تأتيه منهم كل ليلة ، فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاث أو الأربع منها .

هجرة علي ولحوقه برسول الله r :

ومكث علي بن أبي طالب t بمكة بعد النبي r ثلاثاً ، وأدى ودائع كانت عند رسول الله r لأهل مكة ، ثم خرج ماشياً على قدميه حتى لحق رسول الله r بقباء ، ونزل على كلثوم بن الهدم .

هجرة أهل البيت :

ولما استقر رسول الله r بالمدينة أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة ، فقدما بفاطمة وأم كلثوم بنتي النبي r وبأم المؤمنين سودة ، وأم أيمن ، وأسامة بن زيد ، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر : أم رومان ، وأسماء ، وعائشة ، y وعنهن أجمعين وذلك بعد ستة أشهر من هجرة رسول الله r .

هجرة صهيب :

وهاجر صهيب بعد رسول الله r ولما أراد الهجرة حجزه المشركون ، فتخلى عن أمواله لهم – وكانت كثيرة – فخلوا سبيله ، فلما وصل المدينة ، وقص على النبي r قصته قال : ربح البيع أبا يحيى ! وأبو يحيى كنية صهيب t .

المستضعفون :

وحبس المشركون بعض المسلمين عن الهجرة ، وعذبوهم وفتنوهم عن دينهم ، منهم الوليد بن الوليد ، وعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاص ، فكان رسول الله r يدعو لهم في الصلوات ، ويدعو على من حبسهم من كفار قريش ، وهذا أصل القنوت ، وبعد حين قام بعض المسلمين بعمل بطولي جريء ، أخرجهم بذلك من قيد الكفار ، فهاجروا إلى المدينة .

مناخ المدينة :

ولما نزل المهاجرون بالمدينة أصابهم هم وحزن ، لفراقهم أرضهم وديارهم التي نشأوا بها وترعرعوا فيها ، فأخذوا يذكرون تلك الأرض ويحنون إليها ، وزاد ذلك شدة أن المدينة كانت من أوبأ أرض الله ، فلما نزلوا بها أصابتهم حمى وأنواع من المرض ، فدعا النبي r ربه U وقال : " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها ، وبارك في صاعها ومدها ، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة " . وأجاب الله دعاءه r فاستراح المسلمون من الأمراض ، وأحبوا المدينة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أعمال رسول الله r في المدينة المنورة

ركائز المجتمع الإسلامي :

ولما استقر النبي r بالمدينة المنورة بدأ ينسق الأمور دينياً ودنيوياً بجانب استمراره في الدعوة إلى الله .

1- المسجد النبوي :

وأول خطوة اتخذها في هذا السبيل هو بناء المسجد النبوي ، واشترى لذلك الأرض التي بركت بها ناقته ، وكانت لغلامين يتيمين ، وكانت مائة ذراع في مائة ذراع تقريباً ، وفيها قبور المشركين ، وخرب ونخل وشجرة من غرقد فنشبت القبور ، وسويت الخرب ، وقطعت الشجرة والنخل ، وصفت في قبلة المسجد ، وجعل الأساس قريباً من ثلاثة أذرع ، وأقيمت الحيطان من اللبن والطين ، وجعلت عضادتا الباب من الحجارة ، والسقف من الجريد ، والعمد من الجذوع ، وفرشت الأرض بالرمال والحصباء ، وجعلت له ثلاثة أبواب ، وكانت القبلة في الشمال إلى بيت المقدس ، وكان الرسول r ينقل الحجارة واللبن مع المهاجرين والأنصار ، ويرتجز ويرتجزون ، فيزيدهم ذلك نشاطاً .

وبنى بجانب المسجد حجرتين بالحجارة واللبن ، وسقفهما بالجريد والجذوع ، إحداهما لسودة بنت زمعة ، والثانية لعائشة رضي الله عنهما ولم يكن إذ ذاك متزوجاً غيرهما ، وقد بنى بعائشة رضي الله عنها بعد قدومها قريباً في شوال سنة 1هـ .

الأذان :

وبدأ المسلمون يحضرون للصلوات الخمس في جماعة ، ويتحينون أوقاتها ، فيتعجل بعضهم ويتأخر البعض ، فاستشار النبي r والمسلمون في علامة يعرفون بها حضور الصلاة ، فأشار بعضهم برفع النار ، وبعضهم بالنفخ في البوق ، وبعضهم بضرب الناقوس ، فقال عمر t : أو لا تبعثون رجلاً ينادي بـ " الصلاة جامعة " فقبل رسول الله r هذا الرأي وعمل به ، ثم إن عبد الله بن زيـد بن عبد ربه الأنصاري t رأى الأذان في المنام فجاء وأخبر النبي r فقال : إنها لرؤيا حق ، وأمره أن يلقي على بلال حتى ينادي بها ، لأنه أندى صوتاً منه ، فأذن بلال ، وسمع صوته عمر بن الخطاب t قجاء يجرر رداءه وقال : والله لقد رأيت مثله ، فتأكد بذلك الرؤيا ، وصار الأذان أحد شعار الإسلام منذ ذلك اليوم .

2- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار :

كان من سجايا الأنصار وكرمهم أنهم كانوا يتنافسون في إنزال المهاجرين واستضافتهم في بيوتهم ، وكانوا كما قال الله تعالى عنهم : چ ?  ?  ?  ?  ?  ?    ?  ?  ?  ?  ?   ?  ?  ?  ?   ?  ?  ?  ?  ?  ?   ?     ?    ? چ .

ثم زاد النبي r هذا الحب والإيثار قوة بعقد المؤاخاة بينهم وبين المهاجرين ، فجعل كل أنصاري ونزيله أخوين ، وكانوا تسعين رجلاً ، نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار ، فآخى بينهم على المؤاساة ، وأنهم يتوارثون فيما بينهم بعد الموت ، دون ذوي الأرحام ، ثم نسخ التوارث وبقيت المؤاخاة ، وكانت قد عقدت في دار أنس بن مالك t وعنهم أجمعين .

وكان من حب الأنصار لإخوانهم المهاجرين أنهم عرضوا نخيلهم على النبي r ليقسم بينهم وبين إخوانهم المهاجرين ، فأبى فقالوا : إذن تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة فقبل ذلك .

وكان سعد بن الربيع أكثر الناس مالاً ، فقال لأخيه المهاجر عبد الرحمن بن عوف : اقسم مالي نصفين ، ولي امرأتان ، فانظر أعجبهما إليك ، فسمها لي ، أطلقها ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها ، قال عبد الرحمن : بارك الله في أهلك ومالك . أين سوقكم ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع ، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ، وما هي إلا أيام حتى اكتسب مالاً ، وتزوج امرأة من الأنصار .

تأسيس المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية :

كانت هذه المؤاخاة ربطاً بين فرد من المهاجرين وبين فرد من الأنصار ، وحيث إن المسلمين صاروا – بعد اجتماعهم بالمدينة – أمة مستقلة فقد كانوا في حاجة إلى تنظيم اجتماعي ، وإلى تعريف بالواجبات والحقوق الاجتماعية ، وإلى إبراز النقاط التي تجعلهم أمة واحدة مستقلة عن الآخرين .

وكانت في المدينة طائفتان أخريان سوى المسلمين ، تختلفان عنهم في العقيدة والدين ، والمصالح والحاجات ، والعواطف والميول ، وهم المشركون واليهود ، فعقد النبي r فيما بين المسلمين ميثاقاً ، وفيما بينهم وبين المشركين وفيما بينهم وبين اليهود ميثاقاً آخر ، وكتب بذلك كتاباً قرر فيه :

1-             أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس .

2-     وأن أداء ديتهم وفداء أسيرهم بين المؤمنين يكون حسب العرف السابق ، وأنهم ينصرون المؤمنين في الفداء والدية .

3-             وأنهم يقومون ضد المفسد والباغي والظالم كيد واحدة ، ولو كان ولد أحدهم .

4-             وأنه لا يقتل مؤمن مؤمناً بكافر ، ولا ينصر كافر على مؤمن .

5-             وأن ذمة الله واحدة ، فيجير عليهم أدناهم .

6-             وأن من تبع المسلمين من اليهود فله النصر والأسوة .

7-             وأن سلم المسلمين واحدة .

8-             وأن من قتل مؤمناً قصداً يقتص منه ، إلا أن يرضى ولي المقتول ، ويجب على المؤمنين أن يقوموا ضد القاتل .

9-             وأنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثاً أو يؤويه .

10-        وأنهم إذا اختلفوا في شيء فإن مرده إلى الله ورسوله .

زيادة على هذا الميثاق بين النبي r للمسلمين حق الأخوة الإسلامية في أوقات ومناسبات شتى ، وحضهم على التعاون والتناصر ، والتعاضد والتكاتف ، والمؤاساة وإسداء الخير ، حتى سمت هذه الأخوة إلى أعلى قمة عرفها التاريخ .

وأمـا المشركون فكانوا على وشك الانهيار ، حيث أسلمت أغلبيتهم مع ساداتهم وكبرائهم ، فلم يكن في استطاعتهم الوقوف في وجه المسلمين ، فأخذ النبي r : " أنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً ، ولا يحول دونه على مؤمن " وبذلك انتهى ما كان يخشى منهم .

وأما اليهود فقد تم الاتفاق بينهم وبين النبي r على الأمور الآتية :

1-             أنهم أمة مع المؤمنين ، ولهم دينهم وللمسلمين دينهم ، وعليهم نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم .

2-             وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وعلى من دهم يثرب ، كل يدافع عن جهته .

3-             وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم .

4-             وأن المرء لا يؤخذ بإثم حليفه .

5-             وأن النصر للمظلوم .

6-             وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .

7-             وأن يثرب حرام لأهل هذه الصحيفة .

8-             وأن ما يكون بينهم من حدث أو اشتجار فإن مرده إلى الله ورسوله .

9-             وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها .

10-        وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم .

وبهذا الميثاق انتظم المسلمون والمشركون واليهود من سكان يثرب في كيان واحد ، وأصبحت المدينة وضواحيها دولة ذات استقلال وسيادة ، والكلمة النافذة فيها للمسلمين ، ورئيسها رسول الله r .

ونشط رسول الله r وتبعه المسلمون في الدعوة إلى الله ، فكان يحضر مجالس المسلمين وغير المسلمين ، يتلو عليهم آيات الله ، ويدعوهم إلى الله ، ويزكي من آمن منهم بالله ، ويعلمهم الكتاب والحكمة .

 

 

 

غزوة بدر الكبرى

وهي أول معركة فاصلة بين قريش والمسلمين ، وسببها أن رسول الله r كان بالمرصاد للعير التي فاتته إلى الشام حينما خرج إلى ذي العشيرة ، وأرسل لها رجلين إلى الحوراء من أرض الشام ليأتيا بخبرها ، فلما مرت بهما العير أسرعا إلى المدينة ، فندب لها رسول الله r المسلمين ، ولم يعزم عليهم الخروج ، فانتدب 313 رجلاً – وقيل 314 وقيل 317 رجلاً – 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين و61 من الأوس ، 170 من الخزرج ، ولم يتخذ هؤلاء أهبتهم الكاملة ، فلم يكن معهم إلا فرسان وسبعون بعيراً فقط .

وعقد رسول الله r لواء أبيض دفعه لمصعب بن عمير ، وكان للمهاجرين علم يحمله علي بن أبي طالب ، وللأنصار علم يحمله سعد بن معاذ ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، ثم أرسل مكانه من الروحاء أبا لبابة بن عبد المنذر .

وخرج رسول الله r من المدينة يريد بدراً ، وهو موضع على بعد 155 كيلومتراً جنوب غربي المدينة تحيط به جبال شواهق من كل جانب ، وليس فيه إلا ثلاثة منافذ ، منفذ في الجنوب ، وهو العدوة القصوى ، ومنفذ في الشمال وهو العدوة الدنيا ، ومنفذ في الشرق قريباً من منفذ الشمال يدخل منه أهل المدينة ، وكان طريق القوافل الرئيسي بين مكة والشام يمر من داخل هذا المحيط ، وكان فيه المساكن والآبار والنخيل فكانت تنزل القوافل ، وتقيم فيه ساعات وأياماً ، فكان من السهل جداً أن يسد المسلمون هذه المنافذ بعد ما تنزل العير في هذا المحيط ، فتضطر إلى الاستسلام ، ولكن من لوازم هذا التدبير أن لا يشعر أهل العير بخروج المسلمين إطلاقاً ، حتى ينزلوا ببدر على غرة ، ولذلك سلك رسول الله r أول ما سلك طريقاً آخر غير طريق بدر ثم تأنى في التقدم إلى جهة بدر .

أما العير فكان قوامها ألف بعير موقرة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ، وكان رئيسها أبا سفيان ، ومعه نحو أربعين رجلاً فقط ، وكان أبو سفيان في غاية التيقظ والحذر ، يسأل كل غاد ورائح عن تحركات المسلمين ، حتى علم بخروج المسلمين من المدينة ، وهو على بعد غير قليل من بدر ، فحول اتجاه العير إلى الغرب ليسلك طريق الساحل ، ويترك طريق بدر إطلاقاً ، واستأجر رجلاً يخبر أهل مكة بخروج المسلمين بأسرع ما يمكن ، فلما بلغهم النذير استعدوا سراعاً وأوعبوا في الخروج ، فلم يتخلف من كبرائهم إلا أبو لهب ، وحشدوا من حولهم من القبائل ولم يتخلف من بطون قريش إلا بنو عدي .

ولما وصل هذا الجيش إلى الجحفة بلغتهم رسالة أبي سفيان يخبرهم بنجاته ويطلب منهم العودة إلى مكة ، وهم الناس بالرجوع ولكن أبى ذلك أبو جهل استكباراً ونخوة ، فلم يرجع إلا بنو زهرة ، أشار عليهم بذلك حليفهم ورئيسهم الأخنس بن شريق الثقفي ، وكانوا ثلاثمائة ، أما البقية ، وهم ألف ، فواصلوا سيرهم حتى نزلوا قريباً من العدوة القصوى ، خارج بدر ، في ميدان فسيح ، وراء الجبال المحيطة ببدر .

أما رسول الله r فقد علم بخروج أهل مكة ، وهو في الطريق ، فاستشار المسلمين ، فقام أبو بكر فتكلم وأحسن ، ثم قام عمر فتكلم وأحسن ، ثم قام المقداد فقال : والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : چ ?  ?  ?  ?  ?  پ  پ  پ  پ?  ?   ?  ?  ?  ?   ?  ? چ ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك ، فأشرق وجه رسول الله r وسر بذلك .

ثم قال : أشيروا علي أيها المسلمون ، فقام سعد بن معاذ رئيس الأنصار وقال : كأنك تعرض بنا يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلـف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ، وقال فيما قال : والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك ، فسرَّ رسول الله r ثم قال : سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني انظر الآن إلى مصارع القوم .

ثم تقدم إلى بدر فوصلها في نفس الليلة التي وصل فيها المشركون فنزل في داخل ميدان بدر قريباً من العدوة الدنيا ، فأشار عليه الحباب بن المنذر أن يتقدم فينزل على أقرب ماء من العدو حتى يصنع المسلمون حياضاً يجمعون فيها الماء لأنفسهم ، ويغورون الآبار فيبقى العدو ولا ماء له ، ففعل .

وبنى المسلمون عريشاً يكون مقر قيادته r وعينوا له حراساً من شباب الأنصار تحت قيادة سعد بن معاذ .

ثم عبأ رسول الله r الجيش وتجول في ميدان القتال وهو يشير بيده ويقول : " هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ، غداً إن شاء الله " ، ثم بات يصلي إلى جذع شجرة ، وبات المسلمون مستريحين تغمرهم الثقة ، وكان الله قد أنزل المطر كما قال : چ ?  ?    ?  ?  ?  ?   ?  ?  چ  چ  چ  چ  ?  ?    ?   ?  ?  ?  ?  ?  ?   ?چ  .

وفـي الصباح – وهو صباح يوم الجمعة 17 من شهر رمضان سنة 2هـ - تراآى الجمعان ، فدعا رسول الله r : " اللهم هذه قريش ، قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم احنهم الغداة " ، ثم عدل الصفوف ، وأمرهم أن لا يبدؤوا بالقتال حتى يأتيهم أمره . وقال : إذا أكثبوكم – أي اقتربوا منكم – فارموهم ، واستبقوا نبلكم ، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم ، ثم رجع إلى العريش ، ومعه أبو بكر t فابتهل إلى الله سبحانه وتعالى ودعاه ، وناشده حتى قال : " اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد أبداً ، اللهم إن شئـت لم تعبد بعد اليوم أبداً " ، وبالغ في التضرع والابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فرده عليه الصديق وقال : حسبك يا رسول الله ألححت على ربك .

أما المشركون فاستفتح منهم أبو جهل فقال : اللهم أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرفه فاحنه الغداة ، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم .

المبارزة والقتال :

ثم تقدم ثلاثة من خيرة فرسان المشركين : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وبارزوا المسلمين ، فخرج ثلاثة من شباب الأنصار ، فقال المشركون : نريد بني عمنا ، فخرج عبيدة بن الحارث ، وحمزة ، وعلي ، فقتل حمزة شيبة وقتل علي الوليد واختلفت ضربتان بين عبيدة وعتبة وأثخن كل واحد منهما الآخر ، ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه ، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله ، فمات بعد أربعة أو خمسة أيام بالصفراء راجعاً إلى المدينة .

واستاء المشركون بنتيجة المبارزة ، واستشاطوا غضباً ، فهجموا على صفوف المسلمين بعنف ، وشدوا عليهم شدة رجل واحد ، والمسلمون ثابتون في أماكنهم يدافعون عن أنفسهم ، ويقولون : أحد . أحد .

وأغفى رسول الله r إغفاءة ، ثم رفع رأسه وقال : أبشر أبا بكر ، أتاك نصر الله ، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النقع – أي على أطرافه الغبار – وكان الله قد أمد المسلمين يومئذ بألف من الملائكة مردفين .

ثم تقدم رسول الله r يثب في الدروع ويتلو قوله تعالى : چ ?  ?   ?  ?چ وأخذ حفنة من الحصباء ، ورمى بها وجوه المشركين ، وهو يقول : شاهت الوجوه ، فما من مشرك إلا وأصاب عينيه ومنخريه من تلك الحفنة ، وعن ذلك يقول الله تعالى : چ پ  پ  پ  ?   ?  ?  ? چ .

ثم أمر رسول الله r المسلمين بالهجوم على المشركين ، وقال : شدوا . وحرضهم على القتال ، فشد المسلمون وهم على نشاطهم ، وقد زادهم تحمساً وجود رسول الله r فيما بين أظهرهم يقاتل قدامهم ، فأخذوا يقلبون الصفوف ، ويقطعون الأعناق ، ونصرهم الملائكة فكانوا يضربون فوق أعناق المشركين ، ويضربون منهم كل بنان ، فكان يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه ، وتندر يد الرجل لا يدري من قطعها ، حتى نزلت الهزيمة بالمشركين فلاذوا بالفرار ، وأخذ المسلمون يطاردونهم فيقتلون فريقاً ويأسرون فريقاً .

وكان إبليس قد حضر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم تأييداً للمشركين ، وتحريضاً لهم على قتال المسلمين ، فلما رأى الملائكة وما يفعلون نكص على عقبيه وفر إلى البحر الأحمر وألقى نفسه فيه .

مقتل أبي جهل :

وكان أبو جهل في عصابة جعلت سيوفها ورماحها حوله مثل السياج ، وكان في صفوف المسلمين حول عبد الرحمن بن عوف شابان من الأنصار لم يأمن عبد الرحمن مكانهما ، إذ قال له أحدهما سرّاً من صاحبه : يا عم أرني أبا جهل ، قال : وما تصنع به ؟ قال : أخبرت أنه يسب رسول الله r فوالذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا ، وقال الآخر : مثل ذلك فلما تصدعت الصفوف رآه عبد الرحمن يتجول فأراهما فابتداره بالسيف حتى قتلاه ، ضرب أحدهما ساقه فطاحت رجله كما تطير النوى حين تدق ، وأثخنه الآخر حتى تركه وبه رمق ثم انصرفا إلى رسول الله r وقال كل منهما : فنظر إلى السفين وقال : كلاكما قتله ، وهما معاذ ومعوذ ابنا عفراء ، وقد استشهد معوذ في نفس الغزوة ، وبقي معاذ إلى زمن عثمان ، وأعطاه رسول الله r سلب أبي جهل .

