قائمة الروابط

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الواحدة والثلاثون

  الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[1]

أعزائي المستمعين:

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهذه حلقة من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) نتحدث فيها عن بيت من بيوت المهاجرين السابقين إلى الإسلام أيام محنته الأولى حين ابتلي المسلمين بلاء عظيما بسبب إسلامه ومفارقتهم ملة الكفر والظلم والطغيان فنالهم في سبيل الله ما نالهم ولكنهم صبروا واحتسبوا ذلك عند الله حتى كان الفتح والنصر المبين لهم قال تعالى : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)}  الفتح

 إنه بيت الصحابي الجليل عَبْدُ اللَّهِ بن مَسْعُود  الهُذَلِيt، وكنّاه النبي r أبا عبد الرحمن. مات أبوه في الجاهلية، أما أمه أم عبد بنت الهذلية، لها صحبة وأسلمت أمه وصحبت النبي r لذلك كان ينسب إلى أمه أحيانا فيقال: ابن أم عبد..وأم عبد كنية أمه -رضي الله عنهما.([2])

يقول t عن أول لقاء له مع الرسول r (كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة ابن أبي مُعَيْط، فجاء النبي rوأبو بكـر فقالا:

(يا غلام، هل عندك من لبن تسقينـا؟ فقلت:(إني مؤتمـن ولست ساقيكما).. فقال النبـي r :(هل عندك من شاة حائل، لم يَنْزُ عليها الفحل؟).. قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي ومسح الضرع ودعا ربه فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر بصخرة متقعّرة، فاحتلب فيها فشرب أبو بكر، ثم شربت. ثم قال للضرع: (أقلص)... فقلص. فأتيت النبي بعد ذلك فقلت: (علمني من هذا القول) فقال:(إنك غلام مُعَلّم)([3]).

كان نحيل الجسم دقيق الساق ولكنه الإيمان القوي بالله الذي يدفع صاحبه إلى مكارم الأخلاق، وقد شهد له النبـي r بأن ساقه الدقيقة أثقل في ميزان الله من جبل أحد، وقد بشره الرسـول r بالجنة، فقد أمر النبي r ابن مسعود فصعد شجرةً وأمَرَه أن يأتيه منها بشيء، فنظر أصحابُ رسول الله r إلى ساقه حين صعد فضحكوا من حُموشَةِ ساقه، فقال النبي r: (مَمّ تضحكون؟ لَرِجْلُ عبد الله أثقلُ في الميزان يوم القيامة من أحُدٍ)([4]).

لقد كان عبد الله بن مسعود t أول من جهر بالقرآن الكريم عند الكعبة بعد رسول اللـهr، فقد اجتمع يوماً أصحاب رسول الله r فقالوا: والله ما سمعت قريشُ هذا القرآن يُجهرُ لها به قط، فمَنْ رجلٌ يُسمعهم؟.

فقال عبد الله بن مسعود: أنا.فقالوا: إنّا نخشاهم عليك، إنّما نريدُ رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه.فقال: دعوني فإنّ الله سيمنعني. فغدا عبد الله حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، حتى قام عبد الله عند المقام فقال رافعاً صوته.

{ الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } (سورة الرحمن 1-4)

فاستقبلها فقرأ بها، فتأمّلوا فجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد. ثم قالوا: إنّه ليتلوا بعض ما جاء به محمد.فقاموا فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه. فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. قال: ما كان أعداء الله قط أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً؟!.

قالوا: حسبُكَ قد أسمعتهم ما يكرهون)([5]).

لما رأى رسول الله ما حلّ بالصحابة من البلاء، وما يُصيبهم من العذاب على أيدي قريش، قال: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ فيها ملكاً لا يُظلَم أحدٌ عنده، وهي أرض صدق، حتّى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه». فكانت أول هجرة ابن مسعود. وبعد عودته منها هاجر إلى يثرب حيث كان رسول الله r قد سبقه إليها، فنال بذلك وسام الهجرتين)([6]).

ولقد كان ابن مسعود  قريبا من النبي r  فكان صاحب نعله كان يدخلهما في يديه عندما يخلعهما النبي r وهو كذلك صاحب وسادة النبي r ومطهرته([7]).

وعن عَلِيٍّ t، قالَ رَسُولُ اللّهِr: «لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّراً أَحَداً مِنْ غَيْرِ مَشورَةٍ لأَمَّرْتُ ابنَ أُمِّ عَبْدٍ»([8]).

كما أعطي ما لم يعط لغيره حين قال له رسول اللهr: (إذْنُكَ علي أن ترفع الحجاب)([9])، فكان له الحق بأن يطرق باب الرسول الكريم في أي وقت من الليل أو النهار.

وابن مسعود t، صاحب سر رسول الله r الذي لا يعلمه غيره، لذا كان اسمه (صاحب السَّواد).

يقول أبو موسى الأشعريَّ t،: «قَدِمتُ أنا وأخي منَ اليمنِ، فمكثنا حِيناً ما نرَى إلا أن عبد اللَّه بن مسعود رجل من أهل بيت النبيِّ r لما نرى من دُخولِه ودخولِ أمّه على النبيّ r »([10]).

كان t ممن جاهد مع رسول الله يوم بدر وقد كان له في هذا اليوم شأن إذ هو ممن قتل زعيم المشركين فرعون هذه الأمة أبو جهل لعنة الله عليه وقد أمره رسول الله أن يُلتمس أبو جهل الذي أصابه معوّذ بن عفراء، يقول t ((فعدتُ إلى ساحة المعركة، وأجلتُ نظري فيها، فوجدتُ أبا جهل في آخر رمق من حياته الآثمة، والتي كان من فصولها: الاعتداء على رسول الله وتعذيب المؤمنين، وقتل سميّة أمّ عمّار بن ياسر. قلتُ له: الحمدُ لله الذي أخزاك. قال: وبماذا أخزاني.. لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله. ثمّ قال حين رآني على صدره أُريد قتله: لقد ارتقيتَ مرتقًى صعباً يا رُوَيعيَ الغنم. فقلت له: إنّي قاتلك يا أبا جهل! قال: لستَ بأول عبد قتل سيده! أما إن أشد ما لقيته اليوم في نفسي لقتلك إياي، ألا يكون ولِّيَ قتلي رجلٌ من الأحلاف أو من المطيبين. فضربته ضربةً وقع رأسه بين يديه... وأقبلتُ برأسه وبسلاحه ودرعه وبيضته فوضعتها بين يدي رسول الله r وقلتُ له: أبشر، يا نبيّ الله، بقتل عدوّ الله أبي جهل. 

فقال رسول اللهr: أحقّاً، يا عبد الله؟ فوالذي نفسي بيده، لهو أحبّ إليّ من حُمر النعم، اللّهمّ قد أنجزت ما وعدتني فتمّم عليَّ نعمتك. وسجد شكراً لله، ثمّ شهد لي بالجنة([11]). 

ولقد كان ابن مسعود من علماء الصحابة –رضي الله عنهم- ومن المشهورين بحفظ القرآن الكريم ومن البارعين في تفسيره و معرفة أسباب نزوله و ناسخه ومنسوخه، ولقد انتشر علمه وفضله في الآفاق بكثرة أصحابه والآخذين عنه الذين تتلمذوا على يديه وكانوا يزيدون على المئات، وقد كان يقول: أخذت من فم رسـول اللـه r سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد)([12])

وقد شهد له رسول الله e بالعلم فقال رسول الله e: ((استقرئوا القران من أربعة، عبد الله بن مسعود- وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب و معاذ بن جبل([13]))).

فبدأ رسول الله e بعبد الله بن مسعود ولا غرابة فهو لازم رسول الله e ملازمة لصيقة حتى أن رسول الله أذن له بالدخول عليه متى شاء وأن يرفع عنه الحجاب متى دخل وهذه منزلة عظيمة لابن مسعود ([14]).

وقال عبد الله بن مسعودt: لقد أخذت من فيّ رسول الله e ((سبعين سورة ما نازعني فيها بشر))([15]).

وحقاً كان ابن مسعود من أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعرفهم به ولقد كان له مدرسته الخاصة في العراق لتعليم القران وتلقينه للناس ولقد تسابق الصحابة و التابعون إلى ابن مسعود ليأخذوا عنه القران.

وفي أواخر عمره t قدم إلى المدينة وتوفي بها سنة اثنتين و ثلاثين للهجرة في أواخر خلافة عثمان t وصلى عليه أمير المؤمنين عثمان بن عفانt ([16]).