وبعد انتهاء المعركة خرج الناس في طلبه ، فوجده عبد الله بن مسعود وبه رمق ، فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته ليحتز رأسه وقال : هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ قال : وبماذا أخزاني ؟ هل فوق رجل قتلتموه ؟ وقال : فلو غير أكار قتلني ، ثم قال : أخبرني لمن الدائرة اليوم ؟ قال لله ولرسوله ، قال أبو جهل : لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم ! وقطع عبد الله بن مسعود رأسه ثم جاء به إلى رسول الله r فقال r : الله أكبر ، الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، وقال : هذا فرعون هذه الأمة .

يوم الفرقان :

كانـت هذه المعركة معركة بين الكفر والإيمان ، قاتل فيها الرجل عمه وأباه ، وابنه وأخاه ، وخاله وأدناه ، قتل فيها عمر بن الخطاب t خاله العاص بن هشام ، وواجه فيها أبو بكر ابنه عبد الرحمن ، وأسر فيها المسلمون العباس ، وهو عم رسول الله r وهكذا انقطعت فيها صلة القرابة ، وأعلى الله فيها كلمة الإيمان على كلمة الكفر ، وفرق بين الحق والباطل ، فسمي ذلك اليوم بيوم الفرقان ، وهو يوم بدر ، اليوم السابع عشر من شهر رمضان .

قتلى الفريقين :

قتل في هذه المعركة أربعة عشر رجلاً من المسلمين ، ستة من المهاجرين ، وثمانية من الأنصار ، ودفنوا في ساحة بدر ومقابرهم لا تزال معروفة .

أما المشركون فقتل منهم سبعون ، وأسر سبعون ، ومعظمهم كانوا من الصناديد ، وقد سحبت جثث أربع وعشرين من صناديدهم وقذفت في قليب – بئر – خبيث مخبث في بدر .

وأقام رسول الله r في بدر ثلاثة أيام ، فلما استعد للرجوع جاء القليب وقام على شفته ، وناداهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : يا فلان بن فلان ! ويا فلان بن فلان ! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقّاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّاً ؟

فقال له عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ، قال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكن لا يجيبون .

خبر المعركة في مكة والمدينة :

وصل نبأ الهزيمة إلى مكة بفلول المشركين ، فكبتهم الله وأخزاهم ، حتى نهوا عن النياحة على القتلى ، كيلا يشمت بهم المسلمون ، وكان الأسود بن المطلب قتل له ثلاثين بنين ، فكان يحب أن ينوح ، فسمع ليلاً صوت نائحة ، فظن الإذن ، وبعث غلامه ، فجاء وأخبر أنها تبكي على بعير أضلته ، فلم يتمالك أن قال :

أتبكي أن  يضل  لهـا بعير              ويمنعها  من  النوم  السهود

فلا تبكي على  بكر  ولكن             على بدر تقاصرت الجدود

وذلك في أبيات ندب فيها أبناءه :

أما أهل المدينة فقد أرسل إليهم رسول الله r بشيرين : عبد الله بن رواحة إلى العالية ، وزيد بن حارثة إلى السافلة ، وكان اليهود قد أرجفوا في المدينة بدعايات كاذبة ، فلما وصل نبأ الفتح عمت الفرحة والسرور ، واهتزت المدينة تهليلاً وتكبيراً ، وتقدم رؤوس المسلمين إلى طريق بدر يهنئون رسول الله r .

الرسول r إلى المدينة :

وتقدم الرسول r إلى المدينة متوجاً بنصر الله ، ومعه الغنائم والأساري ، فلما وصل قريباً من الصفراء نزل حكم الغنيمة ، فأخذ منها الخمس ، وقسمها سويّاً بين الغزاة ، فلما حل بالصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث ، فضرب عنقه علي بن أبي طالب ، ولما حل بعرق الظبية أمر بقتل عقبة بن أبي معيط ، فقتله عاصم بن ثابت الأنصاري ، وقيل : علي بن أبي طالب .

أمـا رؤوس المسلمين الذين خرجوا لتهنئة فلقوه r بالروحاء ثم رافقوه يشيعونه إلى المدينة ، فدخل فيها مظفراً منصوراً قد خافه كل عدو ، وأسلم بشر كثير وتظاهر عبد الله بن أبي وزملاؤه بالإسلام .

قضية الأسارى :

ولما استقر رسول الله r استشار في الأسارى ، فأشار أبو بكر بأخذ الفدية منهم ، وأشار عمر بقتلهم ، فقرر رسول الله r أخذ الفدية ، وكانت من أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألف درهم ، ومن كان منهم يقرأ ويكتب فجعل فديته أن يعلم عشرة غلمان من المسلمين ، وأحسن إلى بعض الأسارى فأطلقهم بغير فدية .

وبعثت زينب بنت رسول الله r في فداء زوجها أبي العاص بمال فيه قلادة لها ، كانت عند خديجة فأدخلتها بها على أبي العاص ، فلما رأها رسول الله r رق لها رقة شديدة ، فاستأذن الصحابة في إطلاقه بغير فدية ، ففعلوا ، فأطلقه بعد أن اشترط عليه أن يخلي سبيل زينب ، فخلاها فهاجرت إلى المدينة .

وفاة ابنته r رقية وزواج ابنته أم كلثوم بعثمان :

وكانت رقية بنت النبي r مريضة حين خرج لغزوة بدر ، وكانت تحت عثمان بن عفان t فأمره أن يتخلف عليها ليمرضها ، وله أجر من حضر بدرا ونصيبه ، وخلف عليها أيضاً أسامة بن زيد ، فتوفيت قبل رجوعه r قال أسامة : أتانا الخبر – أي بشارة الفتح – حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله r .

ولما استقر رسول الله r بالمدينة واطمأن بها زوج عثمان بن عفان t ابنته الأخرى : أم كلثوم ، فلذلك سمي عثمان t بذي النورين ، وقد بقيت معه حتى توفيت في شعبان سنة تسع من الهجرة ، ودفنت بالبقيع .

ساء المشركين ومن معهم ما أكرم الله به المسلمين من النصر والفتح ، فأخذوا يدبرون مكائد يضرون بها المسلمين ، وينتقمون منهم ، ولكن الله رد كيدهم في نحورهم وأيد المؤمنين بفضله .

نتائج معركة بدر :

1-             هي من الغزوات الفاصلة في التاريخ الذي أظهرت الحق وقضت على الباطل .

2-             أصبح للمسلمين قوة مستقلة وارتفعت منزلتهم بين القبائل العربية .

3-             قضت على هيبة قريش أمام القبائل العربية .

4-             ظهرت المعجزات الإلهية في غزوة بدر الكبرى .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غزوة أحد

بينما كانت قريش تستعد للانتقام من المسلمين بما أصيبت به في غزوة بدر إذا بهم يتلقون ضربة أخرى في القردة ، فازدادوا بها غضباً على غضب ، فأسرعوا في الاستعداد وفتحوا باب التطوع ، وحشدوا الأحابيش وخصصوا الشعراء للإغراء والتحريض ، حتى تجهز جيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل ، في ثلاثة آلاف بعير ومائتي فرس ، وسبعمائة درع ، ومعه عدد من النسوة للتحريض وبث روح البسالة والحماس ، وكان قائده العام أبا سفيان ، وحامل لوائه أبطال بني عبد الدار .

تحرك هذا الجيش في غيظه وغضبه حتى بلغ إلى ضواحي المدينة ، وألقى رحله في ميدان فسيح على شفير وادي قناة قريباً من جبل عينين وأحد ، وذلك يوم الجمعة السادس من شهر شوال سنة 3هـ .

ونقل الخبر إلى رسول الله r قبل نزول الجيش بنحو أسبوع ، فشكل دوريات عسكرية تحسباً للطوارئ ، وحفظاً للمدينة ، فلما وصل الجيش استشار المسلمين حول خطة الدفاع ، وكان رأيه r أن يتحصن المسلمون بالمدينة ، فيقاتل الرجال على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت ، ووافقه رأس المنافقين عبد الله بن أبي ، وكأنه قصد الجلوس في البيت دون أن يتهم بالتخلـف ، ولكن تحمس الشباب ، وألحوا على المجالدة بالسيوف في مكان مكشوف ، فقبل رأيهم ، وقسم الجيش إلى ثلاث كتائب ، كتيبة للمهاجرين ، وحمل لواءها مصعب بن عمير ، وأخـرى للأوس ، وحمل لواءها أسيد بن حضير ، وثالثة للخزرج ، وحمل لواءها الحباب بن المنذر .

واتجه بعد صلاة العصر إلى جبل أحد فلما بلغ موضع الشيخين استعرض الجيش فرد الصغار ، وأجاز رافع بن خديج على صغره ، لأنه كان ماهراً في رمي السهام ، فقال سمرة بن جندب أنا أقوى منه ، أنا أصرعه ، فأمرهما بالمصارعة ، فصرع سمرة رافعاً فأجازه أيضاً .

وفي موضع الشيخين صلى المغرب والعشاء ، ثم بات هناك ، وعين خمسين رجلاً لحراسة المعسكر ، فلما كان في آخر الليل ارتحل قبل الفجر فصلاها بالشوط ، وهناك تمرد عبد الله بن أبي فرجـع مع ثلاثمائة من أصحابه ، وسرى لأجل ذلك الضعف والاضطراب في بني سلمة وبني حارثة ، وكادتا ترجعان ، ولكن ثبتهما الله ، وكان أولاً مجموع عدد المسلمين ألفاً فبقـي سبعمائة .

وتقدم رسول الله r نحو جبل أحد من طريق قصير يترك العدو في جانب الغرب ، حتى نزل بالشعب عند منفذ الوادي ، جاعلاً ظهره إلى هضاب أحد ، وبذلك صار العدو حائلاً بين المسلمين وبين المدينة .

وهناك عبأ الجيش ، وعين خمسين رجلاً من الرماة على جبل عينين – وهو الذي يعرف بجبل الرماة – بقيادة عبد الله بن جبير الأنصاري ، وأمرهم أن يدفعوا الخيل ، ويحموا ظهور المسلمين ، وأكد لهم أن لا يتركوا مكانهم حتى يأتي أمره ، سواء انتصر المسلمون أو انهزموا .

وعبأ المشركون جيشهم ، وتقدموا إلى ساحة القتال ، تحرضهم نسوتهم ، وهن يتجولن في الصفوف ، ويضربن بالدفوف ويثرن الأبطال ، وينشدن الأبيات :

إن  تقبلوا  نعانق                ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق                فراق غير  وامق

ويذكرن أصحاب اللواء بواجبهم قائلات :

ويها بني عبد الدار               ويها حماة الأدبار               ضرباً بكل بتار

المبارزة والقتال :

وتقارب الجيشان فطلع طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء المشركين وأشجع فرسان قريش ، ودعا إلى المبارزة وهو على بعير ، فتقدم إليه الزبير بن العوام t ووثب وثبة الليث حتى صار معه على جمله ، ثم أخذه واقتحم به الأرض ، وذبحه بسيفه ، فكبر النبي r وكبر المسلمون .

ثم انفجر القتال في كل نقطة وحاول خالد بن الوليد – وهو على فرسان المشركين – ثلاث مرات ليبلغ إلى ظهور المسلمين ، ولكن رشقه الرماة بسهامهم حتى ردوه .

وركز المسلمون هجومهم على حملة لواء المشركين حتى قتلوهم عن آخرهم وكانوا أحد عشر مقاتلاً ، فبقى اللواء ساقطاً ، وشدد المسلمون هجومهم على بقية النقاط حتى هدوا الصفوف هدّاً وحسوا المشركين حسّاً ، وأبلى أبو دجانة وحمزة رضي الله عنهما في ذلك بلاءً حسناً .

وأثناء هذا التقدم والانتصار قتل حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله t قتله وحشي بن حرب ، وكان عبداً حبشياً ماهراً في قذف الحربة ، وقد وعده مولاه جبير بن مطعم بالعتق إذا قتل حمزة ، لأن حمزة هو الذي قتل عمه طعيمة بن عدي في بدر ، فاختبأ وحشي وراء صخرة يرصد حمزة ، وبينما حمزة يضرب رأس سباع بن عرفطة – رجل من المشركين – صوب وحشي إليه الحربة ، وقذفها ، وهو على غرة ، فوقعت في أحشائه ، وخرجت من بين رجليه فسقط ولم يستطع النهوض حتى قضى نحبه t .

ووقعت الهزيمة بالمشركين حتى لاذوا بالفرار ، وفرت النسوة المحرضات ، وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح ، ويأخذون الغنائم ، وحينئذ أخطأ الرماة ، فنزل منهم أربعون رجلاً ليصيبوا من الغنيمة ، على رغم ما كان لهم من الأمر المؤكد بالبقاء في أماكنهم ، وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة ، فانقض على العشرة الباقية بجبل الرماة حتى قتلهم ، واستدار هذا الجبل حتى وصل إلى ظهور المسلمين وبدأ بتطويقهم ، وصاح فرسانه صيحة عرفها المشركون فانقلبوا ، ورفعت لواءهم إحدى نسائهم فالتفوا حوله وثبتوا ، وبذلك وقع المسلمون بين شقي الرحى .

هجوم المشركين على رسول الله r وإشاعة مقتله :

وكان رسول الله r في مؤخرة المسلمين ، ومعه سبعة من الأنصار واثنان من المهاجرين ، فلما رأى فرسان خالد تطلع من وراء الجبل نادى أصحابه بأعلى صوت إلىّ عباد الله ! وسمع صوته المشركون – ولعلهم كانوا أقرب إليه من المسلمين – فأسرعت مجموعة منهم نحو الصوت ، وهاجمت رسول الله r هجوماً شديداً ، وحاولت القضاء عليه قبل أن يصل إليه المسلمون ، فقال r : من يردهم عنا وله الجنة ؟ أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فدفعهم ، وقاتلهم حتى قتل ، ثم رهقوه بأعاد قوله ، فتقدم رجل آخر فدفعهم وقاتلهم حتى قتل ، ثم الثالث ، ثم الرابع وهكذا حتى قتل السبعة .

ولما سقط السابع لم يبق حول رسول الله r إلا القرشيان طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص ، فركز المشركون حملتهم على رسول الله r حتى أصابته حجارة وقع لأجلها على شقه ، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى وجرحت شفته السفلى وهشمت البيضة على رأسه ، فشجت جبهته ورأسه ، وضرب بالسيف على وجنته فدخلت فيها حلقتان من حلق المغفر ، وضرب أيضاً بالسيـف على عاتقه ضربة عنيفة اشتكى لأجلها أكثر من شهر ، وكان قد لبس درعين فلم يتهتكا .

وقع كل هذا على رغم دفاع القرشيين الدفاع المستميت ، فقد رمى سعد بن أبي وقاص حتى نثل له رسول الله r كنانته وقال : أرم فداك أبي وأمي ، وقاتل طلحة بن عبيد الله وحده قتال مجموع من سبق ، حتى أصابه خمسة وثلاثون أو تسعة وثلاثون جرحاً ، ووقى بيده النبي r فأصيبت أصابعه حتى شلت ، ولما أصيبت أصابعه قال : حس ، فقال النبي r لو قلت : بسم الله ، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون .

وخلال هذه الساعة الحرجة نزل جبريل وميكائيل فقاتلا عنه اشد القتال ، وفاء إليه r عدد من المسلمين فدافعوا عنه أشد الدفاع ، وكان أولهم أبا بكر الصديق ، ومعه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما وتقدم أبو بكر لينزع حلقة المغفر عن وجه رسول الله r فألح عليه أبو عبيدة حتى نزعها هو ، فسقطت إحدى ثنيتيه ، ثم نزع الحلقة الأخرى فسقطت الثنية الأخرى ، ثم أقبلا على طلحة بن عبيد الله فعالجاه وهو جريح .

وأثناء ذلك وصل إلى رسول الله r أبو دجانة ومصعب بن عمير وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهم ، وتضاعف عدد المشركين أيضاً ، واشتدت هجماتهم ، وقام المسلمون ببطولات نادرة ، فمنهم من يرمي ، ومنهم من يدافع ، ومنهم من يقاتل ، ومنهم من يقي السهام على جسده .

وكان اللواء بيد مصعب بن عمير ، فضربوا على يده اليمنى حتى قطعت ، فأخذه بيده اليسرى ، فضربوا عليها حتى قطعت ، فبرك عليه بصدره وعنقه حتى قتل ، وكان الذي قتله هو عبد الله بن قمئة ، فلما قتله ظن أنه قتل رسول الله r ؛ لأن مصعباً كان يشبهه r ، فانصرف ابن قمئة وصاح : إن محمداً قد قتل ، وشاع الخبر بسرعة ، وبإشاعته تخفف هجوم المشركين ، إذ ظنوا أنهم أصابوا الهدف ، وبلغوا ما أرادوا .

 

موقف عامة المسلمين بعد التطويق :

ولما رأى المسلمون بداية عملية التطويق تشتتوا وارتبكوا ، ولم يصلوا إلى موقف موحد ، فمنهم من فر إلى الجنوب حتى بلغ المدينة المنورة ، ومنهم من فر إلى شعب أحد ولاذ بالمعسكر ، ومنهم من قصد رسول الله r وأسرع إليه ، فدافع عنه كما تقدم ، وبقي معظم المسلمين في دائرة التطويق ، ثابتين في أماكنهم ، يدفعون المطوقين ويقاتلونهم ، وحيث لم يكن بينهم من يقودهم بنظام فقد حصل في صفوفهم خبط وإرباك ، رجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم ، حتى قتل اليمان والد حذيفة بأيدي المسلمين أنفسهم ، فلما سمعوا خبر مقتل النبي r طار صواب طائفة منهم ، وخارت عزائمهم ، واستكانوا ، حتى تركوا القتال ، وتشجع آخرون وقالوا : موتوا على ما مات عليه رسول الله r .

وبينما هم كذلك إذ رأى كعب بن مالك رسول الله r وهو يشق الطريق إليهم ، فعرفه بعينيـه ، إذ كان وجهه تحت حلق المغفر والبيضة ، فنادى كعب بصوت عال : يا معشر المسلمين !! أبشروا ، هذا رسول الله r فبدأ المسلمون يرجعون إليه ، حتى تجمع حوله ثلاثون رجلاً من أصحابه ، فشق بهم الطريق بين المشركين ، ونجح في إنقاذ جيشه المطوق ، وسحبه إلى شعب الجبل ، وقد حاول المشركون عرقلة هذا الانسحاب ، ولكنهم فشلوا تماماً ، وقتل منهم اثنان أثناء هذه المحاولة .

وبهذه الخطة الحكيمة نجا المسلمون ، ولكن بعد أن دفعوا الثمن غالياً لما ارتكبه الرماة من الخطأ ومخالفة أمر رسول الله r .

في الشعب :

وبعدما خرج المسلمون من دائرة التطويق ، ونجحوا في التمكن من الشعب حصل بينهم وبين المشركين بعض المناوشات الخفيفة الفردية ، ولم يجترئ المشركون على التقدم والمواجهة العامة ، وإنما بقوا في الساحة قليلاً ، مثّلوا خلاله القتلى ، فقطعوا آذانهم وأنوفهم وفروجهم ، وبقروا بطونهم ، وبقرت هند بنت عتبة عن بطن حمزة حتى أخرجت كبده ، ولاكتها ، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ، واتخذت من الآذان والأنوف قلائد وخلاخيل .

وجاء أبي بن خلف متغطرساً إلى الشعب يزعم أنه يقتل رسول الله r ، فطعنه رسول الله r بحربة في ترقوته ، في فرجة بين الدرع والبيضة ، فتدحرج عن فرسه مراراً ، ورجع إلى قريش وهو يخور خوار الثور ، فلما بلغ سرف – قريباً من مكة – مات لأجله .

ثم جاء رجال من المشركين يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد ، وعلوا في بعض جوانب الجبل ، فقاتلهم عمر بن الخطاب ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ، وتفيد بعض الروايات أن سعد بن أبي وقاص t قتل ثلاثة منهم .