وإلى هنا عزيزي المستمع نستودعك الله على أمل اللقاء بكم في الحلقة القادمة أن شاء الله لنكمل الحديث عن بيت عبد الله بن مسعودt فإلى ذلك الحين نستودعكم الله0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الثانية والثلاثون

  الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } (الفتح:18)

والصلاة والسلام على سيد العالمين محمد بن عبد الله e.. الذي امتدح أصحابه ، فقال: «خيرُ النّاسِ قَرني، ثمَّ الذين يَلونهم، ثمَّ الذينَ يَلونَهم. ثمَّ يَجيءُ أقوامٌ تَسبِقُ شهادةُ أحدِهم يَمينَه ويَمينُهُ شهادتَه..)) ([17])

ولما كان الصحابة هم خير جيل عرفته البشرية ولم يتسن للتاريخ أن يذكر لهم مثلا في الصفات و الأفعال و العدد ضمهم زمان ومكان واحد،كان لزاما على كل باحث عن الحق والهدى أن يرد نهرهم ويستقي من صفو علمهم وأن يقتدى بأفعالهم وأن يدل أبناء الإسلام إلى هذا الخير الوفير.

لهذا كانت هذه الحلقة عن علم من أعلام الصحابة جمع الله له من الخير ما جعله بين أصحابه كعبة ضربت إليه أكباد الإبل و سعت إلى علمه القلوب والعقول كان وحده مدرسة مستقلة ليس في زمانه بل على مدى تاريخ الإسلام ألا هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود t كان في حياة الرسول e يمثل طالب العلم الشغوف والمتلقي والمريد الملازم لم يفارق معلمه حتى فرق بينهما الأجل، ثم كان بعد وفاة رسول اللهe موصوفا بالمعلم لم يطلب الإمارة ولم يسع إليها ولم يلقب بها بل كان وسامه أنه معلم فكثر تلاميذه فبلغوا المئات بل الآلاف الذين درسوا على يده وتخرجوا في مدرسته دعك عمن آخذ منه.

ولقد ((التف من حوله من التلاميذ ما بلغ عدد إحدى مجموعاتهم تبلغ الأربعمائة من الرجال هؤلاء التلاميذ هم دليل أستاذية ذلك الصحابي، وهم الذين نقلوا إلى الأجيال التالية ما نقله هو إليهم))([18]).

ولقد عرف الناس وخاصة أهل الكوفة لتلاميذ ابن مسعود حقهم فرفعوهم إلى درجة عالية بل ربما كانوا يعاملونهم معاملة الصحابة لما امتازوا به من علم وفقه وورع، فلقد كان أمير المؤمنين على بن أبي طالب t يقول ((أصحاب عبد الله بن مسعود سرج هذه القرية))([19]).

ويقول الشعبي عنهم:((ما رأيت أحدا كان أعظم حلما ولا أكثر علما ولا أكف عن الدماء من أصحاب عبد الله إلا ما كان من أصحاب رسول الله )) ([20]).

لقد أدرك أمير المؤمنين عمر بن الخطابt مكانة ابن مسعود العلمية، ولهذا أرد أن يضعه في مكانه المناسب فأرسله إلى العراق حاضرة الإسلام الجديدة التي كانت مركزا حضاريا واعدا، ليكون معلما لهم إلى جانب أعمال بيت مال المسلمين بالكوفة، وذكر في رسالته لأهل العراق فضل ابن مسعود t ومكانته العلمية وأنه آثرهم به على نفسه فقال: (إني والله الذي لا إله إلا هو قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي) ([21]).

ولقد أثبتت الأيام صدق رسالة عمر t فلقد أصبح ابن مسعودt عالم العراق وإمامه الأوحد و صارت إمامته العلمية تمثل مدارس متعددة في القرآن وعلومه والحديث والفقه.

ولقد أحبه أهل الكوفة حبا لم يظفر بمثله أحد قبله..حتى قالوا له حين أراد الخليفة عثمان بن عفان t عزله عن الكوفة: (أقم معنا ولا تخرج ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه منه) ولكنه رد عليهم: (إن له علي الطاعة، وإنها ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن أكون أول من يفتح أبوابها)([22]).

وهذا التوجيه العظيم من ابن مسعود t بالسمع والطاعة لولي الأمر وعدم الخروج عليه، دليل على حكمته t ومعرفته بعواقب الأمور لأن في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين واستتباب الأمن وقيام مصالح الناس، حيث الخروج على الإمام من أشر الفتن على الأمة، والشرع الإسلامي يحرم الخروج على الإمام والجماعة.

وقد اهتم علماء السلف بتربية الأتباع على السمع والطاعة وعدم شق صف المسلمين مستفيدين من دروس الماضي وخاصة تلك الفتن التي حصلـت بعد عهد عمر t وما جرته على المسلمين من حروب وفتن، قال مسلم رحمه الله ((باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة.)) ([23]).

إن الناظر إلى أهم الأحداث التي وقعت في العراق بعد وفاة ابن مسعود t وموقف تلاميذه منها يدل على الأثر العظيم الذي تركه المربي في تلاميذه فلقد تجلى ذلك في كثير من مواقفهم أثناء تلك الفتن و اعتزالهم إياها بل سعى بعضهم إلى الجهاد في الثغور، ولهذا كانت مواقفهم مقتدية بموقفه t من اجتناب الفتن عموما، ومما هو معلوم أن الكوفة كانت مدار الكثير من هذه الفتن فقد رفض الكثير منهم الانضمام إلى جيش أمير المؤمنين على t وهو الخليفة بالكوفة حيث رأوا أن الحرب دائرة بين صفين من المسلمين وأن هذه إذا فتنة يجب تجنبها واعتزالها للسلامة من دماء المسلمين.

بل إن بعض تلاميذ ابن مسعود t لم يكتف بالتفرج على الفريقين بل سعى إلى وقف هذه الفتن فهذا تلميذه مسروق بن الأجدع الذي ((أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: أيها الناس، أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أن مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم، قال: فوالله لقد نزل بذلك جبريل على محمد r ثم تلا قوله تعالى: (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } (النساء29)، ثم انساب في الناس وذهب))([24])

وفريق من تلاميذ ابن مسعود استأذنوا أمير المؤمنين على بن أبي طالب t في الدفاع عن الثغور من أعداء الإسلام فأذن لهم بالذهاب إلى ثغر الري وكان عددهم يزيد على أربعمائة قارئ على رأسهم ربيع بن خثيم ([25]).

يكن جهد ابن مسعود t مقتصرا على الرجال بل كان يصل إلى النساء وكان يفتيهن و يحاورهن فيما أشكل عليهن وربما فتح بابه ليتعلمن من أهل بيته، فهذه امرأة قارئة للقرآن تنكر على ابن مسعود حديثا يقوله عن رسول الله فتقف تراجعه فيه ثم تهتدي إلى الحق:

روى البخاري في صحيحه عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: ((لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب.فجاءت فقالت إنه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت.فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله r ومن هو في كتاب الله.فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). قالت:بلى قال:فإنه قد نهى عنه.قالت:فإني أرى أهلك يفعلونه.قال: فاذهبي فانظري فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئا.فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها)) ([26]).

ثم يختم موقفه بان يأمرها أن تذهب إلى زوجه (زينب بنت عبد الله الثقفية) فتنظر إن كانت تخالف هدي رسول الله t ولكنها لا تجد شيئا من ذلك، ثم يؤكد لها أن زوجه لا تفعل شيء فيه معصية لله ورسوله ولو أن أهله خالفوا ذلك الهدي لكان الطلاق منه.

 

 عزيزي المستمع

 إن الحديث عن هذا الصحابي الجليل الذي هو زعيم مدرسة العراق الإسلامية والذي ملئ الدنيا علما وأخلاقا وتعليما لا تتسع له دقائق هذا البرنامج ولكن حسبنا إننا عرضنا لجونب عظيمة من سيرته في خدمة الإسلام والمسلمين فالي أن نلقاكم بمشيئة الله في الحلقة القادمة نستودعكم الله تعالى0

 

(بيوت في خدمة الإسلام )

الحلقة الثالثة والثلاثون

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهدية ما تعاقب الليل والنهار0

أعزائي المستمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد (بيوت في خدمة الإسلام )

  وبيتنا اليوم الذي سنتحدث عنه هو بيت من بيوت الشهداء كان أفراده من أوائل المضحين بأنفسهم في سبيل الله ومنه كانت أولى شهداء الإسلام على الإطلاق انه بيت عمار بن ياسر بن عامر  المذحجي ثم العنسي أبو اليقظان  t وعن والديه

 وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام وهو حليف بني مخزوم . وأمه سمية وهي أول من استشهد في سبيل الله عز و جل وهو وأبوه وأمه من السابقين إلى الإسلام . وممن عذبوا في الله ([27])