وبلغ عدد قتلى المشركين اثنين وعشرين وقيل : سبعة وثلاثين ، أما المسلمون فقد قتل منهم سبعون : 41 من الخزرج ، و24 من الأوس ، و4 من المهاجرين ، وواحد من اليهود ، وقيل غير ذلك .

وبعد المحاولة الأخيرة الفاشلة من أبي سفيان وخالد بن الوليد أخذ المشركون يستعدون للعودة إلى مكة .

أما رسول الله r فإنه لما تمكن من الشعب واطمأن فيه ، جاءه علي t بماء من المهراس – وهو ماء بأحد – ليشرب منه النبي r فوجد له ريحاً فلم يشرب منه ، بل غسل به الوجه ، وصبه على الرأس ، فأخذ الدم ينزف من الجرح ، ولا ينقطع ، فأحرقت فاطمة رضي الله عنها قطعة من حصير ، وألصقتـه ، فاستمسك الدم ، وجاء محمد بن مسلمة بماء سائغ فشرب منه ، ودعا له بخير ، وصلى الظهر قاعداً ، وصلى المسلمون معه قعوداً .

وجاءت نسوة من المهاجرين والأنصار ، فيهن عائشة ، وأم أيمن ، وأم سليم ، وأم سليط ، فكن يملأن القرب بالماء ، ويسقين الجرحى رضي الله عنهن أجمعين .

حوار وقرار :

ولما استعد المشركون للرجوع تماماً أشرف أبو سفيان على الجبل ، ونادى : أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أفيكم عمر بن الخطاب ؟ فلم يجيبوه ، وكـان النبي r هو الذي نهاهم عن الإجابة ، فقال أبو سفيان : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال : يا عدو الله ! إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله ما يسوءك .

فقال أبو سفيان : قد كان فيكم مثلة ، لم آمر بها ولم تسؤني ، ثم قال : أعل هبل ، فعلمهم النبي r الجواب ، فأجابوه : الله أعلى وأجل .

ثم قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم .

فعلمهم النبي r الجواب فأجابوه : الله مولانا ولا مولى لكم .

ثم قال أبو سفيان : أنعمت فعال ، يوم بيوم بدر ، والحرب سجال .

فقال عمر t : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار .

قال أبو سفيان : إنكم لتزعمون ذلك ، لقد خبنا إذن وخسرنا .

ثم دعاه أبو سفيان وقال : أنشدك الله يا عمر ! أقتلنا محمداً ؟

قال عمر t : لا ، وإنه ليستمع كلامك الآن .

قال : أنت أصدق عندي من ابن قمئة ، وأبر .

ثم نادى أبو سفيان : إن موعدكم بدر العام القابل .

فأمر رسول الله r أحد أصحابه أن يقول : نعم هو بيننا وبينك موعد .

رجوع المشركين وقيام المسلمين بتفقد الجرحى ودفن الشهداء :

ثم رجع أبو سفيان إلى جيشه ، وأخذ الجيش في الارتحال ، وقد ركب الإبل وجعل الخيل بالجنب ، كان هذا دليل قصدهم لمكة ، وكان من فضل الله على المسلمين ، إذ لم يكن بين المشركين وبين المدينة من يمنعهم عن الدخول فيها ، ولكن صرفهم الله الذي يحول بين المرء وقلبه .

فنزل المسلمون إلى ساحة القتال يتفقدون الجرحى والقتلى ، وقد نقل بعضهم بعض الشهداء إلى المدينة ، فأمر رسول الله r بردهم إلى مضاجعهم ، ودفنهم في ثيابهم ، بغير غسل ولا صلاة ، وقد دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد ، وربما جمع بين الرجلين في ثوب واحد ، وجعل بينهما الإذخر ، وقدم في اللحد من كان أكثر حفظاً للقرآن ، وقال : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة .

ووجدوا نعش حنظلة بن أبي عامر في ناحية فوق الأرض ، يقطر منه الماء ، فقال النبي r : إن الملائكة تغسله ، وكان من قصته أنه كان حديث عهد بعرس ، وكان معها إذ سمع المنادي ينادي للحرب ، فتركها ، وخرج إلى ساحة القتال ، وقاتل حتى قتل ، وهو جنب ، فغسلته الملائكة ، فسمي غسيل الملائكة .

وكفن حمزة في برد إن غطى رأسه بدت رجلاه ، وإن غطى رجلاه بدا رأسه ، فجعلوا على رجليه الإذخر ، وكذلك مصعب بن عمير .

إلى المدينة وفي المدينة :

ولما فرغ رسول الله r والمسلمون من دفن الشهداء ، والدعاء لهم ، رجعوا إلى المدينة ، وقد خرجت نسوة قتل أقاربهن ، فلقين رسول الله r في الطريق ، فعزاهن ودعا لهن ، وجاءت امرأة من بني دينار قتل زوجها وأخوها وأبوها ، فلما نعوا لها سألت عن رسول الله r فقالوا لها : إنه بحمـد الله كما تحبين ، فقالت : أرونيه ، فأشاروا لها ، فلما رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل : أي صغيرة .

وبات المسلمون في حالة الطوارئ ، يحرسون المدينة ، ويحرسون رسول الله r ، وهم منهكون من الجرح والتعب ، والحزن والألم ، ورأى رسول الله r أنه لابد من متابعة حركات العدو حتى يناجزه في الميدان لو حاول العودة إلى المدينة .

غزوة حمراء الأسد :

فلمـا أصبح نادى في المسلمين أن يخرجوا للقاء العدو ، ولا يخرج إلا من شهد القتال بأحد ، فقالوا : سمعاً وطاعة ، وساروا حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة ، وعسكروا هناك .

أما المشركون فكانوا نازلين بالروحاء ، على بعد ستة وثلاثين ميلاً من المدينة ، يفكرون ويتشاورون في العودة إليها ، ويتأسفون على ما فاتهم من الفرصة الصالحة .

وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي من المناصحين لرسول الله r ، فجاءه بحمراء الأسد ، وعزاه على ما أصابه في أحد ، فأمره رسول الله أن يلحق أبا سفيان ويخذله  فلحقهم بالروحاء ، وقد أجمعوا ليعودوا إلى المدينة ، فخوفهم أشد التخويف ، وقال : إن محمداً خرج في جمع لم أر مثله قط ، ولا أرى أن ترتحلوا حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة .

فلما سمعوا هذا خارت عزائمهم ، وانهارت معنوياتهم ، واكتفى أبو سفيان بحرب أعصاب دعائية ، إذ كلف من يقول للمسلمين : چ ?  ?  ?  ?  ?  ?  چ ، حتى لا يطارده المسلمون ، وعجل الارتحال إلى مكة .

أما المسلمون فلم يؤثر فيهم هذا الإنذار ، بل : چ ?  ?  ?  ?  ?  ?  ? چ ، وبقوا في حمراء الأسد إلى يوم الأربعاء ، ثم رجعوا إلى المدينة : چ ?  ?   ?  ?  ?  پ  پ  پ  پ   ?  ??  ?  ?  ?   ? چ .

نتائج غزة أحد :

1-             تخطيط المنافقين لإضعاف الروح المعنوية لدى المسلمين .

2-             القضايا الحربية تحتاج إلى حزم وعزم .

3-             تبين للرسول r المؤمن الصادق من الكافر المخادع .

4-             تضحية الصحابة وحبهم للرسول r في الدفاع عنه .

 

 

 

 

 

 

 

 

غزوة الأحزاب

كاد رسول الله r والمسلمون يتفرغون r لنشر دينهم ، وإصلاح أحوالهم ، بعد أن ساد الهدوء بفضل ما اتخذه رسول الله r من الخطط الحكيمة ، فلم يحصل بعد غزوة بني النضير أي مواجهة تذكر ، لفترة تجاوز سنة ونصف سنة ، ولكن تلك هي اليهود – الذين سماهم المسيح u : حيات وأولاد الأفاعي – لم يرقهم أن يستريح المسلمون ، فهم بعد ما استقروا بخيبر ، واطمأنوا بها أخذوا يدبرون المؤامرات ، ويتحركون وراء الستار ، حتى نجحوا في جلب جيش عرمرم من قبائل العرب ضد أهل المدينة .

يقول أهل السير : إن عشرين رجلاً من ساداتهم وزعمائهم خرجوا إلى قريش ، يحرضونهم على غزو المدينة ، ووعدوهم بالنصر ، فأجابت لهم قريش ، ثم ذهبوا إلى غطفان ، فأجابوا ، ثم طافوا في القبائل فأجاب عدد منهم ، ثم حركوا هؤلاء القوم جميعاً تحت خطة منسقة حتى يصل الجميع إلى أطراف المدينة في زمن واحد .

الشورى وحفر الخندق :

وبلغ خبر تجمعهم وتحركهم إلى المدينة ، فاستشار رسول الله r أصحابه ، فأشار سلمان الفارسي t بحفر الخندق ، فاستحسنوه واتفقوا عليه .

وحيث إن المدينة تحيط به اللابات أي الحرات – وهي الحجارة السود – من الشرق والغرب والجنوب ، ولا تصلح لدخول العساكر إلا جهة الشمال فإن رسول الله r اختار في تلك الجهة أضيق مكان بين الحرة الغربية والشرقية – وهو نحو ميل – فوصل الحرتين بحفر الخندق في هذا المكان ، وبدأ هذا الخندق في جهة المغرب من شمال جبل سلع ، ووصله في الشرق برأس ممتد من حجارة الحرة الشرقية عند أطم الشيخين .

وقد وكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا أربعين ذراعاً ، واشترك معهم رسول الله r في حفر الخندق ونقل التراب ، وكانوا يرتجزون فيجيب ، ويرتجز فيجيبون ، وقد كابدوا أثناء حفره أنواعاً من المشقة ، ولاسيما شدة البرد ، وشدة الجوع ، وكان يؤتي لهم بملء كف من الشعير ، فيصنع بدسم يفوح منها الريح ، فيأكلونه ، وهو يصعب مروره على الحلق ، وشكوا إلى رسول الله r الجوع ، وأروه على بطونهم حجراً حجراً كانوا قد ربطوه ، فأراهم على بطنه حجرين .

وقد وقعت أثناء الحفر بعض الآيات ، رأى جابر شدة الجوع في رسول الله r فلم يصبر ، فذبح بهيمة له ، وطحنت امرأته صاعاً من شعير ، ثم دعا رسول الله r سرّاً ، في نفر من أصحابه ، فقام رسول الله r بجميع أهل الخندق ، وهم ألف ، فأكلوا وشبعوا وما زالت البرمة تغط ، والعجين يخبز ، وذهبت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر لأبيه وخاله فبدده رسول الله r فوق ثوب ، ودعا أهل الخندق ، فأكلوا ورجعوا ، والتمر يسقط من أطراف الثوب .

وعرضت لجابر وأصحابه أثناء الحفر كدية شديدة ، فنزل رسول الله r وضربها بالمعول ، فعادت كثيباً أهيل ، أي رملاً لا يتماسك ، وعرضت لبراء وأصحابه صخرة ، فنزل رسول الله r وقال : بسم الله ، ثم ضرب ضربة بالمعول فقطع قطعة ، وخرج منها ضوء ، فقال : الله أكبر ، أعطيت مفاتيح الشام ، وإني لأنظر إلى قصورها الحمراء الساعة ، ثم ضرب الثانية وبشر بفتح فارس ، ثم الثالثة وبشر بفتح اليمن ، وانقطعت الصخرة .

بين طرفي الخندق :

وأقبلت قريش ومن تبعهم في أربعة آلاف ، ومعهم ثلاثمائة فرس ، وألف بعير ، يرأسهم أبو سفيان ، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري ، فنزلوا بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة ، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلاف ، فنزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد ، وكان قدوم هذا الجيش العرمرم إلى أسوار المدينة بلاء شديداً ومخيفاً جداً ، كما قال الله تعالى : چ ?  ?  ?  ڈ  ڈ  ژ   ژ  ڑ  ڑ  ک     ک  ک  ک   گ  گ  گ  گ ?  ?  ?    ?   ?  ?چ فثبت الله المؤمنين ، كما قال : چ ?  ?  ?  ?  ?    ?  ?  ?  ?  ?   ?  ?  ??  ?  ?  ?    ?      ? چ  أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض فقالوا : چ ?  ں  ں   ?  ?  ?   ?   ?  ?  ہ  ہ  ہ    ہچ .

واستخلف رسول الله r على المدينة ابن أم مكتوم ، وجعل النساء والذراري في الآطام ، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع وتحصنوا به ، والخندق بينهم وبين الكفار .

وبعد أن استقر المشركون وتهيأوا تقدموا نحو المدينة ، فلما اقتربوا من المسلمين فوجئوا بخندق عريض يحول بيهم وبين المسلمين ، فبهتوا ، وقال أبو سفيان : تلك مكيدة ما عرفتها العرب ، فأخذوا يدورون حوله في طيش وغضب ، يطلبون نقطة يعبرون منها ، والمسلمون يرشقونهم بالنبل ، حتى لا يقتربوا منه ، فيتمكنوا من الاقتحام ، أو من إهالة التراب وبناء الطريق عليه .

واضطر المشركون إلى فرض الحصار على المدينة ، بينما لم يكونوا مستعدين له ، إذ لم يكن ذلك في حسابهم عند الخروج ، فأخذوا يخرجون في النهار يحاولون عبور الخندق ، والمسلمون يجابهون لهم على طول الخط ، يناضلون ويرامون بالحجارة ، وقد كثف المشركون جهودهم مراراً ، وأداموها طول النهار ، واضطر المسلمون إلى الاستمرار في الدفاع ، حتى فاتت منهم ومن رسول الله r الصلوات ، ولم يتمكنوا من أدائها إلا بعد غروب الشمس ، أو قريباً من ذلك ، ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت حينذاك .

وفي أحد الأيام خرج نفر من فوارس المشركين فيهم عمرو بن عبد ود ، وعكرمة بن أبي جهل ، وضرار بن الخطاب ، وغيرهم ، فقصدوا مكاناً ضيقاً من الخندق ، واقتحموه ، وجالت بهـم خيلهم في الساحة التي بين الخندق وجبل سلع ، فخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين ، فحال بينهم وبين المكان الذي اقتحموا منه الخندق ، فدعا عمرو بن عبـد ود إلى المبارزة ، وكان جريئاً فاتكاً ، فأغضبه علي حتى نزل من الفرس ، فتجاولا وتصاولا حتى قتلـه علي ، وانهزم الباقون وقد ملأهم الرعب ، حتى ترك عكرمة رمحه ، وسقط نوفل بن عبد الله في الخندق فقتله المسلمون .

وأصيب أثناء المراماة عدد قليل من الطرفين ، وبلغ عدد قتلى المشركين عشرة ، وقتلى المسلمين ستة .

وأصيب سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله ، فدعا الله أن يبقيه إن كان قد بقي في حرب قريش شيء ، وإلا فيجعل موته في هذا الجرح ، ثم قال في دعائه : " ولا تمتني حتى تقر عيني من قريظة " .

غدر بني قريظة وأثره على سير الغزوة :

وكانت قريظة في عهد مع رسول الله r – وقد سبق ذكره – فجاء حيي بن أخطب سيد بني النضير ، أثناء هذه الغزوة ، إلى كعب بن أسد سيد بني قريظة فحسن له الغدر ، وأغراه على نقض العهد ، فنقض كعب العهد ، وقام إلى جانب قريش والمشركين .

وكانت قريظة في جنوب المدينة ، والمسلمون في شمالها ، ولم يكن من يحول بين قريظة وبين نساء المسلمين وذراريهم ، فكان الخطر عليهم شديداً ، وبلغ الخبر رسول الله r فأرسل مسلمة بن أسلم في مائتين وزيد بن حارثة في ثلاثمائة لحراسة ذراري المسلمين ، وأرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في رجال من الأنصار يستجلون له الخبر ، فوجدوا اليهود على أخبث ما يكونون ، فقد جاهروا بالسب والعداوة ، ونالوا من رسول الله r ، وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ، فرجعوا وقالوا لرسول الله r : عضل وقارة : " يعني أن قريظة على غدر كغدر عضل وقارة بأصحاب الرجيع " .

وتفطن الناس ، فاشتد خوفهم كما قال الله تعالى : چ ?  ?  ?  ڈ  ڈ  ژ   ژ  ڑ  ڑ  ک     ک  ک  ک   گ  گ  گ  گ ?  ?  ?    ?   ?  ?  ?  چ ، ونجم النفاق حتى قال بعضهم : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ، وقال آخرون : چ ?  ?  ہ  ہ  ہ    ہ چ  ، وقالت طائفة منهم : چ ے  ?     ?  ?  ?  ? چ ، وأراد فريق منهم الفرار فاستأذنوا النبي r وقالوا محتالين : چ ?  ?  ?    ?  ?   ? چ  .

قلق رسول الله r حين بلغه غدرهم ، فتقنع بالثوب واضطجع ، ومكث هكذا طويلا ، ثم نهض وقال : الله أكبر ، وبشر المسلمين بالفتح والنصر .

وأراد أن يرسـل إلى عيينه بن حصن ليصالحه على ثلث ثمار المدينة ، وينسحب هو بغطفان ، فأبى ذلك سيدا الأنصار : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، وقالا : كنا نحن وهؤلاء على الشرك ، ولم يطمعـوا أن يأكلوا منها ثمرة ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ؟ والله لا نعطيهم إلا السيف ، فصوب رأيهما .

تخاذل الأطراف ونهاية الغزة :

ولله في خلقه شئون ، فقد جاء أثناء هذه الظروف القاسية نعيم بن مسعود الأشجعي ، وهو من غطفان ، وكان صديقاً لقريش واليهود ، فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت ، فقال : أنت رجل واحد ، وماذا عسى أن تفعل ، ولكن خذل عنا ما استطعت ، فإن الحرب خدعة .

فذهب نعيم إلى قريظة ، فلما رأوه أكرموه ، فقال : تعرفون ودي لكم ، وخاصة ما بيني وبينكم ، وإني محدثكم حديثاً فاكتموه عني ، قالوا : نعم ، قال : قد رأيتم ما وقع لبني قينقاع ، والنضير ، وقد ظاهرتم قريشاً وغطفان ، وهم ليسوا مثلكم ، فالبلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره ، وأما بلدهم وأموالهم ونساؤهم فبعيدة ، فهم إن أصابوا فرصة انتهزوها وإلا لحقوا ببلادهم ، وتركوكم ومحمداً ينتقم منكم كيف يشاء ، قالوا : فما العمل ؟ قال : لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن .

قالوا : لقد أشرت بالرأي .

ثم توجه نعيم إلى قريش واجتمع برؤسائهم ، وقال : تعلمون ودي لكم ونصحي إليكم ، قالوا : نعم . قال : فإني محدثكم حديثاً فاكتموه عني ، قالوا : نفعل ، قال : فإن يهود قد ندموا على نقضهـم عهد محمد ، وخافوا أن ترجعوا وتتركوهم معه ، فراسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن ، ويدفعونها إليه ، ثم يوالونه عليكم ، فرضي بذلك ، فاحذروهم ، وإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم ، ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك .

وبهذا التدبير الحكيم تشككت النفوس وتشققت ، وأرسل أبو سفيان وفداً إلى قريظة يدعوهم إلى القتال غداً ، فقالوا : إن اليوم يوم السبت ، ولم يصبنا ما أصابنا إلا من التعدي فيه ، ثم إنا لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهائن منكم ، لكي لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم ، فقالت قريش وغطفان : صدقكم والله نعيم ، وأرسلت قريش إلى اليهود تقول لهم : لا نرهنكم أحداً ، وأخرجوا للقتال ، فقالوا : صدقكم والله نعيم ، فخارت عزائم الفريقين وتخاذلوا .

أما المسلمون فكانوا يدعون : " اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا " ، وابتهل رسول الله r إلى ربـه U : " اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، أهزم الأحزاب ، اللهم أهزمهم وزلزلهم " .. فأرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً من الملائكة ، فزلزلوهم وقذفوا في قلوبهم الرعب ، وكفأت الريح قدورهم ، وقلعت خيامهم ، وضربهم البرد القارس حتى لم يقر لهم قرار ، وبدءوا يتهيأون للرحيل .