 وكان سبب قدوم أبوه ياسر إلى مكة أنه قدم هو وأخوان له يقال لهما : : " الحارث " و " مالك " في طلب أخ لهما رابع فرجع الحارث ومالك إلى اليمن وأقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وتزوج أمة له يقال لها : " سمية " فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة فمن هاهنا صار عمار مولى لبني مخزوم0 ([28])

 وكانت سمية أم عمار  رضي الله عنها من السابقات إلى الإسلام هي وزوجها وقد لقوا في سبيل ذلك من البلاء من كفار مكة وخاصة بني مخزوم إذ اجمعوا أمرهم على تعذيب آل هذا البيت ليردوهم عن دينهم الإسلام وهي تأبى غيره حتى قتلوها . وكان رسول الله  r يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يُعذبون بالأبطح في رمضاء مكة  فيواسيهم ويشد من أزرهم و يمنيهم خيرا فيقول " صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة "  ([29])

   وروي أن أبا جهل طعنها في قُبلها بحربة في يده فقتلها فهي أول شهيد في الإسلام، وكان قتلها قبل الهجرة وكانت رضي الله عنها ممن أظهر الإسلام بمكة في أول الإسلام0([30])

  قال ابن الأثير رحمه الله: كانت سميةُ رضي الله عنها ممن عذبت في الله وصبرت على الأذى في ذات الله. وكانت من المبايعات الخيرات الفاضلات  قال مجاهد: أول شهيد استشهد في الإسلام سمية أم عمار.0([31])

   ولقد اسلم عمار بن ياسرt مبكرا فهو يحدثنا عن قصة إسلامه فيقول : لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله r فيها فقلت : أردتُ أن أدخل على محمدr وأسمع كلامه . فقال : وأنا أريد ذلك . فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، وكان إسلامهم بعد بضعة وثلاثين رجلا 0([32])

وقال مجاهد : أول من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله وأبو بكر وبلال وخباب وصهيب وعمار وأمه سمية ([33])

 واختلف في هجرة عمار إلى الحبشة . ولكنه أقام في مكة وعذب في الله عذابا شديدا  وفيه نزلَ قوله عز و جل : {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}  [النحل : 106]  قال الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية : نزلت في عمار بن ياسر أخذه المشركون فعذبوه فلم يتركوه حتى سب النبي  r وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه . فلما أتى رسول الله  r قال : (( ما وراءك قال : شر يا رسول الله !  ما تُركتُ حتى نلت منك وذكرتُ آلهتهم بخير !  قال : كيف تجد قلبك قال : مطمئنا بالإيمان . قال : فإن عادوا لك فعد لهم0)) ([34])

 وكان من أساليب الكفر في تعذيب عمار أن غطوه بالماء إيهام الغرق  قال r  يواسيه  : " ما لك أخذك الكفار فغطوك في الماء " ([35])

  ويصف لنا ابن عباس  هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الدعوة الإسلامية فيقول: لقد كان المشركون يبلغون من المسلمين في العذاب ما يُعذرون به في ترك دينهم ،وإن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به حتى إنه ليعطيهم ما سألوه من الفتنة 0([36])

 ولقد هاجر عمار بن ياسر إلى المدينة وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله  r 0

  وعن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله  r: " اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر واهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد " ([37])

وقد زكاه رسول الله r بأنه الطيب المطيب فعن علي بن أبي طالب  t قال : كنت جالسا عند النبي  r فجاء عمار يستأذن على النبي  r فقال : " ائذنوا له مرحبا بالطيبِ المطيب " 0([38])

وروي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال رسول الله  r: " ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما "([39])

 وبعد وفاة النبي  r ، اشترك عمار مع الصديق أبي بكر  t في محاربة المرتدين، وأظهر شجاعة فائقة في معركة اليمامة حتى قال ابن عمر  t في شجاعته: رأيت عمار بن ياسر  t يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟! أنا عمار بن ياسر، أمن الجنة تفرون؟! أنا عمار بن ياسر، هلم إلي، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب أي (تتحرك) وهو يقاتلُ أشد القتال.([40])

وبعد أن تولى عمر بن الخطاب الخلافة، ولى عمارا على الكوفة ومعه عبد الله بن مسعود وبعث بكتاب إلى أهلها يقول لهم فيه: أما بعد، فأني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا وابن مسعود معلما ووزيرا، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد r، من أهل بدر، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما.

   ثم إنه بعد ذلك صحب عليا t وشهد معه الجمل وصفين فأبلى فيهما ، وكان قد قال عمار بن ياسر يوم صفين : ائتوني بشربة . فأُتي بشربة لبن فقال : إن رسول الله r قال : " آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن " وشربها ثم قاتل حتى قتل وكان عمره يومئذ أربعا وتسعين سنة  0([41])

وحدث البخاري رحمه عن أبي سعيد الخدري فَقَالَ : (( كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِيُّ  r فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ))([42])

وبهذه الشهادة يطوى عمار سني عمره المديد في خدمة الإسلام والمسلمين فرضي الله عنه وعن أبويه ومناقب عمار المروية كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر

 وآخر دعونا أن الحمد الله رب العالمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الرابعة والثلاثون

 

  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله r وعلى آله الأخيار وصحابته الأبرار وعلى من اقتدى بهدية ما تعاقب الليل والنهار0

أعزائي المستمعين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد ( بيوت في خدمة الإسلام )

  وبيتنا اليوم الذي سنتحدث عنه من اجلّ بيوت الإسلام  فهو بيت الصحابي الجليل العباس بن عبد المطلب t عم رسول الله  r. وكنيته أبو الفضل كان من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام وهو عم النبي  r وجدّ الخلفاء العباسيين وأبو حبر الأمة عبد الله بن عباسt  أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه وأقام بمكة يكتب لرسول الله  r أخبار المشركين وله في الصحيحين 35 حديثا ([43])

 وكان رسول الله r يعظمه ويكرمه بعد إسلامه وكان وصولا لأرحام قريش محسنا إليهم ذا رأي سديد وعقل غزير وكان من أكرم الناس وأجودهم، قال عنه رسول الله  r: ((هذا العباس : أَجْوَدُ قُرَيْشٍ كَفًّا وَأَوْصَلُهَا )) ([44])وقال : ((استوصوا بعمي العباس خيرا فإنه بقية آبائي وإنما عم الرجل صنو أبيه))([45])

وكان النبي  r يحبه حبا شديدا، ويقول  r: (( أيها الناس من آذى عمي فقد أذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه (أي مثل أبيه)) ([46]) وقد كان العباس أكبر سنا من النبي  r ، فقد ولد قبله بثلاث سنين، ومن حسن أدبه أنه لما سئل: أأنت أكبر أم رسول الله  r ؟ فقال : هو أكبر مني وأنا ولدت قبله. ([47]) أسلمَ عامَ الفتح ،وتلقى رسول الله r في الجحفة  فرجع معه ،وشهد فتح مكة .ويقال :انه أسلمَ قبل ذلك ،ولكنه أقام بمكة بإذن النبي  r له في ذلك0

وكان العباس من سادة قريش في الجاهلية والإسلام ، وكان يتعهد المسجد الحرام، فيسقي الحجاج ويقوم بخدمتهم، وقد ورث ذلك عن أبيه عبد المطلب، وكان قبل إسلامه شديد الحب لرسول الله  r ويقف بجانبه، ويدفع عنه أذى المشركين، وحضر مع النبي  r  بيعة العقبة الثانية مع الأنصار، ليطمئن عليه ، وهو لم يعلن إسلامه بعد، فلما التقوا، وتواعدوا على أن يكون اللقاء في اليوم التالي، كان العباس أول من أتى، فبايع الأنصار رسول الله  r على النصرة والبيعة، والعباس آخذُ بيده. وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويستوثق له0([48])

 وروي عن بن عباس : أن النبي  r قال يوم بدر من لقي منكم العباس فليكف عنه فإنه مكره0([49])

  وكان في مكة سندا للمسلمين ينصرهم و يدفع الأذى عنهم ثم هاجر إلى النبي  r وشهد معه فتح مكة وشهد حنينا وثبت مع رسول الله  r لما انهزم الناس بحنين، فقد روى مسلم في صحيحه إن رَسُولُ اللَّهِ  r أمر العباس فَقَالَ « أي عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ ». فَقَالَ عَبَّاسٌ وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتًا فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِى أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ قَالَ فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِى عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلاَدِهَا. فَقَالُوا يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ - قَالَ - فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ وَالدَّعْوَةُ فِى الأَنْصَارِ يَقُولُونَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ0([50])