وأرسل رسول الله r حذيفة t إليهم ، ليأتي بخبرهم ، فذهب ودخل بينهم ، ثم رجع ، ولم يجد مس البرد ، بل كأنه كان في حمام – الذي يغتسلون فيه بالماء الحميم أي الحار – فلما رجع أخبر برحيل القوم ونام ، فلما أصبح المسلمون رأوا ساحة القتال من جهة الكفار ليس فيها داع ولا مجيب ، فقد چ ?  ?  چ    چ  چ  چ    ?   ??  ?  ?  ?  ??   ?  ?  ڈ  ڈ چ .

كانت بداية هذه الغزوة في شوال سنة 5هـ ، ونهايتها بعد نحو شهر في ذي القعدة ، وكانت أكبر محاولة قام بها أعداء الإسلام لضرب المدينة ، وللقضاء عليها ، وعلى الإسلام والمسلمين ، ولكن الله خيبهم ، ورد كيدهم في نحورهم ، وكان فشلهم بمجموع هذه القوات يعني أن الطوائف الصغيرة والمتفرقة أولى أن لا تجترئ على التوجه إلى المدينة ، وقد أخبر بذلك النبي r فقالا : الآن نغزوهم ، لا يغزونا ، نحن نسير إليهم .

 

 

 

نتائج غزوة الخندق :

1-             كانت من الغزوات التي أفقدت قريش هيبتها .

2-             معركة الخندق لم تكن معركة خسائر وإنما معركة أعصاب نصر الله بها المسلمين .

3-             بالرغم من العداوة التي بين قريش واليهود إلا أنه يجمعهم هدف واحد هو القضاء على الإسلام والمسلمين .

4-             حفر الخندق كان وسيلة حربية لم تعرفها الجزيرة العربية .

5-             ظهور شخصية الرسول r ومعجزاته النبوية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غزوة بني قريظة

ورجع رسول الله r من الخندق ونزع السلاح والثياب ، وبينما هو يغتسل في بيت أم سلمة جاءه جبريل u ، وأمره بالنهوض إلى بني قريظة ، وقال : إني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم ، وأقذف في قلوبهم الرعب ، ثم سار في موكبه من الملائكة .

أمـا رسول الله r فأعلن في الناس : من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ، وقدمه في جماعة إليهم ، فلما رأوه سبوا الرسول r وقالوا قبيحاً ، وبادر المسلمون في الخروج ، وأدركت بعضهم العصر في الطريق فمنهم من صلى ، ومنهم من أخر حتى وصل إلى بني قريظة ، وخرج رسول الله r في موكب المهاجرين والأنصار حتى نزل على بئر من آبارهم اسمها : " أنا " .

وألقى الله في قلوبهم الرعب ، فتحصنوا في حصونهم ، ولم يجترءوا على القتال ، وحاصرهم المسلمون بشدة ، فلما طال عليهم الحصار أرادوا أن يستشيروا بعض حلفائهم من المسلمين ، فطلبوا من رسول الله r أن يرسل إليهم أبا لبابة ليستشيروه ، فأرسله ، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم ، وقالوا : أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم . وأشار بيده إلى حلقه ، يريد أنه الذبح ، ثم تنبه أنه بإشارته هذه خان الله ورسوله ، فمضى على وجهه حتى أتى المسجد النبوي ، وربط نفسه بسارية من سواريه ، وحلف أن لا يحله إلا رسول الله r بيده ، فلما بلغ رسول الله r خبره قال : أما إنه لو جاءني لاستغفرت له ، أما إذا فعل ما فعل فنتركه حتى يقضي الله فيه .

ومع طول الحصار انهارت معنويات بني قريظة ، حتى نزلوا بعد خمس وعشرين ليلة على حكم رسول الله r ، فاعتقل الرجال ، وجعل النساء والذراري بمعزل عنهم في ناحية ، وطلب حلفاؤهم الأوس أن يحسن إليهم ، كما فعل ببني قينقاع حلفاء الخزرج ، فقال : ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى . قال : فذاك إلى سعد بن معاذ ، قالوا : قد رضينا .

وكـان سعد في المدينة للجرح الذي أصابه أثناء غزوة الخندق ، فجاءوا به راكباً على حمار ، فلما قرب من رسول الله r قال : قوموا إلى سيدكم ، فقاموا إليه ، وأحاطوا به من جانبيـه ، يقولون : يا سعد ! أحسن في مواليك ، وهو ساكت لا يجيب ، فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم ، فلما سمعوا ذلك رجع بعضهم إلى المدينة ونعى إليهم القوم .

ولما نزل سعد ، وأخبر بنزول قريظة على حكمه ، حكم فيهم أن يقتل الرجال ، وتسبى الذرية ، وتقسم الأموال ، فقال رسول الله r : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ، وقد كان هذا الحكم أيضاً طبقاً لشريعة اليهود ، بل أرفق وأرحم من حكم شريعتهم .

وعلى إثر هذا القضاء الذي قضى به سعد بن معاذ أتى ببني قريظة إلى المدينة ، فحبسوا في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار ، وحفرت لهم خنادق في سوق المدينة ، ثم ذهب بهم إلى هذه الخنادق أرسالاً أرسالاً ، وضربت أعناقهم فيها ، وكانوا أربعمائة ، وقيل : ما بين الستمائة إلى السبعمائة .

وقتل معهم حيي بن أخطب سيد بني النضير ، وكان من زعماء اليهود العشرين الذين حرضوا قريشاً وغطفان على غزوة الأحزاب ، ثم كان قد جاء إلى قريظة ، وأغراهم على نقض العهد ، حتى غدروا بالمسلمين في أحرج ساعة من حياتهم ، وكانوا قد اشترطوا عليه أن يكون معهم ، يصيبه ما يصيبهم ، فكان معهم في حصونهم أثناء الحصار والاستسلام حتى قتل .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غزوة بني المصطلق ، وهي غزوة المريسيع

بنو المصطلق فرع من قبيلة خزاعة ، وكانت عامة بطون خزاعة ممالئين لرسول الله r ناصحين له ، ولكن كان هذا الفرع منها ممالئاً لقريش ، وقد نقل إلى رسول الله r أنهم يستعدون لقتاله ، فبعث بريدة بن الحصيب لتحقيق هذا الخبر ، فتأكد لديه صحته ، فاستعمل على المدينة زيد بن حارثة ، وقيل : غيره ، وأسرع في الخروج إليهم ، ليباغتهم بالهجوم ، ومعه سبعمائة من الصحابة ، وكان بنو المصطلق نازلين على ماء يسمى بالمريسيع من ناحية قديد إلى الساحل ، فأغار عليهم وهم غارون ، فقتل بعضهم ، وسبى ذراريهم ، وأخذ أموالهم ، وذلك لليلتين من شعبان سنة 6هـ ، وقيل : 5هـ ، وكان في السبي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار رئيس بني المصطلق ، فلما قدم r المدينة أعتقها وتزوجها بعد أن أسلمت ، فأعتق المسلمون مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا ، وقالوا : أصهار رسول الله r ، فكانت أعظم النساء بركة على قومها .

تلك هي غزوة بني المصطلق بإيجاز ، ليس فيها ما يستغرب ، لكن وقعت خلالها حادثتان مؤلمتان استغلهما المنافقون لإثارة الفتن والاضطراب في المجتمع الإسلامي ، وحتى في البيت النبـوي :

1- الأولى : قول رأس المنافقين : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .

وسبب ذلك أن رجلاً من حلفاء المهاجرين وآخر من حلفاء الأنصار ازدحما على ماء المريسيع ، فضرب المهاجري الأنصاري ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، واجتمع ناس من الطرفين ، فبادرهم رسول الله r وقال : " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ دعوها فإنها منتنة " ، فعاد الناس إلى رشدهم ورجعوا .

وكانت جماعة من المنافقين قد خرجت في هذه الغزوة ، لم تخرج من قبل ، ومعهم رئيسهم عبد الله بن أبي ، فلما بلغه الخبر استشاط غضباً ، وقال : أوقد فعلوها ، قد نفرونا وكاثرونها في بلادنا ، والله ما عُدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قـال الأول : سمن كلبك يأكلك ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، أراد بالأعز نفسه ، وبالأذل رسول الله r – العياذ بالله – وأخذ يدبر لذلك الفتن ، حتى قال لرفقائه : هذا ما فعلتم بأنفسكـم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم لتحولوا إلى غير داركم .

وكان معهم حينما قال ما قال شاب مؤمن قوي الإيمان : زيد بن أرقم لم يصبر على هذا الهراء حتى أبلغ الخبر رسول الله r ، فدعا r ابن أبي ، وسأله عن ذلك ، فحلف أنه لم يقل شيئاً مما بلغه ، فأنزل الله سورة المنافقين ، وفضحه إلى يوم الدين .

وكان ابن هذا المنافق – واسمه أيضاً عبد الله – مؤمناً خالصاً ، فوقف على نقب المدينة مستلاًّ سيفه ، وقال لأبيه رأس المنافقين : والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله r ، فإنه العزيز وأنت الذليل ، وبلغ ذلك رسول الله r فارسل إليه أن يأذن له ، فخلى سبيله ، وبهذه الحكمة انتهت هذه الفتنة .

2- الحادثة الثانية : قول المنافقين بالإفك .

وحديث ذلك أن النبي r نزل في عودته من تلك الغزوة منزلاً حين دنا من المدينة ، ثم آذن بالرحيل ليلاً ، وكانت معه عائشة رضي الله عنها ، فخرجت لحاجتها ، فلما رجعت التمست صدرها فرأت أنها فقدت عقدها ، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه حتى وجدته ، وارتحل الجيش ، وحملوا هودجها على بعيرها ظنّاً منهم أنها فيه ، ولم ينكروا خفة الهودج لكونهم جماعة ، ولكونها خفيفة ، ورجعت عائشة إلى منازلهم فلم تجد أحداً ، فقعدت هناك على أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها إلى هذا المكان ، فغلبت عيناها حتى نامت .

وكان أحد الصحابة – وهو صفوان بن المعطل السلمي – t قد بات من وراء الجيش ، وكـان كثير النوم فلم يستيقظ إلا مؤخراً ، فسلك سبيل الجيش ، فلما تقدم رأى سواد إنسان نائم ، فلما قرب منه عرف أنها عائشة ، لأنه كان رآها قبل الحجاب ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، زوجة رسول الله r ؟ لم يقل كلمة غير ذلك ، واستيقظت عائشة رضي الله عنها بسماع صوته ، فخمرت وجهها بجلبابها ، وقرب صفوان راحلته ، وأناخها فركبت ، وأمسك هو زمام الناقة يمشي أمامها ، حتى وصل إلى الجيش ، وهم نازلون في نحر الظهيرة .

ولما رأى ذلك عدو الله ابن أبي وجد متنفساً من كرب النفاق والحقد ، فاتهمها بالفجور إفكاً وزوراً ، وأخذ يستحكي ذلك ، ويستوشيه ، ويجمعه ويفرقه ، ويشيعه ويذيعه ، وكان أصحابه يتقربون به إليه ، فلما قدموا المدينة أفاضوا فيه ، حتى انخدع عدد من المؤمنين .

ومرضت عائشة رضي الله عنها حين قدمت المدينة ، وطال مرضها نحو شهر ، فكانت المدينة تموج بقول أهل الإفك ، وهي لا تعلم شيئاً ، وإنما كان يريبها أنها لم تكن ترى اللطف الذي كانت تراه من رسول الله r حين تشتكي ، فكان r يدخل عليها فيسلم ويقول : كيف تيكم ؟ ثم يرجع ولا يجلس عندها .

وكـان r طوال هذه الفترة ساكتاً لا يتكلم ، فلما استلبث الوحي طويلاً استشار أصحابه ، فأشار علي بن أبي طالب بفراقها تلويحاً ، وأشار أسامة وغيره بإمساكها ، وأنها كالتبر الخالص ، فقام r على المنبر واستعذر من رجل بلغ أذاه في أهله – وكانت الإشارة إلى عبد الله بـن أبي – فأظهر سيد الأوس رغبته في قتله ، فأخذت الحمية سيد الخزرج ، لأن ابن أبي كان منهم ، فتثاور الحيان حتى خفضهم رسول الله r .

وخرجت عائشة رضي الله عنها ذلك اليوم لحاجتها ليلاً ، وقد نقهت من المرض ، ومعها أم مسطح ، فعثرت في مرطها ، فدعت على ابنها مسطح ، فاستنكرت ذلك عائشة ، فأخبرتها الخبر ، وأن ابنها ممن يقول بقولهم ، فرجعت عائشة فاستأذنت رسول الله r وأتت أبويها ، فلما تأكد لديها الخبر جعلت تبكي وتبكي حتى بكت ليلتين ويوماً ، لم تكتحل أثناءها بنوم ، ولم يرقأ لها دمع ، حتى ظنت وظن أبواها أن البكاء فالق كبدها .

وجاءها رسول الله r صباح الليلة الثانية فجلس وتشهد وقال : أما بعد ، يا عائشة ! فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه .

وحينئذ قلص دمعها ، وقالت لكل من أبويها أن يجيبا ، فلم يدريا ما يقولان ، فقالت : والله لقد علمت لقد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، فلئن قلت لكم إني بريئة – والله يعلم أني بريئة – لا تصدقونني ، ولئن اعترفت لكم بأمر – والله يعلم أني منه بريئة – لتصدقني ، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف : چ ژ  ژڑ   ڑ  ک    ک  ک  ک  گ  چ .

ثم تحولت واضطجعت ، ونزل الوحي ساعته ، فسري عن رسول الله r وهو يضحك ، فكانـت أول كلمة تكلم بها أن قال : " يا عائشة ! أما الله فقد برأك " ، فقالت لها أمها : قومي إليه ، فقالت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله .

والذي أنزله الله تعالى في براءتها عشر آيات في سورة النور بداية من قوله تعالى : چ ?       ?  ?  ?  ?  پپ  پ  پ  ?  ??  ?  ?   ?  ??  ?    ?  ?  ?  ٹ  ٹ   ٹٹ  ?  ?   ?    ?  ?     ?  ? چ  إلى آخر الآية العشرين .

ثم خرج رسول الله r إلى الناس فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل الله من براءتها ، فلما نزل أمر برجلين وامرأة من المؤمنين الخالصين فجلدوا ، كل واحد ثمانين جلدة ، وهم : حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، زلت أقدامهم فأفاضوا في الإفك ، وأما رأس المنافقين الذي تولى كبره ، ورفقته ، فلم يعاقبوا في هذه الحياة الدنيا ، ولكنهم سيقفون بين يدي الله يوم الدين ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

الهدف من الإفك :

1-             تحديد حد القذف 80 جلدة .

2-             الهدف من الإفك ظهور العصبية القبلية .

3-             بيان أن الرسول r بشر يمكن أن يتسرب الشك إلى نفسه .

 

 

 

 

عمرة الحديبية

الخروج للعمرة والنزول بالحديبية :

أري رسول الله r في المنام ، وهو في المدينة ، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ، فأخبر بذلك المسلمين ، وأخبر أنه يريد العمرة ، واستنفر الأعراب الذين حوله ، فأبطأوا ، وظنوا أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً ، وتخلصوا قائلين : شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا .

وخرج رسول الله r يوم الاثنين غرة ذي القعدة سنة 6هـ ، في ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار ، وساق معه الهدي ، ليعلم الناس أنه لم يخرج محارباً بل معتمراً ، فلما بلغ ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة .

ثم سار حتى بلغ عسفان ، فجاءه عينه ، وأخبره أن قريشاً مجمعون على القتال ، وصد المسلمين عن البيت الحرام ، وكانت قريش قد نزلوا بذي طوى ، وأرسلوا خالد بن الوليد في مائتي فارس إلى كراع الغميم ، قريباً من عسفان ، ليسد الطريق النافذ إلى مكة ، وجمعوا الأحابيش ليعينوهـم ، فاستشار رسول الله r هل يهاجم على أهالي المجتمعين من الأحابيش ، أو يقصد البيت ، فمن صده يقاتله ؟ فقال أبو بكر t : جئنا معتمرين ، لا مقاتلين ، فمن حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، فقبل النبي r هذا الرأي .

ورأى خالد المسلمين في صلاة الظهر ، وهم يركعون ويسجدون فقال : لقد كانوا على غرة ، لو كنا حملنا عليهم ، ثم قرر أن يهجم أثناء صلاة العصر ، فأنزل الله صلاة الخوف بين الظهر والعصر ففاتته الفرصة .

وأخذ رسول الله r طريقاً آخر غير طريقهم ، فسلك ذات اليمين من أسفل مكة ، حتى بلغ ثنيـة المرار مهبط الحديبية ، فلما بلغها بركت ناقته ، فزجروها فلم تقم فقالوا : خلأت القصواء ، فقال : ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل ، ثم قال : والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ، ثم زجرها فوثبت ، فتقدم حتى نزل بالحديبية .

وجاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة – وكانوا ناصحين لرسول الله r فأخبره أن قريشاً مستعدون لقتاله وصده عن البيت الحرام ، فأخبره رسول الله r أنه ما جاء إلا للعمرة ، وما جاء للقتال ، وأنه مستعد للهدنة والصلح ، ولكن إن أبت قريش إلا القتال فإنه يقاتلهم حتى تقطع عنقه ، أو ينفذ الله أمره .

بين رسول الله r وقريش :

ولما رجع بديل أبلغ ذلك قريشاً ، فأرسلوا مكرز بن حفص ، فقال له رسول الله r مثل ما قال لبديل ، فأرسلوا سيد الأحابيش : الحليس بن عكرمة ، فلما أشرف على المسلمين قال لهم رسول الله r : هذا من قوم يعظمون الهدي فابعثوه ، ففعلوا واستقبلوه يلبون ، فلما رأى الحليس ذلك قال : سبحان الله ، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ، أتحج لخم وجذام وحمير ، ويمنع عن البيت ابن عبد المطلب ؟ هلكت قريش ورب البيت ، إن القوم أتوا معتمرين ، فلما سمعت قريش منه ذلك قالوا : اجلس إنما أنت أعرابي ، لا علم لك بالمكايد .

ثـم أرسوا عروة بن مسعود الثقفي ، فجاء وكلم ، فقال له رسول الله r مثل ما قال لبديل ، فقال : أي محمد ! أرأيت لو استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى ، أي الهزيمة بك ، فإني أرى حولك أوباشاً من الناس جديرون أن يتركوك ويفروا ، فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات ، أنحن نفر عنه ! فلم يستطع أن يرد على أبي بكر ، لإحسان أبي بكر إليه من قبل .

وكان عروة يأخذ لحية النبي r حين يكلم ، فكان المغيرة بن شعبة يضرب يده بنعل السيف ويقول : أخر يدك عن لحية رسول الله r ، فقال له عروة : أي غدر ! ألست أسعى في غدرتك .

وكان المغيرة ابن أخي عروة ، وكان قتل قوماً وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فلم يقبل منه رسول الله r إلا الإسلام ، وكان عروة يسعى في ذلك ، فأشار بغدرته إلى هذه القضية .

ورأى عروة تعظيم الصحابة للنبي r ، فلما رجع قال لقريش : أي قوم ! لقد وفدت على الملوك : على كسرى وقيصر والنجاشي ، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .

وخلال المفاوضات تسلل في الليل طائفة من شباب قريش الطائشين : سبعون أو ثمانون ، فهبطوا من جبل التنعيم إلى معسكر المسلمين ، وأرادوا بذلك القضاء على محاولات الصلح ، ولكن المسلمين ألقوا عليهم القبض ، ثم أطلقهم النبي r وعفا عنهم ، فكان له أثره على إلقاء الرعب في قلوب قريش ، وميلهم إلى الصلح ، وفي ذلك أنزل الله قوله تعالى : چ?   ?  ?   ?  ?  پ  پ  پ  پ  ?   ?  ?  ?  ? چ .

عثمان بن عفان رسولاً إلى قريش ، وبيعة الرضوان :

وحينئذ قرر رسول الله r إرسال رسول إلى قريش يؤكد لهم أنه ما جاء إلا للعمرة ، فأرسل عثمان بن عفان t ، وأمره أيضاً أن يأتي المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات بمكة ، فيبشرهم بقرب الفتح ، وأن الله مظهر دينه ، حتى لا يستخفي في مكة أحد بالإيمان .