  لقد هداه الحق أن يهتفَ بالأنصارِ وأصحاب بيعة العقبة، أصحاب العقائد، ورجال الفداء عند الصدام، فهم - وحدهم - الذين تنجح بهم الرسالات وتفرج الكروب. وانقلبت الهزيمة يومئذ إلى نصر مؤزرا بفضل الله تعالى ثم بثبات المسلمين حول رسول الله  r  والتفافهم حوله 0

 وفي حجة الوداع حين خطبَ رسول الله  r خطبته العظيمة ضرب المثل في العدالة و المساواة فبدأ بأهله وعشيرته ومنه عمه العباس فقال : أيها الناس: (( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا فِى بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ كُلُّ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِى بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِى النِّسَاءِ ))([51])

وجاء في صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ  t رَسُولَ اللَّهِ  r أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ.))([52])

  وكان للعباسt  مكانة كبيرة في قلوب المسلمين، وعظماء الصحابة، فيروى أن أبا بكر الصديق t كان جالسا بجانب النبي  r فرأى العباس مقبلا، فقام أبو بكر له وأجلسه مكانه بجوار رسول الله  r:، فقال النبي  r لأبي بكر:  "إنما يعرف الفضلَ لأهل الفضلِ أهلُ الفضل".([53])

وكان أبو بكرt  إذا قابلَ العباس نزل من على دابته، وسارَ معه احتراما وإكراما له حتى يصل العباس إلى المكان الذي يريده، وكان علي بن أبي طالبt  يقبل يد العباس ويقول له: يا عم، ارض عني.([54])

وفي خلافة عمر t أجدبت الأرض وأصابها الفقر الشديد، فخرج الناس إلى الصحراء ومعهم عمر والعباس، فرفع عمر بن الخطاب يديه إلى السماء، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. ([55])

فلما استسقى عمر بالعباس، قام العباس ورفع يديه إلى ربه وقال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. ولم يكد العباس ينهي دعاءه حتى امتلأت السماء بالغيوم والسحاب، وأنزل الله غيثه، فانطلق الناس يهنئون العباس، ويقولون له: هنيئا لك ساقي الحرمين.([56])

ولقد رزق العباس t بعشرة من الولد غير الإناث كان لهم دورهم الريادي في خدمة الإسلام والمسلمين ولقد توفي العباس سنة (32هـ)، ودفن بالبقيع، وكان عمره يناهز (88) عاما، وصلى عليه عثمان t

فرضي الله عن عم رسول الله r  وآل بيته ورزقنا حبهم وموالاتهم 0

و إلى أن نلقاك عزيزي المستمع في الحلقة القادمة نستكمل معك بعض أفراد بيت العباس بن عبد المطلب t و دورهم في خدمة الإسلام نستودعكم الله تعالى0

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الخامسة والثلاثون

  الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد  r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[57]

أعزائي المستمعين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  فهذه حلقاتٌ من برنامجنا (بيوتٌ في خدمة الإسلام) وها نحن في بيت عم الرسول r العباس بن عبد لمطلب t وفي هذه الدقائق نتحدث عن سيدة هذا البيت إنها  الصحابية الجليلة أم الفضل زوجة العباس بن عبد لمطلب، وأسمها لبابة بنت الحارث الفضل الهلالية ، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها ، وخالة خالد بن الوليد ، وأخت أسماء بنت عميس لأمها .

  وكانت رضي الله عنها من السابقات إلى الإسلام فهي ثاني إمرأة أسلمت بعد خديجة رضي الله عنها كانت أم الفضل قديمة الإسلام، وبعد إسلامها أرادت الهجرة إلى المدينة لكنها عجزت عن ذلك . فكان عبد الله ابنها يقول :" كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنْ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنْ النِّسَاءِ . " .([58])

 ومن هذا الموقف نستفيدُ بان المرأة  يجب أن تستجيبَ للدعوة  حتى وان خالفها زوجها في ذلك فلا تبعية للرجل في ذلك.. فأم الفضل رضي الله عنها فهمت أن الدعوة تعنيها كما تعنيه.. فسبقت زوجها العباس بن عبد المطلب، فلم تكن أم الفضل ولا ابنها على دينِ زوجها يوم كان العباس على دين قومه 0

وكانت أم الفضل رضي الله عنها عالمة محدثة روت عن النبي r ثلاثين حديثاً وكان النبي r يزورها ويقيل في بيتها 0

 وكان من علمها وفقهها ورجاحة عقلها حين اختلف الناس يوم عرفة في صيام النبيr ذلك اليوم أو فطره  فبعثت إلى النبي r يوم عرفة بقدح من لبن وهو واقف على بعيره فشربه . فعن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -  أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ الْفَضْلِ - رضي الله عنها - تَقُولُ ((شَكَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ r فِى صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَنَحْنُ بِهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَعْبٍ فِيهِ لَبَنٌ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ)).([59])

 وذكر ابن عباس رضي الله عنهما  فضل أمه أم الفضل  فقال : قال رسول الله r: ((الأخوات الأربع مؤمنات أحبهن لإيمانهن: أسماء بنت عميس، وسلمى، وأم الفضل، وميمونة .))([60])

فأما ميمونة فهي أم المؤمنين ، وهي شقيقة أم الفضل وأما سلمى وأسماء فأختاهما من أبيهما وهما بنتا عميس .([61]) رضي الله عنهن جميعا0

 ولقد اهتمت أم الفضل بالقران الكريم وحفظه وكانت تحرصُ على سماعه من فيّ النبي r و تقوم بتعليمه إلى أبنائها البررة  فعن التمام بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ : قَالَ : سَمِعَتْنِي أُمِّي أُمُّ الْفَضْلِ وَأَنَا أَقْرَأُ : وَالْمُرْسَلاتِ ، فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ ، هَذِهِ آخِرُ سُورَةٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ r ، يَؤُمُّ بِهَا النَّاسَ فِي صَلاةِ الْمَغْرِبِ)) ([62])  0

ولقد كانت أم الفضل رضي الله عنها من الصحابيات التي أنجبت ثلة من الأفذاذ الذي خدموا الإسلام وحملوا لواءه في ميادين كثيرة وقد أحسنت تربيتهم واعدادهم0 فقد ولدت للعباس ستة رجال لم يولد مثلهم، وهم: الفضل وتكنى به ،وعبد الله الفقيه حبر الأمة، وعبيد الله ،ومعيد ،وقثم، وعبد الرحمن، وأم حبيب وهي سابعة.([63])

 وقد توفيت رضي الله عنها في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنهم -، ولقد كان من أبنائها  الأفذاذ الفضل بن عباس t أحدُ أفراد البيت العباسي واكبر أبناء العباس وبه يكنى وكان الفضل أجملُ الناس وجها وأثبتهم زهدا وأصدقهم قولا.([64])

 وكان حسنا وسيما جميلا أردفهَ رسول الله r وراءه يوم النحر من حجة الوداع ففي صحيح البخاري رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما : (( أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله r في حجة الوداع والفضل بن عباس رديف رسول r فقالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي أن أحج عنه ؟ قال ( نعم ) 0))([65])

 وكان الفضلt ملازمٌ للرسول r أخر أيامه ولما ثقل المرض برسول الله r، فجعل يسأل أزواجه : ( أين أنا غداً ؟ أين أنا غداً ؟ ) ففهمن مراده، فأذن له يكون حيث شاء، فانتقل إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعلى بن أبي طالب، عاصباً رأسه، تخط قدماه حتى دخل بيتها، فقضي عندها آخر أسبوع من حياته .([66])

ولما قبضُ  r كان الفضل ممن باشر غسل النبي وتكفينه إذ لم يحضر غسله ولا تكفينه إلا أهل بيته غسله علي وكان الفضل بن عباس يصب عليه الماء والعباس يعينهم 0([67])

وعن الفضل بن عباسt ، قال: " كفن رسول الله r في ثوبين أبيضين " ([68])

ومن فضائلِ الفضل وخدمته للإسلام مشاركته في حروب الردة و فتوح  الشام ولما أصاب الطاعون بلاد الشام كان للفضل مواقفه المعلومة في هذه المحنة فكان يعظ الناس ويأمرهم بالصبر والاحتساب0 قال :أصحاب السير بلغنا أنه لما نزل الطاعون قال الفضل بن عباسt، وكان فتى قريش يومئذ عقلا وجمالا وشجاعة ومروءة: إن أحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تبديله.([69])

وقد استشهد بالطاعون t فكان من أعداد الصحابة الذي استشهدوا بهذا البلاء رضي الله عنهم جميعا0

  وهكذا قدّم بيت العباس بن عبد المطلبt كثيرا من الشهداء في سبيل الله ومنهم القثم بن عباس t الذي كان شديد الشبه برسول اللهr وكان آخرَ الناس عهدا برسول الله r لأنه كان آخر من خرجَ من قبره ممن نزل فيه 0([70])

  فقد شارك في الدفاع عن الإسلام ضد المرتدين ثم انطلق يجاهد في سبيل الله فارسا في فتوحات الإسلام أيام الخلفاء الراشدين و في أيام معاوية سار إلى سمرقند مع سعيد بن عثمان بن عفان فمات بها شهيدا 0

أعزائي المستمعين:

  وسوف نرجي الحديث عن عبد الله بن عباس احد أفراد بيت العباس بن عبد المطلب t

إلى الحلقات القادمة ، ولا يسعنا في هذه اللحظات إلا إن نستودعكم الله تعالى والى اللقاء في حلقة الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى 0

 

 

 

 

 

الحلقة السادسة والثلاثون

الحمد لله رب العالمين الذي أنزل على عبده الكتاب ليكون للعالمين نذيرا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله الذي أرسله الله تعالى رحمة للناس وآتاه الحكمة وجوامع الكلم وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أعزائي المستمعين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومرحبا بكم في برنامجكم المتجدد ( بيوتٌ في خدمة الإسلام )

 وفي هذه الحلقة نستكمل الحديثَ عن أحدِ أفراد بيت العباس بن عبد المطلب وهو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ,ترجمان القران,الحبر ، البحر,فقيه العصر ، أحد الفقهاء السبعة في عصره 0

  فأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية 0 وقد رزق ابن عباس ثلةً من الأبناء أكبرهم العباس وبه كان يكنى و علي أبو الخلفاء العباسيين  وهو أصغرهم والفضل ومحمد وعبيد الله ولبابه وأسماء .

  ولد عبد الله بن عباس في أيام حصار قريش لبني هاشم والمسلمينَ في أول أيام الدعوة قال الواقدي: " لا خلاف أنه ولد في الشِّعب (2) ، وبنو هاشمٍ محصورون ، فولد قبل خروجهم بيسير ، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين ، ولما توفي الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، كان له ثلاث عشرة سنة فقط. ... ([71])

ومع ذلك فقد حفظَ للمسلمين عن نبيهم ألفا وستمائة وستين حديثا أثبتها البخاري ومسلم في صحيحيهما .([72])

  أخرج البخاري في الصحيح عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : ضمّني رسول الله r إلى صدره وقال : "اللهم علّمه الكتاب" وفي رواية : "الحكمة" وفي رواية : أن النبي أتى الخلاء فوضعت له ضوءاً فلما خرج قال : من وضع هذا ؟ فأخبر فقال : "اللهم فقهه في الدين" ([73]) 0

قال الامام النووي : " قوله ( اللهم فقهه ) فيه فضيلة الفقه واستحبابُ الدعاء بظهر الغيب واستحبابُ الدعاء لمن عمل عملا خيرا مع الإنسان وفيه إجابة دعاء النبي  r له فكان من الفقه بالمحل الأعلى " ([74]) 0

   قال الإمام الذهبي " ومناقب ابن عباس( رضي الله عنهما ) غزيرة ، وسعة علمه إليه المنتهى ، ولم يكن على وجه الأرض في زمانه أحدُ أعلم منه "([75]) 0وقد ورث ابن عباس عن أبيه سقاية الحجيج 0([76])

   ومن كفاح ابن عباس وخدمته للإسلام حمله لمشعل العلم والجهاد، إذ لم يكن في معزل عما يجري في عصره من أحداث وفتوحات ، فكان مع المجاهدين رجال الفتح الإسلامي الذين غزوا أفريقية بقيادة عبد الله بن سرح ، سنة 27 هـ 0([77])

  ثم لما كان عهد عمر بن الخطاب t جعل عبد الله ابن عباس من أهل الشورى ومستشاريه رغم صغر سنه، قال ابن عباس: كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم ، قال : فذكر أنه سألهم وسأله فأجابه، فقال لهم : كيف تلومونني عليه بعد ما ترون.([78])

 وكان لابن عباس منزلة عالية عند عمر بن الخطاب، فكان يحبه ويقدمه على غيره، ويجلسه مع كبار المهاجرين والأنصار0 مما رأى فيه من علم وفطنة ورجاحة عقل0

  ولما بويع أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب t بالخلافة ، ولاه البصرة فساسها سياسة حسنة ، وأهل البصرة مغبوطون به ، يفقههم ، ويعلم جاهلهم ، ويعط فقيرهم .وكان يغشى الناسَ في رمضان وهو أميرهم فما ينقضي الشهر حتى يفقههم وشهدَ مع علي t مشاهده كلها في صفين ، والجمل ، والنهروان ، وكان لمناظرته للخوارج اثر بالغ في رجوع كثير منهم عما تلبسوا فيه من البدعة والفتنة  ([79]) 0

وكان ابن عباس t دقيق النظرِ، بعيده ، خبيراً في عواقب الأمور، إذا أشار في الأمر فيكون كما قال ، وقد وصفه بذلك تلميذه عبيد الله بن عتبة بن مسعود فقال :" ما رأيت أحدا اعلم بالسنة ، ولا اجلد رأيا ولا اثقب نظراً حين ينظر من ابن عباس t " ([80]) 0

  ومن أجل ما جمعه الله تعالى فيه من العلم والفهم والفقه في الدين استنابه خليفتان راشدان ليكون أمير الحج : المرة الأولى : لما حصر عثمانt ,والثانية : في خلافة علي  t ([81]) 0

   لقد كان ابن عباس t  أية في طلب العلم وهو قدوة في ذلك فقد هيأ الله سبحانه وتعالى ، لابن عباس أسباب النبوغ والبروز ، فرزقه الله منذُ الصغر الحرص على طلب العلم ، فلازم النبي  r بعدما هاجر إلى المدينة.

  ولقد كان لقرابته من النبي  r أثر بالغ في إقدامه على ملازمته ، فهو ابن عم رسول الله r ، وخالته ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين( رضي الله عنها ) زوج رسول الله  r ، فكان يبيت أحياناً في بيت رسول الله لينظر أحوال رسول الله  r في بيته مما لا يطلع عليه سائر الناس ، فيمنع نفسه النوم لينال علماً قد لا يستطيع أن يسأل عنه فيما بعد. ولئلا يذهب عليه شيء من العلم ، حرص على تدوين العلم ،فكان يأتي أبا رافع مولى رسول الله  r فيقول : " ما صنع النبي  r يوم كذا، و ابن عباس t يكتب ، ما يقول أبو رافع " (2) .

ولما كان العلم خزائن مفتاحها السؤال ،كان ابن عباسt كثير السؤال ، قيل له: أنى أصبت هذا العلم ؟ قال : بلسان سؤول ، وقلب عقول (3) .

  وعن ابن عباس t انه قال : " إن كنت لأسال عن الأمر الواحد الثلاثين من أصحاب النبي r"(4) .

 كما كان لأدبه الجم، ورجاحة عقله، وتواضعه الكبير في الوقوف على أعتاب أبواب العلماء ،مع شدة توقير الناس ،وحبهم له،من اجل قرابته من رسول الله  r ،إلا انه كان يأبى إلا أن يذهب إلى العلم ([82]) 0

  ومن أجل معرفته الواسعة بأقوال الصحابة فانه كان يفتي بها في عهد عمر وعثمان( رضي الله عنهما ) ([83]).

   ولقد ترك t مدرسة فقهية عظيمة تذهب مذهبه وتفتي بقوله، وهذا يدل دلالة واضحة على كثرة أصحابه وكثرة الملازمين له 0 قال الامام علي بن المديني : " لم يكن من أصحاب النبي  r احد له أصحاب يفتون بقوله في الفقه إلا ثلاثة : عبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عباس( رضي الله عنهم ) ، وكان لكل رجل منهم أصحاب يقومون بقوله ، ويفتون الناس " ([84]) 0

   ومن المعلوم أن ابن عباس t كان من أكثر الصحابة فتيا على الإطلاق ، وهو احد العبادلة الأربعة ، الذين عاشوا حتى احتاج الناس إلى علمهم0 ([85]) وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم جمبعا0

  وبهذا الجهد العظيم الذي أمضى فيه ابن عباس سحابة عمره حتى وافته المنية سنة 68هـ  بالطائف.