ودخل عثمان t في مكة في جوار أبان بن سعيد الأموي ، فبلغ الرسالة وعرضوا عليه أن يطوف بالبيت ، فأبى أن يطوف ورسول الله r ممنوع .

وحبسـت قريش عثمان t ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم ، ثم يرسلوه مع الجواب ، وشاع بين المسلمين أنه قتل ، وقُتل الرسول يعني الإعلان عن الحرب ، فلما سمع رسول الله r ذلك قال : لا نبرح حتى نناجز القوم ، ودعا الناس وهو تحت شجرة ، أن يبايعوه على القتال ، فثار الناس إليه ، وبايعوه – بحماس – على الموت ، وعلى أن لا يفروا ، وأخذ رسول الله r إحدى يديه بالأخرى ، وقال : هذه عن عثمان ، ولما انتهت البيعة جاء عثمان t وأنزل الله في فضل هذه البيعة : چ ک  ک  ک  گ   گ  گ  گ  ?  ? چ ومن هنا سميت هذه البيعة ببيعة الرضوان .

عقد الصلح :

وسمعت قريش بهذه البيعة فداخلهم رعب عظيم ، وأسرعوا بإرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح ، فجاء ، وتكلم طويلاً حتى قبل منه رسول الله r الشروط الآتية :

1-     أن الرسول r يرجع مع المسلمين هذا العام ، ولا يدخل مكة ، ويدخلها العام القابـل ، فيقيم بها ثلاثة أيام ، ولا يكون معه من السلاح إلا السيف في القراب .

2-             توضع الحرب بين الفريقين عشر سنين .

3-             من أراد أن يدخل في عهد محمد r دخل فيه ، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه .

4-     من التجأ من قريش إلى المسلمين يرده المسلمون إلى قريش ، ومن التجأ من المسلمين إلى قريش لا ترده قريش إلى المسلمين .

ثم دعا عليّاً وأملى عليه أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال سهيل : ما ندري ما الرحمن ، اكتب : باسمك اللهم ، فأمره رسول الله r أن يكتب ذلك ، ثم أملى : هذا ما صالح عليه محمـد رسول الله ، فقال سهيل : لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله ، فقال : إني رسول الله وإن كذبتموني ، وأمر عليّاً أن يمحو ذلك ، ويكتب محمد بن عبد الله ، فامتنع علي عن المحو ، فمحاه r بيده الشريفة ، وكتبت نسختان ، نسخة لقريش ، ونسخة للمسلمين .

قضية أبي جندل :

وبينما الكتاب يكتب جاء أبو جندل – وهو ابن سهيل بن عمرو ممثل قريش في هذا الصلـح – وهو يحجل في قيوده ، فطلب سهيل رده ، فقال النبي r إنا لم نقض الكتاب بعد ، فقال : إذن لا أقاضيك ، فقال r : " فأجزه لي " قال : لا ، وضرب سهيل أبا جندل ، وصاح أبو جندل : يا معشر المسلمين ! أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فقال r : اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً " ، وأغرى عمر بن الخطاب أبا جندل ليقتل أباه سهيلاً فلم يفعل .

حل المسلمين من العمرة وحزنهم على قضية الصلح :

ولما فرغ رسول الله r من قضية الكتاب قال للمسلمين : قوموا فانحروا ، فما قام أحد ، حتى قالها ثلاث مرات فما قام أحد ، فدخل على أم سلمة وذكر لها ذلك ، فأشارت أن يقوم هو فينحر بدنه ويحلق رأسه ، ولا يكلم أحداً ، ففعل ، وقد نحر جملاً لأبي جهل كان في أنفه برة من فضـة ، ليغيظ به المشركين ، فلما رأى الناس قاموا فنحروا وحلقوا ، وكاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً ، وقد نحروا الإبل عن سبعة والبقرة عن سبعة .

وكان حزن المسلمين لسببين اثنين : الأول رجوعهم بغير عمرة ، والثاني عدم المساواة بين الطرفين ، فالمسلمون يردون من جاء إليهم ، وقريش لا يردون ، فطمأنهم رسول الله r عن الأول بأنهم سوف يعتمرون العام القادم ، فالرؤيا صادقة ، وفي هذا الجزء من الصلح مراعاة لمشاعر الفريقين ، وطمأنهم عن الثاني بأن من ذهب منا إليهم فقد أبعده الله ، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً .

وكان قوله r هذا مبنيّاً على نظره البعيد ، فإن جماعة من المسلمين لما تزل في الحبشة ، ولم يكن ينطبق عليهم هذا العهد ، فكان يمكن اللجوء إليهم للمحبوسين في مكة ، لكن ظاهر العهد كان في صالح قريش ، فلم يزل له أثر شديد في أعماق مشاعر المسلمين ، حتى جاء عمر بن الخطاب ، وقال : يا رسول الله ! ألسنا على حق وهم على باطل ؟ قال : بلى ، قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى ، قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ قال : يا ابن الخطاب ! إني رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري ولن يضيعني أبداً .

ثم انطلق عمر متغيظاً إلى أبي بكر فقال له ما قال لرسول الله r ، وأجابه أبو بكر بما أجاب به رسول الله r ثم قال لعمر : فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق .

ثم أنزل الله تعالى : چ ?      ?  ?  ?  ?چ الآيات ، فأرسل رسول الله r إلى عمر ، فاقرأه إياها فقال : يا رسول الله ! أو فتح هو ؟ قال : نعم ، فطابت نفسه ، ورجع .

ثم ندم عمر على ما فرط منه ، فعمل لأجله أعمالاً : لم يزل يتصدق ويصوم ويصلي ويعتق حتى رجا الخير .

 

 

 

غزة خيبر

وفي المحرم سنة سبع من الهجرة خرج رسول الله r إلى خيبر ، وجاء من تخلف عن الحديبية ليؤذن له فنادى في الناس أن لا يخرجوا معه إلا رغبة في الجهاد ، أما الغنيمة فلا يعطى لهم منه شيء ، فلم يخرج معه إلا أصحاب الشجرة ، كانوا ألفاً وأربعمائة ، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري .

ثم سلك الجادة المعروفة الموصلة إلى خيبر ، حتى إذا كان في منتصف الطريق تقريباً اختار طريقاً آخر يوصله إلى خيبر من جهة الشام ، ليحول بينهم وبين فرارهم إلى الشام .

وبات الليلة الأخيرة قريباً من خيبر ، ولم تشعر به اليهود ، فلما أصبح صلى الفجر بغلس ، ثم ركب هو والمسلمون متجهين إلى مساكن خيبر ، أما اليهود فقد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ليعملـوا في أرضهم وهم لا يعلمون ، فلما رأوا الجيش رجعوا هاربين يقولون : محمد ، والله محمد والخميس ، فقال النبي r : " الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " .

وخيبر على بعد 171 كيلومتراً شمالي المدينة وكانت مساكنها منقسمة إلى ثلاثة أشطر : النطاة ، والكتيبة ، والشق ، فالنطاة ثلاثة حصون : حصن ناعم ، وحصن الصعب بن معاذ ، وحصن قلعة الزبير ، والشق حصنان : حصن أبي ، وحصن النزار ، والكتيبة ثلاثة حصون : حصن القموص ، وحصن الوطيح ، وحصن السلالم .

وكانت في خيبر حصون وقلاع أخرى صغيرة لم تكن تبلغ مبلغ هذه الحصون في القوة والمناعة .

فتح النطاة :

عسكر رسول الله r شرقي حصون النطاة بعيداً عن مدى النبل ، وبدأ القتال بفرض الحصار على حصن ناعم ، وكان حصناً منيعاً ، رفيعاً صعب المرتقى ، وكان خط الدفاع الأول لليهود ، وفيه بطلهم مرحب الذي كان يعد بألف رجل ، فوقعت المراماة بين الفريقين أياماً ، ثم بشرهم رسول الله r بالفتح ، وقال : " لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " ، فبات المهاجرون والأنصار كلهم يتمنى أن يعطاها ، فلما أصبح قال : أين علي ؟ قالـوا : هو يشتكي عينيه ، فأرسل إليه فأتى به ، فبصق في عينه ، ودعا له ، فبرئ ، كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم .

وكان اليهود قد نقلوا نساءهم وذراريهم إلى حصن الشق ليلاً ، وقرروا البروز للقتال في ذلك الصباح ، فلما ذهب إليهم علي t وجدهم متجهزين للقتال ، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورفضوا ، ودعا مرحب إلى المبارزة ، وهو يخطر بسيفه ويقول :

قد علمت خيبر أني مرحب             شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الحروب  أقبلت  تلهب

فبرز له عامر بن الأكوع ، وهو يقول :

قد علمت خيبر أني عامـر             شاكي السلاح بطل مغامر

فاختلفا ضربتين ، فوقع سيف مرحب في ترس عامر ، فذهب عامر ليتناول بسيفه ساق اليهودي ، وكان سيفه قصيراً ، فلم يصل إليه ، بل رجع إلى عامر فأصاب ركبته ، فمات بسببه فيما بعد ، فقال النبي r فيه : إن له لأجرين ، إنه لجاهد مجاهد ، قل عربي مشى بها – أي بالأرض – مثله .

أما مرحب فبرز له علي وهو يرتجز :

أنا الذي سمتني أمي  حيـدره                   كليث غابات كريه المنظـره

أوفيهم بالصاع كيل السندره

وضرب رأس مرحب فقتله ، ثم خرج أخوه ياسر يدعو إلى المبارزة ، فبرز له الزبير بن العوام , وألحقه بأخيه ، ثم دار القتال المرير ، قتل فيه عدد من سراة اليهود ، وانهارت معنوياتهم ، فانكشفوا عن مواقفهم ، وتبعهم المسلمون حتى دخلوا الحصن بالقوة ، وانهزم اليهود إلى الحصن الذي يليه ، وهو حصن الصعب ، وقد غنم المسلمون من حصن ناعم كثيراً من الطعام والتمر والسلاح .

ثم حاصر المسلمون حصن الصعب تحت قيادة الحباب بن المنذر ، ودام الحصار ثلاثة أيام ، وفي اليوم الثالث دعا رسول الله r بالفتح والغنيمة ، ثم ندب المسلمين بالهجوم فهاجموا بشدة ، ووقع البراز والقتال ، ودارت معركة عنيفة انتهت بهزيمة اليهود ، وافتتح المسلمون الحصن قبل أن تغرب الشمس ، فوجدوا فيه غنائم كثيرة من الطعام ، وكان أكثر الحصون طعاماً وودكاً ، وأعظمها غناء للمسلمين ، وكان المسلمون قبل ذلك في مجاعة شديدة حتى ذبح ناس الحمر ، فنهى رسول الله r عن لحومها ، وأمر بالقدور فأكفئت ، وهي منصوبة على النيران تطبخ فيها تلك اللحوم .

ولاذ اليهود بقلعة الزبير وتحصنوا فيها ، وهي ثالث الحصون وآخرها في شطر النطاة ، أما المسلمون ففرضوا عليهم الحصار ، وفي اليوم الرابع دل يهودي على جداول ماء كان يستقي منها اليهود فقطعها المسلمون عنهم ، فخرجوا وقاتلوا قتالاً شديداً ، ثم انهزموا إلى شطر الشق وتحصنوا بحصن أبي .

فتح الشق :

وتبعهم المسلمون حتى حاصروهم ، فخرجوا مستعدين لأشد القتال ، وبرز أحد أبطالهم يطلب المبارزة فقتل ، ثم برز آخر فقتل ، قتله أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ، فلما قتله أسرع إلى اقتحام القلعة ، واقتحم معه المسلمون ، فجرى القتال داخل القلعة ساعة ، ثم فر اليهود إلى الحصن الثاني : حصن النزار ، وهو آخر الحصنين في هذا الشطر ، وغنم المسلمون في حصن أبي أثاثاً كثيراً ومتاعاً وغنماً وطعاماً .

ثم تقدموا وحاصروا حصن النزار ، وكان على رأس جبل لا سبيل إليه ، وقد تمنع أهله أشد التمنع ، وكانوا على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحامه ، ولذلك أقاموا فيه مع الذراري والنساء ، وقاوموا أشد المقاومة ، رمياً بالنبل والحجارة ، فنصب المسلمون المنجنيق ، فوقع في قلوبهم الرعب ، وهربوا إلى شطر الكتيبة دون أن يعانوا شدة تذكر ، ووجد المسلمون غنائم فيها أواني من نحاس وفخار ، فقال r اغسلوها واطبخوا فيها .

فتح الكتيبة :

وتقدم المسلمون إلى حصن القموص ، أول حصون الكتيبة ، فحاصروه أربعة عشر يوماً أو عشرين يوماً .

ثم يقال : إن اليهود طلبوا الأمان .

ويقال : إن المسلمين فتحوا الحصن عنوة ، وفر اليهود إلى الحصنين الباقين : الوطيح والسلالم ، فلما سار إليهما المسلمون ليحاصروهما طلب اليهود الأمان على أن يخرجوا من خيبر وأراضيها بنسائهم وذراريهم ، فعاهدهم على ذلك ، وسمح لهم بأن يأخذوا من الأموال ما حملت ركابهم ، إلا الصفراء والبيضاء – أي الذهب والفضة – والكراع والحلقة – أي الخيل والسلاح – وتبرؤ منهم الذمة إن كتموا شيئاً ، ثم سلموا الحصون الثلاثة أو الحصنين ، فغنم المسلمون مائة درع ، وأربعمائة سيف ، وألف رمح ، وخمسمائة قوس عربية ، وصحفاً من التوراة أعطوها لمن طلبها .

وغدر بالعهد كنانة بن أبي الحقيق وأخوه ، فغيبا كثيراً من الذهب والفضة والجواهر ، فبرئت منهما الذمة ، وقتلا لغدرتهما ، وكانت صفية بنت حيي بن أخطب تحت كنانة ، فجعلت في السبي .

قتلى الفريقين :

وبلغ عدد القتلى من اليهود ثلاثة وتسعين قتيلاً ، أما المسلمون فقيل : 15 ، وقيل : 16 ، وقيل : 18 .

قدوم مهاجري الحبشة وأبي هريرة وأبان بن سعيد :

ولما رجع مهاجرو الحبشة مع عمرو بن أمية الضمري ، حامل كتاب رسول الله r إلى النجاشي ، اتجه طائفة منهم إلى خيبر ، وهم ستة عشر رجلاً فيهم جعفر بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري y أجمعين فوافوا رسول الله r حين فتح خيبر ، وقبل أن يقسمها ، فقبل r جعفراً وقال : " والله ما أدري بأيهما أفرح ؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر " ، ولما قسم خيبر أعطاهم من الغنيمة ، وأما بقية مهاجري الحبشة فذهبوا مع نسائهم وذراريهم إلى المدينة رأساً .

ووافاه أيضاً بخيبر بعد أن تم الفتح أبو هريرة t ، وكان قد جاء إلى المدينة بعد خروجه r إلى خيبر ، فأسلم ، ثم استأذن وخرج إلى خيبر ، فأعطاه رسول الله r من غنيمة خيبر .

ووافاه بعد الفتح أيضاً أبان بن سعيد ، وكان قد خرج بسرية إلى نجد ، فلما قضى مهمته جاء إلى خيبر ، ولم يعط له ولأصحابه من غنيمة خيبر .

قسمة خيبر :

ولما حصل اليهود على الأمان جاءوا باقتراح جديد قبل أن يتم جلاؤهم ، قالوا : يا محمد ! دعنا في هذه الأرض ، نصلحها ونقوم عليها ، فنحن أعلم بها منكم ، وتعطينا نصف ما يخرج منها من الثمر والزرع ، فرضي بذلك على أن يجليهم منها متى شاء ، فبقوا على ذلك حتى أجلاهم عمر بن الخطاب t حين سلكوا طريق الشر والخبث .

وقسم رسول الله r خيبر على ستة وثلاثين سهماً ، كل سهم مجموع مائة سهم ، فعزل منها النصف ، وهو ثمانية عشر سهماً لنوائب المسلمين ، وقسم النصف الباقي ، وهو أيضاً ثمانية عشر سهماً ، على الغزاة ، فأعطى للراجل سهماً ، وللفارس ثلاثة أسهم ، سهماً له وسهمين لفرسه ، وكان الفوارس مائتين ، فصارت لهم ستة أسهم ، والرجالة ألفا ومائتين فصار لهم اثنا عشر سهماً .

وكانت خيبر غنية بالتمر والطعام ، قالت عائشة رضي الله عنها : لما فتحت خيبر قلنا : الآن نشبع من التمر ، ورد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من النخيل بعدما رجعوا من خيبر إلى المدينة .

شاة مسمومة :

وبعدما عاد الهدوء ، وذهب الخوف عاد اليهود إلى خبثهم ، وتآمروا على قتل النبي r ، فأهدوا إلى رسول الله r شاة مسمومة بواسطة امرأة سلام بن مشكم : أحد كبرائهم ، وقد علمت أن رسول الله r يعجبه الذراع ، فأكثرت السم فيه ، وتناول منه رسول الله r ولاكها ، ثم لفظها وقال : إنها شاة مسمومة ، وسأل المرأة واليهود فاعترفوا بجريمتهم ، وقالوا : قلنا : إن كان ملكاً نستريح منه ، وإن كان نبيّاً لا يضره ، فعفا عنهم وعن المرأة ، ثم إن بشر بن البرء بن معرور مات من أجل هذا السم فأمر بقتل المرأة قصاصاً .

 

 

 

معركة مؤتة [ جمادى الأولى سنة 8هـ ]

سبق في ذكر كتب رسول الله r إلى الملوك والأمراء أن شرحبيل بن عمرو الغساني كان قد قتل الحارث بن عمير t ، حامل كتاب رسول الله r إلى عظيم بصري ، وكان ذلك بمثابة إعلان الحرب ، فلما بلغ ذلك رسول الله r اشتد عليه ، فجهز جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل ، وأمر عليهم زيد بن حارثة ، وقال : إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة ، وعقد لواءً أبيض حمله زيد بن حارثة .

وأوصاهـم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير فيدعوهم إلى الإسلام ، فإن أبوا قاتلوهم ، وقال : اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ن لا تغدروا ، ولا تغلوا ، ولا تقتلوا وليداً ، ولا امرأة ، ولا كبيراً فانياً ، ولا منعزلاً بصومعة ، ولا تقطعوا نخلاً ، ولا شجرة ، ولا تهدموا بناءً .

وشيع الجيش إلى ثنية الوداع ، ثم ودعه ، فسار الجيش حتى نزل معان – بجنوب الأردن – فبلغهم أن هرقل نازل بمآب في مائة ألف من الروم ، وانضم إليهم من متنصرة العرب مائة ألف ، فتشاوروا ليلتين هل يكتبون ذلك إلى رسول الله r ويطلبون منه المدد ، أم يقدمون على الحرب ؟ فشجعهم ابن رواحة بأن الذي تكرهونه – وهي الشهادة – إنما خرجتم تطلبونه ، ونحن ما نقاتل بعدد ولا قوة ولا كثرة ، إنما نقاتل بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، وما هي إلا إحدى الحسنيين ، إما الظهور وإما الشهادة ، فقالوا : صدق والله ابن رواحة ، فتقدموا ونزلوا بمؤتة ، وتعبؤوا وتهيؤوا للقتال .

ودار معركة عنيفة ورهيبة ، وعجيبة في تاريخ البشر : ثلاثة آلاف مقاتل يواجهون جيشاً عرمرماً – مأتي ألف – ويصمدون في وجهه ، وهذا الكم الهائل من المدججين بالسلاح يهجم عليهم طول النهار ، ويفقد كثيراً من أبنائه وأبطاله ، ولا ينجح في دحرهم .