وقد توارد العلماء الذين أرّخوا حياة ابن عباس  t على إيراد واقعة عجيبة في دفنه : قال الحافظ ابن حجر العسقلاني : " مات بالطائف فصلى عليه ابن الحنفية فجاء طائر أبيض فدخل في أكفانه فما خرج منها فلما سوى عليه التراب 0 قال ابن الحنفية : مات والله اليوم حبر هذه الأمة 0([86])

  أعزائي المستمعين :  وبوفاة حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس نختم حلقتنا هذه على أمل  اللقاء بكم في سيرة بيت من بيوت الإسلام الخالدة فإلى ذلك الحين نستودعكم الله تعالى0

 

 

              

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة السابعة والثلاثون

 

  الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَة رسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج/75]

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[87]

أعزائي المستمعين:

   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  فهذه حلقة من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) نتحدث فيها عن بيت من بيوت الأنصار من الخزرج بل هو سيدهم و عظيمهم انه الصحابي الجليل سعد بن عبادة الخزرج الأنصاري الساعدي يكنى أبا ثابت وقيل : أبا قيس والأول أصح

  وكان سيدا جوادا وهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها وكان وجيها في الأنصار ذا رياسة وسيادة في قومه، وكان كريم جواد كان يكثر من إكرام النبي صلى الله عليه و سلم وتعاهده بذلك فكان كل يوم يحمل إليه جفنة مملوءة ثريدا ولحما تدور معه حيث دار صلى الله عليه وسلم يقال : لم يكن في الأوس ولا في الخزرج أربعة يطعمون يتوالون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم وله ولأهله( أي أبائه ) في الجود أخبار حسنة ([88])

وذكر أبو نعيم : إنه كان نقيب بني ساعدة في بيعة العقبة الكبرى، وكان النقباء اثني عشر رجلا : منهم سعد بن عبادة وأسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة والمنذر بن عمرو وعبد الله بن رواحة والبراء بن معرور وأبو الهيثم بن التيهان وأسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو بن حرام وعبادة بن الصامت ورافع بن مالك ، رضي الله عنهم جميعا 0([89])

 ولعلّ سعد بن عبادة ينفرد بين الأنصار جميعا بأنه حمل نصيبه من تعذيب قريش الذي كانت تنزله بالمسلمين في مكة..!! وذلك بعد أن تمت بيعة العقبة سرا، وأصبح الأنصار يتهيئون للسفر، علمت قريش بما كان من مبايعة الأنصار واتفاقهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة إلى المدينة  حينها جنّ جنون قريش فراحت تطارد الركب المسافر حتى أدركت من رجاله سعد بن عبادة فأخذه المشركون، وربطوا يديه إلى عنقه بشراك رحله وعادوا به إلى مكة، حيث احتشدوا حوله يضربونه وينزلون به ما شاءوا من العذاب..!! حتى أجاره منهم جبير بن مطعم حينها اخلوا سبيله 0([90])

 وبني ساعدة من اجل و خير بيوت الأنصار وسقيفتهم في المدينة بمنزلة دار الندوة التي كانت لقريش في مكة وكانت السقيفة مكاناً يجتمعون فيه حين يجد ما يدعو إلى تداول الرأي ([91])

ولهم في الاسلام سابقة ومكانة عالية  روى البخاري إن النبي صلى قد امتدح بيوت الأنصار فقال: "إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم عبد النجار، ثم عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث ثم بني ساعدة وفي كل دور الأنصار خير" فلحقنا سعد بن عبادة فقال أبا أسيد: ألم تر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خيَّر الأنصار فجعلنا أخيراً؟ فأدرك سعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله خير دور الأنصار فجعلنا آخراً فقال: "أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار" ([92]).

  فلله ما أعظمها من منقبة وما أعظم هذا الفضل لهؤلاء الأخيار الذين زكت نفوسهم وطابت أعمالهم حتى شملت الخيرية دورهم، وهذه المفاضلة بين هذه الدور حصلت حسب سبق أهلها للدخول في الإسلام.

قال النووي: عند قوله صلى الله عليه وسلم: "خير دور الأنصار بنو النجار" الحديث أي: خير قبائلهم وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة فتسمى تلك المحلة دار بني فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات بنو فلان من غير ذكر الدار.

قال العلماء: وتفضيلهم على قدر سبقهم إلى الإسلام ومآثرهم فيه، وفي هذا دليل لجواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة ولا هوى ولا يكون هذا غيبة" ([93]).

  ويلغ من منزلة سعد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم انه عليه السلام كان يتعهد زيارته في منزله إكراما له وتقديرا لجهده في خدمة الاسلام فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة فقال السلام عليكم ورحمة الله فقال سعد وعليكم السلام ورحمة الله ولم يسمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى سلم ثلاثا ورد عليه سعد ثلاثا ولم يسمعه فرجع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فاتبعه سعد فقال يا رسول الله بأبي أنت ما سلمت تسليمةً إلا هي بأذني ولقد رددت عليك ولم أسمعك أحببت أن أستكثر من سلامك ومن البركة ثم دخلوا البيت فقرب له زبيبا فأكل نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما فرغ قال أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون .([94])

 وكان رسول الله صلى الله عليه ويعوده في مرضه و يتفقد حاله ويقوم إليه هو وكبار الصحابة بل بلغ من محبته لسعد انه بكي صلى الله عليه وسلم عليه حين اغشي عليه من شدة المرض فعن عبدِ الله بنِ عمرَ ( قال : اشتكى سعدُ بنُ عبادةَ شكوى له ، فأتى رسولُ الله  يعودُه ، مع عبدِ الرحمن ابنِ عوف ، وسعدِ بنِ أبي وقاص ، وعبدِ الله بن مسعود . فلما دَخَلَ عليه وَجَدَه في غشيةٍ ، فقال : " أقد قُضي " . قالوا : لا يا رسولَ الله . فبكى رسولُ الله ( ، فلما رأى القومُ بكاءَ رسولِ الله ( بَكَوْا . فقال : " ألا تسمعونَ ، إن الله لا يعذِّبُ بدمعِ العينِ ، ولا بحُزْنِ القلبِ ، ولكن يعذِّبُ بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم))

ولما كانت الهجرة واخذ الصحابة يتوافدون على المدينة ،هناك سخّر سعد أمواله لخدمة المهاجرين.. فلقد كان سعد بن عبادة  جوادا بالفطرة وبالوراثة، ولقد صار جود سعد في الاسلام آية من آيات إيمانه القوي الوثيق.. " كان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره، بالواحد من المهاجرين، أو بالاثنين، أو بالثلاثة. وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين".([95])

   وسعد بن عبادة  حضر جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم و كان صاحب راية الأنصار في جميع المواطن ([96])

  وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير سعد بن عبادة ويشاركه الأمر في مواقع كثيرة ظهر فيها نصحه للإسلام و شجاعته وتأييده رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي غزوة بدر الكبرى روى أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِى سُفْيَانَ قَالَ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ والذي نفسي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا - قَالَ - فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- النَّاسَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا ([97])  وقد سر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله هذا0

 ومن مواقف سعد ابن عبادة الدالة على شجاعته وكبريائه وعزته بالإسلام ما كان غزوة الخندق حين فاوض رسول الله صلى الله عليه و سلم عيينة بن حصن على ثلث ثمار المدينة لينصرف بمن معه من غطفان واستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة دون سائر الناس فقالا : يا رسول الله : إن كنت أمرت بشيء فافعله وإن كان غير ذلك فوالله ما نعطيهم إلا السيف فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم " لم أومر بشيء وإنما هو رأي أعرضه عليكما " فقالا : يا رسولَ اللهِ، إن كان اللهُ أمَرَكَ بهذا، فسمعاً وطاعةً، وإن كان شيئاً تصنعُه لنا، فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كُنَّا نحن وهؤلاء القومُ على الشِّركِ باللهِ وعِبادةِ الأوثان، وهم لا يطمعُون أن يأكلُوا منها ثمرة إلا قِرىً أو بيعاً، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلام، وهدانا له، وأعَزَّنا بك، نُعطيهم أموالَنَا ؟ ، واللهِ لا نُعطيهم إلا السيفَ، فصوَّبَ رأيَهما، وقال : " إنَّمَا هُوَ شَىءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ لَمَّا رَأَيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكُم عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ" ([98])

  وبلغ من مكانته رضي الله عنه انه سخر ماله ونفسه في خدمة الاسلام ورسول الاسلام و كان شجاعا في الحق مدافعا عنه يتنازل عن رغباته وحضوض النفس من اجل انتصار الدين و سيادته ووحدة الصف الإسلامي ففي موقفه يوم السقيفة عندما أرادت الأنصار بايعته بالخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واختارته لزعامتها تنازل عن ذلك أمام بيعت المسلمين العامة لأبي بكر رضي الله عنه

 ذكر الامام الطحاوي رحمه الله هذا الموقف العظيم من سعد فقال : وأما سعد بن عبادة الأنصاري فقد كان تهيأ لأجل أن يكون أميراً على الأنصار، ولكن لما تمت البيعة لـ أبي بكر رضي الله عنه قام بعد ذلك وبايع، وبقي كسائر المقتدين بـ أبي بكر ، فبقي كآحاد الرعية.([99])

  وزكى شيخ الإسلام  ابن تيمية هذا الموقف فقال: أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجميعن"([100]).

 وبعد هذه البيعة انطلق سعد بن عبادة بسيفه وفرسه للجهاد في سبيل الله والمشاركة في فتوحات الاسلام حتى وافته المنية ببلاد الشام في خلافة عمر بن الخطاب فرضي الله عن جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورزقنا الاقتداء بهم 0

أعزائي المستمعين :

 وقبل أن نودعكم نذكركم بان للحديث بقية عن أسرة سعد بن عبادة ودورها في خدمة الاسلام فالي الحلقة القادمة يكون موعدنا نستودعكم الله تعالى0

 

 

 

 

 

 

 

 

بيوت في خدمة الإسلام

الحلقة الثامنة والثلاثون

  الحمد الله الذي اصطفى من خلقه عباده المرسلين والقائل في محكم التنزيل: { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }[الحشر : 9]

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد  r القائل: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ))[101]

أعزائي المستمعين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهذه حلقة جديدة من برنامجنا (بيوت في خدمة الإسلام) وها نحن في بيت من بيوت الأنصار الذين قال فيهم رسول اللهr « اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ ». يَعْنِى الأَنْصَارَ. ([102]) انه بيت الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الساعديt  وفي هذا اللقاء نتحدث عن ابنه الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الساعدي

  اسلم قيس صغيرا على يد أبيه سعد بن عبادة الذي اعتنى بتربية ابنه أيما اعتناء وظهر ذلك جليا على حياة ابنه قيس والذي أصبح من عظماء الإسلام حنكة ودهاء و حسن رائي بل أصبح قائدا من قواد الإسلام الكبار، ومن حسن تربية أبيه له انه حين قدم النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة دفعه أبوه إليه ليكون خادما له ويتربى في كنف مدرسة النبوة وكان لسعد ما أراد فقد أخذ بيد ابنه قيس وقدّمه إلى الرسول قائلا:

" هذا خادمك يا رسول الله"..فخدم قيس رضي الله عنه رسول الله عشر سنين0  بل كان قيس  يفتخر بذلك فيقول: " دفعني أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخدمه "([103])

   بل ترقى قيس في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سار حاجبه وأميره كما كان يصف أنس بن مالك قال : كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي صلى الله عليه وسلم مكان صاحب الشرطة من الأمير، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة 0 ثم صحب قيس بن سعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشهد معه الجمل وصفين والنهروان هو وقومه ولم يفارقه حتى قتل هلي رضي الله عنه وكان قد ولاه على مصر))([104])

   ولقد لازم قيس رسول الله ملازمة شديدة فلم يتخلف عنه في مشهد من المشاهد بل كان يقيم سحابة يومه في خدمة بيت النبوية التي وقفه أبوه عليها  ولقد أدرك رسول الله ورأى في قيس كل سمات التفوّق وعلامة النبوغ والصلاح فأدناه منه وقرّبه إليه وظل قيس صاحب هذه المكانة دائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكرمه بخالص دعائه عليه السلام فعن قيس بن سعد بن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وهو يقول اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة )) ([105])

 ولقد قال أبو نعيم الحافظ  في وصفه لقيس بن سعد بن عبادة، أنه خادم النبي صلى الله عليه وسلم وحاجبه وصاحب لوائه كان من دهاة العرب المعروفين بالدهاء ، وكان شجاعا بطلا كريما سخيا وحمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه0 ([106])

 ومن السمات الجليلة التي ورثها قيس عن أبيه سعد بن عبادة الكرم و حب البذل والعطاء وهذه سمة امتاز بها أهل هذا البيت من الأنصار فقد كان قيس أية في كرمه و جوده ذكر أهل السير بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة في سرية فيها المهاجرون والأنصار ، وهم ثلاثمائة ، إلى ساحل البحر إلى حي من جهينة ، فأصابهم جوع شديد . فأمر أبو عبيدة بالزاد ، فجمع ; حتى كانوا يقتسمون التمرة . فقال قيس بن سعد : من يشتري مني تمرا بجزر ، يوفيني الجزر هاهنا وأوفيه التمر بالمدينة  00 وأخذ قيس الإبل فنحرها في مواطن ثلاثاً، في كل يومٍ بعير، فلما كان الرابع نهاه أميره أبو عبيدة، فقال: أتريد أن تخرب ذمتك ولا مال لك؟ قال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت -يعني والده- وهو يقضي ديون الناس، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة لا يقضي عني سفة من تمر لقومٍ مجاهدين في سبيل الله، فبلغ سعداً ما أصاب القوم من المجاعة، فقال: إن يكن قيس كما أعرف فسوف ينحر لهم -هذا ظنه بابنه؛ لأنه رباه على ذلك- فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابتهم؟ فقال: نحرتُ لهم، فقال: أصبت،فنحر لهم قيس تسع ركائب قال عمرو في حديثه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت0 ([107])

 ولا غرابة في هذا الفعل من قيس فقد كان يقال: إنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متتالون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم ولا كان مثل ذلك في سائر العرب أيضاً 0([108])

  ولقد كان قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما من الأجواد المعروفين، حتى أنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة . فسأل عنهم ، فقالوا : إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين . فقال : أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة . ثم أمر مناديا ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل . فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده .([109])

  وقصته مع العجوز التي شكت إليه أنه ليس في بيتها جرذ. فقال: ما أحسن ما سألت أما والله لأكثرن جرذان بيتك فملأ بيتها طعاماً وودكاً وإداماً مشهورة صحيحة.([110])

   وهكذا كان قيس بن سعد بن عبادة من كرام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسخيائهم ودهاتهم. قال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجلة وأحد دهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحروب مع النجدة والبسالة والسخاء والكرم 0([111])

 وبلغ من ذكائه وعبقريته ري الله عنه انه كان يعد من دهاة العرب قال عنه ابن الاثير رحمه الله : كان قيس بن سعد بن عبادة من فضلاء الصحابة وأحد دهاة العرب وكرمائهم وكان من ذوي الرأي الصائب والمكيدة في الحرب مع النجدة والشجاعة وكان شريف قومه غير مدافع ومن بيت سادتهم0([112])

 

    وكان قيس يدرك عبقريته ودهائه فيقول : لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " المكر والخديعة في النار " لكنت من أمكر هذه الأمة ))([113])

ثم إنه  رضي الله عنه ظل وفيا  لدينه  فصحب عليا لما بويع له بالخلافة وشهد معه حروبه واستعمله علي على مصر حتى عزله عنها  فلم يتغير على أميره  حين عزله عن مصر.. ثم كان مع الحسن بن علي حتى قبل الصلح ودخل الناس في عام الجماعة([114])

 (( فما الولاية، وما الأمارة، وما المناصب كلها عند قيس إلا أدوات يخدم بها عقيدته ودينه.. ولئن كانت إمارته على مصر وسيلة لخدمة الحق، فان موقفه بجوار عليّ فوق أرض المعركة وسيلة أخرى لا تقل أهميّة ولا روعة..

وفي المدينة المنوّرة، عام تسع وخمسين، مات الداهية الذي روّض الإسلام دهاءه..أجل.. ومات تاركا وراءه عبير رجل أمين على كل ما للإسلام عنده من ذمّة، وعهد وميثاق...))([115])

 أعزائي المستمعين:

 إلى هنا نختم حديثنا عن هذا البيت الأنصاري الذي ضم كوكبة من الصحابة كان لهم في خدمة الإسلام ورسولهr الجهد الكبير فإلى أن نلقاكم في بيت آخر من بيوت الإسلام العاملة في نصرة هذا الدين نستودعكم الله تعالى 0

 

 

 

 

 


[1] - البخاري ، صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305

[2] - انظر، ابن حجر العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في حياة الصحابة، دار صادر، بيروت، مصور عن الطبعة الأولى 1328هـ مطبعة السعادة، القاهرة 1/215، و الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، دار الفكر، بيروت، دت / 335 وابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، حيدر آباد الدكن سنة 1327هـ.، 3 /321

[3] - الإمام أحمد بن حنبل، المسند، ط المكتب الإسلامي، بيروت –د ت رقم الحديث، 3598، 3599، 4180 و أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتاب العربي، بيروت 1405هـ ط الرابعة 1/125، و ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321.

[4] - ابن حجر العسقلاني، الإصابة، 6/217 و الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/342.