أخذ راية المسلمين زيد بن حارثة فقاتل وقاتل ، ثم قاتل وقاتل حتى شاط في رماح القوم ، وخر شهيداً في سبيل ربه ، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل وقاتل ، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء وعقرها ، ثم قاتل حتى قطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله ، فلم يزل رافعاً لها حتى قطعت شماله ، فاحتضنها بعضديه حتى أبقاها تخفق في جو السماء ، إلى أن قتل بعد أن أصابته بضع وتسعون من طعنة ورمية ، كل ذلك فيما أقبل من جسده ، وجاءت نوبة عبد الله بن رواحة فأخذ الراية وتقدم ، واقتحم عن فرسه المعمعة ، ثم لم يزل يقاتل حتى قتل .

وحتى لا تسقط الراية أخذها ثابت بن أرقم وقال للمسلمين : اصطلحوا على رجل ، فاصطلحوا على خالد بن الوليد ، وبذلك انتقلت الراية إلى سيف من سيوف الله ، وتقدم خالد بن الوليد فقاتل قتالاً منقطع النظير حتى انقطعت في يده تسعة أسياف ، وأخبر رسول الله r أصحابه بالمدينة في نفس اليوم بمقتل القواد الثلاثة ، وبانتقال القيادة إلى خالد بن الوليد ، وسماه سيفا من سيوف الله .

وبانتهاء النهار رجع الفريقان إلى مقرهما ، فلما أصبحوا غير خالد t ترتيب العسكر ، فجعل الساقة مقدمة ، والمقدمة ساقة ، والميسرة ميمنة ، والميمنة ميسرة ، فظن العدو أن المدد قو وصل للمسلمين فداخله الرعب ، وبعد مناوشة خفيفة بدأ خالد يتأخر بالمسلمين ، فلم يجترئ العدو على التقدم ، خوفاً من أن تكون خدعة ، فانحاز المسلمون إلى مؤتة ، ومكثوا سبعة أيام يناوشون العدو ، ثم تحاجز الفريقان وانقطع القتال ، لأن الروم ظنوا أن الإمدادات تتوالى على المسلمين ، وأنهم يكيدون بهم ليجروهم إلى الصحراء حيث لا يمكنهم التخلص ، وبذلك كانت كفة المسلمين راجحة في هذه الغزوة .

وقتل في هذه الغزوة اثنا عشر رجلاً من المسلمين ، أما عدد قتلى العدو فلم يعرف ، إلا أنهم قتلوا بكثرة .

 

 

 

 

 

 

 

الفتح الأعظم ( فتح مكة المكرمة )

السبب والاستعداد والإخفاء :

وفـي رمضان سنة 8 من الهجرة فتح الله تعالى لرسوله r مكة المكرمة ، وهو الفتح الأعظم ، أعز الله به دينه ورسوله ، وأنقذ به بيته وبلده ، واستبشر به أهل السماء ، ودخل به الناس في دين الله أفواجاً .

وسببه أن بني بكر دخلوا مع قريش في عهد الحديبية ، وكانت بينهم وبين خزاعة دماء وثأرات في الجاهلية اختفت نارها بظهور الإسلام ، فلما وقعت هدنة الحديبية اغتنمها بنو بكر ، وأغاروا في شهر شعبان سنة 8هـ على خزاعة ليلاً ، وهم على ماء يقال له : الوتير ، فقتلوا منهم ما يربو على عشرين ، وطاردوهم إلى مكة حتى قاتلوهم فيها ، وأعانتهم قريش سرّاً برجال وسلاح .

وكانت خزاعة قد دخلت مع المسلمين في عهد الحديبية ، وكان قد أسلم عدد منهم ، فأبلغوا رسول الله r الخبر ، فقال : والله لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه .

وأحست قريش بسوء فعلتها ، وخافت نتائجها ، فأسرعت بإرسال أبي سفيان إلى المدينة ليشد العقد ويزيد في المدة ، فلما جاء المدينة نزل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها ، وأراد أن يجلس على فراش رسول الله r فطوته عنه ، فقال : يا بنية ! أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني ؟ قالت : هو فراش رسول الله r ، وأنت مشرك نجس ، قال : والله لقد أصابك بعدي شر .

ثم جـاء رسول الله r فكلمه فلم يرد شيئاً ، فذهب إلى أبي بكر ليكلم رسول الله r فقال : ما أنا بفاعل ، فأتى عمر فأبى ، وشدد في الكلام ، فأتى عليّاً فاعتذر ، وأشار عليه أن يجير بين الناس ويرجع ، ففعل .

أمـا رسول الله r فتجهـز للغزو ، وأمر أصحابـه بذلك ، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة ، وكتم الخبر ، ودعا الله : " اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش ، حتى نبغتها في بلادها " .

وزيادة في الكتمان أرسل أبا قتادة t في أوائل رمضان إلى بطن إضم ، على بعد ستة وثلاثين ميلاً من المدينة ، ليظن الظان أنه يريد هذه الناحية .

وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بمسير رسول الله r إليهم ، وأعطاه امرأة على جعل ، فأتى رسول الله r الخبر من السماء ، فارسل عليّاً والمقداد والزبير ومرثداً الغنوي ، وقال : انطلقوا إلى روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها ، فأتوها وطلبوا منها الكتاب ، فقالت : ما معي كتاب ، فقالوا : لتخرجن الكتاب أو لنجردنك ، فأخرجته من عقاصها ، فأتوا به رسول الله r ، فقال : ما هذا يا حاطب ؟ فاعتذر بأن له في مكة أهلاً وعشيرة وولداً ، وليست له فيهم قرابة يحمونهم لأجلها ، فأراد أن يتخذ عندهم يداً يحمون بها أهله ، ولم يفعله ارتداداً عن الإسلام ، ولا رضً بالكفر ، فقال عمر : دعني يا رسول الله اضرب عنقه ، فإنه قد خان الله ورسوله ، وقد نافق ، فقال r : " إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ، فذرفت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم .

في الطريق إلى مكة :

ولعشر من رمضان سنة 8هـ غادر رسول الله r المدينة ، متجهاً إلى مكة ، ومعه عشرة آلاف من المسلمين ، واستعمل على المدينة أبا رهم الغفاري .

ولما بلغ الجحفة لقيه عمه العباس مع أهله مسلماً مهاجراً ، وبالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث ، وابن عمته عبد الله بن أبي أمية فأعرض عنهما ، لأنه كان يلقى منهما شدة الأذى والهجو ، فقالت له أم سلمة : لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك ، وقال علي لأبي سفيان : ائته من قبل وجهه ، وقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف : چ ?  ?  ہ  ہ  ہ  ہ    ھ  ھ  ھ چ ، ففعل ، فقال r : چے  ے  ?  ?   ??  ?  ?  ??  ?  ?  ? چ فأنشده أبو سفيان أبياتاً مدحه فيها واعتذر عما فعل به سابقاً .

ولما بلغ كديداً ورأى أن الصوم شق على الناس أفطر ، وأمر الناس بالإفطار ، ثم واصل سيره حتى نزل بمر الظهران عشاء ، فأمر الجيش فأوقدوا عشرة آلاف نار ، كل على حدته ، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب t .

وخـرج أبو سفيان خائفاً يترقب ، ولا يعلم شيئاً ، ومعه حكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، فلما رأى النيران قال : ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً ، قال بديل : هذه خزاعة ، قال أبو سفيان : خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها .

أبو سفيان بين يدي رسول الله r :

وكان العباس t على بغلة رسول الله r يتجول ، فلما سمع الصوت عرفه فقال : أبا حنظلة ؟ فقال : أبا الفضل ؟ قال : نعم ، قال : مالك ؟ فداك أبي وأمي ، قال : هذا رسول الله r في الناس ، واصباح قريش والله .

قال : فما الحيلة ؟ فداك أبي وأمي ، قال : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى أتي بك رسول الله r ، فركب ، فلما مر بعمر بن الخطاب رآه فقال : أبو سفيان ؟ عدو الله ؟ الحمد الله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، واشتد إلى رسول الله r وركض العباس البغلة فسبق إلى رسول الله r ، ثم دخل عمر واستأذنه في ضرب عنق أبي سفيان ، فقال العباس : إني أجرته ، وأخذ برأس رسول الله r وقال : لا يناجيه الليلة أحد دوني ، وأكثر عمر ، ورسول الله r ساكت ، ثم قال للعباس : اذهب إلى بيتك ، فإذا أصبحت فأتني به .

فلما جاء به في الصبح قال رسول الله r : " ويحك يا أبا سفيان ؟ ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله " .

قال أبو سفيان : ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، لو كان معه إله غيره لأغني عني شيئاً بعد .

قال : " ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله " .

قال : أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيء .

فقال العباس : أسلم قبل أن تضرب عنقك ، فأسلم وشهد شهادة الحق .

فقـال العباس : يا رسـول الله ! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ، قال : " نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن " .

دخول رسول الله r في مكة المكرمة :

وفي الصباح تقدم رسول الله r إلى مكة ، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها ، ففعل ، فمرت القبائل على راياتها ، كلما مرت به قبيلة قال : يا عباس ! من هذه ؟ فيقول : بنو فلان ، ( مثلاً بنو سليم ) فيقول : مالي ولبني فلان ، حتى مرت كتيبة الأنصار ، يحمل رايتها سعد بن عبادة فقال : يا أبا سفيان ! اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة ، فقال : يا عباس ! حبذا يوم الذمار .

ثم مر رسول الله r في كتيبة الخضراء ، فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحديد ، فقال : سبحان الله ! يا عباس ! من هؤلاء ؟ قال : هذا رسول الله r في المهاجرين والأنصـار ، قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً ، قال العباس : يا أبا سفيان ! إنها النبوة ، قال : نعم إذن .

ثم أخبر رسول الله r بمقالة سعد ، فقال r : " كذب سعد ، هذا يم يعظم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة " ، وأخذ الراية من سعد ، ودفعها لابنه قيس .

وبعـد مروره r أسرع أبو سفيان حتى دخل مكة ، وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ! هذا محمد ، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا : قاتلك الله ، وما تغني عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ، فأسرع الناس إلى بيوتهم وإلى المسجد الحرام .

ولما وصل رسول الله r إلى ذي طوى أمر خالد بن الوليد قائد الميسرة أن يدخل مكة من أسفلها من طريق كدي ، وإن عرض له أحد يحصده حصداً حتى يوافيه على الصفا ، وأمر الزبير قائد الميمنـة وحامل راية رسول الله r أن يدخل مكة من أعلاها من كداء ، ويغرز رايته بالحجون ، ولا يبرح حتى يأتيه رسول الله r ، وأمر أبا عبيدة قائد الرجالة ومن لا سلاح له أن يأخذ بطن الوادي حتى ينزل بمكة بين يدي رسول الله r .

ووبشت قريش أوباشاً بالخندمة ، قالوا : إن كان لهم شيء كنا معهم ، وإلا أعطينا الذي سئلنا ، فلما مر بهم خالد حصد اثني عشر منهم في مناوشة خفيفة ، وفر الباقون ، ثم تقدم خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله r على الصفا ، وقتل من رجاله اثنان ضلا الطريق وشذا عنه .

أما الزبير فنصب الراية بالحجون عند مسجد الفتح ، وضرب قبة فيها أم سلمة وميمونة رضي الله عنهما ، ولم يبرح حتى جاء رسول الله r ، فاستراح قليلاً ، ثم سار ، وبجانبه أبو بكر t يحادثه ، وهو يقرأ سورة الفتح ، حتى دخل المسجد الحرام ، وحوله المهاجرون والأنصار ، فاستلم الحجر الأسود وطاف بالبيت وهو على الراحلة ، ولم يكن محرماً ، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : چ ?  ?  ?  ?  ?ں   ں  ?  ?  ? چ چ ?  ?  ?   ?  ?  پ   پ  پ چ والأصنام تتساقط على وجوهها .

تطهير الكعبة والصلاة فيها :

فلما فرغ من الطواف دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ، وأمر بفتحها ، ثم أمر بما فيها من الأصنام فأخرجت وكسرت ، وأمر بما فيها من الصور فمحيت ، ثم دخلها هو وأسامة بن زيد وبلال ، فأغلق الباب ، واستقبل الجدار الذي يقابله ، وهو على بعد ثلاثة أذرع ، وعن يساره عمود وعن يمينه عمودان ، ووراءه ثلاثة أعمدة ، فصلى ركعتين ، ثم دار في البيت ، وكبر في نواحيه ، ووحد الله .

لا تثريب عليكم :

ثم فتح الباب ، وكانت قريش قد ملأت المسجد الحرام صفوفاً ، فأخذ بعضادتي الباب فخطب خطبة بليغة بيّن فيها كثيراً من أحكام الإسلام ، وأسقط أمور الجاهلية ، وأعلن عن ذهاب نخوتها ، ثم قال : " يا معشر قريش ! ما ترون أني فاعل بكم " ، قالوا : خيرا . أخ كريم ، وابن أخ كريم .

قال : " لا تثريب عليكم اليوم ، اذهبوا فأنتم الطلقاء " .

ثم نزل وجلس في المسجد الحرام ، ورد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ، وقال : خذوها خالدة تالدة ، لا ينزعها منكم إلى ظالم .

البيعة :

ثم أتى الصفا فعلا عليه حيث ينظر إلى البيت ، فرفع يديه يدعو ، ثم بايع الناس على الإسلام ، وممن أسلم يومئذ أبو قحافة والد أبي بكر الصديق t ففرح رسول الله r بإسلامه ، ثم بايع النساء بعد الرجال على : " أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينه في معروف " .

وممن بايع يومئذ من النساء هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان ، جاءت متنقبة متنكرة ، خوفاً على نفسها مما كانت قد فعلت بنعش حمزة ، فلما تمت لها البيعة قالت : يا رسول الله ! ما كان على وجه الأرض من أهل خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك ، ثم ما أصبح اليوم على وجه الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يعزوا من أهل خبائك ، فقال رسول الله r : " وأيضاً والذي نفس محمد بيده " .

وكان عمر بن الخطاب t قد جلس أسفل من مجلس رسول الله r يبلغ الناس ويبايعهم عنه ، وكانت بيعة النساء كلاماً بغير مصافحة .

وقد جاء بعض الناس ليبايعوا رسول الله r على الهجرة فقال : " ذهب أهل الهجرة بما فيها ، لا هجرة بعد فتح مكة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " .

أناس أهدرت دماؤهم :

وكان رسول الله r قد أهدر يومئذ دماء أناس عظمت ذنوبهم ، وكبرت جرائمهم ، فأمر بقتلهم حتى ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فمنهم من حقت عليه كلمة العذاب وقتل ، ومنهم من أدركته عناية الله فأسلم ، فأما الذين قتلوا فهم : ابن خطل ، ومقيس بن صبابة ، والحارث بن نفيل ، وقينة لابن خطل ، أربعة نفر ، يقال : وأيضاً الحارث ابن طلاطل الخزاعي ، وأم سعد ، مع احتمال أن تكون أم سعد هي مولاة ابن خطل ، فإذن خمسة أو ستة نفر .

وأما الذين أسلموا – وكانوا قد هربوا واختفوا ، ثم استؤمن لهم فجاؤوا وأسلموا – فهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبار بن الأسود ، وقينة أخرى لابن خطل ، أربعة نفر ، قيل : وأيضاً كعب بن زهير ، ووحشي بن حرب ، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان ، سبعة نفر .

واختفى آخرون خوفاً على أنفسهم دون أن يكون قد أهدرت دماؤهم ، منهم صفوان بن أمية ، وزهير بن أبي أمية ، وسهيل بن عمرو ، ثم أسلم هؤلاء كلهم ، ولله الحمد .

صلاة الفتح :

ودخل رسول الله r ضحى في بيت أم هانيء بنت أبي طالب رضي الله عنها ، فاغتسل وصلـى ثمان ركعات صلاة الفتح ، يسلم في كل ركعتين ، وكانت أم هانيء قد أجارت حموين لها ، وأراد علي بن أبي طالب t أن يقتلهما ، فسألت رسول الله r ، فقال : قد أجرنا من أجرت يا أم هانيء .

بلال يؤذن على ظهر الكعبة :

وحان وقت صلاة الظهر ، فأمر رسول الله r بلالاً ، فأذن على ظهر الكعبة ، وكان ذلك بمثابة إعلان عن ظهور الإسلام ، وقد راع ذلك المسلمين بقدر ما أغاظ المشركين ، والحمد لله رب العالمين .

إقامة رسول الله r بمكة :

ولما تم فتح مكة تخوف الأنصار أن يقيم بها رسول الله r ، لأنها بلده وبلد عشيرته وقومه – وذلك حين كان رسول الله r على الصفا ، رافعاً يديه يدعو – فلما فرغ من الدعاء قال لهم : " معاذ الله ، المحيا محياكم والممات مماتكم " ، فاطمأن الأنصار وذهب خوفهم وفرحوا .

نعم ، بقي رسول الله r بمكة تسعة عشر يوماً يجدد معالم الإسلام ، ويطهرها من آثار الجاهلية ، وقد جدد أنصاب الحرم ، ونادى مناديه : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلى كسره .

 

غزة حنين

ولما تم فتح مكة اجتمعت أشراف قبائل قيس عيلان للشورى ، وفي مقدمتها هوازن وثقيف ، فقالوا : قد فرغ محمد من قتال قومه ، ولا ناهية له عنا ، فلنغزوه قبل أن يغزونا ، فأجمعوا أمرهم للحرب ، واختاروا لقيادتها مالك بن عوف النصري ، فتحشد جمع كبير ، ونزل بأوطاس ، ومعهم نساءهم وذراريهم وأموالهم ، وكان فيهم دريد بن الصمة المشهور بأصالة الرأي ، فلما سمع أصوات الصبيان والحيوان سأل مالكاً عن ذلك ، فقال : أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم ، فقال : راعي ضأن والله ، وهل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ، وأشار أن يردهم إلى بلادهم ، فلم يقبل مالك رأيه ، وجمعهم في وادي أوطاس ، وانتقل بالمقاتلين إلى وادي حنين ، بجانب وادي أوطاس ، ونصب فيه كمائن .

وعلم رسول الله r بتجمعهم فخرج من مكة يوم السبت السادس من شهر شوال ، ومعه اثنا عشر ألف مقاتل ، واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها ، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد .

وفي الطريق رأى المسلمون سدرة عظيمة كانت تعلق عليها العرب أسلحتهم ، ويذبحون وبعكفون عندها ، يقال لها : ذات أنواط ، فقال بعضهم لرسول الله r : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . فقال : " الله أكبر ، قلتم كما قال قوم موسى لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، قال : إنكم قوم تجهلون ، إنها السنن ، لتركبن سنن من كان قبلكم " .

وقال بعضهم نظراً لكثرة الجيش : لن نغلب اليوم ، فشق ذلك على رسول الله r ، ولما كان عشية جاء فارس وأخبره بخروج هوازن بظعنهم ونعمهم وشائهم ، فتبسم وقال : تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله .

وفي الليلة العاشرة من شهر شوال سنة 8هـ وصل رسول الله r إلى وادي حنين ، فعبأ جيشه سحراً قبل أن يدخل فيه ، فأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب ، ولواء الأوس لأسيد بن حضير ، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر ، وأعطى ألوية لقبائل أخرى ، ولبس درعين والبيضة والمغفر ، ثم بدأت مقدمة الجيش تنحدر بالوادي ، وهي لا تعلم بوجود كمائن العدو فيه ، فبينما هي تنحط فيه إذ العود يمطر عليهم النبال كأنها جراد منتشر ، وشد عليها شدة رجل واحد ، فاضطربت مقدمة الجيش بهذه المفاجأة ، وانكشف عامة من كان فيها من المسلمين ، وتبعهم من كان خلفهم ، فصارت هزيمة عامة .

وسر ذلك بعض المشركين وبعض حديثي العهد بالإسلام ، فقال أبو سفيان : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وقال أخ لصفوان : ألا بطل السحر اليوم ، وقال له آخر : أبشر بهزيمة محمد وأصحابه ، فوالله لا يجبرونها أبدا ، فغضب عليهما صفوان – وهو مشرك – وعكرمة بن أبي جهل – وهو حديث العهد بالإسلام – وانتهراهما .

أما رسول الله r فثبت في قليل من المهاجرين والأنصار ، وطفق يركض بغلته ليتقدم نحو العدو ، وهو يقول :

أنا النبي لا كـذب             أنا ابن عبد المطلب

وأخذ أبو سفيان بن الحارث بلجام بغلته ، والعباس بركابه لئلا يسرع نحو العدو ، فنزل رسول الله r عن البغلة ودعا ربه واستنصره ، وأمر العباس ، وكان جهوري الصوت ، أن ينادي أصحابه ، فنادى – وملأ الوادي بصوته – ألا ! أين أصحاب السمرة ؟ فعطفوا نحو الصوت عطفة البقر على أولادها ، يقولون : لبيك ، لبيك ، حتى إذا اجتمع منهم مائة استقبلوا العدو ، واقتتلوا .

وصرفـت الدعوة إلى الأنصار ، ثم إلى بني الحارث بن الخزرج ، وتلاحقت كتائب المسلمين ، واحدة تلو الأخرى ، حتى اجتمع حوله r جمع عظيم ، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنوداً لم يروها ، فكر المسلمون واحتدم القتال ، فقال r : " الآن حمي الوطيس " وأخذ قبضة من تراب فرمي بها وجوها لقوم ، وقال : شاهت الوجوه ، فملاً أعينهم تراباً ، فلم يزل حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً ، حتى تفرقوا وهربوا ، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ، حتى أخذوا النساء والذراري ، وأسروا كثيراً من المحاربين ، وجرح يومئذ خالد بن الوليد جراحات بالغة ، وأسلم كثير من مشركي مكة لما رأوا من عناية الله برسوله .

 

 

مطاردة المشركين :

ولما هرب المشركون تفرقوا ثلاث فرق ، فرقة لحقت بالطائف ، وهم الأكثر ، وفرقة لحقت بنخلة ، وفرقة عسكرت بأوطاس ، فأرسل رسول الله r إلى أوطاس أبا عامر الأشعري ، عم أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما في جماعة من المسلمين ، فبددهم ، وظفر بما كان معهم من الغنائم ، وقد استشهد أبو عامر الأشعري في هذه المعركة ، وخلفه أبو موسى الأشعري t ، فرجع مظفراً منصوراً .

وطاردت طائفة من فرسان المسلمين فلول المشركين المنهزمين إلى نخلة ، فأدركت دريد بن الصمة ، وقتلته .

وأمر رسول الله r بجمع الغنائم والسبي ، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير ، وأكثر من أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية من الفضة ، وستة آلاف سبي ، فجمع ذلك كله بالجعرانة ، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري .

غزوة الطائف :

ثم تقدم إلى الطائف ، ومر في الطريق بحصن لمالك بن عوف النصري فأمر بهدمه ، ولما وصل إلى الطائف وجد العدو قد تحصن به ، ومعه قوت سنة ، ففرض عليه الحصار ، وكان المسلمون نازلين قريباً من العدو ، فرشقهم بالنبال حتى أصيب عدد من المسلمين بجراحات ، فارتفعوا إلى محل مسجد الطائف اليوم .

واختار المسلمون عدة تدابير لإرغام العدو على النزول ، لكنها لم تنجح ، كان خالد بن الوليـد يخرج كل يوم يدعوهم إلى المبارزة ، فلم يخرج منهم أحد ، ونصب عليهم المنجنيق فلم يؤثر ، ودخل جمع من أبطال المسلمين تحت دبابتين لينقبوا في جدار الحصن ، فرمى العدو عليهم قطعات من حديد محماة بالنار ، فاضطروا إلى الرجوع ، ولم يتمكنوا من نقب الجدار ، وقطعت أعنابهم ونخيلهم فناشدوا الله والرحم فتركت ، ونادى منادي رسول الله r أيما عبد نزل إليها من الحصن فهو حر ، فنزل ثلاثة وعشرون عبداً فيهم أبو بكرة ، تسور حصن الطائف ، وتدلى منه ببكرة يستقي عليها ، فكناه رسول الله r – بأبي بكرة – فشق فرار هؤلاء العبيد عليهم .

وطال الحصار دون جدوى – فقد دام حوالي عشرين يوماً ، وقيل شهراً كاملاً – فاستشار رسول الله r نوفل بن معاوية الديلي ، فقال : هم ثعلب في جحر ، إن أقمت عليه أخذته ، وإن تركتـه لم يضرك ، فأمـر بالرحيل ، وطلب بعض المسلمين أن يدعو عليهم فقال : " اللهم أهد ثقيفاً وأت بهم مسلمين " .

تقسيم الغنائم والسبي :

وعـاد رسول الله r من الطائف إلى الجعرانة ، فمكث بها بضعة عشر يوماً لا يقسم الغنائم ، يبتغي أن يقدم هوازن تائبين ، فيحرزوا أموالهم وسباياهم ، فما جاء أحد ، فأخرج الخمس من الغنيمة ، وأعطاها لأناس ضعفاء الإسلام ، يتألفهم ، ولأناس لم يسلموا بعد ، ليحبب إليهم الإسلام ، فأعطى أبا سفيان أربعين أوقية من الفضة ومائة من الإبل ، وأعطى مثل ذلك لابنه يزيد ، ثم لابنه الآخر معاوية ، وأعطى صفوان بن أمية مائة ثم مائة – أي ثلاثمائة – من الإبل ، وأعطى كلا من حكيم بن حزام ، والحارث بن الحارث بن كلدة ، وعيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، والعباس بن مرداس ، وعلقمة بن علاثة ، ومالك بن عوف ، والعلاء بن حارثة ، والحارث بن هشام ، وجبير من مطعم ، وسهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد العزى وغيرهم مائة مائة من الإبل ، وأعطى آخرين خمسين خمسين ، وأربعين وأربعين حتى شاع بين الناس أن محمداً يعطي عطاء ما يخاف الفقر ، فازدحم الأعراب يطلبون منه ، حتى ألجأوه إلى شجرة ، فتعلق بها رداؤه ، فقال : ردوا عليَّ ردائي ، فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً .

ثم أخذ وبرة من سنام بعير وقال : والله مالي من فيئكم ، ولا هذه الوبرة ، إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخياط والمخيط ، فإن الغلول يكون على أهله عاراً وشناراً وناراً يوم القيامة ، فرد الناس ما كانوا أخذوه من الغنيمة ولو كان شيئاً زهيداً .

ثم أمر زيد بن ثابت بتقسيم الغنيمة ، والذي يصيب الرجل الواحد بعد إخراج الخمس هو حوالي بعير ونصف بعير ، وشاتين ونصف شاة ، وعشرة دراهم ، وثلث السبي الواحد ، فإذا صرف نصيب الرجل إلى أحد هذه الأشياء ، بعد إعطائه عشرة دراهم ، يصير له إما أربعة من الإبل فقط ، وإما أربعون شاة فقط ، وإما ثلثا السبي الواحد فقط .

شكوى الأنصار وخطبة رسول الله r :

واستغرب الأنصار ما فعله رسول الله r ، حيث أعطى المؤلفة قلوبهم عطايا جزيلة لا تقاس ، ولم يعط الأنصار شيئاً ، فقال بعضهم : إن هذا لهو العجب ، يعطي قريشاً ويتركنا ، وسيوفنا تقطر من دمائهم ، فأبلغه ذلك سعد بن عبادة رئيس الأنصار ، فجمعهم وحدهم ، فحمـد الله واثنى عليـه ، ثم ذكر ما تفضل الله به عليهم ، ثم ذكرهم ما تفضلوا به عليه r ثم قال : " أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول الله r إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار " .

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا برسول الله r قسماً وحظّاً ، ثم انصرف رسول الله r وانصرفوا .

وفد هوازن :

وبعد أن تم توزيع الغنائم قد وفد هوازن ، يرأسه زهير بن صرد ، فأسلموا وبايعوا ، ثم قالوا : يا رسول الله ! إن فيمن أصبتم ، الأمهات والأخوات والعمات والخالات ، وهن مخازي الأقوام :

فامنن علينــا رسول الله في كرم             فإنــك المرء نرجــوه وننتظر

امنن على  نسوة قد كنت ترضعها              إذ فوك تملــؤه من محضها الدرر

وذلك في جملة أبيات :

فقال : إن معي من ترون ، وإن أحب الحدي إليّ أصدقه ، فاختاروا إما السبي وإما المال ، فقالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً ، أردد إلينا نساءنا وأبناءنا ، ولا نتكلم في شاة ولا بعير ، فقال : إذا صليت الظهر فقوموا ، وأظهروا إسلامكم وقولوا : نحن إخوانكم في الدين ، ثم قولوا : إنا نستشفع برسول الله r إلى المسلمين ، وبالمسلمين إلى رسول الله r أن يرد إلينا سبينا ، ففعلـوا ، فقال r : أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، وسأسأل الناس ، فقال المهاجرون والأنصار : ما كان لنا فهو لرسول الله r ، وامتنع بعض الأعراب ، كالأٌرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس ، فقال r : " من طابت نفسه أن يرد فسبيل ذلك ؛ وإلا فليرد ، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله إلينا " ، فرد الناس كلهم بطيب أنفسهم إلا عيينة بن حصن ، وكسا النبي r السبايا قبطية قبطية .

وبعد رد السبايا لم يبق في نصيب الرجل الواحد إلا بعيران فقط أو عشرون شاة .

عمرة الجعرانة :

ولما فرغ رسول الله r من قسمة الغنائم أحرم للعمرة – وهي عمرة الجعرانة – فاعتمر ، ثم قفل راجعاً إلى المدينة ، فبلغها لست أو ثلاث بقين من ذي القعدة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غزوة تبوك

كانت لمعركة مؤتة سمعة سيئة للرومان ، وقواتهم ، فقد كان لنجاح المسلمين – وهم ثلاثة آلاف فقط – في ردع مائتي ألف من قـوات الرومان أثر بالغ في نفوس القبائل العربية المجاورة للشام ، وأخذت هذه القبائل تتطلع إلى الاستقلال ، فرأى الرومان أن يقوموا بغزوة حاسمة يقضون بها على المسلمين في عقر دارهم ، المدينة المنورة .

تهيؤ المسلمين للقاء الرومان :

وسمع رسول الله r بتجمعهم واستعدادهم ، فاستنفر المسلمين من كل مكان ، وأعلن عن جهة الغزوة صراحة ، ليأخذ الناس عدتهم الكاملة ، إذ كان الزمان زمان حر شديد ، وكانت الشقة بعيدة ، وكان الناس في عسر وجدب ، وقد طابت الثمار ، والظلال ، فكانوا يحبون المقام فيها .

وحث رسول الله r الموسرين على تجهيز المعسرين ، فتقدم المسلمون بما لديهم ، وأول من جاء بماله أبو بكر t جاء بكل ماله ، وهو أربعة آلاف درهم ، فقال r : " هل أبقيت لأهلك شيئاً ؟ " فقال : أبقيت لهم الله ورسوله ، وجاء عمر بن الخطاب t بنصف ماله ، وأنفق عثمان بن عفان t كثيراً ، يقال : عشرة آلاف دينار ، وأعطى ثلاثمائة بعير بأجلاسها وأقتابها ، وأعطى خمسين فرساً ، ويقال : إنه أعطى تسعمائة بعير ومائة فرس ، وقد قال فيه النبي r : ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم .

وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية ، وجاء العباس بمال كثير ، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وغيرهم بأموال ، وجاء عاصم بن عدي بتسعين وسقاً من التمر ، وتتابع الناس بصدقاتهم ، كل على قدره ، حتى أنفق بعضهم مدّاً أو مدين ، لم يستطع غيره ، وأرسلت النساء ما قدرن عليه من الحلي .

وجاءه r فقراء الصحابة يطلبون أن يحملهم ، فقال : چ ?  ?   ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?    ?  ?  ?  ?  ? چ فجهزهم عثمان والعباس وغيرهما y .

وتكلم المنافقون ، فلمزوا من أنفق الكثير ، وسخروا ممن أنفق القليل ، وسخروا من رسول الله r على جرأته على لقاء الرومان ، فلما سئلوا قالوا : إنما كنا نخوض ونلعب ، وجاء المعذرون من المنافقين والأعراب واستأذنوا النبي r في التخلف ، محتالين بأعذار شتى فأذن لهم ، وتخلف بعض المسلمين المخلصين تكاسلاً .

الجيش الإسلامي إلى تبوك :

واستعمل رسول الله r على المدينة محمد بن مسلمة ، وخلف علي بن أبي طالب على أهله ، وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصديق ، وفرق الرايات على رجال ، فأعطى الزبير راية المهاجرين ، وأعطى أسيد بن حضير راية الأوس ، والحباب بن المنذر راية الخزرج ، وتحرك من المدينة يوم الخميس ، ومعه ثلاثون ألف مقاتل ، يريد تبوك ، وكانت قلة شديدة في الظهر والزاد ، فكان ثمانية عشر رجلاً يتعقبون بعيراً واحداً ، وأكل الناس أوراق الشجر حتى تورمت شفاههم ، واضطروا إلى ذبح البعير ليشربوا ما في كرشه من الماء .

وبينما الجيش في طريقه إلى تبوك إذ لحقه علي بن أبي طالب ، سمع طعون المنافقين فلم يصبر حتى خرج ، فرده رسول الله r وقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي .

وكان الناس قد نزلوا مع رسول الله r أرض ثمود – الحجر – فاستقوا من بئرها ، واعتجنوا به ، فأمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها ، وأن يعلفوا الإبل العجين ، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة .

ولما مر بتلك الديار – ديار ثمود – قال لهم أيضاً : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ، أن يصيبكم ما أصابهم ، ثم قنع رأسه ، وأسرع السير ، حتى جاز الوادي .

وفي الطريق كان رسول الله r يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، جمع التقديم والتأخير .

ولما نزل بتبوك لحقه أبو خيثمة ، وكان مؤمناً صادقاً تخلف بغير عذر ، فلما دخل في بستانه – وكان يوماً شديد الحر – وجد زوجتيه قد رشت كل واحدة منها عريشتها ، وهيأت طعاماً وماءً بارداً فقال : رسول الله r في الحر ، وأبو خيثمة في ظل بارد ، وماء مهيأ ، وامرأة حسناء ؟ ما هذا بالنصف ، والله لا ادخل عريشة واحدة منكما حتى ألحق برسول الله r ، فهيئا لي زاداً ، ففعلتا ، ثم ركب بعيره ، وأخذ سيفه ورمحه ، وخرج يسير حتى صادف رسول الله r حين نزل بتبوك .

عشرون يوماً في تبوك :

وعلمت الروم بنزول رسول الله r في تبوك فخارت عزائمهم ، ولم يجترؤا على اللقاء ، فتفرقوا في داخل بلادهم ، وبقي رسول الله r عشرين يوماً يرهب العدو ، ويستقبل الوفود ، وقد جاءه يوحنا بن رؤبة حاكم أيلة ، وصحبته أهل جرباء وأذرح ، وأهل ميناء ، فصالحوه على إعطاء الجزية ، ولم يسلموا ، وكتب رسول الله r ليوحنا كتاباً في الأمان له ، ولأهل أيلة ، وفيه الذمة لسفنهم وسياراتهم في البحر والبر ، وفيه حرية التنقل والنزول ، وأن من أحدث حدثاً فلا يحول ماله دون نفسه .

وكتـب لأهل جرباء وأذرح كتاباً أعطاهم فيه الأمان ، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب ، وصالحه أهل ميناء على ربع ثمارها .

أسر أكيدر دومة الجندل :

وأرسل رسول الله r خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل ، في أربعمائة وعشرين فارساً ، وقال له : إنك ستجده يصيد البقر ، فسار خالد حتى إذا كان بمنظر العين من حصنه خرجت بقرة تحك بقرونها باب القصر ، فخرج أكيدر ليصيدها ، فتلقاه خالد في خيله ، وجاء به إلى رسول الله r فحقن دمه ، وصالحه على ألفي بعير ، وثمانمائة رأس ، وأربعمائة درع ، وأربعمائة رمح ، وأقر بإعطاء الجزية على قضية أيلة وميناء .

العودة إلى المدينة :

وبعد عشرين يوماً تحرك رسول الله r إلى المدينة ، وقد استغرق الذهاب والعودة ثلاثين يوماً ، فجملة ما غاب رسول الله r عن المدينة خمسون يوماً .

وفي الطريق مر الجيش بعقبة ، فأخذ الناس بطن الوادي ، وسلك رسول الله r طريق العقبة ، ولم يكن معه إلا عمار ، آخذاً بزمام الناقة ، وحذيفة بن اليمان يسوقها ، فتبعه اثنا عشر رجلاً من المنافقين يريدون اغتياله ، واقتربوا منه جدا ، وهم ملتثمون ، فبعث رسول الله r إليهم حذيفة ، ليضرب وجوه رواحلهم بمحجن كان معه ، فضربها ، فأرعبهم الله ، وأسرعوا بالفرار حتى لحقوا بالقوم ، وأخبر سول الله r حذيفة بأسمائهم ، وبما أرادوه ، فسمي بصاحب سر رسول الله r .

هدم مسجد الضرار :

وكان المنافقون قد بنوا بقباء مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ، وطلبوا من رسول الله r أن يصلي لهم فيه ، وذلك عندما كان يستعد للخروج إلى تبوك ، فقال : إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله ، فلما كان في مرجعه من تبوك ، ونزل بذي أوان ، وليس بينه وبين المدينة إلا يوم أو بعض يوم ، نزل جبريل u بخبر المسجد ، فبعث رسول الله r من أحرقه وهدمه .

استقبال رسول الله r من قبل أهل المدينة :

ولما لاحت للنبي r معالم المدينة قال : " هذه طابة ، وهذا أحد ، جبل يحبنا ونحبه " ، وتسامع الناس بمقدمه ، فخرج النساء والصبيان ، والولائد يستقبلونه وينشدون :

طلــع البــدر علينــا                  مــن ثنيــات الـوداع

وجــب  الشكر علينــا                  مــا دعــــا لله داع

حتى دخل r المسجد فصلى فيه ركعتين وجلس للناس .

المخلفون :

وجـاء المتخلفون من المنافقين يعتذرون ويحلفون ، فقبل علانيتهم ، ووكل سرائرهم إلى الله ، وجاء ثلاثة من المؤمنين الصادقين ، كانوا قد تخلفوا عنه ، وهم كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، فصدقوا ، ولم يعتذروا ، فأمرهم أن ينتظروا حتى يقضي الله فيهم ، وأمر المسلمين أن لا يكلموهم ، فتغير لهم الناس ، وتنكرت لهم الأرض ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وأظلمت عليهم الدنيا ، فلما تم على ذلك أربعون يوماً أمرهم أيضاً أن لا يقربوا نساءهم ، حتى إذا تم خمسون يوماً أنزل الله توبتهم فقال : چ ?  ?  ?  ?  ?  پ  پ  پ  پ      ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?  ?    ?  ?  ?    ٹ     ٹ  ٹ  ٹ  ??  ?     ?  ?  ?    ? چ .

ففرح المسلمون ، واستبشر المخلفون ، فبشروا وأبشروا ، وأجازوا وتصدقوا ، وكان أسعد يوم في حياتهم .

ونزلت آيات فضحت المنافقين ، وكشفت سرائر الكاذبين ، وبشرت المؤمنين الصادقين ، فالحمد لله رب العالمين .

كان رجوعه r عن تبوك في شهر رجب سنة 9هـ ، وتوفي النجاشي أصحمة بن الأبجر ملك الحبشة في هذا الشهر ، فصلى عليه رسول الله r صلاة الغائب في المدينة .

ثم توفيت ابنته أم كلثوم رضي الله عنها في شهر شعبان سنة 9هـ فصلى عليها ودفنها بالبقيع ، وحزن عليها حزناً شديداً ، وقال لعثمان بن عفان t : " لو كانت عندي ثالثة لزوجتكها " .

وفي ذي القعدة سنة 9هـ توفي رأس المنافقين عبد الله بن أبي ، فاستغفر له رسول الله r وصلى عليه ، وقد حاول عمر t أن يمنعه عن الصلاة عليه فأبى ، ثم نزل القرآن ينهى عن الصلاة على المنافقين .

 

 

 

 

 

 

 

 

حجة الوداع

ولما تم إبلاغ الدعوة في أنحاء الجزيرة العربية ، وأوجد الله طائفة من المؤمنين تكفل بحفظها وبإبلاغها إلى أقصى أرض الله ، قدر الله أن يُري رسول الله r ثمار جهده المتواصل قبل أن ينتقل إلى الله ، فأكرمه الله بحج بيته المكرم في ذي الحجة سنة 10هـ .