[5] - ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، دار المنار. ط الثانية 1413هـ مصر 1/314، 315 و ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق، محمد عاشور و محمد البنا، دار الشعب 1970م 30/385، 386

[6] - ابن هشام، السيرة 1/321، و ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية، تحقيق. محمد ابن عبد القادر عطا، ط الثانية 1418هـ. بيروت 1/204

[7] - ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 3 /321

[8] - الإمام أحمد، المسند، رقم الحديث845

[9] - الإمام أحمد، المسند رقم الحديث 3684

[10]- البخاري، باب الموادعة والمصالحة، رقم الحديث 3676

[11] - الإمام أحمد بن حنبل، المسند رقم 3824، 3856، 4245 ابن هشام السيرة 1/635، 636

[12]- الإمام أحمد بن حنبل، المسند رقم الحديث 4368

[13]- البخاري، باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة، رقم الحديث3672 

[14]- ابن حجر فتح الباري، 7 /101

[15]- الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1 /468

[16]- ابن الأثير، أسد الغابة 3/ 390 و ابن سعد طبقات، 3/160

([17]) البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز، المكتبة السلفية، باب لا يشهد على شهادة زور،رقم الحديث، 26..

([18]) الراجحى: عبده، عبد الله بن مسعود، دار الشعب، القاهرة 197.م، ص1.7

([19]) أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء، دار الكتاب العربي، بيروت،  4/17.

([20]) ابن سعد: محمد بن سور بن منبع البصري، الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية. تحقيق. محمد بن عبد القادر عطا، ط الثانية 1418هـ. بيروت، 1/118

[21] - ابن سعد، الطبقات 6/8 و الكاندهلوي، حياة الصحابة 2/167، 168

[22] - الطبري، تاريخ الطبري 3/601

[23] - مسلم كتاب الأمارة، 12/186

[24] - ابن سعد، الطبقات، 6/52

[25] - نصر بن مزاحم، موقعة صفين، ص129

[26] - البخاري، باب المتنمصات، رقم الحديث 5802

[27] - أسد الغابة - (1 / 808)

[28] - المرجع السابق

[29] - المستدرك - (3 / 432)

 

[30] - أسد الغابة - (1 / 1369)

[31] - الإستيعاب في معرفة الأصحاب - (2 / 102)

[32] - أسد الغابة - (1 / 809)

[33] -- المرجع السابق

[34] - تفسير الطبري (14/ 122) ورواه البيهقي في سنن الكبرى (8/ 209).

[35] - ابن اسعد ، الطبقات 2/242

[36] - المرجع السابق

[37] - رواه البيهقي في سنن الكبرى (8/ 154).

[38] - مسند أحمد بن حنبل- (1 / 99)

[39] - الحاكم ، المستدرك ( 2/ 428)

[40] - أسد الغابة - (1 /810)

[41] - أسد الغابة - (1 /810)

[42] - البخاري ، صحصح البخاري ، رقم الحديث ،447

[43] - موسوعة الأعلام - (1 / 344)

[44] - مسند أحمد - (3 / 161)

[45] - المعجم الكبير - (11 / 80)

[46] - سنن الترمذي - (5 / 652)

[47] - مصنف ابن أبي شيبة - (8 / 48)

[48] - أسد الغابة - (1 / 575)

[49] - فضائل الصحابة - (2 / 930)

[50] - مسلم ، صحيح مسلم ، رقم الحديث ،4712

[51] - مسلم ، صحيح مسلم ، رقم الحديث3009

[52] - البخاري ، صحيح البخاري ، رقم الحديث 1634

[53] - الكاندهلوي ،حياة الصحابة - (3 / 300)

[54] - البلاذري ، انساب الإشراف ،(1/449)

[55] - البخاري ، صحيح البخاري ، رقم الحديث 1010

[56] - أسد الغابة –(1/577)

[57] - البخاري ، صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305

[58] - - البخاري ، صحيح البخاري - الحديث رقم  1357

 

[59] -- مسلم ، صحيح مسلم ، رقم الحديث 2688

[60] - أنساب الأشراف - (1 / 263)

[61] - السيوطي ، "صحيح الجامع" برقم (2763) .

[62] - الآحاد والمثاني - (5 / 362) رقم 3197

[63] - الوافي بالوفيات - (7 / 295)

[64] - أنساب الأشراف - (1 / 265)

[65] - البخاري ، صحيح البخاري - الحديث رقم  4138

[66] - الرحيق المختوم - (1 / 459)

[67] - الدرر لابن عبد البر - (1 / 271)

[68] - احمد، المسند ، (1/252) رقم الحديث 2284

[69] - أنساب الأشراف - (1 / 457)

[70] - أسد الغابة (1/907)

[71] - انظر : ابن حجر، فتح الباري 8/292 ، تفسير القرطبي 5/271 ، سير أعلام النبلاء 3/333 ، الدر المنثور 2/ 206 0

[72] - عبد الله الجنابي، اجتهاد الإمام الصحابي عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما )في فقه الأسرة - (2 / 17)

[73] - البخاري ، صحيح البخاري - الحديث رقم  75 وانظر ، سنن النسائي الكبرى 5/52 رقم (8179 ) ، صحيح ابن حبان 15/ 530 ، المسند 1/359 ، فضائل الصحابة ، الإمام احمد ص : 23 0

[74] - النووي ، شرح مسلم 16/37 0

[75] -  الذهبي ، سير أعلام النبلاء( 1/46)

[76] - ابن حجر ، الإصابة 4/122 0

[77] - انظر : البداية و النهاية 8/299 ، الإصابة 4/141و142 .

[78] - ابن سعد ن الطبقات (2/365)

[79] - ينظر : الفتنة ووقعة الجمل ، سيف بن عمر ص 99و 111و119و139و143 دار النفائس . بيروت ط1/1391هـ . ت : احمد راتب تاريخ الطبري 3/6و114، تاريخ بغداد 1/173 ، البداية والنهاية 8/299.

[80] - شذرات الذهب 1/75.

[81] - انظر:تاريخ الطبري 2/684, 3/6, السير 3/349, 351, البداية والنهاية 8/303 ، المستدرك 3/ 534 0

 

[82] - ابن أبي خيثمة ، العلم ، 31 0

[83] - البداية والنهاية 8/298و 299 0

[84] - نقله عنه ابن الصلاح ، في علوم الحديث ص 267.

[85] - انظر : طبقات الحنابلة ، ابن أبي يعلى 1/148،علوم الحديث ص 266، التقريب مع التدريب 2/218و219، اختصار علوم الحديث ، ابن كثير ص 188،فتح المغيث ، السخاوي 3/98، الباعث الحثيث ، احمد شاكر ص 189، شرح الفية السيوطي ، احمد شاكر ص 222-224.

[86] -، أسد الغابة 3/195 ، السير 3/ 357 ، كنز العمال 13/458 0

 

[87] - البخاري ، صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305

[88] - أسد الغابة - (1 / 433)

[89] - ابن سعد الطبقات الكبرى ، (3/602)

[90] - رجال حول الرسول ، خالد محمد خالد- (1 / 135)

[91] - انظر ، ياقوت الحموي ،  معجم البلدان

[92] - صحيح البخاري 2/311. وانظر ، صحيح مسلم 4/1950.

[93] - شرح النووي 16/69.

[94] - الأنوار في شمائل النبي المختار - (1 / 352)

[95] - رجال حول الرسول ، خالد محمد خالد- (1 / 135)

[96] - أخلاق النبي وآدابه ، الأصبهاني ، عبدالله بن محمد بن حيان ، تحقيق صالح بن محمد الونيان ، الناشر دار المسلم للنشر والتوزيع ،سنة النشر 1998

[97] - صحيح مسلم - (5 / 170)

[98] - أسد الغابة - (1 / 434) و انظر إرشاد السؤول إلى حروب الرسول - (1 / 402)

[99] - شرح العقيدة الطحاوية - (84 / 9)

 

[100] - ابن تيمية ، منهاج السنة 1/143.

[101] - البخاري ، صحيح البخاري - (ج 3 / ص 1288) الحديث رقم 3305

[102] - صحيح مسلم - (7 / 174) ، الحديث رقم 6573

[103] - معرفة الصحابة لأبي نعيم - (4 / 2309)

[104] - المعجم الكبير - (18 / 346)

[105] - أبو داوود ، السنن رقم الحديث 5158

[106] - انظر تاريخ مدينة دمشق - (49 / 403)

[107] - الواقدي ، المغازي ، (1/625) 

[108] - الإستيعاب في معرفة الأصحاب - (1 / 178)

[109] - مجلة البحوث الإسلامية - (14 / 48)

[110] - الإستيعاب في معرفة الأصحاب - (1 / 400)

[111] - الإستيعاب في معرفة الأصحاب - (1 / 399)

[112] - أسد الغابة - (1 / 918)

[113] - أسد الغابة - (1 / 919س)

[114] - انظر تاريخ مدينة دمشق - (49 / 403)

[115] - رجال حول الرسول - (1 / 85) و ابن حجر، إصابة (3/249)