ولما أراد r الحج أذن به في الناس ، فاجتمع بالمدينة بشر كثير ، فلما كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة وهو اليوم السادس والعشرون منه ، ترجل وادهن ، ولبس إزاره ورداءه ، وانطلق من المدينة بعد صلاة الظهر ، حتى بلغ ذا الحليفة قبل أن يصلي العصر ، فصلاها بها ركعتين ، ثم بات بها ، فلما أصبح قال : أتاني الليلة آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل عمرة في حجة ، وكان هذا إباحة للعمرة في أيام الحج ، وكان أهل الجاهلية يرونها من أفجر الفجور .

ثم اغتسل رسول الله r قبل الظهر ، وتطيب في رأسه وبدنه بطيب فيه مسك ، ثم لبس إزاره ورداءه ، ثم صلى الظهر ركعتين ، وأهلّ بالحج والعمرة في مصلاه ، وقرن بينهما ، فقال : " اللهم لبيك عمرة وحجّاً ، ثم لبى : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " . وكان أحياناً يقول : " لبيك إله الحق " .

ثم خرج من المصلى فركب القصواء ، وأهل مرة أخرى ، فلما استوت به بالبيداء أهل أيضاً ، وأشعر هديه بعد الصلاة وقلدها بذي الحليفة .

ثم واصل سيرة حتى دنا من مكة ، فبات بذي طوى ، وصلى به الفجر ، ثم اغتسل ومضى حتى دخل المسجد الحرام ، وذلك صباح يوم الأحد لأربع مضين من ذي الحجة ، فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، ثم أقام بأعلى مكة عند الحجون ، ولم يعد إلى الطواف ، وبقي في إحرامه ، لأنه كان قارناً جمع بين إحرامي الحج والعمرة ، لكونه قد ساق الهدي ، وأمر كل من ساق معه الهدي أن يبقى في إحرامه ، وأما من لم يسق معه الهدي فأمره أن يقصر رأسه بعد الطواف والسعي ، ويحل حلالاً تاماً ، ويجعل عمله هذا عمرة ، سواء كان قد أحرم بنية الحج أو العمرة أو كليهما ، وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة ، ولأحللت ، فحل من لم يكن معه هدي .

ثم توجه r يوم التروية – وهو اليوم الثامن من ذي الحجة – إلى منى ، وأحرم للحج كل من كان قد حل ، فصلى بمنى خمس صلوات : الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، وصلى الرباعية منها ركعتين قصراً ، ثم أجاز من منى بعدما طلعت الشمس حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها ، فلما زالت الشمس ركب القصواء وأتى وادي عرنة وقد اجتمع الناس حوله فقام فيهم خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، وتشهد ، وأوصى بتقوى الله ، ثم قال فيما قال : " أيها الناس ! اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً ، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمور الجاهلية موضوع تحت قدمي ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث [ وكان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل ] وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله ، واتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله ، وأنتم تُسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : " اللهم أشهد ، اللهم أشهد ، اللهم أشهد " ! .

وقد بين في هذه الخطبة عدة أمور أخرى ، فلما فرغ منها نزل عليه قوله تعالى : چچ  چ  چ  ?  ?   ?  ?  ?  ?  ?  ? چ فكان يوم نعمة وسعادة وشكر .

وأذن بلال بعد الخطبة ثم أقام فصلى رسول الله r بالناس الظهر ركعتين ، ثم أقام فصلى العصر ركعتين ، جمعهما في وقت الظهر جمعاً مقدماً ، ولم يصل بينهما شيئاً ، ثم أتى الموقف فجعل بطن ناقته إلى الصخرات ، واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلاً ، ثم دفع حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئاً . ثم اضطجع حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر مبكراً ، ثم أتى المشعر الحرام ، فاستقبل القبلة ودعا وكبر وهلل ووحد حتى أسفر جداص .

ثم دفع إلى منى قبل أن تطلع الشمس حتى أتى الجمرة الكبرى ، فرماها بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة منها ، ولم يزل يلبي حتى رمى الجمرة ، فلما رماها قطع التلبية ، ووقف عند هذه الجمرة يقول : " خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا " .

ثم أتى منزله بمنى فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ، ثم نحر علي بقية المائة ، وهي سبع وثلاثون بدنة ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر وطبخت ، فأكلوا من لحمها وشربوا من مرقها .

وبعد فراغه من النحر دعا الحلاقن ، فأعطاه شقه الأيمن فحلق ، فقسمه بين الناس من شعرة وشعرتين ، ثم حلق الأيسر فأعطاه لأبي طلحة .

ثم لبس ثيابه ، وتطيب قبل أن يطون ، ثم ركب حتى أتى البيت ، فطاف طواف الإفاضة ، ولم يطـف بين الصفا والمروة ، وصلى الظهر ، وأتى على بني عبد المطلب ، وهم يسقون على زمزم ، فقال : انزعوا بني عبد المطلب ! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ، فناولوه دلواً فشرب منه .

ثم رجع r إلى منى فمكث بها ليالي التشريق (11-12-13) من ذي الحجة يرمي الجمرات الثلاث كل يوم إذا زالت الشمس ، يبدأ بالجمرة الصغرى فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، ثم الوسطى ، ثم الكبرى كذلك .

وقد خطب رسول الله r خطبة يوم النحر ، ثم خطبة في أوسط أيام التشريق ، أكد فيها ما سبق في خطبة عرفة وزاد عليها ، وقد نزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق قبل الخطبة .

وفي اليوم الثالث عشر – وهو يوم النفر الثاني ، وثلث أيام التشريق ، وكان يوم الثلاثاء – نفر رسول الله r من منى بعد رمي الجمرات ، فنزل بالأبطح ، وصلى هناك الظهر والعصر والمغـرب والعشاء ، وبعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ليعمرها من التنعيم ، فأحرمت وقضت عمرتها ، ثم جاءته بالأبطح سحراً ، وكان r قد رقد به رقدة ، فلما جاءته آذن بالرحيل ، وركب إلى البيت فطاف به طواف الوداع ، وصلى صلاة الفجر ، ثم انصرف متوجهاً إلى المدينة ، وقد خرج من أسفل مكة ، ولما قرب من المدينة ولاحت له معالمها كبر ثلاثاً ثم قال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الحمد وله الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون ، عابدون ، ساجدون ، لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " .

بعث أسامة بن زيد :

واستقر رسول الله r بالمدينة يسبح ربه بحمده على ما أراه من دخول الناس في دين الله أفواجاً ، ومن نجاح دعوته التي قام بها قبل نحو ثلاث وعشرين سنة ، وقد استقبل بعد عودته إلى المدينة بعض الوفود . وجهز أسامة بن زيد في سبعمائة مقاتل ، وأمره أن يوطيء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، وقد تحرك جيشه ونزل بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة ، ولكن نقلت إليه أخبار مقلقة عن مرض رسول الله r فتريث ينتظر النتيجة ، فجاء قضاء الله بوفاة رسول الله r ، وأن يكون هذا البعث أول بعث في عهد أبي بكر الصديق t .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى الرفيق الأعلى

معالم التوديع :

وبعدما بلغ رسول الله r الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة بدأت طلائع الوداع من الدنيا تتسم في أقواله وأفعاله .

اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوماً ، وعارضه جبريل القرآن مرتين ، فقال لابنته فاطمة : " لا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي " ، وودع معاذاً إلى اليمن فأوصاه ، ثم قال : " يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري " ، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله r .

وقال r في حجة الوداع مراراً : " لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، ولعلي لا أحج بعد عامي هذا " ، وكان نزول قوله تعالى : چ چ  چ  چ  ?  ?   ?  ?  ?  ?  ?  ? چ وكذلك نزول سورة النصر إشعاراً بأنه فرغ من مهمته في الدنيـا ، ولذلك سميت بحجة الوداع ، أي إنه ودع الناس لينتقل إلى ربه سبحانه وتعالى .

وفي أوائل شهر صفر سنة 11هـ خرج r إلى أحد ، فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات ، ثم انصرف إلى المنبر فقال : " أنا فرط لكم ، وأنا شهيد عليكم ، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، أو مفاتيح الأرض ، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها " .

وفي أواخر شهر صفر خرج إلى بقيع الغرقد في جوف الليل ، فاستغفر لهم وقال : " إنا بكم لاحقون " .

بداية المرض :

ويوم الاثنين الأخير من شهر صفر شهد رسول الله r جنازة في البقيع . قالت عائشة : رجع من البقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي ، وأنا أقول : وا رأساه ، فقال : " بل أنا والله يا عائشة وا رأساه " .

كان هذا بداية مرضه r ، وهو مع ذلك يدور على نسائه ، حتى اشتد به المرض ، وهو في بيت ميمونة فأخذ يسأل : أين أنا غداً ؟ أين أنا غداً ؟ يريد يوم عائشة ، فأذن له أزواجه أن يكـون حيث شاء ، فخرج يمشي بين الفضل بن عباس ، وعلي بن أبي طالب ، تخط قدماه بالأرض ، حتى انتقل إلى بيت عائشة .

عهده ووصيته :

قالت عائشة رضي الله عنها : لما دخل بيتي ، واشتد به وجعه قال : " هريقوا عليَّ من سبع قرب ، لم تحلل أوكيتهن ، لعلي أعهد إلى الناس " .

فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي r ، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب ، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن ، ثم خرج إلى الناس ، فصلى بهم وخطبهم .

وقال فيما قال : " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك " ، وقال : " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ، وقال : " لا تتخذوا قبري وثناً يعبد " .

وعرض نفسه للقصاص ، وأوصى بالأنصار خيراً ، ثم قال : " إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده ، فاختار ما عنده " ، قال أبو سعيد الخدري : فبكى أبو بكر وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ ، يخبر رسول الله r عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فكان رسول الله r هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا .

ثم أثنى رسول الله r على أبي بكر ، وأمر بسد الأبواب الشارعة في المسجد ، إلا باب أبي بكر .

وكان ذلك يوم الأربعاء ، فلما كان يوم الخميس وقد اشتد به الوجع ، قال : " هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلـوا بعده " ، فقـال عمر : قد غلـب عليه الوجع ، وعندكـم القـرآن ، حسبكـم كتاب الله ، فاختلفوا ، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله r : " قوموا عني " .

وأوصى في ذلك اليوم بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب ، وبإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم ، وأكد لهم أمر الصلاة ، وما ملكت أيمانهم ، وقال : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي " .

استخلاف أبي بكر t على الصلاة :

وكان النبي r مع شدة مرضه يصلي بالناس ، فلما كان ذلك اليوم – يوم الخميس – وحان وقت صلاة العشاء اغتسل r في مخضب ليتخفف ، ثم ذهب ليقوم فأغمي عليه ، ثم أفاق فاغتسل ثانياً ، ثم ذهب ليقوم فأغمي عليه ، ثم أفاق فاغتسل ثالثاً فلما ذهب ليقوم أغمي عليه ، فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، فصلى أبو بكر تلك الأيام ، وجملة الصلوات التي صلاها أبو بكر بالناس سبع عشرة صلاة .

ويـوم السبت أو الأحد وجد رسول الله r في نفسه خفة فخرج بين رجلين لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فأجلساه إلى يساره ، فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله r ، والناس يقتدون بأبي بكر ، يسمعهم التكبير .

تصدقه بما لديه :

ويوم الأحد أعتق النبي r غلمانه ، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده ، ووهب للمسلمين سلاحه ، وجاء الليل فأرسلت عائشة رضي الله عنها بمصباحها إلى امرأة وقالت : أقطري لنا في مصباحنا من عكتك السمن ، وكانت درعه r مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من الشعير .

آخر يومه في الدنيا :

ولما أصبح يوم الاثنين – وكان يوم نوبة عائشة – وقام أبو بكر يصلي بالناس صلاة الفجر كشف رسول الله r ستر حجرة عائشة فنظر إليهم ، ثم تبسم يضحك ، فنكص أبو بكر على عقبيه ، وظن أنه r يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم ، فرحاً برسول الله r ، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر .

وفي هذا اليوم – أو في هذا الأسبوع – دعا رسول الله r فاطمة فسارها بشيء فبكت ، ثم سارها بشيء فضحكت ، وسألتها عائشة عن ذلك فكتمت ، حتى توفي رسول الله r فأخبرتها أنه قال لها في الأولى : إنه يموت في مرضه هذا فبكيت ، وقال لها في الثانية : إنها أول أهله يتبعه فضحكت ، وبشرها أيضاً أنها سيدة نساء العالمين .

ورأت فاطمة ما برسول الله r من شدة الكرب ، فقالت : " وا كرب أباه " ، فقال : " ليس على أبيك كرب بعد اليوم " ، ودعا الحسن والحسين فقبلهما ، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن .

وطفق الوجع يشتد ويزيد ، وانتقض السم الذي أكله بخيبر ، فأخذ يحس بشدة ألمه ، وكان قد طرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه ، فقال وهو كذلك : " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد – يحذر ما صنعوا – لا يبقين دينان بأرض العرب " ، وكان هذا من آخر ما تكلم وأوصى به الناس ، وكرر مراراً : " الصلاة ، الصلاة ، وما ملكت أيمانكم " .

الاحتضار والموت :

وبدأ الاحتضار فأسندته عائشة رضي الله عنها إلى صدرها بين سحرها ونحرها .

وجـاء أخوها عبد الرحمن بسواك من جريدة رطبة ، فأخذ رسول الله r ينظر إلى السواك ، ففهمت عائشة أنه يريده ، فسألته فأشار برأسه : أن نعم ، فأخذته ومضغته حتى لينته ، فاستاك به رسول الله r كأحسن ما كان يستاك ، وبين يديه ركوة فيها ماء ، فجعل يدخل يديه في الماء ، ويمسح به وجهه ، ويقول : لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات .

ثم رفع يديه أو إصبعه وشخص بصره نحو السقف ، وتحركت شفتاه ، فأصغت إليه عائشة فسمعته يقول : " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، اللهم أغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى ، اللهم الرفيق الأعلى " .

وكرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً ، وفاضت روحه ، ومالت يده ، ولحق بالرفيق الأعلى ، وذلك يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 11هـ حين اشتد الضحى ، وقد تم له ثلاث وستون سنة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

 

حيرة الصحابة وموقف أبي بكر :

وتسرب الخبر بين الصحابة خلال لحظات ، فأظلمت عليهم الدنيا ، وكادوا يفقدون وعيهم ، فلم يكن يوم أحسن ولا أضوء من يوم دخل فيه رسول الله r المدينة ، ولم يكن يوم أظلم ولا أقبح من يوم مات فيه ، وكان لهم ضجيج كضجيج الحجاج من البكاء .

وقام عمر بن الخطاب t في المسجد يقول : إن رسول الله r لم يمت ولا يموت حتى يفني الله المنافقين ، وأخذ يتوعد بالقطع والقتل من يقول إنه مات ، والصحابة حوله في المسجد حائرون مندهشون .

وكان أبو بكر t قد خرج إلى مسكنه بالسنح حين رأى الخفة في مرضه r صباحاً ، فلما توفي r أقبل أبو بكر على دابته حتى نزل ، فدخل المسجد ، فلم يكلم الناس ، حتى دخل على عائشة ، فقصد رسول الله r ، وهو مسجى ببرد حبرة ، فكشف وجهه ، فقبله وبكى ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ، لا يجمع الله عليك موتين ، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها .

ثم خرج فقال : اجلس يا عمر ، فأبى أن يجلس ، فتركه وجاء إلى المنبر وقام بجنبه ، وترك الناس عمـر ، وأقبلوا إليه ، فتشهد وقال : أما بعد ، من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، قال الله تعالى : چ ?  ?    ?    ?  ?  ?  ?  چ  چچ  چ  ?  ?   ?   ?  ?  ??  ?  ?  ?  ڈ  ڈ  ژ       ژ  ڑڑ  ک  ک  ک چ .

قال ابن عباس : فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية ، حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس ، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها .

قال عمر : فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق ، فعقرت ، حتى ما تقلني رجلاي ، وحتى هويت إلى الأرض ، وعرفت أنه قد مات .

اختيار أبي بكر t لخلافته r :

وكان أهم قضية بعد وفاة رسول الله r هو اختيار أمير يقوم مقامه r في إدارة شئون العباد والبلاد ، وكان علي بن أبي طالب t يرى أنه أحق بالخلافة ، لقرابته منه r ، فاجتمع هو والزبير ورجال من بني هاشم في بيت فاطمة رضي الله عنها ، واجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليختاروا أميراً منهم ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .

وذهب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومعهما أبو عبيدة بن الجراح والمهاجرون – إلى سقيفـة بني ساعدة فجرى بينهم وبين الأنصار نقاش وحوار ذكر فيه الأنصار فضلهم واستحقاقهم ، فقال أبو بكر : إن ما ذكرتم من خير فأنتم أهله ، وما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش – أي لا ينقادون لحكم أحد غير قريش – هم أوسط العرب نسباً وداراً ، ثم أخذ بيد عمر وبيد أبي عبيدة ، وقال : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فقال رجل من الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فكثر اللغط والأصوات ، وخشوا الاختلاف ، فقال عمر لأبي بكر : ابسط يدك ، فبسطها ، فبايعه هو والمهاجرون والأنصار .

التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض :

ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله r ، ولم يجردوه من ثيابه ، وقام بغسله العباس وعلي ، والفضل وقثم ابنا العباس ، وشقران مولى رسول الله r ، وأسامة بن زيد ، وأوس بن خولى ، وكان العباس وابناهما يقلبونه ، وأسامة وشقران يصبان الماء ، وعلي يغسله ، وأوس أسنده إلى صدره .

وقد غسلوه ثلاث غسلات بماء وسدر ، وكان الماء من بئر لسعد بن خيثمة بقباء ، يقال لها الغرس ، وكان r يشرب منها .

وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ، ليس فيها قميص ولا عمامة ، أدرج فيها إدراجاً .

وحفر أبو طلحة قبره في الموضع الذي توفي فيه ، وجعل القبر لحداً ، ثم وضع سريره على شفير القبر ، ودخل الناس أرسالاً عشرة فعشرة ، يصلون عليه أفذاذاً ، لا يؤمهم أحد ، وأول من صلى عليه عشيرته ، ثم المهاجرون ، ثم الأنصار ، ثم الصبيان ثم النساء ، أو النساء ثم الصبيان .

وانتهى في ذلك يوم الثلاثاء ومعظم ليلة الأربعاء ، ثم أنزلوه r في القبر ودفنوه في أواخر الليل r .

معجزاته النبوية :

1-             تسليم الحجر والشجر عليه .

2-             تكثير الطعام بين يديه ، ونبع الماء من بين أصابعه .

3-             الإخبار ببعض الأمور الغيبية .

4-             سقوط 14 شرفة أثناء ولادته ، وخروج نور من رحم أمه أثناء الولادة .

5-             وجود خاتم النبوة بين كتفيه .

مميزات النبوة :

1-             لا يكنى بكنيته ولا يرفع الصوت عنده .

2-             يتزوج حالة الإحرام .

3-             يتزوج فوق تسعة .

4-             يبصر من أمامه وخلفه في آن واحد .

5-             لا يقع الذباب على جسده .

6-             لا يحمل أثناء موته بل يدفن حيث فاضت روحه .

7-             يتزوج بدون مهر ولا يشهد معه أحد لأن شهادته شهادة رجلين .

 

 

 

 

 

 

 



([1])     حراء : اسم الجبل الذي يعرف اليوم بجبل النور ، وهو على بعد نحو ميلين من أصل مكة ، أما الغار فيقع فيه بجنب قمته الشامخة أسفل منها على يسار الصاعد إليها ، يصل الرجل إلى الغار بعد ما ينزل من القمة ، وهو غار لطيف طوله ينقص قليلاً عن أربعة أمتار ، وعرضه يزيد قليلاً على متر ونصف متر .

([2])     القارة : اسم قبيلة عظيمة ، والأحابيش مجموعة قبائل تحالفوا عند جبل حبشي فسموا بذلك .